المسيحية لا تطلب إيمانًا أعمى، بل أن التعقل ومعرفة الله بالحق متأصل في جذور الإيمان المسيحي، فمنذ العهد القديم والرب يدعو الشعب لأن يتعقلوا طرقهم ويعرفوا إيمانهم، قائلاً:
ولذلك نجد ربنا يسوع قد حضّنا على المعرفة، إذ يقول: “وتعرفون الحق والحق يُحرركم” (يو8: 32)، وأيضًا الوصية الكتابية القديمة التي قالها يسوع كالوصية الأولى والعُظمى لنوال الخلاص، وهي: “تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك” (مت22: 37)، ويشيد بالمؤمن المُتعلم: “كُلُّ كَاتِبٍ مُتَعَلِّمٍ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ يُشْبِهُ رَجُلاً رَبَّ بَيْتٍ يُخْرِجُ مِنْ كَنْزِهِ جُدُدًا وَعُتَقَاءَ” (مت13: 52)
ويتحدث الكتاب عن أهل بيرية الذين لم يقبلوا الرسالة اعتباطًا، بل فحصوا الكتب كل يوم ليتأكدوا من صحة إيمانهم، وقد وصف عملهم هذا بالعمل الشريف (أع17: 11)، ويكتب بولس: “لأنني عالمٌ بمن أمنت” (2تي1: 12)، وفي موضع آخر يوصي بولس تلميذه تيموثاوس قائلاً: “أعكف على القراءة” (1تي4: 13).
إنَّ الله منحنا ما نسمّيه العقل، ونحن نستخدم هذا العقل لحلّ مسائل الرياضة والعلوم واللغات والتجارة والعمارة وحلّ مشكلات الحياة. نستخدمه في كلّ المجالات، ولكن، حين نصل إلى المستوى الإيمانيّ، نجد من يقول: “قف، لا تستخدم عقلك، إنّ في استخدامه خطرًا”. لماذا؟ هل هُناك تناقض بين الإيمان الذي يأتي من الله، والعقل الذي هو أيضًا من الله؟ هل نعتبر الإنسان الذي يتساءل حول إيمانه مُخطئًا؟ أقـول: لا، وليس مسموحًا فقط أن يستخدم العقل في مجال الإيمان والدين، بلّ إنَّ ذلك واجب ضروريّ وحتمي.[2] كما قال العالم الشهير جاليليو قُبيل مُحاكمته:
“أني لا أشعر بأني مضطر إلى الإيمان بأن الله الذي أمدنا بالإحساس والعقل والفكر، قصد بنا أن نضيع فرصة استخدامهما والانتفاع بها”.[3]
يُعتبر الاتساع الفكري الذي يتميز به الإيمان المسيحي من أعظم نقاط قوته، ويمكن استخدامه بكل قوة في الدفاعيات.[4] فالاهتداء إلى الإيمان يشبه الخروج من عالم “أليس في بلاد العجائب”، حيث يبدو كل شيء كاريكاتيريًا وعبثيًا، والدخول إلى العالم الحقيقي الذي صنعه الله، ثم تبدأ بعد ذلك رحلةٌ بهيجة لا نهائية لاستكشاف هذا العالم.[5]
لذا نجد القديس كيرلس السكندري يكتب:
“ما أعجب إيمان الرسل القديسين، وما أقوى طريقة اعترافهم، وما أحب وأحكم فهمهم.
لأنهم ليسوا مثل بعض الجهلاء، أو مثل الذين اعتادوا ان يصفوا كلمة المخلص بأنها صعبة، فرجعوا الى الخلف وسقطوا، بل بكامل يقينهم قبلاً، قد دعوا الى الايمان، وهم مقتنعون بالحق أن معلمهم كان مملوءًا بالكلمات المحيية، وأنه هو مُعلم التعاليم السماوية. ومثل هذا الإيمان لهو إيمان وطيد الثبات، أمَّا الإيمان الذي ليس كذلك، فمن السهل رفضه بازدراء، إذ لا أصل ثابت له، وسرعان ما ينمحي من ذهن الإنسان…
لهذا وفي يقين الإيمان الكامل يقول التلاميذ الحكماء جدًا إنهم يعرفون ومتأكدون أنه هو “المسيح ابن الله الحي”. وبحكمة شديدة ستجدون حديثهم مُحكمًا في ذلك القصد أيضًا.
لأنهم يقولون إنهم: “يؤمنون ويعرفون”، فيربطون الأمرين معاً. لأن على الانسان أن يؤمن وأيضًا أن يفهم.وليس معنى أن الأمور الإلهية لابد من قبولها بالإيمان، أن نبتعد تمامًا عن أي فحص لها، بل نحاول بالحري أن نبلغ إلى معرفة معتدلة، كما يقول بولس “كما في مرآة كما في لغز” (1كو 12 : 12).
وحسنًا أنهم لم يقولوا أيضًا إنهم عرفوا أولاً ثم آمنوا، بل إذ يضعون الايمان أولاً، ويلحقونه بالمعرفة، ولكن ليس قبل الإيمان، كما هو مكتوب “إن لم تؤمنوا لن تفهموا” (اش 7 : 9س). لأن الإيمان البسيط قد سبق ووضع فينا، كنوع من الأساس، ثم بُنيَّت المعرفة عليه فيما بعد وعلى درجات، وهي تأتي بنا إلى قامة إنسان بالغ (أف4: 13) أي الذي في المسيح (الى قامة إنسان كامل وروحي)”.[6]
بحسب تعليم القديس كيرلس السكندري، فإن الإيمان بالله لا يجب أن يخضع تمامًا للمنطق العقلاني، فالمعجزات مثلاً لا يُمكن تفسيرها بالمنطق سوى بإرجاعها إلى الله الكلي القدرة. لكن، على الرغم من أن الحجة لا تخلق قناعة، غيابها يضرب الإيمان في مقتل. فما يُثبَت، قد لا يُعتنق، ولكن ما لا يستطيع أحد أن يدافع عنه سرعان ما يتخلى الناس عنه. وإن كانت الحجة العقلانية لا تخلق الإيمان، فهي تُحافظ على مناخ ملائم يسمح له بالنمو.[7]
نعم الإيمان لا يخضع تمامًا للمنطق، لكن يُمكن تفسير التعاليم والمبادئ الإيمانية بحُجج منطقية يقبلها العقل ويستنير بضيائها. وهذا أيضًا ما قال به القديس يوحنا ذهبي الفم في شرحه لرسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي، إذ يقول: “لإن الإيمان هو في الحقيقة بناء، ويحتاج إلى أساس متين وتشييد مُحكم، لأنه لو لم يُبنى أحد على أساس متين سوف يهتز بناؤه، وحتى إن أسسه، فإن لم يكن ثابتًا، فإنه لن يدوم”.[8]
فالعقل والتعقل هو أساس الإيمان، وهو الذي يضبطه ويُدعمه، ويجعله إيمانًا راسخًا أبديًا.
وإظهار منطقية الإيمان لا يعني إثبات كل عنصر فيه، بل يعني القدرة على إظهار أن الاعتقاد في مصداقية هذه العناصر وصحتها يقف على أسس سليمة. ومثال ذلك تبيان أن الإيمان المسيحي يعطي معنى لملاحظاتنا وخبراتنا. ومن ثم، يمكن تشبيهه بعدسة تضع كل شئ في البؤرة، أو بضوء يسمح لنا بالرؤية على مسافات أبعد وبشكل أوضح مما تتيحه لنا قدرتنا العادية.
فكما يقول القديس بولس نحن نعرف الآن بعض المعرفة، ننظر كما في مرآة (انظر: 1كو12: 12)، فمعرفة الله ليست من البساطة أن نُدركها بسهولة وكما يُتفق، بل تحتاج إلى البحث الدؤوب المُخلص من جهة، ومن جهة أُخرى يقيننا من أن معرفتنا عن الله –كما عن كل المواضيع الإيمانية- في هذه الحياة، هي جزئية ومحدودة، وكأننا ننظر في مرآة.
وقد أكدت هذه الفكرة الفيلسوفة والناشطة الاجتماعية الفرنسية “سيمون فيّ-Simone Weil “، وهي مفكرة يهودية آمنت بالمسيحية في شبابها. فقد استخلصت بعد إمعان النظر فيها يتضمنه إيمانها الجديد من معانٍ أن الإيمان بالله ينير الواقع على نحو أفضل من البدائل العلمانية الأخرى بكثير. وإن كانت طريقة تفكير بعينها قادرة على وضع الأشياء في البؤرة أو إنارة ما هو مظلم وملتبس، فهذا يعد دليلاً على مصداقيتها.
إن أنرتُ كشافًا كهربائيًا في شارع مظلم، لن أحكم على قوته بالنظر إلى المصباح الموجود بداخله، بل بعدد الأشياء التي يسلطه على الأجسام المظلمة. وقيّمة أي منهج ديني، أو روحي، بوجه عام، تقَيَّم بكمية النور الذي يُسلِّطه على ما في هذا العالم من أمور.[9] إن قدرة النظرية على إنارة الواقع ووضعه في بؤرة التركيز تُعتبر في حد ذاتها مقياسًا مهمًا لمصداقيتها.
وهنا ترى موضوعًا جوهريًا في الدفاعيات المسيحية، ألا وهو أن الإيمان بصحة المسيحية له أسباب وجيهة، ومنها مدى قدرته على خلق معنى منطقي لما نراه حولنا وبداخلنا. وقد علًّق “برايان لفتو “Brian Leftow الفيلسوف بجامعة أكسفورد على اختباره المسيحي الذي مكَّنه من رؤية الأشياء على حقيقتها قائلاً:
“إن كنت ترى الأشياء على حقيقتها من الموقع الذي تقف فيه، فأنت في المكان الصحيح”.[10]
فما من أحد يحب أن يعتنق إيمانًا غير منطقي. إلا أن بعض المسيحيين يرجحون أنه مادام بولس يتحدث عن الإنجيل باعتباره نوعًا من “الجهالة” التي تخزي معرفة العالَم وحكمته (كما في 1كو18:1 مثلاً) فلا داعي لاستخدام الوسائل العقلانية للدفاع عن الإنجيل. إلا أنه من الواضح أن هذه النظرة تعكس خطأً في قراءة ما يشغل بولس في كنيسة كورنثوس من ناحية، وفهمهِ لدور “العقل” في الحياة المسيحية من ناحية أخرى.
لقد كانت المسائل التي تشغل بولس في كنيسة كورنثوس معقدة.[11] فالكنيسة كانت عرضة للتأثر بأشكال سابقة من الغنوصية التي كانت تقول بأن الأفراد يخلصون عن طريق معرفة سرية باطنية لا تتاح إلا للقلة. وكان البعض في كورنثوس يمجدون التحزلق الفكري ولم يكونوا مستعدين لقبول أي شئ يخلو منه أو أي نوع آخر من المعرفة الثقافية.
وبولس يرفض هذه الأفكار تمامًا ويصر أن الإنجيل لابد أن يؤخذ كما هو حتى لو كان يتعارض مع الفكر الثقافي السائد والمقبول في كورنثوس. فهو هنا يتحدى النظرية العلمانية للحكمة ولكنه لا يدعو للتخلي عن المنطق البشري.
وبولس يؤكد أننا نحن المسيحيين “لَنَا فِكرُ المَسِيح” (1كو2: 16) مميزًا بينه وبين غيره من منهجيات الحكمة التي سادت كورنثوس قبل دخول المسيحية. ويُعتبر “العقل المسيحي” تركيبة عقلية متميزة من حيث إنه طريقة تفكير تتشكل وتزدهر بالإيمان المسيحي. فهو ليس سعيًا نحو الوصول إلى معرفة غريبة أو باطنية، ولا حالة من الغرور الإكاديمي، ولا انتكاسًا إلى عقلانية حركة التنوير التي سادت القرن الثامن عشر وفقدت مصداقيتها.
ولكنه السماح لنور المسيح أن يشرق على عقولنا حتى تتمكن قوة الله المغَيرة أن تجدد أذهاننا كما تجدد أرواحنا. إنه النتيجة التي يستحثها الله ويبغيها ونحن نسعى لخدمته في هذا العالم.[12]
إنّ الإيمان المسيحي منطقي في الأساس، إلا أنه لا يعتمد في إثباته على المنطق وحده، وهو ما ينطبق على كل الأشياء الجوهرية. ولكن الأجيال السابقة التي استسلمت دون داعٍ لنوع من العقلانية المتطرفة، زعمت أننا لا يجب أن نؤمن إلا بما له برهان مطلق.
ولا يتبنى هذه النظرة حاليًا إلا فئة قليلة جدًا. في حين ترى الأغلبية أن هذه العقلانية الشديدة تحصرنا في مساحة ضيقة من المعتقدات قد تكون واضحة منطقيًا ولكنها قاصرة وجوديًا، لأنها تعجز عن تقديم أساس لحياة ذات معنى. فالعقل أجنحته قصيرة كما قال الشاعر الإيطالي العظيم دانتي في القرن الرابع عشر.
فالقول بإن للإيمان حقلاً، وللعقل حقلاً آخر، وأن على العقل أن يذعن لحكم الوحي، مقولة تحمل إمكانية الوقوع في التباس وتناقض، وتتجاهل أن غايتي العقل والإيمان واحدة، وهي الوصول إلى الحقيقة. كذلك فمجال عملهما واحد وهو حياة الإنسان. فالتمايز بين العقل والإيمان هو في طريقة العمل وليس في الغاية النهائية. أقول التمايز لا التناقض، إذ أن الحقيقة لا يُمكن أن يكون لها وجهان مُتناقضان.
فمن يدّعي أن العقل والعلم قد وصلا لمرحلة لم يعودا بعدها في حاجة إلى الإيمان، بل هُناك من يتطرف ويدّعي أن الدين أفيون الشعوب ويجب مقاومته، فهذه مقولات مرفوضة وتدل على جهل حقيقة الإنسان والحياة، فالحياة بحد ذاتها هي عمل إيماني مُستمر، فالظاهرة الإيمانية بشكل عام هي ظاهرة حياتية.[13]
فللعقل والإيمان غاية أساسية، وهي إرواء ظمأ الإنسان للحقيقة، فيُنير الإيمان طريق العقل بالسمو والقيمة والغاية، ويُنير العقل طريق الإيمان بالمعرفة والتكامل والانسجام، فالاثنان يعملان معًا في خدمة حياة الإنسان. فالعقل قوة تُحرر الإنسان والإيمان قوة تُنير طريقه.
إلا إن هذا لا يعني أن المعتقدات التي لا يمكن إثباتها بشكل قاطع غير منطقية. ولكنه يعني أن الأدلة المتاحة قاصرة عن إثبات صحة نظريات الحياة أو “الفلسفات الحياتية”، بما فيها الإلحاد. وفي النهاية يعتبر اختيارنا لإحدى هذه الفلسفات فعلاً إيمانيًا.
وعلينا أن ندرك أن كل الفلسفات الحياتية تقع خارج نطاق البرهان المطلق. فنحن نؤمن أن الفلسفة الحياتية التي نتبناها هي الأفضل في خلق معنى للأشياء ولكننا ندرك أن هذه المسألة بوجه عام تستعصي على البرهان القاطع في هذا العالم.[14]
إنّ جاذبية الإيمان المسيحي لا يمكن أن تقتصر على منطقية عقائده. ولكن المسيحية تستند بقوة على الخيال أيضًا. كما توضح كتابات “سي. إس. لويس.” وعندما كان “لويس” شابًا وجد نفسه يتوق إلى عالم له معنى، يشتعل حبًا، ويفيض جمالاً، ولكنه اقتنع أن هذا العالم لم ولن يوجد: “كنت أؤمن أن كل ما أحبه تقريبًا وَهم، وتقريبًا كل ما آمنت بأنه حقيقي رأيته منفرًا وبلا معنى”.[15]
لقد أخبره خياله بوجود عالم أفضل، ولكن عقله أخبره أنه كلام فارغ. فلم يجد أمامه خيارًا سوى مواجهة عالم مجدب مجرد من المشاعر، ومواجهة وجوده الخالي من أي معنى.
وأخيرًا اكتشف “لويس” عقلانية الإيمان المسيحي، إلا أن انجذابه للإيمان كان سببه أن الإنجيل يقدم معنى، وليس لأنه يُعبر عن افتراضات صحيحة. وقد علق “لويس” على هذا قائلاً:
“إن العقل هو الأداة الطبيعية للحق، ولكن الخيال هو أداة المعنى”.[16]
فجاذبية الإيمان المسيحي عند البعض تتمثل في جمال عبادته، أو في قدرته على التلامس مع المشاعر الإنسانية، أو في نتائجه الأخلاقية.[17]
مفهوم الإيمان في المسيحية أعمق بكثير من مجرد الاعتقاد بصحة بعض الأفكار. لأن الإيمان عند المسيحيين ليس معرفيًا “أنا أعتقد أنا هذا صواب” فحسب، ولكنه في الوقت نفسه يحمل بُعدًا علائقيًا ووجوديًا “أنا اثق في هذا الشخص”.
فالأمر لا يتوقف عند الاعتقاد بوجود الله، بل يمتد إلى اكتشاف حكمة هذا الإله ومحبته وصلاحه، مما ينتج عنه قرار إرادي بتسليم الحياة لهذا الإله. وهو ما عبَّر عنه “سي. إس. لويس” عندما قال:
“إنك لا تواجه حجة تطالبك بأن توافق عليها، بل شخصًا يطالبك بأن تثق فيه”.[18]
ولذا، فالإيمان يعني الثقة في شخص، وليس مجرد الاعتقاد في وجوده. وقد أشار الكاتب الدنماركي والفيلسوف الوجودي “سورين كيركجارد” إلى هذه الفكرة عندما أكَّد أن الإيمان الحقيقي بالله هو “قفزة نوعية” من وجود إلى وجود مختلف. فالإيمان المسيحي ليس مجرد إضافة بند الايمان بالله لما نختزنه من أفكار عن العالم. ولكنه يعني إدراك واعتناق “النظام الوجودي.[19]
أعتقد إن اللاهوت الأرثوذكسي يتفق تمامًا مع ما جاء به الفيلسوف “سورين كيركيجارد”، نعم، فالإيمان بالله ليس على الإطلاق نوع من اليقين المنطقي الذي تصل إليه الهندسة الإقليدية، فليس الله استنتاجًا نصل إليه بعملية عقلية أو حلاً لمسألة رياضية، ولكن الدخول إلى سرّ الله يكون بالمحبة الشخصية العلائقية معه.[20]
اللاهوتي الأرثوذكسي كاليستوس وير، الذي سنأتي على ذكره مرارًا في هذا الكتاب، يتحدث عن الإيمان ويقول:
“إبراهيم يرتحل من بيته المألوف إإلى بلد مجهول، وموسى يتقدم من النور إلى الظلمة.
وهذا ما يحدث لكل من يتّبع الطريق الروحي، إننا نخرج من المعلوم إلى المجهول، ونتقدم من النور إلى الظلام، ونحن لا نتقدم هكذا ببساطة من ظلمة الجهل إلى نور المعرفة، بل نحن نخرج من نور المعرفة الجزئية إلى معرفة أعظم، تلك المعرفة الأعمق التي لا يُمكن وصفها إلاّ بأنها “ظُلمة عدم المعرفة”! ومثلما فعل سُقراط، نبدأ نحن في إدراك ضآلة ما نفهمه، ونعرف أن المسيحية ليست مُهمتها أن تُعطي إجابات سهلة عن كل سؤال، بل تجعلنا على الدوام، نعي وجود سرّ.
فليس الله موضوع معرفتنا، بقدر ما هو سبب تعجبنا! وبحسب المرنم في المزمور، القائل: “أيها الرب ربنا، ما أعجب اسمك في الأرض كلها” (مز8: 1)، وهذا ما يُعلنه القديس غريغوريوس النيصي إذ يقول: “اسم الله ليس معروف، هو اسم يُتعجب منه”.
واللاهوتي الروسي بول إفدوكيموف يكتب:
“إنّ معنى كلمة سرّ ترجمة للكلمة اليونانية μυστηριον والتي يُقصد بها الأمر المخفي أو المحجوب، الأمر الذي لا يستطيع العقل إدراك كنه حقيقته الكاملة، فالحقيقة ليست فقط فيما يظهر للعقل، فهُناك أمور ليست ضد العقل، بل تفوق العقل والمادة، فغالبًا ما تكون الأمور الأعمق هي ما قد حُجِبت، واستُبدلت بالعلامة والرمز، التساؤل والتأمل، الحيرة والدهشة، وكثيرًا ما تدعو إلى الصمت”.[21]
فالإيمان هو قفزة في الظلام، نحو المُحتجب، وغير المرئي، وغير المُدرك، وغير المحدود. تلك التعريفات السلبية التي نصف بها الله، لأن عقولنا لا تستطيع أن تضع وصفًا لله على نحو إيجابي، ويكون وصفًا سليمًا تمامًا. فنُشدان المعرفة التامة العقلية، والاعتماد عليها فقط، فيما يخص الله، يُعد دربًا من دروب الخبل!
هذا لأنه لا يُمكن الاعتماد على العقل بشكل كُلي، فالأشياء التي رفض العقل تصيدقها، ثم قبلها في نهاية الأمر، لهو عدد كبير جدًا. كما أنّنا، ونحن في مرحلة الشباب، كُنّا نعتقد في الكثير من الأشياء أنها حقيقة تبعًا لقواعد التفكير السليم، بينما وجدنا أن المعرفة، التي تنتج من خبرات الحياة، واللقاء مع الحقيقة، لهو أمر مُختلف تمامًا، وبعيد كل البعد عن تلك الدائرة الضيقة من التفكير، التي سبق ووضعت نظامًا أنيقًا في كل شئ.[22]
على إثر هذا، نشب جدال عنيف في إنجلترا، حين غشى كلٍ من ليبنتز وكانط وهيجل، جميع طرق المعرفة الحسية بالشكوك، وأيدوا مزاعم العقل وحده، بحسبانه السيد في كل عملية جسدية أُخرى، والحاكم في شهادة الحس. كما ازدرى لوك ومل، بكل عقل اجترأ أن يطلب الحقائق دون أن تكون في متناول البصر واللمس والذوق والشم والسمع. لكن، كانط قد قال:
“لا ريب أن الرياضيات مُستقلة عن الاحساس، وأنها صادقة أوليًا، أي قبل التجربة”.
ولكن، ما فائدة المعاني بغير صلتها في التجربة، أو نفعها في الحياة! وفي الحقيقة، فإن الإحساس هو معيار الحقيقة، والعقل هو مُكتشفها.
نقصد بالإحساس، تلك الطاقة الداخلية التي توجد لدى الكائنات الحية، ولا سيّما البشر، والتي تتكون من أجزاء مُتناثرة من الجمال والقُبح، من البيئة والفلسفة والحكمة والأخلاق، هي مكونات تجتمع معًا فتنشئ الحس، وترقيه، وتجعله فاعلاً. هذا أشبه بالإحساس بجمال الموسيقى، بالرغم من أننا لا نستطيع عقليًا أن نصف هذا الشعور، أو أن نصف الموسيقى في تعبيرات نظامية مفهومة باللغة.
ثلاثة مشكلات تنتج عن الاعتماد على العقل فقط لتقديم الحجج
فمما يؤسف له أن تأثير حركة التنوير على الثقافة الغربية لم يختفِ، ولا سيما في الإصرار على تقديم براهين تثبت صحة العقائد، مما نتج عنه تقديم الدفاعيات المسيحية باعتبارها مجرد بناء حجج فعالة تهدف لإقناع الناس بصحة الإيمان المسيحي. إلا أن الخطورة في ذلك أنه قد يؤدي إلى إظهار المسيحية على أنها مجموعة من الحقائق الجامدة والأفكار المجردة. ولذلك، فإن هذا المنهج ينطوي على ثلاث صعوبات.
أولها، أنه ليس مؤسسًا على الكتاب المقدس كما يجب. فالحق، ولاسيما في العهد القديم، يركز في المقام الأول على المصداقية والثقة. والقضية الأساسية في الدفاعيات تتلخص في أن الله هو قاعدة أمان، وأنه أساس آمن تُبنى عليه حياة الإيمان. أي أن “الإله الحقيقي” ليس مجرد إله موجود، بل إله يمكن الاعتماد عليه. والنظرة العقلانية التي تعتبر الحق هو كل افتراض تَثبت صحته تستبعد النظرة الكتابية التي تعتبر الحق مفهومًا علاقاتيًا.
والمشكلة الثانية أن جاذبية الإيمان المسيحي لا يمكن أن تقتصر على منطقية عقائده. ولكن المسيحية تستند بقوة على الخيال أيضًا. كما توضح كتابات “سي. إس. لويس.” وعندما كان “لويس” شابًا وجد نفسه يتوق إلى عالم له معنى، يشتعل حبًا، ويفيض جمالاً، ولكنه اقتنع أن هذا العالم لم ولن يوجد:
“كنت أؤمن أن كل ما أحبه تقريبًا وَهم، وتقريبًا كل ما آمنت بأنه حقيقي رأيته منفرًا وبلا معنى”.[23]
لقد أخبره خياله بوجود عالم أفضل، ولكن عقله أخبره أنه كلام فارغ. فلم يجد أمامه خيارًا سوى مواجهة عالم مجدب مجرد من المشاعر، ومواجهة وجوده الخالي من أي معنى.
أما ثالث هذه المشكلات فهي أن المنهج العقلاني يقوم على نظرة حداثية. إلا أنه في معظم أنحاء العالم الغربي اليوم، حل اتجاه ما بعد الحداثة مكان الحداثة، مما يقلب الكثير من المعتقدات المحورية للحداثة رأسًا على عقب.
فالاستناد إلى الصفة العقلانية الأصيلة في الإيمان ينجح في إطار حداثي، ولكن في أطر ثقافية أخرى، قد يفشل هذا المنهج نفسه الذي يقوم على الحجة والمنطق فشلاً ذريعًا في التلامس مع التطلعات والأفكار الثقافية المسبقة. وكما سنرى في قسم لاحق من هذا الفصل، أن ميل ما بعد الحداثة للقَصص أكثر منه للحجة يتيح فرصًا عظيمة للدفاعيات الكتابية نظرًا لأن الأشكال القصصية تملأ صفحات الوحي.
