الوسم: دراسة الكتاب المقدس
كتاب معجم اللاهوت الكتابي PDF
كتاب معجم اللاهوت الكتابي PDF
كتاب معجم اللاهوت الكتابي PDF
عندما يقبل الدارس على البحث في هذا المعجم اللاهوتي للكتاب المقدس يكتشف أنه أمام عمل فريد في نوعه، لم تسبقه كتابات أخرى في اللغة العربية لها الروح نفسها في البحث والدقة في العمل.
ولسوف يذكر بكل امتنان الجنود المجهولين الذي نقلوه من اللغة الفرنسية إلى لغتنا العربية لكي يثروا المكتبة الدينية في بلادنا ويمدّوها بكتاب هي بأمسّ الحاجة إليه.
يقول المؤلف، الأب كزافييه ليون دوفور اليسوعي، إنه بدأ هذا العمل بهدف أن يكتب معجماً لغوياً لمفردات الكتاب المقدس، فإذا به ينساق إلى جهة أكثر اتساعاً وأعم فائدة، وخرج من عمله بمعجم لاهوتي للكتاب المقدس.
وما أحسن ما فعل! لأننا لا غنى لنا عن مثله. ولكن ماذا يعني بهذا العنوان؟ وما هو القصد من قوله “المعجم اللّاهوتي”، وكيف ينطبق هذا المعجم على “الكتاب المقدس”؟
على أساس هذا السؤال، تبنى هذه المقدمة، لعلها تيسّر على القارئ العربي تفهّم ما أبدعته براعة المؤلف في هذا الكتاب. ولعله من المفيد أن نبدأ هذه المقدمة بدراسة شيء عن الكتاب المقدس.
إنّه الساعد الأيمن للباحث في العلوم الكتابيّة واللاهوتيّة. يقدّم إلينا الألف والياء، يسوع المسيح، من خلال فهرسةٍ أبجديّة من الألف إلى الياء. لا يسعنا في بضعة سطور أن نختصر هذا العمل الضخم الّذي أشرف عليه الأب صبحي حموي اليسوعي وساعده فيه مجموعة من رجال الدين والعلمانيّين.
من دون أن ننسى الجنود المجهولين الّذين نقلوا المحتوى الفرنسيّ إلى العربيّة. يشتمل هذا المعجم على مجموعة من المقالات البحثيّة الّتي تخصّ لفظة معيّنة من الألفاظ، بالإضافة إلى فهرسة ورودها في الكتاب المقدّس. ولا ننسَ أنّ هذا المعجم “لاهوتيّ” للكتاب المقدّس، فلا غنى لباحث اللاهوت عن السند الكتابيّ لدراسته.
معجم اللاهوت الكتابي كتاب لا غنى عنه لكل باحث في الموضوعات الدينية واللاهوتية. فعندما يقبل الدارس على البحث في هذا المعجم اللاهوتي للكتاب المقدس يكتشف انه امام عمل فريد من نوعه، لم تسبقه كتابات اخرى في اللغة العربية لها الروح نفسها في البحث والدقة في العمل. ولسوف يذكر بكل امتنان الجنود المجهولين الذين نقلوه الى العربية.
اولا- الكتاب المقدس: مضمونه، وشكله الادبي
نؤمن كمسيحيين بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله المقدسة ، كتبها رجال من عند الله محمولين بالهام من الروح القدس (2بط1: 21). ولكن ايماننا هذا لا يعني ان الروح القدس قد محا الشخصية البشرية محوا تاما، والا لما قيل “كتبها رجال الله”. ولقد استمرت كتابة الكتاب المقدس قرونا طويلة، ودعا الروح القدس شخصيات كثيرة، من بلاد عديدة، وخلفيات متباينة لكتابته.
ثانيا: المفهوم اللاهوتي للكتاب المقدس
لاحظ دارسو الكتاب المقدس ان اهم الافعال به هي الافعال المتعلقة بالخلق والفداء. اذن فموضوع الكتاب المقدس هو الله نفسه، ولكن، لا ليذكر صفاته الازلية او اسماءه الحسنى، بل ليظهر عمل اما خالقا او فاديا.
مجالات دراسة اللاهوت كثيرة- اللاهوت الرعوي – الطقسي – الادبي – المقارن – الروحي.
لماذا يسبق هذه الفروع من الدراسات الدينية كلمة “اللاهوت”؟
الاجابة: لان هذه الدراسات مرتبطة بعلاقتنا بالله ، فهي ليست دراسات نظرية ولكنها دراسات في صميم حياتنا الروحية وعلاقة الانسان بالله.
اعجبني في هذا الكتاب:
هذا الكتاب عميق في دراساته وهو مجهود ضخم ومنظم من عدد الباحثين اللاهوتيين الفرنسيين. على سبيل المثال تحت كلمة “الشيطان” يوضح لماذا في العهد القديم لم يرد ذكر ابليس كثيرا وذلك حتى لا يقع الشعب الاسرائيلي في هوة الاعتقاد بوجود الهين اله للخير واله الشر، لذلك في قصة السقوط اشير الى ابليس على انه الحية. وفي قصة ايوب صور الشيطان على انه احد الملائكة (الساقطين) الذين يمثلون في محضر الله ولكنهم يشتكون على اولاد الله.
تحت عنوان “البتولية” يذكر ان العهد الجديد هو مرحلة وسطى بين العهد القديم حين كان الزواج والنسل هو علامة رضا الرب وبين الدهر الاتي حين يكون الانسان كما وصفه السيد المسيح “في الدهر الاتي لا يزوجون ولا يتزوجون بل يكونون كملائكة الله”.
الحجم 24X17
الفئة دراسات وأبحاث في الكتاب المقدس
أحدث طبعة سنة 2014 الطبعة السابعة
عدد الصفحات 980
تحميل الكتاب PDF
10 مبادى مسيحية للدراسة الشخصية وللدرسة في مجموعات PDF
كتاب الخلفية الحضارية للكتاب المقدس PDF (5 أجزاء) – كريج س كينر
كتاب الخلفية الحضارية للكتاب المقدس PDF (5 أجزاء) – كريج س كينر
أولا: الخلفيات الحضارية للعهد القديم
الجزء الأول
الجزء الثاني
ثانيا: الخلفيات الحضارية للعهد الجديد
الجزء الأول
الجزء الثاني
الجزء الثالث
كتاب الخلفية الحضارية للكتاب المقدس PDF (5 أجزاء) – كريج س كينر
النبوة الكتابية – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس
النبوة الكتابية – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس
النبوة الكتابية – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس
المبدأ الإرشادي: لكي تفهم النبوات المستقبلية في الكتاب المقدس، يجب مراعاة الإرشادات الكتابية بأمانة.
يمكن أن نطلق على أي نبي في الكتاب المقدس أنه متحدث رسمي باسم الله، وأي إعلان مباشر من الله في الكتاب المقدس يمكن أن نطلق عليه نبوة. وحيث أن الكتاب المقدس بأكمله هو من تأليف إلهي. يمكننا أن نطلق على الكتاب المقدس كله أنه الكلمة النبوية، وعلى كل مؤلف من مؤلفية أنه نبي. ومع ذلك، فهناك استخدام خاص لمصطلحات مثل النبوة، والنبي. فالنبوة المستقبلية بوجه خاص تحمل علامة الأصل الإلهي. والكثير من الكتاب المقدس هو عبارة عن نبوات مستقبلية.
وكما رأينا من قبل، يوجد هدفان للنبوة المستقبلية. فالهدف الرئيسي منها هو التأثير في سلوك أولئك الذين يسمعون النبوة. أما الهدف الثاني فهو يتم فقط عندما تتحقق النبوة، ويتحقق هذا الهدف بأن يبنى الإيمان، وتتعمق الثقة في الله الذي تنبأ بالأحداث بطريقة معجزية (يو 13: 19؛ 14: 29؛ 16: 4).
إن النبوة المحققة هي علامة إلهية، فالحقيقة هي أننا مدعون لتقييم أصالة وصدق النبي على أساس ما إذا كانت نبوته قد تحققت أم لا (تث 18: 22؛ إش 41: 23؛ 44: 6-8؛ حز 33: 33).
في بداية السبعينات من القرن الماضي، تلقيت نبوة مكتوبة تقول الآتي:
إن ولاية جورجيا في خطر التعرض لزلزال شديد العنف قبل نهاية أكتوبر 1972. وهذا الزلزال سيؤثر تأثيراً ضخماً على جنوب كارولينا.
هكذا يقول الرب، سيسقط الثلج هنا في كولومبيا، وفي جنوب كارولينا في مايو 1972.
وقد فهم مؤلف هذه النبوة الآثار المترتبة عليها، فقال:
إني أشعر أنني دعيت من الله لكي أكون نبياً. وأنا أطلب منك أن تحتفظ بهذا الخطاب كسجل لديك إلى أن ترى الدليل على حدوث هذه الأمور.
وحيث قد مضى عام 1972 ولم تتحقق أي من هذه النبوات أو ثبت صدقها، لم يحتاج المرء أن يأخذ بجدية النبوة الإضافية التي كانت تقول، “يقول الله أن الولايات المتحدة سوف يتم تدميرها بواسطة أحد الأعداء في غضون حوالي 10 سنوات. “فلو كانت قد أمطرت في جنوب كارولينا في مايو، لكان المرء يُنصح بأن يأخذ بجدية أية توقعات من ذلك المصدر!
وهكذا فالهدف من تحقيق النبوة هو إثبات صدق أو أصالة النبي، وبالتالي بناء الثقة في الله الذي فعل المستحيل، بأن كشف عن الأحداث قبل وقوعها. لذلك فإن نبوات العهد القديم التي تحققت في العهد الجديد بخصوص ميلاد وحياة وموت وقيامة يسوع المسيح لها قيمة هائلة في توكيد الإيمان، ليس فقط في الله الذي كشف هذه الأحداث قبل وقوعها بمئات السنين، بل أيضاً في الشخص الذي تم التنبؤ بمجيئه مسبقاً.
لكن ماذا عن النبوات التي لم تتحقق؟ قدر كبير من النبوات المستقبلية في الكتاب المقدس لم يتحقق بعد. إن القصد من الوقت الذي يسبق تحقيق النبوة هو أن تؤثر النبوة على فكر الشخص وسلوكه، وليس أن يُشبع فضوله بخصوص المستقبل. لكن لكي يكون لأي نبوة تأثير على أفكارنا وأفعالنا، يجب فهم معناها. فهل هناك أية سمات مميزة للنبوة المستقبلية في الكتاب المقدس يجب أن نفكر فيها؟ إن النبوة المستقبلية هي شكل متفرد ومتميز من التواصل، وتوجد إرشادات تساعدنا على فهم هذا الجزء من إعلان الله.
اللغة الحرفية
إن أول مبدأ إرشادي لفهم النبوة المستقبلية في الكتاب المقدس هو المبدأ الذي يقودنا في تفسير كل الكتاب المقدس: تعامل مع المقطع بمعناه البسيط والمباشر والعادي، إلا إذا كانت هناك أسباب تلزمك بغير ذلك. بكلمات أخرى، إن المقاطع النبوية، مثل أي تواصل بشري آخر، يجب التعامل معها باعتبارها حرفية إلا إذا كانت هناك أسباب تلزمنا بأن نفهمها بمعنى مجازي. وسوف نقوم هنا بمراجعة هذه الأسباب الملزمة، والتي تعتبر سليمة ومشروعة. لكن من المهم أولاً أن نبدأ بمبدأ النظر إلى اللغة المباشرة والعادية. لنفكر مثلاً في النبوة التالية:
“وأرد سبي شعبي إسرائيل فيبنون مدناً خربة ويسكنون ويغرسون كروماً ويشربون خمرها ويصنعون جنات ويأكلون أثمارها وأغرسهم في أرضهم ولن يقلعوا بعد من أرضهم التي أعطيتهم قال الرب إلهك” (عا 9: 14-15).
لا يوجد دليل في ذلك المقطع على أنه يجب التعامل مع اللغة مجازياً. ورغم أن العديد من المفسرين يتعاملون معه كذلك، إلا أنه لا توجد أسباب ملزمة هنا، سواء في القواعد العادية للغة البشرية أو في الإعلان الكتابي التالي، لفهم هذا المقطع مجازياً. فلا بد أن نبدأ بافتراض أن النبوة يجب فهمها حرفياً. لكننا عندما نبدأ بذلك ليس من الضروري أن ننتهي كذلك أيضاً، لأن قدراً كبيراً من النبوات تكون مجازية بالفعل، ولا بد أن نتمكن من التمييز بين ما هو حرفي وما هو مجازي.
اللغة المجازية
أما المبدأ الإرشادي الثاني لفهم النبوة فهو التعرف على المقاطع المجازية عن طريق اتباع القواعد العادية للغة في التمييز بين ما هو حرفي وما هو غير حرفي. وعلى سبيل المراجعة (انظر الفصل 12)، دعونا نطبق الإرشادات الثلاث الأساسية الخاصة بموضوع التنبؤ في الكتاب المقدس.
1 – بعض التعبيرات يكون من الواضح أنها مجازية لأنها ستكون غريبة لو فهمناها بطريقة حرفية. فيمكن للقمر حرفياً أن يتحول إلى بحيرة كبيرة من الدم (يؤ 2: 31)؛ ويمكن لقضيب غصن أن يخرج من إنسان (إش 11: 1)؛ ويمكن لجبل حرفي أن يصير سهلاً (زل 4: 7) – لكن ولا واحد من هذه الأشياء محتمل الحدوث. فهي على السطح، لا تبدو أنها تنبؤات حرفية لأحداث حرفية ستأتي. فقد قصدها المؤلف وفهمها قراؤها الأصليون كما نفهمها نحن اليوم، باعتبارها لغة تصويرية مجازية. وهكذا فإن مهمة المفسر هي أن يكتشف المعنى الحرفي المقصود من تلك الصورة المجازية.
كما أن الأحلام هي واحدة من طرق الإعلان في الكتاب المقدس، خاصة في التنبؤ. فعندما حلم فرعون أن هناك سبع سنابل رقيقة من الذرة ستأكل سبع سنابل قوية وحسنة، لم يستطع ولا الفرعون ولا أي واحد من رجاله أو حكمائه أو “أنبياءه” أن يفهم هذا الأمر باعتباره نبوة عن أمر سيتحقق حرفياً. فعلى السطح كان المقصود بها أن تشير إلى حدث بشري عادي، لذلك كان على المفسر أن يبحث عن تفسير للنبوة، لكي يجد المعنى الحرفي لصورة واضحة.
كل من سفر دانيال وسفر الرؤيا مليء بتشبيهات غريبة عن مخلوقات خيالية تشبه الحيوانات، لا توجد على الإطلاق. فعندما نتعامل مع هذه النبوات باعتبارها تشير إلى ظهور وحوش حرفية تشبه هذا الوصف، فإن هذا الأمر لا يقوم فقط بجعل عمل النبي تافهاً، ولكنه يعد كذلك احتقاراً لا يغتفر لعقل الإنسان. وهكذا فالعديد من المقاطع النبوية تكون مجازية.
2 – عندما تكون هناك تعبيرات مجازية أخرى واضحة للغاية في السياق نفسه. يخبرنا دانيال عن أربعة وحوش عظيمة خرجت من البحر. كان أولها مثل أسد بجناحي نسر؛ وكان الثاني مثل دب؛ والثالث مثل نمر بأربعة أجنحة وأربعة رؤوس؛ بينما كان الرابع شديد الغرابة بحيث لم يمكن التعرف عليه في شكل أي حيوان معروف للقارئ. فإلى أي شيء تشير هذه الكائنات؟ في السياق نفسه يقول دانيال؛ “هؤلاء الحيوانات العظيمة التي هي أربعة ملوك يقومون على الأرض”.
وعندما وقف يسوع أمام الهيكل، تنبأ قائلاً: “انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه” (يو 2: 19). كان يمكن أن تكون هذه نبوة لحدث حرفي، وقد فهمها سامعوه بهذه الطريقة. ولكن في السياق القريب المباشر كان يوجد تفسير لها “وأما هو فكان يقول عن هيكل جسده” (ع21). وكانت النتيجة أن تلاميذه تذكروا هذه النبوة بعد تحقيقها، “فآمنوا بالكتاب والكلام الذي قاله يسوع” (ع 22).
كما فسر يوحنا العديد من الرموز في سفر الرؤيا. “فالكواكب السبع هي ملائكة السبع الكنائس، والمناير السبع هي سبع كنائس” (1: 20) “وجامات الذهب المملوءة بالبخور هي صلوات القديسين” (5: 8). ونفس هذا المقطع يقوم بتعريف “الأسد الخارج من سبط يهوذا، أصل داود، والحمل” باعتبارها إشارات ليسوع المسيح.
وأولئك المتسربلون بثياب بيض هم القادمون من الضيقة العظيمة، والثياب البيض هي إشارة للغفران الذي نالوه في المسيح (7: 13-14). ويطلق على أورشليم مجازياً “مصر، وسدوم” (11: 8). والتنين العظيم، أو الحية القديمة، هي إشارة لإبليس الشيطان، الذي يضل العالم (12: 9). الرؤوس السبعة هي سبعة جبال (17: 9)، والقرون العشرة هي عشرة ملوك (17: 15). والمياه هي شعوب وجموع وأمم (17: 15)، والمرأة هي المدينة العظيمة، عاصمة العالم كله (17: 18).
وهكذا فإن اللغة الرمزية غالباً ما يتم تعريفها في السياق بوضوح كامل، لذلك يجب على المفسر ألا يفرض معاني حرفية أو معاني أخرى على هذه الرموز.
3 – هناك أجزاء أخرى من الكتاب المقدس يمكن أن تعرف عبارة حرفية ظاهرياً باعتبار أن لها معنى مجازي. ليس هذه هي القاعدة العادية لفهم اللغة البشرية، ولكنها تسري هنا فقط لأن كل الكتاب المقدس هو موحى به من الله. وكما رأينا من قبل، فإن الكتب المقدسة اللاحقة يمكنها أن تفسر الكتب المقدسة السابقة بطريقة سليمة، لأن الروح القدس هو المؤلف الحقيقي خلف مؤلفي الأسفار المقدس.
لكن هذا لا يعني أنه من الصواب بالنسبة للمفسرين المعاصرين أن يأخذوا مقاطع حرفية ويفرضوا عليها معنى مجازياً. فنحن نؤمن أن الكتاب المقدس وحده هو الموحى به من الله بهذه الطريقة الفريدة. فالأشخاص الذين كتبوا الكتاب المقدس هم فقط المخولون بأن يكونوا متحدثين باسم الله في تقديم إعلان كلي الحق والصدق. أما مفسرو العصر الحالي فإنهم مستنيرون بالروح القدس، ولكن تفسيرهم قابل للخطأ، ويجب أن يكون هدفه التعرف على ما قصده المؤلف من معنى.
لكن، ما هو غير مشروع بالنسبة للمفسر المعاصر، هو أمر سليم ومشروع للغابة لابن الله، او للذين خولهم أن يكونوا متحدثين باسمه عن الإعلان الإلهي، أي الرسل في العهد الجديد. فمثلاً عندما تنبأ الله بأنه ستكون هناك عداوة بين نسل المرأة وبين نسل الحية (تك 3: 15)، فإن الفهم الحرفي لذلك سيقودنا إلى توقع أن يكون هناك حرب مستمرة بين البشر وبين الحيات، وفيها يسحق البشر رؤوس الحيات، وتقوم هي بسحق عقبه.
ومع ذلك فإن الكتب المقدس فيما بعد لا تظهر أن هناك مثل هذه المعركة بين الناس والحيات. ولكنها من ناحية أخرى، تظهر كموضوع رئيسي لها، الحرب بين الشيطان وقوى الشر، وبين قوى الله، حيث نسل حواء هم أرض المعركة. فالحية تستخدم في الكتاب المقدس كرمز للشيطان (رؤ 12: 9؛ 20: 2).
فالحقيقة أنه في رواية سفر التكوين، لم يكن الحيوان هو محور التركيز، بل قوى الظلام الشيطانية التي تجسدت في الحية. بل أن نسل المرأة، رغم أنه يصور عادة بأنه أنسال المرأة، أصيح له بالتدريج معنى خاصاً وصل إلى ذروته في تفسير بولس: “وأما المواعيد فقيلت في إبراهيم وفي نسله لا يقول وفي أنسال كأنه عن كثيرين بل كأنه عن واحد وفي نسلك الذي هو المسيح” (غلا 3: 16). وقد تحقق الوعد لحواء في العهد الجديد في الشخص الذي يعبر عن هذا النسل، المسيح، المخلص الذي قهر الشيطان وسحق قوته.
ويبدو أن كل الإعلان اللاحق نبع من تلك النبوة الأصلية، وهكذا فإن الإعلان اللاحق يفسر النبوة في معناها العميق، وبآثارها الكونية.
نلاحظ مرة أخرى أن كلمة “مجازية” لا تعني “خرافية” أو أسطورية. فأعمق الحقائق يمكن التعبير عنها بلغة غير حرفية، والهدف من التفسير هو تمييز ما تشير إليه الصورة التشبيهية، لأن الشيء الذي يتم تصويره يكون له تحقيق حرفي في التاريخ. لذلك يجب أن نتعامل مع النبوات بطريقة حرفية كما تظهر، فإن لم تكن هناك أسباب تلزمنا بأن نفهمها بطريقة غير حرفية، يجب قبول المعنى الحرفي لها، وحيث أن الأسباب الملزمة مقصورة على ما سبق ذكره، فإن المفسرين المعاصرين اليوم ليسوا أحراراً في أن يعينوا معاني مجازية أو “روحية” للنبوة، لأن الكتاب المقدس نفسه هو السلطة المرجعية، وليس المفسر.
إن قيامنا بروحنة أية مفردات في الكتاب المقدس مرتبطة بمملكة العهد القديم، يشمل أية نتيجة خاصة أو أي معنى أكثر اتساعاً او ثراء، يعطيه الروح القدس لهذه المفردات، بغية تحقيق مملكة العهد القديم النموذجية، في مملكة العهد الجديد غير النموذجية، التي هي الكنيسة، سواء هنا أو فيما بعد في الأبدية.[1]
إن “مبدأ” وينجاردرن هذا غير منصوص عليه في الكتاب المقدس، وهو في الحقيقة منهج يعنى بالتحويل إلى المجازية (انظر الفصلين 3، 12). لكن هذا المنهج الخاص لا يتعامل مع كل الكتاب المقدس مجازياً، لأنه يقوم بتحويل بعض النبوات المختارة فقط إلى المجازية، وجميعها يتم التعامل معها بنفس التشبيه، باعتبار أن إسرائيل تمثل الكنيسة. وكما رأينا، لكي يكون هذا المنهج “المروحن” للأمور سليماً، يجب على مؤلف السفر الكتابي نفسه أن يعرف تعليمه باعتباره مجازياً أو أن يقوم بذلك التعريف مؤلفين لاحقين للأسفار المقدس.
فحتى لو كان يبدو أن العهد الجديد يقوم بتحويل مقطع ما من العهد القديم إلى المجازية، فإن هذا لا يعطي المفسر المعاصر الحرية في أن يتعامل مع مقاطع أخرى بنفس الطريقة. فإن قام أحد مؤلفي أسفار العهد الجديد ببناء قطاع كامل يقوم بوضوح بتحديد شيء ما في العهد القديم باعتباره مجازياً، فإن الإشارات الأخرى في العهد القديم لنفس هذا الأمر يمكن أن تكون لها سمات مجازية. فمثلاً، يتم ذكر خيمة الاجتماع وهو يضع هذا الأمر في الاعتبار. لكن بدون هذا التخويل الكتابي، يجب تفسير المقاطع الحرفية حرفياً.
دراسة الرموز
عند التفكير في النبوات المجازية، نحتاج أن نعطي اهتماماً خاصاً لموضوع “النماذج”، كقطاع رئيسي من قطاعات النبوة. تنتشر النماذج في الكتاب المقدس – وعادة ما يساء فهمها. فالشعب والطقوس، والاحتفالات، والأفعال، والأحداث، والأشياء، والمناصب (مثلاً، النبي، الكاهن، والملك) تستخدم جميعها في الكتاب المقدس كنماذج. وكما رأينا في الفصل 12، يمكن تعريف النموذج باعتباره “رمزاً نبوياً”. لذلك فلكي نفهم النماذج الكتابية، من المفيد أن نقارنها بالرموز العادية.
الرمز هو شيء يستخدم لتمثيل شيء آخر، وعادة ما يستخدم شيء مادي لتمثيل غير مادي. فمثلاً، هناك عدة رموز تمثل الكتاب المقدس. فيشار إلى الكتاب المقدس باعتباره لحم، ولبن، وخبز، ونار، وماء، وبذرة، وسيف، ونور. واللغة الرمزية، مثلها مثل صور المقارنة الأخرى، لا تحاول أن تصنع مقارنة كاملة من جميع النواحي بين العديد من نقاط التشابه، ولكنها تستخدم أمراً ما لتحديد سمة واحدة مشتركة بين الرمز والشيء الذي يرمز إليه. ومهمة المفسر هنا هي التعرف، ليس عن طريق خبرته أو ثقافته الخاصة، بل من الثقافة الكتابية، على النقطة المشار إليها.
إن عملية فهم الرموز هي أمر مهم، لأنها تكثر في الكتاب المقدس. فمثلاً، توجد أرقام رمزية في الكتاب المقدس، لكن هذا لا يعني أنه في كل مرة يستخدم فيها الرقم يكون له معنى رمزي، ومع ذلك، فغالباً ما يكون للأرقام معنى معيناً، مثلما يستخدم رقم أربعين ليرمز إلى الاختبار، ورغم ستة للإشارة إلى الإنسان، وسبعة للإشارة إلى الكمال أو الاكتمال. كما توجد رموز مادية مثل النحاس، والماء، والخميرة.
والحيوانات مثل الخروف، والكلب، والحيات، يمكن أيضاً أن تستخدم رمزياً؛ والأماكن مثل بابل أو مصر غالباً ما تستخدم رمزياً. حتى الأشخاص يمكن أن يتم استخدامهم رمزياً، فمثلاً، يرمز إبراهيم إلى الإيمان. والأحداث مثل الخروج، والطقوس الخاصة، مثل الختان، تستخدم باستمرار رمزياً.
يجب أن يتم فهم الرموز في الكتاب المقدس بنفس القواعد التي يتم بها فهم أية لغة رمزية. لكن عندما يستخدم الرمز للتنبؤ عن حدث مستقبلي، فإنه يأخذ سمة فوق طبيعية، ويشترك في طبيعة النبوة. وتستخدم المبادئ الخاصة بفهم النبوات، عندما تستخدم الرموز النبوية في الكتاب المقدس
لكن قبل أن ندرس معاً المنهج الخاص بفهم الرموز، قد يكون من المفيد أن نلاحظ الفرق بين الرموز والنماذج.
مقارنة بين الرمز والنموذج
التعريف
|
الرمز شيء يستخدم لتمثيل شيء آخر؛ غالباً ما يستخدم شيء مادي لتمثيل شيء غير مادي. |
|
النموذج الرمز النبوي. |
الجوهر
|
عادة ما يمثل الرمز شيئاً مختلفاً في الجوهر عما يرمز إليه. فالكتاب والخبز متميزان تماماً في الجوهر، لكن الخبز يستخدم لكي يرمز إلى الكتاب المقدس. |
|
النموذج قد يختلف في الجوهر عن الشيء المرموز إليه، كرمز عادي، ولكنه يمكن أن يكون شيئاً مشابهاً أو أن يكون هو حتى نفس الشيء. فالذبيحة الحيوانية ونظام الذبائح تم تصميمها للتنبؤ عن عمل المسيح الفدائي كذبيحة. والموت متشابه في كل من النموذج والشيء الذي يرمز إليه. فكل من ملكيصادق وداود يستخدمان كنماذج ترمز إلى المسيح، وكل من النموذج ومن يشير إليه بشر. |
العلاقات الزمنية
|
الرمز لا زمن له، فيمكن أن يرمز إلى شيء ماضي، أو حاضر أو مستقبل. |
|
النموذج، كتعريف له، يشير إلى المستقبل. وهو عادة نموذج من العهد القديم يصور مسبقاً شيئاً عن الفداء في العهد الجديد. |
المشار إليه
|
قد يشير الرمز الواحد إلى أكثر من مرموز إليه. فالبذرة يمكن أن تشير إلى الكلمة (مت 13: 19) أو إلى أبناء الملكوت (مت 13: 38). ويمكن أن يشير الماء إلى التطهير، أو الشبع والرضى، أو إلى الكتاب المقدس، أو إلى يسوع. الخروف يمكن أن يرمز إلى الوداعة، أو إلى الغباء، أو إلى التضحية الطواعية. ويمكن أن تشير الحمامة إلى السلام، أو إلى عدم الضرر، أو إلى شعب الله، أو إلى الروح القدس. والحية يمكن أن ترمز إلى الشر، أو إلى الشيطان، أو إلى الحكمة. |
|
النموذج يشير إلى تحقيق أمر واحد محدد، أو الشيء المرموز إليه. وعادة ما يشير النموذج الرمزي الكتابي إلى الفداء، وهكذا تستخدم خيمة الاجتماع في سفر العبرانيين. |
العناصر المتشابهة
|
عادة ما يقصد أن يكون هناك عنصر واحد للشبه بين الرمز والشيء المرموز إليه. وكما أشرنا من قبل، يمكن استخدام رمز واحد لكي يشابه العديد من الأشياء المختلفة الأخرى. |
|
يمكن للنموذج أن يشبه عدة نواحي في المرموز إليه. والفصح هو صورة مفصلة للعديد من العناصر الخاصة بالفداء. وبالمثل، يشمل كل من نظام الذبائح وخيمة الاجتماع الكثير من الأمور المتوازية مع حق العهد الجديد. |
____________________________
لاحظ أن النموذج كثيراً ما يحتوي على رموز. فخيمة الاجتماع يتم التعامل معها في العهد الجديد باعتبارها ترمز إلى فداء المسيح. لكن يوجد في خيمة الاجتماع العديد من الرموز، مثل الماء، الذي يصور التطهير الروحي. النموذج من الناحية التعريفية، هو نبوة إلهية مخططة بوضوح. وعندما يذكر المفسر أشياء لم يتم تعيينها في الكتاب المقدس باعتبارها نماذج، ويعتبرها نماذج، فإنه بذلك يكون هو السلطة المرجعية وليس الكتاب المقدس. وهكذا تُكسر الحدود، بحيث تصبح “الروحنة” واستخدام التعبيرات الكتابية رمزياً، بابين مفتوحين إلى اساءات لا حد لها في استخدام الكتاب المقدس.
فعندما نطلق على كل شرح أو تطبيق أنه “نموذج” أو رمز، فإننا بذلك نسبغ عليه السلطة الكتابية، عندها يصبح أي نقاش غير ممكن، لأن “الله” (بحسب رأينا) هو الذي أعلن عن ذلك. إلا أن هذا المنهج يجب رفضه. من السليم تماماً أن نرى تشابهات وأن نستخدم مواد توضيحية، لكن في تلك الحالة، يجب على المفسر أن يعلن بوضوح أنه يقوم بذلك بسلطته هو، وليس بسلطة الكتاب المقدس.
إننا نقع كثيراً في إغراء تجاهل الرموز والنماذج، لكن المشكلة هي أن الكتاب المقدس مليء بالرموز. أما الإغراء المضاد فهو أن نفرح باستغلال فكرة الرموز ونقوم بارتجالها بحرية. لكننا يجب أن نرفض كلا الإغرائيين، وأن نقبل النماذج كعطية الله الصالحة التي يوجد هدف من ورائها، ونعمل باجتهاد لفهم المعاني المقصودة منها بواسطة المؤلفين. لاحظ إنني استخدم كل من الرمز والنموذج بمعانيها الفنية، أما إذا تحدثنا عن دراسة التمثيل والتشبيه والنماذج بصورة أعم وأشمل، فإن المعاني ستتسع أكثر، وربما نقوم بتعيين نفس الأفكار التي لأجلها استخدمنا المجاز والروحنة في الفصل الثالث.
لكننا نختم الآن بأن الطريقة الوحيدة السليمة للروحنة أو استخدام المجاز والرمز، هي عندما يقدم مؤلف السفر الكتابي نفسه، أو ربما مؤلف آخر من مؤلفي أسفار الكتاب المقدس اللاحقين، معنى ثان أو خفي، فإن لم يحدث ذلك، نكون ملزمين بأن نستخدم الكلمات بمعناها العادي الحرفي. وعندما يفترض المفسر أن العهد القديم مليء بالإشارات الرمزية والمجازية التي لا يقوم الكتاب المقدس نفسه بتعريفها، فإنه بذلك يقوض سلطة الكتاب المقدس.
