كتاب مثل الابنين الضالين PDF – تيموثي كلر

كتاب مثل الابنين الضالين PDF – تيموثي كلر

كتاب مثل الابنين الضالين PDF – تيموثي كلر

كتاب مثل الابنين الضالين PDF – تيموثي كلر

تحميل الكتاب PDF

كتاب لقاءات شخصية مع يسوع PDF إجابات غير متوقعة عن أسئلة الحياة الكبرى – تيموثي كلر

كتاب لقاءات شخصية مع يسوع PDF إجابات غير متوقعة عن أسئلة الحياة الكبرى PDF – تيموثي كلر

كتاب لقاءات شخصية مع يسوع PDF إجابات غير متوقعة عن أسئلة الحياة الكبرى PDF – تيموثي كلر

كتاب لقاءات شخصية مع يسوع PDF إجابات غير متوقعة عن أسئلة الحياة الكبرى PDF – تيموثي كلر

تحميل الكتاب PDF

كتاب لقاءات شخصية مع يسوع PDF إجابات غير متوقعة عن أسئلة الحياة الكبرى PDF – تيموثي كلر

كتاب الايمان في عصر التشكيك PDF – تيموثي كلر

كتاب في عصر التشكيك PDF – تيموثي كلر

كتاب الايمان في عصر التشكيك PDF – تيموثي كلر

كتاب الايمان في عصر التشكيك PDF – تيموثي كلر

تحميل الكتاب PDF

كتاب حرية نسيان الذات – تيموثي كلر PDF

كتاب حرية نسيان الذات – تيموثي كلر PDF

كتاب حرية نسيان الذات – تيموثي كلر PDF

كتاب حرية نسيان الذات – تيموثي كلر PDF

تحميل الكتاب PDF

كتاب منطقية الإيمان بالله – دعوة مفتوحة الي كل متشكك – تيموثي كلر PDF

كتاب منطقية الإيمان بالله – دعوة مفتوحة الي كل متشكك – تيموثي كلر PDF

كتاب منطقية الإيمان بالله – دعوة مفتوحة الي كل متشكك – تيموثي كلر PDF

كتاب منطقية الإيمان بالله – دعوة مفتوحة الي كل متشكك – تيموثي كلر PDF

إننا نعيش في مجتمعات ازداد فيها التشكيك والاستقطاب بين من يرى الحاجة إلى وجود الدين والإيمان من جهة، ومن لا يرى حاجة إلى وجود الدين بل إلى التركيز على المنطق والتجريب من جهة أخرى. وهكذا برزتْ في الآونة الأخيرة في مجتمعاتنا أسئلة مثل: “لماذا ينبغي أن يتكل إنسان على أمور غيبية لا يمكن دعمها بالأدلة التجريبية؟” و”هل هناك دور فعلي للدين يؤديه في الحياة المعاصرة؟”

في هذا الكتاب، يستعرض تيموثي كلر مقارنة بين سعي كل من المسيحية والعلمانية اللادينية إلى تقديم وجهة نظر بشأن العديد من المسائل المهمة في الحياة- مثل معنى الحياة، والرضى، والحرية، والهوية، والعدالة، والرجاء- كما يقدم دعوة مفتوحة إلى قطبي المعادلة لبحثها ومناقشتها، ويلقي أيضا الضوء على أهمية المسيحية في عصرنا الحالي، ويطرح حجته بأنها الأكثر منطقية على المستوى الوجداني والثقافي، والأقدر على تفسير أمور الحياة مدار البحث بأوضح صورة.

محتويات الكتاب :

تمهيد: ايمان العلماني اللاديني 

الجزء الاول : ما الحاجة الي دين ؟

الفصل 1 : أليس الدين في حالة اندثار ؟

الفصل 2 : أليس الدين مبنيا على الايمان . و العلمانية اللادينية مبنية على الدليل ؟

الجزء الثاني : الدين اكثر مما نتخيلة 

الفصل 3 : المعنى الذي لا يمكن ان ينتزعه الألم منك 

الفصل  4 : شبع لا يعتمد على الاوضاع المحيطة 

الفصل 5 : لماذا لا يمكنني ان أكون حرا لعيش بما يناسبني , مادمت لا اضر احد ؟

الفصل 6 : اشكالية الذات 

الفصل 7 : هوية لا تسحقك ولا تستبعد الاخرين 

الفصل 8 : رجاء قادر على مواجهة اي شيئ 

الفصل 9 : اشكالية الاخلاق 

الفصل 10 : عدالة لا تنشئ ظالمين جددا

الجزء الثالث : المنطق المسيحي

الفصل 11 : هل من المنطقي الايمان بالله ؟ 

الفصل 12 : هل من المنطقي الايمان بالمسيحية؟

خاتمة: في الله وحده 

تحميل الكتاب PDF

إعادة تعريف أن يكون المرء ضالاً – تيموثي كلر

إعادة تعريف أن يكون المرء ضالاً – تيموثي كلر

إعادة تعريف أن يكون المرء ضالاً – تيموثي كلر

إعادة تعريف أن يكون المرء ضالاً – تيموثي كلر

الأخ الأكبر ” غضب ولم يرد أن يدخل “

الغضب والتكبر

تكلم السيد المسيح مراراً بشأن الخطية والخلاص بصورة مجازية تدور حول كون المرء “ضالاً” ثم “وجد”. ويتضمن الأصحاح الخامس عشر من إنجيل لوقا مثلاً ثلاثي الأجزاء حكاه السيد المسيح للقادة الدينين. أما الجزء الأول فهو عن راعي غنم يتبين له أن واحداً من خرافه قد ضاع. وأما الجزء الثاني فهو عن امرأة يتبين لها أن واحداً من دراهمها مفقود. وأما جزء المثل الثالث، كما سبق أن رأينا، فهو عن ابنين – بطريقتين مختلفتين – ضالين. وفي موضع آخر، يُلخص السيد المسيح خدمته في صورة عملية إنقاذ؛ إذ إنه قد جاء “لكي يطلب ويُخلص ما قد هلك” (لوقا 19: 10).

فماذا يعني كون المرء ضالاً (أي ضائعاً أو هالكاً) من الناحية الروحية؟ في المثل، أن يكون الأخ الأصغر ضالاً يُرى بوضوح عندما ينتهي به الأمر إلى زريبة الخنازير. لقد نفذ منه الأصدقاء والمال والموارد، من جراء انغماسه الذاتي وسلوكه الطائش وغير المنضبط. وأدى به ذلك كله إلى انهيار شامل لحياته. عند ذلك الحد، يُدرك الأخ الأصغر أنه قد “ضل الطريق” ويرجع ليحاول أن يبني حياته من جديد.

ولكن في هذا المثل يريد السيد المسيح أن يُبرز شكلاً آخر من أن يكون المرء ضالاً هو أكثر خفاء لكن أقل فتكاً. وما أن نستوعب تعريف السيد المسيح الأعمق للخطية، حتى ينبغي لنا أن نميز ذلك الشكل؛ ومن المهم أن نميزه. وسندعو هذا الشكل “ضلال الأخ الأكبر”. وهو يأتي إلى العالم بقدر ما يأتي به النوع الآخر من البؤس والنزاع. ومن شأن إلقاء نظرة أقرب على الأخ الأكبر أن تساعدنا على تمييز ملامح هذا الضلال.

إننا نرى أن الأخ الأكبر “غضب”. وكل كلمة من كلماته تقطر استياء وامتعاضاً. أما أول علامة على أن لديك الروحية ذاتها لأخ أكبر فهي أنك، عندما لا تجري حياتك كما تريد لها، لا تتأسف فقط، بل تغضب بشدة وتشعر بالمرارة المفرطة. فالأخوة الكبار يعتقدون أنهم إذا عاشوا عيشة صالحة ينبغي أن ينالوا حياة صالحة، وأن الله مديون بأن يعطيهم طريقاً هيناً ليناً إذا حاولوا بكل اجتهاد أن يرتقوا بحياتهم إلى المعايير العليا.

فماذا يحدث إذاً إن كنت أخاً أكبر وساءت الأمور في حياتك؟ إذا كنت تشعر بأنك ثابرت على الارتقاء بحياتك إلى معاييرك الأخلاقية، فستستشيط غضباً على الله. وستُفكر في أنك لا تستحق ما يحصل بعدما بذلت جهداً شاقاً في عملك لكي تكون شخصاً شريفاً! ولكن ماذا يحدث إذا ساءت الأمور في حياتك حين تكون عالماً أنك ما تزال مقصراً عن معاييرك؟ حينئذ ستستشيط غضباً على نفسك، ممتلئاً بالاشمئزاز من الذات وبالألم الداخلي. وإذا فاجأتك أوضاع سيئة، وأنت لست متيقناً بأن حياتك كانت صالحة بنا فيه الكفاية، فقد تتمايل ذهاباً وإياباً على نحو بائس بين القطبين “أنا أكره الله” و”أنا أكره ذاتي”.

إن عدم قدرة الإخوة الكبار على تحمل المعاناة ينشأ من حقيقة كون التزامهم الخلقي موجهاً بالاعتماد على نتيجته. فهم يعيشون الحياة الصالحة لا ابتهاجاً بالأعمال الصالحة في ذاتها، بل بوصفها طرقاً محسوبة للسيطرة على بيئتهم.

تروي إليزابيث إليوت (Elizabeth Elliot) قصة أبوكريفية (غير مدرجة في الكتاب المقدس) عن السيد المسيح تعبر عن الفرق بين الأنانية الموجهة بمقتضى النتيجة والأمانة التي تولدها المحبة.

“ذات يوم قال السيد المسيح لتلاميذه: “أريد منكم أن تحملوا لي حجراً”. ولم يقدم أي تفسير. فنظر التلاميذ حواليهم بحثاً عن حجر، وانتقى بطرس – لكونه من النوع العملي – أصغر حجر تيسر له أن يجده. ثم إن السيد المسيح لم يحدد أية تفاصيل بشأن الوزن والحجم! وهكذا وضع بطرس الحجر في جيبه. ثم قال السيد المسيح: “اتبعوني”. وتقدمهم في رحلة. ونحو الظهر، طلب من الجميع أن يقعدوا. ثم لوح بيده فصارت الحجارة كلها خبز. وقال: “الآن وقت الغداء”. وفي ثوانٍ قليلة، انتهى غداء بطرس. ولما فرغوا من الغداء، طلب منهم السيد المسيح أن يقفوا.

ثم قال: “أريد منكم أن تحملوا لي حجراً”. فهذه المرة قال بطرس: “أهه! الآن فهمت!” ومن ثم نظر حواليه فرأى جلموداً صغيراً. فرفعه ووضعه على ظهره، فآلمه وجعله يترنح. إلا أنه قال: “لا أستطيع الانتظار لأرى عشاءي”. ثم قال السيد المسيح: “اتبعوني”. وتقدمهم في رحلة، وبطرس لا يكاد يقوى على السير معهم. وقبيل العشاء ذهب السيد المسيح بهم إلى ضفة نهر، وقال: “ليطرح كل منكم الآن حجره في الماء!” ففعلوا ذلك. ثم قال لهم: “اتبعوني”، وباشر السير. فنظر إليه بطرس والآخرون مشدوهين. فتنهد السيد المسيح وقال: “ألا تذكرون ما طلبت منكم أن تفعلوا؟ لمن كنتم تحملون الحجر؟”[1].

إن الإخوة الكبار، على غرار بطرس، يتوقعون ان يكافأوا على صلاحهم، وإذا لم يحصل ذلك يسود الارتباك والغضب. فإن كنت تعتقد أن الصلاح والاستقامة هما الطريق لاستحقاق حياة صالحة من عند الله، فإن الغضب سيلتهمك، ما دامت الحياة لا تجري كما تتمنى. وستشعر دائماً بأن لك ديناً أكثر مما قد نلته. وسترى دائماً شخصاً ما يُبلي أحسن مما تبليه في ناحية من نواحي الحياة، وستسأل: “لماذا هذا الشخص وليس أنا؟ بعد كل ما فعلته!” إن هذا الامتعاض ذنبك أنت. فليس سببه نجاح الشخص الآخر، بل جهدك الشخصي الخاص للسيطرة على الحياة بواسطة أدائك. وربما لا تحولك موجة الغضب الداخلية الشديدة هذه إلى قاتل، كما فعلت بسالييري، إلا أنها دائماً ستحملك على فقدان ثباتك بطرق شتى.

ثم أننا نرى أيضاً أن لدى الأخ الأكبر إحساساً قوياً بتفوقه الشخصي. فهو يُشير إلى مدى كون سجله الأخلاقي الذاتي أفضل جداً من سجل من يعاشر الزواني. حتى إنه، بلغة ازدرائية (“ابنك هذا….”)، يأبر أن يعترف بأخيه أخاً له فيما بعد.

إن الإخوة الكبار يؤسسون صورتهم الذاتية على كونهم مجتهدين جداً في العمل، أو مدققين أخلاقياً، أو أعضاء في جماعة من النجبة، أو أذكياء وفهماء إلى أقصى حد. وهذا يؤدي حتماً إلى الشعور بالتفوق على أولئك الذين ليست لهم هذه المزايا بعينها. وبالحقيقة أن المقارنة التنافسية هي الطريقة الرئيسية التي بها يُحرز الإخوة الكبار شعوراً بأهميتهم الذاتية. وما العنصرية والفئوية سوى صورتين مختلفتين لهذا النوع من مشروع الخلاص الذاتي. إضافة إلى ذلك، فإن هذه القوة الدافعة تصير حادة على نحو استثنائي عندما يتباهى الإخوة الكبار قبل كل شيء بدينهم الصحيح.

وإذا اعتقدت جماعة أن لها حظوة عن الله بفضل عقيدتها السليمة، وطرق عبادتها، وتصرفها الأخلاقي، على وجه الخصوص، فإن موقفها تجاه الذين ليس لديهم ذلك كله يمكن أن يكون عدائياً. فالبر الذاتي عند تلك الجماعة يختبئ تحت الادعاء بأنها تقاوم أعداء الله لا غير. وعندما تنظر إلى العالم بهاتين العدستين، يسهل أن تُسوغ البغض والظلم، وذلك باسم الحق كما كتب ريتشارد لفلايس (Richard Lovelace):

“أن الذين لم يعودوا واثقين بأن الله يحبهم ويقبلهم في السيد المسيح، بمعزل عن انجازاتهم الروحية الحالية، هم أشخاص لا يشعرون بالأمان على نحو جذري فيما دون وعيهم… ويظهر عدم أمانهم في الكبرياء، وفي توكيدهم الدفاعي الشرس لبرهم الذاتي، وفي انتقادهم الدفاعي لآخرين. وهم ينتهون دون شك إلى كره الأساليب الحضارية الأخرى، والأجناس الأخرى، لكي يعززوا أمانهم الذاتي ويُصرفوا غضبهم المكظوم”[2].

هذا، وإن البر الذاتي لدى الإخوة الكبار لا يُنشئ فقط العنصرية والفئوية، بل يُنشئ أيضاً على الصعيد الشخصي روح انتقاد ديان وعدم مسامحة. فهذا الأخ الأكبر لا يقدر أن يُسامح أخاه الأصغر من أجل الطريقة التي بها أضعف مكانة العائلة في المجتمع، وأهان اسمها، وقلص ثروتها. وهو يسلط الضوء على أن الأخ الأصغر كان بالفعل مع “الزواني”، فيما كان هو يعيش حياة عفة في البيت. إنه يقول في قلبه: “ما كنت لأفعل البتة أي شيء بمثل هذه الرداءة البالغة!” فلأنه لا يرى نفسه بصفته فرداً في جماعة مشتركة من الخطاة، أطبق عليه فخ مرارته الشخصية. ومن المستحيل أن تُسامح أحداً إذا كنت تشعر بأنك متفوق عليه.

إذا كنت لا تستطيع السيطرة على طبعك؛ ورأيت شخصاً آخر يفقد السيطرة على طبعه، على غرارك أنت تماماً، فإن تميل إلى مسامحته؛ لأنك تعرف أنك لست شخصاً أفضل منه. ذلك أنك تفكر: كيف يمكن أن أضمر ضغينة على هذا الشخص وأنا رديء مثله تماماً؟ ولكن لأن خطية الإخوة الكبار وكراهيتهم الشديدة لله مختفيتان في العمق تحت طبقات من ضبط النفس والسلوك الأخلاقي، فهم لا يشعرون بأي حرج في الاستعلاء على أي إنسان تقريباُ. فإذا رأوا أشخاصاً يكذبون، أو يخونون زوجاتهم، أو لا يصلون إلى الله، ينظرون إليهم باستعلاء. وإذا أساء أناس كهؤلاء إلى الأخوة الكبار، يشعر هؤلاء الكبار بأن سجلاتهم النظيفة تماماً تخولهم حق أن يستاؤوا جداً وأن يذكروا المسيء دون انقطاع بإخفاقه.

ولنا مثل كلاسيكي على هذا الواقع في زواج مدمن كحول. فمدمن الكحول يخذل عائلته دائماً بطرق دراماتيكية. وزوجة المدمن، من جراء معاناتها، كثيراً ما تتراكم لديها كمية هائلة من رثاء الذات والبر الذاتي. وهي تدفع الكفالة لإطلاق سراحه، إلا أنها ترفع فوق رأسه دائماً سجل خطاياه. وهذا يؤدي إلى مزيد من كره الذات لدى المدمن، الأمر الذي يُشكل جزءاً من أسباب عودته إلى الشرب. وما هذه إلا دورة مغوية مهلكة! ولعل الأخ الأكبر، كي يعزز صورته الشخصية الخاصة، كان بحاجة إلى أخ متمرد على نحو متماد حتى ينتقده، ولم يكن من الأخ الأكبر المعتد بنفسه إلا أن عسّر على الأخر الأصغر أن يعترف بمشكلاته ويُغير عيشته. فلما خرج الابن الأصغر من رفضه ورحب الأب به، أدرك الأخ الأكبر أن نموذجه يتعرض للانهيار، وبات غضبه شديد الاتقاد.

ولو عرف الأخ الأكبر حقيقية قلبه، لقال: “ما أنا إلا أناني وغم لأبي في طريقي مثلما هو أخي في طريقه. وليس لي أي حق بأن أشعر بالتفوق”. إذاً لكانت له الحرية كي يبذل لأخيه المسامحة ذاتها الت بذلها له أبوه. غير أن الإخوة الكبار لا ينظرون إلى أنفسهم بهذه الطريقة. فإن غضبهم هو سجن من صنع أيديهم.

 

الخنوع والخواء

علامة أخرى تدل على أن لك الروحية التي لدى “الأخ الأكبر” هي الإذعان الخالي من الفرح والمؤسس على الخوف. فالابن الأكبر يتباهى بطاعته لأبيه، ولكنه يجعل حافزه الضمني وموقفه القلبي يطفوان إذ يقول: “ها انا أخدمك سنين هذا عددها”. لا شك أن الوفاء بأي التزام يشتمل على قدر معين من الطاعة تحسساً بالواجب. فأغلب الأحيان لا نشعر بميل إلى القيام بما ينبغي أن نقوم به، ولكننا نقوم به على كل حال، من أجل الاستقامة. غير أن الأخ الأكبر يبين أن طاعته لأبيه ليست شيئاً إلا أداء الواجب كل حين. فلا فرح ولا محبة، ولا مكافأة بمجرد رؤيته أباه مسروراً.

على هذا المنوال، الإخوة الكبار مدققون في مراعاتهم للمبادئ الأخلاقية، وفي إتمامهم لجميع المسؤوليات العائلية والاجتماعية والمدنية. ولكن ذلك جهد خانع خال من الفرح. فقول الابن الأكبر “أخدمك” تنضح منه دلالة قوية على كونه مكرهاً أو مرغماً، لا مجتذباً أو راغباً. والعبد يشتغل بدافع الخوف – الخوف من العواقب المفروضة بالقوة. فهذا ينفذ إلى جذور تحفر من كان على شاكلة الأخ الأكبر؛ حيث إن الإخوة الكبار يعيشون عيشة صالحة بدافع الخوف، لا بدافع الفرح والمحبة.

