المنهج العقائدي في تفسير الكتاب المقدس

المنهج العقائدي في تفسير الكتاب المقدس

المنهج العقائدي في تفسير الكتاب المقدس

المنهج العقائدي في تفسير الكتاب المقدس

لا يمكن لله أن يكذب، لذلك لا توجد تناقضات في فكر الله. وحيث أن كل الكتاب المقدس هو موحى به من الله، فإنه جدير بالثقة. في ضوء هذا الافتراض الأساسي، تصبح كل المحاولات التي تبذل لتوفيق جميع تعاليم الكتاب المقدس بشأن موضوع ما أو إعداد نظام منهجي شامل لكل تعاليمه، هي محاولات سليمة وفي موضعها الصحيح.

ليس فقط الدراسة النظامية للكتاب المقدس سليمة، لكنها ضرورية. فعلى سبيل المثال، إنه أمر ضروري بالنسبة للاهوتي أن يدرس كل أجزاء الكتاب المقدس التي تصف طريق الخلاص. فإذا قام بأخذ مقطع معين، وفصله عن بقية المقاطع الأخرى التي تتعامل مع كيفية خلاص الشخص، وبنى عليه مبدأ للخلاص، ستكون النتيجة تشويه حق الله الخاص بالخلاص. لذلك فإن الدراسة المنظمة للاهوتي ليست فقط أمر سليم وضروري، لكن لها أهمية عظمى لفهم معنى الكتاب المقدس. فالجهود التي تبذل لتنسيق وتجانس ووحدة الحق في المقاطع المختلفة التي تتحدث عن موضوع معين هي سليمة ومطلوبة للمعلم والواعظ كما هي بالنسبة للاهوتي.

إن تركيب التعليم الكتابي ليس فقط صحيح، وضروري، ومهم؛ ولكنه حتمي كذلك. وحيث أن كل شخص يتعامل مع أية وثيقة مكتوبة بمجموعة من الافتراضات المسبقة، بالمثل، يتعامل المسيحي مع الكتاب المقدس من خلال هذه النظارات الفكرية. بل الحقيقة أنه لا يستطيع أن يقبل إلا الأفكار التي تتفق بصورة ما مع نظام تفكيره الممنهج الموجود في عقله بالفعل. لذلك ليس فقط جميع المسيحيين لاهوتيين، بل أن كل الناس لاهوتيين. الاختلاف الوحيد هو أن البعض يكونون لاهوتيين أفضل من غيرهم.

يصف إيرنست بيست هذا الاتجاه اللاهوتي العام لدى جميع الناس قائلاً:

كل تفسيرات الكتاب المقدس يتم التحكم فيها بواسطة لاهوت الشخص الذي يفسر. قد لا يكون صحيحاً أن هناك مفسر معين له وضع لاهوتي مستقيم ثابت؛ إذ أن لاهوته ونظرته العالمية تتحكم دائماً في تفسيره.[1]

إن كان صحيح أن الكتاب المقدس هو كلمة الله، وأن الفكر البشري يسعى باستمرار إلى علاقة متسقة بين الأفكار المقبولة بشأن معتقد معين، فما هو المنهج الذي يجب استخدامه لتجنب الخطأ في اكتشاف المعنى الحقيقي للكتاب المقدس؟ كيف يمكن للشخص أن يعمل من خلال متاهة مفاهيمه المسبقة ومفاهيم المفسرين الآخرين للكتاب المقدس، لكي يتوصل إلى الرسالة التي يعلنها الله في الكتاب المقدس؟ الإجابة على هذين السؤالين ستكون هي الجزء الرئيسي من هذه الدراسة في الفصلين 15 و16.

إن عملية تركيب التعليم الكتابي معاً تشبه استخدام العالم للاستقراء والاستنتاج. يبدأ المفسر بمقطع معين، فيثبت المعنى الذي يقصده المؤلف. ثم يقوم بهذه العملية مع جميع المقاطع الأخرى التي تتعالم مع نفس الموضوع والموضوعات المرتبطة به، سعياً للربط بينها في وحدة شاملة. يقوم المفسر بعد ذلك بصياغة نموذج معقول، أو فرضية ما، واثقاً من الوحدة النهائية للكتاب المقدس. ويصبح هذا النموذج بالتالي أساساً لدراسة مقاطع أخرى. النموذج الذي يتم فحصه بدقة، واعتناقه باقتناع، يصبح نظاماً لاهوتياً يفهم به المفسر الكتاب المقدس.

لكن الوصول إلى نظام ليس خطوة نهائية في التفسير، لأن تفسير الكتاب المقدس هو عملية تستمر طوال الحياة. كما أن الكتاب المقدس يجب دائماً أن يتحكم في النظام؛ فيجب ألا يسمح للنظام أن يتحكم مطلقاً في الكتاب المقدس. الأكثر من ذلك، يكون المفسر مسؤولاً إما أن يدمج كل التعليم الكتابي داخل نظامه، أو أن يتخلى عن النظام. بالإضافة لذلك فإن عناصر النظام التي لا يمكن التحقق منها بواسطة البرهان الكتابي المباشر يجب التعامل معها باتضاع باعتبارها غير نهائية.

لذلك فإن هناك استخدام مشروع لنظام ما للمبادئ في دراسة الكتاب المقدس. لكن تنشأ المشكلة عندما يصبح النظام نفسه هو السلطة، فيجلس للحكم على السلطة المستقلة لأي مقطع من مقاطع الكتاب المقدس. يساء تفسير الكتاب المقدس عندما يستخدم المفسر الافتراضات العقائدية للنظام، لإجبار المقطع على الاتفاق مع العقيدة، بدلاً من أن يعدل العقيدة لكي تتفق مع الكتاب المقدس.

بسبب الحماسة المعطاة من الله لكل من العلماء والعلمانيين على السواء عبر العصور، لفهم كل حق الله، قام الناس في البداية بإنشاء ما يبدو بالنسبة لهم أنظمة متسقة متجانسة، وبعد ذلك قاموا بتفسير كل مقاطع الكتاب المقدس على أساس أنظمتهم. يسمى ذلك المنهج العقائدي، والافتراضات المسبقة للتفسير العقائدي هي هذه: كل تعاليم الكتاب المقدس هي من الله، ويجب أن ينظر إليها كوحدة متناسقة. بعد أن يتم اكتشاف هذه الوحدة المنظمة، يجب أن يتفق معها تفسير معين.

يتكون إطار العمل العقائدية من مواد موجودة في الكتاب المقدس ومن استنتاج منطقي مبني على بيانات الكتاب المقدس. عندها يتم جعل كل مقطع كتابي يتفق مع ذلك النظام. لهذا السبب، توقف كثيرون من العلماء في السنوات الأخيرة عن الحديث عن تفسيرات، أو عن مجموعة من الإرشادات التي يمكن بها للشخص أن يفسر الكتاب المقدس. بل أصبحوا يتحدثون عن تفسير في صيغة المفرد. هذا يعني أن الشخص يعترف بصراحة ليس فقط بافتراضاته المسبقة بل بنظامه الكامل، ثم على أساس ذلك النظام يسعى لفهم الكتاب المقدس. يوجد لدينا اليوم التفسير الجديد، والتفسير الكالفيني، والتفسير الإعفائي، والكثيرون غيرهم.

لكن، رغم أني قلت في السنوات الأخيرة، إلا أن هذا كان أساس التفسير في العصور الوسطى كذلك:

خلال العصور الوسطى، كان الكثيرون، حتى رجال الدين، يعيشون في جهل عميق بالكتاب المقدس… وقد أصبح مبدأ قائماً، أن تفسير الكتاب المقدس يجب أن يكيف نفسه على التقليد وعلى عقيدة الكنيسة. وقد تم اعتبار أن ذروة الحكمة هو أن يعاد استخراج تعاليم الآباء، وأن يتم العثور على تعاليم الكنيسة في الكتاب المقدس… بل أن حتى هوجو من سانت فيكتور قال: “أعرف أولاً ما يجب أن تؤمن به، ثم اذهب بعد ذلك إلى الكتاب المقدس لكي تعثر عليه هناك”.[2]

في منتصف القرن السادس عشر أنشأ مجمع ترنت المنهج العقائدي باعتباره أنه الافتراض التفسيري الرسمي للكنيسة الرومانية الكاثوليكية. وقد أقر المجمع بأن كلاً من الكتاب المقدس والكنيسة معصومان من الخطأ، مما جعل بدوره عقيدة الكنيسة هي العامل المتحكم في التفسير.

لكن ماذا عن المصلحين؟ يوجد تفسير واحد فقط لنظرة لوثر المتدنية لسفر يعقوب. كان نظام لوثر الأساسي موجود في رومية 1: 17، وحيث أن سفر يعقوب ابتعد عن ذلك المعيار، كما فهمه لوثر، فقط كان السفر بالنسبة له “رسالة ضالة”.

هل يمكن بواسطة أي مبدأ كتابي في التفسير، أن تعني الآية الموجودة في يوحنا 3: 16: “لأنه هكذا أحب الله المختارين”؟ يبدو أنه لا يمكن أن يكون هناك مثل هذا التفسير، إلا على أساس افتراضات عقائدية، أي بواسطة نظام تم إنشاؤه بحيث يصبح معنى ذلك المقطع مختلفاً عن معناه الواضح والعادي. وبالمثل، يمكن لنظام ما أن يُستخدم لاستبعاد التوبة كمطلب يسبق قبول الله للإنسان، أو استبعاد الصلاة الربانية عن أن تكون ملائمة لشفاه المسيحيين.

وهكذا فغن النظام يحدد المعنى. يتحدث ميلتون تيري عن قضية التفسير على أساس افتراضات عقائدية مسبقة، فيقول:

 عندما يفترض أحد اللاهوتيين وجهة نظر لعقيدة كنسية، ومن ثم يستكمل بمهاترة للبحث عن نص وحيد في الكتاب المقدس مفضل لديه أو غير مفضل لدى خصمه، يكون الأرجح كثيراً أن يبالغ في الأمر. فقد تكون عقيدته في مثل صدق الكتاب المقدس نفسه؛ لكن وسيلته مرفوضة. شاهد مثلاً النزاع بين لوثر وزوينجلي حول مسألة اتحاد جسد المسيح ودمه بالخبز والخمر عند ممارسة العشاء الرباني، والأدب الجدلي للمبادئ المتناقضة، ومشاحنات الكالفينيين، والخلافات الخاصة بالأسرار المقدسة.

تجد أن الكتاب المقدس كله قد تم نهبه ومعاملته كما لو كان مجموعة نصوص شديدة الصغر من الأدلة العقائدية…. لكننا يجب أن نتذكر أنه لا يوجد دفاع سليم، ولا مبدأ أكيد، يرتكز على وسائل غير نقدية، أو يتقدم على أساس افتراضات عقائدية. فمثل هذه الإجراءات ليست عرضاً للحقائق بل فرضاً لها.[3]

وهكذا يتجه المنهج العقائدي في تفسير الكتاب المقدس إلى التطرف، تكون له نتائج غير مرغوب فيها على الإطلاق، إذ لا يصبح الكتاب المقدس هو مصدر سلطته الخاص. فعلى الرغم من أنه قدم المادة الخام التي تم بناؤها داخل النظام، إلا أن قدراً كبيراً كذلك من الاستنتاج المنطقي تم بناؤه أيضاً في النظام. هذا الهيكل النظامي إذاً يتم فرضه على أي مقطع في الكتاب المقدس، وبذلك يصبح هو السلطة التي بها يُستبعد المعنى الطبيعي للمقطع.

