خلق الإنسان على صورة الله ومثاله د. جوزيف موريس فلتس

خلق الإنسان على صورة الله ومثاله د. جوزيف موريس فلتس

خلق الإنسان على صورة الله ومثاله د. جوزيف موريس فلتس

خلق الإنسان على صورة الله ومثاله د. جوزيف موريس فلتس

تمثل عقيدة ” خلق الإنسان على صورة الله ومثاله ” بعدًا أساسيًا وجوهريًا في التعاطى مع موضوع الإنسان وغاية وجوده. فلا يمكن أن يكون هناك إجابة على التساؤل عن غاية الإنسان وهدف وجوده إلاّ إذا وضعنا أمامنا هذه الحقيقة الكتابية والإيمانية بأن الإنسان قد خُلق على صورة الله ومثاله[1].

ولقد حاول الكثير من آباء الكنيسة المعلمين تفسير آية سفر التكوين هذه ليس فقط في حديثهم عن ماهية الإنسان (Anqrwpologίa) بل وأيضًا في سياق حديثهم عن سر التدبير الإلهى (qe…a o…konomia) أى ما فعله الله منذ أن خلق الإنسان حتى تم فداؤه.

ولم يكتف الأباء بإيضاح هذه الحقيقة بل عملوا على شرح كل ما تعنيه هذه العقيدة حتى وإن كانوا لم يتفقوا على تحديد صفة واحدة بعينها في الإنسان لتعبر عن أنه مخلوق على صورة الله ومثاله. ومنذ وقت مبكر كان من الأمور المسلم بها أن الصورة تقوم على الاتصال بالأصل، وبما أن الله حال حلولاً مباشرًا في أعماله فإن الصورة الإلهية تعنى أولاً أن الإنسان يكون له صلة وجودية مع الله من عمق قلبه وصميم كيانه لأننا مخلوقين للدخول في شركة مع الله لكى نشترك في الحياة الحياة الإلهية.

وكما يقول القديس أثناسيوس بأن الله ” لم يكتف بخلق الإنسان مثل باقى الكائنات غير العاقلة على الأرض، بل خلقهم على صورته وأعطاهم شركة في قوة كلمته حتى يستطيعوا بطريقة ما، ولهم بعض من ظل (الكلمة) وقد صاروا عقلاء أن يبقوا في سعادة ويحيوا الحياة الحقيقية حياة القديسين في الفردوس”[2].

غير أن الصورة الإلهية ترتبط بصفات إنسانية محددة مثل العقل والعقلانية والحرية والقدرة على إدراك الحقائق الروحية والتمسك بالفضائل مثل الصلاح والحكمة والعدل والرأفة والمحبة. ويرتبط بهذا كله ما قد أُعطى للإنسان من أن يكون ” متسلطًا ” ليس فقط على شهواته أى على تلك النزعات الحيوانية في داخله بل أيضًا التسلط على الأرض وبقية الكائنات الحية. كما أننا يمكن أن نعبر أن ما “يبدع” فيه الإنسان هو صورة لما نراه من “إبداع” الله الخالق.

كل هذا يعنى أن الصورة الإلهية في الإنسان هى متعددة ولا يمكن حصرها في صفة واحدة بعينها وبالتالى كما يقول القديس غريغوريوس النيسى أن الإنسان يعكس صورة الله غير المدرك[3]. ” وكثير من الآباء الشرقيين ـ وإن لم يكن كلهم ـ يميز بين: على “صورة” الله وعلى “مثال الله”. فالصورة بالنسبة لأولئك الذين يميزون بين اللفظين تدل على “إمكانية” الإنسان على الحياة في الله و “المثال” يدل على تحقيقه لهذه القدرة أو الإمكانية.

الصورة هى كل ما يمتلكه الإنسان منذ البداية والتي تمكنه من أن يضع خطاه في المحل الأول على الطريق الروحى. أما الشبه فهو ما يرجوا أن يصل إليه في نهاية رحلته … وبحسب القديس إيريناؤس فإن الإنسان في بدء خلقته كان “مثل طفل صغير ” واحتاج أن “ينمو” إلى كماله. بعبارة أخرى فإن الإنسان في بدء خلقته كان بريئًا وقادرًا على التطور روحيًا (الصورة) لكن هذا التطور لم يكن حتميًا أو أتوماتيكيًا، دُعى الإنسان للتعاون مع نعمة الله.

هكذا من خلال الاستخدام الصحيح لإرادته الحرة فإنه ببطء وتدريجيًا يمكن أن يصير كاملاً في الله (الشبه أو المثال). ويُظهر هذا الأمر كيف يمكن لمفهوم الإنسان كمخلوق “على صورة الله” أن يُفسر بالأحرى بمعنى ديناميكى متحرك لا استاتيكى ساكن. وهذا لا يعنى بالضرورة أن الإنسان قد وهبه (الله) منذ البداية كمالاً محققًا بالكامل وأعلى قداسة ومعرفة ممكنة، بل إنه ببساطة قد أُعطى الفرصة لينمو إلى شركة كاملة مع الله “[4]. هذه الشركة التي هى غاية الإنسان وهدف وجوده.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش : 

[1] انظر تك26:1ـ27.

[2] تجسد الكلمة، ترجمه عن اليونانية د. جوزيف موريس فلتس، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، فصل3:3 ص8.

[3] عن خلق الإنسان 3:11 PG 44. 156B

[4] الطريق الأرثوذكسى … ص12ـ13.

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس (1) – د. جوزيف موريس فلتس

أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس (1) – د. جوزيف موريس فلتس

أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس (1) – د. جوزيف موريس فلتس

أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس [1] د. جوزيف موريس فلتس

 

 

مقدمة:

في محاولتنا لاستعراض أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس سوف نركز على ما قدمه فقط القديس كيرلس عمود الدين بابا الأسكندرية الرابع والعشرين (370ـ444م) كشارح ومفسر عظيم للكتاب المقدس.

ويجدر بنا أولاً إلقاء الضوء على شخصية القديس كيرلس كمفسر للكتاب وأيضًا على التوجهات الأساسية في المنهج الذي اتبعه في تفسيره الكتابي حتى يمكننا فهم الأمثلة التي سوف نوردها تباعًا من تفسيره للكتاب المقدس.

 

القديس كيرلس الأسكندرى كمفسر للكتاب المقدس[2]:

من المعروف عن القديس كيرلس عمود الدين أنه دافع عن إيمان الكنيسة ضد الهرطقة النسطورية وأنه عبّر عن عقيدة الكنيسة الأرثوذكسية فيما يتعلق بطبيعة المسيح (الخريستولوجى) وفيما يخص إتحاد الطبيعتين الإلهية والبشرية اتحادًا أقنوميًا في شخص المسيح الواحد. وفي نفس الوقت تميّز القديس كيرلس بما قدّمه من شرح وتفسير للكتاب المقدس الأمر الذي جعله من أعظم المفسرين للكتاب المقدس في كل تاريخ الكنيسة.

وبينما إتبع الطريقة الرمزية (الروحية) لتفسير العهد القديم إلاّ أن اهتمامه وتركيزه على الأمور العقائدية قد حماه من سوء استخدام هذه الطريقة في التفسير كما فعل غيره من المفسرين.

ولهذا فإن تعاليمه العقيدية عن شخص المسيح له المجد ضد كل من هرطقة آريوس ونسطور وأبوليناريوس وأفنوميوس، كل هذه التعاليم تمثل الأساس لفهم كل شروحاته وتفسيراته للكتاب المقدس إذ هو يربط ربطًا محكمًا بين عقيدة الكنيسة وشرحه وتفسيره للكتاب المقدس ـ كما سنرى في الأمثلة ـ غير أن التوجه العقيدى لدى القديس كيرلس لم يحد من طريقة تفسيره وهدفه شرحه للآيات، لكن على العكس، فلقد أمد هذا التوجه العقيدى، القديس كيرلس بمعيار لا يخطئ كى يكتشف بواسطته المعنى الحقيقي والهدف النهائى للإعلان الإلهى المدون في الكتاب المقدس وهذا الربط المحكم بين التعاليم الخرستولوجية والتفسير الكتابى كان قائمًا باستمرار في الكنيسة، غير أننا نلاحظ عند القديس كيرلس تلك العلاقة المثالية بين التفسير الكتابى واحتياجات الكنيسة التعليمية، والتي تهدف في الأساس إلى البناء الحقيقي لها.

