هل وُجِدَ يسوع فعلاً؟ -روبيرت فان فورست

هل وُجِدَ يسوع فعلاً؟[1]

حتى مؤخراً ,لم يكن للتيّار السّائد في أبحاث العهد الجديد تأثير كبير على البحث في شخصيّة يسوع ضمن مصادر خارج العهد الجديد .على أيّة حال فقد ,فقد كان هنالك تيّار جانبيّ طويلٌ المدى حملَ مثلَ هذا التأثير .إنهُ السؤال الجدليّ ,هل وُجِدَ يسوع فعلاً؟

قّدْ يُدهَش بعض القُرّاء أو يُصدمون بوجود العديد من الكُتُب والمقالاتِ التي رَفضَت وبشدةٍ حقيقة وجود يسوع ,مع أنّها أكثر من مائة كتاب ومقالة في المائتي عام المنصرمة حسبَ إحصاءاتي .وبشكل نمطيّ, فقد رأى الباحثون المعاصرون في العهد الجديد حججهم تلكَ ضعيفة وغريبة حيثُ أنهم قاموا بإرجائها إلى حواشي الكُتب وغالباً ما تجاهلوها بشكلٍ كاملٍ.[2]

وتبعاً لذلك ,فإن دارسي العهد الجديد ليسوا على إلفة بها. وفي هذا القسم ,الذي يُعدُّ تابعاً لِمُخططنا عن تاريخِ البَحثِ ,سوف نُعاين بِشكلٍ موجز تاريخَ ودلالات النظرية القائلة بعدمِ وجود يسوع.[3]

وكما سنرى ,فقد كانَ لقضية وجود يسوع التأثير الكبير على البحث في شخصيّة يسوع في المصادر غير المسيحية ,ومازالَ تأثيرها اليومَ ظاهراً في بعضِ المفاهيمِ الشّائعة للعهد الجديد .على سبيل المثال “جون ميير”, أحد قادة البحث الثالث,قال :في حواراتي مع الصّحفيين والمُحررين الذينَ كانوا يسألونني في مُختَلفِ الأوقاتِ أنْ أكتُبَ عن يسوعِ التّاريخي ,كانَ السّؤال الأوّل دائماً :لكن هل تستطيعُ إثباتَ وجوده؟[4]

ويزدحِمُ الإنترنت بنقاشاتٍ تتناولُ هذا الموضوع . وبالبحثِ عن هذا الموضوع “هل وجد يسوع” عبر مُحرّك “ألتا فيستا” في 1 حزيران 1999,تمّ الوصول إلى 62 صفحة على الشبكةِ الرّئيسية ,2580 مشاركة على “يوز نت” القناةِ الأساسية للنقاشِ .

تشكّل قضية عدمُ تاريخيّة يسوع التّيار الجانبيّ في دراسة العهد الجديد .وبالرغم من ذلكَ ,فإن أولئكَ الذينَ يؤيدونها غالباً ما يشيرونَ إلى عملِ الباحثينَ في التّيارِ السّائدِ ,وبذلكَ يكونُ من الأفضلِ أن نُميّز دراسةِ التّيار السّائد على أساس مصداقية الأناجيلِ ووجود يسوع. ومنذُ ظهورِ النّقد الإنجيليّ, اختلفَ الباحثونَ حولَ مستوى تاريخيّة الرّوايات التي تناولَت يسوع في الأدب المسيحي القديم , وذلك حول كل من أحداثِ حياةِ يسوع وكلماتِ تعاليمهِ ومعانيها .ففي أحد طرفي الطيفِ البحثي ,خلُص البعض إلى أن الأناجيل الكنسيّة القانونية هي روايات تاريخيّة عن يسوع يعوّل عليها بشكلٍ كامل , وبذلكَ يُمكننا أن نعرِفَ الكثيرَ عنهُ .ونادراً ما يشير أولئكَ الذينَ ينكرونَ تاريخيّة يسوع إلى أعمال التقليدين إلا من أجلِ وصفها بالسّذاجة .

في منتصفِ هذا الطيفِ يوجدُ الباحثون الذينَ يرون الأناجيلَ : على أنها مزيجٌ من الموادِ التّاريخية ذات المصداقية والتأويلاتِ اللّاهوتية عن يسوع ,مع تطورها بين زمنه وزمنِ المُبشرين[5]

يعملُ هؤلاء الدارسون , وهم الغالبية العُظمى من الباحثين ,على فهم التفاعل بينَ هذه العناصر ,ويدركون “يسوع التّاريخي” مع القليل من الثّقة .يبدو أولئكَ الذينَ ينكرونَ وجودَ يسوع ,وخاصّة شكاكي القرن العشرين ,على أنهم يهملون هذا الموقع المتوسط .فهم يفضّلون التّعامل مع التّطرف في هذا المجال.

وفي الطرف الآخر من هذا الطيف ,يرى البعض أنّ الأناجيلَ الكنسيّة والأدبِ المسيحيّ الأوّل يحتوي الكثيرَ من التأمّلات اللّاهوتية والابتكارات حيثُ لا يُمكننا معرفة إلاّ القليل عن حياةِ يسوع وتعاليمهِ .وعلى الرّغم من التّقليل من شأنِ شخصيّة يسوع ,فلم يُجادل أيّ من أفرادِ هذه المجموعة الأخيرة بكونِ يسوع مجرّد ابتكار من قبل الكنيسة .وغالباً ما استخدمَ أولئكَ الذينَ ينكرونَ وجود يسوع التّاريخي حججهم تلكَ.

وعلى أيةِ حال ,فإن أولئكَ الذينَ ينكرونه قد توصلوا إلى نتيجة مفادها أن يسوع لم يوجد أصلاً أمّا المجموعة الأخيرة من الطّيفِ لم تفعل ذلكَ[6]

وبالتّحولِ إلى تاريخِ هذا الموضوع ,فإنّ الجدلَ حولَ وجودِ يسوع يعودُ إلى بداية الدراسة النقدية للعهد الجديد ,ففي نهاية القرنِ الثامن عشر بدأ بعض التابعين للُمتأله (Deist ) المتطرف اللورد البريطاني “بولينغبروك” بنشرِ فكرة أن يسوع لم يوجدْ أبداً . وقد رفضَ “فولتيير” هذه الفكرة بشدة ,مع أنهُ لم يكن مؤيداً للمسيحية التّقليدية ,وعلّق أن أولئكَ الذين ينكرونَ وجود يسوع يظهرونَ أنفسهم “أكثرَ حذقاً من كونهم مُتعلمينَ”[7].على الرغم من ذلك في فترة 1790,كتبَ بعضُ مفكري عصر التّنوير الفرنسيين الرّاديكاليين أنّ المسيحية ومسيحها كانت مُجرّد أساطير ,وقد نشرَ كُل من “قسطنطين فرانسوا فولني”و”شارلز فرانسوا ديبوا” ,كتباً تروّج لهذه الأفكار ,قائلينَ :إن المسيحية كانت مزيجاً غيرَ مُحدّث من الأساطيرِ الفارسيّة القديمة والبابليّة ,وأنّ يسوع هو شخصيّة أسطورية بشكلٍ كامل.[8]

بقيت هذه الفرضية لا تثيرُ ضجة حتى جاء “برونو بور” (1809-1882),كانَ بور أكثر كُتّاب القرنِ التاسع عشر حدّة في مواجهةِ تاريخيّة يسوع[9] ,ففي سلسلة من الكُتب من عام 1840 الى عام 1855,هاجم “بور” القيمة التّاريخيّة لإنجيلِ يوحنا و الأناجيل السّينوبتيّة ,مُحتجاً بكونها مجرّد اختراعات من القرنِ الثّاني .ولكنها بالمُقابل تُعطي رؤية جيدة لحياةِ الكنيسة الأولى لكن بدون أن تُقدّمَ شيئاً عن حياةِ يسوع[10] .لقدَ حاولَ بور أن يُظهِرَ في كتاباتهِ الأولى أنّ النّقد التّاريخي يمكن أن يستعيد الحقيقة الأساسيّة للإنجيل من الكمّ الكبير لإشكالاته التاريخيّة .حيثُ يُبيّن أنّ الوعي الذّاتي الإنساني هو أمرٌ إلهي ,وأنّ الروح الإلهية يمكن أن تندمج مع الرّوح البشرية لتصبحَ روحاً واحدة.كانَ “بور” أوّل من ناقشَ فكرة عدم وجود يسوع بشكلٍ منهجيّ ,ورأى أنّ أناجيلَ الكنسيّة لم تكن فقط عديمة القديمة التّاريخيّة ,بل إنّ كافة الرّسائِل التي كُتِبَت تحتَ اسم “بولس” ,والتي كانَ لها أن تكون دليلاً على وجود يسوع ,كانت من محضِ الخيال. كما كانت الشواهدُ الرّومانيّة واليهودية لوجود يسوع ثانويّة أو مُلفقة .وبإقصاء هذه الشّواهِد ,يتلاشى الدليل على وجودِ يسوع ,ويتلاشى معهُ يسوع ,الذي أصبحَ نتيجة المسيحية وليس مُنتِجها .ويقول “بور”: إنّ المسيحيّة ومسيحها ولدا في روما والإسكندريّة عندما اجتمع مناصروا الرّواقيّة الرّومانية ,والأفلاطونية المُحدثة اليونانية واليهودية ,لتشكيلِ دين جديد احتاجَ موجداً له .[11]

وضع “بور” أُسس الجدل التّقليدي ثلاثي الشُّعَب ,الذي يتبعهُ كافة الرافضين لوجود يسوع ,حتى لو لم يعتمدوه بشكلٍ مُباشرٍ .أولاً :استنكرَ “بور” قيمة العهدِ الجديد ,وخاصّة الأناجيل الكنسيّة القانونيّة ورسائِل بولس الرّسول ,في إثباتِ وجودِ يسوع .ثانياً :يرى “بور” أنّ الافتقار لذكرِ يسوع في الكتابات غير المسيحيّة من القرنِ الأول يُظهر أن يسوع لم يوجَد أصلاً .كما أنّ الذكرَ القليل ليسوع في الكتابات الرّومانية في بدايةِ القرنِ الثّاني لا تُثبت وجوده .ثالثاً: قامَ بدعمِ فكرة أن المسيحيّة في بدايتها كانت تعتمد على التّوفيق بين المُعتقداتِ القديمة والأساطير

تمّ مُهاجمة أفكار “بور” حولَ أصولِ المسيحيّة , بما فيها آرائه حول عدم وجود يسوع , من قبل السّلطات الكنسيّة والأكاديميّة, كما تمّ دحضها بشكلٍ فعّال من عقولِ الغالبيّة .فلم يكُنْ لهذهِ الأفكار تأثيرٌ طويلُ الأمد على الدّراساتِ اللاحقة ,وخاصة في التّيارِ السّائِد .وقد يرتبط أكثر إرث “بور” أهميّة بشكلٍ غيرِ مُباشر ببحثهِ الإنجيلي ,فعندما أقصتهُ حكومة بروسيا عن منصبهِ في جامعةِ برلين 1839 بسبب أفكارِه ,أدّى ذلكَ بأحدِ تلامِذَتِهِ ,”كارل ماركس”, إلى راديكاليّة أكبر ,حيثُ سيقومُ “ماركس ” بضمِ أفكارِ “بور” حولَ الأصولِ الأسطورية ليسوع إلى ايدولوجيتهِ ,وإلى الأدبِ السّوفيتي والدعاية الشّيوعية التي نشرت مُعتقداتِه فيما بعْد.[12]