ودور الإيمان هو يقين بهذا الإله، الذي لا يُمكن فحصه وإدراكه إدراكًا كاملاً، لا يقين بقول الفم فقط، بل بإحساس داخلي، ناتج عن علاقة حقيقية بالله، شعور بوجوده، وتدخلاته، وتعاملاته مع قلب المؤمن. وهذه أمور لا يُمكن نقلها بالعقل لغير المؤمن، فغير المؤمن عادة لا يحتاج إلى براهين عقلية في هذه الأمور، بل إلى النور الإلهي الذي يثغيره ويُجدده ويُنير عيني ذهنه لمعرفة الله. فعرفة الله عمل إلهي، كما يقول المسيح (يو6: 44).
لذا نجد الكاردينال جوزيف راتسنجر “البابا بندكت لاحقًا”، يكتب:
“ليست العقيدة هي فعل تلاوة نصوص، ولا عملية قبول نظريات تتعلق بأمور نجهل كل شئ عنها، ومع ذلك نجهر بها كما لو كنّا مُتأكدين من حقيقتها، إنما العقيدة تحوّل وجودي يحرزه الإنسان، هي فعل اهتداء، فعل انقلاب، يُمكن التعبير عن معنى كلمة أؤمن بـ”استسلم لـ”، فمن شأن العقيدة أن تنسج باستمرار بنية جديدة لحياة الإنسان”.[24]
ولكننا مع ذلك، ما زلنا نؤكد منطقية الإيمان ونشدد عليها، دون أن نحصره فيما يمكن للمنطق أن يبرهن عليه بشكل قاطع. فأسئلة الحياة الجوهرية تتجاوز حدود العقل بكثير، ومن هذه الأسئلة: من أنا؟ هل أنا مهم فعلاً؟ لماذا أنا هنا؟ هل يمكنني أن أُحدث اختلافًا؟[25]
وهي أسئلة لا يمكن للعلم ولا للمنطق البشري الإجابة عنها. ومع ذلك، إن لم يجد المرء إجابات لهذه الأسئلة، تصبح حياته بلا معنى. وعلينا نحن المُدافعين أن نبين أن الإيمان المسيحي يقدم إجابات لأسئلة الحياة الجوهرية، وهي إجابات منطقية من ناحية، وناجحة على المستوى العملي من ناحية أخرى. فكما هو مهم أن نُظهر أن المسيحية صحيحة، مهم أحيانًا أن نُظهر أنها حقيقية.[26]
ومن النتائج الهامة لتأثير العقلانية على الدفاعيات المسيحية التقليل من أهمية كل مايُنظر إليه باعتباره “غير عقلاني” أو “غير منطقي” في الفكر المسيحي، مثل تعليم الثالوث. ولم يدافع عن هذه الفكرة في القرن الثامن عشر أو التاسع عشر سوى القليل من المدافعين المسيحيين، إيمانًا منهم أنه يضع العقلانية المتشددة التي سادت عصرهم في موقف حرج.
ومن المشكلات التي تنشأ هنا أن المناهج العقلانية في الدفاعيات تميل إلى الحد من العنصر السري الباطني في الايمان المسيحي لكي تُقَرِّب المسيحية إلى العقل. ولكن الانجيل يحوي بعض الأفكار الإلهية التي تتجاوز قدرة العقل البشري. حتى إن المدافعين، حتى يكسبوا المجادلة مع خصمهم، أحيانًا ما يستعيرون فرضيات الخصم.
وهكذا يمكن أن تتحول ميزة تكتيكية إلى ضرر استراتيجي. فخطورة النماذج الدفاعية التي تتعامل مع المذهب العقلاني أنها غالبًا ما ينتهي بها الحال إلى استيراد العقلانية إلى المسيحية، بدلاً من تصدير الإنجيل إلى الثقافة العقلانية.[27]
بإظهار القاعدة القوية من الحجج والأدلة المؤيِّدة للعقائد الجوهرية في المسيحية: يتضمن هذا المنهج بناء حجج عقلانية تثبت وجود الله، أو حجج تاريخية تثبت قيامة يسوع الناصري. في هذا المنهج يتم الدفاع بشكل مباشر عن مصداقية العناصر الأساسية للأمان المسيحي.
بإظهار أنه إذا كان الإيمان المسيحي صحيحًا، فهو يخلق للواقع معنى أعمق وأكثر منطقية من البدائل الأخرى: تتفوق المسيحية على البدائل الاخرى من حيث توافقها مع ملاحظاتنا وخبرتنا على نحو أكثر منطقية. وهي بذلك تشبه اختبار النظريات العلمية للتأكد من اتساقها مع الملاحظات أو قدرتها على تفسير هذه الملاحظات.
هذان المنهجان لا يلغي أحدهما الآخر، بل يمكن استخدامها معًا في الدفاعيات.[28]
[1] القديس يوحنا ذهبي الفم، شرح رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي (القاهرة: مكتبة المحبة، 2009)، العظة الخامسة، ص 99.
[2] الأب هنري بولاد اليسوعي، منطق الثالوث، ص 9، 10.
[9] Simone Weil, First and Last Notebooks London: Oxford University Press, 1970), 147.
[10] Brian Leftow, “From Jerusalem to Athens,” God and the Philosophers, ed. Thomas V. Morris (Oxford: Oxford University Press, 1994), 191.
[11] See especially Walter Schmithals, The Theology of the First Christians(Louisville: Westminster John Knox, 1997), 122-23, 146-51. See further Raymond Pickett, The Cross in Corinth: The Social Significance of the Death of Jesus (Sheffield, England: Sheffield Academic Press, 1997), 213-16; and Edward Adams and David G. Horrell, esd., Christianity at Corinth: The Quest for the Pauline Church (Louisville: Westminster John Knox, 2004).
[20] انظر: كاليستوس وير، الطريق الأرثوذكسي، ترجمة د/ نصحي عبد الشهيد (القاهرة: بيت التكريس لخدمة الكرازة، 2014)، ص 20، 21.
[21] P. Evdokimov, L’Orthodoxie (Parise: Theophanie, 1979), P. 47- 56.
[22] انظر: ويل ديورانت، مباهج الفلسفة، الجزء الأول، ترجمة أحمد فؤاد الأهواني (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2015)، ص 34.
[23] C. S. Lewis, Surprised by Joy (London: HarperCollins, 2002), 138.
[24] جوزيف راتسنجر، مدخل إلى الإيمان المسيحي، ترجمة د. نبيل الخوري (بيروت: منشورات المكتبة البولسية، 1994)، ص 52.
[25] See Roy Baumeister, Meanings of Life (New York: Guilford Press, 1991). Baumeister’s analysis of the importance of questions of identity, value, purpose, and agency is of major importance to Christian apologetics.
كلمة لاهوت “theology ” مأخوذة عن الكلمة اليونانية “ϑεολογια” وهي كلمة مكونة من مقطعين “ϑεος” ومعناها “الله”، و”λογια” وتعني “علم”. والمُصطلح ككل يعني العلم المُختص بالله، أو هو الحديث ومعرفة كل ما يختص بالله. يعرفه توما الإكويني على النحو التالي:
“هو علم جامع بمعنى أنه يتكلم عن كل الأمور من وجهة نظر الله، فالله ذاته هو الموضوع، وهذه الأمور تشير إليه”.[1] ويوضحه الأب إريثيئوس فلاخوس قائلاً: “اللاهوت بحسب ما ييفترض المصدر اليوناني للكلمة، معنيٌ بالله، ما هو الله، وكيق يصل الإنسان إلى الشركة معه”.[2]
أما كلمة دفاع فهي مأخوذة عن الكلمة اليونانية ἀπολογία– Apologya وتعني: دفاع باسلوب قانوني، أو الحديث بشكل دفاعي للرد على بعض الاتهامات، وخاصة الدفاع الشفوي كما جاءت في (2تي4: 16) “في احتجاجي الاول لم يحضر احد معي “.
وتستخدم في المنهج الديني بمعنى الدفاع عن رسالة الإنجيل والإيمان، كما جاءت في (في1: 7) “كما يحق لي ان افتكر هذا من جهة جميعكم لاني حافظكم في قلبي في وثقي وفي المحاماة عن الانجيل وتثبيته انتم الذين جميعكم شركائي في النعمة“.[3]
نجد أن كلمة دفاع أو ἀπολογία جائت في كتاب العهد الجديد ثماني مرات، ترجمة في سبع منهم إلى كلمة دفاع، مُحاماة، احتجاج، إجابة كما في النصوص التالية:
“ ايها الرجال الاخوة والآباء اسمعوا احتجاجي الآن لديكم“. (أع22: 1).
” فاجبتهم ان ليس للرومانيين عادة ان يسلموا احدا للموت قبل ان يكون المشكو عليه مواجهة مع المشتكين فيحصل على فرصة للاحتجاج عن الشكوى” (أع25: 16).
” هذا هو احتجاجي عند الذين يفحصونني” (1كو9: 3).
” حافظكم في قلبي في وثقي وفي المحاماة عن الانجيل” (في1: 7).
” اني موضوع لحماية الانجيل” (في1: 17).
” في احتجاجي الاول لم يحضر احد” (2تي4: 16).
” مستعدين دائما لمجاوبة كل من يسألكم- always being prepared to make a defense to anyone” (1بط3: 15).
وترجمة إلى مرة واحدة إظهار أو إيضاح الأمر to make clear كما في:
” في كل شيء اظهرتم انفسكم انكم ابرياء في هذا الامر- but also what eagerness to clear yourselves ” (2كو7: 11).
فعلم اللاهوت الدفاعي هو العلم المُختص بالحديث عن الله بشكل دفاعي أو بطريقة منطقية بهدف إزاحة العوائق التي تقف أمام العقل البشري حتى يستطيع أن يتّقبل الإيمان. هي صراع من أجل كسب عقول الرجال والنساء، الذين لم يسمع أحد منهم تقديم عقلاني للمسيحية أبدًا طوال حياتهم.[4]
[3] Timothy Friberg, Barbara Friberg and Neva F. Miller, vol. 4, Analytical Lexicon of the Greek New Testament, Baker’s Greek New Testament library (Grand Rapids, Mich.: Baker Books, 2000), 69.
[4]ديانة القوة، إعداد. مايكل سكوت هورتون، ترجمة إدوارد وديع (القاهرة: دار الثقافة، 2008)، ص 54.
هدف الدفاعيات هو التفاعل مع ثقافاتنا المُعاصرة، بدلاً من الهروب منها، أنها تهدف إلى تحويل المؤمنين إلى مُفكرين، والمُفكرين إلى مؤمنين. الدفاعيات تحترم ما تتميز به الكرازة المسيحية من فكر صلب وخيال ثري وعمق روحي، وتعلنه بطرق قادرة على الإندماج في ثقافتنا.[1]
لا يجب النظر إلى الدفاعيات باعتبارها رد فعل دفاعيًا عدائيًا تجاه العالم. فعلى العكس تمامًا، الدفاعيات هي محاولة جعل الإيمان المسيحي مقرؤًا ومفهومًا أمام العالم، هي حركة إزالة الحواجز التي تعوق العقل من تقّبل الإيمان المسيحي.
عادة ما يُساء فهم المؤمنين على أنهم مجموعة من الجهلة البسطاء الذي يعتقدون في الخرافة والمجهول، يأتي هُنا دور الدفاعيات في إزالة تلك المفاهيم الخاطئة عن المؤمنين، فالمسيحي مُطالب أن يتفهم إيمانه ويتعقله ويستخدم ذهنه ويطّلع على الكتابات عامة لا الدينية منها فقط، المسيحي على اعتناق ما يتنافى مع العقل والمنطق –وإن كان يُمكنه أن يؤمن بما يفوق العقل وليس ما يخالفه- فالإيمان المسيحي قابل للشرح والتوصيف بأدلة من المنطق والفلسفة وليس بعيدًا عنها.
وعليه، فالمؤمن يتحرك بدافع قلبي، أو لنقل بدافع حب تجاه الآخر وتجاه العالم، ليس معارضًا للآخر، بل موجهًا مُرشدًا محاولاً توضيح الأمور كما هي عليه، أو إزالة الأفكار الخاطئة عن ما يعتقده الآخر في الإيمان، وهو ليس منه.
الدفاعيات هي دفاع عن الحق بلطف واحترام، الدفاعيات لا تهدف إلى استعداء من هم خارج الكنيسة ولا إهانتهم، بل إلى فتح عيونهم على واقعية الإيمان المسيحي، وصدقه، وملاءمته لحياتهم واحتياجاتهم. لا يجب أن يحدث تعارض أو تناقض بين الرسالة المُعلنة ونبرة اللاهوتي الذي يعلنها، فلابد أن نكون جذّابين، لطفاء، كريمي الخُلق. [2]
فغالبًا ما تتعرض المعتقدات المسيحية إما لسوء فهم أو سوء تفسير. وهذا ما جعل الدفاعيات المسيحية أمرًا ذو ضرورة مُلحة منذ فجر المسيحية وحتى اليوم.[3]
يجب أن نفهم الدفاعيات على أنها ترس في آلة الإيمان الكبيرة، لا يمكن اعتبار هذا الترس وحده هو ما نستطيع من خلاله أن نخلص، ومن الصعب أيضًا أن نعتقد أنه غير ذي أهمية. فللدفاعيات مُهمة مُحددة وهي نشر الوعي برسوخ وعظمة الإيمان المسيحي، عملها هو إزالة العوائق التي تحجب نور الله عن البشرية. فالخلاص لا يتم بالدفاعيات، بل بالحقيقة العظمى المُختصة بالله والمسيح، تلك التي إحدى طرق الوصول إليها هي الدفاعيات.
يمكن تشبيه الدفاعيات بإزاحة الستار حتى يتمكن الناس من رؤية لمحة لما يختبئ وراءها، أو برفع ماسة مقابل النور فتتلألأ وجوهها وتبرق عند سقوط أشعة الشمس عليها. فالدفاعيات تهتم بتأسيس مداخل للإيمان، سواءً تخيلنا هذه المداخل فتح أبواب، أو إزاحة ستار، أو إضاءة مصباح حتى يرى الناس بمزيد من الوضوح، أو استخدام عدسة تضع الأشياء في البؤرة.
والموضوعات الرئيسية في الدفاعيات هي تلك التي تتيح للناس رؤية الأشياء بوضوح، وربما للمرة الأولى، تساعدهم على اكتشاف الأفكار المُضللة، فيدركون فجأة سرّ ما يتمتع به الإيمان المسيحي من قدرة على الإقناع على المستوى الفكري وجاذبية على المستوى التخيلي.
فالدفاعيات تقوم بمد الجسور التي يعبر عليها الناس من العالم الذي يعرفونه إلى العالم الذي يودون اكتشافه، وتساعدهم في العثور على أبواب ربما لم يسمعوا بها من قبل، فيرَون عالماً يفوقُ كل تخيلاتهم ويدخلون فيه. والدفاعيات تفتح العيون وتفتح الأبواب بتأسيس مداخل للإيمان المسيحي.[4]
تُعتبر صورة الشمس والنافذة من أهم الصور التي استخدمها اللاهوتيون في العصور الوسطى لشرح ما تجريه نعمة الله من تغيير في النفس البشرية. وتُعَد كتابات “ألن الذي من لِيل”Alan of Lille مثالاً جيدًا على هذا حيث يشَبه النفس البشرية بحجرة باردة مظلمة.
ولكن عندما تُفتح النافذة على مصراعيها، يندفع نور الشمس إلى الحجرة فيشيع فيها النور والدفء. إلا أن فتح النافذة لا يدفئ الغرفة ولا ينيرها، ولكنه يزيل حاجزًا من أمام القوة التي يمكنها أن تفعل ذلك، فسبب التغيير الحقيقي هو الشمس. وكل ما نفعله نحن أننا نزيل الحاجز الذي يمنع نور الشمس وحرارتها من دخول الحجرة.
وهذه الصورة تساعدنا على إدراك هذه الفكرة اللاهوتية، وهي أننا لا نتسبب في تغيير الناس وقبولهم للإيمان. ويؤكد “ألن” أننا نحن الذين لا بد أن نفتح نافذة عقولنا على مصراعيها، فتتمكن نعمة الله من العمل في حياتنا، وهكذا ينحصر دورنا في إزالة العوائق من أمام نعمة الله، أما تجديد نفوسنا فهو مهمة هذه النعمة الإلهية.
إلا أن الصورة مهمة في مجال الدفاعيات أيضًا، فهي تُذكرنا أن الله هو من يغير النفوس، وتؤكد في الوقت نفسه أننا قادرون على تيسير هذه العملية بالمساهمة في إزالة الحواجز والعوائق التي تقف أمام نعمة الله.[5]
فأفضل دفاع عن المسيحية هو شرحها. أي أنك إن أردت أن تدافع عن المسيحية أو تبرز جمالها، فأفضل السبل لذلك أن تبدأ بتعريف الناس بماهية المسيحية، لأن الكثيرين لديهم مفاهيم خاطئة عن المسيحية تعيق قبولهم للإيمان. ومن أروع الأمثلة على ذلك مثال يقدمه اللاهوتي العظيم القديس أغسطينوس الذي قبِل الإيمان بعد جولة طويلة في أراضي الفلسفة المجدبة.[6]
كان أغسطينوس شابًا موهوبًا في الخطابة[7] من شمال أفريقيا، وقد صاحب المانويين، وهي طائفة كانت شديدة الانتقاد للمسيحية، هكذا استقى جُل معرفته بالمسيحية من نُقادها، لم تكن بالمعرفة الدقيقة. ورفض أغسطينوس المسيحية باعتبارها لا تستحق اهتمام شخص في ثقافته وذكائه.
وكان أغسطينوس طموحًا، فقرر أن يكون رجلاً ناجحًا في عاصمة الإمبراطورية، فغادر شمال أفريقيا متجهًا إلى روما. وبعد فترة وجيزة من وصوله، عُرِضَت عليه وظيفة خطيب عام في ميلانو، وهي المدينة الرئيسية في شمال إيطاليا.
ونظرًا لإدراكه بأن هذه الوظيفة يمكن أن تمثل بداية لحياة مهنية ذات شأن في العمل المدني بالإمبراطورية، رحب أغسطينوس بالعرض. إلا أنه كان يعلم أيضًا أن تقدمه في المجال السياسي يعتمد على قدراته البلاغية. فمن يستطيع أن يساعده في تطوير هذه المهارات؟
اكتشف أغسطينوس بعد وصوله إلى ميلانو أن أمبروسيوس Ambrose أسقف المدينة المسيحي مشهور ببراعته في الخطابة، فقرر أن يكتشف بنفسه ما إذا كان يستحق هذه الشهرة. فكان كل يوم أحد يتسلل إلى الكاتدرائية الكبيرة في المدينة ويستمع لعظات الأسقف. وفي البداية لم يكن اهتمامه بالعظات سوى اهتمام الشخص المتخصص الذي ينظر للعظة باعتبارها خطبة فخمة. ولكن محتوى العظات بداً يستحوذ عليه تدريجيًا. فنجده يكتب:
“اعتدت أن أسمع عظاته متحمسًا، ولكني لم أكن مدفوعاً لذلك بالدافع الصحيح، بل كنتُ أريد أن أختبر مهارته في الخطابة لأرى ما إذا كانت طلاقته أفضل مما قيل لي عنه أم أدنى… ولكني لم أكن مهتمًا بما يقول، وكانت أذناي لا تتجه سوى نحو أسلوبه في الخطابة… إلا أنه كما دخلت الكلمات التي أمتعتني إلى عقلي، هكذا دخلت المادة التي لم أكن أعبأ بها في بادئ الأمر، حتى إني لم أتمكن من الفصل بينهما. فبينما كنت أفتح قلبي لفصاحته، دخل معها أيضًا الحق الذي كان يعلنه”.[8]
وكما يتضح من رحلة أغسطينوس الطويلة إلى الإيمان، نجح أمبروسيوس (الذي أصبح أغسطينوس يعتبره واحدًا من أبطال اللاهوت) في إزالة عائق ضخم من طريق الإيمان. فقد أبطل مفعول الصورة المغلوطة التي روّجتها المانوية عن المسيحية.
وبعد أن استمع أغسطينوس لأمبروسيوس بدأ يدرك أن المسيحية أكثر جاذبية وإقناعًا مما كان يظن بكثير. وهكذا أزيل عائق يقف أمام الإيمان. وبالرغم من أن أغسطينوس لم يؤمن بالمسيحية إلا بعد فترة، فقد كان لقاؤه مع أمبروز علامة بارزة على طريق البحث.[9]
فالدفاعيات المسيحية تعني بتوصيل فرح الإيمان المسيحي واتساقه وملاءمته للحياة من ناحية، وبالتعامل مع ما يواجهه الناس من شكوك ومخاوف وتساؤلات حول الإيمان من ناحية أخرى. وهذا ما نراه منذ زمن العهد الجديد حتى الآن.[10] والدفاعيات تؤكد وجود إجابات أمينة ومقنعة للأسئلة المخلصة التي يسألها الناس عن الإيمان. وهذه الأسئلة لابد أن تُحترم وتؤخذ على محمل الجد. والأهم من هذا، أنه يجب الإجابة عليها. والأهم من هذا وذاك أن الإجابات موجودة.
وتختلف الأسئلة التي تثار حول الإيمان من ثقافة إلى أخرى. فالكُتّاب المسيحيون الأوائل، على سبيل المثال، انشغلوا بكيفية مواجهة نقد الفلسفة الأفلاطونية لمعتقداتهم من ناحية، وبكيفية تصميم أسّاليب فعّالة لتوصيل إيمانهم وإبراز جماله للأفلاطونيين من ناحية أخرى. في حين أنه في بداية العصور الوسطى ركز الكثير من اللاهوتيين في أوروبا الغربية، ومن بينهم الفيلسوف العظيم توما الأكويني، على الأسئلة الدفاعية التي أثارها الكُتَّاب المسلمون.[11]
فالنقطة المهمة هُنا أن تفهم مستمعيك وتتعرف على شكوكهم وأسئلتهم. ولا يجب أن تنظر إلى هذه الأسئلة باعتبارها تهديدات مكروهة، بل رحِّب بها على اعتبار أنها يمكن أن تمثل مداخل للإيمان. فالسؤال يعني أن صاحبه مهتم وراغب في الاستماع.
وقد يكون هدف السائل أن يسدد لك الضربة القاضية بسؤاله، ولكن حتى لو كان الأمر كذلك، فالسؤال يتيح لك فرصة ذهبية لتوصيل الإنجيل عليك أن تُقّدرها وتنتهزها، لأن هذا النوع من الأسئلة يمنحك الفرصة لتزيل الغموض عن بعض ألغاز الحياة العويصة، ومن هذه النقطة يمكنك أن تشرح الرؤية المسيحية للواقع وتبرز حُسنها. ففي دفاعك عن المسيحية، لا داعي لتكوين توجه دفاعي، وكأنك تدافع عن عقيدتك ضد هجوم يُشن ضدها.
\ولكن عليك أن تنظر لكل سؤال على أنه فرصة لإزالة سوء الفهم، وإظهار مصداقية الإيمان وجاذبيته، والحديث عن تأثيره على الحياة. ومن ثم، لابد من الترحيب بالأسئلة ولابد من تكوين إجابات جيدة وتقديمها للسائل. والإجابات متوفرة بالفعل، وليس علينا سوى أن نكتشفها ونطّوعها بما يتناسب مع مهاراتنا في الحديث ومع الجمهور الذي نتفاعل معه.
فالدفاعيات ليست مُشاجرة ولا عراكًا ثنائيًا، بين من هم في ضلال مُطلق ومن يمتلكون الحق المُطلق. فالدفاعيات ليست حرب بل هي مُحاججة، نُقدم من خلالها البراهين المنطقية والأخلاقية والتاريخية على حقيقة ما نؤمن به. وبينما نقوم بأداء هذه المُحاججة، فإننا نضع في أعمق أعماق أذهننا أننا لسنا “مُلاَّك الحقيقة المُطلقة”، فلا يُمكن تخيل مدى الفساد الذي ينحدر بمن يظنون أن لديهم تفويضًا إلهيًا.
نحن نثق في إيماننا، لكن هذا لا يعني أن أفكارنا البشرية، وتفسيراتنا لهذا الإيمان، دائمًا صحيحة ودائمًا على صواب، فربما هُناك تفسيرات أُخرى لذات الإيمان، ولكنها تعالجه بشكل أفضل كثيرًا من قناعتنا الحالية.
[6] Peter Brown, Augustine of Hippo (London: Faber & Faber, 1967).
[7] الخطابة: هي فن الإقناع وقد ظهرت في بدايات القرن الخامس قبل الميلاد في الكتاب الثاني من الإلياذة، والذي يتحدث عن الحملة الإغريقية المُتجهة نحو طروادة، فمصيرها كان يعتمد على قدرة الخطباء على إقناع الجنود بالبقاء في صفوف الحرب وحضهم على القتال بشجاعة.
وقد استحدثت الحياة الديموقراطية في أثينا نوعين من الخطابة، وهما: 1- ويقوم بها رجل فصيح يُمثل الدولة بإقناع أعضاء المجلس على التصويتا لأجل مقترحاته. 2- الخطابة القضائية، وقد أسسها شخص يُدعى كوراكوس، وهي أشبه بما يفعله المحامون اليوم من دفاع أمام المحاكم العامة، وكانت تتكون من (مقدمة- موضوع- برهان- خاتمة). أحمد عتمان، الأدب الإغريقي تراثًا إنسانيًا وعالميًا، ص 497: 500.
بل قال المسيح أنا الله (2): تعريف الذات مع ابن الإنسان مايكل بيرد – رداً على بارت إيرمان
بل قال المسيح أنا الله (2): تعريف الذات مع ابن الإنسان مايكل بيرد – رداً على بارت إيرمان
النوع الأخير من الأدلة التي يجب أن نأخذها في الاعتبار هو أقوال ابن الإنسان. لا يوجد مجال لمناقشة يسوع أكثر إرباكًا وتعقيدًا مثل هذه المجموعة من المواد.[1] يرى إيرمان أن يسوع، الحالم الرؤيوي الصالح الذي كان عليه، بشَّر برسالة عن الملكوت الذي سيحضره ابن الإنسان. ومع ذلك، فإن ابن الإنسان هذا لم يكن يسوع نفسه، بل كان شخصية سماوية أو ملائكية. يذهب إيرمان إلى حد القول إنه في العديد من الأقوال، لا يوجد أي تلميح إلى أن يسوع يتحدث عن نفسه عندما يذكر أن ابن الإنسان آتياً للدينونة على الأرض.[2] فهل اعتقد يسوع أنه ابن الإنسان؟ أنا أعتقد أنه فعل ذلك.