حضر أحد أصدقائي برنامجاً مميزاً لشهادة عليا في إدارة الأعمال وأخبرني بشأن مقرر الأخلاقيات المهنية الذي درسه هناك. فإن الأستاذ نصح بممارسة مستقيمة في العمل من أجل سببين: أولهما أنك إذا كذبت أو غششت يمكن أن يفتضح أمرك، وسيكون ذلك مسيئاً إلى العمل. والثاني أنه إذا عرف العاملون في الشركة أنهم يشتغلون في مصلحة شريفة، فلا بد أن يرفع ذلك المعنويات، جاعلاً الموظفين يشعرون بأنهم فوق المنافسة. وفي الواقع أن هذين سببان وجيهان للاستقامة والصدق، غير أن هذا الأسلوب لا يُثير إلا دافع الخوف، خشية أن يخسروا الأرباح، ودافع الكبرياء، بحيث يشعرون بأنهم متفوقون على الآخرين حواليهم. وقد كانت نصيحة الأستاذ: “قولوا الحقيقة، لأن ذلك سيعزز مصلحتكم الشخصية”.

ولكن ماذا يجري حين تصل حتماً إلى أوضاع فيها يكلفك قول الحقيقة ثمناً باهظاً؟ ماذا يجري حين يكون التفوه بكذبة معينة مفيداً لك على نحو مذهل؟ عند هاتين النقطتين، سيتبخر اندفاعك إلى الاستقامة. وفي الواقع أن بعضاً من أكبر الفضائح الجماعة في العقود الأخيرة تورط فيها أعضاء كنسيون أتقياء بارزون.

إن طاعة الإخوة الكبار لا تؤدي إلا إلى إذعان خانع لحرفية الشريعة. فأن نكون صادقين ونتجنب الكذب لأجل مصلحتنا هو أمر يختلف تماماً عن قيامنا بذلك لأجل الله، ولأجل الحق، وحباً بالناس الذين حوالينا. والشخص الذي تحفزه المحبة، لا الخوف، لن يطيع فقط حرفية الشريعة، بل سيلتمس بشوق طرقاً جديدة لأجراء الأعمال بشفافية واستقامة.

لكن الاستقامة الناشئة من الخوف لا تؤدي أي دور في استئصال علة الشر الأساسية في العالم، ألا وهي أنانية القلب البشري المفرطة. فإذا أدت الأخلاقية المؤسسة على الخوف إلى شيء، فهي تؤدي إلى تقوية تلك العلة، مادام الإخوة الكبار في الجوهر متمسكين بالأخلاق لأجل منفعتهم الشخصية. ربما كانوا لطفاء نحو الآخرين ومساعدين للفقراء، ولكنهم على مستوى أعمق يقومون بذلك إما لكي يباركهم الله، في الصورة الدينية للإخوة الكبار، وإما لكي يتاح لهم أن يُفكروا في أنفسهم باعتبارهم أشخاصاً محسنين متمسكين بالفضائل في الصورة الدنيوية لتلك. وإليك حكاية توضح هذا الأمر:

“عاش ذات زمان بستاني أنتج جزرة ضخمة. فأخذها إلى ملكه وقال: “سيدي هذه أكبر جزرة أنتجها وسأنتجها على الإطلاق. لذلك أود أن أهديها إليك علامة علة محبتي واحترامي لك”. تأثر الملك وميز قلب الرجل. وما إن استدار هذا ليغادر، حتى قال له الملك: “مهلاً! واضح أنك وكيل صالح على الأرض. عندي قطعة أرض بلزق أرضك. فأريد أن أعطيك إياها هدية دون مقابل، حتى تعتني بها أيضاً”.

فدهش البستاني وابتهج، ومضى إلى بيته فرحاً. ولكن كان في البلاط نبيل سمع هذا كله بالصدفة. فقال: “عجباً! إذا كان ذلك هو ما يناله المرء لقاء جزرة، فماذا لو أهديت إلى الملك شيئاً أفضل؟” وهكذا جاء النبيل في اليوم التالي إلى حضرة الملك وهو يقود حصاناً أسود جميلاً. ثم انحنى أمام الملك وقال: “سيدي، إني أربي أحصنة، وهذا أكبر جواد ربيته أو سأربيه على الإطلاق. لذلك أود أن أهديه إليك علامة على محبتي واحترامي لك”. إلا أن الملك ميز قلبه وقال له “شكراً”، ثم أخذ الحصان وصرفه فحسب. عندها ارتبك النبيل. فقال له الملك: “فلأفسر الأمر. إن البستاني قدم الجزرة إليّ أنا؛ أما أنت فقد قدمت الحصان إلى ذاتك”.

ربما يُحسن الإخوة الكبار الصنيع نحو الآخرين، ولكن ليس بدافع الابتهاج بالأعمال في ذاتها، ولا بدافع المحبة للناس، ولا بدفع مسرة الله. فهم بالحقيقة لا يطعمون الجياع ولا يلبسون الفقراء، بل يطعمون ويلبسون أنفسهم. وأنانية القلب الجوهرية لا تبقى فقط سليمة بل تغذى أيضاً بالأخلاقية المؤسسة على الخوف. ويمكن أن تنفجر هذه الأنانية، كما تنفجر فعلاً، بطرق صادمة، فلماذا، في رأيك، تصاب كنائس كثيرة جداً بأوبئة اغتياب الآخرين والنزاع؟ أو لماذا يعيش كثيرون من الأخلاقيين حياة عفيفة في الظاهر ثم يسقطون فجأة في الخطايا الأكثر إخزاءً؟ إن تحت الغيرية البادية أنانية رهيبة!

إن الواجبات الدينية والأخلاقية عبء كبير، وساحق أغلب الأحيان فالخيبة العاطفية والسأم الداخلي من الحياة يُكبتان وينكران والإخوة الكبار هم تحت ضغط شديد بأن يظهروا، حتى لأنفسهم، مسرورين وراضين. لهذا السبب يعمد الإخوة الكبار المتشددون أخلاقياً إلى نسف حياتهم أحياناً، لصدمة جميع الذين يعرفونهم، إذ يطرحون عنهم سلاسل التزاماتهم ويبدأون يعيشون عيشة الإخوة الصغار.

أما آخر علامة على أن لديك الروحية التي لدى الأخ الأكبر فهي عدم اليقين بشأن محبة الأب. فالأبن الأكبر في المثل يقول: “لم تقم لي قط حفلة”. وليس من رقص ولا احتفال بشأن علاقة الأخ الأكبر بأبيه. فما دمت تحاول أن تكسب خلاصك بالسيطرة على الله بواسطة الصلاح، فلن تتيقن أبداً بكونك صالحاً كفاية لإرضائه. وأنت غير متيقن بأن الله يحبك ويسر بك.

والآن، ما علامات هذا الافتقار إلى اليقين؟ لقد سبق أن ذكرنا علامة واحدة: كلما ساء أمرٌ ما في حياتك، أو مضت صلاة دون استجابة، تتساءل عن كون السبب أنك لست تعيش عيشة صائبة في هذا المجال او ذاك. وتتمثل علامة أخرى في أن الانتقاد من الآخرين ليس فقط يؤذي مشاعرك، بل هو يدمرك تدميراً. ذلك لأن إحساسك بمحبة الله مجرد وذو قوة حقيقية ضئيلة في حياتك، وانت تحتاج إلى استحسان الآخرين لتعزيز شعورك بالقيمة. ثم إنك ستشعر أيضاً بالذنب المتعذر تصريفه. فعندما تفعل شيئاً تعلم أنه خطأ يعذبك ضميرك مدة طويلة، حتى بعد أن تتوب. ولما كنت لا تستطيع أن تتيقن بأنك قد تبت توبة عميقة كافية، تجلد نفسك من أجل ما فعلت.

ولكن ربما كان أوضح عرض لعدم اليقين هذا جفاف حياة الصلاة. فمع أن الإخوة الكبار قد يكونون مجتهدين في الصلاة، تخلو أحاديثهم مع الله من الروعة أو الهيبة أو المودة الوثيقة أو البهجة. فكر في ثلاث أنواع من الأشخاص: زميل عمل لا يروقك فعلاً، وصديق تستمتع في القيام بالأمور معه، وشخص تحبه حباً شديداً. فإن أحاديثك مع زميل العمل ستكون موجهة اعتماداً على الهدف تماماً. ولن تكون معنياً بالدردشة معه. أما مع صديقك، فقد تفتح قلبك بشأن بعض المشكلات التي تعانيها. وأما مع حبيبك، فستشعر بدافع قوي إلى التحدث بما تجده جميلاً فيه (أو فيها).

عن هذه الأنواع الثلاثة من الحديث مشابهة لأشكال الصلاة الثلاثة التي طالما دعيت “الطلب” و”الاعتراف” و”التعبد”. فكلما كانت علاقة المحبة أعمق وأوثق، زاد توجه الصلاة نحو ما هو شخصي، ونحو الإشادة والتسبيح. والإخوة الكبار قد يكونون منضبطين في مراعاة أوقات الصلاة المنتظمة، غير أن صلواتهم تكاد تستغرقها كلياً تلاوة الاحتياجات والطلبات، وليس التسبيح التلقائي البهيج. وبالحقيقة أن كثيرين من الإخوة الكبار، على الرغم من كل تدينهم، ليس لهم حياة صلاة خصوصية تذكر إلا حين تسوء الأمور في حياتهم. فعندئذ قد يعكفون على مقدار كبير من الصلاة، إلى أن تتحسن الأمور من جديد. وهذا يُبين أن هدفهم الرئيسي في الصلاة هو أن يُسيطروا على بيئتهم، بدل أن يغوصوا في علاقة حميمة بإله يحبهم.

 

من يحتاج إلى معرفة هذا؟

لماذا من المهم جداً أن نعرف أن السيد المسيح يفضح ضلال الأخ الأكبر باعتباره أمراً خاطئاً ومهلكاً مثل ضلال الأخ الأصغر على السواء؟

إن إخوة العالم الكبار يحتاجون احتياجاً ماساً لأن ينظروا أنفسهم في هذه المر ة. فقد وجه السيد المسيح هذا المثل أساساً نحو الفريسيين، كي يريهم من هم ويحثهم على التغيير. وكما قلنا، فإن الأخ الأصغر علم أنه كان متغرباً عن الأب، أما الأخر الأكبر فما كان كذلك. لهذا السبب ضلال الأخر الأكبر بالغ الخطر. فالأخوة الكبار لا يذهبون إلى الله ويتوسلون إليه أن يشفيهم من حالتهم. إنهم لا يرون في حالتهم أي خطأ، الأمر الذي قد يكون مهلكاً. فإذا علمت أنك مريض، يمكن أن تذهب إلى طبيب؛ وإن لم تعلم أنك مريض فإنك لا تذهب…. بل تموت فحسب.

ويحتاج إخوة العالم الصغار أيضاً احتياجاً ماساً إلى فهم هذا. فعندما نرى موقف الأخ الأكبر في القصة نبدأ ندرك واحداً من الأسباب التي من أجلها أراد الابن الأصغر أن يغادر في المقام الأول؛ إذ إن هنالك اليوم كثيرين تخلوا عن أي نوع من الإيمان الديني لأنهم يرون بوضوح أن الأديان الرئيسية حافلة تماماً بالإخوة الكبار. وقد توصلوا إلى الاستنتاج أن الدين واحد من أكبر مصادر البؤس والنزاع في العالم. انظر الحقيقة! إن السيد المسيح يقول -من خلال هذا المثل– إنهم على حق. ومن الممكن أن الغضب والتكبر لدى الإخوة الكبار، وهما ناشئان من التقلقل والخوف والخواء الداخلي، يوجدان مجموعة هائلة من الأشخاص الذين يستبد بهم الذنب والخوف، وهم عميان روحياً، الأمر الذي يشكل واحداً من المصادر الأساسية للظلم الاجتماعي والحرب والعنف.

ومن النموذجي عند الأشخاص الذين أداروا ظهورهم للدين أن يعتقدوا أن المسيحية ليس مختلفة في شيء. فلطالما كانوا في كنائس طافحة بعينات من الإخوة الكبار. وهم يقولون: “ما المسيحية إلا ديانة أخرى فحسب”. ولكن السيد المسيح يقول: لا، ليس هذا صحيحاً. فكل واحد يعرف أن الإنجيل المسيحي يدعونا إلى التحرر من الاستباحة التي ينغمس فيها الإخوة الصغار، ولكن أقلاء يدركون أنه أيضاً يدين تزمت الإخوة الكبار.

إن مدن الغرب الكبيرة تغص الإخوة الصغار الذين فروا من كنائس في ديارهم الأصلية يهيمن عليها إخوة كبار. ولما انتقلت إلى مدينة نيويورك في أواخر ثمانينات القرن العشرين لإنشاء كنيسة جديدة، خيل إليّ أني سأقابل كثيرين من الدنيويين الذين لا يعرفون المسيحية أصلاً. فكان ذلك، ولكن ما أدهشني أني قابلت أشخاصاً بعدد أولئك قد تربوا في كنائس وفي عائلات تقية وجاءوا إلى مدينة نيويورك للابتعاد عن تلك العائلات أبعد ما يمكن. وبعد نحو سنة من الخدمة، بات لدينا مئتا شخص أو ثلاث مئة يواظبون على حضور الخدمات. وقد سًئلت: “أي أشخاص يحضرون كنيستكم؟” فأجبت، بعد قليل من التفكير، بأن الثلث تقريباً كانوا من غير المؤمنين، والثلث من المؤمنين، والثلث من المؤمنين “الراجعين”، أي أخوة صغار. وقد قابلت كثيرين من الإخوة الصغار الذين آذاهم وأعثرهم إخوة كبار، لم أكن متيقناً ولا هم كانوا متيقنين بأنهم ما زالوا يؤمنون الإيمان المسيحي.

أما الأمثلة الأعم على هذا بين من رأيت فكانت من الراشدين الشبان الذين وفدوا من أنحاء أشد محافظة لكي ينالوا شهاداتهم الجامعية في معاهد عليا بمدينة نيويورك. وهنا قابلوا أشخاصاً من النوع الذي حُذروا منه على مدى سنين، ذوي آراء تحررية في الجنس والسياسة والثقافة. على الرغم مما جُعلوا يعتقدون، وجدوا أولئك الأشخاص لطفاء وصائبي التفكير ومنفتحي القلب. فلما بدأ الطلاب يختبرون تغييراً في آرائهم الشخصية، تبين لهم أن كثيرين من أهل ديارهم، ولا سيما في الكنائس، استجابوا بطريقة عدائية ومتحيزة. وسرعان ما رفضوا أراءهم السابقة مع إيمانهم. فإن الإخوة الكبار قد جعلوهم إخوة صغاراً.

غير أننا اكتشفنا أن الأخوة الصغار كانوا راغبين في الإتيان إلى كنيستنا لأنهم رأوا أننا ميزنا تمييزاً جلياً بين الإنجيل والأخلاقية الدينية، وقد وفر فرصة تيسر لهم أن يستكشفوا المسيحية من منظور جديد.

ومن الطبيعي بالنسبة إلى الإخوة الصغار أن يحسبوا أن أسلوب الإخوة الكبار والمسيحية سيان. غير أن السيد المسيح يقول إنهما ليسا كذلك. ففي هذا المثل، يقوض السيد المسيح التدين الذي هو واحدة من المشكلات الرئيسية في العالم؛ إذ إن السيد المسيح، في مثله هذا، يقول لنا: “هلا تنفتحون، رجاءً، إلى إمكانية كون الإنجيل، أي المسيحية الحقيقية، شيئاً مُختلفاً تماماً عن الدين!” وذلك يعطي كثيرين رجاء بوجود طريق إلى معرفة الله لا تؤدي إلى آفات الأخلاقية والتدين المتزمتين.

ثم أن هناك مجموعة ثالثة من الناس يحتاجون إلى فهم ضلال الأخ الأكبر. فهناك فرق كبير بين الأخ الأكبر والمسيحي المؤمن بالإنجيل. ولكن هنالك أيضاً كثيرين من الأشخاص المسيحين أصلاً يتصرفون على غرار الأخ الأكبر. فإذا جئت إلى السيد المسيح متحرراً من كونك أخاً أصغر، يمُثل خطر دائم بالانتكاس جزئياً إلى الإدمان أو سواه من خطايا الأخ الأصغر. ولكن إذا كنت قد صرت مسيحياً بالتحرر من كونك أخاً أكبر، يمكن بمزيد من السهولة أن ترتد إلى مواقف الأخ الأكبر وتحجره الروحي. فإن لم تكن قد استوعبت الإنجيل إلى التمام وفي العمق، فإنك سترجع إلى كونك مستعلياً ودياناً وقلقاً ومتقلقلاً وكئيباً وغاضباً كل حين.

إن لدى الإخوة الكبار تيار غضب داخلياً تجاه أحوال الحياة، وهم يضمرون الضغائن طويلاً وبمرارة، ويزدرون أهل الأجناس والأديان الأخرى وأنماط الحياة المغايرة، ويختبرون الحياة بوصفها كدحاً ساحقاً يخلو من الفرح، ولهم في حياتهم قليل من الحميمية والبهجة في حياة الصلاة لديهم، وتقلقل عميق يجعلهم حساسين أكثر مما ينبغي تجاه الانتقاد والرفض، ولكنهم أيضاً شرسون وعديمو الرحمة في إدانة الآخرين. ويا لها من صورة رهيبة! ومع ذلك، فإن سبيل التمرد لدى الأخ الأصغر ليس بديلاً أفضل على نحو بديهي جلي.

وفي الواقع أن معظم الذين يتبعون فلسفة الإشباع الفردي والاكتشاف الذاتي لا يحطمون حياتهم مثلما فعل هذا الابن الأصغر. كما أن معظم المتدينين الذي يعتقدون أن الله سيخلصهم من أجل مجهوداتهم الأخلاقية ليسوا متحجري القلب وغضوبين مثل هذا الأخر الأكبر تقريباً. أفليس السيد المسيح مبالغاً؟ الجواب هو “لا”؛ فهو إنما يُفسر أنه بينما لا يصل معظم الناس إلى هذه الغايات القصوى تختزن كلتا الطريقتين في الحياة بُذور خرابها ضمن ذاتها، الأمر الذي يجر تابعيها نحو المصيرين الروحيين اللذين يصفهما السيد المسيح وصفاً رائعاً.

إن المثل الذي ضربه السيد المسيح ينشئ شبه أزمة للسامع المفكر. فقد صور السيد المسيح بوضوح وحيوية كلا سبيلي العالم الروحيين، والطرق الأساسية التي يتيحها كلاهما ليجد المرء السعادة والتواصل مع الله والتصدي لمشكلاتنا. غير أنه يفضحهما كليهما باعتبارهما مخطئين في الصميم، وطريقين مسدودين. فمن الواضح أنه يريد لنا أن نسلك سبيلاً مختلفاً جذرياً، ولكن ما هذا السبيل؟ وأين نجده؟

سنهتدي إلى الجواب حين ندرك أن السيد المسيح تعمد إبقاء شخص معين خارج هذا المثل. وقد فعل ذلك حتى نبحث عنه، وإذ نجده نجد طريقنا إلى الديار آخر الأمر.

 

 

[1] Elisabeth Elliot, These Strange Ashes (Harper and Row, 1975), p. 132.

[2]  Richard Lovelace, The Dynamics of Spiritual Life Inter (varsity. 1979), p.212ff.