قامَ البعضُ بنقلِ استنكارِ وجودِ يسوع لكل من جمهور العامة والباحثين ,فعلى سبيل المثال عام 1841 تمّ نشر عدد من الكتيّبات ,مجهولة الكاتب ,في انكلترا ,ثُم جُمِعَت في كتابٍ واحد يدحض وجود المسيح بدلائل دامِغة ,وذلك عبرَ سلسلة من الرّسائلِ موجهة من يهوديّ ألمانيّ إلى المسيحيين من كافةِ الطّوائف ,حيثُ يرفض الكتب روايات العهد الجديد ,والرّوايات اليهوديّة والرّومانية التي تتناولُ يسوع ويرى أنّ :الدّينَ المسيحيّ قد استُمِدَ من الأديانِ القديمة ,وأنهُ كانَ في الأصلِ مُجرّدَ رواية من أساطيرِ عبادةِ الشّمسِ.[13]

في سبعينيات وثمانينات القرن التاسع عشر ,قامَ عدة أعضاء من “المدرسة الهولندية الرّاديكاليّة”[14] بإعلانِ إنكارِهم لوجود يسوع ,وكانَ لهذه المجموعة ,التي تمركزت في جامعة امستردام ,شكوك كُبرى حو القيمة التاريخيّة للإنجيل[15] ,وبكلِ بساطةٍ أنكرَ  زعيمُ هذه المجموعة “آلارد بيرسون “وجود يسوع ,وتبعهُ في ذلك :ي.لومان و”دبليو .سي.فان مانن” ببساطة .[16]وقد تمت مهاجمة وجهة نظرهم هذه بحدة في هولندا ,وبالأخص من قبل الباحثينَ الآخرين ,لكنا أُهملت تماماً في الخارج. وقد كانت كتابتهم حصرياً باللغة الهولندية غير الشائِعة ,بصفتِهم مدرسة تهتم بالعهد القديم ,ولقيت نقاشاتهم النافية لوجود يسوع قلّة من الأتباع الملحوظينَ في العقودِ الأخيرة من القرن التاسع عشر والسنوات الأولى من القرن العشرين ,لكنها تلاشت بعد ذلك تدريجياً[17]

ومع تلاشي آراء المدرسة الهولنديّة الرّاديكالية ,أخذ انبعاثُ فرضية أخرى يلقى اهتماماً أوسع, وهي فرضية “عدم تاريخيّة يسوع” .وقد بدأت مع جون “جون.م.روبيرتسون” البريطانيّ المُؤيد لحريّة الاعتقاد والمذهب العَقلاني ,والذي نشَرَ كتاب “المسيحيّة والأسطورة”,وكان الكتاب الأول لـ”روبيرتسون” في مهاجمة المسيحية من خلال مهاجمة تاريخية موجدها[18] .وحسب آراء “روبيرتسون” العقلانية فإنّ الأديان تتطور من إيجاد آلهة جديدة تُناسب أزماناً جديدة.كما يرى “روبيرتسون” أن طائفة يشوع القديمة ,التي رمزُ إيمانها :الحَمَل ,قد عبدت الإله يشوع بوصفه الوريث المسيحيّ للدين التوحيديّ اليهوديّ .ويكادُ يكون ذلك من ناحية أسطورية بالكامل مرتبطاً بعباداتِ تموّز وأدونيس.وقد ثابرت هذه الطّائِفة حتّى أوجَدَتْ إلهاً “مسيحياً”[مسيانيّ] جديداً,هو يسوع المسيح. إنّ الأثر الوحيد الذي يمكن تقفيه في الدّيانة المسيحية لـ “يسوع التاريخي” قد يكون بإعادة تشكيل مُبهمة للشخصية التلمودية (يسوع بن بانديرا)[19] ، الذى أُعدم بأمر (ألكسندر جانيوس)[20] [ 106-79قبل الميلاد ]، لكن يسوع العهد الجديد لم يوجد أبداً.

إن روايات الأناجيل الكنسية القانونية هى عبارة عن مجموعة من الأساطير الوثنية القديمة والحديثة. على سبيل المثال: حكاية الإنجيل عن العشاء الأخير، العذاب، الخيانة، الصلب، الإنبعاث[القيامة] Resurrection]]، فهى ليست رواية أصيلة، بل دراما غامضة …
ويُمكِن الاستنتاج أنها تطوّر لتقاليد فلسطينيّة عن التضحية بالبشر، كان الضحية السنوية فيها هو (يسوع، إبن الأب)[21]. فرسائل بولس تذكر موت (يسوع بن بانديرا) وليس يسوع الناصرة.

كانت آراء (روبيرتسون) حول الدين ومواضيع أُخرى، آراء جدليّة فى زمنه، وقد عبّر الباحث البريطانى فى العهد الجديد (ف.سى.كونيبير) عن أكبر ردّ فعل تجاه آراء (روبيرتسون) عبر كتابه (المسيح التاريخى)[22] .وهناك ردّ فعل آخر أكثر شيوعاً تجسّد بكتاب (إتش.ج.وود) بعنوان: (هل عاش المسيح فعلاً؟) وكغيرهم ممن عارضوا (روبيرتسون) فقد رأى كلّ من الكاتبين أنّ محاولة تشوية المسيحيّة من خلال إظهار أن مُخلص المسيحيين كان مُجرد أُسطورة، يعنى تجاهُل (روبيرتسون) الطُرُق التاريخية السليمة. وقد أشاروا إلى الكُتّاب غير المسيحيين القُدماء، رومانيين ويهود، لإثبات تاريخيّة يسوع.

على الساحة الأمريكية، أكثر المُناصرين لعدم تاريخيّة يسوع كان أُستاذ الرياضيات فى جامعة تولين (وليم بينجامين سميث)”1850-1934″[23]. وقد شرح إعتقاده بوجود يسوع على أنه: خليط من طائفة يسوعية سابقة للمسيحيين، وهى إحدى طوائف عبادة الشمس، مع إرتباط بين يسوع بوصفه حمل الله “آغنوس”.وإله النر الهندي “آغني”. كما ناقش مُبيناً عدم قيمة الشواهد اليهوديّة والرومانية على وجود يسوع، وخاصّة كتابات (يوسيفوس) و (تاسيتوس).

فى ألمانيا، جرى الترحيب بآراء (سميث) وتمّ تعزيزها من قبل (آرثر دروز)”1865-1935″، أُستاذ الفلسفة فى “جامعة كارلسرو للتكنولوجيا”. فقد قاد (دروز) حملة شعبية تضمنت خطابات وكتابات ضد تاريخية يسوع، وهو ما رآه آخر عائق للوصول إلى نظرة وحدوية حول الحياة والإيمان[24]. وقام هو ومناصروه، وخاصة (آلبرت كالثوف) و (بيتر جينسين)[25]، بنشر كّراسات وكتيّبات وكتب شعبية وتوزيعها على نطاق كبير. وقاموا برعاية مُناظرات مع أبرز معارضيهم فى مُدُن الجامعات عبر ألمانيا. وغالباً ما جمعت هذه المناظرات حشوداً كبيرة، ونُشرت خطوطها العريضة فى الصُحُف.

كان هجوم (دروز) على تاريخية يسوع يفتقر للترابط الذى وجد فى ما سبقه من هجمات، وخاصّة هجوم (باور). وكما هو حال هجوم (سميث)، كان هجوم (دروز) مزيجاً من نقاشات سابقة. لكن من بين كل المؤيدين لعدم تاريخية يسوع فقد كان (دروز) أكثر مهاجمي المسيحية صخباً. من أقواله: يسوع الذى أبتدعته المسيحية أمتلك (أخلاقيات ذاتية زائفة)، و (وطنيّة ذات توجّه محدوده)، و (باطنيّة مبهمة).

رغم ضعف حجج (دروز) إلاّ أنّ شعبيته الكبيرة هو وحلفائه جعلت منهم أول من أثار دحضاً مستمراً من جانب الباحثين ومنهم بعض البارزين. وقد تناول بعض هذا الدحض الأدلة المُستقاة من خارج العهد الجديد على وجود يسوع[26]. وتمثل الفترة التى قام بها (دروز) بكتاباته، وهى العقود الأولى من القرن العشرين، ذروةّ موضوع اللاتاريخية.

أكثر النقاد المعاصرين لتاريخية يسوع إصراراً وأغرزهم كتابةّ كان (جورج إى ويليمز) ( 1926-) البروفسور المخضرم فى اللغة الألمانية فى جامعة “بيركبيك” بلندن[27]. اعتمد (ويلز) فى هجومه على معلومات آخر دراسات للأناجيل الكنسية، والتى خلصت إلى أن الأناجيل الكنسية القانونية كانت قد كُتبت بعد أكثر من أربعين عاماً من يسوع، من قِبل كُتّاب غير معروفين لم يكونوا شهود عيان ليسوع. ويرى (ويلز) أن الأناجيل الكنسية تحتوى الكثر مما يُعتبر أسطورياً، كما أنها موجّهة بأهداف لاهوتية وليس تاريخية. فالأجزاء الأولى من العهد الجديد وبشكل ملحوظ رسائل بولس الرسول، تفترض مقدّماً وجود يسوع، لكنها لا تؤمّن أدلة تفصيلية يمكن أن تثبت وجوده. وبناء على ذلك يرى (ويلز) أننا نحتاج تعاوناً مستقلاً من مصادر موضوعية أخرى لتؤكد وجوده. وقام (ويلز) بدراسة دقيقة لهذه المصادر المقترحة، من كتابات (تاسيتوس) إلى التلمود، فوجد أنها لا تحتوى أى معارف مستقلة عن يسوع، وبالتالى، فهى ليست مصادر جديرة بالقبول، بل إنها تُزيد من احتمال عدم وجود يسوع أصلاً.
يفسّر (ويلز) شخصية يسوع على أنها شخصية خيالية [[mythicalظهرت من صوفية بولس الرسول، وكان على بعض المسيحيين من القرن الأول أن يفبركوا لها قصة حياتية. ولذلك كان (ر.جوزيف هوفمان) محقاً بدعوته(ويلز) بـ “أكثر المُدافعين المُعاصرين عن قضية اللاتاريخية بلاغة”[28]. فـ (ويلز) كان يكتب بنبرة ثقافية هادئة، بعكس آخرين سبقوه فى هذا المضمار. على أية حال، فإن ما علق به (ريتشارد فرانس) على طريقة (ويلز) هو صحيح أيضاً، حيث قال: “دائماً يختار (ويلز) تلك المواقف المتطرفة من مختلف دراسات العهد الجديد، والتى تناسب موضوعه بشكل أفضل، ومن ثّم يحبكها مع بعضها ليشكّل رواية جديدة لا يتفق معها أىّ من أولئك الذين اقتبس منهم.”[29]
إن ما خلُص إليه (فرانس) يلقى موافقة كبيرة، حيث أن معظم دارسى العهد الجديد لا يتناولون حجج (ويلز) على الإطلاق، أما أولئك الذين يتناولونها فلا يدخلون بعمقها. وعلى الرغم من أن (ويلز) كان على الأرجح أكثر مؤيدى نظرية اللاتاريخية قدرة، إلا أنه لم يكن أكثرهم إقناعاً، كما أنه الآن الصوت الوحيد تقريباً لهذه النظرية.[30]

فنظرية عدم وجود
يسوع هى الآن قضية ميتة بحق
[31]

لكن على أية أسس رفض باحثو العهد الجديد وغيرهم من المؤرخين فرضية عدم وجود يسوع؟ هنا سنلخّص الحجج الرئيسية المُستخدمة ضد نظرية (ويلز) من هذه الفرضية، حيث أنه معاصر ومشابه لمن سبقه.