إن المنهج العقائدي كما يتم تعريفه هنا، رغم أنه يقبل كلاً من السمات الطبيعية وفوق الطبيعية في الكتاب المقدس، إلا أنه يعوق الدراسة الموضوعية الساعية نحو تحديد المعنى الذي يقصده المؤلف. وفي النهاية، يمكنه أن يثبط أي تفسير جيد. بل أنه يمكن أن يستبدل السلطة المستقلة للكتاب المقدس بسلطة نظام من صنع إنسان.

توجد ثلاثة مصادر مثالية للعقيدة التي تتحكم في التفسير. إذ يتم تحقيق الترابط المنطقي – سواء بين تعاليم الكتاب المقدس أو في موقف الفرد الشخصي – بواسطة الخضوع غير النقدي للعقيدة النابعة من واحد من المصادر الثلاثة التالي: التقليد، مسيحي آخر، أو الاختبار الشخصي.

التقليد

يمكن أن ننظر للتقليد إما بصورة إيجابية أو سلبية. فكعقيدة أو نظام عقائدي تم تبنيه بواسطة كيان مسيحي وتم نقله لأجيال متعاقبة، يساعد التقليد في إظهار الحقائق التي صمدت في اختبار الزمن. كما أنه يقدم لكنيسة اليوم فهماً للكنيسة التاريخية. فكم يكون صعباً بالنسبة للمسيحيين لو أنه كان على كل جيل جديد أن يفكر ويقرر بشأن أمور مثل تعريف الثالوث، والعلاقة بين البشرية والإلهية في المسيح، أو التبرير بالنعمة من خلال الإيمان. تاريخياً، قاد الروح القدس الكنيسة في تأسيسها للتفسيرات التي صمدت في اختبار الكتب المقدسة في ذلك الوقت، ثم صمدت الآن في اختبار الزمن.

إلا أن التقليد يمكن أيضاً أن يعوق التفسير الأمين للكتاب المقدس إذا كانت التفسيرات التقليدية قد تم تبنيها دون مبرر كتابي سليم. فالافتراضات الموروثة غير الممحصة تعمل غالباً كمجموعة من الغمامات التي توضع على الأعين والتي تمنع المسيحيين من رؤية ما يقع خارج مجال رؤيتهم من الكتاب المقدس. الأكثر من ذلك، فإن الرؤية المحدودة تشوه ما يتم رؤيته.

إن نظام العقيدة الموروث يحتاج أن يتم تعديله وإصلاحه بإخضاعه تحت السلطة القوية الصارمة للكتاب المقدس – فنسمح للكتاب المقدس أن يتحكم في إيمان الشخص وسلوكه حتى عندما يبدو أن مقطع معين لا يتفق مع النظام. رغم أنه يكون هناك توكيد ويقين أكثر عندما يشترك كثيرون من المؤمنين الآخرين في اعتناق نظام ما، إلا أن هذا لا يعني أن كل مسيحي يجب أن يتفق تماماً مع نظام تقليدي معين، مثل نظام العهد، أو النظام الإعفائي، أو الكالفيني، أو الأرميني، أو اللوثري، أو التجديدي. فكل إنسان له نظام، سواء يعمل بصورة ظاهرة أو ضمنياً فقط. لكن أياً كان النظام، سواء كان تقليد موروث أو بنية شخصية، يجب القيام بالتفسير بصرامة تحت إشراف سلطة الكتاب المقدس المستقلة.

مسيحي آخر

المنهج العقائدي في التفسير الأقل تبريراً يحدث عندما يقبل المرء تعليم شخص آخر بصورة غير نقدية، مثل تعليم معلم أو راع مهاب. فالسماح لشخص ما بأن يقيم عقيدة أو تفسير كتابي دون افتراض المسؤولية الشخصية في الفهم والثقة والطاعة لتعاليم الكتاب المقدس، قد يأتي نتيجة لواحد من دوافع متعددة. فمحبة القائد الذي يوكل إليه مسؤولية تفسير الكتاب المقدس أو الإعجاب به قد يقود إلى الاستبعاد غير النقدي للمسؤولية الشخصية. يكون هذا الأمر سهلاً عندما تكون معرفة القائد الموثوق به أكثر كثيراً من معرفة التابع، وخاصة عندما يشجع مثل هذا القائد على مثل هذه النوعية من العلاقة، أو يتوقعها كمطلب من متطلبات “التلمذة” أو “الولاء”. إذ أنه يوجد شعور بالأمان في قبول القائد للتابع أو لجماعة التابعين.

بالطبع، يمكن للمرء أن يتنازل عن مسؤوليته نتيجة الكسل – غير راغب في أن يبذل جهداً لكي يفهم ويطبق الكتاب المقدس هو شخصياً. فالخيط الدقيق بين التعلم باتضاع من الشخص الذي لديه معرفة، والسماح لذلك الشخص بأن يبني عقيدة، قد لا يكون من السهل دائماً تمييزه. لكن كل مؤمن مسؤول أن يبذل أقصى جهده لكي يأتي بأفكاره وحياته تحت السلطة المباشرة للكتاب المقدس.

قد لا تكون المشكلة فيما يتم الإيمان به، بل في كيفية التوصل إلى هذا الإيمان. فإذا كان أي مسيحي يتمسك عقائدياً بتفسير للكتاب المقدس، لمجرد أن شخصاً آخر قدمه – بغض النظر عن مدى احترام ومهابة هذا الشخص – فإن الكتاب المقدس عندئذ لم يعد يعمل باعتبار أنه السلطة الوحيدة في هذه الحياة. فسلطة كل القادة المسيحيين هي سلطة مأخوذة ومستمدة؛ لكن سلطة المسيح وحده من خلال كلمته هي السلطة المطلقة.

الاختبار الشخصي

أما الاتجاه الثالث الخاطئ للمنهج العقائدي في تفسير الكتاب المقدس فهو السماح للاختبار الشخصي بأن يبني عقيدة. فعندما ننظر بطريقة إيجابية إلى اختبار المسيحي مع الله، نجد أنه يدفعه للرغبة في معرفة المزيد عن الله. وكلما وثقنا في الله وأطعناه أكثر، كلما أظهر أمانته نحونا أكثر. لكن اختبار المسيحي يمكن أن يصبح عائقاً في طريق التفسير الكتابي السليم. ففي النهاية يكون الكتاب المقدس وحده هو السلطوي وليس التقييم الذاتي لاختبار الشخص مع الله.

فعلى سبيل المثال، يصحب اختبار التجديد دائماً أفكار معنية عن الخطية، وعن شخص يسوع المسيح، وعن عمل الروح القدس، وعن أهداف الكنيسة. لكن لو في وقت لاحق رفض المسيحي أن يغير من آرائه في ضوء الشهادة الكتابية، قائلاً، “إني أعرف أن ما كنت أؤمن به دائماً هو الصواب لأني اختبرته”، أو “كان الله يعمل في حياتي عندئذ، لذلك فأنا أعلم أنه لا بد وأن يكون صحيحاً”، عندها يكون الاختبار الشخصي قد أصبح سلطة. لكن لا بد أن نفسر اختبارنا بواسطة الكتاب المقدس وليس أن نفسر الكتاب المقدس بواسطة اختبارنا.

في تطوير تفسير خاص لمقطع كتابي أو لنظام شخصي للعقيدة، لا بد أن نقوم بذلك باتضاع عظيم. فإن أقل ما يقال عن ابتعادنا عن الحكمة العامة للكنيسة، هو أنه أمر خطير. فعلى الرغم من المفاهيم المعاصرة للحكم الذاتي للفرد، إلا أن الروح القدس يقود كنيسته بطريقة لا يمكن للفرد المستقل أن يدعيها بثقة. وإذ قد أشرنا إلى ذلك، نقول إنه يجب على كل منا أن يعطي حساباً عن كيفية تعامله مع الكتاب المقدس: “اجتهد أن تقيم نفسك لله مذكى عاملاً لا يخزى مفصلاً كلمة الحق بالاستقامة” (2تيموثاوس 2: 15).

لقد قمنا بفحص أربعة مناهج لتفسير الكتاب المقدس، يمكن أن تقود دارس الكتاب المقدس إلى الضلال، وهي: المنهج فوق الطبيعي، بتفسيراته الرمزية أو السرية؛ والمنهج الطبيعي، بتفسيراته العقلانية؛ والمنهج الوجودي، بمزيجه غير النافع بين الطبيعي وفوق الطبيعي؛ والمنهج العقائدي، الذي يفسر كل مقطع كتابي على أساس افتراضات عقائدية مسبقة. لاحظ أن كلاً من هذه المناهج مبني على افتراض صحيح بشأن الكتاب المقدس: أي أنه فوق طبيعي، وإنه طبيعي، وإنه يجب تطبيقه، وإنه متسق ومترابط – أي أن كل تعاليمه تتفق معاً في وحدة متكاملة. المشكلة هي أن كلاً من المناهج قد ركزت على افتراض صحيح بشأن الكتاب المقدس، ولكنها تجاهلت كون بقية الافتراضات الأخرى صحيحة كذلك. لذلك فالحل هو أن نتعامل مع الكتاب المقدس بجميع الافتراضات التي يعتقدها عن نفسه.

هذه الافتراضات الكتابية تتضمن مبادئ معينة سنقوم بالتعرف عليها الآن. بعد ذلك، سوف نناقش الإرشادات التي تنشأ عن تلك المبادئ.

مراجع مختارة للمزيد من الدراسة

بيركوف، لويز. Principles of Biblical Interpretation. Grand Rapids: Baker, 1950.

براجا، جيمس. How to Study the Bible. Portland, Oreg.: Multnonah, 1982.

كارسون، دونالد إيه. Exegetical Fallacies. Grand Rapids: Baker, 1984.

إفيرد، جيمس إم. How to Interpret the Bible. Atlanta: John Konx, 1984.

فيك، جوردون دي، ودوجلاس ستيوارت. How to Read the Bible for All Its Worth. Grand Rapids: Zondervan, 1981.

فيرجاسون، دانكان إس. Biblical Hermeneutics: An Introduction. Atlanta: John Knox, 1986.

إنش، موريس إيه، وسي هازل بولوك، محرران. The Literature and Meaning of Scripture. Grand Rapids: Baker, 1981.

لونجنيكر، ريتشارد. Biblical Exegesis in the Apostolic Period. Grand Rapids: Erdmans, 1975.

كيرلي، إف فورمان، وإدوارد بي ميرز، وتيموثي دي هادلي، محررون.Biblical Interpretation: Principle and Practice. Grand Rapids: Baker, 1986.

ميكسلن ،إيه باركلي. Interpreting the Bible, Grand Rapids: Eerdmans, 1963.

رام، بيرنارد. Protestant Biblical Interpretation. Grand Rapids: Baker, 1970.

شولتز، صامويل، وموريس إيه إنش. Interpreting the Word of God Today. Chicago: Moody, 1976.

سبرول، أر سي. Knowing Scripture. Downers Grove, Intervarsity, 1977.

تيري، ميلتون. Bible Hermeneutics طباعة. Grand Rapids: Zondervan, 1974.