أولاً، يمكن أن تعني عبارة “ابن الإنسان” بالعبرية (بن آدم ben adam) ببساطة “كائن بشري”. فكر في مزمور 8: 4: “ما هو الإنسان man [إنوش enosh] الذي تتذكره، أو ابن آدم son of man [بن آدم ben adam] حتى تهتم به؟” (ترجمة NIV 1984). تحتوي الآية على توازي مرادف بحيث يكون “الإنسان” و “ابن الإنسان” مصطلحين متطابقين للبشر، كما توضح ترجماتنا الإنجليزية. في حزقيال، الشكل الأكثر شيوعًا لمخاطبة الله لحزقيال هو “ابن الإنسان”، والذي يبدو أنه يعادل شيئًا مثل “مجرد بشر” (انظر، على سبيل المثال، حزقيال 2: 1، 3، 8).
إن تحديد “ابن الإنسان” على أنه يدل على الإنسانية بشكل عام قد ترك بصماته على التقليد الإزائي. يمكن القول إن متى يعيد إحياء رواية مرقس عن شفاء يسوع للرجل المفلوج من خلال التأكيد على المصطلح السامي في المشهد:
يجسد متى بشكل صحيح معنى المصطلح السامي من خلال وصف ابتهاج الجمهور بالله الذي يعطي مثل هذه السلطة لـ “رجل”، لأن “ابن الإنسان” في العبرية والآرامية تعني “الإنسان”.[3]
ثانيًا، كان لدانيال 7 تأثيرًا حاسمًا على المسيحية واليهودية، حيث حدد شخصية بشرية ذات صفات ملكية ومتسامية تُتوّج بجانب الله، بل وتُعبد إلى جانب الله. باختصار، دانيال 7 هو تقرير رؤية عن أربعة وحوش مرعبة، والتي ظهرت على التوالي من البحر لتخريب الأرض، بما في ذلك إسرائيل القديمة المسكينة. ولكن بعد ذلك جردت الوحوش من قوتها، فيروي دانيال:
ترمز الوحوش إلى الممالك المتتالية لبابل، ومادي، وبلاد فارس، واليونان (دان 7: 17). “الشخص الذي يشبه ابن الإنسان” هو رمز متعدد القيم لملكوت الله وملك الله وشعب الله. لهذا السبب يرتبط الرمز ارتباطًا وثيقًا بملك الله (7 :13-14)؛ إنه النظير السماوي للوحوش، التي تم تحديدها صراحةً على أنها ملوك (7: 8، 11، 17، 23-24)، والسيادة الممنوحة للشخصية البشرية هي نفسها التي أعطيت لشعب إسرائيل (7: 18، 27).
من المهم أن نلاحظ أن “ابن الإنسان” لدانيال قد أُعطي تفسيرًا مسيانيًا صريحًا في الأدب الرؤيوي مثل أخنوخ الأول 37-71، و4Q246 من لفائف قمران، ومن الواضح أن الأناجيل، وسفر الرؤيا، ورؤيا عزرا الرابع بعد 70 م. في التقليد النامي، كان يُنظر إلى ابن الإنسان أيضًا على أنه كائن سماوي وله وجود سابق. لا شك إذن أن هذه القصة من دانيال أثرت في يسوع. بشأن ذلك، أنا وإيرمان متفقون تمامًا.
ثالثًا، تحدث يسوع باللغة الآرامية، وفي اللغة الآرامية يمكن أن يكون لـ bar enashابن الانسان معنى عام لكلمة “الإنسانية”، أو معنى غير محدد لـ “رجل” أو “شخص ما”، أو دلالة محددة لـ “هذا الرجل”. يبدو أن يسوع قد استخدم المصطلح الآرامي كشكل من أشكال الإشارة الذاتية، ليصف نفسه بأنه الشخص المعني، أو على الأقل واحدًا ضمن فئة معينة من الناس. في هذه الحالة، ربما استخدم يسوع bar enash في بعض الحالات كشكل من أشكال الإشارة الذاتية. ضع في اعتبارك ما يلي:
في هذين القولين، كلاهما منسوب إلى Q، من الواضح أن لدينا “ابن الإنسان” الذي استخدمه يسوع كشكل من أشكال الإشارة الذاتية، وهو منطقي تمامًا في الآرامية بمعنى أنه يعني شيئًا مثل “هذا الرجل”. ربما تكون مثل هذه الأقوال صحيحة لأنه، دعنا نواجه الأمر، من كان في الكنيسة الأولى يخترع تهكم على يسوع باعتباره أكول وشريب خمر، أو يحتفل بتشرد يسوع، لذلك نحن على أرضية تاريخية جيدة هنا. في ضوء ذلك، أجد أنه من الغريب ألا يذكر إيرمان الخلفية الآرامية لأقوال ابن الإنسان.
كما قلت، فإن مادة ابن الإنسان معقدة لأنه يتعين علينا التعامل مع القضايا المتعلقة بالتعابير الآرامية وكيف يتم تفسير شخصية “ابن الإنسان” من دانيال 7 في الأدب الرؤيوي مثل أخنوخ الأول وأماكن أخرى. إليكم ما يعنيه هذا بالنسبة لقضية إيرمان:
(1) إذا كان ابن الإنسان شخصية مسيانية في الأدب اليهودي، وإذا كان يسوع يعتقد أنه المسيا المنتظر كما يعترف إيرمان، فما هو سبب عدم تفكيرنا في أن يسوع أشار إلى نفسه على أنه ابن الإنسان؟ لا شيء بقدر ما يمكنني أن أقول! كانت عبارة “ابن الإنسان” طريقة غامضة عن عمد للتحدث عن هويته المسيانية ولكنها لا تزال غامضة بدرجة كافية لتجنب إحداث استفزاز لا داعي له لتطلعاته الملكية.
اسمحوا لي أن أؤكد أن فهم الأشياء بهذه الطريقة يتجنب الكثير من السخافات التي تخلقها وجهة نظر إيرمان. على سبيل المثال، وفقًا لرواية إيرمان في متى 19 :28 / لوقا 22: 30، يجلس ابن الإنسان (شخص آخر غير يسوع) على عرشه المجيد، حيث التلاميذ الاثني عشر يدينون إسرائيل. لكن هناك مشكلة صغيرة واحدة فقط في هذا التفسير: أين هو يسوع؟! ينال ابن الإنسان عرشًا مجيدًا، ويحصل كل التلاميذ على عروشهم ويرأسون أسباط إسرائيل الاثني عشر، ولكن ما الذي يحصل عليه يسوع مقابل جهوده؟ قطعة رمزية من لحم الصدر السماوي؟ مقاعد الصف الأمامي في نادي الكوميديا اليهودي في السماء؟ إذا كان يسوع يؤمن بنفسه، كما يقول إيرمان، كـ “حاكم إسرائيل المستقبلي” وإذا كان “يسوع سيجلس على أعظم عرش على الإطلاق، كمسيح الله”، فيجب أن نتوقع أن يكون يسوع حيث يكون ابن الإنسان جالساً![4] ولكن إذا كان يسوع هو ابن الإنسان في هذا القول، فإن العبثية ستُزال على الفور.
(2) إن عبارة “ابن الإنسان” مرارًا وتكرارًا تسمية ذاتية ليسوع عبر الأناجيل. في الواقع، إنها تلبي معايير إيرمان الخاصة للأصالة لأنها موجودة في مصادر متعددة مثل مرقس وكيو-Q ويوحنا وحتى إنجيل توما. ليس هذا فقط، ولكن لقب “ابن الإنسان” لم يكن حتى الطريقة المفضلة للكنيسة للإشارة إلى يسوع. لا يظهر في أي مكان في رسائل بولس، ويظهر أربع مرات فقط في العهد الجديد بأكمله خارج الأناجيل (انظر أعمال الرسل 7: 56؛ عبرانيين 2: 6؛ رؤيا 1: 13؛ 14: 14). علاوة على ذلك، في وثيقة تعود إلى أوائل القرن الثاني مثل رسالة برنابا، هناك إنكار صريح لأن يسوع هو ابن الإنسان.[5] الآن هذا ما أطلق عليه الاختلاف!
(3) في الآرامية، يمكن استخدام bar enash ابن الانسان بطرق عامة وغير محددة وبطريقة محددة، وعندما يستخدمها يسوع بشكل قاطع، فإنه إما يصف نفسه كفرد أو على الأقل كفرد قيادي من بين آخرين. إن استخدام يسوع لهذه العبارة له أيضًا إشارات واضحة إلى دانيال 7: 13-14 وشخصية ابن الإنسان الموصوفة هنا. الشهادة الساحقة لتقليد يسوع هي أن ابن الإنسان هو طريقة رؤيوية مشفرة ليصف فيها يسوع دوره باعتباره الشخص الذي يجسد سلطة الله على الأرض، ويحقق خلاص الله بموته وقيامته، ويشارك مجد الله في تنصيبه على العرش. غالبًا ما يكون “مجيء” ابن الإنسان متزامنًا مع مجيء الله كملك. من المؤكد أن يوجين بورينج محق في استنتاج أن “اللغة الكريستولوجية لأقوال ابن الإنسان تتمحور حول مركزية الله تمامًا”.[6]
هناك قول خاص، على ما أعتقد، يترك القطة تخرج من الحقيبة lets the cat out of the bag (تعبير يعني الكشف عن سر ما ويكون عادة بشكل عفوي)، ويسوع يتفوق حقًا ليس فقط على أنه المسيا، ولكن كمسيا متوج مع الله.
مشهد المحاكمة بأكمله في الأناجيل هو ركام من القضايا النصية والتاريخية واللاهوتية.[7] يكفي القول، إنه من المعقول أنه في محاكمته سئل رئيس الكهنة يسوع بوضوح عما إذا كانت الشائعات صحيحة؛ هل كان يدعي أنه المسيح؟ لا تأتي تهمة التجديف من نطق يسوع للاسم الإلهي، رباعي الأحرف “يهوه”، عندما قال، “أنا هو”. على الأرجح إنها تأتي من خلطه لمزمور 110: 1 ودان 7 :13 مع الإشارة ضمنيًا إلى أنه سيكون-أو كان بالفعل-متوجًا مع الله.[8]
خلفية هذا القول وشرح سبب الاعتقاد بأن يسوع ارتكب التجديف هو شيء يشبه النسخة اليهودية من البرنامج التلفزيوني Game of Thrones صراع العروش. هل يتقاسم يهوه عرشه مع أحد؟ في الفصل السابق، رأينا بالفعل ما حدث في أخنوخ الثالث فصل 13 عندما ادعى أليشع بن أبويا، الذي رأى الميتاترون على عرشه، أن هناك “قوتان في السماء”؛ وبّخ الله نفسه أليشع بإيجاز. ثم هناك القصة الشهيرة للحاخام العظيم أكيبا (توفي حوالي 135 م)، الذي اقترح أن الجمع “عروش” في دانيال 7: 9 يتضمن “واحد لله، واحد لداود”. من الواضح أن اقتراحه قوبل بتهمة التجديف، والتي قيل إن أكيبا قد استسلم لها.[9]لذلك، كان العديد من اليهود غير مرتاحين إلى حد ما من اقتراح أن رب إسرائيل لديه رفيق عرش صغير.
مع ذلك، ربما كان يسوع يفسر مزمور 110 ودانيال 7 :13-14 بطريقة مشابهة لأكيبا، ويرى أنهما يشيران إلى تنصيب المسيا على العرش. والأهم من ذلك، كان يسوع يعرّف نفسه بوضوح بالشخصية المسيانية التي توجت على العرش في دانيال 7: 13-14، وهو ادعاء مذهل على أقل تقدير، وليس لدينا مثال على أي شخص من القرن الأول يدعي مثل هذا الادعاء. يجب أن نتذكر أن المغزى من دانيال 7 هو أنه عندما تصرف الله في التاريخ ليخلص شعبه، فإن الوكيل الذي تصرف من خلاله سيُبرر ويُكرّم ويُتوج ويعظم بطريقة غير مسبوقة.[10] ليس ادعاء يسوع أنه سيجلس على عرشه الصغير بجانب الله؛ بل يجلس عن يمين الله على عرش الله. إذا كان يسوع يعتقد أن دانيال 7: 13-14 يتعلق به، فإنه يضع نفسه في فَلَك السيادة الإلهية ويطالب بمكان داخل الوصاية الإلهية لعرش الله القدير. إذا كان مخطئًا، فهذه ليست مجرد نظرة لاهوتية سيئة؛ إنها كفر وإهانة للتوحيد اليهودي.
يبدو أن إيرمان يعتقد أن القيامة هي التي حولت يسوع من نبي فاشل إلى شخص إلهي (على الرغم من أنه “إلهي” بمعنى محدود، مثل ملاك أو ملك يصبح إلهًا عند الموت).[11] لكن هذا لن يجدي نفعا. ساهم الإيمان بالقيامة في تكوين كريستولوجيا لكنه لم يخلقها من لا شيء. إن الإيمان بقيامة يسوع لا يعني أنه المسيح أو ابن الإنسان أو الملاك. الشاهدان في رؤيا 11 يقومان من بين الأموات ويصعدان إلى السماء دون الحصول على مزيد من الاهتمام أو التبجيل. إن وجهة نظر هيرودس بأن يوحنا المعمدان قد عاد إلى الحياة كانت تعني مماثلته بيسوع، وليس بشكل ملائكي. في عهد أيوب، قُتل أبناء أيوب عندما سقط عليهم منزلهم، وأخذت أجسادهم إلى السماء. لكن لا أحد يبدأ بعد ذلك في تخيل أنهم إلهيين أو ملائكيين. إذا كان يُعتقد أن أحد اللصوص المصلوبين مع يسوع قد عاد إلى الحياة، فهل كان أي شخص يعتقد بجدية أنه ابن الإنسان، أو ابن الله، أو ملاك الرب، أو حتى الله القادر على كل شيء؟ أنا أشك في ذلك بجدية!
القيامة وحدها لم تخلق كريستولوجيا إلهية. لم يحول إيمان عيد الفصح يسوع إلى شيء آخر غير ما كان عليه من قبل. قدم يسوع ادعاءات متطرفة عن نفسه فيما يتعلق بسلطته ورسالته وأصله، وكانت القيامة تأكيدًا إلهيًا على أن هذه الادعاءات كانت صالحة. عند النظر إلى القيامة بهذه الطريقة، تكبير العدسة على ادعاءات يسوع للمكانة الإلهية بدلاً من اختلاقها. عند النظر إلى القيامة بهذه الطريقة، ازدادت حدة الإيمان بعلاقة يسوع الفريدة مع الله بدلاً من إختراعها. بالنظر إلى القيامة بهذه الطريقة، حولت القيامة بدلاً من أن تثير الاعتراف بيسوع كشخصية إلهية. يبدو، كما هو الحال مع ديل أليسون، أن “جميع المصادر الأولية تزعم مرارًا وتكرارًا أن يسوع كان لديه أشياء مذهلة ليقولها عن نفسه. يمكن للمرء أن يفصله عن التصور السامي لذاته فقط من خلال العديد من العمليات الجراحية الجذرية على نصوصنا “. علاوة على ذلك، “يجب أن نقيم جنازة للرأي القائل بأن يسوع لم يكن لديه أي أفكار سامية عن نفسه.”[12]
[1] في محاولتي الخاصة أن أجتاز طريقًا عبر النقاش المربك هذا، انظر
Bird, Are You the One Who is to Come? 78 – 98. Also recommended is Hurtado, Lord Jesus Christ, 239 – 306, and the introductory article by Darrell Bock, “Son of Man,” in DJG (eds. Joel Green, Jeanine Brown, and Nick Perrin; 2nd ed.; Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 2013), 894 – 900. For more extended scholarly discussion I recommend Maurice Casey, The Solution to the “Son of Man” Problem (London: T&T Clark, 2009), and Larry Hurtado and Paul Owen, eds., “Who Is the Son of Man?” The Latest Scholarship on a Puzzling Expression of the Historical Jesus (London: T&T Clark, 2011).
[3] يجب أن أضيف أن هذا المصطلح السامي لـ “الإنسان” أو “الإنسانية” هو السبب في أن بعض الترجمات الإنجليزية مثل the Common English Bible تقدم العبارة اليونانية الأساسية ho huios tou anthrōpou (حرفيا، “ابن الإنسان”) كـ “الإنسان الفرد” ولماذا تترجم نسخة العلماء الليبرالية الضخمة العبارة اليونانية على أنها “ابن آدم”.
[5] رسالة برنابا 12. 9: “انظروا مرة أخرى: يسوع ليس ابن الإنسان، بل ابن الله، بالمثال وكما ظهر في الجسد” (ترجمتي الخاصة).
[6] M. Eugene Boring, Mark: A Commentary (Louisville: Westminster John Knox, 2006), 252.
[7] See Bird, Are You the One Who Is to Come? 136 – 40.
[8] لاحظ أنه في متى 26: 64 ولوقا 22: 69، يقول يسوع، “مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ [الله].” يشير هذا إلى أن تنصيب يسوع على العرش قد بدأ بالفعل.
بل قال المسيح أنا الله (1): يسوع، استعادة إسرائيل، وعودة يهوه إلى صهيون مايكل بيرد-رداً على بارت إيرمان
بل قال المسيح أنا الله (1): يسوع، استعادة إسرائيل، وعودة يهوه إلى صهيون مايكل بيرد-رداً على بارت إيرمان
حسنًا، لنعد إلى سؤالنا: هل اعتقد يسوع أنه هو الله؟
حسنًا، بادئ ذي بدء، لا يوجد سبب لرؤية يسوع على أنه أي شيء آخر غير مؤمن صالح. أعلن يسوع ملكوت الله (مرقس 1: 14-15)، وصلى إلى الله كأب (مرقس 14 :36؛ متى 6: 9-13 / لوقا 11: 1-4؛ يوحنا 11 :41-42)، أكد الاعتراف اليهودي بوحدانية الله، الشيما (تثنية 6: 4؛ مرقس 12 :29-30)، ودعا إلى الإخلاص الثابت لله (متى 6: 24 / لوقا 16: 13). يبدو أن كل هذا يتناسب تمامًا مع فرضية إيرمان بأن يسوع كان نبيًا ومدعيًا مسيانيًا، لكنه ليس ابن الإنسان، وبالتأكيد لم يفكر في نفسه على أنه مساوٍ لله.
ولكن بعد ذلك مرة أخرى، ربما تحدث يسوع عن نفسه بطرق أعلى بكثير مما يتصور إيرمان. ليس الأمر بالتأكيد هو إعلان يسوع ملكوت الله وفيما بعد أعلنت الكنيسة يسوع. لأنه حتى في رسالة يسوع في ملكوت الله كان هناك دائمًا إشارة ذاتية ضمنية. لا يأتي الملكوت فحسب، بل إن يسوع هو من افتتحه من خلال أعماله الجبارة وطرد الأرواح الشريرة والشفاء والوعظ. يُذكر يسوع قائلاً: “ولكن إن كنت بإصبع الله أخرج الشياطين، فقد حل ملكوت الله عليكم” (لوقا 11 :20؛ راجع متى 12: 28). ليس يسوع مجرد فتى توصيل فيديكس FedEx يعلن الملكوت؛ إنه نذيرها وبطلها في الماضي وهناك!
ولكن قبل أن نذهب إلى أبعد من ذلك، أحتاج إلى مسح السطح. أعتقد أنه من الضروري تفجير صورة كاريكاتورية شهيرة حيث يتجول يسوع في أنحاء الجليل معلناً، “مرحبًا، أنا الله. سأموت على الصليب من أجل خطاياكم قريبًا. لكن أولاً وقبل كل شيء سأعلمكم كيف تكونون مسيحيين صالحين وكيف تصلون إلى السماء. وبعد ذلك اعتقدت أنه سيكون من المناسب إذا عبدتموني جميعًا بصفتي العضو الثاني في الثالوث “. قد تبدو هذه طريقة سخيفة إلى حد ما لفهم هوية يسوع، لكنها رسم تخطيطي ليسوع لدى العديد من المؤمنين بالكتاب المقدس. عندما أزعم أن يسوع فهم أنه إله، فهذا بالتأكيد ليس ما أتحدث عنه. عندما أقول إن يسوع عرف نفسه على أنه الله، أعني أنه كان مدركًا أن إله إسرائيل عاد فيه أخيرًا إلى صهيون (أي، أورشليم) لتجديد العهد والوفاء بالوعود التي قطعها الله للأمة بخروج (عبور) جديد.
دعونا نلقي نظرة على مقولة من الأناجيل أن إيرمان مغرم بها إلى حد ما، أي متى 19: 28 ولوقا 22: 28-30:
هذا القول المختصر مهم لأنه يوضح أن يسوع اعتبر موضوع خدمته إعادة بناء إسرائيل. عندما تجتمع كل الأشياء، سيتوج ابن الإنسان على العرش، وسيُكلف الاثنا عشر رسولًا بقيادة شعب يهودي متجدد. خلفية هذا القول هي أنه منذ السبي الآشوري (حوالي 722 قبل الميلاد) والسبي البابلي (حوالي 587 قبل الميلاد)، كانت قبائل إسرائيل الاثني عشر مشتتة منذ فترة طويلة. عادت بقايا إلى اليهودية من بابل (حوالي 538 قبل الميلاد)، لكن الغالبية العظمى من اليهود في زمن يسوع عاشوا مشتتين عبر البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط في المراكز السكانية الرئيسية مثل بابل والإسكندرية وروما. خلال الفترة اللاحقة، تباينت حظوظ إسرائيل السياسية وتراوحت بين الاستقلال والاحتلال والحكم الذاتي في ظل قوى أجنبية. ومع ذلك، وجدت إسرائيل نفسها في الغالب على أنها ساحة معركة داست عليها القوى العسكرية العظمى في إفريقيا وآسيا وأوروبا لتوسيع قوتها. على الرغم من انتهاء الأسر البابلي من الناحية الفنية، إلا أن نصف الألفية التالية لم تكن عصرًا ذهبيًا لثروات إسرائيل السياسية والروحية. وفقًا للباحث اليهودي جوزيف كلاوسنر، كانت الحقيقة الفعلية هي العبودية للحكومات الأجنبية والحروب والاضطرابات وسيول الدماء. بدلاً من أن تخضع جميع الأمم ليهوذا، كانت يهوذا خاضعة للأمم. وبدلاً من “ثروات الأمم”، فرضت روما الملحدة الضرائب والإعانات. . .. وبدلاً من أن “ينحني الوثنيون بوجوههم على الأرض” و “يلعقون غبار أقدامهم”، يأتي مسؤول روماني صغير يتمتع بسلطة غير محدودة على اليهودية. عوض المسيا بن داود، جاء هيرودس الأدومي.[1]
ومع ذلك، كان أمل إسرائيل، بالعودة إلى الأنبياء، هو أن الله في يوم من الأيام سيرد الأسباط الاثني عشر، ويجمعهم معًا، ويغفر الخطايا التي أدت إلى سبي إسرائيل، وهزيمة أعداء إسرائيل، وإخراج ملك جديد من نسل داود، وافتتاح عهد جديد، وبناء هيكل جديد. سيكون هناك خصوبة زراعية كبيرة، وستندفع الأمم إلى صهيون لعبادة إله إسرائيل أيضًا. علاوة على ذلك، كان هناك عنصر حاسم آخر لهذا الأمل وهو عودة يهوه إلى صهيون.[2] ليس من المستغرب إذن أنه في القرن الأول، بحثت حركات نبوية واحتجاجية مختلفة في اليهودية عن مجيء ملكوت الله ومعه مجيء الله.[3] وفقًا لجون ماير، عندما تحدثت مثل هذه المجموعات عن “ملكوت الله”، لم يكن في أذهانهم “دولة أو مكان في المقام الأول، بل بالأحرى الحدث الديناميكي بأكمله الذي يأتي فيه الله إلى السلطة ليحكم شعبه إسرائيل في نهاية الزمان”.[4] كان (ملكوت الله) يعني زيارة إلهية مع الآثار المصاحبة لخروج جماعي جديد، ومغفرة خطايا إسرائيل، وتجديد العهد، وإقامة هيكل جديد، وانتصار الله على الشر.
عند مجيء الله كملك، كان المقطع الذي أوقد شمعة آمال كثيرة هو أشعياء 40-55، وفيه من بين كلماته الافتتاحية:
كانت هذه الآية مبرمجة لكل من يوحنا المعمدان في برية اليهودية ومجتمع قمران على شواطئ البحر الميت، حيث كان كلاهما حرفياً في الصحراء للاستعداد لهذا الحدث المستقبلي لمجيء الله، إما عن طريق الإنذار النبوي للجماهير (يوحنا المعمدان) أو بالانفصال عن نجاسة الجماهير (قمران).[5] إن السياق الأوسع لإشعياء 40 يوضح لنا، لأننا نقرأ لاحقًا في نفس الفصل المزيد عن عهد يهوه القادم وعودة يهوه إلى صهيون:
الإعلان الإشعيائي عن ملكية يهوه يعني أن يهوه سيضع نهاية للسبى في خروج جديد، حيث سيعود يهوه إلى صهيون ليحاكم أعداء إسرائيل، وبعد ذلك سوف يسكن مع شعبه. لا يقتصر هذا الشكل على إشعياء، ولكنه موجود بكثرة في أسفار نبوية أخرى. تم التدرب على موضوعات نهاية السبي، والهيكل الجديد، والعهد الجديد، وملك جديد من نسل داود بثبات وقوة نبويين في سفر حزقيال. في مرحلة ما، يكلم الله المنفيين:
يبدأ هذا الحديث بالقول إن يهوه سيأتي ليرعى شعبه، ولكن بعد ذلك قيل لنا أن الشخص الذي يقوم بالرعاية الفعلية سيكون “عبدي داود”. الآن من الواضح أن هذا لا يعني أن داود هو يهوه، ولكن داود ليس كذلك مجرد نوع من المقاول (الوكيل) الفرعي. ما يعنيه هو أن يكون داود للشعب كما وعد يهوه بأنه سيكون للمسبيين: راع.
هذا السرد عن آمال الاستعادة اليهودية لم يشكل الخلفية فحسب، بل سيناريو كلمات يسوع وأفعاله. عندما أعلن يسوع مجيء ملكوت الله، كان يتحدث عن مجيء الله كملك. كان اختيار يسوع لأتباعه الاثني عشر وسيلة لإظهار رمزياً أن استعادة إسرائيل كانت قد بدأت أخيرًا بفرقة من التلاميذ (انظر مرقس 3: 13-16).[6] كان من المفترض أن تكون عمليات الشفاء وطرد الأرواح الشريرة المختلفة التي قام بها يسوع علامات ملموسة على اقتراب يوم الخلاص وأن الله أصبح ملكًا أخيرًا (انظر متى 11: 1-6 / لوقا 7: 20-23، والتي ترتبط بالضبط مع 4Q521 2. 1-21 في مخطوطات البحر الميت).
