قائمة القديس ابيفانيوس وقانونية العهد الجديد (367 – 402م)

قائمة القديس ابيفانيوس وقانونية العهد الجديد (367 – 402م)

صورة أرشيفية

ابيفانيوس الأسقف (367 – 402م) [1]

قائمة القديس 

كان القديس أسقفاً لسلاميس بجزيرة قبرص في الفترة فيما بين 367 – 402م. وقد كتب كتابه ” ضد الهرطقات ” للرد على جميع الهرطقات التي ظهرت حتى عصره، بعنوان ” Panarion – أي الخزانة “، وأعطى لنا ملخصاً لأسفار الكتاب المقدس القانونية تضم أسفار العهد الجديد السبعة وعشرين سنة 385م.

ففي رده على الآريوسي آتيوس، يسرد إجمالي أسفار العهد القديم[2]، ويليها أسفار العهد الجديد قائلاً[3]: ” إذا كنت وُلدت من الروح القدس، وأُرشدت من الأنبياء والرسل، فيجب أن تبدأ من بداية تكوين العالم حتى وقت أستير في سبعة وعشرين كتابا من العهد القديم، والتي تُحصى أيضاً باثنين وعشرين. كذلك في الأربعة أناجيل المقدسة والرسائل الأربع عشرة للرسول القديس بولس. وفي الكتابات التي سبقتها، ومنها أعمال الرسل في أوقاتهم والرسائل الجامعة ليعقوب وبطرس ويوحنا، ويهوذا، ورؤيا يوحنا، وكتب الحكمة، أعنى التي لسليمان وابن سيراخ. بإيجاز، كل الكتب الإلهية “[4].

ويعلق بروس ميتزجر قائلاً: ” أن قول ابيفانيوس “ ومن الكتابات التي تأتي قبل هذه ” يرجع الى ترتيب اعمال الرسل ورسائل الجامعة قبل رسائل البولس “.

هوامش: 

[1] وُلد القديس أبيفانيوس في عائلة يهودية, في قرية اسمها بيزندوخ في فلسطين, وكان ذلك حوالي العام 308 أو ربما 315م. نشأ على دراسة الكتاب المقدس على يد معلِّمه, المدعو تريفون. أتقن لغات عديدة منها, اللاتينية والسريانية, والقبطية إضافةً إلى اليونانية والعبرية.

[2] Epiphanius, Panarion, 6 :8. والذي سرد فيه أسفار العهد القديم كاملة

من مؤلفات القديس الأخرى 
من أهم ما كتب قديس الله أبيفانيوس مؤلفه المعروف “الأنكوراتوس” أو “الإنسان ذو المرساة الثابتة”. هذا يحوي تعاليم الكنيسة عن الثالوث القدوس, وعن التجسد الإلهي. كذلك كتب كتاب “البناريون” أو “ضدّ الهرطقات” الذي ضحد فيه ثمانين هرطقة.
هذا وقد كتب ضد التفسير الرمزي للكتاب المقدّس لأن في الرمزية يكمن أساس الهرطقة.

قوائم أسفار العهد الجديد القانونية وآباء الكنيسة في القرن الرابع

[3] F.F. Bruce, The Canon of Scripture p. 213.

[4] Panarion, 5 :7.

قائمة القديس ابيفانيوس وقانونية العهد الجديد (367 – 402م)

قائمة أمفيلوكيوس الإيقونيمي – القمص عبد المسيح بسيط (373 -394م)

قائمة أمفيلوكيوس الإيقونيمي  – القمص عبد المسيح بسيط (373 -394م)

أمفيلوكيوس الإيقونيمي – قائمة أمفيلوكيوس الإيقونيمي (373 -394م)

أمفيلوكيوس الإيقونيمي – قائمة القديس أمفيلوكيوس الإيقونيمي (373 -394م) 

قائمة أمفيلوكيوس الإيقونيمي (373 -394م):

  وهي قائمة لأسفار الكتاب المقدس القانونية موجودة في قصيدة بعنوان (Iambics for Seleucus)، كتبها أمفيلوكيوس، يحث فيها سلوقس على الاهتمام بقراءة الكتاب المقدس أكثر من أي كتابة أخرى. وقد ولد أمفيلوكيوس في كبادوكيا وصار أسقفاً لمدينة إيقونية في ليكأونيا الفترة ما بين سنة 373 – 394م. وكان تعليمه عن قانون العهد الجديد كالآتي[1]:

” لقد حان الوقت الآن لكي أتكلم عن أسفار العهد الجديد: أستلم فقط أربعة أناجيل: متى ثم مرقس ونضيف إليها لوقا ثالثا ثم يوحنا رابعا ولكنه أولا في سمو التعليم هذا الذي أقول عنه أنه بالحقيقة ابن الرعد صارخا في عظمة بكلمة الإله. وأستلم أيضا الكتاب الثاني للوقا الذي هو الأعمال الجامعة للرسل. ثم يأتي الإناء المُنتقى، منادى الأمم، بولس الرسول كتب بحكمة للكنائس أربع عشرة رسالة: واحدة إلى رومية واليها نضيف اثنتين إلى كورونثوس وتلك التي لغلاطية وأخرى إلى أفسس، ثم تلك التي لفيليبى، ثم تلك المكتوبة إلى كولوسى، اثنتين إلى تسالونيكى واثنتين إلى تيموثاوس، واحدة إلى تيطس وأخرى إلى فليمون وواحدة إلى العبرانيين. لكن البعض يقول أن هذه غير قانونية، لا يقولون الصدق، لأنها بالنعمة أصيلة “.

“حسنا، ما الباقي من الرسائل الجامعة؟ البعض يقول نستلم فقط سبعة وآخرون يقولون نستلم فقط ثلاثة تلك التي ليعقوب، واحدة، وواحدة لبطرس وواحدة ليوحنا. والبعض أستلم ثلاثة ليوحنا بالإضافة إلى اثنتين لبطرس والسابعة ليهوذا. ثم رؤيا يوحنا، البعض يوافقون ولكن الأغلبية تقول أنها غير قانونية، وربما هذه هي القانونية الأكثر مصداقية للأسفار الإلهية المقدسة “[2].

ويُعلق بروس ميتزجر على هذه القائمة قائلا: ” في قائمة أسفار العهد الجديد، يُبلغ أمفيلوكيوس عن بعض أولى النزاعات حول رسالة العبرانيين، الرسائل الجامعة وسفر الرؤيا. في الحقيقة هو لم يُبلغ فقط عن شكوكه حول تلك الأسفار بل يبدو أنه يرفض رسالة بطرس الثانية، رسالتي يوحنا الثانية والثالثة، رسالة يهوذا والأكثر تحديدا أنه يرفض الرؤيا. إن الصفة الأكثر فضولا – وبهذا بدأت الشكوك حول أحقية بعض الكتب للانضمام للأسفار المقدسة – هي أن المؤلف يُنهى بعبارته المدهشة: وربما هذه هي القانونية الأكثر مصداقية (حرفيا، غير مزيف) للأسفار الإلهية المقدسة.

وجود كلمة قانون (kanwn)، تعنى شكل افتراضي للجملة ككل. بمعنى أخر، لدينا هنا أسقف من أسيا الصغرى، زميل للغوريغوريين كباسيليوس، ورغم ذلك يبدو غير متأكد من الطبيعة الدقيقة للقانون “[3].

قوائم أسفار العهد الجديد القانونية وآباء الكنيسة في القرن الرابع

 

هوامش: 

[1] http://www.ntcanon.org/Amphilochius.canon.shtml

[2] رسالته الى سيلوكوس 289 – 319.

[3] B. M. Metzger, P. 212 – 213

قائمة أمفيلوكيوس الإيقونيمي (373 -394م)

قانونية أسفار العهد الجديد – ماذا كانت الكنيسة الأولى تعتقد بشأن الانتحال أو التزييف؟

ماذا كانت الكنيسة الأولى تعتقد بشأن الانتحال أو التزييف؟ – قانونية أسفار العهد الجديد

ماذا كانت الكنيسة الأولى تعتقد بشأن الانتحال أو التزييف؟ – قانونية أسفار العهد الجديد

الحقيقة الجديرة بالملاحظة هي أنه على الرغم من أن جميع الأشكال الحديثة للمسيحية لا تشكك في النص الموجود في العهد الجديد، إلا أنه في القرون الأربعة الأولى كانت كل وثيقة، في وقت أو في آخر، يتم وصفها على أنها إما هرطقية أو مزيفة!

– تيموثي فريك وبيتر غاندي، “أسرار يسوع”

يبدو أن كثيرين من المسيحيين يعتقدون أن أي سفر في العهد الجديد ينتمي للكتاب المقدس فقط لأن كاتبه هو أحد الرسل. فعندما أخبر الرسول بولس كنيسة تسالونيكي أن الرسالة كانت منه، كان هذا كافياً لكي يحسم القضية في ذهنهم. وربما يدهش هؤلاء المسيحيين أن يعرفوا أن هناك عدداً كبيراً من الكتب القديمة الأخرى يزعم البعض أنها مكتوبة بواسطة الرسل أو إحدى الشخصيات المعروفة الأخرى من الذين كتبوا العهد الجديد.

فلماذا لا تكون هذه الكتب جزءاً من العهد الجديد طالما أنها تدّعي السلطة الرسولية؟ فعلى أية حال، إن كانت تدّعي السلطة الرسولية، فهي تنتمي للعهد الجديد، أليس كذلك؟ لكن هذا ليس بالضرورة. فهل يجب لكتب مثل إنجيل بطرس، وإنجيل توما، وإنجيل مريم، وأعمال يوحنا، وأعمال بولس، ورؤيا بطرس، أن تكون في العهد الجديد؟ وماذا عن رسالة برنابا، أو رسالة بولس إلى أهل لاوديكية؟ وهل تخلصت الكنيسة الأولى من كتب تنتمي للعهد الجديد واحتفظت ببعض منها مما لا ينتمي إليه؟ وهي قيدت الكنيسة الأولى الحرية في تحديد الأسفار القانونية؟

هناك العشرات من الكتب التي يزعم أنها كتبت بواسطة الرسل أو بعض القادة الروّاد الآخرين في العهد الجديد والتي لم يتم وضعها في العهد الجديد. فما هي المعاير التي استخدمتها الكنيسة الأولى في هذا الأمر؟ فإذا كانت السلطة الرسولية هي واحدة منها، ألم تفشل الكنيسة في هذا الأمر، حيث أنه كان هناك الكثير من الكتب الأخرى التي يزعم أن كتّابها كانوا من الرسل؟ وأكثر من ذلك، ألا توجد بعض من كتب العهد الجديد التي كتبها شخص آخر غير مؤلفها المزعوم؟

يناقش الفصلان التاليان كيف تعاملت الكنيسة الأولى مع قضية الانتحال والتزييف. لكن هذا الفصل سوف يركز على الوسيلة: ما المعايير التي استخدمتها الكنيسة الأولى لكي تكتشف التزييف؟ أما الفصل التالي فسوف يركز على المحتوى: ماذا تقول الكتب غير الموجودة في العهد الجديد؟ وهكذا سيركز هذا الفصل أيضاً على الكتب الموجودة في العهد الجديد، بينما سيركز الفصل التالي على الكتب غير الموجودة فيه.

