…في عام 1961 أطلق الاتحاد السوفيتي أول رجل إلي الفضاء
قامت مجلة بنيويورك بسؤال سي إس لويس عن وجهة نظرة في عصر الفضاء الجديد…
لقد أُخبرت بأن الروس ، قد أعلنوا أنهم لم يجدوا الله في الفضاء الخارجي. من ناحية أخري , يدعي عدد كبيرا من الناس ,في كثير من الأوقات ومختلف البلدان, أنهم قد وَجدوا الله، أو قد تم العثور عليهم من قبل الله، هنا على الأرض.
الاستنتاج الذي يريدنا البعض أن نستخلصه من هذه البيانات هو, أن الله غير موجود.
و كنتيجة طبيعية فإن أولئك الذين يعتقدون أنهم قد التقوا به على الارض كانوا يعانون من الوهم.
ولكن استنتاجات أخرى يمكن استخلاصها:
1- نحن لم نصل بعيدا بما فيه الكفاية حتي الآن في الفضاء. كانت هناك سفن في المحيط الأطلنطي لفترة جيدة قبل اكتشاف أمريكا.
2-الله موجود ولكنه محليا منحصر علي هذا الكوكب.
3-الروس قد وجدوا الله في الفضاء دون أن يدروا ,لأنهم افتقروا إلي الأجهزة الضرورية للكشف عنه.
4- الله موجود ولكنه ليس جسم, إما أن يقع في جزء معين من الفضاء أو أن يكون منتشر في جميع أنحاء الفضاء، كما إعتقدنا من قبل بخصوص (غاز) “الإيثر”،
.الاستنتاجان الأولين لا يهمانني ,هذا النوع من الديانة التي يمكن أن يكون لها دفاع , ستشكل ديانة الهمج : الاعتقاد في الألوهية المحلية التي يمكن احتواءها في معبد خاص، جزيرة أو بستان.
هذا، في الواقع، يبدو أنه نوعا من الديانة الذي بشأنها الروس – أو بعض الروس، وعددا كبيرا من الناس في الغرب – أصبحوا غير متدينين.
فإنه ليست هناك أي أدنى إثارة للقلق, أنه لم يوجد رواد فضاء قد اكتشفوا إله من هذا النوع.
الشيء المقلق حقا سيكون إذا أكتشفوه !!, الاستنتاجان الثالث والرابع هما المهمين من وجهة نظري.
البحث عن الله – أو السماء – بواسطة استكشاف الفضاء هو مثل قراءة أو رؤية جميع مسرحيات شكسبير على أمل أن تجد شكسبير باعتباره واحدا من الشخصيات أو ستراتفورد (اسم مدينة في شرق لندن) باعتبارها واحدة من الأماكن. شكسبير بأحدى المعاني موجود في كل لحظة في كل مسرحية. لكنه لم يكن أبدا موجود بنفس الطريقة مثل فالستاف أو السيدة ماكبث. ولا هو منتشر من خلال المسرحية مثل الغاز.
إذا كان هناك أحمق وقد أعتقد أن المسرحيات موجودة من تلقاء نفسها، دونما مؤلف, إيماننا بشكسبير لن يتأثر بقوله كثيرا،بالرغم من حقيقة، انه قد درس جميع المسرحيات,و لم يجد أبدا شكسبير فيهم
البقية منا، بدرجات متفاوتة وفقا لفطنتـنا، “عثروا على شكسبير” في المسرحيات. ولكنه نوع مختلف تماما من “العثور” من أي شيء أخر في ذهن صديقنا المسكين حتى إنه في الواقع , كان بطريقة ما, متأثر بشكسبير، ولكن دونما أن يدري ذلك.لقد افتقر إلى الأجهزة اللازمة للـكشف عن شكسبير.
الآن, بالطبع هذه ليس سوى تشبيـه. أنا لا أقترح على الإطلاق أن وجود الله يمكن تأكيده بسهولة مثل وجود شكسبير. وجهة نظري هي أنه، إذا كان الله موجود، فهو أكثر ارتباطا بالكون مثل ارتباط مؤلف بمسرحية ,من كونه جسم ما في الكون مرتبط بأخر.
إذا خلق الله الكون، فإنه قد خلق الزمان والمكان (الزمكان)، والذي بالنسبة للكون كما القافية للقصيدة أو المفتاح للموسيقى. للبحث عنه كعنصر واحد ضمن الإطار الذي اخترعه بنفسه, فهذا شيء لا معنى له.
إذا كان الله – شأنه شأن أي اله تعتقد فيه أي ديانة راشدة – موجود، مجرد حركة بسيطة في الفضاء لن تجعلك أبدا أكثر قربا اليه أو أبعد منه ,مما أنت علية في تلك اللحظة عينها .لا يمكنك الوصول إليه ولا أن تـتجنبه من خلال السفر إلى ألفا سنتوري (ثالث اكبر نجم في المجرة) أو حتى المجرات الأخرى. السمكة لا تزيد و لا تنـقص، في البحر بعدما قامت بسباحة ألف ميل, عن ما كانت عليه عندما انطلقت
فكيف، إذن، قد يـُطرح هذا الـــــــسؤال، هل بإمكانــنا الوصول اليــــــه أو تجنــــــبه علي حد ســـــــواء؟
التجنب ,في كثير من الأوقات والأماكن، قد ثبت أنه صعب جدا ,حيث أن جزءا كبيرا جدا من البشرية فشلت في تحقيق ذلك. ولكن في زماننا و مكاننا هذا, فهو أمر سهل للغاية. عليك تجنب الصمت، تجنب العزلة، تجنب حبل الأفكار الذي يؤدي للبعد عن الصخب والزحام. قم بالتركيز على المال، الجنس، المكانة الصحة و(قبل كل شيء) على شكاويك الخاصة . أستمر في تشغيل الراديو عِش في الزحام. قم باستخدام الكثير من المهدئات. إذا كان يجب أن تقرأ كتبا. اختارها بعناية فائقة. ولكنك ستكون أكثر أمانا أن تـلتزم بالصحف. فيما يتعلق بالوصول له، فأنا بعيدا كل البعد من أن يعُـتمد عليه لإرشادكم . ذلك لأنني لم يكن لي تجربة البحث عن الله. كان الأمر بالعكس؛
لقد كان هو الصياد (أو هكذا بدى لي) وكنت أنا الغزال. لقد طاردني مثل الهنود الحمر، أتخذ هدف صائب، وأطلق النار.
وأنا ممتن جدا أن هذه هي الطريقة التي وقعت بها أول مقابلة (واعية) . فإنه يساعد المرء ضد المخاوف اللاحقة بأن الأمر برمته, لم يكن سوى تحقيق لأمنية. أنه شيء لم يرغب فيه , المرء ,لا يمكن أن يكون كذلك. ولكن مما له دلالته أن هذا اللقاء الذي تهربت منه طويلا حدث في الوقت الذي كنت أبذل جهدا خطيرا لطاعة ضميري. لا شك أنه كان أقل خطورة مما كنت مفترضه، ولكنه كان الأخطر بين ما أقدمت علي عمله لفترة طويلة.
واحدة من النتائج الأولى لمثل هذا الجهد هو تقليل صورتك عن نفسك إلى شيء أكثر قربا من الحجم الطبيعي.
و للتو , تبدأ في التساؤل عما إذا كنت لا تزال، بأي مفهوم كامل، إنسان على الإطلاق؛عما إذا كان يحق لك أن تدعو نفسك “أنا” (وهو اسم مقدس”أهية الذي أهيه -سفر الخروج”). بهذه الطريقة، فإن العملية تشبه تعرضك لتحليل نفساني، ولكن أرخص , أعني بالنسبة للمال؛ في بعض الطرق الأخرى قد تكون أكثر تكلفة.
تجد أن ما تطلقه علي نفسك ليس سوى طبقة رقيقة على سطح بحر غير آمن وخطير.
لكن ليس خطيرا فحسب .الأشياء المتألقة, المباهج والالهام، تأتي إلى السطح وكذلك الاستياء المزمجر والشهوات المزعجة.
إن نفس المرء العادية هي، إذن، مجرد واجهة. هناك مساحة ضخمة بعيدا عن الأنظار وراء ذلك.
ومن ثم، إذا إستمع المرء إلى علماء الفيزياء، فإن المرء يكتشف أن نفس الشيء ينطبق على كل الأشياء من حولنا.
هذه الطاولات والكراسي، هذه المجلة، والأشجار، والغيوم والجبال هي واجهات
أقتحم (علميا) داخلهم وأنت تجد بناء لا يمكن تصورها للذرة. أي على المدى الطويل، تجد معادلات رياضية.
