الوسم: التثليث والتوحيد
الله المثلث الأقانيم في المسيحية – الله الواحد الثالوث
الله المثلث الأقانيم في المسيحية – الله الواحد الثالوث
الله المثلث الأقانيم في المسيحية – الله الواحد الثالوث
ما من دفاع فلسفي عن المسيحية يكتمل بمعزل عن شرح الأسباب وراء إيمان المسيحيين بالله إلههم. هذا ما سأعرضه الآن، ابتداء من عرض وصف لله الذي نتحدث عنه.
يعلن “التعليم المسيحي الأقصر وستمنستر”، وفي معرض إجابته عن السؤال الخامس: “هل هناك أكثر من الله الواحد؟” ما يلي: “يوجد فقط الله الواحد، الحي والحقيقي”. هذا “التعليم المسيحي” يستمد وصفه لله من إرميا 10: 10: “أما الرب الإله فحق. هو إله حي وملك أبدي”. هذا التصريح بوجود الله الواحد، يدعمه الكتاب المقدس، بل يفترضه في كل مكان من كلا عهديه القديم والجديد.
- تثنية 6: 4: “اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا رب واحد”.
- إشعياء 45: 5 و6: “أنا الرب وليس آخر. لا إله سواي… أنا الرب وليس آخر”.
- زكريا 14: 9ب: “في ذلك اليوم يكون الرب وحده واسمه وحده”.
- مرقص 12: 29: “اسمع يا إسرائيل، الرب الهنا رب واحد”.
- رومية 3: 30: “لأن الله واحد، هو الذي سيبرر الختان بالإيمان والغرلة بالإيمان”.
- 1كورنثوس 8: 4: “نعلم أن ليس وثن في العالم، وأن ليس إله آخر إلى واحد!”
- 1تيموثاوس 2: 5: “لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس: الإنسان يسوع المسيح”.
- يعقوب 2: 15: “أنت تؤمن أن الله واحد. حسناً تفعل. والشياطين يؤمنون ويقشعرون!”
كمالاته
الله الواحد، الحي والحقيقي هو “روح، ولا محدود، وأزلي، ولا تغير في كيانه، وحكمته، وقدرته، وقداسته، وعدله، وصلاحه، وحقه”. (“التعليم المسيحي الأقصر وستمنستر”، السؤال الرابع)[1]. عندما يتحدث “التعليم المسيحي الأقصر” كما يفعل هنا عن الله. فهو يذكر كمالاته التي تشمل ما تلخصه الأسفار المقدسة باللفظة “مجد”. بكلام آخر، مجد الله هو المجموع العام لكل كمالاته أو خصائصه، بمعنى أن مجد الله هو مجرد الثقل الذي لا مفر منه لـ “صلاح” الله المتأصل في ذاته.
أما كل محاولة يبذلها المخلوق – سواء أكان ملاكاً أو إنساناً – لانتحال لنفسه أي من خصائص الله، وذلك سعياً منه ليكون “مثل الله” كما فعل آدم (راجع تكوين 3: 5، 22) فهو بمثابة تهجم على مجد الله عينه من خلال محاولته جعل نفسه مساوياً لله. أو أي سعي للمخلوق للتنكر لواحدة من خصائصه، يعد أيضاً بمثابة التهجم على مجد الله لأنه بذلك يجرده من أمر من دونه لا يعود هو الله.
أو أن ينسب المخلوق إلى الله أية خاصة لم يعلن هو صراحة أنه يمتلكها، فإن هذا ينطوي أيضاً على تهجم على مجده لأنه بفعله هذا سيكون على الأرجح على خطأ، بما أنه يشير ضمناً من خلال تصرفه هذا إلى أن المخلوق يعرف الله تماماً كمعرفة الله بنفسه، كما أنه يعرفه بمعزل عن الإعلان، الأمر الذي يعد تصرفاً وثنياً، سخيفاً، ومستحيلاً.
لذا، من الضروري في المطلق – بل إنه لأمر حيوي وإلزامي لصحتنا الروحية – أن نستمر كمخلوقات نصغي دوماً وبعناية إلى الوصف الذي يعرضه الله عن نفسه في الأسفار المقدسة وحدها، وأن نخضع قلوبنا لهذا الوصف من دون أي تشك، محاولين العيش بموجبه، وأن نعبده بشكل يليق بكمالاته المعلنة، أي بوقار وخوف (عبرانيين 12: 28).
وبما أننا نتحدث عن العبادة، إن ظاهرة إقحام ضمن الكنيسة المعاصرة أنماط العبادة السطحية المنتشرة بكثرة اليوم، مع ما يرافق ذلك من تصفيق “لأداء النجوم” داخل الكنيسة ولموسيقاهم المعاصرة الصاخبة، ليست مجرد مسألة “تفضيل ثقافي، ولا ينبغي أبداً النظر إليها هكذا”. الأمر يتعلق بالحري بتسرب الثقافة الشعبية إلى داخل الكنيسة. إنه أحد الأعراض لآفة يصفها “أ. و. توزر” في كتابه “معرفة القدوس” على أنها:
بمثابة فقدان لمفهوم جلال [الله] من الذهن الديني الشعبي، لقد تخلت الكنيسة عن مفهومها السامي لله مستعيضة عنه بمفهوم منحط وحقير إلى أقصى الحدود، فلا يعود يليق بأناس يفكرون ويعبدون…
النظرة المنحطة إلى الله، والتي يراعيها المسيحيون [اليوم] على صعيد كوني تقريباً، تعد السبب وراء المئات من الشرور الدنيا المنتشرة في كل مكان بيننا. وهكذا نشأت فلسفة جديدة بالتمام للحياة المسيحية نتيجة هذا الخطأ الأساسي الواحد في تفكيرنا الديني.
مع فقداننا للإحساس بالجلال، فقدنا أيضاً شعورنا بالمهابة الإلهية ووعينا للحضور الإلهي. فقدنا بذلك أيضاً روح العبادة وقدرتنا على …. التقاء الله في عبادة صامتة. لا تنتج المسيحية الحديثة ببساطة ذلك الصنف من المسيحي الذي بوسعه تقدير أو اختبار,.. الحياة في الروح. الكلمات، “كفوا واعلموا أني أنا الله”، تخلو تقريباً من أي معنى في نظر العابد الواثق بنفسه، والمملوء نشاطاً في هذا…. العصر[2].
يا لها من حالة مروعة بشكل خطير، ذلك لأن عبادة الأوثان لا تنحصر فقط بمجرد الانحناء أمام صور من صنع الإنسان. فعبادة الأوثان في جوهرها، كما يذكرنا “توزر” تنطوي على مراعاة [أية] أفكار عن الله [بصفتها صحيحة]، إلا أنها لا تليق به[3].
وخلال قيامنا بمجهوداتنا الدفاعية، نحتاج باستمرار أن نبقي على هذا في تفكيرنا. يجب ألا نظن أننا نقدم خدمة لله عندما نحاول أن نبرهن للشخص غير المؤمن أن الله، من أي صنف كان، موجود. غير المؤمن، على كل حال، لا يحتاج إلى من يبرهن له هذا؛ فهو يعرف ذلك من قبل. ما هو أهم بكثير، وما يحتاج إليه غير المؤمن، هو أن ننقل إليه من هو الله بالحقيقة.
الله المثلث الأقانيم
ليس الله، إله المسيحيين، الله الواحد، الحي، والحقيقي، اللا محدود، والأزلي، وصاحب الكمالات التي لا تتغير وحسب، بل هو أيضاً مثلث الأقانيم. لماذا تؤمن الكنيسة بأن الله مثلث الأقانيم؟ لعل أبسط إجابة عن هذا هو كون الكتاب المقدس يعلم هذا كجزء من المسوغ الكتابي للإيمان بالثالوث، عندما مثلاً، النصوص الكتابية العشرون التالية حيث يطالعنا ذكر الأقانيم الثلاثة للاهوت بصراحة معاً بشكل أو بآخر.
- إشعياء 48: 16: “… منذ وجوده أنا [متكلم إلهي] هناك. والآن السيد الرب أرسلني وروحه”.
- إشعياء 61: 1: “روح السيد الرب علي [متكلم إلهي]، لأن الرب مسحني”. (راجع لوقا 4: 16-21).
- إشعياء 63: 9، 10: “في كل ضيقهم تضايق، وملاك حضرته خلصهم. بمحبته ورأفته هو فكهم ورفعهم وحملهم كل الأيام القديمة. ولكنهم تمردوا وأحزنوا روح قدسه”.
- زكريا 2: 1-10: “هأنذا آتي وأسكن في وسطك، يقول الرب، أمم كثيرة… ويكونون لي شعباً فأسكن في وسطك، فتعلمين أن رب الجنود قد أرسلني إليك”.
- متى 28: 19: “وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس”.
- مرقص 1: 10، 11 (مع النصوص الموازية في الأناجيل السينويتية): “وللوقت وهو صاعد [يسوع] من الماء رأى السماوات قد انشقت، والروح مثل حمامة نازلاً عليه. وكان صوت من السماوات: أنت ابني الحبيب الذي به سررت”.
- يوحنا 14: 16-26: “وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق… إن أحبني أحد… يحبه أبي، وإليه نأتي، وعنده نصنع منزلاً. وأما المعزي، الروح القدس، الذي سيرسله الآب باسمي، فهو يعلمكم كل شيء…”
- يوحنا 15: 26: “ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحقن الذي من عند الآب ينبثق [إكبوروياتاي]، فهو يشهد لي”.
- يوحنا 16: 7-15: “لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم. وأما متى جاء ذاك، روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق… كل ما للآب هو لي. لهذا قلت إنه يأخذ مما لي ويخبركم”.
- رومية 8: 9-11: “وأما أنتم فلستم في الجسد بل في الروح، إن كان روح الله ساكناً فيكم. ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح، فذلك ليس له… وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكناً فيكم، فالذي أقام المسيح من الأموات سيحي أجسادكم المائتة أيضاً بروحه الساكن فيكم”.
- 1كورنثوس 12: 4-6: “فأنواع مواهب موجودة، ولكن الروح واحد. وأنواع خدم موجودة، ولكن الرب واحد. وأنواع أعمال موجودة، ولكن الله واحد، الذي يعمل الكل في الكل”.
- 2كورنثوس 13: 14: “نعمة ربنا يسوع المسيح، ومحبة الله، وشركة الروح القدس مع جميعكم”.
- غلاطية 4: 4-6: “ولكن لما جاء ملء الزمان، أرسل الله ابنه… ليفتدي الذين تحت الناموس، لننال التبني. ثم بما أنكم أبناء، أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخاً: يا أبا الآب”.
- أفسس 1: 3، 14: “مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح، الذي باركنا… إذ سمعتم كلمة الحق، إنجيل خلاصكم، الذي فيه أيضاً إذ آمنتم ختمتم بروح الموعد القدوس”.
- أفسس 2: 18: “لأن به [بالمسيح] لنا كلينا قدوماً في روح واحد إلى الآب”.
- أفسس 4: 4-6: “روح واحد… ربُ واحد… إله وآب واحد للكل”.
- 2تسالونيكي 2: 13، 14: “…. الله اختاركم من البدء للخلاص، بتقديس الروح وتصديق الحق. الأمر الذي دعاكم إليه بإنجيلنا، لاقتناء مجد ربنا يسوع المسيح”.
- تيطس 3: 4-6: “ولكن حين ظهر لطف مخلصنا الله واحسانه لا بأعمال في بر عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس، الذي سكبه بغنى علينا بيسوع المسيح مخلصنا”.
- 1بطرس 1: 2: “المختارين بمقتضى علم الله الآب السابق، في تقديس الروح للطاعة، ورش دم يسوع المسيح”.
- يهوذا 20، 21: “وأما أنتم أيها الأحباء فابنوا أنفسكم على إيمانكم الأقدس، مصلين في الروح القدس، واحفظوا أنفسكم في محبة الله، منتظرين رحمة ربنا يسوع المسيح للحياة الأبدية”[4].
إلا أن دليلنا على الثالوث، لا ينحصر بهذه التوكيدات الكتابية حيث يذكر الأقانيم الثلاثة ضمن قرينة واحدة، وبما أنه بإمكاننا التسليم بألوهية الآب وبوجوده الشخص، بإمكاننا أيضاً اكتشاف الدليل على الثالوث في مجموع المعلومات الكتابية التي تعلم عن ألوهية يسوع المسيح وعن الشخصية المميزة لله الروح القدس. بكلام آخر أي دليل كتابي من أي صنف كان، وأينما ورد في الأسفار المقدسة، والذي بإمكاننا الاستناد إليه لدعم ألوهية المسيح والروح القدس بصفته شخصاً مميزاً، يشكل أيضاً دليلاً آخر على الثالوث.
والدليل الكتابي الداعم لهاتين العقيدتين ظاهر بوضوح ووافر بكثرة. فالدليل على ألوهية المسيح، يشمل الإشارات إلى هذا الأمر في العهد القديم، والنبوات التي تتحدث عن مسيا إلهي، مع شهادة يسوع نفسه بالكلام والفعل، وقيامته من بين الأموات. عندنا أيضاَ الشهادة الموحدة لكتاب العهد الجديد لألوهيته، وبالتحديد باعتمادهم اللفظة ثيوس (“الله”) كلقب مسياني في أعمال 20: 28، رومية 9: 5، تيطس 2: 13، عبرانيين 1: 8، 2بطرس 1: 1، يوحنا 1: 1؛ 1: 18، 20: 28، 1يوحنا 5: 20.
والدليل على الروح القدس كصاحب شخصية مميزة، يشمل الضمائر الشخصية التي تعتمدها الأسفار المقدس معه في يوحنا 15: 26؛ يوحنا 16: 13، 14، أعمال 10: 19، 20، أعمال 13: 2. إلى ذلك، إنه يمتلك الخصائص الشخصية من صنف الحكمة (أشعياء 11: 2؛ 1كورنثوس 2: 10، 11)، والإرادة (يوحنا 3: 8؛ 1كورنثوس 12: 11)؛ والقوة (إشعياء 11: 2؛ ميخا 3: 8؛ أعمال 10: 38؛ رومية 15: 13؛ وأفسس 3: 16) التي تنسبها الأسفار المقدسة إليه.
إلى ذلك، تنسب إليه الأسفار المقدسة العديد من الأنشطة الشخصية (مرقص 13: 11ب؛ أعمال 13: 2، 21: 11؛ لوقا 12: 12؛ رومية 15: 30). بلا جدل، إن كانت الشهادة الكتابية تعطى حقها، فالله الذي تصفه، مع كونه الله الواحد، هو أيضاً في الوقت عينه في ثلاثة أقانيم.
المسيحيون في القرون الخمسة الأولى – في عبادتهم لله الواحد على غرار الإسرائيليين في القديم، والذين آمنوا في الواقع أنهم كانوا يعبدون الله، إله إسرائيل من خلال عبادتهم لله الآب، والله الابن، والله الروح القدس – شرعوا في صياغة عقيدتهم المختصة بالله بتعابير تتحدث عن التثليث، بكلام آخر، التثليث الداخل في قوانين إيمان الكنيسة الأولى، جاء نتيجة اقتناع بأن يسوع المسيح والروح القدس كانا شخصين إلهيين متميزين.
عملية الصياغة نفسها، التي جرى الإسراع في تتميمها خلال القرون الثلاثة الأولى، ولا سيما مع نشوء الغنوسطية في القرن الثاني وعلوم اللاهوت “لوغوس” المختصة بشخص المسيح، والموناركية التي ظهرت في القرن الثالث والأريوسية في مستهل القرن الرابع، كل هذه التيارات، دفعت الكنيسة إلى بلورة عقيدة الثالوث بشكل مبدئي لكن فعلي، وذلك في “قانون الإيمان النيقاوي” عام 325.
هذه البلورة، واصلت الكنيسة صقلها، ولا سيما بشأن شخص الله الابن في “قانون الإيمان النيقاوي القسطنطيني” لعام 381، وفي التصريح المناهض للنسطورية خلال مجمع أفسس عام 431، وبواسطة تعريف خلقيدون عام 451.
من الضروري توقير الجهود التي بذلها هؤلاء الآباء الأقدمون في معرض صياغتهم تصريحات قوانين الإيمان هذه. توضح تصريحاتهم هذه، وجود ثلاث عقائد ضرورية في المطلق للتعليم الكتابي عن الله المثلث الأقانيم:
† أولاً، ثمة الله الواحد، الحي، والحقيقي، وغير القابل للانقسام منذ الأزل ولا يعتريه أي تغيير. هذه هي العقيدة الكتابية المتعلقة بوجود الله الواحد. وكل تنكر لهذه العقيدة، يعني السقوط في خطأ الإيمان بوجود ثلاثة آلهة.
† ثانياً، الآب، والابن، والروح القدس، يشكلون أقانيم مميزين (رجاء ملاحظة كيف أنهم مميزون لكن غير منفصلين عن بعضهم بعضاً. فبما أنهم يشكلون معاً الله غير القابل للانقسام، هم يحلون بشكل متبادل في بعضهم بعضاً[5]).
هذه هي العقيدة الكتابية عن الخصائص الشخصية المميزة للأقانيم الثلاثة، أي الآب في قدرته الجوهرية على الإنتاج، وتوليد الآب للابن منذ الأزل، الأمر الي يستحيل شرحه بشكل مأمون بما يتخطى فكرة وجود ترتيب داخلي ضمن اللاهوت، وانبثاق الروح القدس الأزلي من الآب والابن، الأمر الذي نعود ونقول إنه المأمون عدم ذكر أي شيء عنه يتخطى فكرة وجود ترتيب داخلي ضمن اللاهوت[6]؛ حتى إن كل إنكار لهذه الخصائص المميزة، يعني اعتناق شكل من أشكال النمطية modalism.
† ثالثاً، كل من الآب، والابن، والروح القدس هو الله بالكامل وبالتساوي. تشكل هذه عقيدة الكتاب المقدس عن الـ هوموأوسيان القائم بين الأقانيم الثلاثة، بمعنى “التماثل أي التساوي ضمن الجوهر الإلهي”. وأي إنكار لهذه العقيدة يعني اعتناق شكل من أشكال إحداث مراتب ضمن أقانيم اللاهوت.
يعني كل هذا أولاً أن كل أقنوم ضمن اللاهوت هو الله بالكامل، وأن كل أقنوم يمتلك في ذاته كل ملء الله (راجع كولوسي 2: 9). علينا عدم التفكير في الأقانيم الثلاثة وكأن كل واحد منهم يحتل ثلث الكيان الإلهي. وكل أقنوم لكونه الله، يمتلك كامل الكيان الإلهي. هذا يعني أن الأقانيم الثلاثة لدى أخذهم معاً، يجب عدم اعتبار أنهم يشكلون بذلك كائناً إلهياً أعظم من أي من الأقانيم بمفرده.
كذلك، يجب عدم النظر إلى أي من الأقانيم بمفرده على أنه كائن إلهي أقل قدراً من مجموع الثلاثة معاً. كما أن هذا يعني أيضاً أن كل أقنوم يمتلك كل خصائص الله الواحد، أو بكلام آخر، يمتلك كل أقنوم كيان الله غير المنقسم بأكمله.
يعنى كل هذا، ثانياً، بما أن الأقانيم الثلاثة حقيقيون وأزليون كما أن الكائن الإلهي الذي يمتلكه كل واحد منهم حقيقي وأزلي، علينا أن نتصور كل أقنوم ككيان مميز (لكن غير منفصل)، صاحب خصائص تميزه عن الاثنين الآخرين. فمن المألوف اعتبار أن الخاصة المميزة لدى الآب هي الأبوة، والخاصة المميزة لدى الابن هي البنوية، ولدى الروح القدس خاصة الانبثاق.
يعني كل هذا ثالثاً، أنه فيما علينا التأكيد، لكي نكون أمناء للأسفار المقدسة، بأن كل أقنوم هو كائن مميز عن الأقنومين الآخرين، لكن في ضوء واقع تشابههم الإلهي ضمن الجوهر غير المنقسم الواحد (اللفظة الشهيرة هوموأوسيا في إطار قانون الإيمان النيقاوي)، لا نستطيع أبداً التفكير بشكل صحيح بشأن الأقانيم الثلاثة على أنهم موجودون بشكل مستقل عن بعضهم بعضاً. فالله الآب هو منذ الأزل “أب للابن” والله الابن هو منذ الأزل “ابن الآب” فيما الله الروح القدس هو منذ الأزل “روح الله [الآب]” وأيضاً “روح المسيح [الابن]”
يعني كل هذا رابعاً، أن عقيدة الثالوث لا تعد بنداً حيوياً من الإيمان الحق وحسب، بل وكما لحظ “كالفن”، فإن الله الواحد الحي والحقيقي الذي أعلن ذاته في الأسفار المقدسة
… هكذا أعلن عن نفسه بصفته الله الوحيد، [وفي الوقت عينه] كما يجب التفكير فيه في ثلاثة أقانيم. وما لم ندرك نحن ذلك، فإن اسم الله الفارغ والخالي من أي معنى هو الذي سيعلق بأدمغتنا بمعزل عن الله الحقيقي[7].
لنلاحظ كلمات “كالفن”: “بمعزل عن الله الحقيقي [سيني فيرا ديو].” لقد أدرك “كالفن” أن التثليث في اللاهوت، ليس فكرة يجب إضافتها على الفكرة عن الله المكتملة قبلاً، لكن حق يدخل في صلب الفكرة عن الله الواحد، الحي، والحقيقي، من غير الممكن بمعزل عنها تصوره في حقيقة كيانه الإلهي.
بكلام آخر، بما أن الله الوحيد الموجود، هو في الواقع مثلث الأقانيم، إن كنا نفتكر بالله ونتحدث عنه وكأنه ببساطة كائن إلهي أسمى وغير متمايز (موناد)، نحن بذلك نفتكر بإله لا وجود له؟ في هذه الحال، نحن نفتكر – بحسب كلام “كالفن” – بـ “اسم الله الفارغ والخالي من أي معنى”. ليس هذا بالله الحقيقي على الإطلاق.
ما يصرح به أب “الإصلاح الجليل” للقرن السادس عشر هو التالي: إن كنا لا نعير الله المثلث الأقانيم التقدير اللائق به. إذ نتأمل به، نكون بذلك قد ابتدعنا لأنفسنا وثناً لا وجود له نتحدث عنه. فالإيمان بالله الواحد، الحي والحقيقي كالثالوث في الوحدانية والوحدانية في الثالوث، من شأنه وحده أن يحفظنا من الوقوع في الوثنية. من هنا، المؤمن بالله الواحد والذي يرفض عقيدة الثالوث، لديه فقط “في ذهنه اسم الله الفارغ والخالي من أي معنى”. أو كما يقول “هرمين وتسيس”: “شبح فارغ ووثن”[8].
من هنا أنا أحث على ضرورة عدم التحدث عن الله أمام غير المؤمن، وكأنه مجرد كائن إلهي أسمى وغير متمايز (موناد)، متذكرين باستمرار أن سمة التمايز الكتابية الخاصة بالله، إلى جانب كمالاته، هي تثليثه الذي يعد جانباً هاماً من “هويته”.
انعكاسات الله المثلث الأقانيم على علم الدفاع
إن كان صحيحاً، كما قال “كالفن” أن كل تفكير في الله بمعزل عن سمة التثليث الخاصة به، هو ضرب من الوثنية، ففي هذه الحال ألا يسعى أحدنا لبرهان وجود أي إله، ومن ثم محاولة برهان كونه مثلث الأقانيم. وحتى لو نجح أحدهم في برهان أن إلهاً ما موجود، يكون كل ما فعله هو برهان وجود إله. لكن رابط الوجود هذا، لا يذكر أي شيء عن هذا الإله الذي يميزه بأي شكل عن أي شيء وعن كل شيء آخر.
ذلك لأن أي شيء وكل شيء، مهما كانت قيمته قليلة، هو موجود، إذاً، هل الله موجود؟ بالطبع، هو موجود! لكن، يعمل كل الفرق إن كان الله حلماً، أو سراباً، أو الجذر التربيعي لناقص واحد، أو الله الشخصي المثلث الأقانيم واللامحدود في الأسفار المقدسة. بكلام آخر، متى تحدث أحدنا عن “وجود” الله، يلزمه أيضاً الاهتمام بمسألة “هويته”. يكتب “فان تل” في هذا السياق:
الكلام عن وجود الله، وعن حقيقة وجود الله، من دون ذكر كل ما فعله الله للإنسان ولا يزال في المسيح من خلال الروح القدس… ليس بالأمر المبهم بالتمام وحسب، بل يعد أيضاً تشويهاً بالكامل. أن تنقل إلى أحدهم كون الله موجوداً، لا يعني أي شيء ما لم تنقل إليه أيضاً عمن هو الله وعما يفعل[9].
بالنسبة إلى ما فعله الله، يلزم أحدنا مراجعة ما أعلنه الله من نفسه في الأسفار المقدسة. كما أن جميع المحاولات لاكتشاف أمور موازية أو تشابه جزئي لطبيعة الثالوث على صعيد التفكير الديني الوثني، أو الطبيعة المادية، أو مجالات المنطق وقواعد اللغة، أو عمليات الذهن، أو إعادة تنظيم الأمور فلسفياً[10]، تبقى في نظري باطلة. أولاً، لأن أحدنا لا يجد في أي منها الشخصية الثلاثية ضمن وحدانية الجوهر؛
وثانياً، لأننا لا نعلم بشكل أكيد ما الذي نحاول بالتحديد إيجاد له تشابه جزئي، وذلك في غياب إجماع في الرأي حتى يومنا هذا بين اللاهوتيين المسيحيين حول معنى توليد الآب للابن وطبيعته، ومعنى انبثاق الروح القدس من الآب والابن وطبيعته.
يقترح “ناثان ر. ود” في كتابه The Secret of the Universe [11](“سر الكون”) أن المكان الثلاثي الأبعاد في الكون، مع الجوانب الثلاثة للزمان، وطبيعة الإنسان المكونة من ثلاثة أقسام، كما هو مزعوم (لكن خطأ)، كما ذهن الإنسان، وعاطفته، وإرادته، وتقسيم المادة إلى جامد، وسائل، وغاز، كل هذه تعكس الطبيعة الثلاثية للخالق.
لكن مفهوم الشخصية ناقص في جميعها ما عدا واحدة من هذه التشابهات الجزئية. كما أن ولا واحدة منها تشبه “التوليد” و”الانبثاق” للاهوت الكتابي، مهما عنت هذه الألفاظ من هنا، لا تصمد كأمور موازية شرعية. أنا أوافق “هرمن بافينك” الرأي بأن أياً من التشابهات الجزئية والأمور الموازية المزعومة “ليس بمقدورها برهان الثالوث الإلهي؛ لأننا بخصوص هذه العقيدة، نحن نعتمد بالكلية على الأسفار المقدسة”[12].
باختصار، كل تفكير في الله الوحيد الموجود كالله المثلث الأقانيم بمعزل عن ثالوثه، هو بمثابة الاحتفاظ بوثن في الذهن. لذا، عندما نحدث غير المؤمن عن الله الموجود، لنكن واضحين بأننا نتكلم عن الله، إله الأسفار المقدسة الذي ليس هو لا محدود، وأزلي، ولا يتغير في كيانه، وحكمته، وقدرته، وقداسته، وصلاحه، وحقه، وحسب، لكنه أيضاً في جوهره مثلث الأقانيم.
عمله كخالق
تعلم الأسفار المقدسة أن الله هذا الواحد، الحي، الحقيقي، والمثلث الأقانيم، خلق الكون، إكس نيهيلو، أي من العدم (تكوين 1، 2؛ عبرانيين 1: 2؛ 11: 3). لم يقدم على هذا بسبب حاجة وجودية في طبيعته لأجل تكميل نفسه (إشعياء 40: 12-13؛ أعمال 17: 25) لأن طبيعته بقيت على حالها بالتمام بعد عمله كخالق كما قبلها (المزمور 90: 2)، بل فقط لأنه شاء فعل ذلك (رؤيا 4: 11) وبهدف تمجيد ذاته (إشعياء 43: 6، 7).
فهو ليس في حاجة إلى أي شيء خارج إطار ذاته لكي يكون الله بالتمام. باختصار، الله، إله الأسفار المقدسة، هو مكتمل في ذاته وعنده اكتفاء ذاتي، حتى أن وجوده لا يرتبط بأي شكل من الأشكال بخليقته[13].
الله، إله الأسفار المقدسة اللامحدود والشخصي، وخلافاً لإله المذهب الطبيعي، يواصل عمله للحفاظ على خلائقه متحكماُ بهم وبكل أفعالهم (المزمور 103: 19؛ 104: 24؛ 145: 17؛ متى 10: 29، 30؛ عبرانين 1: 3). وكل ما يفعله، وكل ما يحصل في السماء وعلى الأرض، تقرره مشيئته الأزلية (المزمور 115: 3؛ دانيال 4: 17، 25، 35؛ أعمال 2: 23؛ 4: 27، 28؛ رومية 9: 11-23؛ أفسس 1: 3-14؛ 1بطرس 1: 20).
