الألم البشري – مشكلة الألم – الجزء الثاني – سي إس لويس

الألم البشري – مشكلة الألم – الجزء الثاني – سي إس لويس

الألم البشري – مشكلة الألم – الجزء الثاني – سي إس لويس

الألم البشري – مشكلة الألم – الجزء الثاني – سي إس لويس

كل الأشياء التي توجد كما يجب أن تكون تتفق مع هذا القانون الثاني الأبدي؛ وحتى تلك الأمـور التي لا تتفق مع هذا القانـون الأبـدي هي على الرغم من ذلك، من ناحية ما، مُرتبة بواسطة القانون الأبدي الأول”.

Hooker “Laws of Eccles” Pol., I, iii, 1.

في هذا الفصل سوف أتقدم بستة افتراضات أساسية لاستكمال بحثنا في الألم البشري، وهي افتراضات لا تنشأ عن أحدها الآخر ولذلك فلا بد أن تُعطى ترتيباً بحسب التفضيل الشخصي.

الافتراض الأول: هناك مفارقة بشأن المعاناة في المسيحية، طوبى للمساكين، لكن بواسطة الحكم (أي العدالة الاجتماعية) والتبرعات الخيرية يجب علينا أن نزيل الفقر حيثما أمكن. طوبى لنا إذا عُيرنا، لكننا يمكن أن نتجنب الاضطهاد بالهرب من مدينة إلى مدينة. ويمكن أن نصلي لكي نكون بمنأى عنه، كما صلى ربنا في جثسيماني. لكن إذا كان الألم جيداً، أليس من المفترض أن نسعى إليه بدلاً من أن نتجنبه؟ لكني أجيب بأن الألم ليس جيداً في حد ذاته. فالأمر الجيد في أية تجربة مؤلمة، بالنسبة للمتألم، هو خضوعه لإرادة الله، وبالنسبة لمن يشاهدونها، التعاطف الذي ينشأ عن ذلك وأعمال الرحمة التي تقود إليها.

في الكون الساقط والمفدي جزئياً يمكننا أن نميز (1) الخير البسيط الذي ينزل إلينا من عند الله. (2) الشر البسيط الناتج من المخلوقات المتمردة، و(3) استغلال ذلك الشر بواسطة الله لأجل غرضه الفدائي، مما ينتج (4) الخير المركب الذي يسهم في قبول الألم والتوبة عن الخطية. حقيقة أن الله يمكنه أن يصنع خيراً مركباً من الشر البسيط لا تبرر – رغم أنها بالرحمة يمكن أن تخلص – أولئك الذين يصنعون الشر البسيط، هذا التمييز محوري، لا بد أن تأتي العثرات، لكن ويل لمن تأتي بواسطتهم العثرة. نعم، الخطايا تجعل النعمة تكثر جداً، لكننا يجب ألا نجعل ذلك عذراً ومبرراً للاستمرار في الخطية، الصلب نفسه هو أفضل، وبالمثل أسوأ، كل الأحداث التاريخية، لكن يظل دور يهوذا هو ببساطة شر.

يمكننا أن نطبق هذا أولاً على مشكلة آلام الآخرين. الإنسان الرحيم يهدف إلى خير أخيه وهكذا أيضاً تهدف “إرادة الله”، وبذلك فإنه يتعاون عن وعي مع “الخير البسيط”. الإنسان القاسي يظلم أخيه، وهكذا يفعل الشر البسيط. لكن بفعل هذا الشر، فإن هذا الإنسان يُستخدم بواسطة الله، بدون معرفته أو موافقته، لكي ينتج الخير المركب، بحيث يخدم الإنسان الأول الله كابن له، بينما يخدمه الثاني كأداة.

لأنك بالتأكيد ستحقق غرض الله، بأية طريقة تتصرف بها، لكن الاختلاف يكمن بالنسبة لك فيما إذا كنت تخدمه مثل يهوذا أم مثل يوحنا. يمكننا أن نقول إن النظام كله معد للصدام بين البشر الصالحين والبشر الأشرار، وأن الثمار الجيدة للجلد والاحتمال والصبر والشفقة والغفران. التي لأجلها سُمح للإنسان القاسي أن يكون قاسياً، تفترض مسبقاً أن الإنسان الصالح يستمر بطريقة عادية في السعي نحو الخير البسيط.

إنني أقول “عادية” لأن الإنسان في بعض الأحيان يُبيح لنفسه أن يؤذي (أو حتى، بحسب رأيي الشخصي، أن يقتل) أخيه، لكن هذا يحدث فقط عندما تكون الضرورة مُلحة والخير الذي سيحصل عليه واضحاً، وعادة (رغم انه ليس دائماً) عندما يكون لدى الشخص الذي يوقع الألم سلطة معينة للقيام بذلك، مثل سُلطة أحد الوالدين المشتقة من الطبيعة، أو سلطة الحاكم أو الجندي المستقاة من المجتمع المدني، أو سلطة الجراح المأخوذة، في معظم الأحيان، من المريض. لكن أن يحول هذه السلطة إلى امتياز عام لإيلام البشرية “لأن الألم أمر جيد بالنسبة لهم” (كما تفاخر تمبرلين Tamberlaine المجنون في رواية مارلو Marlowe بنفسه باعتباره “سوط الله”)، فهذا في الحقيقة ليس لتدمير المخطط الإلهي بل للتطوع لمركز إبليس داخل هذه المخطط. لأنك إذا قمت بعمل إبليس، فلا بد أن تكون مستعداً لأجرة إبليس وجزائه.

المشكلة الخاصة بتجنب ألمنا الشخصي تسمح بحل مشابه، يستخدم بعض الزاهدين أسلوب تعذيب النفس. كعلماني، أنا لا أقدم أي رأي حول حكمة وتعقل هذا الأسلوب؛ ولكني أصر على أنه، مهما كانت مزاياه، فإن تعذيب النفس هو أمر يختلف اختلافاً تاماً عن الآلام التي يرسلها الله. كلنا نعرف أن الصوم هو تجربة مختلفة عن إغفالك لتناول العشاء عن طريق المصادفة أو بسبب الفقر. الصوم “يدعم” الإرادة ضد شهوة الطعام – حيث المكافأة هي أن يكون لديك سيطرة على النفس، والخطورة أن يكون لديك كبرياء؛ الجوع الإلزامي يخضع الرغبات والإرادة معاً إلى الإرادة الإلهية، فيهيئ فرصة للخضوع كما يعرضنا لخطر التمرد.

لكن الأثر الفدائي للألم يكمن أساساً في ميله لإضعاف إرادة المتمرد. ممارسات الزاهد، التي في حد ذاتها تقوي الإرادة، تكون مفيدة فقط من ناحية أنها حتى تلك اللحظة تقوي الإرادة لكي تنظم بيتها الخاص (العواطف)، كإعداد لتقديم الإنسان بأكمله إلى الله. إنها ضرورية كوسيلة؛ لكنها ستكون مكروهة كفاية، لأنه باستبدال الشهوة والعواطف بالإرادة والتوقف عند هذه النقطة، تصبح هذه الممارسات مجرد تبديل للنفس الحيوانية بالنفس الشيطانية. لذلك قد قيل عن حق أن “الله وحده هو الذي يستطيع أن يميت الجسد ويكبح الشهوات”.

تقوم الضيقات بعلمها في عالم حيث يسعى البشر بصورة عادية، بوسائل مشروعة، لتجنب شرورهم الطبيعية الخاصة ولتحقيق خيرهم الطبيعي، ويفترضون مسبقاً مثل هذا العالم. لكي نقوم بإخضاع الإرادة إلى الله. لا بد أن تكون لدينا إرادة وتلك الإرادة لا بد أن يكون لديها غايات. لذلك فإن إنكار الذات المسيحي لا يعني “عدم الاكتراث واللامبالاة بالمشاعر” مثل أتباع المذهب الرواقي Stoic، بل استعداد لتفضيل الله على غايات ثانوية هي في حد ذاتها غايات مشروعة. من هنا قدم الإنسان الكامل (المسيح) إلى جثسيماني إرادة، وإرادة قوية، للهروب من الألم والموت لو كان مثل هذا الهروب يتفق مع إرادة الآب، يصحبها استعداد تام لطاعة تلك الإرادة لو لم يكن يتفق معها.

يوصي بعض القديسين “بإنكار الذات الكامل” في بداية تلمذتنا؛ ولكني أعتقد أن هذا يمكن فقط أن يعني الاستعداد الكامل لكل نكران ذات في أمر محدد يمكن أن يُطلب من الإنسان، لأنه لن يكون من الممكن أن نعيش من لحظة إلى أخرى لا نرغب في أي شيء سوى الخضوع لله بتلك الطريقة[1]. فماذا ستكون مادة هذا الخضوع؟ سيبدو الأمر كما لو أنه تناقض ذاتي لو قلنا “ما أريده هو أن أُخضع ما أريده لإرادة الله”، لأنه عندها تكون “ما أريده” الثانية ليس بها محتوى. بلا شك أننا نعطي جميعنا الكثير جداً من الاهتمام لتجنب ألمنا الشخصي؛ لكن النية الثانوية الواجبة لتجنبه، باستخدام وسائل مشروعة، هي أمر يتفق مع “الطبيعة”، أي مع نظام العمل في الحياة المخلوقة بأكمله المقصود به العمل الفدائي للضيقات والألم.

إلا أنه سيكون من الزائف تماماً أن نفترض ان النظرة المسيحية للألم لا تتفق مع التأكيد الأقوى على واجبنا في أن نترك العالم، حتى ولو بمعنى وقتي، “أفضل” مما وجدناه. في أشمل صورة قدمها المسيح، فيما يشبه الأمثال، عن الدينونة، يبدو أن ربنا يختزل كل الفضيلة في الإحسان والعمل الخيري الفعال؛ ورغم أنه قد يكون مضللاً أن نأخذ هذه الصورة الواحدة بمعزل عن الإنجيل ككل، إلا أنها تكفي لكي تضع فيما لا يدع مجالاً للشك المبادئ الأساسية للأخلاقيات الاجتماعية للمسيحية (متى 25: 35).

الافتراض الثاني: إذا كان الألم عنصراً ضرورياً في الفداء، لا بد أن نتوقع انه لن يتوقف أبداً إلا عندما يرى الله العالم إما مفدياً أو لا يمكن فداؤه بعد. لذلك، لا يستطيع المسيحي أن يصدق أي من أولئك الذين يعدون أنه فقط، إذا حدث نوع من الإصلاح في نظامنا الاقتصادي أو السياسي أو الصحي، سيتبع ذلك نزول السماء على الأرض.

قد يبدو أن لهذا أثر محبط على الأخصائي الاجتماعي، لكن قد وُجد عملياً أن هذا الأمر غير محبط بالنسبة له. على العكس من ذلك، إن الإحساس القوي بمعاناتنا المشتركة، ببساطة كبشر، هو على الأقل حافز جيد لإزالة كل المآسي التي نستطيع إزالتها، في مثل جودة أي من تلك الآمال الجامحة التي تغري البشر للسعي نحو تحقيقها بكسر الناموس الأخلاقي والتي يثبت بعد تحقيقها أنها غبار ورماد. فإذا طبقنا عقيدة – أن ما يشبه هبوط السماء على الأرض ضروري للمحاولات القوية لإزالة الشر الحالي – على الحياة الفردية، فإنه سيثبت في الحال عبثها وسخافتها. فالجائعون يطلبون الطعام والمرضى يطلبون الشفاء ومع ذلك، فهم يعرفون أنهم بعد أن يأكلوا وجبتهم أو يشفوا من أمراضهم لا تزال تنتظرهم أفراح وانتكاسات الحياة العادية. إنني لا أناقش بالطبع ما إذا كانت التغيرات الجذرية للغاية في نظامنا الاجتماعي مرغوب فيها أم لا؛ بل فقط أذكّر القارئ بأن دواء معيناً يجب ألا يُساء فهمه باعتباره إكسير الحياة.

الافتراض الثالث: حيث أن القضايا السياسية قد اعترضت طريقنا هنا، فلا بد أن أوضح أن العقيدة المسيحية الخاص بإخضاع الذات والطاعة، هي عقيدة لاهوتية بحتة، وليست بأي حال من الأحوال مبدأ سياسياً، لذلك ليس لدي أي شيء أقوله فيما يخص أشكال الحكومات، أو السلطة المدنية والطاعة المدنية، إن نوع ودرجة الطاعة التي يدين بها المخلوق إلى خالقه هي أمر متفرد لأن العلاقة بين المخلوق والخالق فريدة ومتميزة عن أي علاقة أخرى؛ لذلك لا يمكن القيام بأي استدلال منها على أية مسألة سياسية مهما كانت.

الافتراض الرابع: أعتقد أن العقيدة المسيحية الخاصة بالألم تفسر حقيقة هامة جداً بشأن العالم الذي نعيش فيه. إن استقرار وثبات السعادة والأمان الذي نرغب فيه جميعاً، يحجبه الله عنا بواسطة نفس طبيعة هذا العالم؛ لكن الفرح والمتعة والسعادة، ينشرها في كل الجهات. إننا لا نكون في أمان أبداً لكن لدينا الكثير من المتعة، وبعض الإثارة. ليس من الصعب أن نعرف لماذا. فهذا الأمان الذي نتوق إليه يعلمنا أن نربح قلوبنا في هذا العالم ويشكل عقبة في طريق عودتنا إلى الله؛ لكن لحظات قليلة من الحب المفرح، منظر طبيعي خلاب، مقطوعة موسيقية رائعة، لقاء سعيد مع أصدقائنا، الاغتسال، أو مشاهدة مباراة لكرة القدم، لا يكون لهم مثل هذا الاتجاه. ينعشنا أبونا السماوي في رحلتنا ببعض الفنادق المبهجة، ولكنه لن يشجعنا على أن نخطئ فهمها باعتبارها هي بيتنا.

الافتراض الخامس: يجب ألا نجعل معضلة الألم أسوأ مما هي عليه بواسطة الأحاديث الغامضة عن “الكم الذي لا يمكن تخيله من البؤس والشقاء البشري”. افترض مثلاً أن لدي وجعاً في الأسنان بدرجة حدة “X”؛ وافترض أنك أنت، الذي تجلس بجإنبي، تبدأ أيضاً في الشعور بوجع في الأسنان بدجة الحدة “X”. يمكنك، إذا اخترت، أن تقول إن إجمالي كمية الألم الموجود في الغرفة هو 2X.

