كتاب طور شخصيتك بالنعمة والحق – الأنبا يوسف PDF

كتاب طور شخصيتك بالنعمة والحق – الأنبا يوسف PDF

كتاب طور شخصيتك بالنعمة والحق – الأنبا يوسف PDF

كتاب طور شخصيتك بالنعمة والحق – الأنبا يوسف PDF

 

تحميل الكتاب PDF

تحميل جميع كتب الأنبا يوسف PDF

تحميل كتب مشورة مسيحية PDF (علم المشورة المسيحي)

كتاب الصلاة بالروح والحق ج2 – المطران سليم الصائغ PDF

كتاب الصلاة بالروح والحق ج2 – المطران سليم الصائغ PDF

كتاب الصلاة بالروح والحق ج2 – المطران سليم الصائغ PDF

كتاب الصلاة بالروح والحق ج2 – المطران سليم الصائغ PDF

 

تحميل الكتاب PDF

تحميل كتب المطران سليم الصائغ

 

كتاب الصلاة بالروح والحق ج1 – المطران سليم الصائغ PDF

كتاب الصلاة بالروح والحق ج1 – المطران سليم الصائغ PDF

كتاب الصلاة بالروح والحق ج1 – المطران سليم الصائغ PDF

كتاب الصلاة بالروح والحق ج1 – المطران سليم الصائغ PDF

 

تحميل الكتاب PDF

تحميل كتب المطران سليم الصائغ

 

كتاب لا أملك الإيمان الكافي للإلحاد – نرومان جيزلر PDF

كتاب لا أملك الإيمان الكافي للإلحاد – نرومان جيزلر PDF

 

كتاب لا أملك الإيمان الكافي للإلحاد – نرومان جيزلر PDF

كتاب لا أملك الإيمان الكافي للإلحاد – نرومان جيزلر PDF

محتويات الكتاب:

مقدمة الطبعة العربية 

المقدمة 

1-هل نستطيع التعامل مع الحق ؟

2-ما الذي يجعلنا  نصدق اي شيء على الاطلاق ؟

3-في البدء كان انفجار كبير

4-التصميم الالهي

5- الحياة الاولى :  قوانين طبيعية  ام عجائب الهية ؟

6-من الخلية  الي الانسان مرورا بالحيوان  ؟

7-الام تريزا مقابل هتلر 

8-المعجزات : علامات  تشير الي لله ام سذاجة ؟

9-هل  عندنا شهادات مبكرة عن يسوع ؟

10-هل لدينا  شهادة شهود عيان عن يسوع ؟

11-الاسباب العشرة  الرئيسية التي  تؤكد  لنا صحة اقوال كتاب العهد الجديد 

12-هل حقا  قام يسوع من الاموات ؟

13-من هو يسوع  : الله ؟  ام مجرد  معلم اخلاقي عظيم ؟

14-ماذا علم يسوع  عن الكتاب المقدس  ؟ 

15-الخلاصة : القاضي  و الملك العبد و سطح العلبة 

ملحق  1 :  ان كان الله موجودا  , فلماذا الشر ؟

ملحق  2 : أليس  ذلك تفسيرك انت  ؟

ملحق  3 :  لماذا لا يتحدث  سمينار يسوع عن يسوع ؟

المراجع

 

تحميل الكتاب PDF

 

كتاب الإيمان وموجباته المنطقية – روبرت ل رايموند PDF

كتاب الإيمان وموجباته المنطقية – روبرت ل رايموند PDF

 

كتاب الإيمان وموجباته المنطقية – روبرت ل رايموند PDF

كتاب الإيمان وموجباته المنطقية – روبرت ل رايموند PDF

محتويات الكتاب :

التمهيد 

الفصل الاول 

ما هو علم الدفاع المسيحي؟

الفصل الثاني : 

الايمان و موجباته المنطقية باللاهوت المسيحي كمادة تعليمية ذهنية 

الفصل الثالث:

الايمان و موجباته المنطقية بأن الكتاب المقدس هو كلمه الله 

الفصل الرابع :

الايمان و موجباته المنطقية بقيامة يسوع المسيح  في الجسد و بصعوده الي السماء

الفصل الخامس :

الايمان وموجباته المنطقيه بولاده المسيح العذراوية 

الفصل السادس :

الايمان و موجباته المنطقية بمعجزات الكتاب المقدس عموما و بمعجزات يسوع خصوصا

الفصل السابع :

الايمان و موجباته المنطقية باهتداء بولس المعجزي على طريق دمشق

 الفصل الثامن :

الايمان و موجباته المنطقية لرفض الدفاع المبنى على الدلائل : 

دراسة حالة في المنهجية الدفاعية 

الفصل التاسع :

الايمان وموجباته المنطقية بالله , اله المسيحيين 

الفصل العاشر :

الايمان وموجباته المنطقية بأن الكتاب المقدس هو نقطة الارتكاز الوحيدة حيث بإمكان الانسان ان يحظى بالمعرفة و بالقيمة الشخصية 

الفصل الحادي عشر :

الايمان وموجباته المنطقية بطبيعة الحق الكتابي

الفصل الثاني عشر :

الايمان وموجباته المنطقية بالقيمة الدفاعية للأخلاقيات المسيحية المبنية على الايمان بالله

الفصل الثالث  عشر :

الايمان وموجباته المنطقية بأسلوب بولس الدفاعي  للبلوغ الي جيل جديد ما بعد الحداثة هذا 

الخاتمة

 

تحميل الكتاب PDF

كتاب أصعب 77 سؤالا عن الله والكتاب المقدس وإجاباتها – جوش ماكدويل وشون ماكدويل PDF

كتاب أصعب 77 سؤالا عن الله والكتاب المقدس وإجاباتها – جوش ماكدويل وشون ماكدويل PDF

كتاب أصعب 77 سؤالا عن الله والكتاب المقدس وإجاباتها – جوش ماكدويل وشون ماكدويل PDF

كتاب أصعب 77 سؤالا عن الله والكتاب المقدس وإجاباتها – جوش ماكدويل وشون ماكدويل PDF

 

محتويات الكتاب:

هل يمكن الإجابة عن جميع أسئلتي؟

 * أسئلة عن الله

لماذا يبدو الله مختفيا ؟

ألا يتطلب التصديق في الله إيمانا؟

هل من الخطأ أن تكون لدينا شكوك نحو الله؟

ما هي البراهين والأدلة المتاحة بشأن وجود الله ؟

 6.ما هي الحجة الأولى لوجود الله؟

ما هي خجة التصميم على وجود الله؟

ما هي حجة القانون الأخلاقي لوجود الله؟

ما هي حجة التجربة الشخصية لوجود الله؟

۱۰. إن كان الله هو تبع كل شيء، فمن أوجد الله إذن؟ أو ما سبب وجوده؟

۱۱. من هو الله؟

 ۱۲. من هو الروح القدس؟

 ۱۳. ما المقصود بأن الله ثالوث؟

هل الله ذكر أم أنثى؟

هل يمكن أن يرتكب الله خطية مثل الغيرة؟

من أين يأتي الشر؟

 ۱۷. ما هو الشر؟

۱۸. ما الذي يجعل الناس يخطون اليوم؟

إن كان الله محبا للغاية، فلماذا لا يكون أكثر تساهلا مع الخطية؟!

۲۰. لماذا خلق الله البشر؟

 ۲۱. هل خلق الله كائنات ذكية عاقلة أخرى غير البشر؟

 ۲۲. هل من الممكن فعلا معرفة الحق؟

 ۲۳. هل بعض الحق هو تفضيل شخصي؟

هل الله متحيز جنسيا؟

هل الله عنصري؟

26.هل الله يتمسك بحرفية الشريعة؟

 ۲۷. هل الله عنيف؟

۲۸. هل الدين هو السبب الحقيقي للعنف في العالم؟

۲۹. هل يمكن أن يبيد الله البشر إبادة جماعية؟

۳۰. كيف يمكن لإله محب أن يلقي البشر في الجحيم؟

 ۳۱. هل الله يعاقب البشر من خلال الكوارث الطبيعية؟

۳۲. لماذا يسمح الله بالألم؟

 ۳۳. لماذا لا يوقف الله الألم؟

هل لدي الله مشاعر وعواطف؟

هل الله يحب جميع البشر بغض النظر عن توجههم الجنسي؟

هل الله ينخرط في السياسة؟

 ۳۷. كيف يمكن أن نعرف مشيئة الله في حياتنا؟

۳۸. هل ادعى يسوع حقا أنه الله؟

۳۹. أليس من العجرفة الادعاء بأن المسيحية هي الدين الحقيقي الوحيد؟

كيف نعرف أن يسوع عاش حقا على الأرض؟

كيف ادعى يسوع وأثبت أنه الله؟

ما هو الدليل على أن يسوع هو المسيح؟

هل يوجد دليل على ميلاد يسوع من عذراء؟!

هل يوجد دليل على قيامة يسوع من الأموات؟

لماذا احتاج يسوع أن يموت؟

لماذا تعد قيامة يسوع محورية للغاية في المسيحية؟

كيف كان البشر يكفرون عن خطاياهم ويصلون إلى الله قبل موت يسوع؟

ما هي كنيسة الله؟

ما الذي سيفعله يسوع في مجيئه الثاني؟

كيف أختبر شخصيا العلاقة مع الله؟

* أسئلة عن الكتاب المقدس

من أين أتى الكتاب المقدس؟

ماذا يعني أن الكتاب المقدس موحی به؟  

هل الكتاب المقدس منتج إلهي أم بشري أم كلاهما؟

أليس الكتاب المقدس مليئا بالأخطاء والتناقضات؟

هل أخطأ العهد الجديد باقتباسه من العهد القديم؟

كيف نعرف أن الكتاب الذي بين يدينا اليوم هو كلمة الله

هل حدث استبعاد لبعض الأسفار «الموحی بها» من كتابنا المقدس الحالي؟

كيف يمكن أن تكون تعاليم الثقافات القديمة بالكتاب المقدس مفيدة لنا اليوم؟

من أين تأتي التفسيرات الخاطئة للكتاب المقدس؟

كيف تفسر الكتاب المقدس تفسيرا صحيا؟

هل يمكن أن يبقى المسيحيون في وحدة إن احتفظوا بتعاليم متناقضة من الكتاب المقدس؟

هل كل شرائع العهد القديم ملزمة لنا اليوم؟

هل أي من الأعياد اليهودية في الكتاب المقدس لها مغزى للمسيحيين اليوم؟

ما هو الغرض الحقيقي للكتاب المقدس ؟

هل العهد القديم موثق تاريخيا؟

هل العهد الجديد موثق تاريخيا؟

ما الفرق بين الكتاب المقدس في المسيحية واليهودية؟

ما الفرق بين الكتاب المقدس والقرآن؟

ما الفرق بين الكتاب المقدس في المسيحية وكتاب المورمون؟

۷۰. كيف يختلف الكتاب المقدس للروم الكاثوليك عن نظيره لدى البروتستانت؟

۷1. متى ترجم الكتاب المقدس إلى لغات أخرى؟

۷۲. هل أي من ترجمات الكتاب المقدس موحي بها؟

۷۳. إن كان مترجمو الكتاب المقدس قد ارتكبوا أخطاء أفلا يجعله ذلك غير دقيق ؟

كيف يمكن اختيار ترجمة إنجليزية دقيقة للكتاب المقدس؟

لماذا يوجد عدد كبير من التراجم الإنجليزية للكتاب المقدس؟

ما هي المصادر التي أحتاجها لتفسير الكتاب المقدس بدقة؟

۷۷. كيف يمكنني اختبار الكتاب المقدس شخصيا؟

 

تحميل الكتاب PDF

الحق والتقوى في فكر أوريجينوس

الحق والتقوى في فكر أوريجينوس

الحق والتقوى في فكر أوريجينوس

هذا العرض لما أسهم به ق. إيرينيئوس، في كشف البعد اللاهوتي لـ “اعتراف الإيمان” الخاص بالكنيسة، يحتاج إلى تكملته بعرض آخر لبعضٍ من مساهمة أوريجينوس الواسعة النطاق في الفهم اللاهوتي والكتابي، والذي كان له أثره البالغ على الكنيسة وحتى مجمع نيقية.

لقد كان أوريجينوس عالِمًا فذًا ودارسًا إنجيليًّا لا يُضاهى في الكنيسة الأولى، ولكنه كان لاهوتيًّا صاحب فكر مُفرط في التأمل ـ رغم إخلاصه ـ ويشعر بضرورة نقل فكره إلى ما هو أبعد من المضمون الحرفي للأقوال الإنجيلية، أي إلى الحقائق الإلهية التي تدل عليها هذه الأقوال.

ورغم أنه كان يشارك ق. إيرينيئوس الرأي بأن المرجع الذي يمكن الاستناد إليه في معرفتنا لله هو في النهاية “الحق” ذاته ـ كما هو معلن في يسوع المسيح، وليس في أية صيَغٍ بشرية لمعرفتنا نحن “للحق”[1] ـ إلاّ أنه وبخلاف ق. إيرينيئوس عمل من خلال إطار ثنائي للفكر، وهو الفصل الأفلاطوني بين عالم الحسيّات (الأشياء المحسوسة) κόσμος) (αισθητὸς وعالم المدرَكات (الأشياء التي تُدرك بالعقل) κόσμος) (νοητὸς [2].

 وكان لهذا المنهج الثنائي في التفكير، تداعيات بعيدة المدى لدى أوريجينوس إلى درجة قوله بأن: “الأشياء غير المرئية وغير المادية في السماء هي حقيقية، أما الأشياء المرئية والمادية على الأرض فهي نسخ من تلك الأشياء الحقيقية وليست هي حقيقية بذاتها”[3].

وقد أثرت وجهة النظر هذه بشدة في فهمه للكتب المقدسة، فرأى أنها وسائط وفرتها العناية الإلهية داخل عالم الحسيّات، والتي بواسطتها يُهيئ “اللوغوس” الإلهي اتصاله بالضعف البشرى ويغلف أسرار الإعلان الإلهي في صورة أشكال وأرقام يسهل فهمها، وهذا فقط حتى يمكنه ـ من خلالها (الكتب المقدسة) ـ أن يرفع العقول المؤمنة إلى مستوى أعلى حيث تستطيع فهم الحقائق الروحية أو الإلهية في العالم العقلاني (عالم الأمور الحقائق) البعيد عنهم[4].

ولقد اعتقد أوريجينوس أن المصطلحات البشرية الموجودة في الوحي الإلهي في الكتاب المقدس، تحكمها طبيعة (φύσει) “الحقائق” التي تدل عليها هذه المصطلحات، وأنها ليست مجرد متصلة بها فقط بصورة تقليدية (θέσει). ومن هنا فإن هذه المصطلحات ينبغي أن تُفهم من خلال القبول الإيماني لما تفرضه (καταληπτικός) تلك “الحقائق” على عقل المفسِّر، مما يعني أنه لا بد له من أن ينهمك في بحث دقيق للتأكد من أن هذا القبول الإيماني (لمعاني المصطلحات) يتفق بالفعل مع الحقيقة[5].

هذا من جهة، أما من الجهة الأخرى فقد أصرَّ أوريجينوس على أن التفسير الروحي للكتب المقدسة طبقًا للطبيعة الروحية لهذه “الحقائق”، لا بد وأن يَعبر في الفكر من مستوى أدنى للمعنى “المادي” أو الحرفي إلى مستوى أعلى للمعنى “الروحي” أو السري حيث تشرق الحقيقة بنورها العقلاني والشاهد لذاته[6]. إلاّ أن هذا (العبور) يحتاج إلى قدر كبير من التدريب الروحي للعقل علي البصيرة اللاهوتية (θεωρία) ونوع من الحس الإلهي (θεία αίσθησις) يتناسب مع معرفة الله[7].

هذا الجمع بين البحث الدقيق والتدريب الروحي كان سمة مميزة جدًّا لأوريجينوس، رغم علمه بالمخاطر التي ينطوي عليها هذا الاتجاه، والذي قاده للفصل بين الإنجيل “الجسدي ـ الحسي” وبين الإنجيل “الروحي ـ الفكري”، أو بين ما يُسمى بالإنجيل “الزمني” وما يُسمى بالإنجيل “الأبدي”, والذي اعتقد أوريجينوس أنه يوازي الفرق بين مجيء المخلِّص في حالة “التواضع” عندما أخذ شكل العبد من أجلنا، وبين مجيء المسيح في المجد في المستقبل عندما ستفسح ظلال “الإنجيل الزمني” المجال للحقائق المطلقة التي “للإنجيل الأبدي”[8].

وينتج عن هذا، اعتبار المسيح الذي جاء في التاريخ على أنه هيئة مشروطة بفترة زمنية محددة، والذي فيها ينتقل “الحق” الأبدي إلى المخلوقات الساقطة، ولكن بمجرد أن تتم معرفة هذا “الحق” الأبدي، فإن ذلك الوسيط “التاريخي” سوف يكون وجوده نسبيًّا[9].

وكان هذا هو السبب وراء تأكيد أوريجينوس على أهمية “التفسير المجازي” وعلى غرس “الإحساس” الروحي نحو الله، والذي قد يساعد المؤمن على اختراق قشور وظلال الإعلان “التاريخي ـ الزمني” والوصول إلى حقائق الله الأبدية “غير المرئية” والتي يمكن فهمها فقط بأسلوب بسيط ومباشر ولا يمكن التعبير عنها بكلمات بشرية[10].

هذا الامتداد التأملي للعقل الروحي، إلى ما وراء مجال المعرفة ـ الذي يخضع لمعايير الحقيقة التي عملت بها العلوم والفلسفة اليونانية[11] ـ كان بدون شك أمرًا خطيرًا، ولكن بالرغم من ذلك كان أوريجينوس منبهرًا به وبالأخص لأنه ارتبط برجال الله في العهد القديم مثل ملكي صادق رائد العبادة السماوية، أو موسى الذي تكلم مع الله وجهًا لوجه، أو حين ارتبط باختبار التلاميذ على جبل التجلي أو ما كتبه القديس بولس عن اختباراته المجيدة، والتي تشير جميعها إلى نوع من الرؤية السامية لله والتي من الممكن أن تكون مفتوحة أمام “البصيرة الصوفية التي تفوق التعبير”[12].

وثمة جانب آخر لاسلوب أوريجينوس ضمن لفكره اللاهوتي (θεολογει̃ν) الحماية ضد التحول للفكر الأسطوري الخيالي (μυθολογει̃ν)، كما وفَّر إطارًا معياريًّا للإيمان والعبادة يساعد على جعل “معرفة الله” كمركز للحياة وللتقليد الحي الذي “للكنيسة العظيمة”، وهذا (الجانب الآخر) هو الذي كان يفرض على أوريجينوس أن يعمل بالأسلوب الذي فيه يؤثر “البحث الدقيق” و”التدريب على التقوى” كل منهما على الآخر.

وطبقًا لمفهوم “المعرفة العلمية” (έπιστήμη) الذي قد ساد طويلاً في الإسكندرية، وهو أن المعرفة الصحيحة هي التي تكون وفقًا لطبيعة (κατά φύσιν) الشيء الذي تجري معرفته، فقد ركز أوريجينوس على تطوير طريقة لمعرفة الله تكون متمشية تمامًا مع طبيعة الله كما قد أعلنها لنا بنفسه، أي طريقة تتسم بالتقوى؛ فقد هيأ نفسه لتنمية التقوى الشخصية بالاعتماد على نعمة المسيح وقوة روحه القدوس، حتى يستطيع أن يعوِّد العقل على التقوى التي تلائم معرفة الله.

