هل الابن لا يعلم اليوم والساعة ؟ شرح القديس اثناسيوس – دفاعيات

هل الابن لا يعلم اليوم والساعة ؟ شرح القديس اثناسيوس – دفاعيات

هل الابن لا يعلم اليوم والساعة ؟ شرح القديس اثناسيوس – دفاعيات

هل الابن لا يعلم اليوم والساعة ؟ شرح القديس اثناسيوس – دفاعيات

أمَّا من جهة القدرة على المعرفة المطلقة بالكليات بحسب طبيعة الابن، فمعلوم يقينًا أن كل ما يعمله الآب يعمله الابن، فجوهر الطبيعة واحد في الآب والابن؛ إنما الذي حجز المعرفة عن الابن هي مشيئة الابن نفسه في التخلي، أو الإخلاء، الذي استخدمه ليظهر في الهيئة كإنسان لتكميل الطاعة حتى الموت أولاً؛ وبالتالي ليستطيع أن يقول عن حق إنه لا يعلم تلك الساعة!! أي بخصوص أعمال ما بعد الفداء، أي فيما يخص الدينونة، في حين أنه كان عالمًا تمامًا بساعة موته على الصليب «قد أتت الساعة ليتمجَّد ابن الإنسان» (يو 23: 12). وهكذا يظهر تمامًا أن معرفة الابن كانت تُستمد من الآب في حدود الرسالة الموضوعة أمامه، وإلاَّ يستحيل فهم طاعة الابن للآب.

نظرة أثناسيوس – من جهة بشرية المسيح – نحو معرفة اليوم والساعة الأخيرة، (بخصوص ما جاء في إنجيل مرقس 32:13، لوقا 52:2):

 وهي النصوص التي اعتمد عليها الأريوسيون في تدعيم ادعائهم أن المسيح كابن الله وكلمته، وحتى من جهة لاهوته، كان يجهل تحديد ميعاد اليوم الأخير وبالتالي التاريخ المستقبلي.
وكان رد أثناسيوس في حديثه الثالث ضد الأريوسيين الذي استغرق اثني عشر فصلاً متصلاً([1])، والذي كان محور الدفاع فيه أن ما جاء في الإنجيل بهذا الخصوص لم يكن عائداً على”اللوغس“ كلمة الله في ذاته كابن الله، فهذا افتراء! ولكن كان منصبًا على الابن المتجسِّد في حالة تجسُّده كابن الإنسان.

ويمكن تلخيص ما جاء في هذا الدفاع في النقاط الآتية([2]):

  1. قول الرب: «وأمَّا ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلاَّ الآب»، لم يذكر الروح القدس؛ فإذا كان الروح القدس يعلم باليوم والساعة، فالابن يعلم بهما باعتباره ”الكلمة“، لأن الروح القدس يأخذ مما للمسيح.
  2. إذا كان الابن يعرف الآب، فحتمًا يعرف كل ما يعرفه الآب.
  3. إذا كان الابن له كل ما للآب، فحتمًا يعرف اليوم والساعة.
  4. الذي خلق كل الأشياء، يعلم متى تنتهي، والذي كان يعلم علامات ما قبل اليوم والساعة بدقة، لم تكن تُخفى عليه الساعة نفسها (إلاَّ بإرادته وحده).
  5. المسيح كان يعلم ولكن ليس بصفته ابن البشر (متى 42:24)، فكان هنا يتكلَّم بشريًا.
  6. المسيح قال إنه لا يعلم، لأن في ذلك منفعتنا، حتى نكف عن حب استطلاع المواعيد، كما جاء في سفر الأعمال 7:1.
  7. كما كان يتقدَّم في القامة والحكمة عند الله والناس، كذلك كان اللاهوت يُستعلن فيه أكثر فأكثر بتقدم الزمن.

ولقد احتدم الجدل اللاهوتي حول هذا الموضوع عند الآباء بعد أثناسيوس، ولكن ظل معظم الآباء اللاهوتيين على رأي أثناسيوس. لكن يلزمنا هنا أن نوضِّح رأينا في الخلفية اللاهوتية الدقيقة، التي كان يتحرَّك فكر أثناسيوس في إطارها، فالجهل باليوم أو المعرفة به لم تكن متصلة بمفهوم طبيعته، لأن اللاهوت والناسوت في المسيح لم يعتريهما افتراق لا لحظة ولا طرفة عين، في كل ما يختص بشخصه وفكره وقوله وعمله ومعرفته؛ ولكن الذي كان يتغيَّر وينمو هو ما يختص برسالته.

فرسالة التجسُّد التي تختص بالفداء وتنتهي عنده، ليس لها أن تتداخل في رسالة الدينونة، وهذا أوضحه الرب بقوله: «إن ابن الإنسان لم يأتِ ليدين العالم بل ليخلِّص العالم»، مع أنه في موضع آخر قال إن الدينونة أُعطيت للابن: «لأن الآب لا يدين أحدًا بل قد أعطى كل الدينونة للابن» (يو 22:5)، وهنا يتضح أن للخلاص زمنًا وعملاً وحدودًا، وأن للدينونة زمنًا وعملاً وحدودًا، وأن الابن – كما أُرسل للفداء – سيُرسَل للدينونة، وكلا الإرساليتين من الآب.

فالابن، وهو في حال عمل الفداء، له أن يقول -عن حق- بمقتضى التدبير إن يوم الدينونة والساعة الأخيرة ليست حالئذ في دائرة عمله، أي لم يُعطَ بعد عملها -من الآب- وبالتالي ميعادها.

لأن المسيح أوضح جدًّا في مواضع سابقة، أنه لا يعمل إلاَّ كما يريه الآب، وكما يعلِّمه الآب، وكما يقول له الآب، ومن نفسه هو لا يعمل شيئاً! «الحق الحق أقول لكم لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئًا إلاَّ ما ينظر الآب يعمل. لأن مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك» (يو 19:5). وهذا من صميم مفهوم الإخلاء، حتى يكمل كل حدود الطاعة حتى الموت على الصليب.

وهكذا يتضح تمامًا أن المسيح بقوله إن”الابن“ لا يعلم ذلك اليوم ولا تلك الساعة إلاَّ الآب، إنما يتمشَّى تمامًا مع رسالة الابن وهو لم يكمل بعد رسالة الفداء على الصليب. ويمكن تلخيص نظرية أثناسيوس من نحو هذه القضية في جملة عقائدية مختصرة وبديعة نضعها هكذا:

إن المسيح، إذا شاء، يعلم كما يعلم الله، وإذا شاء، يجهل كما يجهل الإنسان!! أو أنه كان يعلم كالله ويجهل كإنسان إنما حسب ضرورة الفداء، لأنه لمَّا تجسَّد لم يفقد شيئًا مما هو له كإله، ولا أخلَّ بما هو للإنسان. فلمَّا قال: «إن الابن لا يعلم هذا اليوم ولا تلك الساعة»، أثبت كمال ما هو لتجسُّده في حدود رسالة الفداء التي تنتهي عند ساعة الصليب، وليس عند ساعة الدينونة، ولكن جهله بساعة الدينونة باعتباره الذبيحة التي تتهيَّأ للموت على الصليب، يزيد من عظمة إخلائه لذاته، وهو كإله أُعطي كل الدينونة.

ولا يغيب عن بالنا قط، ونحن في هذا المضمار، أنَّ من دوافع التجسُّد الأصيلة قبول الجهالة التي للإنسان: «مولوداً من امرأة تحت الناموس»، حتى يستطيع أن يكمِّل الناموس، أي أن اتجاه التجسُّد هو إلى التواضع والتنازل إلى كل ما هو للإنسان، وليس التطلُّع إلى التفوُّق والامتياز الذي”للكلمة“، بالرغم من أنه استخدم هذا التفوُّق والامتياز الإلهي الذي للكلمة، الذي هو لاهوته، عند الضرورة في لحظات المصادرة أو لإثبات شخصيته والإعلان عن رسالته.

ويكرِّر أثناسيوس أنه في كل تصرُّف من هذا القبيل أو ذاك، إنما كان الدافع الوحيد هو: [من أجل منفعتنا]([3]) أو كما يضعها أثناسيوس في صيغتها اللاهوتية دائمًا هكذا: [من أجل التدبير]، قاصدًا تكميل العمل الخلاصي الذي تجسَّد من أجله.

فكما أن المسيح تجسَّد من أجل التدبير Economia، كذلك فإن جهله لليوم وللساعة الأخيرة هو من أجل التدبير سواء بسواء، لأن على قياس وغاية التجسُّد يتحتَّم فهم كل عمل وقول وتصرُّف أتاه المسيح، وكل تدبير هو -من جهة- يقوم على حجب اللاهوت في محدودية الناسوت، ومن جهة أخرى يقوم على استعلانه اللاهوت من داخل محدودية الناسوت، ولكن كلاًّ في موضعه، بحسب حدود دور الرسالة التي جاء يكمِّلها في طاعة الآب.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

 

المرجع

الأب متي المسكين – حياة أثناسيوس الرسول – القسم اللاهوتي – الفصل السادس – النظرة للمسيح كإنسان

Athanas., Discourse II. 6.

Athanas., Discourse III, 42-53.

N.P.N.F. Series II, vol. VI, p. 416

هل الابن لا يعلم اليوم والساعة ؟ شرح القديس اثناسيوس – دفاعيات

معنى التقليد المسلم عند آباء الكنيسة الأولى

معنى التقليد المسلم عند آباء الكنيسة الأولى

معنى التقليد المسلم عند آباء الكنيسة الأولى

معنى التقليد المسلم عند آباء الكنيسة الأولى

“لو لم يحرّكني سلطان الكنيسة الجامعة لما أمنت بالإنجيل”

(أوغسطين، ضد الرسائل المانيّة، 1، 1)

القديس فكنديوس والتقليد

كان قول القديس فكنديوس الليرنسي الشهير: “يجب أن نحفظ ما آمن الجميع به دائماً وفي كل مكان” (Commonitorium،2) ميزة رئيسة في موقف الكنيسة القديمة من الأمور الإِيمانيَّة. وهذا القول كان مقياساً مبدأ في الوقت نفسه. وكان التشديد الحاسم يقع هنا على استمرار التعليم المسيحي. والحق، أن القديس فكنديوس احتكم إلى “المسكونية” المزدوجة في الإيمان المسيحي -في المكان والزمان. فهذا الرؤية الكبيرة هي التي ألهمت القديس إيريناوس في أيامه: لقد انتشرت الكنيسة الواحدة في أرجاء العالم، لكنَّها تتكلَّم بصوت واحد وتحفظ الإيمان نفسه في كلّ مكان، كما سلَّمه الرسل الأطهار وحفظه وتعاقب الشهود، هذا الإيمان “الذي حُفظ في الكنيسة من أيام الرسل بواسطة تعاقب القسوس”.

هذان الوجهان للإيمان، بل بعدهما، لن ينفصلا، لأن “المسكونية” (universitas) و”القِدَم” (antiquitas) و”الإجماع في الرأي” (consensios) أمور متكاملة وليس أحد منها مقياساً صالحاً في حدِّ ذاته. لم يكن “القِدَم” في حدِّ ذاته ضمانة كافية للحقيقة إذا لم يثبِّته “الإجماع في الرأي” عند “القدماء”. و”الإجماع” في حد ذاته لم يكن باتّاً ما لم ترجع جذوره بشكل مستمر إلى الرسل. يقول القديس فكنديوس: نحن نعترف بالإيمان الحقيقي عن طريق الالتجاء إلى الكتاب المقدَّس والتقليد، “عن طريقين… أولاً عن طريق سلطان الكتاب المقدس، ومن ثمّ عن طريق تقليد الكنيسة الجامعة”.

لكن هذا الأمر لا يشير إلى وجود مصدرين للعقيدة المسيحية، لأن قانون الكتاب كان “تاماً” و”كافياً” في حدِّ ذاته ولأن “كل الأشياء (في الكتاب) كاملة وأكثر من كافية”. فماذا يجب أن يُكمَّل “بسلطان” آخر؟ ولماذا كان الرجوع إلى سلطان “الفهم الكنسي” ضرورياً؟ لقد كان السبب واضحاً وهو أن كلّ مسيحي شرع في تفسير الكتاب بشكل مختلف، “لدرجة أن المرء يكاد يصل إلى الانطباع بأن هناك معاني مختلفة بمقدار عدد الناس”.

ولذلك قاوم القديس فكنديوس تعدّد الأفكار “الخاصة” بفكر الكنيسة “الواحد”، فكر الكنيسة الجامعة، فقال إنه يجب أن “نوجِّه تفسير كتب الأنبياء والكتابات الرسولية وفق قاعدة التفسير الكنسي الجامع”. فلم يكن للتقليد عنده وجود مستقل، ولم يكن مصدراً مكمِّلاً للإيمان. “فالفهم الكنسي” لا يضيف شيئاً إلى الكتاب المقدَّس، لكنه كان الوسيلة الواحدة للتحقق من المعنى الصحيح للكتاب ولكشفه. كان التقليد التفسير الموثوق به، وبهذا المعنى يمتد امتداد الكتاب. وكان التقليد “الكتاب المفهوم بشكل صحيح”. وكان الكتاب، عند القديس فكنديوس، القانون الأوحد والرئيسي والنهائي للحقيقة المسيحية (Commonitoriun الإصحاح 2 و28).

المسألة التفسيرية في الكنيسة القديمة

في هذا المجال وافق القديس فكنديوس كلياً التقليد القائم في الكنيسة. فعبارة القديس إيلاريون واتيه الرائعة التي تقول : “إن الكتاب ليس في قراءته، بل في فهمه” (إلى كونستانس، 2، 9، مجموعة الآباء اللاتين، مين 10، 570) كرَّرها القديس إيرونيموس “جيروم” (الحوار ضد لوكيفاروس، 28، مجموعة الآباء اللاتين مين 23، 190-191). ولقد ظلّت مشكلة التفسير الصحيح للكتاب المقدس حادّة حتى القرن الرابع أثناء صراع الكنيسة مع الآريوسيين، وما خفَّت حدَّتها عماّ كانت عليه في القرن الثاني أثناء مقاومة العرفانيين والصباليوسيين والمونتانيين.

فكلّ أطراف النزاع احتكمت إلى الكتاب، حتى إن الهراطقة والعرافايين والمانويين استشهدوا بفصوله وآياته واحتكوا إلى سلطانه. وكان التفسير في تلك الفترة أهمّ منهج لاهوتي ولعلَّه كان المنهج الأوحد، وكان سلطان الكتاب مطلقاً وسامياً. وكان الأرثوذكسيون يتّجهون إلى طرح السؤال التفسيري الحاسم: ما هو مبدأ تفسير الكتاب؟ لكنَّ لفظة “الكتاب المقدس” أشارت في القرن الثاني بصورة أساسية إلى العهد القديم، ولذلك اعترض مركيون (مرقيون) بقوة على سلطان أسفار العهد القديم رفض الاعتراف بها. بناء عليه أصبح برهان وحدة العهدين ضرورية. ما هو أساس الفهم المسيحي والخريستولوجي “للنبوءة”، أي للعهد القديم وما هو مبرِّره؟ ففي تلك الحقبة أُثير أولاً سلطان التقليد.

فالكتاب ينتمي إلى الكنيسة ولذلك يُفهم بشكل وافٍ ويُفسَّر بشكل صحيح فيها وضمن جماعة الإيمان القويم فقط. أمَّا الهراطقة، أي الذين خارج الكنيسة، فلم يملكوا مفتاح فكر الكتاب، لأنه لم يكن الاستشهاد بكلام الكتاب كافياً إذ يجب على الإنسان أن يَشرح معنى الكتاب الحقيقي والقصد منه بشكل كليّ وأن يُدرك مسبقاً نموذج الإِعلان الكتابي ومخطط عناية الله المخلِّصة. وهذا لن يتحقَّق إلاَّ بالرؤية الإيمانية. فبالإيمان كان “الإقرار بالمسيح” (Christiuszeugniss) في العهد القديم مفهوماً. فبالإيمان أُكِّدت بشكل صحيح وحدة الأناجيل ذات الأشكال الأربعة لكنَّ هذا الإيمان لم يكن تأملاً فردياً كيفياً، بل كان إيمان الكنيسة المتأصل في البشارة الرسولية وفي الكرازة (kerygma) أمَّا الذين خارج الكنيسة فتعوزهم هذه الرسالة الأساسية، التي هي قلب الإنجيل.

فالكتاب عندهم حرف ميت ومجموعة من النصوص والسير غير المترابطة. إنهم حاولوا ترتيبها وفق طريقتهم الخاصة التي استقوها من مصادر غريبة. فأتى إيمانها مختلفاً. هذه هي حجة ترتليان في مبحثه “معارضة الهرطقة” (De praescriptione). فهو لم يشأ أن يبحث الكتاب مع الهراطقة، إذ لا حقّ لهم في استعماله لأنه لا يخصّهم. الكتاب ملك الكنيسة. ولذلك أكّد ترتليان بشدة على أولوية “قانون الإيمان” (regula fidie) الذي هو المفتاح الأوحد لفهم معاني الكتاب. وهذا “القانون” كان رسولياً ومتأصّلاً في تعليم الرسل ومستمداً منه.

وصف تُرنير (C.H.Turner) بشكل صحيح معنى هذا الاحتكام إلى “قانون الإيمان” وغاية الرجوع إليه في الكنيسة الأولى، فقال: “عندما تحدَّث المسيحيون عن “قانون الإيمان”بكونه قانوناً “رسولياً”… لم يعنوا به أن الرسل اجتمعوا لصياغته… بل عنوا به أن الاعتراف بالإيمان الذي علَّمه الرسل وأودعوه تلاميذهم ليعلِّموه هم من بعدهم”. كان هذا الاعتراف هو هو في كل مكان، رغم أن أسلوب التعبير قد يتغيَّر من مكان إلى مكان وكان دوماً وثيق الصلة بدستور المعمودية. وخارج هذا “القانون” لا يمكن إلاَّ أن يفسَّر الكتاب تفسيراً خاطئاً.

فالكتاب والتقليد، عند ترتليان، متلازمان دون انفصال: “حيثما يتّضح التعليم المسيح الحقّ والإيمان المسيح القويم نجد الكتاب المقدَّس الحقيقي والتفسير القويم والتقليد المسيحي الحقيقي”. فتقليد الإيمان الرسولي كان المرشد الضروري لفهم الكتاب والضمانة الأساسية للتفسير الصحيح. لكنَّ الكنيسة لم تكن سلطة خارجية مهمتها أن تحكم على الكتاب، بل أن تحفظ الحقيقة الإلهية المودعة فيه. (E.Flesseman وأنظر مقدمة R.F.Refoulé وملاحظاته في كتاب”في المبادئ”).

القديس إيريناوس و”قانون الحقيقة”

عند دحض القديس إيريناوس سوء استعمال العرفانيين الغنوصيين للكتاب المقدَّس أورد تشبيهاً رائعاً، فقال: صنع فنَّان موهوب صورة جميلة لأحد الملوك من الجوهر الثمينة، لكنَّ شخصاً آخر فكَّ هذه الحجارة وأعاد ترتيبها بأسلوب آخر ليقدِّم صورة كلب وثعلب. ثم زعم أن هذه الصورة هي الصورة الأصلية التي صنعها الفنَّان الأول، وتعلَّل قائلاً إن الحجارة (أو الفسيفساء psiphides) أصلية. والحق أن التصميم الأصلي قد تهدَّم و “صاع نموذج الإنسان الموضوع”. هذا بالضبط ما يفعله الهراطقة بالكتاب المقدس.

فهم يتجاهلون ويمزِّقون “الترابط والترتيب” الموجودين في الكتاب المقدس، “ويقطعون أوصال الحقيقة”. إن كلماتهم وتعابيرهم وأمثالهم أصيلة، لكنَّ قياسهم (أو تصميمهم) (hypothesis) كيفيّ وخاطئ (ضد الهرطقة 1، 8، 1). ثمّ أورد هذا القديس تشبيهاً آخر. كانت مختارات من شعر هوميروس متداولة في تلك الأيام، لكنها استخدمت جزافاً وبعيداً عن سياقها وأُعيد ترتيبها بشكل كيفيّ. فكانت الأبيات كلُّها هوميروسية، لكنَّ القصة الجديدة التي اخترعها الناس بسبب إعادة ترتيب الأبيات لم تعد هوميروسية أبداً.

وكذلك ينخدع الإنسان بسهولة بهذا الأسلوب الذي يبدوا هوميروسياً (1، 9، 4). ويجدر بنا أن نشير إلى أن ترتليان ذكر أيضاً هذه المختارات الشعرية (centones) من أبيات هوميروسية وفرجيلية (معارضة الهراطقة 39). ويبدو أن هذا الأسلوب كان مألوفاً في الأدب الدفاعي آنذاك. أمَّا النقطة التي أراد القديس إيريناوس أن يوضحها فهي أن للكتاب نموذجه وبنيته الداخلية وتآلفه، لكنَّ الهراطقة ينكرون هذا النموذج وبالأحرى يستبدلونه بنموذجهم الخاص. وبكلام آخر، إنهم يعيدون ترتيب الشواهد الكتابية على أسس غريبة عن الكتاب نفسه.

فأكد القديس إيريناوس أن الذين يحفظون بقوة “قانون الحقّ” الذي تسلَّموه في المعمودية لن يجدوا صعوبة في “إعادة كلّ عبارة إلى مكانها الصحيح”، ولن يعجزوا عن مشاهدة الصورة الحقيقية. إن العبارة الواقعية التي استعملها القديس إيريناوس فريدة وخاصة به وهي “الملائم لجسم الحقيقة” (prosarmosas tis alithias somation) وترجمتها اللاتينية القديمة غير المتقنة: (corpusculum veritatis) أمَّا معناها فواضح جداً، لأن لفظة (Somation) “جسم” ليس تصغيراً، بل تشير إلى “الجسم” (corpus) إلى السياق الصحيح والبنية الأصلية و”الصورة الصحيحة” والترتيب الأولى للحجارة (أو الفسيفساء) والأبيات. ولذلك يجب أن يرشدنا “قانون” الإيمان، في رأيه، إلى قراءة الكتاب المقدَّس، لأن المؤمنين يلتزمونه باعترافهم به في المعمودية، ولأن هوية الرسالة الأساسية و”حقيقة” الكتاب تعيّنان به بصورة صحيحة.

أم العبارة الفضَّلة لدى القديس إيريناوس فكانت “قانون الحقّ” (Kanon tis alitheias، Regula veritatis). والواقع أن هذا “القانون” لم يكن سوى شهادة الرسل وكرازتهم وبشارتهم، التي “أودعت” في الكنيسة وعُهد بها إليها من الرسل وحُفظت بصدق وسُلِّمت بإجماع عام في كلّ الأمكنة عبر تعاقب الرعاة “الذين تسلَّموا موهبة الحقيقة الثابتة إلى جانب التعاقب الرسولي”. ومهما كان المدلول الدقيق والمباشر لهذه العبارة التي تزخر بالمعاني (أكد البعض أن “موهبة الحقيقة” كانت العقيدة الرسولية الحقيقة الرسولية في الإعلان الإلهي، حتى أن إيريناوس لم يشر إلى أية موهبة كهنوتية خاصة بالأساقفة. راجع Karl Müller) فلن يعترينا الشك في أن هذه الحفظ الدائم للإيمان المودَع ونقله تحققا، عند القديس إيريناوس، بحضور الروح القدس في الكنيسة. لقد كان مفهوم الكنيسة عنده قائماً على “المواهب” و”المؤسسة” بآن واحد.

وكان “التقليد”، في مفهومه، “وديعة حيَّة” (Juvenescens depositum) أعطيت للكنيسة لتكون نسمة جديدة للحياة، مثل نسمة الحياة التي أُسبغت على الإنسان الأول (aspiration plasmationis quemadmodum 1، 24، 3). والأساقفة وو “القسوس” كانوا حرَّاساً مفوَّضين في الكنيسة وخدَّاماً للحقيقة التي أُدعت فيها. “حيثما تودع posita sunt” مواهب (charismata) الرب يحسن تعلّم الحقيقة ممن عندهم التعاقب الكنسي الآتي من الرسل (successio apud quos est ea quae est ab apostolis ecclesiae) وممن عندهم التصرف اللائق الذي لا عيب فيه وممن ينطقون بكلام طاهر لا غش فيه. فهؤلاء يحفظون أيضاً إيماننا هذا بالإله الواحد الذي خلق كلّ شيء، ويكثرون محبتنا لابن الله الذي أتمَّ تدبيراً عظيماً كهذا من أجلنا، ويفسرون لنا الكتاب من دون خطر ولا يجدِّفون على الله ولا يزدرون البطاركة ولا يحتقرون الأنبياء” (5، 26، 4).

قانون الإيمان (Regula fidei)

كان التقليد في الكنيسة الأولى مبدأ تفسيرياً ومنهجاً تفسيرياً أيضاً، لأننا لا نقدر أن نفهم الكتاب فهماً صحيحاً وكاملاً إلاَّ على ضوء التقليد الرسولي الحيّ وفي إطاره. وهذا التقليد كان عاملاً أساسياً في الوجود المسيحي، لا لأنه يقدر أن يضيف شيئاً إلى ما أعلن في الكتاب،  بل لأن يزوِّد بالإطار الحيّ وبالمنظور الواسع اللذين يُكتشف ويُفهم بهما “القصد”  الحقيقي من الكتاب والإعلان الإلهي و”تصميمهما” الكامل.

كانت الحقيقة عند القديس إيريناوس “منهجاً راسخ الأساس” و”جسماً حيّاً” (corpus) (ضد الهراطقة 2، 27، 1) “ولحناً متآلف النغمات” (3، 38، 2). لكننا لا ندرك هذا “التآلف” إلاَّ بالرؤية الإيمانية. الحق، أن التقليد لم يكن مجرَّد نقل لعقائد متوارثة “على الطريقة اليهودية”، بل كان الحياة المستمرة في الحقيقة (5). ولم يكن قلباً بلا حراك ومُركباً من القضايا الملزمة، بل كان تبصرا في معنى الأحداث المعلَنة وتأثيرها في كشف “الإله الفاعل”.لقد كان هذا الأمر حاسماً في حقل التفسير الكتابي.

إن ج.ل.برستيج   أحسن في قوله: “إن صوت الكتاب يُسمع بوضوح إذا ما فُسِّرت نصوصه برؤية واسعة وبطريقة منطقية وباتفاق مع الإيمان الرسولي ومع دليل الممارسة التاريخيَّة للمسيحية. فالهراطقة هم الذين عوَّلوا على نصوص منعزلة والمسيحيون الأصيلون تنبَّهوا أكثر من المبادئ الكتابية”. وعندما لخَّصت الدكتورة إلين فليسيمانفان لير تحليلها الدقيق لاستعمال التقليد في الكنيسة الأولى، قالت: “إن الكتاب من دون تفسير ليس كتاباً على الإطلاق، وعندما نستخدمه ويصير حياًّ يكون كتاباً مفسَّراً”. فيجب أن نفسِّر الكتاب وفقاً “لمضمونه الأساسي” المعلَن في “قانون الإيمان” (Regula fidei). وهكذا يكون هذا “القانون” مَثَلاً يوجّه تفسير الكتاب. “فالتفسير الحقيقي للكتاب هو التقليد وبشارة الكنيسة”

القديس أثناسيوس و”غاية الإيمان”

في القرن الرابع لم تتبدَّل الأحوال، لأن الصراع مع الآريوسيين دار أيضاً حول مسألة تفسير الكتاب، على الأقل في المرحلة الأولى من هذا الصراع. فجاء الآريوسيون وأنصارهم بمجموعة كبيرة من النصوص الكتابية ليدافعوا عن موقفهم العقيدي، وأرادوا حصر البحث اللاهوتي في المجال الكتابي وحده. ولذلك كانت مواجهتهم في هذا الإطار ضرورية في بادئ الأمر.

ومهجهم التفسيري أي طريقة معالجتهم للنص، كان مطابقاً لمنهج الذين انشقوا عن الكنيسة في القرون الأولى. فهم اهتموا بالنصوص التي اختاروها لتأييد موقفهم، من غير أن يلتفتوا إلى السياق العام للإعلان. ولذلك اضطر الأرثوذكسيون إلى الاحتكام إلى فكر الكنيسة، إلى “الإيمان” الذي أُعلن مرة وحُفظ بصدق. وهذا كان اهتمام القديس أثناسيوس الأساسي ومنهجه الاعتيادي.

لقد استشهد الآريوسيون بمقاطع كثيرة من الكتاب ليقيموا الدليل على ما ناضلوا من أجله وهو أن المخلِّص مخلوق. في جواب القديس أثناسيوس كان الاحتكام إلى “قانون الإيمان” واضحاً في قوله: “لنصلح، نحن الذين اقتنينا غاية الإيمان (to Skopon tis pisteos) المعنى الصحيح (orthisn tin dianian) لما فسَّروه بشكل خاطئ” (ضد الأريوسيين 3، 35). وأكَّد القديس أثناسيوس أن التفسير “الصحيح” لنصوص معيَّنة يصبح ممكناً من خلال المنظور الإيماني كله فقط: “ما يتعلَّلون به من الأناجيل يفِّسرونه بشكل خاطئ، إذا ما قبلنا نحن المسيحيين غاية الإيمان (Himas tous christianous pisteos ton skopon tis Kath) وقرأنا الكتاب مستعملين هذه الغاية قانوناً (osper Kanoni chrisameni)”.

من جهة ثانية يجب أن نهتمّ اهتماماً شديداً بالسياق المباشر لكلّ جملة وتعبير وبإبراز قصد الكاتب الصحيح بدقة (1، 54). وعندما كتب القديس أثناسيوس إلى الأسقف سرابيون عن الروح القدس أكَّد له أن الآريوسيين يجهلون “غاية الكتاب المقدس” (إلى سرابيون 2، 7 وإلى أساقفة مصر، 4) “لأنهم يهتمون بما يُقال ويتجاهلون معناه”. كانت لفظة (skopos) “لغاية” عند أثناسيوس موازنة لفظة (hypothesis) عند إيريناوس للإشارة إلى “الفكرة” الأساسية والتصميم الصحيح والمعنى المقصود (راجع Guido Müller، lexicon Athanasianum) وكانت لفظة (skopos) مألوفة في اللغة التفسيرية عند عدد من المدارس الفلسفية، وخاصة عند الأفلاطونية الحديثة.

إن التفسير قام بدورٍ كبير في المحاولات الفلسفية في ذلك الوقت ولذلك كان إثارة السؤال عن المبدأ التفسيري ضرورياً. فالفيلسوف إيامفليخوس كان نموذجياً في هذه النقطة. لقد كان من واجب الإنسان أن يكتشف “النقطة الرئيسية” والموضوع الأساسي في البحث الذي يدرسه وأن يحفظها في ذهنه دائماً (9). ومن الجائز أن يكون القديس أثناسيوس ملماً بالاستخدام التقني لهذه اللفظة، ولذلك أكَّد أن الاستشهاد بفصول ومقاطع معزولة من الكتاب المقدَّس بعيداً عن قصد الكتاب الإجمالي أمر مضلِّل. ونخطئ إذا فسَّرنا لفظة (skopos) عند أثناسيوس بأنها “المعنى العام” للكتاب. “فغاية”  الإيمان و “غاية”  الكتاب هي الفحوى العقيدي الموجود بكثافة في “قانون الإيمان”، كما حفظته الكنيسة وكما “انتقال من “أب إلى أب” في وقت لا نجد فيه “آباء” عند الآريوسيين (في قوانين مجمع نيقية، 27)”.

