الوسم: التشكيك
المسيحيَّة ، سترةُ مَساجين – تيموثي كِلر
المسيحيَّة ، سترةُ مَساجين – تيموثي كِلر
المسيحيَّة ، سترةُ مَساجين – تيموثي كِلر
قالت كيث (Keith)، وهي فنَّانة شابَّة تُقيم في بروكلين: ” يؤمنْ المسيحيُّون بأنَّ لديهم الحقيقة المُطلقة التي ينبغي أن يؤمن بها كلُّ شخصٍ آخر، وإلَّا… وهذا الموقف يُعرِّض حرّيَّة كل إنسان للخطر”.
ووافقت كلوي (Chloe)، وهي فنَّانة شابَّة أخرى، قائلة: ” نعم، إنَّ فكرة شعارها “حقيقة واحدة للجميع” تُقيِّد المرء تقييدًا يُجاوز كلَّ حدّ. فلا يبدو أنَّ لدى المسيحييِّن الذين أعرفهم الحرّيَّة للتفكير بالأصالة عن أنفُسهم. وأنا أعتقد أنَّ على كل فرد – رجلاً كان أم امرأة – أن يُحدِّد الحقيقة لنفسه”.
أيكون الإيمان بحقيقة مُطلقة عدوًّا للحرِّيَّة؟ مُعظم الذين قابلتُهم في مدينة نيويورك يعتقدون أنَّه كذلك. فالمسيحيَّة تُسمِّي بعض المعتقدات “هرطقة” وبعض الممارسات “لاأخلاقيَّة”. وهي تحرم من شَركتها أولئك ثالذين يتعدَّون حدودها العقائديَّة والخُلُقيَّة. ويبدو هذا للمُراقبين المُعاصرين أنَّه يُعرِّض الحرِّيَّة المدنية للخطر؛ لأنه يَقسمُ الناس ولا يُوَحِّدهم. كما يبدو أيضًا أنَّه تزمُّت على الصعيد الحضاري، إذ يُخفقُ في الإقرار بأنَّ لمختلف الحضارات وجهات نظرٍ شتَّى بشأن الواقع. وأخيرًا يبدو أنَّه يستعبد الأتْباع، أو على الأقلِّ يُعاملهم كأطفال، إذ يُحدِّد ما يجب أن يؤمنوا به ويمارسوه في كلِّ شأن محدَّد. وقد تحدَّث أم. سكوت بَك (M. Scott Peck) بشأن تقديمه المَشورة لامرأةٍ اسمها شارلين (Charlene) قالت عن المسيحيَّة: “لا مكانَ لي في ذلك. إنَّه سيَعني موتي!… لستُ أريد أن أحيا لله، ولن أفعل. أريد أن أحيا…. لأجل ذاتي”.[1] فإنَّ شارلين اعتقدت أنَّ المسيحيَّة ستَعوق إبداعها ونُموَّها.. وقد سبقتها إلى ذلك الناشطة الاجتماعيَّة إيما غولدمان (Emma Goldman) التي عاشتْ في أوائل القرن العشرين، إذ دعت إيما المسيحيَّة “هادمة الجنس البشريّ، كاسرة إرادة الإنسان فلا يجرؤ الإنسان ولا يعلم … إنَّها شبكةٌ من حديد، سترة مساجين لا تَدَع الإنسان يتمدَّد أو ينمو”.[2]
في نهاية فيلم “أنا الروبوت ” المُنتج في عام 2004، كان الروبوت المدعوُّ سوني (Sonny) قد حقَّق أغراض برنامج تصميمه، إلَّا أنَّه أدرك حالاً أنَّه بات بلا غايةٍ بعد. ويُختم الفلم بحوار بين سوني والشخصية الرئيسيَّة الأخرى، المُحقِّق سبونر (Spooner).
سوني: ها أنا الآن قد أتْمَمت غايتي، ولا أدري ما أفعل.
المحقِّق سبونر: يُخيَّل إلىَّ أنَّك ستُضطرُّ إلى إيجاد سبيلك على غِرارنا أجمعين، يا سوني… فهذا هو ما يَعنيه ان تكون حُرًّا.
حسبَ هذه النظرة، تعني الحرِّيَّة عدم وجود غاية مُهَيمنة خُلِقنا لأجلها. ولو كانت موجودة، لكُنَّا مُلزَمين ان نخضع لها ونُتمَّها، وهذا يُقيِّدنا. فالحرِّيَّة الحقيقية هي حرِّيَّتك بأن تُوجد مَعناك وغايتك الخاصَّين. وقد ادَّخرَتِ المحكمة العليا هذه النظرة لمَّا ارتأت أنَّ “قلب الحرِّيَّة هو أن يُحدِّد المرءُ مفهومه الخاصَّ للوجود، لمعنى الكون”.[3] ويتَّفق ستيفن جاي غولد (Stephan Gould) مع القائلين بهذا الرأي:
نحن هنا لأنَّ طائفة غريبة من السَّمك كانت زعانفها ذات تركيب خاص مكَّنها من أن تتحوَّل إلى أرجُل لمخلوقات البرَّ؛ لأنَّ نيازك ضربت الأرض وأزالت الديناصورات، مُتيحة للثَّديِّيات فرصة ما كانت لتُتاح لولا ذلك… ربَّما نتوق إلى جواب “أسمى” – ولكن لا جواب كهذا. ولئن كان هذا التفسير مُقلقًا على نحو سطحيّ، إن لم يكن مروِّعًا، فهو مُحرِّر ومبهج إلى أقصى حدّ. إنّنا لا نستطيع ان نقرأ معنى الحياة بخمولٍ في وقائع الطبيعة. فعلينا أن نُنشئ هذه الأجوبة لأنفسنا…[4]
تبدو المسيحيَّة وكأنَّها عدوَّة للتَّماسك الاجتماعيّ، والتكيُّفيَّة الحضاريَّة، بل الشَّخصانيَّة الأصيلة أيضًا. ولكن هذا الاعتراض مؤسَّس على أغلاطٍ بشأن طبيعة الحقِّ، والجماعة، والمسيحيَّة، والحرِّيَّة نفسها.
الحقُّ لا مفرَّ منه
كتب الفيلسوف الفرنسيُّ فوكو (Foucault): “إنَّ الحق شيء يخص هذه الدُّنيا. وهو يَنتُجُ فقط بأشكال شتَّى من التقييد تشمل مفاعيل السُّلطة المُنتظمة”[5]. وباسْتلهام فوكو، يقول كثيرون إنَّ جميع مزاعم الحقِّ هي لُعَبُ سُلطة. فعندما تزعمُ أنَّك تملك الحقَّ، فأنت تحاول أن تحوزَ السُّلطة والسَّيطرة على الآخرين. وقد كان فوكو تلميذًا لنيتْشه (Nietzsche)، وهما- لصدقيتهما- استخدما هذا التَّحليل بالنسبة لليساريِّين واليمينيِّين على السواء. فإنَّ صرَّحت أمام نيتشه قائلاً “على الجميع يُنصفوا الفقراء”. فإنَّه سيسأل: أقلت ذلك لأنَّك تحبُّ العدل والفُقراء حقًّا، أم لأنَّك تريد مباشرة ثورة تؤتيك السَّيطرة والسُّلطة؟
غير أنَّ الاعتراض بأنَّ الحق كله لُعبة سلطة يقع فريسة للمشكلة نفسها التي تُواجه الاعتراض بأنَّ الحق كُله خاضع للتكييف الحضاري والثقافي. فإن حاولت أن تُسقِط بالشَّرح جميع توكيدات الحقِّ بهذه الذَّريعة أو تلك، أو بحًجَّة أخرى، فإنَّك تجد نفسك في موقع يتعذَّر الدِّفاع عنه. وقد كتب سي. إس. لويس في كتابه “إبطال الإنسان“ (The Abolition of Man):
ولكنَّك لا تستطيع أن تستمر إلى ما لانهاية في “إسقاط الأمور بالشرح”: إذ سيتبين لك أنَّك أسقطت بالشرح الشرح عينه. ولا يسعك أن تمضي إلى الأبد في “استشفاف” حقائق الأمور. فبيت القصيد في استشفاف حقيقة أمر ما هو ان ترى شيئًا من خلاله. ومن الخير أن النافذة ينبغي أن تكون شفافة؛ لأن الشارع أو البستان وراءها معتم (غير شفَّاف). فكيف يكون الوضع لو تمكَّنت أن ترى من خلال البستان أيضًا؟… إنَّ عالمًا شفافًا إلى التمام هو عالم غير منظور. فإن “تَستشِفَّ” جميع الأشياء وأن لا ترى أيَّ شيء سيَّان.[6]
فإذا قُلت إنَّ جميع مزاعم الحق لُعَبُ سُلطة، فكذلك تكون مقولتك هذه أيضًا الأمر ذاته. وإذا قُلتَ (مثل فرويد [Freud]) إنَّ جميع مزاعم الحقِّ بشأن الدين والله هي مجرَّد إسقاطات نفسيَّة لأجل التَّصدِّي لقلقك وشعورك بالذَّنْب، فكذلك تكون مقولتك هذه أيضًا الأمر ذاته. فأن ترى من خلال كلِّ شيء هو ألا ترى شيئًا.
لقد كان فوكو يُشدِّد على أن يعتنق الآخرون حق تحليله، رُغم إنكاره لمقولة الحقِّ ذاتها. وهكذا، فإنَّ بعضًا من مزاعم الحق يبدو أمرًا لا مفر منه. والتناقض الذاتي في مقاومتك الظلم والطغيان عمليًّا، وأنت ترفض الاعتراف بوجود شيء مثل الحق، هو السَّبب الذي من أجله رُبَّما كان مفهوما “النظرية” (Theory) و”النَّقض” (Deconstruction) اللذان تَلَيَا الفلسفة الحديثة آخذين في الضَّعف.[7] هذه النُّقطة عينها أوضحها جي. كاي. تشسترتون (G.K. Chesterton) منذ مئة سنة تقريبًا:
الثائر الجديد شكوكي، ولن يثق بأي شيء.. [ولكنَّه] لذلك لا يمكن أن يكون البتَّة ثوريًّا بالفعل. ذلك أنَّ كل تنديد يتضمَّن عقيدة خُلقيَّة من نوع ما… ولذلك، فإنَّ الإنسان الحديث في ثورته قد بات من الناحية العلميَّة عديم النفع بالنسبة إلى جميع مقاصد الثَّورة. إذ بثورته على كلِّ شيء فقد حقَّه بأن يثور على أيِّ شيء… فهنالك فكرة توقف كلَّ فكرة. وتلك هي الفكرة الوحيدة التي ينبغي أن توقف.[8]
الجماعة لا يمكن أن تكون شاملة كليًّا
تقتضي المسيحيَّة معتقدات محدَّدة لكي يكون المرء عُضوًا في جماعتها المُشتركة. فهي ليستْ مفتوحة للجميع. ويُحاجُّ النقَّاد بأنَّ هذا يدعو إلى الشِّقاق اجتماعيًّا. إنَّما ينبغي بالأحرى للجماعات البشريَّة أن تكون شاملة كليًّا، مفتوحة أمام الجميع على أساس بشريتنا المشتركة. ويُشدِّد أنصار هذا الرأي على أنَّ أحياء كثيرة في المدن تضمُّ سكانًا من مختلف الأجناس والمعتقدات الدينيَّة، يعيشون ويعملون كجماعة مشتركة رغم ذلك. وكلُّ ما هو مطلوبٌ لجماعة كهذه أن يحترم كل شخص خصوصية الآخرين وحقوقهم ويعمل في سبيل تكافؤ الفرص للجميع بالنسبة إلى التربية والتعليم والوظائف والأشغال وتقرير الخيار السياسي. ويُقال إنَّ المعتقدات الخُلُقية المشتركة ليست ضروريَّة في “ديمقراطيَّة ليبراليَّة”.
ممَّا يؤسف له أنَّ الرأي المُعبِّر عنه توًّا هو إفراط في التبسيط واسع النطاق ومُشوِّه للحقيقة. فالديمقراطيَّة الليبراليَّة مؤسَّسة على لائحة افتراضات شاملة: تفضيل الحقوق الفرديَّة على الجماعيَّة، فَصْل بين الأخلاقيَّات الخاصة والعامَّة، تقديس الاختيار الشخصي. وهذه المعتقدات كلُّها غريبة عن حضارات أخرى كثيرة.[9] ومن ثَمَّ فإنَّ ديمقراطيَّة ليبراليَّة ما (كما في كلِّ جماعة مُشتركة) مؤسَّسة على جُملة معتقدات مُشتركة خصوصية جدًّاً. والمجتمع الغربي قائم على التزامات مشتركة للمنطق والحقوق والعدالة، رغم عدم وجود أيَّ تعريف مقبول بالإجماع لأيٍّ من هذه.[10] فكلُّ وصف للعدل والعقل هو مُدغَمٌ في تشكيلة من المعتقدات الخصوصيَّة بشأن معنى الحياة البشريَّة التي لا يشترك فيها الجميع على السواء.[11] وعليه، فإنَّ فكرة وجود جماعة مشتركة كلية الشمول هي وَهم.[12] إذ إنَّ كل جماعة بشريَّة مشتركة تعتنق على العموم بعض المعتقدات التي لا بدَّ أن تُوجِد حدودًا، فتشمل بعض الناس ضمن دائرتها وتُقصي آخرين عنها.
ولنأخُذْ مثلاً يُوضح ذلك. تصوَّر أن واحدًا من أعضاء الهيئة العامَّة في جمعيَّة غربيَّة تدافع عن حقوق المثليِّين والمتحولين جنسيًا يُصرِّح قائلاً: “لقد حصلَ لي اختبارٌ دينيٌّ، وأنا الآن أعتقد أنَّ مُضاجعة النظير خطيَّة”. وإذْ تمرُّ الأسابيع، يُصرُّ على إعلان توكيده. وتَصوَّرْ أن عضوًا من أعضاء الهيئة العامَّة في جمعيَّة أخرى تُناهض الشُّذوذ الجنسي يُصرِّح قائلاً: “اكتشفتُ أنَّ ابني مثليٌّ، وأعتقد أن له الحقَّ في الزواج بشريكه”. فمهما كان أعضاء كلتا الجمعيَّتين لُطفاء ومَرِنين على الصعيد الشخصيّ، فلا بدَّ أن يأتي اليوم الذي فيه تُضطرُّ الجمعيَّة إلى القول: “عليك أن تخرج من الهيئة؛ لأنَّك لا تشاركنا في التزامنا المشترك”. ولئن كانتْ أولى هاتين الجمعيَّتين مشهورة بكونها إشتماليَّة، والثانية بكونها حصريَّة، فإنَّ كلتيهما – في الممارسة – تتصرَّفان بالطريقة نفسها تقريبًا. فكِلتاهما مؤسَّستان على معتقدات مشتركة تؤدِّي دوْرَ الحدود، حيث تشمل بعضًا وتُقصي آخرين. وليست أيَّة واحدة منهما “ضيِّقة أفق التفكير” في تصرُّفهما هكذا، إذ إنَّهما تصرَّفتا بوصفهما جمعيَّتين لجماعتَين.