ستوت، جون آر. Understanding the Bible طبعة ثانية. Grand Rapids: Zondervan, 1985.

فيركلر، هنري إيه. Hermeneutics: Principles and Processes of Biblical Interpretation. Grand Rapids: Baker, 1981.

[1] انظر إيرنست بست، From Text to Sermon: Responsible Use of the New Testament in Preaching (Atlanta: John Knox, 1978)، الصفحات 97-99.

[2] لويز بيكوف، Principles of Biblical Interpretation (Grand Rapids: Baker, 1950)، صفحة 23.

[3] ميلتون إس تيري، Biblical Hermeneutics (Grand Rapids: Zondervan, 1974)، صفحة 172.

من هو كاتب التوراة‍ ؟ – القمص عبد المسيح بسيط

من هو كاتب التوراة‍ ؟ – القمص عبد المسيح بسيط

من هو كاتب التوراة‍ ؟ – القمص عبد المسيح بسيط

من هو كاتب التوراة‍ ؟ – القمص عبد المسيح بسيط

عن كتاب:  التوراة كيف كتبت وكيف وصلت إلينا؟ للقمص عبد المسيح بسيط

آمن بنو إسرائيل منذ البدء أن موسى هو كاتب التوراة، فقد كان المعاصرون له ومنهم يشوع بن نون وكالب بن يفنة والسبعون شيخا الذين عينهم لمساعدته في قيادة بنى إسرائيل شهودا على ذلك وقد تسلموها منه مع الكهنة واللاويين. وقد شهد لهذه الحقيقة كل من التوراة نفسها وبقية أسفار العهد القديم، وذلك إلى جانب التقليد اليهودى العام وجميع فرق وطوائف وفئات الشعب اليهودى.

كما آمنت الكنيسة المسيحية منذ البدء، أيضا، بأن موسى النبى هو كاتب التوراة، وذلك بناء على ما سبق وبناء على شهادة السيد المسيح وتلاميذه ورسله وخلفائهم. وظل هذا الإيمان من موسى إلى السيد المسيح دون أى شك أو تزعزع كما ظل كذلك من أيام السيد المسيح ورسله إلى القرن السادس عشر، عدا بعض الأحداث الفردية التى ظهرت بعد المسيحية ورأت أن هناك بعض النصوص التى أضافتها مدرسة الأنبياء أيام صموئيل النبى أو التى أضافها عزرا الكاهن والكاتب بعد السبى، في القرن الخامس قبل الميلاد، كهوامش وضعت بين أقواس للإيضاح والتفسير.

ونتيجة لانتشار الفلسفات الإنسانية ابتداء من القرن السادس عشر الميلادى تصور بعض النقاد الماديين والمعدين للكتاب المقدس ومن سار على دربهم أن الزمن الذى عاش فيه موسى النبى وأحوال العالم في ذلك الوقت لا يمكن أن يكتب فيها كتاب واحد من أسفار موسى الخمسة إذ افترضوا أن حروف الكتابة الهجائية (الألف باء) لم تكن قد اخترعت بعد وأنه لم يكن في استطاعة موسى أن يكتب أسفاره الخمسة بالأشكال المصرية الهيروغليفية، بدلا من الحروف الهجائية العبرية التى تنطق بوضوح.

كما افترض البعض أيضا، مثل دى وايت De Wette أن الأدب في ذلك الوقت كان في طفولته المبكرة، وأن كتابة الأسفار الخمسة كانت فوق القدرات الأدبية لتلك الفترة، إذ يرى الناقد أن الأسفار الخمسة تحتوى في ذاتها على “كل عناصر الأدب العبرى في كمال إتقانه” وقد بلغت ذروة الكمال الأدبى وليس طفولته التى كانت لذلك الأدب أيام موسى. ويفترض استحالة كتابة مثل هذا الأدب الناضج أيام موسى النبى التى يرى أنها كانت فترة بدائية ومتخلفة !!

وللإجابة والرد الحاسم على هذه الادعاءات نقول أن العلوم الحديثة، خاصة علم الآثار، قد أثبتت صحة ما آمن به الكنيستان اليهودية والمسيحية، وبطلان كل ما زعمه وافترضه النقاد الماديون.

1- حروف الهجاء وجدت قبل موسى النبى :

أثبتت الاكتشافات الأثرية، كما بينا في الفصل الثالث، أن الكتابة بالحروف الهجائية، الألف باء، قد وجدت قبل عصر موسى بكثير، يقول بروفسر سميث في دائرة المعارف البريطانية جـ 9 (فن الكتابة والأدب العبرى) : “امتلكت فن الكتابة – وحروف الألف باء منذ زمن بعيد ضاع في ضباب القدم”، وقد وجدت أقدم كتابة بالحروف الهجائية في سرابة الخادم في سيناء وترجع لسنة 1800ق.م. وبالقرب من أورشليم وترجع لسنة 1600ق.م.

وفى رأس شمرا في شمال سوريا وترجع لسنة 1400 ق.م. وفى جيبال (بيبلوس) وترجع لسنة 1600ق.م. ولاحظ ايوالد Ewald أن كلمات “كتابة” و”كتب” و”سفر” و”حبر” كانت شائعة في كل فروع ولهجات اللغة السامية عدا الأثيوبية والعربية الجنوبية. وهذا يدل على أن الكتابة بالحبر كانت معروفة للساميين القدماء قبل أن ينفصلوا إلى أمم وقبائل مختلفة. وكان الحيثيون يعرفون الكتابة بالحروف الهجائية قبل موسى بكثير.

وكان في إمكان موسى الذى تربى في قصر فرعون كأمير مصرى أن يكتب بالحروف الهجائية وباللغة الهيروغليفية والهيراطيقية والتى بنيت على اللغة الهيروغليفية وكانت عبارة عن خطوط منحنية ومستخدمة منذ عصر الأسرة الثانية عشر أو الثالثة عشر، أى قبل موسى النبى بكثير، فقد تعلم موسى وتهذب “بكل حكمة المصريين وكان مقتدراً في الأقوال والأعمال” (أع7 :22)، وقد اعترف بهذه الحقيقة النقاد إذ يقول الناقد الألمانى بليك bleek “استخدام الكتابة قبل عصر موسى بين العبرانيين معترف به الآن بصفة عامة”، ويرى أن “السجلات المكتوبة في الأزمنة البدائية قد برهنت عليها” مثل فقرات (تك14 ، عدد 22:14، خر6:5 ، يش15:15).

وقد أثبتت الحفريات والاكتشافات الأثرية أيضاً، إمكانية وجود سجلات قديمة وألواح مكتوبة من أيام إبراهيم، خاصة وإنه قد وجدت روايات أسطورية عن الخليقة والطوفان وبرج بابل . وهى قريبة جداً من سفر التكوين بالكتابات الكلدانية التى ترجع إلى زمن إبراهيم مما يدل على إنه كان في إمكان إبراهيم أن يحتفظ بالتقليد الإلهى، الذى تسلمه من الأباء، في كتابة قصة الخليقة والطوفان وبرج بابل في سفر التكوين وذلك إلى جانب التقليد الشفوى الذى تسلمه عن جدة لاوى عن يعقوب عن اسحق عن إبراهيم.

2ـ كان الأدب في عصر موسى في ذروته:

تدل كل الحقائق والبراهين على أن موسى النبى هو كاتب التوراة :

1ـ أثبتت الدراسات والأبحاث الأثرية والتاريخية أن الأدب صار حرفة في مصر قبل موسى النبى بزمن طويل وكانت له فروعة المتعددة من تاريخ وأخلاقيات وشعر وأدب رسائلى وعلوم طبية وكتابة روائية، ووجد العديد من الكتاب قبل زمن إبراهيم، ووصل الأدب في مصر ذروته في عصر الأسرة الثامنة عشر والتاسعة عشر الذى تم فيه الخروج في زمن إحداهما.

وكانت هناك الأعمال الطويلة مثل بردية أيبرس epers والتى ترجع للقرن السادس عشر ق.م. وتحتوى على معارف طبية مصرية من عصر أمنحتب الثالث، وبردية هاريس p.  Harris التى يبلغ طولها 133 قوم (41م) وعرضها حوالى 17بوصة (32سم) وتقع في 117عمود وترجع لمنتصف القرن الثانى عشر ق.م.، وكتاب الموتى الشهير والذى يرجع إلى سنة 1300ق.م. وكان الأدب في مصر قديماً هو أول وأحسن الوظائف وكان للكتاب منزلة وشهرة عالية حتى أن كتاباتهم كانت تنقش على جدران المعابد مثل قصيدة بنتاؤر pentaour التى كتبت على حوائط معبد الكرنك ومازلت موجودة إلى اليوم.

وقد تعلم موسى في مصر، في قصر فرعون، كابن لابنة فرعون التى انتشلته من الماء . وكان يعد للحياة الرسمية وحياة الأمراء فتدرب على الأدب والحكمة والعلوم المصرية المتنوعة “فتهذب موسى بكل حكمة المصريين وكان مقتدراً في الأقوال والأعمال” (أع22:7)، وهذا يبرهن إنه كانت لديه القدرة الأدبية والكفاية وإنه لم يكن من المستحيل علية أن يكتب كتاب في حجم التوراة، خاصة وإنه كتب التوراة بعد تلقيه الأمر الإلهى بإخراج شعب الله من مصر وبعد أن قضى أربعين سنة في قصر فرعون وأربعين سنة أخرى في البرية، في سيناء، وكان أمامه مدة أربعين سنة أخرى قاد فيها الشعب في البرية وكتب فيها التوراة مسوقا من الروح القدس.

2- وإذا نظرنا إلى التوراة كعمل أدبى يتبين لنا أنها كتبت بأسلوب بسيط وسهل وغير متكلف، يخلو من الأسلوب البلاغى المزين، ويرجع إتقانها لروايتها البسيطة والواضحة. وتخلو التوراة من حكم سليمان إلا مثالية كما تخلو من تحذيرات أرميا وحزقيال البليغة وتحلقات أشعياء المرتفعة. وهذا يبطل مزاعم النقاد الذين زعموا أنها كتبت في زمن متأخر. وإذا كان النقاد يرون أن أسلوب كتابة التوراة قد وصل إلى الامتياز، وهذا لا يمكن أن يحدث فجأة فهذا راجع لثلاثة عناصر :

أ- كون موسى قد تعلم وتهذب وسط أدباء مصر في عصره، وكان أدب قدماء المصريين قد وصل ذروته في أيامه.

ب- يجب أن نضع في الاعتبار أنه كما سبق موسى كتابات عديدة لكتاب مصريين وأن الأدب المصرى قد وصل إلى ذروته في أيامه، فقد سبقه أيضا كتابات أخرى وكُتاب آخرون في قومه لم يصل إلينا من أعمالهم شئ مثل “أناشيد إسرائيل” (عدد 17:21) و”كتاب حروب الرب” (عدد 14:21) اللذين كانا بيد يديه.

جـ- أنه كتب التقاليد التى تسلمها عن آبائه وأجداده سواء شفاهة أو مكتوبة وكتب الوصايا والنواميس التى تسلمها من الله على الجبل في سيناء وكذلك سجل رحلات بنى إسرائيل التى كان هو نفسه بطلها وقائدها. وهناك حقيقة لا يجب إغفالها، أنه كان يكتب مسوقا من الروح القدس.