في سياق هذا البحث المختص بكيان الله، من المعلوم أني أقصد من خلال اللفظة “الله”، إله الأسفار المقدسة الواحد، الحي، والحقيقي، والخالق المثلث الأقانيم، والذي أعلن لنا ذاته في يسوع المسيح. وجود هذا الإله آخر بصفته الله الحقيقي، فأنا ليس غنوسطياً وحسب، بل ملحداً عن اقتناع. أنا أنكر وجود أي إله آخر إلا ما يعد بمثابة تصورات وثنية في أذهان أناس خطاة “الذين استبدلوا حق الله بالكذب، واتقوا وعبدوا المخلوق دون الخالق، الذي هو مبارك إلى الأبد. آمين”. (رومية 1: 25).
لماذا يؤمن المسيحيون بالله المثلث الأقانيم الذي أعلن ذاته في الأسفار المقدسة؟
سألني التلامذة الذين درسوا مساقي في كلية اللاهوت حول عقيدة الله، من حين إلى آخر، لماذا لا أبدأ بمحاضرة حول قيمة “البراهين” التقليدية أو الحجج على وجود الله، على غرار ما يقوم به العديد من كتب اللاهوت النظامي المنشورة (راجع مثلاً، كتاب “فرنسس تورتن” Institutes Elenctic Theology، وكتاب “تشارلس هودج” Systematic Theology، وكتاب “روبرت لويس دابني” Lectures in Systematic Theology، وكتاب “لويس برخوف” Systematic Theology). ردي عليهم ببساطة، كان ولا يزال: أنا ليس أحبذ هذه الحجج، كما سبق لي أن صرحت في كتابي [14]The Justification of Knowledge ذلك بما أنها حجج تجريبية، ليست صحيحة، ولا مجال البتة لجعلها كذلك.
وبما أن على المسيحيين عدم اعتماد حجج غير صحيحة، ولا يلزمهم حث غير المؤمنين على جعل ثقتهم في خلاصات الحجج غير الصحيحة لدى الترويج لحق إيمانهم. بالطبع، أومن بأن الله “موجود حقاً” بما أنه أعلن ذاته لكل الناس بشكل عام من خلال خلقه عنايته، بكلام آخر، لدى كل الناس وعي من قبل الله (سنس دايتاتس) من جراء صورته الإلهية فيهم وإعلانه عن ذاته في الطبيعية من الخارج كما من خلال معاملاته من داخل عالمه.
كذلك أعلن عن ذاته تحت شكل مبادئ في الأسفار المقدسة بعهديها القديم والجديد، وشخصياً في ابنه، الرب يسوع المسيح، وخلاصياً بواسطة عمل كلمته وروحه[15]. كما أومن بأنه “موجود حقاً” لأنه بمعزل عنه بصفته الحقيقية الكون النهائية والحاسمة، لا وجود لأية فطنة نهائية في أي مكان. لكني لن أعترف بوجوده بناءً على الحجج التقليدية على وجود الله. وسأعرض عليك أسبابي.
الحجة الوجودية
الحجة الوجودية، والتي كان قد صاغها “أنسلمس” (1033-1109) تحت شكل صلاة في كتابه Proslogion (1078)، تعتبر أن المفهوم نفسه لله في الذهن بصفته “الكائن الذي لا يمكن التفكير بما هو أعظم منه” يوجب وجوده، ذلك لأن هذا المفهوم يتصور وجود الكائن الأكثر كمالاً الذي يمكن تخيله. لكنه يعود ويقول:
على افتراض أنه موجود في الذهن فقط، عندئذ يكون بالإمكان تصوره في الواقع، الذي هو أعظم بعد.
لذا، إن كان هذا الذي لا يوجد ما هو أعظم منه موجوداً في الذهن فقط، فهذا الكائن الذي لا يمكن تصور من هو أعظم منه، هو من يمكن تصور من هو أعظم منه. لكن، من الواضح أن هذا الأمر مستحيل. من هنا، لا شك في وجود كائن لا يمكن تصور ما هو أعظم منه، وهو موجود في الذهن كما في الواقع.
هو موجود حقاً وبكل تأكيد، حتى لا يعود بالإمكان تصور عدم وجوده. ذلك لأنه بالإمكان تصور كائن لا يمكن تصوره بأنه غير موجود؛ وهو أعظم من الذي يمكن تصور أنه غير موجود. إن كان ما لا يمكن تصور ما هو أعظم منه، يمكن تصور عدم وجوده، لا يكون هذا من لا يمكن تصور ما هو أعظم منه. لكن في هذا تناقض لا جدل حوله. لذا، يوجد حقاً كائن لا يمكن تصور من هو أعظم منه، والذي لا يمكن تصور عدم وجوده؛ وهذا الكائن هو أنت أيها الرب إلهنا[16].
…. لماذا قال الجاهل في قلبه ليس إله، لأنه من الواضح للذهن العقلاني، أنك موجود وبأعلى نسبة ممكنة؟ لماذا؟ هل لأي شيء آخر غير كونه بليداً وغبياً!
كما جرى لحظ هذا غالباً هذه الحجة في أحسن حالاتها تبرهن فقط أن الناس غير قادرين على مراعاة مفهوم الله الكامل في الذهن، من دون أن يستتبع ذلك وجوده في الواقع. لكن مفهومهم لله الموجود في الواقع، والوجود الفعلي لإله كهذا، لا يشيران إلى الأمر عينه. فالأمر الأول لا يثبت الحقيقة الموضوعية للكيان المرتبط به، أكثر ما يعمل إدراج التاجر في دفتره لمجموعة من الأصفار من شأنه أن يزيد من ثروته الفعلية (فكرة الفيلسوف “كانت”).
“غونيليو” الراهب الفرنسي من “مارموتييه” والمعاصر لـ “أنسلمس” في معرض رده عليه تحت عنوان On Behalf of the Fool “بالنيابة عن الجاهل” صرح بما يلي: “لدي فكرة عن جزيرة لا يمكن تصور ما هو أعظم منها في كمالها، فكرة تشمل بالتالي وجود الجزيرة، لكن فكرتي عن جزيرة كهذه لا يعني أن الجزيرة موجودة فعلاً، لأن جزيرة كهذه غير موجودة فعلياً”.
وصف هذه الحجة بأنها محاولة للتعريف بالله على أنه موجود، ليس من دون شيء من المبرر له. إنه في الأساس ضرب من ضروب تكرار المعنى، الذي يكتفي بالتعريف بالله بصفته كائناً كاملاً من الضروري وجوده، وذلك من دون عرض أية موجبات لذلك يتخطى التعريف نفسه للتفكير في أن كائناً كهذا موجود فعلاً. لكن الفكر البشري بحد ذاته لا يفرض أية ضرورة على الأشياء.
“ج. أوليفر بسول، الابن”، يحاول اثبات صحة الحجة الوجودية بواسطة صيغة استقرائية (يعتبر أن عثر عليها عند “ديكارت”)، وذلك من خلال عرضه لبعض الموجبات التي تتخطى نطاق التعريف نفسه. فهو يكتب “بالطبع، نحن لا نقول إن على كل فكرة أن يقابلها وجود كائن مختص بها. إنما ما نتمسك له هو أن لكل فكرة في الحضارة البشرية سبباً ما”. ثم يعرض إيضاحاً لما يقصد قوله:
على افتراض أننا اكتشفنا جزيرة استوائية، حسب الظاهر مسطحة، وفي حال وجدنا أن الناس على الجزيرة عندهم لغة مختلفة عن أية لغة مألوفة لدينا، وفي حال اكتشافنا أن هؤلاء القوم على هذه الجزيرة الاستوائية التي ظاهرها مسطح، لديهم لفظة لوصف الجبل المكلل بالثلوج، علينا بالضرورة إجراء استقصاء حول مصدر فكرتهم.
علينا استنتاج أنه يوجد جبل مكلل بالثلوج بعيداً داخل جزيرتهم، أو لعلهم هاجروا من منطقة تحتوي على جبال عالية، أو لعل أحد المسافرين أخبرهم عن الجبال المكللة بالثلوج. فانطلاقاً من المعلومات عن جزيرة استوائية مسطحة، لا يمكن لسكان هذه الجزيرة الأصليين أن يكون لديهم فكرة عن الجبل المكلل بالثلوج[17].
نقطته التي يعرضها هنا، هي أن فكرتنا عن كائن كامل، هو الله موجود، هي النتيجة لسبب. هذا السبب (وهنا يكمن الاستقراء) هي المعلومات من الكون التي يستنتج الناس منها فكرتهم عن وجود الكائن الكامل، علة الكون النهائية والحاسمة.
إلا أن إيضاح “بسول” عن الجزيرة، يتجاهل حقيقة أن ليس كل فكرة تراود الإنسان بالإمكان أو يجب ردها إلى شيء تجريبي. فالناس لديهم مخيلات خصبة (لنتذكر قصصنا الحديثة من صنف “الخيال العلمي” وأفلام الرعب)، وحتى أوهام، كما أن كل حضارة طورت أساطيرها الخاصة بها. أي من جملة هذه الأسباب غير التجريبية، قد يكون المصدر في الأصل للعبارة لوصف الجبل المكلل بالثلج بالنسبة إلى هؤلاء القاطنين الجزيرة المسطحة. وبشكل مشابه، المخيلة الخصبة أو الأساطير المرتبطة بحضارة ما، قد تفسر فكرة وجود كائن كامل. إن محاولة “بسول” تثبيت الحجة الوجودية، لا تقنعني.
“المدافعون الليغونية” (“ر. س. سبرول”، “جون غرستنر”، و”آرثر لندسلي”)، يعرضون حجة وجودية في كتابهم[18] Classical Apologetics يجر بنا ذكرها. هو يؤكدون، في اتباعهم لـ “جوناثان إدواردس”:
… لدينا فكرة عن الكائن، ومن غير الممكن أن يكون لدينا حتى فكرة عما هو غير كائن. ألا يكون هناك أي شيء على الإطلاق، هو أمر مستحيل بالتمام.
لذا لا يسعنا التفكير في الكائن على أنه غير كائن على الإطلاق أو في أي مكان… نتيجة لذلك، هذا الكائن الأزلي واللامحدود، يجب بالضرورة أن يوجد لأنه لا يمكننا التفكير فيه بأنه غير موجود؛ والبرهان الأوحد الأخير والحاسم لوجود أي شيء، هو أنه لا يسعنا التفكير فيه على الإطلاق بأنه غير موجود[19].
هم يستخلصون أن هذا الكائن الضروري هو الله، هذا هو جوهر حجتهم.
أنا أفترض أن أول وأبسط شيء بالإمكان قوله بخصوص حجتهم، بمعزل عن حقيقة كون هكذا إله هو وثن، لأن لا شيء مذكور عن ثالوثه، هو أنها ساذجة. لأنه ما لم يكن قد فاتني شيء ما، أنا شخصياً، وفي ظني العديدين معي، بوسعنا فعل بالتحديد ما يصرون هم على أنه لا يمكن فعله، أي “التفكير [بمعنى تخيل] في الكائن على أنه غير كائن على الإطلاق أو في أي مكان”.
وحسب الظاهر، المدافعون “الليغونيه” أنفسهم لديهم أيضاً فكرة عما هو غير كائن؛ وإلا اللفظة كما يستخدمونها تكون خالية من أي معنى، وكلامهم لا يعبر عن شيء له معنى. “جون فرايم” يثير بدوره اعتراضاً على هذه الحجة:
غير أنه هناك اعتراض واضح على هذا، لا يأتي الكتاب حتى على ذكره. فمهما كانت عليه لا محدودية الكائن، تمتد فكرتنا المختصة بالكيان لتشمل الكائنات المحدودة أيضاً. لذا، إن كان الكائن إلهياً، ففي هذه الحال تكون الكائنات المحدودة جزءًا من ذلك الكائن الإلهي.
بكلام آخر، الحجة من دون إدخال بعض التعديلات عليها، تبرهن مذهب وحدة الوجود. كما أن الحجة يفوتها جعل أي تمييز بين صنف “اللامحدودية”، “الأزلية”، “الوجود في كل مكان”، إلخ. المنسوبة إلى إله وحدة الوجود، والخصائص المختلفة تماماً (مع أنها تلفظ بالطريقة نفسها) كما هي معلنة في الله، إله الأسفار المقدسة[20].
الحجج التجريبية
ولا أنا أعترف بوجود الله على أساس الحجج التجريبية أو الاستقرائية لمنهج اللاهوت الطبيعي[21]. كل الحجج التجريبية للاهوت الطبيعي (والمفسرة منهجياً[22]) على وجود إله، تكتفي فقط ببرهان وجوده، ولا تذكر أي شيء يختص بطبيعته. ويبدو أنه بالإمكان اختصار كل هذا بالحجة الكونية او بصيغ مختلفة لها[23]. هذه الحجة التي تتجاهل التثليث عند الله، الأمر الذي لا يجوز أبداً حصوله، تفترض خمسة أمور، على الأقل، لا ينبغي افتراضها، بل لا يمكن ذلك، بل يلزم برهانها لكي تصبح الحجة مقبولة:
- صحة نظرية المعرفة على الفلسفة التجريبية نفسها.
- وجود معيار تجريبي لإقصاء أية معلومات حسية غير مرغوب فيها.
- صفة “النتيجة” التي تطبع الكون.
- صحة علاقة السبب والنتيجة.
- استحالة حصول تراجع سببي لا محدود.
يفترض تثبيت صحة هذه المسائل وبرهانها (مع العديد سواها التي يجب مخاطبتها في الطريق)، انخراط المسيحي في عملية محاججة عويصة ولا تعرف أية نهاية لها. كما أن بروز أي خطأ عند أية نقطة في إطار تسلسله المنطقي، سوف يبطل مجهوده الذهني بأكمله. سأسهب في الكلام عن هذا من خلال تناولي النقاط العشر التالية:
أولاً، تثبيت صحة نظرية المعرفة التجريبية، كما يبدو لي، يستلزم أن يصار إلى تتميمها تجريبياً، فالتجريبيون المؤمنون بأن عالماً من “الحقائق الخام” هي “حقاً هناك” من أجل دراستها، وفهمها، و”عقلنتها” للمرة الأولى، يحثون على اكتساب المعرفة من طريق الأسلوب الاستقرائي للعالم – الملاحظة، وتكوين فرضيات، إجراء اختبارات، ومن ثم استنتاج خلاصات من هذه الاختبارات. هم يرضون بعملية كهذه تزود البشرية ببرنامج لاكتساب الحقائق الكونية الضرورية للحصول على المعرفة.
لكن، وإلى جانب حقيقة وجود آلاف الافتراضات المسبقة المتضمنة في المنهج الاستقرائي، على الذي يتبع بانتظام المنحى التجريبي لبلوغ المعرفة، التخلي عن العديد من الادعاءات بالمعرفة التي كان سيقوم بها من دون تردد لولا ذلك، أو يجد سبيلاً للتغلب على الاعتراضات التي يثيرها “جون م. فرايم” مع آخرين سواه، ومفادها أن:
…. التجريبية لا يمكنها تسويغ حقيقة مطلقة عامة، من صنف “كل الناس مائتون”…. وليس بوسعها تسويغ أية تصريحات عن المستقبل…. ولا يمكنها تسويغ أية تصريحات تتعلق بالقيم الأخلاقية [ذلك لأنك لا تستطيع أبداً الانتقال من “واقع” تصرفنا إلى ما “ينبغي أن يكون عليه” هذا التصرف – مؤلف هذا الكتاب].
من هنا، ليس بوسع التجريبية تسويغ التجريبية. ذلك لأن التجريبية هي نظرة إلى السبيل الذي ينبغي لأحدهم اعتماده (“ينبغي” أدبية ethical) لتسويغ معتقداته. كما أننا لا يسعنا. على أساس تجريبي، انطلاقاً من الاختبار الحسي تسويغ الحقيقة المطلقة ومفادها أنه ينبغي لنا تسويغ معتقداتنا بهذه الطريقة[24].
لذا، أولئك الذين يبدؤون من الاختبار الحسي، إنما يستعيضون بذلك عن بديهية الإعلان الكتابية المعصومة عن الخطأ ببديهية الحس الدنيوية. هؤلاء يفوتهم إدراك كيف أن بداية كهذه لا يمكنها تزويدنا بأية معرفة على الإطلاق. إلى ذلك، إن كان الله عصياً على التعليمات التجريبية بقصد تفحصه، فهو لكونه روحاً بحتاً بكل تأكيد بحسب التعليم المسيحي، من غير الممكن رؤيته، أو لمسه، أو تذوقه، أو شمه، أو سماعه، أو الإقدام على قياسه بأي شكل من الأشكال. من هنا، فإن المسيحي الذي يرتكز على الدلائل، بما أنه تجريبي، عليه برهان كيف أن تجريبيته هذه، لا تنفي منذ البداية البلوغ إلى أي وإلى كل الادعاءات بمعرفة الله، إله المسيحيين المثلث الأقانيم.
ثانياً، على المسيحي المستند إلى البراهين، مواجهة أيضاً حقيقة أنه ما إن يرتكز أولاً على المعلومات الحسية الخام كدليل على وجود الله، حتى لا يعود بوسعه استثناء أي من هذه المعلومات الحسية وعدم أخذها بعين الاعتبار ما لم يتمكن من عرض معيار تجريبي لحذف تلك المعلومات الحسية التي لا يبغي النظر فيها. وأنا شخصياً لم أر قط أحداً يعرض معياراً كهذا.
وبما أن المعلومات الحسية بحد ذاتها، تشمل الطبيعة التي لا يبدو عليها أنها في حرب مع الجنس البشري وحسب، الأمر الذي يتجلى من خلال ما يبذله هذا الأخير من جهود للبقاء على قيد الحياة، بل طابع العنف يظهر أيضاً على صعيد هذه الطبيعة نفسها من خلال مخالب الوحوش فيها وأنيابها. كما أن المعلومات الحسية تتضمن أيضاً الشرور التي شهدها التاريخ. فـ “هتلر” قضى على عدة ملايين من المسيحيين واليهود بالغازات السامة، و”ستالين” قتل عدداً أوفر من الأوكرانيين”.
“ماو” ذبح بدوره ثلاثين أو ربما خمسين مليون صيني، وكاد يبيد سكان “التيبت” عن بكرة أبيهم. وبالطبع، ظهر على مسرح التاريخ “جنكيز خان” و”إيفان الفظيع”، و”أتيلا الهوني”، ناهيك أيضاً بحصول الكوارث الطبيعية بشكل متكرر، من صنف الطوفانات، والقحط، والأعاصير، والحرائق، أو ولادة أطفال ذوي عاهات وراثية أو مرضى.
بكلام آخر، تقحم المعلومات الحسية معضلة الشر من ضمن البحث. لكن أضف هذه الاختبارات الحسية إلى النتيجة المختبرة لحركة الكُلة بحسب توما (راجع “سبيله الأول”) وانظر ماذا حل بالحجة التي تحاول برهان وجود الله الواحد الحقيقي على أساس المعلومات التجريبية وحدها.
الراعي/ اللاهوتي الطهوري العظيم “جوناثان إدواردس” الذي يعد بمثابة “القديس الشفيع” لمعشر المدافعين “ليغونيه” في سعيهم لإعادة إحياء في أيامنا علم الدفاع المبني على الدلائل. لمس بوضوح سخافة المنطق البشري العامل بمعزل عن الإعلان الخاص، في محاولته برهان وجود الله، من المعلومات الحسية فقط. وبالتحديد انطلاقاً من وجود الشر في الكون:
لا يمكنني القول إن كان أحدهم سيعتبر أعمال الخلق بمثابة نتائج، في حال لم يخبره أحد بوجود مسبب لها… لكن لدى تسليمنا بأن بمقدور كل إنسان أن يبرهن لنفسه أن العالم وكل ما فيه هو نتائج، وكان له بداية، الأمر الذي اعتبره سخيفاً إلى أقصى الحدود، وأنا أرى أنه من المستحيل تقريباٌ[25] على المنطق البلوغ إلى هكذا حدود من دون مساعدة؛ لكن، إن كان من الضروري نسب النتائج إلى مسببات مشابهة، وعلى النتيجة الصالحة والحكيمة افتراض وجود مسبب لها صالح وحكيم أيضاً، في حال اعتمدنا نمط التحليل نفسه، يصبح من الضروري نسب كل شر وشذوذ في العالم إلى مسبب شرير وغير حكيم.
وعليه، يجب أن يكون المسبب الأول صالحاً وشريراً، وحكيماً وجاهلاً في آن. وإلا من الضروري وجود مسببين: مبدأ شرير ولاعقلاني، إلى جانب مبدأ آخر صالح وحكيم. لذا، من شأن الإنسان المتروك لنفسه تحليل الأمور على الشكل التالي: “إن كانت المسببات والنتائج متشابهة ومتلائمة، فمن الضروري أن يكون للمادة مسبب مادي. في هذه الحال، ليس ما يبدو مستحيلاً أكثر من تخيل كيف باستطاعة المادة أن تكون وليدة الروح، أو أي شيء آخر ما خلا المادة”. إن أفضل محلل في العالم، في سعيه لاكتشاف المسببات وراء الأشياء، من خلال الأشياء نفسها، قد يجد نفسه وقد انقاد إلى اقتراف أفظع الأخطاء والتناقضات، لكي يجد نفسه في نهاية المطاف بأمس الحاجة إلى مدرس[26].
ثالثاً، صفة “النتيجة” لدى لصقها بالكون، يجب برهانها بمعزل عن افتراض، أولاً أنها نتيجة بما أن هذه الخاصة للكون، تشكل جزءًا رئيساً من المسألة موضوع البحث. بمعنى أنه يلزم المسيحي المعتمد على الدلائل أن يبرهن أولاً تجريبياً، أي انطلاقاً من المعلومات الحسية الخام، أن الكون ككل، شهد لحظة أولى قبل أن يكون بوسعه الشروع في التساؤل عن مسببه الأول.
لكن، إن أردنا تناول الأمر بصراحة، ما من تجريبي تمكن قط من ملاحظة الكون ككل. ذلك لأن ملاحظة أجزاء الكون فقط، لا يمكنها تزويده بهذه المعلومة الضرورية، بما أن الكون ككل قد يختلف بشكل أساسي عن مجموع أجزائه المكونة له.
رابعاً، تقترف الحجة الكونية، في نظري، المغالطة المنطقية المعروفة بـ (بتيسيو برنسيبي) (“المغالطة التي بموجبها تتضمن الفرضيات الادعاء بأن الخلاصة هي صحيحة”). ذلك أولاً من خلال نفي منذ البداية حصول أي تراجع سببي غير محدود كشيء من المحال، بما أن هذا لا يترك أي مكان لوجود مسبب أول. وثانياً، من خلال “جزم النتيجة”، أي بتأكيد أو الاكتفاء بعرض – من دون برهان – وجود الله بصفته المسبب الأول الذي يفسر وجود كل مفسر لاحق.
كما أنها ترتكب مغالطة منطقية أخرى من خلال إصرارها على كون هذا المسبب الأول في جوهره مختلفاً بالتمام (لا محدود، فوق الطبيعي، لا مسبب له، غير تجريبي) عن جوهر كل المسببات الثانية الأخرى التي تستند إليها لوجودها (محدودة، طبيعية، لها مسبب، تجريبية) بما أن في الأمر انتهاكاً للمنطق، أن ننسب إلى مسبب أية خصائص فوق تلك الضرورية لتفسير النتائج.
خامساً، الحجة الكونية، كما هو التقليد المتبع في صياغتها، هي في الشكل حجة استقرائية، وعليه تدعى بأنها حجة مبنية على الاحتمالات[27]. بالطبع، بمعزل عن الإيمان المسيحي بالله، إله الكتاب المقدس، فإن هذا العالم حيث الكلمة الأخيرة فيه هي للحظ، ما يجعل حتى مفهوم الاحتمال نفسه خالياً من أي معنى. وفي الواقع، لسنا هنا سوى أمام حجة إمكان حصول شيء ما والتي تبقى بعيدة كل البعد عن البرهان اليقيني أو الأكيد.
إنها بفعلها هذا، بالجهد تنصف المعلومات المبنية على الدلائل والتي يعرف المسيحي أنها تتضمن الإيمان بالله، إله الكتاب المقدس، وفيها معلومات ذات الصفة الإعلانية، وتشير إلى الله، بما لا يرقى إليه أي شك. فبموجب الحجة الاستقرائية، تعتمد هذه المعلومات الإعلانية والمبنية على الإيمان بالله، إله الكتاب المقدس، بطريقة توحي في أفضل حالاتها بخلاصة ممكنة، أما الحجة التي تحط من قدر المعلومات الإعلانية جاعلة منها مجرد “معلومات خام”، لا تشير في أفضل حالاتها سوى إلى إمكانية وجود الله، هي حجة طابعها الارتداد، ولا يجوز للمسيحيين استخدامها أو دعمها.
وكما هي الحال مع الحجة الوجودية، يعرض المدافعون “ليغونيه” صيغتهم الخاصة بهم للحجة الكونية، والتي – بحسب ادعائهم – تتغلب على معضلة الإمكانية (أو الاحتمال) هذه. هم يبدؤون بتأكيد أن لكل نتيجة، بحسب تعريفها، مسبباً سابقاً لها. والعالم ليس بوهم، ولا خلق نفسه بنفسه. إن كان موجوداً بحد ذاته، أي إن وجوده لم يحصل بشكل طارئ أو عرضي، فإنه يكون في الواقع متسامياً، ونحن نكون بذلك قد وجدنا “الله”.
وفي حال كان العالم وليد الحظ والصدفة، وبما أن تراجعاً لا محدوداً لمسببات سابقة ناتجة من طريق الصدفة (كما يؤكدون) هو أمر لا يمكن تخيله، عليه في هذه الحال أن يكون نتيجة كائن له وجود بحد ذاته لكنه يعتمد لوجوده على شيء غير مؤكد. ومرة جديدة، نكون قد برهنا وجود الله، بل في الواقع في أفضل الحالات وجود إله[28]. كما هي الحال مع الحجة الوجودية، عند “جون فرايم” شيء يقوله حول هذه الحجة:
لعل أكثر ما يستوقفني هنا، هو… كون المؤلفون يفوتهم بوضوح نفي احتمال وحدة الوجود كأمر بديلي، بمعنى أن الكون هو إله لنفسه. تقريباً، كل ما بوسعي العثور عليه في هذا الكتاب في معرض الرد على هذا الاعتراض، هو جملة واحدة: “(الله) هو شخصي بما أنه المسبب المنتشر والمتغلغل في كل الأشياء بما في ذلك القصد والبعد الشخصي” [123]. لكن ليس من الواضح بأي شكل من الأشكال أن على الكائن أن يكون بحد ذاته شخصياً حتى يكون المسبب وراء الشخصية[29].
إلى ذلك، ليست المسألة هنا ببساطة كونه من غير الممكن تصور حدوث سلسلة لا محدودة من المسببات السابقة ذات الطابع العرضي. فلا شيء غير منطقي في هكذا مفهوم. “ج. أوليفر بوسول، الابن” الذي يكن كل التقدير للحجج المبنية على الإيمان بالله، إله الكتاب المقدس، في كتابه Systematic Theology (“اللاهوت النظامي”)، يعرض هذا الإقرار في محله:
علينا التخلي عن فكرة كونه من المستحيل تصور حصول تراجع لا محدود للمسببات. لكن نقيض ذلك، هو الذي يبقى من الصعب تخيله. أما التصريح بضرورة أن يكون هناك لكل حدث مسبب، الأمر الذي يحتم وجود حدث ما في البداية بلا مسبب، فهذه المحاججة هي مغالطة واضحة. … ليس هنا أي أساس للقول إنه من غير الممكن أن تكون قد وجدت سلسلة لا محدودة من الكائنات العرضية…
إن الزعم أن المشروط يستلزم ما هو مطلق وغير مشروط يعد… مغالطة… فما من سبب منطقي يحول دون أن يكون الكون بأكمله وليد أحداث عرضية وطارئة معتمدة بعضها على بعض[30]. من هنا، لست مقتنعاً من كون المدافعون “ليغونيه” قد نجحوا في برهان قضيتهم.
إلى ذلك، يصر هؤلاء المدافعون على تجنبهم مسيحية من المحتمل فقط أن تكون حقة بالتمام، وهم يستميتون في ذلك كما هي حال المدافعين الذين يرون في الإيمان المسيحي المبني على الإعلان الإلهي الأساس الأوحد للتفكير العقلاني. (على المسيحية، في نظرهم، أن تكون حقة بكل تأكيد؛ وإلا وجد في ذلك الناس عذراً وذريعة لعدم الإيمان).
لكنهم، وفي رفضهم أن يكونوا في مصاف الذين يعتمدون على الإعلان الإلهي لبلوغ هذا اليقين المنشود، هم يعتمدون كالأساس للاهوتهم الطبيعي على “افتراضات كونية وضرورية” أكيدة، من صنف قانون عدم التناقض، وقانون السببية، وما ينعم به الإدراك الحسي من موثوقية مبدئية.