إنَّ أيَّة جماعة مشتركة لا تُحاسب أعضاءَها على مُعتقدات ومُمارسات معيَّنة لن تكون لها هُويَّة جماعيَّة، ولن تُشكِّل بالحقيقة جماعة مشتركة أبدًا.[13] فلا يمكنُنا أن نحسب مجموعة ما حصريَّة لمجرَّد تمسُّكها بمعايير لأعضائها. أفليس من سبيل إذًا إلى الحكم بشأن جماعة ما أهي مُنفتحة ومُباليَّة، وليست مُتشدِّدة وطاغية؟ بلى! إليك صيغة من الأسئلة أفضل بكثير: أيَّة جماعة تعتنقُ معتقدات تدفع أعضائها لأنْ يعاملوا أهل الجماعات الأخرى بمحبَّة واحترام، وأن يخدموا ويُلبُّوا حاجاتهم؟ أيَّة مُعتقدات للجماعة تدفعُها لأن تحسب مُنتهكي حدودها شياطين وتُهاجمهم، بدلَ أن تُعاملهم بلطفٍ واتِّضاع ومرح؟ وينبغي أن ننتقد المسيحيِّين حين يكونون ديَّانين وغير لُطفاء نحو غير المؤمنين.[14] إنَّما لا ينبغي أن ننتقد الكنائس حين تتمسَّك بمعايير للعضويَّة تُوافق مُعتقداتها. فكلُّ جماعة هي جماعة مشترَكة يجب أن تفعل الأمر ذاته.
المسيحيَّة ليست صارمة حضاريًّا وثقافيًّا
يُشاع عن المسيحيَّة أيضًا أنَّها سترة مساجين حضاريَّة وثقافيَّة. ويزعمون أنَّها تُقحِم أهل الحضارات المختلفة في قالب حديدي واحد. ويُنظَر إليها كما لو كانت عدوَة للتعدُّدية والتنوُّع الحضاري. غير أنَّ المسيحيَّة ما تزال في الواقع أكثر تكيُّفًا (وربَّما أقل هدمًا) حيال مختلف الحضارات لدى مقارنتها باللَّادينيَّة وبكثير من فلسفات الحياة الشاملة الأخرى.
إنَّ نموذج التوسُّع في المسيحيَّة يختلف عنه في ديانات العالم الأخرى. فإنَّ مركز الاسلام وأكثريَّته ما يزالان في مكان نشأته، أي الشَّرق الأوسط. والبلدان الأصليَّة التي كانت المراكز الدِّيمغرافيَّة للهندوسيَّة والبوذيَّة والكونفوشيوسيَّة ما تزال هكذا. وعلى النقيض، كانت الأكثريَّة في المسيحيَّة أوَّلاً من اليهود، وتركَّزْت في أورشليم. بعد ذلك صار السَواد الأعظم فيها من الهلِّينييِّن (اليونانيِّين)، وتركَّزتْ في منطقة البحر الأبيض المتوسِّط. ومن ثَمَّ قَبِلَ المسيحيَّة أجنبيُّو أوربَّا الشماليَّة، فباتت أكثريَّة المسيحيين من الأوروبيِّين الغربيِّين، وبعد ذلك من الأمريكييِّن الشماليِّين. واليوم يعيش أغلبُ مسيحيِّي العالم في أفريقيا وأمريكا اللاتينيَّة وآسيا. وقريبًا ستتركَّز المسيحيّضة في الأجزاء الجنوبيَّة والشرقيَّة للكرة الأرضيَّة.
وهنا تُنوِّرنا دراسة حالتَين. ففي 1900، شكل المسيحيُّون 9% من سُكَّان أفريقيا، واكن المسلمون يفوقونهم عددًا بنسبة 4 إلى 1. أمَّا اليوم، فالمسيحيُّون يشكلون 44% من مجموع السُّكَّان،[15] وفي ستِّينيَّات القرن العشرين فاقُوا المسلمين عددًا.[16] هذا النُّموَّ الانفجاري هو الآن في بدايته في الصين،[17] حيثُ المسيحيَّة تتنامى ليس فقط بين الفلاَّحين، بل أيضًا في أوساط الهيئتَين الاجتماعيَّة والثقافيَّة، بما في ذلك الحزب الشُّيوعي. وبمعدَّل النُموِّ الجاري حاليًا، فإنَّه في غضون ثلاثين سنة سوف يُشكِّل المسيحيُّون 30% من سُكَّان الصين البالغ عددُهم مليارًا ونصف مليار نسمة.[18]
تُرى، لماذا انتشرت المسيحيَّة انفجاريًّا على هذا النَّحو في تلك الأماكن؟ يُقدِّم العالم الأفريقيُّ لمين سانه (Lamin Sanneh) جوابًا آسرًا جدًّا. فهو يقول إنَّ للأفريقيين تقليدًاً طويلاً من الإيمان بعالم فوطبيعي زاخرٍ بالأرواح الخيِّرة والشرِّيرة. فلما بدأ الأفريقيُّون يقرأون الكتاب المقدَّس مترجمًا إلى لُغاتهم الخاصَّة، أخذ كثيرون منهم يَرَون في السيِّد المسيح الحلَّ النهائيَّ لأشواقهم وآمالهم التاريخية بوصفهم أفارقة.[19] وممَّا كتبه سانه:
لبَّت المسيحيَّة هذا التحدَّي التاريخيّ بإعادة توجيهها للرؤية إلى العالَم… فقد أحسَّ الناس في قلوبهم أنَّ السيَّد المسيح لا يسخرُ باحترامهم لما هو مقدَّس ولا بتوقهم الصَّارخ إلى مخلِّص لا يُقهَر. وهكذا قرعوا له طُبولهم المقدَّسة حتى تَواثَبت النجوم وتراقصت في الأفلاك. وبعد تلك الرَّقصة لم تعد النجوم صغيرة! فقد ساعدت المسيحيَّة الإفريقيين على أن يصيروا أفارقة مَولودين من جديد، لا أوربيين مُصنَّعين.[20]
ويُحاجُّ سانه بأنَّ العلمانيَّة، برفضها للفوطبيعية وفردانيتها هي أكثر من المسيحيَّة بكثير هدمًاً للحضارات المحلِّيَّة و”للأفرَقة” (African-ness). ففي الكتاب المقدَّس، يقرأ الإفريقيُّون عن سُلطة السيَّد المسيح على الشرِّ الفوطبيعي والروحي، وعن دَحْره له على الصليب. وعندما يصيرون مسيحيِّين حقيقيِّين، تهتدي أفرقتُهم وتُكمَّل وتُوطَّد، دون أن تحلَّ محلَّها الأوربة (European-ness) أو أيُّ شيء آخر.[21] فبالمسيحيَّة، يكتسبُ الأفارقة بُعدًا يكفي لنقد تقاليدهم، وللتَّمسُّك مع ذلك بالصَّالح منها أيضًا.[22]
ومن الأمثلة اللافتة على التكيُّف الحضاريِّ والثقافيِّ جمهور المؤمنين في كنيسة الفادي المشيخيَّة في منهاتن، حيث أخدمُ راعيًا. فإنَّ نموَّها في تلك البيئة قد فاجأ المُراقبين، بل صعقَهم أيضًا. ويُوجَّه إلىَّ تكرارًا هذا السؤال: “كيف تتمكَّنون من الوصول إلى آلاف الراشدين الشباب في مكان لا دينيٍّ كهذا؟” فالجواب هو أنَّ المسيحيَّة قد فعلتْ في مدينة نيويورك ما قد فعلته في جميع الأماكن الأخرى التي تنامَت فيها. ذلك أنَّها تكيَّفت على نحوٍ مهمٍّ وإيجابي بمُقتضى الحضارة المحيطة بها دون أن تساوم على مُعتقداتها الرئيسيَّة.
إن العقائد الأساسيَّة في كنيسة الفادي تتَّفق مع مثيلاتها من المعتقدات الفوطبيعيَّة وقويمة الرأي لدى الكنائس الإنجيليَّة والخمسينيَّة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينيَّة وجنوب الولايات المتَّحدة وغربها الأوسط. وهذه العقائد هي: ألوهيَّة السيَّد المسيح، عصمة الكتاب المقدَّس، وجوب الولادة الثانية الروحيَّة بواسطة الإيمان بموت السيَّد المسيح الكَّفاري. وهي مُعتقدات غالبًا ما تضعُنا في صراع مع الآراء والمُمارسات التي يُراعيها كثيرون من سكَّان مدينة نيويورك. وفي الوقت نفسه، تبنَّينا بسرور كثيرًا من النواحي الأخرى في الثقافة المدينيَّة التعدُّديَّة. فنحن نُحبِّذ الفنون، ونُقدِّر التنوُّع العرقي، ونُشدَّد على أهمَّيَّة العمل في سبيل تمتيع جميع مَواطني المدينة بالعدالة، ونتواصل مع الناس بلُغة حضارتنا المتركِّزة في وسط المدينة وبِوَعيها وإدراكها. ونحن نُشدِّد أكثر الكل على نعمة مخلِّص تناول الطَّعام مع أناس دعاهم المجتمع “خطاة”، وأحبَّ أولئك الذين عارضوه. وهذه الأمور كلُّها مُهمَّة جدا عند المقيمين في منهاتن.
نتيجة لذلك، تجتذب كنيسة الفادي وتبلغ جمهورًا مدينيًّا كثير التنوُّع. ففي إحدى خدمات أيَّام الأحد بكنيسة الفادي، عُرِّفَتْ زوجتي كاثي برجل جالس أمامها، أتى به إلى الكنيسة جون ديلوريان (John DeLorean)، كان كاتب خُطب لمُرشَّح رئاسيٍّ جمهوريّ. وبُعيد ذلك نَقَرتْ كتفها امرأةٌ جالسةٌ وراءها، أرادت أن تُعرِّفها بضيف آخر. فهي قد أتَتْ الكنيسة برجُل كان حينذاك كبير كُتَّاب الأغاني لدى مادونا (Madonna). وقد سُرَّت كاثي بوجود ذينك الضيفين كليهما، إلَّا أنَّها تمنَّت ألَّا يلتقي أحدهما الآخر قبل سماع العظة!
ومنذ بضع سنين زار كنيسة الفادي رجُل من ولاية جنوبيَّة في الولايات المتَّحدة. وان قد سمع أنَّنا توسَّعنا في وسط مدينة لادينيَّة شكوكيَّة، رغم تمسُّكنا بالعقيدة المسيحيَّة المستقيمة. وتَوقَّع أن يجد أنَّنا نجتذب الناس بمُوسيقى مُبتكرة، وأجهزة فيديو ومقاطع أفلام، وتمثيليَّات دراميَّة، وخلفيَّات مُشوِّقة بصورة استثنائيَّة، وغير ذلك من المشاهد الجذابة للنَّظر. ولكنْ أدهشه أنْ وجد خدمة بسيطة ومألوفة بَدَت في الظاهر مُماثلة لتلك التي تُقام في موطنه الأكثر مُحافظة. إلَّا أنَّه استطاع أيضًا أن يُلاحظ أنَّ الجمهور ضمَّ أشخاصًا كثيرين ما كانوا ليرتادوا قطعًا الكنائس التي يعرفها. وبعد الخدمة قابلني ثُمَّ قال: “هذا لُغزٌ تام بالنسبة إليَّ. أين الدببة الراقصة؟ أين أساليب التأثير المُبتكرة؟ لماذا احتشد هؤلاء القوم هنا؟”
أحلته على بعض المُشتغلين بالفن في وسط المدينة ممَّن دأبوا في حضور الكنيسة مدَّةً من الزَّمن، فاقترحوا عليه أن ينظر ما دون السَّطح (إلى العمق). وقال أحدهم إنَّ الفرق بين كنيسة الفادي وغيرها جوهريٌّ، وهو يكمُن في “التَّهكُّم اللطيف والمحبَّة والإحسان والتواضع”. وقالوا لقد أعوز كنيسة الفادي اللُّغة الطنَّانة، والمُفرطة في الوجدانيَّة، تلك التي يجدونها ذات تأثير عاطفيٍّ مُصطنَع لدى كنائس أخرى. أمَّا أهل كنيسة الفادي، بدلًا من ذلك كانوا يُخاطبون الآخرين بتهكُّم لطيف. وليس ذلك فقط، بل إنَّ العقائد هنا كانت مُعتنَقة بمحبَّة وإحسان وتواضُع، ممَّا جعل أهل منهاتن يشعرون بأنَّهم مَعنيُّون ومُرّحَّب بهم، حتى لو اختلفوا عن الكنيسة في بعض مُعتقداتها. وقالوا أيضًا إنَّ التعليم والتواصُل في كنيسة الفادي، في المقام الأوَّل، اتَّصفا بالدراية والفطنة والتنبُّه إلى التَّفاوت، مع إبداء الحسَّاسية حيث يكون أناسٌ حسَّاسون.
إنَّ نقاط التَّشديد هذه كلَّها تلقى استحسانًا في منهاتن، ولكنَّ لكلٍّ منها جذورًا عميقة في العقيدة المسيحيَّة التاريخيَّة. فالتَّشديد على التنوُّع العرقيِّ مثلًا مُستَمَدٌّ مُباشرة من الأصحاح الثاني في رسالة بولس الرسول إلى مؤمني أفسُس، حيث يُبيِّن بولس أنَّ التنوُّع العرقيَّ في الكنيسة هو شهادة مهمَّة لحقِّ الرسالة المسيحيَّة. ولنا مَثَل آخر فيما قاله راينهولد نايبُر (Reinhold Niebuhr) إذ أشار أنَّ التَّهكُّم أو السُّخرية حيال رؤية الكائنات البشريَّة تحاول أن تكون مثل الله ولكنَّها تفشل، هي طريقة مسيحيَّة تمامًا في النظر إلى الأمور.[23] ولأنَّ لهذه التوكيدات التكيُّفيَّة كُلِّها جذورًا عميقة في التعليم المسيحي التاريخي، فهي ليسَت مجرَّد تقنيَّات تَرويجيَّة.
لماذا تيسَّر للمسيحيَّة، أكثر من أيَّة ديانة رئيسيَّة اخرى في العالم، أن تتسرب إلى عدد كبير من الحضارات المختلفة جذريًّا؟ هنالك بالطَّبع خلاصة تعاليم جوهريَّة (قانون الإيمان الرسولي، الصلاة الربَّانيَّة، الوصايا العشر) تلتزمُها جميعُ اشكال المسيحيَّة. ولكن ثَمَّة قدرًا كبيرًا من الحرِّيَّة في كيفِّية التَّعبير عن هذه المُطلقات وتشكُّلها داخل حضارة معيَّنة. فالكتاب المقدَّس مثلاً يوجه المسيحيين إلى الاتحاد في ترنيم التسابيح، ولكنَّه لا يُحدِّد الوزن الشِّعري أو الإيقاع، أو مستوى التعبير العاطفي، أو استخدام الآلات الموسيقية – فهذا كله متروك كي يجري التعبير عنه حضاريًا بطُرق شتَّى. وممَّا كتبه المؤرِّخ أندرو وولز (Andrew Walls):
إنَّ التنوُّع الحضاري كمن في صُلب المسيحيَّة… ففي الأصحاح 15 من أعمال الرسل، حيث أعلن أنَّ المسيحييِّن الجددمن أهل الأمم ليسوا مُضطرِّين لأن يدخلوا الحضارة اليهوديَّة. تُرِك للمُهتدين ان يصوغوا طريقة هلِّينيَّة بها يكونون مسيحيِّين. وهكذا، فلا أحد يحتكر الإيمان المسيحيّ ولا توجَدُ “حضارة مسيحيَّة ” بالطريقة التي بها توجَد “حضارة إسلاميَّة ” يمكنك أن تُميزها من باكستان إلى تونس إلى المغرب…[24]
في نصوص من الكتاب المقدَّس مثل إشعياء 60 ورؤيا 21 و22 وصفٌ لعالم مُستقبليٍّ مُجدَّد كامل، فيه نستبقي فوارقنا الحضاريَّة (“كلُّ قبيلة ولسان وشعب وأمة”). وهذا يعني أنَّ كل حضارة بشريَّة فيها (من عند الله) نقاطُ خير وقوَّة جليَّة لإغناء الجنس البشريّ. وكما يُبيِّن وولز، فبينما تشتمل كلُّ حضارة على تحريفات وعناصر لا بدَّ أن تُنقَد وتُراجَع في ضوء الرسالة المسيحيَّة، فإنَّ كلَّ حضارة تتضمَّن أيضًا عناصر خيِّرة وفريدة تَنسجم المسيحيَّة معها وتتكيَّف بمُقتضاها.