وعلى الجانب الآخر كان هناك التقليد الأنطاكى في التفسير والذي كان يشدّد على التفسير الحرفى ـ التاريخى لنصوص الإعلان الإلهى الكتابى. ولم يكن القديس كيرلس ـ بدون شك ـ منحازًا إلى هؤلاء المتطرفين في تفسيرهم الرمزى وفقًا للمنهج الأسكندرى في التعبير الرمزى، كما أنه لم يكن من المعادين لمدرسة أنطاكية في التفسير. فلقد عمل على استخدام كل من الطريقة الرمزية (الروحية) السكندرية (‘Allhgorik») مع الطريقة النماذجية (النمطية) أو المثالية (Tupolgik») الأنطاكية، مستفيدًا بذلك من كل من التقليدين الأسكندرى والأنطاكى. وهكذا يمكن النظر إلى أعمال القديس كيرلس التفسيرية على أساس هدفها النهائى والذي هو حماية وشرح التعاليم العقيدية للكنيسة. وبلا شك فإن هذا الهدف يعطى لهذه الأعمال التفسيرية قيمتها العظمى ويشكّل عطاء القديس كيرلس الدائم لكل تاريخ التفسير الكتابى.

 

كتابات القديس كيرلس التفسيرية:

إن كتابات القديس كيرلس التفسيرية تفوق باقى كتاباته الأخرى ومعظمها معروف لنا حتى الآن وهى:

 

1 ـ تفسيره لنصوص العهد القديم:

+ السجود والعبادة بالروح والحق:

هذا العمل يتكون من 17 جزء (مقال)[3] في صورة حوار مع شخص يدعى بلاديوس، كتبه القديس كيرلس قبل عام 429 بكثير ولكن بالتأكيد بعد عام 412م[4]. اتبع فيه القديس كيرلس الطريقة الرمزية (الروحية) النمطية allegorical – typological لشرح أجزاء مختارة من أسفار موسى الخمسة ولم يوردها في ترتيبها كما وردت بالعهد القديم، أثبتت من خلالها أن الناموس قد أُبطل بحسب الحرف فقط وليس بحسب الروح. وأن ما جاء في العهد القديم يجب أن يفهم كمثال للعبادة بالروح والحق.

+ جلافيرا (تعليقات):

يتكون هذا العمل من 13 فصل كتبه القديس كيرلس في نفس فترة كتابته للعمل السابق إذ هو مكمل له ويشير موضوع كل من الكتابين أحدهما للآخر وإن لم يكن هذا الكتاب في شكل حوار كسابقه وقد اختار أيضًا أجزاء من أسفار موسى الخمسة ليعلق عليها وإن كان قد أوردها في نفس ترتيبها التي وردت به في الكتاب المقدس.

+ شرح سفر إشعياء:

يتكون من خمسة كتب (أجزاء). في مقدمة العمل يوضح مهمة الشارح في عرض المعنى الحرفى ثم المعنى الروحى. وفي الخمسة أجزاء يشرح السفر كله مقسمًا إصحاحاته كالآتى: 1ـ10، 10ـ24، 25ـ42، 42ـ51، 52ـ66 ويشمل هذا العمل الكبير كل مجلد رقم (70) من سلسلة الآباء اليونانيين Migne ومن المحتمل أن يكون القديس كيرلس قد كتبه بعد العملين الأولين لكن قبل عام 429[5].

+ شرح لأسفار الأنبياء الصغار:

كتب 12 جزء لشرح أسفار الأنبياء الصغار الاثنى عشر ووضعهم في كتابين. في كل جزء مقدمة عن النبوءة ثم شرح كامل لها.

+ شرحه لسفر الملوك، نشيد الأنشاد، لحزقيال، إرميا، باروخ ودانيال، المزامير:

توجد ـ للأسف ـ مقتطفات فقط باقية من كل هذه الشروحات.

هذا ولقد اتبع القديس كيرلس في كل كتاباته التفسيرية هذه، منهج التفسير الأسكندرى. وأوصى بأن يترك المرء ما لا يفيده من التاريخ وأن ينزع “قشور” الحرف حتى يصل إلى “قلب” النبات بمعنى أن نفتش بكل تدقيق عن “الثمر” الداخلى المخفى وأن نتغذى به. لقد وضع القديس كيرلس بالفعل قانونًا للتفسير الكتابى وهو أنه من الضرورى أن نبحث عن “المعنى الروحى” وراء حروف النص الكتابى، ويجد هذا القانون صدى قويًا له عندما يُطبق ـ بصفة خاصة ـ على نصوص العهد القديم حيث يقول القديس. كيرلس ” لأن ما يُعطى من خلال الناموس هو فقط صورًا ورموزًا للحقيقة، هو ظلال”. ولذلك فإن الناموس قد أُبطل حسب الحرف فقط وليس حسب المحتوى أو المعنى الروحى له. لأن الناموس يحتفظ بفاعليته حتى اليوم لكن فقط بحسب مفهومه الروحى.

وفي كتاباته التفسيرية الأولى يكشف لنا القديس كيرلس عن هذه المعانى السرائرية الرمزية الثابتة في الناموس الموسوى مضيفًا إليها كل ما نجده في العهد القديم من ظلال تخدم البناء الروحى لنا. ويهتم بصفة خاصة بإظهار ما في العهد القديم من صور عن الكنيسة. وفي كتابه “جلافيرا ” ـ السابق الإشارة إليه ـ يعود لبحث نفس الموضوع بهدف أن يظهر أن في كل أسفار موسى الخمسة نجد صورًا ورموزًا عن سر المسيح[6].

 

2 ـ شرحه لنصوص العهد الجديد:

+ شرح إنجيل يوحنا [7]:

هو عمل ضخم يتكون من 12 كتاب مقسم إلى فصول. له طابع عقيدى دفاعى. كما يذكر في المقدمة أنه سيعطى اهتمامًا خاصًا للأمور العقائدية في مواجهة تعاليم الهراطقة ويشدّد القديس كيرلس من خلال شرحه للإنجيل الرابع على ألوهية المسيح له المجد وعلى المساواة في الجوهر بين الآب والابن المتجسد ويدحض الأفكار المنحرفة لكل من آريوس وأفنوميوس والتعاليم الخرستولوجية الخاطئة لأتباع مدرسة أنطاكية. ولمّا لم يذكر القديس كيرلس اسم نسطور أو لقب والدة الإله، كما فعل بعد ذلك في كتاباته الدفاعية الأخرى بعد عام 429م وظهور بدعة نسطور ، فقد حدّد العلماء زمن كتابة القديس كيرلس لهذا الشرح على أنه قبل عام 429م.

+ شرح إنجيل لوقا:

هذا العمل عبارة عن سلسلة من العظات لشرح إنجيل لوقا ولها طابع عملى أكثر من الطابع العقيدى. من كل النص اليونانى لهذا العمل بقيت فقط ثلاث عظات باللغة اليونانية وفقد الباقى. غير أنه توجد ترجمة سريانية من القرن السادس الميلادى لهذه العظات والتي عنها تمت الترجمة الإنجليزية[8]. ومن العظة رقم 63 من هذه العظات نعرف أن وقت كتابة هذه العظات كان أواخر عام 430م حيث تُذكر حرومات القديس كيرلس الاثنى عشر.

+ شرح إنجيل متى:

هذا الشرح لإنجيل القديس متى للقديس كيرلس كان معروفًا بين الآباء حتى القرن السادس، لكنه فُقد بعد ذلك وتوجد منه بعض المقتطفات فقط وتغطى كل إصحاحات الإنجيل وتوضح أنه كان شرحًا وافيًا للإنجيل ويشابه شرحه لإنجيل يوحنا. وعلى الأرجح كان قد كتبه بعد عام 428م[9].