لكنك لا بد أن تتذكر أنه لا أحد يتألم بدرجة 2X؛ ابحث طوال الوقت وفي كل مكان ولن تجد ذلك الألم المركب في وعي أي إنسان. فلا يوجد شيء اسمه إجمالي كلم الألم، لأنه لا أحد يتألم به. فإننا عندما نصل إلى أقصى حد يمكن لفرد واحد أن يتألم به، نكون بلا شك قد وصلنا إلى شيء مريع للغاية، لكننا عندها نكون قد وصلنا إلى كل الألم والمعاناة التي يمكن أن تكون في الكون في أي وقت مضى. لذلك فإضافة مليون شخص آخر متألم لن يضيف المزيد من الألم.

الافتراض السادس: من بين كل الشرور، الألم فقط هو الشر الوحيد المعقم أو المطهر. الشر الفكري، أو الخطأ، قد يحدث لأن سبب أول زلل (مثل الإرهاق أو خط اليد السيء) يستمر في العمل؛ لكن بعيداً عن ذلك تماماً، الخطأ في حد ذاته يلد الخطأ، فإذا كانت الخطوة الأولى في الجدل خاطئة، كل شيء آخر يتبعها سيكون خاطئاً. الخطية قد تتكرر لأن التجربة الأصلية تستمر؛ لكن بعيداً عن ذلك تماماً، الخطية بحسب طبيعتها نفسها تلد خطية عن طريق تقوية العادة الخاطئة وإضعاف الضمير.

الألم، مثل بقية الشرور الأخرى، قد يتكرر بالطبع لأن سبب الألم الأول (المرض، أو عدو ما) لا يزال يعمل؛ لكن الألم ليس له ميول، في حد ذاته، للتكاثر والتوالد، فعندما ينتهي الألم، ينتهي فعلياً، ويتبعه في الطبيعة فرح. يمكن التعبير عن هذا الفارق المميز بشكل عكسي. بعد خطأ ما أنت تحتاج ليس فقط أن تزيل أسباب الخطأ (الإرهاق أو خط اليد السيء) بل أيضاً أن تصحح الخطأ نفسه؛ وبعد ارتكاب خطية ما، لا بد ليس فقط، إن أمكن، أن تزيل الغواية، بل لا بد لك أيضاً أن تعود وتتوب عن الخطية نفسها.

في كل حالة نجد أن “التراجع عن الفعل” هو أمر مطلوب. لكن الألم لا يتطلب هذا “التراجع عن الفعل”. فقد تحتاج أن تشفي المرض الذي سبب الألم، لكن الألم، بمجرد أن ينتهي، يكون معقماً، بينما كل خطأ لم يتم تصحيحه وكل خطية لم تتم التوبة عنها، هي في حد ذاتها. ينبوع من الخطأ الجديد والخطية الجديدة الذي يتدفق إلى نهاية الزمان. مرة أخرى، عندما أخطئ، فإن خطئي يصيب كل إنسان يصدقني. وعندما أخطئ في العلن، فإن كل من يشاهدني، إما أن يتغاضى عن خطيتي وبذلك يشاركني الذنب، أو أن يدينها مما يشكل خطراً داهماً على محبته واتضاعه.

لكن المعاناة والألم لا تنتج عادة فيمن يشاهدونها (إلا لو كانوا فاسدين بصورة غير اعتيادية) أي أثر شرير، بل أثر جيد، وهو الشفقة والحزن. وهكذا فإن ذلك الشر الذي يستخدمه الله أساساً لإنتاج “الخير المركب” هو شر معقم بطريقة ملحوظة للغاية، أو خال من ذلك “الميل التوالدي” الذي هو أسوأ صفة في الشر بشكل عام.

[1] Brother Lawrence “Practice of The Presence of God”. 1667

الألم البشري – مشكلة الألم – الجزء الثاني – سي إس لويس

الألم البشري – مشكلة الألم – الجزء الأول – سي إس لويس

الألم البشري – مشكلة الألم – الجزء الأول – سي إس لويس

الألم البشري – الجزء الأول – سي إس لويس

الألم البشري – الجزء الأول – سي إس لويس

“حيث أن حياة المسيح من كل جهة هي الأكثر مرارة وألماً “للطبيعة البشرية، “للذات” و “للأنا” (لأنه في الحياة الحقيقية للمسيح، لا بد أن يتم ترك وإنكار وإماتة الذات والأنا والطبيعة بالكامل)، لذلك فإنه في كل منا، يكون لدى الطبيعة البشرية رعب من هذا الألم.”

Theologia Germanica, XX.

لقد حاولت أن أوضح في فصل سابق أن احتمالية الألم هي شيء موروث في الوجود الحقيقي لعالم يمكن فيه للنفوس أن تتلاقى. عندما تصبح النفوس شريرة فإنها بالتأكيد ستستخدم هذه الإمكانية لكي تؤذي أحداها الأخرى؛ وربما يكون هذا هو السبب في أربعة أخماس الآم البشر. فالبشر وليس الله هم الذين يصنعون المخلعة (أداة تعذيب)، والسياط، والسجون، والرق، والبنادق، والحراب، والقنابل؛ ونتيجة الجشع أو الحمق البشري، وليس بسبب قسوة الطبيعة، أصبح لدينا الفقر والإعياء من كثرة العمل. لكن يظل هناك، رغم هذا، يوجد الكثير من الألم الذي لا يمكن أن نعزيه إلى أنفسنا. حتى لو كانت كل الآلام من صنع البشر، فإننا نود أن نعرف سبب إجازة إله الهائلة لأسوأ البشر بتعذيب رفاقهم الآخرين في الإنسانية[1]. فإن نقول، كما قلنا في الفصل السابق، أن الخير بالنسبة لبشر مثلنا الآن، يعني في الأساس خيراً تصحيحياً أو علاجياُ، هذه إجابة غير كاملة. ليس كل العقاقير الطبية طعمها كريه؛ أو إذا كان طعمها كذلك، فهذه في حد ذاتها واحدة من الحقائق المزعجة التي نود أن نعرف سبباً لها.

قبل أن نواصل لا بد أن أرجع مرة أخرى إلى نقطة قد أثرتها في الفصل الثاني. فقد قلت هناك أن الألم، تحت مستوى معين من الشدة، ليس مزعجاً بل أنه قد يكون محبباً. قد ترغب عندها أن تجيب “في تلك الحالة لا يجب عليّ أن أطلق عليه ألم”، وربما كنت على حق. لكن الحقيقة هي أن كلمة “ألم” لها معنيان يجب تحديدهما الآن.

  • الألم هو نوع معين من الشعور، ربما يتم نقله بواسطة ألياف عصبية خاصة، ويتم إدراكه بواسطة المتألم باعتباره هذا النوع من الإحساس، سواء كان يزعجه أم لا (مثلاً، الألم الضعيف في أطرافي سيتم إدراكه باعتباره ألم حتى لو لم أعترض عليه).
  • الألم هو أية خبرة سواء جسدية أو فكرية، يكرهها المتألم.

 سنلاحظ أن كل الآلام بحسب المعنى (أ) تصبح آلاماً بحسب المعنى (ب) إذا ارتفعت فوق مسـتوى معين من الحـدة، لكن تلك الآلام بحسب المعنى (ب) لا يلزم أن تكون آلاماً بحسب المعنى (أ). الألم بحسب المعنى (ب) في الحقيقة هو مرادف “للمعاناة”، أو “العذاب”، أو “المحنة”، أو “المصيبة”، أو “الضيق”، وبسبب الألم بحسب هذه المفهوم تنشأ معضلة الألم. في بقية هذه الكتاب سوف نستخدم الألم بحسب المعنى (ب)، وسوف يشمل كل أنواع المعاناة: أما بالنسبة للألم بحسب المعنى (أ)، فليس لنا أي شأن آخر به.

يمكن أن نقول الآن أن الخير الحقيقي لكائن ما من المخلوقات هو أن يخضع نفسه لخالقه. أن يحدث فكرياً، وإرادياً، وعاطفياً تلك العلاقة المعطاة في مجرد حقيقة وجوده كمخلوق. عندما يفعل ذلك، يكون في خير وسعادة. ولئلا نعتقد أن هذه معاناة، هذا النوع من الخير يبدأ على مستوى أعلى بكثير من المخلوقات، لأن الله نفسه، باعتباره الابن، يقدم طوال الأبدية لله الآب بالطاعة البنوية، الكيان الذي يلده الآب بالمحبة الأبوية سرمدياً في الابن. هذا هو النموذج الذي صنع الإنسان لكي يحاكيه – والذي حاكاه بالفعل إنسان الجنة – وأينما يقوم المخلوق برد الإرادة الممنوحة له من الخالق بتلك الطريقة الكاملة في طاعة وسعادة الابتهاج إلى الخالق مرة أخرى، فهناك بلا أي شك توجد السماء، وهناك يعمل الروح القدس ويكمل. تكمن المشكلة في العالم كما نعرفه الآن، في كيفية استعادة هذه الخضوع الذاتي. إننا لسنا مجرد كائنات غير كاملة لا بد من تحسينها؛ بل كما يقول نيومان Newman، إننا متمردون لا بد أن نُلقي بأسلحتنا نستسلم. الإجابة الأولى إذاً على السؤال، لماذا يجب أن يكون علاجنا مؤلماً، هي أنه لكي نرد لله الإرادة التي زعمنا لمدة طويلة للغاية أنها ملكاً لنا، فهذا في حد ذاته بأية طريقة يتم بها، هو الم شديد. حتى في الجنة أفترض أن أقل تمسك بالذات كان يجب التغلب عليه، رغم أن هذا التغلب، والتسليم، كان سيصيح مُفرحاً هناك. لكن أن نسلم إرادة ذاتية ثائرة ومنتفخة بفعل سنين من اغتصاب سلطتها، فهذا نوع من الموت. جميعنا نتذكر هذه الإرادة الذاتية كما كانت في الطفولة، الهياج المرير والمستديم لك إحباط وخيبة أمل. واندفاع الدموع الملتهبة، والرغبة الشيطانية السوداء في أن نقتل أحداً أو أن نموت عن أن نستسلم. من هنا كان النموذج الأقدم للمربية أو الوالد على حق تماماً في الاعتقاد بأن أول خطوة في التهذيب هي “أن تكسر إرادة الطفل”. لقد كنت وسائلهم في ذلك في الأغلب خاطئة؛ لكن أعتقد أن عدم رؤيتنا لضرورة ذلك معناه أن نعزل أنفسنا عن كل فهم للقوانين الروحية. والآن وقد كبرنا، إذا لم نكن نصرخ ونضرب بأقدامنا على الأرض كثيراً، فهذا يرجع جزئياً إلى أن آباءنا الذين ربونا قد بدأوا عملية كسر أو قتل الإرادة الذاتية ونحن في مرحلة الحضانة، ويرجع من ناحية أخرى إلى أن نفس العواطف الآن تأخذ أشكالاً أكثر مكراً إذ كبرت وأصبحت ماهرة في تجنب الموت بواسطة مختلف الأساليب “التعويضية”. من هنا تأتي ضرورة أن نموت يومياً؛ إذ مهما ظننا كثيراً أننا قد كسرنا الذات المتمردة فإننا سنجدها لا تزال حية. كون ان هذه العملية لا يمكن أن تتم بدون ألم فهذا مشهود له بما يكفي بواسطة نفس تاريخ كلمة “إماتة الجسد “Mortification.

لكن هذا الألم أو الموت الفعلي، في إماتة الذات المغتصبة، ليس هو القصة كلها. فللمفارقة، رغم أن “إماتة الجسد” في حد ذاتها مؤلمة، إلا أنها تصبح أسهل بوجود الألم في سياقها. أعتقد أن هذا يحدث أساساً بثلاث طرق؛ لن تبدأ الروح البشرية حتى في محاولة إخضاع وتسليم الإرادية الذاتية طالما أن الأمور كلها تبدو على ما يرام معها. إلا أن الخطأ والخطية كلاهما لديه هذه الخاصية، أنه كلما كان أكثر عمقاً كلما قل شك الضحية في وجوده؛ فهما شرور مقنعة. لكن الألم غير مقنع، وهو شر واضح لا لبس فيه. كل إنسان يعرف أن هناك شيء ما خطأ عندما يتعرض للأذى. المستألم أو الماسوشي Masochist (المنحرف جنسياً، أي الذي يتلقى اللذة – الجنسية غالباً – من خلال تلقي الألم – المترجم) ليس استثناء حقيقياً لذلك. تقوم كل من السادية Sadism (الحصول على متعة جنسية عن طريق إيقاع الألم بشخص آخر – المرجم) والماسوشية Masochism على التوالي بعزل ثم تضخيم “لحظة” أو “جانب” ما في الشهوة الجنسية الطبيعية. تضخم السادية جانب الاستيلاء أو السيطرة إلى النقطة التي تصبح فيها فقط إساءة معاملة المحبوب هي التي تشبع الشخص المنحرف – كما لو أنه يقول، “إنني شديد السيطرة حتى أنني أؤلمك أيضاً.” أما الماسوشية فتضخم الجانب المُكمل والمضاد لذلك، فتقول، “إنني مأسور ومُستعبد لك بالكامل حتى إنني أرحب حتى بالألم على يديك”. فإذا لم يتم الشعور بالألم باعتباره شر – إساءة عنيفة تؤكد على السيطرة الكاملة على الطرف الآخر – فإنه سيتوقف، بالنسبة للماسوشي، عن أن يكون محفزاً شهوانياً. الألم لا يتم فقط الشعور به في الحال باعتباره شر معترف به، بل شر من المستحيل تجاهله. يمكننا أن نستريح برضا في خطايانا وفي حماقاتنا؛ وأي إنسان يراقب إنساناً آخراً شرهاً وهو يلتهم أفخر الأطعمة لكا لو كان لا يعرف ما الذي يأكله، سوف يعترف أننا نستطيع أن نتجاهل حتى المتعة.

لكن الألم يصر على أن يتم الإصغاء إليه. يهمس الله لنا في مسراتنا، ويتحدث إلينا في ضميرنا، ولكنه يصرخ في آلامنا. فالألم هو بوق الله الذي ييقظ به العالم الأصم.