أولاً، يخطئ (ويلز) بتفسير عدم ذكر بولس الرسول لبعض تفاصيل حياة يسوع، مثل: التاريخ الدقيق لحياته، المكان الدقيق لدعوته، حقيقة أن بيلاطس البنطي[32]قد أدانه، وغيرها من الأُمور.
وكما يعرف كلّ دارس جيد للتاريخ، فمن الخطأ الافتراض بأن كلّ ما لم يُذكر أو ما لم يُفصل لم يوجد، وهكذا فالاعتماد على خلو التاريخ القديم من إشارات إنجيلية وغير إنجيلية عن يسوع كحُجة هو أمر فيه مُخاطرة.[33] علاوة على ذلك، يجب علينا أن لا نتوقع إيجاد إشارات تاريخية في الأدب المسيحي الأول، فهى لم تكن مكتوبة لمقاصد تاريخية. ويفترض معظم قراء بولس الرسول، على أساس الدليل المُقنع، أنه يعتبر يسوع شخصية تاريخية وليس شخصية خرافية أو غامضة.

ثانياً، يرى (ويلز) أن المسيحيين قد أبدعوا شخصية يسوع عندما كتبوا الأناجيل خارج فلسطين حوالى عام 100، هذا التاريخ ليس فقط ببعيد عن إنجيل مرقص، الذى كُتب حوالى العام 70م، وإنجيلىّ متى ولوقا، اللذان يعودان إلى فترة الثمانينات، بل لا يستطيع أيضاً أن يفسّر كون الأناجيل الكنسية تشير إلى تفاصيل عن فلسطين أغلبها دقيق.

ثالثاً، يدّعى (ويلز) أن الإشكاليات التاريخية فى تطور[development ]الأحداث المذكورة فى الاناجيل الكنسية تُظهر أن يسوع لم يوجد أصلاً. على الرغم من ذلك، ليس بالضرورة أن يعني التطوير إبداعاً[[invention كاملاً ولا تثبت الإشكاليات[[difficulties عدم وجوده. وقد يأخذ بعض قرّاء (ويلز) انطباعاً أنه فى حال لم يكن هناك تباين inconsistencies] ]بين الأناجيل، فسيجد (ويلز) ذلك دليلاً على زيفها!.

رابعاً، لم يستطع (ويلز) أن يشرح السبب الذى منع أي وثني أو يهودي، ممن عارضوا المسيحية أن ينكر الوجود التاريخى ليسوع، أو أن يتساءل عنه فى حال كان المسيحيون قد أبدعوا يسوع التاريخى قرابة العام 100م[34].

خامساً، كان (ويلز) وأسلافه شكاكين جداً فيما يخُص الشواهد غير المسيحية ليسوع، وخاصة كتابات (تاسيتوس) و (يوسيفوس). فقد أشاروا إلى مشاكل تتعلق بالنص ومشاكل تتعلق بالمصدر فى هذه الشواهد، وجادلوا أن هذه المشاكل تلغى قيمة هذه النصوص بأكملها، مُتجاهلين الإجماع الكبير على أن معظم هذه النصوص جديرة بالثقة.

سادساً، يبدو أن (ويلز) وآخرين قد طوروا فرضية اللاتاريخية لأهداف غير موضوعية، بل من أجل مقاصد متحيزة غير [ضد]دينية [anti-religious Purposes]. لقد كانت سلاحاً لأولئك الذين عادوا الإيمان المسيحى بكل أشكاله تقريباً، من الربوبيين الراديكاليين[35]، إلى مُناصرى حرية الاعتقاد، وصولاً إلى العلمانيين الراديكاليين والملحدين الفاعلين، مثل (مادلين موراى أوهير). فلقد أفترضوا بشكل صحيح أن إثبات هذه الفرضية سيقرع ناقوس الموت للدين المسيحى كما نعرفه، لكن النظرية تبقى غير مثبتة.

أخيراً، فشل (ويلز) وأسلافه بتقديم فرضيات أخرى قابلة للتصديق لتفسر ميلاد المسيحية، وتشكل مسيحها التاريخي. إن الفرضيات التى قدموها، والمبنية على فهم خاص لعلم الاساطير كانت تحمل القليل من الدلائل المؤيدة كى توصي بها إلى الآخرين. لطالما كان موضوع اللاتاريخية مُثيراً للجدل، ولطالما فشل فى إقناع الباحثين فى عدة مجالات ومن عقائد دينية مختلفة. زيادة على ذاك، لقد فشل دائماً بإقناع العديدين ممن ظُنّ أنهم قد يأخذونها بعين الاعتبار لأسباب من الشك الدينيّ، من (فولتير) إلى (بيرتراند رسل)[36]. والآن يعتبر الباحثون الإنجيليون والمؤرخون الكلاسيكيون أنها قد فشلت بحق.

 

[1]منقول من كتاب “يسوع المسيح خارج العهد الجديد مدخل إلى الأدلة القديمة”-روبيرت أي .فان فورست ترجمة :وسيم حسن عبده (2012)-صـ17- 27وبالرّجوع إلى النص الأنجليزي وهوامشهِ أيضاً :

 Voorst, R. E. (2000). Jesus Outside the New TestamentAn Introduction to the Ancient Evidence. Grand Rapids, MICHIGANCambridge,U.K.: WILLIAM B. EERDMANS PUBLISHING COMPANY.Pp.6-16

[2]يجسّد النّقص في دراسةِ هذه القضية اثنان من أكثر التّواريخِ تأثيراً في تفسيرِ العهد الجديد , هما :

1-ورن رجي .كميل  Werner G. Kümmel, في كتابِ “العهد الجديد ,تاريخ التّحقيق في مشاكِلِهِ” The New Testament: The History of the Investigation of Its Problems,ولكنهُ يذكرَ هذه المُشكلة ضمنَ الحواشي السُفلية فقط ,ويُعلل ذلكَ بقولِهِ :”إن الإنكار لوجود يسوع …اعتباطيّ ومبني على أسس خاطئة “.( p. 447, n. 367)
2-نيل ورايت Neill and Wright ,في كتاب “التفسير” Interpretation, ,وهما لا يّذكران هذه المشكلة على الإطلاق .وتبعاً لـ”بورنكام”:أنْ تشكّ بالوجودِ التّاريخيّ ليسوعِ بالمطلق  … كانّ أمراً متروكاً لنقدٍ مقصود من الوقتِ المُعاصر ,وهو أمر لا يستحق الذكر هنا “(يسوع و28 [Jesus, 28).])

[3]For treatment of the earlier history of this problem, see Shirley J. Case, The Historicity of Jesus (Chicago: University of Chicago Press, 1912) 32-61; Arthur Drews, Die Leugnung der Geschichtlichkeit Jesu in Vergangenheit und Gegenwart (Karlsruhe:Braun, 1926); Maurice Goguel, Jesus the Nazarene: Myth or History?( London: Fisher 8(Unwin, 1926) 19-29; idem, The Life of Jesus (London: Allen & Unwin, 1933) 61-69;Herbert G. Wood, Did Christ Really Live? (London: SCM, 1938) 18-27. No treatmentsurveys the history of this problem since ca. 1940, another indication that mainstream scholarship today finds it unimportant.

[4]ميير,اليهوديّ الهامشيّ , 1:68Meier, Marginal Jew, 1:68 .انظر أيضاً : النعي السّاخر ليسوع في أهمّ المجلاتِ البريطانية ,ذا ايكونميست The Economist,,3 نيسان 1999 ,77.وعلى الرّغم من معاملة حياة وموت يسوع على أنها تاريخيّة بالكامل ,لكن يبدو أنهُ كانَ مُجبراً على القول : إن الدّلائل من مصادر قديمة غير مسيحيّة يؤمن تأويلات غير مُتحيّزة , وشبهُ عصرية تقول: إن يسوع قد وُجِدَ بالفعل.

[5]المُبشرون :هم أصحاب الأناجيلِ الأربعة :متى,مرقص ,ولوقا, ويوحنا.

[6]على سبيلِ المثال : خلص رادولف بولتمان ,الذي شكك بالعديدِ من أعرافِ الاناجيلِ الكنسية ,إلى أنّ :”الشّكُ بوجودِ يسوع لا أساسَ لهُ ولا يسْتُحقُ الدّحضَ .حيثُ لا يستطيعُ إنسان عاقلٌ أنْ يَشُكّ بأنّ يسوع هو مؤسس حركة تاريخيّة تتمثل مرحلتها الأولى بالمُجتمع الفلسطينيّ”(يسوع والكلمة ,13 [Jesus and the Word [2d ed.; New York: Scribners, 1958] 13]

[7]ف.م.فولتيير,يسوع : من الله والإنسان ,في الأعمال الكاملة لفولتيير .279 F. M. Voltaire, “De Jesus,” from Dieu et les hommes, in Oeuvres complètes de Voltaire (Paris: Société Littéraire-Typographique, 1785) 33:273. He accepted the historicity of Jesus (p. 279).

[8]C.-F. Volney, Les ruines, ou Méditations sur les révolutions des empires (Paris:

Desenne, 1791); English translation, The Ruins, or a Survey of the Revolutions of Empires

(New York: Davis, 1796); C. F. Dupuis, Origine de tous les cultes (Paris: Chasseriau,

1794); abridgement, Abrégé de l’origine de tous les cultes (Paris: Chasseriau, 1798; 2d ed.,

1822); English translation, The Origin of All Religious Worship (New York: Garland, 1984).

[9]On Bauer, see especially Dieter Hertz-Eichenrode, Der Junghegelianer Bruno Bauer im Vormärz (Berlin, 1959); Schweitzer, Quest, 137-160.

[10]B. Bauer, Kritik der evangelischen Geschichte des Johannes (Bremen: Schünemann,

1840; reprint, Hildesheim: Olds, 1990); idem, Kritik der evangelischen Geschichte

der Synoptiker (Leipzig: Wigand, 1841-42; reprint, Hildesheim: Olms, 1990); idem,

Kritik der Paulinischen Briefe (Berlin: Hempel, 1850-52). Bauers Kritik der Evangelien

und Geschichte ihres Ursprungs (Berlin: Hempel, 1851-52; Aalen: Scientia, 1983) fully states his conclusion that Jesus never existed.