إعادة تعريف أن يكون المرء ضالاً – تيموثي كلر

إعادة تعريف الخطية – تيموثي كلر

إعادة تعريف الخطية – تيموثي كلر

إعادة تعريف الخطية – تيموثي كلر

إعادة تعريف الخطية – تيموثي كلر

 

“ها أنا أخدمك سنين هذا عددها”

طريقتان ليجد المرء السعادة

استخدم السيد المسيح الأخوين الأصغر والأكبر كي يُصور الطريقتين الأساسيتين اللتين يُحاول بهما الناس أن يجدوا السعادة والرضى التام: طريقة الامتثال الخلقي (Moral Conformity)، وطريقة الاكتشاف الذاتي (Self-Discovery). وكلتاهما تؤدي دور عدسة تُلون كيفية نظرك إلى الحياة كلها، أو دور نموذج يُشكل فهمك لك شيء. كما أن كلتيهما سبيل لأن يجد المرء القيمة والأهمية الذاتيتين، وليتصدى لمفاسد العالم، ليفصل ما بين الصواب والخطأ.

إن الأخر الأكبر في المثل يُمثل طريقة الامتثال الخُلقي. وقد اعتقد فريسيو زمان السيد المسيح أن في وسعهم – على الرغم من كونهم شعباً اختاره الله – أن يحافظوا على منزلتهم في نطاق بركة الله، وأن ينالوا الخلاص النهائي، فقط بواسطة الإطاعة المتشددة للتوارة [كما فسرروها هم]. ومع أن لهذا النموذج أشكالاً متعددة كثيرة، فإنها كلها تؤمن بتقديم مشيئة الله ومعاير الجماعة على إشباع الذات فردياً. فحسب هذا الرأي، لا نحرز السعادة ولا نصل إلى تحقيق عالم سليم معافى إلى بحيازة الاستقامة الخلقية. لا شك أننا قد نسقط أحياناً، ولكن عندئذ سيُحكم علينا بمدى تذلل ندامتنا وحدتها. وحسب هذا الرأي، علينا أن نجاري ونباري دائماً، حتى في سقطاتنا.

أما الأخ الأصغر في المثل فيمثل طريقة الاكتشاف الذاتي. وفي الحضارات الأبوية القديمة، سلك بعض هذا السبيل، إلا إن هناك أناساً أكثر منهم بكثير جداً يفعلون ذلك اليوم. ويقول هذا النموذج إن الأفراد يجب أن يكونوا أحراراً كي يسعوا إلى إدراك أهدافهم الخاصة وتحقيق ذواتهم دون أي اعتبار للتقاليد والأعراف. فحسب هذا الرأي، سيكون العالم مكاناً أفضل جداً إذا أصاب الإضعاف أو الإزالة التقليد والتحيز والسلطة الهرمية وغيرهن من العوائق أو العقبات.

طريقتا الحياة هاتان (مع تصادمهما الحتمي) مُصورتان بحيوية وجلاء في الفيلم الكلاسيكي “شاهد عيان” (ًWitness). ففي تلك القصة، تُغرم راحيل (Rachel) الأرملة الآميشية* الشابة بالشرطي جون بوك (John Book) غير الآميشي (وهو يصر على ألا يكون آميشياً). ويُنبهها حموها، عالي (Eli)، أن ذلك مُحرم، وأن وف وسع شيوخ الجماعة أن يعاقبوها. ثم يُضيف قائلاً إنها تتصرف كطفلة. فتجيب: “أنا سأكون الحَكَم في ذلك”. فيقول: “لا، بل هم سيكونون الحكم في ذلك. وسأكون أنا أيضاً كذلك…. إذا أخزيتني”، بادياً في مثل صرامة نبي من الأنبياء. وعندها تُجيب راحيل: “إنك تُخزي نفسك”، وهي مصدومة لكن معتزة، ثم تشيح بوجهها عنه[1].

وههنا تصور وجيز للطريقتين. فإن تابع طريقة الامتثال الخُلقي يقول: “لن أفعل ما أريد، بل ما يُريد مني التقليد والمجتمع أن أفعله”. أما من يختار طريقة الاكتشاف الذاتي فيقول: “أنا الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يُقرر ما هو صواب أو خطأ بالنسبة إليّ. سأعيش كما أريد أن أعيش وأجد ذاتي الحقيقية وسعادتي بهذه الطريقة”.

إن المجتمع الغربي منقسم بكل عمق بين أسلوبي التفكير هذين بحيث لا يكاد أحدٌ أن يتصور أية طريقة أخرى للعيش. فإذا انتقد شخص إحدى الطريقتين ونأى بنفسه عنها، يفترض الجميع أنه قد اختار اتباع الأخرى؛ لأن كلا الأسلوبين يميلان إلى قسمة العالم كله في جماعتين أساسيتين لا غير. فالممتثلون خلقياً يقولون: “إن القوم اللاأخلاقيين، أولئك الذين يفعلون ما يروقهم، هم المشكلة في هذا العالم، والقوم الأخلاقيون هم الحل”. أما أنصار الاكتشاف الذاتي فيقولون: “إن القوم المتعصبين، أولئك الذين يزعمون أنهم يملكون الحقيقة، هم المشكلة في هذا العالم، والتقدميون هم الحل”. وكلا الفريقين يقول: “إن طريقتنا هي الطريقة التي سيقوم العالم بها؛ وإن لم تكن معنا، فأنت علينا”.

أفينبغي لنا أن نستخلص ان كل إنسان يندرج إما في هذا الطبقة وإما في الأخرى؟ نعم ولا. فإن لعدد كبير من الناس أمزجة تُعرضهم مسبقاً إما لعيشة امتثال خلقي وإما لعيشة اكتشاف ذاتي. غير أن بعض الناس ينتقلون ذهاباً وإياباً مجربين إحدى الاستراتيجيتين ثم الأخرى في أزمنة شتى من حياتهم. وقد جرب كثيرون نموذج الامتثال الخلقي، فوجدوه ساحقاً لهم، ثم في انعطاف دارماتيكي انتقلوا إلى عيشة اكتشاف ذاتي، ولكن آخرون هم على المسار المعاكس.

ومن الناس من يرجون كلا الأسلوبين تحت سقف الشخصية نفسها. فهناك بعض ممن يظهرون بمظهر الاخوة الكبار التقليديين يعيشون حياة سرية تحاكي سلوك الاخوة الصغار. ويكون ذاك أشبه ما يكون بصمام تنفيس. ومما يُذكر أن عمليات الشرطة الاستدراجية، الهادفة إلى الإيقاع بمفترسي الإنترنت الجنسيين الذين يتصيدون المراهقين والمراهقات، تقبض بانتظام على أشخاص متدينين، بينهم رجال دين كثيرون. ثم إن هناك أيضاً أشخاصاً كثيرين، متحررين جداً ولا دينين في آرائهم ونمط حياتهم، يحسبون أن المحافظين دينياً هم بكل ما دلى أسوء فريسيّ من بر ذاتي واستعلاء.

إنما على الرغم من هذه التنوعات، يبقى هنالك فقط أسلوبان أساسيان في العيشة. ومؤدى المثل الذي ضربه السيد المسيح أن كلا هذين الأسلوبين خاطئان. فهذا يوضح البديل الراديكالي.

 

ابنان ضالان

في الفصل الأول من المسرحية، في شخص الأخر الأصغر، يُقدم لنا السيد المسيح وصفاً للخطية لا بد أن يميزه أي إنسان. فالشاب يُهين عائلته ويعيش حياة فاسدة تتسم بالانغماس الذاتي. وهو خارج عن السيطرة تماماً. إنه متغرب عن الأب، الذي يُمثل الله في القصة، ومُعاد له. وأي شخص يعيش على ذلك النحو لا بد أن يُفصل عن الله الأمر الذي لا بد أن جميع سامعي المثل يُوافقون عليه.

أما الفصل الثاني، فالتركيز هو على الأخ الأكبر. وهو مطيع لأبيه بكل تدقيق، ومن ثم لوصايا الله، قياساً على ذلك. إنه تحت السيطرة كلياً وضابط لنفسه تماماً. وهكذا، فإن لدينا هنا ابنين، أحدهما “طالح” بالمعايير المتعارف عليها، والآخر “صالح”، غير أن الاثنين منسلخان عن الأب. فالأب مضطر لأن يخرج خارجاً ويدعو كليهما لكي يدخلا إلى وليمة محبته. وعليه، فليس في هذا المثل فقط ابن واحد ضال، بل ابنان ضالان.

غير أن الفصل الثاني يصل إلى خاتمة لا يمكن تصورها. فالسيد المسيح الراوي يترك الأخ الأكبر عمداً في حالته المعادية. إن الابن الطالح يدخل وليمة الأب، أما الصالح فرفض أن يدخل. إن عاشق الزواني قديماً يخلُص، أما ذو الاستقامة الخلقية فما يزال هالكاً ونكاد أن نسمع الفريسيين يلهثون لهفة إذ تنتهي القصة. فقد كانت كلياً عكس أي شيء تعلموه يوماً.

ولكن السيد المسيح لم يكتف بإنهاء القصة عند ذلك الحد، فصارت بذلك أكثر إذهالاً. فلماذا لم يدخل الأخ الأكبر؟ هو نفسه يُفصح عن السبب: “قط لم أتجاوز وصيتك”. فالأخ الأكبر لا يخسر محبة الأب على الرغم من صلاحه، بل بسبب صلاحه. وليست خطاياه هي التي تُنشئ حاجزاً بينه وبين أبيه، بل الكبرياء التي لديه في سجله الأخلاقي. فليس شره، بل بره، هو ما يحول دون مشاركته في وليمة الأب.

كيف يعقل أن يكون هذا؟ الجواب هو أن قلبَي الأخوين وطريقتي الحياة اللتين يمثلانها متشابهة أكثر بكثير مما يبدو أول وهلة.

ماذا أراد الابن الأصغر في الحياة قبل كل شيء؟ لقد اغتاظ من اضطراره لأن يشترك في موجودات عائلته تحت إشراف الأب. لقد أراد أن يقرر هو قراراته الخاصة، وتكون له سيطرة دون قيود على حصته من الثروة. فكيف حصل عليها؟ لقد قام بذلك باستعراض قوة جريء، بتحد سافر لمعايير المجتمع، بإعلان للاستقلال التام.

وماذا أراد الابن الأكبر قبل كل شيء؟ إذا فكرنا في الأمر، ندرك أنه أراد الأمر ذاته الذي أراده أخوه. فقد كان مستاء من الأب كما كان الابن الأصغر مستاء منه. وهو أيضاً أراد خيرات الأب، لا الأب نفسه. ولكن بينما مضى الأخ الأصغر إلى بلد بعيد، بقي الأخ الأكبر في المتناول، ولم يعص قط. تلك كانت طريقته للحصول على السيطرة. فمطلبه غير المفصح عنه هو: “لم أعص لك أمراً قط! فالآن ينبغي لك أن تفعل في حياتي الأمور بالطريقة التي أريد أن تفعل الأمور بها”.

إن قلبي الأخوين كانا متماثلين. فكلا الابنين اغتاظا من سلطة أبيهما والتمسا طرقاً للخروج من تحتها. لقد أرادا كلاهما أن يصلا إلى حيث يمكنهما أن يُمليا على الأب ما يفعله. وبكلمة أخرى، كلاهما تمردا… ولكن أحدهما فعل ذلك بوصفه طالحاً جداً، والآخر بوصفه صالحاً إلى أقصى حدّ. فكلاهما انسلخا عن قلب الأب، وكلاهما كان ابناً ضالاً.

هل تدرك إذاً ما كان السيد المسيح يُعلمه؟ كلا الابنين لم يحبا الأب لأجل ذاته. وكلاهما كانا يستخدمان الأب لأجل غاياتهما الأنانية، بدل أن يحباه ويتمتعا به ويخدماه لأجل ذاته. وهذا يعني أن في وسعك أن تتمرد على الله وتعاديه إما بمخالفة أحكامه وإما بحفظها كلها باجتهاد.

إنها لرسالة صادمة: إن الطاعة المدققة لشريعة الله قد تؤدي دور خطة استراتيجية للتمرد على الله.

فهم أعمق للخطية

يعطينا السيد المسيح بهذا المثل مفهوماً “للخطية” أعمق بكثير مما قد يملكه أي واحد منا لو لم يضرب هو لنا هذا المثل. إذ إن معظم الناس يُفكرون في الخطية معتبرين أنها الفشل في مراعاة أصول السلوك التي وضعها الله، غير أن تعريف السيد المسيح للخطية – على الرغم من كونه ليس أقل من ذلك – يمضي إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.

في الرواية التي كتبها فلانري أُكونور (Flannery O’Connor) تحت عنوان “دم حكيم” (ًWise Blood)، تقول الكاتبة بشأن أحد شخصيات الرواية هايزل موتز (Hazel Motes): “كان لديه اقتناع عميق قاتم صامت بأن الطريق إلى تجنب السيد المسيح كانت تجنب الخطية”[2]. وهذا تبصر عميق. ففي وسعك أن تتجنب السيد المسيح بصفته المخلص عبر مراعاتك جميع المبادئ الأخلاقية. وإذا فعلت ذلك فعندئذ تكون لك “حقوق”. فإن الله مديون لك باستجابة الصلوات وإعطائك حياة صالحة وبطاقة دخول السماء عندما تموت. وأنت لست بحاجة إلى مخلص يغفر لك بالنعمة المجانية؛ لأنك مخلص ذاتك.

إن هذا الموقف هو موقف الأخ الأكبر على نحو واضح. فلماذا غضب جداً على أبيه؟ لقد شعر بأن له الحق في أن يقول لأبيه كيف ينبغي أن توزع ملابس العائلة (حللها) وخواتمها ومواشيها. وبالطريقة عينها، يعيش المدينون عموماً حياة أخلاقية إلى أقصى حد، ولكن هدفهم هو أن يكسبوا نفوذاً على الله، أن يُسيطروا عليه، أن يضعوه في موقع حيث يحسبون أنه مديون لهم. لذا، وعلى الرغم من كل تدقيقهم الأخلاقي وتقواهم، فإنهم يتمردون فعلياً على سلطة الله. فإن كنت – على غرار الأخ الأكبر – تعتقد أن الله يجب أن يباركك ويساعدك لأنك عملت بكل اجتهاد كي تُطيعه وتكون شخصاً صالحاً، فعندئذ قد يكون السيد المسيح معينك، أو مثالك، أو ملهمك أيضاً، ولكنه ليس مخلصك. إنك أنت تؤدي دور مخلصك الشخصي!

وتحت نموذجي سلوك الأخوين، المختلفين اختلافاً حاداً، يكمن الدافع والهدف ذاتهما؛ فكلا الأخوين يستخدمان الأب بطريقتين مختلفتين للحصول على الأمور التي يركز قلباهما عليها حقاً. إذ كان غنى الأب، لا محبته، هو ما اعتقدا أنه سيسعدهما ويُشبعهما.

في آخر القصة، تتاح للأخ الأكبر فرصة كي يُبهج الأب حقاً بالدخول إلى الوليمة. ولكن رفضه الحانق يبين أن سرور الأب لم يكن هدف الابن قط. وعندما يُرجع الأب الابن الأصغر إلى مركزه، مما قلص حصة الابن الأكبر في الملكية، ينكشف قلب الابن الأكبر. فهو يفعل كل ما في وسعه ليؤذي أباه ويقاومه.

إذا كنت – مثل الابن الأكبر – تسعى إلى السيطرة على الله بوسطة طاعتك، فعندئذ تكون أخلاقياتك كلها مجرد طريقة لاستعمال الله كي تجعله يُعطيك الأمور التي تريدها في حياتك حقاً.

ولنا مثل كلاسيكي على هذه الصفقة التي يعقدها الشاب سالييري (Salieri) مع الله في مسرحيته “أمادوس” (Amadeus) التي كتبها بيتر شافر (Peter Shaffer).

“سأرفع في السر الصلاة الأكثر تكبراً التي يمكن أن يفكر فيها صبي”. يا رب، اجعلني مؤلفاً موسيقياً عظيماً! فلأشد بمجدك من خلال الموسيقا، وليُشيد بي الناس أنا أيضاً! إلهي العزيز، اجعلني مشهوراً في أرجاء العالم! اجعلنا خالداً! وبعد وفاتي، اجعل الناس يتفوهون باسمي إلى الأبد إعجاباً بما كتبت! وفي المقابل، أتعهد بأن أعطيك عفتي، ومثابرتي، وتواضعي الأعمق، وكل ساعة من حياتي. ثم إني سأساعد أخي الإنسان بك ما في وسعي. آمين فآمين!”.

ثم يباشر حياة تحت هذا التعهد لله. فيُبقي يديه بعيدتين عن النساء، ويعمل باجتهاد في موسيقاه، ويعلم عدة موسيقيين دون مقابل، ويساعد الفقراء بلا كلل وتجري مهنته حسناً، فيعتقد أن الله قائم بدوره في الصفقة. ثم يظهر موزارت (Mozart) بمواهب موسيقية متفوقة كثيراً على مواهب سالييري. وكان واضحاً أن عبقريته هبة من عند الله. ثم أن “أماديوس”، اسم موزارت الأوسط، معناه “محبوب من الله”. ومع ذلك فهو “أخ أصغر” سوقي منغمس ذاتياً. فالموهبة التي منحها الله بإسراف بالغ لموزارت تحدث عاجلاً أزمة إيمان في قلب سالييري الشبيه بقلب الأخ الأكبر. وكلماته قريبة على نحو رائع من كلمات الابن الأكبر في المثل:

“كان أمراً لا يسبر غوره…. فهنا كنت أنا منكراً كل شهوة طبيعية لدي لكي أستحق عطية الله، وهناك كان موزارت منغمساً في شهوته بكل اتجاه – على الرغم من كونه خاطباً ينوس الزواج – وليس من توبيخ على الإطلاق!”.

أخيراً، يقول سالييري لله: “من الآن فصاعداً، نحن عدوان، أنت وأنا”، ومن ذل الحين يعمل على تدمير موزارت[3]. إنما المؤسف، في مسرحيته شافر، أن الله صامت، على خلاف الأب في المثل الذي ضربه السيد المسيح، إذ يمد الأب يده لإنقاذ الأخر الأكبر حتى حينما يبدأ يغرق في المرارة والبغض واليأس التي ابتلعت سالييري أخيراً.

إن مجهودات سالييري الحثيثة ليكون عفيفاً ومحسناً تبين في نهاية المطاف أنها ناشئة في العمق من المصلحة الشخصية. وما كان الله والفقراء إلا أدوات نافعة. فقد قال سالييري لنفسه إنه كان يضحي بوقته وماله لأجل الفقراء ولأجل الله، ولكن لم ينطو الأمر فعلاً على أية تضحية. لقد كان يفعل ذلك لأجل منفعته الخاصة، كي يحرز الشهرة والثراء والاحترام. وقد قال سالييري: “أحببت ذاتي…. حتى جاء هو، موزارت!” فلحظة أدرك أن خدمته لله وللفقراء لم تكن تُكسبه المجد الذي تاق إليه توقاً عميقاً جداً، صار قلبه قتالاً. وسرعان ما أظهر سالييري المتمسك بالأخلاق والمحترم أنه أقدر على الشر الشنيع من موزارت اللاأخلاقي السوقي. فبينما موزارت “أماديوس” غير متدين، فإن سالييري الورع هو من ينتهي إلى حالة تغرب عن الله، كما هي الحال في مثل السيد المسيح.

وقد تكون هذه العقلية حاضرة بشكل أخبث مما كانت عليه في حياة سالييري. فأنا أعرف امرأة أمضت سنين كثيرة في الخدمة المسيحية. لما حل بها مرض مزمن في خريف العمر، طرحها في هوة يأس. ففي آخر المطاف أدركت في أعماق قلبها أنها قد شعرت بأن الله كان مديوناً لها بحياة أفضل، بعد كل ما فعلته لأجله. وقد جعل هذا الافتراض من الصعب عليها جداً أن تصعد من هوتها، مع أنها صعدت فعلاً، إلا أن مفتاح تحسنها كان إدراكها لعقلية الأخ الأكبر داخل كيانها.