الإنسان الشرير، سعيد، لأنه هو الشخص الذي لا يكون لديه أقل شك في أن أفعاله لا “تجيب” (على ما يصرخ به الله)، وأنها لا تتفق مع قوانين الكون.

يكمن إدراك هذا الحق في خلفية المشاعر الإنسانية العامة بأن الأشرار لا بد أن يتألموا. لا فائدة من إقحام أنوفنا في تلك المشاعر، كما لو كانت دنيئة بالكامل. لأنها في أكثر مستوياتها اعتدالاً تناشد شعور كل إنسان بالعدالة. في مرة من المرات، عندما كنا أنا وأخي صبية صغاراً، أثناء قيامنا برسم صور معاً على نفس المنضدة، هززت مرفقه مما جعله يرسم خطاً غير مستو في منتصف عمله الفني؛ فقمت بطريقة ودية بتصفية الأمر معه إذ سمحت له بأن يرسم بالمثل خطاً بنفس الطول في منتصف عمل الفني. وهذا معناه أنني “كنت أضع نفس مكانه”، مما جعلني أرى اهمالي من وجهة نظره هو. على مستوى أكثر صرامة، تظهر نفس الفكرة باعتبارها “عقوبة القصاص”، أو “إعطاء الإنسان ما يستحقه”. بعض المستنيرين يرغبون في إزالة كل مفاهيم القصاص أو الاستحقاق من نظريتهم العقابية ويضعون مدلولها بالكامل في ردع الآخرين أو في إصلاح المجرم نفسه. لكنهم لا يرون أنهم يفعلون ذلك يجعلون كل العقوبات غير عادلة. فماذا يمكن أن يكون أكثر لا أخلاقية من أن أوقع الألم على نفسي لأجل ردع الآخرين إذا لم أكن “أستحق” ذلك؟ بل فوق ذلك، على مستوى ثالث، نحصل على “شهوة الانتقام”، والتعطش للثأر والانتقام. هذا بالطبع شر ومحظور بوضوح بالنسبة للمسيحيين. لكن ربما ظهر بالفعل من نقاشنا حول السادية والماسوشية أن أبشع الأمور في الطبيعية البشرية هي تشويه وإفساد الأمور الصالحة أو البريئة. الأمور الصالحة التي تكون شهوة الانتقام تشويه لها تأتي بوضوح مذهل في تعريف هوبز Hobbes للانتقام Revengefulness؛ بأن الانتقام هو “الرغبة، عن طريق إيقاع الأذى بشخص آخر، في جعله يدين واقعة معينة قام بها”. يفقد الانتقام رؤية الغاية التي يرغب في الوصول إليها من خلال الوسيلة، لكن غايته ليس شريرة بالكامل – إذ أنه يريد من إيقاع الأذى بالإنسان الشرير أن يكون الشر بالنسبة له كما هو بالنسبة لكل إنسان آخر. هذا الأمر مُثبت من حقيقة أن المنتقم يريد الطرف المذنب ليس فقط أن يتألم، بل أن يتألم على يديه، وأن يعرف أنه يتألم، ويعرف سبب تألمه. من هنا يأتي الدافع للتهكم على الشخص المذنب وجريمته في لحظة تلقيه لجزائه، من هنا أيضاً تأتي مثل هذه التعبيرات الطبيعة مثل، “إنني أتساءل كيف كان سيشعر لو أن نفس هذه الفعل وقع له” أو “سوف ألقنه درساً”. لنفس هذا السبب عندما نأتي لكي نوقع الألم بشخص ما عن طريق الكلام فإننا نقول إننا “سوف نجعله يعرف كيف نفكر بشأنه”.

عندما أشار أسلافنا إلى الآلام والأحزان باعتبارها “انتقام” الله من الخطية لم يكونوا بالضرورة ينسبون شهوات أو عواطف شريرة لله؛ لكنهم ربما قد أدركوا العنصر الجيد في فكرة القصاص. فإنه إلى أن يجد الرجل الشرير الشر موجوداً بصورة لا لبس فيها في حياته، في صورة ألم، فإنه يكون محاطاً بالوهم. لكن بمجرد أن يوقظه الألم، فإنه يعرف أنه بطريقة او بأخرى “قد تصرف ضد” الكون الحقيقي؛ فهو إما أن يتمرد (مع إمكانية أن يتضح له الأمر أكثر ويقوم بتوبة أعمق في مرحلة ما لاحقة) أو أن يقوم بمحاولة ما للتكيف مع ذلك الوضع، الأمر الذي إذا اتبعه، سوف يقوده إلى الدين، إلا أنه من الصحيح انه لا هذا التأثير ولا ذاك شديد التأكيد الآن كما كان الأمر في الأزمنة التي كان فيها وجود الله (أو حتى الآلهة) معروفاً أكثر على نطاق واسع، لكن حتى في أيامنا هذه نراه يؤثر. فحتى الملحدين يتمردون ويعبرون، مثل هاردي Hardy وهاوسمان Housman، عن ثورتهم ضد الله رغم (أو بسبب) أن الله غير موجود، بحسب رأيهم. وهناك ملحدون آخرون مثل هكسلي Mr. Huxley، يدفعهم الألم أن يثيروا قضية الوجود بأكملها وأن يجدوا طريقة ما للتوافق مع ذلك الشيء الذي، إن لم يكن مسيحياً، فهو متفوق إلى ما لانهاية تقريباً على الرضا السخيف بالحياة الوثنية الدنسة.

لا شك أن الألم باعتباره بوق الله هو أداة مريعة؛ إذ أنه قد يؤدي إلى تمرد نهائي لا توبة عنه. ولكنه يقدم الفرصة الوحيدة التي يمكن للإنسان الشرير أن يحصل عليها للتغير والإصلاح. إنه يزيل البرقع؛ ويغرس راية الحق داخل حصن النفس المتمردة.

إن كان أول وأقل تطبيق للألم يبدد الوهم بأن كل شيء على ما يرام، فإن التطبيق الثاني له يبدد الوهم بأن لدينا، سواء كان جيداً أم سيئاً في حد ذاته، هو ملك لنا وكاف بالنسبة لنا. كل إنسان يلاحظ كم هو صعب أن يوجّه أفكاره إلى الله عندما يكون كل شيء يسير معنا بطريقة جيدة. فعبارة “إن لدينا كل ما نريد” هي عبارة مزعجة عندما تكون “كل” هذه لا تشمل الله. فنجد أن الله عبارة عن عائق. كما يقول القديس أوغسطينوس St. Augustine في إحدى المواضع، “يريد الله أن يعطينا شيئاً ما، ولكنه لا يستطيع، لأن أيدينا ملآنة، فلا يوجد مكان له لكي يضع فيه هذا الشيء. أو كما قال أحد أصدقائي، “إننا ننظر إلى الله كما ينظر الطيار إلى الباراشوت؛ إنه موجود للطوارئ ولكنه يتمنى ألا يضطر إلى استخدامه.”

لكن الله الذي صنعنا، يعرف من نحن ويعرف أن سعادتنا تكمن فيه. ومع ذلك فإننا لن نبحث عن تلك السعادة في الله طالما أنه يترك لنا أي ملجأ آخر حيث يمكن حتى ظاهرياً أن نبحث عن السعادة فيه.

فطالما يظل ما نطلق عليه “حياتنا الخاصة” مريحة ومقبولة فإننا لن نُخضعها ونسلمها له. ماذا يمكن لله إذاً أن يصنع لصالحنا إلا أن يجعل “حياتنا الخاصة” أقل راحة بالنسبة لنا، ويأخذ منها المصادرة الظاهرية للسعادة الزائفة؟ هنا فقط، عندما تبدو عناية الله في البداية أنها شديدة القسوة، فإن “الاتضاع الإلهي”، تنازل الله العلي، يكون أكثر ما يستحق الثناء. إننا نصاب بالارتباك عندما نرى المصائب تقع على اللطفاء، والمسالمين، والأفاضل، على الأمهات الأكفاء والمجتهدات أو على الأشخاص المثابرين والمقتصدين ذوي الأعمال الصغيرة، على أولئك الذين يعملون بجد شديد، وبأمانة عظيمة. بسبب نصيبهم المتواضع من السعادة، إذ نعتقد أنهم سيدخلون الآن إلى الاستمتاع بتلك السعادة عن حق تماماً. كيف يمكنني أن أقول برقة كافية ما يجب أن يقال هنا؟ لا يقلقني أن أعرف أنني لا بد أن أصبح، في عيني كل قارئ، عدوانياً كما لو أنني مسؤول شخصياً عن كل الآلام التي أحاول أن أفسرها – كما يحدث، حتى يومنا هذا، عندما يتكلم الجميع عن القديس أوغسطينوس كما لو أنه كان “يريد” أن يذهب الرُضع غير المتعمدين إلى الجحيم. لكن الأمر المقلق بشكل هائل هو ما إذا كنت أنفر أي إنسان من الحق. دعوني أناشد القارئ أن يحاول تصديق، حتى ولو للوقت الحالي فقط، أن الله، الذي خلق هؤلاء الأشخاص الأفاضل، قد يكون فعلاً على حق عندما يعتقد أن نجاحهم المتواضع وسعادة أبنائهم ليست كافية كي تجعلهم مطوبين؛ وأن كل هذه الأمور لا بد أن تسقط عنهم في النهاية، وأنهم لو لم يكونوا قد تعلموا أن يعرفوا الله فإنهم سيكونون بؤساء وأشقياء. ولذلك فإنه يزعجهم، ويحذرهم مقدماً من عدم الكفاية والنقص الذي سوف يكتشفونه في يوم من الأيام. إن الحياة لأجل أنفسهم ولأجل أسرهم تحول بينهم وبين إدراك احتياجهم لله؛ ولذلك يجعل الله تلك الحياة أقل جمالاً بالنسبة لهم. إنني أدعو هذا “الاتضاع الإلهي” لأنه شيء سيء أن نلجأ إلى الله عندما تغرق السفينة تحتنا؛ أمر سيء أن نأتي له باعتباره الملجأ الأخير، وأن نقدم “ما نمتلكه وما هو خاص بنا” عندما لا بعد الاحتفاظ به ذو قيمة تُذكر. لو كان الله متكبراً، لكان بالكاد يمتلكنا بمثل هذه الشروط؛ ولكنه ليس متكبراً، بل أنه ينحني لكي يمتلكنا، فهو يريد ان يمتلكنا رغم أننا نفضل أي شيء آخر عليه، ورغم أننا نأتي إليه لأنه لا يوجد “شيء أفضل” الآن يمكن الحصول عليه. يظهر نفس هذا الاتضاع بواسطة كل المحاولات الإلهية لإثارة مخاوفنا، المحاولات التي تزعج قراء الكتاب المقدس ذوي المبادئ السامية. يشق على نفس الله كثيراً أن يكون علينا أن نختاره كبديل للجحيم؛ ورغم ذلك فإن يقبل حتى هذا الاختيار إن توهم المخلوق بشأن اكتفائه بنفسه، لا بد لأجل خاطر المخلوق نفسه، أن يتبدد؛ وعن طريق الضيق أو الخوف من الضيق على الأرض، بواسطة الخوف القاسي من النار الأبدية، يبدد الله هذا الوهم “دون أن يهتم (الله) بنقصان مجده”. أولئك الذين يحبون أن يكون إله الكتاب المقدس أكثر التزاماً بالمعايير الأخلاقية البحتة، لا يعلمون ما يطلبونه. لو كان الله أحد أتباع الفيلسوف “كنت” Kantian، لا يمتلكنا إلا إذا جئنا ساعي إليه وبأفضل الدوافع، من كان يمكنه أن يخلص؟ مع العلم بأن هذا الوهم بالكفاية الذاتية ربما يكون في أقوى صوره في أكثر الناس أمانة ولطفاً وأكثرهم اعتدالاً وقناعة، ولذلك، لا بد أن تقع المصائب على مثل هؤلاء الناس.

تفسر مخاطر الكفاية الذاتية الواضحة السبب الذي لأجله ينظر ربنا إلى رذائل الضعفاء والفجار الفاسقين بتساهل أكثر بكثير من الرذائل التي تقود إلى النجاح العالمي. هذا لأن الفاجرات لسن في خطر أن يجدن حياتهن الحالية مُرضية للغاية بحيث لا يتمكن من العودة إلى الله؛ أما المتكبر والجشع، وصاحب البر الذاتي، فهم في ذلك الخطر.

أما التطبيق الثالث للألم فهو أصعب في فهمه قليلاً. يعترف الجميع بأن الاختيار أمر واع في الأساس؛ فإن تختار يتضمن ذلك معرفة أنك تختار. كان إنسان الجنة يختار دائماً أن يتبع مشيئة الله. وفي اتباعها أشبع أيضاً رغبته الخاصة، وهذا لأن كل الأفعال التي كانت مطلوبة منه كانت، في الحقيقة، مقبولة لميوله البريئة، وأيضاً لأن خدمة الله كانت هي نفسها أقوى متعة له، فكل الأفراح والمسرات كانت ستصبح بلا طعم بالنسبة له لو لم تكن تلك الخدمة هي حدودها القاطعة. السؤال الذي يقول، “هل أفعل ذلك لأجل الله أم فقط لأنه تصادف أنني أحب هذا الأمر؟” لم يكن يثار عندئذ، حيث أن فعل الأمور لأجل الله كان هو في الأساس “ما تصادف أنه يحبه”. إن إرادته التي كانت موجهة لله قادت سعادته بعيداً، كما في سفينة تسابق تياراً سريعاً منحدراً. كانت المتعة عندئذ (في الجنة) تقدمة مقبولة لله لأن التقدمة نفسها كانت متعة. لكننا نرث نظاماً كاملاً من الرغبات الذي ليس بالضرورة يتعارض مع إرادة الله. ولكنه بعد قرون من الحكم الذاتي المغتصب، يتجاهل تلك الإرادة باستمرار. فالحقيقة أنه إذا كان الشيء الذي نحب أن نفعله هو الشيء الذي يريدنا الله أن نقوم به، ومع ذلك ليس هذا هو مبررنا لفعله؛ تظل هذه مجرد مصادفة سعيدة. فلا نستطيع عندها أن نعرف أننا نؤدي دوراً أو خدمة على الإطلاق، أو أننا نقوم بذلك أساساً لأجل الله، ما لم تكن مادة الفعل مناقضة لميولنا، أو (بمعنى آخر) مؤلمة، والشيء الذي لا نستطيع أن نعرف أننا نختار، لا يمكننا اختياره. فالإظهار الكامل لإخضاع الذات لله إذاً يتطلب ألماً؛ وهذا الفعل لكي يكون كاملاً، لا بد أن يتم القيام به من منطلق الإرادة الخالصة للطاعة في غياب، أو على الرغم من ميولنا. كم هو أمر مستحيل إذاً أن نقوم بعلم إخضاع الذات بواسطة فعل ما نحبه، أنا أعرف ذلك جيداً من خبرتي الشخصية في الوقت الحالي. فعندما شرعت في كتابة هذا الكتاب، تمنيت لو أن الرغبة في طاعة ما يمكن أن يكون “قيادة إلهية” كان لها على الأقل مكان ما في دوافعي. لكن الآن حيث أنني منغمس في كتابة بعمق، أصبح ما أقوم به إغراء أكثر منه واجب. ربما لا أزال أتمنى أن تكون كتابة هذا الكتاب، تتفق فعلياً مع إرادة الله لكن أن أؤكد بأنني أتعلم أن أخضع نفسي بأن أفعل شيئاً شديد الجاذبية بالنسبة لي، سيكون هذا أمراً سخيفاً ومنافياً للعقل.