ها أنت هناك (آيا كان المقصود ب” أنت” ) تجلس للقراءة. هناك (أيا كان المقصود ب” هناك”)
هي صفحة سوداء وعليها علامات بيضاء. وكلاهما واجهات. وراء كلاهما يكمن – حسنا، أيا كان هذا الشئ،. علماء النفس، وعلماء الدين، على الرغم من أنهم يستخدمون رموزا مختلفة، يستخدمون رموز على حد السواء عندما يحاولون فحص العمق وراء الواجهة التي تسمى “أنت”. وهذا يعني أنه لا يمكنهم حقا أن يقولوا ” إن هذا هو”، ولكنهم يستطيعوا أن يقولوا إنه بطريقة ما يشبه هذا .
أيضا الفيزيائيين، في محاولة لفحص وراء الواجهة أخرى، يمكنهم فقط إعطاءك علم الرياضيات . و علم الرياضيات قد يكون صحيحا عن الواقع، ولكنه لا يمكن بالكاد أن يكون الواقع نفسه،
أي زيادة عن الخطوط الكنتورية هي جبال حقيقية.
أنا لست في أقل تقدير ألقي اللوم علي أي مجموعة من العلماء بسبب هذا الوضع. أنهم يحرزون تقدم. انهم يقومون دائما بإكتشاف أشياء. غير أن المسألة هي, أن كل اكتشاف جديد، بعيدا عن التشتيت، يعمق الغموض.
الآن , إذا كنت شخص من نوع معين، وإذا كنت شخص ممن لديه اعتقاد بأن جميع الأشياء الموجودة يجب أن تكون منسجمة(متحدة). سوف يبدو لك احتمال بشكل لا يقاوم, أن ما يكمن بشكل جوهري وراء واجهة ما, فأنه يكمن بشكل جوهري وراء الأخرى أيضا.
ومن ثم – مرة أخرى إذا كنت شخص من هذا النوع – سوف تأتي بأن تكون مقتنع بأن اتصالك مع هذا الغموض في المنطقة التي تدعوها ذاتك لهو اتفاق جيد أقرب من اتصالك من خلال ما تسميه المسألة.
ففي حالة واحدة : أنا، العادية، أنا الواعية، أنا مستمر مع العمق الغير معروف.
وبعد ذلك، قد تأتي ( البعض يفعل ذلك) إلى الاعتقاد بأن ذلك الصوت مثل كل الباقي (بقية الاصوات) لا بد لي من التحدث بصورة رمزية – ذلك الصوت الذي يتحدث في ضميرك وفي بعض أفراحك الشديدة
والذي في بعض الأحيان يكون صامتا بشكل عنيد، وأحيانا من السهل إسكاته وثم في أوقات أخرى صوت عال جدا ومؤكد، هو في الواقع , أقرب إتصال قد حصلت علية مع الغموض؛
وبالتالي في النهاية يمكن الوثوق به ، أن يـُطاع، يـُخشى و يكون مرغوب فيه ,أكثر من جميع الأشياء الأخرى.
ولكن مع ذلك، إذا كنت شخص من نوع مختلف ، لن تصل إلى هذا الاستنتاج. آمل أن يرى الجميع كيف يرتبط هذا بسؤال الملاحة الفضائية الذي بدأنا عنده.
الطريقة التي رسمتها قد تحدث بشكل جيد أو قد تفشل أن تحدث بنفس الدرجة
، أينما كنت موجودا. في الحقيقة إن السفر عبر الفضاء ليس له علاقة في هذه المسألة. بالنسبة للبعض، الله يمكن اكتشافه في كل مكان؛ بالنسبة للآخرين، فهو ليس في أي مكان.
أولئك الذين لم يجدونه على الارض , من غير المرجح أن يجدونه في الفضاء.
لكن قم بإرسال قديس لأعلى ,في سفينة الفضاء فسوف يجد الله في الفضاء كما وجد الله على الأرض. أنه أمر يعتمد كثير على العين المبصرة.
وهذا أمر علي نحو الخصوص تأكد من قبل ديانتي ، والتي هي المسيحية.
عندما قلت منذ قليل أنه لا معنى للبحث عن الله كعنصر واحد ضمن عمله الخاص، أى الكون، ربما أراد بعض القراء الاحتجاج. يريدون أن يقولوا، “لكن من المؤكد، وفقا للديانة المسيحية، أن هذا هو ما حدث مرة واحدة فقط؟
بالتأكيد العقيدة المركزية , هي أن الله صار إنسانا وقام بالسير وسط رجال آخرين في فلسطين؟ إذا كان هذا لا يظهر كعنصر في عمله الخاص، فما هو؟ “الاعتراض هو في الغالب علي هذه النقطة. للتصدي لذلك، فلابد لي من تعديل تشبيهي القديم للمسرحية .يمكن للمرء أن يتخيل مسرحية و التي فيها قدم الكاتب المسرحي نفسه على أنه شخصية في مسرحيته الخاصة
وقد قُذف خارج خشبة المسرح مثل محتال وقح بواسطة الشخصيات الأخرى.
قد تكون بالأحرى مسرحية جيدة. إذا كان لدي أي موهبة للمسرح كنت سأحاول كتابة هذه المسرحية. ولكن حيث (بقدر معرفتي) أن هذه المسرحية غير موجودة،
يكون أفضل لنا أن نتحول إلى العمل الروائي .كقصة يضع المؤلف نفسه فيها باعتباره واحدا من الشخصيات.
دانتي هو (1) الملهم خارج القصيدة , هو الذي يخترع كل شيء،
و (2) هو شخصية داخل القصيدة، الذي تلتقي به الشخصيات الأخرى ومعه يتحادثون.
هنا يختل التشبيه حيث أن كل شيء تحتويـه القصيدة هو مجرد شيء تخيلي فقط، وعليه فإن الشخصيات لا تملك إرادة حرة.
يمكنهم (الشخصيات) أن يقولوا لدانتي ,فقط ما قرر دانتي (الشاعر) أن يضع في أفواههم.
أنا لا أعتقد ,أننا نحن البشر مرتبطين بالله بهذه الطريقة. وأعتقد أن الله يمكنه أن يجعل الأشياء التي ليست – مثل شخصيات الشاعر أو الروائي – تبدو لديها حياة مستقلة جزئيا فقط ، بل بالحقيقة تكون لديها. لكن هذا التشبيه يقدم نموذج فظ حول التجسد في ناحيتين: (1) دانتي الشاعر و دانتي الشخصية هم بمعنى من المعاني شيء واحد، ولكن بمعنى آخر هما أثنين. هذا هو اقتراح باهت وبعيد جدا عن ما يعنيه اللاهوتيين عن “اتحاد الطبيعتين” (الالهيه والبشريه) في المسيح.
الأشخاص الآخرين في القصيدة تـقابل وترى وتسمع دانتي. ولكن ليس لديهم ولا حتى أدني شك بأنه قد صنع كل العالم الذي يتواجدون فيه، وله حياة خاصة به، خارجه مستقلـة عنه. إن هذه النقطة الثانية هي الأكثر ملاءمة. بالنسبة للقصة المسيحية فإن المسيح كان يـُنظر إليه على أنه الله من قبل قلة قليلة من الناس بالفعل. ربما، لبعض الوقت من قبل القديس بطرس فقط ، الذي من شأنه أيضا، ولنفس السبب ، أنه قد وجد الله في الفضاء.
لأن المسيح قد قال لبطرس: “اللحم والدم لم تعلن لك هذا.” أساليب العلم لا تكتشف عن حقائق من هذا النوع.
حتى مؤخراً ,لم يكن للتيّار السّائد في أبحاث العهد الجديد تأثير كبير على البحث في شخصيّة يسوع ضمن مصادر خارج العهد الجديد .على أيّة حال فقد ,فقد كان هنالك تيّار جانبيّ طويلٌ المدى حملَ مثلَ هذا التأثير .إنهُ السؤال الجدليّ ,هل وُجِدَ يسوع فعلاً؟
قّدْ يُدهَش بعض القُرّاء أو يُصدمون بوجود العديد من الكُتُب والمقالاتِ التي رَفضَت وبشدةٍ حقيقة وجود يسوع ,مع أنّها أكثر من مائة كتاب ومقالة في المائتي عام المنصرمة حسبَ إحصاءاتي .وبشكل نمطيّ, فقد رأى الباحثون المعاصرون في العهد الجديد حججهم تلكَ ضعيفة وغريبة حيثُ أنهم قاموا بإرجائها إلى حواشي الكُتب وغالباً ما تجاهلوها بشكلٍ كاملٍ.[2]
وتبعاً لذلك ,فإن دارسي العهد الجديد ليسوا على إلفة بها. وفي هذا القسم ,الذي يُعدُّ تابعاً لِمُخططنا عن تاريخِ البَحثِ ,سوف نُعاين بِشكلٍ موجز تاريخَ ودلالات النظرية القائلة بعدمِ وجود يسوع.[3]
وكما سنرى ,فقد كانَ لقضية وجود يسوع التأثير الكبير على البحث في شخصيّة يسوع في المصادر غير المسيحية ,ومازالَ تأثيرها اليومَ ظاهراً في بعضِ المفاهيمِ الشّائعة للعهد الجديد .على سبيل المثال “جون ميير”, أحد قادة البحث الثالث,قال :في حواراتي مع الصّحفيين والمُحررين الذينَ كانوا يسألونني في مُختَلفِ الأوقاتِ أنْ أكتُبَ عن يسوعِ التّاريخي ,كانَ السّؤال الأوّل دائماً :لكن هل تستطيعُ إثباتَ وجوده؟[4]
ويزدحِمُ الإنترنت بنقاشاتٍ تتناولُ هذا الموضوع . وبالبحثِ عن هذا الموضوع “هل وجد يسوع” عبر مُحرّك “ألتا فيستا” في 1 حزيران 1999,تمّ الوصول إلى 62 صفحة على الشبكةِ الرّئيسية ,2580 مشاركة على “يوز نت” القناةِ الأساسية للنقاشِ .
