66 – ما معنى قول: “أحبـوا أعداءكـم” (مت 5: 44)… وكيف يمكن تنفيذ ذلك؟
محبة الصديق شيء عادي يمكن أن يتصف به حتى الوثني والملحد…. أما محبة العدو، فهي الخلق السامي النبيل الذي يريده الرب لنا… إنه يريدنا أن نكره الشر وليس الأشرار… نكره الخطأ وليس من يخطئ… فالمخطئون هم مجرد ضحايا للفهم الخاطئ أو الشيطان علينا أن نحبهم ونصلي لأجلهم، ولكي يتركوا ما هم فيه. أما كيف ننفذ ذلك، فيكون باتباع النقاط الآتية:
لا نحمل في قلبنا كراهية لأحد مهما أخطأ إلينا… فالقلب الذي يسكنه الحب، لا يجوز أن تسكنه الكراهية أيضاً.
لا نفرح مطلقاً بأي سوء يصيب من يسيء إلينا… وكما يقول الكتاب “المحبة لا تفرح بالإثم” (1كو 13: 6)… بل نحزن إن أصاب عدونا ضرر.
علينا أن نرد الكراهية بالحب وبالإحسان… فنغير بذلك مشاعر المسيء إلينا… وكما قال القديس يوحنا ذهبي الفم: “هناك طريق تتخلص بها من عدوك، وهي أن تحول ذلك العدو إلى صديق”.
مقابلة العداوة بعداوة تزيدها اشتعالاً… والسكوت على العداوة قد يبقيها حيث هي بلا زيادة… أما مقابلة العداوة بالمحبة فإنه يعالجها ويزيلها.
لذلك لا تتكلم بالسوء على عدوك، لئلا تزيد قلبه عداوة… ومن الناحية العكسية إن وجدت فيه شيئاً صالحاً امتدحه…فهذا يساعد على تغير شعوره من نحوك.
إن وقع عدوك في ضائقة تقدم لمساعدته… فالكتاب يقول: “إن جاع عدوك فاطعمه، وإن عطش فاسقه” (رو 12: 20).
يقول الكتاب المقدس أيضاً “لا يغلبنك الشر، بل اغلب الشر بالخير” (رو 12: 21)… إنك إن قابلت العداوة بعداوة، يكون الشر قد غلبك… أما إن قابلتها بالحب فحينئذ تكون قد غلبت الشر بالخير.
65 – كيف تقولون “من ضربك على خدك فاعرض له الخد الآخر أيضاً…” هل قضية الكرامة منعدمة لديكم يا معشر المسيحيين؟
جاءت هذه الآية (لوق 6: 29) في موعظة الرب يسوع المسيح على الجبل. وتبدأ من آية 17 وتنتهي في آية 49 من الأصحاح السادس. ويمكننا تقسيم هذه الموعظة إلى عدة فقرات. فمثلاً ممكن أن نقول إن آية 29 جاءت في فقرة تبدأ من آية 27 إلى 42.
وأعتقد أن رأس الموضوع في هذه الفقرة هي: المحبة، والرحمة، وعدم إدانة الغير بل الغفران. فيقول الرب يسوع المسيح في آية 27: “أحبوا أعداءكم، أحسنوا معاملة الذين يبغضونكم، باركوا لاعنيكم، صلوا لأجل الذين يسيئون إليكم”. ونرى الرب يسوع يشرح هذه النقطة في الآيات التالية ثم يؤكدها مرة أخرى في آية 35: “… أحبوا أعداءكم” ونرى أيضاً إن الرب يسوع يؤكد ضرورة الرحمة في آية 36 ينهي عن إدانة الغير في آية 37، ويوصي بالمغفرة في نفس الآية.
إذاً مقاييس ووصايا الرب يسوع أعلى جداً وأسمى جداً من مقاييس البشر. فمن طبيعتنا نحن البشر أن نحب من يحبوننا، ونحسن معاملة الذين يحسنون معاملتنا، وندين عيوب الآخرين دون فحص عيوبنا، ولا نرحم من يسيء إلينا. ولكمن الرب يسوع يضع أمامنا مقاييس الله السامية ويريد من “أبناء العلي” أن يرفعوا أعينهم إلى أبيهم السماوي ويتمثلوا به. فيقول في آية 35، 36: “ولكن أحبوا أعداءكم، وأحسنوا المعاملة، وأقرضوا دون أن تأملوا استيفاء القرض، فتكون مكافأتكم عظيمة، وتكونوا أبناء العلي، لأنه ينعم على ناكري الجميل والأشرار. فكونوا أنتم رحماء، كما أن أباكم رحيم”.
ألا ترى يا عزيزي إن المحبة والرحمة والغفران أعلى كثيراً من مسألة الكرامة؟ فالكرامة تعبير الذات أعظم أهمية، وتعزز الذات وتضعها في أعلى مقام فوق الآخرين، وهي إلى حد ما نوع من الأنانية والكبرياء. هذه هي طبيعة النفس البشرية. وينهي الكتاب المقدس في عدة أماكن عن تعزيز النفس ووضعها في أعلى اعتبار. فنقرأ في الرسالة إلى مؤمني فيلبي 2: 3 “لا يكن بينكم شيء بروح التحزب والافتخار الباطل، بل بالتواضع ليعتبر كل واحد منكم غيره أفضل كثيراً من نفسه، مهتماً لا بمصلحته الخاصة بل بمصالح الآخرين أيضاً. فليكن فيكم هذا الفكر الذي هو أيضاً في المسيح يسوع”.
ماذا يا عزيزي فعل الرب يسوع من أجلي وأجلك نحن الخطاة؟ لقد أنكر ذاته وضحى بنفسه من أجل فدائنا وخلاصنا نحن البشر من عقاب الخطية في الجحيم. أخذ عقاب خطايا كل البشر على عاتقه هو، هذا البار القدوس الذي لم يقترف أية خطية قط. وتذكر يا أخي صلاة الرب يسوع وهو على الصليب من أجل من عذبوه وصلبوه في إنجيل لوقا 23: 34 “يا أبي أغفر لهم، لأنهم لا يدرون ما يفعلون”. ونقرأ في الرسالة إلى مؤمنين فيلبي 2: 6-11 في الكتاب المقدس عن الرب يسوع:
“إذ أنه، وهو الكائن في صورة الله، لم يعتبر مساواته لله خلسة، أو غنيمة يتمسك به، بل أخلى نفسه، متخذاً صورة عبد، صائراً شبيهاً بالبشر، وإذ ظهر بهيئة إنسان أمعن في الاتضاع، وكان طائعاً حتى الموت، موت الصليب. لذلك أيضاً رفعه الله عالياً، وأعطاه الاسم الذي يفوق كل اسم، لكي تنحني سجوداً لاسم يسوع كل ركبة، سواء في السماء أو على الأرض أو تحت الأرض، ولكي يعترف كل لسان بأن يسوع المسيح هو الرب لمجد الله الآب”.
وأنا أعلم يا عزيزي علم اليقين إن هذا المثل وهذا المستوى الذي وضعه الرب يسوع المسيح أمام أعيننا ليس في طبيعتنا وليس في مقدرتنا نحن البشر. فما العمل إذاً؟ ذلك هو عين السبب أن الرب منحنا روحه القدوس ليعطينا المقدرة والقوة على إطاعة وصاياه والسلوك حسب تعاليمه السامية وليس حسب طبيعتنا الجسدية التي ترتكز على محبة الذات. فنقرأ في الرسالة إلى مؤمني روما 11: 8، 9 “وأما أنتم، فلستم تحت سلطة الجسد بل تحت سلطة الروح، إذا كان روح الله ساكناً في داخلكم حقاً.
ولكن، إن كان أحد ليس له روح المسيح، فهو ليس للمسيح… وإذا كان روح الذي أقام يسوع من بين الأموات يسكن فيكم، فإن الذي أقام المسيح من بين الأموات سوف يحي أيضاً أجسادكم الفانية بسبب روحه الذي يسكن فيكم”,
إذاً، روح الله الساكن في المسيحي يحي أفكاره ومشاعره وإرادته حتى يمكنه من السلوك حسب مشيئة الله الطاهرة السامية. ويؤكد الكتاب المقدس ذلك في عدة أماكن منها الرسالة إلى مؤمني فيلبي 2: 13 “لأن الله هو الذي ينشئ فيكم الإرادة والعمل لأجل مرضاته”.
جاء في صموئيل الثاني (13: 10-14) “فقال آمنون لثامار أخته: ادخلي الطعام إلى غرفتي فآكل من يديك، فأخذت ثامار الكعك وجاءت به إلى آمنون آخيها في غرفته وقدمت له ليأكل فأمسكها وقال: تعالي نامي معي يا أختي، فقالت له: لا تغصبني يا أخي هذه فاحشة لا يفعلها أبناء إسرائيل فلا تفعلها أنت فأنا أين أذهب بعاري؟ وأنت ألا تكون كواحد من السفهاء في إسرائيل فكلم الملك فهو لا يمنعني عنك فرفض أن يسمع كلامها فهجم عليها واغتصبها”.
عند دراسة الموضوع نلاحظ الآتي:
– أن آمنون كان مريضاً حباً بأخته ثامار غير الشقيقة.
– قد أشار عليه صديقه يوناداب بمشورة رديئة.
– حاول الزنا معها ولكنها رفضت بشدة “فقالت له لا يا أخي لا تذلني لأنه لا يفعل هكذا في إسرائيل لا تعمل القباحة.”
– فلم يشأ أن يسمع لصوتها بل تمكن منها وقهرها واضجع معها “فبقيت ثامار ذليلة بسبب ذلك الفعل”. وكان عليها ثوب ملون لأن بنات الملك العذارى كن يلبسن جبات مثل هذه فأخرجها خادمه إلى الخارج وأقفل الباب وراءها فجعلت رماداً على رأسها ومزقت الثوب الملون الذي عليها ووضعت يدها على رأسها وكانت تذهب صارخة”.
– وقد ولد ذلك عداوة بين آمنون وأبشالوم شقيق ثامار “فقال لها أبشالوم أخوها هل كان آمنون أخوك معك فالآن يا أختي اسكتي. أخوك هو. لا تضعي قلبك على هذا الأمر فأقامت ثامار مستوحشة في بيت أبشالوم أخيها”.
– وكان ذلك سبب مرارة لداود وخاصة أنه ولد عداوة بين الأخوين “ولما سمع الملك داود بجميع الأمور اغتاظ جداً ولم يكلم أبشالوم آمنون بشر أو بخير لأن أبشالوم أبغض آمنون من أجل أنه أذل ثامار أخته.
– انتقام أبشالوم وأمره بقتل أخيه “وكان بعد سنتين من الزمان أنه كان لأبشالوم جزازون في بعل حاصور التي عند أفرايم فدعا أبشالوم جميع بني الملك. فقال أبشالوم إذاً دع أخي آمنون ليذهب معنا فقال الملك: لماذا يذهب معك، فألح عليه أبشالوم فأرسل معه آمنون وجميع بني الملك فأوصى أبشالوم غلمانه قائلاً انظروا متى طاب قبل آمنون بالخمر وقلت لكم أضربوا آمنون فاقتلوه، لا تخافوا، أليس إني أنا أمرتكم فتشددوا وكونوا ذوي بأس ففعل غلمان أبشالوم بآمنون كما أمر أبشالوم فقام جميع بين الملك وركبوا كل واحد على بغله وهربوا”.
وهنا نرى أنها خطية بكل المقاييس وقد سجلها الكتاب المقدس ليرينا ما يمكن أن يقع فيه أي إنسان من خطية مهما كان نوعها وبشاعة الخطية ونتيجتها هي الموت. فقد مرمرت الخطية قلب ثامار وأذلتها وكرهت الأخ في أخيه وأذلت الأب وشقت بيت داود.
هذه هي نتيجة الخطية وهذا ما قصده الوحي الإلهي من ذكر هذه الحادثة.
طبعاً من الواضح أن المعترض لم يكلف نفسه حتى بقراءة ما ينقله من المواقع المنحرفة فلو قرأ لرأي أن إله إسرائيل لا يأمر بارتكاب تلك الفواحش والاغتصاب بل أن نص الكتاب المقدس وضح أن ثامار دافعت عن نفسها وحاولت أن تهرب ولو بالكذب بأن الملك لن يمنعها عن أخيها وهو ما لن يحدث.
لماذا لم يعاقب داود ابنه آمنون طبقاً لشريعة موسى؟
لم يعاقب داود ابنه آمنون طبقاً لشريعة موسى لأن شريعة موسى تأمر للزاني والزانية “على فم شاهدين أو ثلاثة شهود يقتل الذي يقتل ولا يقتل على فم شاهد واحد. أيدي الشهود تكون عليه أولاً لقتله ثم أيدي جميع الشعب أخيراً فتنزع الشر من وسطك” (تث 17: 6-7) وفي هذه الحادثة لم يكن هناك شهود على هذا الزنا الصريح، بل حدث سراً في غرفة آمنون وما فعله أبشالوم بالانتقام من أخيه لم يكن تطبيقاً للشريعة بل ثأر وانتقام من أخيه وهو قبيح في عيني الرب…
63 – هل الأعمال الصالحة مثل الصلاة والصوم والصدقة وزيارة الأماكن المقدسة تصلح للتكفير عن خطيئة الإنسان؟
الواقع أن هناك أربعة أسباب رئيسية لذلك:
إن الأعمال الصالحة التي نقوم بها، مهما عظمت قيمتها محدودة لأنها صادرة من الإنسان المحدود. بينما حق الله أسيء إليه بسبب الخطية لا حد له. والمحدود لا يمكن قط أن يغطي غير المحدود.
إن هذه الأعمال الصالحة إذا كان بوسعنا حقاً أن نعملها ليست تفضلاً منا على الله، بحيث نستحق الجزاء عليها. بل هي واجب علينا، والتقصير فيه يستوجب العقاب.
لأن أجرة الخطية هي موت رومية 6: 23، وليست أعمالاً صالحة. فكما لا يصلح أن يتعهد القاتل أمام المحكمة بأنه تاب ولن يعود إلى القتل مرة أخرى، وأنه يتعهد مثلاً أمام المحكمة ببناء ملجأ للأيتام مقابل أن تسامحه المحكمة، هكذا لا تصلح الأعمال أن تكون مقابل أجرة الخطية وهي الموت.
لأن الأعمال التي نقول نحن عنها أنها صالحة، ليس هي كذلك في نظر الله، بل إنها ملطخة بنقائص وعيوب الطبيعة البشرية الساقطة. تذكر قول النبي أشعياء كثوب عدة أي خرق نجسة كل أعمال برنا.
إذاً فمن يتجاهل تعليم الكتاب المقدس الصريح بهذا الخصوص، ويصر على الاقتراب إلى الله بأعماله، فإنه يتبع قايين في طريقة، طريق الأعمال، إذ يظن أن الإنسان إذا عمل أفضل ما عنده فإنه بذلك ينال القبول عند الله.
وللأسف الشديد يوجد اليوم الملايين، في كل العالم، الذين يتبعون قايين في طريقه، وعنهم تقول كلمة الله “ويل لهم لأنهم سلكوا طريق قايين” (يهوذا 11).
لا مفر إذاً من الطريق الذي رسمه الله، فالأعمال لا تصلح للتكفير، إنها طريق قايين المرفوض.
وقد يعترض أحدهم قائلاً: “ما ذنب المسيح البريء حتى يدفعه الله لأن يقتل؟ ألا يتنافى هذا مع حقيقة (الله محبة)؟”
الرد
للرد على هذا الاعتراض نوضح أمرين هامين:
قتل الأنبياء الأبرياء.
قتل النفس الطاهرة (أي المسيح).
أولاً: قتل الأنبياء الأبرياء
لماذا يستغرب المعترض من قتل النفوس البريئة والقرآن مليء بالآيات القرآنية التي تشهد على ذلك. دعني أذكر لك آيتين فقط:
– في سورة البقرة آية 60 “كانوا (أي اليهود) يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق”.