ولاحظ الكاردينال نيومان (Newman) أن القديس أثناسيوس عدَّ “قانون الإيمان” المبدأ الأسمى للتفسير و”عارض أفكار الهراطقة الخاصة في طريق الفكر الكنسي” (ضد الآريوسيين 1، 44). فكان يوجز المرة تلو المرة معتقدات الإيمان المسيحي الأساسية عند تدقيقه في الحجج الآريوسية قبل أن يمتحن النصوص التي يتعللون بها في براهينهم، حتى يعيد النصوص إلى منظورها الصحيح، أمَّا تُرنير (H.E.W.Turner) فوضف طريقة أثناسيوس التفسيرية فقال : “أصرَّ (أثناسيوس) على اتخاذ مرمى إيمان الكنيسة العام قانوناً للتفسير ضد التقنية الآريوسية المفضَّلة التي يؤكد المعنى المنطبق على قواعد اللغة من غير أن تنظر إلى سياق الكلام وإلى الإطار العام لتعليم الكتاب بكلِّيته.

فتعامى الآريوسيون عن المدى الواسع الذي يتمتع به اللاهوت الكتابي. ولذلك اخفقوا في النظر إلى سياق الكلام الذي تقع فيه نصوصهم الإثباتية. فيجب أن يُحسب معنى الكتاب نفسه كتاباً (مقدَّساً). وهذا المبدأ عُدَّ تخلِّياً عن الاحتكام إلى الكتاب واستبداله ببرهان مأخوذ من التقليد. ومن الأكيد أنه اذا وُضع في أيدِ لا تحرص عليه، فإنه يؤدي إلى تقييد كليّ للكتاب المقدس، كما حاولت عَقَديّة (دوغماتيّة) الآريوسيين والعرفانيين أن تفعل. ولكن هذا الأمر لم يكن قصد القديس أثناسيوس نفسه، الذي حسب الاحتكام إلى التقليد انتقالاً من تفسير ثمِل إلى تفسير صاح، ومن تشديد حرفي قصير النظر إلى معنى غاية الكتاب”

ولكن يبدو أن البروفسور تُرنير (Turner) ضخم الخطر، لأن. البرهان كان كتابياً، فالقديس أثناسيوس قبل مبدئياً كفاية الكتاب المقدس الموحى به للدفاع عن الحقيقة (ضد الوثنيين 1). إن الكتاب يجب تفسير في إطار التقليد الإيماني الحيّ، بتوجيه من “قانون الإيمان”. أمَّا هذا “القانون” فلم يكن أبداً سلطة “غريبة” “تُفرض” على الكتاب المقدس. فهو “البشارة الرسولية” نفسها، المدوَّنة باختصار (in epitome) في أسفار العهد الجديد.

كتب القديس أثناسيوس إلى الأسقف سرابيون : “لننظرنّ إلى تقليد الكنيسة الجامعة وتعليمها وإيمانها، الذي أعطاه الرب وبشَّر به الرسل وحفظه الآباء، لأن الكنيسة أسِّست عليه” (إلى سرابيون 1، 28). هذا المقطع هو من ميزات القديس أثناسيوس، فهناك ثلاث ألفاظ متطابقة فيه “التقليد” (Paradosis) هو من المسيح نفسه، و”التعليم” (Didascalia) هو بواسطة الرسل، و”الإيمان” (Pistis) هو من الكنيسة الجامعة. وهذا هو أساس الكنيسة -الأساس الأوحد والفريد (12). الكتاب نفسه ينتمي إلى هذا “التقليد” الذي يأتي من الرب. وفي الفصل الختامي من رسالته الأولى إلى سرابيون يعود القديس أثناسيوس مرة ثانية إلى النقطة نفسها فيقول: “إنني سلَّمت التقليد وفق الإيمان الرسولي الذي تسلَّمته من الآباء، من غير أن أبتدع شيئاً من الخارج. فسلّمته مثلما تعلّمته من الكتب المقدسة” (1، 33).

وأشار مرة القديس أثناسيوس إلى الكتاب نفسه هو “التقليد” (paradosis) رسولي (إلى أدلفيون 6). والشيء المميَّز هو أنه لم يذكر أبداً لفظة التقليد بصبغة الجمع في نقاشه مع الآريوسيين. فكان يرجع دائماً إلى لفظة “تقليد” – أي “التقليد”، التقليد الرسولي، الذي يحوي كلّ فحوى البشارة الرسولية، والذي كان موجزاً في “قانون الإيمان”. وكانت وحدة التقليد وتماسكه النقطة الأساسية والحاسمة في كلّ البرهان الذي قدَّمه.

هدف التفسير و”قانون العبادة”

كان الاحتكام إلى التقليد احتكاماً إلى فكر الكنيسة، لأنه افتُرض أن الكنيسة كانت تملك معرفة الحقيقة وفهمها، إي حقيقة الإعلان و”معناه”. فالكنيسة كان عندها السلطان لنشر الإنجيل وتفسيره. لكن هذا لا يدلّ على أن الكنيسة كانت “فوق” الكتاب، فهي كانت تقف بجانبه مؤيِّدة إياه من دون أن تتقيَّد “بحرفه”. فالهدف الأول للتفسير كان في إظهار معنى الكتاب المقدس وغايته وبالأحرى معنى الإعلان و”تاريخ الخلاص” (Heilsgeschichte). كان واجب الكنيسة أن تبشِّر بالمسيح لا “بالكتاب” فقط.

ولذلك لا نقدر أن نفهم استعمال التقليد في الكنيسة القديمة بشكل صحيح إلاَّ في إطار الاستعمال الفعلي للكتاب. فالكلمة حُفظت بشكل حيّ في الكنيسة فانعكست على حياتها وبنيتها، لأن الإيمان والحياة تلاحما عضوياً. ويحسن أن نذكر في هذا المجال مقطعاً شهيراً من “النعمة الإلهية” (de gratia Dei Indiculus) المنسوب خطأً إلى البابا كلستينوس، لأن وضعه الحقيقي هو القديس بروسبر من أكويتانيا : “هذه هي قرارات الكرسي الرسولي المقدس التي لا يمكن نقدها، والتي قضى بها آباؤنا على الابتداع المهلك… لننظر إلى الصلوات المقدسة التي يرفعها كهنتنا بتماثل في كل كنيسة جامعة في العالم كلّه وفقاً للتقليد الرسولي. وليؤكد قانون العبادة قانون الإيمان”.

ويصحّ القول أن هذه العبارة في سياقها المباشر لم تكن صبغة لمبدأ عام، لأن القصد المباشر منها كان محصوراً في نقطة أساسية واحدة وهي أن معمودية الأطفال شاهد يدلّ على حقيقة الخطيئة الجدية. والحق أنه ما كان إعلاناً بابوياً جازماً، بل رأي خاص للاهوتي صرح به في جو من الصراع الحار. لكن لم تؤخذ هذه العبارة خارج سياقها المباشر ولم تغيَّر قليلاً، غفو ونتيجة لسؤ فهم، لتعبر عن المبدأ التالي: “يجب أن يبنى قانون العبادة قانون الإيمان” (crededi statuat lex orandi ut legem). “فالإيمان” وجد تعبيره الأول في الصِيغ الليتوجية والأسرارية والطقسية، و”دساتير الإيمان” برزت أولاً كجزء أساسي من خدمة إدخال المؤمنين الجدد إلى الكنيسة. يقول كيلي (J.N.D.Kelly): “إن الملخصات العقيدية الخاصة بالإيمان، تصريحيَّة كانت أم استفهامية، هي حصيلة الليتوجيا، ولذلك عكست ثباته وطواعيتها”. لقد كانت “الليتورجيا” بمعناها الواسع الشامل القاعدة الأولى للتقليد الكنيسي. أمَّا البرهان الواسع الشامل القاعدة الأولى للتقليد الكنسي.

أمَّا البرهان المتخذ من “قانون الصلاة” (Lex orandi) فكان يُستخدم دائماً في النقاشات التي دارت في أواخر القرن الثاني. فعبادة الكنيسة كانت تعبيراً احتفالياً عن إيمانها. ولعلَّ استدعاء اسم الله في المعمودية كان الصبغة الثالوثية المبكِّرة، مثلما كان سرّ الشكر الشاهد الأول لسرّ الخلاص في مثله. والعهد الجديد نفسه برز إلى حيِّز الوجود “ككتاب مقدس” في الكنيسة المصلية، لأنه كان يُقرأ أولاً في جو العبادة والتأمل.

القديس باسيليوس و”التقليد غير المدوَّن”

اعتاد القديس إيريناوس أن يرجع دائماً إلى “الإيمان” كما سُلّم في المعمودية. وكان ترتليان والقديس كبريان يستخدمان البراهين الليتورجية. والقديس  أثناسيوس والكبادوكيون استخدموا البرهان نفسه. لكن توسيع هذا البرهان القائم على التقليد الليتورجي نجده عند القديس باسيليوس. ففي مواجهته للآريوسيين بصدد الروح القدس بنى برهانه الأساسي على تحليله للمجدلات كما كانت تُستخدم في الكنائس. وكتابه “في الروح القدس” دوِّن بشكل اقتضائي، أي في نار الصراع اليائس، فخاطب ظرفاً تاريخياً خاصاً، لكنه عُني بمبادئ البحث اللاهوتي ومناهجه.

في مبحثه هذا سعى القديس باسيليوس إلى البرهنة على نقطة حاسمة في عقيدة الثالوث الأقدس وهي مساواة الروح القدس في القيمة والكرامة (Homotimia) للأقنومين الأخرين. أمَّا مرجعه الأساسي فكان الشهادة الليتورجية في أي المجادلة التي تحوي عبارة “مع الروح” والتي برهن أنها استُخدمت كثيراً في الكنائس. هذه العبارة غير موجدة في الكتاب المقدس لكنَّ التقليد صدَّق عليها.

أمَّا أخصامه فلم يقبلوا إلاَّ بسلطان الكتاب المقدس، ولذلك حاول أن يبرهن شرعية الاحتكام إلى التقليد. فهو أراد أن يثبت مساواة الروح القدس في القيمة والكرامة، أي ألوهيته التي آمنت بها الكنيسة دائماً والتي كانت جزءاً من الاعتراف بالإيمان أثناء المعمودية. وكما أشار بحق الأب ب. بروش (Benoit Pruche)، كانت لفظة (homotimos)، عند القديس باسيليوس، معادلة للفظة “الواحد في الجوهر” (homoousios). ولم يكن هناك الكثير من الجدة في هذا المفهوم للتقليد، إذا استثنينا الدقة واتساق الكلام. ولكنَّ للعبارة ميزة خاصة. يقول : “إن العقائد والتعاليم التي حُفظت في الكنيسة حصلنا على بعض منها من التعليم المكتوب وعلى بعض الآخر في سرّ (en mystirio) سُلّم إلينا من تقليد الرسل. ولهما نفس الفاعلية بالنسبة إلى التقوى”  (في الروح القدس 66).

يظن المرء في النظرة الأولى أن القديس باسيليوس أدخل هنا سلطتين وقاعدتين أي الكتاب والتقليد. والحق، أنه كان بعيداً كلّ البعد عن هذا الأمر، لأن استخدامه للألفاظ كان خاصاً. فلفظة (kerygmata) تشير عنده إلى ما يسمَّى اليوم “بالعقائد” أي التعليم الرسمي الذي يُعتمد عليه في أمور الإيمان، والتعليم العلني. ولفظة (domata) كانت عنده مجموعة الأعراف و”العادات غير المدوَّنة” وبنية الحياة الليتورجية والأسرارية. لا ننسى مفهوم لفظة (dogma) لم يكن ثابتاً وأن هذه اللفظة لم تكن قد أخذت مدلولاً ثابتاً ودقيقاً في أيامه. في أي حال يجب أن لا نرتبك في رأي القديس باسيليوس الذي يقول إن الـ (dogmata) سلَّمها الرسل “في سرّ” (en mystirion).

ونخطئ إذا ترجمناها بلفظة “الخفية”. فالترجمة الصحيحة هي “عن طريق الأسرار”، أي تحت شكل الاستخدامات الليتورجية والطقوس و”العادات” الليتورجية. هذا ما قاله بالضبط باسيليوس الكبير نفسه عندما كتب أن “معظم الأسرار وصلتنا بطريقة غير مكتوبة”. أمَّا لفظة “الأسرار” (ta mystica) فتشير هنا بالتأكيد إلى سرَّي المعمودية والشكر الذين يرجعان، في رأي القديس باسيليوس، إلى أصل “رسولي”. في هذا الصدد يستشهد باسيليوس بالرسول بولس عندما يذكر “التسليم” التي تسلَّمها المؤمنون “مشافهة وكتابةً إليهم” (2 تسا2 : 15، كور 11: 2). فالمجدلة التي تحدثنا عنها هي الواحدة من هذه “التقاليد” (71، أنظر أيضاً 66): “شرع الرسل والآباء منذ البدء في الاهتمام بكل ما يختص بالكنائس، فحفظوا في السّر والصمت هيبة الأسرار”).

والحق، أن كل المقاطع التي يستشهد بها القديس باسيليوس في هذا المجال لها طبيعة ليتورجية وطقسية، كرسم إشارة الصليب في خدمة قبول الموعوظين والاتجاه إلى الشرق أثناء الصلاة، وعادة الوقوف المستمر أثناء صلاة الآحاد، واستدعاء الروح القدس في القداس الإلهي، وتبريك الماء والزيت، ورفض الشيطان وكلّ مجده، والتغطيس في الماء ثلاث مرَّات في خدمة المعمودية. ويقول باسيليوس إن هناك العديد من “أسرار الكنيسة غير المدوَّنة” (66 و67) لم تُذكر في الكتاب، لكنها ذات أهمية وسلطة كبيرتين،  وهي وسائل ضرورية للشهادة والاتحاد وأمور لا بدَّ منها لحفظ الإيمان الصحيح، وتأتي، كما يشير، من التقليد “الصامت” و”الخاص” : “من التقليد الصامت والصوفي ومن التعليم الذي لا يُعلن ولا يُقال”.

لم يكن هذا التقليد “الصامت والسرّي (mystical) وغير المعلَن”  عقيدة باطنية مخصَّصة للنخبة، لأن “النُخبة” كانت الكنيسة. “فالتقليد” الذي يحتكم إليه القديس باسيليوس هو الممارسة الليتورجية في الكنيسة. إن القديس باسيليوس يلجأ هنا إلى ما نسمِّيه اليوم “نظام الكتمان” (disciplina aracni) الذي كان سائداً في القرن الرابع والذي دافعت عنه الكنيسة ودعمته. فكان ذا صلة بتأسيس رتبة الموعوظين وذا هدف تعليمي وتثقيفي. وهناك، على حدّ قول القديس باسيليوس، بعض “التقاليد” التي يجب أن تُحفظ بشكل “غير مدوَّن” لئلا تدنسها أيادي الهراطقة. هذه الإشارة تعود بوضوح إلى الطقوس والممارسات، ويجب أن نذكِّر هنا أن “دستور الإيمان” و”الصلاة الربَّانية” كانا في القرن الرابع جزئين من “نظام الكتمان” هذا، وأنه لم يكن جائزاً أن يعرضا لمن هم خارج الإيمان. كان دستور الإيمان مدخَّراً للذين يقبلون إلى المعمودية، في آخر مرحلة التعليم، أي بعد أن توافق الكنيسة عليهم وتدرجهم بكل إجلال في عداد “المستعدِّين للاستنارة”.

وكان الأسقف يقوم “بنقل” دستور الإيمان إليهم مشافهة، وكانوا هم يتلونه غيباً أمامه في خدمة “نقل” (traditio) و”ترداد دستور الإيمان” (redditio symboli). وكان يحثّ الموعوظين على عدم إفشاء دستور الإيمان لغير المؤمنين وعلى عدم تدوينه. فهو يجب أن يُحفر في قلوبهم. وهنا يكفي أن نستشهد “بمقدمة التعليم الديني” (Procatechesis) للقديس كيرلّس الأورشليمي في الفصلين 12و 17. وفي الغرب أيضاً أحسَّ روفينوس وأغوسطين بأنه لا يليق بالمسيحيين أن يدونوا دستور الإيمان على الورق.

ولذلك لم يذكر سوزمنوس في تاريخه نص الدستور النيقاوي “الذي كان يحق للمتنصرين وللمسارين (mystagogues) تلاوته وسماعه” (التاريخ الكنسي 1: 20). أمام هذه الخلفية وضمن هذا المحتوى التاريخي يجب أن نقوِّم ونفسر برهان القديس باسيليوس. فهذا أكد بقوة أهمية الاعتراف بالإيمان في المعمودية، الذي يتضمن التزام الإيمان بالثالوث الأقداس، الآب والابن والروح القدس (67 و26). كان هذا الاعتراف “تقليداً” يُسلم “في سرّ” إلى الذين تنصروا حديثاً ويُحفظ “بصمت”. ويتعرض المرء إلى خطر زعزعة “أساس الإيمان بالمسيح” إذا رفض وتجاهل هذا “التقليد غير المكتوب” (25).

فالفارق الأوحد بين العقيدة (dogma) و”التعليم” (kerygma) كان في طريقة نقلها: العقيدة تُحفظ “بصمت” أمَّا التعاليم “فتُنشر وتُعلن”. لكنَّ هدفها واحد، لأنهما يقدمان الإيمان نفسه ولو بطرق مختلفة. لكن هذه العادة الخاصة لم تكن مجرد تقاليد الآباء – لأن تقليداً كهذا لا يكون كافياً. فالآباء استقوا مبادئهم من “قصد الكتاب وغايته”. “إنهم اتبعوا رأي الكتاب واستقوا مبادئهم من شواهده”. إذن، لا يضيف “التقليد غير المكتوب” في طقوسه ورموزه، شيئاً إلى محتوى الإيمان الكتابي: فهو يكتفي بالتركيز على الإيمان في بعده المحرقي.

كان احتكام القديس باسيليوس إلى “التقليد غير المكتوب” احتكاماً إلى إيمان الكنيسة وإلى “المعنى الجامع” (sensus catholicus) وإلى “الفكر الكنسي”. لذلك اضطر إلى أن يزيل المأزق الذي خلقه أعداؤه الآريوسيون، الضيِّقو الأفق والمتمسكون تمسكاً كاذباً بحرف الكتاب المقدس. فرد على زعمهم قائلاً اننا لا نقدر أن نفهم قصد الكتاب وتعليمه بعيداً عن قانون الإيمان “غير المكتوب”. لقد كان القديس باسيليوس كتابياً في لاهوته بكلّ ما في الكلمة من معنى. فالكتاب عنده كان المقياس الأسمى للعقيدة (الرسالة 189، 3).

وتفسيره للكتاب كان رصيناً ومتَّزناً. إن الكتاب نفسه سر “للتدبير” الإلهي وسر للخلاص الإنساني، عمقه لا يُسبر غوره، لأنه كتاب “مُلهَم”، كتاب من الروح القدس. ولذلك يجب أن يكون تفسيره الصحيح روحياً ونبوياً. فموهبة التمييز الروحي ضرورية لفهم صحيح للكلمة المقدسة، “لأن ناقد الكلمات يجب أن ينطلق من الإستعداد الذي ينطلق منه المؤلف نفسه… وأرى أنه من المستحيل على كلّ إنسان أن يأخذ على نفسه التدقيق في كلمات الرب، ما لم يملك الروح الذي يهب قوة التمييز” (الرسالة 204).

ويُعطَى الروح في أسرار الكنيسة، لذلك يجب أن يُقرأ الكتاب تحت ضوء الإيمان وسط جماعة المؤمنين. ولهذا السبب كان تقليد الإيمان، كما سُلِّم من جيل إلى جيل، بالنسبة للقديس باسيليوس، المرشد الضروري والدليل في دراسة الكتاب المقدس وتفسيره. إذن حذا القديس باسيليوس حذو القديس إيريناوس وأثناسيوس في هذا المجال. وكذلك أغسطين استخدم التقليد بطريقة مشابهة ولا سيما الشاهد الليتورجي.

الكنيسة مفسِّر للكتاب

كان للكنيسة سلطان تفسير الكتاب، لأنها المستودع الحقيقي الأوحد للتعليم الرسولي (Kerygma). فهذا التعليم حُفظ بطريقة حية في الكنيسة، لأن الروح أعطي لها. والكنيسة كانت تعلِّم “مشافهة” (viva voca) مودعة كلمة الله وموطدة إياها في النفوس “فصوت الإنجيل الحيّ” (viva vox Evangelu) لم يكن مجرد تلاوة لكلمات الكتاب، بل كان إعلاناً لكلمة الله كما سُمعت وحُفظت في الكنيسة بقوة الروح الذي يفعل فيها دائماً ويحييها. أمَّا خارج الكنيسة وخارج خدمتها الكهنوتية القانونية “المتعاقبة” من أيام الرسل فلم يتمّ إعلان صحيح للإنجيل ولا تبشير قويم ولا فهم حقيقي لكلمة الله. إذن إن التفتيش عن الحقيقة في مكان آخر، أي خارج الكنيسة الجامعة الرسولية، سيكون بلا فائدة. هذا كان الإيمان المشترك في الكنيسة القديمة، من أيام القديس إيريناوس وحتى مجمع خلقيدونية وما بعده.

فالقديس إيريناوس كان نوذجياً في هذا المضمار، لأن الرسل، في رأيه، هم الذين حملوا ملء الحقيقة في الكنيسة : “فكل ما يتصل بالحقيقة أودع في أيديهم بأكثر وفرة” (ضد الهراطقة 3، 4، 1). والحق، أن الكتاب ألَّف القسم الأكبر من هذه “الوديعة” الرسولية، مثلما ألَّفت الكنيسة. فالكنيسة والكتاب لا ينفصلان ولا يتناقضان. فالكتاب، أي فهمه الصحيح، موجود في الكنيسة فقط، لأن الروح القدس يوجهها ويرشدها. ولذلك أكد أوريجنس وحدة الكنيسة والكتاب. وكانت مهمة المفسر، عنده، الإعلان عن كلمة الروح: “يجب أن ننتبه عندما نعلم لئلاّ نقدم تفسيرنا الخاص بدلاً من تفسير الروح القدس” (في تفسير رومية 1، 3، 1). هذا الأمر يبقى مستحيلاً خارج التقليد الرسولي المحفوظ في الكنيسة.

فأوريجنس شدد على التفسير “الجامع” للكتاب، كما هو مقدم في الكنيسة: “لنصغ في الكنيسة إلى كلمة الله التي تقدم على نحو جامع” (في تفسير اللاويين، العظة 4، 5). أما الهراطقة فيتجاهلون في تفسيرهن “قصد” الكتاب الحقيقي: “فالذين يقدمون كلام الله من دون أن يقرنوه بقصد الكتاب وبحقيقة الإيمان ويزرعون قمحاً ويحصدون شوكاً” (في تفسير إرميا العظة 7، 3). إن “قصد” الكتاب المقدس يرتبط بقوة “بقانون الإيمان”.

هذا هو موقف الآباء في القرن الرابع والقرون اللاحقة الذي ينسجم كلّياً مع تعليم الأقدمين. فالقديس إيرونيموس، رجل الكتاب العظيم، أورد الفكرة نفسها بأسلوبه القوي الحاد، فقال: “إن ماركيون وفاسيليدس وهراطقة آخرين… لا يملكون إنجيل الله، لأنهم لا يمكلون الروح القدس، الذي من دونه يصبح الإنجيل المبشَّر به إنسانياً. فنحن لا نعتبر أن الإنجيل (أي البشارة) يتألَّف من كلام الكتاب المقدس فغايته في معناه، لا في سطحه، في لبِّه وجوهره، لا في أوراق العظات، بل في أصل معناه. في هذا الحال يصحب الكتاب نافعاً حقاً للسامعين عندما يُبشَّر به مع المسيح وعندما يُقدم ويُعرض مع الآباء وعندما يُقدِّمه المبشِّرون به مع الروح… كبير هو خطر التكلم في الكنيسة، لأن التفسير المنحرف يحول إنجيل المسيح إلى إنجيل إنساني” (في تفسير غلاطية 1، 1، 2، مجموعة الآباء اللاتين، مين 26، 386).

نجد هنا الاهتمام نفسه بالفهم الصحيح لكلمة الله مثلما نجده في أيام إيريناوس وترتليان وأوريجنس. وبما كان إيرونيموس يقوم بإعادة صياغة كلام أوريجنس عندما قال إن “الإنجيل الإلهي” لا يوجد خارج الكنيسة، بل يوجد بديل إنساني منه. إننا لا نقدر أن نستقصي المعنى الحقيقي للكتاب (sensus Scripturae) أي الرسالة الإلهية، إلاَّ في ارتباطه بحقيقة الإيمان (veritatem juxta fidei)، وتحت توجيه قانون الإيمان. و”حقيقة الإيمان” (verias fidei) هي الاعتراف الإيماني بالثالوث. وهذه هي طريقة القديس باسيليوس. فالقديس إيرونيموس يتحدث هنا أولاً عن إعلان الكلمة في الكنيسة “لمن يصغي إليها” (andientibus utilis est)

أوغسطين والسلطان الجامع

بهذا المعنى يجب أن نفسر قول أوغسطين الشهير والمدهش حقاً : “لو لم يحركني سلطان الكنيسة الجامعة لما آمنت بالإنجيل” (V.f.epistolum fundaminti 6). يجب علينا أن نقرأ هذا العبارة ضمن سياقها. فأوغسطين لم ينطق بهذه العبارة بالأصالة عن نفسه، إنما بالأصالة عن الموقف الذي كان على المؤمن العادي أن يتخذه عندما يواجه الهراطقة، الذين يزعمون أنهم أصحاب السلطان. في هذا الحال، يليق بالمؤمن البسيط أن يحتكم إلى سلطان الكنيسة، التي تلقى فيها ومنها الإنجيل نفسه (أي البشارة) : “إنني آمنت بالإنجيل نفسه، لأن مبشرين “جامعيين بشروني”.

فالإنجيل وتعليم الكنيسة الجامعة لا يفصلان. وأوغسطين لم يسمع إلى “إخضاع” الإنجيل للكنيسة، بل أراد أن يشدد على أننا نتلقى “الإنجيل” في إطار التبشير الجامع في الكنيسة، لأنه لا ينفصل عنها. في هذا الإطار وحده يأخذ الإنجيل مكانه ويُفهم فهماً صحيحاً.

والحق، أن شهادة الكتاب بينة وواضحة كل الوضوح عند المؤمن الذي وصل إلى نضج “روحي”، وهذا ممكن في الكنيسة فقط. لذلك قاوم أوغسطين الأوهام التي يتعلل بها التفسير المانوي عبر هذا التعليم وعبر سلطان (auctoritas) البشارة اللذين يتصلان بالكنيسة الجامعة. فالإنجيل لا يخص المانويين. أما “سلطان الكنيسة الجامعة” فلم يكن مصدراً مستقلاً للإيمان، بل كان مبدأً ضرورياً للتفسير الصحيح. إننا نقدر أن نقلب هذه العبارة فنقول: يجب أن لا يؤمن المرء بالكنيسة ما لم يحركه الإنجيل. فالعلاقة متبادلة بنيهما بشكل تام.(Luis de Montadon <Bible et Eglise dans l Apologetique de Saint Augustin>a).

________________________________________

(5) راجع:

Dom Odo Casel, O.S.B., Benedict von Nursia als Pnermatiker, in “Heilege Uberlieferung” Münster 1938, pp. 100-101.

إذن، منذ البدء لم يكن التقليد المقدس في الكنيسة مجرد انتقال من العقيدة إلى اليهودية المتأخّرة ليكون نموذجاً من دون إزدهار حيّ للحياة الإلهية. وفي الحاشية يُرجع Dom Casel القارئ على John Adam Möhler.

(9) راجع:

Karl Pächter, Richtungen und schulen im Neuplatonismus, in “Genethliakon” (Carl Roberts zum 8. März 1910), Berlin, 1910.

يترجم Prächter لفظة “العناية” باللفظتين Grundthema أو Zielpunct (ص 128). ويصف بطريقة إيامفليخوس بأنها “تفسير مسكوني” (ص 138). وبروكلوس في تفسيره للرسالة إلى تيموثاوس يضع تضادّاً بين بورفيريوس وإيامفليخوس. فبورفيريوس يفسِّر النصوص بشكل جزئي أمّا إيامفليخوس فبشكل أشمل وأعمّ (في الرسالة الأولى إلى تيموثاوس، ص 204، 24 المذكورة عند Prächter، ص 136).

(12) (أشار C. R, B, Shapland بحق إلى أن “الأساس” في هذا النص يدلّ بالتحديد عند القديس اثناثيوس على اسم الثالوث الأقدس كما يستدعى في المعمودية. ويذكر القديس أثناثيوس هذا الأمر الإلهي فيما بعد في رسالته مستهلاً كلامه هكذا: “أمرهم السيّد أن يضعوا هذا الأساس للكنيسة قائلاً: …فذهب الرسل وعلّموا هكذا”). راجع:

The Letters of saint Athanasius concerning the Holy Spirit, C. R. B. Shapland, London 1951, 132.

معنى التقليد المسلم عند آباء الكنيسة الأولى

المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

يمكن تشبيه الدفاعيات بإزاحة الستار حتى يتمكن الناس من رؤية لمحة لما يختبئ وراءها، أو يرفع ماسة مقابل النور فتتلألأ وجوهها وتبرق عند سقوط أشعة الشمس عليها. فالدفاعيات تهتم بتأسيس مداخل للإيمان، سواءً تخيلنا هذه المداخل فتح أبواب، أو إزاحة ستار، أو إضاءة مصباح حتى يرى الناس بمزيد من الوضوح، أو استخدام عدسة تضع الأشياء في البؤرة.

والموضوعات الرئيسية في الدفاعيات هي تلك التي تتيح للناس رؤية الأشياء بوضوح، وربما للمرة الأولى، تساعدهم على اكتشاف الأفكار المضللة، فيدركون فجأة سر ما يتمتع به الإيمان المسيحي من قدرة على الإقناع على المستوى الفكري وجاذبية على المستوى التخيلي.

فالدفاعيات تقوم بمد الجسور التي يعبر عليها الناس من العالم الذي يعرفونه إلى العالم الذي يودون اكتشافه، وتساعدهم في العثور على أبواب ربما لم يسمعوا بها من قبل، فيرَون عالماً يفوقُ كل تخيلاتهم ويدخلون فيه. والدفاعيات تفتح العيون وتفتح الأبواب بتأسيس مداخل للإيمان المسيحي. فما هي المداخل التي نقصدها؟

حتى عهد قريب، كان الاتجاه السائد في الدفاعيات يعتمد على استخدام الحجج للدفاع عن الإيمان المسيحي بشكل عقلاني. إلا أن هذا الاتجاه كان يمثل إلى حد كبير استجابة لثقافة عقلانية اتخذت من التوافق مع العقل معيارًا للحق. وسنرى أن استخدام الحجة ما زال يمثل جزءًا لا يتجزأ من الدفاعيات المسيحية ولا يجب تهميشه أبدًا. إلا أن تراجع المذهب العقلاني في الثقافة الغربية أدى إلى الإقلال من أهميتها. وخلَق جوًا يتطلب إدراكَ جوانب أخرى في الإيمان المسيحي، وعلى رأسها ما يتمتع به من جاذبية عظمى على مستوى الخيال، والأخلاق.