+ يحوى كتاب ” شرح الآباء للكتاب المقدس ” والمعروف “بالسلاسل” Chains [10] على مجموعة من المقتطفات لشروحات القديس كيرلس لرسالة رومية وكورنثوس الأولى والثانية والرسالة إلى العبرانيين.

+ الرسائل الفصحية:

اعتاد آباء الأسكندرية البطاركة إرسال رسائل فصحية لتحديد موعد بدء الصوم الكبير والاحتفال بعيد القيامة وذلك حسب قرارات مجمع نيقية المسكونى 325[11]. ولقد كتب القديس كيرلس 30 رسالة فصحية. وبالرغم من الطابع الاحتفالى والوعظى لهذه الرسائل بصفة عامة، إلاّ أن رسائل القديس كيرلس الفصحية حوت الكثير جدًا من شروحاته للكتاب المقدس.

+ كتاباته الدفاعية والعقائدية:

وللتعرف الكامل على كل عطاء القديس كيرلس في مجال شرحه وتفسيره للكتاب المقدس لابد وأن ندرس كتاباته العقائدية والدفاعية إذ هى تحوى شرحًا وافيًا لمقاطع كثيرة من الكتاب المقدس والأخص العهد الجديد والتي تشير في المقام الأول إلى شخص يسوع المسيح الإله المتجسد وإلى غاية التدبير وعلى الأخص كتابه ” الكنز في الثالوث “، وأيضًا كتابه ” حوار حول الثالوث “[12].

 

التوجهات الأساسية في منهج تفسير القديس كيرلس للكتاب المقدس:

قبل أن نتحدث عن التوجهات الأساسية في منهج تفسير القديس كيرلس للكتاب المقدس لابد وأن نوضح ـ حسب تعليم القديس كيرلس ـ دور الإيمان في فهم وتفسير الكتاب المقدس. فهو يعلّم بأن الحقيقة تعلن من داخل الكتاب المقدس بدون أى نقصان، فقط في حالة التمسك بها في حياتنا ومن خلال إيماننا، ويقول ” إن المعرفة الأصيلة للكتاب المقدس هى مستحيلة بدون نعمة فيّاضة واستنارة “، والمعنى الحقيقي لكلام الله يُستعلن فقط من داخل خبرة الإيمان.

فالإيمان وحده وليس البحث العقلى هو الذي يقودنا خارج محدوديتنا كمخلوقات ” فالإيمان يجب أن يسبق البحث ” ويمكننا أن نتأكد من استقامة معرفتنا إن كنا نبنى معرفتنا هذه على قاعدة الإيمان. وبدون استنارة الروح القدس لا يقدر المرء أن يصل لمعرفة الحقيقة الإلهية أو أن ينجح في فهم أكيد للعقائد الإلهية، ويرى القديس كيرلس أن الآب لا يمنح معرفة المسيح لغير الأنقياء لأنه ـ حسب تفسيره ـ لا يمكن أن تُسكب قارورة طيب كثيرة الثمن في داخل قبر.

ومعرفتنا ـ لله على كل حال ـ هى معرفة محدودة بعكس أى معرفة خارجية أخرى. ومعرفتنا الحالية عن الله هى معرفة غير تامة “معرفة جزئية” لكنها مع ذلك هى معرفة حقيقية وأصيلة. وفي الحياة العتيدة فإن معرفتنا الجزئية هذه ستختفى إذ أننا حينئذٍ “سنرى بكل وضوح وكمال مجد الله الذي ينقل إلينا معرفته الواضحة كل الوضوح “. وكما يختفى لمعان النجوم بظهور نور الشمس القوى هكذا فإن معرفتنا الحالية غير الواضحة ستختفي أمام النور الفائق للمجد الإلهى.

ثم نأتى إلى التوجهات الأساسية في المنهج التفسيرى للقديس كيرلس حيث يمكن الحديث على توجهات ثلاثة وهى:

1 ـ التوجه الخرستولوجى في التفسير. 2 ـ التوجه الروحى في التفسير.

3 ـ التوجه الكنسى في التفسير.

 

1 ـ التوجه الخرستولوجى في التفسير:

حسب فكر القديس كيرلس فإن الإيمان القويم بسر التجسد الإلهى هو ضرورة أساسية للتفسير. وفي مجال شرحه لإنجيل يوحنا 6:14 نجده يشير إلى أن يسوع المسيح هو “مصداقية الإيمان وهو المعيار والقانون الذي يقاس عليه معرفتنا بالله “[13]، وأيضًا في شرحه لمتى 13:23 وربطها بما جاء في إنجيل لوقا 2:11 ” ويل لكم أيها الناموسيون لأنكم أخذتم مفاتيح المعرفة، ما دخلتم أنتم والداخلون منعتموهم، فيقول: إن كل كلمة من كلمات الكتاب الموحى به تشير إليه وتظهره “[14]، ويقصد أن المسيح هو مفتاح المعرفة كلها.

ولهذا نجد أن القديس كيرلس قد عمل على إظهار تعاليمه الخرستولوجية في كل كتاباته التفسيرية والعقائدية، تلك التعاليم التي وضّح فيها أن المسيح هو واحد من بعد الإتحاد أى بعد تجسده، فقد ظل هو الله الكلمة وفي هذا الإتحاد الأقنومى اتحدت الطبيعة الإلهية والبشرية بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير ولا افتراق.

إن هذه الوحدة بين الطبيعتين الكاملتين في شخص المسيح الواحد ليست مجرد اعتراف نظرى بقدر ما أنها حدث واقعى في تاريخ التدبير الإلهى نؤمن به على أساس التفسير القويم للنصوص الكتابية وتعاليم الكنيسة الأصيلة. وبخلاف ذلك فحقيقة أن الكلمة قد صار جسدًا لها علاقة مباشرة وجوهرية من حيث فهمنا لكل ما قاله الرب يسوع وما فعله. فالكلمة المتجسد لم يكن ببساطة إنسان “حامل لله” (qeofÒroj) مثلما اعتقد وعلّم نسطور ولكن على العكس، فكل ما قاله وما فعله المسيح له المجد هو صادر عن شخص الكلمة المتجسد الذي هو الله بالحقيقة.

لقد كان من نتاج الإتحاد بين الطبيعتين فى طبيعة واحدة والذي تم بدون اختلاط أو ما يسمى “بتبادل الخصائص” بين الطبيعتين كما يقول القديس كيرلس إن ” ناسوته قَبِلَ المجد الإلهى”[15]. وعلى هذا فكل أعمال وأقوال السيد المسيح تنسب إلى شخصه الواحد المتحد فيه الطبيعتين إتحادًا أقنوميًا كما سبق القول. ومن خلال هذه الأقوال والأفعال نعترف بشخص الإله المتجسد وكلمة الله.

وبهذا المفهوم يكون التجسد الإلهى هو معيار التفسير الأساسى للفهم القويم لشخص وعمل يسوع المسيح[16]. بمعنى أنه لكى نفهم أقوال وأعمال المسيح له المجد كما دونت في الأناجيل يجب علينا أن نضع أمامنا باستمرار حالة الإتحاد الأقنومى بين الطبيعتين الإلهية والبشرية في شخص المسيح الواحد والتي اتحدت فيها هاتين الطبيعتين بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير. فلا يجب أن ننسب أعمال المسيح التي أتمها لطبيعته الإلهية فقط ولا للطبيعة الناسوتية فقط، بل لشخص المسيح الواحد، أى للإله المتجسد[17].

ولقد طبق القديس كيرلس هذا التعليم الخرستولوجى عندما شرح المعجزات التي أتمها المسيح له المجد، فمع أنها تمت بطريقة بشرّية إلاّ أنها ليست من أعمال البشر. فهى إذًا أعمال إلهية لكنها تمت بواسطة الجسد[18].

وبنفس القياس يجب علينا أن نعرف متى تنسب الأقوال للطبيعة الإلهية ومتى تنسب ـ تدبيريًا ـ للطبيعة البشرية، وبالطبع بدون أن نفصل الطبيعتين[19]. فمثلاً عندما قال المسيح” قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن ” (يو8:14) وأيضًا ” أنا والآب واحد ” (يو3:10) واضح أن هذه الكلمات منسوبة للاهوت أما قوله مثلاً: ” ولكنكم تسعون إلى قتلى وأنا إنسان كلمتكم بالحق الذي سمعته من الله ” (يو40:8) هنا الكلام منسوبًا ـ تدبيريًا ـ لإنسانيته الكاملة[20].