[11]B. Bauer, Christus und die Caesaren: Der Ursprung des Christentums aus dem römischen Griechentum (Berlin: Grosser, 1877; reprint, Hildesheim: Olms, 1968).

[12]يتحدثُ وود في كتابِه :”هل عاشَ المسيحُ فعلاً؟”ص7,عن رؤيتهِ عامَ 1931 ملصقات مُضادة للدين في نادي شيكاغو للعمال الرّوس ,يساوون فيها بين يسوع وإله الشّمس الفارسي ميثرا وإله الأرض المصري ايزيس.(للمزيد عن بور وماركس ,انظر زفاي روزن ,”برونو بور وكارل ماركس” (هيغ,1977)Zvi Rosen, Bruno Bauer and Karl Marx (The Hague: Nijhoff, 1977); K. L. Clarkson and D. J. Hawkin, “Marx on Religion: The Influence of Bruno Bauer and Ludwig Feuerbach on His Thought,” SJT 31 (1978) 533-55; Harold Mah, The End of Philosophy, the Origin of “Ideology”: Karl Marx and the Crisis of the Young Hegelians (Berkeley: University of California Press, 1987).

[13]The Existence of Christ Disproved (London: Hetherington, 1841) 41.

[14]أعطى الألمان هذا الاسم للمجموعة التي جعلت من مدرسة توبينغن تبدو مُعتدلة.

[15]Simon J. De Vries, Bible and Theology in the Netherlands (CNTT 3; Wageningen: Veenman, 1968) 52-55.

[16]A. Pierson, De Bergrede en andere synoptische fragmenten (Amsterdam: van

Kampen & Zoon, 1878). On Loman and van Manen, see De Vries, Bible and Theology in the Netherlands, 53-54.

[17]دي فريز, الكتاب المقدس وعلم اللاهوت في هولندا ,54 .يشير إلى أنّ “فولتير” و”إتش.يو.ميبوم”و”ج.ي.فان دين بيرغ” على أنهم امتداد القرن العشرين لهذه المدرسة.De Vries, Bible and Theology in the Netherlands, 54. He points to D. Volter, H. U. Meyboom, and G. A. van den Bergh van Eysinga as continuations in the early twentieth century of this school’s views.

[18]J. M. Robertson, Christianity and Mythology (London: Watts, 1900-1910).

See also his A Short History of Christianity (London: Watts, 1902; 3d ed., 1931); idem,

Pagan Christs (London: Watts, 1903); idem, The Historical Jesus: A Survey of Positions

(London: Watts, 1916); idem, The Jesus Problem: A Restatement of the Myth Theory

(London: Watts, 1917). On Robertson, see the hagiographical work of M. Page, Britain’s

Unknown Genius: The Life and Work of J. M. Robertson (London: South Place Ethical

Society, 1984) esp. 48-51; see also George A. Wells, /. M. Robertson (London: Pemberton, 1987).

[19]ورد فى التلمود البابلى: أن فيفوس بن يهوذا كان يقفل الباب على زوجته مريم ويخرج لكى لا يراها الناس، فكرهته وخانته مع جندى رومانى أسمه يوسف بانديرا، وبانديرا تعنى نمر باللاتينية، وتلفظ أحياناً “بانثيرا” فعوقبت مريم بتهمة الزنا. وطلقت من زوجه، مما اجبرها على تربية ابنها لوحدها، ومن ثم هاجر أبنها يشوع بن بانديرا إلى مصر وهناك تعلم المعجزات وعاد.

[20]الكسندر جانيوس: ملك من السلالة المكابية، وسع ممكلته فى فلسطين وبعد وفاته اختلف ابناؤه فتدخل العرب الانباط لمساعدة ابنه هيركانوس.

[21]Robertson, Pagan Christs, xi.

[22]كونيبير: المسيح التريخى(لندن: 1914).F. C. Conybeare, The Historical Christ (London: Watts, 1914).كان كونيبير، مثل روبيرتسون، عضواً قيادياً فى الجمعية الصحفية العقلانية. لكنه كان يُعرّض أراء روبيرتسون للنقد اللاذع.

[23]سميث، الدين عند الآله( جينا: 1906) W. B. Smith, Die Religion als Selbstbewusstein Gottes (Jena: Diedrich, 1906; 2d ed., 1925); idem, Der vorchristliche Jesus (Glessen: Töpelmann, 1906); idem, The Silence of Josephus and Tacitus (Chicago: Open Court, 1910); idem, Ecce Deus: The Pre-Christian Jesus (Boston: Roberts, 1894)

[24]A. Drews, Die Christusmythe (Jena: Diederich, 1909-11); English translation, The Christ Myth (London: Unwin, 1910; reprint, Buffalo: Prometheus, 1998).

[25]A. Kalthoff, Das Christus-Problem: Grundlinien zu einer Sozial-Theologie

(Leipzig: Diederich, 1903); idem, Was Wissen Wir von Jesus? Eine Abrechnung mit Professor

D. Bousset in Göttingen (Berlin: Lehmann, 1904); P. Jensen, Hat der Jesus der Evangelien Wirklich Gelebt? (Frankfurt: Neuer Frankfurter Verlag, 1910).

[26][أحدُ العلماء الذي دعم “دروز” كان سليمان زيتلين ,فهو قد استبعدَ الشواهد اليهودية والرّومانية والعهد الجديد لوجود يسوع واستنتج :”السؤال يبقى:هل هناك أي اثباتات تاريخية أن يسوع قد وُجِدَ؟]” One of the few scholars to support Drews was Solomon Zeitlin; he ruled out Jewish, Roman, and New Testament witnesses to Jesus and concluded, “The question remains: Are there any historical proofs that Jesus existed?” (“The Halaka in the Gospels and Its Relation to the JewishLaw in the Time of lesus,” HUCA 1 [1924] 373).

[27]ويلز: يسوع المسيحية الأولى(لندن: 1971). مرجع سابق، هل وُجد يسوع؟( لندن: 1975). مرجع سابق: الدليل التاريخى لوجود يسوع(بوفالو: 1982). مرجع سابق، أسطورة يسوع(شيكاغو: 1996).

[28]Hoffmann, in the foreword of Wells, Jesus Legend, xii.

[29]Richard France, the Evidence for Jesus (Downers Grove, 111.: InterVarsity, 1982) 12.

[30]دافع الفيلسوف(مايكل مارتن) من جامعة بوسطن عن(ويلز) فى جدله بان يسوع لم يوجد، وتبعه بمعظم ماقال فى الفصل الاول من كتابه الدليل ضد المسيحية (فيلاديلفيا: 1991). ومن النقاد الذين يرفضون فرضيات ويلز: مايكل غرانت فى كتابه: يسوع، مراجعة تاريخية للأناجيل الكنسية(نيويورك: 1977) وإيان ويلسن فى كتابه: يسوع، الدليل (سان فرانسيسكو: 1984)، و غراى هابيرماس فى كتابه: الدليل القديم لحياة المسيح(ناشفيل: 1984)، والذى يقول فى ص47: إن ما يعيب حجج (مارتن) هو اعتماده على (ويلز) فى معلوماته حول ابحاث العهد الجديد، ومع ذلك فإن (مارتن) يعتبر حجج (ويلز) موثوقة، ويضيف: إلا أننى لن اعتمد عليها فى بقية الكتاب حيث انها جدلية وليست مقبولة بشكل كبير.

[31]أنظر: موراى هاريس: ثلاثة أسئلة جوهرية عن يسوع (غراند رابيز: 1994) Murray J. Harris, Three Crucial Questions about Jesus (Grand Rapids: Baker, 1994)، حيث أن السؤال هو: هل وجد يسوع؟ فإن هذا الامر جوهرى من اجل الايمان بيسوع، لكنه لم يعد جوهرياً من اجل دراسته.

[32]بيلاطس البنطى: كان الحاكم الرومانى لمنطقة (اليهودية) بين عامى 26 الى 36م. وحسب ما هو وارد فى الاناجيل المعتمدة، فانه هو الذى تولى محاكمة المسيح، واصدر الحكم بصلبه، وذلك فى عهد الامبراطور الرومانى طيباريوس قيصر. وقد أصدر بيلاطس الحكم بصلب المسيح خوفاً من اليهود الذين هددوا برفع الامور الى الامبراطور واتهامه بالخيانة إذ قام بتبرئة المسيح الذى صرح بانه ملك، وهى تهمة سياسية خطيرة بالنسبة للرومان.

[33][ وكما يشير مورتون سميث ,إن حجة ويلز هي مبنية بشكل رئيسي على حجة من الصمت .وقد انتقد ويلز لتفسيره هذا الصمت من خلال جدله”مسيحيين أوائل غير معروفين الذين يبنون أسطورة غير مُبرهنة…حول كيان فوق طبيعي غير محدد ,والذي في وقت غير محدد تم أرساله بواسطة الله الى العالم كإنسان لينقذ الانسانية وقد تمّ صلبهُ”]

[(Morton Smith, “The Historical Jesus,” in Jesus in Myth and History, ed. R. Joseph Hoffmann and Gerald A. Larue [Buffalo: Prometheus,1986] 47-48). This “Christ before Jesus” myth has also been promoted by J. G. Jackson, Christianity before Christ (Austin: American Atheist Press, 1985).]

[34]المحاولة الوحيدة المعروفة فى هذا الجدل تتمثل بكتاب (يوستتيوس الشهيد، حوار مع ترايفو) المكتوب منتصف القرن الثانى الميلادى.[ففي نهاية الفصل الثامن فإن تريفو اليهودي محاور يوستين يقول: ” ولكن [الـ]مسيح – إذا كانَ بالفعل قد وُلِدَ ,أو قد وُجدَ في أي مكان – هو غير معروف ,ولا يعرف حتى نفسهُ وليس لديهِ قوة حتى يأتي ايليا ليمسحهُ ويجعلهُ معروفاً للكل ,فإن قبول تقرير بلا أرضية ,وكأنكم تخترعون مسيحاً خاصاً بكم ,ولأجلهُ هو فإنكم تهلكون بدون أن تعرفوا” قد تبدو هذه جملة باهته لفرضية عدم الوجود ,ولكن لم يتم تطيرها أو ذكرها في بقية الحوار ,والتي يفترض فيها تريفو وجود يسوع ]

[35]الربوبيين: فلسفة تؤمن بوجود خالق عظيم خالق الكون، وبان هذا الحقيقة يمكن الوصول اليها باستخدام العقل، ومراقبة العالم الطبيعى وحده دون الحاجة الى اى دين، فيختلفون بذلك عن الملحدين.

[36]علماً بأن رسل، فى كتابه: لماذا لست مسيحيأً: نيويورك: 1957) يقبل بشكل ضمنى تاريخية يسوع.