– وفي سورة البقرة آية 86 “أفكما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم (يقصد اليهود) استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون”.
إذن فهناك نفوس نبيين تقتل بغير حق أي لم يفعلوا شيئاً يستحقون عليه القتل فهم أبرياء. وقد سمح الرب بذلك ليوضح مدى شر اليهود بقتلهم الأنبياء الأبرار الأطهار!!!.
وبالتأكيد سوف يعاقب الله هؤلاء القتلة الأشرار، في حين أنه سوف يكافئ الأنبياء على تضحياتهم وصبرهم وتحملهم القتل في سبيل الله.
ثانياً: قتل النفس الطاهرة
علاوة على ما ذكر عن قتل الأنبياء، نرى القرآن يذكر بمنتهى الصراحة قتل النفس البريئة الطاهرة، لذلك فإني أندهش من المعترضين على قتل المسيح الطاهر البريء!!!
اسمع ما يقوله القرآن في:
– سورة المائدة 32: “من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفس بغير نفس (أي من قتل نفساً بريئة لم تقتل نفساً) أو فساد في الأرض (أي نفساً طاهرة لم تفسد في الأرض) فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً”.
الواقع أن هذه الآية توضح ثلاثة أمور هامة جداً هي:
الأمر الأول هو “قتل النفس البريئة الطاهرة. إذ يقول: “من قتل نفساً بغير نفس، أو فساد في الأرض”. المقصود من أن هذه النفس البريئة هي كذلك نفس طاهرة أي لم ترتكب فساداً في الأرض.
والمسيح بشهادة القرآن وعلماء المسلمين هو هذه النفس الطاهرة البريئة، وإليك هذه الشهادات:
– سورة مريم، التي سبق ذكرها من قبل يقول فيها الملاك: “قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكيا (أي طاهر)” فالمسيح بشر طاهر.
– سورة آل عمران “وإني سميتها مريم وإني أعيذها وذريتها (أي المسيح) من الشيطان الرجيم”.
– وقال الإمام الرازي في تفسير كلمة (المسيح) “أنه مسح من الأوزار والآثام… مسحه جبريل بجناحه وقت ولادته ليكون ذلك صوناً من مس الشيطان” (تفسير الرازي جزء 3 ص 676).
– وعن أبي هريرة قال “سمعت رسول الله (ص) يقول ما من مولود من بني آدم إلا نخسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً من لمسه إياه، إلا مريم وابنها”.
– وجاء في صحيح البخاري “ابن آدم يطعنه الشيطان في جنبيه بإصبعه حين يولد غير عيسى ابن مريم ذهب (الشيطان) ليطعن فطعن في الحجاب. أي لم يمسه بشيء”.
من هذا يتضح لنا جلياً أن المسيح هو وحده النفس الطاهرة البريئة، والتي من قتلها فكأنما قتل الناس جميعاً.
الأمر الثاني هو: إحياء هذه النفس الطاهرة البريئة. يتضح ذلك من قوله: “ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً”. وهنا ينبغي أن نقف لنتأمل ملياً، من هذه النفس الطاهرة البريئة التي قتلت ثم أحييت؟؟؟ أليس هو المسيح بحسب شهادة القرآن القائل: سلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا” (سورة مريم 33).
ألم يشهد علماء المفسرين المسلمين لذلك؟ إليك بعض هذه الشهادات:
عن ابن حميد… عن ابن إسحاق عن وهب ابن منبه أنه قال: “توفي المسيح ثلاث ساعات ثم رفعه” (جامع البيان).
وقال محمد ابن إسحاق “توفي سبع ساعات ثم أحياه الله ورفعه”
والإمام البيضاوي: “قيل أماته الله سبع ساعات ثم رفعه إلى السماء”
ومن آراء علماء المفسرين المسلمين الأفاضل ما جاء في:
في تفسير ابن كثير عن إدريس أنه قال: “مات المسيح ثلاثة أيام ثم بعثه الله ورفعه”.
إذن يتضح من ذلك أن المسيح هو النفس البريئة الطاهرة التي قتلت ثم أحييت.
الأمر الثالث هو: توجيه هذا الكلام لبني إسرائيل. لماذا يوجه هذا الكلام لبني إسرائيل بالذات؟ لماذا لا يوجه لكل البشرية؟؟
أتدري لماذا؟ لأن بني إسرائيل هو الذين قتلوا النفس البريئة الطاهرة دون غيرهم!! هو الذين قتلوا السيد المسيح، الذي أقامه الله من الأموات.
فيكون موت المسيح هو موت للناس جميعاً، وإحياء المسيح هو إحياء للناس جميعاً!!!
رأيت إذاً يا أخي المحبوب كيف أن المسيح قد تقدم بحب وتحمل هذا الموت لأجل جميع الناس. وهذا لا يتعارض مع محبة الله، بل إنها المحبة المضحية الباذلة، تلك التي تتحمل فدية الإنسان بدافع الحب لأجل الغفران. هذا هو المبدأ الذي نحن نؤمن به، وتؤمن به المسيحية في قضية الفداء والغفران.
61 – ألا تكفـي التوبـة للغفران دون الحاجـة إلى الصلـب؟
يقول المعترضون: أما كان يكفي أن الإنسان يتوب فيقبل الله توبته ويغفر ذنبه، عملاً بقول الآية القرآنية التالي:
سورة البقرة 37: “فتلق آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه التواب الرحيم”.
الرد
الواقع أن عملية غفران الذنب لها جوانب متعددة منها:
الجانب الأول: التوبة والندامة
الواقع أنه لا بد أن يتوب المخطئ ويندم على خطيته وإلا فلن يغفر له ذنبه. والكتاب المقدس يوضح ذلك بقول المسيح: “إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون” (لو 13: 3).
والقرآن أيضاً يوافق على ذلك من أجل هذا جاءت الآية القرآنية السابقة “فتلق آدم من ربه كلمات فتاب عليه أنه التواب الرحيم” (سورة البقرة 37).
ولكن هل التوبة كافية وحدها للغفران؟
الواقع أنه بالرغم من أن التوبة هي عمل ضروري للغفران ولكنها تمثل الندامة على ما فعله الإنسان وعزمه على عدم عودته إلى ذلك مرة أخرى في المستقبل. ولكن يبقى جانب آخر هام وهو علاج ما فعله الإنسان في الماضي حتى يغفر له.
دعني أوضح لك القصد من هذا الكلام بإعطاء مثال من الحياة ثم أطبق ذلك على موضوع حديثنا. فمثلاً إن حطم شخص سيارتك بعربته، فيأتي إليك ويعتذر لك قائلاً أنا أتوب أن أحطم سيارتك فيما بعد، فهل هذا يكفي لتصفح عنه؟ وهل هذا الاعتذار سيعوض لك سيارتك؟ أم لابد له أن يعطيك اسم شركة تأمين سيارته لتقوم الشركة بعمل الإصلاحات اللازمة لسيارتك أو إعطائك مبلغ التأمين لتشتري غيرها إن كانت اصابتها شديدة؟!
والآن دعني أطبق الأمر على موضوع حديثنا، فالسيئة التي يرتكبها الإنسان لا يكفي أن يقدم عنها اعتذار او مجرد توبة بل لا بد من تقديم كفارة أو فداء أو ضحية حتى يمكن غفران الماضي. وهذا ما سوف نتكلم عنه فيما يلي:
الجانب الثاني: الكفارة أو الفداء أو الضحية
موضوع الكفارة والفداء أمر حتمي للمغفرة وهذا واضح في المسيحية والإسلام. ففي المسيحية تقول الآية صريحة في الإنجيل في رسالة يوحنا الأولى الأصحاح الثاني في الآية الأولى والثانية: “يا أولادي أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا، وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عن الآب يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضاً.
ولكن ما هي نوع الكفارة في الإسلام يا ترى؟
الواقع أن هناك أنواع عديدة من الكفارة في الإسلام، ذكرت بعضها في الآية التالية:
سورة المائدة آية 89 “لا يؤاخذكم الله باللغو (أي غير المقصود) في إيمانكم (القسم أي الحلفان) ولكن يؤاخذكم بما عقدتم (أي عن عمد) الإيمان (القسم) فكفارته إطعام عشرة مساكين… أو كسوتهما وتحرير رقبة (تحرير عبد) فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة إيمانكم…”.
واضح من هذه الآية أنه لا بد وأن تكون هناك كفارة للسيئات، فالسيئة المذكورة في هذه الآية هي تعمد الإيمان، والكفارة المطلوبة لمغفرتها هي: إما إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو إطلاق عبد وتحريره، أو صوم ثلاثة أيام.
أما إذا كان الذنب من الكبائر فلا بد أن الله هو الذي يكفر عنه بحسب ما جاء بالآية القرآنية التالية:
سورة التغابن آية 9 قوله: “ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار…” من هذا يتضح أن الله لا بد أن يكفر عن السيئات حتى يغفرها. والواقع أن الكفارة الحقيقية للخطايا في الإسلام هو كما أشرنا سابقاً في صدد الحديث عن عيد الضحية.
فدعني أذكرك بها ثانية:
ذبائح عيد الأضحى: فعيد الأضحى يعرف باسم (عيد التضحية والفداء) والذبائح التي تنحر هي بقصد الفداء أو الكفارة كما يتضح مما يلي:
– كتاب دين الإسلام: يسمى عيد الأضحى في بلاد الفرس (عيد القربان) أي الذبيحة، ويقال أثناء الوضوء في هذا العيد هناك: “اللهم اجعل هذه الذبيحة كفارة عن ذنبي وانزع الشر مني” (ص 367).
– كتاب الفقه: روى مسلم عن انس رضي الله عنه قال: ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده الكريمة (جزء 1 ص 711).
– كتاب مشكاة المصابيح: ذكر أن النبي وهو يذبح الكبشين قال: “اللهم هذا عني وعمن لم يضح من امتي” (ص42).
– كتاب إحياء علوم الدين: روى البزار وأبو الشيخ عن أبي سعيد قالا: “قال رسول الله (ص) يا فاطمة قومي إلى أضحيتك فأشهديها، فإن لك بأول نظرة من دمها أن يغفر لك ما سلف من ذنوبك” (جزء 1 ص 243).
– كتاب إحياء علوم الدين: جاء فيه: “وأما ذبح الهدى (أي الضحية) هو تقرب إلى الله تعالى. فعليك أن تكمل الهدى (الضحية) واطلب أن يعتق الله بكل جزء منه (أي من الهدى أو الضحية) جزءاً منك من الناء. فكلما كان الهدى (أو الضحية) أكبر وأجزاءه أوفر كان فداؤك من الناء أعم” (جزء 1 صفحة 243).
من كل هذا يتضح لك جيداً أن ذبائح عيد الضحية يقصد بها الفداء والتكفير وبهذا قد اتضح لنا إقرار الإسلام بفكرة الفداء.
وهكذا نرى أن مجرد التوبة لا تكفي للغفران، بل يلزم الفداء، ولهذا جاء المسيح ليفدينا من خطايانا ويكفر عنها حتى تغفر لنا معاصينا.
هل الابن لا يعلم اليوم والساعة ؟ شرح القديس اثناسيوس – دفاعيات
هل الابن لا يعلم اليوم والساعة ؟ شرح القديس اثناسيوس – دفاعيات
هل الابن لا يعلم اليوم والساعة ؟ شرح القديس اثناسيوس – دفاعيات
أمَّا من جهة القدرة على المعرفة المطلقة بالكليات بحسب طبيعة الابن، فمعلوم يقينًا أن كل ما يعمله الآب يعمله الابن، فجوهر الطبيعة واحد في الآب والابن؛ إنما الذي حجز المعرفة عن الابن هي مشيئة الابن نفسه في التخلي، أو الإخلاء، الذي استخدمه ليظهر في الهيئة كإنسان لتكميل الطاعة حتى الموت أولاً؛ وبالتالي ليستطيع أن يقول عن حق إنه لا يعلم تلك الساعة!! أي بخصوص أعمال ما بعد الفداء، أي فيما يخص الدينونة، في حين أنه كان عالمًا تمامًا بساعة موته على الصليب «قد أتت الساعة ليتمجَّد ابن الإنسان» (يو 23: 12). وهكذا يظهر تمامًا أن معرفة الابن كانت تُستمد من الآب في حدود الرسالة الموضوعة أمامه، وإلاَّ يستحيل فهم طاعة الابن للآب.
نظرة أثناسيوس – من جهة بشرية المسيح – نحو معرفة اليوم والساعة الأخيرة، (بخصوص ما جاء في إنجيل مرقس 32:13، لوقا 52:2):
وهي النصوص التي اعتمد عليها الأريوسيون في تدعيم ادعائهم أن المسيح كابن الله وكلمته، وحتى من جهة لاهوته، كان يجهل تحديد ميعاد اليوم الأخير وبالتالي التاريخ المستقبلي. وكان رد أثناسيوس في حديثه الثالث ضد الأريوسيين الذي استغرق اثني عشر فصلاً متصلاً([1])، والذي كان محور الدفاع فيه أن ما جاء في الإنجيل بهذا الخصوص لم يكن عائداً على”اللوغس“ كلمة الله في ذاته كابن الله، فهذا افتراء! ولكن كان منصبًا على الابن المتجسِّد في حالة تجسُّده كابن الإنسان.
ويمكن تلخيص ما جاء في هذا الدفاع في النقاط الآتية([2]):
قول الرب: «وأمَّا ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلاَّ الآب»، لم يذكر الروح القدس؛ فإذا كان الروح القدس يعلم باليوم والساعة، فالابن يعلم بهما باعتباره ”الكلمة“، لأن الروح القدس يأخذ مما للمسيح.
إذا كان الابن يعرف الآب، فحتمًا يعرف كل ما يعرفه الآب.
إذا كان الابن له كل ما للآب، فحتمًا يعرف اليوم والساعة.
الذي خلق كل الأشياء، يعلم متى تنتهي، والذي كان يعلم علامات ما قبل اليوم والساعة بدقة، لم تكن تُخفى عليه الساعة نفسها (إلاَّ بإرادته وحده).
المسيح كان يعلم ولكن ليس بصفته ابن البشر (متى 42:24)، فكان هنا يتكلَّم بشريًا.
المسيح قال إنه لا يعلم، لأن في ذلك منفعتنا، حتى نكف عن حب استطلاع المواعيد، كما جاء في سفر الأعمال 7:1.
كما كان يتقدَّم في القامة والحكمة عند الله والناس، كذلك كان اللاهوت يُستعلن فيه أكثر فأكثر بتقدم الزمن.
ولقد احتدم الجدل اللاهوتي حول هذا الموضوع عند الآباء بعد أثناسيوس، ولكن ظل معظم الآباء اللاهوتيين على رأي أثناسيوس. لكن يلزمنا هنا أن نوضِّح رأينا في الخلفية اللاهوتية الدقيقة، التي كان يتحرَّك فكر أثناسيوس في إطارها، فالجهل باليوم أو المعرفة به لم تكن متصلة بمفهوم طبيعته، لأن اللاهوت والناسوت في المسيح لم يعتريهما افتراق لا لحظة ولا طرفة عين، في كل ما يختص بشخصه وفكره وقوله وعمله ومعرفته؛ ولكن الذي كان يتغيَّر وينمو هو ما يختص برسالته.
فرسالة التجسُّد التي تختص بالفداء وتنتهي عنده، ليس لها أن تتداخل في رسالة الدينونة، وهذا أوضحه الرب بقوله: «إن ابن الإنسان لم يأتِ ليدين العالم بل ليخلِّص العالم»، مع أنه في موضع آخر قال إن الدينونة أُعطيت للابن: «لأن الآب لا يدين أحدًا بل قد أعطى كل الدينونة للابن» (يو 22:5)، وهنا يتضح أن للخلاص زمنًا وعملاً وحدودًا، وأن للدينونة زمنًا وعملاً وحدودًا، وأن الابن – كما أُرسل للفداء – سيُرسَل للدينونة، وكلا الإرساليتين من الآب.