وبخلاف ذلك فإن أفعال وأقوال المسيح له المجد لا تؤكد وتظهر فقط الحدث الفعلى للتجسد، لكنها تمثل الشرط الوحيد لكى يستطيع الإنسان حسب مقاييس طبيعته أن يعرف ويفهم المسيح الإله المتجسد[21]. فلكى يستطيع الإنسان أن يدرك ـ بحسب معايير الإدراك البشرى ـ سر التدبير الإلهى، نجد أن المسيح قد تحدّث وفق معايير “تدبير التجسد” مؤديًا أفعالاً تليق بسر اخلاؤه. إذًا كان من اللائق ألاّ يتخلى عن الكلام اللائق بعملية الاخلاء طالما أنه قد أخلى ذاته بإرادته[22].

فالرب له المجد أظهر بأعماله التي تمت بالجسد حقيقة إتحاده الكامل بالطبيعة البشرية في شخصه المبارك وفي نفس الوقت كمال إنسانيته[23].

ولو لم يصر الكلمة إنسانًا كاملاً لما استطاع أن يتكلم مع البشر بطريقة بشرية وبناء على ذلك فإن من ينكر أقوال وأفعال المسيح في الجسد هو في الواقع ينكر سر تدبير التجسد[24].

والجدير بالذكر أن القديس كيرلس كان قد رفض إدعاء نسطور بأن أقوال وأفعال المسيح تنقص من شأن المجد الإلهى. لكن القديس كيرلس يرى بأنه بسبب أن هذه الأفعال والأقوال تنسب لشخص الإله المتجسد فنحن نستطيع بواسطتها التعرف على عظمة ورفعة الجوهر الإلهى مثلما أيضًا نعرف رفعة الألوهة من خلال تواضع الإله[25].

ومما سبق يتضح أهمية التوجه الخرستولوجى كأساس في تفسير القديس كيرلس للكتاب المقدس، إذًا كلما صار التقليد والتعليم الخرستولوجى للكنيسة واضحًا وثابتًا كلما صارت مبادئ التفسير الكتابى للآباء واضحة أيضًا وثابتة، فبديهى أن العهد الجديد هو نتيجة أساسية لتجسد الكلمة، واللوغوس قبل تجسده كان غير منظور وغير مكتوب، وبالتجسد صار ـ بحسب طبيعته البشرية مدركًا ومنظورًا ومكتوبًا.

والكتاب المقدس يؤكد على حقيقة وتاريخية تجسد كلمة الله. الكتاب المقدس مثل شخص يسوع المسيح بلاهوته وناسوته. فالصياغة المكتوبة للكتاب تتوافق مع ناسوته في حين أن المفهوم الروحى له يتوافق مع لاهوته، وكما أن ناسوت المسيح يؤكد على ألوهيته ويرفعنا إليه. هكذا أيضًا الكتاب، فالصياغة المكتوبة تؤكد على الذهن الروحى وترفعنا إليه. وبالتالى فإن الكتاب ينبغى أن يُفسر وفق هذين الوجهين. وهنا لابد وأن ننبه إلى أن الآباء لم يقبلوا مفهومًا ثنائيًا للكتاب بل نادوا بعلاقة جوهرية بين المفهومين حيث لا يوجد مفهوم بدون الآخر فكما هو في حالة الإتحاد الأقنومى بين الطبيعتين في شخص المسيح الواحد، هكذا فإن المفهومان لا يجب أن يصير مزج بينهما أو انفصال. وهكذا بالتقليد الخرستولوجى حُددت طبيعة وعمل الكلمة الكتابية تحديدًا صارمًا “[26].

ونختم هذه النقطة بقول واضح كل الوضوح للقديس كيرلس جاء ضمن حروماته الاثنى عشر ضد نسطور الذي لم يفسر أقوال المسيح كما جاءت في الأناجيل تفسيرًا قويمًا لأن تعاليمه الخرستولوجية لم تكن وفق إيمان وتقليد الكنيسة الذي علّم به القديس كيرلس عمود الدين.

يقول إذًا القديس كيرلس في الحرم الرابع “من ينسب الأقوال ـ التي في الأناجيل والكتابات الرسولية سواء تلك التي قالها القديسون عن المسيح أو التي قالها هو عن نفسه ـ إلى شخصين أى إلى أقنومين، ناسبًا بعضها كما إلى إنسان على حده منفصلاً عن كلمة الله، وناسبًا الأقوال الأخرى، كملائمة لله، فقط إلى الكلمة الذي من الله الآب وحده، فليكن محرومًا”[27].

وأيضًا في رسالته إلى يوحنا الأنطاكى يوضّح نفس هذا التوجه الخرستولوجى في تفسير العهد الجديد فيقول ” ونحن نعرف أن اللاهوتيين ينسبون بعض أقوال البشيرين والرسل عن الرب باعتبارها تشير بصفة عامة إلى شخص واحد ويقسمون أقوالاً أخرى بأنها تشير إلى طبيعتين، فتلك التي تليق بالله ينسبوها للاهوت المسيح أما تلك الأقوال المتواضعة فينسبوها إلى ناسوته[28].

(يتبع)

 

[1] نص المحاضرة التى أُلقيت بمؤتمر تثبيت العقيدة السابع بالفيوم، عام 2004.

[2] مرجع رئيسى لهذا الجزء هو كتاب:

 Iwannou Panagopoulou: H ™rmhneia tÁj Ag…aj Graf»j st»n ™kklhs…a tîn patšrwn, Aqhnai, 1991, tomoj A/.6: 379-381.

[3] ترجم الباحث جورج عوض سبعة مقالات إلى اللغة العربية وصدرت في أربع أجزاء عن المركز الأرثوذكسى لدراسات الآباء.

[4] Quasten, Patrology vol: III. S. 121.

[5] Quasten المرجع السابق ص122.

[6] Gewrgiou Florofίskh: oi buzantiuoί paterέj toῦ 5ou aἴwna, qessalonίkh 1992.6.478.

[7] تمت ترجمة شرح القديس كيرلس للإصحاحات العشرة الأولى من إنجيل يوحنا ونشر على أجزاء من المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية. وجارى ترجمة باقي هذا العمل الضخم.

[8] عن هذه الترجمة الإنجليزية قام المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية بالقاهرة بترجمة هذه العظات إلى اللغة العربية ونشرها في خمسة أجزاء.

[9] انظر Quasten المرجع السابق، ص124.

[10] ويسمى باللغة اللاتينية Catena ويرجع إلى القرن الخامس الميلادى ويجمع في سلسلة شرح الآباء لنفس الآية من الكتاب المقدس. ومن أشهر مَن قاموا بعمل Catena للعهد الجديد هو توما الأكوينى وتسمى Catena Aurea.

[11] للمزيد راجع: رسائل الأرطستيكا: تاريخيًا عقيديًا. د. جوزيف موريس فلتس. في دورية دراسات آبائية ولاهوتية عن المركز الأرثوذكسى لدراسات الآباء. السنة السادسة العدد الرابع يوليو 1999، ص25.

[12] هذا الكتاب مكون من (7) مقالاات في صورة حوار مع شخص يدعى إرميا ويدحض فيه القديس كيرلس الأفكار الآريوسية ويوضح ألوهية الابن المسيح من خلال شرحه لآيات كثيرة من الكتاب المقدس وخصوصًا العهد الجديد. ولقد قام المركز الأرثوذكسى لدراسات الآباء بنشر المقالتين 1، 2. وقام د. جوزيف موريس فلتس بترجمة المقالة الثالثة وهى تحت الطبع

[13] P.G 74.189C.

[14] P.G 72.721C

[15] PG. 75. 1244-1249.