هم يؤكدون أنه من غير الممكن التنكر لهذه بشكل ثابت ومنتظم، كما أنه يبدو لهم في مستهل بحثهم عن الله والحق، أنها أكيدة بشكل غير قابل للمساومة، حتى أكثر من الله نفسه. هذه الافتراضات، إلى جانب أي وكل ما تشير إليه ضمناً (هم يعتمدون على إحداها في معرض سعيهم لتبيان وجود الله، إله المسيحيين)، يجب النظر إليها بصفتها أكيدة.
لكن تأسيس اليقين المسيحي على افتراضات تعتمد منطق “الحياد” كما يظن هؤلاء المدافعون أنهم فاعلون، ليست مسيحية بشكل مميز بمعزل عن النظرة المسيحية إلى الأمور. كما أنه بالنسبة إلى الإدراك الحسي، بإمكانه بل غالباً ما يكون غير أهل للثقة، لذا يحق لنا أن نسأل كيف بمقدور افتراضات كهذه أن تشير ضمناً بشكل منطقي إلى أمور كونية، بل تفرضها، وكم بوسعها أقل من ذلك الإشارة إلى النظرة المسيحية إلى العالم؟
هل يمكن أنه يحصل على الطريق شكل من أشكال “الخداع” الذهني (أنا أعني بذلك وجود افتراض مسبق غير متعمد للنظرة المسيحية)؟ وفيما يدعي هؤلاء الدارسون أن حجتهم عن الله هنا، هي بمعنى من المعاني، “متسامية”، أي أنهم يعرضون افتراضات يزعمون أنها ضرورية للحياة ولإمكانية اكتساب المعرفة[31]. استنتاجهم الأخير والحاسم هو الله، كما يقولون.
في اعتقادي أن خلاصاتهم هي محفوفة بمشكلة الريب وعدم التأكد، هذه المشكلة التي لم تتمكن أنظمة الدفاع التجريبية من التغلب عليها، نظراً لمحدودية المعرفة التجريبية التي سبق لنا أن تناولناها، وبما أنه لا يمكن، بشكل خاص، الإركان إلى الإدراك الحسي. حقاً، لأنه غالباً ما لا يكون أهلاً للثقة.
سادساً، المنحى الكامل لمنهج اللاهوت الطبيعي، يعامل الناس (على الأٌقل، بعضهم) وكأنهم “محايدون” بخصوص وجود الله. “إنهم ببساطة يعملون ويتحركون بموجب الطبيعة البشرية”[32] وكأنهم منفتحون على – بل في حاجة إلى (بالنسبة إلى بعضهم على الأقل) – برهان وجود الله لهم. لكن الأسفار المقدسة تعلم ما هو خلاف ذلك – كون الناس ليسوا في حاجة إلى برهان خالقهم لهم.
فهم على علم من قبل، بنسبة ما على صعيد الوعي أو اللاوعي عندهم، بأن الله موجود لكنهم لا يمجدونه لكونه الله، ولا يشكرونه، حتى إنهم بلا عذر أمامه (رومية 1: 20 25، 32؛ 2: 14، 15)[33]. وهكذا بعيداً عن كونهم محايدين، يفعلون الآن كل ما بوسعهم، بما أن طبيعتهم الآن هي التي تملي عليهم ذلك، لحجز تلك المعرفة، جالبين عليهم من جراء ذلك الغضب الإلهي (رومية 1: 18).
سابعاً، يدعو الله، إله الأسفار المقدسة جميع الناس إلى “افتراضه مسبقاً” في كل تفكيرهم (خروج 20: 3[34]؛ أمثال 1: 7). لكن البدء في معرض طلبنا للمعرفة، على غرار المسيحي الذي يرتكز على الدلائل، ليسم ن الله كمعيارنا النهائي ونقطتنا المرجعية الأساسية لكل إعلان بشري (لتجنب الوقوع بأي ثمن في دوامة المنطق الدائري)، لكن إما في غياب أية معايير على الإطلاق، وإما مع المعايير “المؤقتة” لغير المسيحي، مع النظر إلى الحقائق كمجرد “حقائق غاشمة، وغير مفسرة”، فهذا:
يعرض استثناء على 1كورنثوس 10: 31، بحيث أنك في مستهل طلبك للمعرفة، لست في حاجة إلى التفكير “لمجد الله”؛ بوسعك تسويغ التفكير لمجد أي شيء/ شخص آخر[35].
غير أن بداية كهذه هي غير مطروحة بالنسبة إلى المؤمن المصلح، من في نظره “مخافة الرب هي بداية الحكمة”.
يعد “بنجامن ب. وارفيلد” مثالاً صارخاً على الذين أذنبوا من خلال شروعهم في دفاعهم عن المسيحية من المكان المغلوط. ففي سياق “ملاحظته التمهيدية” لكتاب “فرانسيس ر. بيتي” Apologetics (“علم الدفاع”)، يكتب ما يلي:
قبل استخلاصنا ذلك من الأسفار المقدسة، يجب أن نتأكد لأنفسنا من وجود معرفة بالله في الأسفار المقدسة. وقبل إقدامنا على ذلك، يجب أن نتأكد لأنفسنا من وجود معرفة بالله في العالم. وقبل إقدامنا على ذلك، يجب أن نتأكد لأنفسنا من كون معرفة الله هي متاحة للإنسان. وقبل إقدامنا على ذلك، يجب أن نتأكد لأنفسنا من وجود الله لكي نتعرف به[36].
هنا، يدعو “وارفيلد” إلى بناء لاهوت طبيعي كامل بالتمام بواسطة المنطق البشري (الخاطئ). لكن، إن كان بمقدور الناس بحد ذاتهم التأكد لأنفسهم من كل هذا – كون الله الواحد الحي والحقيقي موجوداً، وأن بمقدور الناس التعرف به، وكونه قد أعلن ذاته في العالم، وقد فعل ذلك بشكل مؤكد للغاية من خلال الأسفار المقدسة العبرانية – المسيحية – بحيث يؤكدون لأنفسهم كل هذا قبل أن يستخرجوا أي شيء من ذلك من الأسفار المقدسة، من الشرعي أن نسأل إن كانوا في حاجة على الإطلاق إلى أي إعلان كتابي؟
ألا تكون “ديانتهم” في هذه الحال مؤسسة على مجهوداتهم، هذا النصب التذكاري الذي يشيد بمدى ذكاتهم؟ الرئيس “إدواردس”، ومن خلال تعمقه أكثر فيما تحتاج إليه البشرية من تحليل للأمور من زاوية الإيمان بالله الذي أعلن ذاته يكتب ما يلي:
التفكير بشكل منطقي ومنهجي، في غياب …النور الروحي، لن يتيح أبداً لأحدهم امتياز رؤية الأمور من زاوية علاقتها الصحيحة بالأشياء الأخرى، وبالأشياء على وجه العموم… فالإنسان الذي ينطلق من معرض تحليله للأمور في غياب النور الإلهي، هو أشبه برجل يدخل في قتام الظلام بستاناً مملوءً نباتات جميلة ومرتبة بموجب أفضل الأساليب الفنية، ليقارن بين الأشياء من خلال انتقاله من شيء إلى آخر، وتلمسها لإدراك جمالها[37].
بالنسبة إلى المسيحيين الذين يتكلون على الدلائل، إن تحليلاً كهذا يصطبغ بالتحرك ضمن دائرة. وهذا التحليل الدائري، يشكل في نظرهم الأمر المرعب والفظيع الذي ينبغي تجنبه بأي ثمن. وهنا موضوع انتقادهم الرئيس لما يعرف اليوم باسم “علم الدفاع المبني على فرضية كون الإيمان المسيحي المبني على الإعلان في الكتاب المقدس، يبقى الأساس الأوحد للتفكير العقلاني”، (هذا مع كوني أفضل أن أطلق على هذا ببساطة صفة “علم الدفاع الكتابي”).
فالفرضيون، في نظرهم، “يفترضون مسبقاً” خلاصاتهم عوضاً عن برهانها، مع إصرارهم أيضاً على ضرورة أن يحذو غير المؤمنين حذوهم في ذلك. لذا، فالكنيسة – بحسب المعتمدين على الأدلة – هي متروكة من دون أي دفاع عن معتقداتها.
حرص المعتمدين على الدلائل، على عدم ترك الكنيسة بلا دفاع، يشكل بالطبع أمراً مشروعاً ويستحق الثناء. لكن الفرضيين أو “الكتابيين” لا يؤمنون بأنهم يتركون الكنيسة في هذه الحالة، كما يتهمهم بذلك المتكلون على الدلائل. بل على نقيض ذلك، هم يؤمنون أولاً بأن الذي يرتكز على الدلائل، هو الذي يترك الكنيسة تتخبط في تلك الحالة. بما أن الكنيسة تترك على أساس المعتمد على الدلائل، من دون أي سلطة أكيدة في المطلق.
وثانياً، يبقى المدافع الكتابي هو الذي يعرض وحده دفاعاً صحيحاً عن الإيمان المسيحي، هذا الدفاع الذي لا يساوم فيه في الوقت عينه على “الطابع الإلهي” لله الواحد الحي والحقيقي. وعلى ثالوثه، وعلى الأسفار المقدسة التي تصادق على نفسها بنفسها. كلمة توضيح وشرح لهذا المنحى الدفاعي هي في محلها. إنها في جوهرها بسيطة جداً فعلاً.
لدى إدراكنا أن لا أحد يقترب من مسألة ما وهو محايد، يستخدم الذين ينطلقون من الفرضيات المسبقة اللفظة “فرضية مسبقة” بالمفهومين المجرد والشخصي. هذه اللفظة، بمعناها المجرد، تشير إلى الأساس المتسامي الحالي للبعد الكوني وللوضوح الذي يمكن من الفهم، أي إلى الله المثلث الأقانيم. أما بحسب المفهوم الشخصي، فهي تشير إلى أكثر الالتزامات الأساسية على الصعيدين القلبي والشخصي لدى الإنسان.
هذا الالتزام ينعم (1) بأعظم سلطة على صعيد تفكر الفرد، بما أنه المعتقد الأقل قابلية للتفاوض حوله من ضمن شبكة معتقدات الشخص. و(2) هو الذي يشهد أعظم قدر من المناعة حيال مراجعته وإعادة النظر فيه.
إذاً، فيما يخص الالتزام الأخير، إن كان أحدنا منسجماً مع ذاته، فالخلاصة المقصودة من أسلوب المحاججة التي يعتمدها، ستشكل أيضاً المعيار أو الفرضية المسبقة التي تتحكم بالسبيل الذي يعتمده أحدهم في معرض المحاججة للبلوغ إلى تلك الخلاصة. وإلا لا تبقى الخلاصة المقصودة بمثابة الالتزام الأخير لأحدهم على الإطلاق. لكن شيئاً آخر يحل مكانها. بالنسبة إلى المسيحي الذي ينطلق من فرضيته المسبقة بإيمانه بالله وبالإعلان الكتابي، “يتطابق المفهومان، بما أن التزامه الأساسي هو ولاؤه لله الذي يشكل فعلاً الأساس لكل وضوح كوني يمكن من الفهم”[38].
المدافع الكتابي، انطلاقاً من إيمانه بأن “مخافة الرب رأس المعرفة” (أمثال 1: 7)، ومن كون المسيح هو “المذخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم” (كولوسي 2: 3)، وبالتالي فإن الله المثلث الأقانيم (و/ أو المسيح الشاهد عن نفسه بنفسه) هو الأساس المتسامي لكل معنى، ووضوح قابل للفهم، ومناداة. يؤكد هذا المدافع أن حق كلمة الله التي تصادق على نفسها بنفسها، كما استحالة ما هو نقيض ذلك[39]، من الضروري افتراضها مسبقاً منذ البداية وحتى النهاية في سياق شهادة المدافع.
وهكذا انطلاقاً من اقتناعه الراسخ بأن الأسفار المقدسة هو إعلان الله الأكيد واليقيني، هو يرفض تناول أية مسألة لها علاقة بالأسفار المقدسة وبالإنجيل، وكأنها موضوع شك، فعلى كل حال، ليس الله هو المذنب الذي يحاكم؛ بل هذا يصح على الناس. كما أن خلق الله وكلمته، ليسا هما موضوع التشكيك، إنما خلق الإنسان مع كلامه (أيوب 40: 1، 8؛ رومية 3: 4؛ 9: 20). ولا يفوتنا كون “هذا عالم أبيه السماوي هو”.
وعليه، لا يعود المسيحي في هذه الحال هو المنوط به تبرير وجوده في العالم، بل يلزم جعل غير المسيحي يشعر بثقل ضرورة تبرير آرائه غير المسيحية في هذا العالم المسيحي، المبني على الإيمان بالله الذي أعلن ذاته في الكتب المقدسة.
يؤمن المدافع “الكتابي” بأن نشره للإيمان كما دفاعه عنه، عليه تأديتهما بشكل ينسجم مع التزامه الأسفار المقدسة بشكل جوهري، لئلا يفقد ذلك فعاليته وتماسكه. وعليه، لا يؤمن بأن بوسعه إدخال أي تحسين على الرسالة بجملتها، التي كان الله قد أمره بضرورة توصيلها إلى أناس ساقطين.
وإذ يأخذ بكل جدية كل ما تقوله الأسفار المقدسة عن عجز البشر الساقطين عن فهم أمور الروح القدس (1كورنثوس 2: 14؛ راجع أيضاً رومية 8: 7-9؛ أفسس 4: 17، 18)[40]، إنه يتكلم رسالة الله (ويحاجج لأجلها) لا مع ما يعرف “بالشخص العقلاني والمحايد” الذي يدعي بأنه يقف أمامه (هذه هي الفرضية المسبقة المغلوطة التي يراعيها الإنسان الساقط عن نفسه)، بل مع العميان روحياً، والعدائيين روحياً والأموات روحياً الذي يصرح الله بأنهم يقفون أمامه.
وهو يقدم على ذلك واثقاً بأن روح الله العامل من خلال كلمة الله ومعها سوف يجدد أولئك المختارين لكي يدعوهم إليه. متى قام المرتكز على الدلائل ليعترض على كون المدافع الكتابي يكتفي “برمي صخور الإنجيل على رأس غير المؤمن”، وعلى إصراره أن يقبل غير المؤمن المعايير الكتابية لتفحص الحق، ومتى أعلن من جهة أخرى أن الثقل موضوع على المسيحي لكي يبرهن عقلانياً وتجريبياً وجود الله من طريق البراهين الكلاسيكية، يرد عليه المدافع “الكتابي” غير المتهيب والشجاع أنه يترتب عليه مواصلة اعتماد هذا المنحى، وذلك على غرار الطبيب النفساني الذي يلزمه مواصلة اعتماد المنطق مع المريض العقلي مع كونه لا يزال يعيش في عالمه المليء بالفوضى والتشويش، وفي ظنه أن الطبيب المعالج هو الفاقد عقله.
كما أنه يذكر المعتمد على الدلائل بأن الأسفار المقدسة لا تحاول أبداً برهان وجود الله، لكنها تفترض باستمرار العقائد المختصة بالله، والإنسان، والخطيئة، والفداء. المدافع “الكتابي” من خلال افتراضه مسبقاً الإيمان بالله الذي أعلن ذاته في الكتاب المقدس، إنما يتبع بذلك ببساطة مثال الأسفار المقدسة نفسها. بكلام آخر، إن كان الكتابيون يرتكزون على الإيمان وحده، بمعنى افتراضهم مسبقاً حق الكتاب المقدس، يصبح من الممكن وصف الأسفار المقدسة على أنها هي أيضاً ترتكز على الإيمان وحده.
يسر المدافع “الكتابي” بالطبع، في معرض محاججته مع غير المؤمن، أن يستخدم كل المعلومات الكتابية مع انعكاساتها على الطبيعة والتاريخ بصفتها دلائل (مفسرة إلهياً من قبل) على مصداقية الموقع المسيحي (وهذا الدليل مقتدر حقاً كما سبق لنا أن رأينا في النصف الأول من هذا الكتاب)[41]. لكنه لا يقبل أبداً بحياد سابق للتدين في معرض تقصي الدليل ولا يرى في الدليل سوى معلومات غاشمة أو غير مفسرة.
ليس هو على استعداد لمجاوبة “الجاهل الكتابي” (أي غير المؤمن) بموجب جهله، بمعنى أنه لن يحاجج في مسألة الإيمان المسيحي بالله الذي أعلن ذاته في الأسفار المقدسة، من منطلق الاختبارات التي يخضع غير المؤمن الحق لها من زاوية نظرته الخاصة به إلى العالم وإلى الحياة، وذلك لكي “لا يعادل الجاهل” (أمثال 26: 4).
لكن، متى “جاوب الجاهل حسب حماقته”، فإنه يقدم على ذلك فقط من قبيل شن هجوم على شخص غير المؤمن، بقصد إظهار له عدم القدرة على فهم هذا العالم بمعزل عن الله، مع النتائج المأساوية التي تترتب على عيشة هذا بانتظام بموجب نظرته إلى العالم هذه بعد أن حذف الله منها. (ذلك لأن ما من شخص غير مؤمن، كما حاجج “فرانسس شايفر” عبر السنين، يعيش أو بمقدوره العيش بانتظام بموجب نظرته هذه إلى العالم المناهضة لله). يقدم المدافع الكتابي عن هذا للحؤول دون أن يصبح غير المؤمن” حكيماً في عيني نفسه” (أمثال 26: 5).
يتمنى المدافعون “الكتابيون” لو يدرك المدافع المعتمد على الدلائل كيف أن له هو أيضاً فرضياته المسبقة، على شاكلة جميع الناس، كما أنه هو أيضاً يحلل الأمور بشكل دائري[42]. مثلاً، في الوقت الذي لا يسمح فيه المدافع المرتكز على الدلائل للكتاب المقدس بأن يصادق على نفسه بنفسه، إذ به يفترض مسبقاً (عن خطأ) أنا المعلومات الحسية (الكونية، التاريخية، المقتبسة من علم الآثار، إلخ).
تصادق على نفسها بنفسها[43]، وهو بالتالي يظهر “دوغماتياً” ومتمسكاً بعقيدة الاختبار الحسي على قدر ما يتمسك “الكتابيون” بدورهم بالإعلان. من هنا نجد كيف أن الاعتراض على التفكير الدائري الذي يثيره المعتمد على الدلائل ضد “الكتابي”، في الواقع ينطبق عليه هو أيضاً. لكن نهجه الذي يبدأ من حيث يبدأ، أي من معلومات حسية غاشمة “غير مفسرة”، تمسي غير صحيحة من الزاوية المنطقية من جراء الأسباب التي ذكرناها، وبالتالي لا يمكنها أبداً البلوغ إلى الله الواحد، الحي والحقيقي، أو الحصول على الحقائق.
ثامناً، يعلن الكتاب المقدس بتعابير واضحة وغير مبهمة أن الناس (بمن فيهم أرسطو، و”توما الأكويني” بعد اللذين حاولا، انطلاقاً من معلومات كونية، برهان وجود الله، المحرك الذي لا يتحرك)، لم يتمكنوا أبداً، بدءًا من أنفسهم، البلوغ إلى الله بواسطة منطقهم البشري (1كورنثوس 1: 21)[44]. كما أن مجرد محاولتهم القيام بذلك بحد ذاتها، مع أنهم قد لا يقصدون فعل ذلك عن وعي، إنما يعبر عن تفكير مرتد. إلى ذلك، إنه ببساطة ضرب من التاريخ القبيح، الإصرار على كون هذا قد حصل في وقت من الأوقات. وفي هذا السياق، يكتب الرئيس “إدواردس”:
… من يظن أن بوسعه برهان كون العالم تمكن في وقت من الأوقات من معرفة الله بالحكمة، أو كيف أنه كان بمقدور أية أمة على الأرض، أو أية مجموعة من الناس، أن يكتشفوا الطبيعة الحقة والعبادة الحقة للألوهية، وذلك بالاستناد إلى مبادئ المنطق وحده، ومن دون أية مساعدة من الإعلان، يلزمه العثور على تاريخ ما من العالم يختلف بالتمام عن كل الروايات التي يطالعنا بها كُتاب زمننا الحاضر، في الحقلين الديني والدنيوي على السواء. وإلا كان رأيه مجرد تخمين أو تقدير لما هو بالجهد ممكن. لكن، كل ما يؤكده التاريخ، لم يحصل قد فعلياً في العالم[45].
تاسعاً، ينقل نهج المدافع المرتكز على الدلائل، أساس الإيمان المسيحي لجعله يستند إلى عقائد يثبتها “الاحتمال” المعترف به لمجموعة الدلائل. وبشكل حاسم أكثر إلى مهارة، ودهاء، وفن الجامع البشري للدلائل وليس على حق كلمة الله. بكلام آخر، يصبح عمل الإنسان، لا كلمة الله، هو الأساس الأخير والحاسم للإيمان[46]. لكن بولس يرفض بوضوح أساساً كهذا، عندما يكتب:
وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع، بل ببرهان الروح والقوة، لكي لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوة الله. (1كورنثوس 2: 4، 5).
عاشراً، وأخيراً، لا تنسجم منهجية اللاهوت الطبيعي مع واقع النشاط الدفاعي للكنيسة الأولى، كما يصفه لنا سفر أعمال الرسل. تكفي قراءة سريعة لسفر الأعمال لاكتشاف كيف أن كلاً من بطرس، واستفانوس، وفيليبس، وبولس، لم يقدموا قط في سياق عظاتهم الإرسالية إلى الأمم على حث الناس الهالكين على أي شيء آخر سوى التوبة عن الخطيئة والانحناء بالإيمان أمام الله الذي أعلن ذاته في يسوع المسحي.
لا تحتوي حججهم على أية إشارة ضمنية على أنه كان بالأمر المشروع أمام سامعيهم التشكيك في وجود الله، إله المسيحيين، كما في حق الأسفار المقدسة، أو في تاريخية موت يسوع المسيح وقيامته في الجسد، وذلك قبل إقدامهم على أي التزام شخصي.
لم يقصدوا قط من خلال استنادهم إلى “الدلائل” – مثلاً، الرجل الأعرج الذي شفي (4: 9، 10)، المطر والمواسم المثمرة (14: 17)، المذبح المخصص للإله المجهول (17: 23، 28) – الإشارة ضمناً إلى أن دليلاً كهذا، “من المحتمل” أن يعمل على تأييد رسالتهم. هم نظروا إلى “الدليل” على أنه غير قابل للجدل، وإلى رسالتهم كشهادة حريزة وحصينة للحق. كما أن السلطة وراءها، جعلت من غير المؤمنين والمشككين مذنبين بجعلهم “الله كاذباً” (1يوحنا 5: 10) لدى رفضهم الإيمان. وهكذا عملوا ونشطوا، لا كفلاسفة، بل كـ (كيريغماتكس) أي كمعلنين للحق الإلهي.
يشعر تابع منهاج اللاهوت الطبيعي أنه في ضوء المسافة الشاسعة في الزمان والمكان التي تفصلنا عن المحور التاريخي لنشاط الله الفدائي، لا يجوز الطلب من الناس اليوم الإيمان بالمسيح على أساس سلطة الرسل، قبل أن تتاح لهم فرصة للتأمل لأنفسهم بكل الدلائل، ما هو مع وما هو ضد، الداعمة للادعاءات المسيحية.
أنا لا أمتعض أو أستاء من إقدام غير المؤمنين على التأمل في الدليل الصحيح للمسيحية، بل حقاً أشجعهم على ذلك، لكني أعتبر أن هذا المفهوم مغلوط. ترى، هل يملك غير المؤمن العصري معيارً ما مستقلاً لفحص الأمور يمكنه، بل يلزمه تقرير حق الإعلان المسيحي، وذلك قبل الإيمان؟ لا أظن.
إلى ذلك، هل غير المؤمن العصري الموجود على أية قارة من الأرض، هو في وضع مختلف اليوم عما كان عليه ديونيسيوس الأريوباغي في أثينا في نحو العام 50م؟ لم يكن ديونيسيوس في وضع يسمح له بتفحص مدى مصداقية رسالة بولس على تلة أريوس باغوس، الأريوباغيتيكا.
في حال صح ذلك، من الأسهل علينا اليوم تفحص مصداقية المسيحية لسبب بسيط، مفاده أن في حوزتنا اليوم في الكتاب المقدس شهادات العديد من الرسل، وليس رسولاً واحداً. فالجميع بلغهم الأمر بضرورة التوبة والإيمان بسلطة الشهادة الرسولية. لكن الفارق الوحيد بين ديونيسيوس وغير المؤمن العصري هو أن الأول أصغى إلى بولس شخصياً بينما كتب بولس بعض الرسائل إلى كنائسه باستطاعة غير المؤمن العصري قراءتها أيضاً. لكن الجميع ملزمون أن يؤمنوا برسالة الرسول بما أن المسيح الإلهي والذي يصادق بنفسه على نفسه هو الذي كان قد كلفه بذلك.
إن لم تسر الأمور هكذا، فعلينا في هذه الحال استخلاص أن ديونيسيوس الأريوباغي، الذي آمن بالمسيح ببساطة بناء على شهادة بولس، وذلك قبل إقدامه على إجراء أي تقص تاريخي مباشر لما كان ينادي به بولس، كان هذا الرجل قد أظهر أنه أعظم مغفل وأحمق على تلة مارس في ذلك اليوم من سنة 50م.
(أعمال 17: 22-34)، وأن أكثر الناس فطنة وذكاء هناك، كانوا أولئك الذين قرروا الإصغاء إلى بولس مجدداً في فرصة قادمة! كلا، فالعظات الإرسالية التي ألقاها بطرس، واستفانوس، وفيلبس، وبولس، لم يحثوا فيها قط الناس الهالكين على القيام بأي شيء آخر سوى التوبة والإيمان. ولدى مناقشتهم الأمور، استخرجوا حججهم من الأسفار المقدسة (أعمال 17: 2؛ 18: 28).
هم خرجوا إلى العالم، لا كمختصين في شؤون المنطق أو كلاهوتيين بارعين في الفلسفة، بل كوعاظ وشهود، مقتنعين بأن رسالتهم لا جدل حولها ولا تقهر لجهة مصداقتيها. هم أصروا على كون التوبة إلى الله والإيمان بيسوع المسيح، يعدان الرد الوحيد الصحيح على الشهادة الرسولية. كتب “ج. أ. باكر” عن كل الحجج غير المسيحية لدعم صحة الادعاءات المسيحية:
… كل الحجج لبرهان وجود الله، وكل التفاسير التي تتناول التشابه الجزئي بين الكائنات والتناسب، والإسناد، وكل المحاولات لتكوين مفهوم واضح عن الله، مع كل المحاولات لإظهار انه لأمر طبيعي الإيمان بالله الذي أعلن ذاته في الكتاب المقدس، تبقى ضعيفة من زاوية المنطق. فهي لا تصرح سوى بمجرد إمكانات (لأن الاحتمالات تشكل صنفاً واحداً فقط مما هو ممكن) وهي كلها عرضة للمحاججة ضدها والتي لا تعرف نهاية.
من غير الممكن أن تبدو وكأن لا لبس فيها ولا جدل حولها. وفي حال عرضها بحد ذاتها، لن تقوى على الصمود أمام أي شخص عنده إلمام بشيء من المنطق. كما أن من شأنها الإساءة إلى أي لاهوت يبدو عليه أنه يتأسس على هذه الحجج ويعتمد عليها[47].
أنا أتفق من كل قلبي مع “باكر” مؤكداً مرة أخرى بينما أنهي هذا افصل، ما سبق لي أن أكدته في بدايته. أقصد بذلك إيماني بالله المثلث الأقانيم لكوني مسيحياً آمن بنعمة الله بمجموعة الدلائل، التي لا يرقى إليها أي شك، على المصداقية التي تثبت نفسها بنفسها ليسوع المسيح وربوبيته كما تعلن لنا ذلك الأسفار المقدسة المسيحية.
وباختصار، لدي التزام مسيحي في معرض سعيي لجعل من الكتاب المقدس وحده أساسياً. ولا يحاولن أحد – وبكل تأكيد أي مسيحي، وبالأخص أي مسيحي مصلح ملتزم معايير “وستمنستر” – نعت هكذا التزام إيماني بالإيمان الخالي من المنطق، بمعنى التزام الإيمان المؤسس على لا شيء، أو قفزة إيمان في الظلام.
ذلك لأن إيماني بالله المثلث الأقانيم وبالمسيح الشاهد لنفسه في العهد الجديد، إنما هو ثمر عمل روح الله المجدد في قلبي من خلال ومع الحق المجرد والمعلن لكلمة الله التي تبرهن عن ذاتها بذاتها وتؤكد صحتها بذاتها (الأمر الذي يجب أن يجمع عليه كل المفكرين المصلحين)[48]. كما أن التهمة بأن التزاماً كهذا يتأسس على مجرد التمني، مع أنه لا يقصد ذلك ربما، لا يزال في جوهره ضرباً من ضروب الارتداد التي لن تصمد أبداً، بل لا بد لها أن تتقوض وتنهار أمام دينونة الله.
