شرح عقيدة الثالوث Trinity doctrine explained – الأنبا بيشوي

شرح عقيدة الثالوث Trinity doctrine explained – الأنبا بيشوي

شرح عقيدة الثالوث Trinity doctrine explained – الأنبا بيشوي

الثالوث القدوس – دراسة دائرة المعارف الكتابية

وحدانية الجوهر وتمايز الأقانيم فى الثالوث :

  • الآبـــــ : هو الله من حيث الجوهر وهو الأصل من حيث الأقنوم.

  • الابن : هو الله من حيث الجوهر وهو المولود من حيث الأقنوم.

  • الروح القدس: هو الله من حيث الجوهر وهو المنبثق من حيث الأقنوم.

الأقانيم تشترك معاً فى جميع خواص الجوهر الإلهى الواحد وتتمايز فيما بينها بالخواص الأقنومية.

فالآب  : هو الأصل أو الينبوع فى الثالوث، هو أصل الجوهر وأصل الكينونة بالنسبة للأقنومين الآخرين.

والابن : هو مولود من الآب ولكنه ليس مجرد صفة بل أقنوم له كينونة حقيقية، وغير منفصل عن     الآب لأنه كلمة الله.

والروح القدس : هو ينبثق من الآب ولكنه ليس مجرد صفة بل أقنوم له كينونة حقيقية وغير منفصل عن الآب لأنه روح الله.

  • وفيما يلى بيان بالخواص الأقنومية للأقانيم الثلاثة وبأمثلة من الخواص الجوهرية التى لا يختلف أى أقنوم فيها عن الآخر. ولكنها كألقاب تتناسب مع كل أقنوم بحسب خاصيته :
الثالوث القدوس الآب الابن الروح القدس

            الخواص

الخواص    الأقنومية

الجوهرية

والد وباثق

الأبوة

مولود

البنوة

منبثق

الانبثاق

حق

الحقانى

(ينبوع الحق)

الحق

(يو8: 32،يو 14: 6، رؤ3: 7)

روح الحق

 (يو14: 17، يو15: 26، يو16: 13، 1يو4: 6)

عقل

 

العاقل

(ينبوع العقل)

العقل (المولود) = الكلمة (يو1:1)

= اللوغوس= العقل منطوق به

روح العقل

انظر روح الفهم أش11: 2

حكمة

الحكيم

(رو16: 27،يهوذا25)

 

الحكمة (أم3: 19، أم8: 12،

1كو1: 24، كو2: 3،رؤ5: 12)

روح الحكمة

(حك6:1، أش11: 2، أف1: 17)

 

محبة

(1يو4: 8)

المحب

(يو 17 : 24)

المحبة

(1يو 3 :16)

روح المحبة

(2تى1 :7 )

حياة

الحى

(حز5: 11،مت16:16، يو6: 57،رو14: 11)

الحياة

(يو11: 25، يو14 :6)

روح الحياة

(رو8 :2)

قوة

القوى

(مت6: 13،رؤ18 :8)

القوة

(1كو1: 24،رؤ5: 12)

روح القوة

 (أش11: 2،مى3: 8، 2تى7:1)

الفهم

الفهيم

(أى12: 16،

 إش28: 29)

الفهم

(أم8: 14) وأيضاً أنظر الرسالة 3: 65 ضد الأريوسية للقديس أثناسيوس

روح الفهم

(أش11 :2)

  • قال القديس أثناسيوس :

[Neither can we imagine three Subsistences separated from each other, as results from their bodily nature in the case of men, lest we hold a plurality of gods like the heathen. But just as a river, produced from  a well, is not separate, and yet there are in fact two visible objects and two names, For neither is the Father the Son, nor the Son the Father. For the Father is Father of the Son, and the Son, Son of the Father, For like as the well is not a river, nor the river a well, but both are one and the same water which is conveyed in a channel from the well to the river, so the Father’s deity passes into the Son without flow and without division.  For the Lord says, ‘I came out from the Father and am come’ (John 16: 28). But He is ever with the Father, for He is in the bosom of the Father, nor was ever the bosom of the Father void of the deity of the Son].[1]

{يجب علينا ألا نتصور وجود ثلاثة جواهر منفصلة عن بعضها البعض فى الله -كما ينتج عن الطبيعة البشرية بالنسبة للبشر- لئلا نصير كالوثنيين الذين يملكون عديداً من الآلهة. ولكن كما أن النهر الخارج من الينبوع لا ينفصل عنه، وبالرغم من ذلك فإن هناك بالفعل شيئين مرئيين واسمين. لأن الآب ليس هو الابن، كما أن الابن ليس هو الآب، فالآب هو أب الابن، والابن هو ابن الآب. وكما أن الينبوع ليس هو النهر، والنهر ليس هو الينبوع، ولكن لكليهما نفس الماء الواحد الذى يسرى فى مجرى من الينبوع إلى النهر، وهكذا فإن لاهوت الآب ينتقل فى الابن بلا تدفق أو انقسام. لأن السيد المسيح يقول “خرجت من الآب” وأتيتُ من عند الآب. ولكنه دائماً أبداً مع الآب، وهو فى حضن الآب. وحضن الآب لا يَخْلُ أبداً من الابن بحسب ألوهيته}.

الآب هو الينبوع الذى يتدفق منه بغير انفصال الابن الوحيد بالولادة الأزلية قبل كل الدهور. وكذلك الروح القدس بالانبثاق الأزلى قبل كل الدهور.

الآب هو الحكيم الذى يلد الحكمة ويبثُق روح الحكمة.

والآب هو الحقانى الذى يلد الحق (يو14 :6) ويبثُق روح الحق (يو15 :26).

الحكمة هو لقب لأقنوم الابن المولود من الآب الحكيم.

والحق هو لقب لأقنوم الابن المولود من الآب الحقانى.

والكلمة (اللوغوس ) أى (العقل منطوقاً به) هو لقب لأقنوم الابن المولود من الآب العاقل.

والخواص الجوهرية جميعاً ومن أمثلتها الحكمة والحق والعقل والحياة.. يشترك فيها الأقانيم معاً فالحق مثلاً هو خاصية يشترك فيها الأقانيم جميعاً. فالآب هو حق من حيث الجوهر، والابن هو حق من حيث الجوهر، والروح القدس هو حق من حيث الجوهر.

أما من حيث الأقنوم فالآب هو الحقانى (أى ينبوع الحق)، والابن هو الحق المولود منه، والروح القدس هو روح الحق المنبثق منه.

من يستطيع أن يفصل الحقانى عن الحق المولود منه؟!

ومن يستطيع أن يفصل الحكيم عن الحكمة ؟.. إن الحكمة تصدر عن الحكيم تلقائياً كإعلان طبيعى عن حقيقته غير المنظورة.

إننا نعرِف الحكيم بالحكمة، ونعرف العاقل بالعقل المنطوق به، ونعرف الحقانى بالحق الصادر منه.. وهكذا.

الابن يُعلن لنا الآب غير المنظور ونرى فيه الآب، والروح القدس يلهمنا بطريقة خفية غير منظورة عن الآب والابن.

الابن دُعى ابناً لأنه “هو صورة الآب” (انظر كو1: 15).

والروح القدس دُعى روحاً لأنه يعمل دون أن نراه ومن ألقابه أنه هو روح الحق وأنه هو المعزّى comforter الذى يريح قلب الإنسان، ويمنحه عطية السلام والمصالحة مع الله.

  • وقد أكّد القديس أثناسيوس الرسولى أن الابن له كل خواص الآب الجوهرية، ولا تمايز بينهما إلا بالخاصية الأقنومية؛ وهى أن الآب ينفرد بالأبوة والابن ينفرد بالبنوة. أى أن كل صفات الآب هى للابن ما عدا أن الآب هو آب وأن الابن هو ابن. فقال فى مقالته الثالثة ضد الأريوسية الفقرة رقم 4 ورقم 5 :

 [And so since they are one, and the Godhead itself one, the same things are said of the Son, which are said of the Father, except His being said to be Father…For ‘all things,’ says the Son Himself, ‘whatsoever the Father hath, are Mine;’ and again, ‘And Mine are Thine’… and why are the attributes of the Father ascribed to the Son, except that the Son is an Offspring from Him?].[2]

 {ولأن اللاهوت واحد فى الآب والابن، فإنه نشأ عن ذلك بالضرورة أن كل الصفات التى تقال عن الآب قيلت هى بعينها عن الابن، إلا صفة واحدة وهى أن الآب أب.. لأن الابن نفسه يقول عن ذاته (مخاطباً الآب) “كل ما هو لى فهو لك، وما هو لك فهو لى” (يو17: 10).. ثم لماذا تنسب صفات الآب للابن؟ إلا لكون الابن هو نبع من الآب}.

  • وقال القديس أثناسيوس أيضاً فى نفس المقالة الفقرة رقم 65 :

[The Son of God then, He is the ‘Word’, and the ‘Wisdom;’ He is the ‘Understanding’ and the ‘Living Counsel’; and in Him is the ‘Good pleasure of the Father;’ He is ‘Truth’ and ‘Light’ and ‘Power’ of the Father].[3]

 {إذن، فابن الله هو “الكلمة” و “الحكمة”، هو “الفهم” و”المشورة الحية” وفيه تكمن “مسرة الله الآب”؛ هو “الحق” و “النور” و “القدرة” التى للآب}.

  • كذلك القديس غريغوريوس النازينزى (الناطق بالإلهيات) قد أكّد أيضاً أن الآب والابن لهما نفس الصفات جميعاً ماعدا اللامولودية والمولودية وذلك لأن الصفات الإلهية هى واحدة للآب والابن ويتمايزان فقط بالأبوة والبنوة. فقال فى عظته اللاهوتية الخامسة :

[Christ.. What great things are there in the idea of God which are not in His power? What titles which belong to God are not applied to him, except only Unbegotten and Begotten? For it was needful that the distinctive properties of the Father and the son should remain peculiar to Them, lest there should be confusion in the Godhead Which brings all things, even disorder itself, into due arrangement and good order. ] [4]

{ المسيح.. أى من الأشياء العظيمة التى يمكن لله أن يعملها ولا تكون فى استطاعته، وأى من الأسماء تطلق على الله، ولا تطلق عليه، ما عدا “اللامولود والمولود”، لأنه كان من الضرورى أن الخصائص المميزة للآب والابن تظل خاصة بهما، حتى لا يكون هناك اختلاط فى الألوهة، التى تجعل كل الأشياء، وحتى غير المنتظمة، فى ترتيب ونظام حسن}.

  • وأيضاً شرح القديس باسيليوس الكبير معنى تمايز الأقانيم مع وحدانية الجوهر كما يلى فقال:

]Worshipping as we do God of God, we both confess the distinction of the Persons, and at the same time abide by the Monarchy. We do not fritter away the theology in a divided plurality, because one Form, so to say, united in the invariableness of the Godhead, is beheld in God the Father, and in God the Only begotten. For the Son is in the Father and the Father in the Son; since such as is the latter, such is the former, and such as is the former, such is the latter; and herein is the Unity. So that according to the distinction of Persons, both are one and one, and according to the community of Nature, one. How, then, if one and one, are there not two Gods? Because we speak of a king, and of the king’s image, and not of two kings. The majesty is not cloven in two, nor the glory divided. The sovereignty and authority over us is one, and so the doxology ascribed by us is not plural but one; because the honor paid to the image passes on to the prototype. [ [5]

{فى عبادتنا لإله من إله، نحن نعترف بتمايز الأقانيم (الأشخاص)، وفى نفس الوقت نبقى على المونارشية (التوحيد). نحن لا نقطِّع اللاهوت إلى تعدد منقسم، لأن شكلاً واحداً، متحداً فى اللاهوت غير المتغير، يُرى فى الله الآب وفى الله الابن الوحيد. لأن الابن هو فى الآب، والآب فى الابن، لأنه كما الأخير هكذا هو الأول، وكما هو الأول هكذا هو الأخير، وبهذا تكون الوحدة. حتى أنه وفقاً لتمايز الأقانيم (الأشخاص)، فإن كليهما هما واحد وواحد، ووفقاً لوحدة الطبيعة فإنهما واحد. كيف إذن، إن كانا واحد وواحد لا يكون هناك إلهين؟ ذلك لأننا حينما نتكلم عن الملك وصورة الملك لا نتكلم عن ملكين. فالجلالة لم تشق إلى اثنين، ولا المجد انقسم. السيادة والسلطة فوقنا (علينا) هى واحدة، هكذا فإن التمجيد الذى ننسبه إليهما ليس متعدداً بل واحداً، لأن الكرامة المقدمة إلى الصورة تصل إلى النموذج الأصلى (الأصل)}.

]For after saying that the Son was light of light, and begotten of the substance (essence) of the Father, but was not made, they went on to add the homoousion,  thereby, showing that whatever proportion of light any one would attribute in the case of the Father will obtain also in that of the son. For very light in relation to very light, according to the actual sense of light, will have no variation. Since then the Father is light without beginning, and the son begotten light, but each of Them light and light; they rightly said “of one substance, (essence)” in order to set forth the equal dignity of the nature.[ [6]

{لأنهم (أى واضعى قانون الإيمان) بعدما قالوا أن الابن هو نور من نور، ومولود من نفس جوهر الآب، ولكن ليس مصنوعاً، أضافوا الهومو أوسيون homoousion (بمعنى “له نفس الجوهر”). وبذلك أظهروا أن أى نسبة من النور ينسبها إنسان إلى الآب سوف يستخدمها أيضاً للابن. لأن النور نفسه فى علاقته بالنور نفسه، وفقاً للمعنى الفعلى للنور، لن يكون فيه أى اختلاف. إذن حيث أن الآب هو نور بلا بداية والابن هو النور المولود، لكن كلٍ منهما هو نور فإنهما نور ونور، فهم محقون فى قولهم “له نفس الجوهر” ليبينوا مساواة الكرامة التى للطبيعة”}.

  • أما عن كون الآب هو الينبوع الذى منه تتدفق الحكمة والحياة مثلما يتدفق الحق والقوة والقدرة، فقد شرح القديس أثناسيوس ذلك باستفاضة فى مقالته الأولى ضد الأريوسية شارحاً أن الابن هو الحياة والحكمة المتدفقة من الآب كينبوع والد للابن :

[If God be, and be called, the Fountain of  wisdom and life-as He says by Jeremiah, ‘they have forsaken Me the Fountain of living waters;’ and again, ‘A glorious high throne from the beginning, is the place of our sanctuary; O Lord, the Hope of Israel, all that forsake Thee shall be ashamed, and they that depart from Me shall be written in the earth, because they have forsaken the Lord, the Fountain of living waters;’ and in the book of Baruch it is written, ‘Thou hast forsaken the Fountain of wisdom,’ – this implies that life and wisdom are not foreign to the Essence of the Fountain, but are proper to It, nor were at any time without existence, but were always. Now the Son is all this, who says, ‘I am the Life,’ and ‘I Wisdom dwell with prudence.’ is it not then irreligious to say ‘Once the Son was not?’ for it is all one with saying, “Once the Fountain was dry, destitute of Life and Wisdom.’ But a fountain it would then cease to be; for what begetteth not from itself, is not a fountain.] [7]

{ إن كان يقال عن الله أنه ينبوع حكمة وحياة كما جاء فى سفر أرميا “تركونى أنا ينبوع الماء الحى” (أر2: 13) وأيضاً “أن عرش المجد ذو المكانة الرفيعة هو موضع مقدسنا أيها الرب رجاء إسرائيل كل الذين يتركونك يخزون والمتمردون عليك فى تراب الأرض يكتبون لأنهم تركوا الرب ينبوع الحياة” (أر17: 12، 13). وقد كتب فى باروخ أنكم قد هجرتم ينبوع الحكمة (باروخ3: 12) وهذا يتضمن أن الحياة والحكمة لم يكونا غريبين عن جوهر الينبوع بل هما خاصة له (خواص له)، ولم يكونا أبداً غير موجودتين، بل كانا دائماً موجودين. والآن فإن الابن هو كل هذه الأشياء وهو الذى يقول “أنا هو الحياة” (يو14: 6) وأيضاً “أنا الحكمة ساكن الفطنة” (أم8: 12) كيف إذاً لا يكون كافراً من يقول “كان وقت ما عندما لم يكن الابن فيه موجوداً لأن هذا مثل الذى يقول تماماً كان هناك وقت كان فيه الينبوع جافاً خالياً من الحياة والحكمة. ولكن مثل هذا الينبوع لا يكون ينبوعاً، لأن الذى لا يلد من ذاته (أى من نبعه الخاص) لا يكون ينبوعاً}. (المقالة الأولى ضد الأريوسية ف6 : 19)

[Thus it belongs to the godhead alone, that the Father is properly father, and the Son properly son, and in Them, and Them only, does it hold that the Father is ever Father and the Son ever Son.][8]

 { فيما يخص اللاهوت وحده فإن الآب هو أب بصفة مطلقـة والابن هو ابن بصفة مطلقـة، وفى    هذين وحدهما فقط يظل الآب أب دائماً والابن ابن دائماً} (المقالة الأولى ضد الأريوسيـة  ف21:6).