فالابن، وهو في حال عمل الفداء، له أن يقول -عن حق- بمقتضى التدبير إن يوم الدينونة والساعة الأخيرة ليست حالئذ في دائرة عمله، أي لم يُعطَ بعد عملها -من الآب- وبالتالي ميعادها.
لأن المسيح أوضح جدًّا في مواضع سابقة، أنه لا يعمل إلاَّ كما يريه الآب، وكما يعلِّمه الآب، وكما يقول له الآب، ومن نفسه هو لا يعمل شيئاً! «الحق الحق أقول لكم لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئًا إلاَّ ما ينظر الآب يعمل. لأن مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك» (يو 19:5). وهذا من صميم مفهوم الإخلاء، حتى يكمل كل حدود الطاعة حتى الموت على الصليب.
وهكذا يتضح تمامًا أن المسيح بقوله إن”الابن“ لا يعلم ذلك اليوم ولا تلك الساعة إلاَّ الآب، إنما يتمشَّى تمامًا مع رسالة الابن وهو لم يكمل بعد رسالة الفداء على الصليب. ويمكن تلخيص نظرية أثناسيوس من نحو هذه القضية في جملة عقائدية مختصرة وبديعة نضعها هكذا:
إن المسيح، إذا شاء، يعلم كما يعلم الله، وإذا شاء، يجهل كما يجهل الإنسان!! أو أنه كان يعلم كالله ويجهل كإنسان إنما حسب ضرورة الفداء، لأنه لمَّا تجسَّد لم يفقد شيئًا مما هو له كإله، ولا أخلَّ بما هو للإنسان. فلمَّا قال: «إن الابن لا يعلم هذا اليوم ولا تلك الساعة»، أثبت كمال ما هو لتجسُّده في حدود رسالة الفداء التي تنتهي عند ساعة الصليب، وليس عند ساعة الدينونة، ولكن جهله بساعة الدينونة باعتباره الذبيحة التي تتهيَّأ للموت على الصليب، يزيد من عظمة إخلائه لذاته، وهو كإله أُعطي كل الدينونة.
ولا يغيب عن بالنا قط، ونحن في هذا المضمار، أنَّ من دوافع التجسُّد الأصيلة قبول الجهالة التي للإنسان: «مولوداً من امرأة تحت الناموس»، حتى يستطيع أن يكمِّل الناموس، أي أن اتجاه التجسُّد هو إلى التواضع والتنازل إلى كل ما هو للإنسان، وليس التطلُّع إلى التفوُّق والامتياز الذي”للكلمة“، بالرغم من أنه استخدم هذا التفوُّق والامتياز الإلهي الذي للكلمة، الذي هو لاهوته، عند الضرورة في لحظات المصادرة أو لإثبات شخصيته والإعلان عن رسالته.
ويكرِّر أثناسيوس أنه في كل تصرُّف من هذا القبيل أو ذاك، إنما كان الدافع الوحيد هو: [من أجل منفعتنا]([3]) أو كما يضعها أثناسيوس في صيغتها اللاهوتية دائمًا هكذا: [من أجل التدبير]، قاصدًا تكميل العمل الخلاصي الذي تجسَّد من أجله.
فكما أن المسيح تجسَّد من أجل التدبير Economia، كذلك فإن جهله لليوم وللساعة الأخيرة هو من أجل التدبير سواء بسواء، لأن على قياس وغاية التجسُّد يتحتَّم فهم كل عمل وقول وتصرُّف أتاه المسيح، وكل تدبير هو -من جهة- يقوم على حجب اللاهوت في محدودية الناسوت، ومن جهة أخرى يقوم على استعلانه اللاهوت من داخل محدودية الناسوت، ولكن كلاًّ في موضعه، بحسب حدود دور الرسالة التي جاء يكمِّلها في طاعة الآب.
إن الصليب عمق يتعلق بمفاهيم ومعان في خطة الله لخلاص الإنسان. فمعلمنا بولس الرسول يقول “إن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة، وأما عندنا نحن المخلصين فهي قوة الله” (1كو 1: 18). لذلك لم يكن الصليب مجرد وسيلة للإعدام…
إذن ماذا يكون الصليب؟
الصليب روحياً: الصليب يدخل في أعماق الإنسان وفكره وأبعاد عمل الروح القدس في داخله. فقد كان الصليب بالنسبة للقديسين هو موضوع عناق قوي في علاقتهم بالله. وهو موضوع تأمل وممارسة حياة يومية. هو قوة الله للخلاص. فللصليب معان تدخل إلى أعماق النفس بقوة الروح القدس حتى ولو لم يدرك الإنسان تلك المعاني. الصليب هو قوة وغلبة وانتصار وحياة بالنسبة لنا. فلماذا إذاً؟
لماذا مات المسيح مصلوباً؟
بالصليب صار هو الكاهن والذبيحة:
لم يكن السيد المسيح هو مجرد ذبيحة قدمت عن حياة العالم؛ لكنه كان هو الكاهن وهو الذبيحة في آن واحد. فإذا كان قد تم ذبحه على الأرض مثلاً؛ سيكون في هذا الوضع ذبيحة وليس كاهناً. ولكن على الصليب وهو يرفع يديه ككاهن وهو في نفس الوقت الذبيح المعلق. فالناظر إليه يراه ككاهن يصليب وفي نفس الوقت يراه ذبيحاً ويقول “فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا” (1كو 5: 7). وهو يشفع في البشرية أثناء تقديمه لذاته كذبيحة. لذلك رآه يوحنا الحبيب في سفر الرؤيا مثل “خروف قائم كأنه مذبوح” (رؤ 5: 6).
– الجرح الداخلي أعمق: كان لا بد أن يكون السيد المسيح قائماً؛ فلا يمكنه أن يكون ملقياً أثناء ممارسته لعمله كرئيس للكهنة. لذلك فإن عملية الذبح كان داخلية (بالرغم من وجود جراحات مثل آثار المسامير وإكليل الشوك) لكن الجرح الأساسي كان داخلياً. وهنا تظهر نقطة عميقة في محبة الله، وهي تتمثل في شخص السيد المسيح أنه مذبوح في داخله كما يقول بولس الرسول “في أحشاء يسوع المسيح” (في 1: 8) فالذبح الداخلي أصعب بكثير من الذبح الخارجي وفي هذا يقول الشاعر:
وظلم ذو القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند
فوقع السيف الحاد أخف من ظلم ذوي القرابة. ويقول الكتاب المقدس في هذا المعنى “ما هذه الجروح في يديك؟! هي التي جرحت بها في بيت أحبائي” (زك 13: 6).
– النزيف الداخلي: إن السياط التي جلد بها السيد المسيح كانت مصنوعة من سيور البقر وفي أطرافها عظم أو معدن، لذلك فقد مزقت الشرايين المحيطة بالقفص الصدري وأحدثت نزيفاً داخلياً. فلما ضربه الجندي بالحربة كان الدم عندئذ يملاً القفص الصدري فسال الهيموجلوبين الأحمر (كرات الدم الحمراء) بلون الدم ثم البلازما الشفافة ثم السوائل الخاصة بالأوديما (أي الارتشاح المائي).
هذه التي عبر عنها ببساطة القديس يوحنا أنه بعدما طعن في جنبه بالحربة “خرج دم وماء” (يو 19: 34). وقد رأى القديس يوحنا مركبات الدم مفصولة لأن السيد المسيح كان قد أسلم الروح في الساعة التاسعة وعندما طعنه الجندي قرب الغروب كان قد مضى حوالي ساعتين على موته.
– مات ذبيحاً: اهتم القديس يوحنا أن يذكر واقعة خروج الدم والماء لكي يؤكد أن السيد المسيح مات ذبيحاً، ويقول “الذي عاين شهد وشهادته حق” (يو 19: 35). كانت رقبة السيد المسيح سليمة نسبياً والصدر سليم نسبياً بحسب الظاهر خارجه، بينما كان النزيف حاد من الداخل. في الخارج كانت تظهر آثار ضربات السياط، بالإضافة إلى الجروح التي كانت في اليدين والقدمين، وقد أحدثت نزيفاً خارجياً لكنه محدود.
فالمصلوب كان يمكن أن يبقى معلقاً على الصليب ويتعذب وقد لا يموت إلا بعد ثلاثة أيام. ولكن كان يهم القديس يوحنا الإنجيلي جداً أن يؤكد أن السيد المسيح هو خروف الفصح الذي ذبح لأجلنا، لذلك أكد خروج الدم والماء من جنبه لك نعرف أنه ذبح.
– سبب الهبوط في القلب: لقد نتج عن النزيف الداخلي الحاد الذي تعرض له السيد المسيح نقص كبير في كمية الدم الباقية في الدورة الدموية، لذلك احتاج القلب أن يعمل بسرعة لتعويض الدم المفقود. ولكي يعمل بسرعة، كان القلب نفسه كعضلة، يحتاج لكمية أكبر من الدم.
ولكن الشرايين التاجية التي تغذي القلب لم يكن في إمكانها أن تقوم بهذا الدور لقلة كمية الدم الواصل إليها نتيجة للنزيف. وإذا كانت سرعة ضربات القلب في الإنسان الطبيعي هي سبعين نبضة في الدقيقة؛ ففي حالات النزيف ترتفع إلى 140 نبضة. وكل هذا يجهد عضلة القلب فتصل إلى مرحلة من الهبوط الحاد جداً في الجزء الأيمن منها ويؤدي ذلك إلى الوفاة.
– صرخة الانتصار: “كان السيد المسيح يقترب من هذه اللحظة الأخيرة؛ وهنا وفي آخر لحظة صرخ بصوت عظيم وقال “يا أبتاه؛ في يديك أستودع روحي” (لو 23: 46). وقد كانت هذه الصرخة هي صرخة انتصار. لأنه لأول مرة منذ سقوط أبينا آدم من الفردوس يستطيع أحد أن يخاطب الله ويقول له “في يديك أستودع روحي” فكل من مات لم يستطع أن يستودع روحه في يدي الآب بل كان ابليس يقبض على تلك النفوس.
وإذ صرخ السيد المسيح بصوت عظيم رغم حالة الإعياء الشديدة التي كان يعاني منها إنما أراد بذلك أن يلفت النظر إلى عبارة الانتصار هذه. وهذه هي أول مرة – منذ سقطة آدم – يضع ذو طبيعة بشرية روحه في يدي الآب.
صار السيد المسيح هو القنطرة أو الجسر الذي يعبر عليه المفديون من الجحيم إلى الفردوس وإلى ملكوته. وقد خاب أمل الشيطان في هذه اللحظة لأنه رأى أمامه قوة الذي انتصر بالصليب.
وفي قداس للقديس يوحنا ذهبي الفم يقول: “عندما انحدرت إلى الموت أيها الحياة الذي لا يموت حينئذ أمت الجحيم ببرق لاهوتك. وعندما أقمت الأموات من تحت الثرى صرخ نحوك القوات السمائيون أيها المسيح الإله معطي الحياة المجد لك”.
فقد أبرق السيد المسيح حينما سلم روحه في يدي الآب. وبتعبير آخر: أصبح كالبرق وأفزع كل مملكة الشيطان. أخفى السيد المسيح لاهوته عن الشيطان وكان يقول “نفسي حزينة جداً حتى الموت” (مر 14: 34). كان يجاهد ويأتي ملاك ليقويه في الصلاة من أجل إخفاء لاهوته عن الشيطان ولكن في اللحظة التي أسلم فيها روحه على الصليب، أي عندما غادرت روحه الإنسانية الجسد، في الحال أبرق بمجد لاهوته، لذلك يقول “إذ جرد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهاراً ظافراً بهم فيه (في الصليب)” (كو 2: 15).
فقد تحول الموقف تماماً وكأن الشيطان يقيم حفلاً أو وليمة وأحضر معه كل بوابات الجحيم وكل قوات الظلمة لتحيط بمنطقة الجلجثة فوقف أمامه من “خرج غالباً ولكي يغلب” (رؤ 6: 2) ففزعت من أمامه كل هذه القوات حينما أبصرت مجد لاهوته.
بالصليب كان هو الميت القائم
كان لا بد أن يكون المسيح هو الذبيحة التي ذبحت وهي تصلي؛ أي وهي قائمة. فبعدما مات وسلم الروح على الصليب كان المشهد في غاية العجب؛ أنه ميت وقائم في نفس الوقت؛ ذلك لأن المعلق على الصليب تحمله رجلاه. لذلك عندما جاءوا ليكسروا ساقي السيد المسيح وجدوه قد أسلم الروح فلم يكسروهما فهو واقف على قدميه فعلاً. وقد سلم الروح وهو واقف، وهذه إشارة إلى أنه في أثناء موته هو القائم الحي.
ليس معنى هذا أنه لم يمت حقاً لكن هذا إشارة إلى أن “فيه كانت الحياة” (يو 1: 4). فهو قد أسلم الروح لكن قوة الحياة كائنة فيه. وحتى وهو قائم من الأموات كان محتفظاً بالجراحات لكي نراه مذبوحاً وهو قائم. أي أنه وهو مذبوح هو قائم، وهو قائم هو مذبوح. كما ورد أيضاً في سفر الرؤيا أنه “خروف قائم كأنه مذبوح” (رؤ 5: 6). فلا يمكن إذاً أن يحرق أو يموت غريقاً لأن هذه المعاني لن تتفق في هذه الميتات.
بالصليب صالح الأرضين مع السمائيين
هل السيد المسيح يمثل الله في وسط البشر أم يمثل البشر أمام الله؟ بالطبع هو الأمران معاً في وقت واحد. هو ابن الله وهو ابن الإنسان في نفس الوقت. بدون التجسد كان السيد المسيح سيبقى ابناً لله، والبشر هو أبناء الإنسان. ولكنه في تجسده وحد البنوة لله مع البنوة للإنسان، إذ صار هو نفسه ابناً لله وابناً للإنسان في آن واحد. وأراد أن يجعل هناك صلة بين الله والبشر. متى تصل الصلة إلى ذروة هدفها؟
تصل الصلة بين الأرض والسماء إلى ذروتها على الصليب. فإن كان السيد المسيح هو ابن الله الوحيد قد صار بالميلاد ابناً للإنسان لكنه لم يصل بالميلاد وحده إلى عمل علاقة بني الله والبشر… فهو يريد أن يصالح الله مع البشر. فليس هناك شركة بين الله والإنسان إلا بيسوع المسيح وهو معلق على الصليب. فهو الله الظاهر في الجسد، وهو باكورة البشرية في حضرة الآب السماوي، والسلم الواصل بين السماء والأرض.
عندما ننظر إلى السيد المسيح على الصليب نقول هذا هو الطريق المؤدي إلى السماء وهو نفسه يقول “أنا هو الطريق والحق والحياة” (يو 14: 6). كل إنسان ينظر إلى ناحية الصليب لا بد أن ينظر ناحية السماء “وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان” (يو 3: 14)، فلا بد أن الناظر إليه ينظر إلى الأعلى. هو معلق بين السماء والأرض. فحينما نراه نرى فيه الله الظاهر في الجسد ونرى حب الله المعلن للبشرية.
وفي نفس الوقت حينما يراه الآب من السماء يرى فيه الطاع الكاملة ورائحة الرضى والسرور التي اشتمها وقت المساء على الجلجثة. إذاً هو نقطة لقاء بين نظرنا نحن ونظر الآب السماوي. فالآب ينظر إليه، فإذا نظر كل منا إلى السيد المسيح فسوف يلتقي بالآب. بتعبير آخر إذا كنت واقفاً بجوار الصليب والآب ينظر من السماء إلى الصليب فسيراك أنت تحته، وإذا أنت نظرت إلى الرب يسوع سترى الآب الذي يتقبل الذبيحة.