هذه الحقائق وغيرها جعلت الناقد الالمانى بليك يعترف ويقول أنه من المحتمل بدرجة كبيرة أن موسى ترك خلفه عمل تاريخى بمثل هذا المدى والمعنى، كما يسلم بأن موسى قد ورث لرجال شعبه “سلسلة كاملة من المبادئ القانونية مليئة بالتفاصيل الدقيقة التى أراد لشعبه أن يلاحظها بدقة”.

3- تأكيد التوراة ذاتها على أن موسى هو كاتبها :

أكدت التوراة ذاتها مرات عديدة على أن موسى هو كاتبها بناء على أمر الله ووحى الروح القدس:

“فقال الرب لموسى أكتب هذا تذكارا في الكتاب” (خر 14:17).

“وقال الرب لموسى أكتب لنفسك هذه الكلمات” (حز 27:34).

“فكتب موسى جميع أقوال الرب” (حز 4:24).

“وكتب موسى هذه التوراة وسلمها للكهنة بنى لاوى” (تث 9:31).

فقد كان موسى كما يقول كيل  Keil “معينا لتسجيل أعمال الله المجيدة”. ويرى النقاد أنه كتب النواميس والأناشيد وقائمة المحطات التى عسكر فيها بنى إسرائيل. والتوراة نفسها تؤكد أنه كتب “كتاب العهد” (حز 3:24-7)، ومحتوياته (حز 2:22-14، 21-23؛ حز 23) والناموس التثنوى في سفر التثنية (تث 9:31-11).

فإذا كان الجميع، من نقاد وغيرهم، قد اقروا بكتابة موسى لأجزاء كبيرة من التوراة ولم يكن يعوزه لا اللغة والمقدرة الأدبية ولا الوقت للكتابة فما الذى يمنع موسى من كتابة التوراة كلها كما هى بأيدينا اليوم ؟!!

4- يدل التطابق بين علم المصريات وما جاء في التوراة عن طبيعة وعادات المصريين وجغرافية شبه جزيرة سيناء على أن الكاتب هو موسى :

1- أثبتت الحفريات والاكتشافات الأثرية المصرية الحديثة، علم المصريات  Egyptology، أن هناك تطابق مذهل بين ما جاء بها وبين ما جاء في التوراة مما يدل على أن الكاتب قد ولد وتربى وعاش في مصر كواحد من أهلها، إذ تدل معرفته الدقيقة بالعادات الاجتماعية والدينية للمصريين ومعرفته لوظائف وقواعد التشريفات والسلوك (الايتكيت) في البلاط المصرى على أنه مصرى تربى في مصر وفى بلاط فرعون لأنه لم يكن في إمكان أجنبى عاش بعيدا عن مصر أو وفد إليها وعاش بها فترة أن يكتب مثلها لأن قدماء المصريين لم يستريحوا إلى الجانب.

يقول سير جاردنر ولكنسون في كتابه “قدماء المصريين جـ 4:1” : “أن سكان وادى النيل القدماء كانت لهم غيرة مشهورة من الأجانب، الذين منعوهم بقدر الإمكان من التغلغل داخل البلاد ولم يفصحوا لهم إلا عن معلومات قليلة فيما يختص بمؤسسات بلدهم”. وقد أحتال المؤرخ اليونانى هيرودتس  Herodotus لكى يجمع كمية كبيرة من المعلومات عن مصر ولكن ما جمعه لم يزد عن كونه معلومات أجنبى.

ويدلنا هذا التطابقبين علم المصريات وما جاء عن مصر في التوراة على أن الكاتب هو موسى الذى ولد وتربى في مصر كأمير وحارب كقائد مصرى في الحبشة كما يقول المؤرخ اليهودى يوسيفوس. ومن عادات قدماء المصريين التى سجلها موسى في التوراة والتى لا يعرفها إلا مصرى عاش في مصر في تلك الفترة، عادة زواج الخصيان (تك 36:37؛ 1:39)، وهذه العادة لم يعرفها بنى إسرائيل ولم تذكر في العهد القديم سوى في سفر التكوين فقط.

وكان الخصيان من المقربين من فرعون (تك 20:40)، وعادة عزل الأجانب عن المصريين عند الأكل “لأن المصريين لا يقدرون أن يأكلوا طعاما مع العبرانيين لأنه رجس عند المصريين” (تك 32:43)، وكذلك عادة تقديم خاتم ووضع طوق من ذهب في عنق من يود فرعون تكريمه بالسلطة (تك 42:41) وكذلك إلباس يوسف “ثياب بوص” وهى عبارة عن نسيج رقيق من الكتان. ويؤكد كل من هيرودوتس وبلينى على أن هذه الثياب كانت للكهنة المصريين.

واستخدم موسى النبى كلمات مصرية كثيرة كالاسم الذى أعطاه فرعون ليوسف “صفنات فعنيح” (تك 45:41) ومعناه “الله يتكلم وهو يعيش”، وكذلك اسم زوجته “اسنات” ومعناه “التى لنيت Neith” أى للآلهة نيث، واسم والد زوجة يوسف، الكاهن “فوطى فارع” (تك 45:41) ومعناه “المكرس للشمس” وهو من الأسماء الشائعة في الآثار المصرية.

وكذلك ذكره لمدينة “وان” هليوبوليس باسمها القديم والتى كانت مركزا لعبادة إله الشمس “تا رع”، وأرض “رعمسيس”، أى مقر رمسيس، و”فيثوم” (خر 11:1) والتى تعنى مقر الشمس، وغيرها من الكلمات المصرية، أو الكلمات العبرية التى من أصل مصرى التى يذخر بها سفر الخروج بصفة خاصة.

واستخدم أيضا عبارات مصرية كثيرة مثل “جانب النهر” (خر 2:5) بقوله “شفة  Lip النهر”، و”رؤساء تسخير” (حر 11:1)، و”سفطا من البردى” (خر 3:2)، و”انتنتما رائحتنا” (خر 21:5)، “وترسل سخطك فيأكلهم كالقش” (خر 7:15).

2- وما سجله الكاتب في التوراة عن شبه جزيرة سيناء يبين لنا ألفته ومعرفته الواسعة والدقيقة لمناخها وظواهرها الطبيعية وتفاصيلها الجغرافية من جبال عارية وتلال ورمال جافة وصحارى واسعة، وكذلك دروبها وطرقها المتعرجة وينابيعها النادرة، الحلوة والمرة (حر 23:15) وآبارها ونخيلها (خر 27:15) وأشجار السنط التى بها (خر 10:25،23). وهذا يدل على أنه عاش فيها مدة طويلة تمكنه من التعرف عليها هذه المعرفة الواسعة والدقيقة.

وهذا ينطبق تماما على موسى النبى الذى قضى فيها مدة أربعين سنة يرعى غنم يثرون حميه كاهن مديان (خر 1:3)، كما عاش فيها مدة أربعين سنة أخرى قائدا للشعب أثناء رحلة التيه في سيناء.

هذه المعرفة المزدوجة للكاتب تبطل كل مزاعم النقاد الذى ادعوا أن التوراة كتبت في عصر سليمان أو بعد السبى البابلى، لأنه يستحيل على أحد أن يكون له هذه المعرفة الواسعة والدقيقة لمصر وشبه جزيرة سيناء إلا إذا كان مصرى، ولد وتربى وعاش في مصر وشبه جزيرة سيناء، بل ويستحيل على من سمع عن مصر أو حتى زارها كأجنبى أن يكون له هذه المعرفة، وهذا ما اعترف به كثيرا من النقاد بعد الاكتشافات الأثرية الحديثة.

5- دلالة الألفاظ والكلمات العبرية المستخدمة في التوراة على أن الكاتب هو موسى:

أجمع علماء اللغة العبرية على أن التوراة قد كتبت بلغة عبرية قديمة أو تحتوى على عناصر قديمة مثل استخدام الضمير “هو” للغائب،/ الذكر والانثى، دون تمييز بين الجنسين، و”نعر” للبنت والولد أيضا. وغيرها من الكلمات القديمة التى استخرجها العلماء. وقد وجدت هذه الكلمات والألفاظ في التوراة بكثافة لا مثيل لها سوى في سفر يشوع فقط. وقد شاعت بعض هذه الكلمات في الكتب المتأخرة مثل حزقيال وأخبار الأيام، وذلك بسبب تأثر كتاب هذه الكتب بالتوراة، خاص بعد اكتشاف التوراة في الهيكل وإصلاح يوشيا المشهور.

ويدلنا قدم اللغة المستخدمة في التوراة وبساطة أسلوبها على أنها كتبت في عصر موسى النبى وعلى أنه هو كاتبها.

6- شهادة السيد المسيح ورسله على أن موسى النبى هو كاتب التوراة :

شهد السيد المسيح وتلاميذه ورسله ومعاصروه من اليهود على أن موسى النبى هو كاتب التوراة، والسيد المسيح هو الحق وشهادته هى الحق. فقد قال “أفما قرأتم في كتاب موسى” (مر 19:12-27)، و”موسى كتب عنى فإن كنتم لستم تصدقون كتب ذاك (موسى) فكيف تصدقون كلامى” (يو 46:5،47).

وقال فيلبس لنثنائيل عن المسيح “وجدنا الذى كتب عنه موسى في الناموس” (يو 45:1). وقال يعقوب الرسول “لأن موسى منذ أجيال قديمة له في كل مدينة من يكرز به إذا يقرأ في المجامع كل سبت” (أع 21:15)، وقال بولس الرسول “لأن موسى يكتب في البر الذى بالناموس” (رو 5:10).

وقد اقتبس السيد المسيح وتلاميذه ورسله وأشاروا إلى معظم ما جاء في أسفار التوراة الخمسة، مثل خلق السموات والأرض بكلمة الله(1)، وخدعة الحية لحواء(2)، وغواية حواء(3)، وتقدمة هابيل وقايين(4)، وقتل قايين لهابيل(5)، ونقل أخنوخ إلى السماء(6)، وفساد الأرض أيام نوح(7)، وفلك نوح(8)، ودعوة إبراهيم(9)، وملكى صادق(10)، وإيمان إبراهيم بالله(11)، ودعوة سارة لإبراهيم بـ “سيدى”(12)، وهلاك سدوم وعمورة(13)، وصيرورة امرأة لوط عمود ملح(14)، وطرد سارة لهاجر(15)، وتقديم اسحق ذبيحة(16)، وبيع عيسو بكوريته ليعقوب(17)، وبركة يعقوب ليوسف(18)، ووصية يوسف عند مونه(19)، من سفر التكوين.

وولادة موسى(20)، وقتله للمصرى(21)، وظهور ملاك الرب بلهيب نار في العليقة لموسى(22)، وخروف الفصح(23)، وعبور البحر الأحمر(24)، وأكل المن في البرية(25)، وشرب الماء من الصخرة(26)، نزول الرب على الجبل واضطراب الجبل(27)، رش دم العهد(28)، المنارة وخبز التقدمة وخيمة الاجتماع(29)، جلوس بنى إسرائيل للأكل والشرب وقيامهم للعب(30)، من سفر الخروج.