وينبغى أن نلاحظ أنه طبقاً لتعاليم الآباء فإن الكينونة أو الجوهر ليس قاصراً على الآب وحده  (غريغوريوس النزيانزى) لأن الآب له كينونة حقيقية وهو الأصل فى الكينونة بالنسبة للابن والروح القدس، والابن له كينونة حقيقية بالولادة الأزلية، والروح القدس له كينونة حقيقية بالانبثاق الأزلى. ولكن ليس الواحد منهم منفصلاً فى كينونته أو جوهره عن الآخرين.

وكذلك العقل ليس قاصراً على الابن وحده، لأن الآب له صفة العقل والابن له صفة العقل والروح القدس له صفة العقل، لأن هذه الصفة هى من صفات الجوهر الإلهى. وكما قال القديس أثناسيوس {لماذا تكون صفات الآب هى بعينها صفات الابن؟ إلا لكون الابن هو من الآب وحاملاً لذات جوهر الآب}. ولكننا نقول أن الابن هو “الكلمة” أو “العقل المولود” أو “العقل منطوق به” أما مصدر العقل المولود فهو الآب.

وبالنسبة لخاصية الحياة فهى أيضاً ليست قاصرة على الروح القدس وحده، لأن الآب له صفة الحياة والابن له صفة الحياة والروح القدس له صفة الحياة، لأن الحياة هى من صفات الجوهر الإلهى. والسيد المسيح قال “كما أن الآب له حياة فى ذاته كذلك أعطى الابن أيضاً أن تكون له حياة فى ذاته” (يو5: 26). وقيل عن السيد المسيح باعتباره كلمة الله “فيه كانت الحياة” (يو1: 4). ولكن الروح القدس نظراً لأنه هو الذى يمنح الحياة للخليقة لذلك قيل عنه أنه هو ]الرب المحيى[ (قانون الإيمان والقداس الكيرلسى) وكذلك أنه هو ]رازق الحياة[ أو ]معطى الحياة[ (صلاة الساعة الثالثة).

من الخطورة أن ننسب الكينونة إلى الآب وحده، والعقل إلى الابن وحده، والحياة إلى الروح القدس وحده، لأننا فى هذه الحالة نقسّم الجوهر الإلهى الواحد إلى ثلاثة جواهر مختلفة. أو ربما يؤدى الأمر إلى أن ننسب الجوهر إلى الآب وحده (طالما أن له وحدَهُ الكينونة) وبهذا ننفى الجوهر عن الابن والروح القدس أو نلغى كينونتهما، ويتحولان بذلك إلى صفات لأقنوم إلهى وحيد هو أقنوم الآب (وهذه هى هرطقة سابيليوس). وقد أشار القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات إلى هذه المفاهيم فقال [وفكّرت كذلك فى الشمس، والشعاع، والنور. وهذا لا يخلو أيضاً من خطر: يُخشى أولاً تصوّر تركيب ما فى الطبيعة غير المركّبة-كما يكون ذلك فى الشمس وخصائصها، ويُخشى ثانياً أن يُخص الآب وحده بالجوهر فتزول أقنومية الآخريْن، ويكونان قوتين لازمتين لله لا أقنوميْن. فليس الشعاع شمساً وليس النور شمساً، بل فيض شمسى ومزيّة (خاصية أو صفة) جوهرية. وأنه ليُخشى عند التمسك بهذا التشبيه أن يُنعَت الله بالوجود وباللاوجود معاً، وهذا منتهى السخف}.

وهو هنا لا يرفض التشبيه المذكور ولكن يحذّر من الفرق بين التشبيه والأصل فى فهم عقيدة الثالوث [9].

الثالوث القدوس في تعاليم القديس غريغوريوس النزينزى  – نيافة الأنبا بيشوى

إجابة عن بعض الأسئلة

سؤال (1) : عن الفرق بين الظهور والتجسد

الإجابة : التجسد الإلهى هو اتحاد غير مفترق لطبيعتين مختلفتين فى طبيعة واحدة.

وهو اتحاد أقنومى واتحاد حقيقى واتحاد بحسب الطبيعة.

 وهذا لا ينطبق على ظهور الله الابن لإبراهيم أو لأبينا يعقوب لأن فى هذه الظهورات لم يحدث اتحاد بين طبيعتين ولا تجسُّد حقيقى ولا اتحاد أقنومى، ولذلك لا يُسمى تجسداً على الإطلاق بل يُسمى ظهوراً فقط.

  • التجسد : يشمل الظهور والتجسد.
  • الظهور : لا يشمل الظهور والتجسد بل هو ظهور فقط.

 

سؤال (2) : عن الثالوث القدوس ودور كل أقنوم فى الخلاص

الإجابة :

  • اشترك الأقانيم الثلاثة فى عملية الفداء.

الآب : بذل ابنه.

الابن : بذل نفسه.

الروح القدس : به قدم الابن المتجسد نفسه كذبيحة. كقول معلمنا بولس الرسول: “الذى بروح أزلى قدّم نفسه لله بلا عيب” (عب9: 14).

  • كذلك فإن الأقانيم اشتركوا معاً فى عملية التجسد الإلهى:

الابن هو الذى تجسّد.

والآب والروح القدس اشتركا مع الابن الكلمة فى تهيئة الجسد الذى اتخذه من العذراء مريم.

فالابن المتجسد عند دخو1له إلى العالم يقول للآب “ذبيحة وقرباناً لم ترد ولكن هيأت لى جسداً. بمحرقات وذبائح للخطية لم تسر. ثم قلت هانذا أجيء فى درج الكتاب مكتوب عنى لأفعل مشيئتك يا الله” (عب10: 5-7).

وقيل عن الجسد أو الناسوت الذى تكوّن فى بطن العذراء واتحد به لاهوت الابن الكلمة منذ اللحظة الأولى للتجسد أن “الذى حبل به فيها هو من الروح القدس” (مت1: 20)، وقال الملاك للعذراء “الروح القدس يحل عليك وقوة العلى تظللك فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يدعى ابن الله” (لو1: 35).

 لقد تجسد الابن دون أن يتجسد الآب ولا الروح القدس ولكن لم ينفصل عن الآب ولا عن الروح القدس فى تجسده.

وقد ظهر الابن للبشرية بالتجسد، وقال يوحنا الإنجيلى :

“الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذى هو فى حضن الآب هو خبّر”  (يو1: 18) .

الآب فى الابن والابن فى الآب. فكيف تجسد الابن دون أن يتجسد الآب ؟

  • الفكر مثلاً هو التعبير الصادق عن العقل، وهو صورة العقل غير المنظور. ولذلك فالمسيح باعتباره هو كلمة الله وصورة الله غير المنظور، هو الذى تجسد ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوء نعمة وحقاً (يو 1 : 14) وبهذا يكون الله قد كلمنا فى ابنه (عب1: 2).
  • وعلى نفس المثال فإن ولادة الفكر من العقل لا تعنى انفصاله عن العقل. فالفكر يولَد من العقل دون أن يخرج منه، ويخرج من العقل دون أن ينفصل عنه. الفكر ممكن يولَد ولا يخرج وممكن يخرج ولا ينفصل.. فقول السيد المسيح “خرجت من عند الآب” (يو16: 28) يقصد أن “الكلمة صار جسداً” (يو1: 14) أى أن “الله ظهر فى الجسد” (1تى3: 16).

سؤال (3) ما معنى اسم يسوع ؟

الإجابة: الله المخلص

قيل عن الرب يسوع المسيح “تدعو اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم” (مت1: 21). ومعنى يسوع = ياه سوع أى يهوه مخلص.

وكتب معلمنا بولس الرسول إلى تلميذه تيطس “بحسب أمر مخلصنا الله، إلى تيطس، الابن الصريح حسب الإيمان المشترك، نعمة ورحمة وسلام من الله الآب، والرب يسوع المسيح مخلصنا” (تى1: 3،4). 

وفى كلامه يتضح أن الآب هو مخلصنا “مخلصنا الله”، وأن الابن هو مخلصنا “الرب يسوع المسيح مخلصنا”.

فعمل الثالوث القدوس واحد الآب يعمل بالابن فى الروح القدس. الآب مخلّص والابن مخلّص والروح القدس مخلّص.

فإن كان لكل أقنوم دور متمايز فى العمل الواحد ولكن الأقنوم لا يعمل بدون الآخر مثلما قال السيد المسيح “لأن مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك” (يو 5: 19). وقال للآب “العمل الذى أعطيتنى لأعمل قد أكملته” (يو17: 4). وقال “الآب الحال فىّ هو يعمل الأعمال” (يو 14: 10). وقال “أنا فى الآب والآب فىّ” (يو14: 10).

كل طاقة أو قدرة أو نعمة إلهية هى ثالوثية من الآب بالابن فى الروح القدس.

كان دور  الابن فى الخلاص هو التجسد ولكن الآب هو الذى أرسله متجسداً وهيأ له جسداً بالروح القدس. وحينما قدَّم الابن ذبيحة نفسه على الصليب بالروح القدس تقَّبلها الآب للرضى والسرور. مثلما قال معلمنا بولس الرسول عن المسيح “الذى بروح أزلى قدَّم نفسه لله بلا عيب” (عب9: 14).

فعند الصليب نرى الثلاثة أقانيم معاً.

فلكى يتم الفداء على الصليب كان ينبغى أن يقدِّم الابن ذبيحة للآب بالروح القدس.

وبهذا صنع الآب الفداء بالابن فى الروح القدس.

وفى العماد المقدس يمنح الروح القدس الولادة الجديدة للمؤمن المعمّد ولكن هذه الولادة الجديدة هى عطية من الآب باستحقاق دم ابنه الوحيد يسوع المسيح. أحد الأقانيم الثلاثة يكون دوره هو الواضح ولكنه لا يعمل منفصلاً عن الأقنومين الآخرين كقول السيد المسيح.

سؤال (4): ما تفسير قول السيد المسيح للآب “وهذه هى الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقى وحدك ويسوع المسيح الذى أرسلته” (يو17: 3) ؟

الإجابة : جاء السيد المسيح إلى العالم ليقود العالم إلى التحرر من العبادة الوثنية بعبادة الإله الحقيقى إله إبراهيم. وليعرف العالم أن الإله الخالق هو نفسه الإله المخلّص الذى أحب العالم “حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية” (يو 3: 16).

 

هناك إذن شرطان للوصول إلى الحياة الأبدية:

الشرط الأول : أن يعرف الإنسان أن يهوه هو الإله الحقيقى وحده بين الآلهة الوثنية.

الشرط الثانى : أن يؤمن بأن يهوه الآب قد أحب العالم حتى أرسل ابنه الوحيد فادياً ومخلصاً للعالم بذبيحة الصليب. وأن يتبع تعليم السيد المسيح المرسل من الآب إلى العالم.

وما يؤكد قصد السيد المسيح بعبارة “أنت الإله الحقيقى وحدك” ما ذكره معلمنا بولس الرسول فى رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس “فمن جهة أكل ما ذبح للأوثان نعلم أن ليس وثن فى العالم، وأن ليس إله آخر إلا واحداً. لأنه وإن وجد ما يُسمّى آلهة، سواء كان فى السماء أو على الأرض، كما يوجد آلهة كثيرون وأرباب كثيرون. لكن لنا إله واحد: الآب الذى منه جميع الأشياء. ونحن له. ورب واحد يسوع المسيح الذى به جميع الأشياء ونحن به” (1كو8: 4-6).

فمن الواضح هنا فى تأكيد عقيدة الإله الواحد أنه يرفض كل الآلهة الأخرى الوثنية المسماه آلهة والتى هى ليست آلهة حقيقية.

وحينما يقال عن الآب أنه هو الإله الحقيقى وحده فالمقصود أنه بجوهره الإلهى يسمو على جميع الآلهة الوثنية الأخرى وينفرد بينها بالألوهة الحقيقية.

ولكن ليس الآب إله بجوهر مستقل والابن إله بجوهر مستقل آخر. بل إن الآب وكلمته هما جوهر واحد ولاهوت واحد وطبيعة واحدة.

الآب أقنوم متمايز عن أقنوم الابن ولكن ليس التمايز فى الجوهر أو الوجود أو الكينونة بل فى حالة الوجود أو حالة الكينونة. فالآب مثل الينبوع والابن مثل التيار المولود منه بغير تقسيم.

فإن كان الآب هو الإله الحقيقى وحده بين الآلهة الوثنية فإن الابن هو “إله حق من إله حق” مثلما نقول فى قانون الإيمان. والآب والابن والروح القدس إله واحد فى الجوهر وإن كانوا ثلاثة أقانيم متساوية فى المجد والكرامة والقدرة والأزلية وكل الصفات الإلهية.

ومن الأمور الملفتة للنظر أن القديس بولس الرسول يقول بصيغة المترادفات “كما يوجد آلهة كثيرون وأرباب كثيرون. لكن لنا إله واحد الآب.. ورب واحد يسوع المسيح” (1كو8: 5-6).

فهو يتحدث عن تعدد الآلهة والأرباب ولكن فى الإيمان المسيحى لا يوجد مثل هذا التعدد فبقو له “لنا رب واحد يسوع المسيح” لم يستبعد الآب من أن يكون رباً. وكذلك بقوله “لنا إله واحد الآب” لم يستبعد يسوع المسيح أن يكون إلهاً، ولكنه يقصد أنه طالما نؤمن بالإله الواحد المثلث الأقانيم فهذا الإله هو الله الواحد والرب الواحد تحقيقاً لقول الكتاب :

  • “اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا ربٌ واحد” (تث6: 6).
  • “للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد” (لو4: 8 ، تث6: 13).

فإذا قيلت هذه العبارة “لنا رب واحد يسوع المسيح” فهى عبارة قاطعة تثبت أن يسوع المسيح هو الإله الحقيقى الذى هو مع أبيه والروح القدس جوهر واحد ولاهوت واحد نسجد له ونمجده.

كذلك ورد فى رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل أفسس قوله “رب واحد. إيمان واحد. معمودية واحدة. إله وآب واحد للكل، الذى على الكل وبالكل وفى كلكم” (أف4: 5-6).

وفى ذلك يتحقق نفس المعنى المقصود فى القول السابق عن الرب الواحد والإله الواحد.

لقد قال السيد المسيح “أنا والآب واحد” (يو10: 30) بمعنى أنهما إله واحد ورب واحد.

فإن قيل عن الآب أنه إله واحد فالمقصود عدم وجود آلهة أخرى غير  الثالوث القدوس، وإن قيل عن الابن أنه رب واحد فالمقصود هو عدم وجود أرباب أخرى غير الآب والكلمة والروح القدس الذين هم واحد.

تعليم القديس إغريغوريوس النزيانزى عن الثالوث الأقدس[10]

            يُلقَّب القديس إغريغوريوس النزيانزى دوماً فى كنيستنا القبطية بلقب “الناطق بالإلهيات”. وتتمتع الليتورجية التى كتبها بشعبية كبيرة ويُصلّى بها فى أيام الأعياد الكبيرة وكثير من المناسبات. ويُتقبّل تعليمه اللاهوتى عن الثالوث فى حياة كنيستنا باحترام كبير من خلال ليتورجيته وتعاليمه الأخرى.

            وقد برزت ليتورجيته فى حياة كنيستنا القبطية الأرثوذكسية كمصدر لا يضارع للتأمل والفرح الروحى فى العبادة.

            إن تعليمه عن الثالوث الأقدس هو أساساً نفس تعليم القديس أثناسيوس السكندرى.

            وفيما يلى بعض عناصر تعليمه عن الثالوث الأقدس :

(1) إن الله غير مُدرَك بعقولنا البشرية :

كان القديس إغريغوريوس لاهوتيا متضعاً. وقد أقر بأنه {لا يوجد الإنسان الذى اكتشف أو يستطيع أن يكتشف من هو الله فى الطبيعة أو الكنه}.

[no man ever yet has discovered or can discover what God is in nature and in essence.][11]

  وأيضاً :

[God would be altogether circumscript, if He were even comprehensible in thought : for comprehension is one form of circumscription.][12]

{كان يمكن أن يحاط الله بالكلية لو كان فى الإمكان حتى أن يدرك بالفكر لأن الإدراك هو صورة من صور الإحاطة}.

وشرح قائلاً إن معرفتنا لله هى فيض قليل فقال :

[All that comes to us is but a little effluence, and as it were a small efflugence from a great Light. So that if anyone has known God, or had the testimony of scripture to his knowledge of God, we are to understand such as one to have possessed a degree of knowledge which gave him the appearance of being more fully enlightened than another who did not enjoy the same degree of illumination.][13]

{كل ما يصل إلينا ما هو إلا فيض ضئيل من نور عظيم. حتى إن كان أحدٌ قد عرف الله أو نال شهادة الكتاب المقدس عن معرفته لله، فلنفهم : إن مثل هذا الشخص قد نال درجة من المعرفة تجعله يبدو أكثر استنارة عن الآخر الذى لم يحظَ بنفس القدر من التنوير}.

ولكن القديس إغريغوريوس كان يتحدث عن معرفة أكثر وضوحاً عن الله فى الحياة الأخرى.

(2) الصفات الأقنومية للأقانيم الثلاثة المتمايزة للثالوث الأقدس :

حدد القديس إغريغوريوس فى تعليمه الصفات المتمايزة للأشخاص الثلاثة فى الثالوث الأقدس. وعلَّم قائلاً :

جLet us confirm ourselves within our limits, and speak of The Unbegotten and The Begotten and That which Proceeds from the Father, as somewhere God the Word Himself saith.][14]

{دعنا نلتزم بحدودنا ونتكلم عن “غير المولود” و”المولود” و”ذاك الذى ينبثق من الآب” كما قال الله الكلمة نفسه فى أحد المواضع}.