الآن، كيف عساي أن أرد على من يزعم أن بوسع أي شخص يعبد “بوذا” أن يقول الأمر عينه عما يدفعه إلى الإيمان بديانته وكتبها؟ في معرض ردي عليه، سأعرب له عن سروري بان أستعرض مع البوذي، بكل عناية ولطف، الحجة بأكملها المختصة بالكتاب المقدس مع ما ترتبط بها من مجموعة هائلة من الدلائل الكتابية على مصداقية المسيحية. إنني بذلك، أظهر له أني أملك يسوع الحق فيما معبوده مزيف.
كما أن لدي الإعلان الإلهي الحقيقي والحرفي فيما كتبه مزيفة ومشحونة بالأخطاء. من ثم، سأحثه على ترك البوذية والتحول عنها من أجل الإيمان بيسوع الذي تعرفت به. سوف أقدم على ذلك لأن إعلان حق الأسفار المقدسة له، هو أجدى نفعاُ من الحجج غير المسيحية المزيفة، وذلك من خلال نقلي إليه الحقائق المطلقة التي سيستخدمها الروح القدس للإتيان بالشخص البوذي إلى الإيمان.
علينا ألا ننسى أبداً كيف أن الإيمان الذي يخلص، مصدره الله، وذلك من خلال الروح القدس العامل بواسطة كلمة الله ومعها داخل قلب الخاطئ لتجديد نفسه. يعلن المزمور 65: 4 كيف أن الله يختار إنساناً ما، ثم يجعله يقبل الحق المسيحي. لذا، فإن “غوردن هـ كلارك” هو على حق من خلال إعلانه:
لا يمكن في سياق العمل التبشيري، الاستعانة بأية مواد دنيوية وغير مسيحية أو اللجوء إليها. لكن ثمة لجوء واحد، إنه اللجوء إلى الروح القدس من خلال الصلاة لحمل الخاطئ إلى قبول حقائق الإنجيل. ولك لجوء آخر باطل ولا ينفع.
والآن، إن كان أحد يرغب في الحصول على إجابة مبدئية عن السؤال: ترى، لماذا يقبل أحدهم الإيمان، فيما يرفضه شخص آخر، أو لماذا يقبل واحد كتاب “بوذا” وآخر الكتاب المقدس؟ والجواب هو أن الله هو الذي يجعل أحدهما يؤمن. لكن في أثار أحدهم مسائل أخرى، أو أي اعتراض، يترتب على قراءة الحجة [في كتاب كلارك] من جديد[49].
[1] راجع كتابي حول الكمالات الإلهية تحت عنوان
What is God? (Ross-shire, Scotland: Mentor, 2007).
[2] A. W. Tozer, The Knowledge of the Holy (New York: Harper & Row, 1961), 5.
[3] Tozer, The Knowledge of the Holy, 10.
[4] لكن من دون اللقب العبراني إيلوهيم، أو 1يوحنا 5: 7، 8 من النص المستلم. راجع كتابي
A New Systematic Theology of the Christian Faith (Second Edition: Nashville, Tenn Thomas Nelson, 2002), 154, and Bruce M. Metzger, A Textual Commentary on the Greek New Testament (New York: United Bible Societies, 1971), 716-18.
من أجل الوقوف على الأسبا وراء عدم اعتماد هذين النصين كدلائل على الثالوث.
[5] هذا الجانب من التثليث الأرثوذكسي – عقيدة البريكوريزس التي تعد على العموم تعليم اللاهوت الكبدوكي ويوحنا الدمشقي في كتابه
Exposition of the Orthodox Faith, Book IV, Chapter XVIII
هو حيوي بالنسبة إلى الوحدانية الإلهية. أومن بأن هذا الأمر صحيح بالضرورة، وذلك في ضوء حقيقتي كون الله المثلث الأقانيم كائناً إلهياً غير قابل للانقسام، ولأن كل أقنوم يمتلك في ذاته الملء بالكامل، أي الكيان الإلهي غير المنقسم بأكمله (راجع كولوسي 2: 9). لكني لا أظن أن صحة هذا مردها إلى السبب الذي يعرض لها، أي ما صرحه يسوع في يوحنا 10: 38 “الآب فيّ وأنا فيه” (راجع أيضاً 14: 10، 11؛ 17: 21، 22).
كيف كان بإمكان أعداء يسوع المعاصرون له، بمجرد ملاحظتهم أعماله، استخلاص عقيدة التواجد معاً ضمن جوهر واحد لأقانيم اللاهوت. أو تداخلهم المتبادل معاً؟ لكن، كان بإمكانهم استنتاج ذلك من ملاحظتهم أعمال يسوع المعجزية كيف أن خدمته كانت تنسجم مع الإرادة الإلهية، وتنعم بالبركة الإلهية، وكيف أن الله كان بمعنى أو بآخر في اتحاد معه، وأنه كان هو بمعنى أو بآخر في اتحاد مع الله.
لعل تشابهاً جزئياً هنا هو التفسير الذي يعرضه اللاهوت المصلح لحرف الجر “إن” ضمن عبارة بولس إن خريستو وعبارته خريستس إن هيومن (كولوسي 1: 27) حرف الجر هذا عينه، الوارد في يوحنا 10: 38. هل يوجد بين اللاهوتيين المصلحين من يرى أن بولس يتحدث في عبارتيه عن تواجد معاً للأقانيم ضمن جوهر واحد او عن تداخلهم المتبادل؟ ألا يوجد تأكيد دائم على أن هذه العبارات تتحدث عن الوحدانية الروحية الحيوية القائمة ما بين المسيحي ويسوع المسيح؟
فعندما صلى يسوع من أجل كل شعبه “ليكون الجميع واحداً، كما [كاثس] أنك أنا أيها الآب فيّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا” (يوحنا 17: 21)، هل يوجد بين اللاهوتيين المصلحين من حاجج في أن المسيح كان يصلي لكي يختبر المسيحيون تواجداً معاً للأشخاص ضمن جوهر واحد أو عن تداخلهم المتبادل مع أنفسهم ومع اللاهوت؟
ولدى تصريح يسوع بأن المجد المعطى له من الآب، سيعطيه بدوره لشعبه “ليكونوا واحداً كما [كاثس] أننا نحن واحد” (يوحنا 17: 22)، هل يوجد بين اللاهوتيين المصلحين من حاجج في أن المسيح كان يعلم أن المسيحيين سوف يختبرون تواجداً متبادلاً معاً أو تداخلاً فيما بيهم؟ ألم يعلم اللاهوت المصلح بانتظام أن يسوع كان يصلي لأجل الوحدانية الروحية للكنيسة في القصد، والمحبة، والفعل في هذا العالم، والتي يمكن ملاحظتها؟
[6] Morton H. Smith, Systematic Theology (Greenville, S. C.: Seminary Press, 1994), I, 152.
يؤكد أن الطبيعية الدقيقة لولادة الابن الأزلية ولانبثاق الروح الأزلي “هي بمثابة لغز لنا”. يوافقه هذا الرأي عدد من الكُتاب الآخرين.
[7] Calvin, Institutes, 1. 13.2.
[8] Herman Witsius, The Economy of the Covenants Between God and Man, translated by William Crookshank (Reprint: den Dulk Foundation, 1990; distributed by Presbyterian and Reformed), 1: 52.
[9] Cornelius Van Til, “Response to Clark H. Pinnock” in Jerusalem and Athens, edited by E. R. Geehan (Nutley, N. J.: Presbyterian and Reformed 1971), 427.
[10] See Hermann Bavinck, The Doctrine of God (Reprint: Grand Rapids: Baker, 1977), 321-30.
[11] Nathan R. Wood, The Secret of the Universe (New York: Revell, 1932).
[12] Bavinck, The Doctrine of God, 322. Benjamin B. Warfield expreses the Same opinion in “The Biblical Doctrine of the Trinity” in Biblical and Theological Studies, edited by Samuel G. Craig (Philadelphia: Presbyterian and Reformed, 1952), 22-27:
“عقيدة الثالوث هي عقيدة معلنة بالكامل… فما من تشابهات جزئية لها في الطبيعة، ولا حتى على صعيد الطبيعة الروحية للإنسان المصنوع على صورة الله”. في هذا المقال، يناقش “وارفيلد” أيضاً حجة “ب. ككرمان” لأجل الثالوث انطلاقاً من الوعي الذاتي عند الله، وحجة “ريتشارد أف ساينت فيكتور” لأجلها انطلاقاً من طبيعة المحبة؛ وحجة “جوناثان إدواردس” الوجودية، مبيناً الشوائب في كل منها وطبيعة عدم الحسم لكل واحدة من هذه الحجج.
[13] ليس الله نفسه مكتملاً في ذاته وعنده اكتفاء ذاتي وحسب، بل إعلانه الخاص هو أيضاً يثبت نفسه بنفسه ويصادق على نفسه بنفسه، لأنه لو كان في حاجة إلى أي كان أو أي شيء للمصادقة على طبيعته الإلهية – انطلاقاً من مبدأ كون المصدر الذي يصادق على أمر ما، هو دائماً صاحب السلطة العليا والأخيرة (عبرانيين 6: 13) – لن يعود هذا الإعلان بمثابة كلمة الله.
[14] Robert L. Reymond, The Justification of Knowledge (Phillipsburg, N. J.: Presbyterian and Reformed, 1984).
[15] عليّ أن أوضح أمراً عند هذا الحد. فبينما أومن من كل قلبي بأن الله قد أعلن ذاته لي بهذه الطريق الأربع، لا أومن بأني عرفته كمخلص من خلال أساليب الإعلان الأربعة هذه، وذلك وفق التسلسل الذي به أدرجتها. فقبل اهتدائي، وبالرغم من “علمي” بالله وبأحكامه العادلة (أعمال 17: 23؛ رومية 1: 20، 21، 32؛ 2: 14، 15)، حجزت هذا الحق بسبب إثمي (رومية 1: 18) فعبدت وخدمت المخلوق من دون الخالق.
عرفته أولاً لخلاص نفسي فقط عندما عمل الروح القدس من خلال ومع إعلانه لمبادئه، فجددني وهكذا أعلن المسيح لي. عندئذ فقط، وليس قبل ذلك، أدركت بشكل صحيح الدليل الإعلاني عنه (والذي كان موجوداً طوال الوقت) في الخلق والعناية. أنا أوافق بالتمام على التعليق التالي لـ “كالفن”: “على غرار الكهول وضعيفي البصر الذين إذا جعلت قبالتهم أجمل كتاب، وحتى لو أدركوا انه شكل من أشكال الكتابة، يقدرون بالجهد تفسير كلمتين منه، لكنهم متى استعانوا بنظارات يصبح بمقدورهم القراءة فيه بوضوح، هكذا تعمل الأسفار المقدسة إذ تجمع معرفتنا المشوشة عن الله، وتبدد بلادتنا، مظهرة لنا بوضوح الله الحقيقي” (Institutes, 1,6,1).
ثم يكرر الشيء نفسه فيما بعد إذ يكتب: “… وكما أن العينين متى ضعفت من جراء الشيخوخة أو الوهن، أو بسبب علة أخرى، لن تعودا تقويان على تمييز أي شيء بوضوح، ما لم يستعن المرء بنظارات، هكذا هو حال ضعفنا البشري، لأنه ما لم ترشدنا الأسفار المقدسة في بحثنا عن الله، نرتبك فوراً” (1. 14. 1).
[16] بالطبع، في نظر بعض الديانات الشرقية، عندما ننسب إلى الله الوجود، نحن لا ننسب إليه الكمال، بل بالحري عدم الكمال. مثلاً، بحسب “بوذية هينايانا” النرفانا، أو حالة الاستنارة التي تشهد زوالاً للرغبة، والألم، وللوعي الذاتي. كما أن الهدف الذي يسعى في أثره جميع الأرهاتس أي الذين بلغوا مرحلة “الاستنارة” هو اللاوجود. أما على صعيد “بوذية الماهايانا” فالنرفانا ليس بموجود أو غير موجود، ولا غير موجود أو موجود. إنه مجرد فراغ.
[17] Buswell, Systematic Theology, I, 99-100.
[18] المدافعون الليغونية، من خلال كتابهم تحت عنوان Classical Apologetics (“علم الدفاع الكلاسيكي”) يقصدون الإيحاء بأن نهجهم الدفاعي حيث يبذلون جهداً لإنشاء نهج لاهوتي طبيعي قبل أي استناد إلى إعلان خاص، وبمعزل عنه. يعمل أسلوبهم ضد جماعة الذين يرون في الإيمان المسيحي الأساس الأوحد للفكير العقلاني، هذا المبدأ الأكثر حداثة الذي ينادي “بالإيمان وحده” أو “بقفزة الإيمان”، هذا المبدأ الذي لطالما اعتمده الجانب المفكر من الكنيسة. غير أن هؤلاء “المدافعين الكلاسيكيين” هم المنادون بالإيمان وحده، فيما الذين يرون في الإيمان المسيحي الأساس الأوحد للتفكير العقلاني ليسوا كذلك، كما سنظهر في هذا الفصل.
لعل الشائبة الرئيسة في كتابهم، هو تركيزهم على الإيمان وحده، والمعبر عنه في إيمانهم الأعمى والعنيد بقوى مجرد المنطق البشري لإنشاء نهج لاهوت طبيعي في وجه الاعتراضات المروعة حقاً لهذا الخط من قبل المنطق، ونظرية المعرفة، والأسفار المقدسة. يخصص الكتاب قرابة النصف عدد صفحاته لمحاولة دحض فكرة كون الإيمان المسيحي هو الأساس الأوحد للتفكير العقلاني، ناعتاً هذا التفكير بأنه ضرب من ضروب المنطق الدائري.
ثم ينتقل الكتاب للدفاع عن مجوعته الخاصة من البديهيات أو الفرضيات المسبقة، وبالتحديد لجهة صحة قانون السبب والنتيجة، وصحة قانون عدم التناقض، والموثوقية المبدئية بالإدراك الحسي (72)، وكاستخلاص للفرضية المسبقة الثالثة، التصريح بأن “الاستقراء قد يفضي إلى الحق المطلق” (89). الكُتاب من خلال إقرارهم بأن “التجريبية المجردة” هي عاجزة عن تجنب التيار التشكيكي، يكتبون “في غياب الإعدادات المسبقة، من صنف الأمور البديهية النقية عن المكان والزمان التي تحدث عنها “كانت”، أو القدرات على جمع الأمور، وربطها بعضها ببعض، والاستخلاص منها بحسب “لوك”، أو الفئات التي ذكرها “أرسطو”، لا يمكن للإحساس أن يتحول إلى إدراك” (85-86).
يا لهمن حساء غريب، يشكله هؤلاء الثلاثة: “كانت”، و”لوك”، و”أرسطو”، من وجهة نظر نظرية المعرفة! لكنهم يواصلون إصرارهم على كون الإنسان يمتلك إعدادات كهذه. لكن، هل كان كل من “كارل بوير”، و”ماكس بلاك”، و”برتراند راسل”، ناهيك أيضاً بـ “دايفيد هيوم” على خطأ لدى محاججتهم في كون الاستقراء هو مغالطة استدلالية؟ أين يظهر خطأ الكتاب؟ “برتراند راسل” مثلاُ يعرض مشكلة الاستقرائيين بهذا الشكل:
كل الحجج الاستقرائية في نهاية المطاف تختزل نفسها ضمن الصيغة التالية: “إن كان هذا حقاً، فذلك حق، الآن ذلك حق، إذاً هذا حق”. هذه الحجة، تنطوي بالتأكيد على مغالطة [مغالطتها تكمن في تأكيدها للنتيجة]. لنفترض أني قلت: “إن كان الخبز حجراً، والحجارة تغذي، إذاً من شأن هذه الحجر أن يغذيني؛ الآن هذا الخبز يغذيني فعلاً؛ لذا هو حجر والحجارة مغذية”. لو كنت لأعرض حجة كهذه، سينظر إليّ بالتأكيد كمختل، لكن لن يختلف هذا كثيراً عن الحجة التي تبنى عليها كل القوانين العلمية.
“كارل بوبر” أحد فلاسفة العلوم المتقدمين من القرن السابق، أكد أن العلم، المؤسس كما هو على معرفة تجريبية، ليس سوى “تخمينات وعمليات دحض” (هذه العبارة تشكل عنوان كتابه Conjectures and Refutations):
…. ولئن كنا نبذل قصارة جهدنا في العلم للعثور على الحق، نحن نعي تماماً حقيقة كوننا لا نستطيع أبداً التأكد من حصولنا عليه… نعلم أن نظرياتنا العلمية تبقى دائماً افتراضات… فما من “معرفة” في العلم بالمعنى الذي به فهم أفلاطون أو أرسطو اللفظة، أي بالمعنى الذي يشير ضمناً إلى أمر نهائي وحاسم؛ وفي العلم، لن يتوافر لدينا أبداً الموجب الكافي للاعتقاد أننا بلغنا الحق… كل محاولاتنا لرؤية الحق ولإيجاده، ليس نهائية بل منفتحة على التحسن… معرفتنا وعقيدتنا هما من قبيل التخمين؛ فنحن نحزر ونفترض، بدل الفوز بالحق الأكيد.
النهج الذي يعتمده الدفاع “ليغونية”، في تعويله كما يفعل على الإدراك الحسي كواحد من فرضياته منذ البداية، يدمر كل أمل بتحليل الأمور على أساس القياس المنطقي، واحد من الأمور الأساسية التي يتباهون بها. الإدراك الحسي بواسطة أفراد محدودين، حتى ولو سلمنا بأنهم معصومون (الأمر الذي لا ينطبق عليهم)، لن يخلو بالطبع من المحدوديات التي تلازم هكذا أفراد بشكل طبيعي، ولا يمكنها أن تؤدي إلى صياغة مبادئ كونية.
لكن، في غياب المبادئ الكونية، يكون من المستحيل إجراء أي تحليل بموجب القياس المنطقي. لأنه من قواعد القياس المنطقي أنه ما لم يكن البند الأوسط فيه موزعاً بين الفرضيتين، لا يمكن الخروج بأية خلاصة، أو تكون هذه الخلاصة ممكنة بشكل صحيح. باختصار، من المعترف به كونياً أن كل محاولة لاستخراج معرفة من مجموعة من البديهيات والفئات المسلم بها مسبقاً بالإضافة إلى المعلومات الحسية، مكتوب لها أن تلقى المصير نفسه الذي كان من نصيب نظام “كانت” ألا وهو التشكيك العنيد فيها بالكامل.
مدافعو “ليغونيه” لا يمكنهم ببساطة التباهي بأن “بمقدورهم الانتقال مما هو ظاهري إلى ما هو حدسي من خلال تطبيق قانون عدم التناقض، وقانون السببية، والموثوقية المبدئية للإدراك الحسي” (89)!
[19] R. C. Sproul, John Gerstner, and Arthur Lindsley, Classical Apologetics, 106.
[20] John M. Frame, Van Til and the Ligonier Apologetic, WTJ 47 (1985), 296.
[21] أعني بعبارة “منهج اللاهوت الطبيعي” ذلك الأسلوب اللاهوتي الذي كان قد اعتنقه مثلاً توما الأكويني الذي حاول الجمع بين بديهيتين: البديهية الدنيوية للإدراك الحسي الذي أخذها من أرسطو والبديهية المسيحية التي استقاها من الكتاب المقدس (راجع “طرقه الخمس” الشهيرة في كتابه Summa Theologica, I, 2, 3 and Summa Contra Gentiles, I, XIII). ففي “الطابق الأول”، تبنى أولاً المقدمة الفلسفية بالمنطق الطبيعي العامل بمعزل عن المعلومات الحسية، والتي يقال عنها أنها تبرهن مجرد وجود الله.
من ثم يجعل فوقه “الطابق الثاني” المكون من مجموعة من المعتقدات المأخوذة من الإعلان الخاص. في هذا الشكل من “اللاهوت الطبيعي”، الإعلان المسيحي، الذي لا يقصد منه إزاحة المقدمة الفلسفية من مكانها أو العمل كأساس لها، يقال إنه يفترض مسبقاً المقدمة الفلسفية وعلى ما يبدو، يثبتها ويكملها. حاججت ضد نهج التركيب هذا في كتابي The Justification of Knowledge والفصل الخامس، مبيناً كيف أن هذا التركيب الذي اعتمده توما أخفق. أمامنا تلك الحجة من جديد: حجج توما غير صحيحة، وذلك للأسباب التالية:
1 – لا يستطيع أحدنا ببساطة الشروع من وجود معلومات حسية، ثم يكمل من هناك، بواسطة قوانين المنطق الرسمية، للكلام عن وجود خلاصة غير حسية.
2 – اعتقد توما أن الذهن، قبل أن تصله الانطباعات الحسية، هو صفحة بيضاء. لكن الصفحة البيضاء من زاوية نظرة المعرفة، محفوفة بعوائق لا يمكن عبورها لتكوين المعرفة. لأنه إن كان كل ما على الذهن العمل معه هي الانطباعات الحسية كتقارير عما يحصل في العالم الخارجي، لن تتمكن المعرفة من الارتقاء إلى المستوى الكوني والضروري، ذلك لأنه من الدفق لا يخرج سوف الدفق. بكلام آخر، توما ومن خلال إنكاره أي وجود في الذهن لفكرة فطرية عن الله، أو وجود فيه على العموم أية أفكار فطرية، يجعل من المستحيل تكوين المعرفة.
3 – وبغية التوصل إلى محرك أول لا يتحرك، يحاجج توما في كون سلسلة الأشياء التي تحركها أشياء متحركة أخرى، لا يمكنها التراجع إلى اللامحدود، بما أن ترجعاً كهذا سوف ينفي وجود محرك أول. بالطبع، لا تتلاءم السلسلة اللامحدودة من العلل المتحركة مع محرك أول لا يتحرك. لكن، إن كان القصد من الحجة برهان وجود هذا الأخير، فإن وجود هذا الأخير، لا يمكن استخدامه قبل الأوان كواحدة من الفرضيات في الحجة. نحن هنا أمام “تأكيد للنتيجة” بشكل سافر.
4 – تستلزم حجج توما أن يكون الكون بجملته بمثابة نتيجة. لكن، ردنا بفظاظة على هذا، يجعلنا نصرح بأن لا أحد، وبالتأكيد المجرب على نحو خاص، لم يلاحظ الكون بجملته، وما من ملاحظة لأجزاء الكون التي بالإمكان ملاحظتها. تعطي هذه الفرضية الضرورية. ما من سبب قابل للبرهان لماذا لم يتكون الكون بجملته من مصادفات تشهد اعتماداً متبادلاً، والتي من خلال عملها معاً، تسند وتدعم بعضها بعضاً (راجع Buswell, Systematic Theology, I, 80).
5 – حيث أن توما كان مقتنعاً من أنه من غير الممكن تأكيد أي شيء يختص بالخلق بالمعنى نفسه لتأكيد ما يختص بالله، عندما يحاجج انطلاقا من “وجود” العالم إلى “وجود” الله، هو يقصد اللفظة “وجود” بمعنيين مختلفين، إنه بذلك يقترف المغالطة المنطقية المعروفة بالإبهام والتباس الأمور.
6 – في حال تسليمنا، لغرض الحجة، بصحة العلاقة بين السبب والنتيجة، إن كان يصح استخلاص من النتائج المنظورة وجود مسببها/ مسبباتها، لا يصح أن ننسب إلى مسببها / مسبباتها أية خصائص تتخطى حدود تلك الضرورية لإنتاجها. كل وجود لعالم محدود، يستلزم وجود مسبب/ مسببات تكون مقتدرة بما فيه الكفاية للتسبب به. إنها الصرخة القصية الصادرة عن الله الكلي القدرة في الكتاب المقدس.
إلى ذلك، بما أن الشيء الكثير مما يلاحظه أحدنا في العالم، هو ما يعرف عند المسيحيين بالشرور الأدبية، فكل تطبيق صارم لعلاقة السبب والنتيجة، يستلزم استخلاص كيف أن السبب النهائي والحاسم وراء هذه النتائج، ليس بجيد بالتمام أدبياً.
7 – في حال تسليمنا، مجدداً لغرض الحجة، بأن توما تمكن أن يبرهن من الحركة وجود محرك الذي لا يتحرك، قد نحتج ونعترض عندما يضيف: “وكل واحد يفهم هذا على أنه الله”. فالحجة لدى النظر إليها بشكل سطحي، تبرهن فقط وجود مسبب غير متحرك للحركة المادية. غير أن هذا المحرك لا يملك صفات الشخصية المتسامية.
ثمة أهمية بالغة، في نظري، لدى ملاحظة كيف أن الألفاظ التي يعتمدها توما في معرض وصفه الإله الذي يؤمن به والذي يبلغ إليه بواسطة هذا المنهج، هذه الألفاظ هي كلها محايدة، إنس، برفكتسيم، برايمم موفنس, إلخ، بكلام آخر، لو كانت حججة صحيحة، ففي غياب أي شيء متسام أو فوق طبيعي عند العلة الأولى بحسب توما، ستكون مدمرة للمسيحية مع الله إلهها اللامحدود والشخصي.
راجع رفض منهج اللاهوت الطبيعي لصالح “البديل الإعلاني” وعلى أسس مشابهة في كتاب “كارل ف. هـ. هنري” في God who Speaks and Shows, Vol. II of God, Revelation and Authority (Waco, Texas: Word: 1976), 104-23. راجع أيضاً مقاومة “كارل بارث” للحجج المستندة إلى الله، إله الكتاب المقدس، في كتابه Church Dogmatics, edited and translated by G. W. Boomley (Edinburgh, T. & T. Clark, 1957), II/I, 79ff.
يبدو أن المدافعين البروتستانت على وجه العموم اليوم، والذين تشكل التجريبية المصدر الرئيس لمعرفتهم، وبالأخص معشر المدافعين “ليغونيه”، لم يتعلموا سوى الشيء القليل من إخفاق توما. وإن كانت مجهودات توما باءت بالفشل، قد يسأل أحدنا، كما أفعل أنا في الحاشيتين 18، 40، إن كان المدافعون “ليغونيه” قد تكللت مساعيهم بالنجاح.
[22] إنه لأمر مشروع التحدث عن اللاهوت الطبيعي بصفته وعياً لدى جميع البشر بحكم كونهم مخلوقين على صورته. وأيضاً في ضوء إعلانه ذاته لهم في الطبيعية بشكل لا مفر منه (رومية 1: 20). (بالطبع. هذا “اللاهوت الطبيعي” تسعى البشرية جاهدة لإسكاته). أنا شخصياً لا أجد أية مشكلة منع هذا الاستخدام للعبارة، لا بل أدعم من كل القلب استخداماً كهذا.
[23] راجع كتابي The Justification Knowledge. 118-30.
[24] John M. Frame, The Doctrine of the Knowledge of God (Phillipsburg, N. J. Presbyterian and Reformed, 1987), 117-118.
[25] كان بمقدور الرئيس “إدواردس” أن يوفر على قارئه عناء التأمل في عبارته هذه “تقريباً”، ذلك بسبب عجز أي إنسان عن ملاحظة “كل الأشياء” التي يحتوي عليها العالم. من أجل برهان صفتها كـ “نتائج”.
[26] Jonathan Edwards, “Observations on the Scriptures: their authority – and necessity”, in Miscellaneous Observations from The Works of Jonathan Edwards (Edinburgh: Banner of Truth, 1974 edition), 2, 476.
[27] راجع مثلاً، صفة “الاحتمال” التي تصيغ النهج الدفاعي الذي يعتمده “وارفيل” في مقاله:
The Real Problem of Inspiration, “in The Inspiration and Authority of the Bible (Phillipshburg, N. J. Presbyterian and Reformed, 1948), 218-19.
وأنا كنت قد حاججت في الفصل الثامن في أن الأمر من غير الممكن أن ينطوي على حجة احتمالات بسبب عدم القدرة على حساب الاحتمال الحسابي لمصداقيته. لذا، لا معنى للحديث عن معتقد ديني معين في ضوء الاختبار التجريبي، على كونه “محتملاً أو “غير محتملاً جداً”. وفي الواقع، وبمعزل عن الإيمان المسيحي بالله، إله الكتاب المقدس، يكون هذا العالم من نتاج الحظ. ويتحكم به الحظ، حتى أن مفهوم الاحتمال نفسه، يخلو في هذه الحال من أي معنى.
[28] R. C. Sproul, John Gerstner, Arthur Lindsley, Classical Apologetics, 111, 116-123.
[29] John M. Frame, “Van Til and the Ligonier Apologetic”, 294.
[30] Buswell, Systematic Theology, 1, 79-80.