والكُتاب المسيحيون القدامى، وخاصةً كُتاب العصور الوسطى وعصر النهضة، علقوا أهمية كبرى على الصور التشبيهية والقصص الكتابية في تعليم الأشخاص المخلصين، إلا أن صعود تيار الحداثة أدى إلى الحط من قيمة هذين العنصرين، بقدر ما أدى ظهور تيار ما بعد الحداثة إلى إعادة اكتشاف قوة تأثيرهما.

وقد أدى نمو تيار ما بعد الحداثة مؤخرًا إلى تأكيد أهمية القصة والصورة من جديد لأن كلاً منهما يجذب الخيال البشري بشكل خاص. وكل من له دراية بتاريخ الدفاعيات المسيحية لا يصعب عليه أن يدرك أن المدافعين القدامى كانوا يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على هذين العنصرين باعتبارهما مداخل للإيمان، وخاصةً في عصر النهضة. ولذلك، فنحن بحاجة لاستعادة هذه الأساليب القديمة في الدفاعيات لخلق منهج متوازن يدافع عن الإيمان المسيحي ويبرز جماله في ظل ما تشهده ثقافتنا من تحولات.

وعلينا أن نكيف دفاعياتنا بم يتلاءم مع مستمعينا، مع الانتباه لوجود عدة نقاط للتلاقي بين الإنجيل والنفس البشرية. ويتضح أن العهد الجديد نفسه يُعنى بربط الإنجيل مع مفاهيم وخبرات المتلقين على اختلاف نزعاتهم. فإن كانت النفس تَعطش لله “كَأَرضٍ يَابِسَةٍ” (مز143: 6)، فكيف ترتوي؟ إن مهمتنا تحديد القنوات المتاحة التي تتدفق فيها مياه الإنجيل الحية فتنعش النفس البشرية وتغيرها، ثم استخدام هذه القنوات بأمانة وفاعلية. وفي هذا الفصل سأستخدم صورة المدخل لتساعدنا على فهم هذه المنهجيات المختلفة.

المداخل والدفاعيات: بعض الأفكار:

تُعتبر صورة الشمس والنافذة من أهم الصور التي استخدمها اللاهوتيون في العصور الوسطى لشرح ما تجريه نعمة الله من تغيير في النفس البشرية. وتُعَد كتابات “ألن الذي من لِيل” Alan of Lille (المتوفى سنة 1203) مثالاً جيدًا على هذا حيث يشَبه النفس البشرية بحجرة باردة مظلمة. ولكن عندما تُفتح النافذة على مصراعيها، يندفع نور الشمس إلى الحجرة فيشيع فيها النور والدفء.

إلا أن فتح النافذة لا يدفئ الغرفة ولا ينيرها، ولكنه يزيل حاجزاً من أمام القوة التي يمكنها أن تفعل ذلك، فسبب التغيير الحقيقي هو الشمس. وكل ما نفعله نحن أننا نزيل الحاجز الذي يمنع نور الشمس وحرارتها من دخول الحجرة.

وهذه الصورة تساعدنا على إدراك هذه الفكرة اللاهوتية، وهي أننا لا نتسبب في تغيير الناس وقبولهم للإيمان. ويؤكد “ألن” أننا نحن الذين لا بد أن نفتح نافذة عقولنا على مصراعيها، فتتمكن نعمة الله من العمل في حياتنا، وهكذا ينحصر دورنا في إزالة العوائق من أمام نعمة الله، أما تجديد نفوسنا فهو مهمة هذه النعمة الإلهية. إلا أن الصورة مهمة في مجال الدفاعيات أيضًا، فهي تُذكرنا أن الله هو من يغير النفوس، وتؤكد في الوقت نفسه أننا قادرون على تيسير هذه العملية بالمساهمة في إزالة الحواجز والعوائق التي تقف أمام نعمة الله.

والمدخل وسيلة تنفتح بها عيوننا على حقيقة حالتنا، وقدرة الإنجيل على تغييرها. ولكي نفهم هذه النقطة المهمة، تخيل أنك مصاب بتسمم في الدم، وحياتك ستنتهي في غضون ساعات لو لم تحصل على الأدوية اللازمة، ولكنك لا تعرف ما أصابك على وجه التحديد، ولا تعرف بوجود علاج لهذه الحالة. حاول أن تتخيل نفسك في ذلك الموقف. والآن فكِّر في الطرق التالية التي يمثل كلٌّ منها مدخلاً يؤدي إلى تغيير وضعك:

  1. يخبرك طبيب من أصدقائك أن ما تعانيه هو تسمم في الدم، ويشرح لك أن هذه الحالة إن لم تعالج تؤدي إلى الوفاة، ويعطيك أسماء عدة أدوية ويخبرك بالمكان الذي تحصل عليها منه وبكيفية استخدامها.
  2. يخبرك صديق آخر أنه أصيب بهذه الأعراض عينها، إلا أن شخصًا أخبره بدواء معين أنقذ حياته. يقترح عليك أن تجرب هذا الدواء. أي أنه يحكي لك قصته الشخصية التي تتقابل مع قصتك في هذه النقطة الحرجة.

الطريقة الأولى تمثل حجة تستند إلى أدلة، أما الثانية قصة تستند إلى خبرة شخصية يرى صاحبها أنها مطابقة للموقف الذي تمر به. ورغم أن كل أسلوب يختلف تمامًا عن الآخر، فكلٌّ منهما يمثل مدخلاً. كيف؟

أولاً، كلٌّ منهما يساعدك على رؤية الأمور على حقيقتها. ثانياً، كلٌّ منهما يتيح لك أن تدرك ما يجب فعله لتغيير الأوضاع. ثالثًا، كلٌّ منهما يشجعك على اتخاذ تلك الخطوة الحاسمة بالحصول على الدواء، وتناوله حتى تتحسن حالتك.

إن الدواء هو سبب شفائك، ولكنك لو لم تدرك حقيقة حالتك، وأنك تحتاج للدواء، لكان شفاؤك مستحيلاً. ونعمة الله هي الدواء، وبعد أن تُشفى بهذه النعمة يمكنك أن تساعد الآخرين على إدراك حاجتهم لها، ويمكنك أن تشهد عن قوتها. والله هو من يغير الناس ويأتي بهم للإيمان. أنت جزء صغير (ولكنه حقيقي) في عملية الشفاء هذه. ومن ثم، فما تقوله يمكن أن يمثل مدخلاً يسمح للناس برؤية الأمور من منظور مختلف، مما يساعدهم على تخيل طريقة جديدة للتفكير والعيش.

فما هذه المداخل المتاحة للدفاعيات المسيحية؟ سوف نبحث في هذا الفصل بعض الإمكانات المتوفرة للدفاعيات. وسنبدأ بأبسط الأساليب الدفاعية، ألا وهي شرح ماهية المسيحية.

المدخل الأول: الشرح:

أفضل دفاع عن المسيحية هو شرحها. أي أنك إن أردت أن تدافع عن المسيحية أو تبرز جمالها، فأفضل السبل لذلك أن تبدأ بتعريف الناس بماهية المسيحية، لأن الكثيرين لديهم مفاهيم خاطئة عن المسيحية تعيق قبولهم للإيمان.

ومن أروع الأمثلة على ذلك مثال يقدمه اللاهوتي العظيم القديس أغسطينوس الذي قبِل الإيمان بعد جولة طويلة في أراضي الفلسفة المجدبة.[1] كان أغسطينوس شابًا موهوبًا في الخطابة من شمال أفريقيا، وقد صاحب المانويين، وهي طائفة كانت شديدة الانتقاد للمسيحية، هكذا استقى جُل معرفته بالمسيحية من نقادها، لم تكن بالمعرفة الدقيقة. ورفض أغسطينوس المسيحية باعتبارها لا تستحق اهتمام شخص في ثقافته وذكائه.

وكان أغسطينوس طموحًا، فقرر أن يكون رجلاً ناجحًا في عاصمة الإمبراطورية، فغادر شمال أفريقيا متجهًا إلى روما. وبعد فترة وجيزة من وصوله، عُرِضَت عليه وظيفة خطيب عام في ميلانو، وهي المدينة الرئيسية في شمال إيطاليا. ونظرًا لإدراكه بأن هذه الوظيفة يمكن أن تمثل بداية لحياة مهنية ذات شأن في العمل المدني بالإمبراطورية، رحب أغسطينوس بالعرض. إلا أنه كان يعلم أيضًا أن تقدمه في المجال السياسي يعتمد على قدراته البلاغية. فمن يستطيع أن يساعده في تطوير هذه المهارات؟

اكتشف أغسطينوس بعد وصوله إلى ميلانو أن أمبروز Ambrose أسقف المدينة المسيحي مشهور ببراعته في الخطابة، فقرر أن يكتشف بنفسه ما إذا كان يستحق هذه الشهرة. فكان كل يوم أحد يتسلل إلى الكاتدرائية الكبيرة في المدينة ويستمع لعظات الأسقف. وفي البداية لم يكن اهتمامه بالعظات سوى اهتمام الشخص المتخصص الذي ينظر للعظة باعتبارها خطبة فخمة. ولكن محتوى العظات بداً يستحوذ عليه تدريجيًا.

اعتدت أن أسمع عظاته متحمسًا، ولكني لم أكن مدفوعاً لذلك بالدافع الصحيح، بل كنتُ أريد أن أختبر مهارته في الخطابة لأرى ما إذا كانت طلاقته أفضل مما قيل لي عنه أم أدنى… ولكني لم أكن مهتمًا بما يقول، وكانت أذناي لا تتجه سوى نحو أسلوبه في الخطابة… إلا أنه كما دخلت الكلمات التي أمتعتني إلى عقلي، هكذا دخلت المادة التي لم أكن أعبأ بها في بادئ الأمر، حتى إني لم أتمكن من الفصل بينهما. فبينما كنت أفتح قلبي لفصاحته، دخل معها أيضًا الحق الذي كان يعلنه.[2]

وكما يتضح من رحلة أغسطينوس الطويلة إلى الإيمان، نجح أمبروز (الذي أصبح أغسطينوس يعتبره واحدًا من أبطال اللاهوت) في إزالة عائق ضخم من طريق الإيمان. فقد أبطل مفعول الصورة المغلوطة التي روجتها المانوية عن المسيحية. وبعد أن استمع أغسطينوس لأمبروز بدأ يدرك أن المسيحية أكثر جاذبية وإقناعًا مما كان يظن بكثير. وهكذا أزيل عائق يقف أمام الإيمان. وبالرغم من أن أغسطينوس لم يؤمن بالمسيحية إلا بعد فترة، فقد كان لقاؤه مع أمبروز علامة بارزة على طريق البحث.

ولابد أن البعض ممن نلتقي بهم في خدمتنا الدفاعية يحمل أفكارًا مضللة ومشوهة تمامًا عن المسيحية. وهذه المفاهيم الخاطئة التي يلتقطها البعض دون وعي، والبعض الآخر ينشرها عن قصد، لابد من تحديدها وإبطال مفعولها بخطة مُحكمة مدروسة.

ننتقل الآن لنبحث ما قد يُعتبر أكثر مداخل الإيمان شيوعًا، ألا وهو استخدام الحجة المنطقية.

المدخل الثاني: الحجة:

تؤكد المنهجيات الكلاسيكية في الدفاعيات أهمية العقل في كلٍّ من بناء حجة فكرية تؤيد فكرة وجود الله، ونقد الأفكار المغايرة. وقد بحثنا فيما سبق دور الحجج في الدفاع عن وجود الله، ومنها:

  1. الحجة المبنية على التصميم argument from design: وهي تَعتبر أن ملاحظة التصميم الموجود في العالم، مثل ما يميزه من “ضبط دقيق”، أو بنية معقدة يشير إلى أن الله هو المصمم (ص 99، 100).
  2. الحجة المبنية على الإنشاء argument from origination: إن كانت للكون بداية، فهذا يعني أن له مسببًا أنشأه، وقد يكون هذا المسبب شخصًا أو شيئًا، وهو ما يشير تلقائيًا إلى فكرة الله في المسيحية باعتباره خالقَ كل شيء (ص 96- 98).
  3. الحجة المبنية على الترابط argument from coherence: وهنا نركز على قدرة الإيمان المسيحي أن يقدم تفسيرًا لما نلاحظه في العالم المحيط ولما نختبره داخلنا (ص79- 86، 101- 103).
  4. الحجة المبنية على الأخلاق argument from morality: تقول هذه الحجة باستحالة وجود قواعد ثابته وموثوق بها للقيم الأخلاقية إلا إذا كان لها أساس يتجاوز هذا العالم المادي، كإله بار مثلاً (ص 104-109).

وقائمة الحجج تطول، ولكن لابد أن نأخذ في اعتبارنا أن هذه الحجج لا يجب أن تُفهم على أنها “براهين” بالمعنى المنطقي الدقيق للكلمة. ولكن ما توضحه هذه الحجج بكل جلاء أن الإيمان بالله له أسباب وجيهة، أو أن الإيمان بالله له مبرراته، حتى وإن كان لا يمكن البرهنة عليه بشكل مطلق.

وكلمة “برهان” بمعناها الدقيق لا تنطبق إلا على المنطق والرياضيات، فكما يمكننا أن نبرهن على أن الكل أكبر من الجزء، يمكننا أن نبرهن أن 2+2 =4. إلا أنه يجب أن نحترس من الخلط بين “قابلية البرهنة” و”الحق”. ففي مطلع القرن العشرين أثبت عالم الرياضيات العظيم “كرت جودل” Kurt Gödel أنه بالرغم من كثرة ما نصوغه من قواعد الاستدلال، ستظل هناك بعض الاستدلالات التي لا تخضع لهذه القواعد، ومع ذلك فهي مقبولة.

أي أن هناك عددًا من الأفكار الصحيحة التي قد لا يمكننا إثبات صحتها،[3] وهذه الحقيقة تنطوي على معانٍ غاية في الأهمية من الناحية الفلسفية.[4]

ويمكن استخدام الحجج أيضًا في نقد بدائل الإيمان المسيحي وتقييمها، وذلك بإظهار عدم ترابطها على المستوى الفكري أو افتقارها لأساس من الأدلة يمكن الوثوق به. فقد أبرزنا مثلاً عبر صفحات هذا الكتاب قدرة الإنجيل على خلق معنى للأشياء.

ونحن بذلك لا نحصر جاذبية المسيحية في أبعادها العقلانية فحسب، لأنها غنية بالجوانب الوجدانية، والأخلاقية، والتخيلية، والوجودية. ويجب على المدافع الذي يتحلى بروح المسئولية أن يستفيد منها استفادة كاملة. ولا شك أن الكثيرين ينجذبون إلى الإيمان المسيحي بسبب قدرته على خلق معنى للأشياء.

ولكن ماذا عن بدائل المسيحية؟ ما مدى قدرة النظم المنافسة على خلق معنى للأشياء؟ هل تصمد أمام اختبار الاتساق التجريبي، أي هل تنجح نظرياتها في خلق معنى للملاحظة وللخبرة؟ وقد أكدنا في فصل سابق أهمية إظهار ما يميز الإيمان المسيحي من قدرة على خلق معنى لملاحظاتنا وخبراتنا. ولا يكفي هنا أن يقتصر المدافع على إظهار تفوق المسيحية في هذا الصدد، ولكنه لا بد أن يبين قصور البدائل الأخرى.

ويرجع الفضل في تصميم هذا الأسلوب لواحد من أهم المدافعيين الكتابيين في أمريكا الشمالية أثناء القرن العشرين، وهو “فرانسيس شِفَر” (1912- 1984). ويُبرز أسلوب “شِفَر” في الدفاعيات الكثير من النقاط التي تناولناها في هذا الكتاب.[5]

فهو يلفت النظر مثلاً لأهمية أخذ الجمهور في الاعتبار، والابتعاد عن استخدام منهج موحد للجميع: “إن أردنا أن نتواصل مع مستمعينا، لابد أن نصرف الوقت والجهد لنفهم لغتهم، حتى نوصل لهم الرسالة باللغة التي يفهمونها.”[6] أي أن المدافع لابد أن يستمع لجمهوره حتى يتعلم لغتهم ليتمكن من التواصل معهم بهذه اللغة.

ويبدو أن “شِفَر” اكتشف بنفسه أهمية الإصغاء لأفكار جمهوره ومخاوفهم وتطلعاتهم أثناء عمله المرسلي في المنطقة الناطقة بالفرنسية في سويسرا في أواخر الخمسينات وفي الستينات من القرن العشرين. ونظرًا لأنه كان يقيم في كوخ سويسري (اسمه “لابري” L’Abri وهو مشتق من الكلمة الفرنسية التي تعنى “مأوى” أو “ملجأ”) في قرية بجبال الألب تدعى “إيموز” Huemoz، فقد كان يستضيف الكثير من الطلاب الذين يتجولون في أنحاء أوروبا، ولاسيما الشباب الأمريكيين الذين كانون يتجولون في مختلف البلدان الأوروبية بحقيبة ظهر.

فكان يسمع آرائهم في الأفلام والروايات المعاصرة أو في الفلسفات الجديدة التي ظهرت آنذاك. وكان يتساءل كيف يمكن تقديم الكتاب المقدس بشكل يناسب الأفكار الوجودية العنيدة التي روجها الفلاسفة المؤثرون في تلك الحقبة مثل “جان بول سارتر”  Jean Paul Sartreوكذلك “سورن كيركجارد”. وإذ استمع “شِفَر” لهؤلاء الطلاب وهم يُعبرون عن أفكارهم، اكتشف أنه يمكنه التفاعل معهم في مستواهم وبلغتهم، مستخدمًا صورًا توضيحية من عالمهم ليساعدهم على إدراك معقولية الإيمان المسيحي.

إلا أن أعظم إساهم قدمه “شِفَر” للدفاعيات يكمن في الأهمية التي يعلقها على تحديد مَواطن الصراع في الفلسفات غير المسيحية واكتشاف ما تنطوي عليه من معانٍ أشمل. والمقصود أن أي فلسفة حياتية ترتكز على افتراضات مسبقة معينة، فإن كانت هذه الافتراضات المسبقة من صنع الإنسان ولا تتضمن تفويضًا أو تخويلاً إلهيًّا، فلن تتمكن من التوافق مع بِنَى الكون الذي خلقه الله.

كلما كان مَن يؤمن بفكر غير مسيحي منسجمًا مع افتراضاته المسبقة، ابتعد عن العالم الحقيقي، وكلما اقترب من العالم الحقيقي، تَبدد انسجامه مع افتراضاته المسبقة.[7]

ويقول “شِفَر” إن كل شخص يعيش بإحدى قدميه في أحد العالمَين ويضع الأخرى في العالم الآخر: العالم الحقيقي الخارجي الذي يتميز بعمقه وتعقيده، وعالم داخلي من الأفكار يشكله الاشتياق للتفهم، والحب، والقيمة. فإن وُجِد صراع بين هذين العالمين، يستحيل على الفرد أن يحيا حياة لها معنى.

فلابد من وجود توافق بين خبرتنا في العالم الخارجي وعالمنا الداخلي.[8] ولذلك، يرجح “شِفَر” أن المدافع لابد أن يستخدم الحجة المنطقية لتحديد وكشف التناقضات والصراعات الداخلية التي تحويها الفلسفات الحياتية غير المسيحية. وهو يبين أنها تقوم على فرضيات أو افتراضات مسبقة لا تتسق مع الوجود الإنساني الحقيقي ولا تتوافق معه.

كل مَن نتحدث إليه، سواءً أكان بائعًا في متجر أم كان طالبًا جامعيًا، يحتفظ بمجموعة من الافتراضات المسبقة، سواء قام بتحليلها أم لم يقم… ويستحيل على أي شخص غير مسيحي أو جماعة غير مسيحية أن تتوافق مع النظام الذي تتبعه سواء على مستوى المنطق أو على مستوى الممارسة.

وعندما يحاول الشخص إخفاء الصراع، عليك أن تساعده على كشفه، وفي نقطة معينة سيكتشف عدم الاتساق. وعندئذٍ سيجد نفسه غير قادر على الاستمرار، وهذا الصراع ليس صراعًا فكريًا فحسب، ولكنه يقع في صميم الكيان الإنساني ككل.[9]

ومن ثم، على المدافع أن يساعد الفرد على إدراك هذا “الصراع” والشعور بقوته الفكرية والوجودية، وهو ما يتضمن مساعدته على اكتشافه أولاً، وتقدير أهميته ثانيًا. ويرى “شِفَر” أن البشر يَقُون أنفسهم من هذا الصراع بحمايتها داخل شرنقة فكرية تمنعهم من مواجهة ذلك الاكتشاف المزعج بأن أفكارهم لا تتفق مع الواقع. ويستخدم “شِفَر” صورة يقتبسها من شتاء سويسرا لوصف هذه الحالة، فهو يشبه هذه الشرنقة الفكرية بأسقف أكواخ جبال الألب التي تعمل كمصدات تحمي المسافرين من الانهيارات الثلجية:

فهو يشبه المصدات الكبيرة التي تبنى على بعض الممرات الجبلية لحماية العربات من انهيارات الصخور والحجارة التي تهوي من فوق الجبل من آن لآخر. وهذه الانهيارات الثلجية في حالة غير المسيحي هي العالم الحقيقي الساقط المشوه الذي يحيط بهم. وعلى المسيحي أن يزيل المصدة بحب ويسمح لحقيقة العالم الخارجي وحقيقة الإنسان بأن تصدمه.[10]

ومن ثم يمكن النظر إلى الدفاعيات باعتبارها نزعًا لسقف هذا الكوخ لإجبار الشخص على إدراك أن طريقة تفكيره عاجزة عن الصمود في مواجهة العالم الحقيقي الخارجي.

فكيف يمكن تطبيق هذا المنهج؟ يعطينا “شِفَر” مثالاً يوضح هذا الأسلوب جيدًا. فقد كان يتحدث إلى مجموعة من الطلاب في غرفة بإحدى الكليات في جامعة كامبردج. وبينما كان الماء يغلي لتحضير الشاي، ابتدره أحد الطلاب الهنود قائلاً إن المسيحية لا معنى لها. فسأله “شِفَر” عن عقيدته قائلاً: “ألستُ على صواب إن قلت إن القسوة وعدم القسوة متساويات في عقيدتك، وليس بينهما أي فارق أصيل؟” فوافقه الطالب. ثم يروي “شِفَر” ما حدث بعد ذلك:

الطالب الذي اجتمعنا في غرفته فهم جيدًا ما يعنيه اعتراف الطالب السيخي، فتناول الغلاية الممتلئة بالماء الساخن الذي كان سيعمل به الشاي، ووضعها أعلى رأس الشاب الهندي والبخار يتصاعد منها. فنظر الشاب لأعلى وسأله: ماذا تفعل؟ فأجابه بنبرة حاسمة باردة ولكنها مهذبة: “لا فرق بين القسوة وعدم القسوة.” وعندئذ خرج الهندي صامتًا واختفى في ظلام الليل البهيم.[11]

وأسلوب “شِفَر” يتسم بقوته وبقدرته على الوفاء بالعديد من الأغراض، مما يجعله صالحًا لعدد من المواقف المختلفة. خذ مثلاً الوضعية المنطقية Logical Positivism، وهي حركة فلسفية حققت نجاحًا كاسحًا في العالم الناطق بالإنجليزية في ستينات القرن العشرين. وقد أعلنت هذه الحركة أن كل العبارات الميتافيزيقية*، بما فيها ما يتعلق بالله، عديمة المعنى.

وكان الأساس الذي اعتمدت عليه هذه الفلسفة في ذلك هو “مبدأ التحقق” الذي قصر العبارات ذات المعنى على القضايا الصحيحة في حد ذاتها (مثل “كل العزاب غير متزوجين”) أو التي تتأكد بالخبرة (مثل “كان في الحديقة الأمامية لقصر “باكينجهام” ست إوزات الساعة 5:23 صباحًا يوم 1 ديسمبر 1968″). وتطبيق منهج “شِفَر” يتيح لنا أن نؤكد أن مبدأ التحقق نفسه عديم المعنى لأنه لا يتماشى مع المعيار الذي اعتمدته الوضعية المنطقية لقياس المعنى.

أو خذ مثالاً أبسط للهجمة الشرسة التي غالبًا ما نواجهها في جامعات أمريكا الشمالية: “لا يمكن أن تتأكد من أي شيء”. وهذه النظرة تهدف إلى الإطاحة برؤية “الصورة الكبرى” للواقع، كتلك التي يقدمها الإيمان المسيحي لأنها تعني أننا لابد أن نتشكك حتى في كل العبارات المؤكدة المختصة بالحياة.

ولكن من الواضح أن هذا التصريح ذاتي المرجعية يعتمد في صدقه أو كذبه على ذاته self-referential، ويمكن تقويضه والقضاء عليه بطرح سؤال بسيط ردًا عليه: “هل أنت متأكد من ذلك؟” وهكذا فإن المنطق الذي يقوم عليه الادعاء هو نفسه الذي يُسقطه.

إلا أن هذا لا يعنى أن مهمتنا هي مجرد الفوز بالمجادلات أو تقديم المؤهلات العقلانية للإيمان. فمما يؤسف له أن تأثير حركة التنوير على الثقافة الغربية لم يختفِ، ولا سيما في الإصرار على تقديم براهين تثبت صحة العقائد، مما نتج عنه تقديم الدفاعيات المسيحية باعتبارها مجرد بناء حجج فعالة تهدف لإقناع الناس بصحة الإيمان المسيحي. إلا أن الخطورة في ذلك أنه قد يؤدي إلى إظهار المسيحية على أنها مجموعة من الحقائق الجامدة والأفكار المجردة. ولذلك، فإن هذا المنهج ينطوي على ثلاث صعوبات.

أولها، أنه ليس  مؤسسًا على الكتاب المقدس كما يجب. فالحق، ولاسيما في العهد القديم، يركز في المقام الأول على المصداقية والثقة. والقضية الأساسية في الدفاعيات تتلخص في أن الله هو قاعدة أمان، وأنه أساس آمن تُبنى عليه حياة الإيمان. أي أن “الإله الحقيقي” ليس مجرد إله موجود، بل إله يمكن الاعتماد عليه. والنظرة العقلانية التي تعتبر الحق هو كل افتراض تَثبت صحته تستبعد النظرة الكتابية التي تعتبر الحق مفهومًا علاقاتيًا.

والمشكلة الثانية أن جاذبية الإيمان المسيحي لا يمكن أن تقتصر على منطقية عقائده. ولكن المسيحية تستند بقوة على الخيال أيضًا. كما توضح كتابات “سي. إس. لويس.” وعندما كان “لويس” شابًا وجد نفسه يتوق إلى عالم له معنى، يشتعل حبًا، ويفيض جمالاً، ولكنه اقتنع أن هذا العالم لم ولن يوجد: “كنت أؤمن أن كل ما أحبه تقريبًا وَهم، وتقريبًا كل ما آمنت بأنه حقيقي رأيته منفرًا وبلا معنى.”[12]

لقد أخبره خياله بوجود عالم أفضل، ولكن عقله أخبره أنه كلام فارغ. فلم يجد أمامه خيارًا سوى مواجهة عالم مجدب مجرد من المشاعر، ومواجهة وجوده الخالي من أي معنى.

وأخيرًا اكتشف “لويس” عقلانية الإيمان المسيحي، إلا أن انجذابه للإيمان كان سببه أن الإنجيل يقدم معنى، وليس لأنه يُعبر عن افتراضات صحيحة. وقد علق “لويس” على هذا قائلاً: “إن العقل هو الأداة الطبيعية للحق، ولكن الخيال هو أداة المعنى.”[13] وجاذبية الإيمان المسيحي عند البعض تتمثل في جمال عبادته، أو في قدرته على التلامس مع المشاعر الإنسانية، أو في نتائجه الأخلاقية.

أما ثالث هذه المشكلات فهي أن المنهج العقلاني يقوم على نظرة حداثية. إلا أنه في معظم أنحاء العالم الغربي اليوم، حل اتجاه ما بعد الحداثة مكان الحداثة، مما يقلب الكثير من المعتقدات المحورية للحداثة رأسًا على عقب. فالاستناد إلى الصفة العقلانية الأصيلة في الإيمان ينجح في إطار حداثي، ولكن في أطر ثقافية أخرى، قد يفشل هذا المنهج نفسه الذي يقوم على الحجة والمنطق فشلاً ذريعًا في التلامس مع التطلعات والأفكار الثقافية المسبقة.

وكما سنرى في قسم لاحق من هذا الفصل، أن ميل ما بعد الحداثة للقَصص أكثر منه للحجة يتيح فرصًا عظيمة للدفاعيات الكتابية نظرًا لأن الأشكال القصصية تملأ صفحات الوحي.

ولكننا مع ذلك، ما زلنا نؤكد منطقية الإيمان ونشدد عليها، دون أن نحصره فيما يمكن للمنطق أن يبرهن عليه بشكل قاطع. فأسئلة الحياة الجوهرية تتجاوز حدود العقل بكثير، ومن هذه الأسئلة: من أنا؟ هل أنا مهم فعلاً؟ لماذا أنا هنا؟ هل يمكنني أن أُحدث اختلافًا؟[14] وهي أسئلة لا يمكن للعلم ولا للمنطق البشري الإجابة عنها.

ومع ذلك، إن لم يجد المرء إجابات لهذه الأسئلة، تصبح حياته بلا معنى. وعلينا نحن المدافعين أن نبين أن الإيمان المسيحي يقدم إجابات لأسئلة الحياة الجوهرية، وهي إجابات منطقية من ناحية، وناجحة على المستوى العملي من ناحية أخرى. فكما هو مهم أن نُظهر أن المسيحية صحيحة، مهم أحيانًا أن نُظهر أنها حقيقية.

المدخل الثالث: القصص:

إن تركيز تيار ما بعد الحداثة على القصص يمثل أهمية خاصة في الدفاعيات. فقد كانت الحداثة تنظر بعين الريبة للقصة في التعامل مع الواقع. ومن ثم، سعت لإجهاضها أو التخلص منها بالاستناد إلى التحليل أو الحجة العقلانية، بحيث تتحرر تمامًا من قيود عشوائية التاريخ الأليمة. وقد انعكس ذلك بكل وضوح في تفسير الكتاب المقدس. وكما أشار “هانس فري” Hans Frei  (1922- 1988) أستاذ اللاهوت في “جامعة ييل” Yale University، مختزلاً ما به من روايات تاريخية وأشكال قصصية (كأمثال المسيح) إلى أفكار مجردة من الزمن.[15] وكان يُنظر إلى القصة كأنها قشرة مزعجة غير مستحبة تغطي على الجوهر الفكري والأخلاقي للكتاب المقدس.

إلا أن تيار ما بعد الحداثة شهد استعادة للاهتمام بالقصة الكتابية بما فيها الأشكال القصصية الخاصة كالأمثال التي رواها يسوع ليُعَلم الجموع عن ملكوت الله. ولم يعد إثبات الحق يتوقف على الحجة، ولكن بدأ يُنظر للقصص على أنها قادرة على تكوين هوية مميزة من الناحية الأخلاقية والمفاهيمية.

فالمسيحية تعلن عن عالم يتشكل بالقصص وهي تسكن في هذا العالم، والأساس الذي يشكل أفكار هذا العالم وقيمه هو قصة تعاملات الله مع شعبه التي تبلغ ذروتها في قصة يسوع الناصري. وهكذا فالمسيحية في أساسها ليست مجرد مجموعة أفكار.