الصلب والأنا المبذولة
علامة الصليب تشير إلى الأنا المبذولة أو الطاعة الكاملة. فإذا أردنا إلغاء أي خط نضع خطأ متعارضاً مع الخط المراد إلغائه. فالصليب في حد ذاته يعلن حياة التسليم الكامل لله. كما أن السيد المسيح في مظهره على الصليب كان واقفاً وأما في الحقيقة فقد كان كل جزء من جسده مقيداً لا يستطيع أن يتحرك. معنى هذا أن السيد المسيح يريد أن يقول لنا إنه لا بد من “صلب الجسد مع الأهواء والشهوات” ونقول “مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ” (غلا 2: 20).
تسمرت على الصليب كل أهواء الجسد ومشيئته الخاصة. لم تكن للسيد المسيح طبعاً رغبات خاطئة، حاشا، لكن كانت له رغبات طبيعية مثل الأكل والشرب والراحة. فقد جاع عندما صام مثلاً. ورغبات الجسد هذه غير خاطئة في حد ذاتها. لكن كانت مشيئة الآب السماوي بالنسبة للسيد المسيح هي أن تبطل هذه الرغبات، فكانت الطاعة الكاملة هو الجواب. لذلك عندما أتى الشيطان ليجربه وهو جائع، قال له “قل أن تصير هذه الحجارة خبزاً” أجابه السيد المسيح “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله” (مت 4: 3-4).
فكما ان الجسد يقتاب بالخبز، فمن الجانب الآخر ستتعطل الروح بسبب إتمام رغبات الجسد حتى لو كانت هذه الرغبات غير خاطئة. فليصلب الجسد إذاً لكي تنفذ المشيئة الإلهية. وأيضاً وهو على الصليب قيل له “إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب” (مت 27: 40) فلماذا هذا التعب ولماذا هذه الآلام المريعة؟ ولكن السيد المسيح لن يطيع الجسد طالما يتعارض هذا مع مشيئة الآب السماوي. وبذلك يكون مفهوم عبارة “لتكن لا إرادتي بل إرادتك” (لو 22: 42) هو: لتكن لا رغبات الجسد في أن يرتاح أو أن يتحرر من الآلام الجسدية أو النفسية، بل لتكن مشيئة الآب في إتمام الفداء.
تعرض السيد المسيح لآلام نفسية مريرة بجوار الآلام الجسدية. تمثلت هذه الآلام النفسية في الآلام التي عاناها السيد المسيح نتيجة لخيانة يهوذا (فهو إحساس مر أن يهوذا تلميذه يقبله ويسلمه لأعدائه بهذه الصورة). وأيضاً في تعبيرات الناس الذين أتى لأجل خلاصهم ويقم لهم حبه، فتكون هذه هي مكافأته. إحساس مر لا يعبر عنه. كما أن كونه موضوعاً في وضع الملعون والمصاب والمضروب من الله ويحمل كل خطايا البشرية لكي يقدم ثمن عصيان الإنسان وتمرده، كأس مملوءة بالمر.
كان من الطبيعي أن النفس والجسد يشعران أنهما أمام اجتياز كأس مريرة جداً لا بد أن يشربها إلى نهايتها. فيقول للآب “لتكن لا إرادتي” (لو 22: 42). وليس المقصود بالإرادة هنا الإرادية المسؤولة عن اتخاذ القرار، لأن القرار هو قرار الثالوث القدوس بإتمام الخلاص الذي أتى المسيح لأجله، إنما المقصود بها هو الرغبة الطبيعية أو الاحتياج الطبيعي الناشئ عن حمل السيد المسيح لطبيعة بشرية حقيقة من خصائصها الشعور بالألم وبالحزن وبالمعاناة.
وهكذا فإن السيد المسيح في معاناته الرهيبة يريد أن يقول للآب: “لن يكون قراري مبنياً على ما في هذه الخصائص البشرية من تعب وألم وحزن، لكنه مبني على ما في رغبتي الكاملة في ارضائك وفي تخليص الذي أحببتهم للمنتهى. فهو الذي قيل عنه “أحب خاصته الذين في العالم، أحبهم إلى المنتهى” (يو 13: 1).
5 – بالصليب تمت النبوات
كان الصليب ضرورة لأن فيه تمت النبوات. إذ يقول داود النبي في المزمور “ثقبوا يدي ورجلي” (مز 22: 16) “يقسمون ثيابي بينهم، وعلى لباسي يقترعون” (مز 22: 18) “وفي عطشي يسقونني خلاً” (مز 69: 21)… وكل هذه النبوات كيف تتمي إلا إذا صلب؟ أو مثلاً عندما قال “كما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان” (يو 3: 14). فالمسيح حمل خطايانا التي ترمز إلى الشر (الحية) فصعد على الصليب وسمر الخطية على الصليب ثم نزل هو وترك الخطية معلقة على الصليب. فلذلك نصلي في قطع الساعة السادسة قائلين “مزق صل خطايانا أيها المسيح إلهنا”.
ويقول “إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض الذي كان ضداً لنا وقد رفعه من الوسط مسمراً إياه بالصليب” (كو 2: 14). فقد سمر الخطية على الصليب والحية المعلقة ترمز إلى حمله خطايا العالم كله. فلا بد أن تكون الذبيحة مرفوعة لأعلى لتتم النبوات. وكما شق موسى النبي البحر الأحمر بضرب عصاه ثم ضربه ثانية بعلامة الصليب، وأرجعه ثانية، فغرق فرعون الذي يرمز للشيطان. هكذا كان الصليب هو وسيلة الغلبة على مملكة ابليس.
بالصليب ملك على خشبة
قيل عن السيد المسيح المخلص “الرب قد ملك على خشبة” (مز 95: 10) (في صلاة الساعة السادسة بالأجبية) فلا بد أن تكون أداة موته التي يملك من خلالها على قلوب البشر هي خشبة. ولأنه قال “مملكتي ليس من هذا العالم” (يو 18: 36) لذلك كان لا بد أن تعلق الخشبة مرفوعة إلى فوق. ويقول “جعلوا فوق رأيه علته مكتوبة هذا هو يسوع ملك اليهود” (مت 27: 37). لذلك كان الصليب هو عرشه باعتراف الوالي نفسه الذي كتب: “يسوع الناصري ملك اليهود). (يو 19: 19) وقد كتبت بثلاث لغات؛ اللاتينية واليونانية والعبرية، بمعنى أن العالم كله قد اعترف رسمياً أن هذا هو ملك اليهود. ولكن تعلق علته فوق رأسه وهو جالس على عرشه كان لا بد أن يموت مصلوباً لأنه هذه الأمور لن تتوفر إذا مات مثلاً مذبوحاً أو محروقاً أو غريقاً.
ما هو سبب الصلب؟
سبب الصلب هو أنه هو ملك اليهود لأن عرشه هو الصليب فملكه هو سبب موته، وسبب موته هو ملكه. أي أن كونه ملكاً كان هو السبب في أنهم حكموا عليه بالموت. ولكن كيف مَلَك؟ مَلَك بالموت.
الصليب أعطى فرصة ثلاث ساعات لإتمام العمل
لا توجد وسيلة موت تستغرق ثلاث ساعات. فإذا وضعوا شخصاً في النار سيموت خلال خمس دقائق. وكذلك الموت بالغرق، وكذلك الشنق (فعند إزاحة الشيء الذي يقف عليه المحكوم عليه بالإعدام يصير معلقاً من رقبته فيحدث انفصال للنخاع الشوكي في ثانية واحدة وبعد دقيقتي يسلم الروح). ولكن السيد المسيح كان يموت طوال الساعات الثلاثة وقد حدثت أمور هامة وضخمة جداً في هذه الساعات الثلاثة وهي:
أولاً: تذكر آدم
صلب السيد المسيح في اليوم السادس وفي الساعة السادسة ليذكرنا بآدم الذي خلق في اليوم السادس.
ثانياً: خروف الفصح
تمت عملية الصلب ما بين الساعة السادسة والساعة التاسعة وكان ميعاد ذبح خروف الفصح حسب ناموس موسى “بين العشاءين” (عد 9: 3).
ثالثاً: شمس البر
“ومن الساعة السادسة كان ظلمة على كل الأرض إلى الساعة التاسعة” (مت 27: 45) لأن الشمس قد أخفت شعاعها. وعلى المستوى الروحي يقول “ولكم أيها المتقون اسمي، تشرق شمس البر والشفاء في أجنحتها” (مل 4: 2). وبالطبع لا توجد شمس لها أجنحة لكن السيد المسيح وهو معلق على الصليب كان الأجنحة، وهي الذراعين المبسوطتين، التي تقول “يا أبتاه اغفر لهم” (لو 23: 34) وهذا هو الشفاء الذي في أجنحتها. الشمس أخفت شعاعها لتعلن أن شمس البر هو المعلق على الصليب لأنه لا يصح وجود الشمس في وجود شمس البر الحقيقي.
رابعاً: كلمات السيد المسيح على الصليب
قول السيد المسيح للص “اليوم تكون معي في الفردوس” (لو 23: 43) وما وراء هذه العبارة من إعلان عن فتح الفردوس. وقوله “يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون” (لو 23: 34) وما وراء هذه العبارة من مشاعر الحب والغفران لمخلص العالم. وأيضاً “أنا عطشان” (يو 19: 28) لكي يتم المكتوب. و “قد أكمل” (يو 19: 30) وما تحمله هذه العبارة من تأكيد على إتمام الفداء والنبوات المختصة به. وقوله للعذراء أمه “يا امرأة هو ذا ابنك” (يو 19: 26) ويسلمها ليوحنا لكي نعرف أن السيدة العذراء أصبحت أماً روحية لجميع القديسين، والشفيعة المؤتمنة للكنيسة كلها في شخص يوحنا الحبيب، كما نفهم أن العذراء هي العروس والهيكل والسماء الثانية.
خامساً: لقطات من الأبدية
المشهد الأول
في خلال الساعات الثلاث على الصليب تكلم السيد المسيح كلمات كثيرة منها أنه قال للص اليمين “اليوم تكون معي في الفردوس” (لو 23: 43). في بداية الأمر كان اللص اليمين غاضباً جداً ومتفقاً مع اللص الآخر في تعيير السيد المسيح. ولكن بمرور الوقت بدأ يتحول من التذمر إلى التوبة. وكان لا بد أن تكتمل هذه الصورة الجميلة التي رسمها السيد المسيح على الجلجثة. اللص اليمين كان خاطئاً تائباً ذهب إلى الفردوس، وأما اللص الشمال فكان خاطئاً لم يتب وذهب إلى الجحيم.
كان المشهد كأنه لوحة فنية مكتملة على الجلجثة: نرى يسوع – ملك البر، مخلص العالم الذي اشترك معنا وحسب بين البشر وهو الله الكلمة – يقف عن يمينه كل الذين طلبوا الغفران ونالوه، وعن يساره كل الذين رفضوا التوبة أبدياً. في يوم استعلان ملكوت الله سنرى نفس مشهد الجلجثة عندما قال “متى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه؛ فحينئذ يجلس على كرسي مجده. ويجتمع أمامه جميع الشعوب؛ فيميز بعضهم من بعض كما يميز الراعي الخراف من الجداء.
فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن اليسار” (مت 25: 31-33). هذا المشهد كان مجرد لقطة من الأبدية فنرى منظر المجيء الثاني أثناء إتمام الفداء على الصليب.
يقول القداس الإلهي [فيما نحن نصنع ذكر آلامه المقدس وقيامته من الأموات وصعوده إلى السماوات وظهوره الثاني المخوف المملوء مجدأ…] من هذه العبارة نعرف أن الكنيسة لا تفصل بين احداث الخلاص وأحداث المجيء الثاني والأبدية لأن كل هذا هو عمل الله الفادي. مثلما قيل عن مجيء إيليا النبي قبل مجيء السيد المسيح وهكذا نرى ما دونته الأسفار المقدسة وهي تشرح ارتباط نبوات المجيء الأول بنبوات المجيء الثاني وهكذا كتب القديس متى “سأله تلاميذه قائلين فلماذا يقول الكتبة إن إيليا ينبغي أن يأتي أولاً.
فأجاب يسوع وقال لهم إن إيليا يأتي أولاً ويرد كل شيء. ولكني أقول لكم إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه بل عملوا به كل ما أرادوا” (مت 17: 10-12). وفي سفر ملاخي يقول “هأنذا أرسل إليكم إيليا النبي قبل مجيء يوم الرب، اليوم العظيم المخوف” (مل 4: 5). لذلك كلما قابل الكتبة والفريسيون التلاميذ كانوا يقولون لهم إن إيليا لم يأت فليس هذا إذاً هو المسيح. فعندما رأى التلاميذ إيليا على جبل التجلي تذكروا كلام الكتبة والفريسيين وسألوا السيد المسيح لماذا يقول الكتبة والفريسيون “إن إيليا ينبغي أن يأتي أولاً” فأجابهم يجب أن تفهموا الكتب.
فالنبوة مزدوجة فحينما قال “يتقدم أمامه بروح إيليا وقوته ليرد قلوب الآباء إلى الأبناء والعصاة إلى فكر الأبرار لكي يهيئ للرب شعباً مستعداً” (لو 1: 17) كان المقصود هو يوحنا المعمدان، وقد قال السيد المسيح بفمه الطاهر “إن إيليا قد جاء… حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان” (مت 17: 12، 13)، إذاً النبوة عن مجيئه الأول ولكنها سوف تتحقق أيضاً حرفياً في مجيئه الثاني.
وفي سفر ملاخي ربط أيضاً المجيء الأول بالمجيء الثاني إذ قال “فهو ذا يأتي اليوم المتقد كالتنور، وكل المستكبرين وكل فاعلي الشر يكونون قشاً. ويحرقهم اليوم الآتي، قال رب الجنود، فلا يُبقى لهم أصلاً ولا فرعاً (مل 4: 1).
المشهد الثاني
وهو لوحة أخرى جميلة رسمتها العناية الإلهية أثناء أحداث الصلب: عندما خرج بيلاطس البنطي الحاكم الروماني ليقف في المنتصف والسيد المسيح من جهة، وباراباس من الجهة الأخرى… وراء هذا المشهد معنى رهيب، فليس هو وليد الصدفة. فبيلاطس يعتبر مجرد رمز للعدل لأنه يمثل الحكم في الامبراطورية الرومانية وهو يقف في المنتصف، وملك البر السيد المسيح آدم الثاني يقف من ناحية، وباراباس المجرم والعاتي في الشر الذي يمثل آدم العتيق يقف من الناحية الأخرى. في قصة الخلاص لا بد أن يموت أحدهما، إذ كان لا بد من الاختيار بين الاثنين.
طلب الشعب أن يطلق باراباس ولكن ما رواء الأحداث في قصة الخلاص هو أنه كان لا بد أن يحكم على الرب بالموت لكي يفلت الأثيم الفاجر (الذي يمثل الإنسان الخاطئ) من الهلاك الأبدي.
جلسة محاكمة السيد المسيح كانت عجيبة جداً، فهي أعجب محاكمة في تاريخ البشرية كلها. هل حدث في التاريخ كله أن القاضي يحكم في نفس الجلسة على الشخص بالبراءة والإعدام في نفس الوقت؟ وبعدما حكم بالإعدام “غسل يديه قدام الجمع قائلاً إني بريء من دم هذا البار” (مت 27: 24). لو قدر لأحد أن تنكشف عن عينيه ورأى الذين في الجحيم أو جهنم الأبدية، سيجد بيلاطس ما زال يغسل يديه.
ويداه ملآنة دماء ولن تطهر إلى الأبد لأن هذه الجريمة لا يغسلها ماء؛ بل تغسلها التوبة أو التراجع عن الشر. وكأن القاضي نطق الحكم [حكمت المحكمة ببراءة فلان وإعدامه صلباً!]… فالسيد المسيح بريء من جهة بره الشخصي، ويحسب خاطئاً لأن الآب وضع عليه اثم جميعنا، حسبما مكتوب “جعل الذي لم يعرف خطية، خطية لأجلنا، لنصير نحن بر الله فيه” (2كو 5: 21).