تشكّل قضية عدمُ تاريخيّة يسوع التّيار الجانبيّ في دراسة العهد الجديد .وبالرغم من ذلكَ ,فإن أولئكَ الذينَ يؤيدونها غالباً ما يشيرونَ إلى عملِ الباحثينَ في التّيارِ السّائدِ ,وبذلكَ يكونُ من الأفضلِ أن نُميّز دراسةِ التّيار السّائد على أساس مصداقية الأناجيلِ ووجود يسوع. ومنذُ ظهورِ النّقد الإنجيليّ, اختلفَ الباحثونَ حولَ مستوى تاريخيّة الرّوايات التي تناولَت يسوع في الأدب المسيحي القديم , وذلك حول كل من أحداثِ حياةِ يسوع وكلماتِ تعاليمهِ ومعانيها .ففي أحد طرفي الطيفِ البحثي ,خلُص البعض إلى أن الأناجيل الكنسيّة القانونية هي روايات تاريخيّة عن يسوع يعوّل عليها بشكلٍ كامل , وبذلكَ يُمكننا أن نعرِفَ الكثيرَ عنهُ .ونادراً ما يشير أولئكَ الذينَ ينكرونَ تاريخيّة يسوع إلى أعمال التقليدين إلا من أجلِ وصفها بالسّذاجة .
في منتصفِ هذا الطيفِ يوجدُ الباحثون الذينَ يرون الأناجيلَ : على أنها مزيجٌ من الموادِ التّاريخية ذات المصداقية والتأويلاتِ اللّاهوتية عن يسوع ,مع تطورها بين زمنه وزمنِ المُبشرين[5]
يعملُ هؤلاء الدارسون , وهم الغالبية العُظمى من الباحثين ,على فهم التفاعل بينَ هذه العناصر ,ويدركون “يسوع التّاريخي” مع القليل من الثّقة .يبدو أولئكَ الذينَ ينكرونَ وجودَ يسوع ,وخاصّة شكاكي القرن العشرين ,على أنهم يهملون هذا الموقع المتوسط .فهم يفضّلون التّعامل مع التّطرف في هذا المجال.
وفي الطرف الآخر من هذا الطيف ,يرى البعض أنّ الأناجيلَ الكنسيّة والأدبِ المسيحيّ الأوّل يحتوي الكثيرَ من التأمّلات اللّاهوتية والابتكارات حيثُ لا يُمكننا معرفة إلاّ القليل عن حياةِ يسوع وتعاليمهِ .وعلى الرّغم من التّقليل من شأنِ شخصيّة يسوع ,فلم يُجادل أيّ من أفرادِ هذه المجموعة الأخيرة بكونِ يسوع مجرّد ابتكار من قبل الكنيسة .وغالباً ما استخدمَ أولئكَ الذينَ ينكرونَ وجود يسوع التّاريخي حججهم تلكَ.
وعلى أيةِ حال ,فإن أولئكَ الذينَ ينكرونه قد توصلوا إلى نتيجة مفادها أن يسوع لم يوجد أصلاً أمّا المجموعة الأخيرة من الطّيفِ لم تفعل ذلكَ[6]
وبالتّحولِ إلى تاريخِ هذا الموضوع ,فإنّ الجدلَ حولَ وجودِ يسوع يعودُ إلى بداية الدراسة النقدية للعهد الجديد ,ففي نهاية القرنِ الثامن عشر بدأ بعض التابعين للُمتأله (Deist ) المتطرف اللورد البريطاني “بولينغبروك” بنشرِ فكرة أن يسوع لم يوجدْ أبداً . وقد رفضَ “فولتيير” هذه الفكرة بشدة ,مع أنهُ لم يكن مؤيداً للمسيحية التّقليدية ,وعلّق أن أولئكَ الذين ينكرونَ وجود يسوع يظهرونَ أنفسهم “أكثرَ حذقاً من كونهم مُتعلمينَ”[7].على الرغم من ذلك في فترة 1790,كتبَ بعضُ مفكري عصر التّنوير الفرنسيين الرّاديكاليين أنّ المسيحية ومسيحها كانت مُجرّد أساطير ,وقد نشرَ كُل من “قسطنطين فرانسوا فولني”و”شارلز فرانسوا ديبوا” ,كتباً تروّج لهذه الأفكار ,قائلينَ :إن المسيحية كانت مزيجاً غيرَ مُحدّث من الأساطيرِ الفارسيّة القديمة والبابليّة ,وأنّ يسوع هو شخصيّة أسطورية بشكلٍ كامل.[8]
بقيت هذه الفرضية لا تثيرُ ضجة حتى جاء “برونو بور” (1809-1882),كانَ بور أكثر كُتّاب القرنِ التاسع عشر حدّة في مواجهةِ تاريخيّة يسوع[9] ,ففي سلسلة من الكُتب من عام 1840 الى عام 1855,هاجم “بور” القيمة التّاريخيّة لإنجيلِ يوحنا و الأناجيل السّينوبتيّة ,مُحتجاً بكونها مجرّد اختراعات من القرنِ الثّاني .ولكنها بالمُقابل تُعطي رؤية جيدة لحياةِ الكنيسة الأولى لكن بدون أن تُقدّمَ شيئاً عن حياةِ يسوع[10] .لقدَ حاولَ بور أن يُظهِرَ في كتاباتهِ الأولى أنّ النّقد التّاريخي يمكن أن يستعيد الحقيقة الأساسيّة للإنجيل من الكمّ الكبير لإشكالاته التاريخيّة .حيثُ يُبيّن أنّ الوعي الذّاتي الإنساني هو أمرٌ إلهي ,وأنّ الروح الإلهية يمكن أن تندمج مع الرّوح البشرية لتصبحَ روحاً واحدة.كانَ “بور” أوّل من ناقشَ فكرة عدم وجود يسوع بشكلٍ منهجيّ ,ورأى أنّ أناجيلَ الكنسيّة لم تكن فقط عديمة القديمة التّاريخيّة ,بل إنّ كافة الرّسائِل التي كُتِبَت تحتَ اسم “بولس” ,والتي كانَ لها أن تكون دليلاً على وجود يسوع ,كانت من محضِ الخيال. كما كانت الشواهدُ الرّومانيّة واليهودية لوجود يسوع ثانويّة أو مُلفقة .وبإقصاء هذه الشّواهِد ,يتلاشى الدليل على وجودِ يسوع ,ويتلاشى معهُ يسوع ,الذي أصبحَ نتيجة المسيحية وليس مُنتِجها .ويقول “بور”: إنّ المسيحيّة ومسيحها ولدا في روما والإسكندريّة عندما اجتمع مناصروا الرّواقيّة الرّومانية ,والأفلاطونية المُحدثة اليونانية واليهودية ,لتشكيلِ دين جديد احتاجَ موجداً له .[11]
وضع “بور” أُسس الجدل التّقليدي ثلاثي الشُّعَب ,الذي يتبعهُ كافة الرافضين لوجود يسوع ,حتى لو لم يعتمدوه بشكلٍ مُباشرٍ .أولاً :استنكرَ “بور” قيمة العهدِ الجديد ,وخاصّة الأناجيل الكنسيّة القانونيّة ورسائِل بولس الرّسول ,في إثباتِ وجودِ يسوع .ثانياً :يرى “بور” أنّ الافتقار لذكرِ يسوع في الكتابات غير المسيحيّة من القرنِ الأول يُظهر أن يسوع لم يوجَد أصلاً .كما أنّ الذكرَ القليل ليسوع في الكتابات الرّومانية في بدايةِ القرنِ الثّاني لا تُثبت وجوده .ثالثاً: قامَ بدعمِ فكرة أن المسيحيّة في بدايتها كانت تعتمد على التّوفيق بين المُعتقداتِ القديمة والأساطير