منذ حوالي سبعينات القرن العشرين، تزايد الاهتمام بدراسة دور القصة في كلٍّ من اللاهوت والفلسفة، وعلى صعيد الفلسفة الإنجليزية والأمريكية، ظهر بعض الكُتاب البارزين أمثال “بول ريكور” Paul Ricoeur وكذلك “ألاسدير ماكينتاير” وأيضًا “تشارلز تيلور” الذين تصدوا لتقديم معالجات جادة لما ينطوي عليه القَصَص من موضوعات أساسية. فقد درس “ريكور” القصة بوصفها أساسًا لكل صور فهمنا للعالم وبوصفها إطارًا يعيش فيه البشر. ويقول “ماكينتاير” بأن قرارات حياتنا تتشكل وتترتب بناءً على فهمنا لها باعتبارها تشكل جزءًا في “قصة” (أو تقليد) أكبر.

وهو يقول “لا يمكنني أن أجيب عن سؤال “ماذا يجب أن أفعل؟” إلا بعد أن أجيب عن سؤال أسبق، وهو “ما هي القصة التي أشكل جزءًا منها؟”[16] وكما سنرى، يمكن أن تمثل هذه المنهجيات قيمة عظمى للدفاعيات المسيحية.

والكثيرون اليوم يؤيدون الرأي الذي يقول بأن القصص هي المنظار الأساسي الذي يرى البشر الواقع من خلاله. فنحن نرى العالم باعتباره قصة تجيب عن الأسئلة المحورية المختصة بالوجود، والهوية، والمستقبل.

وهذه القصص يمكن أن تجيب عما يسميه الفيلسوف “كارل بوبَر” Karl Popper “الأسئلة العليا” “ultimate questions” وهو بذلك يريدنا أن نفهم المسائل الكبرى التي تتناول “معنى الحياة”، ومنها تلك التي يطرحها “روي بوميستر” Roy [17]Baumeister، وهي التي تتعلق بالهوية، والغرض، والتكليف، والقيمة وتتخذ شكل أسئلة مثل: “من أنا؟” “ما هدف الحياة؟” ” ماذا أفعل لأُحدث فرقًا؟”

وقد أدرك البشر من قديم الزمان الأهمية الثقافية والفكرية لوجود قصة تفسيرية شاملة. وغالبًا ما يستخدم مصطلح “الأسطورة” في المجال الأكاديمي للإشارة إلى هذه القصص التفسيرية التي تشرح الواقع والهوية الشخصية والاجتماعية. (عادةً ما يساء فهم مصطلح “الأسطورة” على أنه “قصة غير حقيقية”، إلا أن هذا المعنى ليس هو المقصود هنا). ولكن كما أشار “لويس” وآخرون، كلمة “أسطورة” تشير أساسًا إلى قصة عن العالم تُمكن الأفراد من فهمه والعيش فيه.

وهذه “الأساطير” تمثل العدسات التي ينظر بها أي مجتمع للعالم، فهي تقدم إطارًا يسهم في حل التناقض بين الخبرات العديدة ويعمل على خلق رابطة بينها.

والقصة المسيحية عند “لويس” التي يعتبرها المنحة الإلهية التي تكمل وتتوج المحاولات البشرية الأخرى في صنع الأسطورة، تمثل أعلى وأسمى قمة نرى منها الحقيقة ونفهمها. فالقصة المسيحية عن الخلق، والسقوط، والفداء، ونهاية الزمان تعطي معنى لكل القصص الأخرى التي نرويها عن هويتنا وغاياتنا الحقيقية. إنها القصة الأم، الرواية العليا التي تضع سائر الروايات المختصة بأصل الإنسان ومصيره في مكانها الصحيح.

ويؤكد هذه النقطة أستاذ العهد الجديد والمدافع البريطاني ” ن. ت. رايت” N.T. Wright الذي يقول إننا عندما نروي قصة الكتاب المقدس كاملةً فنحن بذلك نعلن النظرة المسيحية للواقع وفي الوقت نفسه نتحدى البدائل العلمانية الأخرى. فبروايتنا لقصة الكتاب المقدس

مؤكد أننا نتحدى جوانب عديدة في نظرة العالم للأمور (أي نظرته للسلطة والقوة). ونقوض نظرته لماهية العالم ولغرضه بالكامل، ونقدم نظرة جديدة للعالم بأفضل طريقة ممكنة.[18]

والكتاب المقدس عند “رايت” يتحدى طرق التفكير الأخرى ويبرز جمال طريقته ويجسدها بوضوح. وهو يروي قصة تجيب عن أربعة أسئلة أساسية:

  1. من نحن؟ الكتاب المقدس يخبرنا أننا بشر مصنوعون على صورة خالقنا، ولا نكتسب هويتنا الجوهرية من العنصر الذي ننتمي إليه، ولا النوع، ولا الطبقة الاجتماعية، ولا الموقع الجغرافي.
  2. أين نحن؟ نتعلم من الكتاب المقدس أننا نحيا في عالم حسن وجميل، ولكنه مؤقت. وقد خلقه الله الذي نحمل صورته.
  3. ما المشكلة؟ نفهم من الكتاب المقدس أن البشرية تمردت على خالقها، وبالتالي انحرف العالم عن القصد المخلوق له.
  4. ما الحل؟ يطمئننا الكتاب المقدس أن الله عمل، ويعمل، وسوف يعمل في الخليقة من خلال المسيح يسوع والروح القدس ليتعامل مع الشر الذي نتج عن تمرد البشرية، وليصل بعالمه إلى الغاية التي صنعه من أجلها، ألا وهي أن يكون في توافق تام مع حضوره ومجده.[19]

وتطالعنا أعمال الروائي “ج. ر. ر. تولكين” بنظرة مشابهة. وقد عُرف “تولكين” بدفاعه المستميت عن الدور المحوري الذي تلعبه الأسطورة في خلق معنى للواقع وبمحاولته أن يطبق هذا الفكر في ثلاثيته الملحمية “ملك الخواتم” The Lord of the Rings.[20] ووفقًا لهذا النهج، تظهر قدرة القصة المسيحية الكبرى على تفسير الأمور في تَمَكُّنها من وضع غيرها من القصص الكبرى في موقعها الصحيح، وتفسيرها، وشرحها. والقصة المسيحية، مثل سائر القصص، لا يمكن “البرهنة عليها” بالوسائل الموضوعية منطقية كانت أم علمية.

بل يجب تقييمها بناءً على قدرتها أن تخلق للأشياء معنى أعمق من منافساتها الحالية أو التي قد تظهر فيما بعد، وذلك ببساطتها، وأناقتها، وسهولة فهمها، وقدرتها على خلق معنى يتجاوز حدودها.

فكيف نستفيد من عودة الاهتمام بالقصة في محاولتنا لفهم كيفية تقديم الإيمان المسيحي لثقافتنا؟ سأطرحُ هنا بعض الأفكار الشخصية. عندما كنت أصغر سنًا كنت أعتقد أن أفضل طريقة لمساعدة الآخرين على اكتشاف حق المسيحية المدهش هو مناقشتهم بالحجة. أي إقناعهم بأن المسيحية صحيحة وحق. وباختصار، كونت ما يطلق عليه الكثيرون اليوم منهجًا “حداثيًا”. ولكني اليوم أوصل حق الإنجيل بطريقة مختلفة. فأنا أحكي قصة قبولي للإيمان.

لماذا؟ لأن القصة أكثر تشويقًا من أي حجة، ولكن السبب الأهم أن قصتي تبين أن المسيحية حقيقية، أي أنها قادرة على تغيير حياة البشر، وإعطائهم أسباب جديدة للحياة ورجاء أكيد للمستقبل. فالقصة تدور حول فلسفة حياتية أصبحت تمثل نظرة شخصية في حياة صاحبها، وهي قادرة على التجديد والتغيير والاستثارة. وروايتي لهذه القصة الشخصية تؤكد أن الإنجيل حقيقي في حياتي.

إننا نعيش في عالم تشكله القصص. بالإضافة إلى أن “القصص الكبرى” قادرة على إضفاء معنى على العالم وعلى خلق علاقة مفيدة بين من يلاحظ الأحداث والأحداث نفسها. وهذه القصص عبارة عن شباك من المعاني نحكيها لنجمع فيها خبراتنا الشخصية ونحتفظ بها، ولنختزن فيها المعنى الذي نرى أنها تنقله أو تنطوي عليه.

والمسيحية تروي واحدة من هذه القصص، والإلحاد الجديد يروي قصة أخرى، وهناك قصص لا تحصى يرويها أولئك ممن لديهم أغراض يريدون تنفيذها، ورؤى ينشرونها، ومصالح أو أغراض شخصية يروجونها. إن القصص تحدد أماكن الحقائق بوضعها في إطار قصصي.

والآن بعد أن وضعنا أساسًا نظريًا لتأكيد أهمية القصص في الدفاعيات، سنتناول كيفية استخدامها. وسنبدأ بعد قليل بقصتين تُستخدمان في تدعيم الدعاوى التي يقيمها بعض الكُتاب ضد المسيحية، وسنرى كيف يمكن نقدهما.

على الدفاعيات المسيحية أن تنقد وتُقَيم غيرها من القصص الكبرى، مثل القصص العلمانية التي تعمل على تقويض المسيحية أو تهميشها. ولكنها لابد أن تُقدر في الوقت نفسه ما تتضمنه المسيحية من قصص خاصة بها. فالقصة المسيحية الكبرى عن الخلق، والسقوط، والفداء، ونهاية الزمان تساعدنا أن نفهم معنى العالم، كما أشار “لويس” وغيره. ولكن هذه كلها “قصص كبرى” فماذا عن القصص العادية؟ وكيف يمكن استخدامها في الدفاعيات المسيحية؟

أَوضَحُ نموذج يمكننا البدء به هو أمثال المسيح. فاستخدام الرب يسوع للقصص حتى يتفاعل مع مستمعيه لم يكن من قبيل الصدفة، ولكن هذه القصص كان لها غالبًا أساس في الحياة اليومية للمجتمعات الريفية والزراعية التي سادت فلسطين في القرن الأول. وقد كانت قصصًا غاية في السهولة تجذب انتباه المستمعين وتثير خيالهم. وكلُّ من هذه الأمثال يحمل داخله قدرة دفاعية هائلة يجب اكتشافها وفهمها، بل استخدامها. وإذا استُخدمَت هذه الأمثال بحكمة فإنها تتمتع اليوم بذات التأثير الذي كانت تتمتع بها عندما قيلت لأول مرة.

والمدافع الحكيم هو من يدرس الأمثال الرئيسية ويسأل هذه الأسئلة المحورية: كيف تساعدني هذه القصة في توصيل الإنجيل؟ كيف تساعدني على التواصل مع هذه الفئة؟ فالقضية هنا ليست دراسة ما في المثل من صور ومفردات في ضوء الديانة اليهودية إبان القرن الأول، بل اكتشاف وسائل لاستخدامه دفاعيًا اليوم.

ولنأخذ مثالاُ لوضيح هذه النقطة، وليكن تلك القصة المعروفة التي عادةً ما يشار إليها باسم “مثل اللؤلؤة كثيرة الثمن.”

أَيْضًا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا تَاجِرًا يَطْلُبُ لآلِئَ حَسَنَةً، فَلَمَّا وَجَدَ لُؤْلُؤَةً وَاحِدَةً كَثِيرَةَ الثَّمَنِ، مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَاشْتَرَاهَا. (مت 13: 45، 46)

بالرغم من صياغة القصة بأقل عدد ممكن من الكلمات (خمس وعشرون كلمة فقط في الأصل اليوناني)، فالخيال البشري يمكنه بسهولة معالجتها وتذوق تأثيرها. والخبرة البشرية تؤكد صحتها. بالإضافة إلى أنه من السهل البناء عليها وتطبيقها. فكيف نستخدمها في الدفاعيات؟ سأعرض لك كيف أستخدمها، وأترك لك الحرية في تطويرها:

إننا جميعًا نبحث عن شيء له قيمة في الحياة. إلا أننا غالبًا ما نكتشف أن الأشياء التي كنا نظن أنها ستسعدنا وتفرحنا لا تفعل ذلك، فنشعر أنه ما من شيء يمكنه أن يمنحنا الفرح والسلام. ولكن يسوع روى قصة عن هذا الموضوع. فقد قال إن تاجرًا وجد لؤلؤة ثمينة كانت معروضة للبيع، فقرر أن يبيع كل شيء ليحصل عليها. لماذا؟ عندما رأي التاجر تلك اللؤلؤة المميزة أدرك أن كل ممتلكاته باهتة وتافهة مقارنةً بها. وكما يغطي لمعان الشمس على لمعان النجوم، فلا يُرى إلا ليلاً، هكذا أتاحت هذه اللؤلؤة الثمينة للتاجر أن يرى ممتلكاته من منظور مختلف.

فما كان يظن أنه سيشبعه ثبت أنه يكشف عدم شبعه، ويثير اشتياقه لشيء لم يكن في متناوله. ولكنه رأى تلك اللؤلؤة المتميزة، فأصر أن يحصل عليها، لأنها شيء عظيم القيمة، شيء يستحق الامتلاك، حتى إن كل مقتنياته الأخرى تبدو قليلة القيمة مقارنةً بها. هذا هو الإنجيل عندما تكتشفه لأول مرة. إنه شيء في غاية الروعة حتى إنه يتفوق على كل ما عداه.

وهنا نرى مثالاً لاستخدام قصة كتابية لتوضيح نقطة دفاعية مهمة. إلا أن القصص الكتابية يمكن أن تُستخدم أيضاً لتكوين أطر تقدم معاني أو تفسيرات يمكن استخدامها لإضفاء معنى على الحياة. وعندما نستخدم القصص ندعو المستمع للدخول في القصة ونسأله عما إذا كانت تعطي معنى لخبراته وملاحظاته.

ولكن ليست كل القصص الكتابية تلقي الضوء على نقاط محددة بهذا الشكل. فبعض القصص تتيح لنا أن نرى خبراتنا الحياتية وملاحظاتنا من منظور مختلف. ولتوضيح هذه الفكرة سنأخذ قصة من أعظم قصص العهد القديم، وهي قصة السبي البابلي وَرَدّ مسبيي أورشليم إلى أرضهم بعد سقوط الإمبرطورية البابلية.

وتُعتبر قصة السبي البابلي سنة 586 ق. م من أهم قصص العهد القديم. ففي سنة 605 ق.م هزم الإمبرطور البابلي نبوخذ نصر الجيوش المصرية التي تجمعت في كركميش، وهكذا أسس بابل باعتبارها أعلى قوة عسكرية وسياسية في المنطقة. إلا أن يهوياقيم ملك يهوذا تمرد على الحكم البابلي، فقامت القوات البابلية بغزو يهوذا، وهو ما فسره الكُتاب آنذاك بكل وضوح باعتباره تنفيذًا للقضاء الذي أخبر به الرب على شعبه الخائن وملكهم.

وفي مطلع سنة 597 ق.م استسلم كلٌّ من الملك، والعائلة المالكة، ومستشارو البلاط الملكي لقوات الحصار. وتم ترحيلهم إلى بابل مع عدة آلاف من المسبيين غيرهم. ثم حدثت موجة أخرى من الترحيلات سنة 586 ق.م ولم يحصل اليهود على حريتهم في العودة إلى أرضهم إلا بعد سقوط بابل أمام الفرس سنة 539 ق.م.

وغالبًا ما تستخدم هذه القصة التاريخية المؤثرة لخلق معنى للوضع البشري. فمن منظور مسيحي، يرمز وضع اليهود أثناء سبيهم في بابل لحالة البشر. وذلك لأن اليهود لم يكونوا ينتمون لبابل، ولكنهم كانوا مسبيين يتوقون للعودة إلى أرضهم. ومزمور 137 يرسم صورة تنبض باشتياقهم للعودة وتعبر عن ذكرياتهم المرتبطة بأرضهم: “عَلَى أَنْهَارِ بَابِلَ هُنَاكَ جَلَسْنَا، بَكَيْنَا أَيْضًا عِنْدَمَا تَذَكَّرْنَا صِهْيَوْنَ.” (ع1).

إن هذا الإطار يعطي الحياة الإنسانية معنى. فليس المفترض أن نكون هنا، وهذه الأرض ليست وطننا، ولكننا ننتمي لوطن آخر. ومازلنا نحمل في أعماقنا ذكرى هذا الوطن التي لا تستطيع قوة في الوجود أن تمحوها. إننا نتحرق شوقًا للعودة إلى وطننا، ونحيا على رجاء أننا يومًا ما سنكون في الوطن الذي ننتمي إليه بالفعل. إن هذا الإطار يشير إلى مصدرنا الحقيقي ومآلنا، ويعطي معنى للشوق والتوق العميق الذي تتناوله “الحجة المبنية على الرغبة.”

ولكن ماذا عن القصص التي تتحدى المسيحية؟ سنستعرض قصتين تهدفان لهدم المصداقية التاريخية لأهمية يسوع الناصري كما يصورها التقليد المسيحي. أولهما “شفرة دافينشي” The Da Vinci Code (2003) لكاتبها “دان براون” Dan Brown، والثانية “يسوع الصالح والمسيح الشرير” The Good Man Jesus and the Scoundrel Christ    (2010) لمؤلفها “فيليب بولمان” Philip Pullman. ما المنهجيات التي يتبعها كلٌّ منهما؟ وكيف نرد عليهما؟

إن القصص تدعونا لنتخيل عوالم بديلة ونقارنها بعالمنا: أيهما أكثر معقولية؟ وأكثر جاذبية؟ وتجدر الإشارة إلى أن إعادة قراءة التاريخ بشكل مختلف عادةً ما يكون وراءها دوافع هجومية أو أخلاقية، ومنها على سبيل المثال تصوير شخصية تاريخية خبيثة بشكل أفضل، أو شخصية محبوبة بشكل أسوأ. فرواية “أنا كلوديوس” I, Claudius (1934) مثلاً لكاتبها “روبرت جرفز” Robert Graves تتعاطف مع الإمبرطور الروماني كلوديوس (10ق.م – 54 م) وترسم له صورة إيجابية، وهو شخص كان يُنظر إليه في التاريخ على أنه رجل أحمق لا يضر ولا ينفع.

إلا أن “جرفز” يبرز كلوديوس على أنه يروج هذه الصورة عمدًا حتى يخدع الآخرين فيضمن بقاءه في زمن ملئ بالمخاطر السياسية.

وقد تَمكَّن كتاب “دان براون” الذي صدر سنة 2003 من تحقيق نجاح باهر واستحوذ على انتباه قرائه بفضل حبكته المتقنة التي تروي بداية تاريخ المسيحية بدرجة عالية من المعقولية حتى إن القارئ لا يلحظ التحريفات الجذرية المدسوسة في الكتاب ببراعة. (والطبعات الأولى من الكتاب كانت بحمل على غلافها كلمة “رواية” تحت العنوان. ولكنها حُذفَت فيما بعد). والقصة المحورية في هذا الكتاب تتلخص في أن الكنيسة اخترعت صورة خاصة بها ليسوع وجعلت منه إلهًا وفرضت هذه الصورة بالمؤامرة السياسية والتهديد بالعنف. ويصور “براون” الإمبراطور قسطنطين على أنه شخص مكيافلي انتهازي يغير طبيعة المسيحية لتخدم أغراضه السياسية.

ويروي “براون” قصة خداع وقمع تنتهي بكشف “الحق” وتحرير الناس. ويركز جزء كبير من القصة على بداية تاريخ المسيحية، فيروي أن الإمبراطور قسطنطين أراد للمسيحية أن تكون الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية، ولكنه أدرك أنها تحتاج لنوع من إعادة الصياغة حتى تفي بهذا الغرض. ومن ثم، كان لابد من رفع رتبة يسوع الناصري بحيث لا يظل ذلك المعلم الريفي الفلاح، فأعلن فسطنطين أن يسوع هو الله. وقد استلزم ذلك الحصول على عدد مناسب من الأصوات والتلاعب في النصوص.

ويتم إطلاع القارئ على هذه الأسرار في شخصية السير “لي تيبينج” Sir Leigh Teabing الذي يعلم بهذه الخفايا التاريخية، فيصرح بأنه لم يكن أحد يعتقد أن يسوع هو الله حتى مجمع نيقية سنة 325 عندما طُرحَت المسألة للتصويت، وحصلت على غالبية الأصوت بفارق ضئيل. وتُصدم “صوفي نفو” Sophie Neveu المتخصصة في فك الشفرات عندما تسمع هذا الكلام وتقول في حالة من الذهول: ” لست أفهم ما تقول. هل تتحدث عن ألوهيته؟”

صرح لها “تيبينج”: “عزيزتي، حتى تلك اللحظة، كان أتباع يسوع يتعتبرونه نبيًا فانيًا مثل كل البشر… رجل عظيم مؤثر، ولكنه إنسان، فانٍ”.

[قالت “صوفي”]: “ليس ابن الله؟”

أجاب “تيبينج”: “بلى. فكرة أن يسوع “ابن الله” طُرحَت رسميًا للتصويت في مجمع نيقية.”

“مهلاً. تقول إن لاهوت يسوع جاء نتيجة تصويت؟”

أضاف “تيبينج”: “بفارق ضئيل بين الطرفين.”[21]

ويشرح “تيبينج” كيف حظر قسطنطين الأناجيل التي تحدثت عن يسوع بلغة إنسانية بحتة، ولم يسمح إلا بالأناجيل التي تشير إلى ألوهيته.[22]

ويتم تعريف القارئ بالحقائق المحظورة الخطيرة التي تتعلق بتاريخ الكنيسة ويركز الكاتب بشكل خاص على جماعة يلفها الغموض تعرف باسم “جمعية سيون” Priory of Sion ويقدمها باعتبارها حارسة لأحد الأسرار الخطيرة. ويخبر “براون” قراءه بأن هذه “الجمعية” هي جماعة سرية تكونت سنة 1099 ومازالت موجودة حتى اليوم ويؤكد لهم أن هذه حقائق ثابتة.

والحقيقة أن هذا كلام خاطئ بكل المقاييس، لأن “جمعية سيون” عبارة عن منظمة اخترعها “بيير بلانتار”  Pierre Plsntard (1920- 2000) سنة 1956، وقد كان “بلانتار ” بارعًا في تأليف القصص الخيالية، فنسج قصصًا غاية في الإتقان عن هذه الجماعة التي اخترعها وربط بينها وبين أحداث من العصور الوسطى والأرض المقدسة.[23] أي أن الموضوع لا يمت بصلة لأي نوع من الحقائق.

ولست أعرف أي سند تاريخي ذا قيمة يؤيد أيًا من الأفكار الرئيسية التي تقوم عليها “شفرة دافينشي” التي يمكن تفنيدها جميعًا بمنتهى السهولة. ولكن مربط الفرس أن “براون” يروي قصة يتمنى الكثيرون أن تكون صحيحة ويدعوهم أن يصدقوها. وقصة “براون” تقوض الفكر المسيحي التقليدي في أذهان عموم القراء بتصويره لهذا الفكر على أنه نشأ من إساءة ممارسة السلطة والرغبة في قمع العناصر الأنثوية للإيمان.

والقصة “تُعرفنا” بأن الحقيقة هي أن يسوع تزوج مريم المجدلية وأن ابنتهما أنجبت نسلاً ملكيًا في فرنسا. وقد قال “براون” ردًا على الانتقادات الكثيرة التي تناولت الأخطاء التاريخية الفادحة في روايته إن كل ما فعله أنه وضع الكلمات في أفواه شخصيات الرواية وترك القارئ يفهم منها ما يفهمه.

وتكمن جاذبية منهج “براون” في المقام الأول في قدرته على الهدم. فالقصة مكتوبة بأسلوب ركيك يبدو أن معظم القراء يتقبلونه خاصةً مع سرعة توالي الأحداث. وهي من حيث الأسلوب على النقيض تمامًا من “يسوع الصالح والمسيح الشرير” لكاتبها “فيليب بولمان” التي صدرت سنة 2010.[24] فأسلوب “بولمان” يتبع نوعًا ما أسلوب ترجمة الملك جيمز King James للكتاب المقدس، وهو يتميز بفصاحة لا نجد لها أثرًا في أسلوب “براون” الممل الركيك.

وكتاب “بولمان” يعيد سرد قصة الإنجيل في قالب تخيلي يحتفظ بالأسلوب الأصلي للأناجيل ولكنه يغير المحتوى تغييرًا جذريًا. وتنطوي إعادة صياغة القصة بهذا الشكل على تقديم فرضية محورية يبني عليها “بولمان” أطروحته. فهو يصور مريم على أنها فتاة تعاني من ضعف قدراتها العقلية وصعوبات في التعلم، يخدعها أحد الرجال لتنام معه مؤكدًا لها أنه ملاك، فتلد توأمين، يسوع والمسيح، ولكن العلاقة بينهما تسوء منذ سن مبكرة.

كان يسوع رجلاً تقيًا، وواعظًا متجولاً يكرز بملكوت الله وينتظر من أتباعه أن يتغيروا أخلاقيًا. ويخبرنا “بولمان” أن يسوع، كأي كارز بروتستانتي ليبرالي من القرن التاسع عشر، لم يصنع معجزات بالمعنى المفهوم. ولكنه كان يجعل الأمور تحدث بشكل طبيعي. فما الذي حدث في إشباع الخمسة الآلاف؟ كل ما في الأمر أنهم تقاسموا ما كان معهم من طعام.

وهكذا يتضح أن يسوع شخص صالح ينتمي إلى عالم مثالي غير عالمنا ولا يحتك بواقع السلطة السياسية. إلا أن المسيح مختلف. فهو يلتقي بشخصية غامضة اسمها “الغريب” The Stranger تزرع في عقله فكرةَ أن يعيد كتابة قصة يسوع وتعاليمه على نحو يجعلها أكثر جاذبية وأطول عمرًا.

والنتيجة إنجيل أسطوري كُتِب أصلاً لأسباب تافهة بقلم توأم يسوع المزعوم. وما يريد “بولمان” أن يشير إليه من طرف خفي أن إنجيل المسيح “المحسَّن” والمزوَّر هو السبب الأساسي في ظهور كتابات بولس في العهد الجديد.

وهكذا تصبح الكنيسة مؤسسة على إنجيل المسيح الوهمي، وليس على حقيقة يسوع التاريخية المفقودة. فالمسيح يدرك بدهائه ضرورة خلق قصة كبرى، فلسفة حياتية مغرية لتضمن استمرار الكنيسة على مر التاريخ.

ونظرًا لفشل يسوع في تقديم هذه القصة، يقوم المسيح بتعويض هذا العجز بنفسه بتأليف قصة قادرة على إنشاء مؤسسة قوية والحفاظ عليها. والقوة المؤسسية تعتمد على الأمر الإلهي الذي يُفرض دون هوادة ويصبح أيديولوجية راسخة تضمن استمراريته. ويظهر بكل وضوح من هذه الرواية ومن ثلاثية “مواده السوداء” His Dark Materials أن “بولمان” يستهدف مؤسسة الكنيسة.

وأخيرًا يحرض “الغريب” المسيح على خيانة أخيه، خيانة تؤدي إلى موت الشقيق (نعم، يتضح في النهاية أن المسيح هو يهوذا الإسخريوطي). ثم تصبح القيامة مسرحية يحاول فيها المسيح الحي أن يُظهر نفسه على أنه يسوع الميت، وهو ما يعني طبعًا أن القيامة تمثيلية اخترعها المسيح ليعوض عن موت يسوع ميتة مؤسفة عادية. والموضوع مألوف لدى قراء الأعمال العقلانية التي أعادت تأليف حياة يسوع في القرن الثامن عشر، ولكن “بولمان” أدخل عليها تعديلات تاريخية جديدة ولكنها مستحيلة الحدوث.

وهذه هي المشكلة، فهذه القصة الهجومية غير معقولة على الإطلاق لدرجة أنها لا تطابق أدنى المعايير المستخدمة لتحديد صحة الأحداث من الناحية التاريخية. والقصة معقدة ومتداخلة حتى إنها لا يمكن أن بؤخذ على محمل الجد من الناحية التاريخية. ورغم أن الكاتب قَصَّاص من الطراز الأول عندما يؤلف قصصًا خاصة به، فعندما يعيد إنتاجَ قصص غيره، وخاصةً إذا كانت قصة مألوفة كقصة يسوع الناصري يتعثر كثيرًا. فالحبكة مفتعلة بشكل مفرط حتى إن براعة “بولمان” الأسلوبية تعجز عن التعامل مع هذا الخط القصصي المعقد اللازم لتحقيق أغراضه في مهاجمة التقليد.

وقد أقحم “بولمان” نفسه في القصة الكتابية على نحو سافر، فلم يكن دوره فيها سلبيًا ولا صامتًا. وأكثر المواقف التي يظهر فيها هذا الإقحام بشكل صريح هو صلاة يسوع في جثسيماني التي يفاجئنا بأن يسوع يختمها قائلاً أنه لا يوجد إله. ويأتي صوت المؤلف مملاً رتيبًا في مواقف كهذه، ولا سيما عندما يعظ يأخذ مكان يسوع ويعظ قراءه بنبرة حادة مزعجة.

وهو ما يختلف عن أسلوبه في ثلاثية “مواده السوداء”. وهو في رواية “يسوع الصالح والمسيح الشرير” يفتعل حالة من التقوى المفرطة بشكل يثير الاشمئزاز. علاوة على أنه يَسهل على القارئ التنبؤ بما سيحدث قبل قراءته.

ومن الواضح أن القصة مستحيلة الحدوث التي نطالعها في هذه الرواية تهدف إلى هدم مؤسسة السلطة الدينية. ويتضح هذا الهدف بجلاء في سؤال طرحه أثناء لقاء أجري معه عقب نشر كتابه بفترة وجيزة: “إن استطعت أن ترجع بالزمن وتنقذ ذلك الرجل من الصَلب وأنت تعلم أن هذا يعني عدم ظهور الكنيسة لحيز الوجود، هل ستنقذه أم لا؟” وترتكز هذه الحجة على افتراض مسبق مفاده أن القارئ يشارك “بولمان” في كراهيته الشديدة للمؤسسة الكنسية، وهو ما يظهر بكل وضوح في أعماله الأسبق.

ولكن هل الأمور حقًا بهذه البساطة؟ وهل الحق التاريخي يتوقف على ما نحب؟ وهل الإنجيل يتمحور فعلاً حول الكنيسة باعتبارها مؤسسة؟

معروف أن “بولمان” يريد أن يزعزع أساس الإيمان المسيحي. ولكن كيف يدعم هذا الكتاب حجته؟ إن ما حصل عليه هذا الكتاب من ردود أفعال فاترة على المواقع الإلكترونية الإلحادية يؤكد مدى غموضه. وقد سألني أحد زملائي من الأساتذة الملحدين مؤخرًا: “ولكن ما الفائدة منه؟ ومن سيلتفت لهذا الهراء؟” وقد راودتني هذه الأسئلة الوجيهة الواضحة وأنا أقرأ هذا الكتاب. ورغم استمتاعي بأسلوبه، لم أتمكن من تصديق حبكته الركيكة. ولابد أن أعترف أني لم أجد إجابة مقنعة حتى الآن.