وعلَّم أيضاً :

[This is what we meant by Father and Son and Holy Ghost. The Father is The Begetter and The Emitter; without passion, of course, and without reference to time, and not in a corporeal manner. The Son is The Begotten, and the Holy Spirit is The Emission.][15]

{هذا هو ما نقصده من “الآب” و”الابن” و”الروح القدس”. الآب هو الوالد والباثق، بلا ألم طبعاً وبلا إشارة للزمن، وليس بطريقة حِسّية. والابن هو المولود، والروح القدس هو المنبثق}.

ولم يتكلم القديس إغريغوريوس عن أى خاصية متمايزة أخرى.

(3) أزلية الابن والروح القدس :

واستطرد القديس إغريغوريوس محاجاً فى نفس العظة (الثالثة) :

[When did these come into being? They are above all “when”. But, if I am to speak with something more of boldness,—when the Father did. And when did the Father come into being. There never was a time when he was not. And the same thing is true of the Son and the Holy Ghost. Ask me again, and again I will answer you, when was the Son begotten? When the Father was not begotten.

And when did the Holy Ghost proceed? When the Son was, not proceeding but, begotten—beyond the sphere of time, and above the grasp of reason; although we cannot set forth that which is above time, if we avoid as we desire any expression as which conveys the idea of time. For such expression as “when” and “before” and “after” and “from the beginning” are not timeless, however much we may force them ; unless indeed we were to take the Aeon, that interval which is coexistive with the eternal things, and is not divided or measured by any motion, or by the revolution of the sun, as time is measured.

How are They not alike unoriginate, if They are coeternal? Because They are from Him, though not after Him. For that which is originate is eternal, but that which is eternal is not necessarily unoriginate, so long as it may be referred to the Father as its origin. Therefore in respect of Cause they are not unoriginate; but it is evident that the Cause is not necessarily prior to its effects, for the sun is not prior to its light. And yet They are in some sense unoriginate, in respect of time, even though you would scare simple minds with your quibbles, for the Sources of Time are not subject to time.][16]

{“متى جاء هذان إلى الوجود؟” “إنهما فوق كل “متى” بل إذا تكلمت بأكثر اجتراء لأقول ومتى نجد الآب. متى جاء الآب إلى الوجود؟ لم يكن أبداً وقت لم يكن فيه الآب. ونفس الشئ صحيح بالنسبة للابن وللروح القدس. ولتسألنى مرة تلو المرة، أجيبك. متى ولد الابن؟ حينما لم يولد الآب، متى انبثق الروح القدس؟ حينما لم ينبثق الابن بل ولد -خارج دائرة الزمن وفوق قبضة (استيعاب) المنطق. هذا وبالرغم من أننا لا نستطيع أن نقدم ما هو الذى فوق الزمن إذا كنا نود أن نتحاشى التعبيرات التى تتضمن فكرة الزمن. لأن تعبيرات مثل “متى” و”قبل” و”بعد” و”من البدء” ليست خالية من معنى الزمن مهما على أى حال طوعناها إلا طبعاً إذا اعتبرنا الدهر أنه تلك الفترة التى تتزامن مع الأشياء الأزلية ولا تُقَسَّم أو تقاس بأى حركة ولا بدوران الشمس كما يقاس الزمن. لماذا إذاً ليسا بالمثل غير منبوعين ماداما أيضاً أزليين؟ لأنهما منه وإن كانا ليسا لاحقين له. لأن غير المنبوع أزلى ولكن الأزلى ليس بالضرورة غير منبوع مادام يُنسب إلى الآب كأصل له. لذلك فبالنسبة للسبب هما ليسا غير منبوعين مادمنا ننسب إلى الآب أنه مصدرهما. ومن الواضح أن السبب ليس بالضرورة سابق لآثاره فالشمس ليست سابقة لضوئها. إلا أنهما بمعنى ما بلا مبتدأ من ناحية الزمن (أى لا بداية زمنية لوجودهما)، حتى وإن كنت تُرعِبْ بسطاء العقول بمراوغاتك لأن مصادر الزمن لا يمكن أن تكون موضوعاً للزمن}.

وإلى جانب استعماله مثال الشمس والنور استعمل أيضاً مثال العقل والكلمة لشرح العلاقة بين الآب والابن:

 [He is called the Word, because He is related to the Father as the Word to Mind][17]

{لقد دُعى “الكلمة” لأنه يُنسَب إلى الآب كما تنسب الكلمة إلى العقل}.

ومن البَيِّن فى هذا المثال أيضاً أن العقل ليس سابقاً للكلمة كما أن الشمس ليست سابقة للنور.

 (4) استعمال النماذج والأمثلة لشرح الثالوث الأقدس :

على الرغم من استعماله مثال الشمس والضوء والعقل والكلمة فى شرح العلاقة بين الآب والابن إلا أنه حذّر من أن هذه النماذج ليست متطابقة مع الحق كله الذى لله المثلث :

[ I have very carefully considered this matter in my own mind, and have looked at it in every point of view, in order to find some illustration of this most important subject, but I have been unable to discover anything on earth with which to compare the nature of the Godhead. For even if I did happen upon some tiny likeness it escaped me for the most part, and left me down below with my example. I picture to myself an eye, a fountain, a river, as others have done before, to see if they first might be analogous to the Father, the second to the Son, and the third to the Holy Ghost. For in these there is no distinction in time, nor are they torn away from their connexion with each other, though they seem to be parted by three personalities. But I was afraid in the first place that I should present a flow in the Godhead, incapable of standing still; and secondly that by this figure a numerical unity would be introduced. For the eye and the spring and the river are numerically one, though in different forms.

Again I thought of the sun and a ray and light. But here again there was a fear lest people should get an idea of composition in the uncompounded Nature, such as there is in the sun and the things that are in the sun. And the second place lest we should give Essence to the Father but deny Personality to the others, and make Them only Powers of God, existing in Him and not Personal. For neither the ray nor the light is a sun, but they are only effulgences from the sun, and qualities of its essence. And lest we should thus, as far as the illustration goes, attribute both Being and Not-being to God, which is even more monstrous.][18]

 {لقد تدارست هذا الأمر فى عقلى الخاص بتدقيق وقلبت الأمر من كل الجهات ومن جميع وجهات النظر لأجد بعض النماذح الموضِّحة لهذا الأمر الهام. ولكننى لم أجد شيئاً على هذه الأرض يصلح للمقارنة بطبيعة اللاهوت. لأنه حتى إن وجدت بعض التشابه الطفيف فإن الأكثر يهرب منى ويتركنى فى الأسافل مع نموذجى.

لقد تصورت عيناً، وينبوعاً، ونهراً، وهكذا فعل غيرى من قبل، لأرى هل يتماثل الأول مع الآب والثانى مع الابن والثالث مع الروح القدس لأن فى هذه لا فرق هناك زمنياً ولا ينفصلون عن بعضهم البعض وإن كانوا يتمايزون فى ثلاثة شخوص. ولكنى خفت أولاً أن أجعل فى اللاهوت سرياناً لا يمكن أن يتوقف. وفى المقام الثانى فإن بهذا النموذج نُدخِل وحدة رقمية لأن كلاً من العين والنبع والنهر هم عددياً واحد وإن اختلفت الأشكال.

وفكرت ثانياً فى الشمس والشعاع والضوء ولكن هنا أيضاً خفت أن يدخل فى روع الناس فكرة التركيب وينسبوها إلى الغير مُركَّب. ومن ناحية أخرى لئلا ننسب الجوهر للآب وننكره على الشخصين الآخرين ونجعلهما مجرد قوتين إلهيين وليسا شخصين. لأنه ليس الشعاع ولا الضوء شمساً ولكنهما مجرد فيضاً من الشمس وصفات لجوهرها.

وأخيراً وحسب هذا النموذج ننسب لله الوجود وعدم الوجود فى آن واحد وهذا أكثر رعباً}.

(5) الأقانيم الثلاثة لهم ذات الجوهر الواحد :

 تكلم القديس إغريغوريوس مراراً كثيرة عن أن الأقانيم الثلاثة لهم ذات الجوهر الواحد. وفى حديثه عن الله المثلث كسيد واحد لخليقته كان يقول :

[ But Monarchy is that which we hold in honour. It is, however, a Monarchy that is not limited to one Person, but one which is made of an equality of Nature and a union of mind, and an identity of motion, and a convergence of its elements to unity—a thing which is impossible to the created nature—so that though numerically distinct there is no severance of Essence.][19]

 { إن أحادية الأصل هى ما نحفظه بتكريم. إنها مع ذلك أحادية الأصل (من جهة الثالوث بالنسبة للخليقة) غير المقصورة على أقنوم واحد بعينه. بل إنها ناشئة من تساوى الطبائع ووحدة الفكر وتطابق المشيئة والتئام المكونات نحو الوحدة -وهى ما تعجز الطبائع المخلوقة أن تصله. حتى أنه رغم التعددية فليس هناك أبداً انقسام فى الجوهر}.

وفى تعليمه عن الابن قال :

[ In my opinion He is called Son because He is identical with the Father in Essence, and not only for this reason, but also because He is of Him. And He is called Only-Begotten, not because He is the only Son and of the Father alone, and only a Son; but also because the manner of His Sonship is peculiar to Himself and not shared by bodies. And He is called the Word, because He is related to the Father as word is related to mind ; not only on account of His passionless Generation, but also because of the Union, and of His declaratory function.][20]

 { فى رأيى إنه يدعى “ابن” لأنه يطابق الآب فى الجوهر وليس لهذا السبب فحسب بل وأيضاً  لأنه منه وكان يسمى الابن الوحيد ليس لأنه كان الابن الوحيد للآب. بل لأن بنوته كانت خاصة بشخصه ولا يقاسمه فيها أى جسد. وكان يسمى الكلمة لأنه يُنسَب إلى الآب كما تنسب الكلمة إلى العقل ليس فقط للإخبار عن ولادته التى بغير ألم بل أيضاً من أجل الوحدة ومن أجل وظيفته الإخبارية (الإعلانية)}.

واستمر القديس إغريغوريوس فى نفس العظة يقول :

  {والصورة هى من نفس جوهره}.  [And the Image as of one Substance with Him.][21]   

 (6) المساواة بين الأقانيم الثلاثة :

يقول القديس إغريغوريوس فى عظته اللاهوتية عن الروح القدس ضد الأريوسيين والأنوميين:

[What then, say they, is there lacking to the Spirit which prevents His being a Son, for if there were not something lacking He would be a Son? We assert that there is nothing lacking for God has no deficiency. But the difference of manifestation, if I may so express myself, or rather Their mutual relations one to Another, has caused the difference of Their Names. For indeed it is not some deficiency in the Son which prevents His being Father (for Sonship is not a deficiency), and yet He is not Father. According to this line of argument, there must be deficiency in the Father, in respect of His not being Son. For the Father is not Son, and yet this is not due to either deficiency or subjection of Essence; but the very fact of being Unbegotten or Begotten, or Proceeding has given the name Father to the First, of the Son to the Second, and of the Third, Him Whom we are speaking, of the Holy Ghost that the distinction of the Three Persons may be preserved in the one nature and dignity of the Godhead. For neither is the Son the Father, for the Father is One, but He is what the Father is; nor is the Spirit Son because He is of God, for the Only-begotten is One, but He is what the Son is. The Three are One in Godhead, and One Three in properties*; so that neither is the Unity of Sabellian one, nor does the Trinity countenance the present evil distinction.][22]

{ماذا يقولون إذن؟ هل يوجد نقص ما فى الروح يمنعه أن يكون ابناً؟ لأنه إن لم يكن هناك نقص ما لكان ابناً؟ نحن نؤكد أن ليس ثمة نقص لأن فى الله لا يوجد أى نقص. ولكن اختلاف التعبير، إذا استطعت أن أعبر عن نفسى هكذا، أو بالأحرى تبادل العلاقات بينهم أدى إلى اختلاف أسمائهم. وبالتأكيد ليس نقص ما هو ما يمنع الابن أن يكون الآب (لأن البنوة  ليست نقصاً) ومع ذلك ليس هو الآب. وحسب هذا الخط من الجدال فلابد أن يكون هناك نقص ما فى الآب لأنه ليس الابن لأن الآب ليس الابن، ومع هذا فليس ذلك لأجل نقص ما أو خضوع فى الكينونة، بل لأجل هذه الحقيقة بعينها عن كونه: غير مولود أو مولود أو منبثق هو الذى أعطى الاسم الآب للأول والابن للثانى والروح القدس للثالث الذى نحن نتكلم بصدده فالتمايز بين الثلاثة شخوص محفوظ فى الطبيعة الواحدة ومجد اللاهوت. ليس الابن “الآب” لأن الآب واحد مع أن له ما للآب، وليس الروح القدس ابناً لأن الابن واحد مع أن الروح من الله؛ وله ما للابن. الثلاثة فى الله الواحد والله الواحد ثلاثة فى الخصائص (*). حتى لا تكون الوحدة سابيلية ولا التثليث له الوجه القبيح (الذى للأريوسيين والأنوميين).

(7) الاشتراك فى نفس الصفات التى للجوهر :

كان القديس إغريغوريوس واضحاً جداً تماماً كما كان القديس أثناسيوس فى تعليمه أن الأقانيم الثلاثة لا يختلفون فيما بينهم إلا فى الصفات الأقنومية. إن الآب هو الأصل والابن مولود والروح القدس منبثق من الآب. (ولكنهم) يشتركون معاً فى جميع الصفات الأخرى للجوهر الإلهى. قال :

[ For we have learnt to believe in and to teach the Deity of the Son from their (verses from the bible) great and lofty utterances. And what utterances are these? These: God—the Word—He That Was In The Beginning and With The Beginning, and The Beginning. “In the Beginning was the Word, and the Word was with God,” (John 1.:1)  and “With Thee in the Beginning’ and “He who calleth her the Beginning from generations” (Isa. 41:4). Then the Son is Only-Begotten : The only “Begotten Son which is in the bosom of the Father, it says, “He that declared Him” (John 1:18), The Way, the Truth, the Life, the Light. “I am the Way, the Truth, and the Life;” (John 14:6) and “I am the Light of the World” (John 7:12, 9:5, 14:6). Wisdom and Power, “Christ, the Wisdom of God, and the Power of God.”(1 Cor. 1:24)  The Effulgence, the Impress, the Image, the Seal; “Who being the Effulgence of His glory and the Impress of His Essence,”(Heb 1:3) and “the Image of His Goodness,”(Wisd. 7:26) and “Him Hath God the Father sealed”(John 6:27).  Lord, King, He That is, The Almighty. “The Lord rained down fire from the Lord;”(Gen 19:24) and “A Scepter of righteousness is the scepter of The Kingdom;”(Ps. 45:6) and “Which is and was and is to come, the Almighty”(Rev. 1:8), all which are clearly spoken of the Son, with all other passages of the same force, none of which is an after thought, or added later to the Son or the Spirit, any more than to the Father Himself. For Their Perfection is not affected by additions. There never was a time when He was without the Word, or when He was not the Father, or when He was not true, or not wise, or not powerful, or devoid of life, or of splendor, or of goodness.][23]

{ فإننا تعلمنا أن نؤمن ونُعلِّم عن ألوهية الابن من الكلمات السابقة العظيمة التى نطقوا بها وأى كلمات هذه؟ إن الله الكلمة كان فى البدء ومع البدء وكان هو البدء “فى البدء كان الكلمة، وكان الكلمة عند الله، وكان الكلمة الله” (يو1:1) و”معك كان البدء” “وهو الذى دعاها البداءة من أجيال” (أش41: 4). لهذا فإن الابن هو الابن الوحيد “الابن الوحيد الكائن فى حضن الآب هو خبَّر” (يو1: 18). الطريق والحق والحياة والنور “أنا هو الطريق والحق والحياة” “أنا هو نور العالم” الحكمة والقوة “المسيح حكمة الله وقوة الله” الفيض والرسم والختم “الذى هو بهاء مجده ورسم جوهره” * و”صورة صلاحه” و”الذى ختمه الله الآب”.

الرب والملك والقادر على كل شئ “أنزل الرب ناراً من السماء” و”صولجان حقه هو صولجان ملكه” و”الكائن الذى كان والآتى أيضاً والقادر على كل شئ”. كلها قد قيلت بوضوح عن الابن مع كل القطع الأخرى التى بنفس القوة قيلت. لم يُضَفْ أى منها فيما بعد إلى الابن أو الروح القدس ولا كان أى منها فكراً لاحقاً ولا عن الآب نفسه. لأن كمالهم لم يتأثر بالإضافات. لم يوجد وقت أبداً لم يكن فيه بدون الكلمة أو متى لم يكن الآب أو متى لم يكن الحق أو غير حكيم أو غير قوى أو خالٍ من الحياة أو السؤدد أو الصلاح}.

فى هذه العظة اللاهوتية الثالثة شرح القديس إغريغوريوس وحدة الجوهر بين الابن والآب وخَلُص إلى قوله :

[ The Son is a concise demonstration and easy setting forth of the Father’s Nature. For everything that is begotten is a silent word of him that begot it”… “He is … called… the Image as of one substance with Him, and because He is of the Father, and not the Father of Him. For this is of the Nature of an Image, to be the reproduction of its Archetype, and that whose name it bears; only that there is more here. For in ordinary language an image is a motionless representation of that which has motion; but in this case it is the living reproduction of the Living One, and is more exactly like than was Seth to Adam, or any son to his father.