[16] PG. 74.524D: 11انظر شرحه ليوحنا

[17] PG. 72, 509D في تفسير إنجيل لوقا

لمزيد من الأمثلة انظر د. جوزيف موريس فلتس ” التعاليم الخرستولوجية للقديس كيرلس في شرحه لإنجيل لوقا ” بحث قدم لمؤتمر الدراسات اللاهوتية باليونان تحت عنوان ” القديس كيرلس وتعاليمه الخرستولوجية “. ونشر في كتاب بنفس العنوان أثينا عام 2003، ص103.

[18] PG. 75. 388C كتاب الكنز في الثالوث 33

[19] 388D المرجع السابق

[20] PG 72. 672C. في تفسير إنجيل لوقا

[21] PG. 73. 293C شرح يوحنا 4:2

[22] PG. 77.116BC رسالة 17

[23] PG 72. 672C شرح إنجيل لوقا

[24] PG. 76. 413 CDالدفاع

[25] PG 75. 120 AB الكنز في الثالوث

[26] انظر د. جورج عوض: الكتاب المقدس والتقليد. مذكرة تحضيرية، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، ص7.

[27] رسائل القديس كيرلس لنسطور ويوحنا الأنطاكى (الرسالة 17): ترجمة المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية ج1 ص36.

[28] المرجع السابق، رسالة 39 ص43ـ44.

أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس (1) – د. جوزيف موريس فلتس

المعجزات والإيمان عند القديس كيرلس الأسكندرى – د. جوزيف موريس فلتس

المعجزات والإيمان عند القديس كيرلس الأسكندرى – د. جوزيف موريس فلتس

المعجزات والإيمان عند القديس كيرلس الأسكندرى – د. جوزيف موريس فلتس

المعجزات والإيمان عند القديس كيرلس الأسكندرى – د. جوزيف موريس فلتس

          لقد أورد القديس لوقا البشير فى إنجيله ابتداء من الإصحاح الرابع عددا من المعجزات والآيات التى صنعها الطبيب الشافى رب المجد يسوع ويمكننا أن نقسم هذه المعجزات والآيات إلي ثلاثة أقسام:

أ ـ معجزات شفاء وعددها 15 نوردها حسب الترتيب (يظهر فيها سلطانه على الأمراض والأرواح الشريرة):

1 ـ شفاء رجل به شيطان في كفر ناحوم   لو 4: 31

2 ـ شفاء حماة سمعان مع جميع المرضى لو 4:38        

3 ـ تطهير الأبرص  لو 5: 12

4 ـ شفاء المفلوج  لو 5: 18       

5 ـ شفاء رجل يده يابسة في السبت لو 6: 6

6 ـ شفاء عبد قائد المئة  لو 7: 2

7 ـ إخراج لجئون من إنسان مجنون  لو 8: 26

8 ـ شفاء نازفة الدم  لو 8:43

9 ـ شفاء الولد المصروع  لو 9: 37     

10 ـ شفاء مجنون أعمى أخرس  لو 11: 14 

11 ـ شفاء المرأة المنحنية الظهر لو 13: 11

12 ـ شفاء المصاب بالاستسقاء لو 2:14

13 ـ تطهير العشرة البرص لو12:17

14 ـ شفاء (بارتيماوس) الأعمى لو35:18

15 ـ شفاء أذن عبد رئيس الكهنة (ملخوس)  لو 22: 51           

 

ب – إقامة أموات (يظهر فيها غلبته على الموت):

1 ـ إقامة ابن أرملة نايين لو 11:7             
2 ـ إقامة ابنة يايرس  لو 8: 55

ج – آيات وعجائب (تظهر فيها سلطانه علي الطبيعة):

1 ـ صيد السمك الكثير  لو 5

2 ـ انتهار الريح لو 8

3 ـ إشباع الجموع لو 9

 

وقد انفرد القديس لوقا بذكر ستة من هذه المعجزات لم ترد في باقي الأناجيل وهي:

1ـ معجزة صيد السمك على بحيرة جنيسارت.   

2ـ شفاء ابن أرملة نايين.                       

3 ـ تطهير العشرة البرص.

4ـ المرأة المنحنية الظهر.                       

5 ـ المصاب بالاستسقاء.

6 ـ شفاء أذن ملخوس.

وربما أعطته مهنة الطب التى كان يحترفها (كو4: 14) إمكانية تسجيل معجزات شفاء أكثر من باقي الإنجيليين.

 

أسباب إجراء معجزات الشفاء:

وفي عظاته علي إنجيل لوقا فسر لنا القديس كيرلس المعجزات التى صنعها السيد المسيح شفاؤنا، حسب ورودها فى الإنجيل موضحا أولا السبب الذى من أجله أجرى السيد الرب معجزاته، فيقول فى تعليقه على معجزة شفاء رجل به شيطان فى كفر ناحوم[1]، وهى أول المعجزات التى يذكرها لوقا فى إنجيله: [أولئك الذين لا يستطيع الجدل أن يجتذبهم إلى المعرفة اليقينية، لذلك الذى هو إله ورب بالطبيعة والحق،ربما يربحون بواسطة المعجزات إلى الطاعة والإذعان، ولذلك كان من النافع أو الضرورى فى أحيان كثيرة أن يكمل تعاليمه بإجراء بعض المعجزات ][2]، وهو يؤكد على دور المعجزة فى العمل الخلاصى الذى جاء المسيح ليتممه فى من يؤمن به، فيقول فى موضع آخر[لأن المعجزة تقود إلى الإيمان][3].

وبينما تقود المعجزة إلى الإيمان حسب ما يوضح القديس كيرلس، إلا إنه من ناحية أخرى فإن الشخص الذى يؤمن بالمسيح الشافى وإيمانه هذا يمهد للمعجزة، فإن المعجزة نفسها تعضد إيمانه هذا، وذلك هو ما يعود القديس كيرلس نفسه إلى ذكره.

 

وأول معجزة من هذا النوع هى معجزة تطهير الأبرص الذى خر على وجهه عندما رأى يسوع، وطلب إليه قائلا: يا سيد إن أردت تقدر أن تطهرنى. فمد يده ولمسه قائلا: أريد فأطهر وللوقت ذهب عنه البرص”[4]؛ فيقول [إيمان الرجل الذى اقترب من يسوع يستحق كل مديح لأنه يشهد بإيمانه أن عمانوئيل يستطيع أن يتمم كل الأشياء بنجاح.][5] وهنا يضع القديس كيرلس على لسان الأبرص مضمونا لإيمانه بشخص يسوع المسيح، وما يستطيع أن يفعله كإله فيقول [ إنى أرى الشياطين النجسة تُطرد بسلطان إلهى، وأرى آخرين يُطلقون أحرارًا من أمراضهم، وأدرك أن مثل هذه الأشياء تتم بقوة إلهية لا تقهر، وإنى أرى أنه صالح ومستعد تماما أن يعطف على أولئك الذين يأتون إليه؛ لذلك فما الذى يمنع أن يشفق علىَّ أنا أيضا؟ ] وأمام هذا الإيمان العظيم كان لابد للسيد المسيح أن [يدعم إيمانه ويعطيه تأكيدًا لإيمانه ويقبل طلبه قائلا “أريد فأطهر” كما يمنحه أيضا لمسة يده القدوسة والكلية القدرة، وفى الحال تركه البرص وانتهت معاناته.][6].

 

العطية الجديدة:

غير أن السيد المسيح لم يكتف أن يصنع بنفسه فقط معجزات بل أعطى أيضا هذه الإمكانية لتلاميذه الاثنى عشر، عندما دعاهم وأرسلهم للكرازة بملكوت السموات: [ودعا تلاميذه الاثنى عشر وأعطاهم قوة وسلطانا على جميع الشياطين وشفاء أمراض، وأرسلهم ليكرزوا بملكوت السموات ويشفوا المرضى][7] ويسمى القديس كيرلس هذه الإمكانية التى منحها الرب لتلاميذه ” بالموهبة“[8] وأيضًا “بالعطية الجديدة“[9]وكل هذا يمنحه المسيح [لأولئك الذين يريدون أن يحيوا حياة نقية وغير ملوثة على قدر ما هو ممكن للناس][10].