المدخل الرابع: الصور:

تُعتبر الصور، لا الكلمات، أعلى أشكال التواصل عند كُتاب ما بعد الحداثة. وشركات الدعاية والإعلان تنفق أموالاً طائلة لتحصل على أفضل صورة للشركة المعلِنة، وتصمم إعلانات تليفزيونية تعرض صورًا تجعلنا نريد أن نشتري منتجات معينة دون غيرها. إلا أن الكثير من المسيحيين، مثلي، يفضلون استخدام الكلمة (ولا سيما الكلمة المكتوبة، في حالتي) لتوصيل الإيمان وإبراز جماله. ولكن علينا أن نعي أن الصور يُنظر إليها في إطار ما بعد الحداثة على أنها تتمتع بمصداقية وقوة من نوع خاص وتتجاوز الحدود المفروضة على الكلمات.

والعقل البشري يعمل عن طريق توليد صور تساعدنا على “تصوير” العالم المحيط بنا وفهم معناه. ويمكن تشبيه الصور بالخرائط الذهنية التي تساعدنا على رسم أرض الواقع وتحديد مكاننا في الإقليم المحيط بنا. وهذه الصور مفيدة جدًا للمدافع، لأن الصور التي تُعبر عن الفكر المسيحي يمكن تقديمها بأشكال تجذب الخيال البشري. وعمومًا نحن نتعلم أن نسكن في صورة نستخدمها ونكتشف مدى ملاءمتها لواقع عالمنا.

وسنفحص في هذا الجزء عددًا من هذه الصور ونبحث كيفية استخدامها لتوصيل الإنجيل وإبراز جماله. وبعضها مأخوذ من الكتاب المقدس، والبعض الآخر من الثقافة العلمانية. وأولى هذه الصور مأخوذ من أحد كلاسيكيات الفلسفة اليونانية القديمة، ألا وهو كتاب “الجمهورية” Republic لأفلاطون. (إن كنت قد قرأت رواية “الكرسي الفضي” The Silver Chair، وهي إحدى روايات سلسلة “نارنيا” لكاتبها “لويس”، ستكون الصورة مألوفة لك، حتى وإن لم تكن تعرف أصلها التاريخي[25]).

يدعونا أفلاطون لأن نتخيل كهفًا مظلمًا عاشت فيه مجموعة من الناس منذ مولدهم. وقد ظلوا محبوسين في هذا الكهف طيلة حياتهم حتى إنهم لم يعرفوا عالمًا آخر سواه. وفي أحد أطراف الكهف تشتعل نيران متوهجة بالدفء والضوء. اللهُّب المتصاعدة تلقي ظلالاً على جدران الكهف، فيشاهد الناس هذه الظلال التي تسقط أمامهم على الحائط، ويفكرون فيما تعنيه، فهذه الظلال المرتعشة هي كل ما يعرفه سكان الكهف عن العالم. وإدراكهم للواقع منحصر فيما يرونه ويختبرونه في هذا السجن المظلم.

فإن كان هناك عالم خارج الكهف، فإنه شيء لا يعرفونه ولا يمكنهم أن يتخيلوه، وكل آفاقهم محدودة ومحددة بالظلال وبما ينالونه من ضوء خافت. ولكنهم لا يعرفون أن الكهف سجن ولا أنهم محبوسون فيه، وليس لهم أن يصلوا إلى هذا الاكتشاف إلا إذا عرفوا بوجود عالم آخر.

ويزين أفلاطون هذه الصورة بالعديد من التفاصيل، منها أن سكان الكهف مقيدون بأغلال تمنعهم من الحركة في أنحاء الكهف. ولا يمكنهم أن يروا إلا الجدار المقابل لهم. ويمتد خلفهم ممر يعبر فيه أشخاص يحملون أشياء متنوعة على رؤوسهم، والنار تلقي هذه الظلال المتحركة على جدران الكهف.

والناس الذين يعبرون الممر يتحدثون بعضهم مع بعض فتُرَجِّع أصواتهم صداها في جنبات الكهف، ولكنها تأتي مشوهة بفعل الجدران. وهكذا يرى السجناء ظلالاً متحركة ويسمعون أصداء أصوات. فهم لا يرون ولا يسمعون أي شيء بشكل مباشر، ولكن خبرتهم بكل شيء تأتي على نحو غير مباشر وغير واضح المعالم.[26]

ولا يعنينا هنا البناء الفلسفي لهذا التشبيه كما وضعه أفلاطون، ولكن ما يعنينا هو إمكانية استخدامه في الدفاعيات. فكيف نستخدم هذه الصورة لتوصيل الإنجيل وإبراز جماله في عالم اليوم؟ تخيل نفسك الآن تسكن في هذه الصورة بضع دقائق، ولاحظ أنك لابد أن تنسى كل شيء عن العالم الذي نعرفه جميعًا حيث الشمس الساطعة، والهواء العليل، والورود، والبحيرات، والأشجار. وتَذَكر أن العالم الوحيد الذي تعرفه هو ذلك الكهف المظلم الذي يمثل لك الواقع كله.

وأنت لا ترى إلا ظلالاً ولا تسمع إلا أصداء. وما يظهر من هذه الأشياء يصبح واقعًا لك.

احترس من مقارنة عالم الكهف بأي واقع آخر، ففكرة التشبيه كلها تقوم على أساس أنك لا تعرف أي شيء غير هذا الكهف الذي يمثل لك تعريف الواقع. وعندما تشعر بأنك اعتدت على الصورة، سنبدأ في فحصها ودراسة كيفية تطبيقها في الدفاعيات.

اسأل نفسك هذا السؤال: كيف يتأتى لسكان الكهف أن يدركوا أن هناك عالمًا أفضل خارج جدران الكهف المظلمة المدخنة؟ فكر قليلاً في السؤال ثم واصل القراءة بعد أن تصل إلى بعض الإجابات.

ثلاث وسائل تُمكن سكان الكهف من اكتشاف وضعهم الحقيقي:

  1. يدخل شخص من العالم الحقيقي الخارجي إلى داخل الكهف ويخبر سكانه بالعالم الحقيقي. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة فكرة الإعلان الإلهي.
  2. بنية الكهف نفسه تحتوي على دلائل تشير إلى وجود عالم خارج جدرانه. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة الحجج التي تؤكد وجود الله بناءً على المؤشرات التي نراها في بنية العالم.
  3. عند هؤلاء المساجين معرفة حدسية تقول لهم إن هناك عالمًا أفضل من الكهف المظلم المدخن. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة الحجج التي تؤكد وجود الله بالاستناد على المشاعر الإنسانية، ومنها الحجة المبنية على الرغبة.

وسوف نبحث فيما يلي ما تتضمنه كل وسيلة من إمكانية دفاعية مع الاحتفاظ بصورة الكهف.

أولاً، قد يقتحم الكهف شخص من عالم آخر، ويخبرنا عن ذلك العالم الآخر مستخدمًا تشبيهات مستمدة من الكهف. بل إنه قد يفعل ما هو أفضل من هذا فيعرض علينا أن يرشدنا لطريق الخروج. وقد يفعل ما هو أفضل من هذا وذاك، فيعرض علينا أن يُخرجنا بنفسه.

وهذا الأسلوب هو الذي ينعكس في عقيدة التجسد المسيحية التي ترى يسوع المسيح باعتباره الشخص الذي يدخل إلى عالم التاريخ والخبرة البشرية، ليُظهر لنا الأمور على حقيقتها وليعطينا القدرة أن نتحرر من ربط العالم وقيوده. وبالرغم من أن هذا الموضوع يملأ صفحات العهد الجديد، فهو يَبرز بشكل خاص في إنجيل يوحنا، كما يتضح من الآيتين التاليتين:

وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْدًا (يو 1: 14)

أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. (يو 6: 51)

والوسيلة الثانية تقول بأن عالم الكهف نفسه مرصع بمؤشرات ومفاتيح تشير إلى أنه ليس العالم الوحيد. فقد يكون على جدران الكهف علامات تشير إلى أصله أو إلى مصيره الحقيقي، مثل العلامات التي لاحظها أريستبوس على شاطئ جزيرة رودس (ص 122). فربما الكهف يكشف عن أدلة تشير إلى وجود تصميم أو بنية معقدة تثير أسئلة جوهرية عن نشأته. وقد تكون جدرانه مزينة بالرسوم أو غيرها من الدلائل التي تشير إلى أصله وتاريخه.

أما الحل الثالث هو أن من يلاحظون الكهف أنفسهم يملكون في أعماقهم حسًا فطريًا أصيلاً بوجود عالم آخر. وقد يتخذ هذا الحس شكل قناعة عميقة أن الحياة أكثر من مجرد ظلمة هذا الكهف المدخن، أو معرفة حدسية قوية بأن مصيرهم يجب أن يكون في مكان آخر، أو رغبة في شيء يشعر صاحبها أنها لن تُشبع أبدًا، وهو شعور يشير إلى أن عالمنا ليس العالم الوحيد، وأن إشباعنا الحقيقي لن يتحقق فيه.

فنار الشوق التي تشتعل داخلنا ولا تطفئها خبراتنا في هذا العالم تمثل مفتاحًا جوهريًا يشير إلى وضعنا الحقيقي ويدعونا لاكتشاف الواقع الأعظم الذي تشير إليه.

هكذا قمنا ببحث الأساليب الثلاثة وشرحها بسهولة مستخدمين صورة كهف أفلاطون. وكل وسيلة منها تتيح للدافع أن يبحث أحد جوانب الإيمان المسيحي ويكتشف تلامسه مع خبرتنا بالعالم المحيط ومع معرفتنا الحدسية وأشواقنا العميقة وقدرته على خلق معنى لكل هذه الأمور.

ويمكن إدماج هذه الصورة المعبرة بسهولة في الأحاديث، والعظات، والمحاضرات، ويمكن تطويرها بالعديد من الطرق المبتكرة. ويسهل كذلك إضافة طرق أخرى للثلاثة المذكورة أعلاه.

فما الصور الأخرى التي يمكن استخدامها في الدفاعيات؟ يستخدم بولس مجموعة من الصور القوية في رسائله ليساعدنا على فهم ما فعله المسح لأجلنا بصلبه وقيامته. ومن هذه الصور صورة التبني. وفيها يؤكد لنا بولس أننا أصبحنا أبناء الله بالتبني في المسيح (رو 8: 23، غل 4: 5). ويرى بولس أن هذه الصورة المستمدة من قانون الأسرة الروماني تلقي الضوء على امتيازات المؤمن ومكانته في علاقته بالله.[27] وهي صورة تتطلب منا أن ندركها في عقولنا ونقدرها في قلوبنا.

وصورة التبني سهلة الفهم نسبيًا، فهي تُعبر عن أسرة تقرر أن تمنح طفلاً لم يولد في أحضانها الامتيازات القانونية نفسها التي يحصل عليها الطفل المولود في الأسرة. وهو ما يستتبع أن الطفل المتبنى يتمتع بحقوق الميراث التي يتمتع بها الطفل الطبيعي.

وهكذا يمكن أن يرى المؤمن نفسه باعتبار أنه أُدخِل في عائلة الله ومُنح ذات الامتيازات القانونية التي يتمتع بها أي ابن طبيعي. ومن هو الابن الطبيعي لله؟ إنه المسيح نفسه. وبذلك، يشرح بولس هذه الفكرة القوية، ألا وهي أن كل ما منحه الله للمسيح باعتباره ابنه سيؤول إلينا في النهاية باعتبارنا أولاد الله:

أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ. فَإِنْ كُنَّا أَوْلاَدًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا، وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ. (رو 8: 16، 17)

ولذلك فالسمات الأسرية التي تميز أولاد الله هي الألم في هذه الحياة والوعد بالمجد في الحياة الآتية. وهو ما يعني أن المجد يكمن وراء الألم، ولابد أن نتعلم أن نرى الألم باعتباره امتيازًا نحتمله مسرورين بوصفه نتيجة لمركزنا الجديد بصفتنا ورثة الله.

ولكن صورة التبني لا تخاطب العقل فحسب، بل تستحوذ على الخيال والقلب أيضًا. وهي بذلك تدعونا أن نترجمها بشكل تخيلي، ولا نكتفي بفهمها. فالتبني معناه أن الطفل مرغوب فيه، وهو يتضمن أيضًا معنى الانتماء. وهذه قضايا وجدانية عميقة تتلامس مع اهتمامات الكثيرين ومخاوفهم في مجتمعات تزداد انكسارًا يومًا بعد يوم.

فالتبني يعني دعوة الشخص ليدخل في بيئة مُحبة حانية. وهي تعني الترحيب بالشخص والرغبة في وجوده وتقديره . والتبني يقدر امتياز الدعوة التي يتم بمقتضاها الترحيب بشخص من خارج الأسرة وإدخاله في كنف الإيمان والحب.

والصورة التي يرسمها بولس للتبني تتوافق بشدة مع اشتياق الإنسان العميق للانتماء إلى مكان ما. فنحن نحتاج أن نشعر أننا مقبولون ومرغوبون. وتؤكد “سيمون فيّ” كثيرًا في كتاباتها أهمية هذه النقطة.

فهي تشير في كتابها “البحث عن الجذور” The Need for Roots إلى أهمية المجتمعات في تكوين الهوية الشخصية وحمايتها: “قد تمثل الحاجة للجذور أهم احتياجات النفس البشرية ولكنها الأقل حظًا من حيث إدراكها والاعتراف بها.”[28] ويتناول “ولتر بروجمَن” Walter Brueggemann أستاذ العهد القديم المعروف هذه الفكرة بمزيد من العمق عندما يشير إلى أن

الشعور بالضياع والتشرد وفقدان المأوى يسود ثقافتنا المعاصرة. وتوق الإنسان لأن ينتمي لمكان، ويكون له بيت، يحتمي في موضع آمن هو سعي عميق يثير في النفس لهيبًا من المشاعر المتأججة.[29]

ونجاح المسلسل التليفزيوني الأميريكي “في صحتك” Cheers يعكس هذه النقطة على أكمل وجه. وقد بدأ عرض المسلسل الذي تجري أحداثه في حانة في بوسطن سنة 1982 واستمر على مدى 271 حلقة حتى سنة 1993. ويرجع نجاحه الباهر إلى ما خلقه من شعور قوي بالانتماء لجماعة.[30]

فقد كانت الحانة مكانًا للأحاديث الخفيفة والأحاديث الجادة، وكانت ملجأ يرحب بكل من يأتيه، والجميع هناك يعرفك. أما خارج الحانة هناك جموع مجهولة من بشر لا يعرفهم أحد ولا يعرفون بعضهم البعض. ولكن داخل الحانة، أنت شخص مميز، ومهم عند الآخرين، أنت تنتمي لمكان. وقد عبَّرت أغنية المسلسل عن هذا المعنى أوضح تعبير: أنت تريد أن تكون في مكان “كل من فيه يعرف اسمك.”

ويمكن للمدافع أن يستخدم صورة التبني التي يرسمها بولس مشيرًا إلى ما تحمله من معانٍ على مستويات مختلفة. فهي لا تلقي الضوء على ما يعود علينا من موت المسيح وقيامته فحسب، ولكنها تخاطب اشتياق القلب البشري العميق للانتماء.

وهناك صور كتابية أخرى يسهل الاستفادة منها في الدفاعيات، مثل صورة الله الراعي، أو المسيح خبز الحياة. فالدفاعيات تتمتع بصندوق زاخر بالكنوز التي يمكننا الاستفادة منها، وهي تستخدم الخيال باعتباره مدخلاً للنفس البشرية. وينبغي على المدافع الناجح أن يجدد هذا الصندوق باستمرار مضيفًا إليه قصصًا وصورًا جديدة.

خطوة للأمام:

المداخل الأربعة التي تناولناها في هذا الفصل كلها مهمة ويمكن تطبيقها بسهولة في الدفاعيات. إلا أنها مجرد أمثلة توضيحية لا تشمل كل المداخل التي يمكن الاستفادة منها، بل يمكن إضافة مداخل أخرى لها. ومنها على سبيل المثال تجسيد المؤمن لإيمانه في حياته العملية، وهو مدخل يؤدي وظيفة دفاعية مهمة.

فالكثيرون يسألون عن الإيمان عندما يرون أن أصدقائهم يتميزون بشيء غير متوفر لهم، كالشعور بالسلام أو بوجود غرض للحياة، أو الشعور العميق بالحنان والحب للبشر، وهو ما يثير لديهم السؤال: “من أين لهم هذا؟” ويتمنون في أعماقهم أن يتمتعوا بما يتمتع به هؤلاء. ومحبة الله تتجسد وتعلَن عندما يخدم المسيحي الحقيقي العالم المحيط به.

والطريقة التي يتعامل بها المؤمن مع الموت تقدم شهادة مهمة لرجاء القيامة المغير الذي يمثل ركيزة أساسية في الإنجيل. فممارسة الحق في حياتنا العملية هي “دفاعيات متجسدة” تمثل في حد ذاتها شهاد قوية لذلك الحق. أي أننا نحتاج لما هو أكثر من الحجج، نحتاج أن نظهر أن الإيمان المسيحي يغير الحياة ويمنحها قوة، كما أشار المدافع “فيليب د. كنِسون” Philip D. Kenneson في ملاحظة حكيمة قائلاً:

إن ما ينتظره عالمنا، وما تبدو الكنيسة متقاعسة عن تقديمه، ليس الاستمرار في تقديم مزيد من الأحاديث عن الحق الموضوعي، بل شهادة متجسدة تعطي الآخرين سبباً للالتفات لهذا الحق.[31]

علاوة على ذلك، تقدم الحياة المسيحية شهادة مهمة لقدرة الإنجيل على تغيير حياة البشر، فعندما نشهد عن قصتنا الشخصية، نقدم شهادة غير مباشرة على أن الإنجيل حقيقي، وليس صحيحًا فحسب.

ومن السهل إضافة المزيد من الأساليب أو تطويرها حسب القضايا التي يواجهها المدافع أو الاتجاهات الثقافية التي يشعر أنه يجب التعامل معها. ومن الأمثلة الواضحة التي يمكن استخدامها في الدفاعيات من بعض المجالات الفنية والأدبية الأخرى:

  1. الأفلام: ربما يعتبر الفيلم، لما يميزه من المزج بين القصة والصورة، أفضل وسيلة للتواصل مع جيل يطَلِّع على الواقع بطريقة بصرية أكثر منها نَصية. والكثير من الأفلام الحديثة تثير قضايا لاهوتية ودفاعية كبرى، مما يتيح الفرصة لفتح مناقشات دفاعية.
  2. الشعِر: تُعبر الكثير من القصائد عن شعور بالقلق الشديد تجاه الوضع الحالي للعالم، وعن تطلع نحو الهدف الأسمى للبشرية. وليس من الصعب على المدافع أن يحدد بعض القصائد، وكلمات بعض الأغاني المشهورة، التي تتيح الفرصة لإثارة أسئلة أو فتح مداخل للدفاعيات.

  3. اللوحات الفنية: الكثير من الأعمال الفنية الكلاسيكية، ناهيك عن الصور المشهورة، يمكن أن تمثل مداخل دفاعية. فإذا أجريت بحثًا سريعًا على الإنترنت مثلاً ستجد لوحة مشهورة للفنان “إدفارد مونك” Edvard Munch اسمها “الصرخة” The Scream  (1893) يظهر فيها شخص في حالة من اليأس الوجودي المريع لعجزه عن التعامل مع العالم. فكيف نستفيد من هذه اللوحة؟ إنها مدخل ممتاز للدفاعيات، ويمكنك أن تجد الكثير غيرها بسهولة.

الآن وقد اطلعنا على أساليب تساعدنا في إبراز جمال الإيمان المسيحي وربطه بحياة الناس العاديين، لابد أن ننتقل للعثرات والشكوك التي يواجهها الناس في الإيمان وكيفية التعامل معها .

لمزيد من الاطلاع:

Garson, D.A.The God Who Is There: Finding Your Place in God’s Story. Grand Rapids: Baker, 2010.

Johnston, Robert K.Reel Spirituality: Theology and Film in Dialogue، 2nd ed. Grand Rapids: Baker Academic, 2006.

Keller, Timothy J. The Reason for God: Belief in an Age of Skepticism. New York: Dutton, 2008.

Marsh, Clive. Theology Goes to the Movies: An Introduction to Critical Christian Thinking. New York: Routledge, 2007.

McGrath, Alister E. Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things. Louisville: Westminster john Knox, 2011.

Nash, Ronald H. Faith and Reason: Searching for a Rational Faith. Grand Rapids: Academie Books, 1988.

Peters, James R. The Logic of the Heart: Augustine, Pascal, and the Rationality of Faith. Grand Rapids: Baker Academic, 2009.

Piper, John. Think: The Life of the Mind and the Love of God. Wheaton: Grossway, 2010.

Sire, James W. Naming the Elephant: Worldview as a Concpt. Downers Grove, IL: Inter Varsity, 2004.

Wright, N. T. Simply Christian: Why Christianity Makes Sense. San Francisco: HarperSanFrancisco, 2006.

[1] Peter Brown, Augustine of Hippo (London: Faber & Faber, 1967).

[2] Augustine, Confessions V.xiii.23-xiv.25.

[3] James Robert Brown, Philosophy of Mathematics: An Introduction to the World of Proofs and Pictures (London: Routledge, 1999, 71-78); George Bools, “Gödel’s Second Incompleteness Theorem Explained in Words of One Syllable,”, Mind 103 (1994): 1-3.

[4] For a highly influential discussion, see John Lucas, “Minds, Machines and Gödel,” Philosophy 36 (1961): 112-27.

[5] For two good assessments of Schaeffer’s approach, see Thomas V. Morris, Francis Schaeffer’s Apologetics: A Critique (Grand Rapids: Baker, 1987); Bryan A. Follis, Truth with Love: Apologetics of Francis Schaeffer (Wheaton: Crossway, 2006).

[6] Francis Schaeffer, The God Who Is There, Complete Works of Francis Schaeffer, vol. 1 (Westchester, IL: Crossway, 1982), 130.

[7] Ibid., 134.

[8] For a good analysis, see Morris, Francis Schaeffer’s Apologetics, 21-22.

[9] Schaeffer, The God Who Is There, 132.

[10] Ibid., 140.

[11] Ibid., 110.

* metaphysical وتترجم أحياناً إلى “ما وراء الطبيعة” والمقصود كل ما يختص بالبحث الفسلفي في المبادئ أو العلل الأولى للكينونة والمعرفة. (المترجمة)

[12] C. S. Lewis, Surprised by Joy (London: HarperCollins, 2002), 138.

[13] C. S. Lewis, Rehabilitations and Other Essays (London: Oxford University Press, 1939), 158.

[14] See Roy Baumeister, Meanings of Life (New York: Guilford Press, 1991). Baumeister’s analysis of the importance of questions of identity, value, purpose, and agency is of major importance to Christian apologetics.

[15] Hans Frei, The Eclipse of Biblical Narrative: A Study in Eighteenth and Nineteenth Century Biblical Hermeneutics (New Haven: Yale University Press, 1977).

[16] Alasdair MacIntyre, After Virtue (London: Duckworth, 1985), 216.

[17] Baumeister, Meanings of Life.

[18] N. T. Wright, “How Can the Bible Be Authoritative?” Vox Evangelica 21 (1991): 7-32.

[19] N. T. Wright, The New Testament and the People of God (Minneapolis: Fortress, 1992), 132.

[20] See Verlyn Flieger, Splintered Light: Logos and Language in Tolkien’s World (Kent, OH: Kent State University, 2002); Jeffrey L. Morrow, “J. R. R. Tolkien as a Christian for Our Times,” Evangelical Review of Theology 29 (2005), 164-77.

[21] Dan Brown, The Da Vinci Code: A Novel (New York: Doubleday, 2003), 233.

[22] Brown is totally wrong on all these points. See, for example, Bart D. Ehrman, Truth and Fiction in The Da Vinci Code: A Historian Reveals What We Really Know About Jesus, Mary Magdalene, and Constantine (Oxford: Oxford University Press, 2004), 23-24.

[23] The best account of the fabrication of this myth is Massimo Introvigne, Gli Illuminatie il Priorate di Sion (Milan: Piemme, 2005). An English summary of this work is available at http://www.cesnur.org/2005/pa_introvigne.htm.

[24] Philip Pullman, The Good Man Jesus and the Scoundrel Christ (Edinburgh: Canongate, 2010).

[25] You might enjoy reading the interesting study of William G. Johnson and Marcia K. Houtman, “Platonic Shadows in C. S. Lewis’ Narnia Chronicles,” Modern Fiction Studies 32 (1986), 75-87.

[26] For a detailed discussion, see Gail Fine, Plato on Knowledge and Forms: Selected Essays (Oxford: Oxford University Press, 2003).

[27] James C. Walters, “Paul, Adoption, and Inheritance,” Paul in the Greco-Roman World, ed. J. Paul Sampley (Harrisburg, PA: Trinity Press International, 2003), 42-76.

[28] Simone Weil, The Need for Roots (London: Routledge, 2002), 43.

[29] Walter Brueggemann, The Land: Place as Gift, Promise, and Challenge in Biblical Faith, 2nd ed. (Philadelphia: Fortress Press, 2002), 1.

[30] Bill Carter, “Why ‘Cheers’ Proved So Intoxicating,” New York Times, Sunday, May 9, 1993.

[31] Philip D. Kenneson, “There’s No Such Thing as Objective Truth, and It’s a Good Thing, Too.” Christian Apologetics in the Postmodern World, ed. Timothy R. Phillips and Dennis L. Okholm (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 1995), 155-70.

المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

اللاهوت فى فكر البابا اثناسيوس الرسولى

اللاهوت فى فكر البابا اثناسيوس الرسولى

اللاهوت فى فكر البابا اثناسيوس الرسولى

اللاهوت في فكر البابا أثناسيوس الرسولي
يُعتبر البابا أثناسيوس الرَّسولي المركز الذي كانت تدور حوله الكنيسة واللاهوت في العصر النيقاوي ، لذلك لُقِب بأبو الأرثوذُكسية ، ودُعِيَ بالمِنبر الأعظم وحجر الزاوية في الكنيسة المُقدسة، وأسقف الأساقِفة رأس العالم رأس كنيسة الأسكندرية .

فهو الذي جعل للتعليم اللاهوتي الأرثوذُكسي قانون مُتكامِل ، جاهد واضطُهِد ونُفِيَ لكي يُرسيه ، وكان اللاهوت يتدفق من قلب أثناسيوس فجاء قوياً أمام الفلسفات والأفكار الذاتية ، ولا يندرِج المنهج اللاهوتي عنده تحت مفهوم المعارِف والعلوم والثقافات ، بعد أن أصبح الكتاب المُقدس عنده خبرة حيَّة مُعاصِرة للكنيسة في زمانه ، لذا تغيَّر مفهوم الخلاص في تقليد الأسكندرية ذاتها ، بعد أن شابته المعرِفة والثقافة اليونانية على يد إكليمنضُس وأوريجانوس السكندريين .

تميَّز اُسلُوب أثناسيوس الرَّسولي بكونهِ تعليمياً أكثر منه جَدَلِياً هجومياً ، لأنه راعِ يعلم رعيته ، وإن كان من البيِّن أنَّ البابا أثناسيوس كان يستخدِم الاُسلُوب الهجومي الجَدَلي ضد الأريوسيين بهدف تعليم الشعب، لذلك نقرأ كِتابات لاهوتي عظيم يتكلَّم بأبسط اُسلُوب يتناسب مع شعبه .

اعتقد أنَّ الأسفار المُقدسة كفيلة بحد ذاتها أن تُعلِن الحق (1) ، وأنها كافية جداً لنا ، وحوَّل كل فِكْر وثقافة لخدمِة أبحاثه اللاهوتية ، بعد أن تسلَّم حياة وتراث الآباء والعُلماء السابقين له ورأى استشهاد البابا بطرُس خاتِم الشُّهداء ، فأي تعليم لاهوتي هذا الذي تسلَّمه لينمو في وُجدانه الروحي والإيماني واللاهوتي ، على مستوى العِشرة بالخبر والإيمان والعيان والتلمذة والحق والاعتراف وشهادِة الدم .

وكما ارتبطت الكلِمة ( كيريجما ) باللاهوت الأثناسياني ، كذلك ارتبطت الشهادة ( مارتيريا ) أيضاً به ، لكي يشهد ويُدافِع أثناسيوس عن ما رأى وما سمع ، وارتبطت الثيولوچيا عنده بالتلمذة بعد أن تتلمذ للبابا ألكسندروس وعاين اعتراف وشهادِة البابا بطرس خاتِم الشُّهداء ، ليشهد بضمير صالِح مُتوهِج ويعترِف في نيقية ضد الأرواح المُضِلَّة والهرطقة الآريوسية .

تشكَّل لاهوت أثناسيوس الرَّسولي على أساس التلمذة النُّسكية على يدي العظيم الأنبا أنطونيوس أبو الرهبان في العالم كله فكان لاهوت أثناسيوس مبنياً على الإنجيل والآباء والنُسك وشهادِة الدم والتلمذة ، إنها رسالِة حب لا رسالِة تعليم ، وهكذا كان تأثير الرهبنة والنُّسك على شخصيِة البابا أثناسيوس تأثيراً عميقاً….

فاتسمت حياته بالفضيلة والجهاد ، وارتبط اللاهوت عنده بالذُّكصولوجيا أي التَّسبيح ، حتى صار الاتجاه النُّسكي البتولي وحياة التَّسبيح والعِفة خطاً رئيسياً في كِتاباته ، لا كلاهوتي يشرح عقيدة بل كمؤمِن يشهد لِمُخلِصه ، ومن أشهر كِتاباته اللاهوتية ” ضد الوثنيين “ و” تجسُّد الكلِمة “ .

كان أثناسيوس في نيقية ( 325م ) أعظم المُرافقين للأساقِفة ، وهو الذي انتصر بصورة أساسية في ثِقته بالمسيح الذي كان يُدافِع عنه ، فكان يملُك الحقيقة لا في عقله ولا في لِسانه فحسب بل في قلبه ، في شخص يسوع المسيح الذي كان يتكلَّم فيه بروحه القدوس عند افتتاح فمه .

وضع مُصطلحات لاهوتية لقطع خط الرجعة على الهراطِقة ، وهو صاحِب اصطلاح Homoousion ( أي واحِد مع الآب في الجوهر ) ، فنادى به على مستوى الإيمان والأمانة ولا يمكن أن نفصِل اسم أثناسيوس الخالِد أبداً عن عقيدِة الثَّالوث ( التريادولوچا ) التي كرَّس حياته لأجلها .

إنَّ أخر مفهوم أوريجاني في الثيولوچيا كان التريادولوچا ( الثَّالوث ) ، وبالنسبة للقديس أثناسيوس كانت التريادولوچا هي الكلِمة الأولى ، إذ كان تعليم الثَّالوث هو أساس وركيزة اللاهوت الذي دافع عنه البابا أثناسيوس وعمَّقه ، انطلاقاً من مقولته الشهيرة :

الله نفسه قد دخل بشريتنا

وهذه الركيزة اللاهوتية جاءت نتيجة الظروف التاريخية لقيام الجدل اللاهوتي الذي أثاره الأريوسيون وأصحاب بِدعِة ” مقاومة الروح القدس “ أبوليناريوس ومقدونيوس .
وكانت المقولة الحاسِمة في تعليم القديس أثناسيوس اللاهوتي ، والتي صارت من أقواله المأثورة في العقيدة المسيحية على مر الدُّهور ، هي تلك التي وردت في مبحثه الأوَّل ضد الأريوسيين حيث أعلن قائِلاً :

” يكمُل اللاهوت في الثَّالوث “
وهذه هي فقط ” التقوى الحقيقية “ بلهذا هو ” الصَّلاح والحق “ (2) .