والآن، عندما يقوم الكتاب المقدس بتعريف العبارة باعتبارها رمزاً أو نموذجاً، كيف نتعرف على المعنى؟ ما المعنى الذي قصده المؤلف، أو في حالة النماذج، ما المعنى الذي قصده الروح القدس؟ يمكننا أن نتبع في ذلك ثلاثة إرشادات:
1 – اعمل على مراعات السياق. السياق هو أمر مهم بصفة خاصة في حالة الرموز والنماذج، لأنه في السياقات المختلفة قد يكون للرمز معان مختلفة. فالسياق في متى 16: 6 يقول بوضوح أن الخميرة ترمز إلى التعليم الخاطئ. لكن، ماذا يقول السياق في متى 13: 33 عن الخميرة؟ هل امتداد ملكوت الله أمر خاطئ؟ كلا بالطبع، فالسياق هنا يشير إلى انتشار وامتداد أمر جيد.
2 – ارجع إلى أجزاء أخرى من الكتاب المقدس. كما تعلمنا، يمكن للإعلان اللاحق أن يقوم بتعريف شيء ما باعتباره رمزي، رغم أنه لم يشر إليه كذلك في مقطع العهد القديم. فحيث أن يوسف لم يتم تعريفه باعتباره نموذج للمسيح، يجب ألا يدعوه المرء كذلك. أنه أمر سليم تماماً أن نرى تشابهات بينه وبين المسيح في ارتحاله إلى مصر، وخيانة اخوته له، وبيعه، وارتقائه حتى وصوله لموضع السيادة، وروحه الغافرة.
نعم، هذه التشابهات موجودة، ولكن هناك عناصر أخرى لدى يوسف لا يمكن أن تكون مشابهة لتجربة المسيح، مثل زواجه من ابنه كاهن وثني، واختياره أسماء وثنية لأبنائه، وتكبره على اخوته، واخراجه لعائلته من أرض الموعد. بالإضافة لذلك، فقد أنشأ يوسف واحداً من أكثر الأنظمة القمعية في تاريخ البشرية. لذلك من الأفضل أن نستخدم يوسف كمثال توضيحي عن أن نستخدمه كنموذج.
فإذا استخدم جزء آخر من الكتاب المقدس كلمة ما رمزياً، فمن الصواب أن نجرب استخدام هذا الرمز في المقاطع التي لا يكون فيها المعنى واضحاً. لكن السياق نفسه هو الذي يجب أن يحدد ما إذا كان الرمز يمكن استخدامه أم لا. فمثلاً، يقال أن رقم 6 يشير إلى الإنسان (رؤ 13: 18)، لكن هل يكون له دائماً هذا الاستخدام؟ يجب على السياق أن يقرر ذلك.
وفي إشعياء 53، يرمز الغنم (بضلاله) إلى البشر، وفي نفس المقطع يرمز (بوادعته واستسلامه) إلى الرب يسوع. لذلك، عندما يستخدم مصطلح غنم بطريقة رمزية، فمن الصواب أن نسأل، أي من المعنيين هو المقصود، أم إن كان هناك معنى آخر في ذهن المؤلف.
3 – قصد المؤلف هو الذي يجب أن يسود في التعرف على معنى رمز ما، يجب أن يكون وجه التشابه متفقاً مع طبيعة الموضوع، كما كان يراه مؤلف السفر الكتابي والمتلقين المباشرين. فحيث أن العلاقة التي توصف في سفر نشيد الأنشاد، لا يتم تعريفها في أي مكان كنموذج للمسيح والكنيسة، يجب على المفسر ألا يفترض أن سليمان والروح القدس كانا يقصدان أن تكون كنموذج. ومن ناحية أخرى، يستخدم كل من العهدين القديم والجديد تشبيه الزواج لكي يعكس العلاقة النموذجية المثالية بين الله وشعبه. لذلك فمن الصواب أن نجد في نشيد الأنشاد تشابهات وشروحات للعلاقة الروحية بين الله وشعبه.
ومع ذلك، يجب على المفسر أن يتعامل مع النص بهدف محوري وهو تحديد ما كان يقصد المؤلف توصيله. فإن كان سليمان يقصد أن يكتب أنشودة عن المحبة البشرية، فيجب أن يكون هذا هو المعنى الذي يسعى المفسر إليه في كل الرموز الغنية الموجودة في السفر. وعلى أية حال، إن احتاج الأمر، يمكن الإشارة إلى التشابهات الموجودة فيه مع المحبة الإلهية، واستخدامها كتوضيح، لكن ليس كتفسير، للمعنى الذي كان يقصده سليمان.
يمكننا أن نرى هذه القاعدة اللغوية بوضوح في حالة الرموز. فعندما يخبرنا الكتاب المقدس بألا نطرح دررنا قدام الخنازير، وألا نطرح القدس للكلاب (مت 7: 6)، فإنه بذلك يؤذي مشاعر الكثيرين من معاصريه. فكيف يمكن لهذا المقطع أن يشير إلى إعطاء الحق الروحي إلى أناس ليسوا مستعدين لتلقيه بحكمة؟ وكيف يمكن أن نطلق على الناس “خنازير” أو “كلاب”؟ الإجابة على مثل هذه الأسئلة لا تكمن في الرمز الذي نجده في شيء معين، بل في وجه الشبه الذي كان يراه السامعون الأصليون.
ففي هذه الحالة، لم يكن سامعو يسوع يقومون بتحليل السمات الكثيرة للخنزير ويطبقوها جميعها على الشخص، بل كانوا يأخذون الصورة الشاملة بأكملها التي تشير إلى التنافر وحماقة الإتلاف في إعطاء جوهرة ثمينة إلى حيوان يعنى فقط بالطعام. إن المبدأ الإرشادي السابق للتفسير باستخدام الفهم الثقافي للمتلقي الأصلي، يكون ضرورياً للغاية في حالة الرموز، حيث تمثل الرموز الاستخدام الطبيعي للغة. كما ينطبق نفس هذا المبدأ الإرشادي على النماذج الكتابية.
فهل كان الشعب اليهودي يرى تاريخه كنموذج للرحلة الشخصية لكل مؤمن في الأجيال اللاحقة؟ وهل البرية ترمز إلى الحياة المسيحية العادية، أم أنها صورة للحياة المسيحية المنهزمة؟ وهل كنعان هي رمز للحياة المسيحية المنتصرة أم إلى السماء؟
إن التيهان في البرية، خاصة لأن هناك قدر كبير من التفسيرات المعلنة عن أهمية هذا الحدث، يمكن عن صواب أن تستخدم لتوضيح العناصر المختلفة للحياة المسيحية، لكن هذه الأحداث التاريخية لم يتم تعريفها باعتبارها نموذجاً بنفس الطريقة التي تم بها تعريف الفصح، ونظام الذبائح، وخيمة الاجتماع، والتي كانت معينة لكي تعكس أحداثاً خاصة.
لذلك فليس من الحكمة أن نستخدم هذه التطبيقات كما لو كانت تفسيرات للمعنى الذي قصده المؤلف. فأن ندعوها نماذج، فهذا يعني أننا نقصد بها أن تكون هي المعنى الذي قصده المؤلف، أو أنها معلنة إلهياً وبذلك تكون تفسيرات سلطوية. وهكذا فإن لم يعرف الكتاب المقدس شيء ما باعتباره نموذج، قد يكون من الصواب أن نستمد منه أوجه للشبه، ونستخدم هذا الشيء أو الحدث أو الشخص كتوضيح، لكن ليس أن نعينه كنموذج.
لقد درسنا بنوع من التفصيل إرشادات لتميز اللغة المجازية في النبوات المستقبلية، والإرشادات الخاصة بفهم اللغة المجازية، وخاصة النماذج. وقد كان هذا الأمر ضرورياً، لأن الكثير من النبوات يكون مجازياً، وقد تم إساءة فهم واستخدام هذه الأجزاء من الكتاب المقدس أكثر من غيرها. وسوف نتجه الآن إلى سمة معينة ومميزة للنبوة، وهي الإشارات الزمنية.
السمات الزمنية الخاصة
الكثير من التعاليم الكتابية لا زمن لها ولا تتقيد بالوقت، فمثلاً، الوصايا الأخلاقية تنطبق على جميع الناس في كل العصور والأزمنة. والرموز، كما رأينا، لا ترتبط بزمن معين. لكن النبوات المستقبلية تربط بالمستقبل. ولا يمثل ذلك مشكلة عندما يتم التنبؤ بحدث محدد، مثل موت يسوع المسيح. لكن العهد الجديد أوضح أمراً واحداً بشأن النبوات في العهد القديم: وهو أن المسيا الذي تم التنبؤ به قد جاء ومضى، أنه آت ثانية.
فنبوات العهد القديم التي ترتبط بمجيء المسيا يمكن أن تشير إما إلى مجيئه الأول، أو إلى مجيئه الثاني، أو إلى الاثنين معاً. بل الأكثر من ذلك، بعض نبوات العهد القديم التي تشير إلى حدث في المستقبل القريب، تستخدم أيضاً بواسطة العهد الجديد للإشارة إلى المسيا بعد ذلك بعدة قرون.
“وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل هو ذا العذراء تحبل وتلد ابناً ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا” (متى 1: 22-23).
يقول متى أن نبوة إشعياء (7: 14) كانت عن الميلاد العذراوي للمسيا، رغم أن المقطع يبدو بالنسبة لمعظم المفسرين أنه يتحدث عن ابن النبي نفسه (7: 16؛ 8: 3، 18). فكيف يمكن للنبوة أن تشير إلى كل من حدثين مستقبليين في نفس الوقت؟ هذه هي واحدة من السمات الخاصة المتعلقة بالزمن في النبوات المستقبلية.
الإشارات المتعددة
كما ناقشنا من قبل في الفصلين (1، 3)، من الصواب تماماً أن يكون لدينا أكثر من معنى واحد في العبارة، وهذه أداة شائعة ومعروفة، وهذا هو جوهر لغة الفكاهة واللغة الرمزية. ومع ذلك، إذا لم يكن الشخص يحاول أن يخادع، يجب أن يصبح المعنى الثانوي واضحاً سواء في السياق المباشر (كما في حالة المزحة، لئلا تصبح كذبة) أو في سياق أوسع. فمثلاً، يمكن إعطاء الشفرة للمتلقين بحيث يتمكنوا من فهم المعنى الثاني. ويمكن إعطاء تفسير لاحق، سواء شفهي أو بالأفعال.
يوجد نوع من الجدل فيما إذا كان لدى الأنبياء بالفعل في ذهنهم فكرة عن كل من التحقيق الأولي والتحقيق الأوسع للنبوة، أم أن الروح القدس كشف للأنبياء اللاحقين إشارة ثانية أو ثالثة. ومع ذلك، يجب أن نتفق جميعاً أنه يوجد العديد من الإشارات في بعض النبوات الكتابية، بحيث أن أي تحقيق أوسع أو ثاني للنبوة يجب أن يقوم به الروح القدس من خلال مؤلف السفر الموحى له بالروح القدس. لكن المفسر اليوم لا يتلقى إعلاناً معصوماً أو معلومات إضافية لم يتم إعلانها من خلال مؤلف السفر الكتابي.
يدعو بعض الناس تلك الإشارات المتعددة “التحقيق الجزئي”؛ فالنبوة واحدة، ولكن لها تحقيق جزئي وتحقيق أكثر كمالاً. فمن ناحية ما، يوجد فقط معنى واحد؛ ومن وجهة نظر أخرى، يوجد معنيان أو أكثر. ويتفق أنصار كلا النظرتين على أن الروح القدس لا بد أن يوضح أية إشارة إضافية للنبوة. بينما هناك آخرون يدعو هذا “تحقيق تدريجي” للنبوة. ويركزون على أن النبوة واحدة، ولكن لها تحقيق أكبر أو أوسع في وقت لاحق. يمكن تصوير هذه الظاهرة المرتبطة بالزمن في النبوة، كما هو موضح في الرسم أسفله.
دعونا الآن نفكر في بعض الأمثلة على الإشارات المتعددة.
“ يقيم لك الرب إلهك نبيا من وسطك من إخوتك مثلي. له تسمعون. حسب كل ما طلبت من الرب إلهك في حوريب يوم الاجتماع قائلا: لا أعود أسمع صوت الرب إلهي ولا أرى هذه النار العظيمة أيضا لئلا أموت. قال لي الرب: قد أحسنوا فيما تكلموا. أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به“. (تث 18: 15-18).
إن كانت الإشارة الأولية هي إلى يشوع، فإن الإشارة النهائية هي إلى المسيح (يو 1: 21، 45؛ 6: 14؛ أع 3: 22-23؛ 7: 37). وبالمثل، كانت مزامير داود المسيانية تشير في أغلب الأحيان إلى اختباره هو الشخصي، لكن التحقيق النهائي الكامل لها تم في نسله الذي هو المسيا. ويبدو متى 24 أنه مثال لإشارات متعددة في نبوة واحدة. فدمار أورشليم يبدو هو الأمر الواضح في الذهن، لكن التحقيق النهائي للنبوة هو مستقبلي بالتأكيد.
الإشارات المقسمة
واحدة من السمات المشابهة الأخرى المتصلة بالزمن هي ما يمكن أن نطلق عليه الإشارات المقسمة. فجزء من النبوة قد يشير إلى إحدى الأحداث المستقبلية، وجزء منها قد يشير إلى حدث آخر لاحق. ففي الإشارات المتعددة أو “التحقيق الجزئي” للنبوة، تشير نفس النبوة إلى أكثر من تحقيق واحد لها، ويكون الحدث الثاني هو الأكثر كمالاً وهو التحقيق النهائي لنفس النبوة، بينما في الإشارات المقسمة، يشير جزء من النبوة إلى حدث مستقبلي ما (قريب) والجزء الآخر من النبوة يشير إلى حدث مستقبلي آخر (أكثر بعداً). وأكثر الأمثلة الشهيرة تعبيراً عن ذلك هو النبوة الموجودة في إشعياء 61: 1-3:
“روح السيد الرب عليّ لأن الرب مسحني لأبشر المساكين أرسلني لأعصب منكسري القلب لأنادي للمسبيين بالعتق وللمأسورين بالإطلاق لأنادي بسنة مقبولة للرب وبيوم انتقام لإلهنا لأعزي كل النائحين لأجعل لنائحي صهيون لأعطيهم جمالاً عوضاً عن الرماد ودهن فرح عوضاً عن النوح ورداء تسبيح عوضاً عن الروح اليائسة فيرعون أشجار البر عرس البر للتمجيد”.
لقد تم التنبؤ في هذه النبوة بكل من سنة الرب المقبولة ويوم انتقام الرب، في نفس المقطع. لذلك فعندما قرأ الرب يسوع هذا المقطع (لو 4: 16-21)، توقف في منتصف المقطع وعلق قائلاً، “اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم” (ع21). فمن الواضح أن بقية المقطع لم يكن قد تحقق بعد، وهو لا يزال حدث مستقبلي. وهذا مثال نموذجي للإشارات المقسمة.
وبالمثل، فكر أيضاً في نبوة إشعياء عن مجيء المسيا:
“لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابناً وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام”. (إش 9: 6)
مرة أخرى، نرى هنا المجيء الأول والمجيء الثاني للمسيح مدمجين في نبوة واحدة. فمن المفهوم بالطبع أن مفسري الكتاب المقدس قبل زمن المسيح لم يروا أي اختلاف أو فاصل زمني بين النبوات التي تتحدث عن مجيء المسيا الوديع الهادئ، بل وحتى المتألم، وتلك التي تتحدث عن مجيء الملك المنتصر الغالب. ليس الأمر ببساطة أن الشخص بالطبيعة يفضل الخلاص المادي من العبودية ونصرة الملك الغالب، بل أن النظرة السائدة إلى الأسفار المقدسة النبوية في زمن المسيح كانت مبنية على التركيز على ما نعرفه نحن الآن بأنه المجيء الثاني للمسيا.
لكن يجب ألا تدهشنا عناصر الإشارات المتعددة والإشارات المقسمة، فعندما يتم التنبؤ بالمستقبل، ويتم توقع سلسلة كاملة من الأحداث، فإنه من المعقول أن نرى النظرة العامة تحوي عدداً من العناصر التي يمكن التمييز بينها في وقت لاحق. وهكذا الأمر مع النبوات الكتابية. لذلك يجب أن نضع هذه السمات في اعتبارنا عند تفسير نبوة معينة، سواء تحققت بالفعل، أو لم تتحقق بعد.
لكن الميزة التي لدينا هي أننا نقف بين المجيء الأول والمجيء الثاني للمسيح، وهكذا يمكن أن يكون هناك نوع من التمييز بسهولة بين الحدثين. لكن من ناحية أخرى، يجب أن نكون مستعدين لاكتشاف أن ما يبدو في نبوة ما أنه حدث منفرد، فإنه عند تحقيقه يمكن أن ينقسم إلى عناصر متعاقبة. ولكن إذا كنا نعتقد أننا نميز بين أحداث منفصلة وأن هناك تتابع زمني معين غير مرئي بوضوح بواسطة مفسرين آخرين، فإن خبرة المفسرين قبل زمن المسيح يجب أن تنبهنا لكي نكون متضعين بشأن السلطة التي نستخدمها في تفسيرنا الخاص.
توجد مشكلة في التفاصيل العقائدية للأحداث المستقبلية وهي أن نفس هذه التفاصيل الجازمة بحسب رأينا، إذا لم تكن في مكانها الصحيح، قد تؤدي بنا إلى الضلال عندما تتكشف الأحداث بغير ما كنا نتوقعها، كما حدث في حالة الدارسين للأسفار النبوية في العهد القديم في القرن الميلادي الأول. فالحقيقة أنه عندما يثبت بطلان آراء كان يعتنقها المرء بشدة، فإن سوء الفهم الناتج يمكنه أن يقوض الإيمان بدلاً من أن يبنيه ويدعمه.
ملخص
يمكن فهم الهيكل العظيم للنبوات المستقبلية في الكتاب المقدس عندما نقوم باتباع الإرشادات التالي: ابدأ بافتراض أن النبوة يقصد أن يتم فهمها حرفياً؛ واستخدم الإرشادات الخاصة بالتعرف على الأجزاء المجازية وتفسيرها؛ وكن منتبهاً للسمات الزمنية الخاصة باحتمال وجود إشارات متعددة أو مقسمة.
وإذا قمت بالتفكير بنوع من التفصيل في الإرشادات التي ستساعدك على تفسير الهيكل الضخم للنبوات الموجودة في الكتاب المقدس، من الأفضل أن تعود إلى الفكرة الأصلية التي تتحدث عن الغرض. فالغرض الأساسي والأول للنبوات التي لم تتحقق بعد، هي أن تؤثر على الطريقة التي نفكر ونسلك بها اليوم. لهذا السبب، دعونا نركز في تفسيراتنا على تمييز كيف كان الروح القدس يقصد أن نستجيب في الأصل لتلك النبوة بالتحديد.
فإن قال المسيح أن بشارة الملكوت سوف تعلن وتمتد في كل العالم كشهادة، ثم يأتي المنتهى بعد ذلك، فما الفائدة إذاً من الجدل بشأن تتابع الأحداث المستقبلية؟ أليس من الأجدى كثيراً أن ندرس الهيكل العظيم لتعاليم العهد الجديد الخاصة بإعلان بشارة الملكوت، وأن نقوم بتلك المهمة الموكلة إلينا؟ إن حقيقة أن كل من الأحياء والموتى سيشاركون في مجد مجيء المسيح (1تس 4: 16-17)، يقصد بها أن تمنحنا تعزية عظمية، وليس أن تفرق بيننا بسبب الجدل حول التصوير الدقيق لتتابع الأحداث.
أما الهدف الآخر من النبوات، أي أن تبني إيمان الشخص عند تحققها، فهو سبب آخر يحثنا على دراسة النبوات باجتهاد. فتلك النبوات التي تحققت بالفعل، يجب أن تقوي إيمان المسيحيين وتثير التحدي لدى المتشككين وغير المؤمنين. أما النبوات التي لم تتحقق بعد، فيجب التعرف عليها، خاصة في شكلها الأوسع والأوضح، بحيث عندما تتكشف الأحداث فعلياً، يمكن أن تتوطد ثقتنا ونستجيب بطاعة لما تتطلبه منا.
مراجع مختارة للمزيد من الدراسة
المراجع العامة
- كلوز، روبرت جي، محرر. The Meaning of the Millennium: Four Views. Downers Grove, I11.: InterVarsity، 1977.
- إيركسون، ميلارد. Contemporary Options in Eschatology: A Study of the Millennium. Grand Rapids: Baker، 1977.
- لدويجسون، آر. A Survey of Bible Prophecy. Grand Rapids: Zondervan، 1973.
فحص نصوص الكتاب المقدس
- بيدرولف، ويليام إي. The Second Coming Bible. Grand Rapids: Baker، معاد طبعه 1977.
- باين، جي بارتون. Encyclopedia of Biblical Prophecy: A Complete Guide to Scriptural Predictions and Their Fulfillment. Grand Rapids: Baker، 1980.
ما قبل العصر الألفي
- فاينبيرج، تشارلز إل. Millennialism: The Two Major Views. Moody: Chicago طبعة منقحة 1980.
- كايزر، والتر سي. Back Toward the Future: Hints for Interpreting Biblical Prophecy. Grand Rapids: Baker، 1989.
- لاد، جورج إلدون. The Blessed Hope. Grand Rapids: Eerdmans، 1956.
نظرة ما بعد العصر الألفي
- هوكيما، أنتوني إيه. The Bible and the Future. Grand Rapids: Eerdmans، 1979.
- بويتنر، لورين. The Millennium Phillipsburg, N. J.، 1957.
موضوعات خاصة
- هنجسينبيرج، إي دبليو. The Christology of the Old Testament. Grand Rapids: Kregel مجلدان، معاد طبعه 1970.
- موريس، ليون. Apocalyptic. Grand Rapids, Eerdmans، 1977.
[1] إم جي وينجاردرن، The Future of the Kingdom in Prophecy and Fulfillment (Grand Rapids: Baker, 1955)، صفحة 85.
النبوة الكتابية – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس
تناقضات الكتاب المقدس؟ نظرة إلى التناقضات المزعومة – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس
تناقضات الكتاب المقدس؟ نظرة إلى التناقضات المزعومة – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس
تناقضات الكتاب المقدس؟ نظرة إلى التناقضات المزعومة – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس
المبدأ الإرشادي: حيث أننا نؤمن أن الكتاب المقدس موحى به من الله، وصادق في كل أجزائه، عندما تبدو عبارة ما أنها خاطئة، فإننا ملزمون بأن نبحث عن تفسيرها.
إننا نقترب من الكتاب المقدس بثقة لأن يسوع قد وثق فيه. فقد كان موقف يسوع تجاه الكتب المقدسة شديد الاختلاف عن موقفه من المكان المقدس (الهيكل)، والشعب المقدس (القادة الدينيين). فلم يجد يسوع أية صعوبة في النطق بالويلات على أولئك الذين كانوا يعتبرون أكثر الناس براً في الشعب، كما لم يتردد في أن يتنبأ بدمار الهيكل. ولكن بالنسبة للكتب المقدسة، كان يسوع يعتبرها راسخة وجديرة بالثقة تماماً.
إلا أن الدفاع عن الكتاب المقدس ليس هو هدف دراستنا الحالية – فهذا يخص المدافعين عن الإيمان أو من يقومون بتقديم دراسة تمهيدية عن الكتاب المقدس. لذلك فعلى الرغم من أننا لن ندرس التناقضات المزعومة بتعمق، إلا أننا يجب أن نحدد منهجاً للتعامل مع مثل هذه التناقضات، أثناء دراستنا للإرشادات الخاصة بتفسير الكتاب المقدس. (للمزيد من الدراسة، انظر المراجع المختارة في نهاية الفصل، والتي تتعامل مع الأنواع المختلفة من المشاكل الكتابية، بما فيها التناقضات المزعومة). وسنقوم هنا باستخدام أمثلة كتابية فعلية، ولكننا لن نسعى بالضرورة إلى حل نهائي لكل مشكلة. ولكننا بدلاً من ذلك، سوف نشير إلى الطريق الذي يقود إلى الحل الممكن.
وحيث أن افتراضنا المسبق هو أن الكتاب المقدس صادق في كل أجزائه، فإننا نسعى إلى حلول عندما يبدو لدينا أن هناك خطأ ما؛ وعندما لا نتمكن من حل مشكلة ما، فإننا نعترف بذلك. ولكننا لا نستنتج من ذلك أنه لا حل لها، بل بسبب الإخلاص المبني على الأساس الصلب للبرهان القوي بمصداقية الكتاب المقدس، ومواجهة البدائل بأمانة – تلك البدائل التي لم يكن ليتركها لنا عدم الإخلاص – فإننا نقوم بتعليق تلك المشاكل التي لم يتم حلها.
لكننا لا نسلم بأن المشكلة لا يمكن حلها ثم نواصل تفسير المقطع كما لو كان به خطأ ما. وأكثر من ذلك، فإننا نعتقد بوجود حل محتمل، ولكن لا يكون علينا أن نثبت أن هذا التفسير المحتمل هو الصحيح، بل نقول ببساطة أن هناك حل معقول للمشكلة الظاهرية. وحيث أن الكتاب المقدس قد ثبتت مصداقيته وصحته على مدى العصور، فإننا نعتبره بريئاً إلى أن تثبت إدانته. وهكذا يكون على المشتكي إثبات هذا الخطأ. فعندما تكون هناك مشاكل غير محسومة، لا يكون الخطأ في الكتاب المقدس، بل في فهمنا لها. ولذلك فإننا ننتظر إما مزيداً من الأدلة، أو نظرية أفضل لتفسير النص باتساق أكثر.
المشاكل التاريخية الداخلية
هناك بعض الروايات المتوازية في كل من العهد القديم والأناجيل يبدو أنها تعرض روايات متناقضة. ولا بد أن يتم حسم كل من هذه المشاكل بصورة فردية. ومع ذلك، فإن المنهج العام للتعامل مع هذا القطاع من المشاكل يكون مفيداً، وعلينا أن نتذكر خمسة إرشادات في هذا الصدد.
أولاً، عندما نقول إن الكتاب المقدس موحى به وبكل كلمة فيه، وأنه لا يوجد به خطأ، وهذا لا يعني أن التطابق اللفظي هو أمر ضروري. فالضروري فقط هن أن تكشف الكلمات عن الحقيقة. فمثلاً، عندما يقتبس كاتب أحد الأناجيل كلمات المسيح بأنه يتحدث عن ملكوت الله، بينما يقتبس كاتب آخر أنه يتحدث عن ملكوت السماوات، فهذا لا يعتبر خطأ بأي حال من الأحوال، فملكوت الله وملكوت السماوات يشيران إلى نفس الشيء، وهكذا فإن كلا الكاتبين اقتبس القول الحقيقي عن يسوع.
ومن الأمثلة القاطعة على ذلك تلك التي نجدها في الرواية الخاصة بصلاة يسوع في بستان جثسيماني، “يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عن هذه الكأس. ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت” (متى 26: 39). وفي مرة ثانية صلى، “يا أبتاه إن لم يمكن أن تعبر عني هذه الكأس إلا أن أشربها فلتكن مشيئتك” (متى 26: 42).
وهنا نرى أن الصلاتين لا تحويان بالضبط نفس الكلمات، ولكنهما تكشفان عن نفس الفكرة، ولذلك فمن المقبول تماماً بالنسبة لمتى أن يقول “ومضى أيضاً وصلى ثالثة قائلاً ذلك الكلام نفسه” (متى 26: 44). يشير هذا بوضوح إلى النظرة إلى الاقتباسات في الثقافة الكتابية. فليس من الضروري أن تكون الكلمات بها تطابق لفظي حرفي؛ بل تحتاج فقط أن تكشف عن الحق بدقة.
فكر مثلاً في اعتراف بطرس بالمسيح:
|
“أنت هو المسيح ابن الله الحي” (متى 16: 16) |
“أنت المسيح” (مرقص 8: 29) |
“مسيح الله” (لو 9: 20) |
فهل هناك اثنان من هذه الاقتباسات على خطأ؟ كلا بالطبع، لأن جوهر الاعتراف هو هو. من الواضح أن متى يقدم الاقتباس بصورة أكمل، ومرقص يذكر العنصر الجوهري فيه، ويقدم لوقا ملخصاً. ولكن الثلاثة قالوا الحق.
هناك مثال آخر يشير إلى اختلاف أكبر – لكن بدون تناقض.
|
“ولما جاءوا إلى الجمع تقدم إليه رجل جاثياً له وقائلاً يا سيد ارحم ابني فإنه يصرع ويتألم شديداً ويقع كثيراً في النار وكثيراً في الماء وأحضرته إلى تلاميذك فلم يقدروا أن يشفوه” (مت 17: 14-16) |
|
“فأجاب واحد من الجمع وقال يا معلم قد قدمت إليك ابني به روح أخرس وحيثما أدركه يمزقه فيزبد ويصر بأسنانه وييبس. فقلت لتلاميذك أن يخرجوه فلم يقدروا”. (مر 9: 17-18) |
|
“وإذا رجل من الجمع صرخ قائلاً يا معلم أطلب إليك انظر إلى ابني. فإنه وحيد لي. وها روح يأخذه فيصرخ بغتة فيصرعه مزبداً وبالجهد يفارقه مرضضاً إياه. وطلبت من تلاميذك أن يخرجوه فلم يقدروا”. (لو 9: 38: 40) |
فأي من هذه العبارات هي التي قالها الرجل؟ ربما قالها كلها، بينما اختار أحد كاتبي الأناجيل جزءًا من حديثه، واختار كاتب ثان جزء آخر منه، وربما يمكننا أن نقول بنفس الدقة أنه لم يقل أي منها. فبلا شك أنه كان يتحدث الآرامية، ونحن نقرأ ترجمة انجليزية للترجمة اليونانية لما قاله. وبهذا يكون تطابق اللفظ غير ممكن، مع ذلك، فإن معنى الكلام النهائي متشابه.
إننا لا نعتقد أن كل ما هو مدون يجب أن يكون رواية لفظية حرفية محددة، فالحقيقة هي أنه لو أدلى الشهود في المحكمة بشهادة حرفية، لتم الاشتباه بهم في الحال. لذلك فحقيقة أن من كتبوا الأناجيل يختلفون في كلماتهم وألفاظهم لهي دليل أكثر على استقامتهم وأصالتهم واستقلاليتهم الكاملة. فالتطابق اللفظي ليس ضرورياً للحصول على الدقة. وهذا الأمر ليس معناه التفريق بين الكلمات والمعاني – إذ أن المعنى الصحيح يتم التعبير عنه من خلال الكلمات، فلا يمكن أن يكون هناك معنى صحيحاً بدون كلمات دقيقة لتعبر عنه. لكن قد تكون هناك أكثر من طريقة للتعبير عن نفس المعنى بدقة.
ثانياً، الغرض الذي يسعى إليه أحد الكتاب قد يختلف عن غرض الكاتب الآخر. لهذا السبب تكون هناك الكثير من التفاصيل التي لا تتعلق بهدفه، لذلك فإنه ستجاهلها. لذلك عندما نرغب في إعادة بنية القصص الخاصة بميلاد المسيح، وآلامه، وصلبه، وقيامته، يكون من الضروري أن نقوم بتجميع كل الروايات الخاصة بذلك لكي نحصل على السجل الكامل. فإنجيل متى يذكر اللصين اللذين كانا يتحدثان ضد المسيح (متى 27: 44)، بينما يذكر إنجيل لوقا أن لصاً واحداً كان يتحدث ضده (لو 23: 39).
وهذا لأن هدف متى كان أن يركز على المعارضة التي لاقاها المسيح، لذلك فإنه يذكر فقط الموقف الأولي لكلا اللصين، والذي تغير خلال ساعات الصلب. أما هدف لوقا من ناحية أخرى فقط كان التركيز على التوبة والخلاص لأحد اللصين. فالمؤلف الكتابي لم يكن يضيف أشياء لم تحدث، ولكنه، وبصورة مشروعة تماماً، كان ينتقي ويختار ما يدونه.