For such is the nature of simple Existences, that it is not correct to say of them that they are Like in one particular and Unlike in another; but they are a complete resemblance, and should rather be called Identical than Like. Moreover he is called Light as being the Brightness of souls cleansed by word and life. For if ignorance and sin be darkness, knowledge and a godly life will be Light… And He is called Life, because He is Light, and is the constituting and creating Power of every reasonable soul. For in Him we live and move and have our being, according to the double power of that Breathing into us; for we were all inspired by Him with breath, and as many of us were capable of it, and in so far as we open the mouth of our mind, with God the Holy Ghost.][24]

{إن الابن هو نموذح توضيحى مُركّز وتقديمه مُيَسّر لطبيعة الآب. لأن كل ما هو مولود هو كلمة صامتة لذلك الذى ولده.. “هو.. يدعى.. صورته لأنه من نفس جوهره ولأن الابن هو من الآب وليس الآب من الابن.

لأن هذه هى طبيعة الصورة أن تكون نسخة من الأصل الذى تحمل اسمه وفى حالتنا هذه ما هو أكثر. لأن كل صورة هى إيماءة أقل تمثيلاً من التى أومئت بها ولكن فى حالتنا هذه هى نسخة حيَّة من (كائن) حى بل وأكثر شبهاً من شيث إلى آدم أو أى ابن إلى أبيه، لأن هكذا هى طبيعة الوجود لأنه ليس من الصواب أن نقول أنه يتشابه فى جزئية ولا يتشابه فى جزئية أخرى، ولكن هنا التماثل كامل ويجدر أن يقال عنه أنه تطابق بدلاً من تشابه.

وبالأكثر من ذلك فهو يُدعَى النور حيث ينير النفوس ويطهرها بالكلمة والحياة لأنه إذا كان الجهل والخطية هى الظلام، والمعرفة والحياة حسب الله هو النور.

ويسمى الحياة لأنه هو النور وهو المنشئ والقوة الخالقة لكل نفس عاقلة. لأن فيه نوجد ونحيا ونتحرك، حسب القوة المزدوجة التى للنسمة التى نُفِخَت فينا. لأننا جميعاً قد ألهمنا بالنفخة وكثير منا كانوا قادرين على ذلك وللآب نفتح أفواه عقولنا مع الله الروح القدس}.

 

(8) الروح القدس ينبثق من الآب وحده :

ميَّز القديس إغريغوريوس تميزاً واضحاً بين ولادة الابن وانبثاق الروح القدس. وفى تعليمه لا يوجد خلط بين الصفات المميزة للأقانيم فى الثالوث الأقدس.

وبعد أن تكلم عن الاسم الخاص بالجوهر الإلهى “أهيه الذى أهيه” وبعد ذِكْر الأسماء الأخرى للاهوت مثل “الكلى القدرة” “ملك المجد” “ملك الدهور” “ملك القوات” “ملك الملوك” قرر أن:

[ Now these are names common to the Godhead, but the proper Name of the Unoriginate is Father, and that of the Begotten without beginning is Son, and that of the un-begottenly Proceeding or going forth is The Holy Ghost.][25]

{هذه هى الأسماء العامة للاهوت ولكن الاسم المناسب لغير المنبوع هو الآب وللمولود بلا بداية هو الابن وللمنبثق غير المولود الروح القدس}.

من الواضح أن الروح القدس منبثق دون ولادة ولا علاقة له بالابن فى انبثاقه من الآب.

(9) أحادية الأصل الأبوى فى الثالوث الأقدس :

أكّد القديس إغريغوريوس مراراً كثيرة على أحادية الأصل الأبوى كالأصل الوحيد للثالوث الأقدس patriki-archy  الآب هو الوحيد غير المنبوع (unoriginated).

[How then are They not alike unoriginate, if They are coeternal? Because They are from Him, though not after Him. For that which is unoriginate is eternal, but that which is eternal is not necessarily unoriginate, so long as it may be referred to the Father as its origin. Therefore, in respect of Cause They are not unoriginate, but it is evident that the Cause is not necessarily prior to its effects, for the sun is not prior to its light.][26]

 {لماذا إذاً ليسا بالمثل غير منبوعين ماداما أيضاً أزليين؟ لأنهما منه وإن كانا ليسا لاحقين له. لأن غير المنبوع أزلى ولكن الأزلى ليس بالضرورة غير منبوع مادمنا نشير إلى الآب كأصل لهما.

لذلك فبالنسبة للسبب هما ليسا غير منبوعين. ولكن من البيِّن أن السبب ليس بالضرورة سابق لنتيجته كالشمس مثلاً ليست سابقة لنورها}.

 وقد علَّم القديس إغريغوريوس أيضاً بوضوح أن :

  {الآب هو الوالد والباثق}.  [ The Father is the Begetter and the Emitter.][27]   

(10) العطايا الإلهية هى من الآب من خلال الابن فى الروح القدس :

فى عظته عن عطايا الله بالروح القدس يقول القديس إغريغوريوس :

[That He is the Gift, the Bounty, the Inspiration, the Promise, the Intercession for us, and, not to go into any further detail, any other expressions of the sort, is to be referred to the First Cause, that it may be shown from whom He is, and that men may not in heathen fashion admit Three Principles. For it is equally impious to confuse the Persons with the Sabellians, or to divide the Natures with the Arians.][28]

“إنه هو (الروح القدس) العطية، والهبة، والإلهام، والوعد، والشفيع لنا، وبدون الدخول فى تفاصيل أكثر، فإن أى عبارات أخرى من هذا النوع، تُنسَب إلى السبب الأول (يقصد الآب) حتى يظهر (يتضح) ممن هو (الروح القدس)، وحتى لا يعترف الناس بثلاثة مصادر (يقصد ثلاث آلهة مستقلة) على الطريقة الوثنية. لأن الخلط بين الأقانيم (الأشخاص) مع السابيليين (أتباع سابيليوس) يتساوى فى عدم التقوى مع تقسيم الطبائع مع الأريوسيين.”

التعبير “السبب الأول” الذى ذكره القديس إغريغوريوس فى هذا القطعة  يشير إلى أن عطايا الله  تنبع من الآب وتعطى بالابن فى الروح. وفى عظته اللاهوتية عن الابن تكلم القديس إغريغوريوس عن القوة المزدوجة للنفخة فى الابن. وهو يقصد بالقوة المزدوجة للنفخ أن العطايا الآتية إلينا من الآب وتعطى لنا بالروح من خلال الابن.

[ For in Him we live and move and have our being, according to the double power of that Breathing into us; for we are all capable of it, and in so far as we open the mouth of our mind, with God the Holy Ghost.][29]

{“لأن فيه نحيا ونتحرك ونوجد” حسب القوة المزدوجة فى النفخة فينا، لأننا جميعاً نُلهَم بالنفخة، وكثيرون منا قادرون على ذلك وإلى الآن نفتح أفواه عقولنا لله والروح القدس}.

1 P. Schaff & H. Wace, N. & P.N. Fathers, series 2, Vol. IV, Eerdmans Pub. Company, Sep. 1978,  St.  Athanasius, Expositio Fidei (Statement of Faith) P. 84,85.

2 P. Schaff & H. Wace, N. & P.N. Fathers, series 2, Vol. IV, Eerdmans Pub. Company, Sept. 1978, St. Athanasius, Four Discourses Against the Arians- Discourse III, points 4 &5.

3 ibid –  point 65.

4 P. Schaff & H. Wace, N. & P.N. Fathers, series 2, Vol. VII, Eerdmans Pub. Company, Sept. 1978, Gregory Nazianzen, Fifth Oration on the Holy Spirit P.327.

5 P. Schaff & H. Wace, N. & P.N. Fathers, series 2, Vol. VII, Eerdmans Pub. Company, Nov. 1978- The Book of Saint Basil on the Spirit, Chapter 18, p. 28.

6 ibid, Letter 52, to the Canonicoe, p.155,156

7 P. Schaff & H. Wace, N. & P.N. Fathers, series 2, Vol. IV, Eerdmans Pub. Company, Sept. 1978, St. Athanasius, Four Discourses Against the Arians- Discourse I, point 19.

8ibid – point 21.

9 P. Schaff & H. Wace, N. & P.N. Fathers, series 2, Vol. VII, Eerdmans Pub. Company, Sept. 1978, Gregory Nazianzen, Fifth Oration on the Holy Spirit p..328

[10] ترجمة عربية لمحاضرة نيافة الحبر الجليل نيافة الأنبا بيشوى التى ألقيت فى المؤتمر الثانى للدراسات الآبائية بالاشتراك مع جامعات أثينا وتسالونيكى المنعقد تحت رعاية البابا المعظم الأنبا شنودة الثالث فى دير القديس الأنبا بيشوى بوادى النطرون  فى الفترة من         26/12/1996 إلى 29/12/1996م

[11]  Phillip Schaff & Henry Wace, Nicene & Post Nicene Fathers, Vol.VII, Second Series. Hendrickson Publishers June 1995, Article XVII Second Theological Oration. P.294

[12]  Ibid, 2nd Theological Oration, Article X, p.292.

[13]  Ibid, 2nd Theological Oration, Article XVII, p.294.

[14] Ibid, 3rd Theological Oration, Article II P.301

[15] Ibid, 3rd Theological Oration (on the Son), Article II, p.301

[16]  Ibid, 3rd Theological Oration, Article III, pp.301,302

[17]  Ibid, Forth Theological Oration, Article XX, p. 316

[18]  Ibid, 5th Theological Oration (on the Holy Spirit), Articles XXXI and XXXII, p.328.

[19] Ibid, 3rd Theological Oration (on the Son), Article II, p.301.

[20] Ibid, 4th Theological Oration , Article XX, p.316.

[21] Ibid p.317

[22] Ibid, 5th Theological Oration (on the Holy Spirit), Article IX, p.320.

* لقد حذر القديس إغريغوريوس كما ذكرت فى النقطة الرابعة لئلا نخص الآب وحده بالجوهر ونعتبر الابن والروح القدس مجرد صفات للجوهر وليست أقانيم حقيقية وعلى ذلك فلكل أقنوم صفته الأقنومية الخاصة ولكنه ليس مجرد صفة للجوهر.

52 Ibid, 3rd Theological Oration, Article XVII, p. 307

* التعبير فى الرسالة إلى العبرانيين (عب1: 3) باللغة اليونانية uJpostavsewV (هيبوستاسيوس) وهذه يمكن ترجمتها “أقنوم” بدلاً من “جوهر”. فتصير “رسم أقنومه”.

[24]  Ibid, 4th Theological Oration (2nd on the Son), Article XX, pp.316,317.

[25]  Ibid, 4th Theological Oration (2nd on the Son), Articles XIX, p.316.

[26]  Ibid, 3rd Theological Oration (on the Son), Article III, p.302.

[27]  Ibid, 3rd Theological Oration (on the Son), Article II, p.301.

[28]  Ibid, 5th Theological Oration (on the Holy Spirit), Article XXX, p.328.

[29]  Ibid, 4th Theological Oration (2nd on the Son), Article XX, p.317.

شرح عقيدة الثالوث Trinity doctrine explained – الأنبا بيشوي

الثالوث القدوس – دائرة المعارف الكتابية

الثالوث القدوس – دراسة دائرة المعارف الكتابية

الثالوث القدوس – دراسة دائرة المعارف الكتابية

تنبية: هذا الشرح وفقاً لدائرة المعارف الكتابية، وهناك بعض مما هو مذكور هنا لا نوافق عليه ولا نقرّه، لكن نقلنا ما جاء في دائرة المعارف للفائدة فحسب.

أولاً – كلمة الثالوث:

لم ترد كلمة “الثالوث” في الكتاب المقدس، حيث لا يَذكر الكتاب المقدس هذا اللفظ بالذات تعبيراً عن مفهوم أنه ليس هناك سوى الله الواحد الحقيقي، وأن في وحدانية الله ثلاثة أقانيم هم واحد في الجوهر ومتساوون في الأزلية والقدرة والمجد، لكنهم متمايزون في الشخصية. وعقيدة الثالوث القدوس عقيدة كتابية، ليس باعتبار ورودها نصاً في الكتاب المقدس، لكن باعتبارها روح الكتاب المقدس. والتعبير عن عقيدة كتابية بعبارات كتابية أفضل لحفظ الحق الكتابي.

وتظهر عقيدة الثالوث في نسيج الأسفار المقدسة، لا في صيغة محددة وإنما في إشارات متفرقة. وعندما نتحدث عن عقيدة الثالوث القدوس فإننا لا نخرج عن دائرة الكتاب ولكننا نجمع شتات هذه الإشارات في مفهوم عقائدي واضح. وقد نعبر عن هذه العقيدة بأسلوب فلسفي وبعبارات فنية لكنها لا تخرج بذلك عن كونها عقيدة كتابية.

 

ثانياً – الثالوث عقيدة مُعلنَة:

إن أساس عقيدة الثالوث هو الإعلان الإلهي، فهي تجسد الحق الذي لم يقدر العقل البشري الطبيعي أن يكتشفه، لن يقدر من ذاته، لآن الإنسان بكل ثاقب عقله، ليس في مقدوره أن يكتشف أمور الله العويصة، وبالتالي لم يكن لدى الفكر الوثني أي مفهوم ثالوثي عن الله، كما لم تقدم أي ديانة وثنية في تمثيلها لآلهتها شيئاً شبيهاً بعقيدة الثالوث القدوس.

وقد ظهرت – بلا شك – ثلاثيات من الآلهة في كل الديانات الوثنية تقريباً، وإن كانت الدوافع لظهور تلك الثلاثيات مختلفة. ففي الثلاثي أوزوريس وإيزيس وحورس صورة لعائلة بشرية مكونة من أب وأم وابن. وقد يظهر ثلاثي آلهة كمجرد محاولة للتوفيق بين ثلاثة آلهة تعبد في أماكن مختلفة، لتصبح موضع عبادة الجميع.

بينما يبدو من ثلاثي الديانة الهندوسية المكون من “براهما” و”فشنو” و”شيفا” أن هذا ثلاثي يمثل الحركة الدورية لتطور وحدة الوجود، ويرمز إلى المراحل الثلاثة من الكيان والصيرورة والانحلال. وفي بعض الأحيان يكون ثلاثي الآلهة نتيجة لميل طبيعي في الإنسان إلى التفكير في “ثلاثيات” مما أضفى على الرقم “ثلاثة” صبغة مقدسة.

وليس من غير المتوقع، أن تعتبر إحدى هذه الثلاثيات – بين الحين والآخر – أساساً لعقيدة الثالوث الأقدس في المسيحية. فجلادستون يرى هذا الثلاثي في أساطير هوميوس. في رمح بوسيدون ذي الشعب الثلاث. أما هيجل فقد رأى ذلك في الثلاثي الهندوسي، وهو ما يتفق مع عقيدته في وحدة الوجود.

وقد رأى البعض الآخر ذلك في الثلاثي البوذي، أو في بعض مفاهيم ديانة زرادشت، أو على الأغلب في الثلاثي العقلاني عند الفلسفة الأفلاطونية. بينما يؤكد جولز مارتن وجوده في المفهوم الرواقي الجديد عند “فيلو” عن “القوي” وبخاصة عند تفسيره لزيارة الثلاثة الرجال لإبراهيم.

ثم تحولت الأنظار إلى بابل حيث يجد “ه. زيمرن” مثالاً “للثالوث” متمثلاً في “أب وابن وشفيع” التي اكتشفها في ميثولوجيا بابل.

ولسنا في حاجة إلى التأكيد بأنه ما من ثلاثي من كل هذه، له أدنى شبه بالعقيدة المسيحية في الثالوث القدوس . فالعقيدة المسيحية عن الثالوث القدوس تجسد ما هو أكثر من مفهوم “الثلاثة”، وكل تلك الثلاثيات ليس فيها شيء شبيه بالعقيدة المسيحية سوى العدد “ثلاثة”.

 

ثالثاً – عقيدة الثالوث ليس لها برهان عقلاني:

لا يمكن إثبات عقيدة الثالوث القدوس بالعقل لأنها تسمو عن إدراك العقل، إذ ليس لها شبيه في الطبيعة ولا حتى في الطبيعة الروحية للإنسان المخلوق على صورة الله. فالثالوث الأقدس فريد لا مثيل له في الكون كله، عليه فليس ثمة ما يعيننا على فهمه. ومع ذلك بذلت محاولات عديدة لإيجاد برهان عقلاني على الثالوث القدوس الإلهي. وهناك اثنان من الأدلة العقلية لهما جاذبية خاصة لدى المفكرين عبر كل العصور المسيحية.

أولهما مشتق من مضمون “الإدراك الذاتي” والآخر من “الحب”، فكلاهما – الحب والإدراك الذاتي – يتطلبان وجود من يتجه إليه فعلهما. فإذا علمنا أن الله محب وذاتي الإدراك، فلا بد أن يكون في وحدانيته نوع من التعدد، ومن هذا المنطلق قام العديد من المفكرين بتقديم هاتين الحجتين في صور مختلفة.