المشهد الثالث
في سفر الأعمال عندما يتكلم عن حلول الروح القدس في يوم الخمسين يقول على فم يوئيل النبي: “أسكب روحي على كل بشر، فيتنبأ بنوكم وبناتكم، ويحلم شيوخكم أحلاماً، ويرى شبابكم رؤى. وعلى العبيد أيضاً وعلى الإماء أسكب روحي في تلك الأيام. وأعطي عجائب في السماء والأرض؛ دماً وناراً وأعمدة دخان. تتحول الشمس إلى ظلمة، والقمر إلى دم قبل أن يجيء يوم الرب العظيم المخوف” (يؤ 2: 28-31).
وهنا يربط بين أحداث يوم الخمسين وأحداث نهاية العالم. فعبارة تتحول الشمس إلى ظلمة والقمر إلى دم قبل أن يجيء يوم الرب العظيم والشهير، المقصود بها هنا هو المجيء الثاني. لكن على الصليب أظلمت الشمس أيضاً… إذن ارتبط مشهد الجلجثة بمشهد نهاية العالم. فلولا مراحم الله لانتهى العالم يوم صلب المسيح لأنه كيف تتجاسر البشرية أن تصلب ابن الله الوحيد.
لكننا نقول في المزمور “هذا هو اليوم الذي صنعه الرب، نبتهج ونفرح به” (مز 118: 24) وهو يوم الرب العظيم المخوف عندما تكلم السيد المسيح عن نهاية العالم قال “تظلم الشمس، والقمر لا يعطي ضوؤه، والنجوم تسقط من السماء” (مت 24: 29) فموضوع “تتحول الشمس إلى ظلمة والقمر إلى دم قبل أن يجيء يوم الرب العظيم المخوف. ويكون أن كل من يدعو باسم الرب ينجو” (يؤ 2: 31-32) إشارة إلى المجيء الثاني أيضاً.
كل هذا الربط بين الأحداث والنبوات لا يمكن حدوثه إلا بصلب السيد المسيح ثلاث ساعات، لكي تتم كل هذ الأحداث وهو معلق على الصليب.
الصليب شجرة الحياة
يقول القديس مار أفرام السرياني: “مبارك هو ذلك النجار الذي صنع بصليبه قنطرة لعبور المفديين”. السيد المسيح اختار عدداً كبيراً من تلاميذه من الصيادين، لكن مهنته هو لم تكن صيد السمك، بل كانت له وظيفتان (وهذا تعبير مجازي)؛ وظيفة مارسها قبل الفداء (نجار)، والثانية ظهر بهيئته فيها وكأنه هو العامل في هذا المجال بعد القيامة (بستاني).
الوظيفة الأولى التي مارسها هو وظيفته كنجار. فهو النجار الذي عمل من الشجرة صليباً لكي يفدي البشرية. كانت الشجرة هي سبب سقوط البشرية فكان لا بد أن يستخدم نفس الأداة التي سقطت بها البشرية ليتمم بها الفداء فيكون الصليب هو شجرة الحياة التي لا يموت الآكلون منها من المؤمنين.
وكأنه لا يوجد شيء في الطبيعة يستطيع أن يقف أمام حكمة الله وتدبيره؛ فالحية أيضاً التي كانت السبب في سقوط البشرية علقها موسى في البرية لتكون وسيلة لبعد الناس عن الشر والتخلص من الخطية. ويقول القديس مار افرام السرياني: “كما أخفى الشيطان نفسه داخل الحية لكي يُسقط الإنسان هكذا أخفى السيد المسيح لاهوته عن الشيطان بالناسوت” لأنه حجب مجده بالناسوتية “ركب على كروب وطار… وجعل الظلمة ستره” (مز 18: 10، 11).
عندما عُلق السيد المسيح على الصليب كان مثل الشجرة والثمرة معلقة فيها. فإذا نظر ابليس إلى الشجرة ووجد أن الثمرة شهية للأكل وجيدة للنظر، التهم تلك الثمرة وإذ ابتلع الموت ما هو ضده ابتُلع الموت من الحياة كما كتب بولس الرسول “لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت؛ أي ابليس” (عب 2: 14). أراد الرب يسوع أن يذكر ابليس بما فعله في الإنسان وأراد أن يسقيه من نفس الكأس الذي ملأه وجرعه لغيره. لذلك يقول القديس بولس الرسول عن نعمة الخلاص “التي أجزلها لنا بكل حكمة وفطنة” (أف 1: 8).
ولم يؤذ أحد إنما كان يأتي عليه كل الأذى، وهو يحرر البشر من سلطان الموت والخطية. وهذه هي حكمة الله العجيبة، فالشيطان ليس له حجة لأنه هو المعتدي فعندما قبض عليه متلبساً بجريمته كان لا بد أن يدان. لذلك كان موت السيد المسيح على الصليب هو أحد مراحل دينونة الشر والخطية. “لأنه ما كان الناموس عاجزاً عنه، فيما كان ضعيفاً بالجسد. فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد” (رو 8: 3). فأدين الشيطان على الصليب والخلاصة أنه كان لا بد للسيد المسيح أن يعمل نجاراً لكي نعرف أنه صانع الفداء على الصليب ولهذا كان لا بد أن يموت على خشبة.
الصليب فتح باب الفردوس
اختار السيد المسيح أن يكون قبره في بستان، واختار أن يظهر لمريم المجدلية في البستان. وحينما رأته مريم المجدلية التي تمثل البشرية “ظنت تلك أنه البستاني” (يو 20: 15). وإذ ظهر لها في هذه الهيئة أراد بذلك أن يذكرها بالجنة وحادثة سقوط البشرية ليفهمها أن الصليب فتح الفردوس، لذلك قصد أن يكون لقاؤه معها في بستان. في البستان الأول ظهر ابليس لحواء في صورة الحية ولكن الذي قابل المجدلية هو السيد المسيح المخلص آدم الجديد لكي يقول لها “إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم” (يو 20: 17) وليبشرها أنه كما أن الله هو أباه بالطبيعة فسوف يصير لنا أباً بالتبني. فالذي يكلمها هو ابليس الذي كلم حواء في الجنة لكنه كلمة الله الآب الذي يبشرها بالحياة الجديدة التي “كانت عند الآب وأظهرت لنا” (1يو 1: 2).
الصليب محا اللعنة
ورد في سفر التثنية “المعلق ملعون من الله” (تث 21: 23) لذلك أصر اليهود على أن يموت السيد المسيح صلباً، لكي يثبتوا عليه اللعنة بحسب الناموس ولا يجرؤ أحد ان يقول إنه بار أو قديس لأن الناموس يقول “إن المعلق ملعون من الله”. مع أن الله وضع هذه الآية في الناموس لكي يُعلق الله الكلمة على الصليب يرفع لعنة الخطية، لذلك أكمل أشعياء النبي المعنى قائلاً “لكن أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحملها. ونحن حسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلولاً. وهو مجروح لأجل معاصينا؛ مسحوق لأجل آثامنا؛ تأديب سلامنا عليه وبحبره شفينا” (أش 53: 4-5).
اعتقدوا أنه ملعون لكنه حمل لعنة خطايا آخرين وحمل خطايا كثيرين وشفع في المذنبين حاملاً آثامهم. لذلك لا ينبغي أن تؤخذ آية واحدة بدون النظر إلى ما يكمل المعنى من آيات أخرى في الكتاب.
محا السيد المسيح لعنة الخطية بقيامته من الأموات كما قال معلمنا بولس الرسول “وتعين ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات” (رو 1: 4). لذلك يقول أيضاً “الذي أسلم من أجل خطايانا وأقيم لأجل تبريرنا” (رو 4: 25). وأكد أهمية الصليب كوسيلة لرفع اللعنة عن المفديين، فقال إن “المسيح افتدانا من لعنة الناموس، إذ صار لعنة لأجلنا. لأنه مكتوب: ملعون كل من علق على خشبة. لتصير بركة إبراهيم للأمم في المسيح يسوع، لننال بالإيمان موعد الروح” (غلا 3: 13، 14).
الصليب والعرش الإلهي
الصليب كعلامة له أربع فروع أو اجنحة ويرمز للعرش الإلهي الذي حوله الأربعة الأحياء غير المتجسدين. والعرش السماوي ليس عرشاً مادياً لكنه عرش روحي وهو يتصل بالصليب بالرقم أربعة. فالرقم أربعة واضح في العرش السماوي وفي الصليب جداً. الصليب يرمز إلى انتشار الخلاص في العالم كله. لأن به كان الخلاص من مشارق الأرض إلى مغاربها ومن الشمال إلى الجنوب. كما أن الأربعة الأحياء التي حول العرش ترمز للخلاص. فصورة الإنسان ترمز للتجسد، وصورة العجل ترمز للذبيحة أو الصلب، وصورة الأسد ترمز للقيامة والقوة لأن المسيح بقيامته من الأموات أعلن سلطانه الإلهي على الموت.
لأنه هو ملك الملوك ورب الأرباب. وصورة النسر ترمز للصعود لأن النسر يحلق في السماء. فالأحياء الأربعة ترمز لتجسد الكلمة وصلبه وقيامته وصعوده.
ولكي ينتشر الإنجيل في العالم كله؛ انتشر من خلال أربع بشائر: متى ولوقا ومرقص ويوحنا. وهذا الترتيب هو ترتيب الأربعة الأحياء الحاملين للعرش الإلهي. فهذا هو الترتيب اللاهوتي للبشائر الأربعة. لم يكن عدد الأناجيل ثلاثة أو خمسة ولكنها كانت أربعة ولم يكن هذا بمحض الصدفة إنما كان نتيجة لارتباط الأناجيل بفكرة الصليب وبفكرة العرش أيضاً الذي حوله الأحياء الأربعة.
يتكلم إنجيل متى عن السيد المسيح ابن داود أو ابن الإنسان وذكر لقب ابن الإنسان 33 مرة في إنجيل متى، لذلك يرمز إليه بالإنسان. أما إنجيل لوقا فيتكلم عن السيد المسيح الخادم عن عمله في تقديم نفسه كذبيحة لذلك اهتم جداً بأحداث الختان في اليوم الثامن والذهاب للهيكل لتقديم الذبيحة (فرخي الحمام) وذهابهم للهيكل أيضاً في اليوم الأربعين. ففي إنجيل لوقا نجد معاني كثيرة تشير إلى الذبيحة لذلك يرمز إليه بالعجل.
وإنجيل مرقص من بدايته يتكلم عن الصوت الصارخ في البرية ثم عن معجزاته وقوته لذلك يرمز إليه بالأسد. أما إنجيل يوحنا فيتكلم عن لاهوت السيد المسيح والإلهيات لذلك يرمز إليه بالنسر المحلق في السماويات. لذلك فإن الأربع بشائر تشير إلى عمل الله في خلاص البشرية وخبر انتشاره في العالم كله.
فلكي تتحقق كل الرموز الخاص بالفداء وكل المعاني الروحية، كان لا بد للسيد المسيح أن يموت مصلوباً وليس بأي ميتة. حتى أن السيد المسيح تكفن بالطيب قبل موته لكي يكون ميتاً وهو حي، وحياً وهو ميت. وهكذا مات قائماً لكي نرى القيامة في الصليب ونرى الصليب في القيامة.
الأحياء الأربعة ومراحل الفداء
رأي حزقيال النبي مركبة الشاروبيم ورأى كل من الأحياء الأربعة له أربع وجوه. ونحن أيضاً ينبغي أن نرى في كل حدث من أحداث الخلاص باقي الأحداث. فعندما ننظر للتجسد نرى فيه الفداء: فقد ولد السيد المسيح في مزود في وسط الغنم والبقر والعجول لكي نعرف أنه منذ ميلاده هو ذبيحة وقد جاء ليذبح. كما لا يمكن فصل التجسد عن الصليب أو القيامة. التركيز على الصليب وحده ربما يقود إلى الشك لذلك قال السيد المسيح لتلاميذه “كلكم تشكون فيّ هذه الليلة” (مر 14: 27).
فالذي ينظر إلى الصليب بدون القيامة يتشكك. لذلك قال لهم إن ابن الإنسان “يسلم إلى الأمم… ويجلدونه ويقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم” (لو 18: 32، 33). كان لا بد أن يؤكد لهم القيامة كما قال لبطرس “طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك” (لو 22: 32). لذلك كل واحد من الأحياء الأربعة له أربع وجوه فعندما ننظر بروح الرؤيا النبوية نرى مع حزقيال الثلاثة وجوه الأخرى (الأسد والعجل والنسر). أي أننا عندما نتأمل في ميلاده نتأمل ضمناً في صلبه وقيامته وصعوده للسماء.
كانت مريم المجدلية تريد القيامة بدون الصعود فرفض السيد المسيح هذه الرغبة لتتذكر قوله للتلاميذ “خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي” (يو 16: 7)… وكأنه يقول كيف يمكنكم أن تولدوا ولادة جديدة وتصيروا أولاداً لله وتغتسلوا من خطاياكم؟ كيف تصيرون أعضاء في جسدي وتتناولون من جسدي ودمي؟ وكيف تكونون هياكل لله؟
هذا هو عمل الروح القدس في الكنيسة، والروح القدس لن يأتي إلا بعد الصعود. كان لا بد أن يصعد السيد المسيح إلى السماء بعد أن تمم الفداء لأن بركات الفداء لن تصل إليهم إلا بالصعود إلى السماء. كان لا بد أن يذهب إلى المقادس العلوية لكي يخدم كرئيس كهنة، وهناك أمام الله الآب يشفع فينا من أجل غفران خطايانا. ومنذ القديم كان صعود الذبيحة يعني أنها قبلت، لذلك كان ينبغي للصعيدة أن تصعد. إذا رفضنا صعوده نكون مثل من يقدم الصعيدة للآب السماوي، وعندما يمد الآب يده ليقبلها، يريد مقدمها أن يستردها ثانية.
مريم المجدلية كانت تفكر بهذه الطريقة: فرحتها بالقيامة جعلتها تريد أن تمسك بالسيد المسيح. فقال لها “لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي. ولكن اذهبي إلى اخوتي وقولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم” (يو 20: 17) هذا شرط استمرار العلاقات بيننا. بالطبع كان قوله لها “لا تلمسيني” بمثابة صفعة على وجهها. ففي أول لقاء عندما ظهر لها في البستان بعد قيامته من الأموات أمسكت قدميه وسجدت له، لكن قوله لها “لا تلمسيني” هنا معناه أنه لا يريدها أن تمسك به. وعند الرجوع إلى المعنى اليوناني للفظة “لا تلمسيني” نجد أنها تعني بداية اللمس للإمساك بالشيء وليس مجرد اللمس فقط.
رؤيا حزقيال ورؤيا يوحنا
رأى حزقيال النبي الأحياء الأربعة بأربعة وجوه وأما يوحنا فقد رآها بوجه واحد. وليس معنى هذا أن رؤيا حزقيال النبي كان أوضح من رؤيا يوحنا، لأن يوحنا رأي أكثر مما رآه حزقيال مع أن المنظر الذي رآه حزقيال كان منظراً رهيباً جداً: البكرات والنار والمركبة النارية الشاروبيمية. لكن عندما رأي يوحنا الرؤيا كان قد تم التجسد والصلب والقيامة والصعود، فدخلت هذه الأمور في مجال الزمن وأصبح التجسد في وقت والصلب في وقت ثان والقيامة في وقت ثالث والصعود في وقت رابع، وأصبحت أحداثاً متتالية كل حدث منها له معالمه البارزة التي تحدده.
فلم تحدث القيامة في يوم الصلب ولم يحدث الصلب في يوم الميلاد ولم يحدث الصعود في يوم القيامة. لذلك كان لا بد أن يكون بين الصعود والقيامة أربعون يوماً لأنه إذا حدث الصعود في يوم القيامة لن نفهم ما معنى القيامة ومعنى الصعود. وكان يمكن أن يحدث مزج بين المعنيين. القيامة حدث مستقل بذاته دون أن ينفصل عن الصعود والصلب والميلاد، أي أنه لا يمتزج ويذوب في أحداث أخرى، لكن بدون انفصال، أي أن له ملامحه المحددة القائمة بذاتها. ولهذا رأي يوحنا وجه واحد لكل من الأحياء الأربعة.