ثالثاً، قال المسيح أشياء مشابهة في مواقف مختلفة (كما أشرنا إلى ذلك في الفصل 15). وهو لم يقل فقط أشياء متشابهة، بل أنه فعل أيضاً أموراً متشابهة. وإنني على ثقة من أنه لو لم يشر المسيح نفسه إلى حادثة إطعام الخمسة آلاف، وحادثة إطعام الأربعة آلاف باعتبارهما حدثين منفصلين، لافترض بعض المفسرين أنهما نفس الحادثة، وكانوا سيلاحظون اختلافاً بين الروايتين.
رابعاً، لم تكن قواعد كتابة التاريخ هي نفسها في كل من الثقافة العبرية اليونانية في زمن الكتاب المقدس، كما هي اليوم. فقط كانت تستخدم اللغة العادية اليومية، ولم يكن هناك شعور بالاحتياج لأن يكون هناك نسخة مضبوطة كتلك التي نطلبها في سجلات المحاكم اليوم. فقط استخدم من كتبوا الكتاب المقدس ما يطلق عليه “اللغة العامية”، أو لغة الحياة اليومية التي كانت تتحدث عن الأمور كما تبدو عليه.
فلم تكن المصطلحات العلمية الدقيقة هي الوسط الذي يتم فيه التواصل والحديث. لذلك فعندما يصف أحد كاتبي الكتاب المقدس شروق الشمس، فإنه لا يتحدث بطريقة علمية، تماماً كما لا نفعل نحن عندما نتحدث عن شروق وغروب الشمس. وبالمثل، يتحدث الكتاب المقدس عن أطراف الأرض دون أن يعني بذلك أن الأرض مسطحة ومربعة.
وعندما أشار المسيح إلى حبة الخردل باعتبارها أصفر البذور (متى 13: 32؛ مر 4: 31)، لم يكن بذلك يعلم علم النبات. بل يبدو حديثه هذا مثل حديثنا عندما نقول إن لاعبي كرة السلة هم أطول النا. فهذا لا يعني أنه لا يوجد أناس أطول منهم في أي مكان آخر ولا يلعبون كرة السلة. هذه هي ببساطة لغة الحياة اليومية التي تتحدث عن الأشياء كما تظهر، والتي يختبرها الناس الذين يتكلمون بها ويسمعونها.
خامساً، توجد أخطاء في النسخ. فالرقم الذي يشير إليه في إحدى روايات العهد القديم يختلف في بعض الأحيان عن الرقم المسجل في رواية أخرى. واللغة العبرية تكون معرضة على وجه الخصوص لهذا النوع من الأخطاء في النسخ، حيث أن الحروف فيها تستخدم للتعبير عن الأرقام. لكن أن نسلم بأن هناك اختلافات لا تزال موجودة في المخطوطات المنسوخة باليد، لا يعني ذلك بصورة تلقائية أنه لا بد أن يكون هناك خطأ في النسخ، بل يجب البحث عن حل لهذا الاختلاف بطرق أخرى أولاً.
لكن على الرغم من أنه هذه الأخطاء في النسخ عددها قليل للغاية، فإن هناك اختلافات معروفة بين المخطوطات لا تزال موجودة، وهذا يعني أن واحدة من هذه المخطوطات على خطأ. إن مهمة الناقد النصي هي أن يقارن بين هذه المخطوطات ويسعى لتحديد بأكبر قدر ممكن من الدقة أيها هي الأصلية. إلا أن معظم الاختلافات النصية، مثل اختلافات الهجاء، لا تؤثر على المعنى.
فقد قيل أن جميع الاختلافات النصية في العهد الجديد، والتي تؤثر على معنى المقطع، يمكن طباعتها على صفحة واحة من العهد الجديد اليوناني، وأنه ولا واحد منها يؤثر على عقيدة أساسية. إلا أنه ليست لدينا كميات ضخمة من المخطوطات القديمة للعهد القديم، لذلك فلا يمكننا دائماً المقارنة بين النصوص. لكن عندما تكون هناك نصوص متوازية ولكنها غير متفقة، فمن المنطقي أن نفترض أنه ربما كان هناك خطأ في عملية النسخ.
اقتباسات العهد الجديد من العهد القديم
لقد درسنا من قبل وجود مقاطع من العهد القديم في العهد الجديد، وكما لاحظنا، فإن أكثر من 250 اقتباس من العهد القديم تظهر في العهد الجديد. وفي معظم الأحيان لا تتفق هذه الاقتباسات في الصياغة مع الصياغة المحددة لها في العهد القديم. فلماذا؟
1 – معظم الاقتباسات مأخوذة من الكتاب المقدس الشائع في زمن المسيح، الذي هو ترجمة يونانية للعهد القديم العبري. لذلك فإن اقتباس العهد الجديد من تلك النسخة (الترجمة السبعينية) تشبه اقتباسنا من نسخة معاصرة بالإنجليزية، لأن الترجمة اليونانية كان في الأغلب شرحاً أكثر منها ترجمة حرفية.
2 – في كثير من الأحيان لا توجد محاولة لعمل اقتباس مباشرة، بل يتم اختصار المقطع المقتبس من العهد القديم، أو مجرد إظهار الفكرة الموجودة فيه.
3 – كما أوضحنا من قبل، فإن الله باعتباره هو المؤلف، له الحق في أن يقدم المعنى أو تفسيره الخاص لما يقصده في الإعلان الأصلي.
4 – يوجد عدد قليل من الاقتباسات أو الإشارات التي تأتي من أسفار ليست في أسفارنا القانونية في الكتاب المقدس، أو ربما من كتابات لم تعد موجودة الآن. فمثلاً، تم الاقتباس عن أخنوخ أنه قال “هوذا قد جاء الرب في ربوات قديسيه” (يهوذا 14، مقتبس من 1أخنوخ). كما تم اقتباس ما قاله ميخائيل “لينتهرك الرب” (يهوذا 9)، وهو اقتباس من كتابات غير معروفة بالنسبة لنا.
مشاكل عقائدية
وقد تم تحديد منهج لدارسة التناقضات الظاهرية في تعاليم الكتاب المقدس في الفصل 16.
التناقضات المزعومة مع السجلات التاريخية الأخرى.
الكتاب المقدس هو واحد من الكتب الكثيرة للتاريخ القديم. لذلك فعندما لا يتفق الكتاب المقدس مع كتاب آخر للتاريخ القديم، فقد يفترض أحد أعداء الكتاب المقدس أن السجل التاريخي هو الأكثر دقة. لكن بحسب افتراضاتنا المسبقة، فإننا نؤمن أن السجل الكتابي هو الأكثر دقة. وحتى من المنظور المضاد للكتاب المقدس، فإن الكتاب المقدس هو أدق السجلات التاريخية المتاحة للتاريخ القديم. فعلم الآثار كان يصدق دائماً على السجلات الكتابية حتى الآن.
فمثلاً، كان نقاد الكتاب المقدس يعتقدون لفترة طويلة أن موسى لم يكن في إمكانه كتابة التوراة لأنه لم تكن هناك كتابة في زمن موسى. ولكن علم الآثار اكتشف الآن أن الكتابة يرجع تاريخها إلى قبل زمن موسى بوقت طويل. ولذلك فعندما يتعارض الكتاب المقدس مع السجلات القديمة الأخرى، فإننا نجيب ببساطة بأن ليست كل المعلومات متوفرة الآن، وأننا سننتظر. وفي الوقت الحالي، إننا نثق في السجل الكتابي الذي لدينا.
التناقضات العلمية المزعومة
المعجزات
إن أعظم الخلافات بين الناس الذين يعتبرون أنفسهم ذوي فكر علمي، وبين أهل الإيمان، هي مسألة المعجزات. فالمعجزات هي حجر عثرة بالنسبة لأصحاب المنهج الطبيعي. فما هو المنهج الذي نتخذه مع هؤلاء المتشككين؟ توجد ثلاثة عناصر جديرة بالذكر في الرد على النقاد.
أولاً، يجب ملاحظة أن المشكلة فلسفية، وليست علمية، في طبيعتها. فافتراضات الشخص المسبقة بشأن طبيعة الواقع تحدد نظرته بالنسبة لإمكانية حدوث المعجزات. فإن كان الله موجوداً فإنه يكون حراً في أن يعلم بأية كيفية، وإن كان مثل هذا الإله موجوداً واختار أن يفتقد العالم الطبيعي، فسيكون شيئاً لا يصدق ألا يمتلك أكثر من مجرد القدرة البشرية. ومن ناحية أخرى، إن كانت افتراضات الفرد المسبقة تسيطر على مجال الروح أو على الإله الذي هو حر في التدخل في شؤون البشر، فلا يوجد قدر من البراهين التاريخية أو حتى “العلمية” يمكنه أن يأتي بمثل هذا الشخص إلى الإيمان.
ثانياً، إن مسألة المعجزات هي أمر تاريخي، وليس أمر علمي بمعنى أنه يمكن إظهارها تجريبياً. فالعالم يلاحظ ويختبر ويجري التجارب، وهكذا فالدليل تجريبي. أما بالنسبة للدليل التاريخي، بهذا المعنى، فهو ببساطة لا يوجد، إذ أن الدليل التاريخي يعتمد على مصداقية الشهود، وليس على الاختبار والملاحظة. فهل أولئك الذين يشهدون على حدث ما هم مؤهلون لتقييمه، وأهل للثقة لكي يبلغوا عنه بأمانة؟
نعم، فنحن نجد أن البرهان التاريخي على أية معجزة من معجزات الكتاب المقدس هو من أعلى المستويات، والشهود عديدون، ومؤهلون جيداً، ولديهم أعلى درجات الأمانة والاستقامة. وهكذا فالمسألة هي مسألة تاريخية وليست عملية.
ثالثاً، لم تكن المعجزات في الكتاب المقدس دائمة ومستمرة وتافهة كما في الأساطير، بل كان لها هدف وكانت مرتبطة بالرسالة. والأكثر من ذلك، أنها مدونة باعتبارها حدثت على شكل مجموعات. إذ يبدو أن المعجزات قد تجمعت في مقدمة حقبة معينة لأجل التثبيت والمصادقة على تدخل الله. فقد صاحبت المعجزات ابراهيم وموسى ويشوع والأنبياء في المملكة المنقسمة والمسيح والكنيسة الرسولية. لكن هذا لا يعني أن المعجزات لم يكن من الممكن أن تكون أحداثاً مستمرة، لكن أهمية التدخل الإلهي يمكن أن تقل لو أصبحت هي الأمر المعتاد. فحتى الأحداث المميزة، عندما تحدث كثيراً، لا تكون مميزة لمدة طويلة، فسريعاً ما يصبح غير المعتاد معتاداً، وفوق الطبيعي هو التوقع الطبيعي.
فالجدية والغرض هي من الأمور المميزة للمعجزات الكتابية. فتقديم الخبز للجموع الجائعة كان يشير إلى خبز الحياة. وإقامة الموتى كانت تظهر قوة الله وتشير إلى النصرة النهائية للحياة على الموت. وجميع معجزات المسيح كانت علامات تظهر من هو – فتظهر ألوهيته وشخصيته كالشخص الذي كان يتحنن على الجموع. وقد رفض يسوع إغراء أن يستخدم قوته لإطعام نفسه، أو أن يجري حيلة سحرية ليحصل على إعجاب البشر. لذلك فقد كانت المعجزات الكتابية مليئة بالمعاني.
النظريات العلمية
وماذا عن النظريات العلمية التي تتعارض مع العبارات الكتابية، والحقائق العلمية التي تتناقض مع التفسيرات الكتابية؟ هناك اثنان من الإرشادات التي يكون علينا أن نتذكرها عندما نفكر في السجل الكتابي والنظريات العلمية، وهما:
1 – لم يتم إعطاء الكتاب المقدس ليكون ككتاب دارسي في العلوم. فإن تعاملنا معه بهذه الطريقة فإننا نسيء استخدامه. وليس علينا أن نحاول صنع نص بيولوجي مناسب من المعلومات المرتبطة بالأمور البيولوجية في الكتاب المقدس. فعندما يقوم الكتاب المقدس بلمس أمر بيولوجي أو غيره من الأمور العلمية، فإنه يكون دقيقاً، لكن ليس هدف الإعلان الكتابي أن يقوم بتدريس هذه الأمور.
2 – ليست كل نظرية علمية يتم إثبات صحتها. من الخطأ أن نقوم بعمل مقارنة بين جاليليو ومسألة أن الأرض مسطحة، وبين داروين ومسألة التطور العضوي. فنظرية تطور أصول الجنس البشري هي مسألة فرضية، كما أن نظريات العلماء تتعارض فيما بينها بصورة كبيرة. أما من ناحية شكل الأرض، فقد ثبت شكلها بصورة قاطعة. فهذا أمر مثبت. لذلك فعندما نسعى للحسم بين المعلومات الكتابية والبيانات العلمية، يجب أن نبدأ ليس بالنظرية العلمية بل بالحقائق المثبتة في عالمنا الطبيعي.
فعندما نسعى للحسم عند اختلاف الكتاب المقدس مع العلم، يجب أن نتيقن من أن تفسيرنا للكتاب المقدس الذي يبدو أنه يتناقض مع البيانات المستمدة تجريبياً، وهو تفسير نهائي وجدير بالثقة. فمثلاً، المقاطع الكتابية التي تبدو وكأنها تشير إلى تسطح الأرض أو أن العالم يتكون من ثلاثة طوابق أو درجات، لا تمثل التفسير الصحيح الوحيد لتلك المقاطع. كما لا يمكن الزعم بأن التفسير الذي يرجع تاريخ الخليقة إلى 4004 عام قبل الميلاد، هو فقط التفسير الوحيد الصحيح للمعلومات الكتابية.
والأهم من ذلك، هو أن الحقائق العلمية والكتابية لا يمكن أن يتناقضا، لأن الله هو إله الحق الكامل، وكل من “كتاب الطبيعية”، و”كتاب الإعلان الإلهي” هما منه. لذلك فعندما يبدو أنهما يتعارضان، فإما أن حقائق الطبيعة يساء فهمها أو أن تفسيرنا للكتاب المقدس به خطأ ما.
التناقضات الظاهرية مع الطبيعة البشرية
تبدو بعض تعاليم الكتاب المقدس وكأنها تتناقض مع إمكانيات الطبيعة البشرية. فقد اعتقد التلاميذ ذلك عندما أخبرهم المسيح أنهم يجب أن يغفروا للآخرين 490 مرة في اليوم الواحد. وقد قدم لنا مارك توين الحل لمعظم المشاكل من هذا النوع، عندما قال: “إن مشكلتي ليست مع أجزاء الكتاب المقدس التي لا أفهمها بل مع تلك الأجزاء التي أفهمها!” فالحقيقة هي أن معظم المشاكل من هذا النوع لا تتعلق بالفهم، بل تتعلق بالإيمان أو بالإرادة.
فعندما نثق بالله لكي يمدنا بالموارد اللازمة لنا لكي نطيعه ونختار طريق الطاعة، فإن معظم المشاكل الخاصة بفهم مشيئته سوف تحل. “إن شاء أحد أن يعلم مشيئته يعرف التعليم هل هو من الله أم أتكلم أنا من نفسي” (يو 7: 17). ومع ذلك، فهناك بالفعل قدر كبير من الصراع بين تفسيرات معينة للكتاب المقدس وبين الاختبار البشري. فإن كان الشخص يؤمن أن الكتاب المقدس يعلم عن إمكانية العيش حياة كاملة بدون خطية، فإن الدعوة قد لا تكون للثقة بالله أكثر، أو لطاعته بكمال أكثر، بل لإعادة فحص ودراسة المعلومات الكتابية. فلا بد أن نتأكد من أن تفسيرنا لا يخضع للشك، قبل أن نطلب من شعب الله أن يطيعوه.
ملخص
الكتاب المقدس هو من الله، ولذلك لا يوجد به أي خطأ. نتيجة لذلك فإننا نقترب من المشاكل الكتابية بثقة بأن هناك حل ما، ونرفض أن نفسر أي مقطع كما لو كان به خطأ ما. ورغم أننا لا نشعر أننا ملزمون بحل كل مشكلة فيه، فإننا نحتاج أن نسعى باجتهاد للتوصل إلى حل لتلك المشاكل الخاصة بالتناقضات المزعومة التي تتضمن أحداثاً تاريخية، نستخدم مناهج تتناسب مع كل نوع من هذه المشاكل.
وعندما لا يبدو حل المشكلة قريباً، يجب أن نتوقف عن الحكم ونعلقه، في انتظار مزيد من الضوء على المشكلة، بدلاً من التعامل مع المقطع باعتبار أن به نوع من الخطأ. إن القبول بوجود خطأ في الكتاب المقدس هو ثمن باهظ للغاية ندفعه لنشعر بالرضى، عندما نحل المشكلة بطريقة سهلة، بإعلان أن المقطع الكتابي على خطأ. فإن تم الاعتراف بوجود هذا الخطأ عندها تتحول السلطة إلى الشخص الذي يقرر ما هو الصواب.
بذكر بعض المناهج العامة للتعامل مع بعض من المشاكل الكتابية المحددة، لا أقصد بذلك أن أقول إن معظم المشكلات الكتابية يمكن حلها بسهولة. كما لا أود أن أقول إن كل المشاكل يمكن حلها عن طريق الاجتهاد والذكاء. فإننا نهب عقولنا للبحث الجاد، لكننا مهما تعبنا واجتهدنا، “فإننا ننظر الآن في مرآة في لغز لكن حينئذ وجهاً لوجه. الآن أعرف بعض المعرفة لكن حينئذ سأعرف كما عرفت” (1كور 13: 12).
وفي الوقت الحالي، فإن التزام الشخص الذي يحب الله هو الذي سيحدد كيف سيتعامل مع المعلومات والبيانات الكتابية. فبالنسبة لوثيقة مكتوبة منذ زمان طويل، في ثقافة بعيدة وغريبة عنا، وبلسان ولغة مختلفة، على مدى فترة زمنية تمتد إلى حوالي 1600 عام، بواسطة أكثر من أربعين كاتباً، وتتعامل مع أمور تختص بالحق المطلق، تكون المعجزة هي أن يوجد بها هذا العدد القليل من المشاكل!
مراجع مختارة للمزيد من الدراسة
– أرشر، جليسون إل. Encyclopedia of Bible Difficulties. Grand Rapids: Zondervan,، 1982.
– بروش، مانفريد تي. The Hard Sayings of Paul. Downers Grove, I11. InterVarsity، 1989.
– بروس، إف إف. The Hard Sayings of Jesus. Downers Grove, I11. InterVarsity، 1983.
– هالي، جون دبليو. Alleged Discrepancies of the Bible. Grand Rapids: Zondervan، 1988.
– كايزر، والتر سي. Hard Sayings of the Old Testament. Downers Grove, I11.: InterVarsity، 1988.
– أوبرين، ديفيد إي. Today’s Handbook for Solving Bible Difficulties Minnneapolis: Bethany House، 1990.
– ساير، جيمس دبليو. Scripture Twisting: Twenty Ways the Cults Misread the Bible. Downers Grove, 1II.: InterVarsity، 1980.
– ستين، روبرت إتش. Difficult Passages in the New Testament: Interdreting Puzzling Texts in the Gospels and Epistles. Grand Rapids: Baker، 1990.
تناقضات الكتاب المقدس؟ نظرة إلى التناقضات المزعومة – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس
اتساق وترابط الحق – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس
اتساق وترابط الحق – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس
اتساق وترابط الحق – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس
المبدأ الإرشادي: اعمل على اتساق وترابط الحق المعلن.
من الخطوات الضرورية في فهم إعلان الله عن نفسه وعن مشيئته للإنسان، هو أن نأخذ أجزاء متنوعة من التعليم الكتابي في موضوع ما ونضعها جميعاً معاً في وحدة متسقة.
والخطوة الأولى لعمل دراسة موضوعية أو بناء هيكل نظامي للتعليم الكتابي، هي أن نقوم بتحليل كل مقطع وفحصه، لتحديد المعنى الذي يقصده المؤلف. ومع ذلك، فكما رأينا في الفصل السابق، عندما نقوم بدراسة عنصر واحد من الحق المعلن في مقطع واحد فقط، قد يقودنا ذلك إلى تشويه هذا الحق.
فالتناقضات، والحذف، والتركيز الخاطئ على نقاط معينة، قد يمضي دون أن نلاحظه. وعلى سبيل المثال، أن نبدأ وننهي دراستنا لشخصية الله بالمقاطع التي تتعامل فقط مع محبته، لن يعطينا ذلك فهماً كاملاً أو دقيقاً لشخص الله، إذ أن هناك صفات أخرى لله، مثل قداسته وعدله، لا بد أن نضعها في الاعتبار كذلك.
لقد تم إعطاء الكتاب المقدس لنا بواسطة الأنبياء والرسل الذين كانوا، في معظم الأحيان، يوصلون جزءاً واحداً فقط من حق الله إلى شخص محدد أو جماعة معينة. لذلك فقد جادل البعض بأن الرغبة في تنظيم كل الأجزاء المتنوعة داخل وحدة متسقة ليست ضرورية، وفي الحقيقة، قد لا تصح بالنسبة للأسفار المقدسة كما أعطاها لنا الله. فالتحليل أمر مشروع بمثل هذه النظرة؛ لكن التوليف ليس كذلك.
يعتقد البعض أن محاولة تنظيم أو توليف العناصر المتنوعة للمبدأ الكتابي أو لجميع المبادئ الكتابية ووضعها معاً، تأتي من أسلوب غربي في التفكير في تصنيفات منطقية، بينما ليس هذا هو الأسلوب الوحيد في التفكير، أو ربما لا يكون هو أفضل أساليب التفكير. لأنه إن كان كذلك، فلماذا لم يعط لنا الكتاب المقدس بصيغة نظامية؟
في الحقيقة أنه كما رأينا من قبل (في الفصل الخامس)، لا يعتبر هذا الجدل مؤسس جيداً. فلكنا نفكر عن طريق ربط أفكار جديدة بالأفكار التي قبلناها بالفعل من قبل. وقد يكون من الممكن بالنسبة للإنسان العاقل أن يعتنق فكرتين متناقضتين في نفس الوقت، بأن يبقى كل منهما منفصلة عن الأخرى في تفكيره، ولكنه يكون من المستحيل بالنسبة له أن يتعامل مع جميع مفاهيمه وأفكاره بتلك الطريقة.
جميعنا لاهوتيون نظاميون، بمعنى أن لدينا أفكاراُ متنوعة عن الله تتفق معاً بطريقة أو بأخرى. واللاهوتي الضعيف هو الشخص الذي يكون لديه نظرة محدودة أو غير صحيحة عن الله لأنه لا يعي إلا بعض من عناصر الحق المعلن، أو لأن لدينه نظرة مشوهة لله لأنه يفتقر إلى المنظور الكتابي الشامل. أما اللاهوتي الجيد من ناحية أخرى، فهو الشخص الذي يضع في اعتباره كل الحق المعلن عن الله، ويقوم بربط كل جزء فيه داخل إطار كلي واحد.
فإن كان هذا هدف جيد للدراسة الكتابية، لماذا لم يعطينا الله الحق بطريقة منظمة؟ رغم أنه ليس هناك تفسير لذلك في الكتاب المقدس، إلا أن هناك العديد من الإجابات المحتملة. أولاً، الكثير من حق الله معطى لنا بطريقة منظمة. فسفر رومية هو مثال تقليدي للعرض المنظم للحق.
لكن عند تعليم الأطفال، لن يكون هناك توصيل جيد للفكرة لو أن كل المنهج المعد لتعليمهم كان مقدماً في شكل كتلة واحدة من المادة المنظمة. فمن الضروري أن نبدأ من حيث هم، وأن نبني مفاهيمهم خطوة بخطوة. وبالمثل، أعلن الله عن نفسه وعن مشيئته للإنسان على مراحل، عندما كان البشر مستعدين لاستقبال تلك المعرفة.
ورغم أننا لا نستطيع أن نثبت ذلك، فإن السبب الآخر الذي لأجله كشف الله عن حقه في الكتاب المقدس بطريقة تاريخية وقصصية، هو أنه ربما كانت هذه هي أفضل طريقة يمكن بها فهمه بواسطة أكبر عدد ممكن من البشر. يتم تقديم الإعلان الكتابي في كثير من السياقات، وبصيغ متعددة، بحيث توجد في صلبه إمكانية لأن يتكلم مرات ومرات لجميع أحوال وأوضاع الناس في كل العصور.
بلا شك توجد أسباب أخرى لذلك. إلا أن ولا واحد من هذه الأسباب يعفينا من مسؤولية أن نتيقن من أننا نفهم ونميز كل ما يقصده الله لنا أن نفهمه بشأنه وبشأن إرادته. فإن الله لم يخلق العالم وبه كميات ضخمة من المنتجات الجاهزة، ولكنه قدم لنا المواد الخام، وسمح للإنسان أن يبحث في منجم كنوز خليقته. وبنفس الطريقة، قدم لنا الله في كلمته المادة الخام التي يمكن لكل الأجيال أن تستقي منها كنوز الحق.
إن دراسة الموضوعات هي لاهوت نظامي مصغر، بمعنى أن قطاعاً صغيراً فقط من كل التعليم الكتابي يتم فصله والتعامل مع كوحدة واحدة. فمثلاً، في اللاهوت النظامي لعقيدة الله، يتم تنظيم كل ما يعلمه الكتاب المقدس ويختص بشخص وعمل الله، في وحدة واحدة مستقلة، فيتم فحص جميع صفاته باستفاضة.
لكن عند الوعظ في خدمة صباح الأحد، أو في دراسة الكتاب المقدس يوم الأحد مثلاً، لا يمكن للمرء أن يتحدث عن كل صفات الله. لذلك يمكن مثلاً دراسة موضوع ثبات الله وعدم تغيره. بل يكن كذلك تضييق نطاق الموضوع، بالحديث عن معنى عدم تغير الله وأثر ذلك على معايير الأخلاق البشرية. فتتم دراسة السلوك الأخلاقي البشري كانعكاس لصفات الله، في ضوء حقيقة أن صفات الله الأخلاقية ثابتة ولا تتغير على الإطلاق.
وهكذا عند عمل لاهوت نظامي، يواجه المسيحيون أعظم اختلافاتهم. فكيف يمكن أن يوضع الحق الكتابي في صورة نظامية، بحيث نكون أقرب إلى حق الله، كما هو في الواقع المطلق، ولا نجد أنفسنا في الواقع أبعد عنه؟ هل توجد إرشادات تمكننا من الوصول إلى هدفنا في البحث عن حق الله بأكمل صورة ممكنة، مع ارتباط كل من هذه الأجزاء معاً في تناسق واتفاق؟
إني أومن بوجود مثل هذه الإرشادات، ولكن الأمر الأهم من أي مبدأ إرشادي هو المنهج الذي يتبعه الفرد في دارسة الموضوعات أو العقائد الكتابية. لذلك فإننا سنقوم بفحص المنهج اللازم لتحقيق هذا الهدف، ثم نقوم بعد ذلك بفحص الإرشادات الخاصة بتطوير لاهوت سليم فعلياً.
منهج سليم
إننا إذ نقترب من قصد الكتاب المقدس في أن نكتشف كل الحق الذي يريدنا الله أن نفهمه، سنقوم بفحص توقعاتنا واتجاهاتنا، حيث توجد حدود لما يمكننا أن نفهمه.
الهدف من الدراسة اللاهوتية
أولاً، يجب ألا تكون الدراسة اللاهوتية بحثاً أكاديمياً عقيماً عن الحق المطلق. فالله في الأغلب لا يهتم بما أعرفه، بقدر اهتمامه بهويتي، وبكيفية سلوكي. كما عبر أندرو موراي عن هذا الأمر ذات مرة قائلاً، “لم يعط الكتاب المقدس لنا لزيادة معرفتنا، بل لتغير سلوكنا”.
فالكتاب المقدس لم يقدم لنا فقط لكي يعلمنا ما يجب أن نؤمن به، وما لا نؤمن به، ولكنه أعطي لنا أيضاً لكي يوضح لنا كيف يجب أن نسلك، وما الأمور التي يجب أن نمتنع عنها (2تي 3: 16). وهكذا فكل دراستنا الكتابية يجب أن تكون لأجل غرض تطبيقها في الحياة، وتحويل الحق إلى الحياة اليومية.
لنأخذ مثلاً العقيدة الكتابية الخاصة بالنبوة. يخبرنا الكتاب المقدس عن سبب إعطاء النبوة – وهو بالطبع ليس الغرض الشائع الذي تستخدم لأجله. “أقول لكم الآن قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون أني أنا هو” (يو 12: 19)، “وقلت لكم الآن قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون” (يو 14: 29). هذا هو بوضوح الهدف من التنبؤ بعد أن تتحقق النبوة. أن نؤمن بالمسيح. لكن ماذا عن الكم الكبير من النبوات التي لم تتحقق – هل لها أي غرض بالنسبة لنا اليوم؟ النبوة هي أساساً تسبق وتخبر برسالة الله.
وليست تتنبأ بالمستقبل. فمن ضمن 164 مقطع تنبؤي في العهد الجديد (باستثناء سفر الرؤيا، المخصص بالكامل للنبوات) يرتبط 141 منها بطريقة مباشرة بالسلوك، وهي معطاة بوضوح للتأثير على السلوك وليس لزيادة المعرفة، وحوالي 23 مقطع منها فقط، معطى أساساً للإخبار عن المستقبل.
لذلك يجب أن تكون دراسة نبوات الكتاب المقدس في الأساس لأجل غرضين:
(1) دراسة النبوات التي تحققت لتوطيد إيماننا.
(2) دراسة النبوات التي لم تتحقق بعد للتأثير على سلوكنا.
يا له من أمر يريحنا من التدريبات الفكرية الشاقة، ويا لها من فائدة روحية سننالها إذا قمنا بدراسة النبوات بهذه الطريقة، وإذا فرض دارسو الكتاب المقدس أن يدرسوا لأجل هدف إشباع فضولهم، والتعرف على الأحداث المستقبلية بتخطي التعليم الأساسي الواضح للكتاب المقدس.
يا له من سلام سيشعر به الإخوة إذا رفض دارسو الكتاب المقدس أن يبنوا شركتهم مع بعضهم البعض على أساس الاعتناق الشديد لنوع معين من التفاصيل التنبؤية! فلو كان غرض الله أن يشبع فضولنا بشأن المستقبل، لكان هذا الأمر بالتأكيد لا يزيد صعوبة عن إعطائنا التعاليم الأساسية العظيمة التي يتفق عليها شعبه.
أما بالنسبة لهدفه الأساسي من إعطاء النبوات – هو أن يؤثر على سلوكنا – نجد أن تعاليم الكتاب المقدس الواضحة أكثر من كافية لهذا الأمر. “ليس لكن أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه. لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليهم وتكونون لي شهوداً” (أع 1: 7-8).
ففي مجال الدارسة الكتابية على وجه الخصوص، يمكن للمعرفة الزائدة أن تكون أمراً خطراً. فالعلم الكلي ليس مطلوباً، لكن الأمانة والإخلاص مطلوبان. وهذا يتطلب الأمانة فيما نعرفه، هذا لأننا مسؤولون بصورة خاصة أن نعيش بحسب ما نعرف (لو 12: 47-48). لذلك يجب ألا يكون السعي للحق اللاهوتي هو غاية في حد ذاته، بل وسيلة لمعرفة الله وطاعته بكمال أكثر.
الدافع وراء الدراسة اللاهوتية
لكن لو أن كل من درسوا الكتاب المقدس وضعوا تطبيق الحق كهدف بالنسبة لهم أسمى من السعي نحو الحق الافتراضي الأكاديمي، هل كانت كل الاختلافات الطائفية ستتوقف، تشفى الانقسامات المذهبية؟ كلا، وهذا لأن اتجاهات أساسية أخرى في المنهج الكتابي.
فما هو إذاً العلاج للانقسامات العميقة في جسد المسيح الواحد؟ الإجابة التي يقدمها بولس على ذلك بسيطة: العلم ينفخ ولكن المحبة تبني (1كور 8: 1)، هذا هو الحل باختصار. فالله يهتم أساساً ليس بما نعرفه، بل بهويتنا وبكيفية سلوكنا، والمحبة تتضمن كل مشيئته الخاصة بهذا الأمر. فكورنثوس الأولى 13 لم يعط فقط كمجرد وصف للمحبة، بل تم إعطاؤه أساساً كدينونة مباشرة للانقسامات التي كانت في جسد المسيح. هذا هو الحل الإيجابي: المحبة.