تمّ مُهاجمة أفكار “بور” حولَ أصولِ المسيحيّة , بما فيها آرائه حول عدم وجود يسوع , من قبل السّلطات الكنسيّة والأكاديميّة, كما تمّ دحضها بشكلٍ فعّال من عقولِ الغالبيّة .فلم يكُنْ لهذهِ الأفكار تأثيرٌ طويلُ الأمد على الدّراساتِ اللاحقة ,وخاصة في التّيارِ السّائِد .وقد يرتبط أكثر إرث “بور” أهميّة بشكلٍ غيرِ مُباشر ببحثهِ الإنجيلي ,فعندما أقصتهُ حكومة بروسيا عن منصبهِ في جامعةِ برلين 1839 بسبب أفكارِه ,أدّى ذلكَ بأحدِ تلامِذَتِهِ ,”كارل ماركس”, إلى راديكاليّة أكبر ,حيثُ سيقومُ “ماركس ” بضمِ أفكارِ “بور” حولَ الأصولِ الأسطورية ليسوع إلى ايدولوجيتهِ ,وإلى الأدبِ السّوفيتي والدعاية الشّيوعية التي نشرت مُعتقداتِه فيما بعْد.[12]
قامَ البعضُ بنقلِ استنكارِ وجودِ يسوع لكل من جمهور العامة والباحثين ,فعلى سبيل المثال عام 1841 تمّ نشر عدد من الكتيّبات ,مجهولة الكاتب ,في انكلترا ,ثُم جُمِعَت في كتابٍ واحد يدحض وجود المسيح بدلائل دامِغة ,وذلك عبرَ سلسلة من الرّسائلِ موجهة من يهوديّ ألمانيّ إلى المسيحيين من كافةِ الطّوائف ,حيثُ يرفض الكتب روايات العهد الجديد ,والرّوايات اليهوديّة والرّومانية التي تتناولُ يسوع ويرى أنّ :الدّينَ المسيحيّ قد استُمِدَ من الأديانِ القديمة ,وأنهُ كانَ في الأصلِ مُجرّدَ رواية من أساطيرِ عبادةِ الشّمسِ.[13]
في سبعينيات وثمانينات القرن التاسع عشر ,قامَ عدة أعضاء من “المدرسة الهولندية الرّاديكاليّة”[14] بإعلانِ إنكارِهم لوجود يسوع ,وكانَ لهذه المجموعة ,التي تمركزت في جامعة امستردام ,شكوك كُبرى حو القيمة التاريخيّة للإنجيل[15] ,وبكلِ بساطةٍ أنكرَ زعيمُ هذه المجموعة “آلارد بيرسون “وجود يسوع ,وتبعهُ في ذلك :ي.لومان و”دبليو .سي.فان مانن” ببساطة .[16]وقد تمت مهاجمة وجهة نظرهم هذه بحدة في هولندا ,وبالأخص من قبل الباحثينَ الآخرين ,لكنا أُهملت تماماً في الخارج. وقد كانت كتابتهم حصرياً باللغة الهولندية غير الشائِعة ,بصفتِهم مدرسة تهتم بالعهد القديم ,ولقيت نقاشاتهم النافية لوجود يسوع قلّة من الأتباع الملحوظينَ في العقودِ الأخيرة من القرن التاسع عشر والسنوات الأولى من القرن العشرين ,لكنها تلاشت بعد ذلك تدريجياً[17]
ومع تلاشي آراء المدرسة الهولنديّة الرّاديكالية ,أخذ انبعاثُ فرضية أخرى يلقى اهتماماً أوسع, وهي فرضية “عدم تاريخيّة يسوع” .وقد بدأت مع جون “جون.م.روبيرتسون” البريطانيّ المُؤيد لحريّة الاعتقاد والمذهب العَقلاني ,والذي نشَرَ كتاب “المسيحيّة والأسطورة”,وكان الكتاب الأول لـ”روبيرتسون” في مهاجمة المسيحية من خلال مهاجمة تاريخية موجدها[18] .وحسب آراء “روبيرتسون” العقلانية فإنّ الأديان تتطور من إيجاد آلهة جديدة تُناسب أزماناً جديدة.كما يرى “روبيرتسون” أن طائفة يشوع القديمة ,التي رمزُ إيمانها :الحَمَل ,قد عبدت الإله يشوع بوصفه الوريث المسيحيّ للدين التوحيديّ اليهوديّ .ويكادُ يكون ذلك من ناحية أسطورية بالكامل مرتبطاً بعباداتِ تموّز وأدونيس.وقد ثابرت هذه الطّائِفة حتّى أوجَدَتْ إلهاً “مسيحياً”[مسيانيّ] جديداً,هو يسوع المسيح. إنّ الأثر الوحيد الذي يمكن تقفيه في الدّيانة المسيحية لـ “يسوع التاريخي” قد يكون بإعادة تشكيل مُبهمة للشخصية التلمودية (يسوع بن بانديرا)[19] ، الذى أُعدم بأمر (ألكسندر جانيوس)[20] [ 106-79قبل الميلاد ]، لكن يسوع العهد الجديد لم يوجد أبداً.
إن روايات الأناجيل الكنسية القانونية هى عبارة عن مجموعة من الأساطير الوثنية القديمة والحديثة. على سبيل المثال: حكاية الإنجيل عن العشاء الأخير، العذاب، الخيانة، الصلب، الإنبعاث[القيامة] Resurrection]]، فهى ليست رواية أصيلة، بل دراما غامضة … ويُمكِن الاستنتاج أنها تطوّر لتقاليد فلسطينيّة عن التضحية بالبشر، كان الضحية السنوية فيها هو (يسوع، إبن الأب)[21]. فرسائل بولس تذكر موت (يسوع بن بانديرا) وليس يسوع الناصرة.
كانت آراء (روبيرتسون) حول الدين ومواضيع أُخرى، آراء جدليّة فى زمنه، وقد عبّر الباحث البريطانى فى العهد الجديد (ف.سى.كونيبير) عن أكبر ردّ فعل تجاه آراء (روبيرتسون) عبر كتابه (المسيح التاريخى)[22] .وهناك ردّ فعل آخر أكثر شيوعاً تجسّد بكتاب (إتش.ج.وود) بعنوان: (هل عاش المسيح فعلاً؟) وكغيرهم ممن عارضوا (روبيرتسون) فقد رأى كلّ من الكاتبين أنّ محاولة تشوية المسيحيّة من خلال إظهار أن مُخلص المسيحيين كان مُجرد أُسطورة، يعنى تجاهُل (روبيرتسون) الطُرُق التاريخية السليمة. وقد أشاروا إلى الكُتّاب غير المسيحيين القُدماء، رومانيين ويهود، لإثبات تاريخيّة يسوع.
على الساحة الأمريكية، أكثر المُناصرين لعدم تاريخيّة يسوع كان أُستاذ الرياضيات فى جامعة تولين (وليم بينجامين سميث)”1850-1934″[23]. وقد شرح إعتقاده بوجود يسوع على أنه: خليط من طائفة يسوعية سابقة للمسيحيين، وهى إحدى طوائف عبادة الشمس، مع إرتباط بين يسوع بوصفه حمل الله “آغنوس”.وإله النر الهندي “آغني”. كما ناقش مُبيناً عدم قيمة الشواهد اليهوديّة والرومانية على وجود يسوع، وخاصّة كتابات (يوسيفوس) و (تاسيتوس).
فى ألمانيا، جرى الترحيب بآراء (سميث) وتمّ تعزيزها من قبل (آرثر دروز)”1865-1935″، أُستاذ الفلسفة فى “جامعة كارلسرو للتكنولوجيا”. فقد قاد (دروز) حملة شعبية تضمنت خطابات وكتابات ضد تاريخية يسوع، وهو ما رآه آخر عائق للوصول إلى نظرة وحدوية حول الحياة والإيمان[24]. وقام هو ومناصروه، وخاصة (آلبرت كالثوف) و (بيتر جينسين)[25]، بنشر كّراسات وكتيّبات وكتب شعبية وتوزيعها على نطاق كبير. وقاموا برعاية مُناظرات مع أبرز معارضيهم فى مُدُن الجامعات عبر ألمانيا. وغالباً ما جمعت هذه المناظرات حشوداً كبيرة، ونُشرت خطوطها العريضة فى الصُحُف.