أما حزقيال النبي فقد رأى أربعة وجوه للواحد منهم: لأن الأحداث لم تكن قد تمت بعد؛ فيراها حزقيال بروح النبوة كأحداث متلازمة يكمل بها الأربعة معاً عملية الفداء.
رأي حزقيال النبي الأحياء الأربعة من بعيد، لذلك رأي لكل منها أربعة وجوه، لكن يوحنا عندما نظر عن قرب، رأي وجهاً واحداُ فقط. فعندما وصف يوحنا العرش الإلهي أبرز تمايز أحداث التجسد والصلب والقيامة والصعود، وهي أحداث عايشها يوحنا الإنجيلي في مراحلها المتمايزة، لكن حزقيال الذي رأي من بعيد كان الأحداث تتراكم مع بعضها في نظره وتلاشت الفوارق الزمنية بينها لأنه يراها بروح النبوة وليس كأحداث حدثت فعلاً. ولتقريب المعنى نورد المثال التالي:
إذا نظرنا إلى أي شيء من بعيد نرى له وجوهاً كثيرة، لكن إذا وضعناه أمام أعيننا لن نرى سوى الوجه المقابل لنا فقط.
† إعلان المسيح عن لاهوته وربوبيته: ورغم كل ذلك فقد أعلن الرب يسوع المسيح حقيقة لاهوته وربوبتيه عشرات المرات وإن كان ذلك صراحة ووضوح، سواء في الإنجيل للقديس يوحنا أو في الأناجيل الثلاثة الأخرى، كما سنرى. ونبدأ بإجابة الرب يسوع المسيح لليهود على سؤالين؛ الأول سأله هو نفسه لهم والثاني في إجابة له على سؤال وجهوه هم له في حوار معهم.
رب داود، ورب الكل؛ ففي سؤاله لهم، رؤساء اليهود، استشهد الرب يسوع المسيح بنبوة داود النبي عن لاهوته وربوبيته وقال لهم: “ماذا تظنون في المسيح؟ ابن من هو؟” قالوا له: “ابن داود”. قال لهم: “فكيف يدعوه داود بالروح رباً قائلاً: قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك؟ فإن كان دواد يدعوه رباً فكيف يكون ابنه؟” فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة. ومن ذلك اليوم لم يجسر أحد أن يسأله البتة.” (متى 22: 42-46).
وهنا يؤكد الرب يسوع المسيح في سؤاله لهم أنه رب داود الجالس عن يمين العظمة في السماوات. فمن هو رب داود؟ والإجابة هي: رب داود هو الله! فالكتاب يقول: “اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا رب واحد” (تث 6: 4)، وأيضاً “الرب إلهك تتقي وإياه وحده تعبد” (تث 6: 13؛ مت 4: 10). وقد أكد ذلك أيضاً السيد المسيح نفسه في قوله “إن أول كل الوصايا هي: سمع يا إسرائيل. الرب إلهنا رب واحد” (مرقص 12: 29).
والكتاب يقول أيضاً أن الرب يسوع المسيح نفسه هو هذا الرب الواحد “لكن لنا إله واحد: الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن له. ورب واحد: يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به” (1كو 8: 6). ويقول القديس بطرس عنه بالروح “هذا هو رب الكل.” (أع 10: 36).
الكائن قبل إبراهيم وإله إبراهيم وفي حوار له مع رؤساء اليهود يقول الكتاب المقدس أنه قال لهم “الحق الحق أقول لكم: إن كان أحد يحفظ كلامي فلن يرى الموت إلى الأبد”. فقال له اليهود، قد مات إبراهيم والأنبياء وأنت تقول: “إن كان أحد يحفظ كلامي فلن يذوق الموت إلى الأبد”. ألعلك أعظم من أبينا إبراهيم الذي مات. والأنبياء ماتوا. من تجعل نفسك؟” أجاب يسوع: أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومي فرأى وفرح” (يو 8: 51-56).
وهو هنا يؤكد ما قاله لتلاميذه “طوبى لعيونكم لأنها تبصر ولآذانكم لأنها تسمع. فإني الحق أقول لكم: إن أنبياء وأبراراً كثيرين اشتهوا أن يروا ما أنتم ترون ولم يروا وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا” (مت 13: 16-17)، فقال له اليهود: “ليس لك خمسون سنة بعد أفرأيت إبراهيم؟” قال لهم يسوع: “الحق الحق أقول لكم: قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن” فرفعوا حجارة ليرجموه. أما يسوع فاختفى وخرج من الهيكل مجتازاً في وسطهم ومضى هكذا” (يو 8: 57-59).
وهنا أثار قوله “قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن” غضب اليهود وجعلهم يحنقون عليه ويقرروا موته رجماً بالحجارة “فرفعوا حجارة ليرجموه”. لماذا؟ لأنهم اعتقدوا أنه يجدف على الله وينسب لنفسه ما لله ويسمي نفسه باسم الله، أي يقول “إني أنا الله”. كيف ذلك؟ لأن كلامه هذا له أكثر من مغزى، كلها تدل على أنه يقول صراحة “إنه الله”!
أولاً: يقول إنه قبل أن يوجد إبراهيم، منذ حوالي 2000 سنة ق.م، كان هو موجوداً. أي أنه يؤكد على وجوده السابق، قبل إبراهيم. وبالتالي على وجوده السابق للتجسد والميلاد من العذراء، فقد كان موجوداً قبل أن يظهر على الأرض، وهذا يعني أنه كائناً في السماء.
ثانياً: يقول بالحرف الواحد “أنا كائن”، وهذا القول يعني حرفياً “أنا أكون” و الكائن” وباليونانية “I Am – # – Ego eimi”. وهو هنا يستخدم نفس التعبير الذي عبر به الله عن نفسه عندما ظهر لموسى النبي في العليقة وعندما سأله موسى عن اسمه، قال “أهيه الذي أهيه” (ومعناه أنا الكائن الدائم). وأضاف: “هكذا تقول لبني إسرائيل: أهيه، هو الذي أرسلني إليكم”. وقال أيضاً لموسى: “هكذا تقول لشعب إسرائيل:
إن الرب “يهوه – الكائن” إله آبائكم، إله إبراهيم واسحق ويعقوب قد أرسلني إليكم. هذا هو اسمي إلى الأبد، وهو الاسم الذي أدعى به من جيل إلى جيل” (خر 3: 14-15). أي أن الرب يسوع المسيح يعطي لنفسه نفس الاسم الذي عبر به الله عن نفسه “أنا الكائن الدائم. الكائن الذي يكون” والذي يساوي يهوه (الكائن) الذي هو اسم الله الوحيد في العهد القديم. أي أنه يقول لهم “أنا الكائن الدائم” الذي ظهر لموسى في العليقة، وهذا ما جعل اليهود يثورون عليه ويحنقون لأنهم أدركوا أنه يعني أنه هو “الله” نفسه “الكائن الدائم”. وهذا الاسم لا يمكن أن يطلق على غير الله ذاته والذي يقول الله عنه “أنا الرب (يهوه = الكائن) هذا اسمي ومجدي لا أعطيه لآخر” (أش 42: 8).
ثالثاُ: كما أن الرب يسوع المسيح يسـتخدم في قوله هذا، الزمن الحاضر (المضارع) “أكون – # – I Am” والذي يدل على الوجود المستمر، بلا بداية وبلا نهاية، وهو هنا يعني أنه “الكائن” دائماً، والذي “كان” أزلاً بلا بداية، والذي “سيكون” أبداً بلا نهاية، الموجود دائماً في الماضي بلا بداية، والحاضر دائماً، والمستقل بلا نهاية، كقوله في سفر الرؤيا “أنا الألف والياء، البداية والنهاية، الأول والآخر” (رؤ 22: 13).
إذا فهو يعلن صراحة أنه هو الرب الإله الواحد المعبود، والكائن الأزلي الذي لا بداية له ولا نهاية!! ولذلك فعندما قال له تلميذه توما “ربي وإلهي” قال له “لأنك رأيتني يا توما آمنت! طوبى للذين آمنوا ولم يروا” (يو 20: 28-29). وهذا ما أكده مرات عديدة:
فقد أعلن أنه الأزلي الأبدي الذي لا بداية له ولا نهاية (غير المحدود بالزمان): حيث يقول هو في سفر الرؤيا “أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية، يقول الرب الكائن والذي كان والذي يأتي، القادر على كل شيء” (رؤ 1: 8).
† “أنا هو الألف والياء. الأول والآخر” (رؤ 1: 11).
† “أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية. أنا أعطي العطشان من ينبوع ماء الحياة مجاناً” (رؤ 21: 6).
† “أنا الألف والياء، البداية والنهاية، الأول والآخر” (رؤ 22: 13).
† “لا تخف، أنا هو الأول والآخر” (رؤ 1: 17).
ويقول “أنا و”أنا” هو بنفس القوة الإلهية، كما يقولها الله: فيسـتخدم تعبـير “أنا” و”أنا هو I Am – #” بمعنى أنا صاحب السلطان على الكون كله والخليقة كلها، وأنا، الله، الكائن على الكل “الكائن على الكل إلهاً مباركاً إلى الأبد” (رو 9: 5)، بنفس الأسلوب والطريقة التي تكلم بها الله في العهد القديم. فعندما سأل موسى النبي الله عن اسمه قال له الله “أهيه الذي أهيه (أكون الذي أكون)” (خر 3: 15) والتي تعني، كما بينا أعلاه “أنا كائن”، “أنا الكائن الدائم” والإله الوحيد الذي ليس مثله أو سواه ولا يوجد آخر غيره أو معه، كقول الله ذاته في العهد القديم:
† “انظروا الآن! أنا أنا هو وليس إله معي. أنا أميت وأحيي. سحقت وإني أشفي وليس من يدي مخلص” (تث 32: 39).
† “من البدء؟ أنا الرب الأول ومع الآخرين أنا هو” (أش 41: 4).
† “إني أنا هو. قبلي لم يصور إله وبعدي لا يكون” (أش 43: 10).
† “أن هو ولا منقذ من يدي. أفعل ومن يرد؟” (أش 43: 13).
† “أنا أنا هو الماحي ذنوبك لأجل نفس وخطاياك لا أذكرها” (أش 43: 25).
† “أنا هو. أنا الأول وأنا الآخر” (أش 48: 12).
† “أنا أنا هو معزيكم” (أش 51: 12).
ويستخدم الرب يسوع المسيح تعبير “أنا” في الموعظة على الجبل بالمقابلة مع الله، فيقول:
† “قيل للقدماء: لا تقتل… وأما أنا فأقول لكم: إن كل من يغضب على أخيه باطلاً يكون مستوجب الحكم” (مت 5: 21-22).
† “قيل للقدماء: لا تزن… وأما أنا فأقول لكم: إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه” (مت 5: 27-28).
† “وقيل: من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق… وأما أنا فأقول لكم: إن من طلق امرأته إلا لعلة الزنى يجعلها تزني ومن يتزوج مطلقة فإنه يزني” (مت 5: 31-33).
† ” سمعتم أنه قيل للقدماء: لا تحنث بل أوف للرب أقسامك. وأما أنا فأقول لكم: لا تحلفوا البتة” (مت 5: 33-34).
† “سمعتم أنه قيل: عين بعين وسن بسن. وأما أنا فأقول لكم: لا تقاوموا الشر بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً” (مت 5: 38-39).
† “سمعتم أنه قيل: تحب قريبك وتبغض عدوك. وأما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم. باركوا لاعينكم. أحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم” (مت 5: 43-44).
وهو هنا يتكمل كصاحب سلطان على الشريعة والإله الذي أعطاها وصاحبها.
كما يستخدم تعبير “أنا هو I Am – #”، كما استخدمها الله في العهد القديم، بكل معانيها اللاهوتية التي تؤكد لاهوته وكونه هو ذاته الله، الله الكلمة:
† “فللوقت قال لهم يسوع: “تشجعوا! أنا هو لا تخافوا” (مت 14: 27).
† “لأن الجميع رأوه واضطربوا. فللوقت قال لهم: “ثقوا. أنا هو، لا تخافوا” (مر 6: 50).
† فقال يسوع: “أنا هو. وسوف تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً في سحاب السماء” (مر 14: 62).
† “فقال الجميع: أفأنت ابن الله؟ فقال لهم: أنتم تقولون إني أنا هو”. (لو 22: 70).
† “فقال لهم: أنا هو لا تخافوا” (يو 6: 20).
† “فقال لهم يسوع: أنا هو خبز الحياة. من يقبل إلي فلا يجوع ومن يؤمن بي فلا يعطش أبداً” (يو 6: 35).
† “فكان اليهود يتذمرون عليه لأنه قال: أنا هو الخبز الذي نزل من السماء” (يو 6: 41)
† “أنا هو خبز الحياة” (يو 6: 48).
† “أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد. والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم” (يو 6: 51).
† “ثم كلمهم يسوع أيضاً قائلاً: “أنا هو نور العالم. من يتبعني لا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة” (يو 8: 12).
† “لأنكم إن لم تؤمنوا إني أنا هو تموتون في خطاياكم” (يو 8: 24).
† “فقال لهم يسوع: “متى رفعتم ابن الإنسان فحينئذ تفهمون إني أنا هو ولست أفعل شيئاً من نفسي بل أتكلم بهذا كما علمني أبي” (يو 8: 28).
† “أنا هو الباب. إن دخل بي أحد فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى” (يو 10: 9).
† “أنا هو الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف” (يو 10: 11).
† “قال لها يسوع: أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا” (يو 11: 25).
† “أقول لكم الآن قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون إني أنا هو” (يو 13: 19).
† “قال له يسوع: أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي”. (يو 14: 6).
† “فلما قال لهم: إني أنا هو. رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض” (يو 18: 6).
† “أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية، يقول الرب الكائن والذي كان والذي يأتي، القادر على كل شيء” (رؤ 1: 8).
† “قائلاً لي: لا تخف، أنا هو الأول والآخر” (رؤ 1: 17).
† “إن أنا هو الفاحص الكلى والقلوب، وسأعطي كل واحد منكم بحسب أعماله” (رؤ 2: 23).
† “أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية. أنا أعطي العطشان من ينبوع ماء الحياة مجاناً” (رؤ 21: 6).
ولذا فقد أعلن أنه النازل من السماء:
† “لأني قد نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني” (يو 6: 38).
† “أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء” (يو 6 51).
† “هذا هو الخبز الذي نزل من السماء. ليس كما أكل أباؤكم المن وماتوا. من يأكل هذا الخبز فإنه يحيا إلى الأبد” (يو 6: 58).
† وهذا ما جعل اليهود يتذمرون عليه قائلين: “أليس هذا هو يسوع بن يوسف الذي نحن عارفون بأبيه وأمه. فكيف يقول هذا: إني نزلت من السماء؟” (يو 6: 42).
† “فكان اليهود يتذمرون عليه لأنه قال: “أنا هو الخبز الذي نزل من السماء” (يو 6: 41).
والخارج من عند الله الآب والذي هو من ذات الآب وفي ذات الآب:
† “فقال لهم يسوع: “لو كان الله أباكم لكنتم تحبونني لأني خرجت من قبل الله وأتيت” (يو 8: 42).
† خرجت من عند الآب وقد أتيت إلى العالم وأيضاً أترك العالم وأذهب إلى الآب” (يو 16: 28).
† “لأن الكلام الذي أعطيتني قد أعطيتهم وهم قبلوا وعلموا يقيناً أني خرجت من عندك” (يو 17: 8).
† “أنا أتكلم بما رأيت عند أبي” (يو 8: 38).
† فقال يسوع: “أعمالاً كثيرة حسنة أريتكم من عند أبي” (يو 10: 32).
† “لأن الآب نفسه يحبكم لأنكم قد أحببتموني وآمنتم أني من عند الله خرجت” (يو 16: 27).