أتفق مع إيرمان في أن يسوع رأى نفسه ملك هذه المملكة القادمة، المسيا،[7] ولكن على خلفية علم الأمور الأخيرة في الإصلاح اليهودي، أود أن أقول أكثر من ذلك. آمن يسوع أنه في خدمته وحتى في شخصه، عاد يهوه في النهاية إلى صهيون. في ضوء هذه الفرضية، من المفيد أن نقرأ من جديد عددًا من الأحداث من حياة يسوع المهنية التي توضح أن الخطوط الفاصلة بين المؤلف الإلهي والوكيل الإلهي أصبحت غير واضحة. تشير العديد من القصص والأقوال في الأناجيل الإزائية إلى دور يسوع الفريد كوكيل إلهي يتمتع بسلطة غير مسبوقة ويقوم بعمل إلهي.
بادئ ذي بدء، فإن التبادل الذي يحدث بين يسوع والكتبة في قصة شفاء هو توضيح كامل لما كان يسوع يدعيه عن نفسه:
في هذا الإصحاح، يعلن يسوع غفران الخطايا لرجل مشلول، مما يؤدي إلى اتهام معلمي الشريعة بالتجديف. في العادة، لا حرج في إعلان شخص ما عن غفران خطايا الإنسان، طالما كان هذا الشخص كاهنًا وكان الجميع في الهيكل. لكن لا أحد يقول، “انتظر، أنت لست كاهنًا!” أو “انتظر لحظة، هذا ليس الهيكل!” بل الشكوى هي: “من يقدر أن يغفر خطايا إلا الله وحده؟” (مرقس 2: 7؛ راجع إشعياء 43 :25). الإساءة التي تثيرها كلمات يسوع هي افتراضه التحدث بصلاحية إلهية. من الواضح أن إعلان يسوع عن الغفران في مثل هذا السياق كان بمثابة تولي سلطة الغفران نيابة عن الله. عندما شرح يسوع سبب قدرته على القيام بذلك، مُعلنًا أن “لابن الإنسان سلطان على الأرض لمغفرة الخطايا”، فإنه يجعل هذا الادعاء صريحًا.[8]
يأخذ إيرمان هذه القصة على أنها تعني أن “يسوع قد يدعي امتيازًا كهنوتيًا، لكن ليس امتيازًا إلهيًا”.[9] لا للأسف! لم يكن يسوع يتصرف ككاهن شارد. لم يكن من سبط لاوي بأي حال من الأحوال، ولم يكن قريبًا من الهيكل في أي مكان. فبأي سلطة يستطيع أن يعلن مغفرة الخطايا؟ لا يشتكي الكتبة، “من يقدر أن يغفر خطايا إلا الكاهن وحده؟” كما لم يشرح يسوع تصرفه بالقول: “أريدكم أن تعرفوا أنني اشتريت مؤخرًا امتيازًا من الجليل للكهنوت يسمح لي بمغفرة الخطايا وترأس حفلات الزفاف وتولى مهام رسمية في بار ميتزفه (إحتفال يُقام بمناسبة الوصول لسن 13 عام) “. لا، بدلاً من ذلك يقول، “لكني أريدكم أن تعرفوا أن ابن الإنسان له سلطان أن يغفر الخطايا،” والذي يبين أنها سلطة إلهية. يأمر الرجل المصاب بالشلل بالوقوف والتقاط فراشه والعودة إلى المنزل. والأكثر إثارة للدهشة أن الرجل يفعل ذلك. الشفاء المعجزي يحدث. يدعي يسوع لنفسه سلطة إلهية غير وسيطة، والتي تبدو، بالنسبة لأولئك المنغمسين في التوحيد اليهودي، كُفرية تمامًا. ومع ذلك، بطريقة ما، يشفى الرجل المصاب بالشلل. لدغة خطاب يسوع أنه ثبت أنه على حق. إذا استطاع أن يمشي مشلولًا، فلديه السلطان أن يعلن مغفرة الخطايا.
في أماكن أخرى، من الواضح أن يسوع عبر عن إحساس بالسلطة الإلهية غير الوسيطة التي دفعت السلطات إلى سؤاله عن أصلها (مرقس 11 :27-33)، وكان الرأي العام أنه تحدث بسلطة فريدة تميزه عن الكتبة (مرقس 1 :22، 27؛ متى 8: 9 / لوقا 7: 8). أعاد يسوع تشكيل الوصايا الإلهية بناءً على سلطته الخاصة (متى 5: 21، 27، 33، 38، 43)، وفي إحدى المرات ادعى سلطانه لتجاوز يوم السبت لأن ابن الإنسان كان “رب السبت” (مرقس 2: 27-28). قال العالم اليهودي الشهير جاكوب نيوسنر، في مقابلة حول كتابه “حاخام يتحدث مع يسوع”، أنه وجد نهج يسوع تجاه القانون (الشريعة) مقلقًا للغاية لدرجة أنه جعل نيوسنر يريد أن يسأل يسوع، “من تعتقد أنك تكون-الله؟”[10]
في مكان آخر، يعرّف يسوع نفسه على أنه ابن الله الذي هو الرب لابن داود، ووكيل الحكمة الإلهية، ومقر الحضور الإلهي، وحتى تعبير عن القوة الإلهية على الشر. يُذكر يسوع على أنه يشير إلى المسيا على أنه رب داود (مرقس 12 :35-37)، إلى نفسه كمبعوث للحكمة الإلهية (متى 11: 19 / لوقا 7: 35؛ متى 11 :28-30)، شخص أعظم من الهيكل (متى 12: 6) وأقوى من الشيطان (مرقس 3: 27؛ متى 12: 29 / لوقا 11: 21-22). هذه ليست ادعاءات بقدرات فوق بشرية، لكنها تدعي أنها الشخص الذي يجسد ملك الله، ويحمل حكمة الله إلى العالم، وينقل حضور الله بطريقة أكبر من الهيكل، وهو قادر على هزيمة خصم الله، الشيطان. عندئذٍ يمكن التعرف على يسوع من خلال نشاط الله في العالم وانتصاره على الشر. انتبه لهذه النقطة جيدًا. لا شيء من هذه المواد هو اقتلاع رخيص من هوميروس أو فيرجيل يقرأ باخلاص في حياة يسوع؛ بالأحرى، جميع هذه الأفكار متورطة في طرق يهودية تمامًا لتصور وجود الله في العالم ومقاصد الله للعالم.[11]
إنه لأمر مدهش كيف يصور لوقا يسوع على أنه يقترب من أورشليم، ليس كسائح متدين ولكن كشيء أكثر فخامة. التسلسل الكامل للوقا 19 هو أن وصول يسوع يشبه بشكل غريب. . . يمكن أن يكون. . . يشبه بغرابة. . . عودة يهوه إلى صهيون. من المؤكد أن يسوع يأتي كمسيا لإسرائيل، ولكن في ذلك المجيء نفسه هو تجلي لإله إسرائيل.
أولاً، أصبحت رحلة يسوع عبر أريحا مناسبة للانخراط في نشاط فاضح يظهر في استعداده لتناول العشاء في منزل جابي الضرائب المحتقر بشدة المسمى زكا (لوقا 19: 1-10). بالطبع، كان الاتكاء مع هؤلاء الأوغاد البغيضين أحد أكثر الأجزاء المميزة في مسيرة يسوع المهنية (انظر مرقس 2 :15-16؛ متى 11: 19 / لوقا 7: 34؛ لوقا 15: 1). كانت ممارسته في شركة المائدة المفتوحة مع الخطاة رمزًا لانفتاح الملكوت ومثّلت تحديًا جذريًا لافتراضات من “داخل” أو “خارج” مع الله. في نهاية القصة، بمجرد أن أصبحت توبة زكا علنية، يشرح يسوع سبب قيامه بهذه الأشياء بقوله: ” أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ” (لوقا 19: 10). لا يتكلم يسوع كنبي قديم ويخبر الخطاة الضالين أن يبحثوا عن الله ما دام يمكن العثور عليه (انظر عاموس 5: 4؛ صفنيا 2: 3). بدلاً من ذلك، يبحث يسوع عن الإسرائيليين المهمشين بطريقة تذكرنا كيف كان يعتقد أن الله في عودته إلى صهيون جاء لإعادة جمع القطيع الضائع من إسرائيل (إرميا 31 :10؛ حزقيال 34: 8-10؛ زكريا 9: 16). ليس من الصعب سماع أصداء مثل هذه النصوص هنا مع مجيء يهوه للبحث عن شعبه ورعايته باعتباره وصفًا مناسبًا لنشاط يسوع نفسه.
ثانيًا، يُقرأ المثل التالي للمواهب في لوقا 19 :11-27 عن رجل نبيل يسافر إلى الخارج ليحصل على ملكوته ثم يعود بعد ذلك على أنه توقع لمجيء يسوع الثاني. إن نسخة متى للمثل (مثل الأمناء في متى 25 :14-30) تعطي بالتأكيد هذا الانطباع عن طريق دمج المثل ببعض الملاحظات اللاحقة عن ابن الإنسان الذي يحكم على جميع الأمم في 25: 31-46. ومع ذلك، عندما يتشارك لوقا ومتى مواد من تقليد الأقوال (غالبًا ما يُطلق عليها “Q”)، وعادة ما يُنظر إلى نسخة لوقا على أنها النسخة الأكثر بدائية وتشبه إلى حد كبير أي رواية “أصلية” من قبل يسوع.[12]
علاوة على ذلك، فإن حساب لوقا للمثل لا يتعامل مع ما اعتقده جيل من العلماء ذات مرة، التأخير المخيف لعودة يسوع، محاولًا تفسير سبب استغراق مجيء يسوع الثاني وقتًا طويلاً. لاحظ هذا: سبب المثل ليس مشكلة تأجيل الملكوت. على العكس تمامًا، يخبرنا لوقا صراحةً أن السبب وراء نطق يسوع للمثل هو أن جمهوره كان لديهم توقع متزايد بقرب الملكوت (لوقا 19: 11). بعيدًا عن إطفاء مثل هذه الآمال في اقتراب الملكوت، فإن مثل يسوع يثيرهم أكثر كما يتضح من حماسة أتباعه في دخول النصر الذي يليه قريبًا (لوقا 19: 37-38).
فيما يتعلق بمثل المواهب نفسها، بدلاً من التفكير فيه قصة أخلاقية للمؤمنين ليكونوا مستعدين للمجيء الثاني الذي تم عرضه بشكل عفا عليه الزمن في منهج تعليم يسوع، ماذا لو لم يكن يسوع يتنبأ بمجيئه الثاني، ولكن ببساطة إعادة سرد قصة كتابية معروفة عن عودة يهوه إلى صهيون؟ من خلال القيام بذلك، أثار عمداً الآمال بأن عدل الله الخلاصي على وشك أن ينكشف بشكل درامي! باختصار، فإن فكرة عودة الملك بعد غياب قصير تتوافق تمامًا مع الآمال اليهودية في عودة يهوه إلى صهيون.[13]
ثالثًا، في نسخة لوقا لدخول النصر، اقترب يسوع من أورشليم باكيًا حزنًا على المدينة، مُطلِقًا نبوءة من الويل بقدر ماهي قصيدة رثاء: ” وَيَهْدِمُونَكِ وَبَنِيكِ فِيكِ، وَلاَ يَتْرُكُونَ فِيكِ حَجَرًا عَلَى حَجَرٍ، لأَنَّكِ لَمْ تَعْرِفِي زَمَانَ افْتِقَادِكِ “(لوقا 19: 44؛ راجع متى 23: 39). تواجه أورشليم عواقب وخيمة، الحرب مع روما، لأنهم لا يدركون أن الآن هو وقت الخلاص، والآن هو يوم زيارة الله لشعبه. توجد لغة “الزيارة” هذه أيضًا في مخطوطات البحر الميت للوصول الدرامي لـيهوه لإصدار حكمه.[14]
بشكل مأساوي، جاء اليوم العظيم لعودة يهوه، لكنه يلقى استقبالًا مُتفاوتاً. إذا كان الأمر كذلك، فقد لا يكون الحكم الإلهي في صالح إسرائيل، ولكنه قد يقع في الواقع على إسرائيل إذا لم يتوبوا عن خطاياهم. إجمالاً، عاد يسوع إلى أورشليم قاصداً أن يسن ويرمز ويجسد الرجاء الأقصى لعودة يهوه إلى صهيون. عودة إسرائيل للملك التي طال انتظارها لم تكن عودة أراجورن إلى جوندور-اعتذار لمشجعي LOTR سيد الخواتم-ولكن الله في يسوع الناصري جاء إلى شعبه في يوم من الزيارة.[15]
[1] Joseph Klausner, Jesus of Nazareth: His Life, Times, and Teachings (trans. Herbert Danby; London: Allen & Unwin, 1929), 169 – 70.
Emil Schürer, The History of the Jewish People in the Age of Jesus Christ (3 vols.; rev. and ed. by G. Vermes, F. Millar, and M. Black; Edinburgh: T&T Clark, 1973 – 86), 2:514 – 47; E. P. Sanders, Judaism: Practice and Belief 63 BCE — 66 CE (London: SCM, 1992), 289 – 98; N. T. Wright, New Testament and the People of God (COQG 1; London: SPCK, 1992), 299 – 338; James D. G. Dunn, Jesus Remembered (CITM 1; Grand Rapids: Eerdmans, 2003), 393 – 96.
[3]Robert L. Webb, John the Baptizer and Prophet: A Socio-Historical Study (Eugene, OR: Wipf & Stock, 2006), 222 – 27.
[4] John P. Meir, A Marginal Jew: Rethinking the Historical Jesus (ABRL; New York: Doubleday, 1991), 1:452.
[6] حتى إيرمان (Jesus, Apocalyptic Prophet, 186) يقول: “من أفضل تقاليد مصادرنا الباقية هو أن يسوع اختار اثني عشر من أتباعه ليشكلوا نوعًا من الدائرة الداخلية.”
[7] Ehrman, How Jesus Became God, 115 – 24; see Michael F. Bird, Are You the One Who Is to Come? The Historical Jesus and the Messianic Question (Grand Rapids: Baker, 2009).
[8] R. T. France, The Gospel of Mark: A Commentary on the Greek Text (NIGTC; Grand Rapids: Eerdmans, 2002), 126.
[10] Jacob Neusner, A Rabbi Talks with Jesus: An Intermillennial, Inferfaith Exchange (New York: Doubleday, 1993), cited from N. T. Wright, “Jesus and the Identity of God,” Ex Auditu 14 (1998): 22.
[11] Sigurd Grindheim (God’s Equal: What Can We Know about Jesus’ Self-Understanding in the Synoptic Gospels [LNTS 446; London: T&T Clark, 2011], 220),
يختتم دراسته حول فهم يسوع لذاته بالقول: “يسوع الذي ظهر هو يسوع الذي قال وفعل ما لا يستطيع إلا الله أن يقوله ويفعله. ادعاءاته لا مثيل لها مع التوقعات اليهودية للمسيح، والأفكار اليهودية فيما يتعلق بالشخصيات المجيدة من ماضي إسرائيل، وأعظم الملائكة، وحتى ابن الإنسان السماوي. ووفقًا للمصادر اليهودية المعاصرة، فإن هؤلاء الوكلاء الإلهيين لا يشتبكون مع الشيطان بشكل مباشر، ولا يقومون بتدشين الخليقة الجديدة. إنهم لا يغفرون الخطايا، ولا يصدرون بشكل مستقل الدينونة الأخروية النهائية. إنهم لا يضعون سلطتهم مقابل سلطان كلمة الله. ولا يطلبون ولاءاً له أسبقية على وصايا الله. “
[12] تبدو نسخة لوقا للمثل على وجه الخصوص وكأنها محاكاة ساخرة حول الصعود القصير لسلطة أرخيلاوس كخليفة هيرودس الكبير كحاكم ليهودا، والذي يشكل نموذجًا ساخرًا لمطالبة يسوع بالملك وسط معارضة.
[13] حول قراءة لوقا 19: 11 -27 بهذه الطريقة، انظر أيضًا، Wright, Jesus and the Victory of God, 632 – 39.
هل العهد الجديد يمكن الاعتماد عليه تاريخيًا؟ – بول بارنيت
هل العهد الجديد يمكن الاعتماد عليه تاريخيًا؟-بول بارنيت
دعونا نجمع خيوط الحجة معا. كان الهدف من هذا الكتاب هو فحص الموثوقية التاريخية للعهد الجديد. يريد معظم الناس معرفة ما إذا كان العهد الجديد صحيحًا تاريخيًا أم لا قبل أن يتمكنوا من البدء في التفكير في تصديق رسالته اللاهوتية. إذا كانوا يشكون في الحقيقة التاريخية للعهد الجديد، فهذه هي نهاية الأمر.
لم نطلب من القارئ أن يقبل أن وثائق العهد الجديد خاصة بأي طريقة دينية. يمكن مناقشة مسألة الموثوقية التاريخية بصرف النظر عن مسألة “الوحي”، وهذا ما فعلناه.
سيتفاجأ العديد من القراء بمعرفة مدى القواسم المشتركة بين الأناجيل وأعمال الرسل وأجزاء السيرة الذاتية من رسائل بولس مع كتاب التاريخ القدامى مثل ثيوقيديدس Thucydides أو يوسيفوس. قلة من كتّاب التاريخ في العصور القديمة، إن وجدت، كتبوا تاريخًا “خالصًا” لتزويد القارئ بحقائق “مجردة”. وقُدمت الحقائق، بالتأكيد، ولكن لتوضيح نقطة. كتب ثيوقيديدس، على سبيل المثال، ليقدم “معرفة دقيقة بالماضي” والتي ستعمل، كما قال، “كوسيلة مساعدة لتفسير المستقبل” (الحرب البيلوبونيسية Peloponnesian War 1. 23). قدم ثيوقيديدس سردًا واقعيًا ولكن كان لديه دافع أساسي للكتابة.
كان المؤرخ يوسيفوس (حوالي 37-96 م)، مثل معظم كتّاب العهد الجديد، يهوديًا، علاوة على ذلك، شخص تتداخل حياته مع حياة بولس. في السطور الافتتاحية لكتابه الحرب اليهودية Jewish War، أعلن يوسيفوس التزامه بالسرد الواقعي: “أنا. . . أرغب في تزويد رعايا الإمبراطورية الرومانية بسرد للوقائع “(1: 3). ومع ذلك، يمكن تمييز نواياه الأعمق بالكلمات التالية:
في تأملاتي في الأحداث لا أستطيع إخفاء مشاعري الخاصة. . . . بلدي. . . تدين الخراب للصراع الأهلي. . . . لقد كان الطغاة اليهود هم الذين أسقطوا على الهيكل المقدس أيدي الرومان غير المرغوبة. (1: 10)
ما يجعل يوسيفوس ممتعًا للغاية هو قدرته التي لا شك فيها على تقديم معلومات مفصلة وواقعية بينما يقدم في نفس الوقت للقراء “قضية” ثابتة ضد الثوار بين مواطنيه. تضيف أعمال يوسيفوس التاريخية إلى حد كبير معرفتنا بالشعب اليهودي في القرن الذي عاش فيه يسوع وولدت الكنيسة الأولى.
هذا الاهتمام بالحقائق، مع توضيح نقطة في نفس الوقت، يمكن ملاحظته أيضًا في كتاب الإنجيل، صراحةً في حالتي يوحنا ولوقا. قال يوحنا، على سبيل المثال، في إشارة إلى الصلب، ولكن بطريقة صحيحة في هذا الإنجيل بأكمله:
الذي رآه شهد – شهادته حق، وهو يعلم أنه يقول الحق – لكي تؤمنوا أنتم أيضًا. (يو 19: 35؛ راجع 21: 24؛ 20: 31).
شهد يوحنا “للحق” لكي “يؤمن” القارئ (20: 31). من جهته قال لوقا:
بدا لي أنه من الجيد أيضًا، بعد أن تابعت كل الأشياء عن كثب [بدقة؟] لبعض الوقت الماضي، أن أكتب تقريراً منظمًا لك. . . حتى تعرف حقيقة الأمور التي أطلعت عليها. (لو 1: 3-4)
بحث لوقا في المصادر وكتب سردًا منظمًا ودقيقًا زمنيًا، حتى يعرف القارئ أن ما تعلمه لوقا عن يسوع، ربما عن طريق الكلام الشفهي، صحيح تاريخيًا. سوف نتذكر أن كلمات لوقا تشكل مقدمة لكل من إنجيله وسفر أعمال الرسل.
كان كتاب الأناجيل وسفر أعمال الرسل أناسًا من زمانهم كما نحن في زماننا. في حين أن الأناجيل وأعمال الرسل تتميز بالعديد من السمات المميزة والمبتكرة، إلا أنها، بعبارات عامة، يمكن التعرف عليها كأمثلة لكتابة التاريخ في تلك الفترة. من غير المفيد وغير الصحيح اعتبارها مجرد أعمال دينية أو لاهوتية.
كما أنها ذات طابع تاريخي لا لبس فيه. كمصادر تاريخية لهذه الفترة، تعتبر الأناجيل ذات قيمة للمؤرخ العام مثل يوسيفوس، إلا أنها على عكس يوسيفوس تركز على شخص واحد ولفترة وجيزة. كتب المؤرخ الروماني البارز أ.ن.شيروين وايت، على سبيل المثال، عن اعتمادنا على أمثال يسوع لفهم الحياة في الجليل في ذلك الوقت:
إن نمط الحياة، الاجتماعي والاقتصادي والمدني والديني، هو بالضبط ما يمكن توقعه في منطقة الجليل المنعزلة. . .. يعد غياب التلوين اليوناني الروماني سمة مقنعة للسرد الجليلي والأمثال.[1]
يمضي شيرون وايت ليقول أن “السرد. . . يتماسك بشكل جميل. ” لذلك، تأخذ الأناجيل وأعمال الرسل مكانها كوثائق تاريخية نشأت من فترة معينة وتوضحها أيضًا.
لقد زعمنا أن المصادر المسيحية لا تقل أهمية عن المصادر غير المسيحية لمعرفتنا بالتاريخ. هل يمكن إثبات ذلك؟ دعونا نتحرى عن فترة السبعين من سنة 6 ق.م. إلى 60 م، والتي تشمل حياة يسوع والجيل الأول من أتباعه. سوف نلاحظ مما يلي أن هناك عددًا من النقاط التي “تتقاطع” عندها المصادر المسيحية وغير المسيحية. على سبيل المثال، تشير كلتا المجموعتين من المصادر إلى أن أرخيلاوس خلف هيرودس حاكمًا على اليهودية، وأنه بعد ذلك، عندما كان كيرينيوس حاكمًا لسوريا، خضع شعب يهودا لشكل من الضرائب الشخصية التي فرضها الرومان.
عندما تقارن مجموعتي المعلومات، ستلاحظ أن المصادر المسيحية مفصلة ودقيقة مثل المصادر غير المسيحية. تساهم المصادر المسيحية، على قدم المساواة مع المصادر غير المسيحية، في قطع المعلومات التي تشكل جزءًا من نسيج التاريخ المعروف. في المسائل ذات التفاصيل التاريخية، يعتبر الكتاب المسيحيون بالنسبة للمؤرخ في نفس قيمة غير المسيحيين.
ما هو الهدف من هذه المقارنات؟ هذا فقط: إذا ثبت عند نقطة “التقاطع” أن الأدلة المسيحية عن الملوك والحكام وغيرهم من الأشخاص المهمين يمكن الاعتماد عليها من خلال الأدلة غير المسيحية، ألا ينبغي لنا أيضًا قبول الأدلة المسيحية حول الأشخاص الأقل موثوقية على الرغم من عدم وجود أدلة غير مسيحية “متقاطعة”؟ لكي نكون متسقين، سنكون مستعدين لقبول يايرس ويوسف الرامي ونيقوديموس، على سبيل المثال لا الحصر، ثلاثة شخصيات حقيقية من التاريخ، على الرغم من عدم تسجيلهم في المصادر العلمانية بسبب الافتقار إلى الشهرة.
كيف يمكننا التأكد من تاريخية حدث أو شخص في العصور القديمة؟ قد يكون أحد المصادر التاريخية كافياً لإثارة الثقة، خاصةً إذا كان الكاتب، في النقاط التي يمكن التحقق منها، قد أثبت أنه جدير بالثقة. ولكن إذا كان لدينا أكثر من مصدر، وإذا كانوا مستقلين، فإن الأرضية أقوى.
تخبرنا كتب التاريخ المدرسية أن حربًا كبرى وقعت في فلسطين في 66-70 بعد الميلاد بين اليهود والرومان. لكن هل حدث ذلك في الواقع؟ كيف يعرف مؤلفو الكتب المدرسية؟ كيف يمكننا ان نعرف؟
في حرب يوسيفوس اليهودية لدينا تاريخ مكتوب رئيسي ومفصل للصراع. لكن بالإضافة إلى ذلك، لدينا بعض المعلومات من تاسيتوس (55 م -120 م)، سوتونيوس (69 م -140 م) وديو كاسيوس (150 م حتى أوائل القرن الثالث). وهناك أيضًا بعض العملات المعدنية التي قام الثوار اليهود بسكها، بالإضافة إلى المكتشفات الأثرية في مسعدة حيث تعرضت إحدى الفصائل لحصار روماني. من المؤكد أن هناك بعض التفاصيل غير الدقيقة، وبعض التناقضات -هذه هي طبيعة المصادر الأولية -لكن لا شك في أن الحرب وقعت.
وبالمثل، كيف يمكننا أن نعرف أن يسوع الناصري كان شخصية حقيقية في التاريخ؟ طريقة التحقيق هي نفسها من حيث المبدأ تمامًا مثل تحديد حقيقة الحرب اليهودية. في حالة يسوع ليس لدينا مصدر واحد بل مصادر كثيرة. معظمهم، بالتأكيد، مواتون، لكن البعض محايد، والبعض الآخر معاد.
دعونا نلخص بعض الطرق التي يمكننا من خلالها التحقق بموضوعية من البيانات التاريخية من مصدر إلى آخر فيما يتعلق بيسوع والأصول المسيحية.