[31] في سياق رسالة خاصة موجهة إليّ بتاريخ 3 نيسان (أبريل) 1996، وصف “جون فرايم” التسامي الذي ينادي به معشر “الليغونيه” على أنه في “أفضل حالاته “بمثابة (أد هومينم) أي حجة تعتمد على مهاجمة الشخص الآخر”. هم يأملون أن يذعن غير المؤمن لهذه الافتراضات هذا ما سيفعلونه في معظهم. ثم ينكب “الليغونيه” على استنتاج أمور. لكن، يصادف حقاً أن تلتقي بعض المشككين الذين يرفضون أية افتراضات أولية.
[32] هذا هو حال المدافعين “الليغونيه” Classical Apologetics, 233يسأل “فرايم” في محله: “بكل جدية الآن، هل عقيدة السقوط هذه تليق بالكالفينيين؟ (Van Til and the Ligonier Apologetic”, 292).
[33] بعض اللاهوتيين، وفي ضوء ورود اسم الفاعل (غنونتس) في زمن الماضي الأول في رومية 1: 12، رأوا أنه فيما الجبلة البشرية بجملتها قد تكون قد عرفت الله عند نقطة ما من الماضي، لم تستمر هذه المعرفة إلى الحاضر، حتى إن اسم الفاعل في زمن الماضي الأول، لا يصف كل شخص اليوم. رد “جون فرايم” على هذه الحجة في كتابه
Apologetics to the Glory of God (Phillipsburg, N. J.: Presbyterian and Reformed, 1994), fn. 12.
على النحو التالي:
إن قصد بولس في هذا النص… هو جرء من قصده الأشمل في 1: 1 – 3 : 21، وهو إظهار كيف أن الكل أخطأوا وبالتالي ليس بوسع أحد أن يتبرر من طريق أعمال الناموس (3: 19-21). فهو يظهر في الفصل الأول كيف أن الأمم، حتى من دون أن يكون لهم وصول إلى الناموس المكتوب، هم مذنبون أمام الله من جراء خطيتهم (الفصل 2 يتناول اليهود).
كيف بالإمكان اعتبارهم مسؤولين من دون أن يكون لهم وصول إلى الناموس المكتوب؟ ذلك بسبب معرفة الله التي كانوا قد اكتسبوها من الخلق. إن كنا ننسب هذه المعرفة إلى الماضي، علينا في هذه الحال استخلاص أن الأمم في الحاضر ليسوا مسؤولين عن تصرفاتهم، الأمر الذي يتناقض مع 3: 9. الصيغة في الماضي معتمدة هنا (مع اسم الفاعل) لأن زمن الماضي هو السائد ضمن القرينة. هذا الأمر ملائم لأن بولس يتولى في الأعداد 21-32، عرض “تاريخ حجز الحق”.
لكن من الواضح أنه لا ينظر إلى أحداث الإعداد 21-32 على أنها تاريخ من الماضي ليس إلا. إنه يعتمد بوضوح هذا التاريخ لوصف الحالة الراهنة للأمم أمام الله. لذا، من الضروري عدم فرض على الماضي الأول (غنونتس) كونه يشير إلى الزمن الماضي حصرياً. ومع استمرار الحجز، تستمر معه أيضاً المعرفة التي تضفي على هذا الحجز صفة المذنوبية.
[34] يخبرنا “التعليم المسيحي الأوسع” لـ “جماعة وستمنستر”، والسؤال 106، كيف أن اللفظة “أمامي” في الوصية الأولى، المقصود منها من جملة أمور أخرى، “إقناعنا بضرورة القيام بكل ما نفعل به في خدمته وكأنه يحصل تحت ناظريه”.
[35] John M. Frame, “Van Til and the Ligonier Apologetic”, 287.
[36] Benjamin B. Warfield, “Introductory Note” to Francis Beattie’s Apologetics (Richmond, Va.: Presbyterian Committee of Publication, 1903).
[37] Jonathan Edwards, “Miscellanies # 408”, The Philosophy of Jonatan Edwards, ed. By H. G. Townsend (Westport, Conn.: Greenwood, 1972 reprint of the 1955 edition), 249.
[38] مقتبسة من مراسلة خصوصية بيني وبين “جون فرايم” بتاريخ 6 أيار (مايو) 1996.
[39] أقصد من خلال هذه العبارة “استحالة ما هو نقيض ذلك” عجز أنظمة الفكر غير المسيحية عن تفسير العقلانية والأخلاق. كما أن هذه الأنظمة تنزلق في نهاية المطاف إلى التشكيك واللاعقلانية.
[40] يشير “ريتشارد ب. غافن” في مقاله
“Some Epistemological Refliction on 1Corinthians 2: 6-16”, WTJ 57 (1995), 122-23.
إلى ما يلي: “…. حيث أكثر ما كنا نتوقع تناول [1كورنثوس 2: 6-16] في:
[Classical Apologetics, sush ad in chapter 4, “The Biblical Evidence Confirming Natural Theology”, 13, “The Noetic Influence of Sin”, 16, “The Self – Attesting God’, or 17, “The Internal Testimony of the Holy Spirit”]
لا يطالعنا أي شيء من هذا القبيل، ولا حتى إشارة عرضية [ولا حتى يقتبسون أفسس 4: 17، 18]. وأكثر ما يلفت الانتباه، العدد 14 (الذي يتحدث عن عجز غير المؤمن عن الفهم) ونقيض ذلك في العددين 14 و15 لا نجد أي تطرق لهما، ولا حتى يؤتى على ذكرهما”. غافن، في نظري، هو مبرر عندما يسأل: لا ينفع أبداً في معرض السعي لدعم قضية اللاهوت الطبيعي أن يكتفي أحدنا ببساطة بتجاوز 1كورنثوس 2: 6-16.
فمؤلفو Classical Apologetics يعتبرون، حسب الظاهر، أن لا صلة لهذا النص بموضوعهم. يلزمهم في هذه الحال أن يبينوا لنا ذلك. مثلاً، …. كيف أن العجز الفكري لدى غير المؤمن في العدد 14 لا تستثني قدرته العقلانية على البلوغ به إلى لاهوت طبيعي صحيح، أو كيف العبارة “كل شيء” في العدد 15، كيف يجب تحديدها حتى لا تشمل الحقائق المختصة بهكذا لاهوت. (123).
[41] راجع John Calvin, Institutes, 1.8 هذا الفصل لطالما كان موضوع بحث ونقاش، كما أنه يكون من الأفضل في نظري أن يظهر تحت العنوان: “Evidences from Scripture for the Credibility of Scripture” (“الدلائل من الأسفار المقدسة على موثوقية الأسفار المقدسة”) أما قراءته بعناية، فتظهر برأيي أن “كالفن” يعرض بشكل رئيس معلومات كتابية لصالح مصداقية الكتاب المقدس.
مبدئياً، كل حججه على أهلية الكتاب المقدس للتصديق، (“الطابع السماوي لعقيدته” و”جلاله السماوي نفسه”، و”الانسجام الرائع السائد بين كل أجزائه”، مع “معجزاته التي لا تقبل الجدل” و”نبوته المثبتة”) كان قد استخرجها جميعها من الكتاب المقدس. أما النزر اليسير من الأدلة التي يعرضها والتي لم يكن قد استخلصها مباشرة من الأسفار المقدسة (العجز عن إزالة من الوجود الأسفار المقدسة عبر العصور، ما تحظى به من قبول على نطاق واسع بين الأمم، استعداد الكثيرين للاستشهاد في سبيلها) (1، 8، 21، 31) ليست الأمور التي يركز عليها الفصل بشكل أساسي.
وبرايي، لمجرد كونها غير مستخرجة من الأسفار المقدسة، ليس ملزمة بما أن الأمر نفسه قد يقال في كتب أخرى فهو في ضوء نسبة استخدامه لها، ساوم بذلك على مبدئه الخاص به (سولا سكريبتورا).
[42] John Frame, The Doctrine of the Knowledge of God, 130-33.
[43] غير أن الإذعان التالي الصادر عن “وارفيلد” المرتكز على الدلائل، ينسف مبدئياً نظام دفاعه المبني على الدلائل:
إن كانت العقائد التي لا تربطها أية علاقة بالحقائق هي أساطير، وأكاذيب [وهكذا هو حالها… RLR مؤلف هذا الكتاب]، فالحقائق في هذه الحال التي لا ترتبط بما نسميه عقيدة. لا تعود تكتسب في نظرنا أي معنى مهما كان. إن ما نطلق عليه التسمية عقيدة هو الذي يضفي على الحقائق كل أهميتها كل حقيقة بمعزل عن العقيدة، تبقى مجرد حقيقة غير مفهومة. فإن ذلك العنصر الذهني الذي يأتي به العقل في معرض التأمل في الحقائق.
والذي نسميه “عقيدة”…. هو الشرط لأي استيعاب صحيح للحقائق. تلك العناصر الذهنية هي منصهرة معاً إلى حد كبير – تلك العناصر التي قوامها المعرفة السابقة، أو المعرفة المشتقة من مصادر أخرى – بالحقائق كما تأخذها عقولنا بموجب فعل الإدراك المركب، حتى إنه فاتنا عادة الفصل بينها. وبالتالي، في سياق عبادتنا لما نسميه بطلاقة “الحقائق العارية”، قليلاً ما تأملنا فيما هي عليه الحقيقة البحتة وأي معنى قليل قد يكون لها عندنا.
(“The Right of Systematic Theology”, Shorter Selected Writings [Nutley, N. J.: Presbyterian and Reformed, 1973], 2, 235-36]
[44] إن كان بوسع الناس القيام بذلك وقد أقدموا عليه فعلاً، فبولس في هذه الحال يكون على خطأ في إعلانه: “العالم في حكمة الله لم يعرف الله بالحكمة”. لكن، إن كان بولس على حق، فإنه يترتب علينا استخلاص أن كل الحجج المختصة بالله التي يجري إطلاقها من الأرض نحو السماء، وحتى لو لم نتمكن من تحديد ما تنطوي عليه من مغالطات، يفوتها تتميم ما يدعي مناصروها بشأنها.
[45] Jonathan Edwards, “Miscellanies #986”, The Philosophy of Jonathan Edwards, 213.
[46] بالإمكان الوقوف على مثال كلاسيكي على هذا التحول في دفاع “وارفيلد” عن الوحي في:
“The Real Problem of Inspiration”, in The Inspiration and Authority of the Bible (Phillipsburg. N. J.: Presbyterian and Refomed, 1948), 169-226.
بالأمكان مراجعة نقدي الشخصي لنهج الدفاع عند “وارفيلد” في الفصل الثامن.
[47] J. I. Packer, “Theism for One Time” in God Who is Rich in Mercy (Grand Rapids: Baker, 1986), 13.
[48] يؤمن المسيحيون الملتزمون لاهوت معايير “وستمنستر”، بأن “سلطة الأسفار المقدسة، التي يجب الإيمان بها وإطاعتها، لا تعتمد على شهادة أي إنسان أو كنيسة. بل بالحري على الله (الذي هو الحق عينه) مؤلفها. وبالتالي، يترتب علينا ضرورة قبولها بما أنها كلمة الله” (I، 4).
هم يؤمنون أيضاً أن الأسفار المقدسة “تبرهن عن ذاتها” بوفرة على كونها كلمة الله (I، 5) بواسطة حجج واضحة ولا تقبل الجدل من صنف “الطابع السماوي للمضمون. وتأثير العقيدة، و جلال الأسلوب، والتناغم السائد بين كل الأجزاء، والقصد من الكل (ألا وهو إعطاء كل المجد لله), الاكتشاف بالكامل الذي تقوم به للسبيل الأوحد لخلاص الإنسان (رفع النقاب عنه)، مميزاتها التي لا تضاهى، ومجمل كمالاتها” ( I، 5).
[49] Gordon H. Clark, Three Types of Relotious Philosophy (Nutley, N. J.: Craig, 1973), 123.
انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان
هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!
هل الله يتغير؟ وهل يعبد المسيحيون الجسد؟ – المذيع المسلم يذيعها مدوية: أنا لا أعرف شيء
عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث
الله المثلث الأقانيم في المسيحية – الله الواحد الثالوث
شرح عقيدة الثالوث Trinity doctrine explained – الأنبا بيشوي
شرح عقيدة الثالوث Trinity doctrine explained – الأنبا بيشوي
الثالوث القدوس – دراسة دائرة المعارف الكتابية
وحدانية الجوهر وتمايز الأقانيم فى الثالوث :
-
الآبـــــ : هو الله من حيث الجوهر وهو الأصل من حيث الأقنوم.
-
الابن : هو الله من حيث الجوهر وهو المولود من حيث الأقنوم.
-
الروح القدس: هو الله من حيث الجوهر وهو المنبثق من حيث الأقنوم.
الأقانيم تشترك معاً فى جميع خواص الجوهر الإلهى الواحد وتتمايز فيما بينها بالخواص الأقنومية.
فالآب : هو الأصل أو الينبوع فى الثالوث، هو أصل الجوهر وأصل الكينونة بالنسبة للأقنومين الآخرين.
والابن : هو مولود من الآب ولكنه ليس مجرد صفة بل أقنوم له كينونة حقيقية، وغير منفصل عن الآب لأنه كلمة الله.
والروح القدس : هو ينبثق من الآب ولكنه ليس مجرد صفة بل أقنوم له كينونة حقيقية وغير منفصل عن الآب لأنه روح الله.
- وفيما يلى بيان بالخواص الأقنومية للأقانيم الثلاثة وبأمثلة من الخواص الجوهرية التى لا يختلف أى أقنوم فيها عن الآخر. ولكنها كألقاب تتناسب مع كل أقنوم بحسب خاصيته :
| الثالوث القدوس | الآب | الابن | الروح القدس |
|
الخواص الخواص الأقنومية الجوهرية |
والد وباثق الأبوة |
مولود البنوة |
منبثق الانبثاق |
| حق |
الحقانى (ينبوع الحق) |
الحق (يو8: 32،يو 14: 6، رؤ3: 7) |
روح الحق (يو14: 17، يو15: 26، يو16: 13، 1يو4: 6) |
|
عقل
|
العاقل (ينبوع العقل) |
العقل (المولود) = الكلمة (يو1:1) = اللوغوس= العقل منطوق به |
روح العقل انظر روح الفهم أش11: 2 |
| حكمة |
الحكيم (رو16: 27،يهوذا25)
|
الحكمة (أم3: 19، أم8: 12، 1كو1: 24، كو2: 3،رؤ5: 12) |
روح الحكمة (حك6:1، أش11: 2، أف1: 17)
|
|
محبة (1يو4: 8) |
المحب (يو 17 : 24) |
المحبة (1يو 3 :16) |
روح المحبة (2تى1 :7 ) |
| حياة |
الحى (حز5: 11،مت16:16، يو6: 57،رو14: 11) |
الحياة (يو11: 25، يو14 :6) |
روح الحياة (رو8 :2) |
| قوة |
القوى (مت6: 13،رؤ18 :8) |
القوة (1كو1: 24،رؤ5: 12) |
روح القوة (أش11: 2،مى3: 8، 2تى7:1) |
| الفهم |
الفهيم (أى12: 16، إش28: 29) |
الفهم (أم8: 14) وأيضاً أنظر الرسالة 3: 65 ضد الأريوسية للقديس أثناسيوس |
روح الفهم (أش11 :2) |
- قال القديس أثناسيوس :
[Neither can we imagine three Subsistences separated from each other, as results from their bodily nature in the case of men, lest we hold a plurality of gods like the heathen. But just as a river, produced from a well, is not separate, and yet there are in fact two visible objects and two names, For neither is the Father the Son, nor the Son the Father. For the Father is Father of the Son, and the Son, Son of the Father, For like as the well is not a river, nor the river a well, but both are one and the same water which is conveyed in a channel from the well to the river, so the Father’s deity passes into the Son without flow and without division. For the Lord says, ‘I came out from the Father and am come’ (John 16: 28). But He is ever with the Father, for He is in the bosom of the Father, nor was ever the bosom of the Father void of the deity of the Son].[1]
{يجب علينا ألا نتصور وجود ثلاثة جواهر منفصلة عن بعضها البعض فى الله -كما ينتج عن الطبيعة البشرية بالنسبة للبشر- لئلا نصير كالوثنيين الذين يملكون عديداً من الآلهة. ولكن كما أن النهر الخارج من الينبوع لا ينفصل عنه، وبالرغم من ذلك فإن هناك بالفعل شيئين مرئيين واسمين. لأن الآب ليس هو الابن، كما أن الابن ليس هو الآب، فالآب هو أب الابن، والابن هو ابن الآب. وكما أن الينبوع ليس هو النهر، والنهر ليس هو الينبوع، ولكن لكليهما نفس الماء الواحد الذى يسرى فى مجرى من الينبوع إلى النهر، وهكذا فإن لاهوت الآب ينتقل فى الابن بلا تدفق أو انقسام. لأن السيد المسيح يقول “خرجت من الآب” وأتيتُ من عند الآب. ولكنه دائماً أبداً مع الآب، وهو فى حضن الآب. وحضن الآب لا يَخْلُ أبداً من الابن بحسب ألوهيته}.
الآب هو الينبوع الذى يتدفق منه بغير انفصال الابن الوحيد بالولادة الأزلية قبل كل الدهور. وكذلك الروح القدس بالانبثاق الأزلى قبل كل الدهور.
الآب هو الحكيم الذى يلد الحكمة ويبثُق روح الحكمة.
والآب هو الحقانى الذى يلد الحق (يو14 :6) ويبثُق روح الحق (يو15 :26).
الحكمة هو لقب لأقنوم الابن المولود من الآب الحكيم.
والحق هو لقب لأقنوم الابن المولود من الآب الحقانى.
والكلمة (اللوغوس ) أى (العقل منطوقاً به) هو لقب لأقنوم الابن المولود من الآب العاقل.
والخواص الجوهرية جميعاً ومن أمثلتها الحكمة والحق والعقل والحياة.. يشترك فيها الأقانيم معاً فالحق مثلاً هو خاصية يشترك فيها الأقانيم جميعاً. فالآب هو حق من حيث الجوهر، والابن هو حق من حيث الجوهر، والروح القدس هو حق من حيث الجوهر.
أما من حيث الأقنوم فالآب هو الحقانى (أى ينبوع الحق)، والابن هو الحق المولود منه، والروح القدس هو روح الحق المنبثق منه.
من يستطيع أن يفصل الحقانى عن الحق المولود منه؟!
ومن يستطيع أن يفصل الحكيم عن الحكمة ؟.. إن الحكمة تصدر عن الحكيم تلقائياً كإعلان طبيعى عن حقيقته غير المنظورة.
إننا نعرِف الحكيم بالحكمة، ونعرف العاقل بالعقل المنطوق به، ونعرف الحقانى بالحق الصادر منه.. وهكذا.
الابن يُعلن لنا الآب غير المنظور ونرى فيه الآب، والروح القدس يلهمنا بطريقة خفية غير منظورة عن الآب والابن.
الابن دُعى ابناً لأنه “هو صورة الآب” (انظر كو1: 15).
والروح القدس دُعى روحاً لأنه يعمل دون أن نراه ومن ألقابه أنه هو روح الحق وأنه هو المعزّى comforter الذى يريح قلب الإنسان، ويمنحه عطية السلام والمصالحة مع الله.
- وقد أكّد القديس أثناسيوس الرسولى أن الابن له كل خواص الآب الجوهرية، ولا تمايز بينهما إلا بالخاصية الأقنومية؛ وهى أن الآب ينفرد بالأبوة والابن ينفرد بالبنوة. أى أن كل صفات الآب هى للابن ما عدا أن الآب هو آب وأن الابن هو ابن. فقال فى مقالته الثالثة ضد الأريوسية الفقرة رقم 4 ورقم 5 :
[And so since they are one, and the Godhead itself one, the same things are said of the Son, which are said of the Father, except His being said to be Father…For ‘all things,’ says the Son Himself, ‘whatsoever the Father hath, are Mine;’ and again, ‘And Mine are Thine’… and why are the attributes of the Father ascribed to the Son, except that the Son is an Offspring from Him?].[2]
{ولأن اللاهوت واحد فى الآب والابن، فإنه نشأ عن ذلك بالضرورة أن كل الصفات التى تقال عن الآب قيلت هى بعينها عن الابن، إلا صفة واحدة وهى أن الآب أب.. لأن الابن نفسه يقول عن ذاته (مخاطباً الآب) “كل ما هو لى فهو لك، وما هو لك فهو لى” (يو17: 10).. ثم لماذا تنسب صفات الآب للابن؟ إلا لكون الابن هو نبع من الآب}.
- وقال القديس أثناسيوس أيضاً فى نفس المقالة الفقرة رقم 65 :
[The Son of God then, He is the ‘Word’, and the ‘Wisdom;’ He is the ‘Understanding’ and the ‘Living Counsel’; and in Him is the ‘Good pleasure of the Father;’ He is ‘Truth’ and ‘Light’ and ‘Power’ of the Father].[3]
{إذن، فابن الله هو “الكلمة” و “الحكمة”، هو “الفهم” و”المشورة الحية” وفيه تكمن “مسرة الله الآب”؛ هو “الحق” و “النور” و “القدرة” التى للآب}.
- كذلك القديس غريغوريوس النازينزى (الناطق بالإلهيات) قد أكّد أيضاً أن الآب والابن لهما نفس الصفات جميعاً ماعدا اللامولودية والمولودية وذلك لأن الصفات الإلهية هى واحدة للآب والابن ويتمايزان فقط بالأبوة والبنوة. فقال فى عظته اللاهوتية الخامسة :
[Christ.. What great things are there in the idea of God which are not in His power? What titles which belong to God are not applied to him, except only Unbegotten and Begotten? For it was needful that the distinctive properties of the Father and the son should remain peculiar to Them, lest there should be confusion in the Godhead Which brings all things, even disorder itself, into due arrangement and good order. ] [4]
{ المسيح.. أى من الأشياء العظيمة التى يمكن لله أن يعملها ولا تكون فى استطاعته، وأى من الأسماء تطلق على الله، ولا تطلق عليه، ما عدا “اللامولود والمولود”، لأنه كان من الضرورى أن الخصائص المميزة للآب والابن تظل خاصة بهما، حتى لا يكون هناك اختلاط فى الألوهة، التى تجعل كل الأشياء، وحتى غير المنتظمة، فى ترتيب ونظام حسن}.
- وأيضاً شرح القديس باسيليوس الكبير معنى تمايز الأقانيم مع وحدانية الجوهر كما يلى فقال:
]Worshipping as we do God of God, we both confess the distinction of the Persons, and at the same time abide by the Monarchy. We do not fritter away the theology in a divided plurality, because one Form, so to say, united in the invariableness of the Godhead, is beheld in God the Father, and in God the Only begotten. For the Son is in the Father and the Father in the Son; since such as is the latter, such is the former, and such as is the former, such is the latter; and herein is the Unity. So that according to the distinction of Persons, both are one and one, and according to the community of Nature, one. How, then, if one and one, are there not two Gods? Because we speak of a king, and of the king’s image, and not of two kings. The majesty is not cloven in two, nor the glory divided. The sovereignty and authority over us is one, and so the doxology ascribed by us is not plural but one; because the honor paid to the image passes on to the prototype. [ [5]
{فى عبادتنا لإله من إله، نحن نعترف بتمايز الأقانيم (الأشخاص)، وفى نفس الوقت نبقى على المونارشية (التوحيد). نحن لا نقطِّع اللاهوت إلى تعدد منقسم، لأن شكلاً واحداً، متحداً فى اللاهوت غير المتغير، يُرى فى الله الآب وفى الله الابن الوحيد. لأن الابن هو فى الآب، والآب فى الابن، لأنه كما الأخير هكذا هو الأول، وكما هو الأول هكذا هو الأخير، وبهذا تكون الوحدة. حتى أنه وفقاً لتمايز الأقانيم (الأشخاص)، فإن كليهما هما واحد وواحد، ووفقاً لوحدة الطبيعة فإنهما واحد. كيف إذن، إن كانا واحد وواحد لا يكون هناك إلهين؟ ذلك لأننا حينما نتكلم عن الملك وصورة الملك لا نتكلم عن ملكين. فالجلالة لم تشق إلى اثنين، ولا المجد انقسم. السيادة والسلطة فوقنا (علينا) هى واحدة، هكذا فإن التمجيد الذى ننسبه إليهما ليس متعدداً بل واحداً، لأن الكرامة المقدمة إلى الصورة تصل إلى النموذج الأصلى (الأصل)}.
]For after saying that the Son was light of light, and begotten of the substance (essence) of the Father, but was not made, they went on to add the homoousion, thereby, showing that whatever proportion of light any one would attribute in the case of the Father will obtain also in that of the son. For very light in relation to very light, according to the actual sense of light, will have no variation. Since then the Father is light without beginning, and the son begotten light, but each of Them light and light; they rightly said “of one substance, (essence)” in order to set forth the equal dignity of the nature.[ [6]
{لأنهم (أى واضعى قانون الإيمان) بعدما قالوا أن الابن هو نور من نور، ومولود من نفس جوهر الآب، ولكن ليس مصنوعاً، أضافوا الهومو أوسيون homoousion (بمعنى “له نفس الجوهر”). وبذلك أظهروا أن أى نسبة من النور ينسبها إنسان إلى الآب سوف يستخدمها أيضاً للابن. لأن النور نفسه فى علاقته بالنور نفسه، وفقاً للمعنى الفعلى للنور، لن يكون فيه أى اختلاف. إذن حيث أن الآب هو نور بلا بداية والابن هو النور المولود، لكن كلٍ منهما هو نور فإنهما نور ونور، فهم محقون فى قولهم “له نفس الجوهر” ليبينوا مساواة الكرامة التى للطبيعة”}.
- أما عن كون الآب هو الينبوع الذى منه تتدفق الحكمة والحياة مثلما يتدفق الحق والقوة والقدرة، فقد شرح القديس أثناسيوس ذلك باستفاضة فى مقالته الأولى ضد الأريوسية شارحاً أن الابن هو الحياة والحكمة المتدفقة من الآب كينبوع والد للابن :
[If God be, and be called, the Fountain of wisdom and life-as He says by Jeremiah, ‘they have forsaken Me the Fountain of living waters;’ and again, ‘A glorious high throne from the beginning, is the place of our sanctuary; O Lord, the Hope of Israel, all that forsake Thee shall be ashamed, and they that depart from Me shall be written in the earth, because they have forsaken the Lord, the Fountain of living waters;’ and in the book of Baruch it is written, ‘Thou hast forsaken the Fountain of wisdom,’ – this implies that life and wisdom are not foreign to the Essence of the Fountain, but are proper to It, nor were at any time without existence, but were always. Now the Son is all this, who says, ‘I am the Life,’ and ‘I Wisdom dwell with prudence.’ is it not then irreligious to say ‘Once the Son was not?’ for it is all one with saying, “Once the Fountain was dry, destitute of Life and Wisdom.’ But a fountain it would then cease to be; for what begetteth not from itself, is not a fountain.] [7]
{ إن كان يقال عن الله أنه ينبوع حكمة وحياة كما جاء فى سفر أرميا “تركونى أنا ينبوع الماء الحى” (أر2: 13) وأيضاً “أن عرش المجد ذو المكانة الرفيعة هو موضع مقدسنا أيها الرب رجاء إسرائيل كل الذين يتركونك يخزون والمتمردون عليك فى تراب الأرض يكتبون لأنهم تركوا الرب ينبوع الحياة” (أر17: 12، 13). وقد كتب فى باروخ أنكم قد هجرتم ينبوع الحكمة (باروخ3: 12) وهذا يتضمن أن الحياة والحكمة لم يكونا غريبين عن جوهر الينبوع بل هما خاصة له (خواص له)، ولم يكونا أبداً غير موجودتين، بل كانا دائماً موجودين. والآن فإن الابن هو كل هذه الأشياء وهو الذى يقول “أنا هو الحياة” (يو14: 6) وأيضاً “أنا الحكمة ساكن الفطنة” (أم8: 12) كيف إذاً لا يكون كافراً من يقول “كان وقت ما عندما لم يكن الابن فيه موجوداً لأن هذا مثل الذى يقول تماماً كان هناك وقت كان فيه الينبوع جافاً خالياً من الحياة والحكمة. ولكن مثل هذا الينبوع لا يكون ينبوعاً، لأن الذى لا يلد من ذاته (أى من نبعه الخاص) لا يكون ينبوعاً}. (المقالة الأولى ضد الأريوسية ف6 : 19)
[Thus it belongs to the godhead alone, that the Father is properly father, and the Son properly son, and in Them, and Them only, does it hold that the Father is ever Father and the Son ever Son.][8]
{ فيما يخص اللاهوت وحده فإن الآب هو أب بصفة مطلقـة والابن هو ابن بصفة مطلقـة، وفى هذين وحدهما فقط يظل الآب أب دائماً والابن ابن دائماً} (المقالة الأولى ضد الأريوسيـة ف21:6).