إذن فإن “معرفة الله” والتي في معناها الدقيق هي “معرفة الثالوث القدوس”، و “التقوى الإلهية التي تُحدد بواسطة يسوع المسيح ابن الله المتجسِّد، قد اعتبر أوريجينوس أن كلاًّ منهما متوقف على الآخر، وذلك في مجال (عملية) تعميق البحث اللاهوتي[13]. فكلما عُرف الله بحق وفقًا لطبيعته، زاد مستوى التقوى؛ وكلما زاد مستوى التقوى، زادت إمكانية معرفتنا لله بصورة تقوية تليق بطبيعة الله[14].

وعمومًا فإن “الهدف هو أن نقترب من “الحق” على قدر المستطاع وأن نشكِّل إيماننا طبقًا لقاعدة التقوى”[15]. وهكذا صارت “التقوى” و “قانون الحق” متكافئين عمليًّا.

ولقد كان أوريجينوس يفكر ويعمل في إطار احترامه البالغ للكتب المقدسة وإخلاصه “الكهنوتي” لكلمة الله وحق الله اللذين تنقلاهما لنا هذه الكتب[16]، والتي رأى أوريجينوس أنها يجب أن تُبحث على أنها من نتاج وحي الروح القدس، كما يجب أن تُفسَّر وفقًا “لسمتها الإلهية” بطريقة ورعة ووقور إدراكًا منا أن لها من عمق المعنى ما يفوق إدراك البشر مما لا يدع مجالاً للفهم المتسرع[17].

فالكتب المقدسة في صميم طبيعتها تستلزم الدراسة العميقة والتأمل والصلاة والجهد الشاق[18]، وهذا هو بالضبط ما أظهره أوريجينوس نفسه في إنتاجه الضخم من التفاسير الإنجيلية، التي تشهد شهادة رائعة على معالجته للنص بضمير حي في كل تفاصيله اللغوية والنحوية الدقيقة، كما تشهد أيضًا على بحثه الدؤوب لتوضيح الملابسات والخلفيات التاريخية التي قد تؤثر على المعنى.

ولكنه سعى أيضًا لتوضيح مدى تأثير الإعلان الإلهي الكتابي بأكمله وكل تقليد الإيمان والفهم المسيحي في الكنيسة، مدى تأثير كل هذا على كل سفر وكل فقرة في الكتاب، وبذلك يمكن أن تُفهم الكتب المقدسة ـ بقدر المستطاع ـ خارجًا عن نفسها في ضوء القصد الإلهي الذي احتوته هي وأظهرته في ترابطها وتواصلها الداخلي[19].

وبما أن الكتب المقدسة هي نتيجة وحي الروح القدس بإرادة من الآب وبواسطة يسوع  المسيح*، وبما أن “كلمة” الله الذي يتكلم في كل الكتب المقدسة قد تجسَّد في شخص يسوع المسيح، لذلك فإن يسوع المسيح ذاته هو الذي يشكِّل المحور الحاكم لكافة التفسيرات الصحيحة للكتاب المقدس.

وقد ذهب أوريجينوس إلى القول بأن تفسير الكتاب المقدس، وحتى الأناجيل، بهذه الطريقة ـ أي من خلال وجود وحضور “فكر المسيح” ـ يعني الحفاظ على “قانون كنيسة يسوع المسيح السماوية متمشيًا مع التعاقب الرسولي”[20]، فيسوع المسيح هو نفسه الذي أعطى للمسيحيين تعريفًا للتقوى الحقيقية[21].

لأنه هو نفسه “سر التقوى العظيم الظاهر في الجسد” والذي في نفسه ومن خلال نفسه حقَّق التلاقي بين تنازل الله الكريم إلينا واقترابنا نحن إلى الله، أي بين كُلٍّ من إعلان الله عن ذاته لنا ومعرفتنا نحن لله وعبادتنا له[22]. إذن ففي كل بحث عن “الحق” ينبغي علينا أن نجاهد أكثر وأكثر لكي نحافظ بكل الطرق على موقف التقوى نحو الله ومسيحه[23].

ولكي نكون أمناء “لفكر المسيح” في كل تفسيرنا للكتب المقدسة “فإننا لا بد أن نحافظ على قانون التقوى”[24].

ومن المهم جدًا أن نلاحظ أنه بالنسبة لأوريجينوس، كانت “التقوى” تُعرَّف وتتحدد ليس فقط بكونها “بحسب يسوع المسيح”      (κατὰ Іησου̃ν Хριστόν) بل أنها “من خلال يسوع المسيح نفسه” (διὰ Іησου̃ Хριστόυ̃)، من جهة علاقته الفريدة بالآب كابن الله وأيضًا من جهة علاقته الفريدة بنا كرئيس كهنتنا الذي فيه ومن خلاله نعبد الآب[25].

وإذ هو بذبيحته يشفينا، ويطهرنا بقدرته الإلهية الذاتية، لذلك نحن نعبده كما نعبد الآب، لأنه هو والآب واحد. ولكن لأنه هو أيضًا في نفس الوقت واحد معنا كما هو واحد مع الآب، فنحن نصلي له “كوسيط لنا وكرئيس كهنة وكشفيع” طالبين منه أن يقدِّم رغباتنا وتوسلاتنا وتشفعاتنا التي نرفعها إليه إلى الآب، وهكذا فإننا نعبد الآب ونحن في اتحاد به ومن خلاله. وكابن الله المتجسِّد وكرئيس كهنة، فإن يسوع المسيح قد عرَّف الجنس البشري الطريقة النقية لعبادة الله ـ وهذه هي التقوى الحقيقية التي بها يثبت إيماننا وفهمنا في الله[26].

ومما لا شك فيه أن ما كتبه أوريجينوس عن عبادة الآب التي مركزها المسيح والتي يتوسط فيها المسيح، إنما يعكس الفكر السائد للكنيسة في إيمانها القائم على التقليد الحي، وفي خدمتها لأجل خلاص الجنس البشري: حيث كان الانبهار المصحوب بالتوقير في معرفة الله، والشكر والتسبيح لأجل أعمال الله الخلاصية في تجسد يسوع المسيح وموته وقيامته، وأيضًا التقوى في القول والفعل، كل هذه مُضفَّرة معًا وملتحمة بغير انفصال في عبادة الكنيسة كما يتضح ذلك في ليتورجية المعمودية والإفخارستيا[27].

وكان تقديس اسم الله، والتفكير فيه والتكلم عنه بصورة لائقة، وكذلك التوقير العميق لكشف الله لذاته كآب وابن وروح قدس هذه كلها كانت من العلامات الجوهرية “للفكر المسيحي” ـ بل وكما اعتقد أوريجينوس ـ “للفكر الكنسي”، وذلك نتيجة البصمة التي تركها الرسل عليه.

لذلك فعندما شرع أوريجينوس في إعداد وطبع مؤلف عن المبادئ الأساسية للإيمان، بقصد زيادة الترتيب والتناغم في فهم العقيدة المسيحية، وضع أولاً “خطًّا محددًا وقاعدة واضحة”، وهى أن شرح الإيمان ينبغي أن يبقى داخل حدود تعليم الكنيسة المتفق عليه بالإجماع كما تسلَّمته من الرسل، وذلك في ضوء العقائد التي اعتبرها الرسل ضرورية للغاية.

ولكن بالنظر لاحتمال حدوث الخطأ والاختلاف في الرأي فيما بعد، شعر أوريجينوس أنه يتعين عليه المزيد من البحث في “دوافع وخلفيات الأقوال التي وعظ بها الرسل عن الإيمان بالمسيح” أملاً في تأسيس القاعدة الأولية للإيمان المسيحي، ومن ثم يحدد الارتباطات المنطقية “للحق” المعلَّن، وذلك لبناء كيان متماسك وثابت للعقيدة المسيحية[28].

وفي خلال مشروعه هذا والذي كان الأول من نوعه، سعى أوريجينوس لإدراك “الحق” الإلهي بكل ما أوتي به من إخلاص، وكان يحرص خاصةً بالنسبة “للنقاط الأكثر صعوبة” على أن يسترشد بقانون التقوى، أي قاعدة البر. وكان يسمح فقط باستخدام المفاهيم اللاهوتية التي يشعر أنها تليق بالله والمصوغة طبقًا لما يتطلبه ويحتِّمه كيان الله وطبيعته الفائقة الإدراك.

ونتيجة لشدة افتراضاته الفلسفية المسبقة، والتي لم يخضعها بصورة كافية للنقد ـ وعلى الرغم من التزامه بما أعلنه الكتاب المقدس ـ فإن فكر أوريجينوس التأملي تجاوز قاعدة التقوى في عدد من النقاط الحاسمة، مما أدى إلى اصطدام تعليمه مع فكر الكنيسة الجامعة.

ومع ذلك فإن أوريجينوس، بجمعه بين البحث العلمي لأسس الإيمان الموضوعية والإصرار على مراعاة مبدأ التقوى(ευσέβεια / θεοσέβεια)  في معرفة الثالوث القدوس، كان له تأثير بالغ على اللاهوتيين في نيقية وما بعد نيقية، حيث أصبح المبدأ الفعَّال فيما بينهم هو ما عُرف فيما بعد بقانون التقوى-قانون الإيمان (lex orandi – lex credendi)[29].

[1]  Origen, De prin., praef., 1.2, 6.

وكان أوريجينوس قد تكلم عن المسيح بكونه ’الحق الذاتي‘ أو ’الحق ذاته‘ انظر:

In Jn., 6.6; cf. 1.27; 2.4; and Con. Cel. 8.12.

[2]  See especially Origen, In Jn. 1.25-28 with 1.8.

[3]  Origen, In Cant. 2; Con. Cel., 7.31, 376.

[4]  Origen, In Jn. 1.7; In Matt., 10.1; In Deut., 1.21; In Jer., 18.6; Con. Cel., 4.71, etc.

[5]  Origen, Con. Cel., 1.2, 9f, 13, 24f, 42, 71; 3.23, 39, 42, 86; 4.2; 5.45; 6.27; 7.10; De prin., 4.3.16.

[6]  Origen, De prin., 1.1.1f; 1.3.3; 2.2.2; 2.4.4; 2.5.2; 2.7.2; 2.11.2ff; 3.5.1; 3.12.4; 4.2.1ff, 15. Origen sometimes distinguished between three meanings – cf. 4.2.4.

[7]  Origen, Con. Cel., 1.48; 6.23; 7.34; De prin., 1.1.9; 4.4.10; LXX Prov. 2.5.

[8]  Origen, In Jn., 1.8-10; 2.6; De prin., 3.6.8; 4.2.6; 4.3.13.

[9]  Cf. Origen, In Matt., 1.14. See also In Jn., 10.4, 18, 22; 20.3, 10, etc.

[10]  Origen, De prin., 4.3.15.

[11]  Origen, Con. Cel., 1.2; 8.32.

[12]  Origen, In Jn., 13.24; 32.25-29.

[13]  Cf. Origen, In Luc., 14.28.

[14]  Origen, Con. Cel., 3.8, 34, 60, 78; 5.33; 7.40, 49; 8.13, 75.

[15]  Origen, De prin., 1.5.4

[16]  Origen, In Jn., 1.3.

[17]  Origen, De prin., 4.1.1f; 4.2.2.

[18]  Origen, Ep. ad Greg., 3; Ep. ad Afr., 2-5.

[19]  Origen, Con. Cel., 7.11; De prin., praef.; 4.2.4, 7-9; 4.3.5.

*  حيث إن كل ما يعمله الله يكون من الآب بالابن في الروح القدس.

[20]  Origen, De prin., 4.2.3; cf. praef. 1-2; In Jer., 3.22-4.

[21]  Origen, Con. Cel., 1.27; 3.60, 81; 5.33; 7.46; 8.20; De prin., 4.1.2, 5;

In Jn., 28. 23.

[22]  Origen, In Jn., 6.5f; De prin., 4.1.2, 5; Con. Cel., 2.4; 3. 34, 81; 5.4;

 8.13, 26, 59.

[23]  Origen, De prin., 3.1.17.

[24]  Origen, De prin., 1.5.4; 2.6.2; 3.1.17, 23; 3.5.3; 4.3.14; cf. Praef. 2;

 3.3.4; 4.2.2, 4; 4.3.15.

[25]  Origen, Con. Cel., 3.34; 5.4; 7.46; 8.13; De or., 10.2; 13.1; 15.1-4.

[26]  Origen, In Jn., 1.33, 35; 2.34; Con. Cel., 3.34; 5.4; 7.41, 46, 49; 8.12f, 26, 75; De prin., 1.3.4.

[27]  Origen, Con. Cel., 3.60; 5.4; 7.46; 8.57; 75; De or., 14-16, 20, 31; In Jn., 32.24; In Mat., 11.14. See also Origen’s Dialogue with Herakleides, SC, 67, ed. By J. Scherer, 1960, pp. 62, 64.

[28]  Origen, De prin., praef., 2, 3, 10; cf. 1.4.4; 4.4.5.

[29] See Prosper of Aquitaine, De gratia Dei et libero voluntatis arbitrio, 8: legem credendi lex statuat supplicandi, MPL, 8, 209. Lex orandi-Lex credendi represents a telescoped form of Prosper of Aquitaine’s thought, found in the Ineffabilis Deus of Pius IX, and the Munificentissimus Deus of Pius XII, AAS, 1947, pp.540f.

الحق والتقوى في فكر أوريجينوس

هل نستطيع التعامل مع الحق؟

هل نستطيع التعامل مع الحق؟

هل نستطيع التعامل مع الحق؟

هل نستطيع التعامل مع الحق؟

 

“يتعثر الناس في الحق من آن لآخر، ولكن معظمهم ينهضون ويركضون بعيداً عنه وكأن شيئاً لم يكن”.

                                                                      “وينستون تشرتشل”Winston Charchill

في فيلم “القليل من الرجال الصالحين” A Few Good Men يلعب “توم كروزTom Cruise دور محامٍ في البحرية الأمريكية يستجوب عقيد مشاة، يقوم بدوره “جاك نيكولسون Jack Nicholson بخصوص مقتل أحد رجال “نيكولسون”. ويتحول مشهد قاعة المحكمة الدرامي إلى مباراة للصياح عندما يتهّم “كروز” “نيكولسون” بالتورط في جريمة القتل:

كروز: سيادة العقيد، هل أعلنت حالة الطوارئ؟

القاضي: لست مضطراً لإجابة ذلك السؤال!

نيكولسون: سأجيب عن السؤال…. أتريد إجابات؟

كروز: أظنها من حقي.

نيكلوسون: تريد إجابات!

كروز: أريد الحق!

نيكولوسن: لن تستطيع التعامل مع الحق!

ربما كان :نيكولسون” يصيح في أمريكا بأسرها وليس في “كروز”، لأنه يبدو أن الكثيرين في بلدنا لا يستطيعون التعامل مع الحق. فنحن من ناحية نريد الحق في كل مجالات حياتنا تقريباً. فنحن مثلاً نطلب الحق من:

  • أحبائنا (لا أحد يريد أكاذيب من شريكة حياته أو أبنائه).
  • الأطباء (نريدهم أن يصفوا لنا الدواء الصحيح ويُجروا لنا العمليات الصحيحة).
  • سماسرة البورصة (نريدهم أن يخبرونا بالحق عن الشركات التي ينصحون بها).
  • المحاكم (نريدها ألا تحكم إلا على المذنبين حقيقةً).
  • أصحاب الأعمال (نريدهم ان يخبرونا بالحق ويدفعوا أجورنا بالعدل).
  • الخطوط الجوية (نريد طائرات آمنة بحق وطيارين جادين بحق).

ونتوقع كذلك أن نجد الحق عندما نطالع أحد المراجع، أو نقرأ مقالاً، أو نشاهد خبراً. ونريد الحق أيضاً من المُعلِنين، والمدرسين، والساسة. ونحن نفترض ان اللافتات المرورية، وزجاجات الأدوية، والمعلومات المُبيًنة على عبوات الطعام تكشف الحق. إننا في الواقع نطالب بالحق في كل نواحي الحياة تقريباً التي تؤثر على أموالنا، أو علاقاتنا، أو أماننا، أو صحتنا.

ولكننا من ناحية أخرى، لاغم إصرارنا على الحق في تلك المجالات، لا نكترث بالحق في مجال الأخلاق والدّين. بل إن الكثيرين يرفضون رفضاً قاطعاً فكرة أن أي دين يمكن أن يكون حقاً.

ومؤكًد أنك لاحظت ما في هذا الموقف من تناقض كبير. لماذا نطالب بالحق في كل شيء ما عدا الأخلاق والدّين؟ لماذا عندما نتكلم عن الأخلاق أو الدين نقول: “هذا حق بالنسبة لك ولكن ليس بالنسبة لي”، رغم أن هذا الكلام الفارغ لا يخطر لنا ببال عندما نتحدث إلى سمسار في البورصة عن أموالنا أو إلى طببيب عن صحتنا؟

إن رفضنا للحق الديني والأخلاقي غالباً ما يرجع لأسباب إرادية أكثر منها فكرية، وإن كان القليلين هم الذين يعترفون بهذا. فنحن لا نريد أن نحاسَب بمقتضى أي معايير أخلاقية أو عقيدة دينية. وهو ما يجعلنا نقبل كالعميان مزاعم الحق التي تُفنّد نفسها بإثبات عكس ما تريد أن تُثبته self-defeating  التي يطلقها المُفكّرون ذوو الكياسة الاجتماعية عندما يخبروننا أنه لا يوجد حق، كل شيء نسبي، ليس هناك مطْلقات، إنها مسألة رأي، لا تحكم، الدين يختص بالإيمان لا بالحقائق. وربما اصاب أغسطينوس حين قال إننا نحب الحق عندما ينيرنا، ولكننا نكرهه عندما يُبكّتنا. من المحتمل أننا لا نستطيع التعامل مع الحق.

وحتى نعالج هذا الانفصام الثقافي، علينا أن نجيب عن أربعة أسئلة بخصوص الحق:

  1. ما هو الحق؟
  2. هل معرفة الحق ممكنة؟
  3. هل معرفة الحق المختص بالله ممكنة؟
  4. ماذا يعنينا؟ مَن يهتم بالحق؟

سنناقش هذه الأسئلة في هذا الفصل والفصل القادم.

ما هو الحق؟ حقيقة الحق

ما هو الحق؟ الحق بمنتهى البساطة هو “قول الشيء كما هو”. فالوالي الروماني بيلاطس عندما سأل يسوع: “ماهو الحق؟” منذ قرابة ألفي عام، لم ينتظر ليسمع إجابة يسوع، ولكنه سرعان ما تصرّف وكأنه يعرف على الأقل شيئاً من الحق. فقد قال عن يسوع: “أنا لست أجد فيه علة واحدة” (انظر يو18 :38). وبإعلان بيلاطس براءة يسوع كان “يقول الشيء كما هو”.

ويمكن تعريف الحق أيضاً بأنه “ما يتوافق مع موضوعه” أو “ما يصف الواقع”. فقد كان حكم بيلاطس صحيحاً لأنه كان يتفق مع موضوعه، ووصف الواقع وصفاً دقيقاً. فيسوع كان بريئاً بالفعل.

وخلافاً لما يُدَرّس في الكثير من المدارس الحكوميةن الحق مطلق وليس نسبياً. فإن كان شيء ما صحيحاً، فهو يصح لكل الناس، وفي كل وقت، وفي كل مكان. كل مزاعم الحق مطلقة، وضيقة، وإقصائية. خذ مثلاً الزعم القائل بأن “كل الأشياء حق”. إنه زعم مطلق، ضيق، إقصائي. فهو يقصي عكسه (أي أنه يزعم أن الجملة التي تقول إن “ليست كل الأشياء حقاً” جملة خاطئة). والواقع أن أي حق يقصى كل ما هو ضده، حتى الحق الديني.

وهو ما تبين على نحو مضحك منذ عدة سنوات عندما كنتُ (أنا “نورم”) أناظر المفكر الإنساني الديني[1] “مايكل قسطنطين كولندا” Michael Constantine Kolenda . وكان من الملحدين القلائل الذين ناظرتهم ممن قرأوا كتابي “الدفاعيات المسيحية” Christian Apologetics قبل المناظرة.