ولكن ليس هذا هو الحل بالكامل، إذ يوجد جانب سلبي، وهو أن العلم ينفخ، تقدم لنا الأصحاحات من 1-3 من كورنثوس الأولى، وفيلبي 2، الدواء الناجع: الاتضاع، بمعنى أن يكون لنا فكر واحد بأن يكون لنا فكر المسيح، الذي إذ كان لدينه كل شيء، أصبح لا شيء.
وهذا نموذج بسيط لتلك العملية. فبعد أن ينفخ العلم ويفرق، يأتي المسيح، الذي هو غير محدود في كل شيء – بينما نحن فارغون ومتضعون ولا ندعي لأنفسنا أية معرفة، بطموحنا الشخصي، وغيرتنا، ومحدوديتنا. ثم تأتي المحبة، ليست كعاطفة، بل كأسلوب يشمل الحياة بأكملها – والتي تستطيع أن تعمل وتغير، فيتجه بناء جسد المسيح الواحد إلى الأمام (راجع أف 4). فالمعرفة الكتابية التي لا يتم تطبيقها تدمر؛ بينما المعرفة التي تطبق تعطي حياة.
الاتجاه في الدراسة الكتابية
الاتضاع هو واحد من العناصر الأساسية في دراسة مبادئ الكتاب المقدس. فالاتضاع يجب أن يفسح الطريق للمحبة لكي تقوم بعملها. لكن حجر الأساس في الاتضاع، وهو أن نحسب بعضنا البعض أفضل من أنفسنا (في 2: 3) – ليس سهلاً دائماً. فكيف يمكننا أن نصل إلى ذلك؟ يأتي الاتضاع فيما يختص بدراسة مبادئ وعقيدة الكتاب المقدس كنتيجة لمواجهة حقائق معينة. فالدارس المخلص للكتاب المقدس يدرك الآتي:
(1) أن الإعلان هو جزئي فقط.
(2) أننا محدودون.
(3) أننا ساقطون.
(4) أننا نحتاج ذهناً مفتوحاً.
(5) وأنه لا بد أن يكون لدينا استعداد للطاعة.
الإعلان جزئي فقط. إن الغرض من الكتاب المقدس وطبيعته المحددة هو أن يكشف، وليس أن يخفي أو يشوه أو يفرق. وكان يمكن لله بالطبع أن يكشف بوضوح عن الكثير من التفاصيل. لكن لسبب ما اختار الله ألا يكشف عن التفاصيل بمثل وضوح قيامه بذلك بالنسبة للحقائق الأساسية العظيمة. فمجد الله إخفاء بعض الأمور (أم 25: 2). “السرائر للرب إلهنا” (تث 29: 29).
وبالتأكيد أن الأمور التي يؤكد عليها الكتاب المقدس والحقائق الأساسية تقدم لنا معيناً لا ينضب، يشبعنا ويحفزنا. وهذه الأمور المعلنة هي “لنا ولبينينا إلى الأبد بجميع كلمات هذه الشريعة” (تث 29: 29). ومع ذلك، لا يرضى الإنسان بأن يترك الأمور هكذا. لذلك نرى أن الفكر المتضع هو أمر أساسي.
لماذا لم يكشف لنا الله أكثر من ذلك؟ ولماذا لم يشبع فضولنا في المعرفة؟ هذا لأن هناك بعض الأمور لا نحتاج أن نعرفها. فقد قال يسوع للتلاميذ: “ولم أقل لكم من البداية لأني كنت معكم” (يو 16: 4). عند هذه المرحلة في رحلتهم الروحية لم يكن التلاميذ في حاجة أن يعرفوا كل شيء كانوا يرغبون في معرفته.
بل الأهم من ذلك، هو أن الله لا يكشف لنا شيئاً نكون غير مستعدين لقبوله: “إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن” (يو 16: 12). وهكذا يتضح أن الله كشف لنا فقط عن تلك الأجزاء القليلة، من أموره العظيمة الهائلة، والتي يعتبرها ضرورية لخيرنا.
تحدث الانقسامات الكبيرة في أغلب الأحيان لأن الناس يجادلون فيما يعتقدون أنه توازن للحق غير المعلن. فعلى سبيل المثال، كثير من أنواع اللاهوت النظامي تأخذ موضوع سيادة الله ومسؤولية الإنسان إلى ما هو أبعد من حدود الإعلان، بواسطة استخدام المنطق.
وقد علق الأسقف التقي مول على هذه المشكلة بقوله: “دعونا مثل الكتاب المقدس، “نذهب إلى كلا النقيضين”؛ عندما سنكون أقرب ما يمكن – ربما بحسب ما يسمح لنا بذلك فكرنا المحدود في الوقت الحاضر – إلى الحق الكامل وهو يتحرك ليشكل محيط الدائرة الكاملة في الله”.[1]
نحن محدودون. حتى لو كان الإعلان شاملاً، لن نستطيع أن نفهمه بالكامل، وهذا لأننا محدودون، والحق غير محدود. فأفكار الله تبعد عن أفكارنا مثل بعد السماوات عن الأرض (إش 55: 9). لذلك فإن كل حكم نقوم به هو خارج هذا النطاق. إن لدينا قصر نظر، كما أننا محدودون في الوقت والمكان والمعرفة والخبرة والقدرات العقلية.
في أول مرة طرت فيها فوق جبال بلو ريدج، أدركت قدراً ضئيلاً من الاختلاف العظيم الذي تصنعه وجهة نظر الإنسان في رؤيته للأشياء. فالسماء حقاً شديدة البعد والارتفاع عن الأرض، وبعض الجبال المعروفة التي كانت تبدو شديدة العظمة، عندما تسلقتها أو قدت السيارة فوقها، لمن يكن ممكناً التفريق بينا بعضها البعض.
وفي الحقيقة أنني سألت الملاح، بعد أن عبرنا فوق هذا الجبل، عن الزمن الذي تبقى لنا للوصول إليه! فكل ما هو كبير أو صغير، يأخذ عندئذ معنى مختلفاً تماماً. عندها سألت نفس متعجباً إن كنا قد رأينا حقاً أي شيء من المنظور الإلهي – كما يراه الله، وكما سنراه نحن في يوم من الأيام! إننا بالتأكيد لا نرى أي شيء بصورة كاملة، فمجال رؤيتنا شديد الضحالة.
وعندما نركز على أمر واحد، فإن أموراً أخرى في الواقع الحقيقي يبدو أنها تخرج من مجال تركيزنا. الله وحده في مجال رؤيته غير المحدود هو الذي يمكنه أن يرى كل الواقع أمام عينيه. يعبر سي إس لويس عن محدودية الإنسان كالتالي:
خمسة حواس؛ فكر تجريدي؛ ذاكرة انتقائية عشوائياً؛ مجموعة هائلة من المفاهيم والافتراضات المسبقة التي من فرط كثرتها لا أستطيع أن أفحص أكثر من قلة قليلة منها – بل أني لا أعيها كلها مطلقاً. فكي هو قدر الحقيقة الكلية التي يمكن لمثل هذا الجهاز أن يستوعبها؟[2]
وقد كتب إيه دبليو توزر أيضاً عن هذا الموضوع:
يقول ماثيو أرنولد أن روح الإنسان هي مرآة مشدودة على حبل، تتحول مع كل نسيم في أي اتجاه، وهي تعكس دائماً ما هو أمامها، ولكنها لا تعكس أبداً أكثر من جزء صغير من الكل.
ويختلف حجم هذه المرآة من إنسان إلى آخر. لكن لا يستطيع أي إنسان أن يستوعب البانوراما الواسعة التي تقع أمامنا وحولنا. أما الأمر الأكيد فهو أن العملاق الفكري لديه مرآة أوسع، لكن حتى أوسع هذه المرايا يعتبر صغيراً بصورة تثير الشفقة.
لكن طالما أننا نعرف أن نظرتنا للحق جزئية، يمكننا أن نحتفظ بذلك الاتضاع الفكري الذي يتناسب مع هذه الحالة؛ فبمجرد أن تكون لدينا فكرة أن نظرتنا شاملة، عندئذ نصبح لا نطاق فكرياً. وبمجرد أن نصبح مقتنعين أن نظرتنا هي الوحيدة المعقولة، عندها تموت في الحال قدرتنا على التعلم.
في رأيي أن الوحدة بين المسيحيين لن تتحقق إلا قبل المجيء الثاني بوقت قصير. فهناك العديد من العوامل التي تعمل ضدها. لكن يمكن لقدر عظيم من الوحدة أن يتحقق إذا اقتربنا جميعاً من الحق باتضاع أعمق. فلا يوجد إنسان يعرف كل شيء، سواء كان قديساً أو عالماً أو مصلحاً أو لاهوتياً.[3]
إننا نعرف بعض العلم – كأطفال (1كور 13: 9-12). اقتربت إحدى المرات من ابنتي البالغة الرابعة من العمر وصديقتها وهما تبنيان أشكالاً بالمكعبات.
وسمعتهما تتشاجران مع بعضهما البعض، “أنه ليس بيت، إنه مدرسة”
“كلا إنه ليس مدرسة، إنه بيت”.
واستمر الجدال كثيراً، فابتسمت لنفسي، ثم بدأت أتساءل، ترى كم من مرة يبتسم أبونا السماوي وهو يرى اعلاناتنا العقائدية التي في كثير من الأحيان تذهب إلى ما هو أبعد من مجال معرفتنا؟ كانت كل من الطفلتين محقة في حدود رؤيتها – عندما حاولت كل منهما بناء بيت من المكعبات، لكنهما أصبحتا غبيتان عندما حاولتا الجدل فيما هو أبعد من نطاق خبرتهما المحدود.
لكن الأخبار السارة هي أننا لن نظل أطفالاً إلى الأبد، بل سوف ننضج ونصبح بالغين. إننا لن نصبح غير محدودين بالطبع، ولكننا سنعرف أكثر كمالاً، كما صرنا معروفين، عندما لن نعد ننظر في مرآة باهتة، بل وجهاً لوجه وعيناً لعين. “يرفعون صوتهم يترنمون معاً لأنهم يبصرون عيناً لعين عند رجوع الرب إلى صهيون” (إش 52: 8).
العقل المتضع الخاضع يرضى ويقنع عندما يصل أثناء دراسته لعقيدة ما، إلى مكان للانفصال، حيث ينفصل حق الله غير المحدود عن مجال الرؤية المحدودة ويأتي إلى ما وراء الحجاب، إلى ما هو غير محدود. عندها يكون السعي وراءه أو الحنق لانفصاله أمراً غير حكيم. فعندما يرى المرء حقاً مدى محدوديته مقابل خلفية من اللانهائية، يكون الاتضاع أمراً حتمياً، والجدل العقائدي مستحيلاً.
نحن ساقطون. إننا لسنا فقط محدودين، ولكننا ساقطون أيضاً. فالخطية قد أعمت وغطت رؤيتنا وفهمنا للإعلان الذي لدينا، لذلك فإننا قابلون للخطأ. “ومن المتوقع أن الروح القدس لا يعفي تماماً من الخطأ تلك الأذهان التي لم يطهر قلوب أصحابها بالكامل من الخطية”.[4]
إننا نختار التفسيرات التي تدعنا نفعل ما نرغب في فعله. كما أننا نقوم بتحريف وتغيير المعنى، وإلى العقلانية، إلى أن يصل الكتاب المقدس إلى أن يعني ما نريده أن يعنيه. كما أننا شديدو العناد والتشبث بآرائنا اللاهوتية. فرغباتنا الخاطئة وعنادنا يشوهان فهمنا لكلمة الله.
هذه العناصر الثلاث الأولى للاتضاع في دراسة الكتاب المقدس يجب أن تذكرنا أن الاتضاع والمحبة هي أكثر صحة وجاذبية من الجزم بالرأي بغطرسة. فالاعتراف السليم باللا أدرية أو بعدم العلم بكل ما يتخطى الحقائق المؤكدة، يحافظ على وحدة الروح بين أبناء الله، وعلى السلام الشخصي في قلب الإنسان. فلا يوجد شيء يكسر الوحدة بين الإخوة أو سلام الفرد الداخلي أكثر من الاختلاف في الرأي في المسائل التي تتعلق بعقائد الكتاب المقدس.
قال أوغسطينوس: “الوحدة، هي من الأساسيات؛ والحرية، من الأمور الثانوية؛ أما المحبة، فيجب أن تكون في كل شيء. “تأتي المشكلة بالطبع في الفصل بين الأساسيات والأمور الثانوية. فإن استطاع الفرد فقط أن يرضى بالحقائق العظيمة المعلنة بوضوح في كلمة الله، وأن يرفض أن يحرك مجرد رأي ما من وضعه في “الأمور الثانوية” إلى “الأساسيات”، فيالها من وحدة وتناغم واتساق وبركات تنتج عن مثل هذا الاتجاه!
لذلك يجب أن يكون الاتضاع فيما يتعلق بالمعرفة، اتجاهاً حتمياً عندما يواجه المرء الحقائق السابقة. ومع ذلك، فإني لم أجده حتمياً. كان يمكن أن يكون كذلك إذا كان الاتضاع هو نتيجة للمنطق وحده، ولكنه ليس كذلك، فالاتضاع هو من ثمر الروح. فمواجهة الحقائق بعقلانية هو أمر ممكن فقط بالنسبة للشخص الذي لديه قلب منكسر وتائب، والذي لديه إرادة خاضعة بالكامل لله.
نحتاج ذهناً مفتوحاً. إن التسليم الكامل هو أمر سلبي وإيجابي معاً. فسلبياً، هو يعني الانفتاح الكامل في القلب والفكر. ولكن في تطوره الكامل، لا يكون هذا الانفتاح في الذهن مجرد عقل يوافق على فكرة يتم اقتراحها، بل على العكس، إنه اتجاه متعمد يصعب تبنيه، ويصبح هو العامل المتحكم في تفكير الشخص.
مثل هذا الاتجاه الذهني لا يمكن استدعاؤه في مناسبة ما، ثم التخلي عنه عندما يحقق هدفه، بل هو عبارة عن استقامة وأمانة فكرية عميقة التأصل، تُعنى بحماس بالفحص الموضوعي لجميع البراهين لاكتشاف الحقائق واستبعاد أي شيء آخر دونها.
إن الانفتاح هو إطار فكري شديد الصعوبة في تطويره، رغم أن القليلين هم الذين يتعمدون إغلاق ذهنهم، وجميع الناس تقريباً يزعمون أن لديهم ذهن مفتوح. فأصعب شيء في الوجود هو أن يكون المرء أميناً ونزيهاً بالكامل في تفكيره الخاص، وأن يتمتع بصفاء وشفافية وسلامة الفكر.
وهذا لأن عدم الأمانة لا يكون عادة أمراً متعمداً، إذ أننا نرى الأشياء من خلال عدسات خبراتنا وتجاربنا، أو من خلال ما نقرأه ونسمعه، أو من خلال أسلوب حياتنا، أو من خلال نظام عقائدي قائم مسبقاً.
تتضح تلك الحقيقة من خلال التجربة المثيرة التي قام بها عالم بحث نفساني. فقد قام بوضع صورتين مختلفتين في مجسم، بحيث كانت العين اليسرى ترى مصارع ثيران؛ بينما ترى العين اليمنى لاعب بيسبول. ثم قام بسؤال بعض المكسيكيين وبعض الأمريكيين في التجربة أن ينظروا من خلال الجهاز ويقولوا ما رأوا.
فرأى معظم المكسيكيين مصارع الثيران، بينما رأى معظم الأمريكيين لاعب كرة البيسبول. فما في عقولنا غالباً ما يكون له علاقة بما نراه أكثر مما هو أمام أعيننا.
لذلك لا بد أن نقوم بتطوير شك سليم في أنفسنا وفي أفكارنا، ونظرة للكتاب المقدس تفصله عن فكرنا وخبرتنا الشخصية السابقة (بقدر الإمكان، بحسب ما هو متاح لنا كبشر)، لكي ندعه يتحدث ليس بما نعتقده بالفعل أو بما نريد أن نعتقده، بل بما يقوله الكتاب حقاً.
فالشك في أفكارنا الخاصة سيقودنا إلى الاستعداد لرفض حتى الأفكار التي تربينا عليها والتي اعتنقناها بعمق، وطرق المعيشة، والصداقات، والأفكار المرتبطة بهذه الأمور، دون تردد، بمجرد أن تأتي كلمة الله إلى بؤرة التركيز الواضحة.
إن القلب الخاضع المسلم لله يرغب في أن يعرف ما يقوله الكتاب المقدس، وليس ما يمكن أن نجعله يعنيه. فقبول المعنى الممكن، بدلاً من المعنى الأكيد، يتم دائماً بهدف صنع نظام ينسجم مع تفكير الشخص نفسه، لكن يجب ألا يفرض النظام على الكتاب المقدس قالبه المنطقي.
فالكتاب المقدس يعطي النظام كل ما يمكن له أن يأخذه بطريقة مشروعة، فإن احتاج النظام إلى المزيد لكي يكتمل، فيجب أن ينتظر النور الأكمل والأشمل في الأبدية. كما قال تشارلز سيميون من جامعة كامبريدج:
إن سعيي هو أن أستخرج من الكتاب المقدس ما هو موجود فيه، وليس أن أقحم عليه ما أعتقد أنه قد يكون فيه. إن لدي حماسة عظيمة لهذا الأمر، وهو ألا أتحدث أقل أو أكثر مما أعتقد أنه فكر الروح القدس في المقطع الذي أشرحه. وهكذا فإني لا أسعى لملاحقة شيء ما، ولا أتجنب أي شيء.
لا بد أن يكون لدينا استعداد للطاعة. إلا أن التسليم ليس مجرد انفتاح سلبي للذهن، ولكنه أيضاً رغبة واستعداد للإيمان والطاعة. ونرى هذا الأمر في الاتجاه الإيجابي، وهو جوع القلب الذي يسعى ويبحث عن الحق بشغف. فعندما يقترب المرء من الكتاب المقدس برغبة في التعلم والطاعة، فقط عندما يكون في وضع حرج، أو عندما يكون خائفاً من أن يقوم الكتاب بتغيير آرائه وتعديل سلوكه، فإن هذا الشخص يبرهن على عناده وقلبه غير الخاضع، ولا يمكنه أن يثق في أنه سيكتشف حق الله.
إن العقل الساعي بجدية لمعرفة الحق يفترض فرضيات جديدة ويفحصها ويختبرها بلا رحمة في الضوء الواضح لما يقوله الكتاب المقدس حقاً. فهو يقوم باستمرار بالفحص وإعادة الاختبار، ويرغب بالكامل في اكتشاف الحق الذي يتعارض مع ما يقر به التقليد. فيقوم عن عمد باستبعاد الآراء – حتى الآراء التي يتم اعتناقها بصورة واسعة – ويطلب فقط العودة إلى الأمور الموثقة بالبرهان الكتابي القوي.
فهو يخشى المستنقع الراكد للآراء المتعصبة، والعبارات والمصطلحات التقليدية التي تخفي أو تشوه العبارات الكتابية الواضحة، أو تلك التي فقدت صحتها ودقتها من خلال الاستخدام الشائع لها أو سوء استخدامها.
إن البحث المتحمس عن الحق الجوهري هو دليل على التسليم الإيجابي للقلب، الذي يعتبر والداً مسؤولاً عن مولد الاتضاع. وهذه الروح التي تسلم تسليماً غير مشروط يصحبه مواجهة أمينة للحقائق، تنتج الاتضاع. فالعقل المتضع لا يتطلع إلى العم الكلي المطلق، ولا إلى أية درجة يمكن قياسها فيه.
فهو يقوم بالبحث في الحقائق بفكر منفتح وخاضع، مدركاً الفارق بين الحقيقة القائمة وبين الأمور التي تخضع للاعتقاد أو الرأي، ويبقى كل منهما منفصلاً عن الآخر، ويقتنع بترك الأمور، التي لم يكشف عنها بوضوح، خارج مجال اليقينيات. كما يعلن المرنم عن ذلك بحكمة قائلاً: “يا رب لم يرتفع قلبي ولم تستعل عيناي ولم أسلك في العظائم ولا في عجائب فوقي. بل هدأت وسكت نفس كفطيم نحو أمه” (مز 131: 1-2).
وللتلخيص، يمكننا أن نقول إن الاتجاهات الثلاثة الأساسية لبناء نظام لاهوتي، هي:
1 – اليقين الكامل بأن المعرفة تكون مشروعة فقط عندما تقود إلى تغيير الهوية والسلوك.
2 – الوعي بأن المحبة تلخص وتجمع بين كل من الهوية والسلوك.
3 – الاتضاع العميق المبني على التسليم غير المشروط، والمواجهة الأمينة للحقائق الخاصة بمحدودية الإنسان ونظرته القاصرة والساقطة.
فبسبب السمة الجزئية للإعلان، ومحدوديتنا وقابليتنا للخطأ، وقلوبنا الخاطئة، يجب ألا نتطلع إلى الفهم الشامل لكل الحق، بل على العكس أن نؤمن بأن الأساسيات واضحة، يقول تيري: “إلى حد كبير، يعتبر معظم العهدين القديم والجديد شديد الوضوح بصفة عامة، بحيث لا يوجد مجال للجدال.
وتلك الأجزاء التي تبدو غامضة، لا تحوي أية حقيقة أو عقيدة أساسية لا تتواجد في مكان آخر بصورة أوضح”[5]. ولكي نميز ذلك الحق، سنقوم الآن بالتعرف على الإرشادات التي يجب اتباعها.
إرشادات لبناء لاهوت نظامي
ابن العقيدة الكتابية على التفسير السليم لكل نص
لا بد أن نقوم بتطبيق جميع الإرشادات التي كنا ندرسها حتى الآن، لأجل تحديد المعنى الذي قصده المؤلف في كل نص. وعملية التفسير هذه تشكل حجارة البناء لأية عقيدة أو مبدأ كتابي. هذا هو أول وأهم مبدأ إرشادي أساسي لبناء عقيدة أصيلة أو نظام عقائدي سليم.
إن الفكرة الشائعة عن العظات التي تتناول موضوعات، هي أنها تكون أكثر سهولة في إعدادها من العظات التفسيرية التي تكون مبنية مباشرة على تحليل مقاطع معينة. ومع ذلك فإن العظة أو الدراسة الموضوعية السليمة، أو البحث الذي يتعامل مع موضوع واحد من الكتاب المقدس، يكون في الحقيقة أكثر صعوبة في إعداده، حيث أنه يجب أن يتأسس على تفسير سليم لكل المقاطع التي تستخدم فيه.
بكلمات أخرى، فإن العظة التي تتعامل مع موضوع ما، لكي تكون عظة أصلية وسليمة حقاً، لا بد أن تمثل فهماً شديد الاتساع للعديد من مقاطع الكتاب المقدس. لكن بالنسبة للدراس الناضج للكتاب المقدس الذي يكون قد قام بالفعل بدراسة دقيقة لمعظم المقاطع الخاصة بالموضوع، قد لا يكون إعداد عظة موضوعية أمراً شديد الصعوبة، لكن إلى أن تتم هذه العملية الدقيقة، يجب اتخاذ الحيطة الشديدة عند تطوير وإعداد موضوع من عدة نصوص كتابية.
ابن العقيدة من خلال الكتاب المقدس بأكمله
أما ثاني مبدأ إرشادي لبناء هيكل عقائدي سليم فيهو يستخدم الإرشادات التي أوضحناها في الفصل السابق. فلا يصلح أن نبني عقيدة على مقطع واحد فقط، أو على عدد قليل من المقاطع التي تتحدث عن موضوع معين. وعلى الرغم من أن المنهج الأساسي تم عرضه في الفصل السابق، إلا أن العديد من الإرشادات تحتاج إلى أعادة توكيدها والتركيز عليها مرة أخرى.
لا بد أن يتم تجميع البيانات وتنظيمها. يجب التعرف على جميع البيانات الخاصة بالموضوع الذي تدرسه. وبعد ذلك، يجب تنظيم هذه البيانات داخل وحدة متسقة بحيث تتضح العلاقة بين العناصر المختلفة للمبدأ الكتابي. ولكي نقوم بذلك، يجب التفكير في كل المقاطع الموازية والمشابهة، وفحص كل المقاطع التي تحوي تعليماً مماثلاً، ودراسة كل المقاطع التي تحوي تعليماً مناقضاً، وتكميلها معاً.
بكلمات أخرى، كل شيء يقوله الكتاب المقدس عن هذا الموضوع لا بد من وضعه في الاعتبار وتحت الدراسة. فعندما نترك بعض المقاطع الجوهرية أو بعض عناصر الحق الذي يكشفه الله، فإن هذا يؤدي إلى تشويه ذلك الحق.
عندما يتم تجميع جميع البيانات، يجب أن يتم تنظيمها داخل وحدة متسقة حتى يمكن رصد الأمور غير المتفقة، والتعرف على الكلمات التي حذفت، والتوصل إلى التوازن الكتابي.
فمثلاً، عند التعرف على جميع التعاليم المرتبطة بموضوع أن نحيا كما عاش المسيح، يكون من الضروري أن ندرس على الأقل ثلاثة أمور رئيسية في هذا الموضوع: مقياس الله للحياة المسيحية، تدبير الله لعيش الحياة المسيحية، ومسؤولية الإنسان في التعامل مع تدبير الله. ويمكن أن يتعامل موضوع مقياس الله مع قسمين أساسيين، هما: الأخلاقيات الكتابية الشخصية والأخلاقيات الكتابية الاجتماعية.
ومن ضمن الأخلاقيات الكتابية الشخصية، يجب أن تكون المحبة واحداً ضمن العديد من المقاييس التي يجب التفكير فيها. ولكن موضوع المحبة نفسه، يتم التعامل معه في الكتاب المقدس بصورة موسعة ويتطلب دراسة دقيقة. فلكي نفهم المحبة الكتابية تماماً، لا بد أن نقوم بالتعرف على الآتي: العلاقة بين المحبة كاسم يصف كيف يشعر المرء، وبين المحبة كفعل يصف كيف يتصرف المرء؛ وكيف يجب تعريف المحبة؛ وأساس المحبة الكتابية؛ وموضوعات المحبة الكتابية؛ وبرهان المحبة؛ وحدود المحبة.
وبالتالي، يصبح هذا الأمر واحداً من ضمن العديد من العناصر الأخرى في التفكير اللاهوتي في الأخلاقيات الكتابية الشخصية، التي تعد جزءًا من موضوع أكبر عن الأخلاقيات الكتابية أو المقاييس الأخلاقية. ومرة أخرى نجد أن موضوع المقاييس الكتابية بأكمله، هو مجرد جزء فقط من الموضوع الأشمل لعيش الحياة المسيحية (عقيدة التقديس).
وفي النهاية يبدأ دارس الكتاب المقدس في بناء وحدة متناسقة من خلال أحجار البناء التي جمعها، والتي هي عبارة عن الحقائق الفردية التي اكتشفها في المقاطع المتنوعة التي قام بدراستها.
فإن لم يتم اعتبار المحبة جزءًا من مقياس الله للحياة المسيحية، أو إذا كان التعليم عن المحبة يتناول جزءًا واحداً فقط من المعلومات الكتابية عن هذا الموضوع، يمكن أن يتكون لدى المرء مقياس مشوه في التعليم الخاص بالحياة المسيحية. لذلك يجب أن يشمل المقياس التعليم الكتابي الكامل الخاص بموضوع ما، ويجب استخدام جميع البيانات المتوفرة لدينا حوله.
يجب التعامل بطريقة نظامية مع مبدأ كتابي محدد. يجب أن يرتبط المبدأ أو الموضوع الكتابي المحدد بجميع التعاليم الأخرى التي يمكن أن تؤثر على ذلك المبدأ الكتابي المعين. وبهذه الطريقة، يتم دمج النواحي المتنوعة من هذا المبدأ داخل ما يكن أن نطلق عليه لاهوت نظامي. فمثلاً، في المبدأ الكتابي الخاص بالحياة المسيحية الذي ذكرناه سابقاً، لا يمكننا أن نحصل على الفهم الكامل له بدون التفكير في النواحي الأخرى لهذا المبدأ، مثل عقيدة الخلاص.
فكيف يرتبط الغفران والتبرير والتجديد والمبادئ الكتابية الأخرى للخلاص، بالحياة المسيحية الكتابية؟ أو لنفكر مثلاً في طبيعة الله. إن كانت مشيئة الله أن يتم استعادة شبهه الأخلاقي في البشر الذين خلصهم، أليس من الضروري أن ندرس طبيعة الله الأخلاقية لكي نفهم بالكامل كيف يرغب الله أن يكون عليه الشخص المسيحي، وكيف يرغب في أن يسلك؟
لذلك فمن أجل الفهم الكامل لموضوع أو لمبدأ كتابي معين، يجب أن نربطه بكل الموضوعات الكتابية الأخرى التي تؤثر فيه.
تختلف البيانات من حيث أهميتها. ليس لجميع البيانات نفس الأهمية في بناء الموضوع أو المبدأ الكتابي إلا أن جميع البيانات الخاصة بموضوع ما يجب وضعها في الاعتبار، وذلك الموضوع يجب أن يرتبط بموضوعات أخرى تتعلق به. ومع ذلك فيجب ألا تعطى نفس الأهمية لكل نص يقدم حجر بناء في هذا المبدأ الكتابي. لذلك فهناك أربعة معايير يتم تطبيقها في تقديم أهمية البيانات التي لدينا:
1 – يجب تفضيل المقطع الواضح عن المقطع الغامض. فإن لم يكن الأمر الذي قصده المؤلف واضحاً تماماً، ويكون المفسرون عندها في حيرة بشأن معناه، عندها لا يكون هذا النص مثالياً كحجر بناء للمبدأ الكتابي. فيجب أن يرتكز ثقل المبدأ أو التعليم الكتابي على أساس صلب لتعليم واضح. فمثلاً، الآية الموجودة في 1بط 3: 19، هي آية شديدة الصعوبة في فهمهما، وتوجد في مقطع شديد الصعوبة كذلك: “الذي فيه أيضاً ذهب فكرز للأرواح التي في السجن”.
واجه الكثيرون من المفسرين صعوبات كبيرة في التعرف على المعنى الأكيد لهذه الآية، واتفق على معناه عدد قليل من المفسرين. وهكذا، فعندما نبني مبدأ كتابي مهم مثل فكرة المطهر على مثل هذا النص الغامض، لا يكون هذا البناء على أساس صلب.
لكن دعونا نلاحظ أن كلمة غامض لا تعني “غير متفق مع نظامي”. فالمقاطع الغامضة هي تلك المقاطع التي يكون فيها المعنى غير واضح، حتى مع الاستخدام الجاد لإرشادات تفسير الكتاب المقدس. فالمقاطع التي بها هذا النوع من الغموض يجب ألا تكون هي الأساس لبناء المبدأ الكتابي.
2 – يجب إعطاء أهمية أكبر للتعاليم التي تتكرر كثيراً. ليس من الحكمة أن نبني مبدأ كتابياً على نص منفرد – رغم أنه من الحقيقي أن الله لا يحتاج أن يتكلم مرتين لكي يجعل عباراته جديرة بالثقة. لكن يجب إعطاء أهمية أكبر للتعاليم التي تتكرر كثيراً ويتم التركيز عليها في الكتاب المقدس.
“يمكن إلغاء الحجة من كل نص، أو استبعادها بصورة كبيرة، عندما تكون منفردة؛ لكن العدد الكبير والمتنوع من مثل هذه الدلائل والحجج، عندما يتم التعامل معه ككل بحيث يظهر تناسقاً واضحاً، لا يجب استبعاده.”[6]
يمكن للشاهد الموجود في أعمال 22: 16 أن يبدو وكأنه يعلم عن التجديد بالمعمودية: “والآن لماذا تتوانى. قم واعتمد واغسل خطاياك داعياً باسم الرب”. ولكن الكم الكبير من تعاليم العهد الجديد الخاصة بأساس خلاصنا يبدو أنه يعرف الإيمان بأنه المعيار الوحيد للخلاص. وهكذا فإن العقيدة، وخاصة مثل هذه العقيدة الرئيسية، يجب أن تبنى على أساس واسع يتكون من العديد من النصوص والتوكيدات الكتابية. وهكذا فإن إجماع شهادة العديد من المقاطع يقدم أساساً صلباً للمبدأ الكتابي.
3 – التعليم المباشر والحرفي يجب أن تكون له الأولوية. يجب أن يبنى المبدأ الكتابي على أساس صلب وأكيد من المقاطع الحرفية التي تحوي تعليماً مباشراً. فيجب ألا يبنى على مقاطع مجازية أو شعرية أو تاريخية، إلا إذا كانت هذه اللغة المجازية أو تلك المقاطع التاريخية يتم تفسيرها حرفياً بواسطة الكتاب المقدس نفسه.