إننا نطأ الآن أرضاً شديدة الصعوبة. اعتقد الفيلسوف “كنت” Kant أنه لا يوجد فعل ذو قيمة أخلاقية إلا إذا تم فعله من منطلق الاحترام الخالص للقانون الأخلاقي، بمعنى، بدون ميل أو رغبة فيه، وقد تم اتهامه بأن لديه “إطار عقلي مَرَضي وغير سليم” إذ أنه يقيس قيمة فعل ما على أساس كونه غير سار أو بغيض للنفس. إلا أن الرأي العام كله هو في الحقيقة إلى جانب “كنت”. فالناس لا يُعجبون أبداً بإنسان لأنه يقوم بعمل شيء يحبه؛ إن نفس كلمات “لكنه يحبه” تعني ضمنياً النتيجة الطبيعية، “وبالتالي فليس له أية قيمة”. لكن كلما أصبح الإنسان أكثر تقوى، كلما استمتع أكثر بالأفعال الفاضلة. ما الذي يجب على الملحد أن يفعله بشأن هذه الصراع بين أخلاقيات الواجب وأخلاقيات الفضيلة، هذا ما لا أعرفه؛ لكنني كمسيحي أفترض الحل التالي.

في بعض الأحيان يتم طرح السؤال ما إذا كان الله يأمر بأشياء معينة لأنها صحيحة، أو ما إذا كانت هناك أشياء معينة صحيحة لأن الله يأمر بها. إلى جانب “هوكر” Hooker، وضد د. جونسون Dr. Johnson، إنني أعتنق بشكل قاطع البديل الأول. البديل الثاني قد يقود إلى النتيجة البغيضة (التي توصل إليها، كما أعتقد، “بالي” Paley) بأن الفضيلة جيدة فقط لأن الله أمر بها قسراً – وأنه يمكن بالمثل أن يأمرنا بأن نكرهه ونكره بعضنا البعض وعندها ستكون تلك الكراهية صحيحة. لكن أؤمن، على العكس من ذلك، “أنه يخطئ من يعتقد هكذا في إرادة الله؛ لأنه لا يوجد سبب آخر لكي نعمل هذا أو ذاك إلا إرادته”. إن إرادة الله تحددها حكمته التي تدرك دائماً، وصلاحه الذي يتبنى دائماً، ما هو خير جوهرياً. لكننا عندما نقول إن الله يأمر بأشياء فقط لأنها صالحة، لا بد أن نضيف أن واحداً من الأشياء الصالحة جوهرياً هو أن المخلوقات العاقلة يجب أن تُخضع أنفسها بحرية لخالقها في طاعة. أما محتوى طاعتنا – أي الشيء الذي يأمرنا الله أن نفعله – فسوف يكون دائماً شيئاً صالحاً جوهرياً، شيئاً يجب علينا أن نفعله حتى (بواسطة افتراض مستحيل) لو لم يكن الله قد أمر به. لكن بالإضافة إلى محتوى الطاعة، مجرد الطاعة نفسها هي أمر صالح أيضاً جوهرياً، لأنه بالطاعة، يؤدي المخلوق العاقل عن وعي دوره كمخلوق، ويناقض الفعل الذي بواسطته نسقط، ويؤدي رقصة آدم إلى الخلف، ويعود إلى الله.

لذلك نحن نتفق مع أرسطو في أن ما هو صحيح جوهرياً قد يكون مقبولاً بصورة جيدة، وأنه كلما كان الإنسان أفضل كلما أحب أكثر ما هو صحيح. لكننا نتفق مع “كنت” حتى الآن في القول بأن هناك فعل واحد صحيح – وهو فعل إخضاع الذات – الذي لا يمكن للمخلوقات الساقطة أن تريده إلى أقصى درجة إلا إذا كان بغيضاً. ولا بد أن نضيف أن هذا الفعل الواحد الصحيح يشمل كل بر وصلاح آخر، وأن الإزالة الفائقة لسقوط آدم، حركة “العودة إلى الخلف بأقصى سرعة” التي بها نرجع من حيث أتينا في رحلتنا الطويلة من الجنة، ونفك العقدة القديمة، الصعبة، لا بد أن تحدث عندما يقوم المخلوق، بدون رغبة في معونة، بالتجرد الكامل للرغبة الخالصة في الطاعة، فيتبنى ما هو مضاد لطبيعته، ويفعل الشيء الذي لأجله يوجد دافع واحد فقط ممكن. يمكن وصف مثل هذا الفعل بأنه “امتحان” لعودة المخلوق إلى الله؛ من هنا قال آباؤنا أن المتاعب “قد أرسلت لكي تمتحننا”. من الأمثلة المألوفة على ذلك هو “امتحان” إبراهيم عندما أمره الله بأن يقدم إسحاق ابنه ذبيحة. لا تعنيني الآن الصفة التاريخية أو الأخلاقية لتلك القصة، بل السؤال الواضح، “إذا كان الله كل العلم والمعرفة فلا بد أنه كان يعرف ما سوف يفعله إبراهيم، بدون أي امتحان، فلماذا إذاً هذا العذاب دون داعٍ؟” لكن كما يشير القديس أوغسطينوس، مهما كان ما عرفه الله، فإن إبراهيم على أية حال لم يكن يعلم أن طاعته كان يمكنها احتمال مثل هذا الأمر إلى أن علمه هذا الحدث ذلك؛ والطاعة التي لم يكن يعلم أنه سيختارها، لم يكن يستطيع أن يقول إنه سيختارها.

كانت حقيقة طاعة إبراهيم هي الفعل نفسه؛ وما عرفه الله عندما عرف أن إبراهيم “سوف يطيع” كان طاعة إبراهيم الفعلية على قمة ذلك الجبل في تلك اللحظة. لذلك أن نقول إن الله “لم يكن يحتاج أن يقوم بهذا الامتحان” فهذا معناه أن نقول، حيث أن الله يعرف، فإن الشيء الذي يعرفه الله لا يحتاج أن يوجد.

إذا كان الألم في بعض الأحيان يبدد الكفاية الذاتية الباطلة لدى المخلوق إلا أنه في “الامتحان” الفائق أو في “ذبيحة التضحية” يعلمه الكفاية الذاتية التي يجب بالفعل أن تكون لديه، أي “القوة، التي إذا منحتها السماء، يمكن أن يطلق عليها أنها ملك له”؛ لأنه عندها، في غياب مجرد الدوافع والمساندات الطبيعية كلها، يتصرف المخلوق بتلك القوة، وبتلك القوة وحدها، التي يهبها له الله من خلال إرادته المخضعة لله.

فالإرادة البشرية تصبح خلاقة حقاً وتصبح ملكنا بالفعل عندما تكون بالكامل ملكاً لله، وهذا واحد من المعاني الكثيرة التي يكون بها الإنسان الذي يضيع نفسه يجدها.

في كل الأفعال الأخرى تتغذى إرادتنا من خلال الطبيعة، أي من خلال الأشياء المخلوقة بخلاف الذات من خلال الرغبات التي تمدنا بها أعضاؤنا الجسدية وما ورثناه من صفات. عندما نتصرف من أنفسنا وحدها – أي من خلال الله الساكن فينا – فإننا نكون مشاركين في، أو دعامات حية، للخليقة؛ وهذا هو السبب في أن مثل هذا الفعل يُبطل “دمدمات الشكوى العكسية للقوة التي فصلتنا عن الله”، اللعنة الهدامة التي ألقاها آدم على جنسه. من هنا كما أن الانتحار هو التعبير النموذجي عن الروح اللامبالية بأية مشاعر Stoic، والموت في الحرب هو التحدي الحقيقي لكل جندي، يظل الاستشهاد دائماً هو التمثيل والكمال الفائق للمسيحية. هذا الفعل العظيم تتم المبادرة به لأجلنا، ويُصنع نيابة عنا، كمثال نحتذي به، ويتم نقله بصورة لا تصدق إلى جميع المؤمنين، بواسطة المسيح على الجلجثة. هناك تصل درجة الموت المقبول إلى أقصى حدود لما يكن تخيله وربما تتخطاها؛ تتخطى ليس فقط كل المساندات الطبيعية، بل تتخطى وجود الآب نفسه الذي تُقدم له الذبيحة وهو يتخلى عن الضحية، ومع ذلك لا يتداعى المسيح لله رغم أن الله “يتركه”.

عقيدة الموت التي أصفها هنا ليست مقصورة فقط على المسيحية. بل أن الطبيعة نفسها تكتبها بصورة كبيرة عبر العالم في الدراما المتكررة للبذرة المدفونة والحبوب التي تنمو من جديد. ربما تعلمتها أقدم المجتمعات الزراعية، من الطبيعة، ومن خلال الذبائح الحيوانية أو البشرية، أظهرت هذه المجتمعات على مدى قرون حقيقية أنه “بدو سفك دم لا تحصل مغفرة” (عب 9: 22)؛ ورغم انه في البداية كانت هذه المفاهيم تختص فقط بمحاصيل وتقدمات العشيرة، فإنها جاءت فيما بعد، في الأسرار The Mysteries هو نسخة من مسرحيات العصور الوسطى الإنجليزية تتحدث عن الأسرار، والتي كانت تعرض عام 1977. وهي عبارة عن دورة من ثلاث مسرحيات تحكي قصة الكتاب المقدس منذ الخلق وحتى الدينونة الأخيرة The Free Dictionary by Farlex – المترجم). الهندي الزاهد Ascetic، إذ يميت جسده على سرير من المسامير، يعظ نفس الدرس؛ ويخبرنا الفيلسوف اليوناني Plato ان حياة الحكمة هي “ممارسة الموت”. يفسر الوثني الحساس والنبيل في الأزمنة الحديثة، هكسلي Mr. Huxley، الذي يجعل آلهته التخيلية “تموت لكي تحيا”، “عدم ارتباط” هذه العقيدة بالمسيحية. وهكذا لا يمكننا أن نهرب من تلك العقيدة حتى إذا توقفنا عن أن نكون مسيحيين. فهذه “بشارة أبدية” “Eternal Gospel” معلنة للبشر في أي مكان يبحث فيه البشر عن الحق أو يحتملونه: إنها عصب الفداء نفسه، الذي تكشفه الحكمة المنيرة في كل الأزمنة وفي كل الأماكن؛ المعرفة التي لا يمكن الهروب مها، التي ينقشها النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان في عقول كل من يتساءل بجدية عن ماهية الكون، لا يتمثل تميز الإيمان المسيحي في أنه يعلم هذه العقيدة بل في أنه يجعلها، بطرق متنوعة، أكثر احتمالاً. فالمسيحية تعلمنا أن المهمة المريعة، من ناحية ما قد تم إنجازها لأجلنا – أن هناك يداً خبيرة تمسك بأيدينا إذ نحاول أن نتتبع الأحرف الصعبة، وأن المخطوطة التي لدينا تحتاج فقط أن تكون “صورة منسوخة” Copy، وليس “أصلاً” Original. مرة أخرى، حيث تُعَرِّض الأنظمة الأخرى طبيعتنا بأكملها إلى الموت (كما في عملية النبذ والإنكار في البوذية Buddhist Renunciation) تتطلب المسيحية فقط أن نُصحح “التوجيه الخاطئ” Misdirection لطبيعتنا؛ وليس لدى المسيحية نزاع، مثل أفلاطون Plato، مع الجسد بهذا المفهوم، ولا مع العناصر المادية في تكويننا الجسدي. كما أن التضحية في إدراكها الفائق ليس منتزعة ومغتصبة من كل ذلك. فالمجاهرون بإيمانهم مثلهم مثل الشهداء، مخلّصون، وبعض العجائز اللذين لا نشك في وضعهم في النعمة يبدو انهم يجتازون أعوامهم السبعين بسهولة تثير الدهشة. وهكذا تتكرر ذبيحة المسيح، أو يتردد صداها مرة أخرى، بين أتباعه بدرجات متنوعة للغاية، انتهاء من أقسى ميتات الاستشهاد وحتى إخضاع الذات المتعمد، الذي لا تميزه العلامات الخارجية عن الثمار العادية لضبط النفس و”الاعتدال الجميل”. إنني لا أعرف أسباب هذا التصنيف؛ لكن من وجهة نظرنا الحالية يجب أن يكون واضحاً أن المشكلة الحقيقية ليس في السبب الذي لأجله يتألم بعض المؤمنين المتضعين، والأتقياء، بل في سبب عدم تألم البعض منهم. يجب أن نتذكر أن ربنا نفسه فسر خلاص أولئك المطوبين في هذا العالم فقط بالإشارة إلى قدرة الله الكلية التي لا تُستقصى (مرقص 10: 27).