وعندما حان دوره ليتكلم رفع كتابي قائلاً: “هؤلاس المسيحيون ضيقو الأفق للغاية. لقد قرأت كتاب الدكتور “جايسلر”. أتعرفون ما يؤمن به؟ يؤمن أن المسيحية صحيحة وكل ما يتعارض معها خطأّ هؤلاء المسيحيون ضيقوا الأفق للغاية!”.

“كولندا” أيضاً ألَّف كتاباً قراته قبل المناظرة. وكان عنوانه: “دين بدون الله” Religion without God (مثل قصة حب بدون محبوب!). وعندما حان دوري للكلام رفعت كتاب “كولندا” قائلاً: “هؤلاء الإنسانيون ضيقوا الأفق للغاية. لقد قرات كتاب الدكتور “كولندا”. أتعرفون ما يؤمن به؟ يؤمن أن الإنسانية صحيحة وكل ما يتعارض معها خطأ! هؤلاء الإنسانيون ضيقوا الأفق للغاية!”.

فضحك الجمهور لأنهم فهموا القصد. إن مزاعم الحق الإنسانية ضيقة ضيق مزاعم الحق المسيحية، لأنه إن كانت المسيحية صحيحة، فقك ما يتعارض مع الإنسانية خطأ. وبالمثل، إن كانت المسيحية صحيحة، فكل ما يتعارض مع المسيحية خطأ.

وهناك الكثير من الحقائق الأخرى عن الحق. وإليك بعضها:

  • الحق يُكتشف ولا يُخترع. فهو يوجد بالاستقلال عن معرفة اي شخص به. (الجاذبية كانت موجودة قبل”نيوتن”).
  • الحق يشمل كل الثقافات. أي أنه غن كان شيء ما حقاً، فهو حق عند كل الناس، وفي كل الأماكن، وفي كل الأوقات (2+2=4 عند الجميع، وفي كل مكان، وفي كل وقت).
  • الحق لا يتغير رغم أن معتقداتنا عن الحق تتغير. (عندما بدأنا نعتقد أن الأرض كروية بعد ان كنا نعتقد أنه مسطحة، الحق بخصوص الأرض لم يتغير. ما تغيَّر هو اعتقادنا بخصوص الأرض).
  • المعتقدات لا تستطيع أن تغير حقيقة، مهما كان صدق أصحابها في اعتناقهم لها. (فيمكن أن يعتقد شخص ما بصدق أن الأرض مسطحة، ولكن هذا الاعتقاد لا يفعل شيئاً سوى أنه يجعل الشخص مخطئاً بصدق).
  • الحق لا يتأثر بحالة الشخص الذي يعلنه. (فإن كان الشخص مغروراً، غروره لا يجعل الحق الذي يعلنه خاطئاً. وإن كان الشخص متواضعاً، تواضعه لا يجعل الخطأ الذي يعلنه حقاً).
  • كل الحق هو حق مطلق. وحتى الحق الذي يبدو نسبياً هو في الحقيقة مطلق. (مثلاً جملة “أنا فرانك تورك أشعر بالدفء يوم 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2003” قد تبدو حقاً نسبياً، ولكن شعور “فرانك تورك” بالدفء في ذلك اليوم هو أمر حقيقي بصفة مطلقة بالنسبة لكل شخص في كل مكان).

وإيجازاً نقول إن وجود معتقدات متضادة أمر وارد، ولكن وجود حقائق متضادة مستحيل. يمكننا أن نعتقد أن كل شيء صحيح، ولكننا لا نستطيع أن نجعل كل شيء صحيحاً.

هذه الأفكار تبدو واضحة وضوحاً كافياً. ولكن كيف نتعامل مع الفكر الحديث الذي يدعي أنه لا يوجد حق؟ يمكننا أن نستعين باثنتين من الشخصيات الكارتونية لمساعدتنا.

خطة رود رَنَر

إن قال لك أحدهم: “عندي لك فكرة ستُحدث قطعاً تغييراً جذرياً في قدرتك على سرعة التعرف على العبارات الخاطئة والفسلفات الخاطئة التي تنتشر في ثقافتنا وتُمكّنك من تحديدها بوضوح”، هل ستهتم أن تعرف الفكرة؟ هذا ما سنفعله هنا. والحقيقة اننا إن أردنا أن نختار أقيَم قدرة فكرية تعلمناها أثناء سنوات دراستنا الطويلة في كلية اللاهوت والدراسات العليا، سنختار القدرة على تحديد ودحض الجمل المتناقضة التي تُفنِّد نفسها self-defeating statements ونورد هنا موقفاً من برنامج إذاعي حوراي يوضح ما نعنيه بالعبارات التي تُفَنًّد نفسها.

كان “جيري” Jerry مقدِّم البرنامج الليبرالي يستقبل مكالمات هاتفية في موضوع الأخلاق. وبعد أن سمعه العديد من المتصلين يزعمون بجرأة ان موقفاً أخلاقياص بعينه هو حق، انبرى أحد المتصلين قائلاً: “جيري… جيري، ليس هناك شيء اسمه الحق”.

فأسرعت (أنا “فرانك”) أبحث عن الهاتف وبدأت أطلب الرقم وقد استشطتُ غضباً. مشغول. مشغول. مشغول. أرد أن أتصل بالبرنامج وأقول “جيري، أوجه سؤالي للرجل الذي قال “ليس هناك شيء اسمه الحق” : هل ما تقوله حق؟”.

ولكني لم أتمكن أبداً من إجراء المكالمة. وبالبطبع اتفق “جيري” مع المتصل، دون أن يدرك مطلقاً أن إدعاءه يستحيل أن يكون صحيحاً لأنه يفنَّد نفسه.

العبارة التي تفند نفسها هي عبارة تعجز عن التوافق مع المعيار الذي تحدده. ومؤكد أنك أدركت أن عبارة المتصل التي تقول “لا يوجد شيء اسمه الحق” تدعي أنها حق، ومن ثم تفنَّد نفسها. إنها تشبه من يقول: “لا أتحدث كلمة واحدة بالعربية”. إن قال أحدهم ذلك، لا بد أنك ستجيب قائلاً: “لحضة من فضلك! بالتأكيد عبارتك خاطئة لأنك قلتها باللغة العربية!”.

التصريحات المنتاقضة التي تفند نفسها تُطلق باستمرار في ثقافة ما بعد الحداثة التي نشهدها اليوم، وما إن تشحذ قدرتك على رصدها حتى تتمكن من الدفاع عن الحق بمنتهى الجرأة. فلا شك أنك سمعت أشخاصاً يقولون مثلاً: “كل الحق نسبي”، “ليس هناك مطلقات”. ولكنك الآن ستتسلح بالسلاح اللازم لدحض هذه العبارات السخيفة بسهولة بأن تكشف عجزها عن بلوغ ما وضعتْه من مقاييس. أي أنك عندما تقلب العبارة المتناقضة على نفسها يمكنك أن تكشف خواءها.

ونحن نطلق على عملية قلب العبارة المتناقضة على نفسها خطة “رود رَنَر” Road Runner Tactic لأنها تذكرنا بالشخصيتين الكارتونيتين “رود رَنَر” و”وايل إي. كويوت[2]Qile E. Coyote. وربما تَذْكُر من أفلام الكارتون التي كانت تُعرض صباح السبت أن الكويوت كان شغله الشاغل وهَمَّه الأوحد أن يطارد “رود رَنَر” السريع ويتناوله على العشاء. ولكن “رود رَنَر” شديد السرعة وحاد الذكاء. فحالما يحرز الكويوت نوعاً من الانتصار، يتوقف “رود رَنَر” فجأة على حافة الجُرف ويترك الكويوت الذي يركض وراءه معلقاً في الهواء على لا شيء. وما إن يدرك الكويوت أنه لا أرض تحته يقف عليها حتى يهوي إلى قاع الوادي ويسقط في كومة من الرمال.

وهذا هو بالضبط ما تستطيع خطة “رود رَنَر” أن تفعله مع النسبيين وما بعد الحداثيين في يومنا هذا. إنها تساعدهم أن يدركوا أن حججهم أضعف من أن تحملهم. ولذلك، يهوون إلى القاع ويسقطون في كومة من الرمال. وهو ما يجعلك تبدو في منتهى العبقرية! فلنأخذ خطة “رود رَنَر” إلى الجامعة ونشرح لك ما نقصده.

العدَّاء رود رَنَر يذهب إلى الجامعة

إن اكثر من يحتاجون اليوم لخطة “رود رَنَر” هم طلاب الجامعات. لماذا؟ لنك إن استمعت للكثير من أساتذة جامعاتنا، ستجدهم يقولون لك إنه لا يوجد حق. ولكن المدهش أن الآباء والأمهاب في العالم أجمع ينفقون فعلياً آلاف الدولارات على التعليم الجامعي حتى يتعلم أبناؤهم وبناتهم ولكن المدهش أن الآباء والأمهاب في العالم أجمع ينفقون فعلياً آلاف الدولارات على التعليم الجامعي حتى يتعلم أبناؤهم وبناتهم “الحق” القائل بعدم وجود حق، ناهيك عن غير ذلك من التصريحات المتناقضة التي تفند نفسها مثل: “كل الحق نسبي” (هل هذه الجملة حق نسبي؟)، “ليس هناك مُطْلَقات” (هل أنت متأكد بصفة مطلقة؟)، “إنه حق بالنسبة لك ولكن ليس بالنسبة لي” (هل هذه العبارة حق بالنسبة لك فقط، أم أنها حق بالنسبة للجميع؟)| حق بالنسبة لك ليس بالنسبة لي” هي الشعار الببغائي العصري، ولكن الواقع أن العالم لا يسير هكذا. جرِّب مثلاً أن تردد هذا الشعار لصَرَّاف البنك، أو ضابط الشرطة، أو مصلحة الضرائب وانظر إلى أين يؤدي بك؟

وهذه الشعارات الحديثة خاطئة بالطبع لأنها تفنِّد نفسها بسبب تناقضها. ولكننا نريد أن نوجِّه بضعة أسئلة لمن لا يزالون يقبلونها قبولاً أعمى: إن لم يكن هناك أي حق، فلماذا تحاولون أن تتعلموا أصلاً؟ ما الذي يضطر أي طالب أن يستمع لأستاذه؟ فمهما كان، الأستاذ لا يملك الحق. ما معنى الذهاب إلى المدرسة أو الجامعة، وبالأحرى دفع مصروفاتها؟ وما معنى الابتعاد عن الممنوعات الأخلاقية التي يحدِّدها الأستاذ من الغش في الامتحانات والسرقة الفكرية في الأبحاث الدراسية؟

الأفكار لها عواقب. الأفكار الصالحة تأتي بعواقب صالحة، والأفكار السيئة تأتي بعواقب سيئة. والحقيقة أن الكثير من الطلاب يدركون تداعيات هذه الأفكار السيئة لما بعد الحداثة ويتصرفون بناءً عليها. فإن علَّمنا طلابنا أنه لا يوجد صواب ولا خطأ، لماذا نندهش عندما يطلق اثنان من الطلاب الرصاص على زملائهم، أو عندما تترك أمٌّ مراهِقةٌ رضيعها في صندوق القمامة؟ لماذا يجب أن يفعلوا “الصواب” ونحن نُعلمِّهم أنه ليس هناك “صواب”؟

لقد كشف “سي. إس. لويس” C.S.Lewis عبثية انتظار الفضيلة من أناس تعلّموا أنه لا توجد فضيلة: “بنوع من السذاجة المقيتة نستاصل العضو ونطالب بأداء وظيفته. نصنع رجالاً بلا قلب وننتظر منهم الفضيلة وحسن السلوك. نستهزئ بالشرف ونُصْدم عندما نكتشف خونة فيما بيننا. إننا كمن يخصي خيله ويتوقع منها أن تتكاثر.

إن حقيقة الأمر أن: الأفكار الخاطئة عن الحق تؤدي إلى أفكار خاطئة عن الحياة. وفي الكثير من الأحيان هذه الأفكار الخاطئة تبرِّر ظاهرياً سلوكيات غير أخلاقية بالمرَّة. لأنك إن قتلت مفهوم الحق، عندئذٍ يمكنك أن تقتل مفهوم أي ديانة صحيحة أو أي أخلاق صحيحة.

وقد حاول الكثيرون في ثقافتنا أن يفعلوا ذلك، والأربعون سنة الماضية من الانحدار الديني والأخلاقي تشهد على نجاحهم. فللأسف أن العواقب الوخيمة التي ترتبت على جهودهم ليست صحيحة بالنسبة لهم فقط، ولكنها صحيحة بالنسبة لنا جميعاً.

إذَن الحق موجود. ولا يمكن إنكاره. ومَن ينكرون الحق يزعمون هذا الزعم المتناقض عن الحق الذي يقول بعدم وجود حق. وهم يشبهون في ذلك “الدب ويني” Winnie the Pooh يجيبون قارع الباب قائلين: “لا أحد في البيت”.

فلنرَ الآن كيف يمكن أن تساعدنا خطة “رود رَنَر” في الرد على الزعم المتشكك في الحق الذي يقول إنه “يستحيل أن نعرف الحق”.

هل معرفة الحق ممكنة؟ قَرَعات على الباب….

يؤمن المسيحون بأن عليهم أن يطيعوا وصية يسوع حين قال: “فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم” (مت28: 19). ولمساعدة المسيحيين في القيام بهذه “المأمورية العظمي”، ابتكر “دي جيمز كينيدي” D.James Kennedy أسلوباً كرازياً يعتمد على قرع أبواب البيوت، يطلق عليه “انفجار الكرازة” Evangelism Explosion (EE). وإن كنت مسيحياً، أسلوب “انفجار الكرازة” يتيح لك أن تحدِّد بسرعة موقع الشخص روحياً. فبعد أن تقدِّم نفسك، تسأل من يفتح لك الباب أسئلة من قبيل:

  1. هل لي أن أسألك سؤالاً روحياً؟
  2. إن انتهت حياتك الليلة ووقفت أمام الله، وسألك الله، “لماذا أُدْخِلك إلى سمائي؟” بم ستجيب؟

معظم الناس لديهم من الفضول ما يجعلهم يرُدّون بالإيجاب على السؤال الأول. (إن قالوا: “ماذا تقصد بالسؤال الروحي؟” تنتقل إلى السؤال الثاني). أما عن السؤال الثاني، فدليل “انفجار الكرازة” يتوقع أن غير المسيحي عادة ما يقدم إجابة “الأعمال الصالحة”. فهو يقول شيئاً مثل: “الله سيقبلني لأني شخص صالح في الأساس. لم أقتل أحداً. أذهب إلى الكنيسة. أعطي الفقراء….” في هذه الحالة يخبرك دليل “انفجار الكرازة” أن تجيبه بالإنجيل (يعني حرفياً “الخبر السار”): أن الجميع (بما فيهم أنت) قَصُروا عن بلوغ مستوى كمال الله، وما من أعمال صالحة يمكنها أن تمحو حقيقة أنك ساقط فعلياً في الخطية، لكن الخبر السار أنه يُمكِنك أن تخلص من العقاب بأن تثق في المسيح الذي تَحَمَّل العقاب نيابةً عنك.

ورغم ما حقَقه هذا الأسلوب من نجاح ملحوظ، بعض غير المسيحيين لا يجيبون عن السؤالين كما هو متوقع. فمثلاً، قررتُّ (أنا “نورم”) ذات ليلة أن أستخدم أسلوب “انفجار الكرازة” في الشوارع مع أحد إخوتي من أعضاء الكنيسة. وإليك ما حدث:

قَرَعنا الباب.

“من الطارق” (فتح رَجُل الباب).

رفعت يدي محيياً وقلت: “مساء الخير. اسمي “نورم جايسلر”، وهذا صديقي رولاند. نحن من الكنيسة الواقعة في نهاية الشارع”.

أجاب الرجل وهو يتفحصنا بعينيه: “أنا “دون” Don“.

فبادرته فوراً بالسؤال الأول: ” “دون” هل عندك مانع أن نسألك سؤالاً روحياً؟”

أجاب “دون” بثقة وكأنه يتوق لتناول لَكْمة كتابية بدلاً من حلوى العشاء: “لا، تفضل”.

فطرحت عليه السؤال الثاني: ” “دون”، إذا انتهت حياتك الليلة ووقفت أمام الله، وسألك الله: “لماذا أُدْخلك إلى سمائي؟” بم ستجيب؟”.

فأجاب “دون” غاضباً: “سأقول لله: “ولماذا لا تُدخلني إلى سمائك؟”

مفاجأة … لا يُفترض أن يقول ذلك! أقصد هذه الإجابة ليست في الكتيب!

بعد لحيظة من الارتباك رفعتُ صلاة سريعة وأجبت: ” “دون”، إن قرعنا بابك وأردنا الدخول إلى بيتك، فقلت لنا: “لماذا أُدخلكم إلى بيتي؟” فقلنا: “ولماذا لا تُدْخلنا؟” ماذا تقول؟”

أشار “دون” بإصبعه نحو صدري وأجاب بحزم: “سأخبركما إلى أين تذهبان!”

فرددتُّ فوراً: “هذا بالضبط ما سيقوله الله لك!”

صُعِق “دون” لحظة ولكنه بعدئذ ضيَّق عينيه وقال: “الحقيقة أنا لا أؤمن بالله. أنا ملحد”.

“أنت ملحد؟”

“بالضبط”.

فسألته: “هل أنت متيقن يقيناً مطلقاً أن الله غير موجود؟”

فصمت ثم قال: “لا لستُ متيقناً يقيناً مطلقاً. أظن أنه من المحتمل أن يكون هناك إله”.

فأخبرته: “إذاً أنت لستَ ملحداً حقيقياً. أنت لا أدري، لأن الملحد يقول “أنا أدري أن الله غير موجود”. واللاأدري يقول: “لستُ أدري إن كان الله موجوداً”.

فاعترف قائلاً: “آه… وهو كذلك. إذاً أظن أني لا أدري”.

يا له من تقدُّم! بسؤال فقط انتقلنا من الإلحاد إلى اللاأدرية! ولكن بقي عليَّ أن أكتشف نوع اللاأدريين الذي ينتمي إليه “دون”.

فسألته: ” “دون”، أي نوع من اللاأدريين أنت؟”

فسألني ضاحكاً: “ماذا تقصد؟” (محتمل أنه كان يقول لنفسه “منذ دقيقة واحدة كنتُ ملحداً. لا أعلم أنا أي نوع من اللاأدريين الآن!”)

فشرحت قائلاً: ” “دون” اللاأدريون نوعان. الأول هو اللاأدري العادي الذي ييقول إنه لا يعرف أي شيء على وجه اليقين، والثاني هو اللاأدري العنيد الذي يقول إنه لا يستطيع أن يعرف أي شيء على وجه اليقين”.

أجاب “دون” واثقاً: “أنا من النوع العنيد. لا تستطيع أن تعرف أي شيء على وجه اليقين”. وهنا رأيت أن زعمه متناقض يفند نفسه، فأطلقت خطة “رود رَنَر” وسألته: ” “دون”، إن كنت تقول إنك لا تستطيع أن تعرف أي شيء على وجه اليقين، فكيف تعرف ذلك على وجه اليقين؟”

فقال متحيراً: “ماذا تقصد؟”

فشرحتُ له باسلوب مختلف قائلاً: “كيف تعرف على وجه اليقين أنك لا تستطيع أن تعرف أي شيء على وجه اليقين؟”

لاحظت بريق الفهم بدأ يطل من عينيه، لكني قرَّرت ان أضيف نقطة أخرى: “ثم إنك يا “دون” لا تستطيع أن تتشكك في كل شيء لآن هذا يعني أنك لابد أن تتشكك في الشك، ولكنك كلما شككت في الشك، ازداد يقينك”.