لذلك فليس من الضروري أن يتم استبعاد المقاطع التاريخية أو المجازية من الاعتبار في بناء المبدأ الكتابي، بل يجب أن يتم استخدامها بحذر شديد. أما بالنسبة للإرشادات الخاصة باستخدامها فسيتم دراستها فيما بعد.
4 – الإعلان اللاحق يأخذ أسبقية عن الإعلان السابق في بناء المبدأ الكتابي. رغم أنه قد لا يكون من السليم استخدام العهد الجديد كأساس لمبدأ كتابي بصورة مستقلة عن تعاليم العهد القديم، إذ أن إعلان العهد الجديد ينمو من العهد القديم، وحتى المصطلحات التي تستخدم فيه هي مشتقة في الأساس من استخدام العهد القديم لها، إلا أن العديد من تعاليم العهد القديم حلت محلها تعاليم العهد الجديد، بسبب تطور الفداء في التاريخ وتطور الإعلان في الكتاب المقدس.
لذلك يجب إعطاء أهمية أكبر للإعلان اللاحق، خاصة عندما يحل إعلان العهد الجديد محل إعلان العهد القديم، كما في حالة عمل المسيح الفدائي.
لكن هذا لا يعني أن تعليم العهد القديم يجب تركه جانباً بدون تصديق العهد الجديد عليه. ولكنه يعني حقاً أن بنية المبدأ المسيحي يجب أن تقوم أساساً على العهد الجديد وعلى تعاليم العهد القديم ومقاطعه التي تركز وتقدم أساساً لتعاليم العهد الجديد. وقد أوضح المسيح ذلك بجلاء في متى 5: 21-22: “قد سمعتم أنه قيل للقدماء: لا تقتل، ومن قتل يكون مستوجب الحكم.
وأما أنا فأقول لكم: إن كل من يغضب على أخيه باطلا يكون مستوجب الحكم، ومن قال لأخيه: رقا، يكون مستوجب المجمع، ومن قال: يا أحمق، يكون مستوجب نار جهنم.”
ومع ذلك فإن تعاليم العهد الجديد يمكن أن يتم فهمها بطريقة سليمة فقط عن طريق الإعلان الأسبق، كما أكد المسيح على ذلك بقوله: “لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل”. (متى 5: 17-18).
ينسب الكتاب المقدس لنفسه فقط الحق والسلطان، فهو لا يمنح أي منهما لأية كتابات أخرى. فالكتاب المقدس وحده هو الذي يُلزم ضمير المؤمن، والكتاب المقدس وحده هو الذي يجب أن يكون أساس كل بنية لاهوتية.
لا تبن مبدأ على استدلال أو استنتاج. إن القوى العقلية هي عطية من الله، ومهمتنا هي أن ندرس بدقة لكي نستطيع أن نتعامل بصورة سليمة مع كلمة الله. لكن حيث أن الإعلان محدود للغاية، فمن المحتم أن تظهر العديد من الفجوات في أي نظام يسعى إلى الكمال أو الشمولية. فقد يكون من المشروع أن نستنتج منطقياً العناصر المفقودة، لكن إن كان الكتاب المقدس هو سلطتنا الوحيدة، يجب ألا نستخدم الاستنتاج المنطقي مع السلطة الإلهية.
فمثلاً، يعلم الكتاب المقدس أن الله الآب هو الإله الواحد الوحيد، كما أنه يعلم كذلك أن يسوع المسيح هو ابن الله، وأن الروح القدس هو الله. فكيف يمكن لهذا التعاليم أن ترتبط ببعضها البعض؟ من الضروري أن نسعى للتوصل إلى وحدة متسقة، وأن نبني نظريات عن كيفية الربط بين الثالوث وبين الوحدة الإلهية.
الحقيقة هي أن عقيدة الثالوث هي نموذج لمثل هذا الاستنتاج، فالطريقة التي بها يرتبط الثالوث معاً في النهاية ليست معلنة في الكتاب المقدس، لذلك فإن نظرياتنا لربطهم معاً يجب أن نعتنقها باعتبارها مؤقتة أو غير نهائية.
فعند القيام ببناء لاهوت نظامي، استطاع القليلون أن يقاوموا إغراء عبور هذه الفجوة بالاستنتاجات المنطقية. لكن أن نبني بنية فوقية على استدلال مأخوذ من البيانات المحدودة في الكتاب المقدس، ثم أن نطلب الاتفاق عليها باعتبارها حق الله الأكيد، فهذا معناه أننا لا نسمح للكتاب المقدس نفسه بأن يكون هو السلطة النهائية. يعبر تيري عن هذا الأمر جيداً بقوله:
معظم الاختلافات الكبيرة في العقائد المسيحية نشأت نتيجة محاولة تعريف ما لم يعرف الكتاب المقدس.[7]
لكن الكتاب المقدس يحوي كل ما هو ضروري للخلاص؛ لذلك فإن كل ما ليس موجود فيه، ولم يتم اثباته فيه، ليس من المطلوب من أي إنسان أن يؤمن به كبند من بنود الإيمان، أو يحسب من المتطلبات الضرورية للخلاص.[8]
إنني لا أنتقص من حتمية وقيمة “ملء” نظام مبني على بيانات ومعلومات كتابية بأجزاء من المنطق إلا أننا يجب أن نصر على عدم استخدامه مع السلطة الكتابية.
لا تبن مبدأ كتابي على التقليد. من المفيد للغاية أن ندرس تاريخ العقيدة أو تاريخ عقيدة محددة. فمعظم الهرطقات تم ابتداعها بالفعل ودحضها. لكن ليس من الضروري لكل دارس للكتاب المقدس أو حتى لكل جيل، أن يعيد الكرة بدراسة هذا التاريخ مرة أخرى.
فمن الحكمة أن نبني على جهود أولئك الذين سبقونا، فإن كان اتجاه الاتضاع يميز دارس الكتاب المقدس، فإنه لن يستخف بجهود الآخرين أو يفشل في إدراك عمل الروح القدس في كنيسته. لكن في التحليل النهائي، يجب أن تبنى العقيدة على الكتاب المقدس بمفرده، وليس على تقليد ما، مهما كان قدر القداسة الذي أسبغ عليه بالزمن أو مدى سعة انتشاره.
إن المفسر النظامي لعقيدة الكتاب المقدس يتوقع منه أن يعرض، بتحديد واضح ومصطلحات دقيقة، مثل هذه التعاليم، باعتبار أن لها ضمان أكيد في كلمة الله. لذلك يجب ألا ندخل على نص الكتاب المقدس أفكار أزمنة لاحقة، أو أن نبني على أية كلمات أو مقاطع عقيدة لا تقوم بتعليمها من الأساس.[9]
لا تبن مبدأ كتابي على أية مصادر خارجية أخرى. كما رأينا من قبل، لقد تم إعطاء الكتاب المقدس لنا لأجل غرض محدد – وهو إعلان خلاص الله – فهو غير مصمم لكي يعلمنا كل ما يختص بمعرفة الله أو حتى الناس. لذلك فإن الإنسان، المخلوق على صورة الله والذي أوكل إليه أن يشارك في رعاية جزء من خليقة الله (تك 1: 28)، يجد أن مجده في أن يبحث عن المعرفة (أم 25: 2).
إلا أن مثل هذا التحقيق والتنظير التجريبي لا يمكن استخدامه بنفس السلطة باعتباره إعلان من الله، ولكنه يمكن بالتأكيد أن تكون له فائدة عملية للبشرية.
كيف يرتبط ذلك ببناء لاهوت نظامي؟ إنه أمر سليم تماماً أن نلجأ إلى التجربة البشرية والتحقيق العلمي للتحقق من التفسيرات التقليدية للكتاب المقدس. فالتفسيرات التقليدية للكتاب المقدس التي كانت تعلم أن الأرض هي مركز الكون، تم تحديها علمياً، وهكذا تم إعادة فحص الكتاب المقدس.
كما أنه أمر سليم تماماً بالنسبة للإنسان أن يدرس عملياته الذهنية وعلاقاته الاجتماعية الخاصة لكي يميز طرقاً أفضل للحياة الفعالة. ولكنه ليس من المنطقي أن يستخدم مصادر غير كتابية مثل السجلات التاريخية غير الكتابية، والنظريات العلمية، أو الخبرات البشرية لتحل محل التعليم الكتابي الواضح.
فتلك المفاهيم المأخوذة من مصادر غير كتابية يجب ألا تختلط مع البنية العقائدية كما لو كانت جزءًا من حق الله المعلن السلطوي. بعض من هذا المزج الشخصي يكون حتمياً، لكن الدارس الحريص يظل منتبهاً حتى يستعبد ذلك بقدر الإمكان. فلكي نقوم ببناء نظام سلطوي للحق الإلهي المعلن، لا بد أن نحتفظ بالبنية العقائدية، متميزة عن أية بنية علمية أو ثقافية أو تقليدية أو فكرية أخرى.
من الصواب بالنسبة لنا أن نطرح أسئلة عن الكتاب المقدس متعلقة باختبارنا البشري. فمثلاً، ربما أكون قد استنتجت من الكتاب المقدس مبدأ يقول إن الشفاء الجسدي يحدث دائماً للشخص الذي لديه إيمان. لكن بفحص اختبارات المسيحيين عامة، واختبارات الناس الذي يعلمون عن المبدأ بأكثر قوة، نكتشف أن أولئك الذين يبدو أن لديهم إيمان قوي، في معظم الأحيان، لا ينالون الشفاء.
تلك الحقيقة بمفردها يجب ألا تتسبب في جعل الشخص يرفض هذا المبدأ، وذلك لأن الخبرة البشرية ليس هي الحكم الأخير في القضية. ومع ذلك، فإنه من السليم تماماً بالنسبة للمسيحي أن يعيد فحص الكتاب المقدس لكي يرى إن كان الاعتقاد الذي يعتنقه هو تعليم كتابي بالحق أم لا.
يجب أن يعكس المبدأ الكتابي تركيزاً وتأكيداً كتابياً. إن خدمة التبشير والتعليم يجب أن تركز على تلك العناصر من الحق الكتابي التي يحتاجها السامعون أكثر. فالتعليم الكتابي القوي عن عدم التقيد بحرفية الناموس قد لا يكون مناسباً للسامع الذي يكون بالفعل غير مقيد بالشريعة، لكن التركيز في تلك الحالة يمكن أن يكون على الشريعة. لكن بالنسبة للسامع الذي لديه شعور بالذنب، يكون التعليم عن عدم التقيد بحرفية الشريعة هو الأمر الأكثر ملائمة للتركيز عليه.
وقد يكون من المستحيل الفصل تماماً بين عملية تفسير الكتاب المقدس وتطبيقه. فالسياق الحالي لدارس الكتاب المقدس يؤثر حتمياً على عمله في الكشف عن معنى الكتاب المقدس في سياقه القديم. وهكذا فالتفسير والتطبيق دائماً ما يؤثر أحدهما على الآخر. ولكن هذا التأثير يجب أن ينتج تدرجاً تصاعدياً يتجه نحو المزيد من الفهم والطاعة لمشيئة الله.
كما أن المواقف الحالية قد تطرح أسئلة على سياق الكتاب المقدس القديم، ونوع هذه الأسئلة تؤثر على الطريقة التي تأتي بها الإجابة، حتى بالنسبة لأكثر الدارسين موضوعية وحذراً. وهكذا بالنسبة للشخص الملتزم بسلطة الكتاب المقدس، فإن طاعته للحق الذي تم اكتشافه في الكتاب المقدس يعمل على الفور على تغيير موقفه الشخصي، بحيث يصبح نوع السؤال المطروح على الكتاب المقدس بعد ذلك مختلفاً عن السؤال الذي تم طرحه من قبل. لذلك فإن كل دورة من التفاعل ستقود المرء أقرب تجاه الحق.
وهكذا يؤثر السياق والمحيط الحالي على مجال تركيز المرء. ومع ذلك، في البنية العقائدية للمرء، يجب على الدارس أن يتبع الإرشادات الخاصة بالتركيز على ما يركز عليه الكتاب المقدس. فالحقيقة أنه ليس من السهل فقط، بل من الشائع أيضاً أن يتم تشويه تعاليم الكتاب المقدس ببساطة عن طريق التركيز على عنصر أو جانب واحد فقط من الحق، والفشل في التركيز على جانب آخر. وهذا بالفعل واحد من أكبر مصادر الخلافات والاختلافات الطائفية.
فمثلاً، لقد كان بولس يحاج المسيحيين في كورنثوس لأنهم كانوا يركزون كثيراً على موهبة الألسنة بحيث كانوا يشوهون العقيدة الكاملة الخاصة بالمواهب والقدرات التي يعطيها الروح القدس وخدمة الكنيسة. وهكذا فإن أي تعليم ثانوي في الكتاب المقدس، أو حتى استنتاج مبني على معلومات كتابية، يمكن أن يتم التركيز عليه بصورة كبيرة بحيث يصبح أساساً للانقسام في جسد المسيح.
دعونا نفكر أيضاً في مثال آخر. بالنسبة للمسيحي الذي يتصرف مثل غير المسيحيين، هناك عدة أمور ضرورية بالنسبة له. فهو يحتاج أن يعود إلى العلاقة التي كانت له من قبل، بالثقة في يسوع المسيح كسيد على حياته، ويطلق على هذه العودة مصطلح “اختبار الأزمة”. وهذا التحول هو أمر ضروري بالفعل، ولكن من الممكن أن يكون التركيز على هذا الالتزام والتسليم أو التوبة شديداً، بحيث يتم تجاهل بقية العقيدة الكاملة للنمو المسيحي، ويتم تشويه القوة الشاملة للتعليم الخاص بالحياة المسيحية.
ومن ناحية أخرى، من الممكن التركيز على النمو المسيحي فقط وتجاهل العلاقة الأساسية مع الله، بحيث يفترض الناس أنهم ينمون، بينما هم في الحقيقة ليسوا في وضع النمو على الإطلاق.
في هذين المثالين التوضيحيين، لم يتم تبني أي تعليم باطل داخل نظام المبادئ الكتابي، ومع ذلك فإن التركيز الخاطئ، أي الذي لم يكن هو تركيز الكتاب المقدس نفسه، يكون له نفس النتيجة النهائية – وهي تشويه الحق الكتابي.
لذلك يجب أن يتم بناء المبدأ الكتابي على الأساس الصلب لما يعلمه الكتاب المقدس، لأن هذا التعليم وحده هو الذي له سلطان من الله لكي يدعم المبدأ الكتابي. أما الاستنتاج والتقليد والخبرة البشرية والسجلات التاريخية غير الكتابية والنظريات العلمية فهي جميعها مصادر قيمة ومفيدة للمعرفة، ولكنها كلها قابلة للخطأ، ولا يمكن أن يتم دمجها كجزء من بنية المبادئ الكتابية التي لها سلطان باعتبارها الحق الإلهي المعلن.
ملخص
يمكننا أن نقوم بثقة بتجميع كل ما يعلمه الكتاب المقدس حول موضوع ما، أو كل ما يكشفه الكتاب المقدس عن الحق الإلهي، وننظمه داخل وحدة متسقة. ويمكن أن نقوم بذلك عن طريق إقامة المبدأ الكتابي على أساس:
(1) التفسير السليم لكل مقطع.
(2) على أساس الكتاب المقدس كله.
(3) وعلى أساس الكتاب المقدس وحده.
كانت الدراسة اللاهوتية في القرون السابقة تعتبر “ملكة العلوم”. وربما لا يكون هذا الأمر بعيداً تماماً عن الواقع، فالدراسة اللاهوتية للموضوعات قد لا تكون أمراً يطلبه الكتاب المقدس، ولكن الكتاب المقدس يسمح بها بالتأكيد، كما تتطلبها حالتنا البشرية.
فهي تساعدنا على فهم حق الله ومشيئته لنا بصورة أشمل، بل أنها تساعدنا أيضاً على تفسير المقاطع الفردية بدقة أكثر، لأن الكتاب المقدس يتم فحصه في ضوء بعضه البعض. “بنورك نرى نوراً” (مز 36: 9). وبرغم أن دراسة الموضوعات والمبادئ الكتابية لا تحل كل المشاكل، إلا أنها تحل بالفعل الكثير من المشاكل الظاهرية في الكتاب المقدس.
مراجع مختارة للمزيد من الدراسة
– ديفيز، جون جيفرسون. Handbook of Basic Bible Texts: Every Key Passage for the Study of Doctrine and Theology. Grand Rapids: Zondervan، 1984.
– إلويل، والتر إيه، محرر. Evangelical Dictionary of Theology. Grand Rapids, Baker، 1984.
– جونستون، روبر كي، محرر. The Use of the Bible in Theology: Evangelical Options, Atlanta: John Knox,، 1985.
[1] إتش سي جي مول، (London: Pickering & Inglis) Romans، صفحة 306.
[2] سي إس لويس، (London: Faber and Faber, 1961) A Grief Observed، صفحة 51.
[3] إيه دبليو توزر، Our Imperfect View of Truth, The Allianess,، 11 مارس 1959، صفحة 2.
[4] جورج سالمون، Infallibility of the Church (Grand Rapids: Baker, 1957)، صفحة 285.
[5] ميلتون إس تيري، Biblical Hermeneutics (Grand Rapids: Zondervan, 1974)، صفحة 583.
[6] نفس المرجع السابق. صفحة 587.
[7] نفس المرجع السابق، صفحة 585.
[8] نفس المرجع السابق، صفحة 583.
[9] نفس المرجع السابق.
اتساق وترابط الحق – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس
وحدة الكتاب المقدس – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس
وحدة الكتاب المقدس – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس
وحدة الكتاب المقدس – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس
المبدأ الإرشادي: قارن الكتاب المقدس ببعضه البعض لإلقاء الضوء على كل مقطع، واكتشف وحدة تعاليمه.
مقدمة
حيث أن الكتاب المقدس حق وصحيح في كل أجزائه، فعندما نقوم بدراسة مقطع معين، يجب على الدارس أن يسعى لوحدة ذلك المقطع مع كل التعاليم الكتابية الأخرى المرتبطة به. فلا يصلح أن نحدد معنى مقطع بصورة مستقلة عن بقية الكتاب المقدس. في بعض الحالات، عندما نقوم بذلك، يمكننا أن نجد تعليماً كتابياً يتناقض مع تعليم كتابي آخر دون مبرر. لكن بدلاً من ذلك، يجب على الدارس أن يتعامل مع الكتاب المقدس باعتباره أفضل شرح للكتاب المقدس نفسه.
وكما قال المصلحون، يجب أن يتم تفسير الكتاب المقدس بواسطة الكتاب المقدس نفسه. فعندما نقارن مقطعاً ندرسه بمقاطع أخرى فإن ذلك في الأغلب سيقوم بتوضيح المعنى وتصحيح سوء الفهم الأولي، أو بتكميل التعليم كجزء من الكتاب المقدس ككل.
فمثلاً، عندما نكتشف أن “ملكوت الله” يستخدم بواسطة واحد من كاتبي الأناجيل، وفي نفس القصة يتحدث كاتب إنجيل آخر عن “ملكوت السماوات”، فإن معنى كلا المصطلحين يصبح أكثر وضوحاً (انظر متى 13: 31 ومرقص 4: 26-31). فهذه المصطلحات يجب ألا تعني شيئاً مختلفاً عندما يستخدمها المؤلفون المختلفون للكتاب المقدس كمترادفات. فالموعظة على الجبل مثلاً، لا يمكن أن ترجع إلى “ملكوت سماوات” في الماضي أو المستقبل مختلف عن “ملكوت الله”.
والأمر الآخر هو أنه يمكن للمرء أن يأخذ تعليم المسيح عن الصلاة المستجابة، “لكي يعطيكم الآب كل ما طلبتهم باسمي” (يو 15: 16)، باعتباره وعداً غير مقيد. لكن دراسة التعاليم الأخرى الخاصة بالصلاة، في مقاطع أخرى، سوف تقوم بتصحيح الفهم الأولي الظاهر ووضعه في منظوره الصحيح كجزء من التعليم الكتابي الكامل عن الصلاة، خاصة فيما يتعلق بالصلاة المستجابة.
وهكذا، في سعينا نحو وحدة تعاليم الكتاب المقدس، لا بد أن نفكر في ثلاثة أنواع من النصوص الكتابية: المقاطع المتوازية، والأفكار المتشابهة، والأفكار المتضادة.
المقاطع المتوازية
المقاطع المتوازية هي عبارة عن مقطعين أو أكثر يرويان نفس الحدث أو يقدمان نفس التعليم. فمثلاً، عندما يتم رواية حديث ليسوع في اثنين من البشائر، فإن هذين المقطعين يعتبران متوازيان. كما أن نفس الحدث الذي يدون في صموئيل الأول أو الثاني أو في أخبار الأيام الأول أو الثاني، يعتبران متوازيان.
لذلك لا بد أن نقوم بدمج كل عناصر المقاطع التي تدون نفس الحدث لكي نصل إلى التوافق، بينما لا يكون هذا الأمر ضرورياً بالنسبة للمقاطع التي يكون بها تشابهات فقط. فعندما تحوي المقاطع فقط أفكاراً متشابهة، فإننا نسعى للمزيد من النور في تفسير كل مقطع، ولكننا يجب ألا نضع هذه المقاطع في توازي قاطع مع بعضها البعض.
المقاطع المتوازية بواسطة نفس المؤلف
الخطوة الأولى في تحديد المقاطع المتوازية هو البحث عن مقاطع متوازية بواسطة نفس المؤلف. إذ يميل المؤلف إلى استخدام نفس مصطلحاته وتعبيراته، وفي بعض الأحيان يكرر نفس التعليم. فمثلاً، مقارنة واحدة من رسائل بولس بأخرى يمكن أن تساعد كثيراً في تحديد معاني الكلمات والتعبيرات والمقاطع بأكملها. فأفسس 6: 5 – 9، وكولوسي 3: 22 – 4: 1، يلقيان الكثير من الضوء على أحدهما الآخر، إذ يتعامل كل من المقطعين مع موضوع السادة والعبيد.
فنتيجة الأمانة أو عدم الأمانة من جانب كل من العبد أو السيد يتم التعامل معه فقط من وجهة نظر إيجابية في أفسس، مما يجعل الأمر غامضاً بالنسبة لتعليماته إلى السادة. بينما في كولوسي يقدم بقوة ووضوح شديدين النتائج السلبية للفشل في تلك العلاقة “أيها السادة قدموا للعبيد العدل والمساواة” (كو 4: 1). وهكذا يقوم كل مقطع بإلقاء الضوء على معنى المقطع الآخر وتوسيع معناه.
المقاطع المتوازية بواسطة مؤلفين مختلفين
كل من الأحداث التاريخية في كثير من الأحيان بتغطية نفس الحدث. فصموئيل الأول والثاني، وملوك الأول والثاني، يمكن مقارنتهم بأخبار الأيام الأول والثاني في كل النقاط تقريباً. فقد تم كتابة أخبار الأيام الأول والثاني لتقديم تركيز أكبر على المعنى الروحي للأحداث التاريخية. فمثلاً، بشأن عقاب داود لعده لشعب إسرائيل، قد يعتقد البعض أن الدراسات الإحصائية لتحليل نمو الكنيسة هي ضد إرادة الله. لكن ذلك التفسير يصبح قابلاً للشك تماماً عندما تتم دراسة الروايات الموازية في صموئيل الثاني 24 وفي أخبار الأيام الأول 21، للحصور على صورة مجمعة لكل العناصر الداخلة في هذه العملية.
وفي العهد الجديد، تقوم الأناجيل برواية حياة المسيح من زوايا مختلفة. لذلك فعندما تتم دراسة نفس الحدث في أكثر من إنجيل، تزيد وتتضح أهمية هذا الحدث المحدد. فمثلاً، بالجمع بين روايات القيامة في الأناجيل المختلفة، فإننا نحصل على فهم هائل، ويمكن أن يساعدنا هذا الأمر في تصحيح الكثير من التفسيرات الخاطئة المحتملة لتلك الروايات لو أننا تعاملنا مع كل منها بمعزل عن الأخرى.
الأفكار المتشابهة
كثير من المقاطع لا تكون متوازية، من حيث أنها لا تروي نفس الحدث، لكن يكون لها نقاط متشابهة. على سبيل المثال، علم يسوع تلاميذه أنه “إن كان أحد يأتي إليّ ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وإخوته وأخواته حتى نفسه أيضاً فلا يقدر أن يكون لي تلميذاً” (لو 14: 26). يعتبر هذا مقطعاً صعباً بالنسبة للناس في أي مجتمع، ولكنه يكون أصعب بوجه خاص في مجتمع شرقي، حيث تكون مشيئة الله بأن يكرم الأبناء والديهم هي في الأغلب الوصية العظمى.
إننا سنقوم فيما بعد بدراسة الإرشادات الخاصة بالتعامل مع التعاليم المتضادة، ولكننا عند هذه النقطة نلاحظ أن المعنى الذي يقصده المسيح يتضح عندما تتم مقارنته بالمقاطع الأخرى التي بها نقاط مشابهة. ففي متى 10: 37، يقول المسيح، “من أحب أباً أو أماً أكثر مني فلا يستحقني. ومن أحب ابناً أو ابنه أكثر مني فلا يستحقني” فعندما يتم مقارنة التعليمين معاً، يبدأ معنى “البغض” في الوضوح أكثر. فمن الواضح أن هذا التعليم له علاقة بالمقارنة، باختيار أن نعطي الأولوية لمتطلبات الله من حياتنا.
دعونا نفكر في مقطعين آخرين بهما بعض النقاط المتشابهة. يشير لوقا 14 إلى بغض النفس، ويوضح يوحنا 12: 25 هذه الفكرة. “من يحب نفسه يهلكها ومن يبغض نفسه في هذا العالم يحفظها إلى حياة أبدية” يتضح أكثر فأكثر أن معنى “يبغض” لا يركز على مشاعر الشخص بل بالأحرى على اختياراته وسلوكه.
بهذه الخلفية من بعض المقاطع التي تتعامل مع موضوع البغض، بدأنا تدريجياً في التوصل إلى استنتاج أن هذا المصطلح يستخدم في بعض الأحيان في الكتاب المقدس لوصف علاقة ما، ويتم اختياره عن عند لغرض معين. ففي حالة العلاقات البشرية، يكون هذا الغرض هو مجد الله الأسمى، عندما يكون الاختيار هو بين حقوق الله وحقوق شخص آخر في علاقة بشرية. هذا بدوره يلقي بالضوء على التعليم بأن عيسو كان “مبغضاً” من الله (ملا 1: 2-3؛ رو 9: 13). لذلك فإن المقاطع التي تتعامل مع نفس الموضوع، وتلمس أفكاراً تتداخل معه، كثيراً ما تلقي بالضوء على معنى كل مقطع من هذه المقاطع.
عندما تتم دراسة أفكار متشابهة، يمكن اكتشاف حقائق يتم التشديد والتركيز عليها. فبعد قيامته من الأموات، عاد المسيح إلى موضوع الإرسالية العظمى مرات ومرات. وبذلك نعرف أن هذا الموضوع أبعد من أن يكون نص اثبات منفرد للمتطرفين المنحازين للإرساليات التبشيرية. فقد تحدث يسوع عن هذا الغرض لتلاميذه في الليلة التي قام فيها من الأموا (يو 20: 21)، وعلى جبل الجليل (مت 28: 18-20)، وعند عودته إلى أورشليم (لو 24: 46-48)، وعند صعوده (أع 1: 8).
وحتى لو تم تفسير مقطع لوقا بأنه حدث في نفس وقت رواية يوحنا (وهذا غير مرجح)، فإن مسؤولية الشهادة لا تزال هي الموضوع المحوري في كل مرة كان المسيح يلتقي بهم فيها. أضف إلى تلك المقاطع المقطع الشهير للغاية الخاص بالإرسالية العظمى (مر 16: 15)، ويكون لدينا بذلك تأكيد وتدعيم آخر لهذا الموضوع. وهكذا، كم يبدو هذا الموضوع مهماً عندما نقوم بتجميع كل هذه التعاليم المتشابهة في وحدة واحدة! فالحقيقة يبدو أن توازي هذا الموضوع مع إرسالية المسيح نفسه شخصياً هو الطريقة الوحيدة المناسبة لفهم غرض المسيح لأجلنا: “كما أرسلني الآب أرسلكم أنا” (يو 20: 21).
في بعض الأحيان يكون أمراً شديد الأهمية أن نعرف إن كان المقطعان هما حقاً روايتان متوازيتان، أم أن الروايتين مختلفتين لكن بهما نقاطاً متشابهة. فمثلاً، يصر بعض المفسرين على أن الموعظة على الجبل المدونة في متى 5-7 هي مقطع موازي للوقا 6، على أن كلاً من كاتبي الإنجيلين يسجلان نفس المناسبة. ولكن الحقيقة أن هناك اختلافات بينهما ولكنها لا تظهر على السطح، ففي المناسبة المدونة في متى، أعطى المسيح مبادئ عامة للتلاميذ.
لكن إن اعتبرنا التعليم المدون في لوقا مبادئ عامة، فإنه سيبدو عندئذ كما لو أنه يعلم كل الفقراء سعداء، بل حتى أنه يعلم أنك لو لم تصبح فقيراً، لا يمكنك أن تكون سعيداً. إلا أن كلاً من هذين الأمرين غير صحيح بالطبع، في ضوء كم كبير من التعاليم الكتابية الأخرى. لكن الصحيح هو أن بعض الفقراء سعداء بالرغم من فقرهم، وأن بعضاً من هؤلاء الفقراء هم الذي كان المسيح يخاطبهم في لوقا 6: 20، “طوباكم أيها المساكين لأن لكم ملكوت السماوات” فمن وجهة نظر العالم، ليس من المنطقي أن يكون الفقراء سعداء، لكن يسوع كان يعلم أن هذا الأمر ممكن تماماً.
إننا نعرف أن يسوع تحدث هنا عن الفقر المادي، وليس الفقر الروحي، لأنه قارن تلك الحالة بنقيضها، “ولكن ويل لكم أيها الأغنياء لأنكم قد نلتم عزاءكم” (ع 24). لكن من ناحية أخرى، في متى قدم المسيح حقيقة عامة بأن كل المساكين بالروح هم سعداء. بمعنى أن الله يبارك الناس عندما يكونون مساكين بالروح، وهي حالة يجب أن نرغب فيها وننميها فينا. بينما الفقر المادي لا يتم التعامل معه مطلقاً بهذه الطريقة في الكتاب المقدس.
فكيف يمكن التوفيق بين هذين المقطعين؟ لا توجد مشكلة في ذلك لو أننا اعتبرنا أنهما يصفان مناسبتين مختلفتين، وأن بهما فقط مجرد تعاليم متشابهة، رغم أنها متداخلة. فالسياق يوضح ذلك عندما يخبرنا في متى أن يسوع صعد إلى الجبل، بينما يقول في لوقا أنه نزل إلى موضع سهل. لكنها ممارسة شائعة بالنسبة للواعظ أن يستخدم أجزاء من رسالة ما في رسالة أخرى؛ وأن يأخذ شرحاً أو عبارات من سياق معين ويستخدمها في سياق آخر. لكن البعض يجدون صعوبة في اعتقاد أن يقوم الرب يسوع بذلك.
لذلك فإننا عند مقارنتنا بين الأفكار المتشابهة، نجد أن أكثر الأدوات نفعاً هي فهارس الكتاب المقدس، والكتب المقدسة ذات الموضوعات. ومع ذلك فإن تلك الأدوات لن تمكن الشخص من اكتشاف جميع المقاطع التي بها احداث أو أفكار متشابهة. لكن الشخص الذي يدرس الكتاب المقدس على مدى فترى زمنية طويلة سيكتشف الكثير من مثل هذه المقاطع عبر السنين، ويجد مقارنات مثمرة تلقي بضوء إضافي على المقطع موضوع الدارسة. لذلك فمن المهم بالنسبة للدارس أن يحتفظ بسجل لهذا المقاطع التي تتعامل مع موضوعات تهمه بصورة خاصة.