وأخيراً، سنقوم في الفصل بفحص أربعة من أسفار العهد الجديد – واحد من الأناجيل، واثنين من الرسائل، وسفر رؤوي – والتي ستقدم لنا فهماً لعملية القانونية، بينما سنقوم في الفصل التالي بالتركيز بصفة خاصة على الأناجيل التي لم يحكم لها بالقانونية.

دافع السلطة الرسولية

ينص العهد الجديد بوضوح وبقوة على أن الرسل كانت لهم مكانة خاصة في تأسيس الكنيسة. وتذهب الرسالة إلى أفسس (2: 20) إلى مدى أبعد من ذلك لكي تعلن أن الكنيسة “قد بنيت على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية”.

وقد أدرك الخلفاء المباشرون للرسل أن السلطة التي منحها الرب للرسل كانت متفردة. فالآباء الرسل (وهم قادة الكنيسة في الأجيال التي تلت مباشرة عهد الرسل) قد أدركوا أن هناك فصلاً محدداً في السلطة ما بين الرسل وبينهم هم أنفسهم. فأغناطيوس، أسقف أنطاكية (110)، اعترف بأن الرسل كانوا ينتمون إلى حقبة محددة بوضوح والتي كملت وانتهت في ذلك الوقت. فيخبر إحدى الكنائس قائلاً: “لذلك اسعوا لكي تتأسسوا بقوة على وصايا وتعاليم الرب والرسل”[1].

فقد كان يرى أن الرسل قد علّموا كالمقياس الذي يجب أن تقاس عليه جميع التعاليم المسيحية الأخرى. وفي الطريق لإعدامه، كتب لكنيسة أخرى: “إني لا أعتبر نفسي مؤهلاً لذلك، إني أنا المذنب، بكون عليّ أن أعطيكم أوامر أو وصايا كما لو كانت أحد الرسل.”[2]. فقد كان الرسل شهود عيان على شخص وعمل يسوع المسيح، وبهذه الصفة، فمن الطبيعي أن تكون شهادتهم هي المقياس الذي تقاس عليه التعاليم الأخرى.

لقد كانت سلطة الرسل الخاصة بحق الإنجيل واضحة لأي شخص يعرف عن المسيحية في قرونها الأولى. وهذا يفسّر لماذا كانت هناك العشرات من الأناجيل والرسائل والرؤى المنحولة (التي كانت تكتب باسم شخص آخر)، فقد كانت هذه طريقة سهلة لادّعاء سلطة وثيقة ما، والتي بدونها لما كان لهذه الوثيقة أي سلطة، وهكذا، فالدافع يبدو واضحاَ.[3]

إن التمييز الواضح في فترة الآباء المبكرة بين سلطة الرسل وسلطة قادة الكنيسة المعاصرين في ذلك الوقت لابد وأنه قد خلق دافعاً قوياً لنسب التأليف الرسولي للكتابات المختلفة. ولو كانت هذه الخدعة قد نجحت لكانت تلك الكتب قد نالت المصداقية الفورية وطابع السلطة[4]. لكن السؤال الذي نتجه إليه الآن هو ما إذا كان نفس هذا الدافع موجوداً بالنسبة لكتب العهد الجديد، أم لا، بمعنى آخر، هل تم نسب بعض من الكتب باطلاً إلى الرسل؟

سوف ننظر الآن في أربعة حالات سوف تسهم في فهمنا لعملية صياغة القانونية، وهي: إنجيل مرقس، والرسالة إلى العبرانيين، وسفر الرؤيا، ورسالة بطرس الثانية.

المؤرخ روفينيوس وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط (400 م)

إنجيل مرقس

يحوي العهد الجديد أسفار متى ومرقس ولوقا ويوحنا كأناجيل، والتي نعرفها جميعاً بهذه الأسماء. لكن ما يدعو للدهشة هو أنه في الأصل كانوا جميعً أعمالاً مجهولة الكاتب[5]. إن الأسماء التي نعرفها الآن كانت مرتبطة بالكتابات في زمن مبكر للغاية وقد استخدمت بصورة ثابتة ومستمرة: فاثنان من الأناجيل كتبا بواسطة الرسولين (متى ويوحنا)، وواحد بواسطة أحد المعارف المقربين لبولس (لوقا)، وواحد بواسطة مرقس. وهذا الإنجيل الأخير هو موضع اهتمامنا هنا الآن.

أما عن أقدم شهادة خاصة بتأليف إنجيل مرقس، فقد قدمها بابياس، أسقف هيرابوليس حتى عام 130. ففي أغلب الظن أنه ولد في الستينات وقد تعلّم من الجيل الأول للمسيحيين عن أصول الإيمان، ولذلك يجب تقدير شهادته حول تأليف إنجيل مرقس وإعطائها أهمية كبيرة، فيقول:

وقد اعتاد الشيخ أن يقول هذا: “لقد أصبح مرقس مفسراً لكلام بطرس، وقام بكتابة كل شيء كان بطرس يتذكّر أن المسيح قاله أو عمله بدقة، رغم أنه ليس بالترتيب. وذلك لأن مرقس لم يسمع الرب ولا اتبعه، ولكنه بعد ذلك، كما قلت، اتبع بطرس الذي كان يطبّق تعاليم الرب بقدر الحاجة ولكن لم تكن لديه النية لتقديم رواية مرتّبة عن أقوال الرب. وبالتالي فلم يفعل مرقس خطأ في أنه دوّن بعض الأمور كما تذكّرها، حيث أنه قد جعل اهتمامه الأول ألا يحذف أي شيء قد سمعه وألا يدلي بأية بيانات كاذبة بشأنه”[6].

وهنا يسترشد بابياس بشاهد سابق، “الشيخ”، كمصدر له. وربما يكون الشيخ هو الرسول يوحنا أو على الأقل واحد من الجيل الأول للمسيحيين والذي يعتبر في موضع سلطة.

إن شهادة الكنسية القديمة قد بابياس تتفق في نقطتين بشأن إنجيل مرقس: الأولى أن مرقس هو الذي كتبه، والثانية هو أنه استقى معلوماته من بطرس. ولكن يثير سؤالاً خطيراً: لو كان المسيحييون الأوائل يريدون أن ينسبوا لكتبهم المقدسة التأليف الرسولي، فلماذا لم يقوموا بذلك في الإنجيل؟ فالشهادة القديمة دائماً ما تميّز بين مرقس كمؤلف وبين بطرس كمصدر للمعلومات.

وأكثر من ذلك، فإن إيريناوس، إذ كتب بعد بابياس بعدة حقب، يختلف مع بابياس في نقطة مفتاحية واحدة، فهو يعتقد أن مرقس كتب الإنجيل بعد وفاة بطرس. وهنا يمكننا أن نرى الدافع نحو التأليف الرسولي يقوم بعمله: فإيريناوس كان يريد أن يكون الإنجيل الأول مكتوباً بواسطة أحد الرسل (وفي هذه الحالة، متى)، ولذلك فقد اختلف مع بابياس حول زمن كتابة مرقس لإنجيله. لكن ترتيب إيريناوس للأحداث التاريخية مشكوك فيه[7].

لكن الأمر المهم بالنسبة لنا هو أن نرى أنه حتى إيريناوس – الذي كانت دوافعه في جعل متى في زمن يسبق مرقس موضع شك – لم يقل إن إنجيل مرقس قد كتب في الحقيقة بواسطة بطرس. فقد كان الكتّاب الآباء معروفون بعدم دقتهم من حيث خلطهم للترتيب التاريخي للأحداث، ولكن عندما كان الأمر يتعلق بالمؤلف، كان حظهم في الدقة أفضل. فالكتّاب الأوائل، حتى الذين قد وقعوا (بدرجة ما) في تجربة السلطان الرسولي، لم يستسلموا أبداً لهذه التجربة تماماً[8].

إن الطريقة التي تم بها التعامل مع إنجيل مرقس في الكنيسة القديمة يجب أن تكون مذكّراً صريحاً لنا بأن المسيحيين الأوائل أخذوا مسألة التأليف بجدية، خاصة عندما كان هناك كتاب معين مجهول المؤلف، فقد كان هذا يسمح لأي شخص ذي نفوذ بأن يملأ خانة المؤلف باسم رسوله المفضّل.

ولكن هذا لم يحث بالنسبة لإنجيل مرقس. بالتأكيد فإن الدافع للادعاء بأن إحدى الأناجيل قام بطرس بكتابتها كان قوياً بصورة خاصة، وكون الكنيسة قد امتنعت عن القيام بذلك، قائلة فقط أن مرقس قد حصل على إنجيله من بطرس، فهذا يظهر ضبط النفس الملحوظ. فالحقيقة هي أن هذا القول به كل خواص الصدق والأصالة.

فإذا كانت الكنيسة الأولى قد رفضت أن تدعو هذا الإنجيل “الإنجيل بحسب بطرس”، فهل كانت ستذعن عندما يتعلق الأمر بكتابات أقل أهمية؟ يقوم الكثيرون اليوم بالتشكيك في أصالة الرسالة إلى أهل أفسس، والرسالة الأولى والثانية لتيموثاوس، وتيطس، ورسالة بطرس الثانية. لكن واحداً فقط من هذه الكتابات تم التشكك فيه بواسطة الكنيسة القديمة، فربما كان لدى آباء الكنيسة فهم أكثر مما ينسبه إليهم العلم الحديث. أفلا يجب علينا أن نعطي هؤلاء المؤلفين القدامى ميزة الشك عندما لا يكون هناك اختلاف بشأن المؤلف؟

يمكننا أن نطبّق هذا السؤال أيضاً على إنجيل آخر. فكثير من العلماء ينكرون أن إنجيل متى قام متى بكتابته لأنهم يعتقدون أن آباء الكنيسة كانوا يريدون أن ينسبوا التأليف الرسولي للأناجيل. ومع ذلك فإن نفس هؤلاء الآباء لم يستسلموا لهذا الإغراء بالنسبة لإنجيل مرقس. بل وأكثر من ذلك، فإن متى، مثل مرقس، قد تلقى شهادة مجمع عليها في الكنيسة الأولى فيما يخص تأليفه، رغم أنه هو نفسه أيضاً كان عملاً مجهول الكاتب.

وأخيراً، إذا كان دافع نسب التأليف لأحد الرسل يمكن أن يتغلب على الضمير، فإن هذا لا يفسّر لماذا ينسب اسم متى دائماً للإنجيل الأول، فعلى أية حال، لم يكن متى واحداً من التلاميذ الرئيسين. فلماذا إذا نجد اسمه – واسمه هو فقط – يرتبط بالإنجيل الذي يقع في بداية العهد الجديد؟ فإن لم نرغب في أن نكون منتقين بالكامل، نختار ما يعجبنا من الآباء ونرفض ما لا يعجبنا، فربما نود أن نعطيهم ميزة الشك في هذه الأمور.

كرازة الرسل وقانونية الأسفار المقدسة – القمص عبد المسيح بسيط

الرسالة إلى العبرانيين

تعتبر الرسالة إلى العبرانيين عمل آخر مجهول الكاتب. يقول أحد المؤلفين: “إن التعليقات والشروحات العلمية على وثيقة العهد الجديد هذه تقول أحياناً عن رسالة بولس إلى العبرانيين أنها تحتوي عادة على ملاحظة صحيحة تماماً وهي أن تلك الوثيقة ليست رسالة، ولم يكتبها بولس، ولم تكتب إلى العبرانيين”[9]. حقاً إنه ليس هناك اسم موجود لمؤلف هذا السفر، كما أنه من الحقيقي أيضاً أنه يبدو مثل عظة أكثر منه كرسالة.