كان هجوم (دروز) على تاريخية يسوع يفتقر للترابط الذى وجد فى ما سبقه من هجمات، وخاصّة هجوم (باور). وكما هو حال هجوم (سميث)، كان هجوم (دروز) مزيجاً من نقاشات سابقة. لكن من بين كل المؤيدين لعدم تاريخية يسوع فقد كان (دروز) أكثر مهاجمي المسيحية صخباً. من أقواله: يسوع الذى أبتدعته المسيحية أمتلك (أخلاقيات ذاتية زائفة)، و (وطنيّة ذات توجّه محدوده)، و (باطنيّة مبهمة).
رغم ضعف حجج (دروز) إلاّ أنّ شعبيته الكبيرة هو وحلفائه جعلت منهم أول من أثار دحضاً مستمراً من جانب الباحثين ومنهم بعض البارزين. وقد تناول بعض هذا الدحض الأدلة المُستقاة من خارج العهد الجديد على وجود يسوع[26]. وتمثل الفترة التى قام بها (دروز) بكتاباته، وهى العقود الأولى من القرن العشرين، ذروةّ موضوع اللاتاريخية.
أكثر النقاد المعاصرين لتاريخية يسوع إصراراً وأغرزهم كتابةّ كان (جورج إى ويليمز) ( 1926-) البروفسور المخضرم فى اللغة الألمانية فى جامعة “بيركبيك” بلندن[27]. اعتمد (ويلز) فى هجومه على معلومات آخر دراسات للأناجيل الكنسية، والتى خلصت إلى أن الأناجيل الكنسية القانونية كانت قد كُتبت بعد أكثر من أربعين عاماً من يسوع، من قِبل كُتّاب غير معروفين لم يكونوا شهود عيان ليسوع. ويرى (ويلز) أن الأناجيل الكنسية تحتوى الكثر مما يُعتبر أسطورياً، كما أنها موجّهة بأهداف لاهوتية وليس تاريخية. فالأجزاء الأولى من العهد الجديد وبشكل ملحوظ رسائل بولس الرسول، تفترض مقدّماً وجود يسوع، لكنها لا تؤمّن أدلة تفصيلية يمكن أن تثبت وجوده. وبناء على ذلك يرى (ويلز) أننا نحتاج تعاوناً مستقلاً من مصادر موضوعية أخرى لتؤكد وجوده. وقام (ويلز) بدراسة دقيقة لهذه المصادر المقترحة، من كتابات (تاسيتوس) إلى التلمود، فوجد أنها لا تحتوى أى معارف مستقلة عن يسوع، وبالتالى، فهى ليست مصادر جديرة بالقبول، بل إنها تُزيد من احتمال عدم وجود يسوع أصلاً. يفسّر (ويلز) شخصية يسوع على أنها شخصية خيالية [[mythicalظهرت من صوفية بولس الرسول، وكان على بعض المسيحيين من القرن الأول أن يفبركوا لها قصة حياتية. ولذلك كان (ر.جوزيف هوفمان) محقاً بدعوته(ويلز) بـ “أكثر المُدافعين المُعاصرين عن قضية اللاتاريخية بلاغة”[28]. فـ (ويلز) كان يكتب بنبرة ثقافية هادئة، بعكس آخرين سبقوه فى هذا المضمار. على أية حال، فإن ما علق به (ريتشارد فرانس) على طريقة (ويلز) هو صحيح أيضاً، حيث قال: “دائماً يختار (ويلز) تلك المواقف المتطرفة من مختلف دراسات العهد الجديد، والتى تناسب موضوعه بشكل أفضل، ومن ثّم يحبكها مع بعضها ليشكّل رواية جديدة لا يتفق معها أىّ من أولئك الذين اقتبس منهم.”[29] إن ما خلُص إليه (فرانس) يلقى موافقة كبيرة، حيث أن معظم دارسى العهد الجديد لا يتناولون حجج (ويلز) على الإطلاق، أما أولئك الذين يتناولونها فلا يدخلون بعمقها. وعلى الرغم من أن (ويلز) كان على الأرجح أكثر مؤيدى نظرية اللاتاريخية قدرة، إلا أنه لم يكن أكثرهم إقناعاً، كما أنه الآن الصوت الوحيد تقريباً لهذه النظرية.[30]
فنظرية عدم وجود
يسوع هى الآن قضية ميتة بحق[31] لكن على أية أسس رفض باحثو العهد الجديد وغيرهم من المؤرخين فرضية عدم وجود يسوع؟ هنا سنلخّص الحجج الرئيسية المُستخدمة ضد نظرية (ويلز) من هذه الفرضية، حيث أنه معاصر ومشابه لمن سبقه.
أولاً، يخطئ (ويلز) بتفسير عدم ذكر بولس الرسول لبعض تفاصيل حياة يسوع، مثل: التاريخ الدقيق لحياته، المكان الدقيق لدعوته، حقيقة أن بيلاطس البنطي[32]قد أدانه، وغيرها من الأُمور. وكما يعرف كلّ دارس جيد للتاريخ، فمن الخطأ الافتراض بأن كلّ ما لم يُذكر أو ما لم يُفصل لم يوجد، وهكذا فالاعتماد على خلو التاريخ القديم من إشارات إنجيلية وغير إنجيلية عن يسوع كحُجة هو أمر فيه مُخاطرة.[33] علاوة على ذلك، يجب علينا أن لا نتوقع إيجاد إشارات تاريخية في الأدب المسيحي الأول، فهى لم تكن مكتوبة لمقاصد تاريخية. ويفترض معظم قراء بولس الرسول، على أساس الدليل المُقنع، أنه يعتبر يسوع شخصية تاريخية وليس شخصية خرافية أو غامضة.
ثانياً، يرى (ويلز) أن المسيحيين قد أبدعوا شخصية يسوع عندما كتبوا الأناجيل خارج فلسطين حوالى عام 100، هذا التاريخ ليس فقط ببعيد عن إنجيل مرقص، الذى كُتب حوالى العام 70م، وإنجيلىّ متى ولوقا، اللذان يعودان إلى فترة الثمانينات، بل لا يستطيع أيضاً أن يفسّر كون الأناجيل الكنسية تشير إلى تفاصيل عن فلسطين أغلبها دقيق.
ثالثاً، يدّعى (ويلز) أن الإشكاليات التاريخية فى تطور[development ]الأحداث المذكورة فى الاناجيل الكنسية تُظهر أن يسوع لم يوجد أصلاً. على الرغم من ذلك، ليس بالضرورة أن يعني التطوير إبداعاً[[invention كاملاً ولا تثبت الإشكاليات[[difficulties عدم وجوده. وقد يأخذ بعض قرّاء (ويلز) انطباعاً أنه فى حال لم يكن هناك تباين inconsistencies] ]بين الأناجيل، فسيجد (ويلز) ذلك دليلاً على زيفها!.
رابعاً، لم يستطع (ويلز) أن يشرح السبب الذى منع أي وثني أو يهودي، ممن عارضوا المسيحية أن ينكر الوجود التاريخى ليسوع، أو أن يتساءل عنه فى حال كان المسيحيون قد أبدعوا يسوع التاريخى قرابة العام 100م[34].
خامساً، كان (ويلز) وأسلافه شكاكين جداً فيما يخُص الشواهد غير المسيحية ليسوع، وخاصة كتابات (تاسيتوس) و (يوسيفوس). فقد أشاروا إلى مشاكل تتعلق بالنص ومشاكل تتعلق بالمصدر فى هذه الشواهد، وجادلوا أن هذه المشاكل تلغى قيمة هذه النصوص بأكملها، مُتجاهلين الإجماع الكبير على أن معظم هذه النصوص جديرة بالثقة.
سادساً، يبدو أن (ويلز) وآخرين قد طوروا فرضية اللاتاريخية لأهداف غير موضوعية، بل من أجل مقاصد متحيزة غير [ضد]دينية [anti-religious Purposes]. لقد كانت سلاحاً لأولئك الذين عادوا الإيمان المسيحى بكل أشكاله تقريباً، من الربوبيين الراديكاليين[35]، إلى مُناصرى حرية الاعتقاد، وصولاً إلى العلمانيين الراديكاليين والملحدين الفاعلين، مثل (مادلين موراى أوهير). فلقد أفترضوا بشكل صحيح أن إثبات هذه الفرضية سيقرع ناقوس الموت للدين المسيحى كما نعرفه، لكن النظرية تبقى غير مثبتة.
أخيراً، فشل (ويلز) وأسلافه بتقديم فرضيات أخرى قابلة للتصديق لتفسر ميلاد المسيحية، وتشكل مسيحها التاريخي. إن الفرضيات التى قدموها، والمبنية على فهم خاص لعلم الاساطير كانت تحمل القليل من الدلائل المؤيدة كى توصي بها إلى الآخرين. لطالما كان موضوع اللاتاريخية مُثيراً للجدل، ولطالما فشل فى إقناع الباحثين فى عدة مجالات ومن عقائد دينية مختلفة. زيادة على ذاك، لقد فشل دائماً بإقناع العديدين ممن ظُنّ أنهم قد يأخذونها بعين الاعتبار لأسباب من الشك الدينيّ، من (فولتير) إلى (بيرتراند رسل)[36]. والآن يعتبر الباحثون الإنجيليون والمؤرخون الكلاسيكيون أنها قد فشلت بحق.