كل المجادلات الخاصة بتبرير الألم تثير استياء مريراً تجاه كاتبها. فأنت تود أن تعرف كيف أتصرف عندما أختبر الألم، وليس أن أكتب كتباً عن ذلك. لكنك لا تحتاج أن تخمن، لأني سأخبرك؛ إنني جبان جداً. لكن ما علاقة هذا الغرض الذي أتحدث بشأنه؟ عندما أفكر في الألم – في القلق الذي يلتهم مثل النيران وفي الوحدة التي تمتد وتنتشر مثل البيداء، وفي روتين التعاسة الممل الذي يكسر القلب، أو مرة أخرى في الأوجاع الكئيبة التي تظلم الأفق بأكمله أو في الآلام المفاجئة المثيرة للغثيان التي تُسقط قلب الإنسان بضربة واحة، في الآلام التي تبدو بالفعل غير محتملة ثم تتزايد فجأة بعد ذلك، عندما أفكر في الآلام المثيرة للحنق التي تشبه قرصة العقرب والتي تباغت الإنسان في حركة جنونية، الإنسان الذي كان يبدو بالفعل نصف ميت من عذاباته السابقة – فإن هذا “يرعب روحي تماماً”. لو كنت أعرف أية طريقة للهرب كنت سأزحف عبر البالوعات لكي أجدها. لكن ما جدوى إخبارك عن مشاعري؟ إنك تعرفها بالفعل؛ إنها نفس مشاعرك. إنني لا أجادل أن الألم غير مؤلم. الألم موجع. فهذا هو ما تعنيه الكلمة. لكني أحاول فقط أن أوضح لك أن العقيدة المسيحية القديمة “بتكميل الإنسان من خلال الألم” (عب 2: 10) ليست غير قابلة للتصديق. لكن أن أثبت أنه يمكن قبولها فهذا يتخطى قصدي.

في تقييم مدى مصداقية هذه العقيدة، يجب مراعاة مبدأين، في المقام الأول، لا بد أن نتذكر أن اللحظة الفعلية للألم الحالي هي فقط مركز ما يمكن أن يطلق عليه نظام المعاناة الكلي الذي يمدد نفسه بواسطة الخوف والحزن. مهما كان الآثار الجيدة لهذه الخبرات فهذا يعتمد على المركز؛ بحيث أنه حتى لو كان الألم نفسه ليست له قيمة روحية، إلا أنه إذا كان للخوف والحزن هذه القيمة الروحية، سيكون على الألم أن يتواجد لكي يكون هناك شيء يجب الخوف منه والحزن لأجله. ويجب ألا نشك في أن الخوف والحزن يساعداننا في عودتنا إلى الطاعة وعمل الخير. جميعنا اختبرنا أثر الحزن إذ ييسر لنا محبة من هو غير محبوب – بمعنى أن نحب الناس ليس لأنهم مقبولين لدينا بأية طريقة طبيعية بل لأنه إخوتنا. كما أن معظمنا قد تعلم فعل الخير وقت الخوف خلال فترة “الأزمات” والتي قادتنا إلى الحرب الحالية. تشبه خبرتي الشخصية شيئاً من هذا. فأنا أتقدم عبر طريق الحياة بحالتي العادية الراضية الساقطة غير الباردة. منغمس في لقاءات سعيدة مع أصدقائي لليوم التالي أو في قليل من العمل الذي يداعب غروري اليوم، في عطلة أو كتاب جديد، عندما أشعر فجأة بضربات ألم في عمودي الفقري تهدد بمرض خطير، أو بعنوان في الصحيفة يهددنا جميعاً بالهلاك، مما يجعل كل هذه الحزمة من البرامج تنهار. في البداية سأشعر بالارتباك، وكل الأشياء الصغيرة التي تسبب لي السعادة ستبدو مثل اللعب المكسورة. ثم بعد ذلك، ببطء وامتعاض، رويداً رويداً، أحاول أن آتي بنفسي إلى الإطار الفكري الذي يجب أن أكون عليه في كل الأوقات. فأذكر نفسي بأن كل هذه اللعب لم يكن من المفترض لها مطلقاً أن تمتلك قلبي، أن خيري الحقيقي هو في عالم آخر وأن كنزي الوحيد الحقيقي هو المسيح. وربما بنعمة الله، أنجح، ولمدة يوم أو اثنين، أصبح مخلوقاً معتمداً عن وعي على الله ويستمد قوته من المصادر الصحيحة. لكن في اللحظة التي يتوارى فيها التهديد، تعود طبيعتي بأكملها للقفز مرة أخرى نحو اللعب؛ بل أشعر حتى بالتلهف، وليسامحني الله، أن أزيل من عقلي الشيء الوحيد الذي ساندني وقت التهديد لأنه الآن مرتبط بتعاسة تلك الأيام القليلة. وهكذا تتضح تماماً الآن الضرورة الشديدة للألم والمعاناة. لقد امتلكني الله لمدة ثمان وأربعين ساعة فقط، وقد حدث ذلك عندئذ فقط بفضل انتزاع كل شيء أخر مني. دع الله فقط يضع ذلك السيف في غمده للحظة وعندها سأتصرف مثل الجرو الصغير عندما ينتهي فرض الاغتسال البغيض، أهز نفسي حتى أجف قد الإمكان وأتسابق ليك أعيد الحصول على نجاستي المريحة، إن لم يكن في أقرب تل من الروث، على الأقل في أقرب مشتل أزهار. وهذا هو السبب في أن المعاناة والضيقات لا يمكنها أن تنتهي إلا عندما يرى الله إما أننا قد تشكلنا من جديد أو أن إعادة تشكلينا قد أصبح الآن ميؤوساً منه.

ثانياً، عندما نعتبر أن الألم نفسه هو مركز نظام المعاناة كله لا بد أن نكون على حذر لكي نصغي إلى ما نعرف وليس إلى ما نتخيل. هذا هو واحد من الأسباب التي لأجلها يكرس الجزء المركزي من هذا الكتاب بأكمله إلى الألم البشري، بينما يتم إنزال الألم الحيواني إلى مرتبة ثانية في فصل خاص. فنحن نعرف عن الألم البشري، لكننا نتكهن فقط بشأن الألم الحيواني (انظر الملحق في آخر الكتاب). لكن حتى داخل الجنس البشري، لا بد لنا من أن نستخلص أدلتنا عن الألم من المرات التي وقعت تحت ملاحظتنا الشخصية. اتجاه هذا الروائي أو ذاك الشاعر قد يعرض المعاناة باعتبارها سيئة بالكامل في آثارها. باعتبار أنها تنتج أو تبرر كل أنواع الحق والوحشية في المتألم. وبالطبع، فإن الألم، مثل المتعة، يمكن قبوله بهذه الطريقة؛ إذ أن كل ما يُعطى إلى مخلوق ذي إرادة حرة لا بد أن يكون سلاحاً ذي حدين. ليس بواسطة طبيعة المعطي أو طبيعة العطية، بل بواسطة طبيعة مُتلقي العطية. ومرة أخرى، النتائج الشريرة للألم يمكن أن تتضاعف إذا تعلم المتألمون باستمرار بواسطة من يشاهدونهم أن مثل هذه النتائج هي الأنسب وهي النتائج الرجولية التي يجب عليهم إظهارها. إن السخط والاستياء بسبب آلام الآخرين، رغم أنه عاطفة كريمة، إلا أنها تحتاج إلى السيطرة عليها جيداً لئلا تسلب الصبر والاتضاع من أولئك الذين يتألمون، وتزرع فيهم بدلاً من ذلك الغضب والتهكم. لكني غير مقتنع أن الألم إذا خلا من مثل هذه السخط المتصلف بالإنابة، يكون له أي اتجاه طبيعي لإنتاج مثل هذه الشرور. فأنا لم أجد المتجندين في خنادق الخط الأمامي أو C. C. S. أكثر امتلاءً بالكراهية والأنانية والتمرد وخيانة الأمانة، ممن هم في أي مكان آخر. بل إنني رأيت جمالاً عظيماً في الروح في بعض من أكثر الناس الذين كانوا يعانون بدرجة رهيبة. لقد رأيت رجالاً، في معظم الأحوال، يصيرون أفضل وليس أسوأ مع تقدم السنين، كما رأيت المرض الأخير وهو ينتج فيهم كنوزاً من الاحتمال والوادعة النابعة من أكثر الأمور إثارة لليأس والإحباط. إنني أرى في شخصيات تاريخية محبوبة ومهابة، مثل جونسون Johnson وكوبر Cowper، سمات ربما كان بالكاد يتم احتمالها لو كان هؤلاء الرجال أكثر سعادة. إذا كان العالم بالحقيقة “واد لصنع النفوس”، فيبدو في الإجمال أنه يقوم بعمله. أما الفقر – وهو المصيبة التي تحوي فعلياً أو احتمالياً كل المصائب الأخرى – فأنا لا أجرؤ أن أتكلم عنه كما من نفسي؛ وأولئك الذين يرفضون المسيحية لن يتأثروا بعبارة المسيح أن الفقر مُطوب. لكن هنا تأتي إلى إعانتي حقيقة أخرى جديرة بالملاحظة. إن أكثر الذين ينبذون المسيحية بازدراء باعتبارها مجرد “أفيون للشعوب” لديهم احتقار للأغنياء، بمعنى، لكل البشر فيما عدا الفقراء. فهم ينظرون إلى الفقراء باعتبارهم البشر الوحيدون الذين يستحقون النجاة من “التصفية الجسدية” (القتل)، ويضعون فيهم الأمل الوحيد للجنس البشري. لكن هذا لا يتفق مع الاعتقاد بأن آثار الفقر على أولئك الذين يتألمون منه شريرة بالكامل؛ بل إنه يشير ضمنياً إلى أنها آثار جيدة. لذلك يجد تابع الماركسية Marxist نفسه في اتفاق حقيقي مع المسيحي في هذين المعتقدين اللذين، بشكل متناقض، تتطلبهما المسيحية، أن الفقر مُطوب ومع ذلك يجب القضاء عليه.

[1] ولابد من القول “أسوأ البشر”، ربما أفضل القول “المخلوقات البشرية الأخرى”. أنا لا أرفض على الإطلاق الرأي الذي يقول أن أحد أسباب أمراض الإنسان قد يكون “مخلوق” آخر (الشيطان. انظر الفصل التاسع). الكتاب المقدس يعلن أن الشيطان هو سبب الأمراض في أيوب، في لوقا 13: 16، 1كورنثوس 5: 5، وربما أيضاً 1تيموثاوس 1: 20، ولكن في هذا السياق من حوارنا، لا يهمنا إذا كانت كل المخلوقات التي يمنحها الله إمكانية إحداث آلام في الآخرين هي مخلوقات بشرية أم لا (شيطانية).

الألم البشري – مشكلة الألم – الجزء الأول – سي إس لويس

سقوط الإنسان – سي إس لويس

سقوط الإنسان – سي إس لويس

سقوط الإنسان – سي إس لويس

سقوط الإنسان – سي إس لويس

“الطاعة هي الواجب اللائق بالنفس الرشيدة العاقلة.”

Montaigne II, xii

“الإجابة المسيحية” على السؤال المطروح في الفصل السابق متضمنة في “عقيدة السقوط” The Doctrine of The Fall فحسب تلك العقيدة، أصبح الإنسان مصدر اشمئزاز لله ولنفسه، وكائناً سيئ التكيف مع الكون، ليس لأن الله صنعه كذلك بل لأنه هو الذي جعل نفسه هكذا بإساءة استخدامه لإرادته الحرة. بحسب رأيي هذه هي الوظيفة الوحيدة لتلك العقيدة.

فهي توجد لكي تحمينا من نظرتين متفرعتين من المسيحية عن أصل الشر: النظرية الوحدوية Monism، والتي بموجبها الله نفسه، لكونه “أسمى من الخير والشر”، ينتج بحيادية التأثيرات التي نطلق عليها هذه الاسمين (الخير والشر)، والنظرية الثنائية Dualism، التي بموجبها ينتج الله الخير، بينما قوة أخرى معادلة له ومستقلة عنه تنتج الشر.

ضد كل من هاتين النظريتين، تؤكد المسيحية أن الله صالح؛ وأنه صنع كل شيء حسناً لأجل كل الأشياء؛ وأن واحدة من الأشياء الجيدة التي صنعها، أي الإرادة الحرة للمخلوقات العاقلة. بحكم طبيعتها نفسها، كانت تتضمن إمكانية الشر؛ وأن المخلوقات، إذ استغلت هذه الإمكانية للشر، أصبحت شريرة. إلا أن هذه الوظيفة – التي هي الوظيفة الوحيدة التي اعترف بها لعقيدة السقوط – لا بد أن يتم تمييزها عن وظيفتين أخريين، ربما يتم عرض هذه العقيدة في بعض الأحيان بأنها تؤديهما، وهو الأمر الذي أرفضه.

أولى هاتين الوظيفتين المفترضتين: لا أعتقد أن هذه العقيدة تجيب على السؤال، “هل كان من الأفضل لله أن يخلق عن ألا يخلق؟” فهذا سؤال قد رفضته بالفعل. لكن حيث أنني أؤمن أن الله صالح، فإني متأكدي أنه إذا كان لهذا السؤال معنى، فإن الإجابة عليه لا بد أن تكون “نعم”.

لكني أشك ما إذا كان لهذا السؤال أي معنى: وحتى لو كان له معنى، فأنا متأكد أنه لا يمكن الحصول على إجابة عليه بطريقة الأحكام التقييمية التي يمكن للبشر أن يصدروها بشكل كبير. أما الوظيفة الثانية؛ لا أعتقد أن عقيدة السقوط يمكن استخدامها لإظهار أنه أمر “عادل”، فيما يتعلق بالعدالة الجزائية، أن يتم عقاب الأفراد بسبب ذنوب أسلافهم البعيدين.

بعض صيغ العقيدة يبدو أنها تتضمن ذلك؛ ولكني أشك إذا كان أي منها، كما يتم فهمه بواسطة مفسريه، يعني ذلك حقاً. ربما يقول الآباء في بعض الأحيان أننا نعاقب بسبب خطية آدم: ولكن يقولون في مرات أكثر كثيراً أننا قد أخطأنا “في آدم”. قد يكون من المستحيل أن نكتشف ما كانوا يعنونه بذلك، أو قد نقرر أن ما كانوا يعنونه خاطئاً.