وينبغى أن نلاحظ أنه طبقاً لتعاليم الآباء فإن الكينونة أو الجوهر ليس قاصراً على الآب وحده (غريغوريوس النزيانزى) لأن الآب له كينونة حقيقية وهو الأصل فى الكينونة بالنسبة للابن والروح القدس، والابن له كينونة حقيقية بالولادة الأزلية، والروح القدس له كينونة حقيقية بالانبثاق الأزلى. ولكن ليس الواحد منهم منفصلاً فى كينونته أو جوهره عن الآخرين.
وكذلك العقل ليس قاصراً على الابن وحده، لأن الآب له صفة العقل والابن له صفة العقل والروح القدس له صفة العقل، لأن هذه الصفة هى من صفات الجوهر الإلهى. وكما قال القديس أثناسيوس {لماذا تكون صفات الآب هى بعينها صفات الابن؟ إلا لكون الابن هو من الآب وحاملاً لذات جوهر الآب}. ولكننا نقول أن الابن هو “الكلمة” أو “العقل المولود” أو “العقل منطوق به” أما مصدر العقل المولود فهو الآب.
وبالنسبة لخاصية الحياة فهى أيضاً ليست قاصرة على الروح القدس وحده، لأن الآب له صفة الحياة والابن له صفة الحياة والروح القدس له صفة الحياة، لأن الحياة هى من صفات الجوهر الإلهى. والسيد المسيح قال “كما أن الآب له حياة فى ذاته كذلك أعطى الابن أيضاً أن تكون له حياة فى ذاته” (يو5: 26). وقيل عن السيد المسيح باعتباره كلمة الله “فيه كانت الحياة” (يو1: 4). ولكن الروح القدس نظراً لأنه هو الذى يمنح الحياة للخليقة لذلك قيل عنه أنه هو ]الرب المحيى[ (قانون الإيمان والقداس الكيرلسى) وكذلك أنه هو ]رازق الحياة[ أو ]معطى الحياة[ (صلاة الساعة الثالثة).
من الخطورة أن ننسب الكينونة إلى الآب وحده، والعقل إلى الابن وحده، والحياة إلى الروح القدس وحده، لأننا فى هذه الحالة نقسّم الجوهر الإلهى الواحد إلى ثلاثة جواهر مختلفة. أو ربما يؤدى الأمر إلى أن ننسب الجوهر إلى الآب وحده (طالما أن له وحدَهُ الكينونة) وبهذا ننفى الجوهر عن الابن والروح القدس أو نلغى كينونتهما، ويتحولان بذلك إلى صفات لأقنوم إلهى وحيد هو أقنوم الآب (وهذه هى هرطقة سابيليوس). وقد أشار القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات إلى هذه المفاهيم فقال [وفكّرت كذلك فى الشمس، والشعاع، والنور. وهذا لا يخلو أيضاً من خطر: يُخشى أولاً تصوّر تركيب ما فى الطبيعة غير المركّبة-كما يكون ذلك فى الشمس وخصائصها، ويُخشى ثانياً أن يُخص الآب وحده بالجوهر فتزول أقنومية الآخريْن، ويكونان قوتين لازمتين لله لا أقنوميْن. فليس الشعاع شمساً وليس النور شمساً، بل فيض شمسى ومزيّة (خاصية أو صفة) جوهرية. وأنه ليُخشى عند التمسك بهذا التشبيه أن يُنعَت الله بالوجود وباللاوجود معاً، وهذا منتهى السخف}.
وهو هنا لا يرفض التشبيه المذكور ولكن يحذّر من الفرق بين التشبيه والأصل فى فهم عقيدة الثالوث [9].
إجابة عن بعض الأسئلة
سؤال (1) : عن الفرق بين الظهور والتجسد
الإجابة : التجسد الإلهى هو اتحاد غير مفترق لطبيعتين مختلفتين فى طبيعة واحدة.
وهو اتحاد أقنومى واتحاد حقيقى واتحاد بحسب الطبيعة.
وهذا لا ينطبق على ظهور الله الابن لإبراهيم أو لأبينا يعقوب لأن فى هذه الظهورات لم يحدث اتحاد بين طبيعتين ولا تجسُّد حقيقى ولا اتحاد أقنومى، ولذلك لا يُسمى تجسداً على الإطلاق بل يُسمى ظهوراً فقط.
- التجسد : يشمل الظهور والتجسد.
- الظهور : لا يشمل الظهور والتجسد بل هو ظهور فقط.
سؤال (2) : عن الثالوث القدوس ودور كل أقنوم فى الخلاص
الإجابة :
- اشترك الأقانيم الثلاثة فى عملية الفداء.
الآب : بذل ابنه.
الابن : بذل نفسه.
الروح القدس : به قدم الابن المتجسد نفسه كذبيحة. كقول معلمنا بولس الرسول: “الذى بروح أزلى قدّم نفسه لله بلا عيب” (عب9: 14).
- كذلك فإن الأقانيم اشتركوا معاً فى عملية التجسد الإلهى:
الابن هو الذى تجسّد.
والآب والروح القدس اشتركا مع الابن الكلمة فى تهيئة الجسد الذى اتخذه من العذراء مريم.
فالابن المتجسد عند دخو1له إلى العالم يقول للآب “ذبيحة وقرباناً لم ترد ولكن هيأت لى جسداً. بمحرقات وذبائح للخطية لم تسر. ثم قلت هانذا أجيء فى درج الكتاب مكتوب عنى لأفعل مشيئتك يا الله” (عب10: 5-7).
وقيل عن الجسد أو الناسوت الذى تكوّن فى بطن العذراء واتحد به لاهوت الابن الكلمة منذ اللحظة الأولى للتجسد أن “الذى حبل به فيها هو من الروح القدس” (مت1: 20)، وقال الملاك للعذراء “الروح القدس يحل عليك وقوة العلى تظللك فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يدعى ابن الله” (لو1: 35).
لقد تجسد الابن دون أن يتجسد الآب ولا الروح القدس ولكن لم ينفصل عن الآب ولا عن الروح القدس فى تجسده.
وقد ظهر الابن للبشرية بالتجسد، وقال يوحنا الإنجيلى :
“الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذى هو فى حضن الآب هو خبّر” (يو1: 18) .
الآب فى الابن والابن فى الآب. فكيف تجسد الابن دون أن يتجسد الآب ؟
- الفكر مثلاً هو التعبير الصادق عن العقل، وهو صورة العقل غير المنظور. ولذلك فالمسيح باعتباره هو كلمة الله وصورة الله غير المنظور، هو الذى تجسد ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوء نعمة وحقاً (يو 1 : 14) وبهذا يكون الله قد كلمنا فى ابنه (عب1: 2).
- وعلى نفس المثال فإن ولادة الفكر من العقل لا تعنى انفصاله عن العقل. فالفكر يولَد من العقل دون أن يخرج منه، ويخرج من العقل دون أن ينفصل عنه. الفكر ممكن يولَد ولا يخرج وممكن يخرج ولا ينفصل.. فقول السيد المسيح “خرجت من عند الآب” (يو16: 28) يقصد أن “الكلمة صار جسداً” (يو1: 14) أى أن “الله ظهر فى الجسد” (1تى3: 16).
سؤال (3) ما معنى اسم يسوع ؟
الإجابة: الله المخلص
قيل عن الرب يسوع المسيح “تدعو اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم” (مت1: 21). ومعنى يسوع = ياه سوع أى يهوه مخلص.
وكتب معلمنا بولس الرسول إلى تلميذه تيطس “بحسب أمر مخلصنا الله، إلى تيطس، الابن الصريح حسب الإيمان المشترك، نعمة ورحمة وسلام من الله الآب، والرب يسوع المسيح مخلصنا” (تى1: 3،4).
وفى كلامه يتضح أن الآب هو مخلصنا “مخلصنا الله”، وأن الابن هو مخلصنا “الرب يسوع المسيح مخلصنا”.
فعمل الثالوث القدوس واحد الآب يعمل بالابن فى الروح القدس. الآب مخلّص والابن مخلّص والروح القدس مخلّص.
فإن كان لكل أقنوم دور متمايز فى العمل الواحد ولكن الأقنوم لا يعمل بدون الآخر مثلما قال السيد المسيح “لأن مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك” (يو 5: 19). وقال للآب “العمل الذى أعطيتنى لأعمل قد أكملته” (يو17: 4). وقال “الآب الحال فىّ هو يعمل الأعمال” (يو 14: 10). وقال “أنا فى الآب والآب فىّ” (يو14: 10).
كل طاقة أو قدرة أو نعمة إلهية هى ثالوثية من الآب بالابن فى الروح القدس.
كان دور الابن فى الخلاص هو التجسد ولكن الآب هو الذى أرسله متجسداً وهيأ له جسداً بالروح القدس. وحينما قدَّم الابن ذبيحة نفسه على الصليب بالروح القدس تقَّبلها الآب للرضى والسرور. مثلما قال معلمنا بولس الرسول عن المسيح “الذى بروح أزلى قدَّم نفسه لله بلا عيب” (عب9: 14).
فعند الصليب نرى الثلاثة أقانيم معاً.
فلكى يتم الفداء على الصليب كان ينبغى أن يقدِّم الابن ذبيحة للآب بالروح القدس.
وبهذا صنع الآب الفداء بالابن فى الروح القدس.
وفى العماد المقدس يمنح الروح القدس الولادة الجديدة للمؤمن المعمّد ولكن هذه الولادة الجديدة هى عطية من الآب باستحقاق دم ابنه الوحيد يسوع المسيح. أحد الأقانيم الثلاثة يكون دوره هو الواضح ولكنه لا يعمل منفصلاً عن الأقنومين الآخرين كقول السيد المسيح.
سؤال (4): ما تفسير قول السيد المسيح للآب “وهذه هى الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقى وحدك ويسوع المسيح الذى أرسلته” (يو17: 3) ؟
الإجابة : جاء السيد المسيح إلى العالم ليقود العالم إلى التحرر من العبادة الوثنية بعبادة الإله الحقيقى إله إبراهيم. وليعرف العالم أن الإله الخالق هو نفسه الإله المخلّص الذى أحب العالم “حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية” (يو 3: 16).
هناك إذن شرطان للوصول إلى الحياة الأبدية:
الشرط الأول : أن يعرف الإنسان أن يهوه هو الإله الحقيقى وحده بين الآلهة الوثنية.
الشرط الثانى : أن يؤمن بأن يهوه الآب قد أحب العالم حتى أرسل ابنه الوحيد فادياً ومخلصاً للعالم بذبيحة الصليب. وأن يتبع تعليم السيد المسيح المرسل من الآب إلى العالم.
وما يؤكد قصد السيد المسيح بعبارة “أنت الإله الحقيقى وحدك” ما ذكره معلمنا بولس الرسول فى رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس “فمن جهة أكل ما ذبح للأوثان نعلم أن ليس وثن فى العالم، وأن ليس إله آخر إلا واحداً. لأنه وإن وجد ما يُسمّى آلهة، سواء كان فى السماء أو على الأرض، كما يوجد آلهة كثيرون وأرباب كثيرون. لكن لنا إله واحد: الآب الذى منه جميع الأشياء. ونحن له. ورب واحد يسوع المسيح الذى به جميع الأشياء ونحن به” (1كو8: 4-6).
فمن الواضح هنا فى تأكيد عقيدة الإله الواحد أنه يرفض كل الآلهة الأخرى الوثنية المسماه آلهة والتى هى ليست آلهة حقيقية.
وحينما يقال عن الآب أنه هو الإله الحقيقى وحده فالمقصود أنه بجوهره الإلهى يسمو على جميع الآلهة الوثنية الأخرى وينفرد بينها بالألوهة الحقيقية.
ولكن ليس الآب إله بجوهر مستقل والابن إله بجوهر مستقل آخر. بل إن الآب وكلمته هما جوهر واحد ولاهوت واحد وطبيعة واحدة.
الآب أقنوم متمايز عن أقنوم الابن ولكن ليس التمايز فى الجوهر أو الوجود أو الكينونة بل فى حالة الوجود أو حالة الكينونة. فالآب مثل الينبوع والابن مثل التيار المولود منه بغير تقسيم.
فإن كان الآب هو الإله الحقيقى وحده بين الآلهة الوثنية فإن الابن هو “إله حق من إله حق” مثلما نقول فى قانون الإيمان. والآب والابن والروح القدس إله واحد فى الجوهر وإن كانوا ثلاثة أقانيم متساوية فى المجد والكرامة والقدرة والأزلية وكل الصفات الإلهية.
ومن الأمور الملفتة للنظر أن القديس بولس الرسول يقول بصيغة المترادفات “كما يوجد آلهة كثيرون وأرباب كثيرون. لكن لنا إله واحد الآب.. ورب واحد يسوع المسيح” (1كو8: 5-6).
فهو يتحدث عن تعدد الآلهة والأرباب ولكن فى الإيمان المسيحى لا يوجد مثل هذا التعدد فبقو له “لنا رب واحد يسوع المسيح” لم يستبعد الآب من أن يكون رباً. وكذلك بقوله “لنا إله واحد الآب” لم يستبعد يسوع المسيح أن يكون إلهاً، ولكنه يقصد أنه طالما نؤمن بالإله الواحد المثلث الأقانيم فهذا الإله هو الله الواحد والرب الواحد تحقيقاً لقول الكتاب :
- “اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا ربٌ واحد” (تث6: 6).
- “للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد” (لو4: 8 ، تث6: 13).
فإذا قيلت هذه العبارة “لنا رب واحد يسوع المسيح” فهى عبارة قاطعة تثبت أن يسوع المسيح هو الإله الحقيقى الذى هو مع أبيه والروح القدس جوهر واحد ولاهوت واحد نسجد له ونمجده.
كذلك ورد فى رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل أفسس قوله “رب واحد. إيمان واحد. معمودية واحدة. إله وآب واحد للكل، الذى على الكل وبالكل وفى كلكم” (أف4: 5-6).
وفى ذلك يتحقق نفس المعنى المقصود فى القول السابق عن الرب الواحد والإله الواحد.
لقد قال السيد المسيح “أنا والآب واحد” (يو10: 30) بمعنى أنهما إله واحد ورب واحد.
فإن قيل عن الآب أنه إله واحد فالمقصود عدم وجود آلهة أخرى غير الثالوث القدوس، وإن قيل عن الابن أنه رب واحد فالمقصود هو عدم وجود أرباب أخرى غير الآب والكلمة والروح القدس الذين هم واحد.
تعليم القديس إغريغوريوس النزيانزى عن الثالوث الأقدس[10]
يُلقَّب القديس إغريغوريوس النزيانزى دوماً فى كنيستنا القبطية بلقب “الناطق بالإلهيات”. وتتمتع الليتورجية التى كتبها بشعبية كبيرة ويُصلّى بها فى أيام الأعياد الكبيرة وكثير من المناسبات. ويُتقبّل تعليمه اللاهوتى عن الثالوث فى حياة كنيستنا باحترام كبير من خلال ليتورجيته وتعاليمه الأخرى.
وقد برزت ليتورجيته فى حياة كنيستنا القبطية الأرثوذكسية كمصدر لا يضارع للتأمل والفرح الروحى فى العبادة.
إن تعليمه عن الثالوث الأقدس هو أساساً نفس تعليم القديس أثناسيوس السكندرى.
وفيما يلى بعض عناصر تعليمه عن الثالوث الأقدس :
(1) إن الله غير مُدرَك بعقولنا البشرية :
كان القديس إغريغوريوس لاهوتيا متضعاً. وقد أقر بأنه {لا يوجد الإنسان الذى اكتشف أو يستطيع أن يكتشف من هو الله فى الطبيعة أو الكنه}.
[no man ever yet has discovered or can discover what God is in nature and in essence.][11]
وأيضاً :
[God would be altogether circumscript, if He were even comprehensible in thought : for comprehension is one form of circumscription.][12]
{كان يمكن أن يحاط الله بالكلية لو كان فى الإمكان حتى أن يدرك بالفكر لأن الإدراك هو صورة من صور الإحاطة}.
وشرح قائلاً إن معرفتنا لله هى فيض قليل فقال :
[All that comes to us is but a little effluence, and as it were a small efflugence from a great Light. So that if anyone has known God, or had the testimony of scripture to his knowledge of God, we are to understand such as one to have possessed a degree of knowledge which gave him the appearance of being more fully enlightened than another who did not enjoy the same degree of illumination.][13]
{كل ما يصل إلينا ما هو إلا فيض ضئيل من نور عظيم. حتى إن كان أحدٌ قد عرف الله أو نال شهادة الكتاب المقدس عن معرفته لله، فلنفهم : إن مثل هذا الشخص قد نال درجة من المعرفة تجعله يبدو أكثر استنارة عن الآخر الذى لم يحظَ بنفس القدر من التنوير}.
ولكن القديس إغريغوريوس كان يتحدث عن معرفة أكثر وضوحاً عن الله فى الحياة الأخرى.
(2) الصفات الأقنومية للأقانيم الثلاثة المتمايزة للثالوث الأقدس :
حدد القديس إغريغوريوس فى تعليمه الصفات المتمايزة للأشخاص الثلاثة فى الثالوث الأقدس. وعلَّم قائلاً :
جLet us confirm ourselves within our limits, and speak of The Unbegotten and The Begotten and That which Proceeds from the Father, as somewhere God the Word Himself saith.][14]
{دعنا نلتزم بحدودنا ونتكلم عن “غير المولود” و”المولود” و”ذاك الذى ينبثق من الآب” كما قال الله الكلمة نفسه فى أحد المواضع}.
وعلَّم أيضاً :
[This is what we meant by Father and Son and Holy Ghost. The Father is The Begetter and The Emitter; without passion, of course, and without reference to time, and not in a corporeal manner. The Son is The Begotten, and the Holy Spirit is The Emission.][15]
{هذا هو ما نقصده من “الآب” و”الابن” و”الروح القدس”. الآب هو الوالد والباثق، بلا ألم طبعاً وبلا إشارة للزمن، وليس بطريقة حِسّية. والابن هو المولود، والروح القدس هو المنبثق}.
ولم يتكلم القديس إغريغوريوس عن أى خاصية متمايزة أخرى.
(3) أزلية الابن والروح القدس :
واستطرد القديس إغريغوريوس محاجاً فى نفس العظة (الثالثة) :
[When did these come into being? They are above all “when”. But, if I am to speak with something more of boldness,—when the Father did. And when did the Father come into being. There never was a time when he was not. And the same thing is true of the Son and the Holy Ghost. Ask me again, and again I will answer you, when was the Son begotten? When the Father was not begotten.
And when did the Holy Ghost proceed? When the Son was, not proceeding but, begotten—beyond the sphere of time, and above the grasp of reason; although we cannot set forth that which is above time, if we avoid as we desire any expression as which conveys the idea of time. For such expression as “when” and “before” and “after” and “from the beginning” are not timeless, however much we may force them ; unless indeed we were to take the Aeon, that interval which is coexistive with the eternal things, and is not divided or measured by any motion, or by the revolution of the sun, as time is measured.
How are They not alike unoriginate, if They are coeternal? Because They are from Him, though not after Him. For that which is originate is eternal, but that which is eternal is not necessarily unoriginate, so long as it may be referred to the Father as its origin. Therefore in respect of Cause they are not unoriginate; but it is evident that the Cause is not necessarily prior to its effects, for the sun is not prior to its light. And yet They are in some sense unoriginate, in respect of time, even though you would scare simple minds with your quibbles, for the Sources of Time are not subject to time.][16]
{“متى جاء هذان إلى الوجود؟” “إنهما فوق كل “متى” بل إذا تكلمت بأكثر اجتراء لأقول ومتى نجد الآب. متى جاء الآب إلى الوجود؟ لم يكن أبداً وقت لم يكن فيه الآب. ونفس الشئ صحيح بالنسبة للابن وللروح القدس. ولتسألنى مرة تلو المرة، أجيبك. متى ولد الابن؟ حينما لم يولد الآب، متى انبثق الروح القدس؟ حينما لم ينبثق الابن بل ولد -خارج دائرة الزمن وفوق قبضة (استيعاب) المنطق. هذا وبالرغم من أننا لا نستطيع أن نقدم ما هو الذى فوق الزمن إذا كنا نود أن نتحاشى التعبيرات التى تتضمن فكرة الزمن. لأن تعبيرات مثل “متى” و”قبل” و”بعد” و”من البدء” ليست خالية من معنى الزمن مهما على أى حال طوعناها إلا طبعاً إذا اعتبرنا الدهر أنه تلك الفترة التى تتزامن مع الأشياء الأزلية ولا تُقَسَّم أو تقاس بأى حركة ولا بدوران الشمس كما يقاس الزمن. لماذا إذاً ليسا بالمثل غير منبوعين ماداما أيضاً أزليين؟ لأنهما منه وإن كانا ليسا لاحقين له. لأن غير المنبوع أزلى ولكن الأزلى ليس بالضرورة غير منبوع مادام يُنسب إلى الآب كأصل له. لذلك فبالنسبة للسبب هما ليسا غير منبوعين مادمنا ننسب إلى الآب أنه مصدرهما. ومن الواضح أن السبب ليس بالضرورة سابق لآثاره فالشمس ليست سابقة لضوئها. إلا أنهما بمعنى ما بلا مبتدأ من ناحية الزمن (أى لا بداية زمنية لوجودهما)، حتى وإن كنت تُرعِبْ بسطاء العقول بمراوغاتك لأن مصادر الزمن لا يمكن أن تكون موضوعاً للزمن}.
وإلى جانب استعماله مثال الشمس والنور استعمل أيضاً مثال العقل والكلمة لشرح العلاقة بين الآب والابن:
[He is called the Word, because He is related to the Father as the Word to Mind][17]
{لقد دُعى “الكلمة” لأنه يُنسَب إلى الآب كما تنسب الكلمة إلى العقل}.
ومن البَيِّن فى هذا المثال أيضاً أن العقل ليس سابقاً للكلمة كما أن الشمس ليست سابقة للنور.
(4) استعمال النماذج والأمثلة لشرح الثالوث الأقدس :
على الرغم من استعماله مثال الشمس والضوء والعقل والكلمة فى شرح العلاقة بين الآب والابن إلا أنه حذّر من أن هذه النماذج ليست متطابقة مع الحق كله الذى لله المثلث :
[ I have very carefully considered this matter in my own mind, and have looked at it in every point of view, in order to find some illustration of this most important subject, but I have been unable to discover anything on earth with which to compare the nature of the Godhead. For even if I did happen upon some tiny likeness it escaped me for the most part, and left me down below with my example. I picture to myself an eye, a fountain, a river, as others have done before, to see if they first might be analogous to the Father, the second to the Son, and the third to the Holy Ghost. For in these there is no distinction in time, nor are they torn away from their connexion with each other, though they seem to be parted by three personalities. But I was afraid in the first place that I should present a flow in the Godhead, incapable of standing still; and secondly that by this figure a numerical unity would be introduced. For the eye and the spring and the river are numerically one, though in different forms.
Again I thought of the sun and a ray and light. But here again there was a fear lest people should get an idea of composition in the uncompounded Nature, such as there is in the sun and the things that are in the sun. And the second place lest we should give Essence to the Father but deny Personality to the others, and make Them only Powers of God, existing in Him and not Personal. For neither the ray nor the light is a sun, but they are only effulgences from the sun, and qualities of its essence. And lest we should thus, as far as the illustration goes, attribute both Being and Not-being to God, which is even more monstrous.][18]
{لقد تدارست هذا الأمر فى عقلى الخاص بتدقيق وقلبت الأمر من كل الجهات ومن جميع وجهات النظر لأجد بعض النماذح الموضِّحة لهذا الأمر الهام. ولكننى لم أجد شيئاً على هذه الأرض يصلح للمقارنة بطبيعة اللاهوت. لأنه حتى إن وجدت بعض التشابه الطفيف فإن الأكثر يهرب منى ويتركنى فى الأسافل مع نموذجى.
لقد تصورت عيناً، وينبوعاً، ونهراً، وهكذا فعل غيرى من قبل، لأرى هل يتماثل الأول مع الآب والثانى مع الابن والثالث مع الروح القدس لأن فى هذه لا فرق هناك زمنياً ولا ينفصلون عن بعضهم البعض وإن كانوا يتمايزون فى ثلاثة شخوص. ولكنى خفت أولاً أن أجعل فى اللاهوت سرياناً لا يمكن أن يتوقف. وفى المقام الثانى فإن بهذا النموذج نُدخِل وحدة رقمية لأن كلاً من العين والنبع والنهر هم عددياً واحد وإن اختلفت الأشكال.
وفكرت ثانياً فى الشمس والشعاع والضوء ولكن هنا أيضاً خفت أن يدخل فى روع الناس فكرة التركيب وينسبوها إلى الغير مُركَّب. ومن ناحية أخرى لئلا ننسب الجوهر للآب وننكره على الشخصين الآخرين ونجعلهما مجرد قوتين إلهيين وليسا شخصين. لأنه ليس الشعاع ولا الضوء شمساً ولكنهما مجرد فيضاً من الشمس وصفات لجوهرها.
وأخيراً وحسب هذا النموذج ننسب لله الوجود وعدم الوجود فى آن واحد وهذا أكثر رعباً}.
(5) الأقانيم الثلاثة لهم ذات الجوهر الواحد :
تكلم القديس إغريغوريوس مراراً كثيرة عن أن الأقانيم الثلاثة لهم ذات الجوهر الواحد. وفى حديثه عن الله المثلث كسيد واحد لخليقته كان يقول :
[ But Monarchy is that which we hold in honour. It is, however, a Monarchy that is not limited to one Person, but one which is made of an equality of Nature and a union of mind, and an identity of motion, and a convergence of its elements to unity—a thing which is impossible to the created nature—so that though numerically distinct there is no severance of Essence.][19]
{ إن أحادية الأصل هى ما نحفظه بتكريم. إنها مع ذلك أحادية الأصل (من جهة الثالوث بالنسبة للخليقة) غير المقصورة على أقنوم واحد بعينه. بل إنها ناشئة من تساوى الطبائع ووحدة الفكر وتطابق المشيئة والتئام المكونات نحو الوحدة -وهى ما تعجز الطبائع المخلوقة أن تصله. حتى أنه رغم التعددية فليس هناك أبداً انقسام فى الجوهر}.
وفى تعليمه عن الابن قال :
[ In my opinion He is called Son because He is identical with the Father in Essence, and not only for this reason, but also because He is of Him. And He is called Only-Begotten, not because He is the only Son and of the Father alone, and only a Son; but also because the manner of His Sonship is peculiar to Himself and not shared by bodies. And He is called the Word, because He is related to the Father as word is related to mind ; not only on account of His passionless Generation, but also because of the Union, and of His declaratory function.][20]
{ فى رأيى إنه يدعى “ابن” لأنه يطابق الآب فى الجوهر وليس لهذا السبب فحسب بل وأيضاً لأنه منه وكان يسمى الابن الوحيد ليس لأنه كان الابن الوحيد للآب. بل لأن بنوته كانت خاصة بشخصه ولا يقاسمه فيها أى جسد. وكان يسمى الكلمة لأنه يُنسَب إلى الآب كما تنسب الكلمة إلى العقل ليس فقط للإخبار عن ولادته التى بغير ألم بل أيضاً من أجل الوحدة ومن أجل وظيفته الإخبارية (الإعلانية)}.
واستمر القديس إغريغوريوس فى نفس العظة يقول :
{والصورة هى من نفس جوهره}. [And the Image as of one Substance with Him.][21]
(6) المساواة بين الأقانيم الثلاثة :
يقول القديس إغريغوريوس فى عظته اللاهوتية عن الروح القدس ضد الأريوسيين والأنوميين:
[What then, say they, is there lacking to the Spirit which prevents His being a Son, for if there were not something lacking He would be a Son? We assert that there is nothing lacking for God has no deficiency. But the difference of manifestation, if I may so express myself, or rather Their mutual relations one to Another, has caused the difference of Their Names. For indeed it is not some deficiency in the Son which prevents His being Father (for Sonship is not a deficiency), and yet He is not Father. According to this line of argument, there must be deficiency in the Father, in respect of His not being Son. For the Father is not Son, and yet this is not due to either deficiency or subjection of Essence; but the very fact of being Unbegotten or Begotten, or Proceeding has given the name Father to the First, of the Son to the Second, and of the Third, Him Whom we are speaking, of the Holy Ghost that the distinction of the Three Persons may be preserved in the one nature and dignity of the Godhead. For neither is the Son the Father, for the Father is One, but He is what the Father is; nor is the Spirit Son because He is of God, for the Only-begotten is One, but He is what the Son is. The Three are One in Godhead, and One Three in properties*; so that neither is the Unity of Sabellian one, nor does the Trinity countenance the present evil distinction.][22]
{ماذا يقولون إذن؟ هل يوجد نقص ما فى الروح يمنعه أن يكون ابناً؟ لأنه إن لم يكن هناك نقص ما لكان ابناً؟ نحن نؤكد أن ليس ثمة نقص لأن فى الله لا يوجد أى نقص. ولكن اختلاف التعبير، إذا استطعت أن أعبر عن نفسى هكذا، أو بالأحرى تبادل العلاقات بينهم أدى إلى اختلاف أسمائهم. وبالتأكيد ليس نقص ما هو ما يمنع الابن أن يكون الآب (لأن البنوة ليست نقصاً) ومع ذلك ليس هو الآب. وحسب هذا الخط من الجدال فلابد أن يكون هناك نقص ما فى الآب لأنه ليس الابن لأن الآب ليس الابن، ومع هذا فليس ذلك لأجل نقص ما أو خضوع فى الكينونة، بل لأجل هذه الحقيقة بعينها عن كونه: غير مولود أو مولود أو منبثق هو الذى أعطى الاسم الآب للأول والابن للثانى والروح القدس للثالث الذى نحن نتكلم بصدده فالتمايز بين الثلاثة شخوص محفوظ فى الطبيعة الواحدة ومجد اللاهوت. ليس الابن “الآب” لأن الآب واحد مع أن له ما للآب، وليس الروح القدس ابناً لأن الابن واحد مع أن الروح من الله؛ وله ما للابن. الثلاثة فى الله الواحد والله الواحد ثلاثة فى الخصائص (*). حتى لا تكون الوحدة سابيلية ولا التثليث له الوجه القبيح (الذى للأريوسيين والأنوميين).