رغم أنه يشبه بدرجة ما الرسائل القديمة، ولكن حتى الرسائل غالباً ما ينسب لها كاتبها[10]. هناك اقتراح معقول للغاية للسبب الذي لأجله لا يظهر اسم على الوثيقة، وهو أنها كانت مكتوبة في الأصل على درج. والدرج الذي كان يرسل في العالم القديم كان فيه دائماً عنوان المرسل إليه واسم كاتب الرسالة خارج الدرج (يشبه هذا كثيراً المظروف الذي لدينا اليوم)، وربما تلفت هذه البيانات قبل أن تصنع نسخ من الوثيقة.

وبغض النظر عن السبب في عدم معرفتنا باسم كاتب العبرانيين، إلا أن هذا السفر قد اقترن سريعاً باسم بولس الرسول. ويرجع هذا جزئياً بلا شك لذكر تيموثاوس في الرسالة إلى العبرانيين (13: 23) “اعلموا أنه قد أطلق الأخ تيموثاوس الذي معه سوف أراكم إن أتى سريعاً”. كما أن السفر به أوجه شبيهة بطريقة بولس في التفكير ويبدو من الواضح أنه يرجع لأفكار بولس[11].

وقد كان أول من نوه إلى هذه الرسالة هو أكليمندس الروماني (96 م)، رغم أنه لم يقل من هو كاتبها. وقد تم حذف الرسالة إلى العبرانيين من قائمة الأسفار المقدسة القانونية لكل من ماركيون وموراتوري، فقد كان هناك خلاف كثير بشأن مؤلفها منذ الأزمنة الأولى في تاريخ الكنيسة. وبخلاف إنجيل مرقس، فقد نسب تأليفها لعدد من الكتّاب المختلفين، رغم أن بولس ترأس القائمة (وقام بذلك أيضاً أكليمندس السكندري وآخرون).

ولكن أوريجانوس، خليفة أكليمندس، أنكر تأليف بولس لها بوضوح، وهو الذي نطق بكلماته اللاأدرية الشهيرة: “من الذي كتب هذه الرسالة، الله وحده هو الذي يعلم ذلك علم اليقين”.

لكن لماذا رفضت الكنيسة القديمة في النهاية تأليف بولس للرسالة إلى العبرانيين، وماذا كانت نتائج ذلك؟ فعلى الرغم من أن الترجمة المنقحة (RV) (1881) تستخدم العنوان “رسالة بولس الرسول إلى العبرانيين” (على نمط ترجمة كينج جيمس للكتاب المقدس KJB)، إلا أنه لا أحد اليوم يبرهن على أن بولس هو الذي كتب هذا السفر[12]. فهناك ببساطة العديد من الاختلافات ما بين رسائل بولس والرسالة إلى العبرانيين، وقد لاحظ القراء في الكنيسة القديمة هذه الاختلافات أيضاً.

لكن إن لم يكن بولس هو الذي كتب الرسالة إلى العبرانيين، فمن الذي كتبها إذاً؟ وحيث أن السفر لم ينجح في اجتياز اختبار الرسولية، فهل يمكن رؤيته على أنه جدير بالثقة، كسفر مقدس؟ إن حقيقة كون الرسالة إلى العبرانيين تظهر عمقاً أدبياً وروحياً، وأنه كان يتم الاستشهاد بها دائماً (بداية من نهاية القرن الأول)، وأنها تتفق مع الكتابات الرسولية المعروفة، أكّدت في النهاية مكانها بين الأسفار المقدسة.

إن المجادلات الخاصة بمؤلف العبرانيين والتي أدت في النهاية إلى اعتراف الكنيسة بجهلها بشخصية كاتبه (أي أنه لم يكتب بواسطة بولس) تخبرنا بأمر جدير بالملاحظة عن الاستقامة الكنسية. فإغراء إطلاق اسم أحد الرسل على هذا السفر (لأنه إن لم يحدث ذلك قد يخرج من قائمة الأسفار القانونية) قد تم التغلب عليه. فبقدر ما كان هذا السفر مهماً – وبقدر ما كان محبوباً لأنه يحمل طابع الحق – لم تذعن الكنيسة للدعاية الباطلة له فيما يختص بمؤلفه.

كما أن حقيقة أن العشرات من الأسماء قد طرحت للمؤلفين المحتمل أن يكونوا قد قاموا بكتابة السفر تظهر الاهتمام الشديد والشغف الذي كان لدى المسيحيين بهذا السفر. كما أن عدم وجود اتفاق بخصوص كاتب السفر يظهر أن حالته القانونية تستند بقوة إلى أسس أخرى. إن سفر العبرانيين هو مرآة لعملية صياغة القانونية بأكملها. وكما أشار ويليام باركلي: “إنها الحقيقة البسيطة أن نقول إن أسفار العهد الجديد قد أصبحت قانونية لأنه لم يقدر أحد أن يمنعها من أن تكون كذلك”[13].

النقد الأعلى وقانونية أسفار العهد القديم – القمص عبد المسيح بسيط

سفر الرؤيا

في آخر سفر من أسفار العهد الجديد، سفر الرؤيا، يعرّف الكاتب نفسه فقط بأنه “يوحنا” (رؤ 1: 1، 4، 9؛ 22: 8). لكنه لم يدع نفسه “يوحنا الرسول” أو “يوحنا الشيخ” ولكنه قال ببساطة إنه “يوحنا”. وخلاف الكتب الرؤوية القديمة الأخرى التي كانت تستخدم اسماً مستعاراً للكاتب من أسماء الشخصيات الشهيرة في الماضي، فمن الواضح أن هذا المؤلف لم يكن في نيته الخداع، لأن اسم “يوحنا” في الحقيقي لا يضيّق مجال البحث كثيراً!

يرتبط صراع سفر الرؤيا لحيازة القانونية بهذه المسألة، فهو ليس مجهول الكاتب كما أنه ليس مكتوب باسم مستعار. ولكن مسألة هوية هذا الشخص “يوحنا” هي التي أثارت الشكوك بشأن إدراجه في العهد الجديد.

إن أقدم شهادة عن سفر الرؤيا يبدو أنها تفترض أن يوحنا الرسول هو الذي كتب هذا السفر (كما يفترض مليتو، ويوستينوس الشهيد، وإيريناوس، وقائمة موراتوري القانونية، وربما بابياس). وليس ذلك فقط، ولكن اثنين من هؤلاء الكتّاب، أي إيريناوس ومليتو، كانا من اثنين من المدن التي وجّه لهما الحديث في سفر الرؤيا، وهما ساردس وسميرنا، وهكذا فإنهما “يمكن أن يقدما دليلاً مستقى من المصدر مباشرة”[14].

لكن لم يتفق الجميع على أن يوحنا الرسول هو الذي كتب سفر الرؤيا، فقد رفض ماركيون التأليف الرسولي، كما فعل ذلك ديونيسيوس، وهو أسقف من الإسكندرية من القرن الثالث. وهكذا توالت المناقشات المتجددة بشأن المؤلف. لكن رؤية هذا المؤلف على أنه شخص آخر غير يوحنا الرسول قد تطلّب نوع من الرياضة الذهنية، فكما يشير دي. أي. كارسون ودوجلاس جي. مو:

ربما نتشكك ما إذا كان شخص يدعى يوحنا لي يذكر أبداً في المصادر الكثيرة في حياة الكنيسة الآسيوية في القرن الأول، كان لديه من القامة الروحية والمكانة ما يكفي لكي يكتب سفراً من هذا النوع، شديد الاختلاف عن أي سفر آخر في العهد الجديد، بمجرد اسمه شخصي لكن يبدو هذا الأمر غير محتمل عندما نتذكّر أنه كان هناك يوحنا آخر (الرسول) كان معروفاً في هذه المنطقة في نفس تلك الفترة[15].

لكن حتى بوجود دليل كاف على أن يوحنا المذكور في هذا السفر كان هو الرسول يوحنا، فقد عارضت الكنيسة هذا الأمر. فالمسيحيون الأوائل لم يقبلوا بسذاجة هذا السفر على أنه سفر أصيل لأن اسم يوحنا كان به. بل الأكثر من ذلك أن أي إنسان كان يقبل بقانونية هذا السفر في الكنيسة القديمة كان يدرك أن المؤلف هو في الحقيقة شخص ما يدعى يوحنا، فلم يكن هناك تزييف في الأمر.

فما حدد مسألة قانونية هذا السفر لم يكن في النهاية هو أن كاتبه كان الرسول يوحنا. واليوم، هناك العديد من العلماء المحافظين الذين يشككون في التأليف الرسولي للسفر، ولكنهم لا يزالون يعتبرونه سفراً مقدساً. من الواضح أذاّ أنه كانت هناك اختبارات أخرى تجري بجانب اختبار التأليف الرسولي كمعيار لتحديد قانونية الأسفار في الكنيسة الأولى[16]، رغم أن التأليف الرسولي كان عاملاً مهماً.

وهكذا، فكما كانت هناك أدلة قوية على أن يوحنا الرسول هو المؤلف، كانت هناك أيضاً بعض الشكوك بهذه الشأن. لكن مجرد حقيقة أن الكنيسة قد قبلت هذا السفر كسفر قانوني بدون التأكد بالضرورة من تأليفه الرسولي يدل بقوة على استقامة الكنيسة. وبالتأكيد كانت البرهنة على أن يوحنا الرسول قد كتبه تمثل إغراءً شديداً بالنسبة لمن يعتنقون لاهوته، ولكن كونهم لم يستسلموا لهذا الإغراء يعطينا لمحة عن منهجهم القويم.

رسالة بطرس الثانية

غالباً ما كانت الرسائل القصيرة مثل رسائل يوحنا ويهوذا ويعقوب موضع نزاع، كما كان سفر الرؤيا. ولكن أكثر الأسفار نزاعاً في العهد الجديد، من ناحية المؤلف، كان هو رسالة بطرس الثانية. فبخلاف إنجيل مرقس، والرسالة إلى العبرانيين، لم يكن هذا السفر مجهول المؤلف، فالمؤلف يدّعي أته سمعان بطرس الرسول (1: 1). ولكن هذه الرسالة لم يتم الاستشهاد بها أو التلميح لها كثيراً في القرن الثاني[17] – ويكن للبعض أن يقولوا إنه لم يستشهد منها على الإطلاق – وقد أثار هذا الشكوك بشأن مؤلفها منذ زمن مبكر.

إننا لن نخوض بعمق في السبب الذي لأجله اختلفت الكنيسة الأولى بشأن تأليف هذه الرسالة، ولكننا نحتاج أن نشير إلى أمرين: الأول أنه كان هناك شك بشأن أصالتها بسبب الشك بشأن قدمها؛ فأسلوب الكتابة في رسالة بطرس الثانية كان يعتقد أن يختلف بصورة ملحوظة عن أسلوب الكتابة في بطرس الأولى. فيشير جيروم إلى أن اختلافات الأسلوب بين رسالتي بطرس الأولى والثانية هي اختلافات جوهرية.