[1]منقول من كتاب “يسوع المسيح خارج العهد الجديد مدخل إلى الأدلة القديمة”-روبيرت أي .فان فورست ترجمة :وسيم حسن عبده (2012)-صـ17- 27وبالرّجوع إلى النص الأنجليزي وهوامشهِ أيضاً :
Voorst, R. E. (2000). Jesus Outside the New TestamentAn Introduction to the Ancient Evidence. Grand Rapids, MICHIGANCambridge,U.K.: WILLIAM B. EERDMANS PUBLISHING COMPANY.Pp.6-16
[2]يجسّد النّقص في دراسةِ هذه القضية اثنان من أكثر التّواريخِ تأثيراً في تفسيرِ العهد الجديد , هما :
1-ورن رجي .كميل Werner G. Kümmel, في كتابِ “العهد الجديد ,تاريخ التّحقيق في مشاكِلِهِ” The New Testament: The History of the Investigation of Its Problems,ولكنهُ يذكرَ هذه المُشكلة ضمنَ الحواشي السُفلية فقط ,ويُعلل ذلكَ بقولِهِ :”إن الإنكار لوجود يسوع …اعتباطيّ ومبني على أسس خاطئة “.( p. 447, n. 367) 2-نيل ورايت Neill and Wright ,في كتاب “التفسير” Interpretation, ,وهما لا يّذكران هذه المشكلة على الإطلاق .وتبعاً لـ”بورنكام”:أنْ تشكّ بالوجودِ التّاريخيّ ليسوعِ بالمطلق … كانّ أمراً متروكاً لنقدٍ مقصود من الوقتِ المُعاصر ,وهو أمر لا يستحق الذكر هنا “(يسوع و28 [Jesus, 28).])
[3]For treatment of the earlier history of this problem, see Shirley J. Case, The Historicity of Jesus (Chicago: University of Chicago Press, 1912) 32-61; Arthur Drews, Die Leugnung der Geschichtlichkeit Jesu in Vergangenheit und Gegenwart (Karlsruhe:Braun, 1926); Maurice Goguel, Jesus the Nazarene: Myth or History?( London: Fisher 8(Unwin, 1926) 19-29; idem, The Life of Jesus (London: Allen & Unwin, 1933) 61-69;Herbert G. Wood, Did Christ Really Live? (London: SCM, 1938) 18-27. No treatmentsurveys the history of this problem since ca. 1940, another indication that mainstream scholarship today finds it unimportant.
[4]ميير,اليهوديّ الهامشيّ , 1:68Meier, Marginal Jew, 1:68 .انظر أيضاً : النعي السّاخر ليسوع في أهمّ المجلاتِ البريطانية ,ذا ايكونميست The Economist,,3 نيسان 1999 ,77.وعلى الرّغم من معاملة حياة وموت يسوع على أنها تاريخيّة بالكامل ,لكن يبدو أنهُ كانَ مُجبراً على القول : إن الدّلائل من مصادر قديمة غير مسيحيّة يؤمن تأويلات غير مُتحيّزة , وشبهُ عصرية تقول: إن يسوع قد وُجِدَ بالفعل.
[5]المُبشرون :هم أصحاب الأناجيلِ الأربعة :متى,مرقص ,ولوقا, ويوحنا.
[6]على سبيلِ المثال : خلص رادولف بولتمان ,الذي شكك بالعديدِ من أعرافِ الاناجيلِ الكنسية ,إلى أنّ :”الشّكُ بوجودِ يسوع لا أساسَ لهُ ولا يسْتُحقُ الدّحضَ .حيثُ لا يستطيعُ إنسان عاقلٌ أنْ يَشُكّ بأنّ يسوع هو مؤسس حركة تاريخيّة تتمثل مرحلتها الأولى بالمُجتمع الفلسطينيّ”(يسوع والكلمة ,13 [Jesus and the Word [2d ed.; New York: Scribners, 1958] 13]
[7]ف.م.فولتيير,يسوع : من الله والإنسان ,في الأعمال الكاملة لفولتيير .279 F. M. Voltaire, “De Jesus,” from Dieu et les hommes, in Oeuvres complètes de Voltaire (Paris: Société Littéraire-Typographique, 1785) 33:273. He accepted the historicity of Jesus (p. 279).
[8]C.-F. Volney, Les ruines, ou Méditations sur les révolutions des empires (Paris:
Desenne, 1791); English translation, The Ruins, or a Survey of the Revolutions of Empires
(New York: Davis, 1796); C. F. Dupuis, Origine de tous les cultes (Paris: Chasseriau,
1794); abridgement, Abrégé de l’origine de tous les cultes (Paris: Chasseriau, 1798; 2d ed.,
1822); English translation, The Origin of All Religious Worship (New York: Garland, 1984).
[9]On Bauer, see especially Dieter Hertz-Eichenrode, Der Junghegelianer Bruno Bauer im Vormärz (Berlin, 1959); Schweitzer, Quest, 137-160.
[10]B. Bauer, Kritik der evangelischen Geschichte des Johannes (Bremen: Schünemann,
1840; reprint, Hildesheim: Olds, 1990); idem, Kritik der evangelischen Geschichte
der Synoptiker (Leipzig: Wigand, 1841-42; reprint, Hildesheim: Olms, 1990); idem,
Kritik der Paulinischen Briefe (Berlin: Hempel, 1850-52). Bauers Kritik der Evangelien
und Geschichte ihres Ursprungs (Berlin: Hempel, 1851-52; Aalen: Scientia, 1983) fully states his conclusion that Jesus never existed.
[11]B. Bauer, Christus und die Caesaren: Der Ursprung des Christentums aus dem römischen Griechentum (Berlin: Grosser, 1877; reprint, Hildesheim: Olms, 1968).
[12]يتحدثُ وود في كتابِه :”هل عاشَ المسيحُ فعلاً؟”ص7,عن رؤيتهِ عامَ 1931 ملصقات مُضادة للدين في نادي شيكاغو للعمال الرّوس ,يساوون فيها بين يسوع وإله الشّمس الفارسي ميثرا وإله الأرض المصري ايزيس.(للمزيد عن بور وماركس ,انظر زفاي روزن ,”برونو بور وكارل ماركس” (هيغ,1977)Zvi Rosen, Bruno Bauer and Karl Marx (The Hague: Nijhoff, 1977); K. L. Clarkson and D. J. Hawkin, “Marx on Religion: The Influence of Bruno Bauer and Ludwig Feuerbach on His Thought,” SJT 31 (1978) 533-55; Harold Mah, The End of Philosophy, the Origin of “Ideology”: Karl Marx and the Crisis of the Young Hegelians (Berkeley: University of California Press, 1987).
[13]The Existence of Christ Disproved (London: Hetherington, 1841) 41.
[14]أعطى الألمان هذا الاسم للمجموعة التي جعلت من مدرسة توبينغن تبدو مُعتدلة.
[15]Simon J. De Vries, Bible and Theology in the Netherlands (CNTT 3; Wageningen: Veenman, 1968) 52-55.
[16]A. Pierson, De Bergrede en andere synoptische fragmenten (Amsterdam: van
Kampen & Zoon, 1878). On Loman and van Manen, see De Vries, Bible and Theology in the Netherlands, 53-54.
[17]دي فريز, الكتاب المقدس وعلم اللاهوت في هولندا ,54 .يشير إلى أنّ “فولتير” و”إتش.يو.ميبوم”و”ج.ي.فان دين بيرغ” على أنهم امتداد القرن العشرين لهذه المدرسة.De Vries, Bible and Theology in the Netherlands, 54. He points to D. Volter, H. U. Meyboom, and G. A. van den Bergh van Eysinga as continuations in the early twentieth century of this school’s views.
[18]J. M. Robertson, Christianity and Mythology (London: Watts, 1900-1910).
See also his A Short History of Christianity (London: Watts, 1902; 3d ed., 1931); idem,
Pagan Christs (London: Watts, 1903); idem, The Historical Jesus: A Survey of Positions
(London: Watts, 1916); idem, The Jesus Problem: A Restatement of the Myth Theory
(London: Watts, 1917). On Robertson, see the hagiographical work of M. Page, Britain’s
Unknown Genius: The Life and Work of J. M. Robertson (London: South Place Ethical
Society, 1984) esp. 48-51; see also George A. Wells, /. M. Robertson (London: Pemberton, 1987).