للتحميل

[gview file=”http://www.difa3iat.com/wp-content/uploads/2014/09/هل-وُجِدَ-يسوع-فعلاً1.pdf”]

أسباب منطقية لوجود الله -حوار لي ستروبل مع وليم كريج

السبب الأول: الله يجعل من أصل الكون منطقياً God Makes Sense Of the Origin of The Universe
قال كريج: فلسفياً وعلمياً، يمكننى أن أؤمن أن الكون والزمان نفسه كانت له بداية فى نقطة معينة فى الماضى، ولكن بما أن شيئاً لا يمكنه أن يأتى من العدم، فلابد أن تكون هناك علة عليا خارج إطار المكان والزمان أظهرت الكون. فتسائلتُ: الكون ظهر بما سمى بما سُمى بالأنفجار العظيم؟
فقال: بالظبط كما قال ستفين هوكنغ: كل إنسان يؤمن الآن أن الكون  والزمان نفسه، كانت لهما بداية فى الأنفجار العظيم
[1] وهذا ما يشير إليه الدليل العلمى الساحق – إلى حدث يرجع تاريخه إلى 4 مليار سنة مضت تقريباً. والآن يثير هذا مشكلة رئيسية للمتشككين. يقول أنتونى كينى من جامعة أسكفورد: إن مؤيد نظرية الأنفجار العظيم، على الأقل لو كان ملحداً، لا بدَّ أن يؤمن أن ….
الكون قد جاء من العدم ومن خلال العدم[2]
فضحك كريج قائلاً: بالطبع شئ قادم من العدم لا يُشكَّل معنى!
(لى)، كانت تقتبس كلمات المتشكك الشهير ديفيد هيوم قليلاً فى لقاءاتنا. حسناً فقد قال: ولكن أسحموا لى أن أخبركم أننى لم أؤكد أبداً على أى أقتراح سخيف مثل أن أى شئ يمكنه أن ينشاً دون علة[3]
الملحدون يدركون هذا. فمثلاً قال أحد أشهر ملحدى الفلسفة المعاصرة-كاىنيلسن- ذات مرة: أفترض أنك سمعت فجأة ضجة عالية.. وسألتنى “ماذا سبَّب هذا الضحة؟”، فأجبتك: لاشئ، لقد حدثت فحسب. فلن تقبل منى هذا[4]
وهو على حق تماماً. ولكن فكر فى ذلك: لو كان لابد أن يكون هناك سبب لضجة بسيطة، ألا يكون من المعقول أيضاً أن يكون هناك سبب لأنفجار عظيم؟

 

كان هذا سؤال يبدو أنه لا يحتاج إجابة. فسألته: فكيف تلخص إذا هذه الحجة المبدئية؟
بينما جهز كل نقطة، بدأ كريج فى عدها على إصبعه: أولاً، كل شئ يبدأ أن يكون له عله. ثانياً، الكون بدأ أن يكون. وثالثاً: من هنا يكون الكون له علة. وهذا ما كتبه العالم الشهير سير أرثر أدينجتون: البداية يبدو أنها تقدم صعوبات لا تقهر ما لم نتفق أن ننظر إليها كأنها بصراحة فوق الطبيعة[5]
فقاطعته قائلاً: حسناً، هذا يشير إلى خالق، ولكن هل تقول لنا الكثير عنه؟
فأجابنى: نعم بالطبع. فنحن نعرف أن هذه العلة الفوق طبيعية لا بدَّ أن تكون كيان موجود بذاته، غير متغير أزلى، وغير مادى.
ما أسباب أستنتاجاتك؟
لا بدَّ أن يكون موجوداً بذاته لأننا نعرف أنه لا يمكن أن يوجد نُكوص مُطلق من العلل. ولا بدَّ أن يكون أزلياً ومن ثم غير متغير، على الأقل بدون الكون، لأنه كان خالق الزمان. وبالأضافة إلى ذلك لأنه أيضاً خلق المكان، فلابد أن يسمو فوق المكان، ومن هنا يصير غير مادى عن كونه مادى فى الطبيعة.
كان هناك سؤال واضح لا بدَّ من طرحه، فقلتُ: لو كان لا بدَّ على كل إنسان أن تكون لديه علة، فمن أو ماذا علل الله؟
فأجابنى كريج: مهلاً، فأنا لم أقل إن كل شئ لا بدَّ أن تكون له علة، فالمقدمة المنطقية تقول إن كل ما يبدأ أن يكون لا بدَّ أن تكون له علة. وبأسلوب أخر فإن “الوجود”، لا يمكنه أن يأتى من “عدم الوجود”، وحيث أن الله لم يبدأ أبداً أن يكون، فهو لا يتطلب علة.
فالله لم يأت أبداً إلى الوجود.
قلت له إن ذلك قد بدا بلا شك وكأنه يستثنى الله بشكل خاص.
فأجابنى: الملحدون بأنفسهم تعودوا أن يكونوا مكتفين تماماً بتقرير أن الكون أبدى قائم بذاته. والمشكلة أنهم لا يحملون فيما بعد هذا. الوضع بسبب الدليل الحديث أن الكون قد بدأ بالأنفجار العظيم. ومن هنا فهم لا يمكنهم الأعتراض شرعياً عندما أستخدم نفس الكلام حول الله – فالله أبدى قائم بذاته.

 

السبب الثانى: الله يجعل من تعقيد الكون منطقياً God Makes Sense of the Universe’s complexity
قال كريج: فى السنوات الخمس والثلاثية الأخيرة، ذهل العلماء لأكتشاف أن الأنفجار العظيم لم يكن حدثاً بدائياً فوضوياً، بل بالأحرى حدثاً مرتباً بشكل فائق الدقة حتى إنه تطلب قدراً هائلاً من المعلومات. فى الواقع، منذ لحظة استهلاله، كان على الكون أن يكون متحولاً تماماًfine tuned  إلى دقة غير مفهومة لوجود حياة كحياتنا نحن وهذا يشير بطريقة مؤكدة جداً إلى وجود مُصمم ذكى.
فأشرت قائلاً: إن مصطلح “متحولاً تماماً” مُصطلح ذاتى يمكنه أن يعنى كثيراً من الأشياء. فماذا تقصد به؟
فقال: لأضع الأمر هكذا: علمياً، من المحتمل جداً أن يوجد كون معارضاً للحياة أكثر من كون داعم للحياة. فالحياة تُقاس فى وضع حساس للغاية.
وكمثال، تلا كلمات هاوكنز، وقال كريج: “لقد حسب أنه لو كان معدل أتساع الكون بعد الأنفجار العظيم بثانية واحدة أقل حتى من جزء واحد من مائة ألف مليون مليون، لكان الكون قد أنهار الى كرة من نار”[6]
وباختصار تقدم كريج لذكر قائمة من بعض الإحصائيات الأخرى المذهلة للعقل لتدعيم أستنتاجه[7] ومنها:
-أستنتج الفيزيائى البريطانى ديفيز P.C.W.Davies أن شواذ الظروف المبدئية المناسبة لتكوين النجوم-وهى ضرورية للكواكب ومن ثم الحياة- وهى واحد متبوعة بألف مليار مليار صفراً [8]
– حسب ديفيز أيضاً أنه لو كانت شدة الجاذبية أو شدة القوة الضعيفة قد تغيرت بجزء واحد فقط من عشرة متبوعة بمائة صفر، لما كانت الحياة قد تطورت تماماً. [9]
-هناك حوالى خمسين من الثوابت والكميات -مثلاً كمية الطاقة المستخدمة فى الكون، فرق الكتلة بين البروتونات والنيوترونات، نسبة القوى الرئيسية فى الطبيعة، ونسبة المادة بالنسبة للمادة – لابدًّ أن تُقاس على درجة دقيقة حسابياً لإمكان وجود أية حياة.[10]

قال كريج: كل هذا يُدعم بأسهاب أستنتاج أن هناك ذكاء وراء الخلق. فى الحقيقة، فإن التفسيرات البديلة لا تضيف جديداً.
فمثلاً هناك نظرية أسمها “الضرورة الطبيعية” natural neccessity معناها وجود نظرية “كل شئ” theory of everything مجهولة تفسر نظام الكون. بأسلوب أخر، هناك شئ فى الطبيعة جعل من الضرورى ان تظهر الأشياء بهذا الشكل.
ومع ذلك فإن هذا المفهوم يتهاوى عندما تدرسه بعمق. أولاً، أى من يدَّعى أن الكون لا بدَّ أن يكون شامخاً بالحياة يُقدم زعماً جذرياً يتطلب الدليل القوى، لكن هذا البديل مجرد تأكيد. ثانياً، هناك أشكال أخرى للكون مختلفة عن أشكالنا نحن؛ فبالنسبة للكون لا بدَّ أنه كان مختلفاً. وثالثاً، حتى لو كانت قوانين الطبيعة ضرورية، فما زال عليك أن تكون لديك شروط مبدأية مُسلم بها فى البداية يُمكن أن تُجرى عليها هذا القوانين.
لكن هذا لم يكن البديل الممكن الوحيد. فسألته مُقاطِعاً لإثارة سيناريو مُختلف بدا أنه معقولاً على السطح: ماذا عن أحتمالية أن التحول التام للكون هو نتيجة الصدفة البحتة؟ فربما يكون الأمر كله مجرد حادثاً كونياً كبيراً -أى مثلً تدحرج هائلا للنرد!
فتنهد كريج قائلاً: “لى lee، سأقول لك هذا: إن الدقة رائعة تماماً، مثيرة للغاية حسابياً، لدرجة إنه من الحماقة الواضحة أن تفكر أن الامر كان حادث. وخاصة لأننا لا نتكلم عن الشواذ البسيطة فحسب، بل عما يدعوه واضعوا النظريات “الأحتمال المحدد، الذى يستثنى الصدفة خارج إطار الشك المعقول”.
لم أكن مستعداً لترك أختيار الصدفة، فتساءلت: وماذا لو كان هناك عدد غير مُحدود من الأكوان الاخرى الموجودة بعيداً عن كوننا؟ حينها ستكون الشواذ أن أحداً منهم ستكون له الشروط الصحيحة لتدعيم الحياة -وهذا هو الواحد الذى نجد فيه أنفسنا الآن.
كان كريج قد سمع هذه النظرية من قبل فقال: هذا تدعى فرضية العوالم الكثيرة.The Many Worlds Hypothesis لقد تحدث هاوكنغ عن هذا المفهوم. وهنا تكمن المشكلة: فهذه الأكوان النظرية الأخرى غير مُتاحة لنا؛ ومن ثم فليس هناك طريق ممكن لتقيدم أى دليل بصحة ذلك. إنها مُجرد مفهوم، فكرة، بلا دليل علمى. العالم واللاهوتى البريطانى اللامع جون بولكينجهورن دعا ذلك (علماً زائفاً) وتخميناً ميتافيزيقياً [11]