رغم أنه كان يعتقد أنه يمكن عزوها لاستخدام بطرس لشخصين مختلفين في كتالة كل من الرسالتين، والذي أسهم كل منها بلمسات أسلوبه الخاص[18]. إلا أن يوسابيوس الذي شك في أصالة الرسالة، جادل في أنها لم تذكر بالاسم بواسطة أقدم آباء الكنيسة[19]. كما أنه لا يزال يوجد سببان من أهم الأسباب التي يقدمها العلماء في جدلهم بأنه لم يكن من الممكن للرسول بطرس أن يكتب هذه الرسالة.

لكن بدون الدخول في مناقشة بشأن مؤلف رسالة بطرس الثانية. نرغب ببساطة في طرح ملاحظتين.

الأولى، أن الرسالة لم يتم قبولها بدون صراع. فمزيج الافتقار إلى الاستشهادات القديمة مع الاختلافات في الأسلوب بينها وبين رسالة بطرس الأولى كان ضربة قاصمة لوضع رسالة بطرس الثانية في الأسفار القانونية.

ثانياً، حيث أن هذه الرسالة تم الادعاء بأن بطرس هو الذي كتبها، لم تكن الكنيسة الأولى لتتمكن من قبولها لو كان قد ثبت أنها مزيفة. فكانت إما أن ترفضها على أنها ليست من تأليف بطرس، أو أن تقبلها على أنها أصيلة، فلم يكن هناك حل وسط؛ ولم يكن هناك معنى “للتزييف الحميد”.

ما إذا كانت الكنيسة محقة في النهاية في تقييمها لتأليف هذه الرسالة أم لا فهذا سؤال شديد الأهمية، ولكنه ليس الأهم على الاطلاق. فالأمر الأكثر أهمية هو أن معظم أسفار العهد الجديد لم يتم الشكك بشأن مؤلفها، بالتحديد لأنها كانت تستخدم ويتم الاقتباس منها ويحبها الناس منذ البداية، كما أنه لم يتم قبول أي كتاب أبداً لو كان هناك اعتقاد بأنه مزيف.

لقد كانت هذه المناقشات بشأن الأسفار القانونية للعهد الجديد: فقد كان الكتّاب المسيحيون القدامى منشغلون بالكامل في التفكير بشأن أصالة مختلف الوثائق. بل أنهم لم يرغبوا في أن يقبلوا حتى الوثائق التي زعمت أنها رسولية بقيمتها الظاهرية، ولكنهم قيّموا هذه المزاعم على أساسين: الأول، أنهم كانوا يفحصون البرهان التاريخي الخارجي، إذ يسألون عما إذا كانت الشهادات لسفر معين قديمة وكثيرة أم لا، والثاني، أنهم كانوا يقارنون توافقها الداخلي مع الوثائق التي لم يكن هناك خلاف عليها والتي كانت تعتبر أن لها سلطة روحية.

والأكثر من ذلك، أن المسيحيين الأوائل قاوموا في النهاية الرغبة في عزو السلطة الفورية لوثيقة غير معروفة المؤلف عن طريق منحها تأليفاً رسولياً. فبعكس الفكرة القائلة بأن الكنيسة القديمة قد اندفعت لكي تضع اسم أحد الرسل على عمل مجهول المؤلف، قامت الكنيسة القديمة بالبحث والتفكير الملّي في المؤلف.

بل أن حقيقة أن العديد من كتب العهد الجديد كانت في الأصل مجهولة المؤلف أو لم يتم توضيح مؤلفها بصورة كافية ليتم التعرّف عليه بطريقة إيجابية (مثلاً، وضع مجرد اسم “يوحنا” لسفر الرؤيا، و”يهوذا” لرسالة يهوذا) يوضح أن السعي للسلطة الذي ظهر فيما يتعلق بالعديد من الكتابات الهرطقية اللاحقة لم يكن هو العامل الأساسي في تحديد أسفار العهد الجديد. تعتبر رسائل بولس استثناء لذلك، بمعنى أنه في كثير من رسائله يتم الدفاع بوضوح ووعي عن سلطته الرسولية. ولكن هذا كان يرجع لتشكك مقاوميه في سلطته ورسوليته.

التزييفات والمزيفون في الكنيسة

لقد رأينا إذاً كيف كانت الكنيسة الأولى منشغلة للغاية بالتفكير في أي الكتب هي الموثوق بها والقانونية، فإنهم لم يقوموا بمجرد وضع ختم بالموافقة الروتينية على أن هذه الكتب “مقدسة”. وهذا يأتي بنا إلى السؤال الأخير في هذا الفصل: كيف كان رد فعل الكنيسة تجاه التزييف أو الانتحال؟

يرى كثير من العلماء اليوم أن انتحال اسم المؤلف (أي كتابة وثيقة باسم شخص آخر) كان ممارسة مقبولة في الكنيسة القديمة. لكن موضوع التزييف والانتحال قد تم مناقشته حقيقة بنوع من الإسهاب في الكنيسة الأولى. وإننا نرغب هنا في الإشارة لثلاثة ملاحظات باختصار.

أولاً: كانت هناك أمثلة للتزييف والانتحال تظهر في الكنيسة القديمة، وكانت استجابة الكنيسة لها توضح هذا الأمر وتلقي بالضوء عليه. فعلى سبيل المثال، كانت هناك رسالة تسمى رسالة كورنثوس الثالثة، وهي وثيقة تم نشرها على أنها جزء من سفر أعمال بولس، لكن تم اكتشاف أنها مزيفة. إلا أن المؤلف، وهو أحد الشيوخ الذي كتب هذه الوثيقة بسبب محبته لبولس، قد تجرّد من وظيفته الكهنوتية بواسطة ترتليان بسبب هذا التزييف.

وفي حوالي عام 200، عندما علم سيرابيون، أسقف أنطاكية، أن إنجيل بطرس لم يكتب بواسطة الرسول بطرس، أعلن قائلاً: “من جهتنا أيها الأخوة، قد قبلنا كلاً من بطرس والرسل الآخرين كما قبلنا المسيح، ولكننا نرفض الكتابات التي تحمل أسمائهم باطلاً، كأناس لدينا خبرة في هذا الأمر، إذ نعلم أن مثل هذه الكتابات لم تسلّم إلينا”[20].

وفي القرن الثاني، أدانت لائحة موراتوري للأسفار القانونية كلاً من الرسالة إلى اللاوديكين والرسالة إلى أهل الإسكندرية لأن كلاً منهما “تم تزييفها باسم بولس”[21] وكان أحد الأدلة على التزييف هو الافتقار إلى برهان القدم، فالحقيقة أنه إذا وجد أن إحدى الكتابات من أصل حديث، حتى لو لم يكن هناك شك في مؤلفها، لم تعتبر قانونية. فمثلاً، رفضت لائحة موراتوري كتاب “راعي هرماس”، لأنه رغم كونه من الأعمال الأدبية المحفّزة، إلا أنه تم تأليفه في “زمن حديث للغاية، في زمننا، في مدينة روما”. فعدم القدم كان هو السبب الوحيد لرفضه، وهذا لأن تلك الوثيقة تم كتابتها بعد زمن الرسل.[22]

كما يعكس يوسابيوس هذا الرأي أيضاً، ففي الربع الأول من القرن الرابع، تحدث عن أسفار العهد الجديد القانونية بإسهاب وتفصيل. وفي الفصل التاسع، قمنا باقتباس الجزء الأول من تعليقات يوسابيوس لكي نوضّح أن هناك على الأقل عشرين سفراً من أسفار العهد الجديد السبعة والعشرين تم قبولها بالفعل بحلول زمنه، وأن البقية تم قبولها بصورة نسبية. لكن من الجديد بالذكر أن نورد هنا منطقه بالكامل ولماذا كان يجب رفض بعض الكتب رفضاً صريحاً:

عند هذه النقطة يبدو من المنطق أن نلخّص كتابات العهد الجديد التي تم الاستشهاد بها. ففي المقام الأول يجب وضع الأناجيل المقدسة، ويليها كتابات سفر أعمال الرسل. بعد ذلك يجب أن نضع في الاعتبار رسائل بولس الرسول، ويعقبها رسالة يوحنا التي يطلق عليها الأولى، وبنفس الطريقة يجب أن نعتبر رسالة بطرس. بالإضافة إلى هذه الأسفار، يجب أن نضع، إن بدا مقبولاً، رؤيا يوحنا، والتي سنقوم بشرح الجدل الساري حولها في الوقت المناسب.

تنتمي هذه الأسفار إلى الكتب المعترف بها. أما بالنسبة للكتب موضع النزاع والمعروفة لمعظم الناس، فهي الرسالة المدعوة ليعقوب، والرسالة المدعوة ليهوذا، والرسالة الثانية لبطرس، والرسالتان المدعوتان الثانية والثالثة ليوحنا واللتان قد تكونان من عمل البشير أو عمل شخص آخر له نفس الاسم. أما من ضمن الكتب التي يجب اعتبارها غير أصيلة، فيجب وضع كتاب أعمال بولس، والكتاب الذي بعنوان الراعي، ورؤيا بطرس، وبالإضافة لهم الرسالة المدعوة برنابا، وما يطلق عليه تعاليم الرسل.

وبالإضافة لذلك، كما قلت، رؤيا يوحنا، إن ساد هذا الرأي، لأن البعض، كما قلت، يرفضونها، ولكن البعض الآخر يعتبرها من ضمن الأسفار المعترف بها، كما اعتبر البعض كذلك الإنجيل بحسب العبرانيين الذي فيه يحظى أولئك العبرانيون الذين قبلوا المسيح بميزة خاصة.

لكن هذه كلها تنتمي للكتب موضع النزاع، ولكننا على الرغم من ذلك، ملزمون بأن نضع قائمة بها، مما يميزها عن الكتابات التي هي، بحسب تعليم الكنيسة، حقيقية وأصيلة ومعترف بها، وتلك المختلفة عنها في أنها غير قانونية ولكنها موضع نزاع، ولكنها مع ذلك معروفة لمعظم كتّاب الكنيسة، حتى نستطيع أن نعرفها. أما الكتابات التي تم وضعها بواسطة الهراطقة تحت اسم الرسل فتحوي بشائر مثل أناجيل بطرس، وتوما، ومتياس، وآخرين بجانبهم، أو أعمال مثل أعمال أندراوس ويوحنا وبعض الرسل الآخرين.

فلم يفكر أي ممن ينتمون لأتباع التعليم المستقيم على الإطلاق في أنه من الصواب أن يشيروا إلى أي من هذه الكتب في كتاباتهم. بالإضافة إلى أن أسلوب العبارات فيها يختلف عن الأسلوب الرسولي، كما أن آراء واتجاهات محتواها يشذ بشدة عن التعليم المستقيم الحقيقي ويوضّح للغاية أنها كتابات مزيفة لهراطقة. ولذلك فيجب ألا تعتبر حتى من بين الكتب المنحولة، بل أن ترفض على أنها كتب شريرة بالكامل وغير تقوية[23].

أما فيما بعد العشرين سفراً أو أكثر التي اعتبرها يوسابيوس ليس موضع نزاع، كان هناك الخلاف على بعض الكتب بسبب الشكوك الخاصة بمؤلفها أو بقدمها. ولكنها لو كانت قد تم قراءتها بصورة كافية وعلى نطاق واسع، لكانت قد اعتبرت كتباً من الممكن ترشيحها لتكون ضمن الأسفار القانونية. وأخيراً، فقد تم رفض كتب أخرى رفضاً صريحاً لأنها كانت حديثة العهد أو تعلّم بوضوح تعاليم خاطئة.