† “خرجت من عند الآب وقد أتيت إلى العالم وأيضاً أترك العالم وأذهب إلى الآب” (يو 16: 28).
ويؤكد انه خرج من عند الله الآب، من قبل الله الآب، لأنه هو نفسه من الآب، من ذات الآب، وفي ذات الآب، فهو عند الآب، وفي حضن الآب.
† “أنا أعرفه لأني منه وهو أرسلني” (يو 7: 29)
† “أنا في الآب والآب فيّ” (يو 14: 10).
† “صدقوني أني في الآب والآب فيّ” (يو 14: 11).
فهو كما يقول القديس يوحنا بالروح “الأبن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر” (يو 1: 18).
كان عند الآبن في ذات الآب ومن ذات الآب لأنه كلمة الله وعقله الناطق “في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله” (يو1: 1).
والواحد مع الآب في الجوهر:
إنه هو الواحد مع الآب في الجوهر، الذي من ذات الآب وفي ذات الآب بحسب لاهوته” الابن الوحيد الذي هو في حضن الاب هو خبر” (يو 1: 18).
“أنا والآب واحد” (يو 10: 30).
“إن أنا في الآب والآب فيّ… صدقوني أني في الآب والآب فيّ” (يو 14: 10-11).
وأنه الموجود في السماء وعلى الأرض وفي كل مكان في آن واحد (غير المحدود بالمكان):
يقول عن نفسه “وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء” (يو 3: 13).
فهو في السماء وعلى الأرض في آن واحد.
وأيضاً “لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم” (مت 18: 20). أي أنه مع كل من يصلي باسمه في كل مكان.
وعند صعوده قال لتلاميذه “فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر” (مت 28: 19-20). أي أنه معهم في كل مكان وزمان.
ويقول القديس مرقص بالروح “ثم إن الرب بعدما كلمهم ارتفع إلى السماء وجلس عن يمين الله. وأما هم فخرجوا وكرزوا في كل مكان والرب يعمل معهم ويثبت الكلام بالآيات التابعة” (مر 16: 19-20).
كان يجلس على العرش في السماء وفي نفس الوقت كان يعمل مع تلاميذه في كل مكان على الأرض.
والموجود مع الآب وفي ذات الآب قبل كل خليقة:
“قال لهم يسوع: الحق الحق أقول لكم: قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن”. (يو 8: 58).
أي أنه موجود قبل إبراهيم وموجود دائماً “أنا كائن” بلا بداية وبلا نهاية.
وخاطب الآب قائلاً “والآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم” (يو 17: 5). وأيضاً “لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم” (يو 17: 24).
وأنه الحي ومعطي الحياة:
وقال عن نفسه أنه هو الحي الذي لا يموت كإله، الذي له الحياة في ذاته ومعطي الحياة” فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس” (يو 1: 4)، “إني أنا حي فأنتم ستحيون” (يو 14: 19).
“كما أرسلني الآب الحي وأنا حي بالآب” (يو 6: 57).
“والحي. وكنت ميتاً وها أنا حي إلى أبد الآبدين. آمين. ولي مفاتيح الهاوية والموت” (رؤ 1: 18).
وأنه هو ملك الملوك ورب الأرباب:
يقول الكتاب عنه أنه هو ملك الملوك ورب الأرباب كإله “لأنه رب الأرباب وملك الملوك” (رؤ 17: 14)، “وله على ثوبه وعلى فخذه اسم مكتوب: ملك الملوك ورب الأرباب” (رؤ 19: 16) وأكد هو ذاته هذه الحقيقة عندما قال لبيلاطس “مملكتي ليس من هذا العالم. لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلم إلى اليهود. ولكن الآن ليست مملكتي من هنا” (يو 18: 36).
وأنه هو الرب، الله ذاته:
حيث يقول: ليس كل من يقول لي: يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات. بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السماوات” (مت 7: 21).
كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب يا رب أليس باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا شياطين وباسمك صنعنا قوات كثيرة” (مت 7: 22).
فهو رب الطبيعة والذي تخضع له كل عناصر الطبيعة فقد حول الماء إلى خمر (يو 2: 1-10)، ومشى على مياه البحر الهائج (مت 14: 25؛ مر 6: 49؛ يو 6: 19)، “فقام وانتهر الريح وقال للبحر: “اسكت أبكم”. فسكنت الريح وصار هدوء عظيم… فخافوا خوفاً عظيماً وقالوا بعضهم لبعض: “من هو ذا؟ فإن الريح أيضاً والبحر يطيعانه!” (مر 4: 39-41). وعندما مات كإنسان على الصليب بحسب الطبيعة البشرية التي له، أعلنت الطبيعة احتجاجها “وأظلمت الشمس” (لو 23: 45)، “وإذا بحجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل. والأرض تزلزلت والصخور تشققت والقبور تفتحت وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين وخرجوا من القبور بعد قيامته ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين. وأما قائد المئة والذين معه يحرسون يسوع فلما رأوا الزلزلة وما كان خافوا جداً وقالوا: “حقاً كان هذا ابن الله” (مت 27: 51-54).
وأعلن أنه صاحب السلطان على كل ما في السماوات وعلى الأرض:
هو ابن الله الوحيد الجنس الذي في حضن الآب ومن ذات الآب (يو 1: 18). الذي له السلطان على كل ما في السماء وعلى الأرض، كل ما في الكون كما تنبأ عنه دانيال النبي قائلاً إنه “فأعطي سلطان ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض” (دا 7: 14).
لذا يقول هو نفسه لتلاميذه “دفع إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض” (مت 28: 18)، وإن له سلطان حتى على نفسه “ليس أحد يأخذها مني بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضاً. هذه الوصية قبلتها من أبي” (يو 10: 18).
وأنه كلي العلم، العالم بكل شيء:
يقول الكتاب عن معرفته المطلقة بالإنسان “فعلم يسوع أفكارهم” (مت 9: 4؛ مت 12: 25)، “فعلم يسوع خبثهم” (مت 22: 18).
“لأنه كان يعرف الجميع” (يو 2: 24)، “لأنه لم يكن محتاجاً أن يشهد أحد عن الإنسان لأنه علم ما كان في الإنسان” (يو 2: 25)، وقد كشف ما سيحدث في المستقبل لتلاميذه وبحسب تعبيره هو يقول:
† “ها أنا قد سبقت وأخبرتكم” (مت 24: 25).
† “أقول لكم الآن قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون أني أنا هو” (يو 13: 19).
† “وقلت لكم الان قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون” (يو 14: 29).
† ووصف لهم كل ما سيحدث لهم بعد صعوده وما سيحدث للكنيسة حتى وقت مجيئه الثاني في مجد “سيخرجونكم من المجامع بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمه لله. وسيفعلون هذا بكم لأنهم لم يعرفوا الآب ولا عرفوني. لكني قد كلمتكم بهذا حتى إذا جاءت الساعة تذكرون أني أنا قلت لكم. ولم أقل لكم من البداية لأني كنت معكم” (يو 16: 2-4).
† وعندما قابل تلميذه نثنائيل أكد له أنه رآه وهو تحت التينة قبل أن يأتي إليه: “قال له نثنائيل: من أين تعرفني؟ أجاب يسوع: قبل أن دعاك فيلبس وأنت تحت التينة رأيتك”. فقال نثنائيل: يا معلم أنت ابن الله!” (يو 1: 48-49).
† وكشف أسرار المرأة السامرية: “قال لها يسوع: اذهبي وادعي زوجك وتعالي إلى ههنا” أجابت المرأة: “ليس لي زوج”. قال لها يسوع: “حسناً قلت ليس لي زوج لأنه كان لك خمسة أزواج والذي لك الآن ليس هو زوجك. هذا قلت بالصدق. قالت له المرأة: يا سيد أرى أنك نبي! … هلموا انظروا إنساناً قال لي كل ما فعلت. ألعل هذا هو المسيح” (يو 4: 16-19، 29).
† وكان يعلم من سيؤمن به ومن لا يؤمن، “لأن يسوع من البدء علم من هم الذين لا يؤمنون ومن هو الذي يسلمه” (يو 6: 64).
† وكان يعلم ساعته المحتومة ليصلب “وأما يسوع فأجابهما: قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان” (يو 12: 23)، “أما يسوع قبل عيد الفصح هو عالم أن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب” (يو 13: 1)، “فخرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتي عليه” (يو 18: 4)، وكان يعلم من هو الذي يسلمه “لأنه عرف مسلمه” (يو 13: 11)، وبالتجربة عرف تلاميذه أنه يعلم كل شيء: “الآن نعلم أنك عالم بكل شيء ولست تحتاج أن يسألك أحد.
لهذا نؤمن أنك من الله خرجت. أجابهم يسوع: “الآن تؤمنون؟ هو ذا تأتي ساعة وقد أتت الآن تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركوني وحدي. وأنا لست وحدي لأن الآب معي. قد كلمتكم بهذا ليكون لكم في سلام. في العالم سيكون لكم ضيق ولكن ثقوا: أنا قد غلبت العالم” (يو 16: 30-33).
لذلك يقول الكتاب عنه “المسيح المدخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم” (كو 2: 2-3). كما يقول الكتاب عنه أيضاً: “يسوع المسيح هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد” (عب 13: 8)، أي غير المتغير.
إعلان أنه المعبود
قال الله في العهد القديم “الرب إلهك تتقي وإياه تعبد وباسمه تحلف” (تث 6: 13)، وقال الرب يسوع المسيح في العهد الجديد “للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد” (مت 4: 10). إذا الله وحده هو المعبود، والكتاب أيضاً يقول أن الرب يسوع المسيح هو المعبود، كما سبق وتنبأ عنه دانيال النبي قائلاً “كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن انسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه. فأعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض” (دا 7: 13-14).
وقد أعلن عن نفسه أنه الذي يصلى إليه وأنه هو سامع الصلاة، وأنه هو الذي يستجيب للصلاة، وأنه هو الذي يعطي القوة الغلبة، الذي يقوي ويجعلنا نغلب الشرير، فقال:
† “لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم” (مت 18: 20).
† “ليس كل من يقول لي: يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات” (مت 7: 21).
† “ولماذا تدعونني: يا رب يارب وأنتم لا تفعلون ما أقوله؟” (لو 6: 46).
† ولذا فقد صلت إليه الكنيسة عند اختيار متياس الرسول بديلاً عن يهوذا قائلة: “أيها الرب العارف قلوب الجميع عين أنت من هذين الاثنين أياً اخترته” (أع 1: 24).
† كما يقول القديس بولس بالروح “من جهة هذا (آلام شوكة الجسد) تضرعت إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقني. فقال لي: “تكفيك نعمتي، لأن قوتي في الضعف تكمل”. فبكل سرور أفتخر بالحري في ضعفاتي، لكي تحل عليّ قوة المسيح” (2كو 12: 8-9).
† كما يشكره لأنه قواه “وأنا أشكر المسيح يسوع ربنا الذي قواني” (1تي 1: 12).
† وقال له توما بعد القيامة “ربي وإلهي” (يو 20: 28).
فقد أعلن هو أنه المعبود، وبرهن على أقواله بأعماله، ومن ثم فقد قدم له تلاميذه والمؤمنون به العبادة ووصفوا أنفسهم بعبيده، وهذا ما أكدوه في افتتاحيات رسائلهم للمؤمنين:
† “يعقوب، عبد الله والرب يسوع المسيح” (يع 1: 1).
† “يهوذا، عبد يسوع المسيح” (يه 1).
† “سمعان بطرس عبد يسوع المسيح ورسوله” (2بط 1: 1).
† “بولس عبد ليسوع المسيح” (رو 1: 1).
† “بولس وتيموثاوس عبدا يسوع المسيح” (في 1: 1).
† “يسلم عليكم أبفراس، الذي هو منكم، عبد المسيح” (كو 4: 12).
† ويقول القديس بولس بالروح “لأن من دعي في الرب وهو عبد فهو عتيق الرب. كذلك أيضاً الحر المدعو هو عبد للمسيح. قد اشتريتم بثمن فلا تصيروا عبيداً للناس” (1كو 7: 22-23).
ولأن الرب يسوع المسيح هو المعبود فقد قبل السجود من كل من سجدوا له، وهو نفسه القائل “للرب إلهك تسجد إياه وحده تعبد” (مت 4: 10) ولم يمنع أحداً من السجود له، يقول الكتاب:
† فعند ميلاده جاء المجوس قائلين: “أتينا لنسجد له” (مت 2: 3). وسجدوا له “خروا وسجدوا له” (مت 2: 11).
† “وإذا أبرص قد جاء وسجد له” (مت 8: 2).
† “وفيما هو يكلمهم بهذا إذا رئيس قد جاء فسجد له” (مت 9: 18).
† “والذين في السفينة جاءوا وسجدوا له” (مت 14: 33).
† “وإذا امرأة كنعانية…. فأتت وسجدت له قائلة: يا سيد أعني!” (مت 15: 25).
† والمولود أعمى الذي خلق له المسيح عينين “وسجد له” (يو 9: 38).
وكما عبده تلاميذه كالرب الإله فقد سجدوا له أيضاً كالرب الإله، فهم كانوا يعلمون مما تعلموه من الرب نفسه، وكيهود أصلاً، أنه لا سجود ولا عبادة لغير الله، وقال الملاك للقديس يوحنا في الرؤيا: “أنظر، أنا عبد معك ومع اخوتك والذين عندهم شهادة يسوع. اسجد لله” (رؤ 19: 10؛ 22: 9).
† كما منع القديس بطرس قائد المئة الذي حاول أن يسجد له قائلاً: قم أنا أيضاً إنسان” (أع 10: 25).
† ولكن التلاميذ عبدوه وسجدوا له كالرب الإله، كما قال له توما “ربي وإلهي” (يو 20: 28).
† حينئذ تقدمت إليه ام ابني زبدي مع ابنيها وسجدت له” (مت 20: 20).
† وبعد القيامة “ولما رأوه (تلاميذه) سجدوا له” (مت 28: 17؛ لو 24: 25).
في كل هذه الحالات لا توجد أية إشارة أو تلميح في الكتاب على أن الرب يسوع المسيح قد رفض ولم يقبل السجود له بل على العكس تماماً فهو المكتوب عنه “ولتسجد له كل ملائكة الله” (عب 1: 6)، وأيضاً “لأننا جميعاً سوف نقف أمام كرسي المسيح لأنه مكتوب “أن حي يقول الرب إنه لي ستجثو كل ركبة وكل لسان سيحمد الله” (رو 14: 10-11)، وأيضاً “لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض” (في 2: 10).
58 – لقـب ابـن الإنسـان، هليدل على أن المسـيح إنسـان فقـط؟
ابن الإنسان كما لقب به الرب يسوع المسيح نفسه:
لقب المسيح نفسه ابن الإنسان وكان اللقب المفضل بالنسبة له ولم يلقبه به أحد ولم يأت على لسان أحد غيره في الإنجيل بأوجهه الأربعة إلى مرة واحدة عندما سأله اليهود: من هو هذا ابن الإنسان؟”.
† فما هو مغزى الاسم؟
† ولماذا استخدمه الرب يسوع المسيح؟
† وما هي الصفات التي ارتبطت به، وهل يدل على لاهوته أم على ناسوته فقط، وإن المسيح مجرد إنسان فقط كما يزعم البعض؟
في البداية نقول إن هذا اللقب استخدم في العهد القديم سواء في سفر العدد أو سفر المزامير أو سفر أشعياء أو سفر حزقيال “ابن آدم” بمعنى عام هو الإنسان في اتضاعه وضعفه كالمخلوق من تراب بالمقارنة مع الله الخالق في رفعته وسموه..