فعلى نقيض الرأي الشائع إذًا، ليست المسيحيَّة ديانة غربيَّة تُقوِّض الحضارات المحلِّيَّة، بل هي بالأحرى قد اتَّخذت أشكالًا حضاريَّة شتَّى أكثر من أيَّة ديانة أخرى.[25] وفيها طبقات تَبصُّر عميقة من الحضارات العبريَّة والإغريقيَّة والأوروبيَّة، وفي غضون المئة سنة الآتية سوف تؤثِّر في تشكيلها أيضًا أفريقيا وأمريكا اللاتينيَّة وآسيا. وقد تصير المسيحيَّة بالفعل “أشمل رؤية إلى العالم”[26] إذ إنَّها قد فتحت أبواب قيادتها على مرِّ القرون لأشخاص من كل لسان وقبيلة وشعب وأمَّة.
الحرِّيَّة ليستْ بسيطة
يزعمون أنَّ المسيحيَّة قَيدٌ للنموِّ والإمكانيَّة الشخصيَّين لأنَّها تُقيِّد حرِّيَّتنا في أن نختار مُعتقداتنا وممارساتنا. وقد عرَّف عمانوئيل كانْت (Immanuel Kant) الكائن البشري المُستنير بأنَّه شخص يثق بقدرته الشخصيَّة على التفكير، بدلًا من الوثوق بالسُّلطة أو التقليد.[27] وهذه المقاومة للسُّلطة في المسائل الخُلُقيَّة هي الآن تيَّار عميق في الثقافة الغربيَّة. فإنَّ حرِّيَّة المرء في تحديد معاييره الخُلُقية الخاصَّة تُعدُّ ضرورة كي يكون إنسانًا بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
غير أنَّ هذا إفراط في تبسيط الأمور. فلا يمكنُ تعريف الحرِّيَّة بلغة سلبيَّة تمامًا، باعتبارها غياب الحجز والتقييد. إذ أنَّ الحجز والتقييد بالحقيقة يكونان، في أحوالٍ كثيرة، وسيلة للتَّحرير فعليًّا.
إن كانت لديك مَلَكة موسيقيَّة، فقد تعكفُ كلِّيًّا على الممارسة، فتُمارس عزف البيانو مثلاً دون انقطاع سنين عديدة. وهذا تقييدٌ أو حدٌّ لحرِّيَّتك فثمَّة أمور كثيرة لن تكون قادرًا على القيام بها في الوقت الذي تستثمرُه في الممارسة والتمرُّن. ولكن إذا كانت لك الموهبة، فإنَّ الانضباط والتقييد سيُحرِّران قدرتك التي لولاها لتبدَّدت فعلًا. وماذا فعلت؟ لقد حرمت نفسك عَمْدًا حرِّيَّة الاشتغال ببعض الأمور حتى تُطلق نفسك إلى نوع من الحرِّيَّة أغنى في سبيل إنجاز أمور أخرى.
لا يعني هذا أنَّ التقييد والانضباط والحجز مُحرَّرة تلقائيًّا بصورة جوهريَّة. فإنَّ ذَكَرًا راشدًا وزنه لا يتخطى 60 كيلو غرامًا، مثلًا، لا ينبغي أن يعقد عزمه على أن يصير لاعب هجوم رئيسيًّا في مباريات كُرة القدم الأمريكيَّة. إذ إنَّ كلَّ ما في الدُّنيا من انضباط وجهد لن يعمل إلَّا على تخييبه وسَحْقه (حَرفيًّا!). فهو ينطح صخرة واقع بَدَني، إذ لا يملك مجرَّد الإمكانيَّة. وفي المجتمعات الغربيَّة كثيرون ممَّن بذلوا جهدًا شاقًا فائقًا لامتهان مهَنٍ تعود عليهم بالرَّبح الأوفر بدل ان تكون مناسبة لمَلَكاتهم واهتماماتهم الحقيقيَّة. ولكنَّ مِهَنًا كهذه هي ستراتُ مساجين تُقيِّدُنا وتُجرِّدنا من مزايانا الإنسانيِّة في آخر المطاف.
وهكذا، فإنَّ الضَّوابط والقُيود تُحرِّرنا فقط حين تُلائم حقيقة طبيعتنا وقدراتنا. فلأنَّ السَّمكة تستمد الأكسجين من الماء، لا من الهواء فهي تكون حُرَّة فقط إذا كانت مُحدَّدة ومُقيَّدة بالماء. وإذا وضعناها على العُشب، فإنَّ حرِّيَّتها في الحركة، بل في الحياة أصلًا، لن تُعزَّز، بل تُبدَّد فعلًا. إنَّ السَّمكة تموت إن لم تحترمْ حقيقة طبيعتها!
ففي ميادين كثيرة من الحياة، ليست الحرِّيَّة غياب القيود بقدْر ما هي إيجادُ القيود الصحيحة- القيود المُحرِّرة. وتلك القيود التي تُلائم حقيقة طبيعتنا والعالم تُنتج لقدراتنا طاقةً أكبر ومجالًا أوسع، وفرحًا أعمق وإشباعًا أوفى. ثُمَّ إنَّ التجريب والمُخاطرة وارتكاب الأخطاء تؤتينا نموًّا فقط إنْ بيَّنت لنا، على مرِّ الزَّمن، حدودنا وقُدراتنا على السواء. وما دُمنا لا ننمو فكريًّا ومهنيًّا وبدنيًّا إلَّا بوجود ضوابط مُحكَمة، فلماذا لا تكون الحال على هذا المنوال أيضًا بالنِّسبة إلى النُّموِّ الروحيِّ والخُلُقيّ، فبدلًا من الإصرار على الحرِّيَّة في سبيل إيجاد الحقيقة الروحيَّة، ألا ينبغي أن نكون ساعين إلى اكتشافها وضَبْط نفوسنا للعَيش بمُقتضاها؟
إنَّ المفهوم الشائع – ذاك القائل إنَّ على كلٍّ منَّا أن يُحدِّد مبادَئهُ الأخلاقيَّة الخاصَّة – مؤسَّسٌ على الاعتقاد أنَّ العالم الروحيَّ لا يُشبه في شيء باقي الكون على الإطلاق. هل يعتقد أحدٌ ذلك فعلًا؟ دأبتُ طوال سنين كثيرة، بعدَ كلتا خدمتَي الصباح والمساء كلَّ يوم أحد، في البقاء في قاعة الاجتماعات للإجابة عن الأسئلة الفوريَّة. وكان مئاتٌ من الناس يَبقَون لحضور مناقشات تبادُل الآراء. ومن أكثر العبارات التي سمعتُها تكرارًا: “على كلِّ شخص، رجلًا كان أم امرأة، أن يُحدِّد لنفسه الصواب والخطأ”. وكنتُ دائمًا أردُّ على المتكلِّمين بسؤالهم: “أفي العالم الآن أيُّ شخص يعمل أمورًا تعتقدون أنتم أنَّ عليه أن يكفَّ عن القيام بها مهما كان اعتقاده هو الشخصيُّ بشأن صواب تصرُّفه؟” فكانوا يجيبون على نحوٍ ثابت: “نعم، طبعًا!” ومن ثَمَّ كنتُ أسأل: “ألا يَعني هذا أنَّكم تعتقدون فعلًا أنَّ هنالك نوعًا من الحقيقة الأخلاقيَّة “موجودًا” حقًّا، لم نُحدِّده نحن، إنَّما تنبغي مُراعاتُه بصرف النظر عمَّا يشعر به المرء أو يفتكره؟” ودائمًا على وجه التقريب، كان هذا السؤال يُقابَل بالصّمت، مقرونًا إمَّا بالتفكير العميق وإمَّا بالامتعاض الظاهر.
المحبَّة، الحرِّيَّة القُصوى، هي أكثر تقييدًا
ممَّا قد نظنّ
إذًا، ما الحقيقة الأخلاقيَّة- الروحيَّة التي يجب أن نعترفَ بها لكي نُفلح؟ ما البيئة التي تُحرِّرنا إنْ عهدنا بأنفسنا إليها، كما يُحرِّرُ الماء السَّمكة؟ إنَّها المحبَّة. فالمحبَّة هي فقدان الحرِّيَّة الأكثر تحريرًا على الإطلاق.
من مبادئ المحبَّة- سواءٌ هي محبَّة لصديق أم أنَّها حُبٌّ رومانسيّ-أنَّ عليك أن تفقد الاستقلاليَّة كي تُحرز حَميميَّة أعظم. فإنْ طَلبْت “حُريَّات” المحبَّة- الرِّضى والأمان وما تؤتيه المحبَّة من شعور بالقيمة الذاتيَّة– يجب عليك أن تُقيِّد حُرِّيَّتك بطُرق كثيرة. إذ لا يَسَعُك أن تدخل في علاقة وثيقة، ومع ذلك تُقرِّر قرارات من جانب واحد، أو لا تسمح لصديقك أو لحبيبتك بإبداء أيِّ رأي بشأن الكيفيِّة التي بها تعيش حياتك. فلِكَي تختبر فرح المحبَّة وحرِّيَّتها، يجب عليك أن تتخلَّى عن استقلاليَّتك الشخصيَّة. وقد أحسنت الرِّوائيَّة الفرنسيَّة فرانسواز ساغان (Françoise Sagan) التعبير عن هذا في مقابلة نشرَتها لوموند (Le Monde). فهي أفصحَتْ عن رضاها بالطريقة التي بها عاشَتْ حياتها، ولم تكُن نادمة قطّ:
مُجري المقابلة: إذا كانت لك الحرِّيَّة التي أردتها؟
ساغان: نعم… كنت أقلّ حرِّيَّة على نحو جلي لمَّا كنتُ في علاقة حُبّ بأحدهم… ولكنَّ الإنسان لا يكون واقعًا في الحب كل حين. فبمعزل عن ذلك أنا حُرَّة.[28]
إنَّ ساغان على حقّ. فعلاقة الحبِّ تضع حدودًا لخياراتك الشخصيَّة. وها نحن مرَّة أخرى في مواجهة مفهوم “الحريَّة” المُعقَّد. فالكائنات البشريَّة تكون أكثر حرِّيَّة وحياة في علاقات الحُبّ. ونحن إنَّما نصيرُ أنفُسَنا في المحبَّة، ومع ذلك فإنَّ علاقات الحُبّ السَّليمة تشتمل على الخدمة الَّلاأنانيَّة المُتبادَلة، على فقدان مُتبادَل للاستقلاليَّة. وقد أجاد سي. أس. لِويس التعبير عن هذا الأمر ببلاغته المعهودة:
أحبب أي شيء، فيُعصر قلبُك حتمًا، وربَّما يُكسر. فإنْ أردتَ أن تُبقي قلبك سليمًا من أيّ أذى، فيجبُ عليك ألَّا تُعطيه لأحد، ولا حتّى لحيوان. لفَّه جيَّدًا بالهوايات ووسائل التَّرَف اليسيرة؛ تجنَّب جميع الأشراك، أقفل عليه بإحكام داخل صندوق أنانيَّتك أو تابوتها. ولكنَّه في ذلك الصُّندوق –حيثُ الأمان والظَّلام وسكون الحركة والهواء – سوف يتغيَّر. فهو لن ينكسر، بل يصيرُ غير قابل للانكسار والاختراق والافتداء. إنَّ بديلَ المأساة، أو على الأقل مغامرة المأساة، هو الهلاك.[29]
فليست الحرِّيَّة إذًا غياب القيود والضَّوابط، بل هي إيجادُ الصحيحة منها، تلك التي تُلائم طبيعتنا وتُحرِّرنا.
ولكي تكون علاقة المحبَّة سليمة، يجب حصول فقدانٍ مُتبادَل للاستقلاليَّة. فلا يمكن أن يكون سبيلُ الحُبِّ طريقًا ذا اتِّجاه واحد، بل يجب أن يقول كلا الطَّرفين بعضُهما لبعض: “سوف أعدِّل ذاتي معك. سوف أتغيَّرُ من أجلك. سوف أخدمُك، حتَّى لو عَنَى ذلك تضحيةً من قِبَلي”. فإذا كان جانبٌ واحدٌ فقط يقوم بجميع أفعال التضحيَّة والعطاء، فيما يقوم الجانب الآخر بإصدار الأوامر كلَّها ولا يقوم إلَّا بمًجرَّد الأخذ، تكون هذه العلاقة استغلاليَّة، وتُخمِدُ حياة كلا الطَّرَفين وتُفسدُها.
فللوهلة الأولى إذًا، تبدو العلاقة بالله في جوهرها مُجرِّدةً للإنسان من الإنسانيَّة. ولا بدَّ أن تكون “على طريقة واحدة”، ألا وهي طريقة الله. فإنَّ الله، الكائن الإلهيَّ السماويّ، يملكُ القدرة كلَّها. وعلىَّ انا أن أعدِّل ذاتي مع الله – إذ لا سبيلَ لأنْ يُعدِّل الله ذاته معي ويخدمني.
لئن صحَّ هذا في أشكال أخرى من الدِّين والإيمان بالله، فإنَّه لا يصحُّ في المسيحيَّة. ذلك أنَّ الله، بالطريقة الأكثر جذريَّةً، قد عدَّل ذاته معنا – في تجسُّده وكفَّارته. ففي يسوع المسيح، صار الله كائنًا بشريًا محدودًا، معرَّضًا للألم والموت. وعلى الصليب، أخضعَ ذاته لحالتنا- بوَصفنا خُطاةً- ومات في مكاننا حتَّى يغفر لنا. وبأعمق طريقة على الإطلاق، قال الله لنا، في السيِّد المسيح: “سوف أعدِّلُ ذاتي معكم. سوف أتغيَّر من أجلكم. سوف أخدمكم، حتَّى لو عنى ذلك تضحية من قِبَلي”. ولمَّا كان الله قد فعل هذا من أجلنا، ففي وُسعنا- وينبغي لنا- أن نقول مثل هذا القول له وللآخرين. وقد كتب الرسول بولس أنَّ “محبَّة المسيح تحصرنا” (2 كورنثوس 5: 14).