فبدأ يلين، وقال: “أظن أني فعلاً أستطيع أن أعرف شيئاً على وجه اليقين. مؤكد أني لا أدري عادي”.

وهنا بدأنا فعلاً نصل إلى نقطة محددة. فبالقليل من الأسئلة انتقل “دون” من الإلحاد مروراً باللاأدرية العنيدة إلى اللاأدرية العادية.

فاستطردتُ قائلاً: ” مادمت تعترف الآن أنك تستطيع أن تعرف، لماذا لا تعرف إن كان الله موجوداً؟”

فهز كتفيه قائلاً: “أظن لآنه ما من أحد بيَّن لي أي أدلة”.

وهنا سألته سؤالاً بمليون دولار: “هل ترغب في الاطلاع على بعض الأدلة؟”

فأجاب: “بالتأكيد”.

وهذا هو أفضل نوع من الأشخاص يمكنك أن تتحدث إليه: شخص يريد أن ينظر نظرة صادقة للأدلة. فالإرادة ضرورية لأن الأدلة لا تستطيع أن تقنع مَن لا يريد.

وبما أن “دون” كانت له الإرادة، أعطيناه كتاباً بقلم “فرانك موريسون” بعنوان “من دحرج الحجر” Who Moved the Stone  وقد كان “موريسون” شكوكياً عزم أن يكتب كتاباً يفند فيه المسيحية، ولكنه بدلاص من أن يكتب الكتاب اقتنع بالأدلة أن المسيحية صحيحة بالفعل. (والحقيقة أن الفصل الأول من كتاب “من حرَّك الحجر؟” “عنوانه ” الكتاب الذي أبى أن يُكتب” “The Book That Refused to Be Written” ).

ثم زرنا “دون” بعد فترة قصيرة. ووصف الأدلة التي قدمها “موريسون” بأنها “مقنعة جداً” وبعد عدة أسابيع في دراسة لإنجيل يوحنا، قَبِل “دون” يسوع المسيح رباً ومخلصاً شخصياً.

اليوم “دون” يخدم في إحدى الكنائس المعمدانية بالقرب من “سانت لويس” في ولاية ميزوري. وعلى مدى سنوات وهو يقود حافلة الكنيسة صباح الأحد ليأتي بأطفال الحي الذين لا يذهب آباؤهم وأمهاتهم إلى الكنيسة. وخدمته تُمثِّل لي (أنا “نورم”) قيمة خاصة لأن رَجلين مثل “دون” (مستر “كوستي” Costie ومستر “سويتلاند” Sweetland) أخذاني إلى الكنيسة بالحافلة أكثر من 400 مرة، كل يوم أحد منذ سن التاسعة حتى السابعة عشر. وقبولي للمسيح في سن السابعة عشر يرجع الفضل الأكبر فيه لخدمة الحافلة هذه. أظن أن المثل القائل “كما تزرع تحصد” مثل صحيح، حتى إن كانت حافلة مدرسة الأحد.

هل يمكن أن تكون كل الديانات صحيحة؟

الدرس الذي نستخلصه من قصة “انفجار الكرازة” هو أن اللاأدرية التامة أو الشكوكية التامة تفنِّد نفسها. فاللاأدريون والمتشككون يزعمون زعماً بخصوص الحق يقول إننا لا نستطيع أن نزعم أي شيء بخصوص الحق. وهم يقولون إننا لا نستطيع أن نعرف الحق، ولكنهم بعدئذ يزعمون أن موقفهم هذا حق، ولكن من المستحيل أن يجمعوا بين الاثنين.

لذا فقد أثبتنا أن معرفة الحق ممكنة. بل إن الحق لا يمكن إنكاره. ولكن ألا يمكن أن تكون كل الديانات صحيحة؟ مما يؤسَف له أن اللغط المرتبط بهذا السؤال لا يقتصر على الدوائر العلمانية فحسب، بل حتى بعض قسوس الكنائس متحيرون في هذا السؤال.

وقد سمع البروفسور “رونالد ناش” Ronald Nash الأستاذ بكلية اللاهوت عن مثال جيد على ذلك. فقد أخبرنا عن أحد طلابه منذ بضع سنوات ذهب لقضاء عطلة الكريسماس في بيته في مدينة “بولينج جرين” Bowling Green بولاية كنتاكي. وأثناء العطلة قرّر هذا الطالب الذي يؤمن بالكتاب المقدس أن يغامر ويحضر خدمة الأحد في كنيسة لم يذهب إليها من قبل. ولكن ما إن نطق القس بأول جملة في عظته، حتى أدرك الطالب خطأه، فقد كانت القس يناقض الكتاب المقدس.

وهكذا بدأ  القس: “موضوع عظتي هذا الصباح أن كل المعتقدات الدينية صحيحة!” وأخذ الطالب يتلوى في مقعده، بينما استمرّ القس يؤكِّد لكل شخص في الحاضرين أن كل ما لديه من عقائد دينية “حق”!

وبعد إنتهاء العظة أراد الطالب أن يَنسَل خارجاً دون أن يلحظه أحد، ولكن القس، ضخم الجثة، وقف بردائه على الباب يحتضن كل شخص بقوة عند خروجه.

فحيّا القس الطالب وساله بصوت جهوري: “من أين أنت يا ابني؟”

“أنا من “بولينج جرين”، سيدي. أتيت من كلية اللاهوت لقضاء العطلة مع أسرتي”.

“كلية اللاهوت! ممتاز. إذاً ما هي معتقداتك الدينية يا بُنَيّ؟”

“سيدي، أُفضِّل أن أحتفظ بها لنفسي”.

“لماذا يا بُنَيّ؟”

“لأني لا أريد أن أؤذيك، سيدي”.

“لا يا بُنَيّ. لن تؤذيني. وأياً كاننت معتقداتك فهي صحيحة. بمَ تؤمن إذاً؟”

فأذعن الطالب وقال: “حسناً”. ومال نحو القس وأحاط فمه بيده وهمس: “سيدي، أنا أؤمن أنك ذاهب إلى الجحيم!”.

اشتعل وجه القس حمرة وهو يحاول أن يجد إجابة، ثم قال: “أنا، آه، أظن أني …. أخطأت! لا يمكن أن تكون كل المعتقدات الدينية صحيحة لأنه مؤكد أن معتقداتك لسيت صحيحة”.

بالطبع، كما أدرك القس، يستحيل أن تكون كل المعتقدات الدينية صحيحة لأن الكثير من المعتقدات الدينية متناقضة، أي أنها تُعلِّم مفاهيم عكس بعضها البعض. فمثلاً المسيحيون المحافظون يؤمنون أن من لم يقبل المسيح مخلِّصاً اختار جهنم مصيراً أبدياً له. والكثير من المسلمين أيضاً يؤمنون أن غير المسلمين ذاهبون إلى جهنم، إلا أننا غالباً ما نتجاهل ذلك. والهندوس عموماً يؤمنون أن الجميع، بصرف النظر عن معتقداتهم، محبوسون في دائرة لا نهائية من تناسخ الأرواح حسب أعمالهم. وهذه المعتقدات المتناقضة لا يمكن أن تكون كلها صحيحة.

والحقيقة أن الأفكار المتناقضة في ديانات العالم تزيد عن الأفكار المتوافقة فيها. والفكرة القائلة بأن كل الديانات في جوهرها تُعلّم نفس التعاليم، لذا علينا أن نحب بعضنا بعضاً، تنم عن سوء فهم خطير لديانات العالم. فمعظم الديانات تتشابه في قانونها الأخلاقي نوعاً ما: لأن الله زرع الصواب والخطأ في ضمائرنا (سنناقشُ ذلك في الفصل السابع)، إلا أنها تختلف في كل القضايا الرئيسية تقريباً، بما فيها طبيعة الله، وطبيعة الإنسان، والخطية، والخلاص، والسماء، وجهنم، والخليقة!

فكّر فيها: طبيعة الله، طبيعة الإنسان، الخطية، الخلاص، السماء، جهنم، الخلييقة. تلك هي الموضوعات الكبيرة! وإليك بعضاً من تلك الاختلافات الكبيرة:

  • اليهود والمسيحيون والمسلمون يؤمنون، بصور مختلفة، بالله الخالق الحافظ، بينما يؤمن معظم الهندوس وأتباع العصر الجديد أن كل الموجودات جزء من قوة غير شخصية impersonal متوحجة مع الوجود pantheistic يطلقون عليها “الله”.
  • كثير من الهندوس يعتقدون أن الشر وَهْمٌ محضْ، في حين أن المسيحيين والمسلمين واليهود يؤمنون أن الشر حقيقة.
  • المسيحيون يؤمنون أن الإنسان يخلص بالنعمة في حين أن سائر الديانات جميعاً، إن كانت تؤمن بالخلاص أصلاً، تُعلِّم بنوع خاص من الخلاص على أساس الأعمال الصالحة (وتختلف فيما بينها اختلافاً كبيراً في تعريف “الصلاح” وفيما يخلص منه الإنسان).

وهي مجرد أمثلاة قليلة على الكثير من الاختلافات الجوهرية. اختلافات أكبر من استيعاب الفكرة القائلة بأن كل الديانات تتفق جوهرياً في تعاليمها.

 

 

الحق مقابل قبول الاختلاف

رغم أن معظم الديانات تحوي بعض المعتقدات الصحيحة، لا يمكن أن تكون كل المعتقدات الدينية صحيحة لأنها تقصي بعضها البعض، أي أنها تحوي تعاليم مضادة لبعضها البعض. وهو ما يعني أن بعض المعتقدات الدينية لا بد أن تكون خاطئة. ولكنك لا يجب أن تقول هذا الكلام في أمريكا اليوم. يجب أن “تقبل الاختلاف” بين كل المعتقدات الدينية. وفي ثقافتنا اليوم لم يعد “قبول الاختلاف” tolerance يعني أن تجبر نفسك على تحمُّل شيء تراه خاطئاً (طبيعي أنك لا تجبر نفسك على تحمُّل ما تتفق معه). ولكن قبول الاختلاف الآن يعني أنك يجب أن تقبل كل معتقد باعتباره صحيحاً! وهو ما يُعرف في المجال الديني باسم العددية الدينية، وتعني الاعتقاد بأن كل الديانات صحيحة، إلا أن هذا التعريف الجديد لقبول الاختلاف ينطوي على عدد من المشكلات.

أولاً، لابد أن نسجِّل امتناننا لما ننعم به من حرية دينية في هذا البلد، وأننا لا نؤمن بفرض ديانة بقوة القانون (انظر كتابنا “تشريع الأخلاق” Legislating Morality ). فنحن واعون تماماً بمخاطر عدم قبول الاختلاف الديني، ونؤمن أنه علينا أن نقبل مَن يختلفون عنا في العقائد الدينية ونحترمهم. إلا أن هذا لا يعني أنه علينا أن نعتنق شخصياً الفكرة المستحيلة القائلة بأن كل المعتقدات الدينية صحيحة. فيما أن المعتقدات الدينية المتضادة، يستحيل أن تكون كلها صحيحة، فلا معنى للتظاهر بأنها صحيحة. والحقيقة أن هذا التظاهر خطير على المتسوى الفردي. فإن كانت المسيحية صحيحة، فعدم إيمانك بها يهدِّد مصيرك الأبدي. وكذلك، إن كان الإسلام صحيحاً، فعدم إيمانك به يهدّد مصيرك الأبدي.

ثانياً، الزعم الذي يقول إنه “يجب ألا تتساءل في صحة المعتقدات الدينية لأي شخص” هو نفسه يمثِّل معتقداً دينياً يعتنقه التعدديون. ولكن هذا المعتقد في حد ذاته يتساوي في إقصائه للمعتقدات الأخرى وفي “رفضه للاختلاف” مع اي معتقد ديني يؤمن به المسيحي أو اليهودي. بمعنى أن التعدديين يرون أن كل المعتقدات غير التعددية خاطئة. لذا، فالتعدديون متصلبو الفكر ومنغلقو العقل، مثلهم مثل غيرهم ممن يطلقون مزاعم عن الحق في سوف الأفكار، ويريدون مِن كل مَن يختلف معهم أن يرى الأمور كما يرونها هم.

ثالثاً، منع التساؤل في صحة المعتقدات الدينية يُعبِّر أيضاً عن موقف أخلاقي مطلق. ما المانع أن نتسائل في صحة المعتقدات الدينية؟ هل هذا الفعل ضد الأخلاق؟ وإن كان كذلك، فمن الذي وضع هذا المعيار؟ هل يملك التعدديون أسباباً وجيهة تؤيد اعتقادهم بأننا يجب ألا نتساءل في صحة المعتقدات الدينية، أم إنه مجر راي شخصي يريدون أن يفرضوه علينا جميعاً؟ فإن لم يتمكنوا من أن يقدِّموا لنا أسباباً وجيهة لهذا المعيار الأخلاقي، لماذا نسمح لهم بفرضه علينا؟ ولماذا يحاول التعدديون فرض ذلك الموقف الأخلاقي علينا بأي حال؟ فهم بهذا لا “يقبلون الاختلاف”.

رابعاً، الكتاب المقدس يأمر المسيحيين أن يتساءلوا في صحة المعتقدات الدينية (مثلاً تث13: 1-5، 1يو4: 1، غل1: 8، 2كو11: 13، وغيرها). وبما أن التساؤل في صحة المعتقدات الدينية يدخل ضمن المعتقدات الدينية للمسيحيين، إذاً التعدديون يجب أن يقبلوا هذا المعتقد المسيحي أيضاً، وفقاً للمعيار الذي وضعوه بأنفسهم. ولكنهم لا يقبلونه طبعاً، فمن المضحك أن التعدديين، أنصار المفهوم الجديد لقبول الاختلاف، لا يقبلون الاختلاف على الإطلاق. فهم لا “يقبلون” إلا مَن يفق معهم، وهو ما لا يُعد قبولاً للاختلاف، أياً كان تعريف قبول الاختلاف.

خامساً، زَعْم التعدديين بأنه يجب ألا نتساءل في صحة المعتقدات الدينية مشتق من الحظر الثقافي الخاطء على إصدار الأحكام. إنَّ حظر إصدار الأحكام هو حظر خاطئ لأنه يعجز عن التوافق مع المعيار الذي يضعه: عبارة “يجب ألا تحكم” هي نفسها حكم! (التعدديون يسيئون تفسير كلام يسوع عن إصدار الأحكام (مت7: 1-5). فيسوع لم يمنع هذا النوع من إصدار الأحكام، ولكنه منَعَ فقط الحكم المرائي). بل الواقع أن الجميع، من تعددييين ومسيحيين وملحدين ولاأدريين، يصدرون أحكاماً. فالقضية ليست في إصدار الأحكام أو عدمه، ولكن في إصدار الأحكام الصحيحة.

وأخيراً، هل التعدديون مستعدون لقبول المعتقدات الدينية التي تعتنقها بعض الجماعات الإرهابية باعتبارها صحيحة، وخاصة عندما تقول تلك المعتقدات إن كل من لا يؤمنون بعقائدهم (ومنهم التعدديون) يجب قتلهم؟ هل هم مستعدون لقبول المعتقدات الدينية لمن يؤمنون بذبائح الأطفال أو غيرها من الأعمال الوحشية باعتبارها صحيحة؟ نتمنى لا.

صحيح أنه يجب علينا أن نحترم حقوق الآخرين في أن يؤمنوا بما يشاؤون، إلا أننا نكون أغبياء وغير محبين للآخرين إن قَبِلْنا ضمناً كل عقيدة دينية باعتبارها صحيحة. لماذا نكون غير محبين إن فعلنا ذلك؟ لأنه إن كانت المسيحية صحيحة، فإن أوحينا لأي شخص أن معتقداته الدينية المخالفة للمسيحية أيضاً صحيحة نكون غير محبين له. فتأكيد ما عنده من خطأ قد يبقيه في طريق الهلاك الأبدي. ولكن إن كانت المسيحية صحيحة، علينا أن نُعَرِّفه الحق بلطف، لأن الحق فقط هو الذي يستطيع أن يحرِّره.

كنت أعمى والآن أبصر

بم تخبرنا التعددية المذهلة للمعتقدات الدينية عن الحق الديني؟ للوهلة الأولى قد يظهر أن تعدد المعقدات المتناقضة يؤكد مَثَل الفيل الذي ذكرناه في المقدمة، أي أن الحق الديني لا يمكن معرفته. ولكن الحقيقة أن العكس هو الصحيح.

وللتذكِرة، نرى في هذا المثل ستة رجال مكفوفين يتفحصون فيلاً. وكل رجل يتحسس جزءاً مختلفاً من الفيل، ومن ثم يتوصل إلى استنتاج مختلف بخصوص الشيء الموجود أمامه. يمسك أحدهم بالناب ويقول: “هذا رمح!” ويمسك آخرُ الخرطومَ ويقول: “إنه ثعبان!” أما مَن يحتضن الساق يقول: “هذه شجرة!” والأعمى الذي يمسك الذيل يقول: “معي حبل!” ومن يتحسس الأذن يقول “إنها مروحة!” ومن ينحني على جانب الفيل يقول واثقاً” “إنه حائط!” ويقال إن هؤلاء الرجال العمليان يمثلون ديانات العالم لأن كلاً منهم يتوصل إلى استنتاج مختلف عما يتحسسه. ويقال لنا إنه ما من دين واحد يمتلك “الحق” بأل التعريف، مثل كل رجل من الستة العمي. فالحق الديني نسبي يختص بالفرد. إنه ذاتي، وليس موضوعاً.”

وقد يبدو هذا الكلام مقنعاً حتى تسأل نفسك سؤالاً واحداً: “ما منظور الشخص الذي يروي هذا المثل؟” حسناً، لنرَ الشخص الذي يروي هذا المثل… يبدو أن منظوره موضوعي للعملية كلها لأنه يدرك أن الرجال العميان مخطئون. بالضبط. والحقيقة أنه ما كان ليَعرف أن الرجال العميان مخطئون إلا إذا كان عنده منظور موضوعي لما هو صائب!

فإن كان راوي المثل يمكنه أن يدرك الأمر من منظور موضوعي، لِمَ لا يستطيع الرجال العمي ذلك؟ بإمكانهم ذلك، فإن تمَكَّن الرجال العمي من أن يروا فجأة، سيتمكنون هم أيضاً من إدراك خطئهم في البداية. سيدركون أن الكائن الموجود أمامهم فيل وليس حائطاً، ولا مروحة، ولا حبلاً.

 ونحن أيضاً نستطيع أن نرى الحق الديني. ولكن للأسف الكثير منَّا ممن ينكرون وجود حق في الدين ليسوا عمياناً فعلياً ولكنهم عميان عمداً. فقد لا نريد أن نعترف بوجود حق في الدين لن ذلك الحق سيُبَكِّتنا. ولكننا إن فتحنا أعيننا وتوقفنا عن الاختباء خلق هذا الكلام الفارغ الذي يفنِّد نفسه زاعماً أن معرفة الحق غير ممكنة، سنتمكن من رؤية الحق. ولن نرى الحق في المجالات التي نريده فيها فقط، كالمال، والعلاقات، والصحة، والقانون…. إلخ، بل الحق الديني أيضاً أيضاً. ونقول مع الأعمى الذي شفاه يسوع:” كنت أعمى والآن أبصر”.

وقد يقول المتشكك: “لحظة من فضلك! من المحتمل أن مَثَل الفيل ليس مُوفَّقاً، إلا أن ذلك لا يُثْبِت أن معرفة الحق الديني ممكنة. لقد أثْبَتَّ أن معرفة الحق ممكنة، ولكن ليس بالضرورة الحق الديني. أوَ لم يدحض “ديفيد هيوم” David Hume وكذلك “إيمانيول كانط” Immanuel Kant  فكرة الحق الديني؟”

بالقطع لا، وسنناقش السبب في الفصل التالي.