إن الأخوة الكبار يطيعون الله كي يحصلوا على أمور شتى. فهم لا يُطيعون الله كي يحصلوا على الله نفسه – حتى يُشابهوه ويحبوه ويعرفوه ويُسروه. وهكذا، فإن الأشخاص المتدينين والأخلاقيين قد يكونون متجنبين السيد المسيح بصفته المخلص والرب، على قدم المساواة مع الأخوة الصغار الذين يقولون إنهم لا يؤمنون بالله ويعرفون الصواب والخطأ كما يحلو لهم.

فإليك إذاً تعريف السيد المسيح الراديكالي لما هو خطأ فينا. وكل إنسان تقريباً يعرف الخطية بأنها مخالفة لقائمة الأصول. غير أن السيد المسيح يُرينا أن شخصاً لم ينتهك فعلاً أي أمر في قائمة مساوئ التصرف الأخلاقية قد يكون من كل وجه ضالاً وهالكاً على الصعيد الروحي، شأنه شأن الشخص الأكثر خلاعة وفساداً أخلاقياً، لماذا؟ لأن الخطية ليست مجرد مخالفة للأصول، بل هي أن تضع نفسك مكان الله بصفته المخلص والرب والديان، تماماً كما سعى كلا الابنين لأن يحلا محل سلطة الأب في حياتيهما.

كان من شأن سالييري الشاب أن يعترض بشدة لو قال له أحد إنه كان يفعل هذا. فبكونه عفيفاً ومحسناً، أما كان عاملاً بمشيئة الله بدلاً من مشيئته الخاصة، ألم يكن مُكرماً الله وخاضعاً له؟ ولكن بسعيه إلى وضع الله في حال مديونية له، وإلى حيازة السيطرة على الله بواسطة أعماله الصالحة – بدلاً من الاتكال على نعمته الخالصة – كان يتصرف بصفته مخلص نفسه. ولما صار حاقداً على موزارت بمرارة قتالة، متيقناً بأن الله لم يكن منصفاً، كان واضعاً نفسه في مقام الله الديان.

فثمة طريقتان لجعل ذاتك المخلص والرب لنفسك: إحداهما بأن تنتهك جميع القوانين الخلقية وتسلك سبيلك الذاتي، والأخرى بأن تطيع جميع القوانين الخلقية وتكون صالحاً جداً جداً.

 

الاثنان مخطئان، الاثنان محبوبان

لم يقسم السيد المسيح العالم قومين: “القوم الصالحين” الأخلاقيين و”القوم الطالحين” اللاأخلاقيين. إنه يبين لنا أن كل واحد متهم بمشروع خلاص ذاتي، يسعى إلى استخدام الله والآخرين في سبيل حيازة السلطة والسيطرة بنفسه. ولكننا ماضون في تحقيق ذلك بطرق مختلفة. ولئن كان كلا الابنين على خطأ، فإن الأب يُعنى بهما ويدعوهما كليهما للرجوع إلى داخل محبته ووليمته.

هذا يعني أن رسالة السيد المسيح، أي بشارة “الإنجيل”، هي مفهوم روحي مختلف كلياً. فإن إنجيل السيد المسيح ليس ديناً او لا ديناً، وليس هو أخلاقية أو لا أخلاقية، ولا خلقية أو نسبية، ولا محافظة أو تحررية. وليس هو شيئاً في منتصف الطريق على خط بياني ما بين قطبين. إنه شيء مختلف آخر مختلف تماماً.

إن الإنجيل مختلف عن الطريقتين الأخريين: ففي نظرهن كل واحد مخطئ، ولك واحد محبوب، وكل واحد مدعو لأن يُدرك هذا ويتغير. وبالمباينة، يقسم الأخوة الكبار العالم قسمين: “الصالحون (أمثالنا) هم في الداخل، والطالحون – مشكلة العالم الحقيقية – هم في الخارج”. أما الاخوة الصغار، حتى لو كانوا لا يؤمنون بالله أبداً، فيفعلون مثل ذلك، قائلين: “لا، بل منفتحو الذهن والمتسامحون هم في الداخل، والمتعصبون ضيقو أفق التفكير – مشكلة العالم الحقيقة – هم في الخارج”.

غير أن السيد المسيح يقول: “إن المتواضعين هم في الداخل والمتكبرين هم في الخارج” (راجع لوقا 18: 14)[4]. فالأشخاص الذين يعترفون بأنهم ليسوا صالحين على نحو خاص، ولا منفتحي العقل، يتقدمون نحو الله، لأن الشرط الأساسي لقبول نعمة الله هو أن تعرف أنك تحتاج إليها. والأشخاص الذين يعتقدون أن لا بأس بهم، ويقولون مُستعفين “شكراً” يتباعدون عن الله، إن “الرب…. يرى المتواضع؛ أما المتكبر فيعرفه من بعيد”(المزمور 138: 6).

لما طرحت إحدى الصحف السؤال: “ما الخطأ في العالم؟” كتب المفكر الكاثوليكي جي. كاي تشسترتون باحترام رسالة وجيزة يجيب فيها عن السؤال قائلاً: “أيها السادة الأعزاء: إنه أنا المخلص جي. كاي. تشسترتون”. فذلك هو موقف شخص أدرك رسالة السيد المسيح حقاً.

ومع أن الابنين كليهما مخطئان وكليهما محبوبان، فإن القصة لا تنتهي بالطريقة عينها بالنسبة إلى كليهما. فلماذا أنشأ السيد المسيح القصة بحيث يخلص أحدهما ويرد إلى علاقة سليمة بالأب، في حين يحرم الآخر ذلك (على الأقل، ليس قبل نهاية القصة)؟ ربما كان الواقع أن السيد المسيح يود أن يقول إنه بينما كلا الشكلين في مشروع خلاص النفس مخطئان على السواء، ليس كلاهما خطرين على السواء. والآن نتكشف إحدى المفارقات الساخرة في المثل. فإن هروب الابن الأصغر من عند الأب كان واضحاً على نحو سافر. إذ ترك الأب حرفياً وجسمياً ومعنوياً. ومع أن الابن الأكبر بقي في البيت، فقط كان أعمى حيال حالته الحقيقية. وكان من شأنه أن يستاء على نحو مروع من فكرة كونه متمرداً على سلطة الأب ومحبته، غير أنه كان كذلك إلى أقصى حد.

ولأن الأخ الأكبر أكثر عمى حيال ما هو جار، فإن كون المرء فريسياً على غرار الأخ الأكبر هو حالة روحية أكثر بؤساً ويأساً. والتعبير “كيف تجرؤ على قول هذا؟ ” يمثل رد المدينين إذا أشرت إلى أن علاقتهم بالله ليست صحيحة. “أنا أكون حاضراً كلما فتحت أبواب الكنيسة”. إنما يقول السيد المسيح في الوقع: “ذلك غير مهم!”.

ولم يسبق قط أن علم أحد أي شيء مثل هذا.

 

* الآميشيون (Amish) هم طائفة بروتستانتية ظهرت في القرن السابع عشر، يتصف أتباعها باتباع أسلوب حياة بسيط، وارتداء ملابس بسيطة، كما يميل الآميشيون إلى عدم تقبل وسائل التكنولوجيا الحديثة (الناشر)

 

[1] The Screenplay for Witness, Bu Earl W. Wallace and William Kelley, can be found at www. Harrisonford- web.con/Multimedia/Witness.pdf (accessed on December 31, 2007)

[2] Flannery O’Connor, Wise Blood: A Novel (Farrar, Straus, and Giroux, 1990), 22.

[3]  The Script for Peter Shaffer’s play Amadeus can be found at html (accessed on December 30,2007)

[4] في لوقا 18 يحكي السيد المسيح مثل عشار (جابي ضرائب متعاون مع قوات الاحتلال الرومانية) وفريسي. فالفريسي أخلاقي ومستقيم جداً لكن مكتف بذاته؛ أما العشار ففاشل أخلاقياً، لكن تائب. وقد خلص السيد المسيح إلى القول: “أقول لكم أن هذا [العشار] نزل إلى بيته مبرراً [أمام الله] دون ذاك: لأن كل مر يرفع نفسه يتضع من يضع نفسه يرتفع” (لوقا 18: 14). قارن أيضاً كلمات السيد المسيح إلى الفريسيين في لوقا 5: 32 إذ صرح قائلاً: “لم آت لأدعو أبراراً [في نظر أنفسهم]، بل خطاة، إلى التوبة”.

 

 

إعادة تعريف الخطية – تيموثي كلر 

إعادة تعريف الخطية – تيموثي كلر 

إعادة تعريف الخطية – تيموثي كلر 

إعادة تعريف الخطية – تيموثي كلر 

إعادة تعريف الخطية – تيموثي كلر 

إعادة تعريف الخطية – تيموثي كلر 

إعادة تعريف الخطية – تيموثي كلر 

إعادة تعريف الخطية – تيموثي كلر 

إعادة تعريف الخطية – تيموثي كلر 

إعادة تعريف الخطية – تيموثي كلر 

إعادة تعريف الخطية – تيموثي كلر 

إعادة تعريف الخطية – تيموثي كلر 

إعادة تعريف الخطية – تيموثي كلر

الابن الأصغر والابن الأكبر الضالان – تيموثي كلر

الابن الأصغر والابن الأكبر الضالان – تيموثي كلر

الابن الأصغر والابن الأكبر الضالان – تيموثي كلر

الابن الأصغر والابن الأكبر الضالان – تيموثي كلر

“إنسان كان له ابنان”

إقرأ أيضًا: مثل الابن الضال – مينا كرم

الأخ الأصغر

يمكن على النحو الأفضل أن تُعَنوَن هذه القصة التي حكاها السيد المسيح “مثل الابنين الضالين”. فهي مسرحية قصيرة في فصلين حيثُ الفصل الأول عنوان “الأخ الأصغر الضال”، والثاني عنوان “الأخ الأكبر الضال”.

يبدأ الفصل الأول بطلب قصير، لكن صاعق. فالابن الأصغر يأتي إلى الأب ويقول: “أعطني حصتي من الميراث”. ولا شك أن المستمعين الأصلين أذهلهم طلب مثل هذا. ليس أن ثمة خطأ ما كان في توقع الابن أن ينال حصة من ثروة العائلة. ففي تلك الأيام كان الابن، عند وفاة الأب، يحصل على نصيب مضاعف لما يرثه الأولاد الآخرون. فإذا كان لأب وارثان، يحصل أكبرهما على ثلثي الأملاك، فيما يحل الأصغر على ثلث واحد.

غير أن قسمة الملكية لم تكن تحصل إلا بعد وفاة الأب. أما هنا، فالابن الأصغر يُطالب بميراثه الآن، الأمر الذي كان علامة على عدم احترام شديد. فأن يطلب هذا، ولأب ما يزال حياً، هو أشبه ما يكون بتمني موت أبيه؛ إذ إن الابن الأصغر، جوهرياً، كان يقول إنه يريد ممتلكات أبيه، لا أباه. فطالما كانت علاقته بأبيه وسيلة لأجل غاية التمتع بثروة أبيه، وها هو الآن قد سئم تلك العلاقة. إنه يريد الخروج والابتعاد… الآن. ولذا يقول: “أعطني حصتي!”.

لكن ردّ الأب هو أكثر إذهالاً بعد من الطلب. فقد كان مجتمعاً أبوياً إلى أقصى حد، فيه كان احترام الشيوخ وتوقيرهم بكل التعبيرات السخية، ولا سيما من قبل المرء لأبويه، أمرين فائقي الأهمية. وكان من شأن الأب التقليدي في الشرق الأوسط أن يرد على طلب كهذا بطرد الابن من العائلة بلا شيء سوى الضرب الفعلي. غير أن هذا الأب لا يفعل أي شيء من هذا القبيل، بل “قسم لهما معيشته” فحسب.

ولكي نفهم أهمية هذا التصرف، ينبغي أن نلاحظ أن الكلمة اليونانية المترجمة “معيشة” هنا هي الكلمة “بيوس” (Bios)، وتعني “حياة”. وقد كان ممكناً أن تُستعمل كلمة محسـوسة أكثر للدلالة أكثر على رأس المال، ولكن لم تُستعمل أية كلمة أخرى. فلم لا؟

لا بد أن ثروة هذا الأب كانت بالدرجة الأولى بالعقارات أو الأملاك غير المنقولة؛ وللحصول على ثُلث ملكيته الصافي، كان عليه أن يبيع قسماً كبيراً من الأراضي التي يملكها. ونحن، في حضارتنا الحديثة المتحركة المدنية، ربما لا نفهم علاقة أهل الأجيال السالفة بأرضهم. تأمل البيت الشعري التالي في مغناة “أوكلاهوما” (Oklahoma) لرودحز وهمرشتاين (Rodgers and Hammerstein): “نحن نعلم أننا ننتمي إلى الأرض، والأرض التي ننتمي إليها عظمية!”

ولاحظ أن البيت لا يقول إن الأرض تنتمي إليهم، بل بالأحرى إنهم هم ينتمون إليها. فهذا يُلخص ببراعة كيف كانت هويات الناس في الماضي مرتبطة فعلاً ارتباطاً وثيقاً بمكانهم، أو بأرضهم. فأن تخسر جزءاً من أرضك كان يعني أن تخسر جزءاً من ذاتك وقسطاً كبيراً من مقامك في المجتمع. ونحن جميعاً قد سمعنا قصصاً عن أصحاب مناصب إدارية مهمة ناجحين، من الرجال والنساء على السواء، استقالوا من وظائفهم نهائياً كي يعكفوا على الاعتناء بولد ضعيف محتاج. فهذا هو ما يفعله الأب. وإن لم يكن موازياً دقيقاً له.

وهكذا، فإن هذا الابن الأصغر يطلب من أبيه أن يقسم حياته قسماً. ويفعل الأب ذلك، من أجل محبته لابنه. وما كان لمعظم مستمعي السيد المسيح قط أن يروا أباً من آباء الشرق الأوسط يستجيب على هذا النحو. فالأب يتحمل بصبر خسارة هائلة للكرامة، فضلاً عن ألم المحبة المرفوضة. وفي العادة، حين تُرفض محبتنا نفضي، وننتقم، ونفعل ما في وسعنا لتقليص مودتنا تجاه الشخص الرافض، حتى لا نتألم كثيراً. غير أن هذا الأب يُبقي على محبته لابنه ويتحمل الألم الشديد.

 

خطة الأخ الأصغر

ننتقل الآن إلى المشهد الثاني من الفصل الأول. إذ ينطلق الابن إلى “كورة بعيدة” ويُبذر كل ما له بنمط حياة جامح. وبعدما هوى فعلاً إلى الوحل مع الخنازير، “رجع إلى نفسه” ورسم خطة. فهو أولاً قال لنفسه إنه سيرجع إلى أبيه، ويعترف بأنه مخطئ، وبأنه قد حُرم حق أن يكون ابنه. ولكنه ثانياً نوى أن يطلب إلى أبيه أن “اجعلني كأحد أجراك”.

إن هذا طلب محدد جداً. فالخدام كانوا يشتغلون في الملكية ويُقيمون هناك. أما “الأجْرى” فكانوا أنواعاً شتى من أصحاب الحرف والمهن يُقيمون في القرى المحلية ويكسبون أجرتهم بالعمل. ويعتقد مُفسرون كثيرون أن استراتيجية الابن الأصغر كانت شيئاً من قبيل ما يلي: لقد أهان الابن الأصغر عائلته، وتالياً أهل بلده جميعاً. وكان “ميتاً” بالنسبة إليهم، كما يصف أبوه حالته.

وقد علم الحاخامون أن المرء الذي ينتهك معايير الجماعة لا يكفي أن يٌقدم اعتذاراً، بل عليه أيضاً أن يعوض عما أتاه. فالابن ينوي أن يقول: “يا أبي، أنا أعلم أني لا أملك حق العودة إلى العائلة. ولكن إذا جعلتني متدرباً عند واحدٍ من أجْراك حتى أتعلم مهنة وأكسب أجرة، فعندئذ على الأقل يمكنني أن أبدأ بوفاء ديني”. هذه كانت خطته. وهناك، في زريبة الخنازير، تمرن الابن الأصغر على خطابه. وعندما شعر بأنه مُستعد للمواجهة، نهض وباشر رحلة العودة إلى الديار.

والآن نصل إلى المشهد المسرحي الثالث والأخير من الفصل الأول. فها هو الابن الأصغر يصير ضمن نطاق الرؤية من البيت. ويراه أبوه فيركض…. يركض إليه! وكقاعدة عامة، فإن الآباء المميزين في الشرق الأوسط كانوا لا يركضون. كان للأولاد أن يركضوا؛ وللنساء أن يركضن؛ وللشبان أن يركضوا. أما رب الأسرة، ركن الجماعة المبجل ومالك الملكية الكبيرة، فما كان له أن يركض. ما كان أن يرفع أذيال ثوبه ويعري ساقيه مثل أحد الأولاد. غير أن هذه اب يركض فعلاً. إنه يركض إلى ابنه، ويُبدي عواطفه علناً إذ يقع على عنق ابنه ويُشبعه تقبيلاً.

لا شك – على الأرجح – أن هذا الاستقبال فاجأ الأخ الأصغر على نحو مدهش. وإذ حار وارتبك، حاول أن يبسط خطة العمل التي أعدها في سبيل التعويض. ولكن الأب قاطعه، لا متجاهلاً خطابه المحضر فحسب، بل مناقضا إياه مباشرة أيضاً. إذ يقول للخدام: “هيا! هاتوا الحلة الأولى وألبسوه!” فما هذا الذي قاله؟

إن الحلة الأولى في البيت لا بد أن تكون رداء الأب الخاص، العلامة الجلية على رد المقام في العائلة. فالأب يقول: “لن أنتظر حتى تكون قد وفيت دينك؛ لن أنتظر حتى تكون قد تذللت كفاية. إنك لن تكسب كسباً الرجوع إلى داخل العائلة، بل إني سأردك. سأكسو عريك وفقرك وثيابك الرثة بأثواب منصبي وكرامتي”.

ثم يأمر بأن يُعد الخدام وليمة احتفال، الطبق الرئيسي فيها هو “العجل المسمن”. وفي ذلك المجتمع، لم تكن معظم الوجبات تشتمل على اللحم. إذا كان طعاماً فاخراً غالياً. فقد كان اللحم أغلب الأحيان يُدخر للمناسبات والحفلات الخصوصية. ولكن ما من لحم كان أغلى من العجل المسمن. فأن تقام وليمة كهذه لا بد أنه كان أمراً لا يحدث إلا في المناسبات النادرة جداً، والأرجح أن القرية كلها دُعيت. وما إن ذاع الخبر سريعاً، حتى باتت وليمة كاملة الأوصاف جارية بمواكبة موسيقا ورقص، وكان هذا احتفالاً برد الابن الأصغر إلى الحياة والعائلة والمجتمع.

يا له من مشهد غاية في الروعة! لقد كان على الأب بعد أن يعالج حالة الابن الأكبر الروحية والأكثر تعقيداً وسميّة، في الفصل الثاني من المسرحية. ولكن الفصل الأول أصلاً تحدى عقلية الاخوة الكبار برسالة مُذهلة: إن محبة الله وغفرانه يستطيعان أن يصفحا عن أي نوع وكل نوع من الخطية أو الإثم، ويردّا المرتكب التائب إلى مقامه. فلا يهم من أنت، أو ماذا فعلت.

ولا يهم إذا كنت قد ظلمت الناس عمداً، أو حتى قتلتهم فعلاً، ولا كم تعسفت على نفسك. لقد علم الأخ الأصغر أن كثيراً من الطعام كان متوفراً وفائضاً في بيت أبيه، غير أنه اكتشف أيضاً أن هناك نعمة متفاضلة. فما من ذنب لا تستطيع محبة الأب أن تصفح عنه وتستره، وما من خطية تقوى على تحدي نعمته.