الأفكار المتضادة
في كثير من الأحيان لا نتمكن من فهم مقطع ما فهماً تاماً إلا عندما يضاد التعليم الموجود فيه التعليم الموجود في مقاطع أخرى. وحيث أن ثقتنا في مصداقية الكتاب المقدس تعني أنه لا يمكن أن يكون هناك تناقض نهائي بين أجزائه، فلا بد أن نبذل المحاولات لحسم التناقضات الظاهرية بين المقاطع. وسوف ندرس الإرشادات الخاصة بذلك بتفصيل أكثر في الفصل التالي، عندما نقوم بدراسة إحدى وسائل بناء لاهوت نظامي. لكننا يجب أن نذكر الآن أن هناك العديد من التعاليم في الكتاب المقدس لا تقف بمفردها بمعزل عن بقية التعاليم الأخرى. يعبر عن ذلك جيداً، أيه دبليو توزر، الناقد الثاقب للتفكير الهزيل، فيقول:
إن الحقائق التي نجبرها على الوقوف بمفردها لا تستمر سليمة ومستقيمة على الإطلاق، ومن غير المرجح أن تدوم طويلاً. فالحق واحد، ولكن الحقائق كثيرة. والحقائق الكتابية متشابكة ويعتمد أحدها على الآخر. وهكذا فالحقيقة نادراً ما تكون سليمة وصحيحة بمفردها بمعزل عن غيرها. فالعبارة قد تكون صحيحة في علاقتها بالحقائق الأخرى، لكنها تكون أقل من صحيحة عندما تنفصل عنها.
قال المسيح: “لا تدينوا لكي لا تدانوا” (مت 7: 1). وقد أكد بولس على نفس الحق: “من أنت الذي تدين عبد غيرك” (رو 14: 4). اعتبر الكثيرون هذا الأمر هو القاعدة المطلقة للسلوك المسيحي، مصرين على أنه ليس من حق أي مسيحي أن يحكم على إنسان آخر. لكن هناك مقاطع مضادة لذلك، واحد منها موجود أيضاً من الموعظة على الجبل: “احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكن بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة. من ثمارهم تعرفونهم” (مت 7: 15-16).
بل أن المسيح قال بوضوح، “لا تحكموا حسب الظاهر بل احكموا حكماً عادلاً” (يو 7: 24)، ويوحنا يدعم هذا الأمر بقوله: “أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله… من هذا نعرف روح الحق وروح الضلال” (1يو 4: 1، 6). وهكذا لكي نفهم كل ما يريد الله أن يعلمنا إياه بخصوص الحكم أو الامتناع عن الحكم على الآخرين، يجب القيام بدراسة نظامية لجميع التعاليم الكتابية الخاصة بهذا الموضوع. لكن عند هذه النقطة، من المهم أن نشير إلى أننا لا يمكن أن نفهم أي من هذه التعاليم بطريقة صحيحة بدون الرجوع إلى المقاطع المضادة.
مثال تقليدي على ذلك هو الجدل الخاص بقضية سيادة الله ومسؤولية الإنسان. فعندما نقوم بتفسير آيات يبدو أنها تعلم عن واحدة من تلك الحقائق أكثر من الأخرى، يكون من الضروري أن نفكر في المقاطع المضادة للوصول إلى فهم متوازن وكامل للحق الكتابي. بكلمات أخرى، يمكن للمرء أن يدرس عن سيادة الله في أفسس 1، ويوحنا 6، ورومية 9، فيخلص إلى نتائج تعفي الشخص من مسؤوليته عن اختباراته الشخصية.
وعندما يحدث ذلك فهذا معناه أننا نسيء فهم الحق الكامل. لكن حيث أن الكتاب المقدس حق وصادق في كل أجزائه، فإن الدارس الملتزم بالسعي نحو وحدة الكتاب المقدس يجب أن يجتهد وأن يدرس ما يقوله الكتاب المقدس عن مسؤولية الإنسان أيضاً. ولكنه يجب ألا يدرس ذلك بمعزل عن الحقائق الأخرى، وإلا فإنه سيشوه حق الله المتوازن. لكن للأسف، يبدو أنه من الأسهل أن يذهب الناس إلى تطرف ثابت عن أن يظلوا في مركز التوتر الكتابي.
كما أن هناك الكثير من الوعود والوصايا يبدو أنها غير مشروطة، لكن من المهم أن نراجع ونفحص إن كانت هناك شروط موجودة في مكان آخر. فالوعود الخاصة بنسل داود وعرشه، كثيراً ما تبدو غير مشروطة، لكن مزمور 132: 12 يقول “إن حفظ بنوك عهدي وشهاداتي التي أعلمهم إياها فبنوهم أيضاً إلى الأبد يجلسون على كرسيك”. في كثير من الأحيان يقدم الشرط في نفس المقطع الذي يذكر فيه الوعد، لكن في أحيان أخرى، يجب البحث عن الشروط في مكان آخر، لأن كل الكتاب المقدس هو صادق وأهل للثقة. لذلك يجب السعي نحو تجانس وتوافق الحق الكتابي.
في مرات قلية، نجد التضاد في نفس المقطع الكتابي. ففي أمثال 26: 4-5، نرى التضاد واضحاً بصورة مباشرة “لا تجاوب الجاهل حسب حماقته لئلا تعدله أنت. جاوب الجاهل حسب حماقته لئلا يكون حكيماً في عيني نفسه”. في هذا المقطع يكون المفسر ملزماً بأن يفسر أحد التعاليم في ضوء التعليم المتوازن.
لكن ماذا عن المقاطع التي تحوي تعاليم متضادة والتي لا توجد معاً؟ توجد طريقتان لاكتشاف هذه المقاطع. الأولى هي أن نقوم بدراسة لاهوت نظامي يتعامل مع الموضوع الذي ندرسه. ومن إحدى الطرق العملية لاكتشاف كل المقاطع التي قد تكون مهمة لدراسة التناقضات، هي مراجعة اللاهوتيين الذين يعتنقون نظرة مضادة للمعنى الظاهري للنص.
فمثلاً، إذا كان المقطع يبدو أنه يعلم عن قدرة الإنسان على اختيار مصيره الشخصي، ويرغب المرء في اكتشاف مقاطع مضادة خاصة بسيادة أغراض الله وبتحكمه في كل شيء، فإن اللاهوتيين الذين يناصرون هذا الأمر يمكن الاعتماد عليهم في تنظيم كل الأدلة الموجودة لصالح الاعتقاد المضاد. لذلك سيحتاج المرء أن يذهب إلى كتابات لاهوتيين من الاتجاه المضاد لكي يتأكد من تعرفه بالكامل على النصوص المحتملة التي تركز على مسؤولية الإنسان عن اختياراته.
أما الوسيلة الثانية لاكتشاف كل التعاليم المهمة المتضادة ظاهرياً عن موضوع ما، فهي أن يقوم الدارس بتطوير ملف دراسي شخصي عن هذا الموضوع. فمثلاً، في الإعداد لعظة من ثلاثين دقيقة عن التوازن الكتابي، يكون من الضروري بالنسبة لي أن أقوم بتجميع البيانات الكتابية على مدى فترة زمنية تمتد لحوالي عشرة سنوات.
فلو بدأ دارس الكتاب المقدس في الاحتفاظ بملف دراسي لتجميع البيانات والشواهد الكتابية عن كل موضوع يعتبر مهما بصفة خاصة بالنسبة له، فإنه على مدى عدة سنوات، وبعد أن يكون قد قرأ الكتاب المقدس عدة مرات، يمكنه أن يثق في معرفته على الأقل بالمقاطع الرئيسية التي تلمس الموضوع.
إن الكتاب المقدس هو أفضل تفسير للكتاب المقدس نفسه. إلا أن هذه ليس هي الطريقة الطبيعية للنظر إلى كتاب كتبه العديد من المؤلفين على مدى أكثر من 1600 عام. فإن كتاباً كهذا يمكن أن تتوقع أن يكون مليئاً بالمتناقضات، وأنه من الحماقة حقاً أن تحاول التوفيق بين أفكاره المتضاربة. لكن الكتاب المقدس ليس مجرد كتاب بشري عادي. فالنظرة الصحيحة إلى كتاب موحى به بالكامل بروح الله تكون بالبحث عن وحدته، فالله لا يناقض نفسه. فقد أعطانا إعلاناً مكتوباً، وليس خليطاً مشوشاً من الأفكار المتضاربة. فالكتاب المقدس متسق ومتوافق، ولا بد أن نقوم بتفسيره على هذا الأساس.
ملخص
يجب على الدارس أن يقارن الكتاب المقدس بالكتاب المقدس نفسه، وأن يسمح للكتاب المقدس بأن يلقي بالضوء على كل أجزائه. ويجب عليه أن يبحث عن المقاطع التي تتعامل مع نفس الحدث أو تقدم نفس التعليم، وعن المقاطع التي تقدم تعليماً مضاداً ظاهرياً. وهو يقوم بذلك لكي يفهم معنى المقطع الذي يقوم بدراسته. ولكي يتيقن من أن تفسيره يتفق وينسجم مع بقية الكتاب المقدس. إن المنهج الذي أشرنا إليه في هذا الفصل هو أساس القيام بدراسة الموضوعات أو بناء لاهوت نظامي. والآن سنتجه إلى تلك الدراسة نفسها.
مراجع مختارة لمزيد من الدراسة
التوافق والانسجام في الكتاب المقدس
– كروكيت، ويليام دي: A Harmony of the Books of Samuel, Kings, and Chronicles: The Book of the Kings of Judah and Israel. Grand Rapids: Baker 1951.
– دانيال، أورفيل إي. A Harmony of the Four Gospels: The New International Version. Grand Rapids: Baker، 1987.
– جودوين، فرانك جي. A Harmony of the Life of Paul: According to the Acts of the Apostles and the Pauline Epistles. Grand Rapids: Baker، 1973.
– نيوسم، جيمس دي. محرر. A Synoptic Harmony of Samuel Kings, and Chronicles: With Related Passages from Psalms, Isaiah, Jeremiah, and Ezra. Grand Rapids: Baker، 1990.
– بنتيكوست، جي دوايت. A Harmony of the Words and Works of Jesus Christ. Grand Rapids: Zondrvan، 1981.
– توماس، روبرت إل، وستانلي إن جندري. The NIV Harmony of the Gospels. Grand Rapids: Zondervan، 1988.
– A Harmony of the Gospels: New American Standard Bible. Grand Rapids: Zondervan، 1978.
وحدة العهدين القديم والجديد
– أرشر، جليسون إل، وجرجيوري سي شيريكيجنو. Old Testament Quotations in the New Testament. Chicago: Moody، 1983.
– جونسون، إس لويس. The Old Testament in the New: An Argument for Biblical Inspiration, Grand Rapids: Zondervan، 1980.
– كايزر، والتر سي. The Uses of the Old Testament in the New Chicago: Moody، 1985.
دراسة الموضوعات
– إلويل، والتر إيه، محرر. Topical Analysis of the Bible: Using the New International Version. Grand Rapids: Baker، 1990.
– جيسلر، نورمان، إل، Christ, the Theme of the Bible. Chicago: Moody The New Nave’s Topical Bible. Grand Rapids: Zondervan، 1986.
– سويهارت، ستيفين دي. Wheaton, III: Victor, The Victor Bible Sourcebook، 1977.
وحدة الكتاب المقدس – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس
كيفية دراسة كلمة من كلمات الكتاب المقدس بشكل سليم
كيفية دراسة كلمة من كلمات الكتاب المقدس بشكل سليم
كيفية دراسة كلمة من كلمات الكتاب المقدس بشكل سليم
المبدأ الإرشادي:
قم بعمل بحث خاص لمعنى كل كلمة غير واضحة ومهمة.
الكلمات هي وحدات البناء الأساسية لفهم معنى أي مقطع. وفي البحث عن المعنى الذي قصده المؤلف، لا بد أن نفكر في معاني الكلمات الفردية، فإن معانيها في كثير من الأحيان لا تكون دائماً بديهية وواضحة.
مثال على سوء فهم الكلمات جاء على لسان إحدى الطالبات في كلية اللاهوت، التي كانت تتحدث في فترة العبادة عن آية في تكوين 24: 27 “إذ كنت أنا في الطريق هداني الرب إلى بيت إخوة سيدي”.
فقد أخذت تعبير “كنت أنا في الطريق” للإشارة إلى مقاومتها الشخصية لمشيئة الله. فقالت إنها على الرغم من شعورها كثيراً بأنها كانت تعرقل بعناد أغراض الله بكونها عقبة “في الطريق”، إلا أنها شعرت أن الله قادها على الرغم من مقاومتها لأنها كانت ابنته! وهكذا بسبب إساءة فهم معنى الكلمات، توصل المفسر إلى معنى معاكس للمعنى الذي قصده المؤلف.
فقد استنتجت أن الله سيقود الإنسان حتى عندما يقاوم هذا الإنسان مشيئته، بينما الآية تقول إنه سيقوده عندما يتبع وصاياه وتعاليمه.
لماذا تسبب الكلمات مثل هذا الارتباك والمتاعب؟ لأنه نادراً ما يكون لها معنى محدد مماثل في جميع السياقات. بل على العكس، فالكلمات يكون لها مدى واسع من المعاني، بحيث أنه في سياق واحد يختلف التركيز على كلمة ما، أو حتى على معنى ما، عن المعنى الذي يقصده المؤلف باستخدام نفس الكلمة في سياق مختلف. بل أنه حتى في اللغة الأصلية للمرء، يكون فهم الإنسان لشخص آخر هو تدريب مستمر على التفسير.
أما في الترجمة فتصبح المشكلة أكثر تعقيداً وتركيباً، حيث أن الكلمة في إحدى اللغات نادراً ما تعني بالضبط ما تعينه هذه الكلمة في لغة أخرى. على سبيل المثال، عندما يحثنا بولس على الصلاة دائماً، يقول حرفياً “كل وقت” (أفسس 6: 18)، وعندما قال المسيح أنه سيكون معنا دائماً، نجد الكلمات المستخدمة حرفياً هي “كل الأيام” (متى 28: 20).
فبالنسية لفهمنا للمعنى المقصود، ربما كنا سنعكس اختيارنا للكلمات، فإننا نميل إلى التفكير بأن المسيح معنا بدون انقطاع في (كل وقت)، وأننا يجب أن نصلي بصورة يومية، وليس كل الوقت (أي أربع وعشرين ساعة يومياً). لكن حدود الفهم لكلمات بولس “كل وقت” يمكن أن تتراوح ما بين المعنى الحرفي بدون انقطاع إلى معنى يومياً، أو كعادة عامة في الحياة اليومية. لذلك يجب على المفسر أن يميز أي من المعنين المحتملين هو الذي كان يقصده بولس عندما أعطانا هذا الحث والتحفيز.
وهكذا فإن مهمة المترجم هي أن يعرف بأقصى دقة ممكنة معنى الكلمة بالطريقة التي استخدمها بها المؤلف في سياقها المحدد، ثم أن يقوم بعد ذلك بالبحث عن كلمة أو تعبير في لغته الأصلية يعطي نفس المعنى بقدر الإمكان.
وعلى المترجم أن يقوم بذلك بأقصى قدر ممكن من العناية. لكن حيث أن المهمة أساساً هي التفسير، فإن الدارس الجاد للكتاب المقدس يقوم بعمل دراسة مباشرة لكل كلمة جوهرية بالنسبة لمعنى المقطع الذي يقوم بدراسته. ففي بعض الأحيان لا تقوم الكلمة المنفردة في الترجمة بتوضيح المعنى؛ وهنا قد يكون التفسير ضرورياً.
إلا أن قولنا أن هناك حدود للمعنى لا يعني أن المرء يمكنه أن يتعرف على كل حدود المعنى ثم يختار منها أفضل معنى يرغب هو في أن يكون المؤلف قد قاله. كلا، فالمؤلف يقصد معنى محدداً في ذهنه.
ودراسة الكلمة سوف تساعد المفسر على تحديد مدى وحدود المعاني للكلمة الواحدة. ومن خلال الفحص الجيد للسياق، يمكن للدارس أن يتعرف على المعنى المقصود في نص معين. فإن كان الله الروح القدس قد اهتم بأن يوحي بالكلمات بعينها، فلا بد لنا أن نكون مهتمين بالبحث عن قصد المؤلف في اختياره للكلمات.
الكلمات الكتابية المستخدمة بمعنى خاص
حيث أن هذه الكلمات تستخدم بمعنى خاص، فإن كلمات فنية مثل “التبرير”، وكلمات استعارية مثل “الموت”، وكلمات عميقة مثل “الخطية” يجب دراستها باهتمام. فمثلاً المجتمع غير المسيحي لا توجد لديه كلمة تعبر عن المفهوم الكتابي للمحبة.
كما أنه لم تكن هناك مثل هذه الكلمة في زمن العهد الجديد. كانت كلمة “Agapē” تستخدم أحياناً في الكلاسيكيات، وكانت تركز على القيمة العظيمة للشيء أو الشخص موضع المحبة، رغم أنها كانت تميل لأن تكون باردة وفكرية. لكن الروح القدس اختار تلك الكلمة بدلاً من الكلمات Philia, eros, storge، وسكب المعنى الإلهي داخلها. فعن طريق الوصية والوصف والمثال، تم إعطاء معنى جديد لكلمة قديمة.
هناك العديد من العناصر في المفهوم الكتابي للمحبة، لم يكتشفها العالم غير المتجدد على الإطلاق. فعلى سبيل المثال، يعتمد السلوك المحب على نوعية أو صفات الشخص الذي يقدم الحب، وليس على قيمة أو أهلية الشخص المستقبل للمحبة. مرة أخرى، ينتقل التركيز من “المحبة” كاسم يصف كيف يشعر المرء، إلى الفعل الذي يصف كيف يتصرف الشخص تجاه الآخر. هذا الانتقال الأساسي في المعنى يضع أساساً لحقيقة جوهرية أخرى تختص بالمحبة.
إذ يمكن للشخص أن يتصرف بطريقة بها محبة رغم أن مشاعره قد لا تقوده للتصرف بهذه الطريقة. هناك العديد من العناصر الأخرى في المفهوم الكتاب للمحبة، ولكنها لا يمكن أن تصبح معروفة للمفسر بدون دراسة دقيقة للكلمة.
إن الدارس الجاد للكتاب المقدس يجب أن يجعل هدفه هو الدراسة العميقة لكل الكلمات العظيمة في الكتاب المقدس. وهذا النوع من الدراسة يمكن أن يكون مهمة تستغرق الحياة بأكملها، ولكنها واحدة من أكثر المهام الممتعة والمفيدة في الدراسة الكتابية
الكلمات التي لها أكثر من معنى
قد لا تكون الكلمة مفهومة في الحال أو بصورة تامة لأن المدى الواسع من معانيها قد يمتد لمفاهيم شديدة الاختلاف. فمثلاً كلمة “الموت” يمكن أن تكون مربكة للغاية لأنها تستخدم بمعاني كثيرة مختلفة. ففي مقطع قصير يقع بين كولوسي 2: 12 و3: 5، يتم استخدام هذه الكلمة بأربعة معاني مختلفة. فهي تشير (1) إلى الموت الجسدي للمسيح؛ (2) إلى حقيقة أن الناس “موتى” قبل أن يصبحوا مسيحيين؛ (3) إلى الناس الذين يموتون إذ يصبحون مسيحيين؛ (4) إلى فكرة أن أولئك الذين ماتوا عليهم الآن أن “يميتوا” أعمال الجسد. وهذه هي فقط البداية.
هناك العديد من الاستخدامات الأخرى لكلمة “موت” في الكتاب المقدس. فمثلاً بولس “يموت يومياً”، وهناك “الموت الثاني”. لذلك فإنه من الأهمية بمكان أن نعرف المعنى المقصود. لقد حل ارتباك عظيم بالكنيسة بشأن كيفية عيش الحياة المسيحية، لأن دارسي الكتاب المقدس لم يهتموا بدراسة المعاني المختلفة للكلمات لتحديد أي معنى هو الذي قصده الكاتب في مقطع معين. لذلك يجب على المرء أن يعرف كل المعاني المحتملة للكلمة لكي يفهم المعنى المحدد المقصود داخل ذلك المقطع.
الكلمات غير الواضحة بسبب مشاكل الترجمة
بعض المشاكل الأساسية تكون متأصلة لأننا لا ندرس الكتاب المقدس في لغته الأصلية. لكن حتى لو كنا ندرسه بلغته الأصلية فإن المشاكل المتأصلة في الترجمة لا تزال موجودة في الأناجيل لأنها ترجع إلى اليونانية أو الآرامية الأصلية التي كان المسيح وتلاميذه يتحدثونها عادة.
الكلمات المختلفة في اللغة الأصلية يمكن ترجمتها بنفس الكلمة الإنجليزية (أو العربية)
ربما تكون الكلمة التي تم ترجمتها “محبة” في يوحنا 21: 15-19 هي أشهر توضيح لهذه المشكلة. فعندما سأل المسيح بطرس إن كان يحبه. أجاب بطرس بكلمة مختلفة. والاختلاف هنا يصعب في الحقيقة ترجمته إلى الإنجليزية (أو العربية)، ونتيجة لذلك، فإنه لا يترجم عادة. لكن من المهم أن ندرس الكلمتان اللتان تم استخدامهما. يشرح ميلتون تيري أن هناك أربعة مجموعات من المترادفات في هذه الأعداد، وليس فقط الكلمات المتعلقة بالمحبة، التي تعتبر شائعة عامة.[1]
فكلمة “جديد” (New) هي كلمة أخرى مهمة تحت هذا التصنيف. ففي النص اليوناني، تشير كلمة neos إلى وجود جديد (مثلاً، علامة تجارية جديدة)، بينما تشير كلمة kainos إلى جانب جديد، إلى عمق جديد، إلى ملء جديد، أو إلى مجال أو هدف جديد. فعندما يقول المسيح، “وصية جديدة أنا أعطيكم أن تحبوا بعضكم بعضاً” (يوحنا 13: 34)، من المهم لفهم ذلك المقطع أن نعرف أن يوحنا استخدم كلمة kainos، بمعنى “جانب جديد” للوصية القديمة.
مثال آخر للصعوبة في الترجمة يكمن في استخدام كلمة “كامل” (perfect). يشعر المرء في الحال بالأهمية اللاهوتية العظيمة لمعرفة أن كلمة “كامل” لا تعني دائماً “عدم وجود أي خطأ أو عيب على الإطلاق”. لكن لكي نحدد ذلك، من الضروري أن ندرس كل الكلمات التي تم ترجمتها “كامل” في الكتاب المقدس باللغة الإنجليزية (أو العربية). فكر مثلاً في النصوص التالية:
“فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل” (مت 5: 48).
“قوتي في الضعف تكمل” (2كور 12: 9).
“أبعد ما ابتدأتم بالروح تكملون الآن بالجسد” (غلا 3: 3).
“تكمل نقائص إيمانكم” (1تس 3: 10).
“لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عمل صالح” (2تيمو 3: 17).
“لأني لم أجد أعمالك كاملة أمام الله” (رؤ 3: 2).
سنجد أن كلمة “كامل” أو “يكمل” في كل من هذه المقاطع يتم ترجمتها من كلمة يونانية مختلفة تماماً. بالطبع سيختلف المعنى اختلافاً بسيطاً مع كل كلمة مستخدمة، رغم أنه قد يكون هناك تداخل في المعنى في بعض الأحيان.
الكلمة في الأصل يمكن ترجمتها بكلمات انجليزية (أو عربية) مختلفة
تماماً كما أن عدة كلمات يمكن ترجمتها “كامل” بالإنجليزية (أو العربية)، فإن الكلمة الواحدة في الأصل يمكن ترجمتها “كامل” في أحد المقاطع، وترجمتها بكلمات مختلفة في مقاطع أخرى. وفيما يلي بعض الأمثلة على ذلك:
“يصلحان شباكهما” (مت 4: 21).
“بل كل من صار كاملاً يكون مثل معلمه” (لو 6: 40).
“آنية غضب مهيأة للهلاك” (رو 9: 22).
“فأصلحوا أنتم الروحانيين مثل هذا بروح الوداعة” (غل 6: 1).
وهكذا بقراءة النص الإنجليزي (أو العربي) فقط، سيكون من الصعب أن نتخيل أن الكلمة الواحدة في اليونانية يمكن ترجمتها بكلمات كثيرة مختلفة في الإنجليزية (أو العربية). ومع ذلك فإن هذا الاختلاف هو الذي يحتاج أن ننتبه له لكي نفهم بالكامل معنى الكلمات الفردية.
من الأمثلة الجوهرية الخاصة باللاهوت والدفاع عن الأديان، الكلمة العبرية “yom”، والتي تترجم “يوم” (day) في الآيات القليلة الأولى من سفر التكوين. أولئك الذين يقولون إن أيام الخلق ليست أياماً تحوي أربع وعشرين ساعة، يشيرون إلى أن “yom” تترجم أيضاً “زمن”، “عصر”، “فترة زمنية”، “فصل” في سفر التكوين فقط.
الأكثر من ذلك، فحتى عندما تترجم يوم، فإنها يمكن أن تشير إلى فترة اليوم أي أربع وعشرين ساعة، أو إلى فترة من الزمن “يوم عمل الرب الإله الأرض والسماوات” (تك 2: 4)، أو إلى نقطة محددة في الزمن “لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت” (تك 2: 17). لكن مهما كانت نتيجة المناقشة المستمرة في الدوائر الإنجيلية، عما إذا كان الله قد خلق في ستة أيام كل منها أربع وعشرين ساعة، أو ستة فترات زمنية، من المهم أن ندرك أن اليوم يمكن أن تكون له معان مختلفة.
باختصار، قد يستخدم الكتاب المقدس كلمات بمعنى خاص، أو قد تستخدم كلمة فردية بمعان متعددة مختلفة. ومرة أخرى، بعض الكلمات تكون غير واضحة بسبب مشاكل الترجمة حيث تترجم كلمات مختلفة في الأصل بنفس الكلمة الإنجليزية (أو العربية)، أو أن كلمة واحدة في الأصل قد تترجم بكلمات مختلفة في الإنجليزية (أو العربية). بسبب هذه العوامل، من الأمور الأساسية أن نصبح ماهرين في التعرف على معاني الكلمات الفردية.
من الممكن القيام بدراسة خاصة للكلمة بدون معرفة كافية باللغات الأصلية. لكن إذا استطاع الدارس المجتهد أن يتعلم بسرعة كل من الحروف الأبجدية العربية واليونانية، وترجمتها القياسية إلى الإنجليزية (أو العربية)، فإنه عندئذ يكون مؤهلاً لأن يستخدم الفهارس والقواميس والشروحات بأكثر فعالية وكفاءة. الإجراء هو إجراء مقترح لتحديد معنى الكلمات المهمة أو غير الواضحة في الكتاب المقدس للذين ليست لديهم معرفة كافية باللغات الأصلية.
استخدام الكلمة في الكتاب المقدس
أولاً، لكي نجد كل الأماكن التي ذكرت فيها كلمة ما، علينا بالرجوع إلى فهرس حصري للكتاب المقدس، مثل فهرس سترونج (فيما يتعلق بترجمة KVJ، انظر الشكل رقم 1)، أو The New American Standard Exhaustive concordance، للتعرف على الكلمة في اللغة الأصلية.[2] وحيث أن هناك أكثر من كلمة واحدة في العبرية أو الآرامية أو اليونانية يمكن ترجمتها بنفس الكلمة الإنجليزية (أو العربية)، كما رأينا، فعلينا أن نهتم بأن نراجع فقط تكرار الكلمة المستخدمة في اللغة الأصلية. ويمكن القيام بهذا الأمر بسهولة بملاحظة الرقم المكتوب في الهامش الأيمن.
ففي حالة كلمة “كامل” في متى 5: 48، نجد الرقم المكتوب هو 5048. فكل الكلمات التي لها نفس هذا الرقم تترجم نفس الكلمة من اللغة الأصلية. فإذا اختلف الرقم، يمكن أن تكون الكلمة في اللغة الأصلية مختلفة تماماً. تشير تلك الأرقام إلى المعجم الموجود في مؤخرة الفهرس، حيث يمكنك أن تجد الكلمة المستخدمة في النص الذي تدرسه. لاحظ كل الكلمات المكررة (التي تم التعرف عليها بواسطة الرقم الصحيح) لتلك الكلمة المدرجة في الفهرس.
بالنسبة لكلمة “كامل”، ستجد نفس الكلمة في يوحنا 17: 23؛ 2كورنثوس 12: 9؛ فيلبي 3: 12؛ وفي كل أنحاء الرسالة إلى العبرانيين ورسالتي يعقوب ويوحنا الأولى. (لاحظ أيضاً أن الكلمات التي لها رقم مختلف في Strong’s Concordance of the Bible يمكن في الحقيقة أن يكون لها نفس الأصل. ويمكن اكتشاف ذلك بسهولة كما هو موضح في حالة كل كلمة في المعجم). من الممكن أن نفحص بسرعة تكرار كلمة ما، وأن نقرأ جزء النص المقتبس في الفهرس.
في معظم الأحيان يكون من الممكن أن نعرف من خلال السياق المختصر للنص المقتبس في الفهرس ما إذا كان استخدام الكلمة في المقاطع الأخرى يتفق مع استخدامه في المقطع الذي تدرسه أم لا. عندما يكون هناك تكرار قليل للكلمة في الكتاب المقدس، كما في حالة كلمة “كامل”، من الحكمة أن نفحص كل المقاطع التي تستخدم هذه الكلمة.
أما عندما يكون تكرار الكلمة كثيراً، ولا يكون عليك أن تجري دراسة حصرية للكلمة، ستحتاج أن تختار فقط تلك المقاطع التي يبدو أن بها احتمال اختلاف بسيط في المعنى أو معان مختلفة. قم بتدوين شواهد تلك المقاطع وافحص السياق الخاص بكل استخدام لها. هذه الدراسة المقارنة البسيطة ستمكنك من معرفة قدر كبير من معنى الكلمة التي تدرسها.
لكنك قد تواجه مشكلة الآن. فكما رأينا، إن الكلمة في النص الأصلي يمكن أن تتم ترجمتها إلى كلمات مختلفة في الإنجليزية (أو العربية) في مقاطع أخرى. فلكي تقوم بدراسة دقيقة للكلمة، تحتاج أن تفحص الكلمة كما يتم استخدامها في تلك المقاطع الأخرى.
دراسة كلمة عبرية. لكي تقوم بدراسة تواجد هذه الكلمة وتكرارها في العهد القديم، تكون أول خطوة هي الرجوع إلى The Englishman’s Hebrew and Chaldee Concordance، أو إلى فهرس دراسة الكلمات. قرب مؤخرة The Englishman’s Hebrew Concordance، ستجد قاموساً انجليزياً يظهر فيه رقم الصفحة التي يمكنك فيها أن تجد الأصل العبري لكلمتك الإنجليزية (انظر الشكل رقم2)[3].
ورغم أنك قد لا تتمكن من قراءة العبرية، يمكنك أن تجد بسرعة الشاهد الكتابي الذي تجد فيه الكلمة التي تدرسها. ففي حالة كلمة “يوم”، ستجد في محاولتك الثانية، صفحة 508، الكلمة التي تسعى لدراستها (انظر الشكل 3).[4] وهذا يقوم بتعريف الكلمة العبرية المحددة، ويمكنك في الحال أن تقارن بينها وبين تكرارها في جميع الأماكن الأخرى في العهد القديم.
دراسة كلمة يونانية. أما بالنسبة لكلمات العهد الجديد، فتكون المهمة أكثر بساطة. فيمكنك أن تذهب مباشرة من الرقم المدون في فهرس سترونج إلى نفس الرقم الموجود في فهرس دراسة الكلمات، وهناك ستجد مدوناً كل تكرار لتلك الكلمة في العهد الجديد (انظر الشكل 4).[5]
في الحقيقة أنه في حالة العهد الجديد، من الممكن استخدام فهرس دراسة كلمات العهد الجديد، والذي فيه يذكر رقم الكلمة اليونانية مباشرة تحت الكلمة الإنجليزية في ترجمة كينج جيمس للعهد الجديد (انظر الشكل 5).[6] هذا الرقم يأخذك مباشرة لذكر الكلمة اليونانية في فهرس دراسة الكلمات (انظر الشكل 4).
عندما يتم استخدام الكلمة عدد محدود من المرات، فإن كل مقطع تستخدم فيه الكلمة يجب دراسته. نتيجة لذلك، يتمكن الدارس من صياغة تعريف تجريبي مشتق من أهم مصدر لتعريف الكلمة، وهو السياق الذي تستخدم فيه الكلمة. يطلق على ذلك “usus loquendi”، أو الطريقة التي كانت تستخدم بها الكلمة في الوقت الذي كتبت فيه. لكن الاستخدام الذي يقدمه مؤلف المقطع هو الأهم، لذلك فإن استخدامه في كل كتاباته يستحق اهتماماً خاصاً.