المخلص والخلاصة

  1. رغم ما تنضحه ثقافتنا من نسبية، فالحق مطلق، وإقصائي، وقابل للمعرفة. وإنكار الحق المطلق وإمكانية معرفته هو افتراض يفنِّد نفسه بإثبات عكس ما يريد أن يُثْبِت.
  2. خطة “رود رَنَر” تقلب الجملة على نفسها وتساعد في كشف الجُمَل المفنِّدة لنفسها (التي هي بالتالي خاطئة) التي أصبحت واسعة الانتشار اليوم. ومن هذه الجُمَل: “ليس هناك حق” (هل تلك الجملة حق؟)، “كل الحق نسبي” (هل تلك الجملة حق نسبي؟)، “لا يكنك أن تعرف الحق” (فكيف عرفت ذلك إذاً؟). في الأساس أي جملة لا يمكن تأكيدها (لأنها تناقض نفسها) لا بد أن تكون خاطئة. فالنسبيون يهزمون أنفسهم بمنطقهم.
  3. الحق لا يعتمد على مشاعرنا ولا استحساناتنا. فالشيء يكون صحيحاً سواء أعْجَبَنا أم لا.
  4. خلافاً للرأي الشائع، ديانات العالم الرئيسية لا “تُعَلِّم جميعاً تعاليم واحدة”. بل إنها تختلف فيما بينها اختلافات جوهرية ولا تتفق إلا في أمور سطحية. فلا يمكن أن تكون كل الديانات صحيحة لأنها تُعَلِّم تعاليم متناقضة.
  5. بما أنه يستحيل منطقياً أن تكون كل الديانات صحيحة، لا نستطيع أن نقبل التعريف الحديث لقبول الاختلاف الذي يطالبنا بقبول الفكرة المستحيلة القائلة بأن كل المعتقدات الدينية صحيحة. لذا، علينا أن نحترم معتقدات الآخرين، ولكن نخبرهم بالحق بمحبة. فمهما كان، إن كنتَ تحب الناس حقاً وتحترمهم، ستخبرهم بالحق المتعلق بمعلومات قد تَجُرّ عواقب أبدية.

 

[1]  مصطلح “الإنساني” humanist يُستخدم اليوم للإشارة إلى من يسعى ليعيش حياة صالحة دون اعتماد على معتقدات دينية أو خرافية (humanism.org.uk/humanism/humanism-today/non-religious-beliefs)، تم الاطلاع على الرابط بتاريخ 13تموز/يوليو2016. (المترجمة).

[2]  Road runner تعني عَدَّاء المسافات الطويلة وهو في هذا الفيلم الكارتون اسم لطائر سريع جداً، أما  “الكويوت” Coyote فهو حيوان من فصيلة الكلاب البرية أو الذئاب ويعيش في أمريكا الشمالية وأحياناً ما يسرق الطعام أو يقتل الحيوانات المنزلية الصغيرة. (المترجمة)

اتساق وترابط الحق – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس

اتساق وترابط الحق – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس

اتساق وترابط الحق – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس

اتساق وترابط الحق – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس

المبدأ الإرشادي: اعمل على اتساق وترابط الحق المعلن.

من الخطوات الضرورية في فهم إعلان الله عن نفسه وعن مشيئته للإنسان، هو أن نأخذ أجزاء متنوعة من التعليم الكتابي في موضوع ما ونضعها جميعاً معاً في وحدة متسقة.

والخطوة الأولى لعمل دراسة موضوعية أو بناء هيكل نظامي للتعليم الكتابي، هي أن نقوم بتحليل كل مقطع وفحصه، لتحديد المعنى الذي يقصده المؤلف. ومع ذلك، فكما رأينا في الفصل السابق، عندما نقوم بدراسة عنصر واحد من الحق المعلن في مقطع واحد فقط، قد يقودنا ذلك إلى تشويه هذا الحق.

فالتناقضات، والحذف، والتركيز الخاطئ على نقاط معينة، قد يمضي دون أن نلاحظه. وعلى سبيل المثال، أن نبدأ وننهي دراستنا لشخصية الله بالمقاطع التي تتعامل فقط مع محبته، لن يعطينا ذلك فهماً كاملاً أو دقيقاً لشخص الله، إذ أن هناك صفات أخرى لله، مثل قداسته وعدله، لا بد أن نضعها في الاعتبار كذلك.

لقد تم إعطاء الكتاب المقدس لنا بواسطة الأنبياء والرسل الذين كانوا، في معظم الأحيان، يوصلون جزءاً واحداً فقط من حق الله إلى شخص محدد أو جماعة معينة. لذلك فقد جادل البعض بأن الرغبة في تنظيم كل الأجزاء المتنوعة داخل وحدة متسقة ليست ضرورية، وفي الحقيقة، قد لا تصح بالنسبة للأسفار المقدسة كما أعطاها لنا الله. فالتحليل أمر مشروع بمثل هذه النظرة؛ لكن التوليف ليس كذلك.

يعتقد البعض أن محاولة تنظيم أو توليف العناصر المتنوعة للمبدأ الكتابي أو لجميع المبادئ الكتابية ووضعها معاً، تأتي من أسلوب غربي في التفكير في تصنيفات منطقية، بينما ليس هذا هو الأسلوب الوحيد في التفكير، أو ربما لا يكون هو أفضل أساليب التفكير. لأنه إن كان كذلك، فلماذا لم يعط لنا الكتاب المقدس بصيغة نظامية؟

في الحقيقة أنه كما رأينا من قبل (في الفصل الخامس)، لا يعتبر هذا الجدل مؤسس جيداً. فلكنا نفكر عن طريق ربط أفكار جديدة بالأفكار التي قبلناها بالفعل من قبل. وقد يكون من الممكن بالنسبة للإنسان العاقل أن يعتنق فكرتين متناقضتين في نفس الوقت، بأن يبقى كل منهما منفصلة عن الأخرى في تفكيره، ولكنه يكون من المستحيل بالنسبة له أن يتعامل مع جميع مفاهيمه وأفكاره بتلك الطريقة.

جميعنا لاهوتيون نظاميون، بمعنى أن لدينا أفكاراُ متنوعة عن الله تتفق معاً بطريقة أو بأخرى. واللاهوتي الضعيف هو الشخص الذي يكون لديه نظرة محدودة أو غير صحيحة عن الله لأنه لا يعي إلا بعض من عناصر الحق المعلن، أو لأن لدينه نظرة مشوهة لله لأنه يفتقر إلى المنظور الكتابي الشامل. أما اللاهوتي الجيد من ناحية أخرى، فهو الشخص الذي يضع في اعتباره كل الحق المعلن عن الله، ويقوم بربط كل جزء فيه داخل إطار كلي واحد.

فإن كان هذا هدف جيد للدراسة الكتابية، لماذا لم يعطينا الله الحق بطريقة منظمة؟ رغم أنه ليس هناك تفسير لذلك في الكتاب المقدس، إلا أن هناك العديد من الإجابات المحتملة. أولاً، الكثير من حق الله معطى لنا بطريقة منظمة. فسفر رومية هو مثال تقليدي للعرض المنظم للحق.

 

لكن عند تعليم الأطفال، لن يكون هناك توصيل جيد للفكرة لو أن كل المنهج المعد لتعليمهم كان مقدماً في شكل كتلة واحدة من المادة المنظمة. فمن الضروري أن نبدأ من حيث هم، وأن نبني مفاهيمهم خطوة بخطوة. وبالمثل، أعلن الله عن نفسه وعن مشيئته للإنسان على مراحل، عندما كان البشر مستعدين لاستقبال تلك المعرفة.

ورغم أننا لا نستطيع أن نثبت ذلك، فإن السبب الآخر الذي لأجله كشف الله عن حقه في الكتاب المقدس بطريقة تاريخية وقصصية، هو أنه ربما كانت هذه هي أفضل طريقة يمكن بها فهمه بواسطة أكبر عدد ممكن من البشر. يتم تقديم الإعلان الكتابي في كثير من السياقات، وبصيغ متعددة، بحيث توجد في صلبه إمكانية لأن يتكلم مرات ومرات لجميع أحوال وأوضاع الناس في كل العصور.

بلا شك توجد أسباب أخرى لذلك. إلا أن ولا واحد من هذه الأسباب يعفينا من مسؤولية أن نتيقن من أننا نفهم ونميز كل ما يقصده الله لنا أن نفهمه بشأنه وبشأن إرادته. فإن الله لم يخلق العالم وبه كميات ضخمة من المنتجات الجاهزة، ولكنه قدم لنا المواد الخام، وسمح للإنسان أن يبحث في منجم كنوز خليقته. وبنفس الطريقة، قدم لنا الله في كلمته المادة الخام التي يمكن لكل الأجيال أن تستقي منها كنوز الحق.

إن دراسة الموضوعات هي لاهوت نظامي مصغر، بمعنى أن قطاعاً صغيراً فقط من كل التعليم الكتابي يتم فصله والتعامل مع كوحدة واحدة. فمثلاً، في اللاهوت النظامي لعقيدة الله، يتم تنظيم كل ما يعلمه الكتاب المقدس ويختص بشخص وعمل الله، في وحدة واحدة مستقلة، فيتم فحص جميع صفاته باستفاضة.

لكن عند الوعظ في خدمة صباح الأحد، أو في دراسة الكتاب المقدس يوم الأحد مثلاً، لا يمكن للمرء أن يتحدث عن كل صفات الله. لذلك يمكن مثلاً دراسة موضوع ثبات الله وعدم تغيره. بل يكن كذلك تضييق نطاق الموضوع، بالحديث عن معنى عدم تغير الله وأثر ذلك على معايير الأخلاق البشرية. فتتم دراسة السلوك الأخلاقي البشري كانعكاس لصفات الله، في ضوء حقيقة أن صفات الله الأخلاقية ثابتة ولا تتغير على الإطلاق.

وهكذا عند عمل لاهوت نظامي، يواجه المسيحيون أعظم اختلافاتهم. فكيف يمكن أن يوضع الحق الكتابي في صورة نظامية، بحيث نكون أقرب إلى حق الله، كما هو في الواقع المطلق، ولا نجد أنفسنا في الواقع أبعد عنه؟ هل توجد إرشادات تمكننا من الوصول إلى هدفنا في البحث عن حق الله بأكمل صورة ممكنة، مع ارتباط كل من هذه الأجزاء معاً في تناسق واتفاق؟

إني أومن بوجود مثل هذه الإرشادات، ولكن الأمر الأهم من أي مبدأ إرشادي هو المنهج الذي يتبعه الفرد في دارسة الموضوعات أو العقائد الكتابية. لذلك فإننا سنقوم بفحص المنهج اللازم لتحقيق هذا الهدف، ثم نقوم بعد ذلك بفحص الإرشادات الخاصة بتطوير لاهوت سليم فعلياً.

منهج سليم

إننا إذ نقترب من قصد الكتاب المقدس في أن نكتشف كل الحق الذي يريدنا الله أن نفهمه، سنقوم بفحص توقعاتنا واتجاهاتنا، حيث توجد حدود لما يمكننا أن نفهمه.

الهدف من الدراسة اللاهوتية

أولاً، يجب ألا تكون الدراسة اللاهوتية بحثاً أكاديمياً عقيماً عن الحق المطلق. فالله في الأغلب لا يهتم بما أعرفه، بقدر اهتمامه بهويتي، وبكيفية سلوكي. كما عبر أندرو موراي عن هذا الأمر ذات مرة قائلاً، “لم يعط الكتاب المقدس لنا لزيادة معرفتنا، بل لتغير سلوكنا”.

فالكتاب المقدس لم يقدم لنا فقط لكي يعلمنا ما يجب أن نؤمن به، وما لا نؤمن به، ولكنه أعطي لنا أيضاً لكي يوضح لنا كيف يجب أن نسلك، وما الأمور التي يجب أن نمتنع عنها (2تي 3: 16). وهكذا فكل دراستنا الكتابية يجب أن تكون لأجل غرض تطبيقها في الحياة، وتحويل الحق إلى الحياة اليومية.

لنأخذ مثلاً العقيدة الكتابية الخاصة بالنبوة. يخبرنا الكتاب المقدس عن سبب إعطاء النبوة – وهو بالطبع ليس الغرض الشائع الذي تستخدم لأجله. “أقول لكم الآن قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون أني أنا هو” (يو 12: 19)، “وقلت لكم الآن قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون” (يو 14: 29). هذا هو بوضوح الهدف من التنبؤ بعد أن تتحقق النبوة. أن نؤمن بالمسيح. لكن ماذا عن الكم الكبير من النبوات التي لم تتحقق – هل لها أي غرض بالنسبة لنا اليوم؟ النبوة هي أساساً تسبق وتخبر برسالة الله.

وليست تتنبأ بالمستقبل. فمن ضمن 164 مقطع تنبؤي في العهد الجديد (باستثناء سفر الرؤيا، المخصص بالكامل للنبوات) يرتبط 141 منها بطريقة مباشرة بالسلوك، وهي معطاة بوضوح للتأثير على السلوك وليس لزيادة المعرفة، وحوالي 23 مقطع منها فقط، معطى أساساً للإخبار عن المستقبل.

لذلك يجب أن تكون دراسة نبوات الكتاب المقدس في الأساس لأجل غرضين:

(1) دراسة النبوات التي تحققت لتوطيد إيماننا.

(2) دراسة النبوات التي لم تتحقق بعد للتأثير على سلوكنا.

يا له من أمر يريحنا من التدريبات الفكرية الشاقة، ويا لها من فائدة روحية سننالها إذا قمنا بدراسة النبوات بهذه الطريقة، وإذا فرض دارسو الكتاب المقدس أن يدرسوا لأجل هدف إشباع فضولهم، والتعرف على الأحداث المستقبلية بتخطي التعليم الأساسي الواضح للكتاب المقدس.

يا له من سلام سيشعر به الإخوة إذا رفض دارسو الكتاب المقدس أن يبنوا شركتهم مع بعضهم البعض على أساس الاعتناق الشديد لنوع معين من التفاصيل التنبؤية! فلو كان غرض الله أن يشبع فضولنا بشأن المستقبل، لكان هذا الأمر بالتأكيد لا يزيد صعوبة عن إعطائنا التعاليم الأساسية العظيمة التي يتفق عليها شعبه.

أما بالنسبة لهدفه الأساسي من إعطاء النبوات – هو أن يؤثر على سلوكنا – نجد أن تعاليم الكتاب المقدس الواضحة أكثر من كافية لهذا الأمر. “ليس لكن أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه. لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليهم وتكونون لي شهوداً” (أع 1: 7-8).

ففي مجال الدارسة الكتابية على وجه الخصوص، يمكن للمعرفة الزائدة أن تكون أمراً خطراً. فالعلم الكلي ليس مطلوباً، لكن الأمانة والإخلاص مطلوبان. وهذا يتطلب الأمانة فيما نعرفه، هذا لأننا مسؤولون بصورة خاصة أن نعيش بحسب ما نعرف (لو 12: 47-48). لذلك يجب ألا يكون السعي للحق اللاهوتي هو غاية في حد ذاته، بل وسيلة لمعرفة الله وطاعته بكمال أكثر.

الدافع وراء الدراسة اللاهوتية

لكن لو أن كل من درسوا الكتاب المقدس وضعوا تطبيق الحق كهدف بالنسبة لهم أسمى من السعي نحو الحق الافتراضي الأكاديمي، هل كانت كل الاختلافات الطائفية ستتوقف، تشفى الانقسامات المذهبية؟ كلا، وهذا لأن اتجاهات أساسية أخرى في المنهج الكتابي.

فما هو إذاً العلاج للانقسامات العميقة في جسد المسيح الواحد؟ الإجابة التي يقدمها بولس على ذلك بسيطة: العلم ينفخ ولكن المحبة تبني (1كور 8: 1)، هذا هو الحل باختصار. فالله يهتم أساساً ليس بما نعرفه، بل بهويتنا وبكيفية سلوكنا، والمحبة تتضمن كل مشيئته الخاصة بهذا الأمر. فكورنثوس الأولى 13 لم يعط فقط كمجرد وصف للمحبة، بل تم إعطاؤه أساساً كدينونة مباشرة للانقسامات التي كانت في جسد المسيح. هذا هو الحل الإيجابي: المحبة.

ولكن ليس هذا هو الحل بالكامل، إذ يوجد جانب سلبي، وهو أن العلم ينفخ، تقدم لنا الأصحاحات من 1-3 من كورنثوس الأولى، وفيلبي 2، الدواء الناجع: الاتضاع، بمعنى أن يكون لنا فكر واحد بأن يكون لنا فكر المسيح، الذي إذ كان لدينه كل شيء، أصبح لا شيء.

وهذا نموذج بسيط لتلك العملية. فبعد أن ينفخ العلم ويفرق، يأتي المسيح، الذي هو غير محدود في كل شيء – بينما نحن فارغون ومتضعون ولا ندعي لأنفسنا أية معرفة، بطموحنا الشخصي، وغيرتنا، ومحدوديتنا. ثم تأتي المحبة، ليست كعاطفة، بل كأسلوب يشمل الحياة بأكملها – والتي تستطيع أن تعمل وتغير، فيتجه بناء جسد المسيح الواحد إلى الأمام (راجع أف 4). فالمعرفة الكتابية التي لا يتم تطبيقها تدمر؛ بينما المعرفة التي تطبق تعطي حياة.

الاتجاه في الدراسة الكتابية

 الاتضاع هو واحد من العناصر الأساسية في دراسة مبادئ الكتاب المقدس. فالاتضاع يجب أن يفسح الطريق للمحبة لكي تقوم بعملها. لكن حجر الأساس في الاتضاع، وهو أن نحسب بعضنا البعض أفضل من أنفسنا (في 2: 3) – ليس سهلاً دائماً. فكيف يمكننا أن نصل إلى ذلك؟ يأتي الاتضاع فيما يختص بدراسة مبادئ وعقيدة الكتاب المقدس كنتيجة لمواجهة حقائق معينة. فالدارس المخلص للكتاب المقدس يدرك الآتي:

(1) أن الإعلان هو جزئي فقط.

(2) أننا محدودون.

(3) أننا ساقطون.

(4) أننا نحتاج ذهناً مفتوحاً.

(5) وأنه لا بد أن يكون لدينا استعداد للطاعة.

الإعلان جزئي فقط. إن الغرض من الكتاب المقدس وطبيعته المحددة هو أن يكشف، وليس أن يخفي أو يشوه أو يفرق. وكان يمكن لله بالطبع أن يكشف بوضوح عن الكثير من التفاصيل. لكن لسبب ما اختار الله ألا يكشف عن التفاصيل بمثل وضوح قيامه بذلك بالنسبة للحقائق الأساسية العظيمة. فمجد الله إخفاء بعض الأمور (أم 25: 2). “السرائر للرب إلهنا” (تث 29: 29).

وبالتأكيد أن الأمور التي يؤكد عليها الكتاب المقدس والحقائق الأساسية تقدم لنا معيناً لا ينضب، يشبعنا ويحفزنا. وهذه الأمور المعلنة هي “لنا ولبينينا إلى الأبد بجميع كلمات هذه الشريعة” (تث 29: 29). ومع ذلك، لا يرضى الإنسان بأن يترك الأمور هكذا. لذلك نرى أن الفكر المتضع هو أمر أساسي.

لماذا لم يكشف لنا الله أكثر من ذلك؟ ولماذا لم يشبع فضولنا في المعرفة؟ هذا لأن هناك بعض الأمور لا نحتاج أن نعرفها. فقد قال يسوع للتلاميذ: “ولم أقل لكم من البداية لأني كنت معكم” (يو 16: 4). عند هذه المرحلة في رحلتهم الروحية لم يكن التلاميذ في حاجة أن يعرفوا كل شيء كانوا يرغبون في معرفته.