وهكذا، فقبل أربعين عاماً من القائمة المحددة الأولى للأسفار القانونية بالسبعة والعشرين سفراً التي جمعها أثناسيوس عام 367، كانت الكنيسة بالفعل تصارع بجدية مع معايير القانونية: الرسولية، والشمولية، واستقامة العقيدة. وقد فشلت الكتب الهرطقية في الاختبار بهذه المعايير الثلاثة.

ثانياً: كانت الأناجيل الهرطقية من إنتاج القرن الثاني وما بعده، وسوف نناقش هذه النقطة أكثر في الفصل التالي. إحدى الدلائل التي تؤيد هذا نجدها في أول قائمة بالأسفار القانونية، والتي أنتجها الهرطوقي ماركيون عام 140 م. فقد أورد ماركيون فقط لوقا وعشرة من رسائل بولس في لائحة أسفاره القانونية، وكما أشرنا من قبل، كانت أراء ماركيون تتوافق بصورة كبيرة مع التعاليم الغنوسية.

فلماذا إذاً قام بإدراج أجزاء من عهدنا الجديد فقط في قائمته؟ لماذا لم يدرج فيها أعمالاً غنوسية مثل إنجيل توما أو إنجيل مريم أو أعمال بطرس؟ الأرجح هو ان هذه الكتب لم تكن قد وجدت بعد، أو أنها كانت شديدة الحداثة لكي يتم اعتبارها على أنها أصيلة.

ثالثاً: كما يشير كارسون ومو، “على قدر ما تذهب شهادة آباء الكنيسة، فإنهم كانوا عندما يقيّمون بوضوح أحد الكتابات بشأن أصالته، وقانونيته، ومؤلفه، كان يثبت أنه يشمل هذه الأمور مجتمعة”[24]. وعلى الرغم من أن العلماء اليوم كثيراً ما يجادلون بأن الكنيسة القديمة كانت متساهلة في قضايا مثل التأليف، إلا أن هؤلاء المسيحيين لو أنهم كانوا قد اقتنعوا أن أحد هذه الكتب مزيف، فإنهم كانوا يرفضونه تماماً.

في أحد أعماله المهمة، “صياغة وثائق العهد الجديد”، يناقش إي. إيريل إيليس احتمالية “التزييف الحميد”، أو “براءة” نسب تأليف الكتب للرسل كذباً، فيخلص إلى الآتي:

في كنيسة الآباء، كان عندما يتم نسب تأليف كتب إلى الرسل كذباً، كانت تلك الكتب تخرج من قائمة الأسفار القانونية. وكان هذا الأمر يتم بغض النظر عما إذا كانت هذه الكتب مستقيمة العقيدة أو هرطقية.

فإن فرضية براءة نسب الكتب إلى الرسل كذباً يبدو أنه قد تم تصميمها للدفاع عن قانونية بعض من كتابات العهد الجديد التي كانت، في نفس الوقت، ينظر إليها على أنها تنسب تأليفها للرسل كذباً. لكن هذه الفرضية هي اختراع حديث ليس له أساس يبرهن عليه في اتجاه أو كتابات الكنيسة الرسولية وأباء الكنيسة[25]

الملخص

ترى هل كانت الكنيسة الأولى ساذجة تماماً بشأن أي الكتب هي التي تنتمي إلى الأسفار القانونية وأيها التي لا يندرج تحتها؟ كلا. فكما أشرنا في الفصل التاسع، لقد تم قبول معظم أسفار العهد الجديد على أنها أصيلة منذ البداية. وهكذا فإن فكرة أن كل الأسفار كان عليها نزاع، هي فكرة بها مبالغة هائلة. وعلى الرغم من أنه من المحتمل أن يتمكن أحد من العثور على استشهاد شارد هنا أو هناك بخصوص هذا الأمر، فإن هذا لا يمكن أن يمثّل الحقائق[26].

لقد رأينا أن الكنيسة القديمة لم تنسب التأليف الرسولي بسرعة وبدون نقد للكتب مجهولة المؤلف، رغم أنه كان هناك إغراء للقيام بهذا الأمر. فحتى عندما كان أحد الكتب يكتب عليه أسم أحد الرسل كمؤلفه، كان يمكن للكنيسة أن تكون شديدة التشكك في الأمر. وفي النهاية، كانت الكنيسة تتحقق مما إذا كان هذا الكتاب يرجع إلى الحقبة الكنسية المبكرة، وما إذا كان قد قبل على نطاق واسع، وما إذا كان مستقيم العقيدة أم لا.

معظم أسفار العهد الجديد اجتازت هذا الاختبار بدون جهد يذكر – ولكن هذا بالتحديد لأنها قد نجحت في هذه المعايير الثلاثة. وقد ناضلت كتب أخرى لكي يتم قبولها، ولكن هذا النضال عينه كان يجب أن يضع حداً لمسألة ما إذا كان المسيحيون الأوائل شديدي السذاجة بشأن كتبهم المقدسة.

ومن ناحية أخرى، فقد تم قبول بعض الكتب غير الجديرة بالثقة ككتب مقدسة في بعض أجزاء من الكنيسة لفترة زمنية محدودة، ولكن هذه الكتب لم تستطع أن تخدع الكنيسة لفترة طويلة[27].

وفي النهاية، تم رفض ثلاثة أنواع من الكتابات بصورة حاسمة على أنها غير قانونية: (1) الكتب التي اتضح أنها مزيفة أو منحولة المؤلف؛ (2) تلك الكتب التب كانت حديثة العهد (مثلاُ، من القرن الثاني فما بعده)؛ (3) الكتب التي لم تكن تتفق مع سلامة العقيدة الموجودة في الكتب الأساسية المعروف بالفعل أصالتها. وحيث أن هذا المنهج ليس نادراً أو غريباً – أو تحفة من الماضي – فإننا نراه في حقيقة أن نفس هذه المعايير هي التي يستخدمها العلماء اليوم.

فعلى المرء أن يتساءل إذاً، لماذا يرفض بعض الكتّاب المحدثون ببساطة أن يعطوا الكتّاب المسيحيين القدامى ميزة الشك. ففي الحقيقة، إن المرء يجب أن يتساءل من هم في الحقيقة السذّج بشأن الأسفار القانونية!!

 

[1] -أغناطيوس Magnesians 13: 1، في The Apostolic Fathers Greek Test and English Translations تحرير وتنقيح مايكل دبليو هولمز (Grand Tapids: Baker,1999). جميع الاقتباسات من الآباء الرسل هي من هذه الطبعة الا إذا أشرنا إلى غير ذلك.

[2] -أغناطيوس، Trallians 3.3، وأغناطيوس Romans 4.3. مشابه: “إنني لا أعطيك أوامر مثل بطرس وبولس: فهما رسولان، لكني أنا مدان.” للتعرف على الإشارات الأخرى لسلطة الرسل، انظر 1 Clement 42.1؛ بوليكارب Epistle to the Philippians 3.2، أغناطيوس، Epistle to the Ephesians 11.2، أغناطيوس، Trallians 2.2; 7.1; 12.2، أغناطيوس، Letter to the Smyrnaeans 8.1؛ كاتب مجهول، Epistle to Diogentus 11.6.

[3] -دي إيه كارسون ودوجلاس جي مو، An Introduction to the New Testament، طبعة ثانية (Grand Tapids: Zondervan,2005)، 338 – 40، يذكر دوافع أخرى أيضاً لكن في الحقيقة، كل هذه تقريباً يبدو أنها تشمل رغبة المرء في جعل آرائه ذات سلطة، بالزعم بأن الكتاب قد كتبه أحد الرسل أو أحد القادة الآخرين من الكنيسة الأولى.

[4] -ويرنر جورج كوميل، Intriduction to the New Testament، نسخة انجليزية منقحة، ترجمة هوارد كلارك كي (Nashville: Abingdon, 1975)، 363، تفترض أن هذا كان هو الدافع وراء الكثير من كتابات العهد الجديد: “الشيء الوحيد الواضح الخاص بالمواد الزائفة التي نقابلها هو أن “الافتراض الحاسم بالنسبة للكتابات الزائفة في العهد الجديد (يمثله) إقامة الكتابات الرسولية على أنها المعيار (إف 2: 20)، بحيث أن الخيال الأدبي “يفسح المجال كاملاً لسلطة الرسول” لكن ما إذا كان الخيال الأدبي موجود بالفعل في العهد الجديد فهذا أمر مختلف، ولكن كوميل قد حدد ما قد يعزز هذا الخيال.

[5] -مارتن هنجل، The Four Gospels and the One Gospel of Jesus Christ (Harrisburg , PA: Trinity Press International, 2000)، 48-53، يحاجج أن الأناجيل لم تكن مجهولة الكاتب ولكن، منذ البداية، كانت توجد العناوين القائلة “الإنجيل بحسب متى”، الخ. ولكن معظم علماء العهد الجديد لم يقبلوا رأيه. لقراءة نقاش متوازن، انظر كارسون ومو، Introduction to the New Testament، 140-42.

[6] -بابياس، The Fragment of Papias 3.15.

[7] -انظر دونالد جاثري، New Testament Introduction، طبعة رابعة. (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 1990)، 85.

[8] -يبدو أن دافعاً مثل دافع إيرينيوس هو الذي حفّز أوغسطينوس. ففي كتابه (On Christian Learning) De doctrina Christiana 2,13، يذكر أوغسطينوس الأسفار السبعة والعشرين للعهد الجديد، ولكن ترتيبها غير معتاد: فهو يضع رسالة يعقوب في نهاية الرسائل العامة، لكي يعطي بطرس المكانة الأولى!

[9] -ستيفان إل ديفيز، The New Testament: AContenporary Introduction (San Francisco: Harper & Row, 1988)، 191.

[10] -إنه من المبالغة القول بأ، هذه الرسالة لم تكتب للعبرانيين. فالرسالة بها كل العلامات التي تشير إلى أنها قد كتبت للمسيحيين اليهود الذين كانوا على الحياد بين المسيحية واليهودية. لكن مجرد كونهم مسيحيين يهود لا يعني أنهم لم يكونوا “عبرانيين”.

[11] -انظر مثلاُ، بين ويذرنجتون III،

“The Influence of Galations on Hebrews,” New Testament Studies 37 (1991): 146-52.

[12] -هناك استثناءان بحثيان لهذا الأمر اليوم: إيتا لينمان،

Wideraufnahme-Prozess in Sachen des Hebraerbriefes,

Fundamentum 21 (2000): 101- 12; 22 (2001): 52- 65, 88-110؛ وديفيد ألان بلاك، Faith and Mission 16.2 “On the Pauline Authorship of Hebrews”

(1999): 32- 51؛ 16,3 (1999): 78- 86. إحدى المجادلات تقول بأن مفردات الرسالة إلى العبرانيين تشبه رسائل بولس أكثر مما تشبه أي شيء آخر في العهد الجديد. وهكذا فيمكننا أن نقول أيضاً أن رسالة بطرس الأولى كتبها بولس أيضاً، حيث أن مفرداتها تشبه في كل شيء “أسلوب بولس” مثل الرسالة إلى العبرانيين!