وكان يُعرِّف التقوى من خلال موقِف اليهودية العبرانية ، أمَّا اشارته إلى الصَّلاح والحق فتتضمن موقِف الفلسفة الهيلِّينية أو اللاهوت الفلسفي Philosophical Theology .
اعتبر القديس أثناسيوس أنَّ الثيولوچيا التريادولوچية هي نقطة البدء ، لذلك رأى أنها ” قاعدة وأساس إيمان الكنيسة “ (3) .
إنه ” الإيمان الذي أعطاه الرب نفسه والذي كرز به الرُّسُل لذلك حفظهُ الآباء الإيمان الذي عليه قد بُنِيَت الكنيسة “ .

وفي رسالته إلى الأسقف سِرابيون يُعلِن :
” الرب يسوع المسيح نفسه علَّم تلاميذه كمال الثَّالوث القدوس ، القائِم بلا انقسام في اللاهوت الواحِد “ (4) .
وفي لاهوته الثَّالوثي يُؤكِد على وِحدانيِة الثَّالوث ( ثالوث في واحِد وواحِد في ثالوث ) .

ويُؤكِد على ثالوث أقانيم الآب والابن والروح القدس ووحدِة الكيان والعمل ( أنرچيا )
للأقانيم الثَّلاثة ، وكانت انطلاقته الأولى في استعلان الثَّالوث في الإيكونوميا الخلاصية ، والتي تعني مفهوم لاهوت التدبير الخلاصي الذي أتمُّه الثَّالوث القدوس وأيضاً تُشير إلى استعلان الله في المسيح .

وفي الإيكونوميا يشترِك الثَّالوث في تناغُم وانسجام ووحدة Unison :

فالآب يُخلِّص
والابن يُخلِّص
والروح القدس يُخلِّص
بمعنى أنَّ الثَّالوث القدوس قد استُعلِن في عملٍ واحِد ، ووحدِة العمل هذه تُشير إلى وحدِة كيان الله .

فالله لا تحِدُّه مفاهيم ولا تحصُره ادراكات العقول البشرية ، لكنه يُعرف بأعماله واعلانه ، فنحن نعرِف أنَّ الله كائِن لأننا نعرِف أنَّ الله يعمل ، أباً وابناً وروح قدس ، لكننا نعرِف أيضاً أنَّ الآب والابن والروح القدس ليسوا ثلاثة آلهة بل إله واحِد ، لأنَّ عمل الآب لا يختلِف عن عمل الابن ولا عن عمل الروح القدس ، أخيراً لا الآب ولا الابن ولا الروح القدس يختلِفون في الكيان أو الجوهر ، فليس الآب أعظم من الابن أو الروح القدس ، ولا الابن أدنى من الآب ( فليس كل اُقنوم أدنى من الآخر أو أنَّ الأقانيم هي مجرد حالات أو ظواهِر مختلِفة ) ( حسب قول المُبتدِع سابيليوس ) .

قاوم البابا أثناسيوس الأفلاطونية بنظريتها في الثَّالوث المُتدرِج ( غير المُتساوي ) (5)، فكل من يفصِل الابن عن الآب ، أو من يُدنِّي الروح القدس لا يكون له الآب ولا الابن ، وهو بلا إله ، ويكون أشر من غير المُؤمِن ، ولا يُحسب أنه مسيحي ، لأنَّ الإيمان بالثَّالوث المُسلَّم إلينا يُوحِّدنا بالله (6) .

ومن ثمَّ فلتأكيد وحدِة الأقانيم الثَّلاثة ولتأكيد ثالوثيِة الجوهر الواحِد لا يليق أن يُعرف أو يُحدَّد اُقنوم باُقنوم آخر ، لكن الإنسان قد يتساءل حينما يقرأ مقولِة القديس أثناسيوس والتي قد يُفهم منها أنَّ الابن أدنى من الآب كقوله ” الآب هو الأصل أو المبدأ الأوَّل للابن بينما
الآب لا مبدأ له “ أو حينما يقول ” الروح القدس ينبثِق من الآب ويستقِر في الابن أو أنه روح الابن أو أرسله الابن “ .

ويُؤكِد البابا أثناسيوس أنَّ هذه المقولات غير انعكاسية أي لا يمكن الرجوع فيها ، لأنَّ الاجابة على زعم البعض بأنَّ أقوال القديس تتضمن ولو شُبهِة التدني أو التدرُّج أو المرؤوسيةSubordinationism، هي بالقطع النفي التام للأسباب التالية :

الآب هو مبدأ الابن ( Ẩρχή ) بسبب الاستعلان ، لأنَّ الآب لا بِداية له ، فهو بحسب تعبير القديس أثناسيوس ” آنارخوس آرخي “ (Ẩναρχοσάρχή ) ” أي البدء الذي لا بدء له “ .
الابن غير مخلوق أي ” أجنيتوجنيس “ ( Ẩγενητογενήσ ) وهي صِفة يعود استخدامها إلى البابا ألكسندر بطريرك الأسكندرية ألـ 19 ، الذي خَلَفَهُ البابا أثناسيوس الرَّسولي على الكرسي المرقُسي الأسكندري .

ونرى نفس الفِكر مُتعمِقاً في الإبنڤماتولوچيا ( لاهوت الروح القدس ) ، فالروح القدس ليس أقل Inferiorمن الابن لأنه مُرسل من الابن ، أيضاً ليس الابن أقل من الآب لأنه أرسله وفي الحقيقة الروح القدس يُعطى للابن من الآب ، وهو ينبثِق من الآب ليستقر في الابن ، ولكنه ليس أقل من الآب أو الابن ، لأنه يُعلِن الابن ويُعلِن الآب حقاً ، فالروح القدس يُكمِل لاهوت الثَّالوث He Completes the Theology of the Trinity .

وفي رسالِة القديس الأولى إلى سِرابيون الأسقف يقول :
” إذاً يوجد ثالوث قدوس وكامِل ، نعترِف بأنه الله الذي هو الآب والابن والروح القدس ، لا شئ فيه غريب أو خارِج عن طبيعته ، لا يتألَّف من واحِد يخلِق وواحِد مخلوق بل كله خالِق ، جوهره بسيط وغير مُنقسِم وعمله واحِد “ ( Consistent and in nature indivisible and its activity is ONE ) .

فالآب يصنع كل شئ بالابن اللوغوس في الروح القدس ، هكذا تظِل وحدِة الثَّالوث القدوس محفوظة ، والكنيسة تكرِز بإله واحِد : الذي هو فوق الجميع وبالجميع وفي الجميع : هو فوق الجميع أباً فهو البداية وهو الأصل ، وبالجميع باللوغوس الكلِمة ، وفي الجميع في الآب لا مبدأ له “ أو حينما يقول ” الروح القدس ينبثِق من الآب ويستقِر في الابن أو أنه روح الابن أو أرسله الابن “ .

ويُؤكِد البابا أثناسيوس أنَّ هذه المقولات غير انعكاسية أي لا يمكن الرجوع فيها ، لأنَّ الاجابة على زعم البعض بأنَّ أقوال القديس تتضمن ولو شُبهِة التدني أو التدرُّج أو المرؤوسيةSubordinationism، هي بالقطع النفي التام للأسباب التالية :

الآب هو مبدأ الابن ( Ẩρχή ) بسبب الاستعلان ، لأنَّ الآب لا بِداية له ، فهو بحسب تعبير القديس أثناسيوس ” آنارخوس آرخي “ (Ẩναρχοσάρχή ) ” أي البدء الذي لا بدء له “ .
الابن غير مخلوق أي ” أجنيتوجنيس “ ( Ẩγενητογενήσ ) وهي صِفة يعود استخدامها إلى البابا ألكسندر بطريرك الأسكندرية ألـ 19 ، الذي خَلَفَهُ البابا أثناسيوس الرَّسولي على الكرسي المرقُسي الأسكندري .

ونرى نفس الفِكر مُتعمِقاً في الإبنڤماتولوچيا ( لاهوت الروح القدس ) ، فالروح القدس ليس أقل Inferiorمن الابن لأنه مُرسل من الابن ، أيضاً ليس الابن أقل من الآب لأنه أرسله وفي الحقيقة الروح القدس يُعطى للابن من الآب ، وهو ينبثِق من الآب ليستقر في الابن ، ولكنه ليس أقل من الآب أو الابن ، لأنه يُعلِن الابن ويُعلِن الآب حقاً ، فالروح القدس يُكمِل لاهوت الثَّالوث He Completes the Theology of the Trinity .

وفي رسالِة القديس الأولى إلى سِرابيون الأسقف يقول :
” إذاً يوجد ثالوث قدوس وكامِل ، نعترِف بأنه الله الذي هو الآب والابن والروح القدس ، لا شئ فيه غريب أو خارِج عن طبيعته ، لا يتألَّف من واحِد يخلِق وواحِد مخلوق بل كله خالِق ، جوهره بسيط وغير مُنقسِم وعمله واحِد “ ( Consistent and in nature indivisible and its activity is ONE ) .

فالآب يصنع كل شئ بالابن اللوغوس في الروح القدس ، هكذا تظِل وحدِة الثَّالوث القدوس محفوظة ، والكنيسة تكرِز بإله واحِد : الذي هو فوق الجميع وبالجميع وفي الجميع : هو فوق الجميع أباً فهو البداية وهو الأصل ، وبالجميع باللوغوس الكلِمة ، وفي الجميع في بين سِر اللاهوت Theology والتدبير Economy …..

فالله كائِن بذاته موجود وغير مُتغيِر وغير خاضِع للزمن وغير قابِل للموت أو الفساد ، أمَّا العالم فمخلوق مُستمَدْ من إرادِة الله مُتغيِر ومُعرَّض للفساد ، وكلِمة الله هي عِلِّة الخلق ، وهناك صِفات ذاتية كيانية في الله وهي الصِفات الجوهرية : الآب والابن والروح القدس ، إنه سِر العِبادة الأعظم ( ثلاثة في واحِد ) وهنا يُؤكِد البابا أثناسيوس على علاقِة الثيولوچيا بالتريادولوچيا .

ولاهوت الابن هو لاهوت الآب ، لذلك فهو غير مُنقسِم ، لأنه يوجد إله واحِد ، والأُبوة والبُّنوة في الله ليست مُرتبطة بالمادة ولا بالتصورات الزمنية ولكنها حقيقة دينامية إينارچية ، لها قُدرة وتواجُد معاً ، الابن غير مُفترِق عن الآب ، ولم يكن زمان قط كان فيه الابن غير موجود ، ولكنه دائِماً أبداً صورِة الآب وشُعاعه وله أزليِة الآب .

ويرى البابا أثناسيوس أنَّ من يُؤمِن بالآب يعرِف الابن في الآب ، وهو لا يعرِف الروح القدس بدون الابن ، وذلك يُؤمِن أيضاً بالابن والروح القدس لأنَّ لاهوت الثَّالوث واحِد وقد اُعلِنَ من واحِد ، أي من الآب …. فالإيمان بالثَّالوث يُوحدنا بالله ، لأنَّ المعمودية تتم باسم الثَّالوث ، ويوجد إيمان واحِد في الثَّالوث ، هكذا أيضاً الثَّالوث القدوس مُتساوي مع ذاته ، ومُتحِد بنفسه في وِحدة غير مُتجزِئة ، والإيمان به إيمان واحِد .

وهذه الأقوال الدقيقة الشارِحة للاَّهوت الثَّالوثي تتكرر بمضمونها وإن لم يكن حرفياً في كل أقوال الآباء الذينَ أقامهم الله آباء ورُعاة ومُعلِّمين في الكنيسة المُقدسة بعد نياحِة القديس العظيم الأنبا أثناسيوس الرَّسولي حامي الإيمان .

واللاهوت الثَّالوثي يختلِف تماماً بل ويُضاد ذلك الفِكر اللاهوتي الوحداني الصِرف Monistic Theology ( الفِكْر الأُحادي ) ، مثل بِدعِة السبليانية التي تعتبِر الآب والابن والروح القدس ثلاثة مظاهِر أو أشكال لإله واحِد Modelism أو مِثْل ما يُسمَّى باللاهوت التَّعدُدي الجموعي Pluralistic Theology مثل الفلسفة الهيلينية التي تخلِط بين الله وعناصِر العالم ، فينشأ عن هذا الخلط ” تأليه الكون “ ، وهو مذهب وحدِة الوجود ( أي أنَّ الله والطبيعة شئ واحِد ) .

لكن لاهوتنا الثَّالوثي الذي نُؤمِن به يُقرِّر أنَّ كل اُقنوم من أقانيم الثَّالوث إله كامِل ، والأقانيم الثَّلاثة إله واحِد وليسوا ثلاثة آلِهة ( بل لاهوت واحِد أزلي في الثَّالوث ومجد واحِد للثَّالوث ) (11) .
والأقانيم الثَّلاثة مُتميِزة Distinct ومع هذا فإنَّ تمايُزها ليس عائِقاً لوحدانيِة جوهرها .

ويليق بنا أن نعرِض هنا النص التالي بغرض توضيح مفهوم تمايُز الأقانيم الثَّلاثة في الثَّالوث القدوس ، في منظور القديس أثناسيوس اللاهوتي ، وهو نص وَرَدْ في ردُّه الأوَّل على الأريوسيين ، يدحض التثليث الأريوسي المرفوض الذي قام على اعتبارات عقلانية وقياسات منطِقية ( Syllogisms ) :

” إن قُلنا أنَّ اللوغوس كان منذ الأزل مع الآب ، لكنه ليس ابنه ، فإنَّ شُكوك الأريوسيين المزعومة قد تبدو مقبولة بحسب ظاهِرها ، لكن بينما نحن نقول أنه أزلي ، نعترِف أيضاً إنه ابن من الآب فكيف يكون المولود أخاً لمن ولده ؟ ..

ما هذا إلاَّ زعم يهودي المنشأ … لأنَّ الآب والابن لم يُولدا من أصل سابِق الوجود حتى نعتبرهُما أخين ، لكن الآب وَلَدَ الابن ، والآب هو الآب ، والابن هو الابن ليس أخاً بل دُعِيَ ابن الآب الأزلي ، وحقاً قد دُعِيَ كذلك لأنَّ جوهر الآب لم يكن أبداً ناقِصاً ، ليس كما في حالِة ميلاد إنسان من إنسان قد وُلِدَ الابن الوحيد من الآب ، حتى يبدو لاحقاً للآب في الوجود بل هو مولود الآب بالطبيعة منذ الأزل “ (12) .

وهكذا أكَّد القديس أثناسيوس على الثَّالوث الأزلي ( Eternal Trinity ) في مواجهة ذلك الفِكْر الأريوسي الذي يخضع لمقاييس وأبعاد الزمن ، فيصير لاهوتاً ناقِصاً تحكمه معايير التدني والتَّبعية والمرؤوسية (Subordinationist ) (13) .

فأريوس يُعلِّم ويزعُم أنَّ الله في البدء كان واحِداً وحيداً ( موناد Monad ) ، لكنه فيما بعد خلق الابن !! وفيما بعد أيضاً أوجد الروح القدس !! وهكذا تحدَّدت معالِم فِكْر أريوس الهرطوقي والمُبتدِع عن تلك الوحدانية الأنطولوچية الإغريقية .

لكن الله هو الواحِد الغير مخلوق البِدء الأزلي وأصل كل الأشياء الذي لا يتغيَّر ، الأبدي ، ولا صيرورة فيهBecoming .

يزعم أريوس أنه : حينما نقول أنَّ الابن مولود والروح القدس مُنبثِق ، فكإننا نقول أنَّ كيان الله ” يصيرBecomes “ ، والصيرورة دائِماً ما تكون في الزمان وتقبل التغيير ، وعلى هذه المُقدمات المنطِقية العقلانية رفض الأريوسيون تعليم الكنيسة المُستقيم عن الابن الأزلي ، وعن انبثاق الروح القدس الأزلي ، وقد أعاقهم مفهومهم الأفلاطوني الجامِد ( الإستاتيكي ) عن الكيان الإلهي عن رؤيِة أيَّة ” حركِة حياة “ داخل الله ، بمعنى أي سِر شخصس ( Personal mystery ) .

وقد اعتاد القديس أثناسيوس أن يُشكِّل إيمان الكنيسة افتراضاته الفلسفية ويصيغ تعليمه ، فدحض هرطقِة المُبتدِع أريوس ، والتي تتعلَّق بأزليِة الابن ، والتي حصرها أريوس الهرطوقي في بُنوة لها معنى الصيرورة والمخلوقية (14) .
ويُحاجج القديس أثناسيوس ليُميِز بين :

الميلاد
Generation
والخلق
Creation

مُستنِداً إلى التعليم الإنجيلي للكتاب المُقدس ، فحال كون الابن مولوداً لا تُساوي على الاطلاق كونهِ مخلوقاً ، فالمولود ميلاداً إلهياً مولود بالطبيعة ، بينما المخلوق خُلِق من عدم ، وميلاد الابن يخُص الطبيعة الإلهية ، ولهذا يختلِف عن أي ميلاد بشري ، فالطبيعة الإلهية أزلية ومن ثمَّ وَجَبْ أن يكون الميلاد الإلهي أزلياً ، أمَّا الميلاد البشري فلا يمكن أن يحدُث إلاَّ في الزمن ، لأنَّ الطبيعة البشرية قد خُلِقت وتوجد في الزمن ، أيضاً الطبيعة البشرية يحكُمها المكان لأنها توجد في المكان ولها مظهر جِسداني محدود..

لكن الكيان الإلهي غير جسداني وبسيط لا يحِدُّه زمان ولا مكان ، وهو غير مُدرك ومن ثمَّ فكيفية الميلاد الأزلي غير مُدركة ، وِدفاع الكنيسة عن الميلاد الأزلي للابن ليس دِفاعاً مبنياً على أُسُس عقلانية كما لو كانت الكنيسة تقدِر أن تُدرِك كيفية هذا الميلاد الإلهي أو تُثبِته ، لكنه دِفاع قد قام في الكنيسة لأنها قد تسلمته من الرب نفسه من خلال رُسُله القديسين ، وقد استُعلِن في الاختبار التاريخي لاستيعاب الكنيسة لحق الاستعلان الإلهي (15) .

وفي ( ضد الريوسيين 2 : 58 ) ، يقول القديس أثناسيوس :
” يُحدِّد الكتاب المُقدس الفارِق بين ميلاد الابن وخلقِة الأشياء ويكشِف أنَّ وحيد ” الآب ” هو ابن لم يبدأ من أي بِدء لكنه أزلي ، لكن الشئ المخلوق ، إذ هو عمل خارجي من أعمال الخارِج ، يبدأ في أن يكون له وجود من لا وجود ، ولهذا فإنَّ القديس يوحنا حينما سلَّمنا التعليم الإلهي اللاهوتي عن الابن – وهو مُدرِك للفارِق في العبارات والمُسميات –

لم يقُل ” في البدء صار ” أو ” خلق ” ، لكنه قال ” في البدء كان اللوغوس “، حتى نفهم ” الميلاد ” بواسطة لفظِة ” كان ” لا بمفهوم وجود مسافة زمنية تفصِل الابن عن الآب لكن حتى نُؤمِن أنَّ الابن كائِن أزلياً وعلى الدوام “ .

وفي ( ضد الأريوسية 2 : 57 ) ، يتحدَّث القديس بطريقة مُماثِلة :
” للأعمال بِداية عند خلقها أو عملها ، وبِدايتها تسبِق صيرورتها ، لكن اللوغوس ليس من الأشياء التي خُلِقت أو صارت بل هو ذاته خالِق كل الأشياء التي لها بِداية ، أيضاً تُقاس كينونِة المخلوقات بمعيار صيرورتها ، لأنَّ الله قد بدأ في خلقها باللوغوس من بدايِة ما حتى نعرِف أنها لم تكن موجودة قبل خلقِها ، لكن اللوغوس لا يستمِد كيانه من بِدء آخر غير الآب ، الذي هو بلا بِداية ومن ثمَّ كينونِة الابن بلا بِداية في الآب ، لأنه وحيده وليس مخلوقه “ .

وبالنسبة للبابا أثناسيوس كان نُكران أريوس الهرطوقي للاهوت الابن يتضمن أيضاً بالتبعية نُكران لاهوت الثَّالوث ، الذي لا يقِل أبداً عن الالحاد ونُكران الله !! لأنَّ لاهوت الثَّالوث هو الحق (16) The Theology of the Trinity is the truth .

وفي رِسالته الأولى إلى سِرابيون الأسقف يقول : ” أنَّ الأريوسيين بنُكرانهم للابن يُنكِرون يُنكِرون الآب وأيضاً هؤلاء المُبتدِعون مُقاوِمو الروح القدس بحديثهم الشِّرِّير عن الروح القدس يتحدَّثون بالشَّر عن الابن ، وقد وزَّع الفريقان فيما بينهما الضَّلالة ضد الحق ، ففريق منهم يُقاوِم الابن والآخر يُقاوِم الروح القدس وصار كلاهما يُجدِّف نفس التجديف ضد الثَّالوث “ .

ثم يستخدِم القديس أثناسيوس لغة قوية فيما بعد : ” ظهر الثَّالوث كامِل وغير منظور ، القدوس الأزلي الواحِد ذو الطبيعة التي لا تتغيَّر ، والإيمان بالثَّالوث الذي سُلِّمَ إلينا يُشرِكنا بالله ، وذاك الذي ينفصِل عن الثَّالوث مُعتمِداً باسم الآب والابن دون الروح القدس لا ينال شيئاً، بل يبقى كما هو خامِلاً بلا مفاعيل هو والذي يُحاكيه …

ومن يفصِل الابن عن الآب أو الذي ينزِل بمستوى الروح القدس إلى الخليقة ، ليس له الابن ولا الآب بل هو مُلحِداً وأسوأ من غير المُؤمِن بل هو شئ آخر غير صِفة ” مسيحي ”، هو بالحق كذلك لأنه كما أنَّ المعمودية المُعطاه في الآب والابن والروح القدس هي معمودية واحِدة ، وكما أنَّ الإيمان في الثَّالوث كما قال بولس الرسول هو إيمان واحِد ، هكذا أيضاً الثَّالوث القدوس حال كونه مُماثِلاً لذاته مُتحِداً بذاته ليس فيه شئ من الذي يخُص المخلوقات ، وهذه هي وحدِة الثَّالوث التي لا تنفصِم ، وهذا هو الإيمان الواحِد “ (17) .

ومن أساسيات تعليم القديس أثناسيوس عن الثَّالوث القدوس ، هو الاعتراف النيقاوي بوحدانِيِة الجوهرỎμοουσιοστώConsubstantiality ، والتي تأكدت أوَّلاً من جهة الابن مع الآب ( خاصة في ضد الأريوسية وكتاب المجامِع De Synodis وكتاب الإيمان (( العقيدة )) De Decretis والأعمال الأخرى ضد الأريوسيين ) ثم من جهة الروح القدس مع الابن ومن ثمَّ مع الآب .

وكان جهاد القديس أثناسيوس الأساسي ضد الأريوسيين ومُقاوِمي الروح القدس Pnevmatomachiansفي دِفاعه عن وحدانِيِة الجوهر homoousion . فاللاهوت الذي يخلِط غير المخلوق بالمخلوق ليس لاهوتاً .. لذلك يرتكِز الدِفاع عن وحدانِيِة الجوهر ( هوموآوسيون ) على الاستعلان الكِتابي ، وخصوصاً على إيكونوميِة المسيح ( تدبيره الخلاصي ).

والمبدأ الذي يحكم استعلان الله في العهد القديم والتدبير المسيحي هو الفِعْل الثُّلاثي الغير مُنقَسِم للثَّالوث القدوس ، ويستعلن التدبير ( الإيكونوميا ) عمل الله الذي بدأ بالآب وتأسَّس بالابن وكَمُل في الروح القدس ، وهذا العمل الواحِد يتطلب ” الجوهر الواحِد “ Ousia ( اُوسيا ) ووحدانِيِة الجوهر .

والتأكيد على وحدِة العمل والجوهر هو تأكيد في غايِة الأهمية إذ يكشِف عن أنَّ اللاهوت لا ينفصِل عن الإيكونوميا ( التدبير الخلاصي ) ، وليس لاهوت الثَّالوث مُطلقاً جامِداً بلا دِيناميكية ، لكنه لاهوت اختباري في عمل الثَّالوث الخلاصي التدبيري نحونا ، وتدبير تجسُّد الله اللوغوس هو الركيزة الحقيقية لهذا اللاهوت التريادولوچي ( الثَّالوثي )، ومن خلال اتحادنا وشَرِكتنا مع المسيح ، نختبِر الثَّالوث ونعرِفه ..

لذلك يُؤكِد القديس أثناسيوس على أنَّ الكنيسة هي المجال الذي فيه يُختبر لاهوت الثَّالوث ويُعرف ، فالكريستولوچيا ( طبيعِة المسيح ) والسوتيريولوچيا ( لاهوت الخلاص ) والتريادولوچيا ( لاهوت الثَّالوث ) لا تُفهم فهماً صحيحاً إلاَّ من خلال الإكلسيولوچيا ( حياة الكنيسة ) .

لذلك نرى القديس أثناسيوس وقد رضع اللاهوت وأحس بكيان الله الواحِد من خلال العِبادة الليتورچية ، وأيضاً من خلال التلمذة Discipline للبابا ألكسندروس وللبابا بطرس خاتِم الشُّهداء الذي اعترف بأنَّ الذي بطبيعته إله صار بطبيعة البشر ، والسيف مُسلطاً على رقبته .

لم يرَ البابا أثناسيوس أنَّ اللاهوت فلسفة عقلانية ومنطِق يخضع للنِقاش والجِدال والتحليل ، لكنه رأى أنَّ اللاهوت تقوى وعِشق الثَّالوث ، لذلك جاهد ضد الأريوسية مُجاهدة النور مع الظُلمة والحياة مع الموت ، حتى سقطت الأريوسية بلاهوتها العقلاني المُلفق ومنهجها الفلسفي ، بعد أن عاش أثناسيوس حياة استشهاد مُتواصِل ، عاش في الحق الذي لا يموت ظلَّ يزرع أشجاراً طوال حياته حتى تستطيع الأجيال القادِمة أن تستظِل تحتها (18) .

اقتنى أثناسيوس حياة الفضيلة ، لأنه كان يربُط بين معرِفة الله ” الثيولوچيا “ وبين الفضيلة ، لذلك قيل أنَّ من يمدح أثناسيوس يمدح الفضيلة ، إنه ذلك الرجل الإلهي الذي عَشَق الإلهيات وعاشها وكلَّمنا ودافع عنها ، مُعتبِراً أنَّ الإلهيات بعيدة عن الأشرار ، لذلك صار هو بحق معيار الأرثوذُكسية الحي ، الذي وجد فيه الروح القدس من سيتنفس لحسابه !! (19) .

إنَّ المنهج اللاهوتي للبابا أثناسيوس الرَّسولي يرتكِز على علاقته الشخصية بالمسيح ، لذلك لُقِب ” فيلوخريستو “ ، فلا يستطيع أن يتكلَّم عن الثيولوچيا إلاَّ من أحب المسيح واشتعل بنار العِشق الإلهي ، وفي ربط لاهوتي حياتي يربُط البابا أثناسيوس بين الثيولوچيا والكريستولوچيا ، مُثبِّتاً نظره على المسيح المُخلِّص الذي لم يُعلِّم الفضيلة فقط بل مارسها كمِثال حي وعملي ..

تعلَّق البابا أثناسيوس بوسائِط النِعمة (20) التي شكِّلِت فكره اللاهوتي ، فاعتبر الإفخارستيا مأكل فائِق سمائي وطعام روحاني به نتحِد بالإلهيات ، ونتناول من جسد الكلِمة نفسه فيكون لنا في أنفسنا الرب الواحِد ، وهنا نلمس رَبْط القديس أثناسيوس بينالثيولوچيا والإكلسيولوچي ، فنحن نتذوق ونعرِف اللاهوت ونتلامس معه في الكنيسة مُستودع النِعمة ، لذلك أخذ القديس على عاتِقه أن لا يُقدِّم المسيح إلاَّ مُتحِداً بكنيسته من الداخِل ، وفي كلمة واحدة كان المسيح هو نفسه الكنيسة .

كان الإنجيل والتأمُّل في كلِمة الله من أهم الأساسات التي تأسَّس عليها لاهوت القديس أثناسيوس ، فكان الإنجيل شهوِته المُفضلة ، مُعتبِراً أنَّ الكُتُب المُقدسة كافية للثيولوچيا والإعلان الإلهي ، وبذلك أمكنه أن يُنقِذ التعليم اللاهوتي من الانحراف وراء الهرطقات أو النظريات الفلسفية واليونانية ، فصارت الأرثوذُكسية الجامِعة مُتجسِدة في شخصه (21) .

رَبَطْ القديس بين الثيولوچيا والذُّكصولوجيا ، لأنَّ النَّفْس التي لها فِكْر المسيح تتوافق مع هذا الفِكْر كتوافُق القِيثارة مع من يُحرِّك أوتارها ، وهكذا النَّفْس حينما لا تصنع الباطِل تُدعى بحق قِيثارة روحية ، التي ينبغي أن تتمثَّل بالسيرافيم والشاروبيم ولا تكُف عن التَّسبيح المُتواصِل ، لأنَّ كل معرِفة ثيولوچية حقة تمتزِج بالتَّسبيح والتَّمجيد .

تمسَّك البابا أثناسيوس في منهجه اللاهوتي بالتقليد الكنسي ، ففهم اللاهوت فهماً كنسياً بعيداً عن التلوث الفلسفي اليوناني الذي أسقط أريوس الهرطوقي وأتباعه .. ، وربط القديس بين الثيولوچيا والباترولوچيامُعتبِراً أنَّ شَطَطْ الهراطِقة كان في عدم حِفظِهِم للمسيحية التقليدية ، أمَّا إيماننا نحن فمستقيم ونابِع من تعليم الإنجيل وكرازِة الرُّسُل وتقليد الآباء ومشهود له من العهدين القديم والجديد .

رَبَطْ القديس دائِماً بين الثيولوچيا والتقوى أي بين المعرِفة اللاهوتية والحياة العملية ، مُعتبِراً أنَّ العقيدة والتقوى أُختان ، فعاش ناسِكاً تقياً ، بعد أن رأى أنَّ من يريد أن يُدرِك فِكْر الناطقين بالإلهيات (Θεολόγων ) يجِب عليه أن يُقدِّم حياته ويُعاشِر القديسين (22).

ومن بين الركائِز الأثناسيانية كانت الاهتمامات المُركزة على التريادولوچيا ( الثَّالوث ) والتي أسماها القديس” اللاهوت الكامِلPerfect Theology “ ، وأيضاً أسماها ” التقوى الوحيدة “ (23) .
والنُّصرة في حرب الإيمان ودحض الهرطقات ليست نِزاع ومنطِق كلام بل إيمان وإنجيل وتقليد وتقوى والتزام عملي وسلوكي ، لذلك اعتبر القديس أنَّ الثَّالوث هو اللاهوت الكامِل وأنه التقوى الوحيدة ، بالتأمُّل في الثيولوچيا لا كدِراسة فِكرية نظرية وبُرهانات ، ولكنكممارسة عملية تقوية للفضيلة ولِشَرِكَة الثَّالوث القدوس .