[19]ورد فى التلمود البابلى: أن فيفوس بن يهوذا كان يقفل الباب على زوجته مريم ويخرج لكى لا يراها الناس، فكرهته وخانته مع جندى رومانى أسمه يوسف بانديرا، وبانديرا تعنى نمر باللاتينية، وتلفظ أحياناً “بانثيرا” فعوقبت مريم بتهمة الزنا. وطلقت من زوجه، مما اجبرها على تربية ابنها لوحدها، ومن ثم هاجر أبنها يشوع بن بانديرا إلى مصر وهناك تعلم المعجزات وعاد.
[20]الكسندر جانيوس: ملك من السلالة المكابية، وسع ممكلته فى فلسطين وبعد وفاته اختلف ابناؤه فتدخل العرب الانباط لمساعدة ابنه هيركانوس.
[21]Robertson, Pagan Christs, xi.
[22]كونيبير: المسيح التريخى(لندن: 1914).F. C. Conybeare, The Historical Christ (London: Watts, 1914).كان كونيبير، مثل روبيرتسون، عضواً قيادياً فى الجمعية الصحفية العقلانية. لكنه كان يُعرّض أراء روبيرتسون للنقد اللاذع.
[23]سميث، الدين عند الآله( جينا: 1906) W. B. Smith, Die Religion als Selbstbewusstein Gottes (Jena: Diedrich, 1906; 2d ed., 1925); idem, Der vorchristliche Jesus (Glessen: Töpelmann, 1906); idem, The Silenceof Josephus and Tacitus (Chicago: Open Court, 1910); idem, Ecce Deus: The Pre-Christian Jesus (Boston: Roberts, 1894)
[24]A. Drews, Die Christusmythe (Jena: Diederich, 1909-11); English translation, The Christ Myth (London: Unwin, 1910; reprint, Buffalo: Prometheus, 1998).
[25]A. Kalthoff, Das Christus-Problem: Grundlinien zu einer Sozial-Theologie
(Leipzig: Diederich, 1903); idem, Was Wissen Wir von Jesus? Eine Abrechnung mit Professor
D. Bousset in Göttingen (Berlin: Lehmann, 1904); P. Jensen, Hat der Jesus der Evangelien Wirklich Gelebt? (Frankfurt: Neuer Frankfurter Verlag, 1910).
[26][أحدُ العلماء الذي دعم “دروز” كان سليمان زيتلين ,فهو قد استبعدَ الشواهد اليهودية والرّومانية والعهد الجديد لوجود يسوع واستنتج :”السؤال يبقى:هل هناك أي اثباتات تاريخية أن يسوع قد وُجِدَ؟]” One of the few scholars to support Drews was Solomon Zeitlin; he ruled out Jewish, Roman, and New Testament witnesses to Jesus and concluded, “The question remains: Are there any historical proofs that Jesus existed?” (“The Halaka in the Gospels and Its Relation to the JewishLaw in the Time of lesus,” HUCA 1 [1924] 373).
[28]Hoffmann, in the foreword of Wells, Jesus Legend, xii.
[29]Richard France, the Evidence for Jesus (Downers Grove, 111.: InterVarsity, 1982) 12.
[30]دافع الفيلسوف(مايكل مارتن) من جامعة بوسطن عن(ويلز) فى جدله بان يسوع لم يوجد، وتبعه بمعظم ماقال فى الفصل الاول من كتابه الدليل ضد المسيحية (فيلاديلفيا: 1991). ومن النقاد الذين يرفضون فرضيات ويلز: مايكل غرانت فى كتابه: يسوع، مراجعة تاريخية للأناجيل الكنسية(نيويورك: 1977) وإيان ويلسن فى كتابه: يسوع، الدليل (سان فرانسيسكو: 1984)، و غراى هابيرماس فى كتابه: الدليل القديم لحياة المسيح(ناشفيل: 1984)، والذى يقول فى ص47: إن ما يعيب حجج (مارتن) هو اعتماده على (ويلز) فى معلوماته حول ابحاث العهد الجديد، ومع ذلك فإن (مارتن) يعتبر حجج (ويلز) موثوقة، ويضيف: إلا أننى لن اعتمد عليها فى بقية الكتاب حيث انها جدلية وليست مقبولة بشكل كبير.
[31]أنظر: موراى هاريس: ثلاثة أسئلة جوهرية عن يسوع (غراند رابيز: 1994) Murray J. Harris, Three Crucial Questions about Jesus (Grand Rapids: Baker, 1994)، حيث أن السؤال هو: هل وجد يسوع؟ فإن هذا الامر جوهرى من اجل الايمان بيسوع، لكنه لم يعد جوهرياً من اجل دراسته.
[32]بيلاطس البنطى: كان الحاكم الرومانى لمنطقة (اليهودية) بين عامى 26 الى 36م. وحسب ما هو وارد فى الاناجيل المعتمدة، فانه هو الذى تولى محاكمة المسيح، واصدر الحكم بصلبه، وذلك فى عهد الامبراطور الرومانى طيباريوس قيصر. وقد أصدر بيلاطس الحكم بصلب المسيح خوفاً من اليهود الذين هددوا برفع الامور الى الامبراطور واتهامه بالخيانة إذ قام بتبرئة المسيح الذى صرح بانه ملك، وهى تهمة سياسية خطيرة بالنسبة للرومان.
[33][ وكما يشير مورتون سميث ,إن حجة ويلز هي مبنية بشكل رئيسي على حجة من الصمت .وقد انتقد ويلز لتفسيره هذا الصمت من خلال جدله”مسيحيين أوائل غير معروفين الذين يبنون أسطورة غير مُبرهنة…حول كيان فوق طبيعي غير محدد ,والذي في وقت غير محدد تم أرساله بواسطة الله الى العالم كإنسان لينقذ الانسانية وقد تمّ صلبهُ”]
[(Morton Smith, “The Historical Jesus,” in Jesus in Myth and History, ed. R. Joseph Hoffmann and Gerald A. Larue [Buffalo: Prometheus,1986] 47-48). This “Christ before Jesus” myth has also been promoted by J. G. Jackson, Christianity before Christ (Austin: American Atheist Press, 1985).]
[34]المحاولة الوحيدة المعروفة فى هذا الجدل تتمثل بكتاب (يوستتيوس الشهيد، حوار مع ترايفو) المكتوب منتصف القرن الثانى الميلادى.[ففي نهاية الفصل الثامن فإن تريفو اليهودي محاور يوستين يقول: ” ولكن [الـ]مسيح – إذا كانَ بالفعل قد وُلِدَ ,أو قد وُجدَ في أي مكان – هو غير معروف ,ولا يعرف حتى نفسهُ وليس لديهِ قوة حتى يأتي ايليا ليمسحهُ ويجعلهُ معروفاً للكل ,فإن قبول تقرير بلا أرضية ,وكأنكم تخترعون مسيحاً خاصاً بكم ,ولأجلهُ هو فإنكم تهلكون بدون أن تعرفوا” قد تبدو هذه جملة باهته لفرضية عدم الوجود ,ولكن لم يتم تطيرها أو ذكرها في بقية الحوار ,والتي يفترض فيها تريفو وجود يسوع ]
[35]الربوبيين: فلسفة تؤمن بوجود خالق عظيم خالق الكون، وبان هذا الحقيقة يمكن الوصول اليها باستخدام العقل، ومراقبة العالم الطبيعى وحده دون الحاجة الى اى دين، فيختلفون بذلك عن الملحدين.
[36]علماً بأن رسل، فى كتابه: لماذا لست مسيحيأً: نيويورك: 1957) يقبل بشكل ضمنى تاريخية يسوع.
كيف كان يمكن أن يخلُص العالم وهو ممسوك في شباك الخطية، ومذنبا بتهمة الشر، وخاضعًا لسيد قاسٍ أي الشيطان؟
هل يكون ذلك بفرض العقاب عليه لسقوطه في الخطية والتعدي؟!
أم بالأحرى عن طريق مساعدته. إذ أن الله طويل الأناة ومستعد أن يغطّي بالنسيان على تلك الأشياء التي تعدّى فيها الإنسان، وأن يجدِّد إلى قداسة الحياة أولئك الذين لم يعرفوا كيف يعيشون باستقامة.