وإحراق الذبيحة خارج المحلة(31)، تقديم الوالدة ذبيحة خطية عند تمام أيام تطهيرها(32)، الأبرص يرى نفسه للكاهن بعد شفائه(33)، الأمر بحفظ الناموس للحياة(34)، محبة القريب(35)، رجم الزانية(36)، سكنى الله في وسط شعبه، وذلك من سفر اللاويين.

وتقديس البكر(37)، قيادة السحابة لبنى إسرائيل في البرية(38)، شهوة بنى إسرائيل للأكل(39)، موسى أمين في بيت الله(40)، تذمر بنى إسرائيل(41)، تيه بنى إسرائيل(42)، خروج الماء من الصخرة(43)، الحيات التى لدغت الشعب(44)، الحية النحاسية(45)، تكلم حمارة بلعام(46)، طرح بنى إسرائيل في القفر(47)، تقديم ذبيحة يوم السبت(48)، وذلك من سفر العدد.

والسجود لله وحده(49)، لا تجربوا الرب إلهكم(50)، ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان(51)، الله لا يقبل بالوجوه(52)، شهادة شاهدين على القاتل(53)، أكل الكهنة واللاويين من المذبح(54)، إقامة نبى وسط بنى إسرائيل مثل موسى(55)، أمر موسى بالطلاق(56)، لعنة من لا يقيم كلام الناموس(57)، الكلمة قريبة منك ومن فمك(58)، وذلك من سفر التثنية.

7- شهادة كل أنبياء العهد القديم على أن موسى هو كاتب التوراة :

شهد كل أنبياء العهد القديم ابتداء من يشوع إلى ملاخى أن موسى النبى هو كاتب التوراة، وتكررت عبارة “كما هو مكتوب في كتاب ناموس موسى” في أسفار كثيرة مثل يشوع وملوك وأخبار الأيام وعزرا ونحميا ودانيال(59). ولا يوجد سفر من أسفار العهد القديم لم يشر إلى توراة موسى أو يقتبس منها أو يتأثر بها. فقد كانت التوراة منذ أن سلمها موسى النبى ليشوع والكهنة واللاويين هى كتاب بنى إسرائيل الأول والذى قام على أساسه الحكم الثيئوقراطى.

فهرس الكتاب:

(1) تك 1:1 مع عب 3:11

(2) تك 4:3 مع 2كو 3:11

(3) تك 6:3 مع 1تى 14:2

(4) تك 3:4 مع عب 4:11

(5) تك 8:4 مع 1يو 12:3

(6) تك 4:5 مع عب 5:11

(7) تك 12:6مع 1بط 10:3

(8) تك 14:6 مع عب 7:11

(9) تك 1:12-3 مع عب 8:11

(10) تك 18:14 مع عب 1:7

(11) تك 1:15 مع رو 3:4

(12) تك 12:18 مع 1بط 6:3

(13) تك 24:19-26 مع 2بط 6:2

(14) تك 26:19 مع لو 31:17،32

(15) تك 10:21-12 مع غل 30:4

(16) تك 2:22 مع عب 7:11

(17) تك 33:25 مع عب 16:12

(18) تك 15:48،16 مع عب 21:11

(19) تك 24:50،25 مع عب 22:11

(20) خر 3:2 مع عب 23:11

(21) خر 11:2،12 مع عب 23:7،24

(22) خر 2:3 مع أع 30:7

(23) خر 13 مع عب 28:11

(24) خر 22:14 مع عب 29:11

(25) خر 13:16-16 مع يو 31:6،49

(26) خر 6:17 مع 1كو 4:10

(27) خر 18:19 مع عب 18:12-21

(28) خر 6:24-8 مع عب 19:9-22

(29) خر 25:26 مع عب 2:9

(30) خر 6:32 مع 1كو 7:10

(31) لا 21:4 مع عب 11:13

(32) لا 6:12،8 مع لو 22:2،24

(33) لا 4:14 مع مت 4:8

(34) لا 5:18 مع رو 5:10

(35) لا 18:19 مع غل 14:5

(36) لا 10:20 مع يو 5:8

(37) عد 16:8 مع لو 23:2

(38) عد 17:9،18 مع 1كو 1:10

(39) عد 4:11 مع 1كو 6:10

(40) عد 7:12 مع عب 2:3،5

(41) عد 27:14 مع 1كو 10:10

(42) عد 29:14-33 مع عب 17:3

(43) عد 8:20 مع 1كو 4:10

(44) عد 5:21،6 مع 1كو 9:10

(45) عد 9:21 مع يو 14:3،15

(46) عد 28:22 مع 2بط 15:2،16

(47) عد 65:26 مع 1كو 5:10

(48) عد 9:28 مع مت 5:12

(49) تث 3:6 مع مت 10:4

(50) تث 6:16 مع مت 7:4

(51) تث 10:8،17 مع مت 4:4

(52) تث 17:10 مع أع 34:10

(53) تث 6:17 مع عب 28:10

(54) تث 1:18 مع 1كو 13:9

(55) تث 15:18-19 مع أع 22:3،23؛ 37:7

(56) تث 1:24 مع مت 31:5؛ 7:19

(57) تث 26:27 مع غل 10:3

(58) تث 12:30-14 مع رو 6:10-9

(59) أنظر يش 31:8؛ 1مل 3:2؛ 2مل 6:14؛ 1أخ 40:16؛ 2أخ 18:23؛ عز 2:3؛ نح 1:8؛ دا 11:9،13

من هو كاتب التوراة‍ ؟ – القمص عبد المسيح بسيط

كتاب العهد القديم – القمص عبد المسيح بسيط

كتاب العهد القديم – القمص عبد المسيح بسيط

كتاب العهد القديم – القمص عبد المسيح بسيط

كتاب العهد القديم – القمص عبد المسيح بسيط

عن كتاب: التوراة كيف كتبت وكيف وصلت إلينا؟ للقمص عبد المسيح بسيط

حمل الأنبياء الرسالة وقدموا الإعلان شفوياً أولاً ثم حرك الروح القدس الأنبياء لكتابة هذا الإعلان فى أسفار ليظل كشهادة حية للأجيال التالية، كما يقول القديس بالروح “كل ما سبق فكتب كتب لأجل تعليمنا(1)”فكتب موسى النبى الأسفار الخمسة الأولى، التوراة، فدون سفر التكوين تاريخ إعلان الله منذ الخليقة وسقوط آدم وطرده من جنة عدن إلى طوفان نوح ودعوة إبراهيم حتى دخول بنى إسرائيل مصر إذ جمع التقاليد التى تسلمها من آبائه والذين تسلموها بدورهم عن آبائهم حتى آدم.

ثم كتب أسفار الخروج واللاويين والعدد والتثنية والذى عاش أحداثهم بنفسه وكان هو بطلها والتى تسلم فيها الوصايا والناموس من الله مباشرة “فماً لفم”. وأكمل يشوع ما بدأه موسى وكتب السفر المعروف باسمه وأكمل صموئيل النبى وجاد وناثان النبيان ما بدأه موسى ويشوع وكتبوا أسفار القضاة وراعوث وصموئيل الأول والثانى وأكمل هذا العمل أيضا أرمياء النبى وبعض معاصريه

وكتبوا أسفار الملوك الأول والثانى وسفر أرمياء الذى أملاه بنفسه على باروخ تلميذه وكتب أشعياء النبى وحزقيال ودانيال وبقية الأنبياء أسفارهم المعروفة باسمهم كما كتب داود ومجموعة من أنبياء ومرنمى الهيكل كيدثون وآساف وهيمان سفر المزامير وكتب سليمان أسفار الأمثال والجامعة ونشيد الإنشاد … الخ. وكان الله قد كتب بنفسه الوصايا العشر على لوحين من الحجارة(2).

1- موسى النبى وكتابة التوراة :

كتب موسى النبى بناء على أمر الله المباشر له بالكتابة فى كل مناسبة سلمه فيها وصايا ونواميس :

“فقال الرب لموسى أكتب هذا تذكارا فى الكتاب وضعه فى مسامع يشوع”(3).

“فكتب موسى جميع أقوال الرب”(4).

“وقال الرب لموسى اكتب لنفسك هذه”(5).

“وكتب موسى مخارجهم (بنى إسرائيل) برحلاتهم حسب قول الرب”(6).

وأمر موسى نفسه بنى إسرائيل أن يكتبوا على حجارة :

“فيوم تعبرون الأردن إلى مصر التى يعطيك الرب إلهك تقيم لنفسك حجارة كبيرة وتشيدها بالشيد (الجبس) وتكتب عليها جميع كلمات هذا الناموس … وتكتب على الحجارة جميع كلمات هذا الناموس نقشاً جيداً”(7).

وقبل موت موسى النبى مباشرة، وفى ختام سفر التثنية يقول :

“وكتب موسى هذه التوراة وسلمها للكهنة بن لاوى حاملى تابوت عهد الرب ولجميع شيوخ إسرائيل … تقرأ هذه التوراة أمام كل نبى إسرائيل فى مسامعهم … ويحرصوا أن يعملوا بجميع كلمات هذه التوراة … فعندما كمل موسى كتابة هذه التوراة فى كتاب إلى تمامها أمر موسى اللاويين حاملى تابوت العهد قائلاً خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم ليكون هناك شاهداً عليكم”(8).

وأوصى موسى بنى إسرائيل أنه عندما يقيمون ملكاً عليهم “وعندما يجلس على كرسى مملكته يكتب لنفسه نسخة من هذه الشريعة فى كتاب من عند الكهنة واللاويين فتكون معه ويقرأ فيها كل أيام حياته لكى يتعلم أن يتقى الرب إلهه ويحفظ جميع كلمات هذه الشريعة وهذه الفرائض ليعمل به”(9).

2- توراة موسى والأنبياء :

كانت التوراة منذ عصر موسى هى الكتاب الأول والمرجع الأول لكل الأنبياء والكهنة والقضاة والملوك وكل فئات الشعب وكان محور دعوة الأنبياء هو حث الشعب على اتباع وصاياها وتحذيره من مخالفتها، وقد بدأت هذه الدعوة من التوراة نفسها ” “إن لم تحرص لتعمل بجميع كلمات هذا الناموس المكتوبة فى هذا السفر لتهاب هذا الاسم الجليل المرهوب الرب إلهك، يجعل الرب ضرباتك وضربات نسلك عجيبة(10)”، “وأما أنت فتعود وتسمع لصوت الرب وتعمل بجميع وصاياه التى أنا أوصيك بها اليوم فيزيدك الرب إلهك خيراً فى كل عمل يدك فى ثمرة بطنك وثمرة بهائمك وثمرة أرضك … إذا سمعت لصوت الرب إلهك لتحفظ وصاياه وفرائضه المكتوبة فى سفر الشريعة هذا”(11).

وكلم الله يشوع خليفة موسى قائلاً : “لا يبرح سفر هذه الشريعة من فمك(12)”، وعمل “يشوع كما هو مكتوب فى سفر توراة موسى(13)”، “وكتب هناك على الحجارة نسخة توراة موسى التى كتبها أمام بنى إسرائيل … وبعد ذلك قرأ جميع كلام التوراة البركة واللعنة حسب كل ما كتب فى سفر التوراة”. وأوصى يشوع الشعب قبل موته بقوله : “فتشردوا جدا لتحفظوا وتعملوا كل المكتوب فى سفر شريعة موسى حتى لا تحيدوا عنها يميناً أو شمالاً”(14).