ذات مرَّة سُئل أحد أصدقاء سي. أس. لِويس: “أهو أمرٌ سهلٌ أن يُحَبَّ الله؟” فأجاب: “هو سهلٌ على الذين يحبُّونه!”[30] وليس في هذا تناقضٌ كما يبدو. فعندما تَغوص في لُجَّة المحبَّة، تُريدُ أن تُسرَّ المحبوب. وأنت لا تنتظرُ حتَّى تطلب الحبيبة منك أن تفعل من أجلها شيئًا ما، بل تُفتِّش بِشَوق وتتعرَّف كلَّ أمر يؤتيها السُّرور. ثُمَّ تأتي به إليها، حتَّى لو كلَّفك مالًا أو مشقَّة بالغة. . فشعورُك هو: “أمنيتُك بالنسبة إلىَّ هي أمر!” ولست تحسب ذلك ثقيل الوطأة عليك أبدًا. من الخارج، قد يقول الأصدقاء المشدوهون لأنفسهم: “لقد جعلَته طوع أمرها في كل شيء”، ولكنْ في الداخل تشعرُ وكأنَّك في السماء.
وبالنِّسبة إلى المؤمن بالسيَّد المسيح، حاله مع يسوع هي على هذا المنوال. ذلك أنَّ محبَّة السيِّد المسيح تحصر المؤمن حقًّا. فما إن تدرك كيف تغيَّرَ السيِّد المسيح من أجلك وبذل نفسه من أجلك، حتَّى لا تعود تخشى أن تتخلَّى عن حرِّيَّتك، ومن ثَمَّ تجد حرِّيَّتك فيه.
* سترةُ المساجين (Straightjacket) هي سترة ذات أكمام طويلة مصنوعةٌ من قماش قويّ، مصمَّمة للسيطرة على مسجونٍ ثائر وذلك بضمِّ ذراعيه باتِّجاه جسمه. وتُستخدم أيضًا في المصحَّات النفسيِّة. ويحمل هذا المصطلح في طيِّاته أيضًا معنى التقييد الفكريّ (الناشر).
[1] M. Scott Peck, The People of the Lie: The Hope for Healing Human Evil (Simon and Schuster, 1983), Chapter 4, p. 168.
يستخدم بك شارلين مثلاً على عدم الصحَّة العقليَّة الذي يكتنفُ شخصًا ليس في حياته ما هو أهمُّ من تلبية الاحتياجات والرغبات الفرديَّة.
“تقتضي الصحَّة العقليَّة أن يُخضع ما هو بشريّ ذاته لشيءٍ أسمى من ذاته. فَلِكَي نتصرَّف بليلقة في هذا العالم، أن نُخضِع أنفسنا لمبدإ من المبادئ يسمو على مل نريده في أيَّة لحظة محدَّدة” صفحة 162
[2] Emma Goldman, “The Failure of Christianity,” first published in 1913, in Golden’s Mother Earth journal. Found at accessed on December 26, 2005.
[3] This is from the famous “Sweet Mystery of Life” statement in the Supreme Court’s Planned Parenthood c. Casey ruling:
في لبِّ الحرَّيَّة حق المرء في تحديد مفهومه الخاص للوجود، ولمعنى الكّون، وسرَّ الحياة البشريَّة.
لاحظْ أنَّ العبارة لا تقول إنَّنا فقط أحرار في “اكتشاق” الحقيقة بأنفسنا، بل بالأحرى في “تحديدها” وتكوينها.
[4] From David Friend and the editors of Life, The Meaning of Life: Reflections in Words and Pictures on Why We Are Here (Little Brown, 1991), p. 33.
[5] Form “Truth and Power,” in Michel Foucault, Power Knowledge: Selected Interviews and Other Writing 1972, ed. Colin Gordon (Pantheon, 1980), p. 131.
[6] C. S. Lewis, The Abolition of Man (Collins, 1978), p. 48.
[7] Emily Eakin, “The Latest Theory Is That Theory Doesn’t Matter,” New York Times, April 19, 2003, and “The Theory of Everything, RIP, “New York Times, October 17, 2004. See also Dinitia Smith, “Cultural Theorists, Start Your Epitaphs,” New York Times, January 3, 2004.
[8] G. K. Chesterton, in Orthodoxy: The Romance of Faith (Doubleday, 1990), pp. 33, 41-42.
[9] For a good summary of the faith-commitments underlying any “liberal democracy” see Michael J. Perry, Under God?, p. 36. See also Stanley Fish’s November 10, 2006, Chronicle of Higher Education article, “The Trouble with Tolerance.”
[10] Alasdair MacIntyre, After Virtue: A Study in Moral Theory, 2nd ed. (University of Notre Dame Press, 1984), and Whose Justice? Which Rationality? (University of Notre Dame Press, 1988).
[11] On this subject there are many good books. Among them are Stephen L. Carter, The Dissent of the Governed (Harvard University Press, 1999), p. 90. See also Alasdair MacIntyre, Whose Justice? Which Rationality? (Duckworth, 1987). Richard John Neuhaus, The Naked Public Square; Religion and Democracy in America 2nd ed. (Eerdmans. 1986) and Wilfred McClay, “Two Kinds of Secularism,” The Wilson Quarterly (Summer 2000). A sophisticated dialogue on this subject can be found in R. Audi and N. Wolterstorff, Religion in the Public Square: The Place of Religious Convictions in Politi cal Debate (Rowman and Little-field, 1997). See Chapter 8 for more on the worldview soil that human rights need in order to grow.
[12] أشار ميشيل فوكو إلى أنَّ تشديد المجتمع الغربيِّ على حقوق الفرد و”احتضان” الأقليَّات والنساء وأمور أخرى يصحبه “تاريخ ظلٍّ” من الحصريَّة والإقصاء. فكيف نحسب أولئك الذين لا يقبلون المفاهيم الغربيَّة المتعلِّقة بحقوق الفرد وخصوصيَّته؟ يُبين فوكو أنَّ أولئك الذين يؤتابون في آراء العصريَّة المتعلقة بالحقوق والمنطق يُوصَمون الآن ليس بأنَّهم “لا أخلاقيون” أو “مُهرطقون” (كما في القرون الوُسطى)، بل بأنَّهم “لا عقلانيُّون” و”غير متمدِّنين”
إذا أردت قراءة خلاصة جيِّدة عن نقد فوكو لما يُدعى “الشُّموليَّة” الغربيَّة، انظر المرجع التالي:
Miroslav Volf, Exchusion and Embrace: A Theological Exploration of Identity, Otherness, and Reconciliation (Abingdon, 1996), pp. 58-64.
[13] “الَّلاحتمية المتطرفة” تتلازم مع نزعة ثابتة نحو الشمول تُسوِّي جميع الحدود المقسَّمة.ولكن، ألا تقوِّض هذه من الداخل فكرة الاشتمال؟ فبلا حدود نكون قادرين على أن نعرف فقط مانحارب ضدِّه، إنَّما ليس مانحارب من أجله.والكفاح الذكيُّ ضد الحصريَّة يقتضي وجود فئاتٍ ومعايير قياسيَّة تمكّننا من التمييز بين الممارسات القمعية وتلك الَّلاقمعيَّة. فالتعبير “لا حدود” يعني أنْ لا السعادة ولا المسرَّة، ولا الحرَّيّة ولا العدالة، يمكن أن تحدَّد”.
Volf, Exclusion and Embrace, p.61.
[14] لنا مثلٌّ واضح في تعليق جري فولول (Jerry Falwell)على ماكتبه بات روبتسون (The 700 Club) في أعقاب هجمات الحادي عشر من أيلول / سبتمبر:
“أعتقد حقًا ان الوثنيين والإجهاضيين ودعاة مساواة المرأة الشاملة، والمثليين، والسحاقيات الذين يحاولون جاهدين أن يجعلوا ذلك نمط حياة بديلاً. إن أولئك الذين حاولوا ان يجعلوا أمريكا لادينية هم مسؤولون. إني أمدُّ سبابتي إلى وجوههم وأقول: “أنتم أسهمتم في حدوث هذا!” إلَّا أَّن الاحتجاجات والاعتراضات الواسعة الانتشار من داخل الكنيسة أرغمت فولول على التَّراجع عن تعليقه في غضون ساعات قليلة .
(See http://archives.cnn.com/ 2001 /US/09/14/Falwell. apology. Last accessed March 5, 2007.)
[15] Lamin Sanneh, Whose Religion Is Christianity? (Eerdmans, 2003), p. 15.
[16] Philip Jenkins, Christendom: The Coming of Global Christianity (Oxford, 2002), p. 56. The Next Christendom: The Coming of Global Christianity (Oxford University Press, 2002), p. 56.
[17] Ibid., p. 70.
[18] David Aikman, Jesus in Beijing: How Christianity Is Transforming China and Changing the Global Balance of power (Regnery, 2003), p. 285.
[19] يعزو لامين سانه هذا إلى “قابلية المسيحية للترجمة “.وإذهو غامبي ومسلم سابق، يفارق بينم المسيحية والاسلام الذي يصر على أن القرآن الحقيقي لايمكن أن يترجم. فلكي يسمع المرء كلمة الله، يجب ان يتعلم العربية.ولكن إيثار لغة واحدة يعني إيثار حضارة واحدة ؛ لأن الكلمات المفتاحية في أية لغة ذات معنى متجذر في تقاليد حضارة معينة وقوالبها الفكرية.بمعجزة يوم الخمسين الذي فيه سمع كل حاضر بشارة الانجيل بلغته القومية.وهكذا، فما من لغة أو حضارة واحدة تتفوق على أية لغة أو حضارة أخرى.وقد ترجم الكتاب المقدس إلى كل لغة وحضارة.
See Lamin Sanneh, “Translatability in Islam and Christianity ,with Special Reference to Africa, ” Translating the Message: The Missionary Impact on Culture (Orbis, 1987),p.211ff.
[20] 20.Lamin Sanneh, Whose Religion is Christianity? (Eerdmans,2003) ,p.43
[21] 21. Ibid., pp. 43-44, 69-70.
[22] Sanneh and Andrew F. Walls do not deny
إن سانه وأندرو أف.ولز لاينكران ان المرسلين المنتمين إلى حضارة معينة (الأوربية مثلاً ) غالباً مايفرضون شكل المسيحية الخاص بحضارتهم على المهتدين الجدد. ولكن حين يقبل المهتدون على قراءة الكتاب المقدس بلغتهم الخاصة، يرون في الكلمة المقدسة أموراً كان المرسلون قد “قللوا من أهميتها” (مثل الرقى والتعويذات)أموراً أخرى كانوا قد “أبرزوها للعيان” بمقتضى منظوراتهم و انحيازاتهم الحضارية الخاصة.
وقد يؤدي هذا إلى ردة فعل مبالغ فيها على شكل الايمان الذي دعا إليه المرسلون وفي الأخير، يتفهم المهتدون حضارتهم وتقاليدهم الخاصة – رافضين اجزاء مناه، ومؤكدين أجزاء أخرى، ومكيفين أجزاء أخرى في ضوء قراءاتهم للأسفار المقدسة.
[23] From R. Niebhur, “Humour and Faith,” The Essential Reinhold Niebhur, R. M. Brown, ed. (Yale University press, 1986), p. 49ff. Quoted in Sommerville, The Decline of the Secular University, p.129.
[24] Andrew F. Walls, “The Expansion of Christianity: An Interview with Andrew Walls,” Christian Century, August 2-9,2000, p.792.
[25] ” المسيحية هي ديانة مايزيد عن ألفي مجموعة لغوية مختلفة في العالم.فالذين يصلون ويعبدون من المسيحيين تفوق لغاتهم عدد أمثالهم من أهل أية ديانة أخرى في العالم…ومن البديهي أن هذه الحقائق المتعلقة بالريادة الحضارية واللغوية تتضارب مع صيت المسيحية بوصفها فعلاً هائلاً من عدم التسامح الحضاري.وقد ادى ذلك إلى عقدة شعور بالذنب عميقة في العالم المسيحي، تبدو جميع البينات المعاكسة له عديمة النفع.ولكن من المهم أن يدفع الناس إلى التغيير؛ لأن المسيحة الناقصة التي يمارسونها الآن هي شطر حضاري بال من شيء أكثر عظمة وجدة.
Sanneh, Whose Religion Is Christianity?, pp. 69-70.
[26] This term come from A. J. Conyers, “Can Postmodernism Be Used as a Template for Christian Theology?” Christian Scholar’s Review 33 (Spring 2004): 3.
[27] Kevin Vanhoozer, “Pilgrim’s Digress: Christian Thinking on and About the post/Modern Way,” in Christianity and the post-modern Turn, ed. Myron B. Penner (Brazos,2005), p. 74.
[28] Quoted in John Stott, The Contemporary Christian (IVP, 1992). The interview’s English translation appeared in the Guardian Weekly, June 23, 1985.
[29] C. S. Lewis, The Four Loves (Harcourt, 1960), p.123.
[30] The unnamed “old author” is quoted in C. S. Lewis, The Four Loves (Harcourt, 1988), p. 140.
هل يحتوي الكتاب المقدس على أساطير؟ وهل نستطيع الوثوق بالكتاب المقدس؟
هل يحتوي الكتاب المقدس على أساطير؟ وهل نستطيع الوثوق بالكتاب المقدس؟
هل يحتوي الكتاب المقدس على أساطير؟ وهل نستطيع الوثوق بالكتاب المقدس؟
قال تشارلز (ْCharles)، وهو مصرفي إستثماري: “أرى أن قسطاً كبيراً من تعليم الكتاب المقدس في دقيق تاريخياً. فلا يمكننا أن نكون على يقين بأن رواية الكتاب المقدس للأحداث هي ما حدث فعلاً”.
وأجابت جاكلين (Jaclyn)، وهي أيضاً تعمل في القطاع المالي: “أنا على يقين بأنك مصيب، يا تشارلز. ولكن مشكلتي الكبرى بشأن الكتاب المقدس هي أنه قديم الطراز ثقافياً. فإن قسطاً كبيراً من تعليم الكتاب المقدس على الصعيد الإجتماعي (عن النساء مثلاً) رجعي إجتماعياً. وهكذا يستحيل أن نقبل الكتاب المقدس بصفته المرجع الكامل ذا السلطان على حد ما يعتبره المسيحيون”.
لما كنت في الجامعة أواخر ستينيات القرن العشرين، درست بعض المقررات حول الكتاب المقدس بوصفه أثراً أدبياً، وواجهت الحكمة السائدة في ذلك الزمان. وقد علم أساتذتي أن أناجيل العهد الجديد نشأت بوصفها الأخبار المتداولة شفهياً في أوساط جماعات كنسية شتى حول البحر الأبيض المتوسط. هذه الأخبار المختصة بيسوع صاغتها تلك الجماعات بحيث تتصدى لأسئلة كل كنيسة وإحتياجاتها المخصوصة. وقد أكد القدة أن يسوع الوارد في تلك الأخبار يؤيد سياسات جماعاتهم ومعتقداتها. بعد ذلك تناقل الأفراد التقاليد الشفهية على مر السنين، وقد طورت بإضافة مواد خرافية شتى. وأخيراً، بعد زمان طويل من وقوع الأحداث الفعلية، أضفي على الأناجيل شكلها المكتوب. وفي ذلك الحين كان شبه مستحيل أن يعرف إلى أية درجة مثلت الأناجيل الأحداث التاريخية الفعلية، هذا إذا كانت قد حوت شيئاً منها.