بل الأهم من ذلك، هو أن الله لا يكشف لنا شيئاً نكون غير مستعدين لقبوله: “إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن” (يو 16: 12). وهكذا يتضح أن الله كشف لنا فقط عن تلك الأجزاء القليلة، من أموره العظيمة الهائلة، والتي يعتبرها ضرورية لخيرنا.

تحدث الانقسامات الكبيرة في أغلب الأحيان لأن الناس يجادلون فيما يعتقدون أنه توازن للحق غير المعلن. فعلى سبيل المثال، كثير من أنواع اللاهوت النظامي تأخذ موضوع سيادة الله ومسؤولية الإنسان إلى ما هو أبعد من حدود الإعلان، بواسطة استخدام المنطق.

وقد علق الأسقف التقي مول على هذه المشكلة بقوله: “دعونا مثل الكتاب المقدس، “نذهب إلى كلا النقيضين”؛ عندما سنكون أقرب ما يمكن – ربما بحسب ما يسمح لنا بذلك فكرنا المحدود في الوقت الحاضر – إلى الحق الكامل وهو يتحرك ليشكل محيط الدائرة الكاملة في الله”.[1]

نحن محدودون. حتى لو كان الإعلان شاملاً، لن نستطيع أن نفهمه بالكامل، وهذا لأننا محدودون، والحق غير محدود. فأفكار الله تبعد عن أفكارنا مثل بعد السماوات عن الأرض (إش 55: 9). لذلك فإن كل حكم نقوم به هو خارج هذا النطاق. إن لدينا قصر نظر، كما أننا محدودون في الوقت والمكان والمعرفة والخبرة والقدرات العقلية.

في أول مرة طرت فيها فوق جبال بلو ريدج، أدركت قدراً ضئيلاً من الاختلاف العظيم الذي تصنعه وجهة نظر الإنسان في رؤيته للأشياء. فالسماء حقاً شديدة البعد والارتفاع عن الأرض، وبعض الجبال المعروفة التي كانت تبدو شديدة العظمة، عندما تسلقتها أو قدت السيارة فوقها، لمن يكن ممكناً التفريق بينا بعضها البعض.

وفي الحقيقة أنني سألت الملاح، بعد أن عبرنا فوق هذا الجبل، عن الزمن الذي تبقى لنا للوصول إليه! فكل ما هو كبير أو صغير، يأخذ عندئذ معنى مختلفاً تماماً. عندها سألت نفس متعجباً إن كنا قد رأينا حقاً أي شيء من المنظور الإلهي – كما يراه الله، وكما سنراه نحن في يوم من الأيام! إننا بالتأكيد لا نرى أي شيء بصورة كاملة، فمجال رؤيتنا شديد الضحالة.

وعندما نركز على أمر واحد، فإن أموراً أخرى في الواقع الحقيقي يبدو أنها تخرج من مجال تركيزنا. الله وحده في مجال رؤيته غير المحدود هو الذي يمكنه أن يرى كل الواقع أمام عينيه. يعبر سي إس لويس عن محدودية الإنسان كالتالي:

خمسة حواس؛ فكر تجريدي؛ ذاكرة انتقائية عشوائياً؛ مجموعة هائلة من المفاهيم والافتراضات المسبقة التي من فرط كثرتها لا أستطيع أن أفحص أكثر من قلة قليلة منها – بل أني لا أعيها كلها مطلقاً. فكي هو قدر الحقيقة الكلية التي يمكن لمثل هذا الجهاز أن يستوعبها؟[2]

وقد كتب إيه دبليو توزر أيضاً عن هذا الموضوع:

يقول ماثيو أرنولد أن روح الإنسان هي مرآة مشدودة على حبل، تتحول مع كل نسيم في أي اتجاه، وهي تعكس دائماً ما هو أمامها، ولكنها لا تعكس أبداً أكثر من جزء صغير من الكل.

ويختلف حجم هذه المرآة من إنسان إلى آخر. لكن لا يستطيع أي إنسان أن يستوعب البانوراما الواسعة التي تقع أمامنا وحولنا. أما الأمر الأكيد فهو أن العملاق الفكري لديه مرآة أوسع، لكن حتى أوسع هذه المرايا يعتبر صغيراً بصورة تثير الشفقة.

لكن طالما أننا نعرف أن نظرتنا للحق جزئية، يمكننا أن نحتفظ بذلك الاتضاع الفكري الذي يتناسب مع هذه الحالة؛ فبمجرد أن تكون لدينا فكرة أن نظرتنا شاملة، عندئذ نصبح لا نطاق فكرياً. وبمجرد أن نصبح مقتنعين أن نظرتنا هي الوحيدة المعقولة، عندها تموت في الحال قدرتنا على التعلم.

في رأيي أن الوحدة بين المسيحيين لن تتحقق إلا قبل المجيء الثاني بوقت قصير. فهناك العديد من العوامل التي تعمل ضدها. لكن يمكن لقدر عظيم من الوحدة أن يتحقق إذا اقتربنا جميعاً من الحق باتضاع أعمق. فلا يوجد إنسان يعرف كل شيء، سواء كان قديساً أو عالماً أو مصلحاً أو لاهوتياً.[3]

إننا نعرف بعض العلم – كأطفال (1كور 13: 9-12). اقتربت إحدى المرات من ابنتي البالغة الرابعة من العمر وصديقتها وهما تبنيان أشكالاً بالمكعبات.

وسمعتهما تتشاجران مع بعضهما البعض، “أنه ليس بيت، إنه مدرسة”

“كلا إنه ليس مدرسة، إنه بيت”.

واستمر الجدال كثيراً، فابتسمت لنفسي، ثم بدأت أتساءل، ترى كم من مرة يبتسم أبونا السماوي وهو يرى اعلاناتنا العقائدية التي في كثير من الأحيان تذهب إلى ما هو أبعد من مجال معرفتنا؟ كانت كل من الطفلتين محقة في حدود رؤيتها – عندما حاولت كل منهما بناء بيت من المكعبات، لكنهما أصبحتا غبيتان عندما حاولتا الجدل فيما هو أبعد من نطاق خبرتهما المحدود.

لكن الأخبار السارة هي أننا لن نظل أطفالاً إلى الأبد، بل سوف ننضج ونصبح بالغين. إننا لن نصبح غير محدودين بالطبع، ولكننا سنعرف أكثر كمالاً، كما صرنا معروفين، عندما لن نعد ننظر في مرآة باهتة، بل وجهاً لوجه وعيناً لعين. “يرفعون صوتهم يترنمون معاً لأنهم يبصرون عيناً لعين عند رجوع الرب إلى صهيون” (إش 52: 8).

العقل المتضع الخاضع يرضى ويقنع عندما يصل أثناء دراسته لعقيدة ما، إلى مكان للانفصال، حيث ينفصل حق الله غير المحدود عن مجال الرؤية المحدودة ويأتي إلى ما وراء الحجاب، إلى ما هو غير محدود. عندها يكون السعي وراءه أو الحنق لانفصاله أمراً غير حكيم. فعندما يرى المرء حقاً مدى محدوديته مقابل خلفية من اللانهائية، يكون الاتضاع أمراً حتمياً، والجدل العقائدي مستحيلاً.

نحن ساقطون. إننا لسنا فقط محدودين، ولكننا ساقطون أيضاً. فالخطية قد أعمت وغطت رؤيتنا وفهمنا للإعلان الذي لدينا، لذلك فإننا قابلون للخطأ. “ومن المتوقع أن الروح القدس لا يعفي تماماً من الخطأ تلك الأذهان التي لم يطهر قلوب أصحابها بالكامل من الخطية”.[4]

إننا نختار التفسيرات التي تدعنا نفعل ما نرغب في فعله. كما أننا نقوم بتحريف وتغيير المعنى، وإلى العقلانية، إلى أن يصل الكتاب المقدس إلى أن يعني ما نريده أن يعنيه. كما أننا شديدو العناد والتشبث بآرائنا اللاهوتية. فرغباتنا الخاطئة وعنادنا يشوهان فهمنا لكلمة الله.

هذه العناصر الثلاث الأولى للاتضاع في دراسة الكتاب المقدس يجب أن تذكرنا أن الاتضاع والمحبة هي أكثر صحة وجاذبية من الجزم بالرأي بغطرسة. فالاعتراف السليم باللا أدرية أو بعدم العلم بكل ما يتخطى الحقائق المؤكدة، يحافظ على وحدة الروح بين أبناء الله، وعلى السلام الشخصي في قلب الإنسان. فلا يوجد شيء يكسر الوحدة بين الإخوة أو سلام الفرد الداخلي أكثر من الاختلاف في الرأي في المسائل التي تتعلق بعقائد الكتاب المقدس.

قال أوغسطينوس: “الوحدة، هي من الأساسيات؛ والحرية، من الأمور الثانوية؛ أما المحبة، فيجب أن تكون في كل شيء. “تأتي المشكلة بالطبع في الفصل بين الأساسيات والأمور الثانوية. فإن استطاع الفرد فقط أن يرضى بالحقائق العظيمة المعلنة بوضوح في كلمة الله، وأن يرفض أن يحرك مجرد رأي ما من وضعه في “الأمور الثانوية” إلى “الأساسيات”، فيالها من وحدة وتناغم واتساق وبركات تنتج عن مثل هذا الاتجاه!

لذلك يجب أن يكون الاتضاع فيما يتعلق بالمعرفة، اتجاهاً حتمياً عندما يواجه المرء الحقائق السابقة. ومع ذلك، فإني لم أجده حتمياً. كان يمكن أن يكون كذلك إذا كان الاتضاع هو نتيجة للمنطق وحده، ولكنه ليس كذلك، فالاتضاع هو من ثمر الروح. فمواجهة الحقائق بعقلانية هو أمر ممكن فقط بالنسبة للشخص الذي لديه قلب منكسر وتائب، والذي لديه إرادة خاضعة بالكامل لله.

نحتاج ذهناً مفتوحاً. إن التسليم الكامل هو أمر سلبي وإيجابي معاً. فسلبياً، هو يعني الانفتاح الكامل في القلب والفكر. ولكن في تطوره الكامل، لا يكون هذا الانفتاح في الذهن مجرد عقل يوافق على فكرة يتم اقتراحها، بل على العكس، إنه اتجاه متعمد يصعب تبنيه، ويصبح هو العامل المتحكم في تفكير الشخص.

مثل هذا الاتجاه الذهني لا يمكن استدعاؤه في مناسبة ما، ثم التخلي عنه عندما يحقق هدفه، بل هو عبارة عن استقامة وأمانة فكرية عميقة التأصل، تُعنى بحماس بالفحص الموضوعي لجميع البراهين لاكتشاف الحقائق واستبعاد أي شيء آخر دونها.

إن الانفتاح هو إطار فكري شديد الصعوبة في تطويره، رغم أن القليلين هم الذين يتعمدون إغلاق ذهنهم، وجميع الناس تقريباً يزعمون أن لديهم ذهن مفتوح. فأصعب شيء في الوجود هو أن يكون المرء أميناً ونزيهاً بالكامل في تفكيره الخاص، وأن يتمتع بصفاء وشفافية وسلامة الفكر.

وهذا لأن عدم الأمانة لا يكون عادة أمراً متعمداً، إذ أننا نرى الأشياء من خلال عدسات خبراتنا وتجاربنا، أو من خلال ما نقرأه ونسمعه، أو من خلال أسلوب حياتنا، أو من خلال نظام عقائدي قائم مسبقاً.

تتضح تلك الحقيقة من خلال التجربة المثيرة التي قام بها عالم بحث نفساني. فقد قام بوضع صورتين مختلفتين في مجسم، بحيث كانت العين اليسرى ترى مصارع ثيران؛ بينما ترى العين اليمنى لاعب بيسبول. ثم قام بسؤال بعض المكسيكيين وبعض الأمريكيين في التجربة أن ينظروا من خلال الجهاز ويقولوا ما رأوا.

فرأى معظم المكسيكيين مصارع الثيران، بينما رأى معظم الأمريكيين لاعب كرة البيسبول. فما في عقولنا غالباً ما يكون له علاقة بما نراه أكثر مما هو أمام أعيننا.

لذلك لا بد أن نقوم بتطوير شك سليم في أنفسنا وفي أفكارنا، ونظرة للكتاب المقدس تفصله عن فكرنا وخبرتنا الشخصية السابقة (بقدر الإمكان، بحسب ما هو متاح لنا كبشر)، لكي ندعه يتحدث ليس بما نعتقده بالفعل أو بما نريد أن نعتقده، بل بما يقوله الكتاب حقاً.

فالشك في أفكارنا الخاصة سيقودنا إلى الاستعداد لرفض حتى الأفكار التي تربينا عليها والتي اعتنقناها بعمق، وطرق المعيشة، والصداقات، والأفكار المرتبطة بهذه الأمور، دون تردد، بمجرد أن تأتي كلمة الله إلى بؤرة التركيز الواضحة.

إن القلب الخاضع المسلم لله يرغب في أن يعرف ما يقوله الكتاب المقدس، وليس ما يمكن أن نجعله يعنيه. فقبول المعنى الممكن، بدلاً من المعنى الأكيد، يتم دائماً بهدف صنع نظام ينسجم مع تفكير الشخص نفسه، لكن يجب ألا يفرض النظام على الكتاب المقدس قالبه المنطقي.

فالكتاب المقدس يعطي النظام كل ما يمكن له أن يأخذه بطريقة مشروعة، فإن احتاج النظام إلى المزيد لكي يكتمل، فيجب أن ينتظر النور الأكمل والأشمل في الأبدية. كما قال تشارلز سيميون من جامعة كامبريدج:

إن سعيي هو أن أستخرج من الكتاب المقدس ما هو موجود فيه، وليس أن أقحم عليه ما أعتقد أنه قد يكون فيه. إن لدي حماسة عظيمة لهذا الأمر، وهو ألا أتحدث أقل أو أكثر مما أعتقد أنه فكر الروح القدس في المقطع الذي أشرحه. وهكذا فإني لا أسعى لملاحقة شيء ما، ولا أتجنب أي شيء.

لا بد أن يكون لدينا استعداد للطاعة. إلا أن التسليم ليس مجرد انفتاح سلبي للذهن، ولكنه أيضاً رغبة واستعداد للإيمان والطاعة. ونرى هذا الأمر في الاتجاه الإيجابي، وهو جوع القلب الذي يسعى ويبحث عن الحق بشغف. فعندما يقترب المرء من الكتاب المقدس برغبة في التعلم والطاعة، فقط عندما يكون في وضع حرج، أو عندما يكون خائفاً من أن يقوم الكتاب بتغيير آرائه وتعديل سلوكه، فإن هذا الشخص يبرهن على عناده وقلبه غير الخاضع، ولا يمكنه أن يثق في أنه سيكتشف حق الله.

إن العقل الساعي بجدية لمعرفة الحق يفترض فرضيات جديدة ويفحصها ويختبرها بلا رحمة في الضوء الواضح لما يقوله الكتاب المقدس حقاً. فهو يقوم باستمرار بالفحص وإعادة الاختبار، ويرغب بالكامل في اكتشاف الحق الذي يتعارض مع ما يقر به التقليد. فيقوم عن عمد باستبعاد الآراء – حتى الآراء التي يتم اعتناقها بصورة واسعة – ويطلب فقط العودة إلى الأمور الموثقة بالبرهان الكتابي القوي.

فهو يخشى المستنقع الراكد للآراء المتعصبة، والعبارات والمصطلحات التقليدية التي تخفي أو تشوه العبارات الكتابية الواضحة، أو تلك التي فقدت صحتها ودقتها من خلال الاستخدام الشائع لها أو سوء استخدامها.

إن البحث المتحمس عن الحق الجوهري هو دليل على التسليم الإيجابي للقلب، الذي يعتبر والداً مسؤولاً عن مولد الاتضاع. وهذه الروح التي تسلم تسليماً غير مشروط يصحبه مواجهة أمينة للحقائق، تنتج الاتضاع. فالعقل المتضع لا يتطلع إلى العم الكلي المطلق، ولا إلى أية درجة يمكن قياسها فيه.

فهو يقوم بالبحث في الحقائق بفكر منفتح وخاضع، مدركاً الفارق بين الحقيقة القائمة وبين الأمور التي تخضع للاعتقاد أو الرأي، ويبقى كل منهما منفصلاً عن الآخر، ويقتنع بترك الأمور، التي لم يكشف عنها بوضوح، خارج مجال اليقينيات. كما يعلن المرنم عن ذلك بحكمة قائلاً: “يا رب لم يرتفع قلبي ولم تستعل عيناي ولم أسلك في العظائم ولا في عجائب فوقي. بل هدأت وسكت نفس كفطيم نحو أمه” (مز 131: 1-2).

وللتلخيص، يمكننا أن نقول إن الاتجاهات الثلاثة الأساسية لبناء نظام لاهوتي، هي:

1 – اليقين الكامل بأن المعرفة تكون مشروعة فقط عندما تقود إلى تغيير الهوية والسلوك.

2 – الوعي بأن المحبة تلخص وتجمع بين كل من الهوية والسلوك.

3 – الاتضاع العميق المبني على التسليم غير المشروط، والمواجهة الأمينة للحقائق الخاصة بمحدودية الإنسان ونظرته القاصرة والساقطة.

فبسبب السمة الجزئية للإعلان، ومحدوديتنا وقابليتنا للخطأ، وقلوبنا الخاطئة، يجب ألا نتطلع إلى الفهم الشامل لكل الحق، بل على العكس أن نؤمن بأن الأساسيات واضحة، يقول تيري: “إلى حد كبير، يعتبر معظم العهدين القديم والجديد شديد الوضوح بصفة عامة، بحيث لا يوجد مجال للجدال.

وتلك الأجزاء التي تبدو غامضة، لا تحوي أية حقيقة أو عقيدة أساسية لا تتواجد في مكان آخر بصورة أوضح”[5]. ولكي نميز ذلك الحق، سنقوم الآن بالتعرف على الإرشادات التي يجب اتباعها.

إرشادات لبناء لاهوت نظامي

ابن العقيدة الكتابية على التفسير السليم لكل نص

لا بد أن نقوم بتطبيق جميع الإرشادات التي كنا ندرسها حتى الآن، لأجل تحديد المعنى الذي قصده المؤلف في كل نص. وعملية التفسير هذه تشكل حجارة البناء لأية عقيدة أو مبدأ كتابي. هذا هو أول وأهم مبدأ إرشادي أساسي لبناء عقيدة أصيلة أو نظام عقائدي سليم.

إن الفكرة الشائعة عن العظات التي تتناول موضوعات، هي أنها تكون أكثر سهولة في إعدادها من العظات التفسيرية التي تكون مبنية مباشرة على تحليل مقاطع معينة. ومع ذلك فإن العظة أو الدراسة الموضوعية السليمة، أو البحث الذي يتعامل مع موضوع واحد من الكتاب المقدس، يكون في الحقيقة أكثر صعوبة في إعداده، حيث أنه يجب أن يتأسس على تفسير سليم لكل المقاطع التي تستخدم فيه.

بكلمات أخرى، فإن العظة التي تتعامل مع موضوع ما، لكي تكون عظة أصلية وسليمة حقاً، لا بد أن تمثل فهماً شديد الاتساع للعديد من مقاطع الكتاب المقدس. لكن بالنسبة للدراس الناضج للكتاب المقدس الذي يكون قد قام بالفعل بدراسة دقيقة لمعظم المقاطع الخاصة بالموضوع، قد لا يكون إعداد عظة موضوعية أمراً شديد الصعوبة، لكن إلى أن تتم هذه العملية الدقيقة، يجب اتخاذ الحيطة الشديدة عند تطوير وإعداد موضوع من عدة نصوص كتابية.