ولكن عندما جاء على لسان المسيح ولقب به نفسه فقد استخدمه بمعنى آخر ومغزى آخر تماماً، استخدمه ليشير به إلى نفسه كالمسيح الآتي والمنتظر الذي هو ليس مجرد إنسان من تراب، بل هو الرب الذي من السماء، استخدمه ليعبر به عن نفسه كالإله المتجسد، الكامل في لاهوته والكامل في ناسوته (إنسانيته). فقد كان هو ابن الانسان الآتي من نسل آدم “وهو على ما كان يظن ابن يوسف بن هالي….
بن آدم” (لو 3: 23-38)، كإنسان، ولكنه في نفس الوقت هو “ابن الله الحي” (مت 16: 16)، الرب الآتي من السماء، كإله. يقول القديس بولس بالروح في المقارنة بين آدم والمسيح “الإنسان الأول من الأرض ترابي. الإنسان الثاني الرب من السماء. كما هو الترابي هكذا الترابيون أيضاً وكما هو السماوي هكذا السماويون أيضاً”. (1كور 15: 47-48). فالمسيح إذاً هو ابن الإنسان الذي هو الرب الآتي من السماء كقول الرب يسوع المسيح نفسه “فإن رأيتم ابن الإنسان صاعداً إلى حيث كان أولاً” (يو 6: 26).
هو كلمة الله الذي تجسد وصورة الله الذي اتخذ صورة عبد، الله الذي حل بملء لاهوته في الجسد، ظهر في الجسد، يقول الكتاب:
† “والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده” (يو 1: 14)، وصار جسداً هنا تعني، اتخذ جسداً، صار بشراً “والكلمة صار بشراً”.
† الذي إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله. لكنه أخلى نفسه، آخذاً صورة عبد، صائراً في شبه الناس. وإذ وجد في الهيئة كإنسان، وضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب” (في 2: 6-8).
† “فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً” (كو 2: 9).
† عظيم هو سر التقوى: الله ظهر في الجسد، تبرر في الروح، تراءى لملائكة، كرز به بين الأمم، أومن به في العالم، رفع في المجد” (1تي 3: 16).
وخلاصة هذه الآيات أن الرب يسوع المسيح هو كلمة الله وصورة الله، الله بكل ملئه، بكل ملء لاهوته، لكنه أخلى نفسه بمعنى حجب لاهوته في ناسوته، افتقر وهو الغني “فإنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح، أنه من أجلكم افتقر وهو غني، لكي تستغنوا أنتم بفقره” (2كو 8: 9). وقال عن نفسه “للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه” (مت 8: 20). ظهر في الجسد، اتحذ جسداً وصورة العبد، صائراً في شبه الناس وهيئة الإنسان، وولد من امرأة “ولكن لما جاء ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة” (غل 4: 4) ودعي إنسان وابن الإنسان ولكن لم يتغير عن كونه كلمة الله وصورة الله، الله بملئه.
كان لقب ابن الإنسان يحمل في ذاته كل صفات المسيح اللاهوتية والناسوتية، كالإله المتجسد. كان يعني دائماً، على فم الرب يسوع المسيح، المسيح كما هو؛ المسيح كما تنبأ عنه أنبياء العهد القديم والذي وهو ابن إبراهيم والكائن قبل إبراهيم “قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن” (يو 8: 58)، أي الموجود الدائم، والذي من نسل داود ورب داود، كقوله “أنا أصل وذرية داود” (رؤ 22: 16)، والذي من بين إسرائيل ولكنه الإله القدير “لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابناً وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام.” (أش 9: 6)، “ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن على الكل إلهاً مباركاً إلى الأبد” (رو 9: 5).
كان لقب “ابن الإنسان” هو اللقب المفضل لدي يسوع والذي أطلقه على نفسه ولم يطلقه عليه أحد لأنه كان يؤكد دائماً أنه المسيح بكل صفاته كالإله المتجسد، فلماذا استخدمه الرب يسوع المسيح ولم يعلن صراحة أنه هو المسيح؟!
ولم يعلن الرب يسوع المسيح عن نفسه أنه المسيح الآتي والمنتظر إلا في مرات محدودة وخاصة جداً لأن لقب المسيح كان يعني في مفهوم اليهود في عصره، وما يزال، كما تصوروا فيما جاء عنه في نبوات أنبياء العهد القديم، إنه صاحب المعجزات والمحارب القوي والسياسي القدير الذي سيحرر اليهود من الرومان ويرد الملك لإسرائيل (أع 1: 6)، ويسود على العالم بالقوة ويجعل من أورشليم عاصمة العالم العسكرية والسياسية والدينية، ويجعل اليهود سادة العالم عسكرياً وسياسياً ودينياً.
بل وفي معظم الأوقات التي تصور فيها اليهود أنه هو المسيح الآتي والمنتظر كانوا يلقبونه فيها بملك إسرائيل وكانوا يحاولون تتويجه ملكاً! وعلى سبيل المثال فعندما كشف لنثنائيل بعض الأسرار، يقول الكتاب أجاب نثنائيل وقال له “يا معلم أنت ابن الله! أنت ملك إسرائيل!” (يو 1: 49)، وعندما أشبع الجموع بخمسة خبزات وسمكتين يقول الكتاب “فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا: “إن هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم!” وأما يسوع فإذ علم أنهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكاً انصرف أيضاً إلى الجبل وحده” (يو 6: 14-15)، وعند دخوله الانتصاري لأورشليم يقول الكتاب أيضاً: “فأخذوا سعوف النخل وخرجوا للقائه وكانوا يصرخون: أوصنا! مبارك الآتي باسم الرب ملك إسرائيل” (يو 12: 13).
ولما سأله رئيس الكهنة إن كان هو المسيح ابن الله الحي قال له “أنت قلت! وأيضاً أقول لكم: من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً على سحاب السماء” (مت 26: 64)، فمزق رئيس الكهنة جبته واتهمه بالتجديف!! وكانت تهمته التي قدموه بها إلى بيلاطس هي أنه قال إنه ابن الله وأنه ملك اليهود “ثم دخل بيلاطس أيضاً إلى دار الولاية ودعا يسوع وقال له: “أأنت ملك اليهود؟” أجابه يسوع: “أمن ذاتك تقول هذا أم آخرون قالوا لك عني؟” أجابه بيلاطس “ألعلي أنا يهودي؟ أمتك ورؤساء الكهنة أسلموك إليّ. ماذا فعلت؟”، أجاب يسوع: “مملكتي ليست من هذا العالم. لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون كي لا أسلم إلى اليهود. ولكن الآن ليس مملكتي من هنا” (يو 18: 33-36).
كان المسيح ملكاً ولكن ليس كما فهم اليهود وما زالوا يتوقعون في مسيحيهم الذي ما زالوا ينتظرونه! وإنما هو ملك الملكوت “ملك الملوك ورب الأرباب” (رؤ 19: 16).
إذاً فماذا يعني لقب ابن الإنسان كما استخدمه الرب يسوع المسيح؟ يعني اللقب كما بينا أعلاه أنه هو المسيح، الآتي والمنتظر كالإله المتجسد، الكامل في لاهوته والكامل في ناسوته:
ابن الإنسان الذي هو رب الملائكة؛ يقول الكتاب لما رأي الرب يسوع المسيح “نثنائيل مقبلاً إليه فقال عنه: “هوذا إسرائيلي حقاً لا غش فيه”. قال له نثنائيل: “من أين تعرفني؟” أجاب يسوع: “قبل أن دعاك فيلبس وأنت تحت التينة رأيتك”. فقال نثنائيل: “يا معلم أنت ابن الله! أنت ملك إسرائيل!” أجاب يسوع: “هل آمنت لأني قلت لك إني رأيتك تحت التينة؟ سوف ترى أعظم من هذا!” وقال له: “الحق الحق أقول لكم: من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان”. (يو 1: 47-51).
ابن الإنسان الكلي الوجود، الموجود في كل مكان: في حديثه مع نيقوديموس أحد قادة اليهود قال الرب يسوع المسيح: “وليس أحد صعد إلى السماء إلى الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء” (يو 3: 13). وهنا يؤكد أنه الموجود في كل مكان في السماء وعلى الأرض في آن واحد، فهو ابن الإنسان النازل من السماء والصاعد إلى السماء والموجود في نفس الوقت في السماء. وقد أكد ذلك أيضاً في قوله لليهود “فإن رأيتم ابن الإنسان صاعداً إلى حيث كان أولاً!” (يو 6: 62)
ابن الإنسان هو ابن الله الذي له كل ما لله الآب من صفات وألقاب ويعمل جميع أعمال الله. يقول الكتاب “فأجابهم يسوع: أبي يعمل حتى الآن وأنا أعلم”. فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه لأنه لم ينقض السبت فقط بل قال أيضاً أن الله أبوه معادلاً نفسه بالله. فقال يسوع لهم: الحق الحق أقول لكم: لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئاً إلا ما ينظر الآب يعمل. لأن مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك.
لأن الآب يحب الابن ويريه جميع ما هو يعمله وسيريه أعمالاً أعظم من هذه لتتعجبوا أنتم. لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحي كذلك الابن أيضاً يحي من يشاء. لأن الآب لا يدين أحد بل قد أعطى كل الدينونة للابن لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب… الحق الحق أقول لكم: إنه تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون. لأنه كما أن الآب له حياة في ذاته كذلك أعطى الابن أيضاً أن تكون له حياة في ذاته وأعطاه سلطاناً أن يدين أيضاً لأنه ابن الإنسان” (يو 5: 17-27).
ابن الإنسان النازل من السماء ليعطي الحياة الأبدية: قال الرب يسوع “أعملوا لا للطعام البائد بل للطعام الباقي للحياة الأبدية الذي يعطيكم ابن الإنسان لأن هذا الله الآب قد ختمه، لن خبز الله هو النازل من السماء الواهب حياة للعالم. فقالوا له: يا سيد أعطنا في كل حين هذا الخبز” فقال لهم يسوع: “أنا هو خبز الحياة. من يقبل إليّ فلا يجوع ومن يؤمن بي فلا يعطش أبداً. ولكني قلت لكم أنكم قد رأيتموني ولستم تؤمنون… لأني قد نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني” (يو 6: 27-38).
ابن الإنسان هو ابن الله الحي: يقول الكتاب “ولما جاء يسوع إلى نواحي قيصرية فيلبس سأل تلاميذه: من يقول الناس إني أنا ابن الإنسان؟ فقالوا: قوم يوحنا المعمدان وآخرون إيليا وآخرون إرميا أو واحد من الأنبياء. قال لهم: وأنتم من تقولون إني أنا؟ فأجاب سمعان بطرس: أنت هو المسيح ابن الله الحي. فقال له يسوع: طوبى لك يا سمعان بن يونا إن لحماً ودماً لم يعلن لك لكن أبي الذي في السماوات” (مت 16: 13-18).
ابن الإنسان هو رب الملائكة والبشر: الذي سيأتي على السحاب عند نهاية العالم ليدين المسكونة بالعدل ويجازي كل واحد بحسب أعماله “فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله” (مت 16: 27).
† “الحق أقول لكم إن من القيام ههنا قوماً لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان اتياً في ملكوته”. وبعد ستة أيام أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا أخاه وصعد بهم إلى جبل عال منفردين. وتغيرت هيئته قدامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور. وصوت من السحابة قائلاً: “هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. له اسمعوا”. ولما سمع التلاميذ سقطوا على وجوههم وخافوا جداً. فجاء يسوع ولمسهم وقال: “قوموا ولا تخافوا”. فرفعوا أعينهم ولم يروا أحداً إلا يسوع وحده. وفيما هم نازلون من الجبل أوصاهم يسوع قائلاً: “لا تعلموا أحداً بما رأيتم حتى يقوم ابن الإنسان من الأموات” (مت 16: 28؛ 17: 1-9).
† “متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون أنتم أيضاً على اثني عشر كرسياً تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر” (متى 19: 28)
† “متى جاء اين الإنسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه فحينئذ يجلس على كرسي مجده. ويجتمع أمامه جميع الشعوب فيميز بعضهم من بعض كما يميز الراعي الخراف من الجداء فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن اليسار. ثم يقول الملك للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم…. ثم يقول أيضاً للذين عن اليسار: اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته… فيمضي هؤلاء إلى عذاب أبدي والأبرار إلى حياة أبدية” (مت 25: 31-46).
ابن الإنسان غافر الخطايا:
† “وجاءوا إليه مقدمين مفلوجاً يحمله أربعة… فلما رأى يسوع إيمانهم قال للمفلوج: “يا بني مغفورة لك خطاياك”. وكان قوم من الكتبة هناك جالسين يفكرون في قلوبهم: “لماذا يتكلم هذا هكذا بتجاديف؟ من يقدر أن يغفر الخطايا إلى الله وحده؟” فللوقت شعر يسوع بروحه أنهم يفكرون هكذا في أنفسهم فقال لهم: أيما أيسر: أن يقال للمفلوج مغفورة لك خطاياك أم أن يقال: قم واحمل سريرك وامش؟ ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطاناً على الأرض أن يغفر الخطايا” قال للمفلوج: “لك أقول قم واحمل سريرك واذهب إلى بيتك”.
فقام للوقت وحمل السرير وخرج قدام الكل حتى بهت الجميع ومجدوا الله قائلين: “ما رأينا مثل هذا قط!” (مر 2: 3-13). وهنا يؤكد أنه يملك السلطان لغفران الخطايا، في حين أنه لا يغفر الخطايا إلا الله وحده مؤكداً حقيقته لاهوته.
ابن الإنسان هو الفادي الذي جاء ليبحث عن الضالين وليبذل نفسه، كالإله المتجسد، عن خطايا العالم، لذا يقول عنه الكتاب أنه رب المجد الذي صلب “لأنه لو عرفوا لما صلبوا رب المجد” (1كو 2: 8)، والله الذي فدى الكنيسة بدمه “كنسية الله التي اقتناها بدمه” (أع 20: 28)، والذي انتصر على الموت انتصاراً نهائياً بقيامته من الأموات. وكانت آلامه وصلبه وموته حتمية “لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يخلص ما قد هلك” (مت 18: 11). “إن ابن الإنسان لم يأت ليُخدم بل ليَخدِم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين” (مت 20: 28).
† “وابتدأ يعلمهم أن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيراً ويرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويُقتل وبعد ثلاثة أيام يقوم” (مر 8: 31).
† “وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية.” (يو 3: 14-15).
أخيراً ابن الإنسان هو رب العالمين: قال يسوع المسيح لتلاميذه قبل صعوده مباشرة “دفع إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر” (مت 28: 18-20)، ويضيف الإنجيل للقديس مرقص “ثم إن الرب بعدما كلمهم ارتفع إلى السماء وجلس عن يمين الله. وما هم فخرجوا وكرزوا في كل مكان والرب يعمل معهم ويثبت الكلام بالآيات التابعة” (مر 16: 19-20).
وهكذا بعد آلامه وقيامته كابن الإنسان، كالإله المتجسد، لم يعد يستخدم ذلك اللقب الذي كان محبباً إليه وإنما استخدم لقبه الأساسي “الرب” والذي استخدم في سفر الأعمال وحده 110 مرة عن المسيح الممجد القائم من الأموات والجالس عن يمين العظمة في السماوات كرب الخليقة ومدبرها، كما قال عنه القديس بطرس “هذا هو رب الكل” (أع 10: 36).
والخلاصة هي أن لقب ابن الإنسان استخدمه الرب يسوع المسيح وأطلقه على نفسه ولم يطلقه عليه أحد ليعبر به عن كونه الإله المتجسد، المسيح الآتي والمسيا المنتظر، ابن داود وربه وابن إبراهيم والكائن الدائم الأبدي الأزلي الذي لا بداية له ولا نهاية، المولود من اليهود بحسب الجسد وهو الكائن على الكل الإله القدير والمبارك إلى الأبد. إنه لا يبرهن أن المسيح مجرد إنسان فقط وإنما يبرهن لاهوته كما يبرهن حقيقة ناسوته، تجسده وكونه الإله المتجسد الذي فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً، الله بكل ملئه، فهو الله الظاهر في الجسد.