[13] -وليم باركيلي، The Making of the Bible (London: Lutterworth, 1961)، 78.

[14] -كارسوت ومو،  Introducton to the New Testament, 701.

[15] -نفس المرجع، 706- 7.

[16] -لقد ناقشنا هذه المعاير في الفصل الأول من هذا الجزء.

[17] -لكن انظر بيتر بيكيريلي، Allusions to 2 Peter in the Apostolic Fathers Journal for the Study of the New Testament 33 (1988): 57-83.

[18] -جيروم، Epistle to Hedibia 120.

[19] -يوسيبيوس، Ecclesiastical History 3.1.

[20] -بحسب ما استشهد يوسيبيوس، Ecclesiastical History 6.12 ترجمة كيرسوب ليك، Loeb Classical Library

(Cambridge, MA: Harvard University Press, 1925) 2,41.

[21] -كما تم الاقتباس في كتاب بروس إم ميتزجر، The Canon of the New Testament: Its Origin, Development, and Significance

(Oxford: Clarendon,1987)، 307.

[22] -نفس المرجع.

[23] -يوسيبيوس، Ecclesiastical History 3.25, Loeb /classical Library, 1.257- 59

[24] -كارسون ومو، Introduction to the New Testament 343.

[25] -إي إيرل إيليس، The Making of the New Testament Documents

(Leiden: Brill, 1999)، 324. للاطلاع على مناقشة رائعة لمشكلة الكتابات الزائفة والأسفار القانونية التي تمتد عند هذه النقطة، انظر كتاب كارسون ومو، 

Introduction to the New Testament 337- 50.

[26] -كتاب تيموثي فريك وبيتر غاندي، The Jesus Mysteries:

Was the Original Jesus a Pagan God? (New York: Three Rivers, 2001)، 224؛ يستشهدان بميتزجر في كتابه، Canon of the New Testament, 13 في واحدة من الحواشي (311 رقم 105) لكي يؤيد جدلهما بأنه “في القرون الأربعة الأولى كانت كل وثيقة في وقت ما يتم تصنيفها إما بأنها هرطقية أو مزيفة!” لكن ليس هذا ما يقوله ميتزجر. فهو يستشهد بمؤلف إيرلندي منذ أواخر القرن السابع عشر، ويدعى جون تولاند، الذي خلق فضيحة عندما قام بهذا اعلان.

إن الانطباع الواضح الذي يأخذه المرء عند قراءة كلام ميتزجر في هذه النقطة هو انطباع التشكك، وليس الاتفاق، مع وجهة نظر تولاند. فإن كان فريك وغاندي شديدا الإهمال واللامبالاة في التعامل مع مؤلف محدث، كتاباته معروفة ومشهورة ويسهل الوصول إليها، فهل يمكننا حقاً أ، نثق بهما في التعامل مع المؤلفين القدامى؟

[27] -للتعرف على الأسفار المعترف بها المحلية والمؤقتة. انظر كتاب ميتزجر، Canon of the New Testament، 165- 89.

ماذا كانت الكنيسة الأولى تعتقد بشأن الانتحال أو التزييف؟ – قانونية أسفار العهد الجديد

قانونية أسفار العهد الجديد، لماذا لدينا 27 سفر؟

  قانونية أسفار العهد الجديد، لماذا لدينا 27 سفر؟

قانونية أسفار العهد الجديد، لماذا لدينا 27 سفر؟

قانونية أسفار العهد الجديد، لماذا لدينا 27 سفر؟

مدخل إلى قانونية العهد الجديد 1 – أ/ أمجد بشارة

قانونية أسفار العهد الجديد

لقد برهنا حتى الآن على أن من كتبوا الآناجيل قد حصلوا على قصتهم مع يسوع بصورة صحيحة. فناقشنا التعليم الشفهى الذى إمتد بجذوره العميقة فى الثقافة اليهودية. وأشرنا إلى أن قصة يسوع كان لابد ان تنتقل بطريقة سليمة من المعلم للتلميذ فى الحقب القليلة الآولى من الإيمان المسيحى. وعندما شرعوا من كتبوا الأناجيل فى كتابة أناجيلهم، كان لكل منهم بالتأكيد إسهامه الخاص، فقد اختار كل منهم ما الذى يكتبه فى أنجيله وما الذى يركز عليه، وقام بصياغة المادة لآجل قرائه كتب إليهم.

ولكن هناك اختلاف كبير بين الصياغة بأسلوب مميز لما حدث بالفعل فى قصة حياة يسوع من جهة أولى، وبين الزعم بوجود”اختلاق” لقصة حياة ليسوع من الفراغ من جهة ثانية. فحقيقة ان الأناجيل بها العديد من الاختلافات توضح أنها لم تكتب يتواطؤ ممن كتبوها مع بعضهم البعض. وحتى إن كان متى ولوقا قد استخدما إنجيل مرقس كقالب فهذا لا يعنى باى حال من ألاحوال أنهما قاما بنسخ رواياته بسذاجة بدون التحقق من صحة القصة.

بل يبدو العكس هو الصحيح، فإن كانا قد استخما مرقس، فإنهما يكونان بذلك قد صدقا على إنجيل مرقس فى توكيداته الأساسية. أى اننا لا يمكننا من ناحية أن نؤكد على أن لوقا ومتى قد نسخا بسذاجة من إنجيل مرقس، ثم نزعم من ناحية أخرى أنهما قد اختلفا عن إنجيل مرقس بسبب إبداعهما الشخصى. ففى كثير من الأحيان، عندما كانا يختلفان عن إنجيل مرقس، كانت القصة تصبح أوضح وأقصر، أو مذكورة بدقة أكثر.

وهذا النوع من التنقيح لا يمكن  أن يرجع إلى خيال المؤلفين! فالتعليم الشفهى، بالإضافة إلى الطريقة التى استخدم بها كل من متى ولوقا إنجيل مرقس، تبرهن على أن جميع الآناجيل المتشابهة أو كما تسمى أحيانآ “الإزائية” قد حصلت على نفس أساسيات حياة يسوع الصحيحة.

كما رأينا ايضآ أن بقية العهد الجديد تم نسخه بحيث يمكننا أن نستعيد معظم الصياغة الأصلية. ففكرة أن من نسخوا الأناجيل قد تطرفوا أو حادوا عن النص، وأنه لم يكن هناك ضابط، وأن العلماء لا يستطيعون أن يحددوا صياغة النص الأصلى بسبب هذه الفوضى، كل هذا ليس صحيحآ على الإطلاق. فرغم أننا لا نعرف بالضبط شكل النص فى كل مرحلة، وماذا كانت الصياغة الأصلية، فإن هذا يختلف تمامآ عن القول بأننا لا نعرف أى شئ عن الصياغة الأصلية.

وأكثر من ذلك، لا توجد عقيدة أساسية مبنية بالكامل على نص يوجد اختلافات جوهرية بين المخطوطات الخاصة به. ورغم أننا لا نستطيع أن نتيقن تمامآ بشأن صياغة النص الأصلى، فليس هناك حاجة لليأس المطبق. حيث أن عدم وجود أمر لا ينتج بالضرورة الأمر الآخر المناقض، حتى لو صاح المحذرون من اليمين ومن اليسار ليبرهنوا على وجوب ذلك. فليس أصحاب اليقين القاطع ولا أنصار الشك المطلق يمكن أن نجد لهم مسوغآ عندما يتعلق الآمر بنص العهد الجديد. باختصار، يمكن أن يكون لدينا قدر عظيم من الثقة بشأن صحة وأصالة الصياغة هى السبب وراء الأغلبية العظمى من اختلافات العهد الجديد

مقدمة

لكن كيف يمكننا أن نعرف أى من الأسفار هى التى يجب إدراجها ضمن العهد الجديد؟ كيف حددت وقررت الكنيسة الأولى ما هى الأسفار المقدسة من غيرها؟ وما هى المعايير التى حكمت هذا الأمر؟ على وجه التحديد، كيف يمكننا أن نعرف أن أناجيلنا الأربعة هى التى يجب أن تكون موجودة بدلآ من أنجيل توما، أو أى سفر أخر مثلآ؟ يقوم بعض العلماء المتطرفون اليوم بمناقشة موضوع أن أنجيل توما يجب أن يكون له مكان بجانب الأناجيل الأربعة الأخرى، أو حتى أن يحل محل أنجيل يوحنا فى العهد الجديد. فهل ادعاءاتهم لها ما يبررها؟

إن عملية تمييز أى من الأسفار هى التى تنتمى للكتاب المقدس، وكيفية علمنا بذلك، يطلق عليها عملية “إقرار القانونية”. تتضمن هذه العملية تاريخآ طويلآ ومعقدأ، فالسفر الذى كان يتم قبوله كسفر من الآسفار المقدسة كان يطلق عليه “قانونى” أو له صفة الـ قانونية .

بعض من الموضوعات المرتبطة بهذا الآمر كانت تشمل، التوقيت الذى تم فيه إعتبار أسفار العهد الجديد كأسفار مقدسة؛ وما هى المعايير التى استخدمت لتحديد أى الكتب كانت متضمنة وايها لم تكن متضمنة، (سوف ننظر فى اثنين فقط من هذه المعايير)؛ وكيف ترتبط اسفار العهد الجديد القانونية باسفار العهد القديم القانونية؛ ولماذا يوجد لدى البروتستانت قائمة أسفار مختلفة للعهد القديم عما لدى الروم الكاثوليك؛ وما إذا كانت السفار القانونية قد تم الإغلاق عليها حقآ بحيث لا يمكن أضافة اسفار جديدة إليها.

يصارع المسيحيون المفكرون مع هذه الموضوعات، ولكنها بقدر أهميتها، فأنها غير مركزية بالنسبة لما يشغلنا فى هذا المقام. فهدفنا هنا ببساطة هو أن نلقى الضوء على بعض القضاية القليلة الرئيسية التى تتعلق فى النهاية بشخص المسيح. فى مؤخرة هذا الكتاب نقوم بذكر قائمة من الكتب المفيدة الخاصة بهذا الموضوع والتى يمكنك الرجوع إليها لمزيد من المعلومات.

نود فى هذا الجزء أن نستكشف ثلاثة اسئلة مفتاحية؛ (1) متى ولماذا تم قبول أسفار العهد الجديد داخل الأسفار المقدسة، وعلى وجه الخصوص، أيها الذى تم قبوله مبكرآ وبلا نزاع؟ (2) ماذا كانت الكنيسة القديمة تعتقد بشأن التزييف أو التزويير؟ (3) هل كانت هناك مؤامرة ضد “الكتب المفقودة فى الكتاب المقدس”؟ قبل أن نبدأ، قد أن يكون من المفيد أن نقدم تعريفآ ” للأسفار القانونية”.

تعريف الأسفار القانونية

وماذا يعنى أن نقول إن العهد الجديد قانونى؟ إن كلمة “قانونى”منقولة عن الكلمة اليونانية # ، والتى تعنى “قانون”. أو”قياس”. وعندما نطبق هده الكلمة على العهد الجديد، فإننا نجد أجابتين متشابهتين، رغم أنهما مختلفتان، على عذا السؤال: فإما ان العهد الجديد هو “مجموعة” من الأسفار الموثوق بها والجديرة بالقبول، أو اته مجموعة من السفار التى تم التوثق منها. “2

بمعنى أنه إما أن السبعة والعشرين سفرآ للعهد الجديد تم أكتشاف أنها جديرة بالثقة بسبب قيمتها الأصيلة، وبسبب أن بها “طابع الحق” وبسبب سلطتها الظاهرة (وهكذا فإنها مجموعة من الأسفار الموثق بها) أو أن هذه الآسفار قد تم تقرير أنها جديرة بالثقة بواسطة سلطة ما أخرى (وهكذا تكون مجموعة من الآسفار التى تم التوثق منها).