ابن العقيدة من خلال الكتاب المقدس بأكمله

أما ثاني مبدأ إرشادي لبناء هيكل عقائدي سليم فيهو يستخدم الإرشادات التي أوضحناها في الفصل السابق. فلا يصلح أن نبني عقيدة على مقطع واحد فقط، أو على عدد قليل من المقاطع التي تتحدث عن موضوع معين. وعلى الرغم من أن المنهج الأساسي تم عرضه في الفصل السابق، إلا أن العديد من الإرشادات تحتاج إلى أعادة توكيدها والتركيز عليها مرة أخرى.

لا بد أن يتم تجميع البيانات وتنظيمها. يجب التعرف على جميع البيانات الخاصة بالموضوع الذي تدرسه. وبعد ذلك، يجب تنظيم هذه البيانات داخل وحدة متسقة بحيث تتضح العلاقة بين العناصر المختلفة للمبدأ الكتابي. ولكي نقوم بذلك، يجب التفكير في كل المقاطع الموازية والمشابهة، وفحص كل المقاطع التي تحوي تعليماً مماثلاً، ودراسة كل المقاطع التي تحوي تعليماً مناقضاً، وتكميلها معاً.

بكلمات أخرى، كل شيء يقوله الكتاب المقدس عن هذا الموضوع لا بد من وضعه في الاعتبار وتحت الدراسة. فعندما نترك بعض المقاطع الجوهرية أو بعض عناصر الحق الذي يكشفه الله، فإن هذا يؤدي إلى تشويه ذلك الحق.

عندما يتم تجميع جميع البيانات، يجب أن يتم تنظيمها داخل وحدة متسقة حتى يمكن رصد الأمور غير المتفقة، والتعرف على الكلمات التي حذفت، والتوصل إلى التوازن الكتابي.

فمثلاً، عند التعرف على جميع التعاليم المرتبطة بموضوع أن نحيا كما عاش المسيح، يكون من الضروري أن ندرس على الأقل ثلاثة أمور رئيسية في هذا الموضوع: مقياس الله للحياة المسيحية، تدبير الله لعيش الحياة المسيحية، ومسؤولية الإنسان في التعامل مع تدبير الله. ويمكن أن يتعامل موضوع مقياس الله مع قسمين أساسيين، هما: الأخلاقيات الكتابية الشخصية والأخلاقيات الكتابية الاجتماعية.

ومن ضمن الأخلاقيات الكتابية الشخصية، يجب أن تكون المحبة واحداً ضمن العديد من المقاييس التي يجب التفكير فيها. ولكن موضوع المحبة نفسه، يتم التعامل معه في الكتاب المقدس بصورة موسعة ويتطلب دراسة دقيقة. فلكي نفهم المحبة الكتابية تماماً، لا بد أن نقوم بالتعرف على الآتي: العلاقة بين المحبة كاسم يصف كيف يشعر المرء، وبين المحبة كفعل يصف كيف يتصرف المرء؛ وكيف يجب تعريف المحبة؛ وأساس المحبة الكتابية؛ وموضوعات المحبة الكتابية؛ وبرهان المحبة؛ وحدود المحبة.

وبالتالي، يصبح هذا الأمر واحداً من ضمن العديد من العناصر الأخرى في التفكير اللاهوتي في الأخلاقيات الكتابية الشخصية، التي تعد جزءًا من موضوع أكبر عن الأخلاقيات الكتابية أو المقاييس الأخلاقية. ومرة أخرى نجد أن موضوع المقاييس الكتابية بأكمله، هو مجرد جزء فقط من الموضوع الأشمل لعيش الحياة المسيحية (عقيدة التقديس).

وفي النهاية يبدأ دارس الكتاب المقدس في بناء وحدة متناسقة من خلال أحجار البناء التي جمعها، والتي هي عبارة عن الحقائق الفردية التي اكتشفها في المقاطع المتنوعة التي قام بدراستها.

فإن لم يتم اعتبار المحبة جزءًا من مقياس الله للحياة المسيحية، أو إذا كان التعليم عن المحبة يتناول جزءًا واحداً فقط من المعلومات الكتابية عن هذا الموضوع، يمكن أن يتكون لدى المرء مقياس مشوه في التعليم الخاص بالحياة المسيحية. لذلك يجب أن يشمل المقياس التعليم الكتابي الكامل الخاص بموضوع ما، ويجب استخدام جميع البيانات المتوفرة لدينا حوله.

يجب التعامل بطريقة نظامية مع مبدأ كتابي محدد. يجب أن يرتبط المبدأ أو الموضوع الكتابي المحدد بجميع التعاليم الأخرى التي يمكن أن تؤثر على ذلك المبدأ الكتابي المعين. وبهذه الطريقة، يتم دمج النواحي المتنوعة من هذا المبدأ داخل ما يكن أن نطلق عليه لاهوت نظامي. فمثلاً، في المبدأ الكتابي الخاص بالحياة المسيحية الذي ذكرناه سابقاً، لا يمكننا أن نحصل على الفهم الكامل له بدون التفكير في النواحي الأخرى لهذا المبدأ، مثل عقيدة الخلاص.

فكيف يرتبط الغفران والتبرير والتجديد والمبادئ الكتابية الأخرى للخلاص، بالحياة المسيحية الكتابية؟ أو لنفكر مثلاً في طبيعة الله. إن كانت مشيئة الله أن يتم استعادة شبهه الأخلاقي في البشر الذين خلصهم، أليس من الضروري أن ندرس طبيعة الله الأخلاقية لكي نفهم بالكامل كيف يرغب الله أن يكون عليه الشخص المسيحي، وكيف يرغب في أن يسلك؟

لذلك فمن أجل الفهم الكامل لموضوع أو لمبدأ كتابي معين، يجب أن نربطه بكل الموضوعات الكتابية الأخرى التي تؤثر فيه.

تختلف البيانات من حيث أهميتها. ليس لجميع البيانات نفس الأهمية في بناء الموضوع أو المبدأ الكتابي إلا أن جميع البيانات الخاصة بموضوع ما يجب وضعها في الاعتبار، وذلك الموضوع يجب أن يرتبط بموضوعات أخرى تتعلق به. ومع ذلك فيجب ألا تعطى نفس الأهمية لكل نص يقدم حجر بناء في هذا المبدأ الكتابي. لذلك فهناك أربعة معايير يتم تطبيقها في تقديم أهمية البيانات التي لدينا:

1 – يجب تفضيل المقطع الواضح عن المقطع الغامض. فإن لم يكن الأمر الذي قصده المؤلف واضحاً تماماً، ويكون المفسرون عندها في حيرة بشأن معناه، عندها لا يكون هذا النص مثالياً كحجر بناء للمبدأ الكتابي. فيجب أن يرتكز ثقل المبدأ أو التعليم الكتابي على أساس صلب لتعليم واضح. فمثلاً، الآية الموجودة في 1بط 3: 19، هي آية شديدة الصعوبة في فهمهما، وتوجد في مقطع شديد الصعوبة كذلك: “الذي فيه أيضاً ذهب فكرز للأرواح التي في السجن”.

واجه الكثيرون من المفسرين صعوبات كبيرة في التعرف على المعنى الأكيد لهذه الآية، واتفق على معناه عدد قليل من المفسرين. وهكذا، فعندما نبني مبدأ كتابي مهم مثل فكرة المطهر على مثل هذا النص الغامض، لا يكون هذا البناء على أساس صلب.

لكن دعونا نلاحظ أن كلمة غامض لا تعني “غير متفق مع نظامي”. فالمقاطع الغامضة هي تلك المقاطع التي يكون فيها المعنى غير واضح، حتى مع الاستخدام الجاد لإرشادات تفسير الكتاب المقدس. فالمقاطع التي بها هذا النوع من الغموض يجب ألا تكون هي الأساس لبناء المبدأ الكتابي.

2 – يجب إعطاء أهمية أكبر للتعاليم التي تتكرر كثيراً. ليس من الحكمة أن نبني مبدأ كتابياً على نص منفرد – رغم أنه من الحقيقي أن الله لا يحتاج أن يتكلم مرتين لكي يجعل عباراته جديرة بالثقة. لكن يجب إعطاء أهمية أكبر للتعاليم التي تتكرر كثيراً ويتم التركيز عليها في الكتاب المقدس.

“يمكن إلغاء الحجة من كل نص، أو استبعادها بصورة كبيرة، عندما تكون منفردة؛ لكن العدد الكبير والمتنوع من مثل هذه الدلائل والحجج، عندما يتم التعامل معه ككل بحيث يظهر تناسقاً واضحاً، لا يجب استبعاده.”[6]

يمكن للشاهد الموجود في أعمال 22: 16 أن يبدو وكأنه يعلم عن التجديد بالمعمودية: “والآن لماذا تتوانى. قم واعتمد واغسل خطاياك داعياً باسم الرب”. ولكن الكم الكبير من تعاليم العهد الجديد الخاصة بأساس خلاصنا يبدو أنه يعرف الإيمان بأنه المعيار الوحيد للخلاص. وهكذا فإن العقيدة، وخاصة مثل هذه العقيدة الرئيسية، يجب أن تبنى على أساس واسع يتكون من العديد من النصوص والتوكيدات الكتابية. وهكذا فإن إجماع شهادة العديد من المقاطع يقدم أساساً صلباً للمبدأ الكتابي.

3 – التعليم المباشر والحرفي يجب أن تكون له الأولوية. يجب أن يبنى المبدأ الكتابي على أساس صلب وأكيد من المقاطع الحرفية التي تحوي تعليماً مباشراً. فيجب ألا يبنى على مقاطع مجازية أو شعرية أو تاريخية، إلا إذا كانت هذه اللغة المجازية أو تلك المقاطع التاريخية يتم تفسيرها حرفياً بواسطة الكتاب المقدس نفسه.

لذلك فليس من الضروري أن يتم استبعاد المقاطع التاريخية أو المجازية من الاعتبار في بناء المبدأ الكتابي، بل يجب أن يتم استخدامها بحذر شديد. أما بالنسبة للإرشادات الخاصة باستخدامها فسيتم دراستها فيما بعد.

4 – الإعلان اللاحق يأخذ أسبقية عن الإعلان السابق في بناء المبدأ الكتابي. رغم أنه قد لا يكون من السليم استخدام العهد الجديد كأساس لمبدأ كتابي بصورة مستقلة عن تعاليم العهد القديم، إذ أن إعلان العهد الجديد ينمو من العهد القديم، وحتى المصطلحات التي تستخدم فيه هي مشتقة في الأساس من استخدام العهد القديم لها، إلا أن العديد من تعاليم العهد القديم حلت محلها تعاليم العهد الجديد، بسبب تطور الفداء في التاريخ وتطور الإعلان في الكتاب المقدس.

لذلك يجب إعطاء أهمية أكبر للإعلان اللاحق، خاصة عندما يحل إعلان العهد الجديد محل إعلان العهد القديم، كما في حالة عمل المسيح الفدائي.

لكن هذا لا يعني أن تعليم العهد القديم يجب تركه جانباً بدون تصديق العهد الجديد عليه. ولكنه يعني حقاً أن بنية المبدأ المسيحي يجب أن تقوم أساساً على العهد الجديد وعلى تعاليم العهد القديم ومقاطعه التي تركز وتقدم أساساً لتعاليم العهد الجديد. وقد أوضح المسيح ذلك بجلاء في متى 5: 21-22: “قد سمعتم أنه قيل للقدماء: لا تقتل، ومن قتل يكون مستوجب الحكم.

وأما أنا فأقول لكم: إن كل من يغضب على أخيه باطلا يكون مستوجب الحكم، ومن قال لأخيه: رقا، يكون مستوجب المجمع، ومن قال: يا أحمق، يكون مستوجب نار جهنم.”

ومع ذلك فإن تعاليم العهد الجديد يمكن أن يتم فهمها بطريقة سليمة فقط عن طريق الإعلان الأسبق، كما أكد المسيح على ذلك بقوله: “لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل”. (متى 5: 17-18).

ينسب الكتاب المقدس لنفسه فقط الحق والسلطان، فهو لا يمنح أي منهما لأية كتابات أخرى. فالكتاب المقدس وحده هو الذي يُلزم ضمير المؤمن، والكتاب المقدس وحده هو الذي يجب أن يكون أساس كل بنية لاهوتية.

لا تبن مبدأ على استدلال أو استنتاج. إن القوى العقلية هي عطية من الله، ومهمتنا هي أن ندرس بدقة لكي نستطيع أن نتعامل بصورة سليمة مع كلمة الله. لكن حيث أن الإعلان محدود للغاية، فمن المحتم أن تظهر العديد من الفجوات في أي نظام يسعى إلى الكمال أو الشمولية. فقد يكون من المشروع أن نستنتج منطقياً العناصر المفقودة، لكن إن كان الكتاب المقدس هو سلطتنا الوحيدة، يجب ألا نستخدم الاستنتاج المنطقي مع السلطة الإلهية.

فمثلاً، يعلم الكتاب المقدس أن الله الآب هو الإله الواحد الوحيد، كما أنه يعلم كذلك أن يسوع المسيح هو ابن الله، وأن الروح القدس هو الله. فكيف يمكن لهذا التعاليم أن ترتبط ببعضها البعض؟ من الضروري أن نسعى للتوصل إلى وحدة متسقة، وأن نبني نظريات عن كيفية الربط بين الثالوث وبين الوحدة الإلهية.

الحقيقة هي أن عقيدة الثالوث هي نموذج لمثل هذا الاستنتاج، فالطريقة التي بها يرتبط الثالوث معاً في النهاية ليست معلنة في الكتاب المقدس، لذلك فإن نظرياتنا لربطهم معاً يجب أن نعتنقها باعتبارها مؤقتة أو غير نهائية.

فعند القيام ببناء لاهوت نظامي، استطاع القليلون أن يقاوموا إغراء عبور هذه الفجوة بالاستنتاجات المنطقية. لكن أن نبني بنية فوقية على استدلال مأخوذ من البيانات المحدودة في الكتاب المقدس، ثم أن نطلب الاتفاق عليها باعتبارها حق الله الأكيد، فهذا معناه أننا لا نسمح للكتاب المقدس نفسه بأن يكون هو السلطة النهائية. يعبر تيري عن هذا الأمر جيداً بقوله:

معظم الاختلافات الكبيرة في العقائد المسيحية نشأت نتيجة محاولة تعريف ما لم يعرف الكتاب المقدس.[7]

لكن الكتاب المقدس يحوي كل ما هو ضروري للخلاص؛ لذلك فإن كل ما ليس موجود فيه، ولم يتم اثباته فيه، ليس من المطلوب من أي إنسان أن يؤمن به كبند من بنود الإيمان، أو يحسب من المتطلبات الضرورية للخلاص.[8]

إنني لا أنتقص من حتمية وقيمة “ملء” نظام مبني على بيانات ومعلومات كتابية بأجزاء من المنطق إلا أننا يجب أن نصر على عدم استخدامه مع السلطة الكتابية.

لا تبن مبدأ كتابي على التقليد. من المفيد للغاية أن ندرس تاريخ العقيدة أو تاريخ عقيدة محددة. فمعظم الهرطقات تم ابتداعها بالفعل ودحضها. لكن ليس من الضروري لكل دارس للكتاب المقدس أو حتى لكل جيل، أن يعيد الكرة بدراسة هذا التاريخ مرة أخرى.

فمن الحكمة أن نبني على جهود أولئك الذين سبقونا، فإن كان اتجاه الاتضاع يميز دارس الكتاب المقدس، فإنه لن يستخف بجهود الآخرين أو يفشل في إدراك عمل الروح القدس في كنيسته. لكن في التحليل النهائي، يجب أن تبنى العقيدة على الكتاب المقدس بمفرده، وليس على تقليد ما، مهما كان قدر القداسة الذي أسبغ عليه بالزمن أو مدى سعة انتشاره.

إن المفسر النظامي لعقيدة الكتاب المقدس يتوقع منه أن يعرض، بتحديد واضح ومصطلحات دقيقة، مثل هذه التعاليم، باعتبار أن لها ضمان أكيد في كلمة الله. لذلك يجب ألا ندخل على نص الكتاب المقدس أفكار أزمنة لاحقة، أو أن نبني على أية كلمات أو مقاطع عقيدة لا تقوم بتعليمها من الأساس.[9]

لا تبن مبدأ كتابي على أية مصادر خارجية أخرى. كما رأينا من قبل، لقد تم إعطاء الكتاب المقدس لنا لأجل غرض محدد – وهو إعلان خلاص الله – فهو غير مصمم لكي يعلمنا كل ما يختص بمعرفة الله أو حتى الناس. لذلك فإن الإنسان، المخلوق على صورة الله والذي أوكل إليه أن يشارك في رعاية جزء من خليقة الله (تك 1: 28)، يجد أن مجده في أن يبحث عن المعرفة (أم 25: 2).

إلا أن مثل هذا التحقيق والتنظير التجريبي لا يمكن استخدامه بنفس السلطة باعتباره إعلان من الله، ولكنه يمكن بالتأكيد أن تكون له فائدة عملية للبشرية.

كيف يرتبط ذلك ببناء لاهوت نظامي؟ إنه أمر سليم تماماً أن نلجأ إلى التجربة البشرية والتحقيق العلمي للتحقق من التفسيرات التقليدية للكتاب المقدس. فالتفسيرات التقليدية للكتاب المقدس التي كانت تعلم أن الأرض هي مركز الكون، تم تحديها علمياً، وهكذا تم إعادة فحص الكتاب المقدس.

كما أنه أمر سليم تماماً بالنسبة للإنسان أن يدرس عملياته الذهنية وعلاقاته الاجتماعية الخاصة لكي يميز طرقاً أفضل للحياة الفعالة. ولكنه ليس من المنطقي أن يستخدم مصادر غير كتابية مثل السجلات التاريخية غير الكتابية، والنظريات العلمية، أو الخبرات البشرية لتحل محل التعليم الكتابي الواضح.

فتلك المفاهيم المأخوذة من مصادر غير كتابية يجب ألا تختلط مع البنية العقائدية كما لو كانت جزءًا من حق الله المعلن السلطوي. بعض من هذا المزج الشخصي يكون حتمياً، لكن الدارس الحريص يظل منتبهاً حتى يستعبد ذلك بقدر الإمكان. فلكي نقوم ببناء نظام سلطوي للحق الإلهي المعلن، لا بد أن نحتفظ بالبنية العقائدية، متميزة عن أية بنية علمية أو ثقافية أو تقليدية أو فكرية أخرى.

من الصواب بالنسبة لنا أن نطرح أسئلة عن الكتاب المقدس متعلقة باختبارنا البشري. فمثلاً، ربما أكون قد استنتجت من الكتاب المقدس مبدأ يقول إن الشفاء الجسدي يحدث دائماً للشخص الذي لديه إيمان. لكن بفحص اختبارات المسيحيين عامة، واختبارات الناس الذي يعلمون عن المبدأ بأكثر قوة، نكتشف أن أولئك الذين يبدو أن لديهم إيمان قوي، في معظم الأحيان، لا ينالون الشفاء.

تلك الحقيقة بمفردها يجب ألا تتسبب في جعل الشخص يرفض هذا المبدأ، وذلك لأن الخبرة البشرية ليس هي الحكم الأخير في القضية. ومع ذلك، فإنه من السليم تماماً بالنسبة للمسيحي أن يعيد فحص الكتاب المقدس لكي يرى إن كان الاعتقاد الذي يعتنقه هو تعليم كتابي بالحق أم لا.