فمن كان إذاً يسوع الأصلي؟ إرتأى الباحثون الذين قرأت نتاجهم أن “يسوع التاريخي” الحقيقي كان معلم حكمة وعدالة آسراً أثار معارضة ولقي الإعدام. وزعموا أنه بعد موته برزت فرق وآراء مختلفة بين أتباعه بشأن حقيقة هويته. فذهب بعض إلى أنه كائن إلهي وقد قام حقاً من بين الأموات، وآخرون إلى أنه مجرد معلم بشري إستمر حياً على نحو روحي في قلوب تلاميذه. وفي أعقاب صراع على النفوذ، فازت فرقة “يسوع الإلهي” وأوجدت نصوصاً تروج رأيها. ويزعم أنهم قمعوا جميع النصوص البديلة التي ترينا يسوع من نوع آخر وأتلفوها أيضاً. ومؤخراً، برز إلى النور بعض من تلك الآراء البديلة المقموعة بشأن يسوع، مثل إنجيلي توما ويهوذا “الغنوصيين”. وهذا، في زعمهم، يبين أن المسيحية الباكرة كانت كثيرة التنوع في معتقداتها التعليمية.
لو صحت هذه النظرة إلى أصول أسفار العهد الجديد وتطورها، لغيرت جذرياً فهمنا لمضمون المسيحية بحد ذاتها ولمعناها. فمن شأن ذلك أن يعني أن أحداً لا يقدر أن يعرف حقاً ما قاله يسوع وفعله؛ وأن الكتاب المقدس لا يمكن أن يكون هو القاعدة ذات السلطة لحياتنا ومعتقداتنا، ومن شأنه أن يعني أن معظم العقائد المسيحية المأثورة -ألوهية المسيح وكفارته وقيامته- غير صحيحة ومؤسسة على أساطير.
وإذ كنت طالباً، ضعضعني هذا أول الأمر. كيف يمكن أن يكون أولئك العلماء المشهورون كلهم على خطأ؟ ولكني بعد ذلك، عندما قمت بأول بحث مباشر أجريته، فاجأتني قلة البينات الضئيلة جداً بالفعل على هذه التلفيقات التاريخية. ومما شجعني أن البينات على هذه الرؤية الشكوكية غير الحديثة إلى الكتاب المقدس ما تزال تنهار بإطراد طوال الثلاثين سنة الماضية، حتى فيما روجتها وسائل الإعلام العامة من طريق كتب وأفلام على غرار “شفرة دافنشي” (The Da Vinci Code).
وقد كانت آن رايس (Anne Rice) واحدة ممن أذهلهم أن يكتشفوا مدى الضعف الفعلي في دعوى وجود ” يسوع تاريخي” بشري فحسب. وكانت رايس قد غدت مشهورة بصفتها مؤلفة “مقابلة مع مصاص الدماء” (Interview with the Vampire) وآثار أخرى يمكن أن تصنف في خانة “الرعب الشهواني” (Horror-erotica). فبعدما تربت رايس تربية كاثوليكية، فقدت إيمانها في كلية لا دينية، وتزوجت ملحداً، وكتبت بغزارة روايات عن لستات(Lestat)، مصاص الدماء ونجم الروك معاً. وقد صدم عالما الأدب والإعلام لما أعلنت رايس أنها رجعت إلى المسيحية.
ترى، لماذا فعلت آن رايس ذلك؟ في التذليل الذي ختمت به روايتها الجديدة “المسيح الرب: خروجاً من مصر” (Christ the Lord: Out of Egypt)، شرحت أنها سبق أن باشرت دراسة شاملة عن يسوع التاريخي بقراءة آثار “علماء يسوع” في المؤسسات الأكاديمية التي تحظى بأوفر إحترام. وقد كانت فرضيتهم الرئيسية أن وثائق الكتاب المقدس التي لدينا لا يركن إليها تاريخياً. فأذهل رايس مدى ضعف حججهم البالغ.
كانت بعض كتبهم لا تتعدى كونها إفتراضات مكدسة على إفتراضات…. وقد بَلَغوا الإستنتاجات على أساس معطيات قليلة أو معدومة تماماً… فلم يقم أي دليل يؤيد الدعوى القائلة بيسوع لا إلهي دخل أورشليم متعثراً وصلب بطريقة ما… كامل تلك الصورة التي حامت حول الدوائر الليبرالية التي ترددت إليها بصفتي ملحدة على مدى ثلاثين سنة. ولم يقف الأمر عند حد سقوط الدعوى. بل إكتشفت أيضاً في هذا الميدان بعضاً من أسوأ ما قرأته على الإطلاق من علم رديء وشديد التحيز[1].
إن الإيمان المسيحي يقتضي إيماناً بالكتاب المقدس[2]. وهذا حجر عثرة كبير عند كثيرين. فأنا أقابل نيويوركيين كثيرين بعد أن يكونوا قد دعوا إلى إحدى خدمات كنيسة الفادي، حيث يكون الجزء المركزي في كل عظة مؤسساً على نص من الكتاب المقدس. ويفاجأ الزائر العادي، بل أيضاً يصدم، إذ يجدنا مصغين إلى الكتاب المقدس بصورة غاية في الانتباه. ومن شأن كثيرين أن يقولوا إنهم يعرفون أن في الكتاب المقدس قصصاً وأقوالاً عظيمة، لكن “لا يسع المرء أن يأخذها بحرفتيها” اليوم، قاصدين أن الكتاب المقدس لا يركن إليه بكامله؛ لأن بعض أجزائه -أو ربما الكثير منها أو معظمها- غير معقولة علمياً، وغير جديرة بالإعتماد تاريخياً، ورجعية ثقافياً. وقد نظرنا في أولى هذه المسائل -تلك المتعلقة بالعلم والكتاب المقدس- في الفصل السابق. وأما الآن فننظر في المسألتين الأخريين.
“لا يمكننا الإعتماد على الكتاب المقدس تاريخياً”
يسود على نطاق واسع إعتقاد يقول إن الكتاب المقدس هو مجموعة من الأساطير لا يركن إليها تاريخياً. وثمة منتدى علماء يحظى بدعاية قوية، يدعى “سمينار يسوع” (The Jesus Seminar)، أفاد أن نسبة لا تتعدى 20% من أقوال يسوع وأعماله المدونة في الكتاب المقدس يمكن إثباتها تاريخياً[3]. فما ردنا على ذلك؟ إن النظر في الدقة التاريخية المتعلقة بكل جزء من الكتاب المقدس أمر أوسع من نطاق هذا الكتاب. فسنطرح بالأحرى سؤالاً عن مدى إمكانية وثوقنا بالأناجيل -أي سيرة حياة السيد المسيح المدونة من أربعة بشيرين والتي يتضمنها العهد الجديد- من الناحية التاريخية[4]. والمقصود طبعاً هو الأناجيل القانونية (متى ومرقس ولوقا ويوحنا) التي قبلتها الكنيسة في زمن باكر جداً بإعتبارها أصيلة وذات سلطان.
غالباً ما يؤكد أن أناجيل العهد الجديد كتبت بعد حصول الأحداث بسنين كثيرة جداً، بحيث إن أخبار كتابها عن يسوع لا يمكن الركون إليها -لكونها مزخرفة كثيراً، إن لم تكن كلها من نسج الخيال. ويعتقد كثيرون أن الأناجيل القانونية كانت فقط أربعة من عشرات النصوص المتوافرة، وأنها كتبت كي تدعم سلطة الكنيسة الهرمية، في حين أن الباقي (ومن جملته ما يسمى “الأناجيل الغنوصية”) قد قمعت. وقد أضيفت على هذا الإعتقاد مقبولية ظاهرية جديدة لدى الخيال الشعبي بفضل ذلك الكتاب الذي لقي رواجاً كبيراً، أعني به “شفرة دافنشي”. ففي هذه الرواية، يصور يسوع الأصلي معلماً عظيماً، لكن بشرياً على نحو جلي، جعل بعد سنين كثيرة من موته إلهاً مقاماً من بين الأموات، بمسعى من قادة الكنيسة الذين فعلوا ذلك لكي يكسبوا منزلة رفيعة في الأمبراطورية الرومانية[5]. ولكن تتوافر بضعة أسباب وجيهة من أجلها ينبغي إعتبار الأناجيل جديرة بالثقة تاريخياً، لا أساطير[6].
توقيت الأناجيل أبكر من أن يتيح لها أن تكون أساطير.
كتبت الأناجيل القانونية على الأكثر بعد موت السيد المسيح بأربعين إلى ستين سنة[7]. ثم أن رسائل بولس، قد كتبت بعد موت يسوع بخمس عشرة إلى خمس وعشرين سنة فقط، تزودنا بتصميم لجميع الأحداث المذكورة في الأناجيل بشأن حياة يسوع: معجزاته وأقواله وصلبه وقيامته. وهذا يعني أن أخبار الكتاب المقدس عن حياة يسوع كانت متداولة في أثناء حياة المئات ممن كانوا حاضرين عند قيام يسوع بأحداث خدمته. والبشير لوقا يذكر في إنجيله أنه تلقى أخبار حياة السيد المسيح من شهود عيان كانوا ما يزالون أحياء (لوقا 1: 1-4).
في كتاب بارز عنوانه “يسوع وشهود العيان” (Jesus and the Eyewitnesses)، يحشد الكاتب ريتشارد بوكهام (Richard Bauckham) كثيراً من الأدلة التاريخية ليبين أنه في زمن كتابة الأناجيل كان شهود عيان مشهورون كثيرون شهدوا تعاليم يسوع وأحداث حياته ما يزالون على قيد الحياة. وكان هؤلاء قد حفظوا ذلك كله وظلوا يمارسون نشاطهم في حياة الكنائس العلنية طوال أعمارهم، مؤدين دور مصادر تلك الأخبار وضامنين لصدقها. كذلك يورد بوكهام أدلة من داخل الأناجيل ذاتها ليبين أن كتاب الأناجيل سموا مصادرهم من شهود العيان في متن النص لطمأنة القراء إلى صدقية أخبارهم.
مثلاً، يقول مرقس إن الرجل الذي ساعد يسوع في حمل صليبه إلى الجلجثة هو “أبو ألكسندروس وروفس” (مرقس 15:21) فلا داعي لأن يذكر مرقس هذين الإسمين إلا إذا كان القراء يعرفونهما أو يستطيعون الوصول إليهما. وإلى مؤدى ما يقوله مرقس: “إن ألكسندروس وروفس يشهدان لصحة ما أقوله لكم، إن أردتم أن تسألوهما”. كذلك أيضاً يناشد بولس قراءه أن يراجعوا شهود العيان الأحياء إن أرادوا أن يتيقنوا بحقيقة ما يقوله عن أحداث حياة يسوع (1كورنثوس 15: 1-6)[8].
فبولس يشير إلى جمهور من خمس مئة شاهد عيان شاهدوا دفعة واحدة المسيح القائم من الموت حياً. وليس في وسعك أن تكتب ذلك في وثيقة مصممة للقراءة العامة إلا إذا وجد فعلاً شهود عيان أحياء تتوافق شهادتهم ويستطيعون تأييد ما قاله الكاتب. فهذا كله يدحض الفكرة القائلة إن الأناجيل كانت بالأحرى تواريخ شفهية مأخوذة من أفواه شهود عيان حفظوا أقوال يسوع وأعماله بأدق تفاصيلها.
لم يكن مؤيدو يسوع وحدهم ما يزالون أحياء، بل كان ما يزال على قيد الحياة أيضاً كثيرون من المتفرجين وموظفي الدولة والخصوم الذين كانوا فعلاً قد سمعوه يعلم ورأوا أفعاله وشاهدوه يموت. وكان من شأنهم أن يكونوا ذوي إستعداد خاص ليتحدوا أية أخبار ملفقة. ففي سبيل رواية عالية التحوير والحبك والروائي، لابد أن يكون شهود العيان (وأولادهم وحفداؤهم) قد ماتوا جميعاً من مدة طويلة. إذ إن من الواجب أن يكون هؤلاء قد تواروا عن المسرح بحيث لا يستطيعون أن يناقضوا أو يفضحوا كل ما إشتملت عليه الرواية من زخرفة وتزييف. غير أن الأناجيل كتبت في وقت أبكر بكثير من أن يتيح حصول ذلك.
فلو أن يسوع لم يقل الأمور المذكورة في نصوص الأناجيل أو يفعلها، لكان من المستحيل أن ينتشر الإيمان الجديد كما إنتشر فعلاً. وقد كان في وسع بولس أن يؤكد بثقة لأصحاب المناصب أن أحداث حياة يسوع كانت من المعارف الشائعة، إذ قال للملك أغريباس إن شيئاً من تلك الأمور “لم يفعل في زاوية” (أعمال الرسل 26:26). فإن أهل أورشليم كانوا حاضرين هناك، وسط الجموع التي سمعت وشاهدت يسوع. وما كان في وسع وثائق العهد الجديد أن تقول إن يسوع قد صلب، لولا بقاء آلاف من الناس على قيد الحياة من الذين يعرفون حقيقة ذلك. ولو لم تحصل ظهورات من قبل السيد المسيح الحي بعد موته؛ ولم لم يوجد قبر فارغ، ولو أنه ما صرح بتلك التصريحات، ثم زعمت هذه الوثائق العلنية أن ذلك كله قد حدث، لما كانت المسيحية قد نهضت وانطلقت. إذ كان من شأن السامعين إذ ذاك أن يضحكوا إزاء بلك الروايات.
إن الأناجيل القانونية الأربعة كتبت قبل زمن طويل من كتابة المسماة “الأناجيل الغنوصية”. فإنجيل توما، الأشهر بين الوثائق الغنوصية، مترجم عن السريانية، وقد بين العلماء أن التقاليد السريانية فيه يمكن أن ترد إلى تاريخ يناهز السنة 175 ميلادية على الأبكر، أي بعد أكثر من مئة سنة من وضع الأناجيل القانونية قيد الإستعمال الواسع النطاق[9]. وقد كتب آدم غوبنك (Adam Gopnik) في ذا نيويوركر (The New Youker) أن الأناجيل الغنوصية ألفت في زمن متأخر جداً بحيث إنها “لا تشكل تحدياً لإيمان الكنيسة أكثر مما يمكن أن يشكل تحدياً لأساس الديمقراطية الأميركية إكتشاف وثيقة من القرن الثامن عشر في أوهايو تدافع عن الملك جورج”[10]. فرغم كل شيء، إعترف بأناجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا بأنها وثائق ذات سلطان كتبها شهود عيان في الحال تقريباً، وهكذا فإن لدينا إيرينايوس أسقف ليون (Irenaeus of Lyons) في السنة 160 ميلادية معلناً أنه لم توجد إلا أناجيل أربعة، أربعة فقط. فالفكرة الواسعة الإنتشار، والتي روجتها رواية “شفرة دافنشي”، تلك القائلة إن الإمبراطور قسطنطين حدد كتاب العهد الجديد القانوني، نابذاً الأناجيل الغنوصية الأقدم عهداً والمزعوم أنها أكثر أصالة، هي فكرة غير صحيحة فعلاً[11].