(7) الاشتراك فى نفس الصفات التى للجوهر :
كان القديس إغريغوريوس واضحاً جداً تماماً كما كان القديس أثناسيوس فى تعليمه أن الأقانيم الثلاثة لا يختلفون فيما بينهم إلا فى الصفات الأقنومية. إن الآب هو الأصل والابن مولود والروح القدس منبثق من الآب. (ولكنهم) يشتركون معاً فى جميع الصفات الأخرى للجوهر الإلهى. قال :
[ For we have learnt to believe in and to teach the Deity of the Son from their (verses from the bible) great and lofty utterances. And what utterances are these? These: God—the Word—He That Was In The Beginning and With The Beginning, and The Beginning. “In the Beginning was the Word, and the Word was with God,” (John 1.:1) and “With Thee in the Beginning’ and “He who calleth her the Beginning from generations” (Isa. 41:4). Then the Son is Only-Begotten : The only “Begotten Son which is in the bosom of the Father, it says, “He that declared Him” (John 1:18), The Way, the Truth, the Life, the Light. “I am the Way, the Truth, and the Life;” (John 14:6) and “I am the Light of the World” (John 7:12, 9:5, 14:6). Wisdom and Power, “Christ, the Wisdom of God, and the Power of God.”(1 Cor. 1:24) The Effulgence, the Impress, the Image, the Seal; “Who being the Effulgence of His glory and the Impress of His Essence,”(Heb 1:3) and “the Image of His Goodness,”(Wisd. 7:26) and “Him Hath God the Father sealed”(John 6:27). Lord, King, He That is, The Almighty. “The Lord rained down fire from the Lord;”(Gen 19:24) and “A Scepter of righteousness is the scepter of The Kingdom;”(Ps. 45:6) and “Which is and was and is to come, the Almighty”(Rev. 1:8), all which are clearly spoken of the Son, with all other passages of the same force, none of which is an after thought, or added later to the Son or the Spirit, any more than to the Father Himself. For Their Perfection is not affected by additions. There never was a time when He was without the Word, or when He was not the Father, or when He was not true, or not wise, or not powerful, or devoid of life, or of splendor, or of goodness.][23]
{ فإننا تعلمنا أن نؤمن ونُعلِّم عن ألوهية الابن من الكلمات السابقة العظيمة التى نطقوا بها وأى كلمات هذه؟ إن الله الكلمة كان فى البدء ومع البدء وكان هو البدء “فى البدء كان الكلمة، وكان الكلمة عند الله، وكان الكلمة الله” (يو1:1) و”معك كان البدء” “وهو الذى دعاها البداءة من أجيال” (أش41: 4). لهذا فإن الابن هو الابن الوحيد “الابن الوحيد الكائن فى حضن الآب هو خبَّر” (يو1: 18). الطريق والحق والحياة والنور “أنا هو الطريق والحق والحياة” “أنا هو نور العالم” الحكمة والقوة “المسيح حكمة الله وقوة الله” الفيض والرسم والختم “الذى هو بهاء مجده ورسم جوهره” * و”صورة صلاحه” و”الذى ختمه الله الآب”.
الرب والملك والقادر على كل شئ “أنزل الرب ناراً من السماء” و”صولجان حقه هو صولجان ملكه” و”الكائن الذى كان والآتى أيضاً والقادر على كل شئ”. كلها قد قيلت بوضوح عن الابن مع كل القطع الأخرى التى بنفس القوة قيلت. لم يُضَفْ أى منها فيما بعد إلى الابن أو الروح القدس ولا كان أى منها فكراً لاحقاً ولا عن الآب نفسه. لأن كمالهم لم يتأثر بالإضافات. لم يوجد وقت أبداً لم يكن فيه بدون الكلمة أو متى لم يكن الآب أو متى لم يكن الحق أو غير حكيم أو غير قوى أو خالٍ من الحياة أو السؤدد أو الصلاح}.
فى هذه العظة اللاهوتية الثالثة شرح القديس إغريغوريوس وحدة الجوهر بين الابن والآب وخَلُص إلى قوله :
[ The Son is a concise demonstration and easy setting forth of the Father’s Nature. For everything that is begotten is a silent word of him that begot it”… “He is … called… the Image as of one substance with Him, and because He is of the Father, and not the Father of Him. For this is of the Nature of an Image, to be the reproduction of its Archetype, and that whose name it bears; only that there is more here. For in ordinary language an image is a motionless representation of that which has motion; but in this case it is the living reproduction of the Living One, and is more exactly like than was Seth to Adam, or any son to his father.
For such is the nature of simple Existences, that it is not correct to say of them that they are Like in one particular and Unlike in another; but they are a complete resemblance, and should rather be called Identical than Like. Moreover he is called Light as being the Brightness of souls cleansed by word and life. For if ignorance and sin be darkness, knowledge and a godly life will be Light… And He is called Life, because He is Light, and is the constituting and creating Power of every reasonable soul. For in Him we live and move and have our being, according to the double power of that Breathing into us; for we were all inspired by Him with breath, and as many of us were capable of it, and in so far as we open the mouth of our mind, with God the Holy Ghost.][24]
{إن الابن هو نموذح توضيحى مُركّز وتقديمه مُيَسّر لطبيعة الآب. لأن كل ما هو مولود هو كلمة صامتة لذلك الذى ولده.. “هو.. يدعى.. صورته لأنه من نفس جوهره ولأن الابن هو من الآب وليس الآب من الابن.
لأن هذه هى طبيعة الصورة أن تكون نسخة من الأصل الذى تحمل اسمه وفى حالتنا هذه ما هو أكثر. لأن كل صورة هى إيماءة أقل تمثيلاً من التى أومئت بها ولكن فى حالتنا هذه هى نسخة حيَّة من (كائن) حى بل وأكثر شبهاً من شيث إلى آدم أو أى ابن إلى أبيه، لأن هكذا هى طبيعة الوجود لأنه ليس من الصواب أن نقول أنه يتشابه فى جزئية ولا يتشابه فى جزئية أخرى، ولكن هنا التماثل كامل ويجدر أن يقال عنه أنه تطابق بدلاً من تشابه.
وبالأكثر من ذلك فهو يُدعَى النور حيث ينير النفوس ويطهرها بالكلمة والحياة لأنه إذا كان الجهل والخطية هى الظلام، والمعرفة والحياة حسب الله هو النور.
ويسمى الحياة لأنه هو النور وهو المنشئ والقوة الخالقة لكل نفس عاقلة. لأن فيه نوجد ونحيا ونتحرك، حسب القوة المزدوجة التى للنسمة التى نُفِخَت فينا. لأننا جميعاً قد ألهمنا بالنفخة وكثير منا كانوا قادرين على ذلك وللآب نفتح أفواه عقولنا مع الله الروح القدس}.
(8) الروح القدس ينبثق من الآب وحده :
ميَّز القديس إغريغوريوس تميزاً واضحاً بين ولادة الابن وانبثاق الروح القدس. وفى تعليمه لا يوجد خلط بين الصفات المميزة للأقانيم فى الثالوث الأقدس.
وبعد أن تكلم عن الاسم الخاص بالجوهر الإلهى “أهيه الذى أهيه” وبعد ذِكْر الأسماء الأخرى للاهوت مثل “الكلى القدرة” “ملك المجد” “ملك الدهور” “ملك القوات” “ملك الملوك” قرر أن:
[ Now these are names common to the Godhead, but the proper Name of the Unoriginate is Father, and that of the Begotten without beginning is Son, and that of the un-begottenly Proceeding or going forth is The Holy Ghost.][25]
{هذه هى الأسماء العامة للاهوت ولكن الاسم المناسب لغير المنبوع هو الآب وللمولود بلا بداية هو الابن وللمنبثق غير المولود الروح القدس}.
من الواضح أن الروح القدس منبثق دون ولادة ولا علاقة له بالابن فى انبثاقه من الآب.
(9) أحادية الأصل الأبوى فى الثالوث الأقدس :
أكّد القديس إغريغوريوس مراراً كثيرة على أحادية الأصل الأبوى كالأصل الوحيد للثالوث الأقدس patriki-archy الآب هو الوحيد غير المنبوع (unoriginated).
[How then are They not alike unoriginate, if They are coeternal? Because They are from Him, though not after Him. For that which is unoriginate is eternal, but that which is eternal is not necessarily unoriginate, so long as it may be referred to the Father as its origin. Therefore, in respect of Cause They are not unoriginate, but it is evident that the Cause is not necessarily prior to its effects, for the sun is not prior to its light.][26]
{لماذا إذاً ليسا بالمثل غير منبوعين ماداما أيضاً أزليين؟ لأنهما منه وإن كانا ليسا لاحقين له. لأن غير المنبوع أزلى ولكن الأزلى ليس بالضرورة غير منبوع مادمنا نشير إلى الآب كأصل لهما.
لذلك فبالنسبة للسبب هما ليسا غير منبوعين. ولكن من البيِّن أن السبب ليس بالضرورة سابق لنتيجته كالشمس مثلاً ليست سابقة لنورها}.
وقد علَّم القديس إغريغوريوس أيضاً بوضوح أن :
{الآب هو الوالد والباثق}. [ The Father is the Begetter and the Emitter.][27]
(10) العطايا الإلهية هى من الآب من خلال الابن فى الروح القدس :
فى عظته عن عطايا الله بالروح القدس يقول القديس إغريغوريوس :
[That He is the Gift, the Bounty, the Inspiration, the Promise, the Intercession for us, and, not to go into any further detail, any other expressions of the sort, is to be referred to the First Cause, that it may be shown from whom He is, and that men may not in heathen fashion admit Three Principles. For it is equally impious to confuse the Persons with the Sabellians, or to divide the Natures with the Arians.][28]
“إنه هو (الروح القدس) العطية، والهبة، والإلهام، والوعد، والشفيع لنا، وبدون الدخول فى تفاصيل أكثر، فإن أى عبارات أخرى من هذا النوع، تُنسَب إلى السبب الأول (يقصد الآب) حتى يظهر (يتضح) ممن هو (الروح القدس)، وحتى لا يعترف الناس بثلاثة مصادر (يقصد ثلاث آلهة مستقلة) على الطريقة الوثنية. لأن الخلط بين الأقانيم (الأشخاص) مع السابيليين (أتباع سابيليوس) يتساوى فى عدم التقوى مع تقسيم الطبائع مع الأريوسيين.”
التعبير “السبب الأول” الذى ذكره القديس إغريغوريوس فى هذا القطعة يشير إلى أن عطايا الله تنبع من الآب وتعطى بالابن فى الروح. وفى عظته اللاهوتية عن الابن تكلم القديس إغريغوريوس عن القوة المزدوجة للنفخة فى الابن. وهو يقصد بالقوة المزدوجة للنفخ أن العطايا الآتية إلينا من الآب وتعطى لنا بالروح من خلال الابن.
[ For in Him we live and move and have our being, according to the double power of that Breathing into us; for we are all capable of it, and in so far as we open the mouth of our mind, with God the Holy Ghost.][29]
{“لأن فيه نحيا ونتحرك ونوجد” حسب القوة المزدوجة فى النفخة فينا، لأننا جميعاً نُلهَم بالنفخة، وكثيرون منا قادرون على ذلك وإلى الآن نفتح أفواه عقولنا لله والروح القدس}.
1 P. Schaff & H. Wace, N. & P.N. Fathers, series 2, Vol. IV, Eerdmans Pub. Company, Sep. 1978, St. Athanasius, Expositio Fidei (Statement of Faith) P. 84,85.
2 P. Schaff & H. Wace, N. & P.N. Fathers, series 2, Vol. IV, Eerdmans Pub. Company, Sept. 1978, St. Athanasius, Four Discourses Against the Arians- Discourse III, points 4 &5.
4 P. Schaff & H. Wace, N. & P.N. Fathers, series 2, Vol. VII, Eerdmans Pub. Company, Sept. 1978, Gregory Nazianzen, Fifth Oration on the Holy Spirit P.327.
5 P. Schaff & H. Wace, N. & P.N. Fathers, series 2, Vol. VII, Eerdmans Pub. Company, Nov. 1978- The Book of Saint Basil on the Spirit, Chapter 18, p. 28.
6 ibid, Letter 52, to the Canonicoe, p.155,156
7 P. Schaff & H. Wace, N. & P.N. Fathers, series 2, Vol. IV, Eerdmans Pub. Company, Sept. 1978, St. Athanasius, Four Discourses Against the Arians- Discourse I, point 19.
9 P. Schaff & H. Wace, N. & P.N. Fathers, series 2, Vol. VII, Eerdmans Pub. Company, Sept. 1978, Gregory Nazianzen, Fifth Oration on the Holy Spirit p..328
[10] ترجمة عربية لمحاضرة نيافة الحبر الجليل نيافة الأنبا بيشوى التى ألقيت فى المؤتمر الثانى للدراسات الآبائية بالاشتراك مع جامعات أثينا وتسالونيكى المنعقد تحت رعاية البابا المعظم الأنبا شنودة الثالث فى دير القديس الأنبا بيشوى بوادى النطرون فى الفترة من 26/12/1996 إلى 29/12/1996م
[11] Phillip Schaff & Henry Wace, Nicene & Post Nicene Fathers, Vol.VII, Second Series. Hendrickson Publishers June 1995, Article XVII Second Theological Oration. P.294
[12] Ibid, 2nd Theological Oration, Article X, p.292.
[13] Ibid, 2nd Theological Oration, Article XVII, p.294.
[14] Ibid, 3rd Theological Oration, Article II P.301
[15] Ibid, 3rd Theological Oration (on the Son), Article II, p.301
[16] Ibid, 3rd Theological Oration, Article III, pp.301,302
[17] Ibid, Forth Theological Oration, Article XX, p. 316
[18] Ibid, 5th Theological Oration (on the Holy Spirit), Articles XXXI and XXXII, p.328.
[19] Ibid, 3rd Theological Oration (on the Son), Article II, p.301.
[20] Ibid, 4th Theological Oration , Article XX, p.316.
[21] Ibid p.317
[22] Ibid, 5th Theological Oration (on the Holy Spirit), Article IX, p.320.
* لقد حذر القديس إغريغوريوس كما ذكرت فى النقطة الرابعة لئلا نخص الآب وحده بالجوهر ونعتبر الابن والروح القدس مجرد صفات للجوهر وليست أقانيم حقيقية وعلى ذلك فلكل أقنوم صفته الأقنومية الخاصة ولكنه ليس مجرد صفة للجوهر.
52 Ibid, 3rd Theological Oration, Article XVII, p. 307
* التعبير فى الرسالة إلى العبرانيين (عب1: 3) باللغة اليونانية uJpostavsewV (هيبوستاسيوس) وهذه يمكن ترجمتها “أقنوم” بدلاً من “جوهر”. فتصير “رسم أقنومه”.
[24] Ibid, 4th Theological Oration (2nd on the Son), Article XX, pp.316,317.
[25] Ibid, 4th Theological Oration (2nd on the Son), Articles XIX, p.316.
[26] Ibid, 3rd Theological Oration (on the Son), Article III, p.302.
[27] Ibid, 3rd Theological Oration (on the Son), Article II, p.301.
[28] Ibid, 5th Theological Oration (on the Holy Spirit), Article XXX, p.328.
[29] Ibid, 4th Theological Oration (2nd on the Son), Article XX, p.317.
شرح عقيدة الثالوث Trinity doctrine explained – الأنبا بيشوي
لا إله إلا الله الواحد – بولس فغالي
لا إله إلا الله الواحد – بولس فغالي
لا إله إلا الله الواحد – بولس فغالي
حين انطلقت الكنيسة الأولى، كان عليها أن تحمل تعليمًا إلى العالم اليهودي والعالم الوثني. مع العالم اليهودي قالت بوحدانيّة الله رغم إيمانها بالثالوث، بالاله الواحد في ثلاثة أقانيم. قالت بفم يسوع: “الرب إلهنا هو واحد”. وكانت لها حرب مع العالم الوثني المتعلِّق بالاوثان، بقوى الطبيعة يؤلّهها، هذا العالم الذي عبدَ أبطال الاساطير بل عبدَ مدينة رومة وأباطرتها الأموات منهم والأحياء. حينئذ هتفت: لا إله إلاّ الاله الواحد. ودعت المؤمنين إلى أن يتركوا أصنام الحجر والخشب، بانتظار أن تدعوهم وتدعونا إلى التخلّي عن أصنام أخرى ترتبط بالخطيئة: حبّ المال، الدعارة، الزنى…
نستمع أولاً إلى القديس بولس يحدّثنا عن ذبائح تقدّم للآلهة. ثم نسمع كلام الكنيسة تدعو مؤمنيها إلى ترك عبادة الاوثان وعبادة الله الحي. وفي النهاية نفهم أن هناك أصنافا من نوع آخر هي عناصر الكون وحبّ المال وأعمال الجسد.
1- ذبائح الاوثان
طرح الكورنثيون سؤالاً على بولس الرسول: هل يحقّ للمؤمن أن يأكل لحمًا من ذبائح قُدّمت للأصنام. نحن هنا أمام قضيّة عمليّة: كانت تكثر الذبائح المقدّمة للآلهة في مناسبة الاعياد، فتباع بأسعار رخيصة. وهكذا يستفيد الفقراء من هذا الظرف ليأكلوا طعامًا (لحمًا) لا يستطيعون أن يشتروه في الحالات العادية. أعطى بولس جوابًا عمليًا أول: ليس الوثن بشيء. هو لا يزيد شيئًا على هذه اللحوم ولا ينقّص منها شيئًا. إن أكلنا من “هذه اللحوم” لا نكسب شيئًا، وإن لم نأكل لا نخسر شيئًا (1 كور 8: 8).
ويستفيد بولس من المناسبة ليدلّ أولاً على أن بعض الناس ما زالوا ضعفاء، ما زالوا يحنّون إلى الاوثان والممارسات التي ترافق أعياد المدينة، ما زالوا يخافون من الوثن الذي يمكن أن يعاقبهم لأنهم تركوه. ويقابل هؤلاء الضعفاء، أقوياء لهم المعرفة التي هي عطيّة من الله (1 كور 8: 1). هم يعرفون ما هو الوثن، ولذلك يعتبرون أن “كل شيء يحلّ لهم” (1 كور 6: 12). إنطلقوا من الطعام الذي لا ينقّي ولا يدنس الانسان على ما يقول يسوع المسيح (مر 7: 14- 23)، فطبّقوا هذا القول على الزنى، فأفهمهم بولس أن الجسد هو للرب، أن الجسد هو هيكل الروح القدس (1 كور 6: 13، 19).
لماذا يأكل الناس من اللحوم المقدّمة للأوثان؟ لكي يتّحدوا بالاله الذي له يذبحون. ولكن بولس يعلن أن لا إله إلاّ الله الواحد. وأن الآلهة التي يتحدّث عنها العالم الوثني هي آلهة مزعومة، آلهة كاذبة. ويقدّم الرسول الواقع: هناك آلهة عديدون، هناك أرباب عديدون. والميتولوجيا الوثنية تعج بهم: من زوش (أو جوبتر) إله الآلهة، حتى مارس إله الحرب، وبوسيدون (أو نبتون) إله الماء والبحر… هذه هي آلهة بالنسبة إليهم، إلى الوثنيين. أما بالنسبة إلينا، نحن المسيحيين، “فلنا إله واحد وهو الآب الذي منه كل شيء” (1 كور 8: 6).
ثم كانت نقابات تجمع أصحاب المهنة الواحدة، وتضع نفسها تحت حماية إله من الآلهة. وكانت كل نقابة تقيم عيدًا “لشفيعها” (مثلاً، أرطاميس والصاغة في أفسس، رج أع 23:19 ي). فمن تخلّف عن العيد عُدّ خارج المهنة، خارج النقابة. لا شكّ في أن المناسبة صارت مناسبة اجتماعية. ولكن هذا لا يمنع من وجود تمثال للاله الذي يحتمي به هؤلاء الصنّاع. فما يكون موقف المسيحيّ الذي يعمل في هذه المهنة؟
هنا سيكون جواب بولس قاطعًا: “فلذلك اهربوا، يا أحبائي، من عبادة الاوثان” (1 كور 10: 14). لم نعد فقط أمام شكّ وعثار لإخوتنا “فتكون معرفتنا سبب عثار لهذا الضعيف، هذا الأخ الذي مات المسيح من أجله” (1 كور 8: 11) هـ فنكون وكأننا أخطأنا إلى المسيح (آ 12). وكان الموقف العملي: “لن آكل اللحم أبدًا لئلاّ أكون سببًا لسقوط أخي” (آ 13).
أما على مستوى النقابة، فبدا الصراع واضحًا بين عبادة الله وعبادة الوثنيين. إن الذين يأكلون الذبائح هم شركاء المذبح، وبالتالي شركاء للاله الذي يُعبد على هذا المذبح. وسيقولها بولس بصريح العبارة: “ذبائح الوثنيين هي ذبائح للشياطين” (1 كور 14: 19). فهل نريد أن نكون شركاء للشياطين (آ 20)؟ الجواب سيكون لا. هل نخلط بين عبادة الآلهة وعبادة الله الواحد؟ هل نفعل كما فعل معاصرو إيليا فنرقص تارة أمام بعل وتارة أمام يهوه (1 مل 18: 21)، فنقدّم شعائر العبادة تارة للرب وطورًا للالهة الكاذبة؟ وسيقول لنا القديس بولس في المعنى نفسه: “لا تقدرون أن تشربوا كأس الرب وكأس الشياطين، ولا أن تشتركوا في مائدة الرب ومائدة الشياطين” (1 كور 10: 21). ويذكّرنا بإحدى صفات الله في العهد القديم: إنه الاله الغيور الذي لا يرضى (بل يغضب) على أبناء شعبه الذين يتعبّدون للأوثان (تث 32: 17 ي).
2- أهربوا من عبادة الاوثان
بولس هو عارف بهويّة الوثن، ولهذا لم يهتمَّ للحوم الاوثان. وهناك العارفون والواثقون بأنفسهم. إلى هؤلاء قال بولس: “كلوا من كل ما يباع في السوق، غير باحثين عن شيء من أجل الضمير، لأن الأرض وما عليها للرب” (1 كور 10: 25- 26). ولكنه أحسّ بالخطر يهدّد جماعة ليس كل أفرادها على مستوى واحد من الايمان والشخصية المسيحية. فقد ينقادون وراء الأكثريّة، ولا يكتفون بشراء بعض اللحوم، أو بالمشاركة في حفلة تقام مرّة كل سنة. فهؤلاء الذين تعوّدوا على الاوثان، يأكلون من هذه الذبائح فيحسبونها حقًا ذبائح للأوثان (1 كور 8: 7).
ماذا يعني بولس بكلامه؟ هو يعني العبادة التي تقدّمها كل مدينة لآلهتها، وخصوصًا لإلهها الشخصي الخاص. فمن شارك في هذه “الولائم المقدسة” دلّ على أنه ليس بغريب عن سائر الناس. هو يعمل كما يعمل سائر الناس فلا يفترق عنهم بشيء. وما كان يستثنى من هذه العبادة إلاّ اليهود بسبب ما نالوه من اعفاءات. ثم، لما أخذ الناس في كل مدينة يقدمون الذبائح للأمبراطور كأنه إله، شعر المسيحيون أن عليهم أن يشاركوا في هذه الذبائح ليدلّوا على ولائهم لرومة. فمن رفض المشاركة عُدّ خائنًا. وسيأتي يوم تميّز فيه “السلطة” بين الذين يقدّمون البخور أمام الآلهة أو لا يقدّمون. فمن لا يقدّم كان مصيره الموت.
وجد المسيحيون أنفسهم أمام خطرين: إما يرجعون إلى الديانة اليهودية وممارساتها، كما فعل أهل غلاطية (غل 3: 2: تنتهون بالجسد، باللحم والختان في اللحم)، فينجون بنفوسهم. وإما يمارسون ما يمارسه الوثنيون، معتبرين هذا العمل ممارسة اجتماعية تربطهم بأفراد المدينة التي يقيمون فيها. ولكن النتيجة النهائية كانت: عودة إلى عبادة الاوثان. لهذا يدعو بطرس المؤمنين قائلاً: “كفاكم ما قضيتم من الوقت في مجاراة الأمم الوثنية، سالكين (عائشين) سبيل الدعارة والشهوة والسكر والخلاعة والعربدة وعبادة الاوثان المحرّمة” (1 بط 4: 3). هكذا كان الناس يحتفلون بالاعياد الوثنية وما يرافقها من مختلف أنواع الممارسات الاباحية. ويتابع القديس بطرس كلامه: “وهم الآن يستغربون عنكم كيف لا تنساقون في مجرى الخلاعة ذاتها فيهينونكم” (آ 4).
وهكذا وجب على المسيحيين أن ينفصلوا عن الوثنيين، أن يرفضوا كل تعامل معهم على هذا المستوى. قال بولس الرسول في 2 كور 6: 14- 16: “لا تقترنوا بغير المؤمنين في نير واحد. أي صلة بين الخير والشر (بين البرّ والاثم، بين الحياة مع الله، والحياة ضد الله)؟ وأي علاقة للنور والظلمة؟ وأي تحالف بين المسيح وابليس (حرفيًا: بليعار وهو الباطل والوثن والشيطان)؟ وأي شركة بين المؤمن وغير المؤمن؟ وأي وفاق بين هيكل الله والاوثان”؟
والخيار يفرض نفسه: “نحن هيكل الله”. فكيف يجب علينا أن نتصرّف؟ ويبيّن القديس بولس شرّ العبادة الوثنية وما جرّت وراءها من خطايا. فهي رفيقة “السحر والعداوة والشقاق والغيرة والغضب والدسّ والخصام والتحزّب والحسد والسكر والعربدة”. هي رفيقة “الزنى والدعارة والفجور” (غل 5: 19- 21). والذين يعملون هذه الأعمال لا يرثون ملكوت الله.
وسيدلّ القديس بولس في الرسالة إلى رومة على حالة الانحطاط التي وصل إليها عبّاد الاوثان. “إستبدلوا بمجد الله الخالد صورًا على شاكلة الانسان الفاني والطيور والدواب والزحافات” (روم 1: 23). هذا ما قاله مز 106: 20: “أبدلوا الله المجيد بشكل ثور يأكل العشب”. تلك كانت عبادة المصريين والقدماء، وقد أشار بولس إلى عبادات أخرى. ثم بيّن كيف استبدلوا حقيقة الله (أو: الاله الحق) بالكذب (بالباطل) (أو: الآلهة الكاذبة، رج إر 10: 10- 14)، فعبدوا المخلوق بدل الخالق (روم 1: 24). “لهذا، أسلمهم الله إلى الشهوات الدنيئة… أسلمهم إلى فساد عقولهم، إلى كل عمل شائن” (روم 1: 26- 30).
هل يريد المسيحيون أن يصلوا إلى هذا الحدّ؟ كان بعضهم على هذه الحال فيما مضى. أما الآن فيتوجّه بولس إليهم ويقول: “لكنكم قد اغتسلتم (بالمعمودية)، لكنكم قد تقدّستم (تكرّستم، صرتم ملك الله)، لكنكم تبرّرتم (نلتم برّ الله ورحمته) باسم الرب يسوع المسيح وبروح إلهنا” (1 كور 6: 11).
3- لا تعبدوا ربّين
أورد القديس متى (6: 24= لو 16: 13) في عظة الجبل كلام السيد المسيح حول هذه العبادة: “لا يستطيع أحد أن يعبد (يخدم) ربين (سيّدين). إما يبغض الواحد ويحبّ الآخر. وإما يتعلّق بالواحد ويحتقر الآخر. لا تستطيعون أن تعبدوا (تخدموا) الله والمال”.