وكانت وصية داود قبل موته لسليمان ابنه “احفظ شرائع الرب إلهك … كما هو مكتوب فى سفر شريعة موسى لكى تفلح فى كل ما تفعله وحيث توجهت”(15). وكان شعار جميع الذين تنبأوأو حكموا وقضوا لبنى إسرائيل هو العمل “كما هو مكتوب فى سفر شريعة موسى(16)”، حتى أنه يندر أن يخلو سفر من أسفار العهد القديم من ذكر “شريعة موسى”.

وكان ظهور التوراة فى أشد فترات بنى إسرائيل ظلاما هو النور الذى أضاء هذا الظلام كما حدث عند وجودها فى الهيكل أيام يوشيا الملك الصالح فحفزته على الإصلاح الذى قام به(17)، كما كان ظهورها بعد السبى بمثابة عودة الروح للشعب الذى أنغمس فى ارتداده عن الله(18).

3- كتابة أسفار العهد القديم الأخرى :

كان موسى بالنسبة للأنبياء الذين أتوا بعده هو النموذج والمثال الذى ساروا على خطاه، فقد أمروه هم أيضا بكتابة الإعلان الذى تلقوه من الله بروحه القدوس فكتب يشوع سفره قبل موته “وكتب يشوع هذا الكلام فى سفر شريعة الله(19)”، وكتب صموئيل النبى “فى السفر ووضعه أمام الرب(20)”، وكتب داود “وحى داود بن يسى وحى الرجل القائم فى العلا مسيح إله يعقوب ومرنم إسرائيل الحلو.

روح الرب يتكلم بى وكلمته على لسانى(21)”، وكتب سليمان “ألم أكتب لك أموراً شريفة من جهة مؤامرة ومعرفة(22)”، وكتب أشعياء “وقال الرب خذ لنفسك لوحا كبيرا وأكتب عليه(23)”، “تعال الآن اكتب هذا عندهم على لوح وارسمه فى سفر ليكون لزمن آت للأبد(24)”، وأرمياء “هكذا تكلم الرب إله إسرائيل قائلاً : أكتب الكلام الذى تكلمت به إليك فى سفر(25)”، “خذ لنفسك درج سفر وأكتب فيه كل الكلام الذى كلمتك به على إسرائيل وعلى يهوذا وعلى كل الشعوب من اليوم الذى كلمتك فيه من أيام يوشيا إلى هذا اليوم … فدعا أرمياء باروخ بن نيريا فكتب باروخ عن فم أرمياء كل كلام الرب الذى كلمه به فى درج سفر”.

وأوصاه قائلاً : “أدخل أنت وأقرأ فى الدرج الذى كتبت عن فمى كل كلام الرب فى أذان الشعب فى بيت الرب”(26).

ويتكلم بعض الأنبياء بصيغة المتكلم، بضمير “أنا”، مما يدل على أنهم هم كتاب الأسفار المعروفة باسمهم، فمثلاً يقول حزقيال فى افتتاحية سفره “وأنا بين المسبيين عند نهر خابور أن السموات انفتحت فرأيت رؤى الله(27)”، ويقول دانيال “ظهرت لى أنا دانيال رؤيا(28)”، “أنا دانيال فهمت من الكتب(29)”، ويتكلم نحميا كثيراً بصيغة المتكلم … الخ.

وبرغم أن كل أسفار الأنبياء الصغار، الاثنى عشر، تتكلم فى بدايتها وكأنها بصيغة الغائب، إلا أنها جميعاً تبدأ بتحديد شخصية النبى متلقى الإعلان، “قول الرب الذى صار إلى هوشع(30)”، “قول الرب الذى صار إلى يوئيل(31)”، “أقوال عاموس(32)”، “رؤيا عوبيديا(33)”، “قول الرب إلى يونان(34)”، “قول الرب الذى صار إلى ميخا(35)”، “سفر رؤيا ناحوم(36)”، “الوحى الذى رآه حبقوق(37)”، “كلمة الرب التى صارت إلى صفنيا(38)”، “كلمة الرب عن يد حجى النبى(39)”، “كلمة الرب إلى زكريا(40)”، “وحى كلمة الرب إلى إسرائيل عن يد ملاخى(41)”.

4- السيد المسيح ورسله يشهدون لكتاب العهد القديم :

أشار السيد المسيح ورسله إلى حقيقة محتوى العهد القديم وأقتبسوا منه وأستشهدوا به، كما أشاروا إلى عدد من الأنبياء على أنهم كتاب الأسفار المعروفة باسمهم، فقد أشاروا إلى موسى ككاتب التوراة أكثر من خمسين مرة(42)، كما أشاروا إلى يشوع وأعماله المذكورة فى سفره(43)، وأشاروا إلى صموئيل أبرز القضاة والأنبياء بعد موسى “وجميع الأنبياء أيضا من صموئيل فما بعده الذين تكلموا سبقوا وأنبأوا فى هذه الأيام(44)”.

كما أشاروا إلى داود ككاتب المزامير مرات عديدة “داود نفسه يقول فى كتاب المزامير(45)”، وإلى الذى أتت مملكة التيمن لتسمع حكمته(46)، وإلى أيوب وصبره الذى هو محور سفره(47)، وإلى أشعياء ككاتب سفره “لكى يتم ما قيل بأشعياء(48)”، “كما قال أشعياء النبى(49)”، وإلى أرمياء ككاتب سفره “حينئذ تم ما قيل بأرمياء النبى القائل(50)”، وأكد السيد المسيح أن دانيال هو كاتب سفره “فمتى رأيتم رجسة الخراب التى قال عنها دانيال النبى(51)”، كما أشاروا إلى هوشع “كما يقول هوشع أيضا(52)”، وإلى يونان وحوته(53). وأقتبسوا الكثير من آيات العهد القديم ككلمة الله دون ذكر الأسفار التى أخذت منها أو كتابها لأنها كانت شائعة ومعروفة عند اليهود.

فهرس الكتاب:

(1) رو 4:15

(2) حز 12:24

(3) حز 4:17

(4) حز 12:24

(5) حز 27:34

(6) عد 2:23

(7) تث 2:27،3،8

(8) تث 9:31-26

(9) تث 18:17،19

(10) تث 58:28، 59

(11) تث 8:30-30

(12) يش 8:1

(13) يش 32:8، 34

(14) يش 6:23

(15) 1مل 3:2

(16) 2مل 6:14؛ 2أخ 22:13

(17) 2مل 23:22؛ 2أخ 34

(18) نح 14:8؛ 1:13

(19) يش 26:24

(20) 1صم 25:10

(21) 2صم 1:23،2

(22) أم 20:22

(23) أش 1:8

(24) أش 8:30

(25) أر 2:30

(26) أر 36

(27) حز 1:1

(28) دا 1:8

(29) دا 1:9

(30) هو 1:1

(31) يؤ 1:1

(32) عا 1:1

(33) عو 1:1

(34) يونان 1:1

(35) ميخا 1:1

(36) ناحوم 1:1

(37) حب 1:1

(38) صف 1:1

(39) حج 1:1

(40) زك 1:1

(41) ملا 1:1

(42) أنظر مثلا : مر 19:12،26

(43) أع 35:7؛ عب 8:4

(44) أع 24:3؛ أنظر أع 20:13

(45) لو 41:20

(46) متى 42:12

(47) يع 11:5

(48) متى 3:3

(49) يو 38:12

(50) متى 18:2

(51) متى 5:24؛ مر 14:13

(52) رو 5:9

(53) متى 39:12-41

كتاب العهد القديم – القمص عبد المسيح بسيط

دراسة الكتاب المقدس أكاديميا

دراسة الكتاب المقدس أكاديميا

دراسة الكتاب المقدس أكاديميا

دراسة الكتاب المقدس أكاديميا

المقالة السابقة: طرق استعمال الكتاب المقدس في الكنيسة

نعني بالدراسة الأكاديميّة تلك الرسميّة والنظاميّة على مستوي الجامعات والكليّات والمدارس اللاهوتيّة التي ازدهرت أوَّلاً في أوروبا الغربيّة وأميركا الشماليّة، واليوم في كلّ العالم[1]. يُسلَّم بأنّ الدراسة علميّة إذ أنَّها تتبع نظامًا من المعايير والطرائق التي طُوّرَت في تقليد أكاديميّ طويل في الفنون والإنسانيّات. هذا التقليد الأكاديميّ يستحق اعتبارًا متأنيًّا ليس فقط لإنجازاته المؤثّرة بل أيضًا لتأثيراته المُمزِّقة في ما يخصّ كلّ المقاربات التقليديّة للإنجيل.

التقليد الليبراليّ للدراسات الكتابيّة، على تعقيده وتنوّعه، يشكّل بالواقع تقليدًا جديدًا ويمثّل جماعة جديدة أي جماعة من الباحثين باعتماماتهم وافتراضاتهم التي تتعدّى الطرائق المحدّدة. إيديلوجيا البحث الأكاديميّ غالبًا ما أدّت إلى أحكام متطرّفة حول سلطة الكتاب كما حفظها كلّ المسيحيّين تقليديًّا. إضافةً، سيطرة هذا البحث أدّت بشكل تدريجيّ إلى ظهور افتراض مرعِب هو أنَّ الباحثين وحدهم يستطيعون فعلاً معرفة الكتاب فكانت نظريّة حمقاء ومتغطرسة. المحطّط التالي للنقد الكتابيّ موسّع بتقويم أكثر تفصيلاً للبحث الكتابيّ المعاصر في الفصل الخامس.

الدراسة الكتابيّة الأكاديميّة المسيطرة والتي تتمّ كبحث علميّ على أساس النقد التاريخيّ والأدبيّ هو نتاج العالم الحديث، وترتبط بشدِّة بآلام ولادة الحضارة الغربيّة المعاصرة التي وسمتها عوامل الإصلاح، الحروب الدينيّة، ارتقاء العلوم، ردّةُ الفعل الفكريّة على الأشكال الجامدة في كلا الكثلكة والبروتستانتيّة، ومع اعتناق المنطق على أنّه الطريق الرئيس للحقّ والتقدّم البشريّ[2].

مع وجود عناصر التحرّر من سلطة الكنيسة واستعمال العقل المستقلّ، كان باستطاعة النقد الكتابيّ أن ينمو فقط في العالم البروتوستانتيّ، ولكن ليس من دون لذع مرّ وانقسامات داخليّة بين البروتوستانت إلى معسكرات: ليبراليّين، محافظون أو إنجيليّين، ومتشدّدين[3]. منذ البدء، أيّد النقد الكتابيّ قراءة معزولة وفكريّة للكتاب، “كأيّ كتاب آخر”، وعزّز العدائيّة نحو المعتقدات المسيحيّة التقليديّة.

وسعى إلى اكتشاف دين يسوع “الطبيعيّ الصافي” في مواجهة الدين المشوّه عن المسيح، الذي خلقته الكنيسة وعقائدها، والذي من المُحتَمَل أنّه سبّب الخلافات والحروب. صار يُنظَر بتشكيك مميّز إلى تعاليم العهد الجديد المركزيّة، كألوهة يسوع كابن الله والعجائب المدوّنة في الإنجيل، بما فيها قيامة يسوع. ممكن أن نعزو هذه الأفكار وأخرى مشابهة لها، أي عدائيّة تجاه المسيحيّة التقليديّة، إلى العقلانيّين الإنكليز أمثال جون لوك (1632-1704) والألماني ج. إيزليسنج (1729-1781).