وفي ما خص رواية “شفرة دافنشي”، يعلم الجميع أن حبكة الكتاب والفيلم خيالية، غير أن كثيرين يحسبون أن الخلفية التاريخية التي يدعيها المؤلف، دان براون (Dan Brown)، صحيحة. فهذا الكتاب الذي لقي رواجاً كبيراً جداً يصور قسطنطين سنة 325 ميلادية مصدراً مرسوماً ينص على ألوهية يسوع، وطامساً جميع الأدلة على أنه كان مجرد معلم بشري. ولكن حتى في وثيقة كرسالة بولس إلى مؤمني فيلبي، وجميع المؤرخين يرجعون كتابتها إلى زمن لا يتعدى عشرين سنة بعد موت السيد المسيح، نرى أن المسيحيين كانوا يتعبدون للرب يسوع بصفته الله (فيليبي2). فإن الإيمان بألوهية السيد المسيح كان جزءاً من الحركة الناشطة منذ البداية في نمو الكنيسة أول عهدها وإليك تعليق أحد المؤرخين:
يزعم دان براون إن الإمبراطور قسطنطين فرض تفسيراً جديداً تماماً على المسيحية في مجمع نيقية سنة 325 ميلادية. وذلك بأن شرع الإيمان بألوهية المسيح وأخمد كل دليل على بشريته. فمن شأن هذا أن يعني أن المسيحية فازت في المنافسة الدينية في الأمبراطورية الرومانية بممارسة للسلطة لا بأية جاذبية أحرزتها. ولكن حسب الحقيقة التاريخية الوقعة، كانت الكنيسة قد فازت في المباراة قبل ذلك الزمن بمدة طويلة. أي قبل حيازتها أي نفوذ، حين كانت ما تزال تحت الإضطهاد المتقطع. ولو جاز للمؤرخ أن يلجأ إلى السخرية، لقلت إن قسطنطين إختار المسيحية لأنها كانت قد فازت أصلاً ولأنه أراد أن يؤيد فائزاً[12].
محتوى الأناجيل معيق جداً للإنتاج حتى تعد أساطير.
إن النظرية الدارجة لدى كثيرين اليوم هي أن الأناجيل كتبها قادة الكنيسة أول عهدها كي يروجوا سياساتهم ويعززوا سلطتهم ويبنوا حركتهم.
ولو صحت هذه النظرة الشائعة، لتوقعنا أن نرى في الأناجيل مواضع كثيرة فيها يؤيد السيد المسيح بعض الآراء في النقاشات التي كانت جارية في الكنيسة أول عهدها. فتلك هي الطريقة التي يزعم الزاعمون أنه بها صاغ القادة المسيحيون الأناجيل بحيث تساند فرقتهم. غير أننا لا نجد ذلك. فنحن نعرف مثلاً أن واحدة من المجادلات الكبيرة التي دارت داخل الكنيسة في أبكر عهودها كانت أن قوماً إعتقدوا أن على المسيحيين الأممي الأصل أن يختتنوا. وفي ضوء ذلك النزاع الشديد، فإن ما يلفت النظر هنا هو أن السيد المسيح لا يقول أي شيء عن الختان في نصوص الأناجيل. فالسبب الأرجح لسكوته في موضوع الختان هو أن الكنيسة الباكرة لم تشعر بأنها حرة في أن تنسج الأمور وتضع في فم السيد المسيح كلاماً لم يقله.
فلماذا كان من شأن القادة في الحركة المسيحية الباكرة أن يلفقوا قصة الصلب لو لم تحدث فعلاً؟ إن أي مستمع للإنجيل في الحضارة اليونانية أو اليهودية كان من شأنه أن يشتبه في الحال بأن أي شخص يصلب هو مجرم، مهما قال المتكلم خلاف ذلك. ولماذا يعمد أي مسيحي إلى إختلاق خبر طلب السيد المسيح من الله في بستان جثسيماني أن يعفى من مهمته إن أمكن؟ أو لماذا يُلَفَّق أصلاً ذلك الجزء الذي فيه يصرخ يسوع من على الصليب معبراً عن ترك الله له؟ إن هذه الأمور ما كانت إلا لتثير الإستياء أو الإرتباك الشديد لدى الذين كان يرجى إهتداؤهم إلى الإيمان المسيحي في القرن الأول. فقد كان من شأن أولئك أن يستنتجوا أن يسوع كان ضعيفاً وخاذلاً لإلهه. ولماذا تخترع نساء ليكن أول شهود للقيامة في مجتمع أحلت النساء فيه في مرتبة وضيعة بحيث لم تكن شهادتهن تعد بينة مقبولة في المحكمة؟[13] كان أكثر معنى وشأناً بكثير (لو كانت القصة ملفقة تلفيقاً) أن يجعل ذكور من أعمدة المجتمع حاضرين بصفة شهود عند خروج السيد المسيح حياً من القبر. فالسبب الوحيد المقبول منطقياً لتضمين هذه الأحداث كلها في هذه الوثائق هو أنها حصلت فعلاً.
ثم لماذا أيضاً يصور الرسل -وهم قادة الكنيسة الباكرة في نهاية المطاف- أخساء وحسودين أغلب الأحيان، ومتبلدي الذهن على نحو غير معقول تقريباً، وفي الأخير جبناء خذلوا معلمهم إما فعلاً وإما إهمالاً؟ إن ريتشارد بوكهام يورد حججاً مماثلة بشأن تصوير إنكار بطرس ليسوع، حتى إلى حد إستنزاله لعنة على معلمة (مرقس 14: 71). فلماذا يلجأ أي شخص في الكنيسة أول عهدها إلى إبراز سقطات قادتها المتقدمين؟ ما كان أحد ليختلق قصة كهذه. وحتى رغم كونها صحيحة -حسبما يعلل بوكهام- ما كان أحد سوى بطرس نفسه ليجرؤ على الإخبار بها إلا إذا كان بطرس هو مصدرها وقد سمح بحفظها ونشرها[14].
وهنا أيضاً تورنا مقارنة “بالأناجيل الغنوصية”. فإن إنجيل توما ووثائق مشابهة تعبر عن فلسفة تدعى “الغنوصية” (الأدرية) تصور العالم المادي مكاناً شريراً مظلماً يجب إنقاذ أرواحنا منه بالإستنارة السرية، أو الباطنية، المدعو “غنوسز” (Gnosis). هذه الفلسفة تتلاءم جيداً جداً مع الرؤية إلى الكون عند اليونانيين والرومانيين، ولكنها تختلف كلياً عن تلك التي كانت سائدة في العالم اليهودي الذي كان السيد المسيح جزءاً منه في القرن الأول[15]. وهكذا، فعلى نقيض ما ورد في “شفرة دافنشي” وروايات مماثلة، ليست الأناجيل القانونية هي التي “تملقت السلطات القائمة” في العالم القديم، بل هي النصوص الغنوصية الي فعلت ذلك. وقد كانت الأناجيل القانونية، بنظرتها الإيجابية إلى الخليقة المادية وبتركيزها على الفقراء والمسحوقين، هي التي إنتهكت الآراء السائدة في العالم اليوناني -الروماني. فإن الأناجيل القانونية لا تقتصر فقط على تزويدنا بصورة لهوية يسوع الأصلي الحقيقية جديرة جداً بالتصديق تاريخياً، بل إنها أيضاً تتحدى بجسارة الرؤية الكونية لدى قرائها اليونانيين والرومانيين.
شكل الأناجيل الأدبي أكثر تفصيلاً من أن تكون أساطير.
كان سي. إس. لويس ناقداً أدبياً من الطراز الأول. وعند قراءته الأناجيل كتب معلقاً:
ما زلت أقرأ القصائد والحكايات الرومانسية والأدب الخيالي والأساطير. فأنا أعرف حقيقة هذه كلها، وأعلم أن أي فن منها ليس مثل نص الأناجيل. فبالنسبة إلى هذا النص ثمة رأيان محتملان لا ثالث لهما. إنه إما تقرير دقيق عما جرى، وإما أن كاتباً قديماً مجهولاً، لا يعرف أسلافه ولا أخلافه، إستبق فجأة كامل تقنية السرد الواقعي الروائي العصري[16].
لقد قصد لويس أن الأدب القصصي القديم لم يكن يشبه نظيره الحديث في شيء. فالفن القصصي الحديث يتوخى الواقعية، إذ يحوي تفاصيل دقيقة وحواراً، حتى ليحسبه القارئ رواية شاهد عيان. غير أن هذا النوع من الأدب القصصي لم ينشأ إلى في آخر ثلاث مئة سنة. ففي الأزمنة القديمة، كانت حكايات المغامرات، أو الملاحم، أو الأساطير، عالية ونائية، إذ كانت التفاصيل نادرة ولم يؤت بها إلا إذا أسهمت في تظهير الشخصيات أو دفعت الحبكة قدماً. ولهذا، فإذا قرأت “الإلياذة” (The Iliad) أو بيولف (Beowulf)* مثلاً، لا ترى أشخاص الملحمة يلاحظون المطر أو يستلمون للنوم متنهدين. أما في الروايات الحديثة، فإن التفاصيل تضاف لإضفاء هالة من الواقعية، ولكن الحال لم تكن على هذا المنوال في الأدب القصصي القديم.
إن نصوص الأناجيل ليست قصصاً من نسج الخيال. ففي الأصحاح الرابع من إنجيل مرقس نفاد أن يسوع كان نائماً على وسادة في مؤخر سفينة. وفي الأصحاح الحادي والعشرين من إنجيل يوحنا نقرأ أن بطرس كان بعد نحو مئتي ذراع في مياه البحيرة لما رأى يسوع على الشاطئ، ثم ألقى نفسه في الماء، وجذب مع رفقائه شبكة فيها 153 سمكة كبيرة. وفي الفصل الثامن من إنجيل يوحنا، فيما كان السيد المسيح يستمع إلى الرجال الذين جاءوا إليه بإمرأة أمسكت وهي تزني، يقال لنا إنه إنحنى وأخذ يكتب بإصبعه على الأرض. لا نفاد ماذا كتب ولماذا فعل ذلك. وليس لشيء من هذه التفاصيل كلها أية صلة بالحبكة أو تظهير الشخصيات. فلو كنا، أنا أو أنت، نؤلف قصة مؤثرة عن يسوع، لضمناها ملاحظات من هذا النوع فقك لكي نضفي عليها مسحة من الواقعية. غير أن نوعاً كهذا من الكتابة القصصية لم يكن معروفاً في القرن الأول. فالتعليل الوحيد لذكر كاتب قديم الوسادة، وال 153 سمكة، والكتابة بالإصبع على الأرض، هو لأن التفاصيل كانت راسخة في ذاكرة كل شاهد من شهود العيان.
لقد جمع ريتشارد بوكهام قسطاً كبيراً من البحوث التي أجراها علماء نفسيون حول علامات الذاكرة الإسترجاعية**. وهو يتأمل علامات أخبار شهود العيان عن الأحداث، وكيفية إختلافها عن أخبار الحذر والتخمين والتخيل، أو عن الروايات التاريخية المصوغة من جديد. فالذاكرة الاسترجاعية إنتقائية؛ إذ إنها تركز على الأحداث الفريدة والمترابطة منطقياً، وتستبقي التفاصيل التي لا صلة لها بالموضوع (كما لاحظ سي. إس. لويس)، وتقف في نقطة إستشراف شخص شارك في الحدث لا راو عالم بكل شيء، وتنم عن أمارات (علامات) التلاوة المتكررة[17]. ثم يظهر بوكهام جميع هذه العلامات في نصوص الأناجيل. فالأحدث الحية والمهمة يمكن أن تبقى حاضرة لديك طيلة عقود، إن تليت و/أو سردت من جديد. ومن عوامل الواقعية الفعلية أن التلاميذ في العالم القديم كان مطلوباً منهم أن يحفظنا تعاليم معلميهم، أن كثيراً من تصريحات السيد المسيح معروض في شكل مصمم للحفظ فعلاً، بحيث يتوافر لك كل سبب يدعو إلى تصديق الأخبار.
كذلك يلتفت بوكهام أيضاً إلى الأنثروبولوجيا (علم الأجناس البشرية) لتقديم الدليل على أن كتبة الأناجيل لم يشعروا بأنهم أحرار في أن يزخرفوا أو يؤلفوا الكلام أو الأحداث في سيرة حياة السيد المسيح. وقد إفترض علماء النقد منذ أوائل القرن العشرين أن المسيحين الأولين كان من شأنهم أن يستخدموا عملية مرنة نسبياً لنقل أساطير شعبية شائعة، حاسبين أنفسهم أحراراً في تغيير حكايات الماضي بحيث توافق واقعهم وأوضاعهم الحاضرة. غير أن بوكهام يستشهد بدراسة يان فانسينا (Jan Vansina) للتقاليد الشفهية في الحضارات الأفريقية البدائية، حيث أمكن التميز بين الأساطير الخيالية بدقة. وقد قوض هذا الإكتشاف مئة سنة من جهد علماء نقد الأناجيل.
إن علماء الأناجيل، منذ نقاد الشكل (Form critics) فما بعد، إعتقدوا أن المسيحين الأولين، في تناقلهم للتقاليد المختصة بيسوع، ما كانوا قط ليميزوا بين ماضي الزمان في تاريخ يسوع وحاضرهم هم، لن المجتمعات القائمة على المشافهة لا تجري تمييزات من هذا النوع. ولكن هذا الإعتقاد خاطئ[18].
وبينما أكتب هذه السطور اليوم، يبدو أن هنالك سيلاً مما سماه ديفيد فان بيما (David Van Biema) في “مجلة تايم” (Time Magazine) “حركة تعديل الكتاب المقدس” (Biblical Revisionism) على خطى دان براون و “شفرة دافنشي”. ويشير فان بيما إلى الزعم الحديث العهد بأنه قد عثر على قبر يسوع، وأنه تزوج مريم المجدلية وأنجب أولاداً. وقد نشر علماء آخرون كتباً تحوي مزاعم تبصرات جديدة مماثلة من الأناجيل الغنوصية. ويبدو أن المزيد سيظهر حتماً. ويستشهد فان بيما بما يقوله لن غارت (Lynn Garrett)، كبير محرري الشؤون الدينية في ببلشر ويكلي (Publisher Weekly)، إذ يتحدث بما دعاه “تأثير شفرة دافنشي”: “وجدت تواريخ حدسية قبل كتابة دان براون لهذه الرواية. غير أنها لم تحرز رواجاً نادراً، ولم يشغل مؤلفوها البرامج الثقافية اليومية”[19].
إن هذه التواريخ التعديلية كلها تتجاهل كليا المجموعة المتعاظمة من الدراسات العلمية الدقيقة التي تبين أن عددا كبيراً من شهود العيان لحياة السيد المسيح ظل على قيد الحياة سنين كثيرة. وكما علق العالم البريطاني فنسنت تايلر (Vincent Taylor) في قول مشهور له، فإنه لو أن الشكوكيين كانوا على حق في موقفهم من الكتاب المقدس “لكان واجباً نقل التلاميذ إلى السماء بعيد قيامة السيد المسيح”[20]. إذ إن تلك هي الطريقة الوحيدة التي بها كان يتيسر إقحام العناصر الأسطورية في قصة يسوع قبل زمن كتابة الأناجيل -غير أن ذلك لم يحدث. وهكذا، فمن دواعي السخرية أنه بينما تروج وسائل الإعلام الشعبية في الغرب أخباراً عن سيرة يسوع مؤسسة على مساعي علماء بالكتاب المقدس، شكوكيين إلى حدود قصوى نشطوا قبل قرن من الزمان، فإن أساسات تلك المساعي تتآكل وتتداعى سريعاً[21].