كان المال اسم جنس فصار اسم علم. صار شخصًا قويًا يستعبد العالم. الكلمة اليونانية المستعملة هنا تعود إلى الآرامية، أخت العربية: مامون. أي ما يعطينا الأمان. ما نستطيع أن نستند إليه ونثق به. نحن نؤمن بالمال كما نؤمن بالله، لأنه حقيقة ثابتة وملموسة. وهكذا صار المال صنمًا نخضع له وننتظر منه الخلاص. فالصنم صورة على ورقة أو قطعة قماش؟ وليس فقط تمثالاً نجعله في الحجر أو الخشب. الصنم هو كل ما نجعل عليه اتّكالنا. كل ما نعتبره مصدر سعادتنا. هناك عبادة الاشخاص كما يعرفها عالمنا المعاصر. وعبادة المال والسلطة والعنف والجنس. وهناك عالم السحر (وما يرتبط به من عرافة وكشف حظّ وكتابة) الذي ننتظر منه أن يوجّه أعمالنا، بل حياتنا كلها وحياة شعوبنا (كم من رئيس دولة يستشير العرّافين!).
ونتساءل بعد هذا: لماذا نعيش في القلق والخوف؟ ونتساءل: لماذا الحروب والخصومات والبغض والحقد، واستغلال الضعفاء والمساكين؟ ونتساءل: كم من “الزعماء” جرّوا شعوبهم إلى الدمار، وقتلوا الملايين باسم سياسة تفرض العبودية على الناس، بدل أن تعلّمهم عبادة الله الواحد الذي خلقهم أحرارًا على صورته ومثاله.
هل ننسى ما قاله الرب في الكتاب المقدس؟” يوجد في أرضكم من يتعاطى عرافة (يعتبر العرّاف أنه يعرف الماضي والمستقبل)، ولا مشعوذ (من يتلو أو ينشد عبارات سحرية للحصول على نتيجة ما)، ولا متفائل ولا ساحر (ممارسات تتأسَّس على الاعتقاد بقوى علوية، وتظنّ أنها تؤثِّر على الأشخاص والأشياء). ولا من يرقى رقية (الاستعانة بقوى تفوق قوى الطبيعة للحصول على أمر ما)، ولا من يسأل جانا أو تابعة (وذلك من أجل معرفة المستقبل) ولا من يستشير الموتى. فكل من يصنع ذلك هو ممقوت عند الرب” (تث 18: 10- 11). إن الأمم الوثنية تصنع ذلك، أما أنت، فما أراد لك الرب الهك شيئًا من هذا (آ 14). وسيكون سفر الخروج قاسيًا: “لا تبق ساحرة على قيد الحياة” (22: 18).
بالسحر نحاول أن نسيطر على الله. أما بالايمان، فنخضع لمشيئة الله. بالسحر نريد أن نوجّه الكون كما نريد. أما إذا سمعنا كلمة الله، فيكون لنا الكون عطيّة من يد الله خالق السماء والأرض. لقد حاول “أهل بابل” أن يصلوا إلى الله بالقدرة البشرية والسلطان، فكانت النتيجة تشتتًا لهم على وجه الأرض (تك 11). أما ابراهيم فأطاع نداء الرب فأعطيت له الأرض، وتباركت به جميع الشعوب (تك 12).
وتوقّف القديس بولس عند آلهة من نوع آخر. هي العناصر. تحدّث أولاً إلى الغلاطيين الذين انتقلوا من عبادة هي في الواقع عبودية إلى عبادة أخرى. قالت: “إذ كنتم قديمًا لا تعرفون الله، تعبّدتم لآلهة ليست في الحقيقة آلهة” (غل 4: 8). كان أهل غلاطية وثنيين فخضعوا لعالم الاوثان. ولكننا لا نستطيع أن نخلط الله الواحد مع أية قوّة في العالم المخلوق، أكانت منظورة أم غير منظورة. وإذ وصل الوحي إلى هذا الشعب، حرّره الله من هذه القوى التي سعى دائمًا إلى تأليهها.
ويتابع القديس بولس (آ 9): “أما الآن، وقد عرفتم الله، بل بالحري عرفكم الله، فكيف ترجعون إلى هذه العناصر (أو: الاركان) السقيمة البائسة التي تريدون من جديد أن تتعبّدوا لها”؟ كيف ينتقل الغلاطيون من آلهة إلى آلهة، مع أنهم عرفوا الاله الواحد أو بالأحرى عرفهم. المعرفة هي علاقة شخصية “ملموسة”. المعرفة هي محبّة. الله أحب الغلاطيين، فكيف لا يبادلونه الحب؟ كيف يتعلّقون بعناصر سقيمة وضعيفة؟
ما هي هذه العناصر؟ ليس تلك التي يتكوّن منها الكون كالماء والهواء والتراب والنور. بل تلك القوّات التي تعمل في العالم. سجنت الانسان وقيّدته فجاء المسيح يحرّره منها. فالعالم الوثني استعبد الانسان لقوى الكون التي ألّهها. ونظام الشريعة الموسوية استعبد الاسرائيلي للملائكة (3: 19) الذين نسب إليهم التقليد اليهودي تدبير الكون المادي وبالأخص عالم الكواكب والنجوم. وهكذا يجعل الرسول عمدًا طقوس الديانة الوثنية والطقوس التي يفرضها اليهود على الغلاطيين الذين ارتدوا من الوثنية، يجعلها على المستوى عينه. ففي الحالتين، نرى خضوع الانسان وتعبّده لخلائق أخرى (هم الاوصياء الذين تتحدّث عنهم غل 4: 2). ولكن على المؤمن أن لا يرتبط إلاّ بالله خالقه الذي صار ابنه بواسطة يسوع المسيح.
ويتابع القديس بولس كلامه في غل 4: 10: “تحفظون الأيام والشهور والاوقات والسنين”. قد نكون هنا أمام الاعياد اليهودية التي يتعلّق بها الغلاطيون ليدلوا على عودتهم إلى ديانة الشريعة الموسوية. وقد يلمّح بولس الرسول إلى طقوس تلفيقية (نماذج تعاليم وممارسات مختلفة) ترتبط بعبادة الكواكب. هنا نلتقي بما قاله بولس في الرسالة إلى كولسي: “فلا يحكمنّ عليكم أحد في المأكول أو المشروب أو في عيد أو رأس شهر أو سبوت” (2: 16). كل هذا نتركه لأنه الظلّ، أمّا الواقع فهو المسيح. فلماذا العودة إلى الشعائر اليهودية؟ هناك أشخاص يدعونكم إلى أعمال تقوية، إلى “عبادة ملائكة” (آ 18). هل نسوا أن العبادة تتوجّه إلى الله وحده؟
أنتم الآن مسيحيون، “أنتم قد متُّم مع المسيح عن عناصر العالم، فلماذا تخضعون لهذه الفرائض كما لو كانت حياتكم تخضع أيضًا للعالم” (آ 20)؟ ويعدّد الرسول بعض المحرّمات والممنوعات (هناك ما يسمّى “تابو” أو شيء مقدّس لا نلمسه لئلا نتجنّس): “لا تأخذ، لا تذُق، لا تمسّ. كلها أشياء تؤول بالاستعمال إلى زوال. تلك هي وصايا الناس وتعليمهم” (كو 2: 21- 22).
هذه الأمور ليست بعيدة عنا. فنحن لا نزال متعلّقين بأيام وشهور وسنين. نتعلق بالحظوظ والابراج والكواكب والنجوم، ونعلن في الوقت ذاته أننا نعبد الله الواحد، وبه نربط حياتنا في كل تفاصيلها. إننا ندلّ بهذه الصورة أننا نتعبّد “لأصنام” نخاف منها ومن تأثيرها على حياتنا، ولا نتعبّد للاله الحي الذي يحبّنا ويريد لنا الحياة والحرية. فالله يتمجّد عندما يعيش الانسان ملء حياته، حين يكون كبيرًا في تصرفاته وسعيدًا في كل ما يعمل.
خاتمة
حين كلّم بولس أهل أثينه أمام الاريوباج (أي مجلس المدينة)، دعاهم إلى التعرّف إلى الاله المجهول، هذا الاله الذي ما زالوا يجهلونه، والذي جاء يبشرّهم به (أع 17: 23). هذا الاله الذي خلق السماء والأرض يدعوهم إلى البحث عنه واكتشافه. في الماضي، كانوا جاهلين. أما الآن فصاروا عارفين. فيبقى عليهم أن يتوبوا، أن يرتدوا إلى الإله الحقيقيّ (آ 30). هذا النداء يتوجّه إلينا أيضًا ويدعونا إلى الايمان بالله الواحد فنحبّه من كل قلوبنا ونفوسنا وأذهاننا، ولا نتعبّد لسواه.
الثالوث القدوس ووحدانية الله عند اباء ما قبل نيقية
الثالوث القدوس ووحدانية الله عند اباء ما قبل نيقية
لقد أنشأ لقب “ابن الله” و“كلمة الله” للمسيح حتمية الدخول في معرفة الصلة الكيانية بين هذه الألقاب وبين طبيعة الله وذاته. والكتاب المقدَّس لم يترك هذا الموضوع دون أن يشير إليه في مواضع عديدة جدًّا، باصطلاحين يترددان دائماً، وهما: “في الله”، “من الله”.
أمَّا الاصطلاح الأول فيوضِّح في بساطة أن الرب بالرغم من ظهوره واستعلانه “كخارج من عند الآب” إلاَّ أنه قائم في وحدة الله غير منقسم أو منفصل عن هذه الوحدة ولا ممتد أو خارج عنها، بل قائم كبسيط في البسيط دون أي تركيب أو انقسام عددي في الله الواحد، لأن هذه هي صفة جوهر الله (فجوهر الله بسيط غير مركب من اجزاء).
وهذا المعنى العميق الرائع يوضِّحه القديس أثناسيوس في بساطة واختصار إعجازي هكذا:
[الابن والكلمة من الله وفي الله، كلٌّ منهما يتضمَّن الآخر، فإذا لم يكن هو “ابن” فهو ليس “كلمة”، وإذا لم يكن “كلمة” فهو ليس “ابناً”.]([1])
[فكيان الابن لأنه “من الآب” لذلك فهو “في الآب”.]([2])
لذلك وبهذين الاصطلاحين “من الله” و“في الله” استطاع الآباء أن يوازنوا بين “لاهوت المسيح” و“وحدانية الله”، وخاصة في دفاعهم ضد الوثنيين، لرفع أي التباس من جهة تعدد الآلهة بسبب القيام الذاتي للآب والابن معاً في الثالوث.
وإليك دفاع أثيناغوراس في هذا الشأن:
[لا يسخر أحد من القول بأن الله له ابن، لأنه ليست لنا مثل تلك الأفكار التي لدى شعرائكم، في الميثولوجيات، التي لا تجعل الآلهة أفضل من البشر في شيء، ولكن “ابن الله” هو “كلمة الآب”، وهو كخالق إنما يجمع بين الفكر والقوة. فالآب والابن واحد، فالابن كائن “في الآب” والآب كائن “في الابن”، في الوحدانية والقوة بالروح. فابن الله هو فكر وكلمة الآب.]([3])
وهكذا حينما بلغ الآباء في دفاعهم إلى يقين لاهوت الابن، عادوا في الحال ليحموا وحدانية الله من أي شائبة مادية تجنح بالفكر إلى التقسيم والتفريق في اللاهوت. ومن الناحية المقابلة ليتحفَّظوا من خطر الفكر الوثني الذي يحاول الفصل بين الابن والروح من الآب ليصنع من الثالوث تعدُّد آلهة.
ولهذا استخدم الآباء كلاًّ من الاصطلاحين “في الله” و“من الله” بالتتابع، للحفاظ على تساوي اللاهوت في الثالوث من جهة، ومن جهة أخرى للتأكيد على وحدانية الله المطلقة ذاتاً وكياناً.
أولاً: في الله:
من واقع إعلان الكتاب المقدَّس الذي ينبغي أن يُقبل دون أي مناقشة، أن الابن والروح القدس هما “في الله الواحد”، والله الواحد فيهما، لا مجرَّد الوجود الكياني بل الوجود الحي الفعَّال، لتكميل صفات الذات الإلهية الواحدة: أبوَّة وبنوَّة وروحانية، ثلاث صفات جوهرية مشخَّصة.
ويوضِّح الرب نفسه أن “الابن في الآب والآب في الابن” (انظر: يو 11:14)، «والآب الحال (الساكن) فيَّ» (يو 10:14)، «الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب.» (يو 18:1)
هذه الآيات تعبِّر عن نوع وجود “الابن في الآب”، فهو ليس وجوداً مجرَّداً بل وجوداً مشخَّصاً حيًّا فعَّالاً متبادل العلاقات الكاملة الذاتية التي تقوم بين البنوَّة والأبوَّة، لتكمُل الأبوَّة في البنوَّة وتكمُل البنوَّة في الأبوَّة، وتنتهي إلى كمال “الذات الإلهية” من حيث كونها مصدر كل “أبوَّة” في السماء والأرض «الذي منه تسمَّى كل أُبوَّة (عشيرة) في السموات وعلى الأرض.» (أف 15:3)
ولكي يزيد الكتاب توضيحاً لمدى شدة وعمق العلاقة القائمة بين الآب والابن في الروح القدس، أعطى المثل على مستوى إدراكنا، من إحساسنا ومشاعرنا: «الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله لأن مَنْ مِنَ الناس يعرف أمور الإنسان إلاَّ روح الإنسان الذي فيه. هكذا أيضاً أمور الله لا يعرفها إلاَّ روح الله.» (1كو 10:2و11)
هذا الوجود المتبادل في الأقانيم (الثالوث) مع بقائهم في غير انفصال، أي في وحدة ذاتية كاملة، يعبَّر عنه في اللاهوت باصطلاح “الاحتواء”، وهي كلمة مشتقة من الأصل التي تفيد “التحرُّك والاحتواء” معاً. ويقابلها في الإنجليزية Coinherence، وتفيد أن الأقانيم تحتوي أو “ترتاح” في بعضها البعض، وهنا كلمة “الارتياح” تفيد نفس الكلام الذي سبق وقلناه أن وجود الأقانيم في بعضها ليس كمجرد تواجد بل هو “إرتياح” أي انسجام مطلق، وهذا الانسجام المطلق هو التساوي المطلق، ومن هنا تبرز معنى “الوحدة” ومعنى الانقسام أو الانفصال في الأقانيم بالرغم من تمايز كل منها في عمله. فالتعبير هنا ليس فلسفة بل واقع لاهوتي حي.
فالثالوث متواجد معاً ودائماً في كل من الأقانيم بدون انقسام أو انفصال.
وقد استخدم القديس أثناسيوس هذا الاصطلاح ضد الأريوسيين كتقليد كنسي وصل إليه بالتسليم([4])، وقد سبقه في استخدام هذا الاصطلاح ديونيسيوس بابا روما: [لأنه يتحتَّم أن يكون “الكلمة” الإلهي متحداً مع إله الكون كما يتحتَّم أن يرتاح الروح القدس ويسكن في الله.]([5])
وقد سبق ديونيسيوس في توضيح هذا المعنى أثيناغوراس:
[نؤمن بالله الآب والله الابن وبالروح القدس، ونعلن قوتهم في الوحدانية وتمايزهم في الترتيب، فالابن في الآب والآب في الابن بالروح القدس العامل في الوحدة والقوة.]([6])
وهكذا نرى أن الآباء منذ البدء كانوا مهتمين جدًّا بالتأكيد على هذا الاصطلاح أو على ما يفيد معناه لإثبات الوحدانية في الثالوث بحسب ما جاء في الكتاب المقدَّس. بل وحرصوا جدًّا أن تكون الخاتمة التي يختمون بها عظاتهم وتآليفهم، أي الذُكصا، تحتوي على هذا المعنى أي التمايز الأقنومي في وحدة الإله الواحد. فنسمع كليمندس الإسكندري في خاتمة كتابه عن المعلِّم هكذا:
[وإلى الواحد الوحيد، الآب والابن، والابن والآب، الابن قائدنا ومعلِّمنا، مع الروح القدس أيضاً واحداً في الكل والكل في الواحد … له المجد إلخ.]([7])
وهكذا كانت الإسكندرية منذ البدء صاحبة هذا التقليد بالتسليم الرسولي.
وقد كان هذا الاصطلاح الراسخ في اللاهوت الآبائي، أي ارتفاق الثالوث وتساويه المطلق في الله الواحد، هو القوة العظمى التي كانت كسلاح في يد أثناسيوس في دفاعه ضد الأريوسية. وإليك نموذجاً رائعاً لدفاعه.
[لأنه حيثما ذُكر الآب ذُكر ضمناً كلمته والروح القدس الذي هو في الابن، وإذا ذُكر الابن فإن الآب في الابن والروح القدس ليس خارج الكلمة، لأن من الآب نعمة واحدة تتم بالابن في الروح القدس. وهناك طبيعة إلهية واحدة وإله واحد «على الكل وبالكل وفي الكل» (أف 6:4).]([8])
[وإن كانت توجد في الثالوث المقدس المساواة وهذا الاتحاد فمن الذي يستطيع أن يفصل الابن عن الآب أو يفصل الروح القدس عن الابن أو عن الآب نفسه؟]([9])
[لنتأمَّل في تقليد الكنيسة الجامعة وتعاليمها وإيمانها منذ البدء التي أعطاها الرب وكرز بها الرسل وحفظها الآباء. على هذه تأسَّست الكنيسة، ومَنْ يسقط منها لا يُعتبر مسيحياً. إن هناك ثالوثاً مقدَّساً وكاملاً ومعتَرفاً به أنه الله الآب والابن والروح القدس، لا يتكوَّن من واحد يخلق وآخر يبدع بل الكل يخلقون، وهو متماثل (متساوي)، وفي الطبيعة غير قابل للتجزئة، ونشاطه واحد. الآب يعمل كل الأشياء بالكلمة في الروح القدس وهكذا تُحفظ الوحدة في الثالوث المقدَّس، وهكذا يُنادى بإله واحد في الكنيسة «الذي على الكل، وبالكل، وفي الكل» (هنا الكل يعني الثالوث) “فعلى” الكل كآب، “وبالكل” أي بالكلمة “وفي” الكل أي في الروح القدس، هو ثالوث ليس فقط بالاسم وبالكلام بل بالحق والفعل، لأنه كما أن الآب واحد وإله على الكل هكذا أيضاً كلمته واحد وإله على الكل. والروح القدس ليس بدون وجود فعلي بل هو كائن وله وجود فعلي.]([10])
[لأن كل ما للآب هو للابن أيضاً. إذن فتلك التي تُمنح من الابن في الروح القدس هي مواهب الآب، وعندما يكون الروح القدس فينا يكون أيضاً فينا الكلمة الذي يمنح الروح القدس والآب الذي هو في الكلمة. وهذا يتفق مع ما قيل «إليه نأتي أنا والآب وعنده نصنع منزلاً» (قارن: يو 23:14). لأنه حيث وُجد النور وُجد أيضاً شعاعه، وحيث وُجد الشعاع وُجد أيضاً نشاطه، ووجِدَت نعمته الخالقة.]([11])
ثانياً: من الله:
وهذا الاصطلاح الإنجيلي والمتكرِّر في كل أسفار العهد الجديد، اتخذه الآباء في شرح علاقة الابن والروح القدس بالآب، أي أنهما “من الآب”، للحفاظ على وحدة الأصل أو السلطان أو الملوكية في الثالوث. ومن ذلك تكوَّنت عقيدة Monarchia عند الآباء لحراسة مفهوم “وحدانية الله” ضد أي انحراف في مفهوم الثالوث ناحية الوثنية وتعدُّد الآلهة أو تعدُّد الأصول في الفلسفة. فكما يقول أثناسيوس سابقاً: [حيثما ذُكر الآب ذُكر ضمناً كلمته والروح القدس]، وهذا يُعتبر مفتاح فهم الثالوث وفهم لغة الكتاب المقدَّس من جهة الآب والابن والروح القدس.
فمثلاً نقرأ أن الآب هو “الإله وحده”، ثم يذكر بعد ذلك اسم الرب يسوع المسيح «وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته» (يو 3:17) حيث يقع هنا اسم يسوع المسيح موقع التكميل للتوضيح حسب عادة الكتاب المقدَّس في تفسير المعاني الصعبة. فالآب هو الإله الحقيقي الوحيد مع ابنه يسوع المسيح الذي أرسله لإعلان أبوَّته ووحدانيته والحق الإلهي الذي فيه.
وفي هذا يقول أثناسيوس:
[فإن كان الآب يسمَّى “الإله الحقيقي الوحيد” فهذا قيل ليس بغرض نفي حقيقة المسيح الذي قال عن نفسه: “أنا الحق”، ولكن بقصد إقصاء (الآلهة) التي ليست هي “الحق” عن الآب وكلمته اللذين هما الحق. ومن أجل هذا فإن الرب أضاف حالاً: «ويسوع المسيح الذي أرسلته» … وهكذا بإضافة نفسه إلى الآب أوضح أنه من جوهر الآب، وأعطانا أن نعرف أنه من الآب الحقيقي كابن حقيقي، ويوحنا نفسه كما تعلَّم (من الوحي في الإنجيل) هكذا كان يعلِّم (بالروح) في رسالته «ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح. هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية» (1يو 20:5).]
ولهذا يشرح الآباء العلاقة السرية بين لاهوت الابن ولاهوت الآب أنه: [نور من نور، إله حق من إله حق]. فهنا ذِكرُ الواحد يشمل الآخر بالضرورة الحتمية. لأنه ليس منه فقط بل وفيه! وهذا في نفس الوقت لا ينفي التميُّز كما يقول هيبوليتس:
[حينما أقول أن الابن متميِّز عن الآب، فأنا لا أتكلَّم عن إلهين ولكن كنور من نور وكنهر من نبع وكشعاع من الشمس.]([12])
كما ويتضح هذا مرَّة أخرى في رسالة بولس الرسول الأُولى إلى تيموثاوس حينما يصف الله الآب هكذا: «وملك الدهور الذي لا يفنى ولا يُرى الإله الحكيم وحده له الكرامة والمجد» (1تي 17:1)، هنا يقول الكتاب إن الله هو «الإله الحكيم وحده» ولكن معروف أن المسيح الكلمة هو «حكمة الله»، فالله لا يمكن أن ينفصل عن حكمته. فإن كان الله يُدعى «الحكيم وحده»، فهو واحد مع حكمته أي هو والمسيح الكلمة الإله الواحد الحكيم.
وعلى هذا الأساس من مفهوم الـ Monarchia، سجل الآباء مطلع قانون الإيمان الرسولي النيقاوي الذي لم يكن إلاَّ تسجيلاً لتقليد الرسل، هكذا:
[نؤمن بإله واحد الله الآب ضابط الكل … خالق السماء والأرض ما يُرى وما لا يُرى، نؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب،
نعم نؤمن بالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب.]
هنا الله الآب أُعطى صفة “الإله الواحد”، ثم ذُكر الابن والروح القدس في صميم الإله الواحد (منه وفيه) كمكمِّلين للثالوث المتساوي، فالإله يشمل الآب والابن والروح القدس.
هذا التفسير قديم جدًّا في الكنيسة، وهو تقليد محفوظ، ونقرأه لترتليان:
[إنه من الخطأ أن نتصوَّر أن العدد والترتيب في (ذكر) الثالوث هو انقسام في وحدانيته أو أن الوحدة تنفي الثالوث.]([13])
[إن تنازل الثالوث ابتداءً من الآب باتصال وثيق على درجات يتفق مع ألـ Monarchia أي وحدة الأصل وفي نفس الوقت يحمي التدبير.]([14])
ويوضِّح البابا ديونيسيوس الإسكندري هذه الحقيقة في اختصار شديد هكذا:
[نحن نمتد بالوحدة غير المنقسمة إلى الثالوث، ثم نركِّز على الثالوث غير المفترق لنبلغ الوحدة.]([15])
ومن هذا يتضح أنه يستحيل أن نعبد أحد الأقانيم الإلهية دون أن نعبد الكل معاً، وحينما نصلِّي إلى الآب فنحن نتقدَّم إلى حضرته السرية الفائقة في شخص ابنه وفي الروح القدس، كما تعوَّدنا دائماً أن نبدأ الصلاة أو نختمها في اسم الثالوث المتحد.
وهكذا وجدنا أن مبدأ “وحدة الأصل مونأرخيا Monarchia” بدأ كعقيدة أرثوذكسية للحفاظ على حقيقة الوحدة في الثالوث. وسارت كتقليد مبكِّر جدًّا في الكنيسة، ولكن سرعان ما اختطفها الهراطقة من فم آباء الكنيسة ليستخدموها ضد العقيدة والإيمان كله. كما يقول ترتليان:
[إن الشيطان الذي ينافس ويناقض الحق بكل الطرق جعل نفسه بطلاً على أساس عقيدة أن الله واحد حتى يصنع أكبر هرطقة من كلمة “واحد”.]([16])
لقد تصَّوروا أن عقيدة لاهوت المسيح لا يمكن توافقها مع الإيمان بوحدة الله، أي أنها تتعارض مع الإيمان “بالله الواحد”. وهكذا تجمع كثير من الهراطقة الذين كانوا مختلفين في كل شيء ليتفقوا ويتحدوا في شيء واحد ضد الثالوث، وهو المناداة بوحدة الله ضد لاهوت المسيح. وفي هذا يقول ترتليان أيضاً:
[هؤلاء السذج، إن لم نَقُلْ – قصيرو البصر والجهلاء – الذين يكوِّنون السواد الأعظم من المؤمنين الذين بواسطة قانون الإيمان الرسولي عادوا من عبادة آلهة العالم الوثني إلى عبادة الله الحقيقي غير عالمين أن الإيمان بوحدانية الله إنما هو على أساس تدبيره المتعدِّد (أي الثلاثي: الخلقة، الفداء، التقديس). ولكن هؤلاء بسبب قصورهم يظهرون كخائفين من هذا التدبير الإلهي عينه، ويقولون عنَّا إننا نعبد ثلاثة آلهة، أمَّا هم ففي نظر أنفسهم يعبدون إلهاً واحداً ولذلك يقولون إنهم متمسِّكون بشدة بالمونأرخيا = الوحدانية.]([17])
ومن ضمن الذين وقعوا في هذه المونأرخيا (الوحدانية) الصورية زفرينوس بابا روما، على أساس تخوُّفه من عبادة ثلاثة آلهة، ولذلك يقول عنههيبوليتس:
[رجل جاهل غير مدرَّب على فهم اصطلاحات الكنيسة.]([18])
ويعود أوريجانوس يصف هذه الهرطقة هكذا:
[هذه البدعة التي أقلقت إيمان الكثيرين الذين يفتخرون بتعبُّدهم لله (الواحد) لأنهم كانوا قلقين وحذرين من عبادة إلهين.]([19])
وهكذا أطلقت الكنيسة على هؤلاء الذين انحرفوا بمفهوم المونأرخيا (الوحدة) اسم المونأرخيين (الموحِّدين). وظلت الكنيسة على مدى القرن الثالث توضِّح إيمانها بلاهوت المسيح على أساس وحدانية الله.
أمَّا هؤلاء المونأرخيون فنصفهم الأول كان ينكر لاهوت المسيح جملة وتفصيلاً، والنصف الآخر كان يعتبر المسيح مجرَّد قوة أو صفة مُنحت له من الله؛ وذلك لكي يدافعوا عن وحدانية الله.
أمَّا النصف الأول فلم يعطوا المسيح شخصية إلهية مستقلة، وهم براكسياس ونوئيتوس وكالليستس (بابا روما) وبيرللوس (أسقف بوسطرة ببلاد العرب)، وعلى رأسهم سابيليوس الذي يُظن أنه ليبي الأصل([20]) وكان متضلِّعاً في اللاتينية.
أمَّا النصف الثاني فهو ألوجي وثيئودوتس وأرتمون وعلى رأسهم بولس الساموساطي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) Athanas., Orat. IV. 24.
([2]) Ibid., III. 3.
([3]) Newman, op. cit., p. 172.
([4]) Athanas., Or., C., Ar., II, 33, 41, III, 1-6.
([5]) Deonysios of Rome, De Decretis, ch. 26; Beth. Bax., op. cit., p. 226.
([6]) Athenagoras, Leg., 12, Leg. 10.
([7]) Clement of Alex., Instruct.
([8]) Athanas. to Serap., I:14.
([9]) Ibid., I.20.
([10]) Ibid. I.28
([11]) Athamas., to Serap., I.30.
([12]) Newman op. cit., 178.
([13]) Newman op. cit., p. 176.
([14]) Ibid.
([15]) Athanas., ap. Dion. adv. Prax. 1 cited by Beth. Bax. p. 96.
([16]) Tertulian, adv, Prax., 1, cited by Beth. Back., p. 96.
([17]) Tertullian, adv. Prax., 3, cited by Beth. Back., p. 97.
([18]) Beth. Back., op. cit., p. 97.
([19]) Ibid., Origen, on John 2:2.
([20]) Cross, Dict., of Chr. Church., p. 1197.