قام بشرح البرهان الأول عالم لاهوتي كبير من القرن السابع عشر هو “بارثولوميو كيكرمان” (Bargholomew Keckrmann   1614 – م)، فقال: الله فكر ذاتي الإدراك، ولابد لفكر الله من موضوع كامل يتجه إليه فعل التفكير، ويكون أزلياً معه، ولكي يكون كاملاً فلابد أن يكون هو الله، ولما كان الله واحداً، فلابد أن يكون هذا الموضوع هو الله الواحد.

وينطبق نفس الأمر على البرهان المشتق من طبيعة الحب، ولعل أول من شرح هذا البرهان هو فالنتيوس حيث قال إن “الله محبة” ولكن الحب لا يكون حباً بغير وجود محبوب. ثم أثرى أوغسطينوس هذا المفهوم – ليس على أساس نظرية انبعاث – فهو يحلل هذا “المحب” الذي هو الله في الثلاثي المكون من “المحب” و”المحبوب” و” الحب ذاته”، ويرى في هذا الثلاثي تشبيهاً لله المثلث الأقانيم.

ولا يمكن أن ينصب حب الله المحب على العالم كمحبوب لأن هذا يعتبر تطرفاً، إذ لابد أن يكون المحبوب شخصاً، وأن يكون شخصاً مساوياً لله في سرمديته وقوته وحكمته، ولما كان من المحال وجود جوهرين إلهيين، فلابد أن يكون الأقنومان جوهراً واحداً، وبذلك يؤدي مفهوم الحب إلى ثالوث “الحب والمحب والمحبوب”.

ولكن كل هذه التشبيهات عرضة للجدل وللشطط، فالله لا مثيل له ولا شبيه وهو القائل:” فيمن تشبهونني فأساويه يقول القدوس” (إش 40: 25).

 

رابعاً – تأييد العقل لهذه العقيدة:

وعلى أي حال، فإن التفكير على هذا النمط لشرح حقيقة الثالوث القدوس شرحاً عقلانياً لا يخلو من فائدة، فإنه يثبت لنا بوضوح أن مفهوم الثالوث عن الله يسمو عن مفهومه كوحدة بسيطة مطلقة، وبذلك يقدم سنداً عقلانياً لعقيدة الثالوث بعد أن أعلنها لنا الله ذاته، فإذا لم يكن من الممكن أن نقول: إننا نستطيع أن نفهم الله كالإدراك الذاتي الأزلي، كالمحبة الأزلية دون أن نفهمه كثالوث، فإنه يبدو من المحتم أن نقول: إننا عندما نفهمه كثالوث، فإن مفهومنا عن الكائن الأسمى المدرك في ذاته والمحب، يزداد عمقاً وقوةً وثراءً، وبذلك نفهمه فِهما أوفى مما لو حاولنا فهمه كوحدة بسيطة.

ومتى عرفه الإنسان كالله المثلث الأقانيم، فلا يمكن أن يقنع بمفهوم وحدوي عن الله. وعليه فإن العقل لا يؤدي هذه الخدمة السلبية للإيمان بعقيدة الثالوث القدوس ، بإظهار إتساق هذه العقيدة في ذاتها، واتساقها مع الحقائق المعلومة فحسب، بل ويقدم التأييد العقلاني الإيجابي باكتشاف أنه المفهوم الوحيد الشافي الوافي عن الله كروح مدرك بذاته، ومحبة حية. ومهما كانت الصعوبة في عقيدة الثالوث القدوس في ذاتها، فإنها لا تضيف عبئاً على ذكائنا، بل بالحري تأتي لنا بحل أعمق المعضلات وأعتاها في مفهومنا عن الله كالكائن الأدبي اللامتناهي، وتنير كل فكرنا عن الله وتثريه وتسمو به.

لذلك أصبح من الحق أن نقول إن التوحيد في المسيحية هو التوحيد الوحيد الراسخ، أي أن عقيدة الثالوث القدوس تزيد التوحيد ثراء وقوة ورسوخاً في العقل البشري، فالعقل يجد صعوبة في فكرة الوحدانية المطلقة في الله، والقلب البشري يلتمس بشوق ولهفة، الله الحي الذي في كيانه يوجد هذا الملء من الحياة، وهو ما يمدنا به مفهوم الله المثلث الأقانيم.

 

خامساً – عقيدة الثالوث غير معلنة بوضوح في العهد القديم:

تحس دوائر عريضة بأن مفهوم الثالوث القدوس أمر جوهري لأي فكرة صحيحة عن الله، حتى ليرفضون بشدة فكرة أن يعلن الله عن ذاته دون أن يعلن ثالوثه، ومن هذا المنطلق يرون أنه ليس من المعقول ألا يذكر العهد القديم شيئاً عن الثالوث. ولا نستطيع أن نتكلم بتوسع عن إعلان عقيدة الثالوث في العهد القديم، ولكن من الحقائق الواضحة أنه لم يستطع أحد – اعتماداً على الإعلان الموجود في العهد القديم فحسب – أن يصل إلى عقيدة الثالوث.

ولكن من الآخر، ألا توجد في أسفار العهد القديم تعبيرات أو أحداث يستطيع شخص قد عرف عقيدة الثالوث تماماً، أن يجد في هذه التعبيرات والأحداث، تلميحات معقولة تنم عن هذه العقيدة؟ لقد وجد الكتّاب الأقدمون تلميحات عن الثالوث في مثل استخدام صيغة الجمع في كلمة “إلوهيم” (صيغة الجمع من “الله”) وكذلك الإشارة إلى الله بضمائر الجمع كما في القول: “وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا” (تك1: 26، 3: 22، 11: 7، إش 6: 8) أو الأفعال في صيغة الجمع في العبرية (كما في تك 20: 13، 35: 7).

وتكرار اسم الله مما يبدو منه أن ثمة تمييز بين الله والله (كما في مزمور 45: 6و7، 110: 1، هو 1: 7)، والأناشيد التي لها صورة ثلاثية (تث 6: 4، عدد 6: 24-26، إش 6: 3)، وتجسيد مفهوم الحكمة (أمثال 8)، والظواهر الملفتة للنظر التي صاحبت ظهورات “ملاك الرب” (تك 16: 7-13، 22: 11و16، 31: 11و13، 48: 15و16، خر 3: 2و4و5، قض ض3: 20-22….).

وهناك اتجاه قوي عند الكثيرين من الكتّاب في الوقت الحاضر إلى الاستناد، ليس على آيات محددة في العهد القديم، بل على إعلان العهد القديم ككل، حيث يلاحظون هذا الفكر الكامن فيه، بأن كل الأشياء تدين بوجودها وبقائها إلى مصدر مثلث، سواء فيما يتعلق بالخليقة الأولى، أو بأكثر وضوح فيما يتعلق بالخليقة الثانية، ويستشهدون بالفصول التي تجمع بين الله وكلمته وروحه (كما في مز 33: 6، إش 61: 1، 63: 9-12، حجي 2: 5و6).

ويشيرون إلى الاتجاه الملحوظ لتجسيد كلمة الله من ناحية (كما في تك 1: 3، مز 33: 6، 107: 20، 119: 87، 147: 15-18، إش 55: 11، 63: 10، حز 2: 2، 8: 3، زك 7: 12)، وما جاء بنبوة إشعياء عن ألوهية المسيا ( كما في إش 7: 14، 9: 6). وإذا كانت صيغة الجمع في اسم الله أو في الضمائر والأفعال التي تسند إلى الله، ليست بدلائل كافية على أن الله مثلث الأقانيم، ولكن لها وزنها كشاهد على أن “إله الوحي ليس وحدة بسيطة مطلقة، بل هو الله الحي الذي يحتض في ملء كيانه أعظم تنوع” (كما يقول بافينك).

وخلاصة القول هي أن الإحساس العام هو أن في تطور الفكر عن الله في العهد القديم، تكمن فكرة أن الله ليس مجرد وحدة بسيطة، وأنه بذلك كان يمهد الطريق لإعلان الثالوث فيما بعد. ويبدو أنه من الواضح أن علينا أن ندرك من العهد القديم التعليم المتعلق بالعلاقة بين الله وإعلانه من خلال الكلمة الخالق والروح، وهو ما أوضحه الإعلان المسيحي.

ولا نستطيع الوقوف هنا، إذ أنه بعد كل ما قيل، وفي ضوء الإعلان الكامل في العهد الجديد، نجد أن التفسير الثلاثي يظل هو التفسير الطبيعي للظواهر التي فسرها قدامى الكتّاب كتلميحات للثالوث، وبخاصة تلك المتعلقة بأوصاف ملاك الرب، وكذلك بعض صيغ الكلام التي تواجهنا في العهد القديم مثل: “نعمل الإنسان على صورتنا” (تك 1: 26) لأن العدد السابع والعشرين: “فخلق الله الإنسان على صورته” يحول بيننا وبين اعتبار أن العدد السابق يعلن أن الإنسان قد خلق على صورة الملائكة.

وليست هذه قراءة متعسفة لأفكار العهد الجديد في ثنايا العهد القديم، بل هي قراءة نصوص العهد القديم في ضوء إعلان العهد الجديد، فيمكن تشبيه العهد القديم بغرفة فاخرة الأثاث ولكنها ضعيفة الإضاءة، وتسليط نور أقوى عليها لا يضيف إليها شيئاً لم يكن فيها من قبل، ولكنه يكشف بوضوح عما فيها مما لم يكن يرى مطلقاً. إن العهد القديم لا يعلن سر الثالوث، ولكن سر الثالوث يكمن في إعلان العهد القديم، وتظهر لمحات منه في بعض أجزائه، فإعلان العهد الجديد عن الله لم يصوب إعلان العهد القديم بل بالحري أكمله ووسّعه وأوضحه.

 

سادساً – العهد القديم مهّد الطريق لهذه العقيدة:

من الأقوال المتواترة منذ القديم، أن ما يبدو واضحاً جلياً في العهد الجديد كان كامناُ مستتراً في العهد القديم، ومن أهم الأمور أن نضع في أذهاننا بجلاء استمرارية إعلان الله في العهدين القديم والجديد، وإذا عسرت علينا رؤية بعض النقاط في العهد القديم فيما يتعلق بإعلان “الثالوث”، فإنه لا يفوتنا أن نرى بكل وضوح وجلاء – في العهد الجديد – وفرة من الأدلة على أن كتّاب العهد الجديد لم يروا أي تعارض بين تعليمهم عن الثالوث، ومفهوم العهد القديم عن الله.

لم يشعر كتّاب العهد الجديد مطلقاً بأنهم “ينادون بآلهة غريبة”، بل كانوا يعرفون تماماً أنهم يعبدون ويكرزون بإله إسرائيل، ولم يكن تأكيدهم على وحدانيته بأقل من تأكيد العهد القديم (يو 17: 3، كو 8: 4، 1تي 2: 5). فهم لم يضعوا إلهين جديدين بجانب “يهوه”، بل رأوا في يهوه نفسه الآب والابن والروح القدس، ولم يراودهم اطلاقاً الاحساس بأنهم يبتدعون شيئاً جديداً. وبلا أدنى خوف أو تردد استشهدوا بأقوال العهد القديم، وطبّقوها على “الآب والابن والروح القدس” الله الواحد، الله المعلن في العهد القديم، ولم يكونوا يرون اطلاقاً أن ثمة ثغرة بينهم  وبين الآباء في تقديم مفهومهم الواضح عن الكائن السماوي.

ولكن ليس معنى هذا أنهم كانوا يرون تعليم الثالوث ظاهراً في كل جزء من العهد القديم، ولكنه يعني – بكل تأكيد – أنهم كانوا يرون أن الله المثلث الأقانيم الذي يعبدونه، هو نفسه الله المعلن في العهد القديم، ولم يجدوا أي تناقض في حديثهم عن الله المثلث الأقانيم فإله العهد القديم هو إلههم، وإلههم إله مثلث الأقانيم، وكان إدراكهم أن الإثنين واحد، إدراكاً واعياً كاملاً حتى إنه لم يثر في أذهانهم من نحو هذه الحقيقة أي تساؤل.

 

سابعاً – العهد الجديد يفترض العلم بذلك مسبقاً:

إن البساطة واليقين اللذين يبدوان في كتابات العهد الجديد عن الله المثلث الأقانيم، لهما مضمون أعمق، فهما يدلان على أنه لم يكن ثمة إحساس بوجود أمر جديد في الحديث عن الله بهذه الصورة، وبعبارة أخرى، إننا عندما نقرأ العهد الجديد لا نجد مولد مفهوم جديد عن الله، بل ما نجده على صفحاته إنما هو مفهوم ثابت راسخ عن لله يتخلل كل نسيجه، وينطق في كل صفحاته.

فالعهد الجديد حتى الصميم يعلن الله المثلث الأقانيم، وكل تعليمه ينبني على افتراض التسليم بعقيدة الثالوث، والإشارات الضمنية إلى ذلك كثيرة وتأتي طبيعية وقاطعة وحاسمة وواثقة. إن عقيدة الثالوث تبدو في العهد الجديد، لا كتعليم في طور النمو، بل كتعليم في ملء النضح والكمال، حتى ليقول أحدهم (سانداي): “لا يوجد في تاريخ الفكر البشري ما هو أعجب من الطريقة الصامتة بالغة الدقة التي أخذت بها هذه العقيدة (عقيدة الثالوث) مكانها – رغم صعوبتها لنا – بين الحقائق المسيحية الثابتة، بدون أي مجادلة أو مقاومة”.

ولكن تعليل هذه الظاهرة الرائعة بسيط، فالعهد الجديد ليس سجلاً لتطور العقيدة أو استيعابها، ولكنه في كل أجزائه يفترض أنها العقيدة الثابتة الراسخة في المجتمع المسيحي.

 

ثامناً – ظهرت في الابن والروح القدس:

إذا توخينا الدقة، فإننا لا نستطيع أن نقول إن عقيدة الثالوث قد أعلنت في العهد الجديد، مثلما لا نستطيع أن نقول إنها قد أعلنت في العهد القديم، فالعهد القديم سبق إعلانها، والعهد الجديد جاء بعدها، فالإعلان ذاته لم يكن بالأقوال بل بالأعمال والواقع. لقد حدث إعلانها في تجسد الله الابن، وفي انسكاب الله الروح القدس. وعلاقة العهدين بهذا الإعلان هي أن أولهما مهد الطريق له، وأن ثانيهما كان حصيلة هذا الإعلان، أما الإعلان ذاته فقد تجسد في المسيح والروح القدس. وهذا معناه أن إعلان الثالوث كان النتيجة الحتمية لإتمام عمل الفداء.

لقد حدث هذا في مجيء ابن الله في شبه جسد الخطية ليقدم نفسه ذبيحة عن الخطية، وفي مجيء الروح القدس ليبكت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة. هكذا تم إعلان الأقانيم الثلاثة في الله الواحد. والذين عرفوا الله الآب الذي أحبهم وبذل ابنه ليموت عنهم، والرب يسوع المسيح الذي أحبهم وأسلم نفسه لأجلهم قرباناً وذبيحة، والروح القدس، روح النعمة، الذي أحبهم ومنحهم قوة في داخلهم – ليست منهم – تعمل للبر، هم الذين عرفوا الله المثلث الأقانيم، ولا يمكنهم أن يفكروا في الله أو يتحدثوا عنه بصورة أخرى.

وبعبارة أخرى، إن عقيدة الثالوث هي ببساطة، تعبير عن مفهوم الله الواحد الوحيد في ضوء إعلانه الكامل لنفسه في عملية الفداء. لذلك كان لابد أن يتم عمل الفداء قبل إعلانها الكامل، ففي عمل الفداء أُعلنت بكمالها.

ومن هذه الحقيقة المركزية نستطيع أن نفهم – بأكثر وضوح – ظروفاً كثيرة ارتبطت بإعلان عقيدة الثالوث، فمثلاً نستطيع أن نفهم لماذا لم يعلن الثالوث في العهد القديم. ولعله يلزمنا أن نرجع إلى الملحوظة التي ترددت كثيراً منذ عهد جريجوري النازيانزي، وهي أن العهد القديم اهتم بأن يثبت في أذهان شعب الله وقلوبهم الحق الأساسي العظيم عن وحدانية الله، وكان من العسير أو من الخطر التحدث إليهم عن التعدد داخل هذه الوحدانية إلا بعد أن يتم عمل الفداء.

فالسبب الحقيقي في تأخير إعلان حقيقة الثالوث، إنما يرجع إلى التقدم الزمني نحو إتمام قصد الله في الفداء، فلم يكن الزمان قد نضح لإعلان الثالوث في وحدانية الله، إلى أن جاء ملء الزمان وأرسل الله ابنه للفداء، وروحه للتقديس. كان يجب أن ينتظر الإعلان بالقول، حتى يتم الإعلان واقعياً، ليقدم التفسير اللازم، فهو – بلا شك- يستمد من هذا الواقع كل معناه وقيمته.

فإن إعلان الثالوث في وحدانية الله، كحق مجرد، بدون الاستناد إلى حقيقة ظاهرة، وبدون ارتباط بتقدم ملكوت الله، كان يبدو غريباً عن كل أسلوب خطة الله، كما تعرضها لنا صفحات الأسفار المقدسة، فإن خطوات إتمام القصد الإلهي تمدنا بالمبدأ الأساسي الذي يستند إليه كل شيء آخر، حتى مراحل تقدم الإعلان ذاته، فمراحل تقديم الإعلان ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمراحل إتمام الفداء.