فالفصل الأول إذاً يبين “الإسراف السخي” لنعمة الله. إذ يصور السيد المسيح الأب هاجماً على ابنه في محبة ليس فقط قبل أن تتاح له فرصة كي ينظف حياته ويبرهن على تغير قلبه، بل أيضاً قبل أن يتمكن من تلاوة خطاب توبته. فلا شيء، ولا حتى الندم الذليل، يستحق رضى الله. إن محبة الآب وقبوله مجانيان تماماً.

ولكن الفصل الأول، على الرغم من كل جماله، لا يمكن أن يقوم وحده. وثمة مفسرون كثيرون، إذ يُركزون على الفصل الأول حصرياً، يستنتجون أن هذا المثل يناقض التعليم المسيحي التقليدي. فهم يقولون: “انظروا! لا ذكر هنا للتكفير عن الخطية. فلا حاجة إلى مخلص على صليب يؤدي عقاب الخطية ويفي دينها. إن الله هو إله محبة شاملة يقبل كل إنسان، مهما كان”.

لو كانت هذه هي الرسالة، لكان السيد المسيح ختم الحكاية هنا. ولكنه لم يفعل هذا؛ لأن الرسالة ليست هكذا. فبينما يُبين لنا الفصل الأول مجانية نعمة الله، سيُرينا الفصل الثاني كلفة النعمة وذروة القصة الصحيحة.

 

 

الأخ الأكبر الضال

عندما يسمع الأخ الأكبر من الخدام أن أخاه قد رجع، وأن أباه أرجعه إلى مقامه السابق، يستشيط غضباً. فالآن دوره في إهانة أبيه.

لقد رفض أن يدخل إلى ما يُرجح أنه كان أكبر وليمة وحدث عام أقامهما أبوه يوماً. فإنه بقي خارج الباب، مُدلياً علناُ بصوته حاجباً الثقة عن أفعال أبيه. واضطر ذلك الأب إلى الخروج لمحادثة ابنه الأكبر، الأمر الذي يحط من قدرك أن تفعله إذا كنت سيد الدار والحقول ومضيف وليمة عظيمة. ثم راح الأب يتوسل إلى ابنه الأكبر كي يدخل، غير أن هذا أصر على الرفض.

لماذا ثار غضب الابن الأكبر بشدة؟ لقد استاء كثيراً، ولا سيما من الإنفاق الذي كان جارياً؛ فهو يقول لأبيه: “إنك لم تعطني قط جدياً لإقامة حفلة، فكيف تجرؤ أن تعطيه العجل؟” غير أن العجل المسمن ليس سوى رمز؛ لأن الأب قد بذل نفقات تخطت العجل. فبإدخاله الأخر الأصغر من جديد إلى العائلة، جعله وارثاً من جديد، له حق في ثلث ثروة العائلة (وقد تضاءلت جداً الآن).

هذا أمر شائن لا يطاق في نظر الأخر الأكبر. وها هو يجمع الأمور بعضها مع بعض. “لقد اجهدت نفسي كثيراً بالعمل الشاق، وكسبت ما نلته. أما أخي فلم يفعل شيئاً قط كي يكسب أي شيء. وبالحقيقة كان يستحق الطرد فقط، غير أنك أنعمت عليه بالخيرات! فأين الإنصاف في هذا؟” لذلك يُشير الأخر الأكبر إلى سجله. “لم أعص لك أمراً قط! فإن لي حقوقاً! ومن حقي أن أستشار بشأن هذا الأمر! لا يحق لك أن تقرر هذه القرارات من جانب واحد”.

وهكذا، فإن حنق الأخ الأكبر جعله يتمادى في إهانة أبيه؛ فهو يرفض أن يخاطبه بالأدب والاحترام اللذين توجبهما تلك الحضارة على الصغار نحو الكبار، ولا سيما في العلن. إنه لا يقول “يا أبي الكريم”، بل يباشر كلامه متحدثاً عن نفسه: “ها أنا….” وفي حضارة تُضفي أهمية كلية على احترام الكبار وتوقيرهم، يُعد سلوك كهذا شائناً. وربما كان معادل عصري لهذا التصرف في كتابة أحد الأبناء سيرة حياة مُذلة تُدمر أبيه وحياته المهنية.

وأخيراً نصل إلى العقدة. كيف سيكون رد الأب على ثورة ابنه الأكبر السافرة؟ ماذا سيفعل؟ ربما كان من شأن رجل من أهل زمانه ومكانه أن ينكر في الحال. غير أنه يستجيب من جديد برقة مُذهلة، إذ يمضي قائلاً: “بني، على الرغم من أهانتك لي علناً، ما زلت أريد أن تحضر الوليمة. لن أقدم على إنكار أخيك، ولكني أيضاً لا أريد أن أنكرك أنت.

أدعوك إلى التراجع عن كبريائك، والدخول إلى الوليمة. الخيار بيدك. أتقبل أم لا؟” وهذه مناشدة دراماتيكية سخية على نحو غير متوقع.

وهنا تعتري المشاهدين دهشة بالغة. هل يلتئم شمل العائلة أخيراً بوحدة ومحبة؟ هل يتصالح الأخوان؟ هل يلين الأخ الأكبر بفضل هذه العرض الرائع ويتصالح مع أبيه؟

بينما تخطر في بالنا هذه الأفكار كلها، تُختم القصة! فماذا لم يُكمل السيد المسيح القصة ويخبرنا بما جرى؟ ذلك لأن جمهور هذه القصة الحقيقي كان الفريسيين، الأخوة الكبار. إن السيد المسيح يتوسل إلى أعدائه كي يستجيبوا لرسالته. وما تلك الرسالة؟

سيبرز الجواب عن هذا السؤال فيما نتمهل في الفصول التالية كي نفهم النقاط الرئيسية التي يبتغي السيد المسيح أن يجعلنا ندركها هنا. وبكلمة وجيزة، يُعيد السيد المسيح تعريف كل ما كنا نحسب أننا نعرفه بشأن التواصل مع الله. إنه يعيد تعريف الخطية، وما يعنيه كون المرء ضالاً، وما يعنيه كون الإنسان مخلصاً.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

 

الابن الأصغر والابن الأكبر الضالان – تيموثي كلر

الأشخاص المجتمعون حول السيد المسيح – تيموثي كلر

الأشخاص المجتمعون حول السيد المسيح – تيموثي كلر

الأشخاص المجتمعون حول السيد المسيح – تيموثي كلر

الأشخاص المجتمعون حول السيد المسيح – تيموثي كلر

كان الجميع “يدون منه ليسمعوه”

نوعان من الناس

إن معظم قراءات هذا المثل ركُزت على الابن الأصغر – “الابن الضال أو المسرف” – في هروبه ورجوعه. غير أن هذا يفوت رسالة القصة الحقيقة؛ لأن أمامنا أخوين، كل منهما يمثل سبيلاً مختلفاً في الابتعاد عن الله، وسبيلاً مختلفاً في التماس القبول داخل مملكة السماء.

ومن المهم أن نلاحظ الإطار التاريخي الذي يرسمه الكاتب لتعليم السيد المسيح هنا. ففي أول آيتين من هذا الأصحاح، يذكر لوقا أنه قد أقبل جماعتان من الناس للاستماع إلى السيد المسيح. إذ نلتقي أولاً “العشارين والخطاة”، أي جباة الضرائب وآخرين من الخطاة المشهرين. هؤلاء الرجال والنساء يُماثلون الأخ الأصغر. فإنهم لم يراعوا شرائع الكتاب المقدس الخُلقية، ولا أحكام الطهارة الطقسية التي يعمل بها اليهود المتدينون.

وقد انهمكوا في “عيشة جامحة”. ومثل الأخ الأصغر، “تركوا الديار” بتركهم الأخلاقيات التقليدية التي تتمسك بها عائلاتهم ومجتمعهم المحترم. أما جماعة المُستمعين الثانية فيه “الفريسيون والكتبة [معلمو الشريعة]”، وقد مثلها الأخ الأكبر. هؤلاء تشبثوا بالأخلاقيات التقليدية التي تربوا عليها. وقد انكبوا على دراسة الأسفار المقدسة وإطاعتها. وكانوا يسجدون بأمانة ويُصلون بمثابرة.

وباختصار شديد، يُبين لوقا كم كانت استجابة كل جماعة للسيد المسيح مختلقة عن الأخرى، فإن صيفة الاستمرار في الفعل اليوناني المترجم “كان …. يدنون” تدل على أن انجذاب الإخوة الصغار إلى السيد المسيح كان نموذجاً ثابتاً على الدوام في خدمته. لقد كانوا يتقاطرون إليه كل حين. فهذه الظاهرة أربكت دعاة الأخلاق والتدين وأغضبتهم… ويُلخص لوقا شكواهم: “هذا يقبل خُطاة، ويأكل معهم [أيضاً]!” فأن يجلس المرء ويأكل مع شخص ما في الشرق الأدنى القديم أمر كان إشارة إلى القبول. وهكذا، فإنهم كانوا يقولون: “كيف يجرؤ يسوع على مد يده إلى خُطاة مُشهرين كهؤلاء؟ إن هؤلاء القوم لا يحضرون خدماتنا بتاتاً! فلماذا يُجتذبون إلى تعليم يسوع؟ لا يُعقل أن يكون معلناً الحق لهم، كما نُعلنه نحن. لا بد أنه يقول لهم فقط ما يريدون أن يسمعوه!”.

إذاً، إلى مَن يوجه السيد المسيح تعليمه في هذا المثل؟ إلى الجماعة الثانية، أي الكتبة والفريسيين. فردّاً على موفقهم بدأ السيد المسيح يضرب هذا المثل. ويُلقي مثل الابنين نظرة مطولة على نفس الأخ الأكبر، ثم يبلغ الذروة بمناشدة قوية له كي يُغير قلبه.

على مر القرون، كلما جرى تعليم هذا النص في الكنيسة أو برامج التربية الدينية، كانت نقطة التركيز الوحيدة تقريباً تنحصر في كيفية استقبال الأب بكل سخاء لابنه الأصغر التائب. وأول مرة سمعت المثل، تصورت عيون مستمعي السيد المسيح الأصليين مغرورقة بالدمع إذ سمعوا كيف سيحبهم الله ويرحب بهم دائماً، بصرف النظر عما سبق أن فعلوه. فنحن نجعل هذا المثل مفعماً بالعاطفة إذا فعلنا ذلك. مع العلم أن المستهدفين في هذا الحكاية ليسوا “خطاة عصاة” بل هم قوم متدينون يعملون كل ما يطلبه الكتاب المقدس.

فالسيد المسيح لا يناشد أبعد الخطاة الفاسدي الأخلاق بقدر مناشدته لأٌقرب الأشخاص المتمسكين بأهداب الفضيلة. وهو يُريد أن يريهم عماهم وضيق آفاقهم وبرّهم الذاتي المزعوم، وكيف تعمل هذا الأمور على تدمير نفوسهم وحياة المحيطين بهم على السواء. فمن الغلط إذاً أن نحسب أن السيد المسيح يحكي هذه القصة بالدرجة الأولى كي يُطمئن الإخوة الصغار إلى محبته غير المشروطة.

لا، لم تنهمر دموع المستمعين الأصلين حيال هذه القصة، بالأحرى صُعقوا وثار استياؤهم وغيظهم. فليس قصد السيد المسيح أن يثير الحنان في قلوبنا، بل أن يُصدع مُسلماتنا. ومن خلال هذا المثل يتحدى السيد المسيح كل ما فكر فيه يومً كل واحد تقريباً بشأن الله والخطية والخلاص. فإن قصته هذه تكشف الأنانية المُدمرة لدى الأخ الأصغر، ولكنها أيضاً تدين التشدد الخلقي لدى الأخ الأكبر بأقوى الألفاظ. إن السيد المسيح يقول هنا إن غير المتدين والمتدين كليهما ضالان روحياً، وإن سبيلي حياتهما مسدودان، وإن كل فكرة خطرت يوماً للجنس البشري بشأن كيفية التواصل مع الله كانت فكرة خاطئة.

 

لماذا يحب الناس السيد المسيح، لا الكنيسة

إن الإخوة الكبار والإخوة الصغار على السواء موجودون معنا اليوم، في المجتمع نفسه، وأغلب الأحيان في الكنيسة نفسها.

كثيراً ما يكون الولد الأكبر في العائلة هو من يُسر الأبوين، الشخص المسؤول الذي يُطيع المعاير الوالدية. أما الولد الأصغر فيميل لأن يكون المتمرد، شخصاً حُراً يُفضل عشرة الرفقاء وإعجابهم. فالولد الأول يكبر، ويُزاول مهنة تقليدية، ويستقر قريباً من “الماما والبابا”، في حين ينطلق الولد الأصغر كي يعيش في الأحياء المبهرجة في أعماق المدن الكبرى.

هذه الفروق المزاجية لقيت تشديداً ملحوظاً في الأزمنة الأحدث عهداً. ففي أوائل القرن التاسع عشر، أدت حركة التصنيع إلى قيام طبقة وسطى جديدة – البورجوازية – سعت إلى اكتساب الشرعية بواسطة أخلاقيات محورها الاجتهاد في العمل والاستقامة الخلقية. وفي ردة فعل على النفاق والتزمت الملموسين لدى البورجوازيين، نشأتن تجمعات بوهيمية* من جماعة كاتب القصص هنري مرغر (Henri Murger) في باريس خلال أربعينات القرن التاسع عشر، إلى جماعة بلومسبري (Bloomsbury) في لندن، و”بيتس أوف غرينتش فلج” (Beats of Greenwich Village)، ومشاهد إندي-روك (The Indie-Rock) في أيامنا. فالبوهيميون يُشددون على التحرر من الأعراف الاجتماعية وعلى الاستقلالية الشخصية.

وإلى حد ما، يقوم ما يُدعى “حروب الحضارة” بتمثيل هذه الأمزجة والاندفاعات المتضاربة بعينها على مسرح المجتمع العصري. فإن عدداً متزايداً من الناس اليوم يحسبون أنفسهم لا دينيين، أو حتى ضد الدين. إذ يعتقدون أن القضايا الأخلاقية معقدة جداً، ويرتابون من أي أفراد أو مؤسسات يدعون أن لهم سلطة أخلاقية على حياة الآخرين. ولكن على الرغم من نُشوء هذه الروح غير الدينية (أو ربما بسبب ذلك)، ما تزال الحركات الدينية الراشدة المحافظة تشهد تقدماً ضخماً. وإذ توجس كثيرون مما يرونه انقضاضاً من قبل الأخلاق النسبية نظموا صفوفهم “لاسترداد القيم الأصيل” وللوقوف من “الإخوة الصغار” موقفاً معادياً مثل ذاك الذي وقفه الفريسيون منهم.

إذاً، في صف من كان السيد المسيح؟ في الرواية المشهورة “سيد الخواتم” (The Lord of the Rings)، عندما يسأل العفاريت الشيخ العجوز “تريبيرد” (Treebeard) في صف من هو، يجيب: “لست في صف أحد تماماً، لأن لا أحد في صفي تماماً… ولكن هنالك بالتأكيد بعض الأشياء التي لست في صفها تماماً”[1]. وقد كان جواب السيد المسيح الخاص عن هذا السؤال، من خلال المثل، مماثلاً. فهو ليس في صف غير المدينين ولا في صف المتدينين، غير أنه يُبرز الأخلاقية الدينية بوصفها حالة روحية مُهلكة.

يصعب علينا أن ندرك اليوم هذه الحقيقة، ولكن لما قامت المسيحية أولاً في العالم لم تُدع ديانة، فقد كانت اللاديانة. تصور جيران المسيحين الأوائل يسألونهم عن إيمانهم. فإذا سألوهم: “أين هيكلكم؟” يقولون نه ليس لهم هيكل. “ولكن كيف يُعقل أن يكون هذا هو الواقع؟ أين يشتغل كهنتكم؟” ثم يجيب المسيحيون بأن ليس لهم كهنة. فيُغمغم الجيران: “ولكن…. ولكن أين تٌقدم القرابين أو الأضاحي لإرضاء آلهتكم؟” ويجيب المسيحيون بأنهم لا يٌقدمون ذبائح كهذه. فإن السيد المسيح نفسه كان الهيكل الذي وضع حداً لجميع الهياكل، والكاهن الذي وضع حداً لجميع الكهنة، والذبيحة التي وضعت حداً لجميع الذبائح[2].

لم يكن أحد قط قد سمع أي شيء كهذا. لذا دعا الرومان المسيحيين “ملحدين”؛ لأن ما كانوا يقولونه بشأن الحقيقة الروحية كان فريداً ولم يكُن ممكناً أن يُصنف مع ديانات العالم الأخرى. فهذا المثل يُفسر لماذا كانوا على حق تماماً في دعوة المسحيين مُلحدين.

ويجب ألا يفوتنا ما في ذلك من سخرية، ونحن واقفون في وسط حروب الحضارة العصرية. ففي نظر معظم الناس في المجتمع الغربي، المسيحية هي ديانة وأخلاق. والبديل الوحيد لها (فضلاً عن واحدة من ديانات العالم الأخرى) هو اللادينية التعددية. ولكن من البدء لم تكن الحال على هذا المنوال. فقد عرفت المسيحية بكونها “عنصراً ثالثاً” – أمراً مختلفاً كلياً.

إن النقطة الحاسمة هنا، عموماً، هي أن القوم المتشددين في التمسك بالأصول الدينية استاءوا من السيد المسيح؛ أما المتغربون عن التشدد الديني والأخلاقي فقد أُسروا وانجذبوا إليه. ونحن نرى هذا في غير موضع من أخبار العهد الجديد عن سيرة حياة السيد المسيح. ففي كل حالة حيث قابل السيد المسيح شخصاً متديناً وامرأة منبوذة بسبب خطايا الجنس (كما في لوقا 7)، أو شخصاً متديناً وامرأة منبوذة بسبب التمييز العرقي (كما في يوحنا 3 و4)، أو شخصاً متديناً وآخر منبوذاً بسبب العلاقة السياسية (كما في لوقا 19)، كان المنبوذ أو المنبوذة هو الشخص الذي يتواصل مع السيد المسيح، على نقيض الذي يماثلون الأخ الأكبر. ويقول السيد المسيح للقادة الدينيين المحترمين: “إن العشارين والزواني يسبقونكم إلى ملكوت الله” (متى 21: 31).

لقد اجتذب تعليم السيد المسيح باستمرار غير المتدينين، في حين أثار استياء القوم المتدينين المؤمنين بالكتاب المقدس في زمانه. ولكن كنائسنا اليوم، في الأغلب، ليس لها هذا التأثير. فإن الأشخاص البعيدين من النوع الذي اجتذبه السيد المسيح لا ينجذبون إلى الكنائس المعاصرة، حتى التي تحتل مراتب الطليعة. ذلك أننا أميل إلى اجتذاب الأشخاص الأخلاقيين، المحافظين، الطيعين. أما المتفلتون والمتحررون او مكسورو القلب والمهمشون، فيتجنبون الكنيسة. وذلك لا يمكن أن يعني إلا أمراً واحداً: إذا كان وعظ خدامنا وممارسة رعايانا لا يحدثان في الناس مثل التأثير الذي أحدثه السيد المسيح، فلا بد أننا لا نعلن الرسالة ذاتها التي أعلنها هو؛ وإذا كانت كنائسنا لا تجتذب الإخوة الصغار، فلا بد أن تكون ممتلئة بإخوة كبار أكثر عدداً مما نود أن نظن.