يقول وليام باركلى، “أنها حقيقة بسيطة أن نقول إن أسفار العهد الجديد قد أصبحت قانونية لأن أحدآ لم يستطيع أن يمنعها أن تكون كذلك.”3 كما يتفق معه بروس ميتزجر قائلآ: “لم تخلق الكنيسة الآسفار القانونية، ولكنها أدركن وقبلت وأكدت السمة الأصيلة لوثائق معينة فرضت قانونيتها بنفسها على الكنيسة. “4 يتضمن هذا الأمر أن سلطتها كانت أصيلة، وكانت تحتاج فقط أن يتم أكتشافها بواسطة الكنيسة الأولى. وهكذا فأن الأسفار القانونية عبارة عن مجموعة من الأسفار الموثوق بها.

أسفار قانونية داخل الأسفار القانونية؟

العديد من المناقشات عن قانونية أسفار العهد الجديد تتركز على الأسفار التى جاهدت للحصول على القبول والأعتراف بها، كما لو أن قضية القانونية كلها تتمحور حول هذه النقطة. فمثلآ، يفترض دان بورستين أن عملية غقرار القانونية كانت طويلة: “وفى النهاية، تم الاعتراف بـ قانونية أربعة أناجيل، وثلاثة وعشرين نصآ أخر (أعلنت أنها هى الكتب المقدسة) فى الكتاب المقدس. ولكن هذا لم يحدث إلا فى القرن السادس.

“5 لكن مثل هذه العبارة بها مجرد ذرة من الحقيقة. فالحقيقة أنه فى فرع واحد من الكنيسة القديمة (السريانية)، بعض الأسفار فقط لم تعتبر قانونية حتى القرن السادس. 6 ولكن الكنيسة السريانية كانت الشذوذ عن القاعدة، فبنهاية القرن الرابع كانت الكنيسة فى الغرب قد قبلت جميع الأسفار السبعة والعشرين كأسفار قانونية ، لكن الكنية فى الشرق قد صارعت مع بعض الأسفار، إلى حد ما، لمدة أطول. 7 ولكن معظم أسفار العهد الجديد تم قبولها قبل ذلك بقرون من قبل جميع طوائف المسيحية.

أن مشكلة العبارات مثل تلك التى قالها بروستين هو أنها تعطى أنطباعآ بأن جميع الأسفار كانت محل جدال وأختلاف حتى القرن السادس. لكن هذا يشبه القول بأن الحرب العالمية الولى لم تنته الإ فى يونيو 1921، لأنه فى هذا الوقت قامت الولايات المتحدة بتوقيع معاهدة سلام مع ألمانيا (مجلس الشيوخ الأمريكى لم يصدق ابآ عن معاهدة فيرسيلز).

ولكن على الرغم من أن الحرب لم تنته رسميآ حتى عام 1921، إل أن النزاعات والعداوة قد توقفت فى 11 نوفمبر 1918، فهل يجب اعتبار نزاع ضخم بانه قد أنتهى فقط عندما يعلن عن انتهائه رسميآ، أم عندما يتوقف النزاع والصراع؟ فأن كنا نجادل فى أنه لا ينتهى الإ عندما تقول وثيقة رسمية ما قد أنتهى، أذآ فإن الحرب العالمية الأولى  تكون قد أستمرت لمدة عامين ونصف بعد توقف القتال والنزاعات.

لكن فى الحرب العالمية الثانية حدث العكس تمامآ فقد انتهت الحرب رسميآ فى 2 سبتمبر 1945، ولكن النزاعات استمرت لعدة حقب بعد ذلك. الكثيرون يعرفون قصة هيرو أونودا وهو جندى يابانى فى الجزيرة الفلبينية لوبانج، الذى اختبا فى الغابات لمدة تسعة وعشرين عامآ.

ولكن الكثيرون لا يعرفون أن الآلاف من الجنود اليابانيين لم يخلعوا اسلحتهم فى 3 سبتمبر 1945. وبحلول شهر يناير من عام 1948، استسلمت حوالى خمسمائة جندى يابانى أخر، غير مدركين أن الحرب كانت قد أنتهت منذ أكثر من عامين. وفيما بعد فى عام 1948، استسلم أكثر من ثلاثين جندى يابانى أخر. كما لم يكن هيرو أونادا هو آخر من اختبأ، فكابتن فوميو ناكاهيرا استسلم ايضآ على جزيرة ميندورو فى الفلبين عام 1980. لا أحد يدّعى اليوم أن الحرب العالمية الثانية قد استمرت لمدة أربعين عامآ يعد عام 1945- رغم انها لم تنته فى ذلك العام بالنسبة للآلاف من الجنود.

لكن عندما يأتى الأمر لموضوع قانونية أسفار العهد الجديد، لم يعلن أى قانون إيمان كنسى رسمى أن الأسفار القانونية قد أغلق عليها. 8 فحتى أثناء الإصلاح البروستانتى، عبّر بعض المصلحين والكاثوليك أيضآ عن شكوك قوية تجاه أسفار فى مرتبة ثانوية بالنسبة للأسفار المقدسة. وفى عام 1968 جادل العديد من القساوسة على أن كتاب مارتن لوثر كينج “رسالة عن سجن برنمجهام”كان يجب إدخاله فى العهد الجديد! 9 ومن ناحية أخرى، فأن معظم أسفار العهد الجديد الرئيسية قد تم قبولها كأسفار جديرة بالثقة منذ زمن مبكر للغاية. وبحلول القرن الرابع، تم إغلاق الأسفار القانونية بصورة غير رسمية فى الغرب.

وأكثر من ذلك، فالعديد من قوائم الأسفار القانونية فى الشرق، بداية من القرن الرابع، قد توصلت إلى النتيجة بأن نفس السبعة والعشرين سفرآ هم الأسفار القانونية للعهد الجديد. ولذلك، فبعيآ عن بعض المصارعين القليلين (سواء من الكنائس أو من الكتب)، فقد تم أغلاق الأسفار القانونية عمليآ، وليس رسميى، فى القرن الرابع. وهكذا فإنه سوء عرض للحقائق أن ندّعى بأن أسفار العهد الجديد لم تعتبر قانونية إلا فى القرن السادس، فقط لمجرد أنه كانت هناك قلة قليلة لا تزال موضع شك بواسطة جزء صغير واحد من الكنيسة.

هناك ثلاثة معايير كانت تستخدم لتقييم سلطة ومصداقية هذه الأسفار، وهلى- الرسولية، والمعتقد القويم، والشمولية. بمعنى، هل قام أحد الرسل أو أحد اصدقائه بكتابة السفر (الرسولية)؟ هل يتفق السفر مع التعاليم القويمةللأسفار الأخرى المعروف أنها رسولية (المعتقد القويم)؟ هل كان مقبولآ فى زمن مبكر ومن أغلبية الكنائس (الشمولية)؟ رغم أن الكنيسة القديمة قد صارعت مع عدد قليل من الأسفار فى ضوء هذه المعايير، فإن الجوهر الأساسى قد تم قبوله بسرعة وبدون نزاعات.

فى البداية، لم يكن لدى المسيحيين لائحة أسفار معترف بها للعهد الجديد، فقد كان إعلان الإنجيل بالكلام الشفهى. وحتى رسائل بولس، رغم أنها كانت تعتبر بوضوح قيّمة بالثقة، فالأغلب لم ينظر إليها على أنها أسفار مقدسة عند تدوينها.

بل أكثر من ذلك، لم تكن عملية نشر كتب لديانة غير مشروعة فى العالم القديم مهمة سهلة. فقبل القرن الثانى، لم يكن فى الإمكان حتى أن يتم تجميعها فى مجلد واحد وهذا لأن صياغة الكتاب الحديث، أى المخطوطة التى تشبه الكشكول، لم تكن قد اخترعت بعد، وكان الدرج الملفوف يحوى كمآ قليلآ من المعلومات، فقد كان أكبر درج يستخدم وقتها يمكنه أن يحمل إنجيلآ واحدآ فقط أو أكثر بقليل.

ولكن هناك فارق كبير بين أن نقول إن الكنيسة الأولى لم تتعرف عن أسفار العهد الجديد ككتب مقدسة بسرعة، وبين أن نقول إنها لم تتعرف عليها كأسفار جديرة بالثقة بصورة ما، فهذا هو شئ آخر تمامًا. لذا فإن سؤالنا فى هذا الفصل يتعلق بصورة خاصة بجمع هذه الأسفار وبالإدراك الرسمى لها والذى أطلق عليه فيما بعد تصنيف “الكتب المقدسة”

إن أول قائمة عرفناها للأسفار القانونية وضعها ماركيون حوالى عام 140م. كان ماركيون يؤمن أن يسوع المسيح هو إنسان فقط، كما كان من ضمن من ينكره ايضآ أن العهد القديم هو أسفار مقدسة، فكان ينكر أن يسوع ابن إله العهد القديم، الذى أطلق عليه خالق الكون المادى؛ 10 ولكنه كان يؤمن أن يسوع هو ابن الإله الصالح للعهد الجديد. وبالتالى فقد استثنى ماركيون من اسفاره القانونية كل من أناجيل متى ومرقس ويوحنا. فبالنسبة للأناجيل، شملت قائمته فقط من رسائل بولس، المنقحة ايضآ. لقد تأثر ماركيون بالثنائية المتطرفة التى كانت شائعى فى الفلسفة اليونانية، والتى كانت تنظر للروح على أنها خير وللمادة على انها شر. 11

على أن هناك حقيقتين مهمتين ترتبطان بقائمة ماركيون. حيث أنه كان هرطوقيا، فقد اعطت قائمة ماركيون للكنيسة الأولى الدافع “لإصدار قوائم أكثر شمولآ وأقل خصوصية.” 12 فقد كانت هناك بالفعل العديد من الكتب المنتشرة فى مجموعات، مثل رسائل بولس، والأناجيل، ولكن لم تكن هناك قائمة رسمية قد تم حصرها. وهكذا فإن قائمة أسفار ماركيون قد حفّزت الكنيسة على أن تقوم بهذا الأمر بالتحديد.

ثانيأ، رغم أن ماركيون كان هرطوقيآ، وكانت آرائه تتفق إللى درجة كبيرة من التعليم الغنوسى، 13 والذى كان يتنامى بقوة فى ذلك الوقت، الإ أنه قام بإدماج أجزاء فقط من العهد الجديد الذى لدينا إلى قائمته. لقد قام، بدون ريب، بتنقيح هذه الأسفار بصورة كبيرة لكى تتفق مع أغراضه الخاصة، لكن لماذا لم يدمج فى قائمته أعمالآ مثل أنجيل توما أو أنجيل مريم أو أعمال بطرس؟ كما مان ماركيون على دراية كاملة بالأفكار الغنوسية، 14 فلماذا لم يدمج أى من الكتابات الغنوسية فى قائمته؟ أغلب الظن أنها لم تكن قد وجدت بعد. وحتى لو أن البعض منها كان موجودآ فأنها لم تكن تعتبر كتابات أصلية بسبب حداثة عهدها الواضح.