يخبرنا الكتاب غير المسيحيين مثل تاسيتوس ويوسفوس أن يسوع كان شخصية تاريخية أُعدم في اليهودية في وقت ما بين 26 و36 بعد الميلاد؛ يخبرنا بليني أنه كان يُعبد كإله. تخبرنا المصادر غير المسيحية أن الحركة المسيحية انتشرت في أماكن كثيرة بما في ذلك روما بحلول 50 م أو قبل ذلك.
تشير البيانات الواردة في سفر أعمال الرسل ورسائل بولس عند فحصها مقابل النقوش السياسية ومصادر أخرى إلى أن رسائل بولس كُتبت في الفترة من 50 إلى 65 بعد الميلاد. هذه التواريخ دقيقة خلال سنة أو سنتين من هذا الإطار الزمني.
يقتبس قادة الكنيسة الأولى مثل كليمندس الروماني وإغناطيوس وبوليكاربوس، الذين كتبوا في وقت متأخر من القرن الأول وأوائل القرن الثاني، على نطاق واسع من كل لفائف العهد الجديد تقريبًا، مما يثبت وجودهم واستخدامهم بحلول عام 100 على أبعد تقدير. من الواضح أن رسائل بولس أقدم بكثير وربما تكون أجزاء أخرى كذلك. تمت كتابة أدب العهد الجديد في وقت أقرب إلى يسوع من العديد من الكتابات القديمة للأحداث أو الأشخاص الذين يصفونها.
إن الانتشار السريع للمسيحية في جميع أنحاء العالم الناطق باليونانية ومن هناك إلى المناطق الناطقة باللاتينية والسريانية والقبطية جنبًا إلى جنب مع الحاجة المصاحبة لمخطوطات للقراءة في الكنيسة واستمرار العديد من هذه المخطوطات يعني أننا اليوم قادرون علميًا على إعادة بناء نص مخطوطات العهد الجديد، إلى حد الكمال تقريبًا، كما كُتب في الأصل.
يمنحنا وجود أربعة أناجيل وليس إنجيل واحد، العديد من الفرص للتحقق من العديد من التفاصيل حول يسوع، وهو الشخصية المحورية. بالنسبة لاثنين من الكتاب، مارك وجون، تم تقديم ادعاءات شهود عيان، وحاولنا إظهار مدى معقولية تلك الادعاءات. يدمج الآخران، متى ولوقا، مَرقُس في أناجيلهما، وهي حقيقة تسمح لنا بالتحقق من دقتها أو إمكانية المبالغة فيها. بينما لا يتبع أي من المؤلفين مرقس بخشوع، يظهر كلاهما ككتبة رصينين وحذرين. من خلال التحقق من الكاتب المستقل ضد المؤلف المستقل، يمكننا أن نكون واثقين من تفاصيل وظروف ولادة يسوع، والخطوط العريضة وطبيعة أنشطته في الجليل واليهودية، وظروف خيانته وإعدامه، فضلاً عن ظروف قيامته. ومع ذلك، فقط بالمعنى الواسع يمكن إعادة بناء “حياة يسوع” من المصادر، لأنها أناجيل وليست سير ذاتية بالمعنى الحديث. لقد كُتب كل منهم لتقديم يسوع وإعلانه، وليس ليكون موضوعًا للبحث التاريخي. كونهم كذلك، وإلى حد كبير، أمر عرضي لوظيفتهم الأساسية.
يشير كل من لوقا-أعمال ويوحنا، اللذان كتبوا بشكل مستقل، إلى المجيء التاريخي للروح القدس بعد فترة وجيزة من خدمة يسوع. كُتب إنجيل يوحنا بطريقة تفترض هذا الحدث (على سبيل المثال، يو 7: 39)، بينما كتب لوقا تحديدًا ليصف متى وكيف حدث ذلك (أعمال الرسل 2: 1-4؛ 11: 16-17).
رسائل بولس وأعمال الرسل، التي كُتبت أيضًا بشكل مستقل، مفتوحة للتحقق المتبادل في عدد من النقاط. بهذه الطريقة يمكننا أن نكون واثقين من وجود كنيسة أورشليم وقيادتها (أعمال الرسل 1-7؛ غلاطية 1: 18-2: 9). المصادر نفسها، عند التحقق من صحتها، تثبت الانتشار التاريخي للمسيحية في العالم الوثني، بما في ذلك روما نفسها (أعمال الرسل 28: 16؛ فيلبي 1: 13؛ 4: 22)، وهي نقطة أكدها تاسيتوس أيضًا (حوليات 15: 44: 2-8). في العديد من النقاط ذات الأهمية التاريخية حول يسوع والبدايات المسيحية، ليس لدينا مصدر واحد بل عدة مصادر مستقلة، وليست جميعها متعاطفة مع يسوع. إذا قبلنا تاريخية الحرب اليهودية على أساس المصادر المستقلة التي يمكن التحقق منها، فمن غير المتسق الشك في الطابع التاريخي الأساسي ليسوع والكنيسة الأولى.
الملحق: التداخلات بين كتب العهد الجديد والتاريخ العلماني
عندما سمع [أغسطس] أن هيرودس ملك اليهود أمر بقتل جميع الأولاد في سوريا دون الثانية من العمر وأن ابن الملك من بين القتلى، قال: “أفضل أن أكون خنزير هيرودس على أن أكون ابن هيرودس.”
يرتدي ثوبًا منسوجًا بالكامل من الفضة. . . دخل المسرح عند الفجر. هناك الفضة، مضاءة بلمسة من أشعة الشمس الأولى. . . من وحي الرهبة. . . خاطبه المتملقون كإله. . . فلم ينتهرهم الملك. . . شعر بطعنة من الألم في قلبه. . . بعد خمسة أيام. . . رحل عن هذه الحياة.
بعد وفاة هيرودس [ملك خالكيش] الذي كان عمها وزوجها، عاشت برنيكي أرملة لفترة طويلة. ولكن عندما اشتهر التقرير بأنها كانت على اتصال بأخيها [أغريباس] حثت بوليمو ملك كيليكيا على الختان والزواج منها.
(Jewish Antiquities 20.145)
لقراءة أكثر تعمقاً
Howard Marshall, I Believe in the Historical Jesus (Grand Rapids: Eerdmans, 1977).
John A. T. Robinson, Can We Trust the New Testament? (Grand Rapids: Eerdmans, 1977).
[1] A. N. Sherwin-White, Roman Society and Roman Law in the New Testament, (Oxford: Oxford University Press, 1965), pp. 138-39.
على الرغم من أن الإنجيل الثاني لا يذكر من كتبه، إلا أن مسيحيي القرن التالي لم يكن لديهم أدنى شك. كان رأيهم بالإجماع أن مَرقُس كتبه على أساس المعلومات التي قدمها بطرس. وقت كتابته حوالي عام 110 م في هيرابوليس في آسيا الصغرى، قال بابياس، “سامع يوحنا”:
مرقس. . . بعد أن كان مترجم بطرس، كتب. . . كل ما تذكره مما قاله الرب أو فعله. لأنه لم يسمع الرب ولم يكن من أتباعه بل في وقت لاحق. . . من بطرس. (مقتبس في تاريخ الكنيسة ليوسابيوس 3. 39)
وهذا أيضًا رأي يوستينوس الذي كتب في روما حوالي 150 م، ورأي إيريناوس في بلاد الغال حوالي 170 م وإكليمندس السكندري حوالي 180 م. ولكن هل كان بطرس ومرقس قادرين على كتابة إنجيل مرقس؟ يعتقد العديد من العلماء المعاصرين الآن أن هذا الإنجيل، على الرغم من بساطته الواضحة، هو قطعة أدبية عميقة ومكتوبة بمهارة. هل كان قوم متواضعون مثل بطرس ومرقس قادرين على إنشاء وثيقة كهذه؟
بطرس ويوحنا مرقس
هل كان بطرس هو الشخص الفقير والأمي الذي يُفترض في كثير من الأحيان أنه كان كذلك؟ في الواقع، كان يشارك في صيد الأسماك (لوقا 5: 10)، وكان يمتلك، مع أخيه أندراوس، منزلاً في كفرناحوم (مرقس 1: 29). اسمه الأصلي، سمعان، هو اسم يوناني؛ جاء من منطقة جليل الأمم، وهي منطقة ثنائية اللغة. نظرًا لأنه كان شخصًا ذا إمكانيات متواضعة على الأقل، فقد يُفترض أنه كان متعلمًا، لأن الناس من فئته الاجتماعية والاقتصادية كانوا متعلمين عادةً إلى حد ما.
بعد فترة من قيامة يسوع، انتقل بطرس إلى أورشليم، حيث ظل لمدة عشر سنوات (33-43) زعيمًا للجماعة المسيحية في أورشليم والمتحدث باسمها أمام الجموع (أعمال الرسل 2: 14-42؛ 3: 12-26) وكذلك لرؤساء الكهنة (أعمال الرسل 4: 8-12؛ 5: 29-32). لا شك أن بعض التطور الشخصي والفكري حدث عندما انتقل بطرس من شركة صيد الأسماك في كفرناحوم إلى أورشليم، عاصمة العالم للشعب اليهودي، حيث شارك في أنشطة مثل القيادة والوعظ والتعليم (أعمال الرسل 2: 40، 42؛ 6: 2).
لكن خلال هذه الفترة، لم يكن بطرس محصوراً في أورشليم؛ بعد مقتل إسطفانوس وتشتت المسيحيين الهيلينيين، سافر بطرس (مع يوحنا زبدي) إلى السامرة (أعمال الرسل 8: 14-25) للتحقق من كرازة فيليبس للسامريين وتعزيزها. في وقت لاحق، زار مجموعات مسيحية في لُدة ويافا (أعمال الرسل 9: 32-43)، وربما زار مجموعات أخرى في الشريط الساحلي ثنائي اللغة من أزوت إلى قيصرية حيث كان فيليبس نشطًا (أعمال الرسل 8: 40). في النهاية جاء إلى قيصرية، المدينة الحامية الرومانية حيث استقر فيليبس (أعمال الرسل 8: 40؛ 21: 8) وتحدث في منزل مسئول روماني كبير، كرنيليوس (أعمال الرسل 10: 24-48).
في حوالي 43 م، انتقلت قيادة كنيسة أورشليم إلى يعقوب، شقيق الرب، منذ أن أجبر بطرس على الفرار بسبب اضطهادات هيرودس أغريباس (أعمال الرسل 12: 1-3، 17).
ومع ذلك، فقد بقي في مدار كنيسة أورشليم، يشار إليه على أنه أحد “أعمدتها”، على الرغم من أنه بحلول ذلك الوقت (حوالي 47) ورد اسمه بعد اسم يعقوب (غلاطية 2: 9).
في اجتماع “القمة” التبشيري حوالي 47 م (غلاطية 2: 7-9) تم الاتفاق على أن يذهب بطرس ويعقوب ويوحنا إلى اليهود بالرسالة المسيحية. من الواضح أن هذا ما شرع بطرس في فعله. نسمع عنه في أنطاكية حوالي 49 م (غلاطية 2: 11-14) وفي كورنثوس حوالي 53 م (1 كورنثوس 1: 12؛ 9: 5). يبدو أن الرسالة الأولى لبطرس قد كُتبت من روما (بطرس الأولى 5: 13 “بابل” = روما) في أوائل الستينيات.
إن قصة بطرس هي قصة رائعة. بدأ كصياد مغمور في كفرناحوم النائية وعندما سُمِعَ عنه آخر مرة كان في روما، عاصمة الإمبراطورية. في العقود الثلاثة الفاصلة، رافق يسوع في الجليل واليهودية، وقاد الكنيسة في أورشليم، وكان قائدًا إرساليًا متجولًا في فلسطين، وسافر كمبشر إلى يهود الشتات في سوريا واليونان وإيطاليا. هل من غير المعقول حقًا أن يقوم شخص يتمتع بهذا الاتساع من الخبرة، على الرغم من أصوله المتواضعة نسبيًا، بتوفير المعلومات الأساسية للإنجيل الثاني؟
ماذا عن يوحنا مرقس؟ كان منزل والدته على ما يبدو مكانًا رئيسيًا للقاء لكنيسة أورشليم، أو ربما ذلك الجزء منه الذي كان ينظر إلى قيادة بطرس على عكس يعقوب (أعمال 12: 12-17؛ راجع غلاطية 1: 18-19). تشير الإشارة إلى “بيت مريم” إلى أنها كانت أرملة؛ لم يتم ذكر والد مرقس أبدًا. كان منزلًا كبيرًا على ما يبدو لأن “الكثيرين اجتمعوا معًا. . . يصلون “(أعمال 12: 12). إن وجود الخادمة (أعمال الرسل 12: 13) يضيف إلى صورة مؤسسة كبيرة، ربما ثرية، ينتمي إليها يوحنا مرقس. إسميه، يوحنا (بالعبرية) ومرقس (باليونانية أو اللاتينية)، جنبًا إلى جنب مع خلفية غنية على الأرجح، يجعلان من المرجح أن هذا الرجل كان متعلمًا وثنائي اللغة، مع اليونانية كلغته الثانية.
كان يوحنا مرقس مرتبطًا بقادة مشهورين. كان ابن أخت برنابا (كولوسي 4: 10)، الذي رافقه حوالي 50 في ما كان على الأرجح جولة تبشيرية في قبرص (أعمال الرسل 15: 39). في وقت سابق، حوالي 47، كان الزميل الأصغر لبرنابا وبولس في الجزء الأول من الرحلة التبشيرية لقبرص وجنوب غلاطية (أعمال الرسل 13:13). تم حل الخلاف بين بولس ويوحنا مرقس (أعمال الرسل 15: 37-39) فيما بعد، حيث أشار بولس إليه لاحقًا على أنه “زميل عامل” (فيليمون 23) وكشخص يحتاج إلى مساعدته (2 تيموثاوس 4: 11). بطرس، الذي يكتب من روما حوالي 63، يشير بمودة إلى مرقس على أنه “ابني” (1 بطرس 5: 13)، ربما يعكس علاقة أب بديل تعود إلى أورشليم في الثلاثينيات والأربعينيات.
يحتوي الإنجيل الذي يحمل اسم مرقس على تفاصيل لا توجد بشكل ملحوظ في أي إنجيل آخر. عند القبض على يسوع في أورشليم، “تبعه شاب، ولم يكن في جسده سوى قماش من القماش؛ فأمسكوه وترك القماش وركض عريانا “(مرقس 14: 51-52). هذا، وفقًا لوليام باركلي، “حادث تافه للغاية وغير ذي صلة لإدخاله في المأساة الكبيرة للأحداث في البستان.”[1] يقتبس من تي زان: “يرسم مرقس صورة صغيرة لنفسه في زاوية عمله”. لو كان مَرقُس في الواقع “الشاب”، فهل نقول، عشرين عامًا في حوالي العام 33 م، بحلول أوائل الستينيات عندما افترض الكثيرون أنه كتب إنجيله، لكان قد بلغ الخمسين عامًا تقريبًا.
كان يوحنا مرقس، إذن، من خلفية مالية قوية، وبالتالي فهو متعلم وثنائي اللغة. لقد كان زميلًا مقربًا لبرنابا وبولس وبطرس، وبحلول الوقت الذي بلغ الخمسين من عمره كان قد عمل كزميل تبشيري مع قادة الكنيسة المشهورين لمدة عقد ونصف.
دعونا نفكر في معلومة أخرى. في مقدمة كتابه المكون من مجلدين، يقر لوقا أنه تلقى معلومات مكتوبة عن يسوع من “خدام” معينين قبله، ومن المؤكد أن أحدهم كان كاتب مرقس، حيث أن الكثير من إنجيله مدرج في الإنجيل بحسب لوقا. الكلمة اليونانية التي تعني خادم هي ὑπηρέτηςهوبيراتس، والتي عرّفها جيرهارد كيتل بأنها “مساعد للآخر كأداة لإرادته” وهي كلمة استخدمها لوقا ليوحنا مرقس في الجولة التبشيرية الأولى. برنابا وبولس كان يوحنا كـ ” ὑπηρέτης “-خادمهما أو مرافقهما. هل يُطابق لوقا يوحنا مرقس ὑπηρέτης (أعمال الرسل 13: 5) بمؤلف النص الذي اعتمد عليه (لوقا 1: 2)؟
استنتاجنا هو أنه فيما يتعلق بالتعليم والخبرة، كان من الممكن أن يكتب بطرس ويوحنا مرقس الإنجيل الثاني، كما ادعى كتّاب مسيحيون في القرن الثاني. لكن هل فعلوا ذلك؟ لسوء الحظ، كما رأينا، لا يذكر هذا الإنجيل من كتبه، إلا ربما للإشارة إلى أن المؤلف كان “الشاب” في أورشليم الذي فر عارياً في الظلام ليلة القبض على يسوع. إن مسار التحقيق الوحيد المتاح لنا هو أن نقرر ما إذا كانت المعلومات الواردة في الإنجيل وطريقة تقديمها متوافقة مع سلطة بطرسية-مرقسية. إذا كان بطرس هو مصدر المعلومات التي استخدمها مرقس، فإننا نتوقع اكتشاف عناصر السيرة والتاريخية. لكن هل نجدهم؟
إعلان أم تاريخ؟
“بداية إنجيل يسوع المسيح، ابن الله” -هذه هي الكلمات التي بدأ بها الإنجيلي الثاني كتابه وأصبح عنوانه. ما كتبه هو “إنجيل”، وهو الوحيد من بين الأربعة التي ندعوها أناجيل الذي أطلق على نفسه اسم الإنجيل. في أماكن أخرى من العهد الجديد، الإنجيل هو “إعلان” أو “كلام”؛ هذه هي الحالة الوحيدة التي تمت كتابته فيها. لذلك فإن إنجيل مرقس هو إعلان مكتوب وإنجيل مكتوب.
يوجد عدد من ملخصات الإنجيل “المُعلَن” في أعمال الرسل، على سبيل المثال، عندما تحدث بطرس إلى كرنيليوس وعائلته في قيصرية (أعمال الرسل 10: 34-43). كانت النقاط الرئيسية التي ذكرها بطرس لهم هي:
بعد المعمودية التي أعلنها يوحنا المعمدان
مَسَحَ الله يسوع الناصري بقوة
حتى أعلن الإنجيل ابتداءً من الجليل وفي جميع أنحاء اليهودية.
كان الله معه وهو يتجول في شفاء كل من يضطهده الشيطان.
صلبه أهل أورشليم
ولكن الله أقامه في اليوم الثالث
في عام 1932، لاحظ سي إتش دود أن هذا الملخص لخطاب بطرس يشبه إلى حد بعيد تسلسل وهيكل “الإنجيل” المكتوب، وخاصة إنجيل مرقس. وفقًا لدود، كان الإنجيل المكتوب نسخة موسعة من الإنجيل المنطوق.
كتب الإنجيلي الثاني إنجيله للقراءة العامة للكنيسة. وهذا واضح من تعليمات المؤلف لقارئ الكنيسة لشرح مادة غامضة (“دع القارئ يفهم” مر 13: 14). هل من المناسب أن يكون طول ثلثي أحداث هذا الإنجيل أقل من عشر جمل؟ من المؤكد أن السرد سريع الحركة وجذاب، مع حد أدنى من الكلام المسجل. كان أحد أكثر العروض المسرحية نجاحًا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية في لندن، والذي تم عرضه ليلاً في منازل ممتلئة، يتألف من طاقم من شخص واحد كان نصه الوحيد هو نص إنجيل مرقس. بالرغم من كتابته، يظل إنجيل مرقس بطريقة ما “إعلان”. هل المقصود هو إثارة عواطفنا وتحريك إرادتنا للإيمان بيسوع؟
لا توجد طريقة يمكن اعتبارها مجرد “حياة يسوع”. يدخل يسوع البالغ ببساطة القصة بالقرب من البداية ويكون محور الاهتمام في الحلقات التالية. هناك غياب شبه كامل لتفاصيل السيرة مثل اسم والده أو مكان ولادته أو تعليمه أو عمره أو مظهره.[2] تُروى القصة بإحساس كبير بالدراما، بحيث أنه على الرغم من أن يسوع كان سيزور أورشليم للاحتفال بالأعياد اليهودية تسع أو عشر مرات خلال فترة الثلاث سنوات من حياته العامة، إلا أن هذا الإنجيلي جعله يذهب إلى هناك مرة واحدة فقط -ليموت!
تاريخية وجغرافية إنجيل مرقس
هل هذا الإنجيل، إذن، لا علاقة له بالسيرة وغير تاريخي؟ الجواب هو أنه على الرغم من أنه يأتي بشكل أساسي في شكل “إعلان”، إلا أن هناك أيضًا أربعة عناصر تاريخية على الأقل تميز إنجيل مرقس.
السياق التاريخي العام. يسمح لنا إنجيل مرقس بوضع يسوع في سياق تاريخي معروف. بدأ حياته العامة في الجليل بعد إلقاء القبض على النبي الشهير يوحنا المعمدان (مر 1: 14). مهمته، وكذلك مهمة تلاميذه، حدثت خلال الفترة التي كان هيرودس أنتيباس رئيس رباعي الجليل وبيرية (6: 14). حوكم من قبل حاكم اليهودية الروماني، بيلاطس البنطي، وصلب بقراره (15: 15). هؤلاء الثلاثة هم علامات تاريخية لخدمة يسوع في إنجيل مرقس، لأنهم معروفون جيدًا في مصادر تاريخية أخرى -يوحنا موجود في يوسيفوس؛ أنتيباس في يوسيفوس وتاسيتوس؛[3] وبيلاطس في فيلو ويوسيفوس وتاسيتوس.
يعطي مرقس ويوسيفوس أسماء مختلفة لزوج هيروديا السابق قبل أن تتزوج من أنتيباس (مرقس 6: 17؛ الآثار 18. 136)،[4] ولكن هذه تفاصيل ثانوية نسبيًا ولا تنتقص من التوافق الكلي لمرقس في سياق تاريخي معروف.
الهيروديون. يشير إنجيل مرقس إلى جماعة تعرف باسم الهيروديين،[5] عارضوا يسوع بشدة في كل من الجليل وأورشليم (مر 3: 6؛ 12: 13). على الرغم من أن العلماء غير متأكدين من تكوينهم الدقيق ومنطقهم، إلا أن تاريخيتهم ليست موضع تساؤل. من المهم أن إنجيل مرقس هو المصدر الأساسي الوحيد للمعلومات التاريخية لهذه المجموعة. من الواضح أن إشارة متّى الوحيدة مشتقة من مَرقُس (متى 22: 16 = مر 12: 13). لم يرد ذكر الهيروديين في لوقا أو يوحنا.
التفاصيل الجغرافية. يصور إنجيل مرقس يسوع على أن مقره في كفرناحوم (انظر أيضًا متى 4: 13) على الشاطئ الشمالي للجليل، لكنه يذكر أنه احتاج بشكل متزايد إلى الانسحاب خارج الجليل لأسباب مختلفة وعلى ما يبدو لفترات طويلة أكثر فأكثر.[6] على الرغم من أن المؤلف لم يوضح ذلك، إلا أن القراءة المتأنية تجعل الأمر على الأرجح كذلك.
بعد أنشطته الأولية والمذهلة في كفرناحوم (مرقس 1: 28، 33) انسحب يسوع بسبب الجموع (1: 37 -38) إلى “كل الجليل، يكرز في مجامعهم” (1: 39).
بالعودة إلى كفرناحوم (2: 1) أصبح من الضروري المغادرة بسبب مؤامرة الفريسيين والهيروديين (3: 6). انخرط في الخدمة العامة على ضفاف بحيرة طبريا (3: 7) وذهب إلى جبل غير معروف لتعليم الاثني عشر (3: 13).
مرة أخرى في كفرناحوم (3: 19)، بعد خلاف مع الكتبة من أورشليم، انسحب إلى شاطئ البحر للتعليم العام (3: 22 -4: 1). مكث في القارب الذي كان يتحدث منه وسافر مباشرة إلى ديكابوليس [المدن العشر] (4: 1، 35 -36؛ 5: 1). بعد أن عبروا البحر إلى المدينة التي عاش فيها يايرس (5: 21 -43)، زار الناصرة (6: 1-6) ثم زار قرى الجليل (6: 6).
عندما عاد يسوع إلى كفرناحوم، أرسل الاثني عشر لمهمتهم في القرية (6: 7)؛ رجعوا إليه (6: 30)، تبعهم رجال من “جميع المدن” (6: 33)، بعد أن لفتت مهمتهم انتباه هيرودس أنتيباس (6: 14). انسحب مرة أخرى، وأخذ تلاميذه معهم، إلى الجانب الشمالي الشرقي من البحيرة عند بيت صيدا أو بالقرب منها (انظر لوقا 9: 10) حيث سعى الشعب إلى جعله ملكًا (انظر يو 6: 14-15).
تم العثور على يسوع بعد ذلك في جينيسارت في الجليل (مر 6: 53)، حيث عاد إلى كفرناحوم وانخرط في نزاع خطير مع الفريسيين المحليين وكتبة أورشليم (7: 1). غادر مرة أخرى، وتوجه هذه المرة إلى مناطق صور وصيدا على الساحل البعيد لفينيقيا (7: 24)، ومن هناك إلى منطقة ديكابوليس (7: 31)، حيث أطعم أربعة آلاف (8: 1-9).
كانت زيارة يسوع التالية للجليل قصيرة. عندما ذهب هو والتلاميذ من ديكابوليس إلى دلمانوثة (8: 10)، كان هناك خلاف آخر مع الفريسيين (8: 11-12)، لذلك غادروا على الفور على متن قارب إلى بيت صيدا (8: 13، 22)، مع تحذير يسوع لتلاميذه من “خميرة الفريسيين و. ..هيرودس [أنتيباس] “(8: 15)، مصدرا المقاومة اللذان دأبا على إجباره على الخروج من الجليل. من بيت صيدا سافروا إلى المناطق الشمالية والجبلية من قيصرية فيلبي (8: 27)، بالقرب من منبع الأردن. بعد ستة أيام من إعلان بطرس أن يسوع هو “المسيح” (8: 29)، أخذ يسوع ثلاثة من التلاميذ إلى “جبل عالٍ” (من المحتمل أن يكون جبل حرمون، على مقربة من ارتفاع ميلين وحوالي اثني عشر ميلاً ونصفًا شمال شرق قيصرية فيليبي). – نصف ميل شمال شرق قيصرية فيليبي)، حيث حدث التجلي (9: 2-8). من هناك انطلقوا إلى أورشليم، عائدين إلى الجليل، لكن في سرية شديدة (9: 30)، ورجعوا إلى “البيت” في كفرناحوم (9: 33). ثم تبع يسوع والإثني عشر وادي الأردن (10: 1)، وأتوا في النهاية إلى أريحا (10: 46) وفي النهاية إلى أورشليم (11: 1، 11).