“لا نستطيع أن نثق بالكتاب المقدس حضارياً”.
لما جئت إلى مدينة نيويورك للمرة الأولى، قبل نحو عشرين سنة، كان الأشكال الرئيسي الذي أربك الكثيرين بشأن الكتاب المقدس ينحصر في الميدانين اللذين نظرنا فيهما تواً، وأعني العلم والتاريخ. ولكن الأمور اليوم قد تغيرت إلى حد ما. إذ أجد أناساً أكثر الآن منزعجين خصوصاً مما يسمونه “تعليم الكتاب المقدس العتيق الطراز والرجعي”. فهو يبدو مؤيداً للعبودية وإستعباد المرأة. ومواقف من هذا النوع تبدو مهينة جداً في نظر المعاصرين بحيث يستصعبون أن يقبلوا أية أجزاء أخرى من رسالة الكتاب المقدس.
في أوائل عهدي بكنيسة الفادي، قضيت كثيراً من الوقت مع أشخاص كانوا يقرأون الكتاب المقدس للمرة الأولى. ومن جراء ذلك وجدت نفسي دائماً أجاوب أشخاصاً يكادون يختنقون بآية معينة يتعذر هضمها. وأذكر فناناً شاباً مرتدياً ثياباً سوداء تقدم إلى بعد إحدى الخدمات، وقد إكتشف تواً الآية القائلة “أيها العبيد، أطيعوا سادتكم” (أفسس 6: 5 وما يلي)، فكاد يصاب بسكتة دماغية. وإليك الطريقة التي بها نصحته، هو وسواه، كيف ينظر إلى آية من الكتاب تثير عندهم الإعتراض أو الإمتعاض.
يكتفي كثيرون بأن ينفروا غريزياً من أي تفكير في الكتاب المقدس حالما يصادفون فيه آيات كهذه. فأشير عليهم أن يتمهلوا بالأحرى ويمتحنوا بضع وجهات نظر مختلفة تتناول المسائل التي تزعجهم. وبتلك الطريقة يستطيعون أن يتابعوا قراءة الكتاب المقدس ويتعلموا ويستفيدوا منه، رغم إستمرارهم في الصراع مع بعض المفاهيم التي يتضمنها.
فمن الإحتمالات التي ألح عليهم أن يفكروا فيها أن المقطع الذي يقلقهم ربما لا يعلم ما يبدوا لهم أنه يعلمه. وكثير من النصوص التي يجدها الناس مهينة يمكن أن يجلى غموضها بالرجوع إلى تفسير محترم يضع المسألة في سياقها التاريخي. خذ مثلاً الآية “أيها العبيد، أطيعوا سادتكم”. فالقارئ العادي اليوم يفكر حالاً، وعلى نحو معقول، في تجارة العبيد الأفارقة التي كانت رائجة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أو في المتاجرة بالبشر والإسترقاق الجنسي كما هي جارية في أماكن كثيرة اليوم. ومن ثم يفسر القارئ مثل هذا النص على أنه يعلم أن إستعباد كهذا مسموع به، بل مرغوب فيه.
هذا مثل ممتاز على تجاهل المسافة الحضارية والتاريخية بيننا وبين كاتب النص الأصل وقرائه. ففي الإمبراطورية الرومانية، أثناء القرن الأول، لما كتبت أسفار العهد الجديد، لم يكن بين العبيد والحر متوسط الحال فرق كبير. ولم يكن ممكناً تمييز العبيد من الآخرين بواسطة العرق أو اللغة أو اللباس. فقد كانت هيئتهم وعيشتهم على غرار أي شخص آخر تقريباً، ولم يكونوا معزولين عن باقي المجتمع بأية طريقة. ومن وجهة نظر إقتصادية، كان العبيد يكسبون مثل أجرة العمال الأحرار، لذلك لم يكونوا فقراء عادةً. كذلك كان في وسع العبيد أيضاً أن يجمعوا مالاً شخصياً كافياً يمكنهم من شراء حريتهم. وأهم كل شيء أن عبيداً قليلين جداً كانوا عبيداً مدى حياتهم. إذ كان في وسع معظمهم أن يرجوا إعتاقهم في غضون عشر سنين أو خمس عشرة سنة، أو في أواخر ثلاثينياتهم كحد أقصى[22].
وعلى نقيض ذلك، كان الإسترقاق في “العالم الجديد” أكثر وحشية بكثير على نحو منهجي ومتجانس. فقد كان عبودية “إستملاك”، فيها كان شخص العبد بمجمله ملكاً منقولاً لسيده، حيث كان ممكناً أن العبد -ذكراً كان أم أنثى- يغتصب أو يشوه أو يقتل وفقاً لإرادة مالكه. أما في خادمية الإسترقاق أو التعاقد القديمة، فقد كان السيد يملك فقط إنتاجية العبيد، أي وقتهم ومهاراتهم، وذلك إلى أجل معين فحسب. غير أن الإسترقاق الأفريقي كان مؤسساً على العرق، وكان أسلوبه المعيب الإستعباد مدى الحياة. ثم إن المتاجرة بالعبيد الأفارقة أيضاً كانت تباشر وتمون بواسطة خطف الناس. والكتاب المقدس يدين بلا تحفظ خطف الناس والإتجار بالعبيد (1تيموثاوس 1: 9 -11؛ راجع تثنية 24: 7). ولذلك، فبينما لم يشن المسيحيون المبكرون حملة لإبطال الإسترقاق في القرن الأول نهائياً، فعل المسيحيون المتأخرون ذلك لما واجههم إسترقاق “العالم الجديد”، ذاك الذي لا يمكن أن يجعل بأية طريقة موافقاً لتعليم الكتاب المقدس[23].
إن بعض مقاطع الكتاب المقدس ربما لا تعلم ما يبدو أنها تعلمه للوهلة الأولى. ولكن بعض الناس قد درسوا بالتدقيق نصوصاً مخصوصة من الكتاب وباتوا يفهمون ما تعلمه، ومع ذلك ما يزالون يجدونها مهينة ورجعية. فماذا ينبغي أن يفعلوا إذاَ؟
إني أناشد الناس أن يفكروا في أن مشكلتهم بشأن بعض النصوص قد تكون مؤسسة على إعتقاد غير مدروس بتفوق لحظتهم التاريخية على جميع ما عداها. فيجب علينا إلا نعمم زماننا كما لا ينبغي أن نعمم حضارتنا. فكر في مدلول اللفظة “رجعي” بحد ذاتها. فإن ترفض الكتاب المقدس بإعتباره رجعياً هو أن تفترض أنك الآن قد بلغت اللحظة التاريخية القصوى التي منها يمكن تمييز كل ما هو رجعي وتقدمي. وهذا الإعتقاد يقيناً ضيق الأفق وحصري مثل وجهات النظر التي تعدها مهينة في الكتاب المقدس.
تأمل آراء الشعب البريطاني المعاصر، وكيف تختلف عن آراء أجدادهم الأنغلوسكسونيين قبل ألف سنة. وتصور أن هؤلاء وأولئك جميعاً يقرأون الكتاب المقدس ويصلون إلى الأصحاح الرابع عشر من إنجيل مرقس. فأولاً يقرأون تصريحات يسوع بأنه إبن الأنسان الذي سيأتي مع الملائكة في آخر الزمان لكي يدين العالم كله بحسب بره (الآية 62). وبعد ذلك يقرأون عن بطرس، الشجاع بين الرسل، إذ ينكر سيده ثلاث مرات، وأخيراً يلعنه لكي ينجو بحياته (الآية 71). غير أن بطرس في ما بعد يسامح ويرد إلى القيادة (مرقس 16 :7؛ يوحنا 21 :15 وما يلي). فإن الخبر الأول يجعل الشعب البريطاني المعاصر يرتعد، إذ يبدو فائق الحسمية والحصرية. غير أنهم سيعجبون بالخبر الذي يصف كيف يمكن حتى لبطرس أن يرد ويسامح. أما الأنغلوسكسونيون فلن يزعجهم الخبر الأول أبداً. فهم يعرفون جيداً يوم الحساب، ويسرهم أن يعرفوا مزيداً من المعلومات عنه! غير أنهم سيصدمون حيال الخبر الثاني، ففي رأيهم أن عدم الوفاء والخيانة على مستوى ما فعله بطرس يجب ألا يغتفرا البتة. إنه لا يستحق أن يظل حياً، ناهيك بأن يصير الرسول المقدم. ولسوف يروعهم ذلك جداً بحيث يرغبون في إلقاء الكتاب المقدس وعدم قراءة المزيد منه.
إننا بالطبع نفكر في الأنغلوسكسيين بإعتبارهم قوماً بدائيين، ولكن يوماً ما سيفكر آخرون فينا، وفي آراء حضارتنا السائدة، بإعتبارنا بدائيين. فكيف يمكن أن نستخدم مقياس زماننا بشأن ما هو “تقدمي” بصفته المعيار الذي بموجبه نقرر أية أجزاء من الكتاب المقدس صحيحة وأية غير صحيحة؟ إن كثيراً من معتقدات أجدادنا وآبائهم يبدو الآن تافهاً، بل مخيباً أيضاً، بالنسبة إلينا. وهذه العملية لن تتوقف الآن. فإن حفداءنا سيحسبون قسماً كبيراً من آرائنا عتيق الزي أيضاً. أفلا يكون أمراً مأساوياً إذا رمينا الكتاب المقدس بعيداً بسبب مفهوم سيبدو بعد حين ضعيفاً أو خاطئاً إلى حد ما؟ فإن تبقى بعيداً عن الأيمان المسيحي لأن جزءاً من تعليم الكتاب المقدس ينفرك هو أمر ينطوي على هذا الإفتراض: إذا كان الله موجوداً، فلن تكون لديه أية آراء تغيظك. أفهذا الإعتقاد معقول؟
لدي نصيحة صغيرة بعد للأشخاص الذين يخوضون صراعاً مع بعض من تعاليم الكتاب المقدس. ينبغي أن نحرص على التمييز بين مواضيع الكتاب المقدس الرئيسية ورسالته الأساسية وبين تعاليمه الأقل أهمية. إن الكتاب المقدس يتكلم عن شخص السيد المسيح وعمله، وأيضاً عن الطريقة التي بها ينبغي أن تكرم الأرامل في الكنيسة. فأول هذين الموضوعين أكثر أساسية بكثير. ولولاه ما كان للتعاليم الإضافية معنى. لذلك ينبغي أن نأخذ في الحسبان تعاليم الكتاب المقدس بحسب ترتيبها الصحيح.
ولنأخذ مسألة حامية اليوم مثلاً جيداً. فإن قلت: “لا أستطيع أن أقبل ما يقوله الكتاب المقدس عن دور كل من الجنسين”، يجب أن يبقى ماثلاً في ذهنك أن المسيحين أنفسهم يختلفون بشأن ما تعنيه بعض الآيات أو المقاطع، كما يختلفون بشأن أمور أخرى كثيرة جداً. غير أنهم جميعاً، بكلمات قانون الإيمان الرسولي، يعترفون بأن يسوع المسيح قد قام من بين الأموات في اليوم الثالث. فلا تقلق بشأن دوري الجنسين قبل أن تقرر ما تعتقده بشأن تعاليم الإيمان الأساسية.
غير أنك قد تستأنف: “ولكني لا أستطيع أن أقبل الكتاب المقدس إذ إن ما يقوله عن الجنسين قديم الطراز”. فأنا أرد على هذا بالسؤال التالي: أأنت قائل إن السيد المسيح لا يمكن أن يكون قد قام من بين الأموات لأن ما يقوله الكتاب المقدس عن الجنس لا يروقك؟ وأنا على يقين بأنك ما كنت لتصر على مثل هذا التعليل غير المنطقي. فإن كان يسوع هو إبن الله، نضطر عندئذ إلى أخذ تعليمه على محمل الجد، بما في ذلك ثقته بسلطان الكتاب المقدس. وإن لم يكن يسوع من قال عن نفسه إنه هو، فلماذا ينبغي أن يعنينا ما يقوله الكتاب المقدس بشأن أي أمر آخر؟
فكر في الأمر على هذا النحو. إن غطست في الطرف الضحل من بركة الكتاب المقدس، حيث تقوم مجادلات كثيرة حول التفسير، يمكن أن يصيبك ضرر. ولكن إذا غطست في قلب بركة الكتاب – حيث يقوم إجماع على ألوهية السيد المسيح وموته وقيامته- تكون في أمان. فمن المهم إذاً أن تنظر بعين الإعتبار إلى تصريحات الكتاب المقدس الرئيسية بشأن هوية السيد المسيح وقيامته من بين الأموات قبل أن ترفض الكتاب بسبب تعاليم أقل أهمية وأكثر إثارة للجدل.
كتاب مقدس جدير بالثقة أم إله من “ستبفورد” (Stepford)؟
إذا أتحنا لمعتقداتنا غير المدروسة أن تقوض ثقتنا بالكتاب المقدس، فقد يكون ثمن ذلك أكبر مما نظن.
فإن لم تكن لك ثقة بالكتاب المقدس كافية لأن تدعه يتحدى تفكيرك ويصححه، فكيف يمكنك أصلاً أن تحوز علاقة شخصية بالله؟ إذ إنه في أية علاقة شخصية بحق، ينبغي أن يكون الشخص الآخر قادراً على مناقضتك. مثلاً، إذا كان غير مسموح للزوجة بأن تتعارض مع زوجها، فلن تكون لهما علاقة حميمة. أتذكر الفيلمين*** زوجات ستبفورد (The Stepford Wives)؟ فإن أزواج ستبفورد، بمنطقة كنكتكت (Connecticut)يقررون أن تحول زوجاتهم إلى ربوتات (نساء آليات) لا يخالفن أبداً إرادات أزواجهن. وكانت الزوجة الاستبفوردية مذعنة وجميلة بصورة رائعة، ولكن أحداً لا يستطيع أن يصف زواجاً كهذا بأنه حميم أو شخصي.
والآن، ماذا يجري إن أسقطت من الكتاب المقدس أي شيء يتحدى إدراكك ويخالف إرادتك؟ إذا إنتقيت واخترت ما تريد أن تؤمن به ورفضت الباقي، فكيف يكون لديك إله يمكن أن يناقضك؟ لن يكون لك إله كهذا، بل سيكون لك إله من ستبفورد! إله من صنع يدك على نحو جوهري، وليس إلهاً تستطيع أن تحوز علاقة به وتفاعلاً أصيلاً معه. فإذا كان إلهك يستطيع أن يقول أشياء تغضبك وتجعلك تخوض صراعاً (كما في صداقة أو زيجة حقيقية!)، فعندئذ فقط تكون قد تمسكت بإله حقيقي، لا إله من نسج خيالك. وهكذا، فإن كتاباً مقدساً ذا سلطان حاسم ليس عدواً لعلاقة شخصية بالله، بل هو شرط مسبق لها.