هذه الأفكار نمت وتطورّت بطرائق مختلفة مع عدد من العلماء الألمان أمثال J. S. Sempler (1725-1791)، F. C. Baur (1792-1860)، ج. فيلهوزن (1842-1918)، أزهارنك (1851-1930)، ر. بولتمن (1884-1976)، ومازالت تظهر اليوم عبر أعمال الأميركيّ روبرت فانك Funk الذي يُعتَبَر القوّة الموجِّهة لـ”منتدى يسوع Jesus Seminar” الراديكاليّ[4].

لم يتقدّم النقد الكتابيّ بشكل خطّ مستقيم إنّما عبر قوى مختلفة ومدارس متعدّدة مثل توبنجن  Tübingen، “تاريخ الأديان” والبولتمانيّة. وفي الوقت ذاته، لم يكن كلّ النقاد الكتابيّون راديكاليّين. فيما كان النقد الكتابيّ يكتسب قبولاً في البروتستانتيّة السائدة، كان الحدّ العدائيّ الموروث يتلطّف، يُخبّأ بمَكر، أو حتّى يُبرَّر باسم البحث العلميّ. بعض الباحثين البروتستانت المنتمين إلى الخطّ الرئيس رفعوا أصواتهم منتقدين النقد الكتابيّ في أطرافه التقنيّة، التاريخيّة والفلسفيّة[5].

لقد تميّز هذا الحقل بمجمله بإيدلوجيّة عقلانيّو وعنصر مميّز من الراديكاليّة التنويريّة، مع الاعتراف باكتشافاته اللامعة التاريخيّة والكلاميّة. قال ويليام بيرل بهذا الشأن: “تاريخ النقد الجديد منذ نهايّة القرن الثامن عشر إلى الثلثين الأوّلين من القرن العشرين هو بشكل واسع تلاوة أفكار التنوير مع بعض التغييرات”[6].

ليس مفاجئًا أنّ النقد الكتابيّ لم يجد بسهولة قبولاً في الكنيسة الرومانيّة الكاثوليكيّة[7] مع أنّ أحد أوائل الروّاد كان الواعظ الفرنسيّ ر. سيمون (1638-1712) المرتّد عن البروتوستانتيّة. إلاّ أنّ الدراسات الكتابيّة الكاثوليكيّة بقيت دفاعيّة إلى النصف الثاني من القرن العشرين. ظهر باحثان كاثوليكيّان عظيمان في أوائل القرن العشرين، م. ج. لاغرانج (M. L. Lagrange) وأ. لوازي (A. Loisy). لاغرانج أسّس المدرسة الكتابيّة في أورشليم ومجلة Revue Biblique، وبرهن بشكل مقنع إمكانيّة قيام البحث الكتابيّ بدون أن يتعارض بالضرورة مع الإيمان والكنيسة.

لوازي وهو عالم بفقه اللغة موهوب ومفسّر، سقط في التطرّف النقديّ وحُرم (1908) على أنّه قائد هرطقة عصرانيّة (Modernist). [العصرانيّة هي حركة في الفكر الكاثوليكيّ سعت إلى تأويل تعاليم الكنيسة على ضوء المفاهيم الفلسفيّة والعلميّة السائدة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين]. قبل هذا، تأسّست اللجنة البابويّة الكتابيّة (1902) للسهر على التفسير الكتابيّ.

لم ترتفع الغيمة خوف الباحثين الرومانيّين الكاثوليك إلاّ عند الرسالة البابويّة Divino Afflante Spriritu (1943)، وهي شرعة الدراسة الكتابيّة الكاثوليكيّة الحديثة التاريخيّة النقديّة.

على أساس هذه الشرعة، وبالتوجيه المشجّع من اللجنة الكتابيّة، أتى البحث الكتابيّ الكاثوليكيّ إلى كامل النضج خلال الخمسين سنة الأخيرة عبر عمل علماء عديدين أمثال الفرنسيّين J. Danielou – P. Benoit والبلجيكيّين A. Descamps – L. Ceraux والألمانيّين R. Schnacknburg – J. Scmid، والأميريكيّين J. A. Fitzmyer – R. Brown. هؤلاء العلماء أظهروا أنّ الدراسات النقديّة الكتابيّة ممكنة من دون انحرافات فلسفيّة ومواقف متطرّفة.

على أيّ حال، ما زالت توجد في الكنيسة الكاثوليكيّة تشنجات بين الباحثين الليبراليّين والمحافظين وشكوك وهجومات على النقد الكتابيّ أقلّه بسبب ميول بعض العلماء الراديكاليّة[8].

في الكنيسة الأرثوذكسيّة، مازالت الدراسات النقديّة الكتابيّة ثانويّة لغياب الجامعات في الدول الأرثوذكسيّة، وما ينتج من النقص في التقاليد الأكلديميّة العريقة الضروريّة لتقدّم كل الفروع، في روسيا، تركّز الاهتياج الفكريّ الواسع حول عدد من الأكاديميّات، والوعد بإحياء مدهش للفنون والعلوم في حوار مع التطوّرات الأوروبيّة قُضيَ عليه مع الثورة البولشفيّة (1917)[9].

اليونان، بعد أربعة قرون من الاحتلال العثمانيّ، اكتسبت استقلالاً سياسيًّا أوائل القرن التاسع عشر، وكانت البلد الأرثوذكسيّ الوحيد مع قبرص اللذين أفلتا من النظام الشيوعيّ في القرن العشرين. في اليونان، مع تأسيس جامعتين وطنيّتين في أثينا (1937) وتسالونيكي (1926)، وُضِعَت الأسس لدراسات منهجيّة في كلّ الميادين، بما فيها اللاهوت، مع الحريّة النسبيّة في البحث وبمعزل عن الرقابة الكنسيّة المباشرة.

في الدراسات الكتابيّة، ظهر عدد من الباحثين، أغلبهم تدربّوا في ألمانيا، أمثال أ. زولوتاس، ن. دامالاس، أز أنطونياديس، ف. لإيلاس، ب. باتسيوتيس، ف. أيوانيديس، س. أغوريديس، الذين أنتجوا عملاً نقديًّا مهمًّا ضمن المعطيات اللاهوتيّة الأرثوذكسيّة[10]. إنّ أيّ تطوّر مستقبليّ في الدراسات الكتابيّة الأرثوذكسيّة، لا يمكن أن يتمّ بمعزل عن تقويم شامل لأعمالهم[11].

يسعى الباحثون الكتابيّون الأرثوذكس، في اليونان وغيرها، إلى توضيح طبيعة النقد الكتابيّ ودوره في الكنيسة الأرثوذكسيّة عبر ثلاث نقاط رئيسة: أ) الطريقة التاريخيّة – النقديّة؛ ب) التقليد الآبائيّ التفسيريّ؛ وج) البعد الليتورجيّ كمنظار تفسيريّ[12]. التقدّم الملموس في هذه المجالات والدعم الكنسيّ للبحث العلميّ يمكن أن يعطيا الأمل للمستوى التالي من التقدّم في الدراسات الكتابيّة الأرثوذكسيّة بروح من “التركيب الآبائيّ الجديد Neopatristic” الذي اقترحه منذ زمن الأب جورج فلوروفسكي[13].

البحث العلميّ الكتابيّ، سواء تمّ في الدوائر البروتستانتيّة، الكاثوليكيّة أو الأرثوذكسيّة فهو يحمل عبئًا مزدوجًا. من جهة، مهمّته هي الدراسة الموضوعيّة للكتاب في وضعيّاته التاريخيّة والجماعيّة بهدف الوصول إلى الأهداف الأصليّة، وأصوات الكتّاب كما فهموا كلمة الله وعبّروا عنها في كلّ تغيّراتها الثقافيّة وعمقها اللاهوتيّ.

في هذا الخصوص، أنتج البحث العلميّ مجموعة مذهلة من الأدوات والثروات للدراسة الكتابيّة كما أنّه أثبت نجاحًا مدهشًا في توضيح عدد لا يُحصى من الأمور الأدبيّة، التاريخيّة واللاهوتيّة بما فيها الموضوع الحاسم للعلاقة بين الكتاب والتقليد. الدراسة الأكاديميّة المتوازيّة، وليس بدرجة أقلّ من الدراسة المشابهة للتقليد المسيحيّ، تحتفظ جزئيًّا بالوعد بالتجديد للكنائس والمجتمع المعاصر بطرائق تتخطّى الفروقات عبر فهم إيجابيّ وشامل للخلق والبشريّة والحياة.

مع هذا يجب الاعتراف أيضًا بالنواقص الجديّة للاستعمال الأكاديميّ للكتاب. بشكلٍ عامّ، روح النقد الكتابيّ الحديث واللاهوت الغربيّ الحديث، بدون أن يكون بالضرورة هكذا، مشتقّان بالدرجة الأولى من إنسانيّة النهضة وفلسفة التنوير وليس من الكتاب ولا من التقليد المسيحيّ الكلاسيكيّ اللذين يرتكزان على الصلاة والحياة الكنسيّة. البحث الكتابيّ غالبًا ما أظهر نفسه غير ملائم لحياة الكنيسة والمجتمع ومنجذبًا نحو الاهتمامات التاريخيّة اللغويّة والتقنيّة.

ما هو أسوأ، أن النقدّ الكتابيّ، في انحرافه إلى النقد المفرِط أو سقوطه أسير الافتراضات الفلسفيّة، مال إلى استهلاك موضوعه في مجاملة واضحة للثقافة، والنتيجة كانت الدعم الواسع للتشكيك بسلطة الكتاب المقدّس، معالجة الكتاب كنوع من الأثر الثثقافيّ منه تُلْتَقَط إشارات لأهداف مرغوبة وإيديولوجيّات أحاديّة الجانب. ج. كريستيان بيكر، وهو باحث كتابيّ بروتستانتيّ من الخطّ الرئيس، ينتقد الدراسات الكتابيّة المنتشرة بهذه الكلمات:

“إنّ زيارة أيّ مؤتمر حديث لعلماء الكتاب سوف تثبت إلى أيّ حدّ قد وضعنا جانبًا موضوع سلطة الكتاب المعياريّة. بالواقع لقد استبدلنا فكرة الكتاب كصوت حيّ (viva vox) ذي سلطة في الجماعة المؤمنة بفكرة الكتاب كذخيرة تاريخيّة – أثريّة. وهكذا، عندما نطابق بعض تعابيره إذا طابقت ما نعتبره دلائل مفيدة لوضعنا الحاليّ”[14].

في النظر إلى هذا الوضع، ليس مفاجئًا أنّ النقد الكتابيّ قد أثار اتهامات بالهرطقة وسبّب عزلة عميقة أوّلاً بين البروتستانت ومن ثمَّ، بدرجة أقلّ، بين الكاثوليك أيضًا. بعض علماء الكتاب البروتستانت البارزين، وبشكلٍ خاصّ برنارد س. تشيلدز[15]، عملوا لاستعادة معنى سلطة الكتاب الضروريّة جدًا لحياة الكنيسة. بدون أن يرفضوا إنجازات البحث العلميّ، وبالطبع من دون العودة إلى حالة ما قبل النقد، حوّل تشيلدز الانتباه إلى الطبيعة الشرعيّة للكتاب كما إلى شهادته اللاهوتيّة.