* البوهيمي في الأصل هو أحد مواطني منطقة بوهيميا التشيكية. غير أن المصطلح انتشر بمعنى آخر في فرنسا أولاً في القرن التاسع عشر، حيث صار يدل على أي كاتب أو فنان يميل إلى اتخاذ سلوك أو نمط حياة غير مألوف (الناشر).

[1] J.R.R Tolkien, The Two Towers (Harper Collins, 2004), p. 577.

[2] هذا الحوار مؤسس على إيضاح من عظة ألقاها ريتشارد لوكاس (Richard Lucas)، من كنيسة القديسة هيلانة الأنغليكانية في بيشبسغايب، لندن، المملكة المتحدة.

الأشخاص المجتمعون حول السيد المسيح – تيموثي كلر

المسيحيَّة ، سترةُ مَساجين – تيموثي كِلر

 المسيحيَّة ، سترةُ مَساجين – تيموثي كِلر

المسيحيَّة ، سترةُ مَساجين – تيموثي كِلر

المسيحيَّة ، سترةُ مَساجين – تيموثي كِلر

 

 

قالت كيث (Keith)، وهي فنَّانة شابَّة تُقيم في بروكلين: ” يؤمنْ المسيحيُّون بأنَّ لديهم الحقيقة المُطلقة التي ينبغي أن يؤمن بها كلُّ شخصٍ آخر، وإلَّا… وهذا الموقف يُعرِّض حرّيَّة كل إنسان للخطر”.

ووافقت كلوي (Chloe)، وهي فنَّانة شابَّة أخرى، قائلة: ” نعم، إنَّ فكرة شعارها “حقيقة واحدة للجميع” تُقيِّد المرء تقييدًا يُجاوز كلَّ حدّ. فلا يبدو أنَّ لدى المسيحييِّن الذين أعرفهم الحرّيَّة للتفكير بالأصالة عن أنفُسهم. وأنا أعتقد أنَّ على كل فرد – رجلاً كان أم امرأة – أن يُحدِّد الحقيقة لنفسه”.

أيكون الإيمان بحقيقة مُطلقة عدوًّا للحرِّيَّة؟ مُعظم الذين قابلتُهم في مدينة نيويورك يعتقدون أنَّه كذلك. فالمسيحيَّة تُسمِّي بعض المعتقدات “هرطقة” وبعض الممارسات “لاأخلاقيَّة”. وهي تحرم من شَركتها أولئك ثالذين يتعدَّون حدودها العقائديَّة والخُلُقيَّة. ويبدو هذا للمُراقبين المُعاصرين أنَّه يُعرِّض الحرِّيَّة المدنية للخطر؛ لأنه يَقسمُ الناس ولا يُوَحِّدهم. كما يبدو أيضًا أنَّه تزمُّت على الصعيد الحضاري، إذ يُخفقُ في الإقرار بأنَّ لمختلف الحضارات وجهات نظرٍ شتَّى بشأن الواقع. وأخيرًا يبدو أنَّه يستعبد الأتْباع، أو على الأقلِّ يُعاملهم كأطفال، إذ يُحدِّد ما يجب أن يؤمنوا به ويمارسوه في كلِّ شأن محدَّد. وقد تحدَّث أم. سكوت بَك (M. Scott Peck) بشأن تقديمه المَشورة لامرأةٍ اسمها شارلين (Charlene) قالت عن المسيحيَّة: “لا مكانَ لي في ذلك. إنَّه سيَعني موتي!… لستُ أريد أن أحيا لله، ولن أفعل. أريد أن أحيا…. لأجل ذاتي”.[1] فإنَّ شارلين اعتقدت أنَّ المسيحيَّة ستَعوق إبداعها ونُموَّها.. وقد سبقتها إلى ذلك الناشطة الاجتماعيَّة إيما غولدمان (Emma Goldman) التي عاشتْ في أوائل القرن العشرين، إذ دعت إيما المسيحيَّة “هادمة الجنس البشريّ، كاسرة إرادة الإنسان فلا يجرؤ الإنسان ولا يعلم … إنَّها شبكةٌ من حديد، سترة مساجين لا تَدَع الإنسان يتمدَّد أو ينمو”.[2]

في نهاية فيلم “أنا الروبوت ” المُنتج في عام 2004، كان الروبوت المدعوُّ سوني (Sonny) قد حقَّق أغراض برنامج تصميمه، إلَّا أنَّه أدرك حالاً أنَّه بات بلا غايةٍ بعد. ويُختم الفلم بحوار بين سوني والشخصية الرئيسيَّة الأخرى، المُحقِّق سبونر (Spooner).

سوني: ها أنا الآن قد أتْمَمت غايتي، ولا أدري ما أفعل.

المحقِّق سبونر: يُخيَّل إلىَّ أنَّك ستُضطرُّ إلى إيجاد سبيلك على غِرارنا أجمعين، يا سوني… فهذا هو ما يَعنيه ان تكون حُرًّا.

 

حسبَ هذه النظرة، تعني الحرِّيَّة عدم وجود غاية مُهَيمنة خُلِقنا لأجلها. ولو كانت موجودة، لكُنَّا مُلزَمين ان نخضع لها ونُتمَّها، وهذا يُقيِّدنا. فالحرِّيَّة الحقيقية هي حرِّيَّتك بأن تُوجد مَعناك وغايتك الخاصَّين. وقد ادَّخرَتِ المحكمة العليا هذه النظرة لمَّا ارتأت أنَّ “قلب الحرِّيَّة هو أن يُحدِّد المرءُ مفهومه الخاصَّ للوجود، لمعنى الكون”.[3] ويتَّفق ستيفن جاي غولد (Stephan Gould) مع القائلين بهذا الرأي:

نحن هنا لأنَّ طائفة غريبة من السَّمك كانت زعانفها ذات تركيب خاص مكَّنها من أن تتحوَّل إلى أرجُل لمخلوقات البرَّ؛ لأنَّ نيازك ضربت الأرض وأزالت الديناصورات، مُتيحة للثَّديِّيات فرصة ما كانت لتُتاح لولا ذلك… ربَّما نتوق إلى جواب “أسمى” – ولكن لا جواب كهذا. ولئن كان هذا التفسير مُقلقًا على نحو سطحيّ، إن لم يكن مروِّعًا، فهو مُحرِّر ومبهج إلى أقصى حدّ. إنّنا لا نستطيع ان نقرأ معنى الحياة بخمولٍ في وقائع الطبيعة. فعلينا أن نُنشئ هذه الأجوبة لأنفسنا…[4]

تبدو المسيحيَّة وكأنَّها عدوَّة للتَّماسك الاجتماعيّ، والتكيُّفيَّة الحضاريَّة، بل الشَّخصانيَّة الأصيلة أيضًا. ولكن هذا الاعتراض مؤسَّس على أغلاطٍ بشأن طبيعة الحقِّ، والجماعة، والمسيحيَّة، والحرِّيَّة نفسها.

 

 

الحقُّ لا مفرَّ منه

 

كتب الفيلسوف الفرنسيُّ فوكو (Foucault): “إنَّ الحق شيء يخص هذه الدُّنيا. وهو يَنتُجُ فقط بأشكال شتَّى من التقييد تشمل مفاعيل السُّلطة المُنتظمة”[5]. وباسْتلهام فوكو، يقول كثيرون إنَّ جميع مزاعم الحقِّ هي لُعَبُ سُلطة. فعندما تزعمُ أنَّك تملك الحقَّ، فأنت تحاول أن تحوزَ السُّلطة والسَّيطرة على الآخرين. وقد كان فوكو تلميذًا لنيتْشه (Nietzsche)، وهما- لصدقيتهما- استخدما هذا التَّحليل بالنسبة لليساريِّين واليمينيِّين على السواء. فإنَّ صرَّحت أمام نيتشه قائلاً “على الجميع يُنصفوا الفقراء”. فإنَّه سيسأل: أقلت ذلك لأنَّك تحبُّ العدل والفُقراء حقًّا، أم لأنَّك تريد مباشرة ثورة تؤتيك السَّيطرة والسُّلطة؟

غير أنَّ الاعتراض بأنَّ الحق كله لُعبة سلطة يقع فريسة للمشكلة نفسها التي تُواجه الاعتراض بأنَّ الحق كُله خاضع للتكييف الحضاري والثقافي. فإن حاولت أن تُسقِط بالشَّرح جميع توكيدات الحقِّ بهذه الذَّريعة أو تلك، أو بحًجَّة أخرى، فإنَّك تجد نفسك في موقع يتعذَّر الدِّفاع عنه. وقد كتب سي. إس. لويس في كتابه “إبطال الإنسان“ (The Abolition of Man):

ولكنَّك لا تستطيع أن تستمر إلى ما لانهاية في “إسقاط الأمور بالشرح”: إذ سيتبين لك أنَّك أسقطت بالشرح الشرح عينه. ولا يسعك أن تمضي إلى الأبد في “استشفاف” حقائق الأمور. فبيت القصيد في استشفاف حقيقة أمر ما هو ان ترى شيئًا من خلاله. ومن الخير أن النافذة ينبغي أن تكون شفافة؛ لأن الشارع أو البستان وراءها معتم (غير شفَّاف). فكيف يكون الوضع لو تمكَّنت أن ترى من خلال البستان أيضًا؟… إنَّ عالمًا شفافًا إلى التمام هو عالم غير منظور. فإن “تَستشِفَّ” جميع الأشياء وأن لا ترى أيَّ شيء سيَّان.[6]

 

فإذا قُلت إنَّ جميع مزاعم الحق لُعَبُ سُلطة، فكذلك تكون مقولتك هذه أيضًا الأمر ذاته. وإذا قُلتَ (مثل فرويد [Freud]) إنَّ جميع مزاعم الحقِّ بشأن الدين والله هي مجرَّد إسقاطات نفسيَّة لأجل التَّصدِّي لقلقك وشعورك بالذَّنْب، فكذلك تكون مقولتك هذه أيضًا الأمر ذاته. فأن ترى من خلال كلِّ شيء هو ألا ترى شيئًا.

لقد كان فوكو يُشدِّد على أن يعتنق الآخرون حق تحليله، رُغم إنكاره لمقولة الحقِّ ذاتها. وهكذا، فإنَّ بعضًا من مزاعم الحق يبدو أمرًا لا مفر منه. والتناقض الذاتي في مقاومتك الظلم والطغيان عمليًّا، وأنت ترفض الاعتراف بوجود شيء مثل الحق، هو السَّبب الذي من أجله رُبَّما كان مفهوما “النظرية” (Theory) و”النَّقض” (Deconstruction) اللذان تَلَيَا الفلسفة الحديثة آخذين في الضَّعف.[7] هذه النُّقطة عينها أوضحها جي. كاي. تشسترتون (G.K. Chesterton) منذ مئة سنة تقريبًا:

الثائر الجديد شكوكي، ولن يثق بأي شيء.. [ولكنَّه] لذلك لا يمكن أن يكون البتَّة ثوريًّا بالفعل. ذلك أنَّ كل تنديد يتضمَّن عقيدة خُلقيَّة من نوع ما… ولذلك، فإنَّ الإنسان الحديث في ثورته قد بات من الناحية العلميَّة عديم النفع بالنسبة إلى جميع مقاصد الثَّورة. إذ بثورته على كلِّ شيء فقد حقَّه بأن يثور على أيِّ شيء… فهنالك فكرة توقف كلَّ فكرة. وتلك هي الفكرة الوحيدة التي ينبغي أن توقف.[8]

 

الجماعة لا يمكن أن تكون شاملة كليًّا

تقتضي المسيحيَّة معتقدات محدَّدة لكي يكون المرء عُضوًا في جماعتها المُشتركة. فهي ليستْ مفتوحة للجميع. ويُحاجُّ النقَّاد بأنَّ هذا يدعو إلى الشِّقاق اجتماعيًّا. إنَّما ينبغي بالأحرى للجماعات البشريَّة أن تكون شاملة كليًّا، مفتوحة أمام الجميع على أساس بشريتنا المشتركة. ويُشدِّد أنصار هذا الرأي على أنَّ أحياء كثيرة في المدن تضمُّ سكانًا من مختلف الأجناس والمعتقدات الدينيَّة، يعيشون ويعملون كجماعة مشتركة رغم ذلك. وكلُّ ما هو مطلوبٌ لجماعة كهذه أن يحترم كل شخص خصوصية الآخرين وحقوقهم ويعمل في سبيل تكافؤ الفرص للجميع بالنسبة إلى التربية والتعليم والوظائف والأشغال وتقرير الخيار السياسي. ويُقال إنَّ المعتقدات الخُلُقية المشتركة ليست ضروريَّة في “ديمقراطيَّة ليبراليَّة”.

ممَّا يؤسف له أنَّ الرأي المُعبِّر عنه توًّا هو إفراط في التبسيط واسع النطاق ومُشوِّه للحقيقة. فالديمقراطيَّة الليبراليَّة مؤسَّسة على لائحة افتراضات شاملة: تفضيل الحقوق الفرديَّة على الجماعيَّة، فَصْل بين الأخلاقيَّات الخاصة والعامَّة، تقديس الاختيار الشخصي. وهذه المعتقدات كلُّها غريبة عن حضارات أخرى كثيرة.[9] ومن ثَمَّ فإنَّ ديمقراطيَّة ليبراليَّة ما (كما في كلِّ جماعة مُشتركة) مؤسَّسة على جُملة معتقدات مُشتركة خصوصية جدًّاً. والمجتمع الغربي قائم على التزامات مشتركة للمنطق والحقوق والعدالة، رغم عدم وجود أيَّ تعريف مقبول بالإجماع لأيٍّ من هذه.[10] فكلُّ وصف للعدل والعقل هو مُدغَمٌ في تشكيلة من المعتقدات الخصوصيَّة بشأن معنى الحياة البشريَّة التي لا يشترك فيها الجميع على السواء.[11] وعليه، فإنَّ فكرة وجود جماعة مشتركة كلية الشمول هي وَهم.[12] إذ إنَّ كل جماعة بشريَّة مشتركة تعتنق على العموم بعض المعتقدات التي لا بدَّ أن تُوجِد حدودًا، فتشمل بعض الناس ضمن دائرتها وتُقصي آخرين عنها.

ولنأخُذْ مثلاً يُوضح ذلك. تصوَّر أن واحدًا من أعضاء الهيئة العامَّة في جمعيَّة غربيَّة تدافع عن حقوق المثليِّين والمتحولين جنسيًا يُصرِّح قائلاً: “لقد حصلَ لي اختبارٌ دينيٌّ، وأنا الآن أعتقد أنَّ مُضاجعة النظير خطيَّة”. وإذْ تمرُّ الأسابيع، يُصرُّ على إعلان توكيده. وتَصوَّرْ أن عضوًا من أعضاء الهيئة العامَّة في جمعيَّة أخرى تُناهض الشُّذوذ الجنسي يُصرِّح قائلاً: “اكتشفتُ أنَّ ابني مثليٌّ، وأعتقد أن له الحقَّ في الزواج بشريكه”. فمهما كان أعضاء كلتا الجمعيَّتين لُطفاء ومَرِنين على الصعيد الشخصيّ، فلا بدَّ أن يأتي اليوم الذي فيه تُضطرُّ الجمعيَّة إلى القول: “عليك أن تخرج من الهيئة؛ لأنَّك لا تشاركنا في التزامنا المشترك”. ولئن كانتْ أولى هاتين الجمعيَّتين مشهورة بكونها إشتماليَّة، والثانية بكونها حصريَّة، فإنَّ كلتيهما – في الممارسة – تتصرَّفان بالطريقة نفسها تقريبًا. فكِلتاهما مؤسَّستان على معتقدات مشتركة تؤدِّي دوْرَ الحدود، حيث تشمل بعضًا وتُقصي آخرين. وليست أيَّة واحدة منهما “ضيِّقة أفق التفكير” في تصرُّفهما هكذا، إذ إنَّهما تصرَّفتا بوصفهما جمعيَّتين لجماعتَين.

إنَّ أيَّة جماعة مشتركة لا تُحاسب أعضاءَها على مُعتقدات ومُمارسات معيَّنة لن تكون لها هُويَّة جماعيَّة، ولن تُشكِّل بالحقيقة جماعة مشتركة أبدًا.[13] فلا يمكنُنا أن نحسب مجموعة ما حصريَّة لمجرَّد تمسُّكها بمعايير لأعضائها. أفليس من سبيل إذًا إلى الحكم بشأن جماعة ما أهي مُنفتحة ومُباليَّة، وليست مُتشدِّدة وطاغية؟ بلى! إليك صيغة من الأسئلة أفضل بكثير: أيَّة جماعة تعتنقُ معتقدات تدفع أعضائها لأنْ يعاملوا أهل الجماعات الأخرى بمحبَّة واحترام، وأن يخدموا ويُلبُّوا حاجاتهم؟ أيَّة مُعتقدات للجماعة تدفعُها لأن تحسب مُنتهكي حدودها شياطين وتُهاجمهم، بدلَ أن تُعاملهم بلطفٍ واتِّضاع ومرح؟ وينبغي أن ننتقد المسيحيِّين حين يكونون ديَّانين وغير لُطفاء نحو غير المؤمنين.[14] إنَّما لا ينبغي أن ننتقد الكنائس حين تتمسَّك بمعايير للعضويَّة تُوافق مُعتقداتها. فكلُّ جماعة هي جماعة مشترَكة يجب أن تفعل الأمر ذاته.

 

المسيحيَّة ليست صارمة حضاريًّا وثقافيًّا

 

يُشاع عن المسيحيَّة أيضًا أنَّها سترة مساجين حضاريَّة وثقافيَّة. ويزعمون أنَّها تُقحِم أهل الحضارات المختلفة في قالب حديدي واحد. ويُنظَر إليها كما لو كانت عدوَة للتعدُّدية والتنوُّع الحضاري. غير أنَّ المسيحيَّة ما تزال في الواقع أكثر تكيُّفًا (وربَّما أقل هدمًا) حيال مختلف الحضارات لدى مقارنتها باللَّادينيَّة وبكثير من فلسفات الحياة الشاملة الأخرى.

إنَّ نموذج التوسُّع في المسيحيَّة يختلف عنه في ديانات العالم الأخرى. فإنَّ مركز الاسلام وأكثريَّته ما يزالان في مكان نشأته، أي الشَّرق الأوسط. والبلدان الأصليَّة التي كانت المراكز الدِّيمغرافيَّة للهندوسيَّة والبوذيَّة والكونفوشيوسيَّة ما تزال هكذا. وعلى النقيض، كانت الأكثريَّة في المسيحيَّة أوَّلاً من اليهود، وتركَّزْت في أورشليم. بعد ذلك صار السَواد الأعظم فيها من الهلِّينييِّن (اليونانيِّين)، وتركَّزتْ في منطقة البحر الأبيض المتوسِّط. ومن ثَمَّ قَبِلَ المسيحيَّة أجنبيُّو أوربَّا الشماليَّة، فباتت أكثريَّة المسيحيين من الأوروبيِّين الغربيِّين، وبعد ذلك من الأمريكييِّن الشماليِّين. واليوم يعيش أغلبُ مسيحيِّي العالم في أفريقيا وأمريكا اللاتينيَّة وآسيا. وقريبًا ستتركَّز المسيحيّضة في الأجزاء الجنوبيَّة والشرقيَّة للكرة الأرضيَّة.