 

المعجزات والعمل الكرازى:

وكما كانت المعجزة ضرورية ونافعة فى أحيان كثيرة ليكمل المسيح تعاليمه، فقد كانت أيضا ضرورية بالنسبة للتلاميذ والرسل [ومن الضرورى وقد أقيموا علانية خداما للبشارة المقدسة أن يكون لهم القدرة على عمل المعجزات][11]. وكما كان هدف هذه المعجزات التى أجراها السيد المسيح أن يؤمن الناس به، هكذا كان أيضا هدف التلاميذ أنه [بواسطة ما يعملونه، يقنعون الناس أنهم خدام الله ووسطاء لكل الذين تحت السماء، داعين إياهم جميعا إلى المصالحة والتبرير بالإيمان ][12]. ويعود فيكرر بالنسبة للرسل ما قد ذكره فى العظة 12 عن السبب الذى دعا السيد المسيح أن يجرى معجزاته، ولكن بإسهاب أكثر فيقول: [لأن الأتقياء والأذكياء يحتاجون عموما إلى التفكير فقط لكى يجعلهم يدركون الحق، أما أولئك الذين انحرفوا بدون ضابط إلى العصيان، فهم غير مستعدين أن يقبلوا الكلام الصحيح من ذلك الذي يسعى أن يربحهم لأجل منفعتهم الحقيقية؛ مثل هؤلاء يحتاجون للمعجزات وعمل الآيات][13] والقديس كيرلس يؤكد على النتائج الإيجابية للعمل الكرازى الذى دُعم بعمل المعجزات؛ فيقول [إن كرازة الرسل قد ازدهرت بهذه الطريقة فبطرس ويوحنا مثلا أنقذوا الرجل الأعرج الذى كان يجلس عند باب الهيكل الجميل من مرضه. فدخل الهيكل معهما وقدم شهادة للعمل العظيم الذى حدث معه، وتكلما بكل جرأة عن السيد المسيح مخلصنا جميعا.][14].

إن عمل المعجزة ليس هو هدفُا فى حد ذاته، إن هدفها الأساسى هو إعلان سر الخلاص للمسكونة كلها، هكذا يركز القديس كيرلس معلقًا على إرسالية السيد المسيح لتلاميذه فيقول [إن السيد المسيح إذ وشح أولاً الرسل القديسين بقوات عظيمة هكذا، فإنه يدعوهم بعد ذلك أن ينطلقوا بسرعة ويبدأوا عملهم فى إعلان سره إلى سكان الأرض كلها.][15]

 

المعجزة كثمرة للتجسد:

يشرح القديس كيرلس بنجاح كبير العلاقة بين سر التجسد والسلطان والقوة على الأرواح الشريرة وعلى الأمراض، المُعْطَى للتلاميذ. ولكى يعطى نفسه مجالا أوسع للاستفاضة فى هذا الأمر، نجده يتساءل [من أين هبطت هذه النعمة الشهيرة جدًا والممتازة جدًا على جنس البشر][16]. وفى عبارات دقيقة يجيب [إن كلمة الله الوحيد قد توَّج الطبيعة البشرية بهذا الشرف العظيم بواسطة تجسده، متخذا شكلنا. وهكذا بدون أن يفقد شيئًا من أمجاد جلاله إذ أنه عمل أعمالاً تليق بالله، رغم أنه كما قلنا، قد صار مثلنا من لحم ودم – قد سحق قوة الشيطان بكلمته كلية القدرة. وبانتهاره للأرواح الشريرة، فإن سكان الأرض أيضا صاروا قادرين على أن ينتهروهم.][17]

وفى ربطه بين القوة التى أُعطيت للبشرية على إخراج الشياطين وسر التجسد ، فإن القديس كيرلس يرتكز على الاعتقاد بأن إخراج الشياطين مرتبط بمجىء المسيا. الأمر الذى دعى الرب نفسه يجيب أن اليهود الذين اتهموه بأنه ببعلزبول رئيس الشياطين يُخرج الشياطين، فيقول لهم [إن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله] لهذا يعلق القديس كيرلس على رد الرب يسوع هذا قائلا [ لأنه إذ هو ابن الآب الوحيد وهو الكلمة ، فقد كان ولا يزال كلِّى القدرة وليس هناك شئ غير مستطاع لديه. ولكن، إذ قد انتهر الأرواح الشريرة حينما صار إنسانًا، فإن الطبيعة البشرية صارت ظافرةً فيه ومكللةً بمجد إلهى، لأنها صارت قادرة على انتهار الأرواح الشريرة بقوة.][18].

وبصفة عامة، فإن انهزام مملكة الشيطان هو دليل على تبعيتنا لمملكة الله، ولأن مجد الله هو خلاص الإنسان فإن قدرته للقضاء على قوة الشيطان الذى كان يأسر الإنسان[19]، هى استعلان كامل لعظمة الله وألوهيته وهذا ما يؤكده القديس كيرلس قائلا [ فبطرد المسيح للشياطين، قد أقبل علينا ملكوت الله ، لأنه يمكننا أن نؤكد أن القدرة على سحق الشيطان رغم مقاومته، هى كمال الجلال الإلهى.][20] وفى عظة 21 يوضح هذا المعنى عندما يعلق على ما جاء فى إنجيل متى [أم كيف يستطيع أحد أن يدخل بيت القوى وينهب أمتعته إن لم يربط القوى أولا، وحينئذ ينهب بيته؟” (مت29:12). فالمقصود ببيت القوى أى الشيطان هو بلدته على الأرض .. لذلك فكلمة الله الوحيد دخل عند تجسده  إلى بيت القوى، أى إلى هذا العالم، وهكذا نهب أمتعته.] .

 

موهبة عمل المعجزات وألوهية السيد المسيح:

يرى القديس كيرلس فى العطية الجديدة التى منحها السيد المسيح لتلاميذه كما يذكر إنجيل لوقا “أنه أعطاهم قوة وسلطانا على جميع الشياطين وشفاء الأمراض “[21] بُعدًا خرستولوجيًا، وذلك لأن الذى يستطيع أن يعطى سلطانا على الأرواح النجسة لكل من يريد، لابد وأنه يملك هذا السلطان فى طبيعته، وبالتالى هو وحده الذى يقرر [أن يتمكن أحد الناس بحسب مسرة الله الصالحة أن يعمل معجزات إلهية][22]، وذلك لأن [المسيح يمنح هذه القدرات لكونه الله وذلك من ملئه الخاص لأنه هو نفسه رب المجد ورب القوات.][23]

إن من تُمنح له مثل هذه النعمة أو هذه العطية الجديدة لا يستطيع أن يمنحها للآخرين، لأنه لا يملكها جوهريا وذلك لأن [جلال ومجد الطبيعة الفائقة لا يوجدان جوهريا فى أى كائن من الكائنات سوى فى تلك الطبيعة الفائقة][24].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] لو 4: 31.

[2] تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس: ترجمة ونشر مركز دراسات الآباء، القاهرة 1990 ج1، العظة 12 ص102: وأيضا في تعليقه على معجزة صيد السمك الكثير يقول” وأرجو أن يلاحظوا أن الرب لم يكرز فقط، بل يجرى آيات أيضا، معطيا بذلك أدله على قوته مثبتا بكلامه بعمل المعجزات” المرجع السابق ص112.

[3] المرجع السابق ج2 القاهرة 1992 ص56 ويكرر القديس كيرلس ذلك المعنى مرة أخرى فى عظة 23 فيوضح أن السيد المسيح “كان تعليمه عن أشياء سامية للعقل وما يجعل طريق الخلاص الذي انفتح بواسطته واضحًا لسامعيه، وفى الحال بعد تعليمه أظهر قوته الإلهية بعد أن مهد بالكلمات الطريق إلى الإيمان. لأن المعجزة أحيانا تحول إلى الإيمان أولئك الذين لم يؤمنوا بالكلمة. عظة23 ج1 ص143.

[4] لو 5: 12 – 13.

[5] المرجع السابق: عظه 12 على الإصحاح الخامس ج1 ص 114.

[6] المرجع السابق: عظه 12 على الإصحاح الخامس ج1 ص115.

[7] لو 9: 1.