في بعض الأحيان يتم استخدام الكلمة كثيراً حتى أنه يبدو من غير العملي دراسة كل مقطع تتواجد فيه. في هذه الحالة، من المفيد أن نصنع قائمة بمقطع تمثيلي واحد على الأقل لكل معنى مختلف للكلمة تم اكتشافه من خلال فحص موجز للمقاطع المذكورة في الفهرس، ثم يجب عندئذ دراسة تلك المقاطع.
ليس من المهم فقط دراسة استخدام الكلمة في كل أنحاء العهد الجديد، والتركيز على استخدام المؤلف لها، لكن أي استخدام للكلمة في العهد القديم يستحق الدراسة كذلك، إذ يمكن للكلمة العبرية أن تكون شديدة الأهمية لفهم الكلمة اليونانية، لأن أسلوب التفكير لدى معظم مؤلفي العهد الجديد يتجه إلى العبرية أكثر منه إلى اليونانية.
وبالتالي، فإن استخدام الكلمة عادة ما يصاغ بواسطة التفكير العبري. يمكن تمييز ذلك الأمر فقط من خلال دراسة استخدام العهد القديم للكلمة. وهكذا، فبالنسبة للكلمات اللاهوتية والكلمات الأخرى التي لها أهمية خاصة، يكون من الضروري أن نتتبع المفاهيم حتى أصولها في العهد القديم.
فبدون معرفة باللغات الأصلية يكون من غير الممكن أن نقوم بدراسة مقارنة للكلمات التي لها استخدام محدود. لكن بالنسبة للكلمات الكتابية مثل “المحبة”، والتي تستخدم في كل أنحاء العهدين القديم والجديد، يكون من الممكن عمل دراسة دقيقة للكلمة باستخدام فقط ترجمة انجليزية وفهرس سترونج. وبدراسة استخدام كل من العهد القديم والعهد الجديد، سيتضح العهد الجديد أكثر من خلال العهد القديم. كما أن العهد القديم قد يزداد عمقاً بواسطة استخدام العهد الجديد.
فعلى سبيل المثال، لكي ندرك مفهوم العهد الجديد للإيمان، فإن المرء ينأى عن خطأ كبير وعن فهم أحادي للكلمة إذا دراس مفهوم العهد القديم بجانب مفهوم العهد الجديد لها. فالعهد الجديد يستخدم الإيمان باستمرار في صيغة المفعول، ويمكن ترجمته “أمانة”. فترجمة “البار بإيمانه (بأمانته) يحيا” (حبقوق 2: 4) تركز على المعنى الحقيقي.
وحيث أن بولس قد اقتبس هذا المقطع مرتين، كما اقتبسه كاتب العبرانيين مرة، فإنه أمر شديد الأهمية أن نعرف أنهما لم يستبعدا استخدام العهد القديم، ولكنهما وسعاه بإضافة الاختلاف البسيط في المعنى باليونانية لصيغة الفاعل – بمعنى الاعتماد على الله. ومع ذلك فإن كان فهمنا للإيمان في العهد الجديد محدود بحالة الفاعل فقط، فإن المفسر يكون قد ضل كثيراً عن واحد من المفاهيم اللاهوتية الأساسية، ويكون قد قام بذلك بتجاهل العهد القديم، الذي أتى منه ذلك المفهوم.
البحث في كلمة
بعد أن يستكمل الدارس دراسته لكلمة معينة، يجب عليه أن يتجه إلى المعاجم ودوائر المعارف والمعاجم اللاهوتية والتفاسير والترجمات الخاصة بالكتاب المقدس. لكن الدراسة الشخصية الأولية مهمة للحصول على الحكم الشخصي المستقل، إن حدث والتقى الدارس بتفسيرات مختلفة. إن الترجمات، من ناحية، هي شروحات لمعنى النص حيث أنه من المستحيل الترجمة بدون القيام بنوع من التفسير. لذلك فإنه من المهم أن نفحص أكبر قدر ممكن من الترجمات الإنجليزية.
تتبع تاريخ كلمة
تتبع تاريخ كلمة يمكن أن يساعد الشخص على فهم معناها. ومعاني الأصول قد تكون مفيدة في إلقاء الضوء على معنى الكلمة في الوقت الذي استخدمت فيه في الكتاب المقدس، لكن اشتقاق الكلمة يمكن أن يكون شديد التضليل في حد ذاته. فعلى سبيل المثال، كلمة “كنيسة” بالإنجليزية تعني، حرفياً، “مدعوين”.
لكن هذا لا يساعدنا إلا قليلاً في فهم الطريقة التي يستخدم بها هذا المصطلح في العهد الجديد. فالمرء لن يعتقد مطلقاً أن الكلمة تعني جماعة مدعوة من الله”. قد يكون هذا صحيحاً لاهوتياً، لكن الكلمة، وليس في معناها الأصلي أو في اشتقاقها. وكلمة Agapē هي مثلا آخر لكلمة تقود دراسة الاستخدام الكلاسيكي لها المرء بعيداً تماماً عن فهم استخدام العهد الجديد لكلمة “محبة”.
وكلمة “توبة” في معناها الأصلي قد تشير إلى تغير بسيط في الفكر، لكن، هل هذه هي الطريقة التي يستخدمها العهد الجديد؟ بعض الوعاظ المعاصرين والمفسرين السطحيين يسيئون فهم الكلمات الكتابية العظيمة مثل “يعترف” و”رب”، بالاستخدام المبسط للأصل التاريخي، دون السماح للنص الكتابي نفسه بأن يعرف المعنى.
لكننا يمكن أن نلقي الضوء على معنى كلمة بالبحث عن اشتقاقها ومعناها الأصلي، بشرط أن يستخدم هذا المنهج بحيطة وحذر كبيرين. فمثلاً، دراسة المعنى الأصلي للكلمات المتنوعة التي تترجم “مجد”، و”مجيد”، و”يمجد”، في العهد القديم، يمكن أن يلقى بالضوء على كل أوجه هذه الصفة الخاصة بالله. ففي العهد القديم العبري، هناك عشرة كلمات مختلفة تأتي من أصول مختلفة تماماً يتم ترجمتها في نسخة كينج جيمس، “مجد”.
هناك كلمة واحدة لها فكرة الأصل الجذري التي تعني “العظمة”، و”المظهر المهيب”، و”الجلال”. وقد جاءت الفكرة في النهاية لتعني “رائع الجمال” أو “روعة وسناء”، وهناك كلمة أخرى مشتقة من جذرها تعني “الثقل النوعي”. في الحقيقة، أن عدداً من الكلمات العشرة لها الفكرة الأصلية لمعنى “الثقل”. وهكذا فإن كرامة ومهابة الله هي الفكرة السائدة في تلك الكلمات.
هناك كلمة أخرى تأتي من الفكرة الأصلية “الوضوح والصفاء”، سواء للصوت أو للون، وقد أتت لتعني “اللمعان”، أو “الاشراق”، أو “مرئي بوضوح شديد” وواضح للغاية. بالمثل، هناك كلمة أخرى لها في الأصل فكرة “النقاء”، وتأتي لتحمل معنى “خالص” أو “صرف”، أو “طاهر” أو “بار”، أو “لامع”. كما أن كلمة مثل “مرتفع” أو “واضح وبارز”، تضمنت بالتدريج فكرة “النصرة والتسبيح”.
فعندما نضع جميع هذه المعاني معاً، يمكن للمرء أن يكتشف أنه لكي يمجد الله فهذا يعني أن يجعل روعته وجماله الباهر ظاهر وواضح بطريقة جلية وبارزة. إن تتبع جذور هذه الكلمات يعطي بعداً أعظم وتأثيراً عاطفياً لتلك الكلمة الكتابية المفتاحية التي تستخدم لوصف الله.
المقارنة بين الفروق الدقيقة في المعنى
من المفيد كثيراً لكي نفهم الفروق الدقيقة في معنى كلمة أن نقارنها بكلمات أخرى، سواء كانت مترادفات أو متضادات. ويمكن القيام بدراسة بسيطة من هذا النوع عن طريق فهرس سترونج. فيمكننا أن نراجع كل الكلمات المختلفة في الأصل والتي تمت ترجمتها بنفس الكلمة الإنجليزية. على سبيل المثال، هناك أكثر من عشرين كلمة مختلفة في العبرية واليونانية والتي تتم ترجمتها “كامل” أو “perfect” في فهرس سترونج (انظر الشكل 1).
وهذا النوع من الدراسة له فائدة إضافية حيث أن الدارس لن يقع في الخطأ من خلال استخدامه بصورة غير نقدية مقطع واحد لتفسير مقطع آخر تستخدم فيه نفس الكلمة الإنجليزية لكن كلمة يونانية مختلفة.
إن مقارنة الكلمات التي لها معنى متداخل مفيدة للتركيز على المعنى الدقيق للكلمة المعينة التي نقوم بدراستها. فمثلاً، كلمتي سلطة وقوة يرتبطان ببعضهما البعض ارتباطاً وثيقاً في كل من اليونانية والإنجليزية. وقد بنى يسوع مأموريته العظمى على حقيقة أنه قد دفع إليه كل سلطان في السماء وعلى الأرض (متى 28: 18).
كما أنه صحيح أيضاً أن لديه كل القوة والقدرة. ربما نعتقد أن هذا هو الأساس لتحقيق مهمتنا الصعبة في تلمذة جميع الأمم، لكن بمقارنة ودمج الكلمتين معاً، والتي يمكن لكلاهما أن تترجم “power” فإن هذا يعطينا السبب العميق الكامن لثقتنا عندما نطيع أمره ووصيته. فإطلاق يسوع لقوته وقدرته الديناميكية من خلالنا مبني أساساً على سلطته الكاملة على كل شيء وهكذا فإن دراسة المترادفات تساعدنا على تحديد بأكثر عناية مجال المعنى المقصود.
ملخص الخطوات
دعونا إذاً نلخص الخطوات التي يجب على المرء اتباعها في تحديده للمعنى الذي قصده المؤلف بالنسبة لكلمة معينة. فلكي نقرر المعنى المحدد لكلمة معينة، علينا بتحديد الآتي:
1 – السياق المباشر.
2 – تكرار الكلمة في أماكن أخرى في نفس السفر.
3 – تكرار الكلمة في كتابات أخرى بواسطة نفس المؤلف.
4 – استخدام الكلمة بواسطة مؤلفين آخرين.
5 – المفهوم الأصلي في العهد القديم لكلمات العهد الجديد.
6 – الاستخدامات الأخرى خارج الكتاب المقدس.
جميع هذه الخطوات موجهة نحو العثور على استخدامات الكلمة من خلال دراسة السياقات المختلفة التي وردت بها تلك الكلمة. كما أن هناك مصادر أخرى خارج السياق تشمل:
1 – المعنى الأصلي التاريخي الموجود في المعاجم والتفاسير.
2 – المترادفات والمضادات التي يمكن أن تلقي الضوء على حدود استخدام المعنى.
بعد دراسة الكلمة قد يكون من المفيد أن نضع نتائج الدراسة داخل الصياغة التالية:
1 – قم بتعريف الكلمة بأكثر دقة ممكنة. لكن حاول ألا تقع في خطأ تعريف كلمة بطريقة آلية موحدة. فالكلمات الموجودة في الكتاب المقدس، مثلها مثل الكلمات الموجودة في الصحف اليومية، تختلف في ظلال المعنى من سياق إلى آخر. وتتغير في معناها من جيل إلى جيل. لذلك معنى ذلك المقطع في سياق مدى المعنى الذي اكتشفه بأكمله.
2 – اذكر المشاكل التي سيتم حلها بعد ذلك.
3 – قم بذكر مراجع السفر والمادة الدورية التي استرشدت بها في دراسة هذه الكلمة بحيث تتمكن من مراجعة مصادرك والقيام بمزيد من الدراسات عند اللازم.
4 – لاحظ كل الأفكار التعبدية والتطبيقات، والمواد الوعظية، التي ربما تكون قد استخلصتها من دراستك.
نموذج لدراسة كلمة “طماع”: (Covetous)
لكي نقوم بتطبيق الإرشادات أعلاه بطريقة عملية، دعونا نتتبع هذه الخطوات في كلمة “طماع”. إننا لن نقوم بدراسة الكلمة بالكامل، ولكننا سنوضح كيفية استخدام كل من تلك الإرشادات. إذا استخدمت المصادر التي ذكرناها من قبل، فإن هذا الإجراء سيكون شديد النفع.
السياق المباشر
ستكون رسالة كورنثوس الأولى 6: 9-10 هي نقطة الانطلاق في دراستنا لكلمة “طماع”:
“أم لستم تعلمون أن الظالمين لا يرثون ملكوت الله. لا تضلوا لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مأبونون ولا مضاجعو ذكور ولا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله.”
نفهم هنا أن المقطع نفسه لا يلقي بالكثير من الضوء على المعنى المحدد للكلمة لأنها مذكورة ضمن قائمة من الكلمات المختلفة التي تصف الشخص غير التقي. لذلك فلا توجد أية إشارة إلى ما تعنيه كلمة “طماع”. لكن هناك شيء واحد يمكننا أن نعرفه من السياق: وهو أن الطماع يكون ضمن رفقة سيئة للغاية! فالخطية التي قد يعتبرها معظم الناس شائعة للغاية وليس شديدة السوء، تذكر بجانب الزنى وعبادة الأوثان ومضاجعة الذكور والسرقة.
بل الأكثر من ذلك، فإن السياق يجعلنا نعرف أن الله يراها باعتبارها شديدة الخطورة: فالشخص الطماع لن يدخل أبداً ملكوت الله. هناك فكرة أخرى من سياق أبعد: وهو أن المقطع كله يتعامل مع أولئك الذين كانوا يرفعون قضايا ضد رفاقهم المسيحيين. فيسأل بولس: “لماذا لا تظلمون بالحري. لماذا لا تُسلبون بالحري”. بكلمات أخرى، فإن الطمع ليس أمراً عرضياً في تلك القائمة المريعة – بل يبدو أنه هو الخطية الأساسية التي كانت في ذهن بولس.
لكن السياق لا يساعدنا على تعريف معنى الكلمة، لذلك يجب أن نبحث عن استخدامها في مكان آخر.
استخدام الكلمة في بقية السفر
والآن دعونا نستعين بفهرس سترونج، ونكتشف أن كلمتنا pleonekēs، هي رقم 4123. وسنجد في الحال أن نفس الكلمة تذكر مرتين في كورنثوس الأولى 5: 10-11. ففي ذلك السياق نجد الآتي:
“وليس مطلقاً زناة هذا العالم أو الطماعين أو الخاطفين أو عبدة الأوثان وإلا فيلزمكم أن تخرجوا من العالم. وأما الآن فكتبت إليكم إن كان أحد مدعو أخاُ زانياً أو طماعاً أو عابد وثن أو شتاماً أو سكيراً أو خاطفاً أن لا تخالطوا ولا تؤاكلوا مثل هذا”.
استخدام بولس هنا في المقطع المجاور يدعم شعورنا بأن خطية الطمع – أياً كان معناها – هي خطية شديدة الخطورة. فهي تدرج هنا في قائمة خطايا مشابهة، وقد حذرنا بولس ألا تكون لنا علاقة بالشخص الذي يدعو نفسه مسيحياً، ولكنه يكون طماعاً. كما أن لدينا فكرة أنه من علامات هذه السمة الخاطئة هو أن يأخذ المسيحي أخاه للمحكمة لكي يعوض خسائره المالية أو المادية.
قبل أن نتجه إلى الخطوة إلى الخطوة التالية، سنلاحظ في فهرس سترونج أن هناك كلمة أخرى (برقم مختلف) تظهر في صيغة (covet) بالإنجليزية، في 1كورنثوس 14: 1 “لكن جدوا للمواهب الروحية”، و”جدوا للتنبؤ” (14: 39).
إننا عادة نتساءل إن كانت كلمة “covetous”، وكلمة “covet”، تأتيان من نفس الجذر. فكلمة covet في هذا المقطع هي رقم 2206، وعندما نفحصها سنجد أن لها جذراً لغوياً مختلفاً – ولا توجد صلة بينهما. وعلى الرغم من أن هذا الأمر لا يساعدنا على تعريف كلمتنا، إلا أننا سنتمسك به لاحتمال استخدامه عندما نأتي إلى المترادفات.
استخدامات أخرى بواسطة نفس المؤلف
يستخدم بولس كلمة pleonekēs (رقم 4123) في أفسس 5: 5، والسياق يساعدنا على تحديد معنى هذا المصطلح. فهو يقول إن الشخص الطماع هو عابد أوثان. فالشخص الطماع يعبد شخصاً أو شيئاً غير الله. لا عجب إذاً أن يتعامل بولس مع هذه الخطية بمثل تلك الجدية! ففي نفس هذا المقطع نجد كلمة covetousness ولاحظ أنها رقم 4124 في فهرس سترونج. عندما تفحص الكلمة، ستجد أنها صيغة أخرى لنفس الكلمة، وهكذا فإن ذلك يعطينا مقاطع أخرى لكي نفحصها.
هناك العديد من الأمثلة مثل هذه، مثل كورنثوس الأولى 5-6 (السابقة)، والتي هي عبارة عن قوائم من الخطايا. هناك حقيقة مدهشة يجب أن نلاحظها وهي أن الطمع يظهر عادة في قائمة من الخطايا الجنسية. فربما يكون هناك تلميح فيه للشهوة الجنسية أيضاً. ففي كولوسي 3: 5، نجد مرة أخرى فكرة أن “الطمع هو عبادة أوثان”. الأكثر من ذلك، يوضح هذا المقطع أن غضب الله يأتي على غير المسيحيين لأجل هذا النوع من السلوك (أو الاتجاه؟)، وأن المسيحيين يجب أن يطرحوا عنهم هذه الأمور.
إلا أن بولس يستخدم هذه الكلمة في 2كورنثوس 9: 5 بطريقة غريبة. ففي المقطع الذي يحث فيه المؤمنين على العطاء بسخاء، يخبرهم بأن يعدوا تقدمتهم مقدماً. لماذا؟ لكي العطية كنوع من البركة “bounty”، وليس البخل “covetousness”. يبدو من ترجمة كينج جيمس أن هناك تضاد بين البركة والبخل (أو الطمع).
لكن هذا ليس له معنى، حيث أنه يبدو وكأنه يعني أن الشخص يمكنه أن يعطي الكثير لأنه طماع “covetous” – وهذا عكس المعقول أو المنطقي! لكن الفحص السريع للمعجم اليوناني في فهرس سترونج يعطينا معنى آخر محتمل: هو الابتزاز “extortion”. وبالنظر إلى ترجمات أخرى نجد أن الكلمة تتفق بالفعل مع ما يعنيه بولس هنا: أعطوا بسخاء لأنكم تريدون ذلك، وليس لأنكم مجبرون (كنوع من الابتزاز).
وهكذا فإن الكلمة التي كثيراً ما يتم ترجمتها “covetousness” (أي طمع أو شهوة)، يجب في الحقيقة أن تترجم بطريقة أخرى هنا. فلا تقع في خطأ محاولة استخدام هذا المقطع في تعريف الطمع.
يساعدنا بولس على فهم أن الطمع هو أمر مريع وأنه شكل من أشكال عبادة الأوثان. ويمكننا أن نراه في شخصية الإنسان الذي يحتال على شخص آخر أو يصارع بطريقة خاطئة لكي يحافظ على ممتلكاته أو يستردها. وكثيراً ما ترتبط هذه الخطية بالخطايا الجنسية. لكن، حتى الآن لا يوجد لدينا تعريف لكلمة الطمع.
استخدام الكلمة بواسطة مؤلفين آخرين
عندما نفحص أكثر استخدام العهد القديم للكلمة، سنجد نفس هذا الأمر: قوائم من الخطايا بدون تعريفات. فيبدو أننا في طريق مسدود في محاولة العثور على تعريف لتلك الكلمة. لكن، هل هناك أي ظهور لتلك الكلمة في مواضع أخرى يتم فيها ترجمتها بكلمات إنجليزية أخرى؟ إن كان كذلك، فإنها ستتيه منا في ترجمتنا الإنجليزية، إذ أنها لن تظهر تحت كلمة covetous في فهرس سترونج.
لكن الفحص السريع لفهرس دراسة الكلمات سيظهر أنه لا يوجد هناك ظهور آخر لهذه الكلمة في ترجمة كينج جيمس. وهذا يعني أنه بالنسبة لكلمة طماع “covetous”، إذا كنت تستخدم ترجمة كينج جيمس، فإنك ستتمكن من فحص كل تكرار لهذا الكلمة بواسطة فهرس سترونج. لكن، إذا كنت تستخدم ترجمة أخرى، فإن هناك احتمال أن تحتاج لفحص دراسة الكلمات لكي تجد كل تكرار آخر للكلمة.
عندما نقوم بدراسة المترادفات، سنجد مصادر وفيرة ومتعددة لتعريف كلمة “covetous” من خلال مقاطع العهد الجديد التي تحوي قدراً كبيراً من التفصيل الخاص بمعانيها، ودلائلها، وعواقبها. ففي رسالة بطرس الثانية (2: 14)[7]، نجد تلميحاً مفيداً عن معناها. وهنا نجد قائمة أخرى، ولكن القائمة تكون في سياق مثال بلعام.
يعود بنا بطرس مرة أخرى إلى العهد القديم للحصول على التعريف. فهناك الكثير من أفكار العهد الجديد تأتي من العهد القديم. كان بلعام هو النموذج الأولي للطمع. فصراعاته، وهزيمته، وهلاكه من خلال طمعه هو صورة بيانية واضحة لمعنى هذه الكلمة، ولنتائج هذه الخطية. فدعونا نعود إلى العهد القديم.
استخدام العهد القديم للكلمة
سنجد تعريفات لهذا المصطلح بمجرد أن نعود إلى العهد القديم. فمن بين الوصايا العشر نقرأ: “لا تشته بيت قريبك ولا تشته امرأة قريبك ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئاً مما لقريبك” (خروج 20: 17). ففي كنعان، قال عاخان أنه رأى غنيمة، فاشتهاها، وأخذها (يشوع 7: 26). فنرى هنا تعريفاً يظهر من استخدام الكلمة في العهد القديم – أن تشتهي شيئاً ليس من حقك.
هذا المعنى يتم تدعيمه في استخدامات أخرى في العهد القديم. فنجده مثلاً في “اليوم كله يشتهي شهوة أما الصديق فيعطي ولا يمسك” (أمثال 21: 26). فشهوة الحصول على شيء تتناقض مع العطاء بكرم وسخاء، ولذلك فإن الاشتهاء يتم تعريفه بعكسه وضده. يخبرنا النبي ميخا عن نوع من الاشتهاء، حتى الأمريكيين الماديين يمكن أن يمقتوه:
“ويل للمفتكرين بالبطل والصانعين الشر على مضاجعهم في نور الصباح يفعلونه لأنه في قدرة يدهم فإنهم يشتهون الحقول ويغتصبونها والبيوت ويأخذونها ويظلمون الرجل وبيته والإنسان وميراثه” (ميخا 2: 1-2).
وهناك بعد جديد يضاف في مزمور 10: 3. فليس يجب علينا أن نمتنع نحن أنفسنا عن الشهوة، ولكننا يجب أن نشترك مع الله في مقت الذين يشتهون! يثور الأنبياء ضد الطمع والشهوة ويربطونها باستمرار بخطايا أخرى. وهكذا فإن بولس لم يكن يفعل أكثر من اتباع سابقة العهد القديم. ومع ذلك، فعندما نفحص كل الشواهد الواردة في فهرس سترونج لكلمة يشتهي “covet”، فإننا في الحقيقة لن نجد الكثير منها.
فهل من الممكن أن تكون هنا مقاطع أخرى التي فيها تترجم نفس الكلمات العبرية بكلمات انجليزية غير covet؟ لكي نعرف ذلك، لا بد أن نعود إلى Englishman’s Hebrew and Chaldee Concordance. ففي قائمة الكلمات الإنجليزية التي تندرج تحت كلمة covet، سنجد أرقام الصفحات: 29، 263-64، 437.
لقد وقعنا الآن على منجم ذهب! فالكلمة التي ترجمت covet أو يشتهي، في الوصايا العشر، تستخدم في كل أنحاء العهد القديم، وفي معظم الأحيان تقريباً بمعنى جيد: فالعروس في نشيد الأنشاد تقول “تحت ظله اشتهيت أن أجلس” (نش 2: 3)، وكلمة الله هي “أشهى من الذهب” (مز 19: 10)، والله نفسه يشتهي، “الجبل الذي اشتهاه الله لسكنه” (مز 68: 16)، أيضاً خليقته “شهية للنظر وجيدة للأكل” (تك 2: 9).
كما أن هناك أيضاً المعنى السلبي للشهوة الجنسية (أم 6: 25). هناك كلمة أخرى تم ترجمتها “covet” مرتين فقط، يتم استخدامها سبعة وعشرين مرة بمعنى “الشهوة”، أو “الرغبة”، أو “الشوق”. أما ثالث كلمة أساسية تبدو أقرب لاستخدامنا الكتابي فهي كلمة bâtsa (ص 263)، والمذكورة في مزمور 10: 3. في أغلب الأحيان تقريباً يكون لها المعنى السلبي، وتصف مشاعر الله تجاه الطماعين، الذين يسعون وراء كسب المال. وفي بعض الأحيان (لكن ليس دائماً) يتم ترجمتها “كسب غير مشروع”.
إن الدراسة السليمة لاستخدام العهد الجديد للكلمة ودراسة سياق المقاطع المفتاحية، هي أبعد من مجال هذا النموذج الموجز لدراسة كلمة. لكننا بفحص مجرد الفهرس، اكتشفنا المصدر الجذري لمعنى كلمة شهوة أو طمع. فيبدو أن الله يمقت الطمع بقدر ما يمقت عبادة الأوثان والزنى، اللتان تعتبران خطيتان عظيمتان في العهد القديم.
استخدام الكلمة خارج الكتاب المقدس
يقوم معجم A Greek-English Lexicon of the New Testament and Other Early Christian Literature[8]، يقوم باقتباس العديد من المصادر من خارج الكتاب المقدس للكلمة التي تستخدم في رسالة كورنثوس الأولى 6: 9-10، “pleonekēs”. ويبدو فيها أن الفكرة أقوى من استخدامنا الشائع لكلمة الطماع: الجشع، والنهم الذي لا يشبع، والبخيل.
تاريخ الكلمة
يشير فهرس سترونج إلى دمج جذر كلمتين، اللتين تعبران عن فكرة “المزيد”، و”الامتلاك”. لا يوجد هنا الكثير من الفهم الإضافي، إلا في أن الفكرة الجذرية هي أقوى من مجرد الرغبة في الحصول على شيء ما ليس لدى المرء.
المترادفات والمتضادات
باعتبار كل من المترادفات اليونانية والعبرية، لقد ألقينا الضوء بقدر كبير بالفعل على المعنى، والآن بالعودة إلى إشارات سترونج إلى covet, coveted, coveteth, covetous covetousness، فإننا نكتشف مترادفات إضافية شديدة الأهمية. ربما يكون المقطع المفتاحي في كل الكتاب المقدس عن موضوع الطمع هو لوقا 16.
ففيه يوصف الفريسيون بأنهم طماعون ومحبون للمال (رقم 5366؛ في الطبعات السابقة كان الرقم 5566، خطأ مطبعي). فالكلمة نفسها، مثلها مثل المقطع، مفيدة لإظهار المعنى. فجذر كلمة philarguros مركب من كلمتين “محبة” و”الأشياء البراقة”، وقد جاءت لتشير إلى العملات الفضية أو المال. وهكذا فقد كان الفريسيون حرفياً، محبون للمال. يخبرنا لوقا 16 الكثير عن النتيجة النهائية لهذا النوع من الحياة – بل بالأكثر بعكس ما كان يعلمه اللاهوت اليهودي في ذلك الوقت.
وهناك استخدام آخر لهذا الترادف وهو أن يكون هناك alpha في بداية الكلمة (a في اليونانية)، مما يجعلها سلبية: unavaricious. وتعتر هذه واحدة من مؤهلات الأساقفة والشيوخ (1تيمو 3: 3). كما يوجد مرادف آخر لا يستخدم كثيراً، وهو hēdone (رقم 2237). وهذه الكلمة مهمة لأن المقطع المفتاحي الذي يفحص طبيعة ونتائج الطمع يستخدم تلك الكلمة، في يعقوب 4: 1-4.
تتم ترجمة هذه الكلمة شهوة “lust” في نسخة كينج جيمس، لكنها تترجم covet في الطبعة الدولية الجديدة (NIV)[9]. وكما رأينا من قبل، فإن عكس الطمع والشهوة هو العطاء بسخاء. كما يوجد تضاد آخر لها هو “الاكتفاء” أو “القناعة”، “أما التقوى مع القناعة فهي تجارة عظيمة” (1تيمو 6: 6).
الاستعانة بالمعاجم والتفاسير
يخصص أشهر القواميس،[10] The Theological Dictionary of the New Testament ثماني صفحات لكلمة “طماع”. لكننا في مجال دراستنا هنا يمكننا أن نشير فقط إلى أمثلة لتلك المفاهيم. في العالمين اليونانيين غير اليهودي وغير المسيحي، كانت الكلمة تعني في الأصل “الحصول على المزيد”، ثم أتت لتعني بعد ذلك، “تلقي المزيد”، وأخيراً أصبحت تعني “الرغبة في المزيد”.
لقد كانت تعني الرغبة القوية ليس فقط في المزيد من الممتلكات، بل أيضاً في مزيد من القوة؛ والمزيد من الشهرة؛ والمزيد من المتعة، خاصة المتعة الجنسية. كانت الكلمة تستخدم كثيراً في الذهاب إلى ما هو أبعد من الرغبة، إلى أخذ فعلياً ما هو ملك الآخرين. وقد تم اعتبارها أعظم الشرور لأن التوازن والتوافق الداخلي للشخص وللمجتمع الإنساني يقع ضحية للطمع. فالأمر المثالي هو الاكتفاء والاعتدال.
في الأدب اليهودي المكتوب باليونانية، مثل الترجمة السبعينية، تكون الفكرة هي “الكسب غير المشروع”. إن استخدام العهد الجديد لتلك الكلمة اليونانية بالتحديد يتم عادة بواسطة بولس (خمسة عشرة مرة من إجمالي تسعة عشر)، ويكون فيها معنى “الكفاح لأجل الحصول على الممتلكات المادية” محتمل وجوده في كل حالة (بعيداً عن 2 كور 2: 11). فاستغلال الإنسان لأخيه هو بالتأكيد الفكرة الأساسية فيها. أما فكرة عدم الاعتدال والإسراف في الطعام والشراب، فهي تدخل أيضاً ضمن استخدام العهد الجديد.
هناك نقطتان فقدناهما في دراستنا السابقة قد ظهرتا للعيان بواسطة القاموس اللاهوتي للعهد الجديد. ففي رومية 1: 29، نجد أن الشهوة هي “واحدة من الحقائق الأساسية التي فيها تحقق ترك الله الكلي للجنس البشري”.[11] فالحقيقة أن الله تخلى عن الجنس البشري لأن الناس لم يكونوا شاكرين. وهنا نتعرف كذلك عن التركيز الخاص على الشهوة كخطية للقادة المسيحيين. لقد رأينا من قبل أن غياب تلك الخطية كان هو الشرط المسبق لشغل منصب القائد أو الأسقف. لكن بالإضافة إلى ذلك، عانى بولس آلاماً عظيمة لكي يوضح أن دافعه الشخصي لم يكن الطمع أو الشهوة (2كور 7: 2؛ 8-9؛ 1تس 2: 5).
ملخص ما تم اكتشافه
من الدراسة لكلمة شهوة أو طمع، يمكننا أن نستخلص عدة حقائق بشأن تلك الكلمة وعملة دراسة الكلمة نفسها:
1 – التعريف: أن تشتهي يعني أن تسعى للحصول على شيء أو شخص أو منصب أو اعتبار أو متعة ليست هي مشيئة الله بالنسبة لك. لاحظ أنني استخدمت كلمة يسعى، وليس يرغب. بالتأكيد، تبدأ هذه الخطية بالرغبة، ولكنها تنمو حتى تصل إلى الفعل. وهي تكمن في جذور كل أنواع الخطايا المختلفة (1تيمو 6: 10). فهي ليس مجرد الرغبة في المزيد، ولكنها السعي لتحقيق ذلك واشتهائه والعمل لأجل امتلاكه.