وهكذا ينقل إنجيل مرقس إحساسًا قويًا بالنشاط المكثف في الجليل، ومقره كفرناحوم ولكن مع فترات انسحاب إجباري إلى المناطق المجاورة في الغرب والشرق والشمال. رواية مَرقُس، التي تُروى من منظور المعارضة المستمرة للفريسيين المحليين والأورشليميين ومع التهديد الدائم لرئيس الربع هيرودس أنتيباس (والهيروديين)، يُعبَّر عنها بمصطلحات حركة جغرافية محددة داخل الجليل وخارجه، وبالتالي فهي معقولة تاريخياً.
الروابط بين الأحداث. إن إنجيل مرقس، على الرغم من ادعاءات بعض العلماء بأنه مجموعة عشوائية من الأحداث بدون قصة متطورة، إلا أنه يحتوي في الواقع على عدد من روابط السيرة والتاريخ بين الأحداث.
أحد الأمثلة على ذلك هو المنزل في كفرناحوم الذي كان يخص سمعان (وشقيقه أندراوس؟) الذي جاء إليه يسوع (مر 1: 29) وحيث أقام في البداية (1: 33، 35-36). عاد إلى هذا المنزل بعد انسحاباته الطوعية والقسرية المختلفة من كفرناحوم (2: 1؛ 3: 19؛ [7: 17]؛ 9: 33). من الواضح أن هذا المنزل أصبح منزله الخاص وقاعدة عملياته للخدمة في الجليل الأكبر والمناطق خارج الجليل.[7] تشير إشارات “بيت” كفرناحوم هذا، والتي تمتد عبر أحداث مختلفة لأكثر من نصف الإنجيل، إلى أن إنجيل مرقس، بشكل عام، له طابع تاريخي.
مثال آخر هو علاقة يسوع بأناس في بلدة أخرى -مدينته، الناصرة. غادر الناصرة ليعتمد على يد يوحنا في نهر الأردن (مرقس 1: 9)، واستقر بعد ذلك في كفرناحوم (1: 29؛ متى 4: 13). يُشار إليه بانتظام باسم “يسوع من الناصرة” (1: 24؛ 10: 47؛ 16: 6) أو “يسوع الناصري” (14: 67). بصرف النظر عن زيارته إلى الناصرة بعد معموديته (لوقا 4: 16-30)، يبدو أنه لم يعد هناك لبعض الوقت. عندما عاد، كان أهل الناصرة متشككين للغاية (مر 6: 2) لدرجة أنه أدلى بملاحظته الشهيرة أن “النبي ليس بلا كرامة إلا في بلده” (6: 4). أولئك الذين لم يكرّموا هذا النبي هم أبناء “وطنه” (مقاطعة أو منطقة)، و “أقاربه” (العائلة الممتدة) و “بيته” (عائلته المباشرة، كما في 6: 3 -مريم،[8] والدته وإخوته يعقوب ويوسى ويهوذا وسمعان وأخواته [الذين لم يذكروا بالاسم]). كانت شكوك الناصرة شاملة، وامتدت من عائلته المباشرة عبر شبكة الأقارب إلى المجتمع الأوسع.
لم يكن هذا الشك في الناصرة جديدًا. في وقت سابق “عائلته” (مر 3: 21)، أي أمه وإخوته (3: 31)، انطلقوا من الناصرة إلى كفرناحوم “ليأخذوه” (3: 21) لأنهم اعتقدوا أنه “فاقد لصوابه “(3: 21 NRSV). عند وصولهم وقفوا “في الخارج” (3: 31)، على الأرجح خارج المنزل في كفرناحوم، حيث علق يسوع على ذلك بأن أمه (الحقيقية) وإخوته هم الذين فعلوا مشيئة الله (3: 35).
هنا إذن رابط آخر، يمتد على أربعة فصول، يشير إلى عدم إيمان أهل الناصرة، بما في ذلك عائلته، على عكس “العائلة” الجديدة في كفرناحوم، كما كان الحال في منزل سمعان وأندراوس. هذان المثالان المتقاطعان للمراجع التي تغطي عدة فصول وأحداث هما دليل على الطابع التاريخي الكامن وراء إنجيل مرقس.
في الختام نسأل: هل للإعلان المكتوب أيضًا خصائص سيرة الحياة وله تاريخية تتوافق مع تأليف بطرسي-مرقسي؟ والدليل على الإجابة الإيجابية هو أن قصة مرقس تتوافق مع سياقها التاريخي؛ أنها تشير إلى وجود مجموعة “الهيروديين”؛ أن انسحاب يسوع يتوافق مع الظروف التاريخية للجليل ومع جغرافيته؛ وأن بعض الروابط الدقيقة بين الحلقات تشير إلى أن السرد يقوم على الحقيقة التاريخية. لكن هل هناك المزيد الذي يمكن قوله؟
الدليل على شهادة شاهد عيان
سنحاول في هذا القسم أن نبين أنه بالإضافة إلى المعلومات ذات الطابع التاريخي، هناك أيضًا آثار للأدلة التي من المحتمل أن تعود إلى شاهد عيان.
تفاصيل حية. هناك العديد من الأمثلة على التفاصيل الحية في إنجيل مرقس. من أين أتوا؟ هل نشأوا من خيال المؤلف المفعم بالحيوية أم من تذكره لأشياء تركت انطباعًا في ذاكرته؟ إذا كانت الأمثلة عبارة عن مقاطع وصفية طويلة، فسنميل إلى أن ننسبها إلى خياله. ومع ذلك، نظرًا لأنها محصورة في التفاصيل الصغيرة، فمن المرجح أنها نشأت من تذكره للأحداث المذهلة والمفعمة بالحيوية. دعونا نتأمل بعض الأمثلة.
هذه صورة فوتوغرافية تقريبًا لأشخاص يجلسون في مجموعات، وتعطي ثيابهم الملونة مظهر أسرة الزهور الموضوعة على العشب الأخضر.
كلمات مرقس هذه تقفز من الصفحة. في رأيي لا يمكن أن تأتي إلا من ذكرى شخص صدمته دراما المشهد أو لونه أو صوته أو غرابته. وراء هذه الكلمات ذكريات شخص كان حاضرا.
عواطف يسوع. من أبرز التفاصيل الحية في إنجيل مَرقُس ردود أفعال يسوع العاطفية والشخصية في مواقف معينة. كيف نفسر هذه في الإنجيل؟ هل هي نتيجة خيال المؤلف أم من ذكرياته؟ المؤلف لا يطورها بشكل منهجي، وليس هناك ما يدل على أنها قد اختلقت بأي شكل من الأشكال. بدلا من ذلك، يذكرها الكاتب بشكل عابر. وفيما يلي بعض الأمثلة أدناه.
وإلا كيف نفسر هذه الإشارات إلى السلوك البشري والعاطفي الشديد ليسوع -شفقته، وغضبه، وتعبه، واهتمامه بالآخرين، وغيظه، ومحبته، وخوفه، وإحساسه بالتخلي -أكثر من ردود أفعال سجلت بقوة مع شخص كان حاضراً في ذلك الوقت؟ يبدو من غير المحتمل أن تكون مثل هذه الإشارات قد نشأت من خيال المؤلف.
يذكر هذا المؤلف في خمس مناسبات أن يسوع “نظر حوله” (كما في دائرة): في المجمع عندما كانوا يشاهدون ما إذا كان سيشفى يوم السبت (3: 5)؛ في بيت كفرناحوم مع والدته وإخوته في الخارج (3: 34)؛ عند الحشد، ليرى من لمسه (5: 32)؛ للتلاميذ عندما قال مدى صعوبة دخول الأثرياء إلى ملكوت الله (10: 23)؛ وعند وصوله إلى الهيكل (11: 11). هذه “النظرة” التي حدثت في المناسبات الدرامية لم يسجلها متى ولم يسجلها لوقا سوى مرة واحدة. تكمن وراء رواية مَرقُس ذكرى شخص رأى -وتأثر بعمق -بالطريقة التي “نظر بها” يسوع في هذه الأوقات الدرامية العالية.
مقاطع “هم”. في عام 1928، لاحظ سي إتش تيرنر C. H. Turner، في تعليقه على مرقس، أن الإنجيلي الثاني كثيرًا ما استخدمهم في روايته، متحدثًا عن التلاميذ، في حين أن متى ولوقا كثيرًا ما حذفاهم، مشيرين فقط إلى يسوع والشخص الآخر في القصة. مع الأخذ في الاعتبار تصريح بابياس بأن مَرقُس كتب ما سمعه من بطرس، اقترح تيرنر أن بطرس غالبًا ما قال “نحن”، متحدثًا عن نفسه وعن التلاميذ الآخرين الحاضرين مع يسوع. بما أن مَرقُس لم يكن حاضرًا مع بطرس والآخرين، فلا يمكنه أن يكتب “نحن”؛ يجب أن يكتب “هم”. عندما تولى متى ولوقا مسؤولية مادة مرقس، تم حذف الكلمة، تاركين المفرد “هو” أي يسوع. وهكذا، في إعادة بناء تيرنر، كانت العملية
تعليم بطرس لعناصر القصة
كتابة مرقس لعناصر القصة
تكميل وتكييف متى ولوقا لمادة مرقس
نحن + يسوع + الشخص (الأشخاص) في القصة
هم + يسوع + الشخص (الأشخاص) في القصة
يسوع + الشخص (الأشخاص) في القصة
هناك العديد من قصص مرقس التي يمكننا فيها بسهولة تخيل “هم” على أنها في الأصل، من فم بطرس تعني “نحن”، على سبيل المثال:
في حين أنه من غير الممكن إثبات تصريح بابياس بأن مرقس كان “مترجم بطرس” (وهو تصريح يوافق عليه كل كاتب من القرن الثاني يغامر برأيه حول مؤلف الإنجيل الثاني)، الأدلة الداخلية متوافقة تمامًا مع هذا البيان. في حين أن وجهة نظر C.H. Turner يجب ألا تكون أكثر من احتمال مثير للاهتمام، يبدو لي أن التفاصيل الحية والإشارات إلى مشاعر يسوع تتطلب أن تكمن وراء النص المكتوب شهادة شاهد عيان.
يسوع في أورشليم
يتكون إنجيل مرقس من ستة عشر إصحاحاً، ستة منها على الأقل مخصصة لما حدث ليسوع في أورشليم. من حيث الكلمات الفعلية، يخصص مَرقُس ثلث إنجيله تقريبًا لأحداث تلك الأيام القليلة في أورشليم. قد يكون من المهم أن تكون هذه الفصول دقيقة للغاية ومفصلة في مسائل الزمان والمكان والناس. يقدم الجدول القادم أمثلة على تفاصيل وقت ومكان مرقس.
تفاصيل الأشخاص. بصرف النظر عن هؤلاء التلاميذ الذين تم تسميتهم والحاكم الروماني بيلاطس البنطي، يذكر مرقس الأسماء التالية: باراباس، قاتل شارك في “التمرد” (15: 6-15)؛ سمعان القيرواني “والد ألكسندر وروفس” (15: 21)؛ مريم المجدلية، وكذلك “مريم أم يعقوب الأصغر ويوسى” و “سالومة” (15: 40؛ 16: 1)؛ ويوسف الرامي (15: 43-46).
تفاصيل الزمان
تفاصيل المكان
فدخل اورشليم ودخل الهيكل. . .. وكان الوقت قد أمسى. (مر 11: 11)
في الغد. . . (11: 12)
في الصباح أذ كانوا مجتازين. . . (11: 20)
وجاءوا أيضاً الى اورشليم. (11: 27)
كان الآن قبل عيد الفصح بيومين. (14: 1)
وفي اليوم الأول من الفطير. . . (14: 12)
وعندما كان المساء. . . (14: 17)
وبمجرد أن كان الصباح. . . (15: 1)
وكانت الساعة الثالثة. (15: 25)
ولما جاءت الساعة السادسة. . . (15: 33)
ولما حل المساء. . . (15: 42)
ولما كان السبت قد مضى. . . (16: 1)
وقربوا من اورشليم الى بيت فاجي وبيت عنيا على جبل الزيتون. (مر 11: 1؛ 11: 15، 27؛ 14: 16)
خرج إلى بيت عنيا. (11: 11؛ 14: 3)
ولما خرج من الهيكل. . . (13: 1)
وبينما هو جالس على جبل الزيتون مقابل الهيكل. . . (13: 3؛ 14: 26).
وذهبوا الى مكان يقال له جثسيماني. (14: 32)
وكان بطرس قد تبعه من بعيد إلى دار رئيس الكهنة. (14: 54)
واقتادوه الجنود بعيدًا داخل القصر (أي دار الولاية). (15: 16)
وأتوا به إلى الموضع الذي يقال له الجلجلة. . .. وصلبوه. (15: 22، 24)
وهو [يوسف الرامي] . . . وضعه في قبر [قبره] المنحوت في الصخر. (15: 46)
نظرًا لوجود الكثير من التفاصيل في تلك الإصحاحات الستة الأخيرة، فقد اقترح أنها كانت موجودة في الأصل منفصلة باعتبارها الجزء الأول من الإنجيل الذي يتخذ شكلًا مكتوبًا. يشير هذا الجزء من إنجيل مرقس خمس مرات إلى رئيس الكهنة (14: 53، 54، 60، 61، 63) دون ذكر اسمه. وتم افتراض أن قيافا كان لا يزال رئيس الكهنة عندما كُتبت القصة، ولم تكن هناك حاجة لذكر اسمه. بما أن قيافا كان رئيس كهنة حتى عام 37 بعد الميلاد، فمن المحتمل أن يكون إنجيل أورشليم هذا قد ظهر قبل ذلك التاريخ.
أما بالنسبة للمؤلف، فإننا نخمن أنه إذا كان بطرس في تلك المرحلة مرتبطًا بمنزل يوحنا مرقس (انظر أعمال الرسل 12: 12-17)، من المحتمل جدًا أن يكون هذا الجزء من الإنجيل قد نشأ عن جهد تعاوني لبطرس ومرقس في منتصف الثلاثينيات.
عند الفحص، وجد أن إنجيل مرقس يتوافق مع تصريح بابياس بأن مرقس استخدم بطرس كمصدر له. بالنظر إلى هذا الإنجيل ككل، يتوافق هذا الإنجيل مع مخطط وعظ بطرس كما في الخطاب الذي ألقاه على كرنيليوس. بالنظر إلى الأجزاء المكونة له، وجد أنه غني بالمعلومات التاريخية والتفاصيل الحية، مما يدعم الافتراض بأن شاهد عيان كتب أو كان مصدر إنجيل مرقس.
هل كانت الأناجيل مجهولة العناوين؟
تخيل للحظة أنك تتصفح أرفف مكتبتك المحلية، ووجدت سيرتين للبابا فرانسيس. كتب أحدها صديق قديم ومعاصر للبابا. السيرة الأخرى مجهولة. أي واحدة سوف تشتري؟ معظم الناس، أجرؤ على التخمين، سيختارون التي كتبها شخص قضى وقتًا معه بالفعل، شخص كان صديقًا لـ جورج بيرجوجليو Jorge Bergoglio، الرجل الذي أصبح البابا فيما بعد.[9] في الوقت نفسه، أعتقد أن معظم الناس قد ينظرون أيضًا إلى السيرة المجهولة بدرجة من الشك. من كتب هذا؟ من أين حصلوا على معلوماتهم؟ لماذا يجب أن أثق في أنهم يعرفون ما الذي يتحدثون عنه؟ وإذا كانوا يريدون أن يصدقهم أحد، فلماذا لم يضعوا اسمهم في الكتاب؟
عندما يتعلق الأمر بسيرة يسوع الناصري -أو أي شخصية تاريخية في هذا الصدد -نجد أنفسنا في موقف مشابه. السؤال الأول الذي يجب أن نجيب عليه هو كيف نعرف ما نعرفه عن يسوع؟ كيف يمكن لأناس القرن الحادي والعشرين أن يعرفوا بأي قدر معقول من اليقين ما فعله وقاله في القرن الأول؟ من الواضح أنه لم يكن أحد منا هناك عندما سار يسوع على الأرض. فكيف نصل إليه كشخص تاريخي؟
بالنسبة للكثير من الناس، الإجابة على هذا السؤال بسيطة: افتح كتابك المقدس واقرأ إنجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا؛ يخبروننا بما فعله يسوع وقاله. في الواقع، منذ ما يقرب من تسعة عشر قرنًا، اعتقد معظم المسيحيين -وكل شخص آخر تقريبًا في هذا الصدد -أن إنجيلي متى ويوحنا كتبهما شهود عيان وتلاميذ ليسوع وأن إنجيلي مرقس ولوقا قد كتبهما رفقاء الرسولين بطرس وبولس.
ومع ذلك، كما ذكرت في الفصل الأول، في القرن الماضي أو نحو ذلك، ظهرت نظرية جديدة على الساحة. وفقًا لهذه النظرية، فإن الأفكار المسيحية التقليدية حول من كتب الأناجيل ليست صحيحة في الواقع. بدلاً من ذلك، بدأ العلماء في اقتراح أن الأناجيل الأربعة كانت في الأصل مجهولة. على وجه الخصوص، تم صياغة هذه النظرية في أوائل القرن العشرين من قبل العلماء المعروفين باسم “نقاد الشكل”، الذين اعتقدوا أن الأناجيل لم تكن سيرة بل هي فولكلور.[10] على حد تعبير عالم العهد الجديد ريتشارد باوكهام:
الافتراض بأن تقاليد يسوع كانت تُنشر بشكل مجهول في الكنيسة الأولى، وبالتالي فإن الأناجيل التي تم جمعها فيها وتسجيلها كانت أيضًا مجهولة في الأصل كانت شائعة جدًا في دراسات الأناجيل في القرن العشرين. تم نشره من قبل نقاد الشكل كنتيجة طبيعية لاستخدامهم لنموذج الفولكلور، الذي تم تمريره بشكل مجهول من قبل المجتمعات. كانوا يعتقدون أن الأناجيل كانت أدبًا شعبيًا، كما أنها مجهولة الاسم/المصدر. هذا الاستخدام لنموذج الفولكلور قد فقد مصداقيته … ويرجع ذلك جزئيًا إلى وجود اختلاف كبير بين التقاليد الشعبية المتوارثة عبر القرون والفترة الزمنية القصيرة -أقل من عمر الفرد – التي انقضت قبل كتابة الأناجيل. ولكن من اللافت للنظر إلى أي مدى كانت فكرة أن ليس فقط التقاليد ولكن الأناجيل نفسها كانت في الأصل مجهولة المصدر.[11]
“عنيد” هي الكلمة الصحيحة فقط. بحلول نهاية القرن العشرين، عندما كنت طالبًا، كان الافتراض بأن الأناجيل الأربعة في العهد الجديد لم تُنسب في الأصل إلى أي شخص واسع الانتشار لدرجة أنه نادرًا ما تمت مناقشته على الإطلاق، ناهيك عن التشكيك فيه. نتيجة لذلك، يعتقد العديد من العلماء اليوم أننا لا نعرف من كتب الأناجيل الأربعة، وهي مصادرنا التاريخية الأساسية لما فعله يسوع وقاله.
ماذا سنفعل من هذه النظرية؟ ما الدليل على أن الأناجيل كانت في الحقيقة مجهولة المصدر؟ في هذا الفصل، سوف نلقي نظرة فاحصة على النظرية ونرى سبب وجود بعض الأسباب الوجيهة للشك فيها.
نظرية الأناجيل مجهولة الاسم
في كتابه الأخير كيف أصبح يسوع إلهًا، يقدم بارت إيرمان ملخصًا موجزًا لنظرية الأناجيل المجهولة. يمكن تقسيمها إلى أربع ادعاءات أساسية.
أولاً، وفقًا لهذه النظرية، تم نشر جميع الأناجيل الأربعة في الأصل دون أي عناوين أو ألقاب تحدد هوية المؤلفين.[12] هذا يعني عدم وجود “الإنجيل حسب متى”، ولا “الإنجيل حسب مرقس”، ولا “الإنجيل بحسب لوقا”، ولا “الإنجيل حسب يوحنا”. ليس لأحد الأربعة. فقط الفراغات. وفقًا لهذه النظرية، على عكس العديد من السير القديمة الأخرى المنشورة تحت اسم مؤلف حقيقي، اختار المؤلفون الأصليون للأناجيل عمداً إخفاء هوياتهم.[13]
ثانيًا، من المفترض أن الأناجيل الأربعة تم تداولها دون أي ألقاب لمدة قرن تقريبًا قبل أن ينسبها أي شخص إلى متى أو مرقس أو لوقا أو يوحنا.[14] تذكر أنه في العالم القديم، كانت جميع الكتب نسخًا يدوية الصنع تُعرف باسم المخطوطات. وهكذا، وفقًا لهذه الفرضية، في كل مرة يُنسخ فيها أحد الأناجيل يدويًا لعقد بعد عقد، لم يضيف أحد أي ألقاب.
ثالثًا، لم يتم إضافة العناوين أخيرًا إلى المخطوطات إلا بعد وقت طويل -في وقت ما بعد موت تلاميذ يسوع ودفنهم. وفقًا للنظرية، كان سبب إضافة الألقاب هو إعطاء الأناجيل الأربعة “سلطة مطلوبة بشدة”.[15] بمعنى آخر، كان إدراج العناوين محاولة متعمدة لخداع القراء للاعتقاد الكاذب بأن الأناجيل كتبها الرسل وتلاميذهم. كما كتب بارت إيرمان في مكان آخر، فإن عناوين الأناجيل الأربعة هي شكل “ليس بريئًا على الإطلاق” من الإسناد أو التزوير القديم – وهي ممارسة يدينها على نطاق واسع كل من الوثنيين والمسيحيين.[16]
رابعًا وأخيرًا، وربما الأهم من ذلك كله، وفقًا لهذه النظرية، نظرًا لأن الأناجيل كانت في الأصل مجهولة الاسم، فمن المنطقي الاستنتاج أن أيا منها لم يكتبه شاهد عيان.[17] على سبيل المثال، بالنسبة لإيرمان، فإن الأناجيل الأربعة هي الحلقات الأخيرة في سلسلة طويلة من كتابات رواة القصص المجهولين الذين لم يكونوا هم أنفسهم شهود عيان ليسوع والذين ربما لم يلتقوا أبدًا بأي شاهد عيان.
هذه باختصار نظرية الأناجيل المجهولة.[18] تنتشر النظرية بشكل ملحوظ بين العلماء وغير العلماء على حد سواء. وقد تم التأكيد عليه بشكل خاص من قبل أولئك الذين يرغبون في إثارة الشكوك حول المصداقية التاريخية لصورة يسوع في الأناجيل الأربعة.[19] المشكلة الوحيدة هي أن النظرية تكاد تكون بلا أساس. لا أساس لها في أقدم مخطوطات الأناجيل، ولا تأخذ على محمل الجد كيفية نسخ الكتب القديمة وتداولها، وتعاني من نقص عام في المعقولية التاريخية. دعونا نلقي نظرة فاحصة على كل من نقاط الضعف هذه.
لا توجد مخطوطات للأناجيل بدون اسم/عنوان
المشكلة الأولى وربما الأكبر لنظرية الأناجيل المجهولة هي: لم يتم العثور على نسخ مجهولة من متى أو مرقس أو لوقا أو يوحنا. لا وجود لها. على حد علمنا، لم يوُجدوا أبدًا.
بدلاً من ذلك، كما أوضح الباحث في العهد الجديد سيمون جاثركول، فإن المخطوطات القديمة مُجمعة على نسب هذه الكتب إلى الرسل ورفاقهم. تأمل، على سبيل المثال، الجدول التالي للعناوين الموجودة في أقدم المخطوطات اليونانية لكل من الأناجيل.[20]
أولاً، هناك غياب صارخ لأية مخطوطات إنجيلية مجهولة الاسم/المصدر. هذا لأنهم غير موجودين. ولا واحدة. السبب وراء أهمية هذا الأمر هو أن إحدى القواعد الأساسية في دراسة مخطوطات العهد الجديد (وهي ممارسة تُعرف بالنقد النصي) هي أنك تعود إلى أقدم وأفضل النسخ اليونانية لترى ما تقوله بالفعل. ليس ما كنت ترغب في قوله، ولكن ما يقولونه بالفعل. عندما يتعلق الأمر بعناوين الأناجيل، ليس فقط أقدم وأفضل المخطوطات، ولكن جميع المخطوطات القديمة – بدون استثناء، في كل لغة – تنسب الأناجيل الأربعة إلى متى ومرقس ولوقا ويوحنا.[22]
ثانيًا، لاحظ أن هناك بعض الاختلاف في شكل العناوين (على سبيل المثال، بعض المخطوطات اللاحقة تحذف كلمة “الإنجيل”). ومع ذلك، كما يلاحظ الباحث في العهد الجديد مايكل بيرد، هناك “اتساق مطلق” في المؤلفين الذين يُنسب إليهم كل كتاب.[23] أحد أسباب أهمية ذلك هو أن بعض العلماء سيدعون أن المخطوطات اليونانية تدعم فكرة أن عناوين الأناجيل قد أضيفت لاحقًا. على سبيل المثال، كتب بارت إيرمان:
نظرًا لأن المخطوطات اليونانية الباقية توفر مجموعة متنوعة من العناوين (المختلفة) للأناجيل، فقد أدرك علماء النصوص منذ فترة طويلة أن أسمائهم المألوفة (على سبيل المثال، “الإنجيل بحسب متى”) لا تعود إلى عنوان “أصلي” واحد، ولكن أضيف لاحقًا بواسطة الكتبة.[24]
انظر إلى الرسم البياني الذي يظهر عناوين أقدم المخطوطات اليونانية. أين هو “التنوع الكبير” للألقاب الذي يتحدث عنه؟ الاختلاف الوحيد المهم هو أن كلمة “الإنجيل” مفقودة في بعض النسخ اللاحقة، ربما بسبب اختصار العنوان.[25] في الواقع، هي بالضبط الأسماء المألوفة لمتى ومرقس ولوقا ويوحنا التي توجد في كل مخطوطة واحدة لدينا! ووفقًا للقواعد الأساسية للنقد النصي، إذا كان هناك شيء أصلي في العناوين، فهو أسماء المؤلفين.[26] هي على الأقل أصلية مثل أي جزء آخر من الأناجيل التي لدينا أدلة مخطوطة بالإجماع عليها.