ولكني لا أعتقد أننا يمكن أن نرفض أو نستبعد طريقتهم في الكلام باعتبارها مجرد “مصطلح”. فسواء بحكمة أو بجهل، لقد آمنوا أننا “فعلياً” وليس ببساطة بمجرد تخيل مشروع – كنا متورطين في الفعل الذي قام به آدم. بالمعنى المادي الجسدي – حيث كان آدم هو المركبة الأولى لنقل “المادة الوراثية الخالدة Immortal Germ Plasm” – قد يكون أمراً غير مقبول؛ ولكنه بالطبع، سؤال إضافي ما إذا كان الاعتقاد نفسه هو مجرد التباس أم أنه فهم حقيقي للحقائق الروحية يتخطى إدراكنا الطبيعي. إلا أنه في الوقت الحالي، لا مجال لإثارة هذا السؤال؛ كما قلت، لأنه ليست لدي نية للجدل بأن نسب عجز الإنسان إلى ما جلبه عليه أجداده القدماء هو نموذج للعدالة الجزائية.

بالنسبة لي يعد هذه بالأكثر نموذجاً لتلك الأشياء المشاركة بالضرورة في خلق عالم مستقر، وهو الأمر الذي ذكرناه في الفصل الأول. فبلا شك، كان من الممكن بالنسبة لله أن يزيل بمعجزة نتائج أول خطية ارتكبها أي إنسان في أي وقت مضى؛ لكن هذا لم يكن سيصيح جيداً كثيراً إلا إذا كان الله مستعداً أن يزيل نتائج الخطية الثانية، والثالثة، وهكذا إلى الأبد.

إذا كانت المعجزات قد توقفت، فربما كنا سنصل عاجلاً أو آجلاً إلى موقفنا الحالي الذي يرثى له: أما إذا لم تكن قد توقفت، فإن عالماً مدعوماً ومصححاً هكذا باستمرار بواسطة التدخل الإلهي، كان سيصيح عالماً لا شيء مهم فيه يعتمد إطلاقاً على الاختيار البشري، والذي فيه الاختيار نفسه كان سيتوقف سريعاً نتيجة التيقن أن واحدة من البدائل الظاهرة أمامك لن تقود إلى أية نتائج، وبالتالي فهي ليست في الحقيقة بديلاً. كما رأينا، إن حرية لاعب الشطرنج في أن يلعب الشطرنج تعتمد على صلابة وثبات القوانين والتحركات.

حيث أنني حددت ما أعتقد أنه المضمون الحقيقي لعقيدة أن الإنسان ساقط، دعونا الآن نفكر في العقيدة في حد ذاتها. القصة الموجودة في سفر التكوين هي قصة (مليئة بأعمق الإيحاءات) عن تفاحة سحرية للمعرفة؛ لكن في العقيدة المطورة، اختفى عن الأنظار تماماً السحر الملازم للتفاحة، وأصبحت القصة ببساطة هي قصة عصيان.

إن لدي أعمق احترام حتى للأساطير الوثنية، بل واحترام أعمق حتى للأساطير الوثنية، بل واحترام أعمق للأساطير في الكتاب المقدس. ولذلك فإني لا أشك في أن رواية القصة التي تؤكد على التفاحة السحرية، وتجمع معاً شجرتي الحياة ومعرفة الخير والشر، تحوي حقاً كتابياً أعمق وأبرع من رواية القصة التي تجعل التفاحة، ببساطة مجرد تعهد بالطاعة.

لكني أفترض أن الروح القدس لم يكن سيسمح للرواية الأخيرة بأن تنمو في الكنيسة وتكسب تأييد دكاترة عظام ما لم تكن هي أيضاً حقيقية ومفيدة على قدر ما ذهبت إليه. هذه الرواية للقصة إذاً هي التي سوف أناقشها، لأنه على الرغم من أنني أعتقد أن الرواية الأولية أكثر عمقاً بكثير، إلا أني أعرف، على أية حال، أنني لا أستطيع أن أتغلل إلى أعماقها. لذلك سيكون عليّ ليس أن أقدم لقرائي الأفضل على الإطلاق لكن أفضل ما لدي.

في العقيدة المطورة إذاً، يزعم أن الإنسان، كما صنعه الله، كان صالحاً بالكامل وسعيداً بالكامل، لكنه عصى الله فأصبح ما نراه الآن. يعتقد كثيرون من الناس أن هذا الافتراض قد ثبت بطلانه بواسطة العلم الحديث. فيقال، “إننا نعرف الآن أنه أبعد كثيراً عن كون البشر قد سقطوا من حالة الفضيلة والسعادة البدائية، فإنه قد ارتفعوا ببطء من حالة الوحشية والهمجية.” لكن يبدو لي أن هناك لبس تام هنا.

فكلمة “وحشي” و “همجي” تنتمي كلاهما إلى تلك الفئة التعيسة من الكلمات التي تستخدم في بعض الأحيان بطريقة بلاغية، باعتبارها تعبيرات توبيخية، وفي بعض الأحيان بطريقة علمية، كتعبيرات للوصف؛ والحجة الزائفة ضد السقوط تعتمد على خلط في الاستخدامات. فإذا كان بالقول إن الإنسان قد ارتفع من الوحشية أنت تعني ببساطة أن الإنسان ينحدر جسدياً من الحيوانات، فليس عندي أي اعتراض على ذلك.

لكن هذا لا يتبعه أننا كلما عدنا إلى الوراء كلما وجدنا الإنسان أكثر وحشية، بمعنى أكثر شراً أو بؤساً. لا يوجد لدى أي حيوان فضيلة أخلاقية؛ لكنه ليس صحيحاً أن كل السلوك الحيواني هو من النوع الذي يمكن للمرء أن يطلق عليه “شرير” لو أن البشر مارسوه. على العكس من ذلك، ليست كل الحيوانات تعامل المخلوقات من نفس سلالتها بمثل الشر الذي يعامل به البشر بعضهم البعض.

ليس كل الحيوانات في مثل الشراهة أو الفسق الذي لدينا كبشر، كما أنه لا يوجد حيوان طموح. بالمثل، إذا قلت إن البشر الأوائل كانوا “همجين”، وأنت تعني بذلك أن مصنوعاتهم اليدوية كانت قليلة وغير متقنة مثل مصنوعات “الهمجيين” المحدثين، فقد تكون على حق، لكنك إذا كنت تعني أنهم “همجيون” بمعنى أنهم بذيؤون وشرسون وقساة وخائنون، ستكون قد ذهبت إلى ما هو أبعد من برهانك، وهذا لسببين.

السبب الأول، أن علماء الأنثروبولوجيا المحدثين والمرسلين هم أقل ميلاً من آبائهم للمصادفة على صورتك السلبية غير المرغوب فيها حتى عن الهمجي الحديث. السبب الثاني هو أنك لا تستطيع أن تجادل من خلال المصنوعات اليدوية للبشر الأوائل بأنهم كانوا في كل النواحي مثل الشعوب المعاصرة الذين يصنعون مصنوعات يدوية مماثلة، لا بد أن نأخذ حذرنا هنا ضد الوهم الذي يبدو أن دراسة إنسان ما قبل التاريخ تنتجه على نحو طبيعي.

إنسان ما قبل التاريخ، حيث أنه كان قبل التاريخ، هو معروف لنا فقط بواسطة الأشياء المادية التي صنعها – أو بالأكثر بواسطة اختيار تصادفي من بين أشياء أكثر دواماً قام بصنعها. ليس خطأ علماء الآثار أنه ليس لديهم دلائل أفضل من ذلك؛ لكن هذه الندرة في الدلائل تشكل غواية مستمرة لاستنتاج أكثر مما لدينا أي حق في استنتاجه، بحيث نفترض أن المجتمع الذي صنع المصنوعات اليدوية المتفوقة كان متفوقاً من كل النواحي.

كل إنسان يستطيع أن يرى أن هذه الافتراض باطل؛ إذ أن من شأنه أن يقود إلى النتيجة القائلة بأن الطبقات المرفهة في زمننا الحالي كانت من كل النواحي متفوقة على تلك التي كانت في العصر الفيكتوري Victorian Age. من الواضح أن البشر ما قبل التاريخ الذين صنعوا أسوأ أواني فخارية ربما كانوا قد نظموا أفضل الأشعار ولكننا لن نعرف ذلك أبداً.

بل أن هذا الافتراض يصبح حتى أكثر سخفاً عندما نقارن البشر ما قبل التاريخ بالهمجيين المحدثين. فإن التماثل في خامية وبدائية المصنوعات اليدوية هنا لا يخبرنا شيئاً عن ذكاء أو فضيلة واستقامة صانعيها. فما نتعلمه بواسطة التجربة والخطأ لا بد أن يبدأ بصورة بسيطة خامية، مهما كان شخصية المبتدئ. كما أن نفس الإناء الفخاري الذي يمكن أن يثبت أن صانعه كان عبقرياً، لو كان هو أول إناء تم صنعه في العالم، سيثبت أن صانعه غبي لو أن هذا الإناء جاء بعد آلاف السنين من صناعة الأواني الفخارية.

لذلك يستند التقدير الحديث كله للإنسان البدائي على وثنية تلك المصنوعات اليدوية التي هي خطية جماعية عظيمة لحضارتنا الخاصة. فقد نسينا أن أجدادنا ما قبل التاريخ هم الذين قاموا بأكثر الاكتشافات المفيدة التي تم صنعها على الإطلاق، فيما عدا الكلوروفورم. فنحن ندين لهم باللغة، ونظام الأسرة، والملابس، واستخدام النار، واستئناس الحيوانات، والعجلات، والسفن، والشعر، والزراعة.

العلم إذاً، ليس له ما يقوله إما لصالح أو ضد عقيدة السقوط. إلا أنه تمت إثارة صعوبة فلسفية أكثر بواسطة اللاهوتي الحديث الذي يدين له بالكثير كل الطلبة في هذا الموضوع. يشير هذا الكاتب إلى أن فكرة الخطية تفترض مسبقاً وجود قانون يتم الخطأ ضده وتعديه؛ وحيث أنه يمكن أن يستغرق الأمر قروناً من “غريزة القطيع” لكي تتبلور في عُرف. وللعرُف أن يُصبّ في صورة قانون، فإن الإنسان الأول – إذا كان هناك على الإطلاق مخلوق يمكن أن نصفه هكذا – لم يكن يمكنه ارتكاب الخطية الأولى.

يفترض هذا الجدل أن الفضيلة وغريزة القطيع قد تزامنا بطريقة مشتركة، وأن “الخطية الأولى” كانت في الأساس خطية “اجتماعية”. لكن العقيدة التقليدية تشير إلى خطية ضد الله، إلى فعل عصيان، وليس إلى خطية ضد أخ في الإنسانية. وبالتأكيد، إذا كنا سنعتنق عقيدة السقوط بمعنى حقيقي، لا بد أن نبحث في تلك الخطية الضخمة على مستوى أعمق وأكثر خلوداً، أكثر منه على مستوى الأخلاق الاجتماعية.

لقد تم وصف هذه الخطية بواسطة القديس أوغسطينوس Saint Augustine باعتبارها نتيجة الكبرياء، إنها النزعة التي يحاول فيه مخلوق ما أن يقف مستقلاً بنفسه، وأن يوجد لأجل نفسه (حيث هذا المخلوق هو كائن تابع في الأساس، إذ يكمن مبدأ وجوده ليس في ذاته بل في شخص آخر). مثل هذه الخطية لا تتطلب ظروفاً اجتماعية مركبة، ولا خبرة ممتدة، ولا تطور فكري عظيم.

فمنذ اللحظة التي يصبح فيها المخلوق مدركاً لله كإله ولنفسه كذات، فإن البديل المزعج بأن يختار الله أو الذات ليكون في المركز، يصبح متاحاً له. يتم ارتكاب هذه الخطية يومياً بواسطة الصغار والفلاحين الجهلاء كما يرتكبها بالمثل الأشخاص المثقفون؛ يرتكبها الانعزاليون ليس بأقل مما يرتكبها أولئك الذين يعيشون في المجتمع؛ إنه السقوط في حياة كل فرد، وفي كل يوم من حياة كل فرد، إنها الخطية الأساسية خلق كل خطايا معينة أخرى. الآن، في نفس هذه اللحظة نقوم أنا وأنت إما بارتكابها، أو نوشك على ارتكابها، أو نتوب عنها.

إننا نحاول، عندما نستيقظ من النوع، أن نضع اليوم الجديد عند قدمي الله؛ لكننا قبل أن ننتهي من الحلاقة، يصبح اليوم ملكنا ونشعر أن دور الله فيه مثل ضريبة لا بد لنا من أن ندفعها من “جيبنا الخاص”، اقتطاع من الوقت الذي، كما نشعر، يجب أن يكون “ملكاً لنا”. يبدأ الإنسان وظيفة جديدة ولديه شعور بالدعوة المهنية، وربما للأسبوع الأول يظل محتفظاً بورقة الاستقالة من الوظيفة كحد زمني أقصى له، متقبلاً السعادة والألم من يد الله، إذ يأتيان، باعتبارهما “مصادفات”.

لكن في الأسبوع الثاني يبدأ في “الاطلاع على الأمور”؛ وبحلول الأسبوع الثالث، يكون قد استخرج من الوظيفة الكلية خطته الخاص لدوره هو الشخصي في تلك الوظيفة، وعندما يتمكن من الوصول إلى ذلك يشعر أنه لا يحصل على أكثر من حقوقه، وعندما لا يتمكن من ذلك، يشعر بأنه يتم اعتراض طريقه والتصادم معه.

والمحب، في رضوخ لدافع غير محسوب، والذي قد يكون مليئاً بالنيات الحسنة وأيضاً بالرغبة والاحتياج ألا يكون ناسياً لله، يحتضن حبيبته، وبعد ذلك، بمنتهى البراءة، يختبر إثارة للمتعة الجنسية؛ لكنه في الحضن التاي قد يضع تلك المتعة في الاعتبار، وقد تكون وسيلة لغاية، وربما تكون الخطوة الأولى المنحدرة نحو حالة اعتبار رفيقته الإنسانة “شيء” أو “أداة” يتم استغلالها لأجل متعته. عندئذ تزال زهرة البراءة، عنصر الطاعة والاستعداد لتحمل المسؤولية. من كل نشاط نقوم به.