وهنا تُنوِّرنا دراسة حالتَين. ففي 1900، شكل المسيحيُّون 9% من سُكَّان أفريقيا، واكن المسلمون يفوقونهم عددًا بنسبة 4 إلى 1. أمَّا اليوم، فالمسيحيُّون يشكلون  44% من مجموع السُّكَّان،[15] وفي ستِّينيَّات القرن العشرين فاقُوا المسلمين عددًا.[16] هذا النُّموَّ الانفجاري هو الآن في بدايته في الصين،[17] حيثُ المسيحيَّة تتنامى ليس فقط بين الفلاَّحين، بل أيضًا في أوساط الهيئتَين الاجتماعيَّة والثقافيَّة، بما في ذلك الحزب الشُّيوعي. وبمعدَّل النُموِّ الجاري حاليًا، فإنَّه في غضون ثلاثين سنة سوف يُشكِّل المسيحيُّون 30% من سُكَّان الصين البالغ عددُهم مليارًا ونصف مليار نسمة.[18]

تُرى، لماذا انتشرت المسيحيَّة انفجاريًّا على هذا النَّحو في تلك الأماكن؟ يُقدِّم العالم الأفريقيُّ لمين سانه (Lamin Sanneh) جوابًا آسرًا جدًّا. فهو يقول إنَّ للأفريقيين تقليدًاً طويلاً من الإيمان بعالم فوطبيعي زاخرٍ بالأرواح الخيِّرة والشرِّيرة. فلما بدأ الأفريقيُّون يقرأون الكتاب المقدَّس مترجمًا إلى لُغاتهم الخاصَّة، أخذ كثيرون منهم يَرَون في السيِّد المسيح الحلَّ النهائيَّ لأشواقهم وآمالهم التاريخية بوصفهم أفارقة.[19] وممَّا كتبه سانه:

لبَّت المسيحيَّة هذا التحدَّي التاريخيّ بإعادة توجيهها للرؤية إلى العالَم… فقد أحسَّ الناس في قلوبهم أنَّ السيَّد المسيح لا يسخرُ باحترامهم لما هو مقدَّس ولا بتوقهم الصَّارخ إلى مخلِّص لا يُقهَر. وهكذا قرعوا له طُبولهم المقدَّسة حتى تَواثَبت النجوم وتراقصت في الأفلاك. وبعد تلك الرَّقصة لم تعد النجوم صغيرة! فقد ساعدت المسيحيَّة الإفريقيين على أن يصيروا أفارقة مَولودين من جديد، لا أوربيين مُصنَّعين.[20]

ويُحاجُّ سانه بأنَّ العلمانيَّة، برفضها للفوطبيعية وفردانيتها هي أكثر من المسيحيَّة بكثير هدمًاً للحضارات المحلِّيَّة و”للأفرَقة” (African-ness). ففي الكتاب المقدَّس، يقرأ الإفريقيُّون عن سُلطة السيَّد المسيح على الشرِّ الفوطبيعي والروحي، وعن دَحْره له على الصليب. وعندما يصيرون مسيحيِّين حقيقيِّين، تهتدي أفرقتُهم وتُكمَّل وتُوطَّد، دون أن تحلَّ محلَّها الأوربة (European-ness) أو أيُّ شيء آخر.[21] فبالمسيحيَّة، يكتسبُ الأفارقة بُعدًا يكفي لنقد تقاليدهم، وللتَّمسُّك مع ذلك بالصَّالح منها أيضًا.[22]

ومن الأمثلة اللافتة على التكيُّف الحضاريِّ والثقافيِّ جمهور المؤمنين في كنيسة الفادي المشيخيَّة في منهاتن، حيث أخدمُ راعيًا. فإنَّ نموَّها في تلك البيئة قد فاجأ المُراقبين، بل صعقَهم أيضًا. ويُوجَّه إلىَّ تكرارًا هذا السؤال: “كيف تتمكَّنون من الوصول إلى آلاف الراشدين الشباب في مكان لا دينيٍّ كهذا؟” فالجواب هو أنَّ المسيحيَّة قد فعلتْ في مدينة نيويورك ما قد فعلته في جميع الأماكن الأخرى التي تنامَت فيها. ذلك أنَّها تكيَّفت على نحوٍ مهمٍّ وإيجابي بمُقتضى الحضارة المحيطة بها دون أن تساوم على مُعتقداتها الرئيسيَّة.

 

إن العقائد الأساسيَّة في كنيسة الفادي تتَّفق مع مثيلاتها من المعتقدات الفوطبيعيَّة وقويمة الرأي لدى الكنائس الإنجيليَّة والخمسينيَّة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينيَّة وجنوب الولايات المتَّحدة وغربها الأوسط. وهذه العقائد هي: ألوهيَّة السيَّد المسيح، عصمة الكتاب المقدَّس، وجوب الولادة الثانية الروحيَّة بواسطة الإيمان بموت السيَّد المسيح الكَّفاري. وهي مُعتقدات غالبًا ما تضعُنا في صراع مع الآراء والمُمارسات التي يُراعيها كثيرون من سكَّان مدينة نيويورك. وفي الوقت نفسه، تبنَّينا بسرور كثيرًا من النواحي الأخرى في الثقافة المدينيَّة التعدُّديَّة. فنحن نُحبِّذ الفنون، ونُقدِّر التنوُّع العرقي، ونُشدَّد على أهمَّيَّة العمل في سبيل تمتيع جميع مَواطني المدينة بالعدالة، ونتواصل مع الناس بلُغة حضارتنا المتركِّزة في وسط المدينة وبِوَعيها وإدراكها. ونحن نُشدِّد أكثر الكل على نعمة مخلِّص تناول الطَّعام مع أناس دعاهم المجتمع “خطاة”، وأحبَّ أولئك الذين عارضوه. وهذه الأمور كلُّها مُهمَّة جدا عند المقيمين في منهاتن.

نتيجة لذلك، تجتذب كنيسة الفادي وتبلغ جمهورًا مدينيًّا كثير التنوُّع. ففي إحدى خدمات أيَّام الأحد بكنيسة الفادي، عُرِّفَتْ زوجتي كاثي برجل جالس أمامها، أتى به إلى الكنيسة جون ديلوريان (John DeLorean)، كان كاتب خُطب لمُرشَّح رئاسيٍّ جمهوريّ. وبُعيد ذلك نَقَرتْ كتفها امرأةٌ جالسةٌ وراءها، أرادت أن تُعرِّفها بضيف آخر. فهي قد أتَتْ الكنيسة برجُل كان حينذاك كبير كُتَّاب الأغاني لدى مادونا (Madonna). وقد سُرَّت كاثي بوجود ذينك الضيفين كليهما، إلَّا أنَّها تمنَّت ألَّا يلتقي أحدهما الآخر قبل سماع العظة!

ومنذ بضع سنين زار كنيسة الفادي رجُل من ولاية جنوبيَّة في الولايات المتَّحدة. وان قد سمع أنَّنا توسَّعنا في وسط مدينة لادينيَّة شكوكيَّة، رغم تمسُّكنا بالعقيدة المسيحيَّة المستقيمة. وتَوقَّع أن يجد أنَّنا نجتذب الناس بمُوسيقى مُبتكرة، وأجهزة فيديو ومقاطع أفلام، وتمثيليَّات دراميَّة، وخلفيَّات مُشوِّقة بصورة استثنائيَّة، وغير ذلك من المشاهد الجذابة للنَّظر. ولكنْ أدهشه أنْ وجد خدمة بسيطة ومألوفة بَدَت في الظاهر مُماثلة لتلك التي تُقام في موطنه الأكثر مُحافظة. إلَّا أنَّه استطاع أيضًا أن يُلاحظ أنَّ الجمهور ضمَّ أشخاصًا كثيرين ما كانوا ليرتادوا قطعًا الكنائس التي يعرفها. وبعد الخدمة قابلني ثُمَّ قال: “هذا لُغزٌ تام بالنسبة إليَّ. أين الدببة الراقصة؟ أين أساليب التأثير المُبتكرة؟ لماذا احتشد هؤلاء القوم هنا؟”

أحلته على بعض المُشتغلين بالفن في وسط المدينة ممَّن دأبوا في حضور الكنيسة مدَّةً من الزَّمن، فاقترحوا عليه أن ينظر ما دون السَّطح (إلى العمق). وقال أحدهم إنَّ الفرق بين كنيسة الفادي وغيرها جوهريٌّ، وهو يكمُن في “التَّهكُّم اللطيف والمحبَّة والإحسان والتواضع”. وقالوا لقد أعوز كنيسة الفادي اللُّغة الطنَّانة، والمُفرطة في الوجدانيَّة، تلك التي يجدونها ذات تأثير عاطفيٍّ مُصطنَع لدى كنائس أخرى. أمَّا أهل كنيسة الفادي، بدلًا من ذلك كانوا يُخاطبون الآخرين بتهكُّم لطيف. وليس ذلك فقط، بل إنَّ العقائد هنا كانت مُعتنَقة بمحبَّة وإحسان وتواضُع، ممَّا جعل أهل منهاتن يشعرون بأنَّهم مَعنيُّون ومُرّحَّب بهم، حتى لو اختلفوا عن الكنيسة في بعض مُعتقداتها. وقالوا أيضًا إنَّ التعليم والتواصُل في كنيسة الفادي، في المقام الأوَّل، اتَّصفا بالدراية والفطنة والتنبُّه إلى التَّفاوت، مع إبداء الحسَّاسية حيث يكون أناسٌ حسَّاسون.

إنَّ نقاط التَّشديد هذه كلَّها تلقى استحسانًا في منهاتن، ولكنَّ لكلٍّ منها جذورًا عميقة في العقيدة المسيحيَّة التاريخيَّة. فالتَّشديد على التنوُّع العرقيِّ مثلًا مُستَمَدٌّ مُباشرة من الأصحاح الثاني في رسالة بولس الرسول إلى مؤمني أفسُس، حيث يُبيِّن بولس أنَّ التنوُّع العرقيَّ في الكنيسة هو شهادة مهمَّة لحقِّ الرسالة المسيحيَّة. ولنا مَثَل آخر فيما قاله راينهولد نايبُر (Reinhold Niebuhr) إذ أشار أنَّ التَّهكُّم أو السُّخرية حيال رؤية الكائنات البشريَّة تحاول أن تكون مثل الله ولكنَّها تفشل، هي طريقة مسيحيَّة تمامًا في النظر إلى الأمور.[23] ولأنَّ لهذه التوكيدات التكيُّفيَّة كُلِّها جذورًا عميقة في التعليم المسيحي التاريخي، فهي ليسَت مجرَّد تقنيَّات تَرويجيَّة.

لماذا تيسَّر للمسيحيَّة، أكثر من أيَّة ديانة رئيسيَّة اخرى في العالم، أن تتسرب إلى عدد كبير من الحضارات المختلفة جذريًّا؟ هنالك بالطَّبع خلاصة تعاليم جوهريَّة (قانون الإيمان الرسولي، الصلاة الربَّانيَّة، الوصايا العشر) تلتزمُها جميعُ اشكال المسيحيَّة. ولكن ثَمَّة قدرًا كبيرًا من الحرِّيَّة في كيفِّية التَّعبير عن هذه المُطلقات وتشكُّلها داخل حضارة معيَّنة. فالكتاب المقدَّس مثلاً يوجه المسيحيين إلى الاتحاد في ترنيم التسابيح، ولكنَّه لا يُحدِّد الوزن الشِّعري أو الإيقاع، أو مستوى التعبير العاطفي، أو استخدام الآلات الموسيقية – فهذا كله متروك كي يجري التعبير عنه حضاريًا بطُرق شتَّى. وممَّا كتبه المؤرِّخ أندرو وولز (Andrew Walls):

إنَّ التنوُّع الحضاري كمن في صُلب المسيحيَّة… ففي الأصحاح 15 من أعمال الرسل، حيث أعلن أنَّ المسيحييِّن الجددمن أهل الأمم ليسوا مُضطرِّين لأن يدخلوا الحضارة اليهوديَّة. تُرِك للمُهتدين ان يصوغوا طريقة هلِّينيَّة بها يكونون مسيحيِّين. وهكذا، فلا أحد يحتكر الإيمان المسيحيّ ولا توجَدُ “حضارة مسيحيَّة ” بالطريقة التي بها توجَد “حضارة إسلاميَّة ” يمكنك أن تُميزها من باكستان إلى تونس إلى المغرب…[24]

 في نصوص من الكتاب المقدَّس مثل إشعياء 60 ورؤيا 21 و22 وصفٌ لعالم مُستقبليٍّ مُجدَّد كامل، فيه نستبقي فوارقنا الحضاريَّة (“كلُّ قبيلة ولسان وشعب وأمة”). وهذا يعني أنَّ كل حضارة بشريَّة فيها (من عند الله) نقاطُ خير وقوَّة جليَّة لإغناء الجنس البشريّ. وكما يُبيِّن وولز، فبينما تشتمل كلُّ حضارة على تحريفات وعناصر لا بدَّ أن تُنقَد وتُراجَع في ضوء الرسالة المسيحيَّة، فإنَّ كلَّ حضارة تتضمَّن أيضًا عناصر خيِّرة وفريدة تَنسجم المسيحيَّة معها وتتكيَّف بمُقتضاها.

فعلى نقيض الرأي الشائع إذًا، ليست المسيحيَّة ديانة غربيَّة تُقوِّض الحضارات المحلِّيَّة، بل هي بالأحرى قد اتَّخذت أشكالًا حضاريَّة شتَّى أكثر من أيَّة ديانة أخرى.[25] وفيها طبقات تَبصُّر عميقة من الحضارات العبريَّة والإغريقيَّة والأوروبيَّة، وفي غضون المئة سنة الآتية سوف تؤثِّر في تشكيلها أيضًا أفريقيا وأمريكا اللاتينيَّة وآسيا. وقد تصير المسيحيَّة بالفعل “أشمل رؤية إلى العالم”[26] إذ إنَّها قد فتحت أبواب قيادتها على مرِّ القرون لأشخاص من كل لسان وقبيلة وشعب وأمَّة.

الحرِّيَّة ليستْ بسيطة

يزعمون أنَّ المسيحيَّة قَيدٌ للنموِّ والإمكانيَّة الشخصيَّين لأنَّها تُقيِّد حرِّيَّتنا في أن نختار مُعتقداتنا وممارساتنا. وقد عرَّف عمانوئيل كانْت (Immanuel Kant) الكائن البشري المُستنير بأنَّه شخص يثق بقدرته الشخصيَّة على التفكير، بدلًا من الوثوق بالسُّلطة أو التقليد.[27] وهذه المقاومة للسُّلطة في المسائل الخُلُقيَّة هي الآن تيَّار عميق في الثقافة الغربيَّة. فإنَّ حرِّيَّة المرء في تحديد معاييره الخُلُقية الخاصَّة تُعدُّ ضرورة كي يكون إنسانًا بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

غير أنَّ هذا إفراط في تبسيط الأمور. فلا يمكنُ تعريف الحرِّيَّة بلغة سلبيَّة تمامًا، باعتبارها غياب الحجز  والتقييد. إذ أنَّ الحجز والتقييد بالحقيقة يكونان، في أحوالٍ كثيرة، وسيلة للتَّحرير فعليًّا.

إن كانت لديك مَلَكة موسيقيَّة، فقد تعكفُ كلِّيًّا على الممارسة، فتُمارس عزف البيانو مثلاً دون انقطاع سنين عديدة. وهذا تقييدٌ أو حدٌّ لحرِّيَّتك فثمَّة أمور كثيرة لن تكون قادرًا على القيام بها في الوقت الذي تستثمرُه في الممارسة والتمرُّن. ولكن إذا كانت لك الموهبة، فإنَّ الانضباط والتقييد سيُحرِّران قدرتك التي لولاها لتبدَّدت فعلًا. وماذا فعلت؟ لقد حرمت نفسك عَمْدًا حرِّيَّة الاشتغال ببعض الأمور حتى تُطلق نفسك إلى نوع من الحرِّيَّة أغنى في سبيل إنجاز أمور أخرى.

لا يعني هذا أنَّ التقييد والانضباط والحجز مُحرَّرة تلقائيًّا بصورة جوهريَّة. فإنَّ ذَكَرًا راشدًا وزنه لا يتخطى 60 كيلو غرامًا، مثلًا، لا ينبغي أن يعقد عزمه على أن يصير لاعب هجوم رئيسيًّا في مباريات كُرة القدم الأمريكيَّة. إذ إنَّ كلَّ ما في الدُّنيا من انضباط وجهد لن يعمل إلَّا على تخييبه وسَحْقه (حَرفيًّا!). فهو ينطح صخرة واقع بَدَني، إذ لا يملك مجرَّد الإمكانيَّة. وفي المجتمعات الغربيَّة كثيرون ممَّن بذلوا جهدًا شاقًا فائقًا لامتهان مهَنٍ تعود عليهم بالرَّبح الأوفر بدل ان تكون مناسبة لمَلَكاتهم واهتماماتهم الحقيقيَّة. ولكنَّ مِهَنًا كهذه هي ستراتُ مساجين تُقيِّدُنا وتُجرِّدنا من مزايانا الإنسانيِّة في آخر المطاف.

وهكذا، فإنَّ الضَّوابط والقُيود تُحرِّرنا فقط حين تُلائم حقيقة طبيعتنا وقدراتنا. فلأنَّ السَّمكة تستمد الأكسجين من الماء، لا من الهواء فهي تكون حُرَّة فقط إذا كانت مُحدَّدة ومُقيَّدة بالماء. وإذا وضعناها على العُشب، فإنَّ حرِّيَّتها في الحركة، بل في الحياة أصلًا، لن تُعزَّز، بل تُبدَّد فعلًا. إنَّ السَّمكة تموت إن لم تحترمْ حقيقة طبيعتها!

ففي ميادين كثيرة من الحياة، ليست الحرِّيَّة غياب القيود بقدْر ما هي إيجادُ القيود الصحيحة- القيود المُحرِّرة. وتلك القيود التي تُلائم حقيقة طبيعتنا والعالم تُنتج لقدراتنا طاقةً أكبر ومجالًا أوسع، وفرحًا أعمق وإشباعًا أوفى. ثُمَّ إنَّ التجريب والمُخاطرة وارتكاب الأخطاء تؤتينا نموًّا فقط إنْ بيَّنت لنا، على مرِّ الزَّمن، حدودنا وقُدراتنا على السواء. وما دُمنا لا ننمو فكريًّا ومهنيًّا وبدنيًّا إلَّا بوجود ضوابط مُحكَمة، فلماذا لا تكون الحال على هذا المنوال أيضًا بالنِّسبة إلى النُّموِّ الروحيِّ والخُلُقيّ، فبدلًا من الإصرار على الحرِّيَّة في سبيل إيجاد الحقيقة الروحيَّة، ألا ينبغي أن نكون ساعين إلى اكتشافها وضَبْط نفوسنا للعَيش بمُقتضاها؟

إنَّ المفهوم الشائع – ذاك القائل إنَّ على كلٍّ منَّا أن يُحدِّد مبادَئهُ الأخلاقيَّة الخاصَّة – مؤسَّسٌ على الاعتقاد أنَّ العالم الروحيَّ لا يُشبه في شيء باقي الكون على الإطلاق. هل يعتقد أحدٌ ذلك فعلًا؟ دأبتُ طوال سنين كثيرة، بعدَ كلتا خدمتَي الصباح والمساء كلَّ يوم أحد، في البقاء في قاعة الاجتماعات للإجابة عن الأسئلة الفوريَّة. وكان مئاتٌ من الناس يَبقَون لحضور مناقشات تبادُل الآراء. ومن أكثر العبارات التي سمعتُها تكرارًا: “على كلِّ شخص، رجلًا كان أم امرأة، أن يُحدِّد لنفسه الصواب والخطأ”. وكنتُ دائمًا أردُّ على المتكلِّمين بسؤالهم: “أفي العالم الآن أيُّ شخص يعمل أمورًا تعتقدون أنتم أنَّ عليه أن يكفَّ عن القيام بها مهما كان اعتقاده هو الشخصيُّ بشأن صواب تصرُّفه؟” فكانوا يجيبون على نحوٍ ثابت: “نعم، طبعًا!” ومن ثَمَّ كنتُ أسأل: “ألا يَعني هذا أنَّكم تعتقدون فعلًا أنَّ هنالك نوعًا من الحقيقة الأخلاقيَّة “موجودًا” حقًّا، لم نُحدِّده نحن، إنَّما تنبغي مُراعاتُه بصرف النظر عمَّا يشعر به المرء أو يفتكره؟” ودائمًا على وجه التقريب، كان هذا السؤال يُقابَل بالصّمت، مقرونًا إمَّا بالتفكير العميق وإمَّا بالامتعاض الظاهر.