[8] المرجع السابق: عظه 47 ج2 ص12.

[9] المرجع السابق.

[10] المرجع السابق.

[11] المرجع السابق: عظه 47 ج2 ص15-16.

[12] المرجع السابق: عظه 47 ج2 ص16.

[13] المرجع السابق: عظه 47 ج2 ص16. وأيضا يعود القديس كيرلس فيكرر أن معجزات إخراج الشياطين كانت ضرورية فى خدمة الرسل فيكتب [أن السلطان الذى حمله التلاميذ لينتهروا الأرواح الشرير هو القوة لسحق الشيطان، لم تعط لهم لكى ينظر الناس إليهم بإعجاب بل لكى يتمجد المسيح بواسطتهم]عظه 64 ج2 ص126 أما الهدف من ذلك فيوضحه الأب المعلم قائلا [لكى يؤمن أولئك الذين يعلمونهم أنه هو بالطبيعة الله وابن الله، ولكى يكرم بالمجد العظيم والعلو والقوه لكونه استطاع أن يمنح الرسل القوه ليطأوا الشيطان تحت أقدامهم.] المرجع السابق:عظه 64 ج2 ص126.ّ

[14] المرجع السابق: عظة 47 ج2 ص16.

[15] المرجع السابق: عظة 47 ج2 ص17.

[16] المرجع السابق: عظه 47 ج2 ص14.

[17] المرجع السابق: عظه 47 ج2 ص14.

[18] المرجع السابق: عظه 47 تفسير إنجيل لوقا ج2 ص15.

[19] قال الشيطان:”إنى سأمسك كل العالم فى يدى كعش وسأجمعه كبيض مهجور وليس هناك أحد يهرب منى أو يتكلم ضدى” (إش14:10س) المرجع السابق ص14.

[20] المرجع السابق: عظة 47 ج2 ص15.

[21] لو 9: 1.

[22] المرجع السابق: عظة 47 ج2 ص13.

[23] المرجع السابق.

[24] المرجع السابق.

المعجزات والإيمان عند القديس كيرلس الأسكندرى – د. جوزيف موريس فلتس

موت المسيح على الصليب فى التراث العربى المسيحى | جوزيف موريس فلتس

موت المسيح على الصليب فى التراث العربى المسيحى | جوزيف موريس فلتس

موت المسيح على الصليب فى التراث العربى المسيحى | جوزيف موريس فلتس

إن موت المسيح على الصليب؛ هو حقيقة تاريخية سجلّتها لنا أسفار العهد الجديد، وآمن وبشّر بها الرسل مُعترفين بقيامته بعد أن انتصر على الموت، بل إن صَلْبِه وقبره وقيامته صارت عقيدة إيمانية نص عليها قانون الإيمان النيقاوي القسطنطيني عندما ذكر ” وصُلب عنا على عهد بيلاطس البنطي تألم وقُبر وقام من الأموات في اليوم الثالث كما في الكتب”[1].

 

وبالرغم من أن كثيرين قد أثاروا ومنذ وقت مبكر جدًا أسئلة تتعلّق بماهية شخص المسيح وهل هو الله أم نبى، بل وعن حقيقة تجسده، إلاّ أن موضوع كيفية موت المسيح على الصليب لم يكن موضع تساؤل، إلى أن أُثيرت الموضوعات “الخرستولوجية” بمعنى تلك التي تتعلق بطبيعة المسيح له المجد، وكيفيّة تجسده وإتحاد الطبيعة الإلهية بالطبيعة البشرية في طبيعة واحدة.

 

ولقد حاول آباء الكنيسة وخصوصًا آباء كنيسة الأسكندرية الدفاع عن الإيمان المستقيم، وتوضيح البُعد الخلاصى فيما علّموا به عن كيفيّة إتحاد الطبيعتين الإلهية والبشرّية فيما يسمى بالإتحاد الأقنومى، وبيان أن كل من الطبيعتين الإلهية والبشرّية قد اتحدتا بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير ولا افتراق. وبسبب هذا الإتحاد الأقنومى صار موت المسيح على الصليب موتًا خلاصيًا.

لأنه حتى وإن كان المسيح قد مات بالجسد، إلاّ أن هذا الجسد هو جسده الخاص أى جسد الابن الوحيد وكلمة الله وبالتالي نستطيع أن نقول إن مَنْ مات على الصليب هو الله المتجسد، والذي بموته قد أعطى حياة للكل، أو كما يقول القديس أثناسيوس ” طالما أن “الكلمة” كان من غير الممكن أن يموت، إذ أنه غير مائت، أخذ لنفسه جسدًا قابلاً للموت حتى يمكن أن يقدّمه كجسده الخاص نيابة عن الجميع، حتى إذا ما تألم عن الكل بإتحاده بالجسد، فإنه يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أى إبليس ويعتق أولئك الذين خوفًا من الموت كانوا جميعًا كل حياتهم تحت العبودية “[2].

 

وفي سياق حديثهم عن كل الأبعاد الخلاصية لتجسد الابن الوحيد وموته وقيامته وصعوده، من أجلنا ومن أجل خلاصنا، لم يتعرّض الآباء لشرح كيفية موت المسيح له المجد، جسديًا على الصليب، أو بمعنى آخر عن كيفيّة موت الجسد مع أنه متحد باللاهوت إذ لم يروا فيه أمرًا غير لائق بالله.

ومن الجائز أن يكون التساؤل عن عدم لياقة “موت الله” قد أُُثير من أُناس غير مؤمنين من خارج الكنيسة بعد القرن السابع.

ويحفظ لنا التراث العربي المسيحى للأقباط رسالة أرسلها البطريرك البابا فيلوثاوس ال63 (970 – 995م) الذي كان راهبًا بدير ابى مقار، إلى أثناسيوس البطريرك الأنطاكى ال61.

 

ويتضّح من هذه الرسالة أن هذا الأمر كان مثارًا في أنطاكية وشغل فكر البطريرك الأنطاكى، الأمر الذي جعله يطلب من بطريرك الأسكندرية توضيحًا وشرحًا لما حدث على الصليب.

 

عن هذه الرسالة:

جاءت هذه الرسالة في مخطوط اعتراف الآباء رقم 196 لاهوت بالمتحف القبطي.

استشهد كاتبها بالآباء الكبار الآتى أسمائهم لتوضيح وشرح هذه المسألة.

1 غريغوريوس النيسى (في ميمر الفصح).

2 ساويرس البطريرك (في رسالته للوقيانيوس).

3 أثناسيوس الرسولى (بدون ذكر المرجع).

4 إبيفانيوس أسقف قبرص (في كتاب المرساة).

5 غريغوريوس أسقف نوسا[3] (ميمر الفصح).

حمل رسالة البطريرك الأنطاكى وفد مكون من مطران دمشق “توفيل” والذي يصفه المخطوط بأنه “المعلّم المهذب البليغ في تفسير الكتب”، ومطران طبرية “باسيليوس”، والذي كُتب عنه أنه هو “المشاكل (أى المماثل) في تصرفه للقديس باسيليوس “معلّم الأرثوذكسية” وكان مع هذين الأسقفين القمص “يوحنا” والشماس “سلمون”. ولقد حضر كتابة هذه الرسالة كل من الأنبا ساويروس أسقف الأشمونين، والأنبا مرقص أسقف البهنسا والمُلقب في المخطوط ب “الكاتب”، وكاتب الرسالة أسقف منوف.

جاء فى المخطوط ما يلى[4]:

عرض المسألة:

” فهمت ما كتبته إليّ أيها الأخ الحبيب الكريم أطال الله بقاءك وأدام نعمتك ونكب أعداءك ونجاك بشفاعة السيدة البتول وجميع القديسين. ووقفت على مسألتك التي خطرت بقلبك أحياه الله وعمّره بالسرور. وهى موت سيدنا المسيح لما كان من مفارقة النفس للجسد بحيث لم يفارقه اللاهوت كما لم يفارق النفس حال فراقها للجسد فلم يكن موتًا لأن اللاهوت أعظم وأجّل وأقوى من النفس المخلوقة وكيف كان حيًا حال إتحاد نفسه بجسده المخلوقين ولم يكن كذلك في حين أن اللاهوت لم يفارق الجسد؟ فأجيب على ذلك اعلم أن الله الابن الكلمة بتجسده خلق له جسدًا في بطن العذراء واتحد به وكان ذا نفس ناطقة عاقلة وهو البشر التام الذي اتخذه من غير نقص واتحد به الكلمة بوحدانية أقنومية لا تنحل”.