فالأفكار التي يتم القيام بها لأجل الله – مثل تلك التي نحن منغمسون فيها في تلك اللحظة – تستمر كما لو كانت غاية في حد ذاتها. وبعد ذلك كما لو أن متعتنا في التفكير هي الغاية، وأخيراً كما لو أن كبرياءنا أو شهرتنا هي الغاية. وهكذا طوال اليوم، وكل أيام حياتنا، ننحدر، وننزلق، ونسقط، كما لو أن الله، بالنسبة لوعينا الحالي، هو مجرد طائرة تميل على نحو سلس لا يوجد على متنها راحة.

بالحقيقة نحن لدينا لآن تلك الطبيعة التي لابد لها أن تنزلق، والخطية، حيث أنه لا يمكن تجنبها، قد نعتبرها عرضية ويمكن اغتفارها. لكن لا يمكن أن يكون الله قد صنعها هكذا. إن الانجذاب بعيداً عن الله، “الارتحال نحو الوطن نحو الذات المعتادة”، كما نعتقد، لا بد أن تكون نتيجة للسقوط. إننا لا نعرف تماماً ماذا حدث للإنسان عندما سقط؛ لكن إذا كان من المشروع أن نخمن، فإني أقدم الصورة التالية، “أسطورة” بالمعنى السقراطي Socratic قصة ليس بعيدة الاحتمال.

على مدى قرون طويلة أتقن الله صورة الطبيعة الجسدية (الحيوانية) التي كانت ستصبح مركبة الانتقال إلى البشرية وصورة الله نفسه، فأعطاه يدين كان يمكن لإبهاميهما أن ينطبقا على كل الأصابع الأخرى، وفكين وأسنان وحلق قادرين على الكلام، وعقل مقعد ومركب بما يكفي لتنفيذ كل التحركات المادية ووفقاً لذلك تتجسد الفكرة المعقولة.

ربما كان هذا المخلوق موجوداً على مدى عصور بهذه الحالة قبل أن يصبح إنساناً؛ بل ربما كان ماهراً بما يكفي بحيث يصنع أشياء يقبلها علماء الآثار المحدثين كدليل على إنسانيته. ولكنه كان فقط مجرد طبيعة جسدية (حيوان) لأن كل عملياته الجسدية والنفسية كانت موجهة بطريقة خالصة نحو غايات مادية وطبيعية.

ثم، في ملء الزمان، جعل الله أن ينزل على هذا الكائن الحي، على كل من نفسيته Psychology ووظائف أعضائه Physiology، نوعاً جديداً من الوعي الذي استطاع أن يقول “أنا” و “لي”، والذي استطاع أن ينظر إلى نفسه “كذات”، والذي عرف الله، واستطاع أن يصدر أحكاماً تختص بالحق، والجمال، والخير، والذي كان حتى ذلك الوقت فوق الزمن حتى أنه استطاع أن يدرك أن الوقت يمضي بسرعة.

هذا الوعي الجديد حكم وأنار هذا الكائن الحي بأكمله، غامراً كل جزء فيه بالنور، ولم يكن، مثل وعينا، محدوداً بمجموعة مختارة من التحركات التي تذهب في جزء واحد من الكائن الحي؛ أي العقل. كان الإنسان عندها في ملء الوعي. يزعم أتباع اليوجا Yogi الحديثة – سواء عن كذب أو عن حق – أنهم يتحكمون في تلك الوظائف التي هي بالنسبة لنا في الأغلب جزء من العالم الخارجي، مثل الهضم والدورة الدموية. لكن تلك القوة كانت لدي الإنسان الأول بطريقة بارزة. وقد أطاعت عملياته العضوية قانون إرادته الشخصية، وليس قانون الطبيعة.

أرسلت أجهزة جسمه الشهوات إلى كرسيي حكم إرادته، ليس لأنه كان يجب عليها ذلك، بل لأنه هو اختار ذلك. كان النوم يعني له ليس السبات الذي نجتاز فيه، بل راحة مرغوبة وواعية – فظل متيقظاً لكي يستمتع بلذة وفريضة النوم. وحيث أن عمليات الاضمحلال والإصلاح في أنسجته كانت بالمثل واعية ومطيعة، ربما ليس من الخيال أن نفترض أن طول فترة حياته كان إلى حد كبير بناء على تقديره الخاص.

وحيث أنه كان متحكماً في ذاته، فإنه كان متحكماً في كل الحيوات الأدنى منه التي كان يتعامل معها. بل أننا نحن حتى الآن نلتقي بأفراد نادرين لديهم قدرة غامضة على ترويض الوحوش. هذه القدرة تمتع بها إنسان الجنة بتفوق. لذلك فالصورة القديمة للحيوانات وهم يلعبون أمام آدم ويتملقونه قد لا تكون رمزية بالكامل.

فحتى الآن هناك حيوانات أكثر مما يمكنك أن تتوقع مستعدة أن تعشق الإنسان لو أنه أتيحت لها الفرصة المناسبة؛ لأن الإنسان قد صُنع لكي يكون الكاهن، بل وبإحدى المعاني، المسيح، بالنسبة للحيوانات، أي الوسيط الذي من خلاله يفهمون الكثير جداً من البهاء والروعة الإلهية بقدر ما تسمح لهم بذلك طبيعتهم غير العاقلة. ولم يكن الله بالنسبة لذلك الإنسان طائرة منزلقة مائلة.

فقد صُنع له الوعي الجديد لكي يطمئن ويستريح في خالقه، وقد استراح فيه بالفعل. مهما تنوعت وأثريت خبرة الإنسان برفاقه (أو رفيقه) من البشر. بالإحسان والمحبة والصداقة والحب الجنسي، أو بالوحوش، أو بالعالم المحيط به الذي أدرك عندها لأول مرة أنه جميل ورهيب، كان الله يأتي أولاً في محبته وفي فكره، وقد حدث هذا دون جهد مؤلم.

بحركة دائرية متقنة، نزلت الكينونة، والقوة والفرح من الله إلى الإنسان في صورة عطية وهدية وعادت من الإنسان إلى الله في صورة محبة طائعة وعبادة منتشية؛ وبهذا المعنى، لكن ليس بكل المعاني، كان الإنسان عندها بالحقيقة ابن الله، نموذجاً للمسيح، يمثل بصورة متقنة كاملة وبفرح ويُسر كل الملكات وكل الحواس التي تخضعها الذات البنوية التي مثلها ربنا في آلام الصليب.

لكن، حيث تم الحكم عليه عن طريق مصنوعاته اليدوية، أو ربما حتى عن طريق لغته، كان هذا المخلوق المبارك السعيد، بلا شك، همجياً. فكل ما يمكن للخبرة وللممارسة أن تعلمه كان عليه أن يتعلمه؛ لو كان يكسر الأحجار، فهو بلا شك كان يكسرها بطريقة خرقاء بما يكفي. وربما كان غير قادر على الإطلاق على التعبير في شكل مفاهيمي عن خبرته في الجنة. لكن كل ذلك غير ذي صلة بالموضوع على الإطلاق.

فمن خلال طفولتنا نحن أنفسنا نتذكر أنه قبل أن يعتقد الكبار المسؤولون عنا أننا قادرون على “فهم” أي شيء، كانت لدينا بالفعل خبرات روحية في مثل نقاء وأهمية أية خبرات أخرى اختبرناها منذ ذلك الحين، رغم أنها ليست بالطبع في مثل ثرائها في السياق الواقعي. من المسيحية نفسها نعرف أن هناك مستوى – على المدى الطويل هو المستوى الوحيد من الأهمية – الذي لا يكون فيه لدى المتعلمين والبالغين أية أفضلية على الإطلاق على البسطاء والأطفال.

إنني لا أشك أنه لو استطاع إنسان الجنة الآن أن يظهر بيننا، فإننا سوف ننظر إليه باعتباره همجياً تماماً، مخلوق يجب استغلاله، أو في أفضل الحالات، حمايته. فقط واحد أو اثنان، وأولئك الذين هم أكثرنا قداسة، سينظرون مرة أخرى إلى ذلك المخلوق العاري، أشعث اللحية، بطيء الكلام؛ ولكنهم، بعد دقائق، سوف يسقطون عند قدميه.

إننا لا نعرف كم خلق الله من هذه الكائنات، ولا كم من الزمن قضوا في حالة الجنة هذه. ولكنهم في النهاية سقطوا. شخص ما أو شيء ما همس في آذانهم أنهم يستطيعون أن يصيروا مثل آلهة – أنهم يستطيعون أن يتوقفوا عن توجيه حياتهم نحو خالقهم وأن يعتبروا كل متعهم ومسراتهم كمراحم غير مرتبطة بعهد، باعتبارها “مصادفات عرضية” (بالمعنى المنطقي) التي تنشأ في مسار حياة موجهة ليست إلى تلك المسرات بل إلى حب الله وعبادته.

وكما يريد شاب بدلاً مالياً منتظماً من أبيه يستطيع أن يعتمد عليه باعتباره ملكاً له، والذي في إطاره يقوم بخططه الخاصة (وهذا عن حق، إذ أن أباه على أية حال هو مخلوق مثله) هكذا قررت هذه الكائنات أن تكون مستقلة بنفسها، وأن تخطط للمتعة وللأمان، وأن يكون لها حياتها الخاصة التي منها، دون شك، كانت ستدفع نوعاً من الضريبة المعقولة لله من ناحية الوقت، والاهتمام، والمحبة، غير أن حياتها ستكون في النهاية ملكاً لها وليست ملكاً لله.

لقد أرادت، كما نقول، أن “تنادي بنفوسها ملكاً لها”. لكن هذا كان يعني أن تعيش كذبة، لأن نفوسنا، في الحقيقة، ليست ملكاً لنا. لقد أرادوا ما يشبه ركناً خاصاً لهم في الكون يمكنهم فيه أن يقولوا لله، “هذا شأننا، وليس شأنك”. لكن لا يوجد مثل هذا الركن. لقد أرادوا أن يكونوا “أسماء” Nouns (أو كيانات مستقلة)، ولكنهم كانوا، ولابد أن يكونوا إلى الأبد، مجرد “صفات” Adjectives (أي تابعين).

ليست لدينا أية فكرة في أي فعل محدد، أو سلسلة من الأفعال، وَجدت تلك الرغبة المستحيلة المناقضة للذات، تعبيراً عن نفسها. لأن كل ما يمكنني أن أراه، ربما كان يخص الأكل الحرفي من الثمرة، لكن هذه المسألة، على أية حال، ليس لها أي تأثير.

هذا الفعل للإرادة الذاتية من ناحية المخلوق، الذي يمثل تزييفاً تاماً لوضعه الحقيقي كمخلوق، هو الخطية الوحيدة التي يمكن فهمها باعتبارها هي السقوط. هذا لأن الصعوبة المتعلقة بالخطية الأولى هي أنها لا بد أن تكون شديدة الشناعة، وإلا لما كانت نتائجها بمثل هذه البشاعة، ومع ذلك لا بد أنها كانت شيئاً يمكن أن نتصور أن يقوم بارتكابه كائن متحرر من تجارب الإنسان الساقط.

وهكذا فإن التحول من الله إلى الذات يحقق كلا الشرطين. فهي خطية ممكنة حتى لأنسان الجنة، لأن مجرد وجود ذات – مجرد حقيقة أننا نطلق عليها “أنا” – تشمل من البداية. خطر عبادة صنم الذات. فحيث أني موجود، لا بد أن أتخذ فعل إخضاع الذات، مهما كان صغيراً أو سهلاً، في أن أحيا لله بدلاً من ذاتي. هذه هي، إن كنت تحب أن تقول، “نقطة الضعف” في طبيعة الخليقة نفسها، المخاطرة التي من الواضح أن الله كان يعتقد أنها تستحق أن تؤخذ.

لكن الخطية كانت شديدة البشاعة، لأن الذات التي كان على إنسان الجنة أن يُخضعها لم تكن تحوي تمرداً طبيعياً على إخضاعها. فقد كانت “بياناته” كما يمكن أن نقول، هي أنه كائن حي نفسي، بدني يخضع بالكامل للإرادة. ولإرادة ممنهجة تماماً، رغم أنها ليست مجبرة، على اللجوء إلى الله.

فإخضاع الذات الذي مارسه قبل السقوط لم يكن يتضمن صراعاً بل فقط يتضمن تغلباً لذيذاً على تمسك متناهي الصغر بالذات والذي كان يفرح بأنه يتم إخضاعه، والذي نرى تشبيهاً باهتاً له في الإخضاع المفرح المتبادل للذات بين المحبين حتى الآن.

لذلك لم يكن يمثل له تجربة أو “غواية” (بالمعنى الذي نعرفه) أن يختار الذات، كما لم تكن لديه رغبة أو هوى يميل بعناد إلى ذلك الطريق – لا شيء سوى الحقيقة المجردة بأن تلك الذات هي ذاته.

حتى تلك اللحظة كان الروح الإنسانية في تحكم كامل في الكائن الإنساني. وكانت تتوقع بلا شك أنها سوف تحتفظ بهذا التحكم عندما توقفت عن طاعة الله. لكن سلطتها على الكيان الإنساني كان سلطة مفوضة، لذلك فقدت تلك السلطة عندما توقفت عن أن تكون نائبة ممثلة لله. وحيث أنها فصلت نفسها، قدر استطاعتها، عن مصدر كينونتها، فإنها قد فصلت نفسها عن مصدر السلطة.

لأننا عندما نقول عن الأشياء المخلوقة أن “أ” يحكم “ب” فلا بد أن هذا يعني أن الله يحكم “ب” من خلال “أ”. إنني أشك ما إذا كان من الممكن جوهرياً لله أن يستمر في حكم الكائن البشري من خلال الروح البشرية عندما كانت الروح البشرية في تمرد ضده. على أية حال هو لم يفعل ذلك. فقد بدأ الله يحكم الكائن الإنساني بطريقة خارجية أكثر، ليس بواسطة قوانين الروح، بل بواسطة قوانين الطبيعة.

وهكذا فإن الأعضاء، إذ لم تعد محكومة بواسطة إرادة الإنسان، سقطت تحت سيطرة القوانين البيوكيميائية العادية وتألمت من كل التطبيقات المشتركة التي يمكن أن تحدثها تلك القوانين في طريق الألم، والشيخوخة، والموت.