يجب أن يعكس المبدأ الكتابي تركيزاً وتأكيداً كتابياً. إن خدمة التبشير والتعليم يجب أن تركز على تلك العناصر من الحق الكتابي التي يحتاجها السامعون أكثر. فالتعليم الكتابي القوي عن عدم التقيد بحرفية الناموس قد لا يكون مناسباً للسامع الذي يكون بالفعل غير مقيد بالشريعة، لكن التركيز في تلك الحالة يمكن أن يكون على الشريعة. لكن بالنسبة للسامع الذي لديه شعور بالذنب، يكون التعليم عن عدم التقيد بحرفية الشريعة هو الأمر الأكثر ملائمة للتركيز عليه.

وقد يكون من المستحيل الفصل تماماً بين عملية تفسير الكتاب المقدس وتطبيقه. فالسياق الحالي لدارس الكتاب المقدس يؤثر حتمياً على عمله في الكشف عن معنى الكتاب المقدس في سياقه القديم. وهكذا فالتفسير والتطبيق دائماً ما يؤثر أحدهما على الآخر. ولكن هذا التأثير يجب أن ينتج تدرجاً تصاعدياً يتجه نحو المزيد من الفهم والطاعة لمشيئة الله.

كما أن المواقف الحالية قد تطرح أسئلة على سياق الكتاب المقدس القديم، ونوع هذه الأسئلة تؤثر على الطريقة التي تأتي بها الإجابة، حتى بالنسبة لأكثر الدارسين موضوعية وحذراً. وهكذا بالنسبة للشخص الملتزم بسلطة الكتاب المقدس، فإن طاعته للحق الذي تم اكتشافه في الكتاب المقدس يعمل على الفور على تغيير موقفه الشخصي، بحيث يصبح نوع السؤال المطروح على الكتاب المقدس بعد ذلك مختلفاً عن السؤال الذي تم طرحه من قبل. لذلك فإن كل دورة من التفاعل ستقود المرء أقرب تجاه الحق.

وهكذا يؤثر السياق والمحيط الحالي على مجال تركيز المرء. ومع ذلك، في البنية العقائدية للمرء، يجب على الدارس أن يتبع الإرشادات الخاصة بالتركيز على ما يركز عليه الكتاب المقدس. فالحقيقة أنه ليس من السهل فقط، بل من الشائع أيضاً أن يتم تشويه تعاليم الكتاب المقدس ببساطة عن طريق التركيز على عنصر أو جانب واحد فقط من الحق، والفشل في التركيز على جانب آخر. وهذا بالفعل واحد من أكبر مصادر الخلافات والاختلافات الطائفية.

فمثلاً، لقد كان بولس يحاج المسيحيين في كورنثوس لأنهم كانوا يركزون كثيراً على موهبة الألسنة بحيث كانوا يشوهون العقيدة الكاملة الخاصة بالمواهب والقدرات التي يعطيها الروح القدس وخدمة الكنيسة. وهكذا فإن أي تعليم ثانوي في الكتاب المقدس، أو حتى استنتاج مبني على معلومات كتابية، يمكن أن يتم التركيز عليه بصورة كبيرة بحيث يصبح أساساً للانقسام في جسد المسيح.

دعونا نفكر أيضاً في مثال آخر. بالنسبة للمسيحي الذي يتصرف مثل غير المسيحيين، هناك عدة أمور ضرورية بالنسبة له. فهو يحتاج أن يعود إلى العلاقة التي كانت له من قبل، بالثقة في يسوع المسيح كسيد على حياته، ويطلق على هذه العودة مصطلح “اختبار الأزمة”. وهذا التحول هو أمر ضروري بالفعل، ولكن من الممكن أن يكون التركيز على هذا الالتزام والتسليم أو التوبة شديداً، بحيث يتم تجاهل بقية العقيدة الكاملة للنمو المسيحي، ويتم تشويه القوة الشاملة للتعليم الخاص بالحياة المسيحية.

ومن ناحية أخرى، من الممكن التركيز على النمو المسيحي فقط وتجاهل العلاقة الأساسية مع الله، بحيث يفترض الناس أنهم ينمون، بينما هم في الحقيقة ليسوا في وضع النمو على الإطلاق.

في هذين المثالين التوضيحيين، لم يتم تبني أي تعليم باطل داخل نظام المبادئ الكتابي، ومع ذلك فإن التركيز الخاطئ، أي الذي لم يكن هو تركيز الكتاب المقدس نفسه، يكون له نفس النتيجة النهائية – وهي تشويه الحق الكتابي.

لذلك يجب أن يتم بناء المبدأ الكتابي على الأساس الصلب لما يعلمه الكتاب المقدس، لأن هذا التعليم وحده هو الذي له سلطان من الله لكي يدعم المبدأ الكتابي. أما الاستنتاج والتقليد والخبرة البشرية والسجلات التاريخية غير الكتابية والنظريات العلمية فهي جميعها مصادر قيمة ومفيدة للمعرفة، ولكنها كلها قابلة للخطأ، ولا يمكن أن يتم دمجها كجزء من بنية المبادئ الكتابية التي لها سلطان باعتبارها الحق الإلهي المعلن.

ملخص

يمكننا أن نقوم بثقة بتجميع كل ما يعلمه الكتاب المقدس حول موضوع ما، أو كل ما يكشفه الكتاب المقدس عن الحق الإلهي، وننظمه داخل وحدة متسقة. ويمكن أن نقوم بذلك عن طريق إقامة المبدأ الكتابي على أساس:

(1) التفسير السليم لكل مقطع.

(2) على أساس الكتاب المقدس كله.

(3) وعلى أساس الكتاب المقدس وحده.

كانت الدراسة اللاهوتية في القرون السابقة تعتبر “ملكة العلوم”. وربما لا يكون هذا الأمر بعيداً تماماً عن الواقع، فالدراسة اللاهوتية للموضوعات قد لا تكون أمراً يطلبه الكتاب المقدس، ولكن الكتاب المقدس يسمح بها بالتأكيد، كما تتطلبها حالتنا البشرية.

فهي تساعدنا على فهم حق الله ومشيئته لنا بصورة أشمل، بل أنها تساعدنا أيضاً على تفسير المقاطع الفردية بدقة أكثر، لأن الكتاب المقدس يتم فحصه في ضوء بعضه البعض. “بنورك نرى نوراً” (مز 36: 9). وبرغم أن دراسة الموضوعات والمبادئ الكتابية لا تحل كل المشاكل، إلا أنها تحل بالفعل الكثير من المشاكل الظاهرية في الكتاب المقدس.

 

مراجع مختارة للمزيد من الدراسة

– ديفيز، جون جيفرسون. Handbook of Basic Bible Texts: Every Key Passage for the Study of Doctrine and Theology. Grand Rapids: Zondervan، 1984.

– إلويل، والتر إيه، محرر. Evangelical Dictionary of Theology. Grand Rapids, Baker، 1984.

– جونستون، روبر كي، محرر. The Use of the Bible in Theology: Evangelical Options, Atlanta: John Knox,، 1985.

[1] إتش سي جي مول، (London: Pickering & Inglis) Romans، صفحة 306.

[2] سي إس لويس، (London: Faber and Faber, 1961) A Grief Observed، صفحة 51.

[3] إيه دبليو توزر، Our Imperfect View of Truth, The Allianess,، 11 مارس 1959، صفحة 2.

[4] جورج سالمون، Infallibility of the Church (Grand Rapids: Baker, 1957)، صفحة 285.

[5] ميلتون إس تيري، Biblical Hermeneutics (Grand Rapids: Zondervan, 1974)، صفحة 583.

[6] نفس المرجع السابق. صفحة 587.

[7] نفس المرجع السابق، صفحة 585.

[8] نفس المرجع السابق، صفحة 583.

[9] نفس المرجع السابق.

اتساق وترابط الحق – بحث عملي تدريبي لدراسة الكتاب المقدس

رسالة موجهة لكل من أرسل اعترافات شخصية وهو يائس من حاله- أيمن فايق

+ سلام لكم يا إخوتي من الله الحي الذي يحب الكل بلا تمييز أو أدنى فرق، وعلى الأخص كل من يرى نفسه أنه لا يستحق بكونه خاطي أو في حالة من الفجور، أو في عدم استحقاق لكل شيء…

++ تأتيني رسائل كثيرة جداً فيها شكوى واعترافات عن خطايا متنوعة وكل واحد يرى خطيته أعظم مما تُحتمل وأنها خطية عُظمى أكثر من غيره إذ أنها تفوق خطايا البشر كلهم، كما أنه يوجد واحد قال ((سامحني يا أبي إني باقولك على خطايا عمرك ما تعرفها أو سمعت أن حد عملها، وعارف أو ودانك طاهرة لا تسمع هذا الكلام))… طبعاً لا أدري لماذا نتصور دائماً حينما نجد إنسان يحيا مع الله أنه صار بلا خطية أو ضعف، كلنا إنسان وتذوقنا مرارة الخطية وسمعنا عنها ونعرف كل أنواعها، والرب بيرحمنا ويطهرنا ويقبلنا ويغسلنا، فيا إخوتي لا تعطوا أحد أكبر من حجمه وتتصوروا أنه يوجد إنسان على وجه البسيطة لم يرتكب خطية، لا أنا ولا غيري كلنا إنسان…

+++ عموماً أولاً دعوني أخبركم بشيء، قلته تكراراً ومراراً، أروني خطية واحدة جديدة ذات مُسمى جديد لم يرتكبها أحد في العالم كله أو أي واحد فيكم ارتكبها وتعتبر جديدة على مسامعنا، لأن لستة الخطايا منذ السقوط لليوم لم تتغير قط، بل ولن تتغير، لأن لن يفعل أحد ما هو جديد تحت مسمى جديد لا نعرفه، فالخطية نتيجة الهوى الدفين، وأساسه ظلمة مستترة في القلب لم يدخل إليها نور المسيح الرب بعد، ولا تحتاج منا أن نركز عليها في ذاتها بل على مسيح القيامة والحياة، نور النفس ومبدد ظلمتها، وليس ولا واحد بلا خطية، لا أنا ولا انت ولا أي حد – على وجه الأرض كلها – يقدر يقول أنا عمري ما عملت خطية: [ أن قلنا أنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا ] (1يوحنا 1: 8)

++++ فيا إخوتي لا تضلوا وتظنوا إني أنا أو غيري ليس له خطية، كلنا تحت ضعف طالما في الجسد مهما ما تقدمنا في الطريق الروحي، أرجوكم لا أُريد أن اسمع من حد قط، أنه يقول أن فلان ليس له خطية… لكن تعلَّموا أن لا تنظروا للآخرين وتنحصروا في شخصيتهم مهما ما كانت عظمتها في نظركم، بل أنظروا ليسوع المسيح الله الكلمة المتجسد وحده مبررنا الذي وحده فقط بلا خطية، وتيقنوا أنه لم ولن يوجد إنسان بلا خطية، لأن هل يوجد من هو أعظم من موسى وإبراهيم أب الآباء وداود النبي.. الخ مع أنهم أخطأوا والكتاب المقدس أظهر أخطائهم، فأنا والا حتى غيري ها يبقى أفضل منهم مثلاً !!!

+++++ يا إخوتي أرجوكم لا أنا بل محبة المسيح، لا تحيوا على مستوى العهد القديم قبل إشراق نور المسيح في ملء الزمان، لأن للأسف كثيرين يحيون عند تكرار [ خطيئتي أمامي في كل حين ] ويظل ينظر للخطية ويحيا حياة نكديه خالية من إشراق نور المسيح، ناسين ما نصليه على الدوام [ ونجنا من تذكُّر (أو تذكار) الشرّ الملبس الموت ]، فلنأخذ معنى خطيئتي أمامي في كل حين بمعناها العام وليس الخاص مركزين على أن المسيح هو برنا وحياتنا كلنا، لأن دمه صار بحر غسيل الدنسين، لأن دمه يطهر من كل خطية مهما ما كانت وأياً ما كانت، أم أنكم تستكثرون خطيتكم على دم المسيح وكأنها أقوى منه وأمامها يقف عاجزاً (حاشا يكون هذا قط)، فاحذروا جداً جداً ولا تقللوا من فعل قوة دم حمل الله رافع خطية العالم كله وأنا وانت من ضمن العالم لأنه لم يستثني أحد قط من بره….

++++++ كلنا الخطاة الفجار الأثمة الذين حبهم الله فبذل ابنه لأجلهم، كلنا مرضنا بأوجاع الخطية المدمرة لملكات النفس الروحية، وكلنا احتجنا للمخلِّص شافي النفس، المسيح يا إخوتي حي، وهو وسيطنا، وقد رفع الدينونة تماماً وفعلاً، فلماذا نحيا غير مؤمنين أنه يبرر الفاجر، وغير مؤمنين أنه يقيم الميت بالخطايا والذنوب، أمنوا تُشفوا..

+++++++ يا إخوتي – أتوسل إليكم – لا تنظروا لخطاياكم بعيداً عن صليب ربنا يسوع، خطيتي امامي في كل حين في الصليب، لأن الصليب قتل العداوة وأمات الخطية وبين محبة الله لنا، وما وراء الصليب هو القيامة، اي تبرير وحياة الملكوت حيثما صعد الرب وجلس، فانظروا للمجروح لأجل معاصينا والمسحوق لأجل آثامنا، أنظروا ليديه ورجليه التي هي إعلان سرّ خلاصنا الأبدي، لأنه حي، فحينما تنظرون لأنفسكم حتماً تضلون عن بركم المسيح الرب، لكن حينما تنظرون لمسيح القيامة والحياة الخطية ستسقط وحدها بدون عناء، فلا تنحصروا فيها..

++++++++ أأخطأ واحداً فيكم ووقع في أشر أنواع الخطايا حسب ما يرى، حسناً هذا طبعنا الإنساني، لكن لنا إله حي قوي ذات سلطان فائق، إله مُخلِّص، قوموا وانظروا إليه – الآن – كما نظر شعب إسرائيل للحية النحاسية التي كانت مجرد رمز ظل باهت عن مسيح القيامة والحياة، فمسيحنا حي وحاضر حسب وعده بكل وكامل قوته وقدرته، فقط آمنوا وانظروا إليه ولا تنظروا لأفعالكم وانا فعلت أم لم أفعل، لأن حيثما يكون نظرك تكون حياتك…

+++++++ عموماً يا إخوتي الرائعين في جمال جوهرهم الخاص أحباء الله في شخص ربنا يسوع والقديسين

++++++ لا تتعجبوا من قولي لكم إني أرى في داخلكم ملامح الله الحلوة التي تولد في قلبكم شوق خفي دائم لله القدوس الحي بمحبة مستترة كسرّ مخفي في داخلكم، بإيمان بسيط مثل شمعة في وسط الظلام، وهو قادر أن يُدخلكم لعرش الرحمة كل حين وكل وقت، حتى أنكم تستطيعون أن تقرعوا باب الله الرفيع فيُفتح لكم لأنها مسرة الله أن يفتح ويعطي كل أحباؤه الأخصاء، الذين هم مقبولين عنده لأن رأسنا يسوع يشفع فينا بدمه الذي به دخل إلى الأقداس مرة واحدة فوجد لنا فداءً أبدياً، فصرنا مقبولين فيه لا عن استحقاق فينا بل م
ن أجل اسمه [ أكتب إليكم أيها الأولاد لأنه قد غُفرت لكم الخطايا من أجل اسمه ] (1يوحنا 2: 12)، وقد أصبح ضعفنا لا شيء أمام حبه العظيم وعمله الفائق، لأنه يرفعنا فوقه (أي فوق ضعفنا وكَسرِتنا وهزيمتنا) بالنعمة ويتراءف علينا ويغسلنا ويطهرنا وينقينا من خطايانا الذي نعترف بها دائماً كل حين أمامه [ ان اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويُطهرنا من كل إثم ] (1يوحنا 1: 9)

+++++ وعموماً كثيراً ما أرى فيكم، النداءات الإلهية واضحة في حياتكم، وارتباككم أتى من قلة الخبرة في الطريق الروحي والتعثر في الطريق الناتج من بعض الملابسات التي اربكتكم في عدم وعي والخلط في الأمور وانحصار النظر في الذات، وذلك لأنكم لم تحصلوا على الغذاء الحي الذي ينمي نفوسكم في البرّ ويربيكم في التقوى، حتى تحفظوا نفوسكم بالتسلح بالسلاح الإلهي لتقدروا أن تقاوم وقت المحنة بقوة نعمة الله والتمسك بالإيمان الذي به تغلبوا العالم لأنه مكتوب: [ لأن كل من ولد من الله يغلب العالم، وهذه هي الغلبة التي تغلب العالم إيماننا ] (1يوحنا 5: 4)…

++++ أما الآن عليكم أن تنسوا – تماماً – ما هو وراء ولا تذكروا سوى رأفة الله ومحبته الشديدة لكم، وواجب موضوع على كلينا الآن في أن نصلي بعضنا من أجل بعض وأن نشدد بعضنا البعض في طريق الحياة، طالباً من الله أبينا باسم ربنا يسوع في الروح القدس لكم ولي، أن يُعطينا الله معاً تلك القوة السماوية التي تحفظنا له أنقياء لنصير شركاء المجد الإلهي حسب عطية الله في المحبوب يسوع، لأنه صيرنا أبناء له في الابن الوحيد وجعلنا واحد في سرّ الكنيسة المقدسة التي نحن أعضاء فيها حسب تدبير تعطفات الله علينا، وأحب أن أكتب لكم كلمات القديس العظيم مصباح البرية القديس مقاريوس الكبير الذي أحبها جداً لأنها أمام عيني كل حين إذ قال:

+++ [ إن لم تُخلّصنا معونة القوة العليا (الروح القدس) من سهام الشرير الملتهبة، وأن لم نُحسب أهلاً لأن نكون أبناء بالتبني، فإن حياتنا على هذه الأرض تكون حينئذٍ باطلة وبلا هدف، إذ نوجد بعيدين عن قوة الله. لذلك فمن يُريد ويشتهي أن يصير شريكاً في المجد الإلهي، وأن يرى كما في مرآة صورة المسيح في داخل عقله، فينبغي أن يطلب معونة الله التي تتدفق منه بقوة – يطلبها بحب مشتعل لا ينطفئ وبرغبة حارة من كل قلبه وكل قدرته، ليلاً ونهاراً – هذه المعونة الإلهية التي لا يُمكن نوالها، كما قلت سابقاً، إن لم يتخلَّ الإنسان عن لذة العالم وعن شهوات ورغبات القوة المعادية، والتي هي أجنبية عن النور ومخالفة له وهي نشاط وعمل الشرير، وليس لها أي قرابة أو مشابهة لعمل الصلاح بل هي غريبة تماماً عنه ] +++

++ بكل محبة أخوية صادقة كأعضاء في كنيسة الله الحي وكأحباء ولنا شركة مع بعضنا البعض في النور، أُهديكم تحية سلام نلناها من رب المجد يسوع المسيح، سائلاً أن يحفظكم الله في ملئ محبته واهباً شخصكم الحلو أن تتمتعوا مع جميع القديسين بشركة محبته في النور، وأن يكتمل فرحه في قلوبكم ويشع فيكم نوره وقداسته ويكسيكم بهاء مجده العظيم ويرفع عنكم كل ضيق ومحنة وكل رؤية مخالفة لنور وجه خلاصه، ويشبع قلوبكم بدسم نعمته الحلو لتجلسوا معه في فرحه وسط قديسيه بالبهجة والمسرة…

+ أقبلوا مني كل احترام المحبة أخوية في المسيح رأسنا، ولتكونوا دائماً في تمام الصحة مُعافين دائماً باسم الثالوث القدوس الإله الواحد الذي يليق به كل تمجيد آمين +

___ ملحوظة مهمة لتوضيح اللبس الحادث عند البعض ___
البعض بيقول لي يا أبي على أساس أني في عمر والدهم، مش على أساس إني كاهن خالص، انا مجرد خادم فقط مش كاهن ولا أحمل أي رتبه كهنوتية على الإطلاق.

 
 

 

Exit mobile version