ونستطيع أيضاً أن نفهم من نفس تلك الحقيقة المركزية لماذا نجد العهد الجديد يعلن “الثالوث” في تلميحات ضمنية وليس بعبارات واضحة، ولماذا يفترضه دائماً، ولا يذكره إلا في عبارات متفرقة وليس في صيغة عقائدية محددة، وذلك لأن الإعلان بعد أن تم واقعياً في الفداء، أصبح يملأ قلوب كل المؤمنين، فكان المسيحيون في كتاباتهم وأحاديثهم بعضهم مع بعض، يتكلمون عن هذا الحق المشترك، ويذكر أحدهم الآخر بذخيرة الإيمان التي لهم جميعاً، لابد أن يعلموا بعضهم بعضاً ما أصبح معروفاً لهم جميعاً.

وعلينا أن نرجع إلى العهد الجديد، لنجد في كل التلميحات للثالوث، دليلاً على كيفية فهم المعلمين القادة في الكنيسة لحقيقة الثالوث التي كان يؤمن بها الجميع، وليس على محاولتهم إقناع الكنيسة بأن الله مثلث الأقانيم.

 

تاسعاً – كل العهد الجديد يبتضمن هذه العقيدة:

إن البرهان الأساسي لحقيقة أن الله مثلث الأقانيم، يقدمه لنا الإعلان الأساسي للثالوث واقعياً، أي في تجسد الله الابن وانسكاب الله الروح القدس. وبالإيجاز، إن يسوع المسيح والروح القدس هما البرهان الأساسي لحقيقة الثالوث، ومعنى هذا أن كل دليل – مهما اختلف نوعه أو مصدره – على أن يسوع المسيح هو الله الظاهر في الجسد، وأن الروح القدس أقنوم إلهي، وهو دليل على صحة عقيدة الثالوث، وأننا عندما نرجع إلى العهد الجديد بحثاً عن دليل على الثالوث، فعلينا أن نبحث عنه ليس في التلميحات المتفرقة فحسب – مع تنوعها ووضوحها – بل نبحث عنه أساساً في الأدلة الكثيرة التي يقدمها لنا العهد الجديد على ألوهية الابن، وأقنومية الروح القدس.

وهذا يعني أن كل العهد الجديد هو دليل على الثالوث، فالعهد الجديد زاخر بالأدلة على ألوهية المسيح وأقنومية الروح القدس. وعلى وجه التحديد، ما العهد الجديد إلا توثيق لعقيدة تجسد الابن وانسكاب الروح القدس، أي لعقيدة الثالوث. وما نعنيه “بعقيدة الثالوث” هو الصياغة لمفهوم الله في عقيدة الابن المتجسد والروح القدس المسكب، في عبارة دقيقة. ونستطيع تحليل هذا المفهوم وإثبات كل عنصر فيه من أقوال العهد الجديد، كما يمكننا إثبات أن العهد الجديد يؤكد وحدانية الله، وأنه على الدوام يعتبر الآب الله، والابن الله، والروح القدس الله، وأن كلاً منهم أقنوم متميز.

ولا يسعنا هنا التكلم بتوسع عن هذه الحقائق الواضحة، ويكفينا أن نلاحظ أنه في العهد الجديد لا يوجد سوى الله الحي الحقيقي الواحد الوحيد، وأن يسوع المسيح هو الله، بكل ما في الكلمة من معنى، وأن الآب والابن والروح القدس ثلاثة أقانيم متميزون.

وفي هذه الحقيقة المركبة، يقدم لنا العهد الجديد عقيدة الثالوث، لأن عقيدة الثالوث ماهي إلا التعبير الدقيق عن هذه الحقيقة المركبة. وفي كل المحاولات لصياغة هذه العقيدة بدقة، كان المبدأ الأساسي الذي يحكم كل صياغة هو التعبير بدقة عن مفهوم العلاقة بين الله الآب، والله الابن والله الروح القدس من ناحية، ووحدانية الله من الناحية الأخرى، وكذلك عن ألوهية الابن وألوهية الروح القدس، وتميز كل أقنوم.

وبقولنا هذه الحقائق الثلاث، أي أنه لا يوجد إلا إله واحد، وأن الآب هو الله، والابن هو الله، والروح القدس هو الله، وأن كلاً من الآب والابن والروح القدس، أقنوم متميز، نكون قد عبّرنا عن عقيدة الثالوث في كمالها.

إن عقيدة الثالوث هي الحقيقة الأساسية التي لابد أن نلحظها في كل العهد الجديد كافتراض ثابت، في جميع أجزائه وبمختلف الصور، وعلينا ألا نهمل القول إنها في بعض المواضع قد لا يعبر عنها بكل كماله، ولكن الفصول التي يذكر فيها الأقانيم الثلاثة معاً، أكثر مما نظن بوجه عام، ولكن علينا أن نذكر أيضاً أن الجمع بين الأقانيم الثلاثة قد يكون في الكتابات العملية، أقل منه في الكتابات التعليمية، فنرى الأقانيم الثلاثة في البشارة بمولد ربنا يسوع المسيح إذ يقول الملاك لمريم: “الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يدعى ابن الله” (لو 1: 35، انظر أيضاً متى 1: 18-23).

وهنا نرى أن الروح القدس هو العامل في إتمام الأمر، كما أن ذلك ينسب إلى قوة العلي وأن المولود هكذا في العالم يطلق عليه هذا الاسم الجليل “ابن الله”. كما نرى الأقانيم الثلاثة بكل وضوح في انجيل متى (1: 18-23)، وإن كنا نجد أن التلميحات للأقانيم الثلاثة متفرقة في ثنايا القصة التي يشار فيها مرتين إلى ألوهية المولود (عدد 21: “لأنه يخلص شعبه من خطاياهم”. وفي عدد 23: “ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا”).

وفي مشهد المعمودية – الذي يسجله كل البشيرين في بداية خدمة يسوع – نرى الأقانيم الثلاثة في صورة درامية تؤكد ألوهية كل أقنوم بشدة (مت 3: 16و17، مرقس 1: 10و11، لو 3: 21و22، يوحنا 1:23-34)، فمن السماء المفتوحة، ينزل الروح القدس في هيئة منظورة، وصوت من السماء: “أنت ابني الحبيب الذي به سررت” (مرقس 1: 11). ويبدو أن ثمة قصداً واضحاً في أن يكون مجيء الابن هو الوقت المناسب لإعلان الله المثلث الأقانيم، لكي يهيء – بأيسر سبيل – عقول الناس للتكيف مع متطلبات الفداء الإلهي، الذي كان في طريقه إلى الإتمام.

 

عاشراً – هذه العقيدة تتخلل كل تعليم يسوع:

إن هذه العقيدة تتخلل كل تعليم يسوع، فقد ذكر الكثير عن الله أبيه الذي هو متميز عنه وفي نفس الوقت واحد معه. كما ذكر الكثير عن الروح القدس الذي يمثله كما يمثل هو الآب، والذي يعمل بواسطته، كما أن الآب يعمل بواسطته. ولا يقتصر هذا على تعليم يسوع في إنجيل يوحنا، بل وفي الأناجيل الثلاثة الأولى، يعلن يسوع بنوته الفريدة لله (مت 11:27، 24: 36، مرقس 13: 32، لو 10: 22).

كما أن لقب “ابن الله” ينسب إليه، ويقبله هو (مت 4: 6، 8: 29، 14: 33، 27: 40و43و54، مرقس 3: 11، 12: 6-8، 15: 39، لو 4: 41، 22: 7، انظر ايضاً يوحنا 1: 34و49، 9: 35، 11: 27)، والذي يتضمن مشاركة تامة في العلم والسلطان. ويسجل متى (11: 27) ولوقا (10: 22) إعلانه العظيم بأنه يعرف الآب كما أن الآب يعرفه تلك المعرفة المتبادلة الكاملة: “ليس أحد يعرف الابن إلا الآب. ولا أحد يعرف الآب إلا الابن”.

كما أنه في الأناجيل الثلاثة الأولى، يقول يسوع إنه يعمل أعماله بروح الله: “ولكن إن كنت أنا بروح الله”، أو كما يقول لوقا: “ولكن إن كنت بإصبع الله أخرج الشياطين” (مت 12: 28، لو 11: 20، مع الوعد بالروح القدس في مرقس 13: 11، لو 12: 12).

حادي عشر – الآب والابن في إنجيل يوحنا:

يتكلم المسيح كثيراً في أحاديثه المدونة في إنجيل يوحنا عن وحدته – هو كالابن – مع الآب، وعن عمل الروح القدس كالمنفذ للأعمال الإلهية، فهو لا يكتفي بالتصريح بكل جلاء أنه والآب واحد (10: 30 مع 17: 11و21و22و25) في وحدة متداخلة أو متبادلة: “الآب فيَّ وأنا في الآب” (10: 38 مع 16: 10و11).

وأن من رآه فقد رأى الآب (14: 9 مع 15:21) بل يزيل كل شك في طبيعة وحدته مع الآب بتأكيد أزليته تأكيداً صريحاً قاطعاً: “قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن” (يو 8: 58)، وأنه كائن مع الآب منذ الأزل: “الذي كان لي عندك قبل كون العالم” (يو 17: 5 مع  17: 18، 6: 62)، ومقاسمته المجد منذ الأزل مع الآب: المجد الذي كان لي عندك” الذي كان مشتركاً معك “قبل كون العالم” (17: 5)، يعلن هذا بكل هذا الوضوح حتى إنه كثيراً ما قال عن نفسه “ابن الله” (5: 25، 9: 35، 11: 4، انظر أيضاً 10: 36)، وكان معنى هذا – كما فهم اليهود بحق – أنه “معادل لله” (5: 18)، أو بعبارة أوضح يجعل نفسه “إلهاً” (10: 33).

ولكن كيف وهو المعادل لله، بل بالحري هو الله، يأتي إلى العالم؟ يفسر هو نفسه هذا بأنه “خرج” – هو بنفسه – ليس من محضر الآب (16: 28، 13: 3) أو من الشركة مع الآب (16: 27، 17: 8) بل من الآب نفسه (8: 42، 16: 30)، وهو يؤكد بذلك أن موضعه الأزلي هو صميم الكيان الإلهي، كما أنه يؤكد أقنوميته المتميزة مع الآب: “لو كان الله أباكم لكنتم تحبونني لأني خرجت من (قِبَل) الله وأتيت. لأني لم آت من نفسي بل ذاك أرسلني” (8: 42).

كما يقول أيضاً: “في ذلك اليوم تطلبون باسمي، ولست أقول لكم إني أسأل الآب من أجلكم لأن الآب نفسه يحبكم لأنكم قد أحببتموني وآمنتم أني من “عند”. الآب وقد أتيت إلى العالم” كما يقول أيضاً: “هم قبلوا وعلموا يقيناً أتي خرجت من عندك (من الشركة معك) وآمنوا أنك ارسلتني” ولا يتسع المجال للتوسع في شرح تعبير، تميزت به أحاديث الرب يسوع المسجلة في إنجيل يوحنا، وهو تعبير يقابلنا في كل صفحة من صفحات هذا الإنجيل.

ويجمع بين التصريح الواضح بوحدة الآب والابن في الجوهر، والتصريح الواضح أيضاَ بالتمييز بين الأقنومين تمييزاً لا يسمح بتبادل العواطف كالمحبة مثلاً (17: 24 مع 15: 9، 3: 35، 14: 31) فحسب، بل وتبادل الفعل ورد الفعل إلى أبعد الحدود، فنجد مثلاً أن من أبرز الحقائق في أحاديث الرب أنه يذكر مراراً بأن الله “قد أرسله” من ناحية، ومن الناحية الأخرى أنه “خرج من قِبَل الآب” (كما في يوحنا 8: 42، 10: 36، 17: 3، 5: 23).

وليس هذا قاصراً على إنجيل يوحنا فقط، بل يذكر أيضاً في الأناجيل الثلاثة الأخرى (كما في لو 4: 43، مرقس 1: 38، لو 9: 48، 10: 16، 4: 34، 5: 32، 7: 19، 19: 10).

 

ثاني عشر – الروح في أحاديث الرب يسوع في إنجيل يوحنا:

وهناك أمر بالغ الأهمية، وهو أن هذه الظاهرة، أي العلاقة المتبادلة، ليست قاصرة على الآب والابن فحسب، ولكنها تمتد أيضاً إلى الروح القدس. فمثلاً في حديث للرب أكد فيه كل التأكيد، وحدته الجوهرية مع الآب: “لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً، “الذي رآني فقد رأى الآب”، “أنا في الآب والآب فيَّ، الآب الحال فيِّ هو يعمل الأعمال” (يو 14: 7و 9و10)، في هذا الحديث نفسه.

نقرأ أيضاً: “وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر (وهنا تأكيد واضح على أنه أقنوم متمييز عن أقنوم الابن) ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق. لأنه ماكث معكم ويكون فيكم. لا أترككم يتامى. إني آتي إليكم.. في ذلك اليوم تعلمون أني أنا في أبي. إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي وإليه نأتي (أي الآب والابن كلاهما) وعنده نصنع منزلاً… بهذا كلمتكم وأنا عندكم. وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم” (يو 14: 16-26). وليس هناك كلام أوضح من هذا عن الأقانيم الثلاثة الذين هم في نفس الوقت “الله الواحد”. فهنا نرى الآب والابن والروح القدس متميزين كل منهم عن الآخر.

فالابن يطلب من الآب، والآب يستجيب للطلب ويرسل المعزي الآخر” (أي أنه غير الابن)، ويرسله باسم الابن، ومع ذلك لا تغيب وحدة هؤلاء الأقانيم الثلاثة، حتى إن مجيء “المعزي الآخر”، يذكر – بكل بساطة ووضوح – باعتباره مجيء الابن نفسه (الأعداد 18و19و20و21)، بل وفي الحقيقة باعتباره مجيء الآب والابن (عدد 23)، فنجد هنا المفهوم بأنه متى ذهب المسيح، فإن الروح القدس يأتي بدلاً منه، كما نجد أيضاً المفهوم بأنه عندما يأتي الروح القدس، يأتي المسيح فيه، وبمجيء المسيح يأتي الآب أيضاً.

فهناك تمييز بين الأقانيم الثلاثة، وهناك أيضاً وحدة بينهم. ونجد نفس الظاهرة في فصول أخرى، فنقرأ في يوحنا (15: 26): “ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند (الشركة مع) الآب ينبثق فهو يشهد لي”، وفي هذه الآية بالذات نرى بجلاء أن الروح متميز عن الابن، ومع ذلك فهو نظيره منذ الأزل مع (في شركة مع) الآب الذي منه ينبثق أو يخرج للقيام بدوره في عمل الخلاص، والذي سيرسله – في هذه المرحلة – ليس الآب بل الابن.

وتظهر هذه الصورة بأقوى تأكيد في فصل آخر يحدثنا عن عمل الروح بالارتباط مع الابن، مماثل لعمل الابن بالارتباط مع الآب (16: 5-15): “وأما الآن فانا ماض إلى الذي أرسلني…. لكني أقول لكم الحق إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم. ومتى جاء يبكت العالم …على بر فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضاً… إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن.

وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية. ذاك يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم. كل ما للآب هو لي. لهذا قلت إنه يأخذ مما لي ويخبركم”. وهنا نرى الابن يرسل الروح القدس لكي يواصل عمل الابن ويطبقه، فهو يأخذ ارساليته من الابن، وليس في ذلك انتقاص من قدر الآب، لأننا عندما نتكلم عن أمور الابن، فمعناه أننا نتكلم عن أمور الآب.

ولسنا نقول إن عقيدة الثالوث مذكورة بالتحديد في مثل هذه الفصول التي تتخلل كل نسيج أحاديث ربنا يسوع المسيح في إنجيل يوحنا، ولكنها بكل تأكيد تفترضها ضمناً، وهذا أفضل وأوقع من ناحية قوة الدليل، فكلما نقرأ، نجد أننا على اتصال مستمر بالثلاثة الأقانيم الذين يعملون كأقانيم متميزين، ومع ذلك فهم واحد بكل ما في هذه الكلمة من قوة وعمق، لأنه لا يوجد سوى “إله واحد” – وما في هذا من شك – ومع ذلك فالابن الذي أرسله الله إلى العالم، لا يمثل الله فحسب، لكنه هو الله.

والروح الذي أرسله الابن بدوره إلى العالم. وهو أيضاً الله نفسه. وليس هناك ما هو أوضح من أن الابن والروح القدس أقنومان متميزان، وأن ابن الله هو الله الابن، وروح الله هو الله الروح.

ثالث عشر – صيغة المعمودية:

إن أقرب التعبيرات إلى أن تكون صيغة رسمية لعقيدة الثالوث، هي الصيغة التي سجلها العهد الجديد من فم الرب نفسه، ونحن لا نجدها في إنجيل يوحنا، بل في أحد الأناجيل الثلاثة الأولى، وهي تأتي عرضا بالارتباط – أساساً – بشيء آخر غير وضع صيغة لعقيدة الثالوث، فقد جاءت ضمناً في إرسالية الرب للتلاميذ بعد القيامة، “كأمر بالمسير”، “إلى إنقضاء الدهر”، حيث قال لهم: “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (مت 28: 19).