فكر فى هذا: لو كان هذا حقيقياً، لجعل السلوك العقلانى للحياة مُستحيلاً لأنك يمكنك أن تفسر أى شئ – مهما كان غير محتمل – بأفتراض رقم لا محدود من الأكوان الأخرى.
لم أكن أتبع يوماً ذاك الإتجاه من التفكير، فتسائلت: وماذا تقصد بذلك؟
مثلاً؟ لو كنت توزع الأوراق فى لعبة البوكر، وكلما وزعت لنفسك أربعة أسات، لا يمكن أن تتهم بالغش، مهما كانت عدم أحتمالية الموقف.
يمكنك فقط أن تشير إلى أنه فى مجموعة غير محدودة من الأكوان سيحدث أن كوناً كلما يوزع فيه إنسان الأوراق، فإنه يوزع لنفسه أربعة أسات ومن ثم – فيا لحظي! – فأنا أتمنى أن أكون فى ذاك الكون!
أنظر، هذه ميتافيزيقا خالصة. ليس هناك سبباً حقيقياً للإيمان بوجود مثل هذه العوامل المتوازنة. فحقيقة أن المتشككين عليهم أن يطلعوا بمثل هذا النظرية الغريبة هى أن التحول التام للكون يشير بقوة إلى مصمم ذكي – وأن بعض الناس سيفترضون أى شئ لتجنب الوصول لذلك الإستنتاج.
عرفت أن توازن الكون الدقيق بشكل مدهش هذا كان أحد العوامل الرئيسي التى قادت باتريك جلين – الذى تعلم فى هارفارد، والمدير المساعد، والباحث المقيم فى معهد جامعة جورج واشنطن لدراسات سياسة التواصل – لترك الإلحاد إلى المسيحية. ففى كتابه (الله: الدليل God:The Evidence ) يفند مثل تلك النظريات البدلية الأخرى كميكانيات الكم و “الأكوان الصغيرة” baby universesمقدماً هذا الأستنتاج:
إن البيانات الملموسة اليوم تشير بقوة فى إتجاه فرضية الله .. فأولئك الذين يرغبون معارضتها ليست لديهم نظرية قابلة للأختبار لتنظيمها، بل مجرد تخمينات عن اكون أخرى نابعة من الخيال العلمى المثمر .. والمثير للسخرية، فإن صورة الكون لنا من علم القرن العشرين الأكثر تقدماً أقرب فى الروح من الصورة المُقدمة فى سفر التكوين من أى شئ أخر قدمه لنا العلم منذ كوبرنيكوس[12].

السبب الثالث: الله يجعل القيم الأخلاقية الموضوعية منطقية.God Makes Sense of Objective Moral Values
لخص كريج نقطته التالية ببلاغة فى البداية: العامل الثالث الذى يشير إلى الله هو وجود القيم الأخلاقية الموضوعية فى الكون. لو كان الله غير موجود، فلا وجود إذاً للقيم الأخلاقية الموضوعية.
وقد أثار ذلك بالطبع سؤال ماذا يقصد بالقيم “الموضوعية”. كان كريج سريعاً لإضافة كلا من التعريف والتفسير.
شرح قائلاً: القيم الأخلاقية الموضوعية صالحة ومتماسكة بشكل مستقل سواء آمن بها أحد أو لا. مثلاً، أن تشير إلى الهولوكوست بأعتبارها خطأ موضوعياً هو ان تقول إنه كان من الخطأ حتى لو كان النازيون يعتقدون أنهم على حق. ويمكن أن يستمر الأمر خاطئاً حتى لو كان النازيون قد ربحوا الحرب العالمية الثانية، ونجحوا فى غسل عقول أو إبادة كل من كان يعارضهم. والآن، لو كان الله غير موجود، تكون القيم الأخلاقية موضوعية بهذه الطريقة. كُنت أهز رأسى، فتعجبت قائلاً: مهلاً، لو كنت تقول إن الملحد لا يمكن أن تكون لديه القيم الأخلاقية أو يحيا حياة أخلاقية أساساً، فأنا لدى مشكلة بخصوص ذلك.لدى صديق لا يؤمن بالله، وهو إنسان رقيق ومهتم ككثير من المسيحيين الذين أعرفهم.
لا، أنا لا أقول إن الإنسان لا بدَّ ان يؤمن بالله كى يحيا حياة اخلاقية. لكن السؤال هو: لو لم يكن الله موجوداً، فهل تكون القيم الأخلاقية الموضوعية موجودة؟ والإجابة هى: لا.
لماذا لا؟
لأنه إن لم يكن هناك الله، تكون القيم الأخلاقية مُجرد نتاج التطور البيولوجى الاجتماعى. وفى الحقيقة هذا ما يعتقده كثير من الملحدين. فطبقاً للفيلسوف مايكل روز: الأخلاقية هى توافق بيولوجى ليس أقل من أياد وأرجل وأسنان. والأخلاقية هى مجرد وسيلة للنجاة والتوالد. وأى معنى أعمق هو معنى وهمى[13]
وإن لم يكن هناك الله، تكون الأخلاقية مُجرد مسألة تذوق شخصى، قريبة من جمل مثل “القرنبيط مذاقه جيد” حسناً، فهو مذاقة جيد بالنسبة للبعض، ولكنه ردئ بالنسبة للأخر. ليس هناك أى حق موضوعة بخصوص ذلك، لكنه مسألة تذوق شخصية وللتعبير عن أن قتل الأطفال الأبرياء خطأ، يجب أن يكون مجرد تعبير عن الذوق قائلين: لا أحب قتل الأطفال الأبرياء.
مثل روز، والملحد برتراند رسل، لا أرى أى سبب يدعونى للتفكير أنه فى غياب الله، تكون الأخلاقيات التى وضعها الإنسان موضوعية. وعموماً، لو لم يكن الله موجوداً، فماذا سيكون الأمر المثير حول البشر؟ إنهم مجرد نتاجات ثانوية عرضية من الطبيعة تطورت مؤخراً على بقعة ضيقة من التراب المفقود فى مكان ما فى كون غبى، ومحكوم عليها بالفناء إلى الأبد فى فترة قصيرة نسبياً من الوقت.
من وجهة النظر الإلحادية، فإن بعض الأفعال، كالأغتصاب يمكنها ألا تكون مفيدة أجتماعياً، ومن ثم صارت ممنوعة فى مجرى التطور البشرى، ولكن هذا لا يبرهن أن الاغتصاب خطأ حقاً. ففى الحقيقة من المتصور أن الاغتصاب كان من الممكن ان يتطور كشئ ضرورى لبقاء الأنواع. وبهذا، بدون الله لا يوجد صواب وخطأ مُطلق يفرض نفسه على ضمائرنا.
ومع ذلك، فكلنا يعرف تماماً ان القيم الأخلاقية موجودة حقاً.فكل ما علينا لرؤية ذلك هو أن نسأل أنفسنا ببساطة: هل تعذيب طفل من أجل المتعة هو عمل محايد أخلاقياً حقاً؟ يقينى أنك ستقول ” لا؛ فهذا عمل غير محايد أخلاقياً، فمن الخطأ حقاً أن تفعل ذلك “. وسوف تقول ذلك فى إدراك كامل لنظرية تطور دارون وبقية ذلك.
هناك تفسير جيد لهذا، وهو خطاب لجمع تبرعات أرسله فى 1991 جون هيلى – المدير التنفيذى لمنظمة العفو الدولية – قال فيه: أكتب لكم اليوم لأننى اعتقد أنكم ستشاركونى إيمانى العميق ان هناك بالحقيقة بعض الحقائق الأخلاقية المطلقة. عندما يصل الامر الى التعذيب، إلى القتل الذى تعاقب عليه الحكومة إلى الاختفاءات، .. فهذه تعديات ضد كل منا.[14]
إن أفعالاً كالأغتصاب وسوء أستغلال الطفل ليست مجرد سلوكيات تحدث حتى لا تقبل اجتماعياً – لكنها رجاسات اخلاقية بصورة واضحة. فهى خاطئة موضوعياً. ومثل هذه الامور كالحب، والمساواة، والتضحية بالذات مميزة حقاً بمعنى موضوعى. ونحن جميعاً نعرف هذه الأمور بشكل عميق.
وحيث أن هذه القيم الأخلاقية الموضوعية لا يمكنها أن توجد بدون الله، وهى أصلاً موجودة دون جدال، يكون من المنطقى والبديهى أن الله موجود.

 

السبب الرابع: الله يجعل من القيامة منطقية God Makes Sense of the Resurrection

مع هذه النقطة، قال كريج إنه سيضبط جلسته قليلاً. قال: لقد كنا نقول إنه لو كانت لدينا أسباب مقنعة للإيمان بالله، يمكننا أن نؤمن بالمعجزات. كنت أقدم أسباباً تؤيد وجود الله. لكن المعجزات نفسها يمكنها أن تكون جزءاً من الراحة المتزايدة بالنسبة لله.
هذا حقيقي بالنسبة للقيامة، على سبيل المثال، فلو كان يسوع الناصرى قد عاد حقاً من الموت، تكون لدينا معجزة إلهية بين أيادينا، وبهذا يكون لدينا الدليل لوجود الله.

طلبت من كريج أن يلخص لماذا يؤمن بالبرهان التاريخى المؤدى لذلك الأستنتاج، وصممت قائلاً: ولكن لا تفترض أن العهد الجديد هو كلمة الله الموحى بها. فوافق أن تعتبر أجابته أن العهد الجديد مجرد مجموعة من وثائق القرن الأول اليونانية التى يمكن أخضاعها للتحليل كأية سجلات قديمة أخرى.
بدأ كريج: هناك على الأقل أربع حقائق على مصير يسوع مقبولة على نطاق واسع من قبل مؤرخي العهد الجديد من قطاع عريض.
الحقيقة الأولى هى أنه بعد صلب يسوع، دفنه يوسف الرامى فى مقبرة. هذا أمر مهم لأن معناه أن مكان القبر كان يعرفه اليهود والمسيحيون والرومان على حد سواء.
فسألته: ما دليل ذلك؟
دفن يسوع مُسجل فى البيانات القديمة جداً لدرجة أن بولس ذكره فى رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس[15]. وهذه المعلومات يمكن أن يرجع تاريخها إلى حوالى خمس سنوات بعد موت يسوع، لذلك لم تكن أسطورية. والأهم هو أن قصة الدفن جزء من مادة قديمة جداً أستخدمها مرقس فى كتابه انجيله، وقصته تفتقد علامات التطور الاسطوري. ليست هناك تتبعات لأية قصة دفن منافسة. والأهم هو أنه سيكون أمراً متعذر تفسيره لأى أنسان أن يُقرر قرار يوسف الرامى، حيث كان عضو فى السنهدريم الذى أدان يسوع.
الحقيقة الثانية هى أنه فى الاحد بعد الصليب، وُجد قبر يسوع فارغاً من قبل مجموعة من النساء التابعات. وهذا ما أكده تقرير بولس المُبكر الى الكورنثيين الذى يتضمن القبر الفارغ، وأكدته مادة مرقس الأصلية القديمة جداً. وهكذا يكون لدينا البرهان المستقبل المبكر.
ولدينا المزيد أيضاً. فعلى سبيل المثال، قصة القبر الفارغ تفتقر علامات الزخرفة الأسطورية، و أول أستجابة يهودية معروفة لإعلان قيامة يسوع تفترض مسبقاً أن قبره كان فارغاً. بالاضافة إلى ذلك، فإنه مُسجل أن النسوة قد أكتشفن القبر فارغاً. والآن، فإن شهادة النسوة قد أعتبرت غير موثوق بها تماماً لدرجة إنهن لم يكن يمكنهن الشهادة فى المحاكم اليهودية. والسبب الوحيد لتضمن التفاصيل المثيرة للغاية أن النسوة أكتشفن القبر الفارغ هو أن كُتاب الأناجيل كانوا يسجلون بأمانة ما حدث بالفعل.
الحقيقة الثالثة هى أنه فى مناسبات عدة وتحت ظروف متنوعة، اختبر افراد مختلفون ومجموعات من الناس ظهورات يسوع حياً من الموت. وهذا معترف به على نطاق كونى من قبل دارسى العهد الجديد لعدة أسباب.
فمثلاً قائمة شهود عيان قيامة يسوع التى اهداها بولس الى الكورنثيين تضمن أن مثل هذا الظهورات قد حدثت. ومع تقديم التاريخ المبكر للبيانات، وتعارف بولس الشخصى مع الأشخاص المشتركين، لا يمكن أعتبار ذلك أسطورياً.
وايضاً يقدم رواة الظهور فى الاناجيل براهيم متعددة مستقلة عن الظهورات. فحتى ناقد العهد الجديد المتشكك جيرد لودمان أستنتج قائلاً: “يمكن أن يكون من المؤكد تاريخياً أن بطرس والتلاميذ كانت لديهم أختبارات بعد موت يسوع ظهر لهم فيها يسوع كالمسيح القائم.” [16]
الحقيقة الرابعة هى ان التلاميذ الأصليين آمنوا فجأة وبإخلاص أن يسوع قد قام من الاموات رغم ميلهم السابق لعكس ذلك. لقد أعاقت المعتقدات اليهودية قيام أى أنسان من الاموات قبل القيامة العامة فى نهاية العالم. ومع ذلك، فإن التلاميذ الأصليين قد أمنوا فجأة وبمنتهى القوة ان الله قد اقام يسوع حتى صاروا مستعدين أن يموتوا دفاعاً عن هذا الإيمان. قال دارس العهد الجديد لوقا جونسون: “لا بدَّ من الاختبار التحولى القوى لانتاج ذلك النوع من الحركة التى كانت عليها المسيحية المبكرة” [17]