وبدأت الرغبات في الظهور داخل عقل الإنسان، ليس كما اختار عقله، بل فقط كما سببتها الحقائق البيوكيمائية والبيئية. العقل نفسه وقع تحت سطوة القوانين النفسية الجمعية وما أشبه والتي صنعها الله لكي تحكم نفسية شبيه الإنسان الأعلى Anthropoids. تلك الإرادة، إذ وقعت في الموجة العامة من الطبيعة الخالصة، لم يعد لديها مورد آخر إلا أن تجبر بعضاً من الأفكار والرغبات الجديدة على العودة مرة أخرى بواسطة عنصر القوة الرئيسي، وهذه الأفكار المتمردة غير المستقرة أصبحت هي العقل الباطن كما نطلق عليه الآن.

إنني أعتقد أن هذه العملية لا يمكن مقارنتها بمجرد التدهور الذي قد يحدث الآن في الفرد البشري؛ بل أنها كانت فقداً لمكانة الجنس البشري نفسه Species. فما فقده الإنسان بالسقوط كان طبيعته المحددة الأصلية.

“لأنك تراب وإلى تراب تعود”. هذا الكائن الحي بأكمله الذي كان ممتلكاً ومستغرقاً داخل حياته الروحية سُمح له بالتراجع إلى مجرد الحالة الطبيعية التي نشأ منها، عند خلقه، في البداية المبكرة لقصة الخليقة – تماماً كما أنشأ الله الحياة النباتية لكي تصبح بيئة للطبيعة الحيوانية، والعملية الكيميائية لكي تكون وسطاً للحياة النباتية، والعملية المادية ليك تكون وسطاً للكيميائية.

هكذا الروح البشرية من كونها سيدة الطبيعة البشرية أصبحت مجرد نزيل في بيتها الخاص، بل حتى سجيناً؛ وأصبح الوعي العقلاني كما هو عليه الآن – بقعة ضوء متقطع تستقر على جزء صغير من الإشارات الدماغية. لكن هذه المحدودية لقوى الروح كانت شراً أقل من فساد الروح نفسها. فقد تراجعت الروح عن الله وأصبحت صنماً لنفسها، بحيث أنه رغم أنها كانت لا تزال تستطيع أن تعود إلى الله مرة أخرى، كان في استطاعتها أن تفعل ذلك فقط بواسطة جهد مؤلم، وكان ميلها تجاه الذات.

من هنا أصبح الكبرياء والطموح، والرغبة في أن تكون جميلة في عيني نفسها، وأن تحبط وتهين كل منافسيها، أصبح الحسد، والبحث المحموم عن المزيد، وأكثر من ذلك بكثير، الرغبة في حماية نفسها، هي الآن الاتجاهات التي تأتي إلى الروح بصورة أسهل. فهي لم تصبح فقط مَلِكاً ضعيفاً على طبيعتها الخاصة، بل مَلِكاً سيئاً؛ إذ أرسلت إلى أسفل الكائن البدني – النفسي رغبات أسوء كثيراً من تلك التي أرسلها إليها إلى أعلى ذلك الكائن الحي.

تم نقل هذه الحالة بواسطة الوراثة إلى كل الأجيال التالية، لأنها لم تكن ببساطة ما يطلق عليه علماء البيولوجيا تغير مكتسب Acquired Variation؛ بل كانت ظهوراً لنوع جديد من الإنسان – جنس بشري جديد، لم يخلقه الله، جاء إلى الوجود نتيجة الخطية. هذا التغير الذي اجتاز فيه الإنسان لم يكن مشابهاً لتطور عضو جديد أو عادلة جديدة؛ بل كان تغيراً جذرياً في بنية جسمه، اضطراباً في العلاقة بين أجزاء مكوناته، وفساد وانحراف داخلي لواحد منها.

ربما كان يمكن لله أن يوقف هذه العملية بمعجزة؛ لكن هذا – لكي نتحدث بتشبيه فظ إلى حد ما – كان من شأنه أن يقلل المشكلة التي وضعها الله نفسه عندما خلق العالم، مشكلة التعبير عن صلاحه من خلال دراما شاملة لعالم يحوي نواباً أحراراً له، على الرغم من وبواسطة تمردهم عليه. الرمز في الدراما، أو المقطوعة الموسيقية، أو الرقصة، مفيد هنا لتصحيح عبثية معينة قد تنشأ إذا كنا نتحدث أكثر من اللازم عن أن الله يخطط ويخلق العملية العالمية لأجل الخير، وأن هذا الخير قد تم إحباطه بواسطة الإرادة الحرة للمخلوقات.

قد يثير هذا الفكرة السخيفة بأن السقوط قد فاجأ الله وأفسد خطته، أو – الأكثر سخفاً – أن الله قد خطط الأمر كله لأجل ظروف كان يعرف جيداً أنه لن يتم تحقيقها أبداً. لكن الحقيقة، بالطبع، هي أن الله رأى الصلب Crucifixion في فعل خلق أول سديم. فالعالم عبارة عن رقصة يتم فيها إفساد الخير، الذي ينزل من عند الله، بواسطة الشر الذي ينشأ من المخلوقات، والصراع الناتج عن ذلك يتم حسمه بواسطة افتراض الله نفسه للطبيعة المتألمة التي ينتجها الشر.

تؤكد عقيدة السقوط الحر على أن الشر الذي يمثل الوقود أو المادة الخام للنوع الثاني والأكثر تعقيداً للخير ليس هو إسهام الله بل إسهام الإنسان. لكن هذا لا يعني أنه لو كان الإنسان قد ظل في حالة البراءة لم يكن الله سيتمكن من تأليف سيمفونية رائعة متكاملة بالمثل – بافتراض أننا نصر على طرح مثل هذه الأسئلة.

لكن لا بد أن نتذكر دائماً أننا عندما نتكلم عم كان يمكن أن يحدث، عن احتمالات خارج الواقع كلية، فإننا لا نعرف في الحقيقة ما نتحدث عنه. إذ أنه لا توجد أزمنة أو أماكن خارج الكون الموجود، الذي فيه “أمكن أن يحدث” أو “كان يمكن أن يحدث” كل هذا. أعتقد أن أهم طريقة يمكن نوضح بها الحرية الحقيقية للإنسان هي أن نقول إنه إذا كانت هناك أنواع كائنات عاقلة أخرى غير الإنسان، موجودة في جزء ما آخر من الكون الفعلي، إذاً فليس من الضروري أن نفترض أنها هي أيضاً قد سقطت.

يتم تفسير حالتنا الحاضرة إذاً، بحقيقة أننا أعضاء في جنس بشري فاسد. إنني لا أقصد أن آلامنا هي عقاب على كوننا ما لا يسعنا أن نكون غيره الآن. ولا أننا مسؤولون أخلاقياً على عصيان سلف بعيد. فإذا كنت، رغم ذلك، أدعو حالتنا الحاضرة هي حالة الخطية الأصلية، وليست فقط مجرد حالة بَلِيّة أصلية، فهذا لأن خبرتنا الدينية الفعلية لا تسمح لنا بأن ننظر إليها بأية طريقة أخرى.

نظرياً، أعتقد أننا يمكن أن نقول، “نعم؛ إننا نتصرف مثل الحشرات الطفيلية، لكن هذا بسبب أننا حشرات طفيلية، أبعد كثيراً عن الشعور بأنها مبرر، هي خزي وألم أعظم بالنسبة لنا من أي من الأفعال المعينة التي تقودنا لارتكابها. وهكذا فالموقف على نحو وثيق ليس من الصعب جداً فهمه كما يبرهن على ذلك بعض الناس. ينشأ هذا الموقف بين البشر كلما يتم تقديم صبي سيء التربية جداً إلى عائلة كريمة.

فإنهم يقومون عن حق بتذكير أنفسهم أنه “ليس خطأه الشخصي” أنه مشاكس وجبان وناشر للفضائح والإشاعات وكاذب. لكن مع ذلك، شخصيته الحالية مكروهة ومنفرة. إنهم لا يكرهونها فقط، بل يجب عليهم أن يكرهوها. إنهم لا يستطيعون أن يحبوه بسبب ما هو عليه، ولكن يمكنهم فقط أن يحاولوا تغييره إلى ما ليس هو عليه.

في الوقت الحالي، رغم أن الصبي سيء الحظ للغاية لكونه قد نشأ بتلك الطريقة، لا تستطيع تماماً أن تطلق عله شخصيته أنها “سيئة الحظ” أو تعيسة كما لو أنه هو شيء وشخصيته شيء آخر. ولكنه هو، هو نفسه الذي يتشاجر ويُرهب ويسرق ويحب القيام بذلك. وإذا بدأ في التغير والإصلاح فإنه حتماً سيشعر بالخزي والذنب بسبب ما يبدأ في التوقف عن أن يكونه.

بهذا أكون قد قلت كل ما يمكن قوله على المستوى الذي أشعر أنه يمكنني فقط التعامل به مع موضوع السقوط. ولكني أحذر قرائي مرة أخرى، أن هذا المستوى هو مستوى ضحل. فنحن لم نقل شيئاً عن شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشر اللذين بلا شك يخفيان سراً عظيماً؛ ولم نقل شيئاً عن عبارة بولس أن “كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع”.

لكن هذا المقطع هو الذي يكمن خلق عقيدة الآباء عن وجودنا المادي في صلب آدم وعقيدة أنسيلم Anselm عن اشتراكنا، بواسطة صورة تخيلية مشروعة، في آلام المسيح. ربما تكون هذه النظريات قد عملت حسناً في زمنها ولكنها لا تفيدني بأي شيء جيد، ولن أقوم باختراع غيرها.

فقط أخبرنا العلماء مؤخراً انه ليس لنا أي حق في أن نتوقع أن يكون الكون الفعلي قابلاً للتصوير Picturable، وأننا إذا صنعنا صوراً فكرية لتوضيح فيزياء الكم فإننا نتحرك أبعد بعيداً عن الواقع، وليس أقرب إليه، بل من الواضح أنه لدينا حتى حق أقل في أن نطالب بأن تكون أسمى الحقائق الروحية قابلة للتصوير، أو حتى قابلة للتفسير في مجال فكرنا المجرد.

إنني ألاحظ أن صعوبة صيغة بولس تثار بواسطة حرف الجر “في” In، وأن هذا الحرف، يستخدم في العهد الجديد مرات ومرات، بمعاني لا نستطيع فهمها بالكامل. أن نستطيع أن نموت “في” آدم ونحيا “في” المسيح، يبدو لي أنه يعني ضمنياً أن الإنسان، كما هو في الحقيقة، يختلف بقدر كبير عن الإنسان كما تمثله تصنيفات تفكيرنا وكما تمثله تخيلاتنا ثلاثية الأبعاد؛ وأن الانفصال – المعدل فقط بواسطة علاقات سببية – الذي نميزه بين الأفراد، متوازن، في الواقع المطلق، بواسطة نوع من “الضخ المشترك للحياة” Inter-inanimation الذي ليس لدينا فهم له على الإطلاق.

ربما أن أفعال وآلام النماذج الأصلية لشخصيات الكتاب المقدس العظيمة مثل آدم والمسيح هي أفعالنا وآلامنا، ليس على سبيل الخيال المشروع، أو الاستعارة، أو السببية، كلن بطريقة أعمق بكثير. لا يوجد شك بالطبع في أن هناك أفراد يذوبون في نوع من التواصل الروحي مثلما تؤمن الأنظمة الوجودية Pantheistic Systems (هذه الفلسفة تؤمن بأن الخليقة هي من مادة واحدة مع الله الخالق – المحرر)؛ التي تم استبعادها بواسطة المضمون الكامل لإيماننا.

لكن قد يكون هناك توترات بين مبدأ الفردية ومبدأ ما آخر. فنحن نؤمن أن الروح القدس يستطيع أن يكون موجوداً بالفعل وعاملاً في الروح البشرية، ولكننا، على عكس الوجودية، لا نفهم هذا باعتبار أننا “أجزاء” Parts أو “تحولات” Modifications أو “ظهورات” Appearances لله. ربما يكون علينا أن نفترض، على المدى الطويل، أن شيئاً من نفس هذا النوع صحيح، بدرجته الملائمة، حتى بالنسبة للأرواح المخلوقة، وأن كلاً منها، رغم أنها مميزة، موجودة حقاً في الجميع، أو في بعض منهم، في أرواح أخرى – تماماً كما قد يكون علينا أن نعترف “بالتأثير عن بعد” Action at A Distance في مفهومنا للمادة.

لا بد أن الجميع يلاحظون كيف يبدو أن العهد القديم في بعض الأحيان يتجاهل إدراكنا للفرد. عندما وعد الله يعقوب “أنا أنزل معك إلى مصر وأنا أصعدك أيضاً”، فإن هذا قد تحقق إما بدفن جسد يعقوب في فلسطين أو بخروج نسل يعقوب من مصر. من الصحيح تماماً أن نربط هذه الفكرة بالنظام الاجتماعي للمجتمعات المبكرة التي كان يتم فيها باستمرار التغاضي عن الفرد لصالح القبيلة أو العائلة؛ لكننا يجب أن نعبر عن هذه الرابطة بواسطة افتراضين ذوي أهمية متساوية.

الأول، هو أن خبرة القدماء الاجتماعية قد أعمتهم عن بعض الحقائق التي نفهمها، والثاني، هي أنها جعلتهم حساسين لبعض الحقائق التي نعمى نحن عنها. فالخيال المشروع، وتبني، ونقل أو عزو الاستحقاق والذنب. ما كان يمكن أبداً أن يلعبوا الدور الذي لعبوه في اللاهوت لو كان يتم الشعور دائماً بأنهم مصطنعون للغاية كما نشعر أنهم كذلك الآن.

لقد اعتقدت أنه من الصواب أن أعترف بهذه النظرة الواحدة لما هو بالنسبة لي ستار لا يمكن اختراقه، لكنها كما قلت، لا تمثل جزء من جدلي الحالي. من الواضح أنه سيكون من العبث أن أحاول حل معضلة الألم بإنشاء معضلة أخرى. إلا أن فرضية هذا الفصل هي ببساطة أن الإنسان، كجنس بشري، قد أفسد نفسه، وأن الخير، بالنسبة لنا في حالتنا الحاضرة لا بد إذاً أن يعني أساساً خيراً علاجياً أو تصحيحياً. ما الدور الذي يلعبه الألم فعلياً في هذا العلاج أو التصحيح، هذا هو الأمر الذي يجب أن نفكر فيه الآن.

سقوط الإنسان – سي إس لويس

Exit mobile version