 

من التعاليم الآبائية في الرسالة:

1 غريغوريوس النيسى:

[ إنه تعالى في الوقت الذي حلّت على العذراء قوة العلي ليقيم منها الخلقة الجديدة ويخلق بشرًا خلقة إله لا على حسب ناموس خلقة الأجنة ومنذ ذلك الوقت إتحد به وقامت الوحدة من ذينك المتحدين وأن ذلك البشر الذي جعله الكلمة واحدًا معه كان ذا نفس عاقلة أيضًا فكان أحد أجزاء هذا المجموع وهو الجسد قابلاً الآلام والموت لأن اللاهوت والنفس البشرية لا يتألمان ولا يموتان.

فأما القول بأن الله تألم ومات وإنما بجسده وإرادته من أجلنا فهو قول صحيح ومستقيم بسبب الوحدة المنسوب لها كل شئ عدا أجزاءها أو بعضها ولذا فإن الآلام والموت الحاصلة للجسد قد حسبت لهذا الواحد لهذا الإله المتأنس. غير أن القول بآلام أو موت اللاهوت بحتًا فإنما هو قول فاسد وردئ وكفر لأن طبيعة اللاهوت بسيطة روحية غير هيولية منزهة عن المادة وغير مركبة وبالتالى غير محدودة ولا مدركة وهى طبيعة الآب والابن والروح القدس ولذلك فهى غير قابلة الألم والموت.

وإنما موت المسيح تعالى كان بمفارقة نفسه لجسده فقط بحيث إن لاهوته لم يفارق أحدهما طرفة عين ولمح البصر فكان اللاهوت ملازمًا الجسد على الصليب وفي القبر كما أنه كان ملازمًا النفس حال نزولهما إلى عالم الأرواح البررة ] (ميمر الفصح).

2 مارساويرس البطريرك:

[مات عمانوئيل من أجلنا وكان موته مثل موتنا الذي هو عبارة عن افتراق النفس من الجسد وعن هذا الموت قال بسلطان يليق بلاهوته (إنى أضع نفسى عن غنمى ولي سلطان أن أضعها ولى سلطان أن آخذها) وهو القائل هذا القول قال على الصليب (في يديك يا ابت اضع روحى ولما قال هذا أسلم الروح). وقال أيضًا في الرسالة التي كتبها إلى أوقانيوس: إن الذي أتى بعد ناموس موسى صبر على الصليب مصدر النجاة. هذا الذي بإرادته فصل نفسه من جسده المتحد بهما الكلمة أقنوميًا بلا افتراق وأبطل فساد القبور بجسده وظهر بنفسه التي هى متحدة معه في أماكن الجحيم حيث قطع أربطتها ] (من رسالته إلى أوقانيوس).

3 أثناسيوس الرسولي:

[ إن الرب نزل إلى الجحيم لا بجسده بل بروحه وضبط كل الأرض لئلا تهلك قبل وقتها وأراق دمه عليها ليحفظها ويحفظ ما فيها وترك جسده معلقًا في الهواء من أجل حفظ العناصر ونزلت روحه القدوسة إلى الجحيم وبشرّت مَن كان فيه بالنجاة. نهب الجحيم وضبط الكل بجسده. حملت روحه الأنفس التي كانت في الجحيم حين كان جسده معلقًا على الصليب وفي ذلك الوقت انفتحت القبور ولما أبصره بوابو الجحيم جزِعوا وهربوا ومن ثم سحق أبواب النحاس وكسر متاريس الحديد وحملت روحه الأنفس سكان الجحيم وصعد بهم إلى أبيه ].

4 إبيفانيوس أسقف قبرص:

[ إن النفس نزلت باللاهوت إلى الجحيم وترك الجسد في القبر ثلاثة أيام ليظهر الجسد مقدس واللاهوت مع النفس أتم السر في الجحيم الذي لم يستطع أن يضبطهما، وقال أيضًا (إنه بإرادته تعالى نزل إلى الجحيم بنفسه) وقد قال بطرس الرسول إن الهاوية لم تقو على ضبطه لأنه المخلّص الذي قال (إن لى سلطانًا أن آخذ نفسي ولى سلطانًا أن أتركها) وقال أيضًا أنا الراعى الصالح وأنا أبذل نفسي عن غنمي) ] (من كتاب المرساة).

5 غريغووريوس أسقف نوسا:

[ إن اللاهوت في وقت تدبير الآلام لم يفارق كلا من الجسد والنفس المتحد بهما دائمًا. الذي مات فتح أبواب الفردوس للص بنفسه وكان هذان الاثنان أعنى الجسد والنفس ذى قدرة في زمن واحد ].

ومن الجدير بالذكر أن هذه المسألة مثلها مثل باقي الأمور العقائدية قد شرحها الآباء ليس فقط في كتاباتهم العقائدية أو الدفاعية بل وأيضًا في النصوص الليتورجية. لهذا نجد أن شرح كيفية موت المسيح على الصليب قد ورد في نص ليتورجى أو ما يسمى “بالقسمة السريانية” والتي جاء فيها ” هكذا بالحقيقة تألم كلمة الله بالجسد وذُبح وانحنى بالصليب. وانفصلت نفسه من جسده. إذ لاهوته لم ينفصل قط لا من نفسه ولا من جسده. وطُعن في جنبه بالحربة. وجرى منه دم وماء غفرانًا لكل العالم، وتخضب بها جسده. وأتت نفسه واتحدت بجسده “[5].

ومن غير المعروف متى دخلت هذه القسمة إلى النصوص العربية للقداس في الكنيسة القبطية، وما هو مصدرها. هل هى من وضع فيلوثاوس كاتب هذه الرسالة أم من وضع أحد آباء الكنيسة السريانية[6] الذين اطلعوا على هذه الرسالة فوضع هذه القسمة، خصوصًا وأنها معروفة “بالقسمة السريانية” وأنها ترجمت من القداس السريانى إلى العربية ثم من العربية إلى القبطية كما يذكر واضع الخولاجى المقدس؟[7].

 

[1] انظر قانون إيمان نيقية القسطنطينية.

[2] عب14: 215. تجسد الكلمة. ترجمه عن اليونانية وتعليقات د. جوزيف موريس فلتس. المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، طبعة ثالثة 2004، فصل 6: 20.

[3] هو نفسه القديس غريغوريوس النيسي.

[4] احتفظنا بالنص كما جاء بالمخطوط ودون أى تدخل لغوى أو تدقيق للأسماء التى وردت به.

[5] الخولاجي المقدس جمع وترتيب المتنيح القمص عبد المسيح صليب السعودي البرموسي. دير السيدة العذراء برموس. الطبعة الثالثة 2002 ص547548.

[6] يؤكد هذا الرأى مارثاوفيلوس جورج صليبا مطران جبل لبنان حيث يذكر أن مار يعقوب بن صليبي أسقف إبرشية آمد (ديار بكر) عام 1148 والذي رقد سنة 1171 هو مؤلف القسمة ” هكذا حقًا تألم كلمة الله بالجسد. انظر: خبز الحياة، كتاب القداس الإلهي، جبل لبنان 2002 ص282.

[7] الخولاجي المقدس، المرجع السابق ص547

موت المسيح على الصليب فى التراث العربى المسيحى | جوزيف موريس فلتس

الإفخارستيا وحياة الإيمان – د. جوزيف موريس فلتس

الإفخارستيا وحياة الإيمان – د. جوزيف موريس فلتس

الإفخارستيا وحياة الإيمان – د. جوزيف موريس فلتس

الإفخارستيا وحياة الإيمان – د. جوزيف موريس فلتس

 

الإفخارستيا وحياة الإيمان – د. جوزيف موريس فلتس

Exit mobile version