ثالثًا – وهذا مهم – لاحظ أيضًا أن العناوين موجودة في أقدم نسخ كل إنجيل لدينا، بما في ذلك الأجزاء الأولى، المعروفة باسم البرديات (من أوراق البردي التي صنعت منها). على سبيل المثال، تحتوي المخطوطة اليونانية الأولى لإنجيل متى على العنوان “الإنجيل بحسب متى” (اليونانية euangelion kata Matthaion) (بردية 4). وبالمثل، فإن أقدم نسخة يونانية من بداية إنجيل مرقس تبدأ بالعنوان “الإنجيل بحسب مرقس” (اليونانية euangelion kata Markon). تعتبر هذه المخطوطة الشهيرة – التي تُعرف باسم المخطوطة السينائية لأنها اكتُشفت على جبل سيناء – على نطاق واسع واحدة من أكثر النسخ القديمة الموثوقة للعهد الجديد التي تم العثور عليها على الإطلاق. على نفس المنوال، تبدأ أقدم نسخة معروفة من إنجيل لوقا بكلمات “الإنجيل بحسب لوقا” (اليونانية euangelion kata Loukan) (بردية 75). أخيرًا، المخطوطة الأولى الموجودة لإنجيل يوحنا ليست سوى جزء صغير من الإنجيل. لكن لحسن الحظ، تم حفظ الصفحة الأولى ونصها: “الإنجيل بحسب يوحنا” (اليونانية euangelion kata Iōannēn) (بردية 66).
باختصار، تُنسب النسخ الأولى والأفضل من الأناجيل الأربعة بالإجماع إلى متى ومرقس ولوقا ويوحنا. لا يوجد دليل مخطوطي على الإطلاق – وبالتالي لا يوجد دليل تاريخي فعلي – لدعم الادعاء بأن الأناجيل “في الأصل” ليس لها ألقاب. في ضوء هذا النقص الكامل في النسخ المجهولة، كتب عالم العهد الجديد مارتن هينجل:
دعوا أولئك الذين ينكرون العصر العظيم وبالتالي الأصالة الأساسية في عناوين مخطوطات الأناجيل من أجل الحفاظ على ضميرهم النقدي “الصالح” يعطون تفسير أفضل للإجماع الكامل والشهادة المبكرة نسبيًا لهذه العناوين وأصلها وأسماء المؤلفين المرتبطين بها. لم يتم تقديم مثل هذا التفسير بعد، ولن يتم تقديمه أبدًا.[27]
سيناريو مجهولية كُتّاب الأناجيل غير معقول
المشكلة الرئيسية الثانية في نظرية الأناجيل المجهولة هي اللامعقولية المطلقة بأن كتابًا يدور حول الإمبراطورية الرومانية بدون عنوان لما يقرب من مائة عام يمكن أن يُنسب بطريقة ما إلى المؤلف نفسه بالضبط من قبل الكتبة في جميع أنحاء العالم ولا يترك أي أثر للخلاف في أي مخطوطات.[28] وبالمناسبة، من المفترض أن هذا لم يحدث مرة واحدة فقط، ولكن مع كل واحد من الأناجيل الأربعة.
فكر في الأمر لدقيقة واحدة. وفقًا لنظرية الأناجيل المجهولة الاسم، فإن إنجيل متى كان “في الأصل” الإنجيل وفقًا لأي شخص. نُسخ هذا الكتاب المجهول باليد، وأعيد نسخه، وأعيد نسخه، ووزع في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية لعقود. وبالمثل، فإن إنجيل مرقس، الذي كان أيضًا “في الأصل” إنجيلًا بالنسبة لأي شخص، تم نسخه وإعادة نسخه وتعميمه وإعادة نسخه لعقود. وهكذا بالنسبة للإنجيل الثالث المجهول، ثم الإنجيل الرابع المجهول. بعد ذلك، في وقت ما في أوائل القرن الثاني الميلادي، من المفترض أن العناوين نفسها تمت إضافتها ليس إلى واحد، أو اثنين، أو ثلاثة، ولكن جميع هذه الكتب الأربعة المختلفة والمجهولة الاسم. علاوة على ذلك، من المفترض أن يكون سبب التأليف هذا قد حدث على الرغم من أن الأناجيل الأربعة قد انتشرت بالفعل في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية بحلول القرن الثاني: في الجليل وأورشليم وسوريا وأفريقيا ومصر وروما وفرنسا وغيرها، أينما وجدت النسخ.
هذا السيناريو لا يصدق تماما. حتى لو كان من الممكن كتابة إنجيل واحد مجهول ونشره ومن ثم نسبه بأعجوبة إلى نفس الشخص من قبل المسيحيين الذين يعيشون في روما وإفريقيا وإيطاليا وسوريا، فهل من المفترض حقًا أن أصدق أن الشيء نفسه لم يحدث مرة واحدة، وليس مرتين، ولكن مع أربعة كتب مختلفة، مرارًا وتكرارًا، في جميع أنحاء العالم؟ كيف عرف هؤلاء الكتبة المجهولون الذين أضافوا العناوين لمن ينسبون الكتب؟ كيف تواصلوا مع بعضهم البعض بحيث انتهت جميع النسخ بنفس العناوين؟
علاوة على ذلك، فإن الفكرة القائلة بأن إضافة العناوين كانت ستستغرق ما يقرب من مائة عام لا تأخذ في الاعتبار حقيقة أنه منذ اللحظة التي كان هناك حتى أكثر من إنجيل واحد متداول، كان القراء بحاجة إلى طريقة ما لتمييزهم. من بعضنا البعض. على حد تعبير جراهام ستانتون:
بمجرد أن تستخدم المجتمعات المسيحية بانتظام أكثر من رواية مكتوبة لأفعال يسوع وتعاليمه، كان من الضروري التمييز بينها من خلال شكل من أشكال العنوان، لا سيما في سياق القراءات في العبادة.[29]
الآن، نعلم من إنجيل لوقا أن العديد من الروايات عن حياة يسوع كانت متداولة بالفعل بحلول الوقت الذي كتب فيه (انظر لوقا 1: 1-4). لذا فإن الإيحاء بعدم إضافة أي عناوين على الإطلاق إلى الأناجيل حتى أواخر القرن الثاني الميلادي يفشل تمامًا في مراعاة حقيقة أن العديد من الأناجيل كانت متداولة بالفعل قبل أن يضع لوقا قلمًا على ورق البردي، وأنه ستكون هناك حاجة عملية لتحديد هوية هذه الكتب.
أخيرًا، إذا حدثت الأشياء بالطريقة التي تقترحها النظرية المجهولة، فلماذا لا تُنسب بعض النسخ إلى متى أو مرقس أو لوقا أو يوحنا، ولكن نُسبت نسخ أخرى إلى شخص آخر – على سبيل المثال، أندراوس، أو بطرس، أو يهوذا؟ إذا كانت الأناجيل قد حصلت بالفعل على عناوينها من الكتبة الذين أضافوها زورًا إلى المخطوطات حتى قرن من الزمان، فإننا نتوقع العثور على (1) نسخ مجهولة الهوية – والتي، كما رأينا بالفعل، غير موجودة – وكذلك ( 2) عناوين متناقضة، حيث ينسب بعض الكتبة نسخة واحدة من الإنجيل إلى متى وتنسب أخرى نفس الإنجيل إلى بطرس أو يسوع أو أي شخص آخر.
إذا كان هناك أي شك حول هذا الأمر، فمن المهم مقارنة الدليل المخطوطي للأناجيل الأربعة بالدليل المخطوطي لرسالة العهد الجديد إلى العبرانيين. على عكس الأناجيل الأربعة، فإن الرسالة إلى العبرانيين هي في الواقع مجهولة. لم تحدد أبدًا مؤلفها صراحةً، ولا حتى في العنوان.[30] لذا خمن ماذا يحدث عندما يكون لديك كتاب حقيقي مجهول الاسم؟ ينتهي الأمر إما بالبقاء مجهول الهوية أو يُنسب إلى مؤلفين مختلفين، كما هو موضح في الجدول التالي.
إلى العبرانيين، مكتوبة من إيطاليا، على يد تيموثاوس
مخطوطة الخط الصغير 1739
القرن العاشر
إلى العبرانيين، مكتوبة من روما، على يد بولس للذين هم في أورشليم
مخطوطة الخط الصغير 81
القرن الحادي عشر
إلى العبرانيين، مكتوبة بالعبرية من إيطاليا، مجهولة الهوية على يد تيموثاوس
مخطوطة الخط الصغير 104
القرن الحادي عشر
لاحظ تنوع المؤلفين المقترحين: بعض المخطوطات تظل مجهولة المصدر، والبعض يقول أن العبرانيين كتبها “تيموثاوس”، والبعض الآخر كتبها “بولس”. يشير عنوان إحدى المخطوطات صراحةً إلى أنها كُتبت “مجهول الهوية” (اليونانية anonymōs)! نفس الشيء ينطبق على الكتاب المسيحيين القدماء: يقول بعض كتّاب الكنيسة الأوائل أن بولس كتب العبرانيين لكنه لم يعرّف عن نفسه ؛ ويقول آخرون إن لوقا ترجم رسالة بولس من العبرية إلى اليونانية ؛ ويقول آخرون إن العبرانيين كتبها برنابا رفيق بولس ؛ ولا يزال آخرون يقولون إن الرسالة كتبها كليمندس أسقف روما.[32] في أواخر القرن الثاني بعد الميلاد، رفع أوريجانوس السكندري يديه ببساطة وصرح: “أما من كتب الرسالة [إلى العبرانيين]،” فقط “الله أعلم” (يوسابيوس، تاريخ الكنيسة، 6. 25. 14).
هذا ما تحصل عليه مع كتاب مجهول حقًا من العهد الجديد: مخطوطات فعلية مجهولة، ومناقشات قديمة فعلية حول من كتبه. ولكن هذا هو بالضبط ما لا تجده عندما يتعلق الأمر بإنجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا. لا توجد نسخ مجهولة، و-كما سنرى في المقال القادم-لا جدال بين المسيحيين القدماء حول من كتب الأناجيل. العلماء الذين يستمرون في الادعاء بأن الأناجيل كانت في الأصل مجهولة لا يمكنهم تفسير سبب عدم وجود نفس التنوع من المؤلفين المقترحين كما يحدث مع الرسالة إلى العبرانيين. مرة أخرى، على حد تعبير مارتن هينجل:
إذا كانت [الأناجيل] قد عممت لأول مرة بشكل مجهول ولم تُمنح ألقابها إلا في مرحلة ثانوية وبصورة مستقلة عن بعضها البعض في المجتمعات المختلفة، لأن العنوان كان ضروريًا لإعلان القراءة في العبادة، يجب أن يكون هذا قد أدى بالضرورة إلى مجموعة متنوعة من العناوين، كما يتضح من العديد من الأمثلة من العصور القديمة…. لا يوجد أي أثر لمثل هذه المجهولية.[33]
باختصار، لا تعاني نظرية الأناجيل المجهولة من نقص الأدلة المخطوطة فحسب، بل تعاني أيضًا من نقص المنطق. إنها ببساطة لا تنجح عندما يتعلق الأمر بالمعايير الأساسية للمعقولية التاريخية.
لماذا تنسب مرقس ولوقا إلى غير شهود العيان؟
المشكلة الرئيسية الثالثة في نظرية الأناجيل المجهولة تتعلق بالادعاء بأن الأنساب الخاطئة قد أضيفت بعد قرن من الزمان لمنح الأناجيل “السلطة المطلوبة بشدة”.[34] إذا كان هذا صحيحًا، فلماذا يُنسب اثنان من الأناجيل الأربعة إلى غير شهود العيان؟ لماذا يختار الكتبة القدامى مرقس ولوقا، من بين كل الناس، والذين لم يعرفوا يسوع أبدًا؟
مرة أخرى، ضع نفسك مكان الكتبة القدامى الذين من المفترض أنهم أضافوا عن قصد ألقابًا مزيفة إلى الأناجيل. إذا أردت إعطاء السلطة لكتابك المجهول، فهل ستختار لوقا، الذي لم يكن شاهد عيان بنفسه ولا من أتباع شاهد عيان، بل رفيق بولس، الذي لم يلتق بيسوع أبدًا خلال حياته الأرضية؟ وإذا أردت أن تمنح السلطة لسيرة حياة يسوع المجهولة، فهل ستختار مرقس، الذي لم يكن هو نفسه تلميذاً ليسوع؟ إذا كانت السلطة هي ما كنت تبحث عنه، فلماذا لا تنسب إنجيلك المجهول الهوية مباشرة إلى بطرس، رئيس الرسل؟ أم لأخيه أندراوس؟ في هذا الصدد، لماذا لا تذهب مباشرة إلى القمة وتنسب إنجيلك إلى يسوع نفسه؟
كما سنرى في المقالات القادمة، فإن مثل هذه الصفات إلى الرسل وشهود العيان الآخرين هي بالضبط ما نجده عندما ننظر إلى ما يسمى بـ “الأناجيل المفقودة” – المعروفة أيضًا باسم الأناجيل الملفقة (من الكلمة اليونانية apocryphon، والتي تعني ” كتاب مخفي”). يتفق جميع العلماء تقريبًا على أن الأناجيل الملفقة – مثل إنجيل بطرس وإنجيل توما وإنجيل يهوذا – هي مزيفة نُسبت زورًا إلى تلاميذ يسوع بعد فترة طويلة من موت الرسل.[35] لاحظ أنه لا يوجد أي من الأناجيل الملفقة اللاحقة تُنسب إلى غير شهود العيان مثل مرقس ولوقا.[36] تُنسب الأناجيل الكاذبة اللاحقة إلى أشخاص لديهم إمكانية الوصول المباشر إلى يسوع: أشخاص مثل بطرس، أو الرسول توما، أو مريم المجدلية، أو يهوذا، أو حتى يسوع نفسه. لا يُنسبون أبدًا إلى مجرد أتباع أو رفقاء الرسل. لماذا؟ لأن مؤلفي الأناجيل الملفقة هم الذين أرادوا إعطاء السلطة المطلوبة بشدة لكتاباتهم عن طريق نسبها زورًا إلى أشخاص لديهم أقرب صلات ممكنة بيسوع.
باختصار، فشلت نظرية الأناجيل المجهولة في تفسير ليس فقط عدم وجود أدلة مخطوطة ولكن أيضًا لماذا لا تُنسب إنجيلا مرقس ولوقا إلى شهود عيان ورفاق يسوع. في الواقع، عند إخضاعها للتدقيق النقدي، فإن اللامعقولية الكلية للنظرية تكون لافتة للنظر.
[1] William Barclay, The Gospels and Acts, vol. 1 (London: SCM Press, 1976), p. 116.
[2] يقصد بارنيت السيرة الحديثة ولكن السير اليونانية الرومانية القديمة لم تكن فيها هذه العناصر مهمة.
[3] التاريخ Histories 5. 9. لم يتم ذكر أنتيباس بالفعل بالاسم.
[4] Harold Hoehner, Herod Antipas (Grand Rapids: Eerdmans, 1980), pp. 131-36.
Meyers and James F. Strange, Archaeology, the Rabbis and Early Christianity, (London: SCM Press, 1981), pp. 59-60, 128-30.
[8] يرى بعض الدارسين ان مريم أمه أتت معهم لتهدئتهم لكيلا تحدث مشاجرات بين يسوع وإخوته
[9] Compare Alejandro Bermúdez, Pope Francis: Our Brother, Our Friend: Personal Recollections about the Man Who Became Pope (San Francisco: Ignatius, 2013). See also Georg Ratzinger, My Brother, the Pope, trans. Michael Hesemann (San Francisco: Ignatius, 2012).
[10] Martin Hengel, Studies in the Gospel of Mark (London: SCM, 1985), 65, 162n1.
وفقًا لهينجل، تعود النظرية في المقام الأول إلى اثنين من العلماء الألمان البارزين في أواخر القرن التاسع عشر: أدولف فون هارناك وثيودور زان، الذين توصلا (بالخطأ) إلى هذا الاستنتاج قبل اكتشافات القرن العشرين لأوراق البردي من القرن الثاني كاملة العناوين. انظر
Theodor Zahn, Introduction to the New Testament, trans. John Moore Trout et al., 3 vols. (repr., Minneapolis: Klock & Klock, 1977), 2.386–400.
[11] Richard Bauckham, Jesus and the Eyewitnesses: The Gospels as Eyewitness Testimony (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2006), 300.
لسوء الحظ، لا يقوم باوكهام بدمج دليل المخطوطة بشكل كافٍ على أصالة عناوين الإنجيل في نظريته الشاملة عن أصول الإنجيل. وبدلاً من ذلك، فهو يعتمد بشدة على نظرية مشكوك فيها حول إدراجات شهود العيان الضمنية في الأناجيل كمؤشرات على أصالة التأليف. ومع ذلك، إذا كان باوكهام محقًا ولم تكن الأناجيل في الأصل مجهولة المصدر، فستعمل العناوين نفسها كإشارات كافية للقراء فيما يتعلق بالتأليف، وسيبدو استخدام مثل هذه الإضافات الدقيقة زائداً عن الحاجة.
[16] Bart D. Ehrman, Forgery and Counterforgery: The Use of Literary Deceit in Early Christian Polemics (Oxford: Oxford University Press, 2013), 51–52, 6.
[18] في عمله السابق، تضمن بارت ايرمان حجة خامسة، ادعى فيها أن شكل العناوين -“الإنجيل حسب X” – يثبت أن العناوين قد أضافها “شخص آخر” غير المؤلف. انظر
Bart D. Ehrman, Jesus: Apocalyptic Prophet of the New Millennium (Oxford: Oxford University Press, 1999), 42.
للوهلة الأولى، قد يبدو هذا مقنعًا للقراء المعاصرين الذين اعتادوا على المؤلفين الذين يشيرون إلى أنفسهم حصريًا بصيغة المتكلم. لكن من منظور تاريخي، فشلت الحجة في ثلاث نقاط: (1) كما سنرى لاحقاً، الأناجيل هي شكل من أشكال السيرة اليونانية الرومانية القديمة. كما أشار خبراء في السير القديمة، “مؤلفو السير… عادة ما يتم تسميتهم”.
Craig S. Keener, The Gospel of Matthew: A Socio-Rhetorical Commentary (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2009), 40.
علاوة على ذلك، كانت إحدى “السمات الافتتاحية” القياسية للسيرة اليونانية الرومانية القديمة عادةً نوعًا من “العنوان”.
Richard Burridge, What Are the Gospels?, 156–57.
تحدد هذه العناوين أحيانًا المؤلف بصيغة الغائب، على سبيل المثال.
(Josephus, Life of Josephus; Tacitus’s Agricola; Diogenes Laertius, Lives of Eminent Philosophers).
هذا منطقي تمامًا، لأنه عندما يتعلق الأمر بالسيرة ، سيرغب القارئ في معرفة من الذي يقدم سردًا لحياة الشخص، وكيف حصل على معلوماته. في الواقع، حتى مؤلفو السير الذاتية الذين يشيرون إلى أنفسهم بصيغة المتكلم لا يذكرون أسمائهم في نص الكتاب.
(Josephus, Life 1–2, 430; Lucian, Demonax, 1–2).
لكن هذا لا يحول أعمالهم إلى كتب “مجهولة”. باختصار، لم تعد الأناجيل “مجهولة تمامًا” من السير القديمة الأخرى التي لا توجد فيها معلومات صريحة عن التأليف في متن الكتاب. غالبًا ما يتم الاحتفاظ بالمعلومات حول تأليف مثل هذه الأعمال للعنوان.
(2) لدينا إشارات إلى كتب قديمة تتشابه عناوينها بشكل لافت مع عناوين الأناجيل، مثل “المذكرات بحسب نحميا” (اليونانية tois hypomnēmatismois tois kata ton Neemian) (مكابيين الثاني 2: 13) أو “ولادة وحياة أبقراط وفقًا لسورانوس “(اليونانية Hippokratous genos kai bios kata Sōranon) أو” التواريخ وفقًا لهيرودوت “(اليونانية hē kat ‘hērodoton history).
في إحدى الحالات، يشير يوسيفوس إلى تاريخ ثيوسيديدس على أنه “عمله التاريخي” (اليونانية tēn kat’ auton historian) (يوسيفوس ضد أبيون، 1. 18). انظر
Martin Hengel, Studies in the Gospel of Mark (London: SCM, 1985), 163n8.
في ضوء هذه المتوازيات، لا يوجد شيء غير قابل للتصديق حول استخدام الإنجيليين لعنوان “الأخبار السارة وفقًا لـ [المؤلف]”، خاصةً إذا رأوا أنفسهم على أنهم يعلنون الأخبار السارة عن يسوع باستخدام شكل السير التاريخية. علاوة على ذلك، تُظهر هذه الأمثلة أيضًا أن الادعاء أحيانًا بأن “وفقًا لـ” (اليونانية kata) لا تشير إلى التأليف هو ادعاء خاطئ. (3) حتى إذا تمت إضافة عنوان أول إنجيل مكتوب من قبل كاتب عرف هوية المؤلف بعد فترة وجيزة من نشر الكتاب أو بالتزامن مع نشره، فإن هذا لا يزال مختلفًا عن كتاب “مجهول تمامًا”. علاوة على ذلك، بمجرد إضافة العنوان الأول إلى الإنجيل الأول، فإنه من السذاجة القول بأن مؤلفي الإنجيل اللاحقين سيقلدون وينسخون من كل شيء تقريبًا في الكتاب باستثناء العنوان. على العكس من ذلك، فمن المعقول تمامًا أن نقترح أن كتّاب الإنجيل اللاحقين سيقلدون شكل العنوان (“الأخبار السارة حسب …”) لكنهم يغيرون اسم المؤلف. إذا كنا نعرف شيئًا عن مؤلفي الإنجيل، فهو أنهم لم يكن لديهم أي تأنيب على الإطلاق عن نسخ المواد من بعضهم البعض! لا يوجد سبب لا ينبغي أن يكون هذا صحيحًا بالنسبة للعناوين أيضًا. حول كل هذا، راجع.
Michael F. Bird, The Gospel of the Lord: How the Early Church Wrote the Story of Jesus (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2014), 257–58.
[19] Reza Aslan, Zealot: The Life and Times of Jesus of Nazareth (New York: Random House, 2014).
أحد الأشياء الأولى التي يقوم بها أصلان هو الإصرار على أنه “لم يكتب أي من الأناجيل الشخص الذي سميت باسمه” (xxvi). هذا يحرره ليبني يسوع الذي يختلف اختلافًا جذريًا عن الذي تقدمه الأناجيل.
[20] Simon J. Gathercole, “The Titles of the Gospels in the Earliest New Testament Manuscripts,” Zeitschrift für die Neutestamentliche Wissenschaft 104 (2013): 33–76.
Bruce M. Metzger and Bart D. Ehrman, The Text of the New Testament: Its Transmission, Corruption, and Restoration (Oxford: Oxford University Press, 2005), 52–94. See also D. C. Parker, An Introduction to the New Testament Manuscripts and Their Texts (Cambridge: Cambridge University Press, 2008).
[22] Martin Hengel, The Four Gospels and the One Gospel of Jesus Christ, trans. John Bowden (Harrisburg, PA: Trinity Press International, 2000), 48–56. See also Hengel, Studies in the Gospel of Mark, 64–84.
[25] Gathercole, “The Titles of the Gospels in the Earliest New Testament Manuscripts,” 71:
“يبدو أن النسخة الأطول كانت أقرب إلى العنوان” الحقيقي “، والنسخة الأقصر هي اختصار، بدلاً من أن تستشهد الحواشي السفلية العلمية اليوم أولاً بالعنوان بالكامل ثم تختصره بعد ذلك.” أنظر أيضا
David E. Aune, “The Meaning of Euangelion in the Inscriptiones of the Canonical Gospels,” in Jesus, Gospel Traditions and Paul in the Context of Jewish and Greco-Roman Antiquity: Collected Essays, Wissenschaftliche Untersuchungen zum Neuen Testament 303 (Tübingen: Mohr-Siebeck, 2013), 24.
[26] Bart D. Ehrman, Misquoting Jesus: The Story Behind Who Changed the Bible and Why (San Francisco: HarperOne, 2005), 130:
“ربما يكون المعيار الخارجي الأكثر أهمية الذي يتبعه العلماء هو هذا: لكي تُعتبر القراءة” أصلية “، يجب عادةً العثور عليها في أفضل المخطوطات وأفضل مجموعات المخطوطات.” في الواقع، لم يتم العثور على عناوين الأناجيل فقط في “أفضل المخطوطات” و “أفضل مجموعات المخطوطات” ؛ تم العثور عليها في جميع المخطوطات – دون استثناء واحد. ومن ثم، وفقًا لمعيار إيرمان النقدي للنص، يجب اعتبار عناوين الأناجيل أصلية.
[27] Hengel, The Four Gospels and the One Gospel of Jesus Christ, 55.
[29] Graham Stanton, Jesus and Gospel (Cambridge: Cambridge University Press, 2004), 79.
[30] Harold Attridge, The Epistle to the Hebrews, Hermeneia (Minneapolis: Fortress, 1989), 1–2, 410n87; see also Barbara and Kurt Aland et al., Novum Testamentum Grace, 27th ed. (Stuttgart: Deutsche Bibelgesellschaft, 1993), 587.
[31] لتواريخ المخطوطات، انظر
Metzger and Ehrman, The Text of the New Testament, 52–94
[32] Eusebius, Church History, 6.1–3, 20.3; 25.13–14; Jerome, Lives of Illustrious Men, 5.59.
[35] Ehrman, Forgery and Counterforgery, 324–44. See also John P. Meier, A Marginal Jew: Rethinking the Historical Jesus, 4 vols., Anchor Yale Bible Reference Library (New Haven: Yale University Press, 1991, 1994, 2001, 2009), 1.112–66.
[36] يتم تجاهل هذه النقطة باستمرار من قبل العلماء الذين يزعمون أن الإسناد الخاطئ لمرقس ولوقا لا يمثل مشكلة. انظر، على سبيل المثال، Ehrman, in Forgery and Counterforgery, 51–52 حيث فشل في شرح سبب عدم قيام الكتبة بنسب الأناجيل إلى بطرس وبولس أنفسهم فقط بدلاً من تلاميذ بطرس وبولس.