وعِلْم اللاهوت Θεολογία عند البابا أثناسيوس مُرتبِط بحياة القداسة فهو يقوم على قداسِة السيرة مع الالهام والاعلان من الله ، ونقاوِة النَّفْس تُؤهِلها لتتأمَّل في الإلهيات لأنَّ أنقياء القلب يُعاينونه ..
وأثناسيوس قَبَلْ أن يكون اللاهوتي البارِع بطل مجمع نيقية وبطريرك الأسكندرية ، هو إنسان يحيا ” الثيولوچيا “ الحياة الإلهية ، هذه هي شهوِته الأولى فربط بين الأسقيطولوچيا والثيولوچيا ، أي النُّسك باللاهوت (24) .

أكَّد القديس على أولويِة الإيمان على العقل ، فتسليم المعرِفةالثيولوچية لا يمكن أن يكون بالبراهين الكلامية بل بالإيمان وأفكار التقوى والوقار ، لذلك لم يترك لنا مُؤلِفات ذات طابِع بُنائي أو تثقيفي لأنَّ حياته كلها كانت جهاد ودِفاع ، وبالرغم من خِصبه الفكري وكثافته اللاهوتية ، إلاَّ أنَّ اُسلُوبه سهل واقعي تلقائي بسيط ، يشرح الحق فقط مُكرراً ممُؤكِداً ، ويُصحِّح أفكار السابقين له ، فكان لاهوته ثابِت الأصول والاتجاه من البِداية إلى النهاية (25) .

ولم يكن لاهوت الثَّالوث الكامِل عنده نتيجة نظرة عقلانية من جانِب الإنسان بل هو عطية الله ، ونِعمة من الله ، فمعرفِة الثَّالوث قائِمة على نِعمِة الثَّالوث ، وكثيراً ما يتحدَّث البابا أثناسيوس عن اللاهوتيين بأنهم ” اللاهوتيون القديسون “ الذينَ علَّمهم الله نفسه اللاهوت الكامِل ، وسجَّله بأقلامهم في الكِتاب المُقدس ، ويتحدَّث أيضاً عن المُعلِّمين المُلهمين من الله ، ويرى أنَّ الذينَ يقرأون الإنجيل قراءة صحيحة تعبُدية يفهمونه فهماً صادِقاً ويشهدون بلاهوت المسيح .

وعلى يد اللاهوتيين الذينَ علَّمهم الله ، وعلى يدي الآباء المُعلِّمين والمُفسرين الذينَ ألهمهم الله تعلَّمنا نحن اللاهوت ، هكذا يرى القديس أثناسيوس الرَّسولي .
ففي كِتابه ” ضد الأُمم “ (26) يذكُر القديس بولس الرَّسول كواحِد من هؤلاء اللاهوتيين مُشيراً إلى مقولته الرَّسولية في ( رو 1 : 2 ) أنَّ أمور الله الغير منظورة تُرى بالمخلوقات من خلال تأمُّل العقل منذ تأسيس العالم ، وهذا يُوضِح أنَّ البابا أثناسيوس يقبل مفهوم ”لاهوت الطبيعة Theology of Nature“ .

ويقول أنَّ الحقيقة الأولى التي يُعلِّمها هؤلاء اللاهوتيون هي أنَّ الله هو الخالِق وحافِظ كل الأشياء (27) ، ويتأكد هذا التعليم في مقدمة إنجيل القديس يوحنا اللاهوتي ” كل شيء به كان وبغيرهِ لم يكن شيء مِمَّا كان “ (28) .

فهؤلاء اللاهوتيون يُعلِّموننا إذن أنَّ لوغُوس الله الذي خلق كل الأشياء هو في نفس الوقت حافِظها … وتعليم التدبير والعِناية أو نِعمة العِناية الإلهية هو تعليم مُتلازِم تماماً مع نِعمة الخلق الأولى .

ثم – أنَّ اللاهوتيين يتحدَّثون عن ظهور الله الكلِمة اللوغُوس مُتجسِداً الذي أباد الموت والفساد ، لذلك صار اللاهوتيون هم لاهوتيو المُخلِّص ، الله اللوغُوس الذي يُؤكِد لاهوته وناسوته ، ومن ثمَّ فإنَّ وحدِة أو اتحاد الله بالإنسان تتحقق وتُكتمل فيه إلى الأبد ، ومن الواضِح أنَّ اللاهوتي في رأي البابا أثناسيوس هو الذي يُعلِن ( يكشِف عن ) لوغُوس الله ، لأنَّ هذا اللوغُوس قد استُعلِن أولاً له ، واستعلان اللوغُوس هو نِعمة من اللوغُوس .

وللقديس أثناسيوس الرَّسولي مفهومه ذو الثَّلاثة أبعاد ، فهو يختص :0
بالخلقCreation
والتدبيرProvidence
والخلق الجديدRenew creation
وبمعنى آخر ، يستوعِب تاريخ الخلاص كله منذ بِداياته عند تأسيس العالم وحتى نهايته في قيامِة المسيح وإبادِة الموت والفساد ، أي تأليه الطبيعة ، وهنا مكمن مجد وفخر اللاهوت .
واللاهوتي الحقيقي هو الذي يتيقن ويُستعلن في وجوده تلك الأسرار العظيمة الثَّلاثة لعمل الله والاستعلان في آنٍ واحِد ، أعني :

الخلق ، وتدبير الخلق ، وتجديد الخلق أي الكمال

وليس الكِتاب المُقدس غاية لاهوتية !! بل هو فقط وسيلة ، أمَّا الغاية فهي الإنسان ، الشخص Person ، الذي فيه تمَّم الله كل مقاصِده جاعِلاً إياه اللاهوتي في الأيقونة والشَبَه بحسب الله ذاته .
والقديس أثناسيوس يجِد الأيقونة في الأنبياء والرُّسُل والقديسين في الكِتاب المُقدس .

أخيراً – يُؤكِد القديس على الطهارة Purity كسابِقة وضرورة للاَّهوت ، ففي كتاب ” تجسُّد الكلِمة “ يقول : ” من أجل تفتيش الكِتاب المُقدس والمعرِفة الحقيقية له نحتاج إلى حياة مُكرَّسة ونفس طاهِرة لأنه بدون فِكْر نقي طاهِر ، وبدون حياة نمتثِل فيها بالقديسين لا يستطيع الإنسان أن يُدرِك ويستوعِب كلام اللاهوتيين ، لأنه إن أراد الإنسان أن يرى نور الشمس ، يمسح عينيهِ ويُنقيهِما مًطهِّراًَ نفسه ، حتى تقدِر العين المُبصِرة أن ترى نور الشمس ..

أو كما لو كان الإنسان يريد أن يرى مدينة أو بلدة يأتي بنفسه إليها ليراها ، هكذا أيضاً الذي يشتاق أن يُدرِك فِكْر اللاهوتيين عليه أن يبدأ يغسِل ويُطهِّر نفسه بسلوكه في حياته ، وأن يقترِب من القديسين أنفسهم بالامتثال بأعمالِهِم ، والاشتراك في سيرِة حياتِهِم ليفهم ما استُعلِن لهم من الله ، وإذ يرتبِط ارتباطاً صميمياً بهم ينجو من هلاك الخُطاة ونارهم في يوم الدينونة “ .

وجاءت هذه المقولة في أُولى أعمال البابا أثناسيوس لتكشِف عن سِر حياته وعَظَمَته ، وإذا أردنا الايجاز فإنَّ القديس يقول إن الإنسان بحاجة إلى تطهير نفسه في حياته ليكون مُستحِقاً للاَّهوت .
وإذا نظرنا إلى الأمر من جهة الله ، فاللاهوت نِعمة الثَّالوث ، ومن جهة الإنسان ، فاللاهوت تلمذة غالية ونفيسة .
واللاهوت لن يُعلن لنا بإيضاحات كلامية بل بالإيمان ، ولن يُعلن لنا بالعقل إنما بروح التقوى وحاسة الوقار …
فالإيمان بالله يسبِق المسير نحو الثيولوچيا ، لأننا في البِداية نُؤمِن وبعد ذلك نعرِف وأخيراً نتكلَّم ونشهد …

إنَّ اللاهوت لا يقوم على فهم شخصي

ولا على مشيئة شخصية

بل هو تعليم إنجيلي وإعلان كِتابي

بحسب الله ذاته .
والقديس أثناسيوس يجِد الأيقونة في الأنبياء والرُّسُل والقديسين في الكِتاب المُقدس .
أخيراً – يُؤكِد القديس على الطهارة Purity كسابِقة وضرورة للاَّهوت ، ففي كتاب ” تجسُّد الكلِمة “ يقول : ” من أجل تفتيش الكِتاب المُقدس والمعرِفة الحقيقية له نحتاج إلى حياة مُكرَّسة ونفس طاهِرة لأنه بدون فِكْر نقي طاهِر ، وبدون حياة نمتثِل فيها بالقديسين لا يستطيع الإنسان أن يُدرِك ويستوعِب كلام اللاهوتيين ، لأنه إن أراد الإنسان أن يرى نور الشمس ، يمسح عينيهِ ويُنقيهِما مًطهِّراًَ نفسه ، حتى تقدِر العين المُبصِرة أن ترى نور الشمس …

أو كما لو كان الإنسان يريد أن يرى مدينة أو بلدة يأتي بنفسه إليها ليراها ، هكذا أيضاً الذي يشتاق أن يُدرِك فِكْر اللاهوتيين عليه أن يبدأ يغسِل ويُطهِّر نفسه بسلوكه في حياته ، وأن يقترِب من القديسين أنفسهم بالامتثال بأعمالِهِم ، والاشتراك في سيرِة حياتِهِم ليفهم ما استُعلِن لهم من الله ، وإذ يرتبِط ارتباطاً صميمياً بهم ينجو من هلاك الخُطاة ونارهم في يوم الدينونة “ .

وجاءت هذه المقولة في أُولى أعمال البابا أثناسيوس لتكشِف عن سِر حياته وعَظَمَته ، وإذا أردنا الايجاز فإنَّ القديس يقول إن الإنسان بحاجة إلى تطهير نفسه في حياته ليكون مُستحِقاً للاَّهوت .
وإذا نظرنا إلى الأمر من جهة الله ، فاللاهوت نِعمة الثَّالوث ، ومن جهة الإنسان ، فاللاهوت تلمذة غالية ونفيسة .
واللاهوت لن يُعلن لنا بإيضاحات كلامية بل بالإيمان ، ولن يُعلن لنا بالعقل إنما بروح التقوى وحاسة الوقار …
فالإيمان بالله يسبِق المسير نحو الثيولوچيا ، لأننا في البِداية نُؤمِن وبعد ذلك نعرِف وأخيراً نتكلَّم ونشهد …

إنَّ اللاهوت لا يقوم على فهم شخصي

ولا على مشيئة شخصية

بل هو تعليم إنجيلي وإعلان كِتابي

وتسليم رسولي وتقليد كنسي

يوصَّلنا إلى معرِفة لاهوتية صحيحة

هي الأمانة والوديعة

هي قانون الإيمان النيقاوي

ولنُصلِّي جميعاً

بالحقيقة نُؤمِن بإله واحِد ……

+++

مراجِع الفصل

1) Cont., Gen., 1.
2) CAR 1, P.G. 26, 49 A.
3) SER 1, P.G. 26, 596 C.
4) Ibid. 605 (CD).
5) Harnak, History of Dogma of The Spirit & of Trinity. P, 199.
6) Athanas, ad, Serap, 1, 30.
7) Ch. 28.
8) Harnack, Op, Cit, p. 284.
9) Ibid. P. 250.
10) Athanas, Incar, 19.
11) CAR 1, 18.
12) CAR 1, 14.
13) Athanas., C, Ar, IV, 29.
14) F. A. Staudenmeier, cited by Florovsky, Op, Cit, P. 60.
15) Athanas. Contra Arian., 1: 9.
16) Athanas. To Serapion, 11. 5.
17) Ser 1, 30.
18) P.G. 26, 577.
19) Bouyer, L’incarnation et l´Eglise – Corps du Christ dans la Theologie de St. Ath., 1943, P. 22.
20) Quasten, Patrology, vol. III, P. 66.
21) N.P.N.F. 172 & 224.
22) P.G. 26, 656.
23) SER 1, 29.

1) N.P.N.F. 103.
2) P.G. 26, 577 & Quasten, Op. Cit. P. 66.
3) Contra Gen., P.G. 26, 698 C..
4) Ibid. 84 AB.
5) Ibid. 84 CD.

 

اللاهوت فى فكر البابا اثناسيوس الرسولى

On the Form, Function, and Authority of the New Testament Letters Richard N. Longenecker

On the Form, Function, and Authority of the New Testament Letters

Richard N. Longenecker

 

Of the twenty-seven New Testament writings, twenty-one are letters. The four Gospels, of course, are not letters; neither are the Acts of the Apostles and the Apocalypse of John. Within the Acts and the Apocalypse, however, there are nine more letters: one from the Jerusalem church to Gentile Christians in Antioch, Syria, and Cilicia (Acts 15:23–29); one from the commander Claudius Lysias to the governor Felix (Acts 23:26–30); and seven from the exalted Christ through John the Seer to seven churches in western Asia Minor (Rev. 2–3).

The letters of the New Testament, together with the Gospels, Acts, and the Apocalypse, have been accepted by the church as the touchstone for Christian faith and practice and therefore are designated “canonical” (i.e., “authoritative,” “officially approved”). Most orthodox Christians receive them as the revelation of God and view them on a par in authority with the Hebrew Scriptures, the so-called Old Testament. But orthodox Christians also affirm that they are fully human writings as well, in that they were written in specific historical situations with particular purposes in mind, using the literary forms then current. As we hold, then, to both their divine inspiration and their human provenance, questions naturally arise as to the impact of the divine on the human and of the human on the divine in the composition of the New Testament letters.

Our purpose here is to consider certain aspects of the latter point, asking about the impact of the literary forms used by the letter writers of the New Testament on the authority claimed by and/or attributed to their writings. Since form and content, in varying degrees, are inseparable in the study of any body of literature, it is necessary to give attention not only to what is said but also to how it is said—viz., to the form used to convey meaning and to the function served by that particular form.

LETTERS IN ANTIQUITY

The letter form is almost as old as writing itself, reaching a high point of development in Greco-Roman times. An emphasis on education, the need to administer far-flung peoples and provinces, and increased travel made letter writing among Greeks and Romans common. Extensive correspondence was in vogue in the imperial courts of Rome, with facility in the art considered of great importance in a young man’s training.

Most of the extant Greek and Roman letters are business letters expressing the interests and concerns of commerce. Even receipts, reports, contracts, wills, and land surveys were written up in letter form. Private letters dealing with all sorts of matters are common from the period as well, as are also official letters on political, judicial, and military themes. In addition, there were public letters written for political purposes and tractate or essay-type letters for literary and educational purposes. Isocrates (436–338 b.c.) and Plato (427–347 b.c.) were two of the earliest practitioners of the art of the public letter, addressing their appeals to kings and populace. The Roman statesman Cicero (106–43 b.c.) was famous for his use of the letter to influence public opinion, with 931 of his letters being published either during his lifetime or after his death. The twenty-four letters attributed to Hippocrates, written by the Hippocratic school during the first century b.c., are good examples of public letters for educational purposes. And Seneca’s (4 b.c.–a.d. 65) Letters to Lucilius are classic examples of the tractate type of letter, with their moralistic advice on “how to live.”

Letter writing among the Jews during the Greco-Roman period is a more difficult matter to document, simply because the Jewish impulse toward preservation was directed elsewhere and therefore very few Jewish letters remain. Acts 28:21 implies that Jewish officials sent letters when necessary, and the Talmud speaks of rabbis carrying on correspondence with Jewish communities in the Diaspora.1 The letters of which the Talmud speaks were pastoral letters, in which rabbinic authorities responded to questions from Jews outside Israel and gave counsel. In addition, there were tractate-type letters circulating within Israel, such as the Letter of Aristeas and the Epistle of Jeremy.

The letter form was popular in antiquity for the same reason that it remains so today, viz., its stress on “presence”—the presence of the writer with those being addressed, even though physically separated. This feature was of great importance, not only for writers of private and pastoral letters, but also for those who wrote commercial, official, public, and tractate letters. For personal letters, “friendly relationship” was at the fore in this feature of “presence”; for pastoral letters, a past relationship and present authority were highlighted; for letters of a more public or official kind, “presence” conveyed authority; and for tractate or essay-type letters, the conversational dialogue of spoken instruction was continued.

PASTORAL LETTERS

As is well known, Adolf Deissmann was so impressed by the correspondence in form between Paul’s letters and the “true letters” of the nonliterary papyri—i.e., letters arising from a specific situation and intended only for the eye of the person or persons to whom they were addressed and not for the public at large or with the studied art of the “literary epistles” of the day—that he concluded, “I have no hesitation in maintaining the thesis that all the letters of Paul are real, nonliterary letters. Paul was not a writer of epistles but of letters; he was not a literary man.”2 What Deissmann was attempting to highlight by this distinction were (1) the genuine, unaffected religious impulse that can be seen in Paul’s letters and (2) the definite, unrepeatable situations to which they spoke. But laudatory and helpful as his thesis was at the time, it was also misleading. As Milligan pointed out:

The letters of St. Paul may not be epistles, if by that we are to understand literary compositions written without any thought of a particular body of readers. At the same time, in view of the tone of authority adopted by their author, and the general principles with which they deal, they are equally far removed from the unstudied expression of personal feeling, which we associate with the idea of a true letter. And if we are to describe them as letters at all, it is well to define the term still further by the addition of some such distinguishing epithet as “missionary” or “pastoral.” It is not merely St. Paul the man, but St. Paul the spiritual teacher and guide who speaks in them throughout.3

And scholarship today agrees that Paul’s letters are not merely private, personal letters—at least, not “private” and “personal” in the usual sense of those terms. They were written to Christian believers for use in their common life, by one who was self-consciously an apostle and therefore an official representative of early Christianity. Quite correctly Selby writes:

These letters are not, strictly speaking, private letters. As their character clearly shows, they were written to be read before the congregation to which they were addressed. The second personal plural, the allusions to various persons, and the greetings and salutations make them group communications.4

Paul’s letters are the principal New Testament writings coming closest to the standard form of nonliterary “true letters” in the Greco-Roman period. That form may be outlined as follows:

  1. An introduction, prescript, or salutation, which included the name of the sender, the name of the addressee, greetings, and often a wish for good health.
  2. The body or text of the letter, introduced by characteristic formulae.
  3. A conclusion, which included greetings to persons other than the addressee, a final greeting or prayer sentence, and sometimes a date.

All of the thirteen letters bearing Paul’s name conform in their structure and idiom to this standard form. Only the apostle’s thanksgiving sections (often with a prayer for his converts) before the body of the Letter (except in Galatians) and his parenthetic sections that follow the central body sections go beyond the common form of the day. But those features probably derive from Christian preaching and may have had parallels in Jewish pastoral letters now extinct. Romans and Ephesians, while in form like the rest, in content exceed the limits of a strictly pastoral letter and in tone suggest something more of a tractate letter. But of the rest—1 and 2 Corinthians, Galatians, Philippians, Colossians, Philemon, 1 and 2 Thessalonians, 1 and 2 Timothy, Titus—their structure, idiom, contents, and tone are those of what can appropriately be called a pastoral letter. This is true also of the writings known as 2 Peter, 2 and 3 John, and Jude.

We must speak later of tractate letters, amanuenses, anonymity, and pseudonymity. Here our purpose is to point out that the pastoral letters of the New Testament took their form from the conventions of the day, were written as substitutes for being present in person, and were meant to convey the apostolic presence, teaching, and authority. Their form was that of the Greco-Roman world from the third century b.c. to the third century a.d.; their function was parallel to that of Jewish pastoral letters; and their authority was that of Christian apostles, to whom was given the right to teach and govern the church of God. As pastoral letters, they were to be read widely in the churches (cf. their salutations and such verses as Col. 4:16; 1 Thess. 5:27). Yet as letters arising from a particular situation and speaking to that situation, their message was more circumstantially than systematically delivered. They are not tractate- or essay-type letters. They are real letters dealing pastorally with issues then current, and they must be interpreted accordingly.

TRACTATE LETTERS

What is not often enough recognized is that in addition to pastoral letters the New Testament contains tractate-type letters. Their purposes, of course, are also broadly pastoral, and their form is in many respects that of ordinary letters. But their content and tone suggest that they were originally intended to be more than strictly pastoral responses to specific sets of issues arising in particular places. And at times, one or more of the extant texts or some ecclesiastical tradition gives us a hint of this difference.

The Letter to the Romans, for example, is the longest and most systematic of Paul’s writings and more a comprehensive exposition of the apostle’s message than a letter as such. A great many proposals have been made as to its purpose and audience, with that whole discussion becoming more intense of late.5 Probably, however, we should view the body of Romans (1:18–15:13) as something of a précis of Paul’s preaching in Jewish synagogues of the Diaspora and at Jewish-Gentile gatherings, with that précis during the course of his missionary activities having become more and more polished in literary form and having been used by his converts at various times as a kind of missionary tractate giving a résumé of his message, and which, when directed to Rome, was supplemented with an epistolary introduction (1:1–17) and the personal elements of chapters 15 and 16 (esp. 15:14–16:24, allowing the possibility of a separate provenance for most of chapter 16 and viewing the doxology of 16:25–27 as part of the original tractate). Such a view would explain the internal differences of content and tone between 1:18–15:13 and 1:1–17; 15:14ff. It would also go far to explain the uncertainties within the early church regarding the relation of the final two chapters to the rest of the writing, the absence of “in Rome” at 1:7 and 15 in some minor manuscripts, and the presence of two doxologies at 15:33 and 16:25–27, with the Western and Byzantine Texts adding a third at 16:24.

The so-called Letter to the Ephesians also has the appearance of a tractate letter, particularly if we accept the testimony of the earliest extant texts (Aleph, B, P46) and omit the words “in Ephesus” at 1:1. It may be an introduction by an early disciple of the apostle to the letters of Paul, as E. J. Goodspeed and others have argued. More likely it was originally meant to be a précis of Paul’s teaching on redemption in Christ and the nature of the church, and was sent out as something of a circular tractate letter to churches in the Roman province of Asia, of which Ephesus was the capital.

The Letter to the Hebrews has less of a letter form than any New Testament epistolary writing considered so far, being exceeded in this respect only by James and 1 John. Without salutation, without stated author, without specified address, it is almost entirely an expositional and hortatory tractate. Only at the close of the final chapter is there the form and idiom of a letter: in asking for the prayers of its addressees (13:18–19), in a rather eloquent benediction (13:20–21), and in a personal subscription (13:22–25). Just who wrote it and to whom it was written have been continuing questions that probably will never have a final answer—though I believe that Apollos to Jewish Christians with an Essene-type background is as good a guess as any. The original recipients of the letter undoubtedly knew who the author was, probably through a messenger authorized to deliver the composition. Nevertheless, whatever its provenance, Hebrews is in form a tractate letter, and that fact has some bearing on its interpretation.

Likewise, three of the seven so-called Catholic or General Epistles are identifiable as tractate letters. The Letter of James begins with a salutation typical of a letter (1:1), but thereafter it is a collection of moral maxims and exhortations. Probably the writing was first a sermon representative of James’s teaching—perhaps extracts drawn from a number of his sermons—and only later given a salutation and circulated widely as a tractate letter. First Peter also seems to be a compendium of Petrine sermonic and catechetical materials (1:3–4:11), to which has been added the salutation of 1:1–2, the exhortations of 4:12–5:11, and the personal subscription of 5:12–14. In the form sent out to Christians in the five provinces of northern Asia Minor and preserved for us in the New Testament, the work is genuinely epistolary. But in that it incorporates earlier material representative of Peter’s preaching—perhaps even an early baptismal hymn (3:18–22) used by Peter in his sermons and liturgical practice—it has the character of a sermonic tractate with an attached letter. So too 1 John probably was originally a compendium of John’s characteristic teaching. At no point does it have the form or idiom of a letter, though 2 and 3 John may have served as covering letters in two instances.

The designation “Catholic” or “General” originated on the assumption that these writings were intended for Christians “universally” or “generally,” in contrast to those of Paul that were addressed to specific congregations or persons. But it is becoming increasingly clear, particularly because of their affinities with the Qumran materials, that these writings are in reality Jewish-Christian compositions that circulated at first primarily within the Jewish-Christian cycle of witness in the church. Like their Jewish compatriots who collected representative teachings of prominent rabbis, Jewish Christians seem also to have been interested in the characteristic teachings of their three most prominent leaders—Peter, James, and John—and to have wanted this material disseminated widely, particularly to Jewish-Christian congregations of the Diaspora. The tractate-type letter was the form selected—either the more conventional tractate letter (as James), a tractate with an attached letter (as 1 Peter), or a tractate with a covering letter (as 1 John, with 2 and 3 John)—for it not only made known the apostolic teaching but also conveyed the apostolic presence and authority.

AMANUENSES

The extant nonliterary Greek papyri, the bulk of which (some 40,000 to 60,000) were found during the 1890s in the Fayum of Egypt, indicate quite clearly that an amanuensis or secretary was frequently, if not commonly, used in the writing of letters in the years before, during, and after the first Christian century. Literary men of the day may have preferred, as did Quintillian (c. a.d. 35–95), not to use an amanuensis for their personal correspondence, or they may have agreed with Cicero (106–43 b.c.) that dictation to a secretary was an expediency necessitated only by illness or the press of duties. But the papyrus materials, show that a common practice for more ordinary men was to use an amanuensis to write out their letters, after which the sender himself would often—though not invariably—add in his own hand a word of farewell, his personal greetings, and the date. Frequently the presence of an amanuensis is obvious by a difference of hands in a letter: the salutation, body, and conclusion being written in a more regular and practiced hand, with what follows more crudely put down. Sometimes the involvement of an amanuensis is directly stated; at times it can be inferred from what is said; and at times it may be assumed by the more official nature of the contents and the quality of the syntax, as well as by a more literary hand writing. A number of papyrus letters state that an amanuensis was used because the sender was “unlettered” (μὴ ἴδοτες γράμματα or ἀγράμματος) or “wrote slowly” (διὰ τό βραδύτερα γράφειν), though probably the difficulty of procuring the necessary materials for writing and the relatively low cost of hiring a secretary—who would not only do the actual writing but also have at hand all that was necessary for the task—helped to make the use of an amanuensis both fashionable and practical, even for those for whom writing itself was no problem.

Writing skills of amanuenses undoubtedly varied. A third-century a.d. Latin payment schedule reads: “To a scribe for best writing, 100 lines, 25 denarii; for second-quality writing, 100 lines, 20 denarii; to a notary for writing a petition or legal document, 100 lines, 10 denarii.”6 The Greek biographer Plutarch (c. a.d. 46–120) credited Cicero (106–43 b.c.) with the invention of a system of Latin shorthand, relating how Cicero placed a number of scribes in various locations in the senate chamber to record the speeches and taught them in advance “signs having the force of many letters in little and short marks”7—though it may have been Tiro, the freedman of Cicero, who actually was the inventor, for inventions of slaves were often credited to their masters. The reference by Seneca (4 b.c.–a.d. 65) to slaves having invented among their other notable accomplishments “signs for words, with which a speech is taken down, however rapid, and the hand follows the speed of the tongue”8 seems to support Tiro, or someone like him, as the originator and to suggest that at least by a.d. 63–64, when Seneca’s Letters to Lucilius were written, a system of Latin shorthand was widely employed. The earliest comparable evidence for the existence of a system of Greek shorthand is contained in P. Oxy. 724, dated March 1, a.d. 155 (“the fifth of Phamenouth in the eighteenth year of the emperor Titus Ailios Hadrian Antonius Augustus Eusebius”), wherein a former official of Oxyrhynchus by the name of Panechotes binds his slave Chaerammon to a stenographer named Apollonius for a term of two years in order to learn shorthand from him. Though Panechotes’ letter is a second-century writing, the developed system of shorthand that it assumes and which Chaerammon was to take two years to learn presupposes a workable system of Greek shorthand prior to this—at least in the first Christian century, and probably earlier.

The extent of freedom that amanuenses had in drafting letters is impossible to determine from the evidence presently at hand, and it undoubtedly varied from case to case. Amanuenses may have written a client’s message word-for-word or even syllable by syllable; they may have been given the sense of the message and left to work out the wording themselves; or they may even have been asked to write in the sender’s name on a particular subject without being given explicit directions as to how to develop the topic, especially if the sender felt his amanuensis already knew his mind on the matter. Scholarly opinion as to what the evidence indicates on this is sharply divided. Roller, for example, believed that ancient amanuenses had a great deal of freedom and that dictation of a word-for-word variety was rare,9 whereas Hitchcock drew exactly the opposite conclusion.10 But whatever method or methods may have been used in the writing of any particular letter, the sender often added a personal subscription in his own hand, thereby attesting to all that was written. At times he even included in that personal subscription a résumé of what had been written, thereby acknowledging further the contents and details.

Although we possess no autograph of any of the New Testament letters, it may be assumed that their authors followed current letter-writing conventions in their use of amanuenses as well—though in this case, amanuenses were probably more apostolic companions than trained scribes. In 2 Thessalonians 3:17 Paul says explicitly that it was his practice to add a personal subscription to his letters in his own handwriting, thereby attesting to what was written and assuring his converts that the letter was really from him. Such a statement fits well the literary convention of the day and alerts us to the likely presence of other such personal subscriptions in his own handwriting within the Pauline corpus, though it provides no guidance as to how to mark them off precisely. Likewise, the words of 1 Corinthians 16:21 and Colossians 4:18 (“I, Paul, write this greeting in my own hand”) give reason to believe that the personal subscriptions in these letters were also distinguishable by their handwriting from their respective texts—necessitating, of course, the involvement of amanuenses in what precedes the subscriptions. The words “I, Tertius, who wrote this epistle in the Lord” in Romans 16:22 cannot be understood in any way other than that an amanuensis was involved to some extent in Paul’s letter to Christians at Rome (or, as some suggest, to believers at Ephesus). Galatians 6:11, while admittedly allowing some uncertainty as to the precise extent of the reference, recalls certain features observable in the subscriptions of Greek letters when it declares, “See what large letters I use as I write to you with my own hand!” And Philemon 19 may well be the beginning of such a personal subscription with its words, “I, Paul, am writing this with my own hand,” thereby attesting what has been said in verses 1–18 and going on to restate a willingness to assume all Onesimus’s debts to Philemon.

Of the non-Pauline materials in the New Testament, 1 Peter among the Epistles and John among the Gospels (to go for a moment beyond just letters) are most plausibly to be viewed as written by amanuenses. As Milligan observed, “In the case of the First Epistle of St. Peter, indeed, this seems to be distinctly stated, for the words διὰ Σιλουανοῦ, ‘by Silvanus,’ in c. 5:12, are best understood as implying that Silvanus was not only the bearer, but the actual scribe of the Epistle. And in the same way an interesting tradition, which finds pictorial representation in many mediaeval manuscripts of the fourth Gospel, says that St. John dictated his Gospel to a disciple of his named Prochorus.”11

Just how closely amanuenses were supervised in the writing of the canonical pastoral and tractate letters is impossible to say. As we have seen, the responsibilities of amanuenses could be quite varied, ranging all the way from taking dictation verbatim to “fleshing out” a general line of thought. Paul’s own practice probably varied with the circumstances encountered and the companions available. Assuming, as Roller proposed, that amanuenses were often identified in the salutations (particularly if they would be known to the addressees), more might be left to the discretion of Silas and Timothy (cf. 1 Thess. 1:1; 2 Thess. 1:1) or to Timothy alone (cf. 2 Cor. 1:1; Col. 1:1; Phil. 1:1; Philem. 1) than to Sosthenes (cf. 1 Cor. 1:1) or Tertius (cf. Rom. 16:22)—and perhaps much more to Luke, who alone was with Paul during his final imprisonment (cf. 2 Tim. 4:11). And if in one case an apostle closely scrutinized and revised a letter, at another time he may have allowed it to go out practically unaltered.