أغلب علماء الكتاب الكاثوليك نجحوا في إدارة أبحاث نقديّة وبقوا أمناء لتقليدهم العقائديّ. المثل الرئيس هو ريمون أ. براون الذي كتب عن أكثر الأمور حساسيّة، بما فيها الولادة من العذراء، ألوهيّة المسيح، وسلطة بطرس[16] مستخدمًا الأدبيّين من الجهة والراديكاليّين من جهة أخرى[17]. وقد نجح براون، عبر أعماله وتعليقاته الكثيرة، في إظهار أنّ حريّة البحث ليس موضوع تسوية مع الأمانة للعقيدة المسيحيّة.

لقد دلفع عن الدراسات النقديّة وحقّق بالجهد المتواصل ما يسمّيه “موقعًا وسطًا” في أنّ المنهجيّة التاريخيّة النقديّة ممكن أن تبقى بعيدة عن الافتراضات الفلسفيّة الإيديولوجيّة الدخيلة[18].

في حالة العلماء الأرثوذكس، فقد جنّبتهم المرتكزات الكنسيّة والعقائديّة القويّة الاضطراب العظيم. في الأرثوذكسيّة، تسيطر الاهتمامات الآبائيّة والعقائديّة بينما يتمتّع علماء الكتاب، الذين يتزايد عددهم، بحريّة نسبيّة للقيام بعملهم. فيما هم يسعون إلى نموّ الدراسات الكتابيّة في تقليدهم، ما زال العلماء الأرثوذكس يتعلّمون من زملائهم الغربيّين إنّما بانتباه ألاّ يكرّروا أخطاءهم.

إنّهم حكماء ليحصّلوا معرفة من البحث الإنجيليّ الذي يشاركونه في مسافة لاهوتيّة مهمّة. يمثّل العلماء الإنجيليّون ليس فقط نقدًا حادًّا للنقد الكتابيّ الليبراليّ[19] إنّما أيضًا مساهمات إيجابيّة في البحث الكتابيّ المعاصر[20]. بهذه الطريقة، يستطيع علماء الكتاب الأرثوذكس أن يحفظوا تحت أنظارهم عالم الدراسة الكتابيّة الأكاديميّة الحديثة الواسع حتّى يرحّبوا بمساهماته كما يحترسون من نواقصه.

تراث آباء الكنيسة الواسع المعرفة وروح الحريّة في التقليد الأرثوذكسيّ يقدّمان اسسًا واعدة للتقدّم المستمرّ للبحث الكتابيّ الأرثوذكسيّ.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

 

 

[1] For a simple and positive account on the rise of academic biblical research, see Luis Alonso Schoekel, Understanding Biblical Research, trans. Peter J. McCord (New York: Herder and herder, 968. A comprehensive perspective on the various methods is provided by the following: Daniel J. Harrington, Interpreting the new Testament: A Practical Guide (Wilmington: Glazier, 1979); Bruce Chilton, Beginning New Testament Study (Grand Rapids: Eerdmans, 1986); Christopher Tuckett, Reading the New Testament: Methods of Interpretation (Philadelphia: Fortress, 1987); I. Howard Marshall, ed., New Testament Interpretation: Essays on Principles and Methods (Grand rapids: Eerdmans. 1977); S. Neil and T. Wright, Modern Interpreters (Philadelphia: Fortress, 1988). For basic bibliographies, see D. J. Harrington, S. J. The New Testament: A Bibliography (Wilmington: Glazier, 1985) and D. A. Carson, New Testament Commentary Survey (Grand Rapids: Baker Books, 1993).

[2] See the articles on “Biblical Criticism” by J. C. O’Neill and W. Baird in ABD, Vol. I, pp. 725-736, as well as G. H. Reventlow, The Authority of the Bible and the Rise of the Modern World.

[3]  القصة من وجهة نظر بروتستانتيّة محافظة موجودة عند M. A. Noll, Between Faith and Criticism: Evangelicals, Scholarship, and the Bible in America (Grand Rapids: Eerdmans, 1991).

لوجهة نظر ليبراليّة انظر:

James Barr, The Bible in the Modern Word (New York: Harper & Row, 1973).

أما لمراجعة مقاربات الكتاب المقدَّس عند المصلحين والمحافظين المعاصرين والبروتوستانت الليبراليّين انظر:

 David H. Kelsey, “Protestant Attitudes Regarding Methods of Biblical Interpretation,” Scripture in the Jewish and Christian Traditions: Authority, Interpretation, Relevance, ed. F. E. Greenspahn, pp. 133-161.

[4]  أهم أعمال Jesus Seminary حتّى اليوم هو The five Gospels: The Search for the Authentic Words of Jesus (New York: MacMillan, 1993), ed. By R. W. Funk and others وهو عمل لا يجد إلا القليل من المواد الأصيلة في الأناجيل. وفيما يدَّعي أفراد JS البحث العلميّ الرفيع فإنّهم يسعون قدر الإمكان إلى تحقيق شعبيّة أوسع لرؤاهم الراديكاليّة معلنين أنّ هدفهم هو حذف الدعامات العقائديّة وتاليًا انحرافات المسيحيّة التقليديّة. يوجد نقد قاسٍ لعمال JS عند R. B. Hayes, “The Corrected Jesus, “FT43(May 1994), pp. 43-48، الذي يشير في النهايّة إبى منهجيّة واستنتاجات JS على أنَّها “خديعة تستحث الشجب” (p. 47).

[5] F. Hahn, Historical Investigation and New Testament Faith, trans. R. Maddox and E. Krentz (Philadelphia: Fortress, 1983); Peter Stuhlmacher, Historical Criticism and Theological Interpretation of Scripture, Walter Wink, The Biblical in Human Transformation; Martin Hengel, “Historical Methods and the Theological Interpretation of the New Testament,” in his Acts and the History of Earliest Christianity, trans. By John Bowden (Philadelphia: Fortress, 1979), pp. 127-136. Eta Linnemann

 (باحثة تصف نفسها بأنّها بولتمانيّة تحوّلت إلى الإنجيليّة)

 Historical Criticism of the Bible: Methodology or Ideology? Trans. R. W. Yarbourgh (Grand Rapuds; Baker, 1990). GerhardMeier, The End of Historical-Critical Method, trans. E. Leverenz and R. F. Nordon (St. Loues: Concordia, 1947). Paul C. McGlasson, Another Gospel (Grand Rapids: Baker, 1994).

الأخير يتّهم اللاهوت الليبراليّ بالهرطقة.

[6] “New Testament Criticism,” in ABD, Vol. 1, p. 731.

[7] L. A. Schoekel, Understanding Biblical Research; R. E. Brown, “Our New Approach to the Bible,” in his New Testament Essays (Garden City: Image Books, 1965), pp. 21-35; J. J. Collins and J. D. Crossan, eds., The Biblical Heritage in Modern Catholic Scholarship (Wilmingron: Glazier, 1986); R. B. Robinson, Roman Catholic Exegesis Since Divino Afflante Spiritu: Hermeneutical Implication (Atlanta: Scholars Press, 1988); and G. P. Fogarty, American Catholic Biblical Scholarship (San Francisco: Harper & Row, 1989).

[8][8][8] G. A. Kelllyll, The New Biblical Theories: Raymond E. Brown and Beyond (Ann Arbor: Servant Books, 1983). R. E. Brown, The Critical Meaning of the Bible (New York: Paulist, 1985). Biblical Interpretation in Crisi: The Ratzingr Conference on Bible and Church, ed. R. J. Neuhaus (Grand Rapids: Eerdmans, 1989).

[9] Nicolas Zernov, The Russian Religious Renaissance of the Twentieth Century (London: Darton, Longman & Todd, 1963). P. Valliere, “The Liberal Tradition in Russian Orthodox Theology”. The Legacy of St. Vladimir, ed. J. Breck and others, pp. 93-106.

[10] John Karavidopoulos, “#####” DelBibMel 4 (July-December, 1985), pp. 73-87, and in German “Das Studium des Neuen Testaments in der Griechischorthodoxen Kirche in Vergangenheit und Gegenwart,” BTZ 3 (1, 1986), pp. 2-10. S. Agourides has been a prolific author through abiblic society and a journal ###. John Karavidopoulos, ### 1961-1965 (Thessaloniki, 1975).Ch. S. Tzogas and P.S. Papaevangelou, #### 1860-1960 (1963). R. Piterinen, A Bibliography of Major Orthodox Periodicals in English (Joensuu, Finland: University of Joensuu, 1987), pp. 10-13.

[11] Savas Agourides, “H####” Th 56 (3, 1985), pp. 504-518. Reprinted in “###” (Athens, Zoe publications, 1989), pp. 11-26.

 [12] S. Agourides, “Biblical Studies in Orthodox Theology” and responses by V. Kesich and T. Stylianopoulos in GOTR 17 (1, 1972), pp. 51-85. G.P. Fedetov, “Orthodoxy and Historical Criticism,” in The Church of God, ed. E. L. Mascall (London: SPCK, 1934), pp. 91-104; G. Florovsky, “The Pattern of Historical Interpretation,” ATR 50 (2, 1986), pp. 144-150; T. Stylianopoulos, “Historical Studies and Orthodox Theology”, GOTR 12 (3, 1967), pp. 394-419.

[13] G. Florovsky, “The Ethos of the Orthodox Church,” Orthodoxy: A Faith and Order Dialogue (Geneva: World Council of Churches, 1960), p. 45.

[14] J. Christian Beker, The New Testament: A thematic Introduction (Minneapolis: Fortress, 1994), p. 135.

[15] B. S. Childs, Biblical Theology of the Old Testament; The New Testament as Canon; An Introduction (Philadelphia: Fortress, 1984) and Introduction to the Old Testaments Scripture (Philadelphia: Fortress, 1979).

[16] Raymond E. Brown, Jesus: God and Man (Milwaukee: Bruce Publishing Company, 1967); The Virginal Conception and Bodily Resurrection of Jesus (New York: Paulist, 1973); Peter in the New Testament, coedited with others (Minneapolis: Augsburg/Paulist, 1973); and Mary in the New Testament, coedited with others (New York: Paulist, 1978).

[17] See especially Raymond E. Brown, The Critical Meaning of the Bible and Biblical Exegesis and Church Doctrine.

[18] Raymond E. Brown, “The Contribution of Historical Biblical Criticism of Ecumenical Church Discussion” in Biblical Interpretation in Crisis: The Ratzinger Conference on Bible and Church, pp. 24-49,

يحتوي على تبادل للأفكار مثير للاهتمام مع الكاردينال راتزينغر.

[19] See, for example, Clark H. Pinnok, The Scripture Principle, Mark A. Noll, Between Faith and Criticis; D. A. Carson and John D. Woodbridge, eds., Scripture and Truth, and by the latter as coeditors Hermeneutics, Authority, and Canon (Grand Rapids: Zondervan, 1986).

[20]  مثير للاهتمام بشكل خاصّ ومعتدل هو العمل التالي:

Gordon D. Fee, Gospel and Spirit

مذكور سابقًا؛

God’s Empowering Presence: The Holy Spirit in the Letters of Paul (Peabody: Hendrickson, 1994).

دراسة الكتاب المقدس أكاديميا

 

دراسة الكتاب المقدس

Exit mobile version