[1] Quoted in a Review of Christ the Lord: Out of Egypt by George Sim Johnston in the Wall Street Journal, November 12-13,2005.
[2] مثلاً الحجة المشهورة بشأن لاهوت المسيح –”كذاب أم مخبل أم رب؟”-لا تقوم إلا إذا أمكن إثبات كون السيد المسيح صرح فعلاً بأنه ذو طبيعة إلهية.
وقد عبر سي. أس. لويس عن هذه الحجة بصيغتها الكلاسيكية: “إن رجلاً كان مجرد إنسان وقال اقوالاً من نوع ما قاله السيد المسيح لن يكون معلم أخلاق عظيماً .فهو يكون إما مخبلاً- على مستوى من يقول إنه بيضة مسلوقة-وإما إبليس الجحيم. وعليك أن تختار خيارك. فإما أنه ابن الله- وهو كذلك-وإما كان مجنوناً، وإما شيئاً أسوأ. ففي وسعك أن تحتجزه بوصفه مجنوناً، أو أن تخر عند قدميه وتدعوه رباً وإلهاً. ولكن لا تأت بأي هراء منفصل بشأن كونه معلماً بشرياً عظيماً. فهو لم يترك ذلك متاحاً لنا”.
(Mere Christianity, Book 2, Chapter 3).
إنما إشكالية هذه الحجة أنها تفترض أن خيار الكتاب المقدس عن كلمات السيد المسيح صحيحة ودقيقة. وهذا يقتضي الاقرار بأن الكتاب المقدس يعول عليه تاريخياً، على الأقل بصورة عامة. فإن صياغة فضلى للحجة تكون: أن يسوع هو” إما كذاب وإما مخبل وإما أسطورة وإما رب”. وإلى أن تثبت أن صورة السيد المسيح في الكتاب المقدس ليست أسطورية كلياً، تبقى هذه الحجة المشهورة غير فعالة.
[3] إن “سمينار يسوع” يعتمد “معيار التباين المزدوج” كطريقة لتقييم الصحة التاريخية لمقطع من الكتاب المقدس. أعني أنهم يزعمون أننا لا نستطيع التيقن بكون نص من الكتاب المقدس
صحيحاً من الناحية التاريخية إلا إذا كان غير ممكن أن التعليم الذي يتضمنه قد اتى إما من يهودية القرن الأول وإما من الكنيسة الباكرة. ولذلك يجب أن يناقض ما نعرفه عن العقائد البارزة في اليهودية أو المسيحية في أثناء القرن الأول) وإلا ما كان في وسعنا أن نتيقن بان النص لم يختلق لدعم المعتقد السائد). ولكن هذا المعيار يفترض أن السيد المسيح ما كان ليتأثر بتراثه اليهودي وأنه ما كان ليخلف أية علامة لدى اتباعه. فبسبب عدم أرجحية ذلك، ينتقد عدد متزايد من علماء الكتاب المقدس بشدة عمل ” سمينار يسوع” بوصفه سلبياً ومتحاملاً على الأناجيل بصورة لا داعي لها.
[4] لست أحاج هنا لموثوقية الكتاب المقدس المطلقة، بل أقول إن تصويره الحياة يسوع وتعليمه
دقيق تاريخياً. وإن كان كذلك، فعندئذ نستطيع أن نستخلص استنتاجات تخص هوية يسوع من المعلومات التي نقرأها هناك. وإن وضعنا آخر الأمر إيماننا في يسوع. صارت هذه النظرة إلى الكتاب المقدس نظرتنا نحن. وإذ أتكلم شخصياً، أقول إني أحسب الكتاب المقدس بكامله موثوقاً، لا لأني أستطيع بطريقة ما أن: “أبرهن” أنه موافق للواقع تماماً. فأنا أقبل الكتاب كله لأني أؤمن بيسوع. وقد كانت هذه نظرته إلى الكتاب المقدس.
[5] 5. A scholarly but readable response to the Da Vinci Code is Ben Witherington, The Gospel Code (IVP,2004). Witherington; refutation of The historical assumptions Behind the Da Vinci Code is devastating.
[6] ثمة مجموعة كبيرة ومتزايدة من العلماء الرفيعي الطراز يدافعون عن موثوقية الأناجيل على الصعيد التاريخي. إن أردت مثلاً أكثر تفصيلاً مما يمكن أن نتناوله هنا، راجع:
Richard Bauckham, Jesus and the Eyewitnesses (Eerdmans, 2006), N. T. Wright, Jesus and the Victory of God (fortress, 1998). and the Resurrection of the son of God (Fortress,2003), C. Blomberg, The Historical Reliability of the Gospels (IVP, 1987), and The Historical Reliability of John’s Gospel
(IVP, 2002)، as Well as The more popular and older F.F Bruce, The New Testament Documents: Are They Reliable? (Eerdmans, reissued 2003 with a foreword by N. T. Wright).
يدعي قسم كبير من النقد الشكوكي للكتاب المقدس أنه متأصل في البحث التاريخي البالغ الدقة، ولكنه متأثر إلى حد بعيد بالافتراضات الفلسفية المسبقة (أي المعتقدات البديلة). وإن أردت تحليلاً يتناول هذا الدعائم الفلسفية، راجع:
See C. Stephen Evans, The Historical Christ and the Jesus of Faith (Oxford University press, 1996), and Alvin Plantinga, “Tow (or More) Kinds of Scripture Scholarship, ”Warranted Christian Belief (Oxford University press, 2002).
[7] في الواقع أن جميع المؤرخين يتفقون اليوم على هذا. في القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، كان الباحثون في أوربا متأثرين تأثراً عميقاً بعقلانية التنوير ومن ثم اقبلوا على نصوص الكتاب المقدس بمقدمة منطقية تفترض أن العناصر المعجزية في الأناجيل لابد أن تكون قد أضيفت في وقت متأخر جداً إلى الروايات الأصلية ” الواقعية “. ولما كانوا قد علموا أن الأخبار الأسطورية المضفاة على الأحداث التاريخية وجب أن تصاغ بعد وقت طويل من حصول تلك الأحداث، افترضوا ان الأناجيل كتبت على الأقل بعد مرور مئة سنة أو أكثر على موت يسوع. ولكن في أثناء القرن الماضي أرغمت البينات المخطوطية حتى أكثر العلماء تدقيقاً على أن يستنتجوا أنها كتبت أبكر من ذلك بكثير. بشأن مطالعة ميسرة لكيفية تأريخ مختلف وثائق العهد الجديد (بما فيها الأناجيل)، راجع:
F. F. Bruce, The New Testament Documents: Are They Reliable? With a new foreword by the prominent scholar N. T. Wright. Also See Paul Barnett, The New Testament
يميل الأكثرون إلى القول إن إنجيل مرقس كتب في سبعينات القرن الأول، فيما كتب متى ولوقا في ثمانياته، ويوحنا في تسعينياته. ولهذا الأمر دلالته، من حيث كون الأناجيل قد كتبت في زمن بدأ الرسل وشهود العيان يموتون فيه، ولكن في زمن كان كثيرون فيه ما يزالون متوافرين لكي يراجعوا ويسألوا (راجع تصريح البشر لوقا في لوقا 1: 1-4).
[8] Richard Bauckham, Jesus and the Eyewitnesses, Chapter 2, 3, and 6.
ثم إن بوكهام في الفصل الرابع، يجري تحليلاً مستفيضاً لأسماء الشخصيات في الأناجيل.
وهو يستنتج أنها تمثل أنواع الأسماء التي كانت شائعة بين اليهود في فلسطين قبل خراب أورشليم في السنة 70 م لا أسماء الأشخاص المختلفة النوع تماماً والتي أطلقت على اليهود في الشتات بعد السنة 70 م.
فالخلاصة أنه يستبعد استبعاداً عالي الدرجة أن قصص الأناجيل نشأت بين جماعات مسيحية متأخرة خارج فلسطين.
[9] N. T. Wright, Simply Christian (Harper, 2006), p. 97.
[10] يضيف غوينك قائلاً:” ليس في البرديات معتقدات جديدة ولا حجج جديدة، لا بينات جديدة يقيناً من شانها أن تدفع للشك أي شخص لم يشكك من قبل “. وهو يتكلم بشأن الكتاب التالي:
The Gospel of Judas. See “Jesus Laughed,” the new Yorker, April 17, 2006.
[11] For more on the formation of the New Testament canon, see Bruce M. Metzger, The Canon of the New Testament: Its Origin, Development, and Significance (Oxford University press,1987). For a briefer survey see David G. Dunbar, “The Biblical Canon, ” in Hermeneutic, Authority, and, Canon, D. Carson and J. Wood-Bridge, Eds (Zondervan, 1986).
[12] C. John Somerville, The Decline of the Secular University, pp.105-106.
[13] We will pay more attention to this feature of the gospel narratives. in chapter 12.
[14] Bauckham, Eyewitnesses, pp. 170-78.
[15] Wright, Simply Christian, p.97.
[16] C. S. Lewis Christian Reflections, Walter Hooper, ed. (Eerdmans, 1967), P. 155.
* “بيولف” هي ملحمة شعرية من الأدب الأنغلوساكسوني تتألف من أكثر من 3100 سطر شعري، بينما “الإلياذة” فهي ملحمة شعرية إغريقية نظمها الشاعر هوميروس في أيام حصار طروادة المشهور (الناشر).
** الذاكرة الإسترجاعية (The Recollective Memory) هي علامات قدرة الذاكرة على إستجماع المعلومات والأحداث (الناشر).
[17] Bauckham, Eyewitnesses, pp. 324-346.
[18] Ibid., p 273.
[19] David Van Biema, ”Rewriting the Gospels,” Time March 7, 2007.
[20] Vincent Taylor, The Formation of the Gospel Tradition 2nd ed. (Macmillan, 1935), p. 41. Also quoted and commented on in Bauckham p.7.
[21] إن بوكهام في كتابه هذا، يدعو إلى نهج علمي في دراسة العهد الجديد منفصل تماماً عن أسلوب الكتاب المقدس القديم البالغ الشكوكية والمدعو ” نقد الشكل” ومرتبط برودلف بولتمان. أما أن ذلك سيحدث عاجلاً أو لا يحدث فمسألة رأي ولكن كتباً ألفها امثال بوكهام ورايت تفتح الأبواب أمام كثيرين من العلماء الأصغر سناً والمتقبلين للبينات الدالة على أن من الممكن الوثوق بالكتاب المقدس. إذا أردت عرضاً مفيداً للأصول التاريخية لنقد الكتاب المقدس الشكوكي، راجع المؤلف:
Hans Frei, The Eclipse of Biblical Narrative (Yale University press, 1974).
وإذا أردت مدخلاً يبين كيف غدت الدراسة الحديثة أقل شكوكية بكثير من القديمة بشأن تاريخية الأناجيل، راجع المقالة التالية:
Craig Blomberg, “Where Do We Start Studying Jesus?” Jesus Under Fire: Modern Scholarship Reinvents the Historical Jesus, M. J. Wilkins and J. P. Moreland, eds.(Zondervan,1995).
وأفضل عرض في مجلد واحد للدراسة الحديثة بشأن السيد المسيح تجده في:
- Witherington, The Jesus Quest, 2nd ed. (IVP,1997).
ومن الأمثلة الممتعة التي تبين كيف أن الدراسة العلمية للكتاب المقدس آخذة في أن تصير أكثر احتراماً جون. بي. ماير مؤلف الثلاثية الضخمة A marginal Jew: Rethinking the Historical Jesus فماير عالم معتدل وسطي يرفض بعض نصوص الكتاب المقدس باعتبارها مشكوكاً فيها تاريخياً. ولكنه يقدم نقداً شبه فتاك للشكوكية القُدمى، ويبين أن جميع الخطوط الأساسية في النظرة المتواترة إلى كلمات يسوع وأعماله يمكن تصديقها على أساس البحث التاريخي الوافي.
[22] See Murray J. Harries, Slave of Christ: A New Testament Metaphor for Total Devotion to Christ (IVP, 1999), pp. 44, 70. Also see Andrew Lincoln, Ephesians, Word Bible Commentary,1990, pp. 416-17:
“ينبغي لقراء الكتاب المقدس المحدثين أن يتحرروا من عدد من الافتراضات بشأن العبودية في القرن الأول، بما فيها الافتراضات انه كان بين مقام العبد ومقام الحر فرق شاسع، وأن جميع الذين كانوا مستعبدين يحاولون تحرير أنفسهم من العبودية….
لقد قام تواصل عريض بين العبد والحر من حيث مقاماهما في المجتمعين الروماني واليوناني كليهما. فإن عبيد المالكين اليونانيين كان يمكنهم امتلاك الأملاك، ومن جملتها عبيدهم الخاصون، وكان في وسعهم ان يحصلوا على ترخيص بتولي وظيفة أخرى فضلاً عن واجباتهم كعبيد.. وغالباً ما كانت مصلحة المالك تقضي بإعتاقهم، إذ كان ممكناً الحصول على عملهم بثمن أرخص كثيراً إذا كانوا أحراراً. ولئن وجد بلا شك كثير جداً من حالات القسوة والوحشية والظلم، فلم يسد مناخ عام من الاضطراب بين العبيد”.
[23] رغم كون إنكار الواقع مجاراة للاتجاه السائد، فإن العقائد المناهضة للعبودية بدأت بالظهور في علم اللاهوت المسيحي بعيد انحطاط روما وقد صحبها تلاشي العبودية النهائي في جميع أنحاء أوربا المسيحية ماعدا أطرافها البعيدة. ولما أسس الأوربيون الاسترقاق لاحقاً في “العالم الجديد” فعلوا ذلك رغم المعارضة البابوية الشديدة وهذه حقيقة “ضيعت” في التاريخ على نحو ملائم حتى عهد قريب وأخيراً أبطل الاسترقاق في ” العالم الجديد” بفضل ناشطين مسيحيين أطلقوه وحققوه وكانت العبودية في ما مضى شاملة تقريبا لجميع المجتمعات القادرة عليها وفي الغرب فقط نشأت المعارضة الأخلاقية المهمة أصلاً وأدت أخيرا إلى الإبطال”.
(Rodney Stark, For the Glory of God, Princeton University press, 2004, p. 291).
*** ثمة فيلمان يحملان الإسم ذاته أنتج أحدهما في عام 1975، فيما أنتج الآخر في عام 2004, وحري بالذكر أن هنالك رواية تحمل العنوان ذاته من تأليف إيرا ليفن (Ira Levin) نشرت في عام 1972م. (الناشر).
كتاب الإيمان في عصر التشكيك (15) نقد الكتاب المقدس للتدين الزائف!
كتاب الإيمان في عصر التشكيك (15) نقد الكتاب المقدس للتدين الزائف!
كتاب الإيمان في عصر التشكيك (13) الكنيسة مسؤولة عن مقدار كبير من الظلم!
كتاب الإيمان في عصر التشكيك (12) لا يسعك أن تأخذ الكتاب المقدس بحرفيته!
كتاب الإيمان في عصر التشكيك (11) ألا يدحض التطور الكتاب المقدس؟
كتاب الإيمان في عصر التشكيك (11) ألا يدحض التطور الكتاب المقدس؟
كتاب الإيمان في عصر التشكيك (10) جهنم والمساواة بين الناس!
كتاب الإيمان في عصر التشكيك (10) جهنم والمساواة بين الناس!