أخبرني إذن أيها الفريسي لماذا تتذّمر لأن المسيح لم يستنكف أن يأكل مع العشارين والخطاة، بل هيأ لهم عن قصد هذه الوسيلة للخلاص؟
فلكي يُخلِّص الإنسان أخلى نفسه، وصار مثلنا في الشكل، وارتدى لباس فقرنا البشرّي. فهل تلوم إذن تدبير الابن الوحيد في الجسد؟ وهل تجد خطأ في إنزال نفسه من السماء وهو الذي يفوق الكّل؟ إنك لا تدع التجسُّد نفسه بدون انتقاد! ومع ذلك فان الأنبياء القدِّيسين يتعجّبون من جمال التدبير الإلهي في هذا السر. فداود النبي يعلن في المزامير: ” رتلوا بفهم، فإن الرب ملك على كل الأمم” (مز 7:46 س) . وحبقوق النبي يقول: “يا رب قد سمعت خبرك فجزعت، ونظرت إلى أعمالك فاندهشت” (حب 2:3 س). فكيف تجرؤ أنت أن تفحص أعماله، وقد كان أحرى بك أن تُمجِّدها؟
هل تريد أن يكون رب الكّل صارماً عنيداً أم بالأحرى يكون صالحاً وشفوقاً بالبشر؟
فالأسرة البشرّية قد ضلّت طريقها، وقد ابتعدت عن يد رئيس الرعاة، لذلك فإن الذي يُطْعِم القطعان السماوية، صار مثلنا لكي يقودنا ويجعلنا نحن أيضاً نسكن في مساكنه، لكي يوحِّدنا مع أولئك الذين لم يضلوا أبداً، ويطرد منا الوحش المفترس، ويدفع عنا أذى الشياطين النجسين، الذين هم كعصابة لصوص شريرة قد أضلوا كل الذين تحت السماء.
لذلك، فقد فتّش عن الضال، ولكي يبيّن أن تصيّد الأخطاء من اليهود بخصوص هذا الأمر باطل، قال لهم: “أي إنسان منكم له مئة خروف وأضاع واحدا منها، ألا يترك التسعة والتسعين في البرية ويذهب لأجل الضال حتى يجده، وإذا وجده يضعه على منكبيه فرحا”. ويقول إنه يفرح به أكثر من الذين لم يضّلوا.
افهموا من هذا ـ يا أحبائي ـ الحدود المتسعة لمملكة المخلِّص، وجموع رعاياه الغفيرة التي تفوق الحصر، وخطة تدبيره الحكيمة من نحونا. فإنه يقول إن عدد الخراف مائة، وبذلك يجعل عدد رعاياه يصل إلى عدد كامل ومتكامل معا. فان العدد مئة هو عدد كامل ويتكّون من عشرة عشرات. وقد تعلّمنا أيضا من الأسفار الإلهية الموحى بها أن ألوف ألوف يخدمون أمام الله، وربوات وربوات وقوف حول عرشه السامي. لذلك، فالخراف هي مائة، وقد ضلّ واحد منها، وأعني به العائلة البشريّة التي على الأرض، والتي جاء رئيس رعاة الجميع يبحث عنها، تاركاً التسعة والتسعين في البرية، فهل لأنه ليس عنده اهتمام بالكثيرين قد أظهر الرحمة للواحد فقط؟ كلا، فان ذلك ليس لعدم اهتمامه بالكثيرين، فان هذا مستحيل، ولكن بسبب أنهم في أمان وهم محروسون بيده المقتدرة؛ لذلك من الصوابأن تظهر الرحمة من نحو ذلك الذي ضلَّ لكي لا ينقص شيء من العدد الغفير الكامل، بل إذ يردّ الذي ضلَّ فإن المئة تسترد جمالها.
لذلك، فالبحث عن الذي ضل ليس احتقارًا لأولئك الذين لم يضلوا، بل هو فعل نعمة ورحمة وحب للجنس البشرّى، وهو عمل لائق بالطبيعة العالية الفائقة، لكي تمنحه لخلائقها الساقطة.
بل هيّا بنا لنفحص الأمر بمساعدة مثال آخر أيضا، لكي ما نُظهِر في كل الأوقات شفقة المسيح مخلّصنا جميعاً، تلك الشفقة التي لا تُجارى. فلنفترض أنه في بيت واحد يوجد أكثر من ساكن، ويحدث أن أحدهم يسقط مريضاً. فلمن يُستدعى الأطباء المعالجون؟ أليس لذلك الذي سقط مريضا؟ ولكن استدعاء الأطباء للمريض لا يعتبر إهمالاً لبقية سكان البيت، والأطباء يفيدون المريض ـ بمهارتهم بحسب ما يحتاجه من وقت وعناية. ولذلك فبنفس الطريقة كان جديراً بالله ــ بل وجديراً جداً ــ الذي يضبط الكّل أن يمد يده المخلِّصة لذلك الذي ضلَّ بعيدًا. وقد اقتنص الوحش المفترس الفرصة، وقاد العائلة البشرّية على الأرض إلى الضلال بعيدًا عن الراعي، وأسرع بها إلى كل أنواع البؤس.
أمَّا رئيس الرعاة فقد خلَّص العائلة البشرّية، لأنه بَحَث عن ذلك الذي ضلَّ الطريق، وأسّس لنا حظيرة حصينة لا تُهاجَم من الوحوش المفترسة واللصوص، وأعني بها الكنيسة، التي يمكن أن نقول في وصفها بكلمات النبي: ” انظروا فإن لنا مدينة قوية وحصينة، ويجعل لنا الخلاص أسوارًا ومترسة” (إش 1:26 س).
أما معنى المَثَل الآخر التالي فهو مشابه للأول تماماً، والذي فيه يقول إنَّ ” امرأة كان لها عشرة دراهم أضاعت درهمًا واحدًا، وأنها أوقدت سراجًا ووجدته، وأنها فرحت به كثيرًا، وجعلته سببًا لفرح خاص”. كذلك فمن المَثَل الأول الذي فيه يشير الخروف الضَّال إلى العائلة البشرّية، نتعلَّم، أننا نحن خاصة الله فوق الكّل، فانه هو الذي أوجد الأشياء غير الموجودة. لأنه ” هو صنعنا، وليس نحن ” كما هو مكتوب “وهو إلهنا، ونحن شعب مرعاه وغنم يده” (مز 3:100). وفى المَثَل الثاني الذي فيه يُشار إلى المفقود بدرهم، وأيضا هذا المفقود هو واحد من عشرة، أي من عدد كامل، ومن جملة مبلغ كامل في الحساب ـ لأن الرقم عشرة هو عدد كامل أيضا، وهو نهاية مجموعة الأعداد من واحد إلى عشرة ـ فهذا يوضِّح، أننا على صورة الله ومثاله، أي من الله الذي هو فوق الكّل.
لأن الدرهم مختوم عليها الصورة الملكّية. فنحن الذين سقطنا، وفُقدنا، قد وَجَدنا المسيح، وتم تغييرنا بالقداسة والبّر إلى صورته، لذا كتب بولس الرسول: “ونحن جميعا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح” (2كو 18:3). وهو يرسل إلى الغلاطيين أيضا قائلا لهم: ” يا أولادي الذين أتمخض بكم إلى أن يتصوَّر المسيح فيكم” (غل 9:4).
إذن فقد حدث البحث والتفتيش عن ذلك الذي فُقد، ومن أجل ذلك أوقَدَت المرأة سراجاً، وكما قلت إننا قد وُجدنا بواسطة حكمة الله الآب ــ أي الابن ـ وذلك حينما أشرق علينا النور الإلهي والعقلي، وأشرقت الشمس، ” وطلع كوكب الصبح وانفجر النهار” حسب الكتب (2بط 19:1). فإن الله قد قال أيضا بواسطة أحد الأنبياء الذين تنبأوا عن المسيح: “بري يقترب سريعًا، وتظهر رحمتي، ويتقّد خلاصي كمصباح” (إش 1:62 س). وهو يقول عن نفسه مرّة: “أنا هو نور العالم، من يتبعني فلا يمشى في الظلمة، بل يكون له نور الحياة” (يو 46:12).
إذن فإن الذي فُقد قد خَلُص بواسطة النور، وكان هناك فرح بين القوات العلّوية. لأنهم يفرحون بخاطئ يتوب، كما علّمنا الذي يعرف جميع الأشياء. لذلك فإن كانوا يفرحون معاً ـ متناغمين مع القصد الإلهي ـ بواحد فقط قد خَلُص، ويمجِّدون رحمة المخلص بتسابيح لا تنقطع، فبأي فرح عظيم يمتلئون حينما يَخلُص جميع الذين تحت السماء، ويُدعون للإيمان بالمسيح ويعترفون بالحق، ويخلعون أدناس الخطية، وتتحرّر رقابهم من رباطات الموت، ويُحرَّرون من اللوم أعني لوم الضلال والسقوط! فإننا نحصل على جميع هذه الأشياء في المسيح، الذي به وله من الله أبيه التسبيح والسيادة مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.
المرجع: تفسير إنجيل لوقا، للقديس كيرلس الإسكندري، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد، مركز دراسات الآباء.
Reference: Cyril of Alexandria, Homilies on Luke, Oxford