فقلت: حسناً إذاً، فى رأيك ماهو أفضل شرح لهذه الحقائق الأربع؟

فأجابنى: بصراحة، لا يوجد بالقطع تفسير طبيعة مناسب. فجميع النظريات القديمة مثل ” التلاميذ سرقوا الجسد ” أو ” يسوع لم يكن ميتاً حقاً “، قد رفضتها الثقافة الحديثة رفضاً عالمياً.
شخصياً، أعتقد أن أفضل شرح هو نفس الذى قدمه شهود العيان: ان الله قد اقام يسوع من الاموات. فى الواقع، هذه الفرضية تجتاز بسهولة ستة اختبارات يستخدمها المؤرخون لتحديد ماهو أفضل تفسير لأمر معين من الحقائق التاريخية. [18]

السبب الخامس: الله يمكنه أن يُختبر على الفور God Can Immediately Be Experienced

قال كريج إن هذه النقطة الأخيرة لم تكن بمثابة حُجة دامغة لوجود الله، بل بالأحرى الدليل الذى يمكنك أن تعرف به أن الله موجوداً تماماً بعيداً عن الحجج كونك تملك اختباراً فورياً عنه.
ويطلق الفلاسفة على ذلك ” إيمان أساسى خالص “.

نظر كريج إلىّ مباشرة وقال: لى، دعنى أشرح هذا المفهوم بسؤال: هل تؤمن بوجود العالم الخارجى؟

أدهشنى هذا السؤال، وفكرت فيه للحظات، ولم أستطع أن أخرج بسياق منطقى من الحجج التى يمكن أن تؤسس إجابة لا جدال فيه. فأعلنت قائلاً: لست متأكداً كيف أتيقن من ذلك.

فأجابنى: هذا صحيح. فإيمانك بحقيقة العالم الخارجى أساسى بدقة، فلا يمكنك أن تبرهن أن العالم الخارجى موجود. ورغم ذلك يمكنك أن تكون عقلاً فى وعاء يُعالَج بالأقطاب الكهربائية من قبل عالم مجنون حتى إنك تعتقد أنك ترى عالماً خارجياً، لكنك ستكون مجنوناً إن أعتقدت بذلك. وهكذا فإن الأعتقاد الاساسى الدقيق بالعالم الخارجى هو اعتقاد عقلانى تماماً. وبكلمات اخرى نقول إنه متأصل بصورة ملائمة فى اختبارنا.
وبنفس الطريقة، فى سياق خبرة فورية عن الله، يكون من العقلانية ان نؤمن بالله بأسلوب أساسى دقيق. وقد أجتزت مثل هذا الاختبار. فالله غزا حياتى بينما كنت فى السادسة عشرة من عمرى، ولمدة أكثر من 30 عاماً سلكت معه يوماً فيوماً، عاماً فعام، كحقيقة حية فى اختبارى.
فى غياب الحُجج القوية المؤيدة للإلحاد، يبدو لى إنه من العقلانية تماماً أن أستمر فى الإيمان بحقيقة هذا الاختبار: فهذه هى الطريقة التى عرف بها الناس الله أيام الكتاب المقدس. وهذا ما كتبه جون هيك: بالنسبة لهم، لم يكن الله افتراضاً يُكمل القياس المنطقى، أو فكرة يتبناها العقل، بل الحقيقة المُختبرة التى أعطت المعنى لحياتهم[19]

فقاطعته قائلاً: ولكن ماذا لو قال مُلحد نفس الشئ – أن لديه أيماناً أساسياً بدقة، بغياب الله؟ فأنت ههنا فى ورطة!.

فأجاب كريج: يقول الفيلسوف ويليام ألستون أنه فى تلك الحالة، يجب على المسيحى أن يفعل كل ما هو معقول للعثور على الخلفية العامة – كالحقائق المنطقية او التجريبية – لتوضح رؤية من هى الصحيحة بأسلوب مباشر[20]
وهذا ما حاولت أفعله فى هذه الحُجج الأربع الأخرى. فأنا أعرف أن الله موجود بطريقة أساسية ودقيقة، وقد حاولت أن أفصح أنه يوجد بالحقائق العامة للعلم والأخلاق والتاريخ والفلسفة. فبتجميعها معاً تُشكل برهاناً قوياً مؤيداً لله والمسيحية.

 

المرجع : القضية … الإيمان –لي ستروبل-ترجمة حنا يوسف-مكتبة دار الكلمة LOGOS(2007)-صـ94-106

 

[1]Penrose, S. H. (1996). The Nature of Space And Time. (princeton: N.J.:Princeton University Press.),20

 

[2]Kenny, A. (1969). The Five Ways :St. Thomas Aquinas’ Proofs of God’s Existence. (New York: Shocken Books .),66

 

 

[3]David Hume to John Stewart ,February,1754,in Letters of David Hume ,ed .J.Y.T.Greig (Oxford :Clarendon Press ,1932)Vol,1,187

[4]Kai Nielsen ,Reason and Practice (New York :Harper & Row,1971),48

[5]Arthur Eddington , The Expanding Universe (New York : Macmillan ,1933),124.

[6]Stephen W.Hawking ,A Brief History of Time (New York:Bantam Books,1988),123

[7]For a list of Examples, see :John Leslie ,Universes (London :Routledge,1989).

[8]P.C.W.Davies, Other Worlds (London : Dent,1980),160-61

[9]Ibid.,168-69

[10]For Example, see :P.C.W.Davies ,”The Anthropic Principle,” in Particle and Nuclear Physics 10 (1983),28,and Patrick Glynn ,God :The Evidence ,29-31

[11]John Polkinghorne, Serious Talk  :Science and Religion in Dialogue (London : Trinity Press International ,1995),6.

[12]Patrick Glynn ,God :The Evidence ,53-54,26

[13]Michael Ruse , “Evolutionary Theory and Christian Ethics”,in The Darwinian Paradigm (London :Routledge,1989),262,269.

[14]John Healy,fund-raising Letter ,1991

[15]1 كورنثوس 4:15 وما يوازيها.

[16]Gerd Ludemann, What Really Happened to Jesus? , Trans, John Bowden (Louisville, Ky.: Westminster John Knox Press, 1995), 8.

[17]Luke Timothy Johnson, the Real Jesus (San Francisco: Harper San Francisco, 1996), 136.

[18]For a list of these historical tests, see: C.Behan McCullagh, Justifying Historical Description (Cambridge: Cambridge University Press, 1984), 19.Too See how the Resurrection meets these criteria, see: William lane Craig, God, Are You There? , 46 -47

[19]John Hick, introduction, in the Existence of God, Ed. With and introduction by john Hick ,Problem of philosophy series (New York : Macmillan ,1964),13-14

[20]See : William Alston ,”Religious Diversity and Perceptual Knowledge of God ,”in Faith and Philosophy 5 (1988),433-48

 [gview file=”http://www.difa3iat.com/wp-content/uploads/2014/09/1القضية-الأيمان-لى-ستروبل-ص95-106.pdf”]

لا وجود لي _ الأم غافريليا

سألت راهبة: “كيف نطبّق عبارة “لا وجود لي التي لا تنفكيّن تقولينها لنا؟
 
– سأقول لكنّ كيف. هذا الأمر أدركته تمام الإدراك خلال السنوات العشرين الأخيرة من حياتي. عندما يأتي أحدهم ويكلّمكِ عمّا يؤلمه، فيما ذهنك مأخوذ بمسألة تخصّك، باطلاً تتعبين، لأنك لن تستطيعي أن تساعديه أبداً. أمّا عندما تنسين أنّ لك وجود، وتصبحين أنت ذلك الإنسان عينه، سيّان إن يكن لصًّا أو كذاباً، أو مجرماً، حينئذ تدخلين إلى أعماقه وتقولي: “يا إلهي ! يا له من مسكين ! كيف له أن يتخلّص من مشكلته؟” حينئذ تبدئين تقولين ما يلي، لا عن دينونة، ولا عن حكم على الآخر، ولا عن حقد: “ألم يقُل المسيح إنّه صار إنساناً ليعتق الإنسان من شقائه، وشروره وما إلى ذلك؟” حينئذ تصيرين وإيّاه واحداً. 
 
وهذا الإنسان الذي أتى إليك فاقد الرجاء قانطاً، يذهب من عندكِ فرحاناً، لأنه يعرف أنّ المسيح معه، وأنه سيواجه مشاكله بطريقة مختلفة. 
 
إذاً، عندما تضعين نفسك مكان الآخر، يذهب من عندك واحد ويأتي إليك ثانٍ، فثالث، فرابع، وخامس … في عند المساء تقولين:
“ترى، أيّ هؤلاء أنا؟ ولا واحد منهم!
فمن أنا إذاً؟ أنا لا أحد.  يا له من خبر طريف !
 
حينئذ أقول في نفسي: “هيّا لأحدّق في المسيح، رغم أنه لا وجود لي. فذلك لا يهمني” !
 
هذا ما قلته مرّة واثنتين وثلاث مرات. ويسألني الناس:
أتشعرين بالبرد؟ ومن هذا الذي يشعر بالبرد؟ فأنا لا وجود لي !
أتشعرين بالجوع؟ فأنا لا وجود لي!
أيزعجكِ التلوث في الهواء؟ ومن الذي يزعجه التلوث؟ فأنا لا وجود لي!
 