2 – المشاكل المتبقية: المشكلة الرئيسية هي تعريف بالتحديد درجة الشهوة المقصودة عندما يتم ذكرها مع تلك الخطايا الخطيرة التي تمنع الشخص من دخول ملكوت الله. هل هي الرغبة البسيطة في الحصول على شيء ليس لدى المرء؟ هل هي أسلوب حياة جشع ونهم؟ هل هي الاثنين معاً أم شيء ما بينهما؟
3 – المراجع: المصادر التي استرشدت بها مذكورة في كل أنحاء نموذج دراسة الكلمات السابق.
4 – التطبيق: كما يمكن أن نرى في مسار هذه الدراسة، فإن التطبيقات متعددة. ولكي نذكر القليل من الأمثلة نقول أن الشهوة هي خطية شديدة البشاعة حتى أنها تفصل الشخص عن الله، وتدمر المجتمع، وتكسر الشركة في الكنيسة، وهي الموضوع العادل لتأديب الكنيسة، كما أنها تأتي بغضب الله على البشر في هذا الزمن وبغضبه على الطماعين في الأبدية. إنها إغراء خاص للخادم المسيحي، وهي تحرمه، عن حق، من الخدمة. إنها شكل من أشكال عبادة الأوثان، عن طريق استبدال الله الحي بأشياء أخرى.
إن الرغبة في الحصول على أشياء والاستمتاع باللذة، والنجاح ليست شراً في حد ذاتها. ولكن تشويه تلك الرغبات التي أعطاها لنا الله، والسعي لما هو ليس مشيئة الله تجاهنا هو خطية مريعة ومدمرة. تصبح روح الشهوة والطمع مرئية في الأشخاص الذين يسرقون ويشهرون بالآخرين، ويشتهون شهوات جنسية، ويتشاجرون مع إخوتهم المسيحيين لأجل استرداد خسائر مادية.
كما تسود روح الطمع كذلك أولئك الذين يخططون للحصول على مكاسب ظالمة وغير مشروعة، والذين يسعون لنوال التقدير والاعتبار، والذين يعطون بشح وتذمر. لا عجب إذاً أن يتعامل الكتاب المقدس مع الشهوة والطمع بمثل هذه القسوة!
لقد غطينا في هذا الفصل تقرير عملي لدراسة كلمة بصورة فعلية، وسجلناه خطوة بخطوة. ولكنه ليس منتج كامل بنتائج نهائية، إنه مجرد نموذج لدراسة كلمة يمكنك أن تقوم به الآن بالأدوات التي لديك. فإذا اتبعت الإرشادات، ستجد دراسة كلمات الكتاب المقدس واحدة من أكثر الأشكال الممتعة والمثيرة لدراسة الكتاب المقدس.
مراجع مختارة لمزيد من الدارسة
– بالز، هورست، وشنيدر، جيرهارد، محرران. Exegetical Dictionary of the New Testament المجلد الأول، ترجمة فيرجيل بي هوارد وجيمس دبليو تومسون. Grand Rapids: Eerdmans, 1990.
– بوترويك، جي جوهانز، وهيلمر رينجرين، محرران. Theological Dictionary of the Old Testament 6 مجلدات. ترجمة جون تي ويليز Grand Rapids: Eerdmans 1978.
– بروان، كولين، محرر. Word Meanings in the New Testament. Grand Rapids: Baker, 1986.
– جودريك، إدوارد دبليو، وجون آر كولينبرجر، NIV Exhaustive Concordance. Grand Rapids: Zondervan, 1990.
– هاريس آر إل، جليسون آرشر، وبروس كي ولتيك، محررون. Theological Workbook of the Old Testament مجلدان. Chicago: Moody, 1980.
– كيتل، جيرهارد، وفريدريك جيرهارد، محرران. Theological Dictionary of the New Testament 10 مجلدات. ترجمة جيوفري دبليو بروميلي. Grand Rapids: Eerdmans, 1964.
– كولينبرجر، جون، محرر. The Expanded Vine’s Expository Dictionary of New Testament Words. Minneapolis: Bethany House, 1984.
– The New American Standard Exhaustive Concordance of the Bible. Nashville: Holman, 1981.
– روبرتسون، إيه تي. Word Pictures in the New Testament. 6 مجلدات. Grand Rapids: Baker, 1982.
– تيري، ميلتون إس. Bible Hermeneutics. أعيد طبعه عام 1909. Grand Rapids: Zondervan, 1974.
– ويجرام، جورج في، ورالف دي وينتر Word Study Concordance. Pasadena, Calif: William Carey Library, 1978.
– وينتر، رالف دي، وروبرتا إتش وينتر. Word Study New Testament. Pasadena, Calif. William Carey Library, 1978.
– ويست، كينيث، Wuest’s Word Studies of the New Testament. 4 مجلدات Grand Rapids: Eerdmans, 1966.
[1] ميلتون إس تيري، Biblical Hermeneutics (معاد طبعه 1909؛ Grand Rapids: Zondervan, 1974) صفحة 200.
[2] جيمس سترونج، Exhaustive Concordance of the Bible طبعة منقحة (Nashville: Abingdon, 1980) وThe New American Standard Exhaustive Concordance of the Bible (Nashville: Holman, 1981). بالإضافة لذلك يوجد أيضاً، The NIV Exhaustive Concordance (Grand Rapids: Zondervan, 1990) تخدم نفس الهدف بالنسبة لمن يستخدمون ترجمة الطبعة الدولية الجديدة.
[3] Englishman’s Hebrew and Chaldee Concordance (Grand Rapids: Zondrvan, 1976).
[4] نفس المرجع السابق.
[5] جورج في ويجرام ورالف دي وينتر، Word Study Concordance (Pasadena, California: William Carey Library, 1978).
[6] رالف دي وينتر وروبرتا إتش وينتر، Word Study New Testament (Pasadena, Calif.: William Carey Library, 1978).
[7] جيمس بار، Semantics of Biblical Language (New York: Oxford U., 1961)، ص 107.
[8] ويليام إف ارنت ووليبور إف جينجريتش، A Greek-English Lexicon of the New Testament and Other Early Christian Literature (Chicago: U. of Chicago, 1952).
[9] The Holy Bible: New International Version (Grand Rapids: Zondervan, 1984).
[10] جيرهارد كيتل وجيرهارد جينجريتش، The Theological Dictionary of the New Testament. 9 مجلدات (Grand Rapids: Eerdmans 1964).
[11] نفس المرجع السابق 6: 272.
كيفية دراسة كلمة من كلمات الكتاب المقدس بشكل سليم
دراسة الكتاب المقدس أكاديميا
دراسة الكتاب المقدس أكاديميا
دراسة الكتاب المقدس أكاديميا
المقالة السابقة: طرق استعمال الكتاب المقدس في الكنيسة
نعني بالدراسة الأكاديميّة تلك الرسميّة والنظاميّة على مستوي الجامعات والكليّات والمدارس اللاهوتيّة التي ازدهرت أوَّلاً في أوروبا الغربيّة وأميركا الشماليّة، واليوم في كلّ العالم[1]. يُسلَّم بأنّ الدراسة علميّة إذ أنَّها تتبع نظامًا من المعايير والطرائق التي طُوّرَت في تقليد أكاديميّ طويل في الفنون والإنسانيّات. هذا التقليد الأكاديميّ يستحق اعتبارًا متأنيًّا ليس فقط لإنجازاته المؤثّرة بل أيضًا لتأثيراته المُمزِّقة في ما يخصّ كلّ المقاربات التقليديّة للإنجيل.
التقليد الليبراليّ للدراسات الكتابيّة، على تعقيده وتنوّعه، يشكّل بالواقع تقليدًا جديدًا ويمثّل جماعة جديدة أي جماعة من الباحثين باعتماماتهم وافتراضاتهم التي تتعدّى الطرائق المحدّدة. إيديلوجيا البحث الأكاديميّ غالبًا ما أدّت إلى أحكام متطرّفة حول سلطة الكتاب كما حفظها كلّ المسيحيّين تقليديًّا. إضافةً، سيطرة هذا البحث أدّت بشكل تدريجيّ إلى ظهور افتراض مرعِب هو أنَّ الباحثين وحدهم يستطيعون فعلاً معرفة الكتاب فكانت نظريّة حمقاء ومتغطرسة. المحطّط التالي للنقد الكتابيّ موسّع بتقويم أكثر تفصيلاً للبحث الكتابيّ المعاصر في الفصل الخامس.
الدراسة الكتابيّة الأكاديميّة المسيطرة والتي تتمّ كبحث علميّ على أساس النقد التاريخيّ والأدبيّ هو نتاج العالم الحديث، وترتبط بشدِّة بآلام ولادة الحضارة الغربيّة المعاصرة التي وسمتها عوامل الإصلاح، الحروب الدينيّة، ارتقاء العلوم، ردّةُ الفعل الفكريّة على الأشكال الجامدة في كلا الكثلكة والبروتستانتيّة، ومع اعتناق المنطق على أنّه الطريق الرئيس للحقّ والتقدّم البشريّ[2].
مع وجود عناصر التحرّر من سلطة الكنيسة واستعمال العقل المستقلّ، كان باستطاعة النقد الكتابيّ أن ينمو فقط في العالم البروتوستانتيّ، ولكن ليس من دون لذع مرّ وانقسامات داخليّة بين البروتوستانت إلى معسكرات: ليبراليّين، محافظون أو إنجيليّين، ومتشدّدين[3]. منذ البدء، أيّد النقد الكتابيّ قراءة معزولة وفكريّة للكتاب، “كأيّ كتاب آخر”، وعزّز العدائيّة نحو المعتقدات المسيحيّة التقليديّة.
وسعى إلى اكتشاف دين يسوع “الطبيعيّ الصافي” في مواجهة الدين المشوّه عن المسيح، الذي خلقته الكنيسة وعقائدها، والذي من المُحتَمَل أنّه سبّب الخلافات والحروب. صار يُنظَر بتشكيك مميّز إلى تعاليم العهد الجديد المركزيّة، كألوهة يسوع كابن الله والعجائب المدوّنة في الإنجيل، بما فيها قيامة يسوع. ممكن أن نعزو هذه الأفكار وأخرى مشابهة لها، أي عدائيّة تجاه المسيحيّة التقليديّة، إلى العقلانيّين الإنكليز أمثال جون لوك (1632-1704) والألماني ج. إيزليسنج (1729-1781).
هذه الأفكار نمت وتطورّت بطرائق مختلفة مع عدد من العلماء الألمان أمثال J. S. Sempler (1725-1791)، F. C. Baur (1792-1860)، ج. فيلهوزن (1842-1918)، أزهارنك (1851-1930)، ر. بولتمن (1884-1976)، ومازالت تظهر اليوم عبر أعمال الأميركيّ روبرت فانك Funk الذي يُعتَبَر القوّة الموجِّهة لـ”منتدى يسوع Jesus Seminar” الراديكاليّ[4].
لم يتقدّم النقد الكتابيّ بشكل خطّ مستقيم إنّما عبر قوى مختلفة ومدارس متعدّدة مثل توبنجن Tübingen، “تاريخ الأديان” والبولتمانيّة. وفي الوقت ذاته، لم يكن كلّ النقاد الكتابيّون راديكاليّين. فيما كان النقد الكتابيّ يكتسب قبولاً في البروتستانتيّة السائدة، كان الحدّ العدائيّ الموروث يتلطّف، يُخبّأ بمَكر، أو حتّى يُبرَّر باسم البحث العلميّ. بعض الباحثين البروتستانت المنتمين إلى الخطّ الرئيس رفعوا أصواتهم منتقدين النقد الكتابيّ في أطرافه التقنيّة، التاريخيّة والفلسفيّة[5].
لقد تميّز هذا الحقل بمجمله بإيدلوجيّة عقلانيّو وعنصر مميّز من الراديكاليّة التنويريّة، مع الاعتراف باكتشافاته اللامعة التاريخيّة والكلاميّة. قال ويليام بيرل بهذا الشأن: “تاريخ النقد الجديد منذ نهايّة القرن الثامن عشر إلى الثلثين الأوّلين من القرن العشرين هو بشكل واسع تلاوة أفكار التنوير مع بعض التغييرات”[6].
ليس مفاجئًا أنّ النقد الكتابيّ لم يجد بسهولة قبولاً في الكنيسة الرومانيّة الكاثوليكيّة[7] مع أنّ أحد أوائل الروّاد كان الواعظ الفرنسيّ ر. سيمون (1638-1712) المرتّد عن البروتوستانتيّة. إلاّ أنّ الدراسات الكتابيّة الكاثوليكيّة بقيت دفاعيّة إلى النصف الثاني من القرن العشرين. ظهر باحثان كاثوليكيّان عظيمان في أوائل القرن العشرين، م. ج. لاغرانج (M. L. Lagrange) وأ. لوازي (A. Loisy). لاغرانج أسّس المدرسة الكتابيّة في أورشليم ومجلة Revue Biblique، وبرهن بشكل مقنع إمكانيّة قيام البحث الكتابيّ بدون أن يتعارض بالضرورة مع الإيمان والكنيسة.
لوازي وهو عالم بفقه اللغة موهوب ومفسّر، سقط في التطرّف النقديّ وحُرم (1908) على أنّه قائد هرطقة عصرانيّة (Modernist). [العصرانيّة هي حركة في الفكر الكاثوليكيّ سعت إلى تأويل تعاليم الكنيسة على ضوء المفاهيم الفلسفيّة والعلميّة السائدة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين]. قبل هذا، تأسّست اللجنة البابويّة الكتابيّة (1902) للسهر على التفسير الكتابيّ.
لم ترتفع الغيمة خوف الباحثين الرومانيّين الكاثوليك إلاّ عند الرسالة البابويّة Divino Afflante Spriritu (1943)، وهي شرعة الدراسة الكتابيّة الكاثوليكيّة الحديثة التاريخيّة النقديّة.
على أساس هذه الشرعة، وبالتوجيه المشجّع من اللجنة الكتابيّة، أتى البحث الكتابيّ الكاثوليكيّ إلى كامل النضج خلال الخمسين سنة الأخيرة عبر عمل علماء عديدين أمثال الفرنسيّين J. Danielou – P. Benoit والبلجيكيّين A. Descamps – L. Ceraux والألمانيّين R. Schnacknburg – J. Scmid، والأميريكيّين J. A. Fitzmyer – R. Brown. هؤلاء العلماء أظهروا أنّ الدراسات النقديّة الكتابيّة ممكنة من دون انحرافات فلسفيّة ومواقف متطرّفة.
على أيّ حال، ما زالت توجد في الكنيسة الكاثوليكيّة تشنجات بين الباحثين الليبراليّين والمحافظين وشكوك وهجومات على النقد الكتابيّ أقلّه بسبب ميول بعض العلماء الراديكاليّة[8].
في الكنيسة الأرثوذكسيّة، مازالت الدراسات النقديّة الكتابيّة ثانويّة لغياب الجامعات في الدول الأرثوذكسيّة، وما ينتج من النقص في التقاليد الأكلديميّة العريقة الضروريّة لتقدّم كل الفروع، في روسيا، تركّز الاهتياج الفكريّ الواسع حول عدد من الأكاديميّات، والوعد بإحياء مدهش للفنون والعلوم في حوار مع التطوّرات الأوروبيّة قُضيَ عليه مع الثورة البولشفيّة (1917)[9].
اليونان، بعد أربعة قرون من الاحتلال العثمانيّ، اكتسبت استقلالاً سياسيًّا أوائل القرن التاسع عشر، وكانت البلد الأرثوذكسيّ الوحيد مع قبرص اللذين أفلتا من النظام الشيوعيّ في القرن العشرين. في اليونان، مع تأسيس جامعتين وطنيّتين في أثينا (1937) وتسالونيكي (1926)، وُضِعَت الأسس لدراسات منهجيّة في كلّ الميادين، بما فيها اللاهوت، مع الحريّة النسبيّة في البحث وبمعزل عن الرقابة الكنسيّة المباشرة.
في الدراسات الكتابيّة، ظهر عدد من الباحثين، أغلبهم تدربّوا في ألمانيا، أمثال أ. زولوتاس، ن. دامالاس، أز أنطونياديس، ف. لإيلاس، ب. باتسيوتيس، ف. أيوانيديس، س. أغوريديس، الذين أنتجوا عملاً نقديًّا مهمًّا ضمن المعطيات اللاهوتيّة الأرثوذكسيّة[10]. إنّ أيّ تطوّر مستقبليّ في الدراسات الكتابيّة الأرثوذكسيّة، لا يمكن أن يتمّ بمعزل عن تقويم شامل لأعمالهم[11].
يسعى الباحثون الكتابيّون الأرثوذكس، في اليونان وغيرها، إلى توضيح طبيعة النقد الكتابيّ ودوره في الكنيسة الأرثوذكسيّة عبر ثلاث نقاط رئيسة: أ) الطريقة التاريخيّة – النقديّة؛ ب) التقليد الآبائيّ التفسيريّ؛ وج) البعد الليتورجيّ كمنظار تفسيريّ[12]. التقدّم الملموس في هذه المجالات والدعم الكنسيّ للبحث العلميّ يمكن أن يعطيا الأمل للمستوى التالي من التقدّم في الدراسات الكتابيّة الأرثوذكسيّة بروح من “التركيب الآبائيّ الجديد Neopatristic” الذي اقترحه منذ زمن الأب جورج فلوروفسكي[13].
البحث العلميّ الكتابيّ، سواء تمّ في الدوائر البروتستانتيّة، الكاثوليكيّة أو الأرثوذكسيّة فهو يحمل عبئًا مزدوجًا. من جهة، مهمّته هي الدراسة الموضوعيّة للكتاب في وضعيّاته التاريخيّة والجماعيّة بهدف الوصول إلى الأهداف الأصليّة، وأصوات الكتّاب كما فهموا كلمة الله وعبّروا عنها في كلّ تغيّراتها الثقافيّة وعمقها اللاهوتيّ.
في هذا الخصوص، أنتج البحث العلميّ مجموعة مذهلة من الأدوات والثروات للدراسة الكتابيّة كما أنّه أثبت نجاحًا مدهشًا في توضيح عدد لا يُحصى من الأمور الأدبيّة، التاريخيّة واللاهوتيّة بما فيها الموضوع الحاسم للعلاقة بين الكتاب والتقليد. الدراسة الأكاديميّة المتوازيّة، وليس بدرجة أقلّ من الدراسة المشابهة للتقليد المسيحيّ، تحتفظ جزئيًّا بالوعد بالتجديد للكنائس والمجتمع المعاصر بطرائق تتخطّى الفروقات عبر فهم إيجابيّ وشامل للخلق والبشريّة والحياة.
مع هذا يجب الاعتراف أيضًا بالنواقص الجديّة للاستعمال الأكاديميّ للكتاب. بشكلٍ عامّ، روح النقد الكتابيّ الحديث واللاهوت الغربيّ الحديث، بدون أن يكون بالضرورة هكذا، مشتقّان بالدرجة الأولى من إنسانيّة النهضة وفلسفة التنوير وليس من الكتاب ولا من التقليد المسيحيّ الكلاسيكيّ اللذين يرتكزان على الصلاة والحياة الكنسيّة. البحث الكتابيّ غالبًا ما أظهر نفسه غير ملائم لحياة الكنيسة والمجتمع ومنجذبًا نحو الاهتمامات التاريخيّة اللغويّة والتقنيّة.
ما هو أسوأ، أن النقدّ الكتابيّ، في انحرافه إلى النقد المفرِط أو سقوطه أسير الافتراضات الفلسفيّة، مال إلى استهلاك موضوعه في مجاملة واضحة للثقافة، والنتيجة كانت الدعم الواسع للتشكيك بسلطة الكتاب المقدّس، معالجة الكتاب كنوع من الأثر الثثقافيّ منه تُلْتَقَط إشارات لأهداف مرغوبة وإيديولوجيّات أحاديّة الجانب. ج. كريستيان بيكر، وهو باحث كتابيّ بروتستانتيّ من الخطّ الرئيس، ينتقد الدراسات الكتابيّة المنتشرة بهذه الكلمات:
“إنّ زيارة أيّ مؤتمر حديث لعلماء الكتاب سوف تثبت إلى أيّ حدّ قد وضعنا جانبًا موضوع سلطة الكتاب المعياريّة. بالواقع لقد استبدلنا فكرة الكتاب كصوت حيّ (viva vox) ذي سلطة في الجماعة المؤمنة بفكرة الكتاب كذخيرة تاريخيّة – أثريّة. وهكذا، عندما نطابق بعض تعابيره إذا طابقت ما نعتبره دلائل مفيدة لوضعنا الحاليّ”[14].
في النظر إلى هذا الوضع، ليس مفاجئًا أنّ النقد الكتابيّ قد أثار اتهامات بالهرطقة وسبّب عزلة عميقة أوّلاً بين البروتستانت ومن ثمَّ، بدرجة أقلّ، بين الكاثوليك أيضًا. بعض علماء الكتاب البروتستانت البارزين، وبشكلٍ خاصّ برنارد س. تشيلدز[15]، عملوا لاستعادة معنى سلطة الكتاب الضروريّة جدًا لحياة الكنيسة. بدون أن يرفضوا إنجازات البحث العلميّ، وبالطبع من دون العودة إلى حالة ما قبل النقد، حوّل تشيلدز الانتباه إلى الطبيعة الشرعيّة للكتاب كما إلى شهادته اللاهوتيّة.
أغلب علماء الكتاب الكاثوليك نجحوا في إدارة أبحاث نقديّة وبقوا أمناء لتقليدهم العقائديّ. المثل الرئيس هو ريمون أ. براون الذي كتب عن أكثر الأمور حساسيّة، بما فيها الولادة من العذراء، ألوهيّة المسيح، وسلطة بطرس[16] مستخدمًا الأدبيّين من الجهة والراديكاليّين من جهة أخرى[17]. وقد نجح براون، عبر أعماله وتعليقاته الكثيرة، في إظهار أنّ حريّة البحث ليس موضوع تسوية مع الأمانة للعقيدة المسيحيّة.
لقد دلفع عن الدراسات النقديّة وحقّق بالجهد المتواصل ما يسمّيه “موقعًا وسطًا” في أنّ المنهجيّة التاريخيّة النقديّة ممكن أن تبقى بعيدة عن الافتراضات الفلسفيّة الإيديولوجيّة الدخيلة[18].
في حالة العلماء الأرثوذكس، فقد جنّبتهم المرتكزات الكنسيّة والعقائديّة القويّة الاضطراب العظيم. في الأرثوذكسيّة، تسيطر الاهتمامات الآبائيّة والعقائديّة بينما يتمتّع علماء الكتاب، الذين يتزايد عددهم، بحريّة نسبيّة للقيام بعملهم. فيما هم يسعون إلى نموّ الدراسات الكتابيّة في تقليدهم، ما زال العلماء الأرثوذكس يتعلّمون من زملائهم الغربيّين إنّما بانتباه ألاّ يكرّروا أخطاءهم.
إنّهم حكماء ليحصّلوا معرفة من البحث الإنجيليّ الذي يشاركونه في مسافة لاهوتيّة مهمّة. يمثّل العلماء الإنجيليّون ليس فقط نقدًا حادًّا للنقد الكتابيّ الليبراليّ[19] إنّما أيضًا مساهمات إيجابيّة في البحث الكتابيّ المعاصر[20]. بهذه الطريقة، يستطيع علماء الكتاب الأرثوذكس أن يحفظوا تحت أنظارهم عالم الدراسة الكتابيّة الأكاديميّة الحديثة الواسع حتّى يرحّبوا بمساهماته كما يحترسون من نواقصه.
تراث آباء الكنيسة الواسع المعرفة وروح الحريّة في التقليد الأرثوذكسيّ يقدّمان اسسًا واعدة للتقدّم المستمرّ للبحث الكتابيّ الأرثوذكسيّ.
انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان
هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!
عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث
عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث
[1] For a simple and positive account on the rise of academic biblical research, see Luis Alonso Schoekel, Understanding Biblical Research, trans. Peter J. McCord (New York: Herder and herder, 968. A comprehensive perspective on the various methods is provided by the following: Daniel J. Harrington, Interpreting the new Testament: A Practical Guide (Wilmington: Glazier, 1979); Bruce Chilton, Beginning New Testament Study (Grand Rapids: Eerdmans, 1986); Christopher Tuckett, Reading the New Testament: Methods of Interpretation (Philadelphia: Fortress, 1987); I. Howard Marshall, ed., New Testament Interpretation: Essays on Principles and Methods (Grand rapids: Eerdmans. 1977); S. Neil and T. Wright, Modern Interpreters (Philadelphia: Fortress, 1988). For basic bibliographies, see D. J. Harrington, S. J. The New Testament: A Bibliography (Wilmington: Glazier, 1985) and D. A. Carson, New Testament Commentary Survey (Grand Rapids: Baker Books, 1993).
[2] See the articles on “Biblical Criticism” by J. C. O’Neill and W. Baird in ABD, Vol. I, pp. 725-736, as well as G. H. Reventlow, The Authority of the Bible and the Rise of the Modern World.
[3] القصة من وجهة نظر بروتستانتيّة محافظة موجودة عند M. A. Noll, Between Faith and Criticism: Evangelicals, Scholarship, and the Bible in America (Grand Rapids: Eerdmans, 1991).
لوجهة نظر ليبراليّة انظر:
James Barr, The Bible in the Modern Word (New York: Harper & Row, 1973).
أما لمراجعة مقاربات الكتاب المقدَّس عند المصلحين والمحافظين المعاصرين والبروتوستانت الليبراليّين انظر:
David H. Kelsey, “Protestant Attitudes Regarding Methods of Biblical Interpretation,” Scripture in the Jewish and Christian Traditions: Authority, Interpretation, Relevance, ed. F. E. Greenspahn, pp. 133-161.
[4] أهم أعمال Jesus Seminary حتّى اليوم هو The five Gospels: The Search for the Authentic Words of Jesus (New York: MacMillan, 1993), ed. By R. W. Funk and others وهو عمل لا يجد إلا القليل من المواد الأصيلة في الأناجيل. وفيما يدَّعي أفراد JS البحث العلميّ الرفيع فإنّهم يسعون قدر الإمكان إلى تحقيق شعبيّة أوسع لرؤاهم الراديكاليّة معلنين أنّ هدفهم هو حذف الدعامات العقائديّة وتاليًا انحرافات المسيحيّة التقليديّة. يوجد نقد قاسٍ لعمال JS عند R. B. Hayes, “The Corrected Jesus, “FT43(May 1994), pp. 43-48، الذي يشير في النهايّة إبى منهجيّة واستنتاجات JS على أنَّها “خديعة تستحث الشجب” (p. 47).
[5] F. Hahn, Historical Investigation and New Testament Faith, trans. R. Maddox and E. Krentz (Philadelphia: Fortress, 1983); Peter Stuhlmacher, Historical Criticism and Theological Interpretation of Scripture, Walter Wink, The Biblical in Human Transformation; Martin Hengel, “Historical Methods and the Theological Interpretation of the New Testament,” in his Acts and the History of Earliest Christianity, trans. By John Bowden (Philadelphia: Fortress, 1979), pp. 127-136. Eta Linnemann
(باحثة تصف نفسها بأنّها بولتمانيّة تحوّلت إلى الإنجيليّة)
Historical Criticism of the Bible: Methodology or Ideology? Trans. R. W. Yarbourgh (Grand Rapuds; Baker, 1990). GerhardMeier, The End of Historical-Critical Method, trans. E. Leverenz and R. F. Nordon (St. Loues: Concordia, 1947). Paul C. McGlasson, Another Gospel (Grand Rapids: Baker, 1994).
الأخير يتّهم اللاهوت الليبراليّ بالهرطقة.
[6] “New Testament Criticism,” in ABD, Vol. 1, p. 731.
[7] L. A. Schoekel, Understanding Biblical Research; R. E. Brown, “Our New Approach to the Bible,” in his New Testament Essays (Garden City: Image Books, 1965), pp. 21-35; J. J. Collins and J. D. Crossan, eds., The Biblical Heritage in Modern Catholic Scholarship (Wilmingron: Glazier, 1986); R. B. Robinson, Roman Catholic Exegesis Since Divino Afflante Spiritu: Hermeneutical Implication (Atlanta: Scholars Press, 1988); and G. P. Fogarty, American Catholic Biblical Scholarship (San Francisco: Harper & Row, 1989).
[8][8][8] G. A. Kelllyll, The New Biblical Theories: Raymond E. Brown and Beyond (Ann Arbor: Servant Books, 1983). R. E. Brown, The Critical Meaning of the Bible (New York: Paulist, 1985). Biblical Interpretation in Crisi: The Ratzingr Conference on Bible and Church, ed. R. J. Neuhaus (Grand Rapids: Eerdmans, 1989).
[9] Nicolas Zernov, The Russian Religious Renaissance of the Twentieth Century (London: Darton, Longman & Todd, 1963). P. Valliere, “The Liberal Tradition in Russian Orthodox Theology”. The Legacy of St. Vladimir, ed. J. Breck and others, pp. 93-106.
[10] John Karavidopoulos, “#####” DelBibMel 4 (July-December, 1985), pp. 73-87, and in German “Das Studium des Neuen Testaments in der Griechischorthodoxen Kirche in Vergangenheit und Gegenwart,” BTZ 3 (1, 1986), pp. 2-10. S. Agourides has been a prolific author through abiblic society and a journal ###. John Karavidopoulos, ### 1961-1965 (Thessaloniki, 1975).Ch. S. Tzogas and P.S. Papaevangelou, #### 1860-1960 (1963). R. Piterinen, A Bibliography of Major Orthodox Periodicals in English (Joensuu, Finland: University of Joensuu, 1987), pp. 10-13.
[11] Savas Agourides, “H####” Th 56 (3, 1985), pp. 504-518. Reprinted in “###” (Athens, Zoe publications, 1989), pp. 11-26.
[12] S. Agourides, “Biblical Studies in Orthodox Theology” and responses by V. Kesich and T. Stylianopoulos in GOTR 17 (1, 1972), pp. 51-85. G.P. Fedetov, “Orthodoxy and Historical Criticism,” in The Church of God, ed. E. L. Mascall (London: SPCK, 1934), pp. 91-104; G. Florovsky, “The Pattern of Historical Interpretation,” ATR 50 (2, 1986), pp. 144-150; T. Stylianopoulos, “Historical Studies and Orthodox Theology”, GOTR 12 (3, 1967), pp. 394-419.
[13] G. Florovsky, “The Ethos of the Orthodox Church,” Orthodoxy: A Faith and Order Dialogue (Geneva: World Council of Churches, 1960), p. 45.
[14] J. Christian Beker, The New Testament: A thematic Introduction (Minneapolis: Fortress, 1994), p. 135.
[15] B. S. Childs, Biblical Theology of the Old Testament; The New Testament as Canon; An Introduction (Philadelphia: Fortress, 1984) and Introduction to the Old Testaments Scripture (Philadelphia: Fortress, 1979).
[16] Raymond E. Brown, Jesus: God and Man (Milwaukee: Bruce Publishing Company, 1967); The Virginal Conception and Bodily Resurrection of Jesus (New York: Paulist, 1973); Peter in the New Testament, coedited with others (Minneapolis: Augsburg/Paulist, 1973); and Mary in the New Testament, coedited with others (New York: Paulist, 1978).
[17] See especially Raymond E. Brown, The Critical Meaning of the Bible and Biblical Exegesis and Church Doctrine.
[18] Raymond E. Brown, “The Contribution of Historical Biblical Criticism of Ecumenical Church Discussion” in Biblical Interpretation in Crisis: The Ratzinger Conference on Bible and Church, pp. 24-49,
يحتوي على تبادل للأفكار مثير للاهتمام مع الكاردينال راتزينغر.
[19] See, for example, Clark H. Pinnok, The Scripture Principle, Mark A. Noll, Between Faith and Criticis; D. A. Carson and John D. Woodbridge, eds., Scripture and Truth, and by the latter as coeditors Hermeneutics, Authority, and Canon (Grand Rapids: Zondervan, 1986).
[20] مثير للاهتمام بشكل خاصّ ومعتدل هو العمل التالي:
Gordon D. Fee, Gospel and Spirit
مذكور سابقًا؛
God’s Empowering Presence: The Holy Spirit in the Letters of Paul (Peabody: Hendrickson, 1994).
دراسة الكتاب المقدس أكاديميا