وفي محاولة تقييم هذا التصريح العظيم، يجب أن نضع في أذهاننا، ما صاحب هذا النطق السامي من مهابة وجلال، مما يستلزم إضفاء بالغ التقدير لكل كلمة في العبارة التي تستلفت النظر. فهو لا يقول “بأسماء” (بالجمع) “الآب والابن والروح القدس”، أو ما يمكن أن يعادل ذلك: “باسم الآب، وباسم الابن، وباسم الروح القدس” وكأن الأمر يرتبط بثلاثة أشخاص منفصلين. كما أنه لم يقل: باسم الآب وابن وروح قدس” وكأن الألفاظ الثلاثة ألقاب لشخص واحد، ولكن بكل قوة وجلال يؤكد وحدة الثلاثة بربطهم داخل حدود “اسم واحد”، ثم يؤكد أيضاً تميز كل منهم بذكر كل منهم بأداة التعريف “الـ”، “باسم الآب والابن والروح القدس”.

فالآب والابن والروح القدس ثلاثة أقانيم متميزون، وهؤلاء الثلاثة الآب والابن والروح القدس يتحدون في معنى سامٍ عميق في “الاسم الواحد”. ولكي ندرك ما يتضمنه هذا الأسلوب من الكلام، يجب أن نضع في أذهاننا أهمية كلمة “اسم” وما ارتبط بها من معان في أذهان من وجهت لهم هذه الارسالية، لأن الشخص العبراني لم يكن يفهم من كلمة “اسم” – كما نفهم نحن – على أنه مجرد رمز خارجي، بل أنه بالحري تعبير وافٍ عن أعماق كيان صاحبه.

فكلمة “باسمه” تعبير عن كل كيان الله، واسم الله – “هذا الاسم الجليل المرهوب الرب إلهك” (تث 28: 58) – كان في الدرجة القصوى من القداسة، لأنه كان يعني الله نفسه، فلا غرابة أن نقرأ : “هو ذا اسم الرب يأتي” (إش 3: 27)، بل والأكثر من ذلك: “فيخافون من المغرب اسم الرب، ومن مشرق الشمس مجده، عندما يأتي … كنهر فنفخة الرب تدفعه” (إش 59: 19). كل هذه المعاني كان يتضمنها الاسم، حتى إن للفظ وحده بدون أي إضافة، كان يكفي كتعبير كافٍ عن جلال الله، فكان من أشنع الخطايا “التجديف على الاسم” (لا 24: 11).

وكل الذين دعي “اسم يهوه” عليهم كانوا له، ملكه وهو المتكفل بحمايتهم، ولأجل اسمه، صرخ شعب يهوذا المتألم إلى رجاء إسرائيل مخلصه في وقت الضيق: “وأنت في وسطنا يا رب وقد دعينا باسمك. لا تتركنا” (ارميا 14: 9). وقد وجد شعبه أن أفضل تعبير عن خزيهم العميق هو في تلك المرثاة: ” قد كنا منذ زمان كالذين لم تحكم عليهم ولم يدعَ عليهم باسمك” (إش 63: 19)، بينما يجدون أعظم تعبير عن الفرح في هتافهم: “لأني دعيت باسمك يا رب اله الجنود” (ارميا 15: 16 انظر 2أخ 7: 14، دانيال 9: 18و19).

لذلك عندما يأمر الرب تلاميذه بتعميد من تلمذوهم له: “باسم…” كان يستخدم لغة لها عندهم معناها السامي العميق، فلم يكن ممكناً أن يفهموا إلا أنه كان يستبدل “اسم يهوه” بهذا الاسم الجديد: “اسم الآب والابن والروح القدس”، ولم يكن يعني عند التلاميذ إلا أن “يهوه” يجب أن يعرف عندهم بالاسم الجديد، “اسم الآب والابن والروح القدس”، وإلا كان معنى ذلك أن يسوع كان يضع مكان يهوه إلهاً جديداً للمجتمع الذي كان يؤسسه، ويكون هذا شيئاً مهولاً جداً.

فلا يمكن إذاً أن يكون هناك مفهوم آخر غير أن يسوع كان يعطي لمجتمعه اسماً جديداً ليهوه، وأن هذا الاسم الجديد هو الاسم الثلاثي “اسم الآب والابن والروح القدس” كما لا يوجد أدنى شك في أن المقصود من “الابن” في هذا الاسم الثلاثي هو يسوع نفسه مع كل ما يتضمنه ذلك من تمييز الأقانيم الثلاثة، فهو يعلن بكل جلاء أن يهوه إله اسرائيل، هو الله المثلث الأقانيم، لذلك كانت هذه الصيغة تقريراً واضحاً لعقيدة الثالوث، ونحن لا نجد هنا ميلاد عقيدة الثالوث، بل نراها أمراً مقرراً ضمناً، ولكننا نرى هنا الاعلان القاطع بأن الله مثلث الأقانيم، فهذا ما يقرره مؤسس المسيحية بكل مهابة وجلال.

لقد عبد اسرائيل الإله الواحد الحقيقي باسم “يهوه”، أما المسيحيون فإنهم يعبدون نفس الإله الواحد الحي الحقيقي باسم “اسم الآب والابن والروح القدس”، وهذا هو ما يميز المسيحية، وهو يعني أن عقيدة الثالوث – حسب مفهوم الرب نفسه – هي العلامة المميزة للديانة التي أسسها.

 

رابع عشر – أصالة صيغة المعمودية:

إن حقيقة لها مثل هذه الأهمية البالغة، لم يكن ممكناً أن تنجو من النقد والتحدي. فثمة محاولة – أقل ما توصف به أنها محاولة طائشة – لاستبعاد هذه العبارة من إنجيل متى. ولكن كل الأدلة الخارجية تنقض هذه المحاولة، كما أن الأدلة الداخلية ليست بأقل جزماً في ذلك.

فعندما يعترضون على أصالتها بحجة “شمولية” العبارة “وصبغتها الكنسية” “ولاهوتها العالي”، فإنهم ينسون أن يسوع – في إنجيل متى – لا تنسب إليه أمثال الخميرة وحبة الخردل فحسب، بل تنسب إليه أيضاً تصريحات مثل تلك الواردة في مت 8: 11و12، 21: 43، 24: 14، وأن هذا الإنجيل، وهو وحده الذي يسجل ذكر يسوع لكنيسته (16: 18، 18: 17) وأنه بعد التصريح العظيم (مت 11: 27- 30) لا يستعصي نسبة شيء – مهما عظم – إليه، فعندما يعترضون على أصالة هذه العبارة وصدورها من فم يسوع نفسه، فالواضح أنهم يفكرون في يسوع آخر غير يسوع الأناجيل.

فهذا التصريح الذي يسجله متى (28: 19) ينسجم كل الانسجام مع يسوع الذي يقدمه انجيل متى كما سبق القول، بل وينسجم تماماً أيضاً مع كل العهد الجديد. ويكفينا هنا أن نقول إن تاريخية هذه العبارة التي يهاجمونها، يؤيدها ارتباطها التاريخي بباقي الأقوال، فليس يسوع وحده هو الذي يتكلم بمفهوم ثلاثي بل كل كتّاب العهد الجديد يفعلون نفس الشيء، فإنَّ تمسك كل أتباعه كل هذا التمسك بهذه العقيدة، يستلزم افتراض أن هذا التعليم – الذي ينسب هنا للرب يسوع – قد ورد حقيقة في أمره لأتباعه.

وأمام كل هذا، ليس من المعقول أن نشك في صدوره منه بينما الإنجيل ينسبه إليه بكل جلاء وتوكيد.

 

خامس عشر – الثالوث عند بولس:

عندما ننتقل من أحاديث يسوع، إلى كتابات أتباعه لنرى كيف أن العقيدة تتخلل كل النسيج، فمن الطبيعي أن نرجع إلى رسائل بولس، وهي تستلفت النظر بكثرتها، وبالدليل القاطع الذي لا لبس فيه على أنها كتبت في أثناء الجيل الذي عاصر موت الرب وقيامته، مما يضاعف من أهميتها كشاهد تاريخي، وهي – في الحقيقة – تتضمن كل ما يثري الشهادة لمفهوم الله المثلث الأقانيم الذي يتخلل كل نسيجها. ففي جميع الرسائل من تسالونيكي الأولى – التي كتبت حوالي 52 م – إلى الرسالة الثانية إلى تيموثاوس – التي كتبت حوالي 68 م – نجد أن الفداء الذي هو

الموضوع الأساسي الذي تريد إعلانه وتوكيده مع كل البركات التي يتضمنها أو التي ترتبط به، إنما ترجع جميعاً – على الدوام – إلى الله المثلث الأقانيم، فعلى كل موضع من صفحاتها، يظهر أمامنا الله الآب والرب يسوع المسيح والروح القدس، والغرض الوحيد لكل عبادة، والمصدر الواحد الوحيد لكي الأمور.

وبالنسبة للبساطة واليسر في ذكر هذه التلميحات إلى هذه العقيدة، قد نجد في بعض المواضع أن أحد الأقانيم يبرز أكثر من الآخرين، أو يبرز اثنان منهم في توجيه الشكر أو الصلاة، ولكن ليس من النادر أن يذكر الأقانيم الثلاثة معاُ، عندما يحاول أن يعبر عن مديونيته “لإله كل نعمة” أو للتعبير عن شوقه أو شوق قرائه إلى شركة أعمق مع إله كل نعمة.

فالمألوف عنده أن يبدأ رسائله بصلاة طالباً “النعمة والسلام” لقرائه من “الله أبينا والرب يسوع المسيح” كالمصدر الوحيد لكل البركات السماوية (رومية 1: 7، 1كو 1: 3، 2كو 1:2، غل 1: 3، أف 1: 2، في 1: 2، 1تس 1: 1، 2 تس 1: 2، 1تي 1: 2، 2 تي 1: 2، فيليمون 3).

وليس مما يعتبر خروجاً على هذه القاعدة – في حقيقة الأمر – بل مما ينسجم مع نفس الفكر عندما يذكر الروح القدس معهما كما في الرسالة الثانية إلى كورنثوس (13: 14). فهو يذكر أيضاً في الصلاة الختامية لطلب النعمة الذي يختم به بولس رسائله والذي يأخذ عادة هذه الصيغة البسيطة: “نعمة ربنا يسوع المسيح معكم” (رومية 16: 20، 1كو 16: 23، غل 6:18، في 4: 23، 1تس 5: 28، 2تس 3: 18، فيليمون 25). وبصيغة موسعة كما في “من الله الآب والرب يسوع المسيح” (أف 6: 23و24).

أو بصيغة موجزة كما في “النعمة معكم” (كو 4: 18، 1تي 6: 22، 2تي 4: 22، تي 3: 15). وبين الافتتاحية والخاتمة، نجده يذكر باستمرار الله الآب والرب يسوع المسيح والروح القدس، إما تصريحاً – وهو الغالب – أو تلميحاً.

إن الرسول بولس يؤكد بشدة على وحدانية الله، فالأساس الأول لفكره كله هو وحدانية الله (رو 3: 30، 1كو 8: 4، غل 3: 20، إف 4: 6، اتي 2: 5، مع رومية 6: 27، اتي 1: 17). ولكن لم يكن الله الآب – بالنسبة له – أكثر ألوهية من الرب يسوع المسيح أو الروح القدس. فالروح القدس بالنسبة لله، كروح الإنسان بالنسبة للإنسان (اكو 2: 11)، وعليه، إذا كان روح الله ساكناً فينا، فمعنى ذلك أن الله يسكن فينا (رومية 8: 10و11).

ونحن – بناء على هذه الحقيقة – هياكل لله (اكو 3: 16). وقد استخدم أقوى التعبيرات لتأكيد ألوهية المسيح، فهو “الله العظيم” (تي 2: 13)، وهو “الكائن على الكل إلهاً مباركاً” (رو 9: 5). بل يقول بكل جلاء إنه “فيه يحل كل ملء اللاهوت” أي أنه يوجد فيه “كل ما في اللاهوت”. وفي كل مرة يؤكد فيها على وحدانية الله، فإنه يعتبر “الرب يسوع المسيح” في هذا “اللاهوت الفريد”، فهو يؤكد أنه “ليس إله آخر إلى واحداً” ثم يثبت هذا التوكيد بأنه قد يوجد عند الوثنيين آلهة كثيرون وأرباب كثيرون “ولكن لنا إله واحد، الآب الذي منه جميع الأشياء

ونحن له، ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به” (اكو 8: 4و5و6). ومن الواضح أن هذا “الإله الواحد، الآب” “والرب الواحد يسوع المسيح” يجتمعان في الله الواحد” الذي ليس إله آخر غيره. فمفهوم بولس عن الله الواحد الذي يعبده، يتضمن – بعبارة أخرى – أنه داخل كيان الله الواحد، يوجد ثلاثة أقانيم متميزون في “الله الواحد الآب”، “والرب الواحد يسوع المسيح”.

 

سادس عشر – الجمع بين الثلاثة في كتابات بولس:

في كل كتابات الرسول بولس العديدة من أولى رسائله (1تس 1: 2-5، 2تس 2: 13و14) إلى آخر رسائله (تي 3: 4-6، 2تي 1: 3و13و14) يستحضر أمامنا الأقانيم الثلاثة: الله الآب والرب يسوع المسيح والروح القدس – بطريقة لا افتعال فيها – كالمصدر الوحيد لكل بركات الخلاص التي للمؤمنين بالمسيح. ونجد سلسلة مثالية لذلك في الرسالة إلى أفسس (2: 18، 3:2-5و14و17، 4: 4-6، 6: 18-20).

ولكن لعل أعظم مثال هو ما نجده في الرسالتين إلى أهل كورنثوس حيث يتكلم بولس عن المواهب الروحية الموجودة والتي بارك الله بها الكنيسة (1كو 12: 4-6) من ثلاثة جوانب، يربط بينها وبين الأقانيم الثلاثة: “فأنواع مواهب موجودة ولكن الروح واحد. وأنواع خدم موجودة ولكن الرب واحد. وأنواع أعمال موجودة ولكن الله واحد الذي يعمل الكل في الكل”. وقد يظن البعض أن هناك نوعاُ من الافتعال في اعتبار المواهب عطايا من الروح القدس، وأنها خدمات للمسيح، وأعمال لله، ولكنها بهذه الصورة تعلن بصورة مذهلة، الأقانيم الثلاثة.

فبولس يكتب ذلك، ليس لأن المواهب والخدم والأعمال تبدو أمام فكره كأشياء عظيمة متنوعة، بل لأن الله والرب والروح يشغلون فكره باستمرار، كالعلة المثلثة وراء كل إظهار للنعمة. وهنا نرى تلميحاً للثالوث أكثر منه تصريحاً، ولكنه تلميح يثبت أن عقيدة الثالوث تشكل أساس كل فكر بولس عن الله، إله الفداء. ولعل الأعمق من ذلك ما جاء في كورنثوس الثانية (13: 14) والتي أصبحت تستخدم في الكنائس وتسمى البركة الرسولية: “نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم”.

وهنا يجمع بين بركات الفداء العظمى الثلاث، ويربط كلا منها بأقنوم من أقانيم اللاهوت الثلاثة. ولسنا نجد هنا أيضاً صياغة رسمية لعقيدة الثالوث القدوس ، ولكنه مثال آخر لورود هذا المفهوم – عن الله المثلث الأقانيم – في سياق الحديث.

فبولس هنا يتكلم عن المصدر الإلهي لهذه البركات العظمى، ولكنه كأمر مألوف عنده – يفكر في المصدر الإلهي لبركات الفداء بأسلوب ثلاثي، فهو لا يقول – كما كان يحتمل أن يقول “نعمة ومحبة وشركة الله تكون معكم” بل “نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس، مع جميعكم” وهكذا يقدّم شهادة قوية – والأرجح أنه لم يقصد إلى ذلك، ولكن بكل وضوح – على أن الله مثلث الأقانيم.

 

سابع عشر – الثالوث عند سائر كتّاب العهد الجديد:

يتكرر مفهوم بولس عن الثالوث القدوس في سائر كتابات العهد الجديد، ففي كل هذه الكتابات نجد هذا المفهوم بأن كل أعمال الله في الفداء، ترجع إلى مصدر ثلاثي: الله الآب والرب يسوع المسيح والروح القدس. ويبرز هؤلاء الأقانيم الثلاثة معاً مراراً وتكراراً تعبيراً عن الرجاء المسيحي وموضوع تعبد المسيحيين (مثلاً عب 2: 3و4، 6: 4- 6، 10: 29- 31، 1بط 1:2، 2: 3- 12، 4: 13- 19، 1يو 5: 4- 8، يهوذا 20و21، رؤ 1: 4- 6).

ولعل خير مثال لذلك: “بمقتضى علم الله السابق في تقديس الروح للطاعة ورش دم يسوع المسيح” (1بط 1: 2)، “مصلين في الروح القدس، واحفظوا أنفسكم في محبة الله منتظرين رحمة ربنا يسوع المسيح للحياة الأبدية” (يهوذا 20و21)، ويمكن أن نضيف إلى هذين، العبارة النموذجية الواردة في رؤيا يوحنا: “نعمة لكم وسلام من الكائن والذي كان والذي يأتي ومن السبعة الأرواح التي أمام عرشه، ومن يسوع المسيح الشاهد الأمين البكر من الأموات ورئيس ملوك الأرض” (رؤ 1: 4و5).