فيظن أولئك أنّني معتوهة …
 
لكن ذات يوم، فيما قلبتُ صفحة جديدة من الرزنامة الكنسية، وقعت على قول للقديس نيلوس: “مَن يعرف نفسه حق المعرفة هو من يحسب أنّ لا وجود له”
 
فصحتُ: “المجد لك يا الله! سأقصه وأعلّقه على الحائط. ولن أقول بعد اليوم إنه لا وجود لي، بل أنّ القديس نيلوس يقول ذلك …
 
– وكيف نتدرب على هذا الإمّحاء من الوجود؟
 
– كما قلت لكِ، بالتفكير في الآخرين وحدهم دون نفسك. من ذلك أن يقول المرء: أشعر بالحرّ. أفَّ، ما هذا الحرّ اللاهب! إنيّ أُشوى شيًّا! ثم يقول: أوّه! تعب على تعب! انحلّت قواي! أو أن يقول: النجدة! طواني الجوع! بكلام آخر، تجعلين من شخصك مقرّ اهتمامك الدائم. 
 
– وماذا إذا كنتِ فعلاً تعانين من وطأة الحرّ؟
 
– لا تقولي لأحد! أولاً لأن الكلام لن يساعدك عن التخلص منه، وثانياً، لأنك ستشعرين بالحرّ مضاعفاً! أفهمت ما أقول؟ إنك بهذا الكلام تعظّمينه، وتعطينه كياناً، كأنك تجعلين منه “جلالة الحرّ” أو “جلالة التعب”! أو “جلالة الجوع”! ما هذا؟! أمّا أنا، فحتى التي تقيم معي لا تعرف ما بي. بتاتاً. قد أقضي الليل كله في الألم، وعند الصباح، لا يعلم أحد ما جرى لي. ولماذا أتكلم عن الأمر، وقد انتهى؟ وما النتيجة؟ … قد أشعر بالإرهاق الشديد، ومازال لديّ أشخاص كثيرون أساعدهم .. فما الفائدة من قولي لك: لم أعد أحتمل، أنا مرهقة”! فأنت لا تستطيعين شيئاً!
 
– أليس الفرح عنصراً أساسياً من عناصر الديانة المسيحية؟ أليس المؤمن بالمسيح في فرح دائم؟
 
– نعم، فقد قال المسيح: “سلامي أعطيكم لا كما يعطيكم العالم”. وفوق ذلك قال: فرحي أعطيكم، لا كما بفرح العالم”. يعني أنّ هذا الفرح ينبع من الداخل، مثل نعمة الله. فنحن لا ننتظر الفرح من الآخر، لأن المسيح يعطينا إياه.
 
– هذا ما لفت انتباهي. فرغم أنكِ تشاهدين مرضى وفقراء وسقماء كّل يوم أراك فرحانة.
 
– أجل، ذلك أنّي أحب هؤلاء الذين أراهم من كل قلبي، وأتحِد حياتهم بحياتي. وفي الوقت نفسه أفكّر أنه إذا استطعت أن أحبهم بهذا المقدار، وأنا خاطئة من بني المائتين، فكم يحبهم الله بالأحرى؟ هو خالقهم، وهم أبناؤه، بكلام آخر، هو يسهر عليهم أولاً. يعرف سبب مرضهم، ويعرف ما سينتج عن هذا المرض. إنه تعالى أدرى بكلّ أمر وغايته. وأنا لا يسعني أن أتجاوز هذا الحد، لا في فهم الأمور، ولا في الحكم عليها. أتعلمون ماذا أفعل؟ أُدخِل ذاك المريض إلى أعماقي، أرفع من أجله صلاة حارة متّقدة، أضع فيها كل ما عندي من المحبة، وأستودع هذا الإنسان قدمي المسيح بقولي: “يا إلهي، أنت هب نعمتك لولدك هذا، هبهُ غفرانك، هبهُ رحمتك، هبهُ النور، هبهُ صحة النفس والجسد، وأظهر مشيئتك في حياته”
 
فأحياناً عندما لا تظهر مشيئة الله في حياة أحد الناس، يمرض مرضاً مزمناً، حتى يتعلّم من خبرته. لأنه مراراً كثيرة، وأنت في السرير، يتسنّى لك أن تفكّر ويمكنك أن تنفرد بذاتك، وقد تجد جواباً لمسألة هامة. فالذين يقضون وقتاً طويلاً في السرير، يدركون قيمة هذه العطيّة بالنسبة لنفسنا الخاطئة. وهذا ما جرى لي كثيراً في طفولتي. فالخطيئة تقتضي تطهيراً. وفيما نجلس في السرير، ننعم بالوحدة. لا لقاءات، ولا انطباعات خارجية، وما سوى ذلك .. وهذا كله يساعدنا ..
 
إذاً، كما قلت، أصلّي تلك الصلاة، وأسلّم ذلك الإنسان ليمين الله. وهل يمكنني أن أفعل المزيد؟ كلاّ! فمتى أتممتُ هذا الفعل، لا يعود يتغيّر فرح الله من بعد. لا أستطيع أن أبكيه. أستطيع أن أبكي خطاياي دائماً، وأن أستغفر الله. وذلك أمر آخر. أمّا أن أبكي أحد سواي من أبناء الله، فكلاّ .. أجل إنيّ أشعر معه من كلّ قلبي، وهذا التعاطف يؤول بي إلى الصلاة .. وتكون الصلاة اتحادّاً بالله … في هذا العالم، يريدنا الله أن نحب حتى يصنع عجائبه. فعلاً يريد أن تتّحد به نفس بشرية، وهذا ما يراه الكهنة ورجال الله يلمسون تغييراً في حالة الإنسان الذي تقام الصلاة من أجله، ولو فصلت بينه وبينهم مسافة أميال. ويقول لك ذلك الإنسان: “أتعرف ماذا شعرت؟ منذ تلك اللحظة تجدّدت قوّتي” … وما إلى ذلك. إنه أمر واضح … فلعمري ليس قوة أعظم من الصلاة .. الصلاة قوة إلهية .. أجل هذا ما هي عليه … وأهمّ من ذلك، أهم من ذلك كله، أمر آخر نحتاج إليه: نحتاج إلى الإصغاء لصوت الله، لا إلى التكلم. 
 
– هل نستخلص من كلامك أنّ الفرح يمكن أن يستمر بلا انقطاع؟
 
– أجل .. إلى ذلك، كما يقول أحد القديسين، إذا انشغلنا في أمر بالغ الأهمية، حتى ولو كان الصلاة، وأتى من يطرق بابنا، علينا بالتظاهر أننا لا نصلي، ونفتح الباب قائلين: تفضّل يا أخي. فإن بلغنا إلى هذا النوع من التفكير، أعني التفكير بالقريب وحده دون أنفسنا، يصبح فرحنا مستديماً. حينئذ نصبح صورة تعكس وجه الآخر. وإذا صرنا مرآة يرى فيها الأخر وجهه، وبدا الفرح ظاهراً في تلك المرآة، فلا بدّ له أن يرى هو أيضاً شيئاً من ذلك. هذا أمر أساسي. فأنا عشت سنين طويلة في بلد يعاني من الحرمان والاستبداد والشقاء، ولا يعرف المسيح. هذا البلد هو الهند. أمّا إذا نظرتم إلى بلد عنده المسيح، سواء دُعيّ هذا البلد سويسرا أو فرنسا، ترون الناس كلهم هناك عابسين، يرتسم الغمّ على وجوههم، منذ أن يركبوا القطار وحتى يخرجوا منه. كلهم قلقون! من أين هذا .. هذا لأنهم فقدوا معنى الفرح. إنه أمر مهم جداً! أمّا هناك في الهند، فهم ينتظرون المسيح، وفي انتظارهم هذا، تراهم فرحين. أمّا نحن، فعندنا المسيح، كما يقال، ولكننا لا نعكس صورته للآخرين، ذنبنا كبير، كبير جداً.
 
لكنّي أعود وأقول مراراً وتكراراً، ما يجب أن تعلموه، وهو أنكم إن سلمتم أمركم تسليماً كاملاً لقوة الله ومحبته، سوف تدركون أن الأمور كلها، اسمعوا جيداً، الأمور كلها على الإطلاق تحدث إمّا بمشيئة الله أو بسماح منه. إمّا هذه أو تلك من الحالتين، وليس من حالة ثالثة. فإن يحدث أمر بمشيئة الله، أقبله من قلبي راضية. وإن يحدث بسماح منه، أقبله أيضاً بالفرح عينه، لأنه يعلم السبب، ولأن هذا تدريب لي … إياكم أن تتجرؤوا وتسألوا: لماذا؟ إيّاكم ثم إيّاكم! فمن يسأل: لماذا، يكتب كلمة “أنا” بأحرف كبيرة. وحيث الأنا، ما من تقدّم، وما من رجاء.
 
– أنتِ تتكلمين عن الفرح، يا أمّنا، ولكن الآباء، يقولون إنه حريٌّ بنا أن نحزن على خطايانا ونبكي. فكيف التوفيق بين هذين الأمرين؟
 
– سأقول لكِ. حالما نشعر بذنب اقترفناه، سنبكي، ويخشع قلبنا، نتوب. لكن بعد ذلك، ينبغي أن يأتي فرح الغفران، لأننا نعرف أنّ الله رحيم رؤوف. فمن ذا يخرج من الاعتراف ويبكي؟ قد يبكي أثناء الاعتراف. يبكي خطيئته وشروره عامّة، وأيّ بكاء! لكن ما هذا البكاء بعد الاعتراف؟! أيخرج إنسان من الاعتراف ويبكي؟ هذا ما لا أقبله أبداً!
 
– ربما يشير ذلك إلى نقص في اعترافه.
 
– تماماً.
 
– وربما لا تزال الأنا قائمة في نفسه. وبما أنها لم تتلاشَ بعد، وما زالت حيّة، فلا عجب إذا تبع ذلك بكاء وحزن وعبوسة وما سواها.
 
– صحيح، ويبقى الشعور بالندم الذي ينبغي أن يزول بعد الاعتراف.
 
– تريدين القول إنّ هذه الحالات تتناوب فينا. فيستحيل أن يحيا الإنسان طول عمره في البكاء وتأنيب الذات، لأنه لا بد من أن يحظى بالتعزية الإلهية .. وهكذا دواليك
 
– نعم. ولكن تأتي ساعة يتيقَّن الإنسان من محبة الله تمام اليقين، ويبذل أقصى انتباهه لئلا يفعل ما يؤذي الآخر، أو لئلا يدينه، وهكذا لا يشعر بثقل يكدّره، ويفرح بفرح الله، ذلك الفرح الذي يتلقّاه منه ويعطيه للآخرين. هذا اعتقادي. ثم يبدأ يشكر الرب ويحمده، ويرقص طرباً!
 
 
 
 
المرجع: الأم غفرئيلا، إعداد وترجمة دير السيدة، كفتون، تعاونية النور الأرثوذكسية. 
Exit mobile version