A high view of New Testament authority does not demand that everything was actually written by an apostolic man himself, nor does the recognition of an amanuensis at work in a writing diminish our access to the mind of the writer or lessen our confidence in its message. Historically, in all extant letters from antiquity—as well, of course, as in all modern letters, unless there is a disclaimer—it is assumed that the sender is responsible for everything written at his direction and attested by his hand, however the actual composition took place. And theologically, a doctrine of inspiration refers to the original writing as finally produced and faithfully reproduced, whatever methods and procedures were used in its formulation. The recognition of amanuenses at work in the New Testament writings keeps us from being wooden in either criticism or interpretation, but it does nothing to detract from the New Testament’s authority. Rather, being sensitive to the methods used in the writing of canonical letters, we gain a new appreciation for their message, for we are able to interpret a message better by understanding not only its linguistic features and historical context but also its literary conventions.

ANONYMITY AND PSEUDONYMITY

While the involvement of amanuenses in the writing of New Testament letters poses no threat to their authority, many view their anonymity (Hebrews, 1 John, and probably Ephesians) and possible pseudonymity (e.g., the Pastoral and General Epistles) as doing just that. With F. E. D. Schleiermacher, J. G. Eichhorn, W. M. L. de Wette, and F. C. Baur, a new literary category of “canonical pseudepigrapha” arose in nineteenth-century criticism and has been commonplace in New Testament scholarship ever since.

The issue is usually treated by claiming that pseudonymity was merely a literary convention of the day—an innocent literary device under no onus of deception, forgery, or blame—and was therefore acceptable to early Christians, as it was to others in antiquity. Appealing for support to the fact of numerous anonymous and pseudonymous writings in antiquity, the proponents of such an approach are mainly interested in the psychology underlying the production of such materials and not in their acceptance. But Candlish long ago aptly disputed the relevance of an appeal to ancient historiography as a justification for the innocence and acceptability of pseudonymity, concluding from a study of the evidence

that in the early Christian centuries, when any work was given out as of ancient or venerable authorship, it was either received as genuine, which was done with very great facility of belief, or rejected as an imposture; that such fictions, though very common, were regarded, at least by the stricter Christian teachers, as morally blameworthy; and that the notion of dramatic personation as a legitimate literary device is never mentioned, and seems never to have been thought of as a defence of such compositions. If any author wrote a pseudonymous book in such a way, he must have been very unsuccessful in his purpose; for it was generally taken as a genuine work, or else rejected as feigned and worthless.”12

Aland has recently proposed an eschatological and theological explanation for these issues.13 He argues that with the expectation of an imminent Parousia and the experience of the Spirit’s active presence in the church, there was no impulse among Christians to assign authors’ names to their writings, but with the abating of eschatological enthusiasm and the loss of a consciousness of the Spirit’s activity, there arose an awareness of history that called for the assigning of authors to the describing of events that accompanied revelations. So in the earliest period of the Christian movement a notion of anonymity dominated, but some time around the beginning of the second century the ascription of authorship became important—and with that later interest pseudonymity arose. Paul’s letters, of course, do not fit into such a pattern, but Aland identifies them as real letters to be distinguished from literary epistles and so does not consider them in opposition to his thesis. Yet it must be asked (1) if Aland has not inadvertently resurrected Deissmann’s overdrawn distinction between letters and epistles in the interests of his thesis; (2) why Paul was able to manifest the Spirit’s activity and also identify his authorship, whereas others could not; and (3) whether the picture of the early church as drawn by Aland and others who stress the effects of “Parousia Delay” and the rise of “Early Catholicism” is really accurate.

A better approach, I believe, is to recognize (as I have done above) that there are features that distinguish pastoral letters from tractate letters in the New Testament—even though both types are broadly pastoral in purpose and of the same genus in form—and to relate the questions of anonymity and pseudonymity to these two species of related writings. The issues are somewhat different for each, and therefore we must deal with them separately.

Eleven of the Pauline letters and four of the General Epistles we have called pastoral letters, and of this lot 1 and 2 Timothy, Titus, 2 Peter, and Jude are most commonly identified as canonical pseudepigrapha. Yet a good case for the internally claimed and traditionally accepted authorship of each is by no means impossible. With Schleiermacher’s 1807 attack on the genuineness of 1 Timothy and Eichhorn’s 1812 widening of that criticism to include all three so-called Pastoral Epistles, the category of canonical pseudepigraphy was born. Principally on the basis of their more formal tone and the high frequency of words not found elsewhere in the acknowledged writings of Paul, these three letters were discounted and have been set aside by many as not being by Paul but a later Paulinist. But taking into consideration the difference of topic in these letters, the altered situation presupposed by them for the apostle at the time of writing, and the probable use of an amanuensis, such features need not be considered fatal to Pauline authorship. In fact, scholarship of late has begun to return to a consideration of the authenticity of these letters as a live possibility—largely along the lines of Otto Roller’s 1933 vindication of them on an amanuensis hypothesis, as witness the treatments by J. Jeremias (1949), J. N. D. Kelly (1963), and C. F. D. Moule (1965).

The absence of any reference to an amanuensis in 2 Peter may be the key to its stylistic and conceptual differences from 1 Peter. Perhaps this is how Peter himself wrote when not aided by Silas (1 Peter 5:12), Mark (à la Papias on the composition of Mark’s Gospel), or Luke (cf. Peter’s preaching in Acts). And the departure from the LXX in its one Old Testament quotation in 2:22, evidently translated directly from the Hebrew of Proverbs 26:11, suggests a Hebraic background for 2 Peter. Likewise, a circumstantial case can be made for Jude. Paul’s reference to “brothers of the Lord” carrying on an itinerant ministry (1 Cor. 9:5) suggests that Jude’s conversion and prominence in the early church was no more impossible than was James’s. “It is not inconceivable,” as Beasley-Murray points out, “that after the death of James, Jude should have addressed a similar circle of readers as his brother to safeguard them from new perils.”14 The reference to 1 Enoch in verse 14 and the allusion to the Assumption of Moses in verse 9 seem to relate the author and his readers to the category of Jewish Christians. And it is difficult to see why a pseudonymous writer would assume the name of Jude to commend his work when a more prominent figure would surely have served better.

Anonymity is principally an issue for what we have called tractate letters in the New Testament. But tractate letters were undoubtedly not anonymous to their original recipients, being introduced by messengers who delivered them and/or covering letters from their authors. Thus Hebrews, while anonymous, was probably introduced by the one who delivered it, with its personal subscription of 13:18–25 validating the messenger’s statements and emphasizing the author’s “presence.” Likewise, 1 John was probably delivered by someone who could speak regarding its provenance, and it may have had covering letters (2 and 3 John) attached on two occasions. Romans, James, and 1 Peter, while probably formulated first as tractates, were sent out as letters and in this manner circulated widely. And the hypothesis that Ephesians was authored by Paul at about the same time as the Colossian letter and meant to be something of a tractate or circular letter to Christians in the Roman province of Asia is as good an explanation for its peculiarities of style, structure, and contents as any other.

Anonymity may be a frustrating phenomenon for us today as we seek to reconstruct situations and purposes, but it is doubtful that it was to the original authors and recipients. Messengers, covering letters, and incorporated personal references all served in various ways to provide these details and to strengthen the feature of “presence.” Ecclesiastical tradition has attempted to preserve these details; and while we may not be prepared to accept everything that tradition tells us on these matters, it is folly to refuse everything simply because it is traditional. Anonymity, therefore, it may be assumed, had no necessary adverse effect on authority for the original recipients of the canonical tractate letters, and it need not be a disparaging factor for us either.

SELECTED BIBLIOGRAPHY

Aland, Kurt. “The Problem of Anonymity and Pseudonymity in Christian Literature of the First Two Centuries,” Journal of Theological Studies 12 (1961): 39–49; also in The Authority and Integrity of the New Testament (SPCK Theological Collections 4). London: SPCK, 1965. Pp. 1–13.

Bahnsen, Gregory L. “Autographs, Amanuenses and Restricted Inspiration,” Evangelical Quarterly 45 (1973): 100–110.

Bahr, Gordon J. “Paul and Letter Writing in the First Century,” Catholic Biblical Quarterly 28 (1966): 465–77.

———. “The Subscriptions in the Pauline Letters,” Journal of Biblical Literature 87 (1968): 27–41.

Deissmann, Adolf. Light From the Ancient East, trans. L. R. M. Strachan. London: Hodder and Stoughton, 1909.

Doty, William G. Letters in Primitive Christianity. Philadelphia: Fortress, 1973.

Exler, Francis X. J. “The Form of the Ancient Greek Letter: A Study in Greek Epistolography.” Dissertation, Catholic University of America, 1923.

Funk, Robert W. “The Letter: Form and Style,” in Language, Hermeneutic, and Word of God. New York: Harper and Row, 1966. Pp. 250–74.

———. “The Apostolic Parousia: Form and Significance,” in Christian History and Interpretation. Studies Presented to John Knox, ed. W. R. Farmer, C. F. D. Moule, and R. R. Niebuhr. Cambridge: Cambridge University Press, 1967. Pp. 249–68

———. “The Form and Structure of II and III John,” Journal of Biblical Literature 86 (1967): 424–30.

Guthrie, Donald. “The Development of the Idea of Canonical Pseudepigrapha in New Testament Criticism,” Vox Evangelica 1 (1962): pp. 43–59; also in The Authority and Integrity of the New Testament (SPCK Theological Collections 4). London: SPCK, 1965. Pp. 14–39.

Koskenniemi, Heikki. Studien zur Idee und Phraseologie des griechischen Briefes bis 400 n. Chr. Helsinki: Suomalaien Tiedeakatemie, 1956.

Longenecker, Richard N. “Ancient Amanuenses and the Pauline Epistles,” in New Dimensions in New Testament Study, ed. R. N. Longenecker and M. C. Tenney. Grand Rapids: Zondervan, 1974. Pp. 281–97.

Mavrodes, George I. “The Inspiration of Autographs,” Evangelical Quarterly 41 (1969): 19–29.

Milligan, George. The New Testament Documents, Their Origin and Early History. London: Macmillan, 1913.

———. Selections From the Greek Papyri. Cambridge: Cambridge University Press, 1910.

Milne, H. J. M. Greek Shorthand Manuals: Syllabary and Commentary. London: Oxford University Press, 1934.

Moule, C. F. D. “The Problem of the Pastoral Epistles: A Reappraisal,” Bulletin of the John Rylands Library 47 (1965): 430–52.

Pack, Roger A. The Greek and Latin Literary Texts From Greco-Roman Egypt, 2nd. ed. Ann Arbor: University of Michigan Press, 1965.

Roberts. C. H. Greek Literary Hands, 350 B.C.–A.D. 400. Oxford: Clarendon, 1956.

Roller, Otto. Das Formular der paulinischer Briefe, ein Beitrag zur Lehre vom antiken Briefe. Stuttgart: Kohlhammer, 1933.

Sanders, Jack T. “The Transition From Opening Epistolary Thanksgiving to Body in the Pauline Corpus,” Journal of Biblical Literature 81 (1962): 348–62.

Schubert, Paul. “Form and Function of the Pauline Letters,” Journal of Religion 19 (1939): 365–77.

Sherk, Robert K. Roman Documents From the Greek East: Senatus Consulta and Epistulae to the Age of Augustus. Baltimore: Johns Hopkins, 1969.

Stirewalt, M. Luther, Jr. “The Form and Function of the Greek Letter-Essay.” A paper distributed to the Society of Biblical Literature Seminar on “The Form and Function of the Pauline Letter,” 1971.

Turner, Eric G. Greek Manuscripts of the Ancient World. Princeton: Princeton University Press, 1971.

Wendland, Paul. “Die urchristlichen Literaturformen,” in Handbuch zum Neuen Testament, I. 3. Tübingen: Mohr, 1912. Pp. 339–45.

White, John L. The Form and Function of the Body of the Greek Letter: A Study of the Letter-Body in the Non-Literary Papyri and in Paul the Apostle. Missoula: Scholars, 1972.

 

1 Cf. J. Neusner, A Life of Yohanan ben Zakkai, Ca. 1–80 C.E., 2nd. ed. (Leiden: Brill, 1970), pp. 238–41.

2 Adolf Deissmann, Light From the Ancient East, trans. L. R. M. Strachan (London: Hodder and Stoughton, 1909), p. 232; cf. pp. 224–46.

3 George Milligan, The New Testament Documents, Their Origin and Early History (London: Macmillan, 1913), p. 95.

4 Donald J. Selby, Toward the Understanding of St. Paul (Englewood Cliffs: Prentice-Hall, 1962), p. 239.

5 Cf. K. P. Donfried, ed., The Romans Debate (Minneapolis: Augsburg, 1977).

6 Edictum Diocletiani de pretiis rerum venalium, col. vii, pp. 39–41.

7 Plutarch, Parallel Lives 23, on Cato the Younger.

8 Seneca, Ad Lucilium Epistulae Morales XC. 25.

9 Otto Roller, Das Formular der Paulinischer Briefe (Stuttgart: Kohlhammer, 1933), p. 333.

10 F. R. M. Hitchcock, “The Use of graphein,” Journal of Theological Studies 31 (1930): 273–74.

11 Milligan, New Testament Documents, pp. 22–23; cf. pp. 160–61 and plate V.

12 J. S. Candlish, “On the Moral Character of Pseudonymous Books,” The Expositor, 4 (1891): 103.

13 Kurt Aland, “The Problem of Anonymity and Pseudonymity in Christian Literature of the First Two Centuries,” Journal of Theological Studies 12 (1961): 39–49.

14 George Beasley-Murray, The General Epistles (New York: Abingdon, 1965), p. 73.

أسبابٌ لموتِ المسيح Reasons For The Death of Jesus

يُجيبنا عالم العهد الجديد كريج ايفانز بالآتي:

“العديدُ من النّاسِ ومن ضمنهِم المسيحيينَ , لا يعرفون لماذا تم إعدامُ المسيحِ, لماذا واجهَ معارضة مميتةً . لقد سمعتُ أناساً يقولون أن يسوع قد حوكم بالموت لأنه كانَ رجلاً جيداً أو لأنَ الفريسيين المُنافقينَ قد خافوا منهُ . ولكن هذا في الواقع شيء خارج عن المنطقِ . تكشفُ أناجيل العهد الجديد عن عدة عواملَ تاريخية , كلها في نهاية حياةِ يسوع ,التي قادت إلى إعدامهِ , أمّا طيبَتهُ وخِصامه مع الفريسيين ليسا من بينهم .

 

السّبب الأول أن يسوع أثار معارضيه , بسبب الطّريقة التي دخَلَ بها إلى أورشليم في بداية الأسبوع الأخير من خدمتهِ . فقد دخَلَ المدينة المُقدسة راكباً على جحشٍ , وسطَ الهُتافاتِ ” أوصنا! , مباركة مملكة أبينا داود الآتية باسم الرب!”(مرقس 1:11-10), دخول المدينة بهذه الطّريقة فإنه قد حاكى عمداً سليمان ابن داوود , الذي قبل ألف سنة قاد بغلةً بشكل ملوكي للإعلان عن مُلكه (1مل 32:1-40), وهكذا دخول أيضاً أجابَ على النبوءة القديمة عن الملك المُنتظر المتواضع (زك9:9)

وليس فقط ما فَعلُهُ يسوع يُذكّرُ بآمالِ مجيء ابن داوود , بل أنّ الجماهير عكَسَت نفس التفسير الشّعبي له.

“فأوصنا” هي كتلميح لمزمور 118 ,كانَ بمثابة إعلان أن هذا الذي يأتي إلى الهيكل “باسم الرب” ليس أحد آخر غير داوود,المُقدر أن يكون ملكَ اسرائيلَ وحاكِمها.(انظر مز 19:118-27,بحسب الصياغة الآرامية).وكهذا حدث يقترحُ في مفاهيمَ غيرَ مغلوطة أنّ ملِكَ اسرائيلَ هو يسوع, وليسَ قيصر.وبالتالي من اللحظة الأولى لدخول أورشليمَ, فإنّ يسوع قد كانَ في وضع تصادم مع السُّلطة الرّومانيّة.

السّبب الثاني أن يسوع قد أثار مُعارضيهِ, كانَ بسبب أفعالهِ في ساحةِ الهيكلِ . ففعلُهُ المشهور قد عطّل حركةَ تجارة الذبائِح , وتحدّى الكهنة المُسيطرين بكلماتٍ مُقلِقة (مر 15:11-18):

أليس مكتوبا:

 بيتي بيت صلاة يدعى لجميع الأمم؟

 وأنتم جعلتموه مغارة لصوص”

 

الجزء الأول من هذا الاقتباس مأخوذ من اشعياء 7:56 التي هي جُزء من وحي الذي يتطلع إلى اليوم عندما يكون كل النّاس , الأمم واليهود من بعيد,سيأتون إلى أورشليم وسيكون مُرحّباً فيهم.كُلّ النّاس سيعبدون إله اسرائيل:وستُقبل هداياهم وصلواتهم سَتُسمع .فهذا الوحي لم يعني شيئاً جديداً لليهود في ذلك الوقت , فهو يعكس الهدف الأصلي من الهيكل , كما هو موجود في صلاة سليمان الخلاصية القديمة (1مل41:8-43),فما فعلهُ يسوع وسأل عنه فهو يُطبق ما جاء في وحيّ اشعياء والتي تعني أنّ سلطات الهيكل قد فشلوا في اداء خدمتهم.

فالهيكل لم يَعُد مكاناً للصلاة لكل الأمم , بل قد أصبح “مغارةَ لصوص” .وهنا في الجزء الثّاني فإنّ يسوع يُلمّح إلى النّقد اللّاذع في ارميا لتأسيس الهيكل في أيامِه(ار11:7), مُحذّراً بأنّ الله سيدمر الهيكل ,فالكهنة المُسيطرين والكَتبة والشيوخ قد كانوا قد شعروا بالإهانة بسبب نقد يسوع وكلماتهِ الهجوميّة.

فهذه العِظة المليئة بالغضب , المبنية على ارميا 7 والذي قد يُدخل في المشاكل موثّق عند يوسيفوس[مؤرخ يهوديّ]. فيوسيفوس يُخبرُنا عن يشوع بن حنانيا ,والذي بدأ عام 62م بالتنبأ بهلاك مدينة أورشليم وهيكلها المشهور.مثلَ يسوع النّاصري فإن يشوع بن حنانيا أشار إلى ارميا 7 عندما كانَ بالقُربِ من الهيكل.(Josephus, J. W. 6.300-305; cf. Jer. 7:34)..فإنّ هذا “يشوع” كان محظوظاً,فعلى خلافِ يسوع النّاصري فإن يشوع بن حنانيا لم يُعدم(بالرغم من مُطالبةِ القادة الدّينين بأن يموت), ولكن قد أُعفيَ عنهُ.

وعلى أيه حالِ فإن حظه قد انتهى بعد سبع سنواتٍ عندما , في حصارٍ,قد قُتِلَ يشوع بن حنانيا بواسطة صخرة منجنيق التي اندفعت على الحائط.

“السبب الثالث أن يسوع قد قوبل بالمعارضة هو قوله لمثل “حقل الكرم” (مر 1:12-12). فهو قد روى هذا المثل كإجابة غير مباشرة للسؤال الذي وُضِع أمامه بواسطة الكهنة المسيطرين وأتباعهم, والذين طلبوا منه أن يعرفوا بأي سلطان قد فعل يسوع ما فعل في المنطقة المحيطة بالمعبد(الهيكل).(مر27:11-33). وهذا سيء بشكل كافٍ أن يسوع قد بنى مثَلَه هذا على مثَل اشعياء لحقل الكرم , والذي فيه تم تحذير إسرائيل بقرب حدوث الدينونة بسبب فشلهم في تطبيق العدالة.(اشعياء 1:5-7). وما جعل مثل يسوع مزعجاً على وجه التحديد للكهنه ذوي النفوذ أن مثَل اشعياء أصبح يُفهم على أنه موجّه بشكل أوليّ  ضد تأسيس المعبد (الهيكل). نستطيع أن نرى هذا المنظور في إعادة صياغة نص اشعياء بالآرامية , في التفاسير الرابانية اللاحقة , وأيضاً في لفافة من قمران (4Q500) والتي تؤرخ إلى القرن الأول ق.م. النقطة التي يشير إليها يسوع من الصعوبة أن تفوَّت , بسبب تمردهم على الله , وخصوصاً كما يُرى من تآمرهم لقتل ابنه , فالكهنة المسيطرين قد واجهوا الحكم.فهذا التهديد ,معاً والتهديد المُتضمن قبل قليل عندما استخدم يسوع ارميا 7 , قد حثّ الكهنة ذوي النفوذ ليسعوا وراء حياة يسوع.

 

السبب الرّابع أن يسوع قد قوبل بالمعارضة, كانَ بسبب قيامِ المرأة غير المعروف اسمها بمسحهِ بالطيب(مر3:14-9).ولسنواتٍ عديدة قد رفض المفسرون أن يُفسروا هذا الفعل كمسحةٍ مسيانيّة من جهةِ المرأة,مقترحين بدلاً من ذلك أنّه مسحة عيد الفصح.ربما مثل ما يوافق في يومنا هذا دبق شجرة عيد الميلادChristmas mistletoe. هذا الرّفض العلمي ربما كان مبنياً بشكلٍ خاطئ على الفرض من البعض أنّ المسيح لم يفهم نفسه بمفاهيمَ مسيّانيّة.هذا المفهوم الغريب قد تمّ تحديهِ بسبب اكتشاف لفافة قمران المتأخرة والتي لا تقل أهمية (4Q521) والتي تتحدثُ بكلماتِ شفاءٍ والتي ستحدث عندما يُظهر المسيّا نفسهُ , أعمالٍ توازي بشكلٍ قريبِ ما قاله يسوع بشكلٍ مُختصر في رده على المسجون يوحنا المعمدان مُثبَط العزيمة.(متى 2:11-6,لو18:7-23).من هذا الاكتشاف المُهم , فإنّ العُلماء الآن مُنفتحينَ أكثر لتأكيد ما قالتهُ الأناجيلُ طوالَ الوقتِ ,أنّ يسوع قد فهم نفسه كمسيّا اسرائيل .كيف نُعلل هوية يسوع في كل مكان على أنه المسيح , أنّ يسوع لم يعتقد في نفسهِ بهذه المُصطلحاتِ , سؤالٌ لم يكن كافياً لإثارة اعجابِ هؤلاء العلماء المُشككين.

النقطة الهامة في هذا الحدث أنه في الوقت ذاته بعدما قامت المرأة بمسح يسوع , غادر يهوذا الاسخريوطي ليخون سيده(مر10:14-11),فالتباين بين اسم التلميذ الذي قام بفعل الغدر , والمرأة غير معروفة الاسم التي قامت بفعل التقوى , قد تمّ التعليق عليهما مراراً. فهو قطعة أدبية فنية ,بلا شك!ولكن أحياناً قد تمّ تجاهُل أن أفعال المرأة من المحتمل قد وصلت للكهنة المُسيطرين , مع عقد صفقة يهوذا!

 لم يستحق يهوذا المال فقط من خلال إرشاد الكهنة المسيطرين لمكان صلاةِ يسوع الخاص , بل سيخبرهم بشهادة عما علّم يسوع وكيف اعتبره التلاميذ .فالمرأة التي قامت بمسح يسوع ستكون مهمة جداً لدرجة أنهُ من الصّعب تجاهلها.

فهيَ قد تزود أسباباً أكثر لتدمير يسوع .

في النهاية ,فإن السّلـطات اليهودية سعت لقتل يسوع ليس لأنه رجل صالح ولكنّ يسوع تم ادراكه أنه يُشكلُ تهديداً سياسياً جاداً, فرسالته لحكم الله قد هددت الوضع الراهن.والتي لم يرد الكهنة المسيطرين أن تُقلب .فإن يسوع دخَلَ أورشليمَ كالممسوح ابن داوود,فهو فرض السّلطة في ساحة الهيكل كما لو يملك السّلطة المسيانيّة , فهو احتكم إلى هدف الهيكل بطريقة تُذكّر بصلاة سليمان الخلاصية للهيكل بطريقة تشير إلى أنه الملك , وهو بالفعل قد تمّ مسحه على الأقل من خلال تابعٍ واحد, مسحةٍ في كل الاحتمالات تُفسر على أنها لها أهمية مسيانية .  بالكادِ يكون الأمرُ مُفاجئاً أنّ رئيسُ الكهنة الغاضب يسألُ يسوعَ مباشرةً “أأنت المسيحُ ابنُ المبارك ؟” , أن الحاكم الرّوماني قد وضع بالقرب من الصليب لوحة تُقرأ” هذا يسوع ,ملك اليهود”.

 

 Craig A. Evans, N.T Wright,(2009) Jesus The Final Days What Really Happened, Westminster John Knox Press,pp.5-9

ألوهية السيد المسيح والقديس أغسطينوس

ألوهية السيد المسيح والقديس أغسطينوس

ألوهية السيد المسيح والقديس أغسطينوس

ألوهية السيد المسيح والقديس أغسطينوس 

لقد ضُربت (أيها الموت)، لقد جُرحت، لقد سقطت طريحًا، لكن جُرح ذاك الذي خلقني. يا موت، يا موت، هوذا الذي أوجدني جُرح من أجلي وبموته غلبك. بنصرة سيقولون: “أين غلبتك يا موت؟ أين شوكتك يا موت؟[2]

الآن عندما يقول: “الذي يؤمن بي، ليس يؤمن بي، بل بالذي أرسلني”. ماذا نفهم سوى أنه ظهر كإنسانٍ للبشر بينما بقي غير منظور بكونه الله؟ ولكي لا يظن أحد أنه ليس بأكثر مما يروه فيه يشير إلى الإيمان به كمساوٍ للآب في الشخصية والرتبة… فمن يؤمن بالآب يلزمه أن يؤمن أنه أب، ومن يؤمن بالآب يؤمن أن له ابن، وبهذا فمن يؤمن بالآب يلزمه أن يؤمن بالابن[3].

 أنتم تدعون الله أبًا، لتعرفوني إذن على الأقل كأخٍ لكم. وفي نفس الوقت أعطاهم حافزًا لقلوب الأذكياء بذكر ما اعتاد أن يقول: “لم آتِ من نفسي، هو أرسلني. أنا خرجت وأتيت من الله”… لقد جاء من عنده بكونه الله المساوي له، الابن الوحيد، كلمة الآب، جاء إلينا، لأن الكلمة صار جسدًا لكي يحل بيننا. مجيئه يشير إلى ناسوته، الذي هو سكناه، و إلى لاهوته. إنه بلاهوته ذاك الذي بناسوته يجعلنا نتقدم. لو لم يصر هكذا لكي ما نتقدم ما كنا قط نقتنيه ذاك الذي يبقى إلى الأبد[4].

 بسبب الأمانة الزوجيّة اِستحق الاثنان أن يُلقبَّا “والديّ يسوع”، إذ كانا هكذا حسب الذهن والهدف وليس حسب الجسد. فإن كان أحدهما والده في الهدف لكن الآخر أي أُمّه كانت والدته بالجسد أيضًا، وقد دعي الاثنان أبواه حسب تواضعه لا سموُّه، حسب ضعفه (ناسوته) لا حسب لاهوته[5].

 ينطق بولس بهذا لأنه يتحدث عن أولئك العاجزين عن أن يبصروا التعاليم السامية جدًا عن لاهوت المسيح[6].

 لكي تعرفوا أن العريس والعروس هما واحد حسب جسد المسيح، وليس حسب لاهوته… لكي تعرفوا أن هذا الكامل هو مسيح واحد، قال بإشعياء: “وضع عمامة عليّ كعريسٍ، وكساني بالزينة كعروس” (إش ٦١: ١٠LXX)[7].

مادمنا لا نستطيع بأية وسيلة أن يكون لنا هذا التطويب الذي به نؤمن ونحن لا نرى ما لم نتقبله من الروح القدس، فلسبب حسن قيل: “خير لكم أن أنطلق. فإنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي، لكن إن انطلقت أرسله إليكم” [٧]. هو حاضر معنا على الدوام بلاهوته، ولكن إن لم ينطلق بالجسد عنا، فإننا نرى جسمه دومًا حسب الجسد ولا نؤمن من الجانب الروحاني[8].  

إنه يحب الابن من جهة لاهوته، إذ ولده مساويًا لنفسه. يحبه أيضًا بكونه جسدًا لأن الابن الوحيد صار إنسانًا، وبكونه الكلمة فإن جسد الكلمة هو عزيز عليه. أما بالنسبة لنا فبكوننا أعضاء في ذاك الذي يحبه، ولكي ما نصير هكذا. لقد أحبنا لهذا السبب قبل أن يخلقنا[9].

كمن يقول له: “وأنت تحت ظل الخطية أنا اخترتك”، وإذ تذكر نثنائيل أنه كان تحت شجرة التين حين لم يكن أحد هناك عرف لاهوته وأجاب: “أنت ابن الله، أنت ملك إسرائيل”. ذاك الذي كان تحت شجرة التين لم يصر شجرة تين جافة، فقد عرف المسيح[10].

لكي نقتني (رؤيته) إن كنا لا نقدر بعد أن نرى الله الكلمة، لنسمع الكلمة صار جسدًا”، ناظرين أننا نحن جسديون، فلنسمع الكلمة المتجسد. فإنه لهذا السبب جاء، ولهذا السبب حمل ضعفنا حتى يمكن أن نقبل كلمات الله القوية الحامل ضعفنا. بحق قد دُعي “اللبن”، إذ يهب لبنًا للرضع حتى يقدم وجبة الحكمة (اللحم) للناضجين[11].

من كان يستطيع أن يلمس الله الكلمة لو لم يكن الكلمة قد صار جسدًا وحلَّ بيننا؟! لقد أخذ الكلمة المتجسد بداية ناسوته من مريم العذراء، لكن ليست هذه هي بداية الكلمة، إذ يقول الرسول: “الذي كان من البدء”، شريك الآب في الأزلية[12].

 قدم تشكرات للمسيح الذي صار ضعيفًا لأجلكم لأنكم ضعفاء، ولتكن رغباتكم معدة للاهوت المسيح لكي تشبع بها[13].

[2]Sermons on New Testament
Lessons, 78:10.

[3]St. Augustine: On the Gospel of
St. John, tractate, 54: 2.
[4]St. Augustine: On the Gospel of
St. John, tractate 42: 8.

[5]On Marriage& Concupiscence
12.

[6]Trinity 1:12.

[7]Sermon on N.T. Lessons, 41:7-8.

[8]Sermon on N.T. Lessons, 93:4.

[9]St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate, 110: 5.

[10]Sermon on N.T. Lessons, 39:5.

[11]Sermon on N.T. Lessons, 67:16.

[12]St. Augustine: 10 Homilies on 1st Epistle of St. John.

[13]Sermon on N.T. Lessons, 95:6.

ألوهية السيد المسيح والقديس أغسطينوس

Exit mobile version