ومن الواضح الجلي أن هؤلاء الكتاب يكتبون عن عقيدة ثابتة بالثالوث القدوس ويقدمون شهادتهم للمفهوم الشامل الذي كان سائداً في الدوائر الرسولية. فكان الجميع في كل مكان يعلمون أن الله الواحد الذي يعبده المسيحيون، والذي منه وحده نالوا الفداء وكل ما أتى به الفداء معه من بركات، كان في وحدانيته: ” الله الآب والرب يسوع المسيح والروح القدس” وأن هذا لا يقلل من وحدانيته. كما فهموا أن لكل أقنوم عمله بالنسبة للآخرين.

هذه هي الشهادة المضطردة المنتشرة في كل العهد الجديد. ومما يزيد في قوتها أنها تأتي بصورة طبيعية بسيطة لا افتعال فيها. وسواء كانت النظرة إلى الله في ذاته أو في أعماله، فإن المفهوم هو نفسه في كل حال.

 

ثامن عشر – اختلاف في التسمية:

لا يمكن أن تفوت القارئ ملاحظة أن عبارات التثليث التي استخدمها بولس وغيره من كتّاب العهد الجديد، ليست هي بالنص العبارات المسجلة في أحاديث الرب نفسه في الأناجيل (ماعدا إنجيل يوحنا) فبولس وغيره من كتّاب العهد الجديد لا يذكرون نفس العبارة التي كان يستخدمها الرب أي “الآب والابن والروح القدس” بل ذكروا: “الله والرب يسوع والروح القدس”، وهذا الاختلاف في التسمية له ما يبرره إلى أبعد حد في اختلاف العلاقة بين المتكلم وأقانيم الثالوث القدوس .

فلم يكن الرب ليتكلم عن نفسه كواحد من الأقانيم بكلمة “الرب” بينما كانت كلمة “الابن” – التي كانت تعبر بدقة عن معرفته بالعلاقة بالوثيقة بل وبمعادلته الكاملة بالله – تجري على فمه في سهولة ويسر. ولكن “الابن: كان هو “الرب” لبولس، وكان من الطبيعي أن يفكر فيه بولس وأن يتحدث عنه هكذا.

بل لقد كانت كلمة “الرب” من أحب الكلمات لبولس وصفاً للمسيح، حتى لقد أصبحت عنده اسم علم للمسيح، بل بالحري الاسم الإلهي للمسيح، فكان من الطبيعي أن يستخدمه في حديثه عن الثالوث القدوس ، فهو يذكر الأقانيم الثلاثة من حيث علاقته بهم، وليس من حيث علاقتهم بعضهم ببعض. فبولس يرى في الثالوث القدوس إلهه وربه والروح القدس الذي يسكن فيه. وعلى هذا الأساس يذكرهم على هذه الصورة دائماً.

ومن الملفت للنظر أيضاً أن كتَّاب رسائل العهد الجديد، لا يلتزمون دائماً بنفس الترتيب الذي استخدمه الرب في إرساليته العظمية (مت 28: 19)، بل يختلف الترتيب من موضع لآخر، بل قد نجد ترتيباً عكسياُ (اكو 12: 4-6، أف 4: 4-6). وقد يكون ذلك ترتيباً إقتضاه الكلام، ولكنه – مع ذلك – يتفق مع الترتيب الذي ذكره الرب (مت 28: 19). ولكن كثيراً ما يختلف الترتيب بين الأقانيم الثلاثة، ففي كورنثوس الثانية (13: 14) نجد الترتيب “الرب، الله، الروح “، مما يدل على أن ترتيب الأقانيم لم يكن وارداً كأمر جوهري في العقيدة.

 

تاسع عشر – مضمون “ابن” و “روح”:

هذه الحقائق لها أهميتها في شهادة العهد الجديد للعلاقة المتبادلة بين أقانيم الثالوث. فحقيقة الثالوث القدوس – أي وجود ثلاثة أقانيم في وحدانية الله، لكل منهم عمله الخاص به في إتمام الخلاص – حقيقة يشهد بها العهد الجديد بكل وضوح وشمول وإصرار وجزم. وهذه الشهادة تتضمن أيضاً الجزم بأن الأقانيم الثلاثة متساوون في اللاهوت، وأن الاسم الذي يطلق على كل منهم هو “الاسم الذي فوق كل اسم”. وإذا حاولنا الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك لمعرفة فكر كتَّاب العهد الجديد عن الأقانيم الثلاثة، فستواجهنا صعاب هائلة.

وقد يبدو من المنطقي أن نفترض أن العلاقات المتبادلة بين الأقانيم معلنة في الألقاب “الآب والابن والروح القدس” ذكرها الرب في إنجيل متى (28: 19)، ولكن ثقتنا في هذا الافتراض تهتز بعض الشيء عندما نلاحظ – كما أسلفنا – أن كتَّاب العهد الجديد لا يراعون ذكر نفس هذه الألقاب في إشاراتهم إلى الثالوث القدوس ، ولكنها تقتصر على أحاديث الرب وإشارات الرسول يوحنا التي تشبه إلى حد بعيد أقوال الرب.

فقد يكون من الطبيعي أن نرى في التعبير “الابن” تلميحاً إلى التبعية والاشتقاق. وقد لا يكون من العسير أيضاً تطبيق نفس المفهوم على التعبير “الروح”، ولكن من المؤكد غاية التأكيد أن هذا لم يكن مدلول هذه التعبيرات في الفكر السامي الذي يكمن وراء لغة الكتاب المقدس.

إن مفهوم البنوية في لغة الكتاب هو “المشابهة” فكما يكون الآب هكذا “الابن” أيضاً، فإطلاق لفظة “الابن” على أحد أقانيم الثالوث القدوس إنما يؤكد مساواته للآب وليس تبعيته للآب، ووصفه “بالابن الوحيد” (يو 1: 14و18، 3: 16-18، 1يو 4: 9) إنما ليؤكد – ليس الإشتقاق – بل التفرد أو الذي بلا نظير (مز 22: 20، 25: 16، 35: 17). وكذلك عبارة “بكر كل خليقة” (كو 1: 15) لا تحمل معنى بدء الوجود، يل بالحري تؤكد سبق الوجود.

ونفس الأمر مع التعبير “روح الله” أو “روح الرب”، الذي نلتقي به كثيراً في العهد القديم، فهو لا يحمل أي معنى من الإشتقاق أو التبعية، ولكنه يعني “الله” من وجهة نظر نشاطاته. وليس ثمة ما يجعلنا نفترض أن التعبير قد تغيرت دلالته بالانتقال من العهد القديم إلى العهد الجديد. علاوة على ذلك فإننا نجد في العهد الجديد ما يكاد يكون تعريفاً محدداً لكلمتي “ابن” و”روح”، وفي كلتا الحالتين نجد أن التركيز ينصب على المساواة أو المماثلة، فنقرأ في إنجيل يوحنا: ” فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه.

لأنه لم ينقض السبت فقط، بل قال أيضاً إنَّ الله أبوه معادلاً نفسه بالله” (5: 18). ويسوع وحده هو الذي له الحق في أن يقول إن “الله أبوه” ليس بالمعنى المجازي كما قيل عن إسرائيل إنه ابن الله البكر، بل بالمعنى المباشر الحقيقي. وكان معنى هذا أنه مثل الله تماماً، أي “معادل الله، لأن من من الناس يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه، هكذا أيضاً أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله” (اكو 10و11).

وهنا يبدو الروح أنه هو العامل في معرفة الله لذاته، أو بعبارة أخرى أنه هو الله نفسه بكل عمق جوهر كيانه، فكما أن روح الإنسان هو مقر الحياة البشرية، فهو ذات حياة الإنسان، وهكذا روح الله هو جوهر حياته، فكيف يمكن افتراض أنه أقل من الله. فإذا استقر مفهوم هذا الاستخدام لكلمتي “الابن” و”الروح”، فإننا نرى أنه ليس في العهد الجديد ما يدل على عدم المساواة بين الأقانيم الثلاثة.

 

العشرين – مسألة التبعية والخضوع:

لا شك في أنه فيما يتعلق بعمل كل أقنوم من الأقانيم في عملية الفداء، أو في الدائرة الأوسع، دائرة معاملات الله مع العالم، نلمح نوعاً من التبعية، فكل ما يعمله الآب، إنما يعمله من خلال الابن بالروح القدس (رومية 2: 16،3: 22، 5: 1، 11، 17، 21، إف 1: 5، 1تس 5: 9، تي 3: 5). والابن قد أرسله الآب وكل مشيئة الآب يتمم (يو 6: 38). والروح القدس قد أرسله الابن، وهو لا يتكلم من نفسه بل يأخذ مما للمسيح ويخبر التلاميذ (يو 16: 7-14). ويقول الرب نفسه: “إنه ليس … رسول أعظم من مرسله” (يو 13: 28).

بل ويعلن صراحة: “أبي أعظم مني” (يو 14: 28). ويقول الرسول بولس إن “المسيح لله” كما أننا نحن للمسيح (1كو 3: 23). لكن كل هذا نجد له تفسيراً فيما قام به المسيح في عمل الفداء. ولابد أن نضع في اعتبارنا أن علاقة التبعية التي نلمحها هنا في العمل، قد لا تكون سوى نتيجة عهد أو اتفاق بين الأقانيم الثلاثة، وبه تولى كل أقنوم عملاً معيناً في الفداء، كما أن هناك حقيقة تجسد المسيح حيث أخذ “الابن” طبيعة البشر، وبذلك دخل في علاقات جديد مع الآب لها صبغة التبعية.

ومع أنه لا شك في أنه في مواضع كثيرة حيث يذكر “الآب” و”الابن”، يمكن حمل ذلك على علاقات تدبيرية، لكن من المؤكد أن “الآب” و”الابن” تدلان أيضاً على علاقة أبدية، ولكنهما لا تدلان مطلقاً على “الأول” أي الأسمى، و “الثاني” أي الأدنى فيما يتعلق بالجوهر. وإن حقيقة اتضاع ابن الله لإتمام عمل الفداء على الأرض، لتضيف عنصراً جديداً في تفسير الفصول التي تشير إلى خضوعه وطاعته للآب.

ويجب أن ندرك أنه في ضوء تعاليم العهد الجديد العظيمة عن عهد الفداء من ناحية، وعن اتضاع ابن الله لكي يتمم عمله على الأرض، والطبيعتين اللتين أصبحتا للمسيح بالتجسد من الناحية الأخرى، تزول الصعوبة في تفسير تلك الفصول التي فيها إشارة للتبعية. ففي ضوء هذه الحقائق، يصبح من غير المنطقي التركيز على تلك الفصول، وبخاصة أن المساواة الكاملة بين الأقانيم تتخلل وتتأكد في كل نسيج العهد الجديد.

 

الحادي والعشرين – الشهادة للمفهوم المسيحي:

وهكذا نجد أن حقيقة الأقانيم الثلاثة في اللاهوت التي أعلنت في التجسد وعمل الله الابن في الفداء، وحلول الله الروح وعمله المخلِّص، حقيقة واضحة في العهد الجديد، وتتلألأ على كل صفحاته. وحيث أن جذور إعلانها توجد في عملية الفداء، فمن الطبيعي أن نجد صداها في وعي كل فرد قد اختبر هذا الخلاص.

فكل نفس قد تمتعت بالفداء، تعلم أنها قد صولحت مع الله بابنه وأنه قد أحياها بروحه، وترجع إلى الآب والابن والروح القدس بكل إجلال وإقرار بالفضل، هاتفة من الأعماق: “ربي وإلهي”، وإن كان يعسر عليها إدراك عقيدة الثالوث القدوس من اختبارها للخلاص، فإن عناصر اختبارها للخلاص لا يمكن فهمها وتفسيرها إلا بتعليم الثالوث القدوس، الذي تجده متضمناً في كل تعليم الكتاب بخصوص عمل الفداء، ويضفي عليه دلالة واتساقاً.

فبواسطة هذا التعليم يمكن للمؤمن أن يرى بكل وضوح علاقته المثلثة بالله الذي اختبر خلاصه، كالمحبة الأبوية في إرسال الفادي وكالمحبة الفادية في إتمام عمل الفداء، وكالمحبة المخلّصة في العمل في قلب الإنسان لقبول الفداء. وكل هذه الجوانب مع اختلاف الأساليب وتميز الأدوار، إنما هي من محبة الله الواحد، التي تفتش على الإنسان وتخلصه بناء على عمل الفداء.

وبدون عقيدة الثالوث القدوس ، يعتري الارتباك حياته المسيحية الواعية ويحيط بها الغموض والتشويش، ويضفي عليها جواً من الوهم أو الخيالية، ولكن بتعليم الثالوث القدوسيتحقق الاتساق والواقع والحقيقة في كل نواحيها. وعليه فإن عقيدة الثالوث القدوس وعقيدة الفداء تقومان – تاريخياً – معاُ أو تسقطان معاً.

ويقول “أ. كوينج”: ” لقد عرفت أن الكثيرين لا ينكرون كل تاريخ الفداء، إلا لسبب واحد، وذلك لأنهم لم يصلوا إلى مفهوم الله المثلث الأقانيم”. وهذا الارتباط الوثيق بين عقيدتي الثالوث القدوس والفداء، هو الذي جعل الكنيسة لا تستريح إلا بعد أن وصلت إلى صياغة عقيدة الثالوث القدوس في عبارة محددة متقنة، إذ ليس ثمة أساس راسخ آخر لاختبار الخلاص المسيحي. لقد ظل قلب الإنسان قلقاً مضطرباً إلى أن وجد راحته في الله المثلث الأقانيم رئيس الخلاص ومكمله والعامل في قلب الإنسان لقبوله.

 

الثاني والعشرين – صياغة العقيدة:

لقد كان الحافز القوي لصياغة عقيدة الثالوث القدوس، هو اقتناع الكنيسة المطلق الراسخ بألوهية المسيح الكاملة، التي هي محور كل المفهوم المسيحي عن الله منذ نشأة المسيحية، وكان المبدأ الهادي في صياغة العقيدة، هو صيغة المعمودية كما أعلنها الرب يسوع نفسه (مت 28: 19) فقد كان هذا الإعلان هو أساس إجراء المعمودية و”قوانين الإيمان” التي بدأت صياغتها في كل الكنيسة.

فكان هذان المبدآن الأساسيان: ألوهية المسيح الحقيقية، وصيغة المعمودية، هما المرجع والمحك في كل محاولات صياغة العقيدة المسيحية عن الله، وعلى أساسهما أمكن أن يكون للكنيسة صيغة محددة يتحقق فيها كل ما يتعلق بإعلان الفداء كما يستعرضه العهد الجديد، كما تتحقق فيها مطالب القلب المسيحي في اختباره للخلاص.

وبطبيعة الحال، كان الوصول إلى صياغة العقيدة بطيئاً، فقد كان للعقائد الموروثة وللفلسفات السائدة أثرها في محاولات وضع صياغة محددة للتعبير عن هذا الحق الجوهري من الإيمان المسيحي. وكانت الكنيسة تهتدي في كل المواقف بصيغة المعمودية” (مت 28: 19)، وجعلت منها أساساً “لقانون الإيمان”. وكان لترتليان أكبر الأثر – بقوة حواره – في التعبير عن عقيدة الثالوث القدوس بصيغة قوية محددة. ولعله هو أول من استخدم كلمة “الثالوث”.

وفي منتصف القرن الثالث ظهرت بدعة سابليوس الذي زعم أن “الآب والابن والروح القدس” هي ألقاب مختلفة للكائن الإلهي الواحد في مظاهر نشاطه المتنوعة، فهو مرة الآب، ومرة الابن، مرة الروح القدس. وأعقب ذلك ظهور بدعة أريوس الذي زعم أن الابن مخلوق، وإن كان أسمى من كل المخلوقات لآنه هو خالقها وربها.

وكان هذا سبباً في عقد مجمع نيقية  في 325م حيث برز “أثناسيوس” واستطاع بقوة منطقه وغيرته المتقدة، ومعه الأبطال الكبدوكيون الثلاثة (الغريغوريان وباسيليوس) – أن يدحض كل هذه البدع، فيقر المجمع العقيدة الصحيحة:

“نؤمن بإله واحد آب ضابط الكل خالق كل الأشياء ما يرى، وما لا يرى، وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله المولود من الآب، المولود الوحيد، من جوهر الآب، إله من إله نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساو للآب في الجوهر الذي به كان كل شيء في السماء وعلى الأرض، الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل وتجسد وتأنس وتألم وقام أيضاً في اليوم الثالث وصعد إلى السماء، وسيأتي ليدين الأحياء والأموات، وبالروح القدس….”

وقد قبلت كل الكنيسة هذه الصيغة. وبعد نحو قرن من مجمع نيقية، تبلور قانون الإيمان على يد أوغسطينوس وأصبح القانون الفعلي لكل الكنيسة إلى هذا اليوم. وقد احتاج الأمر – بين الحين والآخر – إلى إعادة التأكيد على المساواة التامة بين الأقانيم، وكان لجون كلفن في القرن السادس عشر دور هام في تأكيد هذا الحق.

الثالوث القدوس – دراسة دائرة المعارف الكتابية

Exit mobile version