ان لم نقل، قالوا هم …. أقوال علماء المسلمين المعاصرين في نقل العهد الجديد
أقوال علماء المسلمين المعاصرين في نقل العهد الجديد – جورج ناصر
عبد الكريم سروش الاستاذ جامعي زائر بجامعة هارفارد لتدريس الاسلام والديموقراطية :[1]
“هناك العديد من الأسباب التاريخية التي تجعل الكتاب المقدس أكثر استقرارا وأقل عرضة للتشويه من القرآن. السبب الأكثر أهمية هو أن المسيحية ، منذ وقت مبكر ، اعتمدت بشكل كبير على النص المكتوب ولم تركز كثيرا على النقل الشفوي “. [2]
“ليس هناك شك في أن إنجيل يسوع المسيح قد خضع لتغييرات. لكن حقيقة أن النص قد تم الحفاظ عليه ، على الرغم من التغييرات العديدة ، هو شهادة على قوته وقدرته على التحمل “[3].
محمود أيوب مستشار تحرير لقاموس أكسفورد للاسلام:[4]
“على عكس القرآن ، تم تدوين العهد الجديد باللغة نفسها التي تم التبشير بها والتي تلقاها لأول مرة أولئك الذين تبعوا يسوع المسيح. وهذا يجعل النصوص الأصلية للعهد الجديد أكثر موثوقية وأقل عرضة لنوع الاختلاف الذي يمكن أن يحدث من خلال النقل الشفهي.[5]
“الاختلافات في مخطوطات العهد الجديد لا تؤثر على المعتقدات الأساسية للمسيحية.”[15]
قال فضل رحمن الرئيس الحالي لجماعة علماء الإسلام [16]:
“لا ينبغي أن ينزعج المسلمون من الاختلافات بين مخطوطات العهد الجديد المختلفة … هذه الاختلافات غير مهمة إلى حد كبير ولا تؤثر على التعاليم الأساسية للمسيحية.”[17]
أحمد فون دنفر العضو المؤسس لـ “المؤسسة الخيرية الإسلامية العالمية” في الكويت [18]:
“القرآن لا ينكر صحة العهد الجديد، ولا يؤكد أن النص قد تم تحريفه.”[19]
مستنصر مير أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة يونغستاون بالولايات المتحدة الأمريكية:[20]
“لقد كان الحفاظ على العهد الجديد رائعا، وقد تم نقله بدرجة عالية من الدقة.”[21]
محمد هاشم كمالي عميد المعهد العالمي للفكر الإسلامي والحضارة :[22]
“الاختلافات في مخطوطات العهد الجديد لا تشكل تهديدا للتعاليم الأساسية للمسيحية.”[23]
“تم الحفاظ على السلامة النصية للعهد الجديد إلى درجة ملحوظة.”[25]
[1] عبد الكريم سروش، ايراني ولد في طهران سنة 1945م. درس الصيدلة، ثم التحق بكلية تشيلسي بلندن لدراسة فلسفة العلوم. منذ سنة 2000 وهو يعمل كأستاذ جامعي زائر بجامعة هارفارد لتدريس الاسلام والديموقراطية، دراسات قرانية وفلسفة القانون الاسلامي. كما درس فلسفة السياسة الاسلامية في جامعة برنستون في عامي 2002-2003. عالجت كتاباته الأولى النظريات الماركسية وموضوعات فلسفة العلم، ومن أهم أعماله البارزة في تلك الفترة كتاب «المعرفة والقيمة» وكتاب «ما هو العلم؟ ماهي الفلسفة؟» إضافة إلى دراسة نقدية لكتاب محمد باقر الصدر» الأسس المنطقية للاستقراء«
[2] (Soroush, “Reason, Freedom, and Democracy in Islam: Essential Writings of Abdolkarim Soroush”, 2002, p. 111)
[3] (Soroush, “Reason, Freedom, and Democracy in Islam: Essential Writings of Abdolkarim Soroush”, 2002, p. 111)
[4] لبناني، ولد عام 1938م. نشأ في بيئة متعددة الأديان، فالتحق بمدرسة مشيخية مما أثر عليه واعتنق المسيحية، ثم في النهايد عاد الي الاسلام. حاصل على البكاليريوس من الجامعة الأمريكية في بيروت، الماجستير من جامعة بنسلفنيا، ودكتوراة من هارفارد. يعمل كأستاذ جامعي زائر بجامعة البلمند في لبنان، مستشار تحرير لقاموس أكسفورد للاسلام. له العديد من المؤلفات بالعربية والانجليزية عن الاسلام والحوار الديني مثل: (معاناة الخلاص في الإسلام)، (الإسلام: الإيمان والتاريخ) و ( نظرة إسلامية للمسيحية: مقالات حول الحوار). توفي في أكتوبر 2021.
[5] (Ayoub, “The Qur’an and Its Interpreters”, 1984, p. 175)
[6] ولد القرضاوي بالغربية في مصر سنة 1926م ، أتم حفظ القران وأحكام تجويده وهو دون العاشرة. تخرج من كلية أصول الدين جامعة الأزهر بالمركز الأول بين زملائه. حصل على دبلوم معهد الدراسات العربية العالية في الأدب واللغة، الدراسة التمهيدية العليا (معادلة للماجستير) في شعبة علوم القران والسنة من كلية أصول الدين، وأخيرا حصل على الدكتوراة بامتياز مع مرتبة الشرف برسالته (الزكاة وأثرها في حل الشماكل الاجتماعية). حصل على العديد من الجوائز والألقاب من مختلف الدول ولاسيما قطر لمجهوداته فيها. له العديد من المؤلفات مثل: (الحلال والحرام في الاسلام)، (فقه الزكاة).
[7] Yusuf al-Qaradawi (The Lawful and the Prohibited in Islam, p. 421)
[8] أحد علماء أهل السنة والجماعة، ولد في الهند 1943م . التحق بمدرسة دار العلوم من تأسيس والده وتخرج منها، ثم حصل على الماجستير في العلوم العربية من جامعة بنجاب. يعمل ك عضو مجمع الفقه الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، و نائب رئيس مجمع الفقه الإسلامي بجدة و عضو لجنة الفتوى والبحوث الأوربية في دبلن. له مؤلفات مثل: (علوم القرآن)، (تكملة فتح الملهم شرح صحيح مسلم)، (كيف تطبق الشريعة في العصر الراهن)
[9] Mufti Taqi Usmani (An Introduction to Islamic Finance, p. 163)
[10] عالم أزهري مصري الجنسية، وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف. كما عمل كمفتي الديار المصرية لعشر سنين من زمنه. وهو يعمل الان كمشرف عام على الأزهر منذ 2000م وكمشرف مشارك بجامعة أكسفورد لمنطقة الشرق الأوسط في الدراسات الإسلامية والعربية.
[11] Ali Gomaa (Islam and the Discovery of Freedom, p. 93)
[12] كاتب سويسري من أصل مصري، حفيد حسن البنا مؤسس جماعة الاخوان المسلمين بمصر. يعمل طارق رمضان كاستاذ دكتور متخصص في الفكر الإسلامي ومحاضر في جامعة أوكسفورد أعرق جامعات بريطانيا وجامعة فرايبورغ بألمانيا. هو مدير مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق ومقره الدوحة. واختارته مجلة التايم عام 2004 كواحد من 100 من الشخصيات الأكثر تأثيرا في العالم. وفي 2007، أصبح رمضان أستاذًا للدراسات الإسلامية في كلية سانت أنطوني أكسفورد. كما كان لديه منتقدوه، خاصة في فرنسا.
[13] Tariq Ramadan (The Messenger: The Meanings of the Life of Muhammad, p. 273)
[14] عبد الحليم محمود (1910 – 1978) عالم أزهري ووزير مصري سابق وشيخ الأزهر في الفترة بين عامي 1973 و 1978.
[15] M.A.S. Abdel Haleem (Understanding the Quran: Themes and Style, p. 177)
[16] سياسي باكستاني والرئيس الحالي لجماعة علماء الإسلام، كان وزيرًا للنفط في عهد حزب الشعب الباكستاني، وشغل سابقًا منصب زعيم المعارضة من 2004 إلى 2007. انتخب عضوًا في المجلس الوطني الباكستاني بين عامي 1988 ومايو 2018.
[17] Fazlur Rahman (Islam and Modernity: Transformation of an Intellectual Tradition, p. 125)
درس الدراسات الاسلامية والاعاراق بجامعة ماينز، وعمل كباحث مشارك في “المؤسسة الاسلامية” في مدينة ليستر بانجلترا. في عام 1984 أصبح عضوًا مؤسسًا لـ “المؤسسة الخيرية الإسلامية العالمية” في الكويت [18]
[19] Ahmad Von Denffer (Ulum al-Quran: An Introduction to the Sciences of the Quran, p. 129)
[20] باحث باكستاني، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة يونغستاون بالولايات المتحدة الأمريكية، تتركّز اهتماماته في دراسات القرآن والتفسير المعاصر، كما له اهتمام خاصّ بمحمد إقبال، من كتبه في هذا السياق: إقبال، 2006، والتماسك في نص القرآن؛ دراسة في مفهوم الصورة عند الفراهي وإصلاحي، 1986، فهم الكتاب المقدس الإسلامي؛ دراسة لمقاطع مختارة من القرآن، 2008.
[21] Mustansir Mir (Coherence in the Quran, p. 160)
الرئيس المؤسس والمدير التنفيذي للمعهد الدولي للدراسات الإسلامية المتقدمة في ماليزيا
ولد الأستاذ الدكتور محمد هاشم كمالي في 7 فبراير 1944، مقاطعة نانغارهار، أفغانستان، هو الرئيس المؤسس والمدير التنفيذي للمعهد الدولي للدراسات الإسلامية المتقدمة في ماليزيا. عمل أستاذا للقانون والفقه الإسلامي في الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا (1985-2004)، وعميدا للمعهد العالمي للفكر الإسلامي والحضارة (2004-2006). وعمل قبل ذلك أستاذا مساعدا بمعهد الدراسات الإسلامية في جامعة ماكجيل في كندا، وأستاذا زائرا بجامعة كابيتال في أوهايو، وبمعهد الدراسات المتقدمة في برلين.
[23] Mohammad Hashim Kamali (Shariah Law: An Introduction, p. 99)
[24] لأستاذ الدكتور جاسر عودة من رواد المدرسة المقاصدية المعاصرة، وهو رئيس معهد المقاصد، وهو مركز أبحاث مسجل في الولايات المتحدة وله مشروعات في عدد من الدول لتطبيق المنهجية المقاصدية في البحث العلمي والتعليم الجامعي، وهو أستاذ كرسي الإمام الشاطبي في دراسات المقاصد بجامعة السلام العالمي بجنوب أفريقيا، ورئيس تحرير دورية دراسات مقاصدية معاصرة، وعضو مؤسس بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وعضو بالمجلس الفقهي لأمريكا الشمالية، وعضو بالمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، ورئيس مؤسس للمجلس الفقهي الكندي، وزميل بمجمع الفقه الإسلامي بالهند. عمل سابقاً أستاذاً بجامعات واترلو ورايرسون وكارلتون بكندا، وكلية الدراسات الإسلامية بقطر، والجامعة الأمريكية بالشارقة، وجامعة بروناي دار السلام، ومديراً مؤسساً لمركز دراسات مقاصد الشريعة بمؤسسة الفرقان بلندن، ومركز دراسات التشريع والأخلاق بالدوحة، وباحثاً بجامعات كامبردج وساوثهامتون وويلز البريطانية.
[25] Jasser Auda (Maqasid al-Shariah as Philosophy of Islamic Law, p. 337)
أقوال علماء المسلمين المعاصرين في نقل العهد الجديد – جورج ناصر
بدأت الكنيسة المسيحية على أساس إيمان متمركز في شخص الرب يسوع المسيح، وقد حاولت الكنيسة أن تحافظ على هذا الإيمان في حياة المجتمعات المسيحية بطرق متنوعة تضمَّنت تبني عبارات (إقرارات) مختصرة تعبِّر عن الإيمان، وهي التي سُميت فيما بعد بقوانين الإيمان.[1]
وكان لدى الكنيسة في كل مكان نوع أو آخر من هذه الإقرارات المختصرة ـ التي كانت تعتبرها تشكِّل دستوراً للإيمان ـ حيث تقوم بتعليمها للمتقدمين للعماد كما تتلوها في عبادتها المنتظمة.
ومنذ العصور الأولى للمسيحية، كان المبشِّرون والمدافعون يقومون بشرح دستور الإيمان هذا لمن حولهم، وكانوا يركِّزون في شرحهم على أن يسوع المسيح هو ابن الله، الذي من خلاله يستطيع الرجال والنساء أن يكون لهم وصول مباشر لله (الآب)، ومنذ وقت انتشار كتابات العهد الجديد بدأوا يشيرون إليها لتأييد تفاسيرهم باعتبارها تقاليد رسولية متواترة.
وكانت هناك محاولات أخرى عديدة لشرح الإيمان قامت الكنيسة برفضها أثناء القرنين الثاني والثالث، حيث قام البعض بالإشارة إلى ’الابن‘ بكونه يتصل بالله الأزلي بعلاقة إعتمادية؛ والبعض الآخر أشار إليه بأنه الله ذاته في علاقته مع عالم الطبيعة؛ ورآه آخرون أنه إنسان مثلنا حل عليه روح الله وعمل فيه بصورة فائقة؛ وهناك من قالوا أنه مخلوق كامل أحضره الله للوجود قبل (أن يخلق) أي شيء آخر.
وبينما كان كل واحد من هؤلاء المبتدعين يحاول الترويج لأفكاره، كانت هناك سلسلة متواصلة على الدوام من قادة الكنيسة الذين فندوا تلك الأفكار الغريبة وشرحوا الإيمان بطرق أكثر قبولاً. وقام هؤلاء الرجال بتسليم الأجيال التالية أنماط معينة للتفكير، اعتبرتها الكنيسة قاعدة للوصول إلى المقياس العقائدي الصحيح.
وعلى الرغم من ذلك لم تكن تلك الأنماط موحدة، فمنذ القرن الثاني تقريباً بدأت تظهر على الأقل ثلاثة تقاليد عريضة (في الكنيسة): واحد في الإسكندرية، وآخر في أنطاكيا، والثالث في الغرب.
ومنذ البداية كانت هناك أيضاً محاولات لتوحيد أنماط التفكير المسيحي، وأولى هذه المحاولات الناجحة هي التي تحققت في القرن الرابع في مواجهة تعليم أريوس وأتباعه الذي زعم بأن الابن كان في الأساس مخلوقاً.
واستطاعت الكنيسة من خلال مجمع نيقية عام 325م ـ وبمساندة سلسلة من الرجال المقتدرين أمثال ق. أثناسيوس السكندري والآباء الكبادوك ـ أن تؤكد رسمياً أن الابن المتجسد يسوع المسيح ، هو الله بالكمال منذ الأزل على نفس النحو الذي به الآب أو الروح القدس، وذلك بدون أي تعارض مع الوحدة الإلهية.
وقد ضمَّن المجمع هذا الاعتراف داخل قانون إيمان، أكد فيه أن الابن “له ذات الجوهر الواحد (هوموأووسيوس)” مع الآب. وابتدأ هذا القانون ـ في صورته المطولة تلك ـ يحل بالتدريج محل كل قوانين الإيمان الأخرى في الشرق، مؤكداً على أن الابن له بالكامل ومنذ الأزل ذات الجوهر الواحد مع الآب.
وهكذا استطاعت الكنيسة في القرن الرابع أن تتفق رسمياً على عقيدة الثالوث القدوس، التي تضمَّنت علاقة الوحدانية في ذات الجوهر للآب والابن والروح القدس. ولكن إذا نظرنا إلى تفسير قانون الإيمان، فسنجد أنه بالرغم من أن التقليد السكندري والأنطاكي كانا بصورة أو بأخرى متفقين معاً، إلاّ أنهما لم يتفقا مع الغرب في نفس نمط التفكير الذي اتبعه، فبينما التزم الشرق بالتراث اللاهوتي للآباء الكبادوك (في تفسيرهم لعقيدة الثالوث)، تمسك الغرب بالتعليم الذي قدَّمه ق. أغسطينوس.
ولكن هذا الاختلاف مع ذلك لم يسبب أي انقسام بين الشرق والغرب مثلما حدث في الخلاف حول شخص المسيح في القرن الخامس.
[1] كان أغلب تلك الإقرارات يبدأ بكلمة ’أؤمن‘ لذلك سٌميت بإقرارات الإيمان (التي توحدت فيما بعد في قانون الإيمان النيقاوي-القسطنطيني).
وإذا تحدثنا بصورة أكثر تدقيقًا ـ كما أشار ق. إيرينيئوس ـ نستطيع أن نقول إن الله فقط هو الذي يَعرف ذاته، وبالتالي فلا يمكن معرفة الله إلاّ من خلال الله فقط. وبما أن الله وحده كائن داخل سرمديته ولانهائيته الذاتية، فإنه هو وحده الذي يستطيع أن يَعرف ذاته بطريقة تتفق تمامًا مع ماهيته، وبما يتناسب مع كينونته وبما يلائم طبيعته بكونه الله، لذلك فإذا أردنا حقًّا أن نعرف الله فهذا يتأتى فقط من خلال المشاركة ـ بشكل لا يصدقه عقل ـ في المعرفة التي يملكها الله عن ذاته[1].
أي إننا نستطيع معرفة الله، فقط إذا أدخلنا هو في شركة معه في العلاقات الداخلية له كآب وابن وروح قدس. وهذه المشاركة في المعرفة التي لله عن نفسه، صارت ممكنة من خلال تجسد ابن الله وبواسطة روح الآب والابن.
الله يُعرِّفنا “ذاته” من خلال الابن المتجسِّد وفي الروح القدس
إن الله في التجسُّد، أعطانا ذاته في يسوع المسيح ابنه الحبيب، وهو لم يوصل إلينا شيئًا عن ذاته بل أعطانا ذاته عينها، وبذلك جعل نفسه معروفًا لنا طبقًا لطبيعته الإلهية “كآب”. وفي يوم العنصرة سكب الله علينا روحه القدوس، الذي بكونه روح الآب وروح الابن فهو حضور الله المباشر.
أي إنه في يسوع المسيح الابن المتجسِّد، أدخل الله في وجودنا البشري، المعرفة المتبادلة التي يعرفها الآب والابن كل منهما للآخر، وفي الروح القدس يعطينا شركة في العلاقة المتبادلة التي للآب والابن، وبذلك يجعلنا نشترك في المعرفة التي للآب والابن عن بعضهما البعض. وبتعبير آخر، فإنه من خلال يسوع المسيح الابن المتجسِّد أُعطينا سبيلاً إلى الآب في روح واحد[2].
ولا نبالغ إذا قلنا إن علاقة الابن بالآب هذه، والتي أُعلنت في يسوع المسيح الابن المتجسِّد، قد صارت القاعدة والنقطة المركزية للفكر اللاهوتي النيقي كله، لأن تجسد الابن قد فتح الطريق إلى معرفة الله وفقاً لما هو في ذاته، وهو ما لم يكن من الممكن أن يفعله أي شيء آخر. ففي التجسد، أخذ ابن الله طبيعتنا البشرية لنفسه وجعلها خاصة به تمامًا حتى إنه جاء بيننا “كإنسان”، وبواسطة وجوده بيننا “كإنسان” كشف لنا عن ما هو “كإله”.
وبمعنى آخر، فإنه ـ دون أن يتخلى عن طبيعته الإلهية ـ اتحد بنا في طبيعتنا البشرية بشكل تام كامل، لدرجة أنه بحياته الإلهية التي كان يحياها في داخل حياتنا البشرية ـ بكامل حقيقة هذه الحياة البشرية ـ قد أعلن شيئًا من السر الأعمق لحياته الإلهية “كابن” للآب. ولكنه وبالتحديد في إعلانه لنا عن طبيعته الذاتية “بكونه الابن”، قد أظهر لنا طبيعة “الآب”، ليس فقط بالكلام، مُعْلِمًا إيانا عن الآب، بل بكونه ـ كما هو منذ الأزل ـ ابن الآب الذاتي، المتجسِّد في حياتنا البشرية.
ولذا كان يقين “كنيسة نيقية” الكاسح أنه فقط بتجسُّد الابن، قد أُدخلت معرفة الله الحقيقية في نطاق فهمنا البشري بشكل إيجابي، لأنه فقط بمشاركتنا في معرفة الابن للآب يكون فكرنا وحديثنا عن الله بالحقيقة هدفه ومحوره هو الله، وبالتالي يكون له محتوى إيجابي. وفي عمل من تواضع الذات أو إخلاء الذات لأجلنا، تنازل الله الابن ليشاركنا طبيعتنا المخلوقة وليشاركنا ضآلتنا وجهلنا، لكي يرفعنا في ذاته إلى الشركة مع الله، وإلى معرفة الله وفقًا لما هو في ذاته بالحقيقة.
فالله “هو معروف للابن فقط، لأن ليس أحد يعرف الآب إلاّ الابن ومَن يريد الابن أن يعلن له، ولا أحد يعرف الابن إلاّ الآب. كل منهما له معرفة تامة وكاملة بالآخر. ولذلك بما أنه لا أحد يعرف الآب إلاّ الابن فلنجعل أفكارنا عن الآب متوافقة مع أفكار الابن ـ الشاهد الأمين الوحيد الذي يعلن الآب[3]“.
وهذا التركيز على المعرفة المتبادلة بين الآب والابن بكونها الأساس لمعرفتنا نحن لله، لم يكن أبدًا لينتقص أو يقلل بأي شكل من حقيقة الروح القدس وعمله، لأنه فقط من خلال شركة الروح القدس المُرسل لنا من الآب بواسطة الابن نستطيع بالفعل أن نشترك في علاقة الابن بالآب والذي به (أي بالابن) نُعطى دخولاً إلى الآب نفسه.
وهكذا يصبح مفهومًا أنه بالرجوع الدائم لعلاقة الابن الداخلية بالآب ـ كمحور مركزي للإيمان ـ صاغت الكنيسة فهمها لكل الأمور الأخرى مثل الخلق، والخلاص، والكنيسة، وقيامة الأموات، وحياة الدهر الآتي.
وإذ نحن كائنات عرضية (أي اعتمادية ومتوقفة في وجودها على غيرها)، فإننا محصورون داخل النطاق المحدود لوعينا وإدراكنا المخلوق، ولكن تحت تأثير إعلان الله عن ذاته في المسيح يسوع وعمل روحه القدوس الخلاَّق، تنفتح عقولنا وقدراتنا وتتسع وتمتد أفكارنا إلى ما هو أبعد بكثير من نطاقها المحدود، إلى أن تصير متناسبة ـ على الأقل إلى حد ما ـ مع هدفها الإلهي[4].
إنه الروح القدس الذي يحقق إعطاء الله ذاته لنا في يسوع المسيح، وبالتالي يُمكِّننا من قبول وإدراك ما هو أبعد من ذواتنا تمامًا، ألا وهو المعرفة الحقيقية لله نفسه متجسِّدًا بيننا في المسيح. وهذا ما يتحقق في إيمان الكنيسة وتوقيرها وعبادتها وتكريسها الخاشع المطيع لإعلان الله عن ذاته بالابن وفي الروح القدس. وهنا نورد قول ق. هيلاري مرة أخرى “إن الله لا يمكن أن يُعرف إلاّ عن طريق العبادة والتقوى[5]“.
أي إنه بعلاقة الشركة الحميمة مع الله في المسيح وبالروح القدس ومن خلالها ـ والتي ندخل فيها بواسطة الإيمان والعبادة والتأمل والسجود ـ فإنه يمكن لعقلنا البشري أن يتكيف ويتلاءم ـ على قدر الإمكان ـ مع معرفة الله وفقًا لطبيعته كآب وابن وروح قدس، وبهذا ندخل في معرفةٍ دقيقةٍ ومحددة له وفقًا لما هو الله بالحقيقة في ذاته، وحسبما يكشف هو لنا ذاته.
هل ينبغي أن نعرف الله من خلال النصوص الكتابية فقط؟
قبل أن نبحث بتدقيق أكثر فيما يعني السبيل إلى الله الآب من خلال الابن وفي روح واحد، دعونا نبدي ملاحظة هامة وهي أن الدقة في المعرفة لا تعني أبدًا اتباع اسلوب ضيق الأفق في التفكير والحديث عن الله من الكتاب المقدس فقط. لأن المعرفة الصحيحة والدقيقة عن الله لا تُكتسب بترتيب آيات الكتاب المقدس في صف واحد معًا، ولكن بالسماح لفكرنا بأن يتشكَّل وبأن يتحدَّد “بالحق” الإلهي الذي توجهنا إليه هذه الآيات.
لأن اعتبار تعبيرات الكتاب المقدس بأنها تأكيدات إلهية، لا يعني أنه يسهل إدراكها وفهمها على الفور، ولكن يعني أنه يجب أن تُفسَّر في ضوء “الحق” الذي تُشير إليه كما يجب أيضاً لتفسيراتنا تلك من أن تُمتحن وفقًا لهذا “الحق”. لذلك يتعين علينا التفكير بتروٍ فيما تعنيه آيات الكتاب المقدس في ضوء تلك المرجعية[6].
وهذا لا يعني بالطبع أن نطرح جانبًا إرشاد الكتاب المقدس لنا والذي من خلاله أتى إلينا إعلان الله، وإنما يعني أننا نرفض الاكتفاء بذكر نص التعبيرات الكتابية، لمجرد رغبتنا في أن يستند تفكيرنا وحديثنا على “الحق” الإلهي ذاته، والذي يحدثنا بواسطة هذه التعبيرات الكتابية. ومن هنا فإنه يتعين علينا أن نقرر ما الذي نقوله عن “الحق” تحت إرشاد أقوال الكتاب المقدس، وأن نحدد أيضًا الكيفية التي بها نصيغ تعبيراتنا بحيث تكون صحيحة ومتناسبة مع “الحق” ذاته.
وقد عبَّر ق. أثناسيوس عن هذا المعنى بما أسماه “حرية الحديث الديني” على أساس الأسفار المقدسة، وذلك حين نَعبُر إلى ما وراء ما ذكرته هذه الأسفار حرفيًّا، إلى “حقيقة الله” ذاتها ـ التي تنقلها تلك الأسفار ـ ونسعى للتعبير عنها بكل ما أوتينا من صحة ودقة[7]. ونحن لا نتجاسر أو نتجرأ على فعل هذا إلاّ بأسلوب يتسم بأقصى درجات الحذر والخشوع وبصلوات كثيرة[8].
[1] Irenaeus, Adv. haer., 4.11. 1-5, vol. 2, pp. 158-62. See ‘The Deposit of Faith’, SJT, vol. 36, 1983, No. 1, pp. 8ff.