 

المحبَّة، الحرِّيَّة القُصوى، هي أكثر تقييدًا

ممَّا قد نظنّ

إذًا، ما الحقيقة الأخلاقيَّة- الروحيَّة التي يجب أن نعترفَ بها لكي نُفلح؟ ما البيئة التي تُحرِّرنا إنْ عهدنا بأنفسنا إليها، كما يُحرِّرُ الماء السَّمكة؟ إنَّها المحبَّة. فالمحبَّة هي فقدان الحرِّيَّة الأكثر تحريرًا على الإطلاق.

من مبادئ المحبَّة- سواءٌ هي محبَّة لصديق أم أنَّها حُبٌّ رومانسيّ-أنَّ عليك أن تفقد الاستقلاليَّة كي تُحرز حَميميَّة أعظم. فإنْ طَلبْت “حُريَّات” المحبَّة- الرِّضى والأمان وما تؤتيه المحبَّة من شعور بالقيمة الذاتيَّة– يجب عليك أن تُقيِّد حُرِّيَّتك بطُرق كثيرة. إذ لا يَسَعُك أن تدخل في علاقة وثيقة، ومع ذلك تُقرِّر قرارات من جانب واحد، أو لا تسمح لصديقك أو لحبيبتك بإبداء أيِّ رأي بشأن الكيفيِّة التي بها تعيش حياتك. فلِكَي تختبر فرح المحبَّة وحرِّيَّتها، يجب عليك أن تتخلَّى عن استقلاليَّتك الشخصيَّة. وقد أحسنت الرِّوائيَّة الفرنسيَّة فرانسواز ساغان (Françoise Sagan) التعبير عن هذا في مقابلة نشرَتها لوموند (Le Monde). فهي أفصحَتْ عن رضاها بالطريقة التي بها عاشَتْ حياتها، ولم تكُن نادمة قطّ:

مُجري المقابلة: إذا كانت لك الحرِّيَّة التي أردتها؟

ساغان: نعم… كنت أقلّ حرِّيَّة على نحو جلي لمَّا كنتُ في علاقة حُبّ بأحدهم… ولكنَّ الإنسان لا يكون واقعًا في الحب كل حين.  فبمعزل عن ذلك أنا حُرَّة.[28]

إنَّ ساغان على حقّ. فعلاقة الحبِّ تضع حدودًا لخياراتك الشخصيَّة. وها نحن مرَّة أخرى في مواجهة مفهوم “الحريَّة” المُعقَّد. فالكائنات البشريَّة تكون أكثر حرِّيَّة وحياة في علاقات الحُبّ. ونحن إنَّما نصيرُ أنفُسَنا في المحبَّة، ومع ذلك فإنَّ علاقات الحُبّ السَّليمة تشتمل على الخدمة الَّلاأنانيَّة المُتبادَلة، على فقدان مُتبادَل للاستقلاليَّة. وقد أجاد سي. أس. لِويس التعبير عن هذا الأمر ببلاغته المعهودة:

أحبب أي شيء، فيُعصر قلبُك حتمًا، وربَّما يُكسر. فإنْ أردتَ أن تُبقي قلبك سليمًا من أيّ أذى، فيجبُ عليك ألَّا تُعطيه لأحد، ولا حتّى لحيوان. لفَّه جيَّدًا بالهوايات ووسائل التَّرَف اليسيرة؛ تجنَّب جميع الأشراك، أقفل عليه بإحكام داخل صندوق أنانيَّتك أو تابوتها. ولكنَّه في ذلك الصُّندوق –حيثُ الأمان والظَّلام وسكون الحركة والهواء – سوف يتغيَّر. فهو لن ينكسر، بل يصيرُ غير قابل للانكسار والاختراق والافتداء. إنَّ بديلَ المأساة، أو على الأقل مغامرة المأساة، هو الهلاك.[29]

فليست الحرِّيَّة إذًا غياب القيود والضَّوابط، بل هي إيجادُ الصحيحة منها، تلك التي تُلائم طبيعتنا وتُحرِّرنا.

ولكي تكون علاقة المحبَّة سليمة، يجب حصول فقدانٍ مُتبادَل للاستقلاليَّة. فلا يمكن أن يكون سبيلُ الحُبِّ طريقًا ذا اتِّجاه واحد، بل يجب أن يقول كلا الطَّرفين بعضُهما لبعض: “سوف أعدِّل ذاتي معك. سوف أتغيَّرُ من أجلك. سوف أخدمُك، حتَّى لو عَنَى ذلك تضحيةً من قِبَلي”. فإذا كان جانبٌ واحدٌ فقط يقوم بجميع أفعال التضحيَّة والعطاء، فيما يقوم الجانب الآخر بإصدار الأوامر كلَّها ولا يقوم إلَّا بمًجرَّد الأخذ، تكون هذه العلاقة استغلاليَّة، وتُخمِدُ حياة كلا الطَّرَفين وتُفسدُها.

فللوهلة الأولى إذًا، تبدو العلاقة بالله في جوهرها مُجرِّدةً للإنسان من الإنسانيَّة. ولا بدَّ أن تكون “على طريقة واحدة”، ألا وهي طريقة الله. فإنَّ الله، الكائن الإلهيَّ السماويّ، يملكُ القدرة كلَّها. وعلىَّ انا أن أعدِّل ذاتي مع الله – إذ لا سبيلَ لأنْ يُعدِّل الله ذاته معي ويخدمني.

لئن صحَّ هذا في أشكال أخرى من الدِّين والإيمان بالله، فإنَّه لا يصحُّ في المسيحيَّة. ذلك أنَّ الله، بالطريقة الأكثر جذريَّةً، قد عدَّل ذاته معنا – في تجسُّده وكفَّارته. ففي يسوع المسيح، صار الله كائنًا بشريًا محدودًا، معرَّضًا للألم والموت. وعلى الصليب، أخضعَ ذاته لحالتنا- بوَصفنا خُطاةً- ومات في مكاننا حتَّى يغفر لنا. وبأعمق طريقة على الإطلاق، قال الله لنا، في السيِّد المسيح: “سوف أعدِّلُ ذاتي معكم. سوف أتغيَّر من أجلكم. سوف أخدمكم، حتَّى لو عنى ذلك تضحية من قِبَلي”. ولمَّا كان الله قد فعل هذا من أجلنا، ففي وُسعنا- وينبغي لنا- أن نقول مثل هذا القول له وللآخرين. وقد كتب الرسول بولس أنَّ “محبَّة المسيح تحصرنا” (2 كورنثوس 5: 14).

ذات مرَّة سُئل أحد أصدقاء سي. أس. لِويس: “أهو أمرٌ سهلٌ أن يُحَبَّ الله؟” فأجاب: “هو سهلٌ على الذين يحبُّونه!”[30] وليس في هذا تناقضٌ كما يبدو. فعندما تَغوص في لُجَّة المحبَّة، تُريدُ أن تُسرَّ المحبوب. وأنت لا تنتظرُ حتَّى تطلب الحبيبة منك أن تفعل من أجلها شيئًا ما، بل تُفتِّش بِشَوق وتتعرَّف كلَّ أمر يؤتيها السُّرور. ثُمَّ تأتي به إليها، حتَّى لو كلَّفك مالًا أو مشقَّة بالغة. . فشعورُك هو: “أمنيتُك بالنسبة إلىَّ هي أمر!” ولست تحسب ذلك ثقيل الوطأة عليك أبدًا.  من الخارج، قد يقول الأصدقاء المشدوهون لأنفسهم: “لقد جعلَته طوع أمرها في كل شيء”، ولكنْ في الداخل تشعرُ وكأنَّك في السماء.

وبالنِّسبة إلى المؤمن بالسيَّد المسيح، حاله مع يسوع هي على هذا المنوال. ذلك أنَّ محبَّة السيِّد المسيح تحصر المؤمن حقًّا. فما إن تدرك كيف تغيَّرَ السيِّد المسيح من أجلك وبذل نفسه من أجلك، حتَّى لا تعود تخشى أن تتخلَّى عن حرِّيَّتك، ومن ثَمَّ تجد حرِّيَّتك فيه.

* سترةُ المساجين (Straightjacket) هي سترة ذات أكمام طويلة مصنوعةٌ من قماش قويّ، مصمَّمة للسيطرة على مسجونٍ ثائر وذلك بضمِّ ذراعيه باتِّجاه جسمه. وتُستخدم أيضًا في المصحَّات النفسيِّة. ويحمل هذا المصطلح في طيِّاته أيضًا معنى التقييد الفكريّ (الناشر).

[1]  M. Scott Peck, The People of the Lie: The Hope for Healing Human Evil (Simon and Schuster, 1983), Chapter 4, p. 168.

يستخدم بك شارلين مثلاً على عدم الصحَّة العقليَّة الذي يكتنفُ شخصًا ليس في حياته ما هو أهمُّ من تلبية الاحتياجات والرغبات الفرديَّة.

“تقتضي الصحَّة العقليَّة أن يُخضع ما هو بشريّ ذاته لشيءٍ أسمى من ذاته. فَلِكَي نتصرَّف بليلقة في هذا العالم، أن نُخضِع أنفسنا لمبدإ من المبادئ يسمو على مل نريده في أيَّة لحظة محدَّدة” صفحة 162

[2] Emma Goldman, “The Failure of Christianity,” first published in 1913, in Golden’s Mother Earth journal. Found at accessed on December 26, 2005.

[3]   This is from the famous “Sweet Mystery of Life” statement in the Supreme Court’s Planned Parenthood c. Casey ruling:

في لبِّ الحرَّيَّة حق المرء في تحديد مفهومه الخاص للوجود، ولمعنى الكّون، وسرَّ الحياة البشريَّة.

لاحظْ أنَّ العبارة لا تقول إنَّنا فقط أحرار في “اكتشاق” الحقيقة بأنفسنا، بل بالأحرى في “تحديدها” وتكوينها.

[4] From David Friend and the editors of Life, The Meaning of Life: Reflections in Words and Pictures on Why We Are Here (Little Brown, 1991), p. 33.

[5]  Form “Truth and Power,” in Michel Foucault, Power Knowledge: Selected Interviews and Other Writing 1972, ed. Colin Gordon (Pantheon, 1980), p. 131.

[6]  C. S. Lewis, The Abolition of Man (Collins, 1978), p. 48.

[7]  Emily Eakin, “The Latest Theory Is That Theory Doesn’t Matter,” New York Times, April 19, 2003, and “The Theory of Everything, RIP, “New York Times, October 17, 2004. See also Dinitia Smith, “Cultural Theorists, Start Your Epitaphs,” New York Times, January 3, 2004.

[8]  G. K. Chesterton, in Orthodoxy: The Romance of Faith (Doubleday, 1990), pp. 33, 41-42.

[9]  For a good summary of the faith-commitments underlying any “liberal democracy” see Michael J. Perry, Under God?, p. 36. See also Stanley Fish’s November 10, 2006, Chronicle of Higher Education article, “The Trouble with Tolerance.”

[10]  Alasdair MacIntyre, After Virtue: A Study in Moral Theory, 2nd ed. (University of Notre Dame Press, 1984), and Whose Justice? Which Rationality? (University of Notre Dame Press, 1988).

[11]  On this subject there are many good books. Among them are Stephen L. Carter, The Dissent of the Governed (Harvard University Press, 1999), p. 90. See also Alasdair MacIntyre, Whose Justice? Which Rationality? (Duckworth, 1987). Richard John Neuhaus, The Naked Public Square; Religion and Democracy in America 2nd ed. (Eerdmans. 1986) and Wilfred McClay, “Two Kinds of Secularism,” The Wilson Quarterly (Summer 2000). A sophisticated dialogue on this subject can be found in R. Audi and N. Wolterstorff, Religion in the Public Square: The Place of Religious Convictions in Politi cal Debate (Rowman and Little-field, 1997). See Chapter 8 for more on the worldview soil that human rights need in order to grow.

[12]  أشار ميشيل فوكو إلى أنَّ تشديد المجتمع الغربيِّ على حقوق الفرد و”احتضان” الأقليَّات والنساء وأمور أخرى يصحبه “تاريخ ظلٍّ” من الحصريَّة والإقصاء. فكيف نحسب أولئك الذين لا يقبلون المفاهيم الغربيَّة المتعلِّقة بحقوق الفرد وخصوصيَّته؟ يُبين فوكو أنَّ أولئك الذين يؤتابون في آراء العصريَّة المتعلقة بالحقوق والمنطق يُوصَمون الآن ليس بأنَّهم “لا أخلاقيون” أو “مُهرطقون” (كما في القرون الوُسطى)، بل بأنَّهم “لا عقلانيُّون” و”غير متمدِّنين”

إذا أردت قراءة خلاصة جيِّدة عن نقد فوكو لما يُدعى “الشُّموليَّة” الغربيَّة، انظر المرجع التالي:

Miroslav Volf, Exchusion and Embrace: A Theological Exploration of Identity, Otherness, and Reconciliation (Abingdon, 1996), pp. 58-64.

[13] “الَّلاحتمية المتطرفة” تتلازم مع نزعة ثابتة نحو الشمول تُسوِّي جميع الحدود المقسَّمة.ولكن، ألا تقوِّض  هذه من الداخل  فكرة الاشتمال؟ فبلا حدود نكون  قادرين على أن نعرف فقط  مانحارب ضدِّه، إنَّما ليس مانحارب من أجله.والكفاح الذكيُّ ضد الحصريَّة يقتضي وجود فئاتٍ ومعايير قياسيَّة تمكّننا من التمييز بين الممارسات القمعية وتلك الَّلاقمعيَّة. فالتعبير “لا حدود” يعني أنْ لا السعادة ولا المسرَّة، ولا الحرَّيّة ولا العدالة، يمكن أن تحدَّد”.

Volf, Exclusion and Embrace, p.61.

[14] لنا مثلٌّ واضح في تعليق جري فولول (Jerry Falwell)على ماكتبه بات روبتسون (The 700 Club) في أعقاب هجمات الحادي عشر من أيلول / سبتمبر:

“أعتقد حقًا ان الوثنيين والإجهاضيين ودعاة مساواة المرأة الشاملة، والمثليين، والسحاقيات الذين يحاولون جاهدين أن يجعلوا ذلك نمط حياة بديلاً. إن أولئك الذين حاولوا ان يجعلوا  أمريكا لادينية هم مسؤولون. إني أمدُّ سبابتي إلى وجوههم وأقول: “أنتم أسهمتم في حدوث هذا!” إلَّا أَّن الاحتجاجات والاعتراضات الواسعة الانتشار من داخل  الكنيسة  أرغمت  فولول على التَّراجع عن تعليقه في غضون ساعات قليلة .

(See http://archives.cnn.com/ 2001 /US/09/14/Falwell. apology. Last accessed March 5, 2007.)

[15] Lamin Sanneh, Whose Religion Is Christianity? (Eerdmans, 2003), p. 15.

[16] Philip Jenkins, Christendom: The Coming of Global Christianity (Oxford, 2002), p. 56. The Next Christendom: The Coming of Global Christianity (Oxford University Press, 2002), p. 56.

[17] Ibid., p. 70.

[18] David Aikman, Jesus in Beijing: How Christianity Is Transforming China and Changing the Global Balance of power (Regnery, 2003), p. 285.

[19] يعزو لامين سانه هذا إلى “قابلية المسيحية للترجمة “.وإذهو غامبي ومسلم سابق، يفارق بينم المسيحية والاسلام الذي يصر على أن القرآن الحقيقي لايمكن أن يترجم. فلكي يسمع المرء كلمة الله، يجب ان يتعلم العربية.ولكن إيثار لغة واحدة  يعني إيثار حضارة واحدة ؛ لأن الكلمات المفتاحية  في أية لغة ذات معنى متجذر في تقاليد حضارة معينة وقوالبها الفكرية.بمعجزة يوم الخمسين الذي فيه سمع كل حاضر بشارة الانجيل بلغته القومية.وهكذا، فما من لغة أو حضارة واحدة  تتفوق على أية لغة  أو حضارة أخرى.وقد ترجم الكتاب المقدس إلى كل لغة وحضارة.

See Lamin Sanneh, “Translatability in Islam and Christianity ,with Special Reference to Africa, ” Translating the Message: The Missionary Impact on Culture (Orbis, 1987),p.211ff.

 

[20] 20.Lamin Sanneh, Whose Religion is Christianity? (Eerdmans,2003) ,p.43

 

[21] 21. Ibid., pp. 43-44, 69-70.

[22] Sanneh and Andrew F. Walls do not deny

إن سانه وأندرو أف.ولز لاينكران ان المرسلين المنتمين إلى حضارة معينة (الأوربية مثلاً ) غالباً مايفرضون شكل المسيحية الخاص بحضارتهم على المهتدين الجدد. ولكن حين يقبل المهتدون على قراءة الكتاب المقدس بلغتهم الخاصة، يرون في الكلمة المقدسة أموراً كان المرسلون قد “قللوا من أهميتها” (مثل الرقى والتعويذات)أموراً أخرى كانوا  قد “أبرزوها للعيان” بمقتضى منظوراتهم  و انحيازاتهم الحضارية الخاصة.

 وقد يؤدي هذا إلى ردة فعل  مبالغ فيها على شكل الايمان الذي دعا إليه المرسلون وفي الأخير، يتفهم المهتدون حضارتهم وتقاليدهم الخاصة – رافضين اجزاء مناه، ومؤكدين أجزاء أخرى، ومكيفين أجزاء أخرى في ضوء قراءاتهم للأسفار المقدسة.

 

[23] From R. Niebhur, “Humour and Faith,” The Essential Reinhold Niebhur, R. M. Brown, ed. (Yale University press, 1986), p. 49ff. Quoted in Sommerville, The Decline of the Secular University, p.129.

[24] Andrew F. Walls, “The Expansion of Christianity: An Interview with Andrew Walls,” Christian Century, August 2-9,2000,  p.792.

 

[25] ” المسيحية هي ديانة  مايزيد عن ألفي مجموعة لغوية مختلفة في العالم.فالذين يصلون ويعبدون من المسيحيين تفوق لغاتهم عدد أمثالهم من أهل أية ديانة أخرى  في العالم…ومن البديهي أن هذه الحقائق المتعلقة بالريادة الحضارية  واللغوية تتضارب  مع صيت المسيحية بوصفها فعلاً هائلاً من عدم التسامح الحضاري.وقد ادى ذلك  إلى عقدة شعور بالذنب عميقة في العالم المسيحي، تبدو جميع البينات المعاكسة  له عديمة النفع.ولكن من المهم أن يدفع الناس إلى التغيير؛ لأن المسيحة الناقصة التي  يمارسونها الآن هي شطر حضاري بال من شيء أكثر عظمة وجدة.

Sanneh, Whose Religion Is Christianity?, pp. 69-70.

[26] This term come from A. J. Conyers, “Can Postmodernism Be Used as a Template for Christian Theology?” Christian Scholar’s Review 33 (Spring 2004): 3.

[27] Kevin Vanhoozer, “Pilgrim’s Digress: Christian Thinking on and About the post/Modern Way,” in Christianity and the post-modern Turn, ed. Myron B. Penner (Brazos,2005), p. 74.

 

[28] Quoted in John Stott, The Contemporary Christian (IVP, 1992). The interview’s English translation appeared in the Guardian Weekly, June 23, 1985.

[29] C. S. Lewis, The Four Loves (Harcourt, 1960), p.123.

 

[30] The unnamed “old author” is quoted in C. S. Lewis, The Four Loves (Harcourt, 1988), p. 140.

Exit mobile version