فقد كان فى أستطاعة ماركيون بسهولة أن ينقّح أى عمل غنوسى لكى يخدم أغراضه الخاصة، تمامآ كما فعل فى أسفار العهد الجديد. بل فى الحقيقة أن مهمته ستكون أسهل حيث أنه لم يكن عليه أن يحذف ويعدّل الكثير من الأجزاء كما فعل فى أسفارالعهد الجديد! وهكذا فحقيقة أنه قد استخدم فقط أسفار العهد الجديد لقائمة أسفاره القانونية المقنضبة، وأنه قام بالحذف من تلك النسخ، تفترض أنه حتى هرطوقى متطرف مثل ماركيون كان يعلم أن هذه الأسفار تحظى بالفعل بمكانة سامية.15

بعد ماركيون، بدائت قوائم أسفار أخرى فى الظهور. فقد تكونت قائمة الأسفار الميوراتورية فى الجزء الآخير من القرن الثانى،16 أغلب الظن فى روما. ورغم أن نسخ الأسفار الميوراتورية كانت جميعها مجزأة ومتناثرة،17 فقد كان يمكن تجميع معظمها. وكانت هذه القائمة تشمل الأناجيل الأربعة، وسفر أعمال الرسل، ورسائل بولس الثلاثة عشر، ويهوذا وسفر الرؤيا، ورسالة يوحنا الأولى، وإما رسالة يوحنا الثانية والثالثة أو كلاهما معآ.18 وهكذا، فعلى الأقل كان هناك واحد وعشرون أو اثنان وعشرون سفرآ مدرجة كأسفار جديرة بالثقة قبل نهاية القرن الثانى.

أن المؤلف المجهول لقائمة الأسفار الميوراتورية، يعلّق أيضآ على أسفار أخرى، والتى كانت تندرج تحت ثلاثة أقسام : الأسفار المتنازع عليها، الأسفار المهذّبة والمثقفة ولكنها غير الجديرةبالثقة، والأسفار التى كان يجب رفضها كهرطقات. كان السفر الوحيد المتنازعليه هو سفر رؤيا بطرس: ” لقد تسلمنا فقط رؤيا يوحنا ورؤيا بطرس، رغم أن البعض منا لا يرغب فى أن تتم قراءة الأخير (رؤيا بطرس) فى الكنيسة. “19

وأحدى الكتب التى تم الحكم عليها بأنها مشجّعة ومهذّبة ولكنها غير جديرة بالثقة كانت “راعى هرماس”. فقد تم التعرف عليه ككاتب حديث، وهكذا يمكن أن يقرأ بصورة شخصية. وأخيرآ فأن العديد من الكتب الأخرى تم ذكرها على أنها إصدارات حديثة وهرطقية فى نفس الوقت، ولذلك فلم يتم قبولها على الإطلاق.20

من المهم أن نشير إلى أن كتابة السفر كام عاملآ مهمآ فى تحديد قانونيته. فالسفر الذى يتضح أنه قد كتب بعد زمن الرسل يرفض تصنيفيآ. فبمرور الزمن، وبزوال ذكرياتزمن أسفار معينة، كانت دعاوى القانونية تطلق على بعض الوثائق التى ترجع إلى القرن الثانى. ولكن فى بداية قوائم الأسفار القانونية لم تكن هذه الأسفار موجودة (فى قائمة أسفار ماركيون)، أو كان قد تم رفضها بوضوح (فى الأسفار الموراتورية) حيث أنها حديثة وبذلك فهى ليست رسولية.

هناك كتّاب آخرون بدأوا فى مناقشة مسألة الأسفار القانونية بوضوح. فعلى مدى الحقب التالية، بعض الكتب التى كانت “تقف على الحياد” من الأسفار القانونية ، تم النزاع بشأنها، ولكن الكتب الأساسية بقيت كما هى بصورة كبيرة. فى بعض الأماكن، كانت مختلف الأسفار التى لم يتم تصنيفها أنها قانونية ، ينظر إليها بصورة ايجابية، بل أنها حتى تلقت وضعآ قانونيآ مؤقتآ ومحليآ. ولكن على أية حال، كانت هناك أسفار معينة تظهر بأستمرار فى كل قائمة على أنها جديرة بالثقة وليست محل نزاع والتى بنى عليها إيمان وممارسات الكنيسة. وكما يشير بروس ميتزجر، عالم العهد الجديد:

الأمر الجدير حقآ بالملاحظة … هو أنه رغم الإضافات الثانوية للأسفار القانونية للعهد الجديد ظلت غير مستقرة لعدة قرون، فقد تم الحصول على درجة عالية من الإجماع بشأن الجزء الأعظم من العهد الجديد خلال القرنين الأولين من جميع الجتماعات المتنوعة والمتفرقة ليس فقط عبر بلاد البحر المتوسط ولكن أيضآ عبر المنطقة الممتدة من بريطانيا إلى منطقة بلاد الرافدين.21

والأن ما الذى أدركت الكنيسة الأولى أنه “الجزء الأعظم من العهد الجديد”؟ أو “الأسفار القانونية داخل الأسفار القانونية “؟ كانت الأناجيل الأربعة (متى ومرقس ولوقا ويوحنا) ورسائل بولس الثلاثة عشرة، فى الأغلب موجودة دائمآ فى القوائم، كما كان موجودآ كذلك سفر أعمال الرسل. ففى بعض الحالات النادرة فقط كان هناك شك بشأن أى من هذه الأسفار. كما كان موجودآ عادة رسالتى يوحنا الأولى وبطرس الأولى.

وفى الشرق، اعتبرت الرسالة إلى العبرانيين قانونية وتم وضعها مع رسائل بولس، كما اعتبار سفر الرؤيا قانونيآ فى كثير من الدوائر. وبذلك يكون هناك من عشرين إلى اثنين وعشرين سفرآ من إجمالى السبعة والعشرين سفرآ للعهد الجديد كانت تعتبر باستمرار كتبآ مقدسة بمجرد أن تم استخدام هذا المصطلح فى الإشارة إلى العهد الجديد.

إغلاق الأسفار المقدسة؟

بحلول القرن الرابع كانت الكنيسة قد استقرت حتى بالنسبة لبعض الأسفار موضوع النزاع. فالمؤرخ الكنسى يوسابيوس القيصرى من أوائل القرن الرابع (260-340) كانت له مناقشة مطولة لأسفار العهد الجديد القانونية كما تم التعرف عليها فى الشرق. ولكن مناقشته كانت لا تزال تعكس اتجاهات الآباء الأولين، أكليمندس وأوريجانوس:

عند هذه النقطة يبدو من المهقول أن نلخّص كتابات العهد الجديد التى تم اقتباسها. ففى المقام الأول، يجب أن نضع الأناجيل المقدسة، يتبعهم كتابات أعمال الرسل. وبعد هذه يجب أن نضع رسائل بولس، يتبعها رسالة يوحنا التى يطلق عليها الأولى، وبنفس الوقت يجب إعتبار رسالة بطرس. بالأضافة إلى هذه، يجب أن نضعن إذا رغبنا، رؤيا يوحنا، ةالتى سنعرض الجدل الخاص بها فى الوقت المناسب.

تنتمى هذه السفار إلى قائمة الكتب المعترف بها. (homolegoumena) أما بالنسبة للأسفار موضع النزاع (antilegomena)، فهى المعروف للأغلبية أنها رسالة يعقوب، ورسالة يهوذا، ورسالة بطرسالثانية، ورسالتى يوحنا الثانية والثالثة التى يمكن أن تكون من كتابة البشير نفسه أو شخص آخر بنفس اسمه.22

اعترف يوسابيوس يأن اثنين وعشرين سفرآ من أسفار العهد الجديد السبعة والعشرين، هم ليسوا موضع نزاع (رغم أنه فيما بعد تأرجح بشأن سفر الرؤيا)، والبقية يتم النزاع بشأنها ولكنها تقرأ على نطاق واسع ومعترف يها، كما إدرج الرسالة إلى العبرانيين بين رسائل بولس، رغم أنه فى مكان أخر كان يدرك أن البعض لا يعتبرها من رسائل بولس.وعند بداية القرن الراع، تم اعتبار جميع الأسفار السبعة والعشرين فى العهد الجديد قانونية مبتدئيآ، مع اعتبار الأثنين والعشرين سفرآ أسفارآ قانونية أكيدة. سوف نعود مرة أخرى إلى يوسابيوس فى الفصل التال لكى نرى ما يقوله عن بعض الكتابات الأخرى.

وأما الأن، فإننا نرغب ببساطة فى التركيز على أن معظم أسفار العهد الجديد قد تم قبولها منذ زمن مبكر، وأن حوالى ستة أسفار التى كانت لا تزال على حافة القانونية ، قد تم إعتبارها قديمة ومستقيمة العقيدة. وكما لاحظ دى .إيه. كارسون ودوجلاس جى. مو بشأن عبارة يوسابيوس فإن “الأناجيل وأعمال الرسل  والرسائل الثلاثة عشر لبولس ورسالتى بطرس الأولى ويوحنا الأولى تم قبولها عالميآ فى زمن مبكر للغاية؛ كما أن معظم محتويات الأسفار القانونية  للعهد الجديد كانت تثبتت بالفعل فى عهد يوسابيوس.23

أما فى الغرب، فقد كانت هناك فورة من القوائم غير الرسمية للأسفار القانونية تتكون بواسطة آباء الكنيسة الرواد، وخلال القرن الرابع كانت الأسفار الجوهرية قد أدرجت. وبحلول عام 393، تم أغلاق الأسفار القانونية عندما دخل أوغسطين فى هذه المسألة. وقد أضاف جيروم بأن ناقش بنوع من التفصيل الكتب محل النزاع، وأكثر من ذلك، فقد أدرج الأسفار السبعة والعشرين للعهد الجديد فى ترجمته للكتاب المقدس (المعروفة بأسم “الفولجاتا” أو الترجمة اللاتينية للكتاب المقدس المعتمدة من الكنيسة الكاثوليكية). ومنذ ذلك الوقت، لم تتشكك الكنيسة الكاثوليكية (إلا فى حالات نادرة) بشأن أى الكتب هى المدرجة وأيها غير المدرجة فى الأسفار المقدسة.

أما الموقف فى الشرق فلم يكن بمثل هذا الحسم، فقد كانت هناك حساسية اعظم فى الشرق للكتابات ذات القيمة العالية حتى لو لم يكن الرسل هم الذين كتبوها.وهكذا فغن القوائم الشرقية كانت كثيرآ ما تشمل تلك الأسفار التى كانت يقينية القانونية، وتلك التى كان يحتمل قانونيتها، وتلك التى كانت مصادر جيدة للحق الروحى ولكنها ليست قانونية.

فى عام 367، أعلن أثناسيوس فى خطابه الأحتفالى التاسع والثلاثيت بدون تحفّظ أن الأسفار السبعة والعشرين للعهد الجديد قانونية . لكن لم يتفق الجميع فى الشرق مع أثناسيوس فى هذه القائمة. فقد اتفق معه جريجورى التازيانزى (389) فيما عدا على سفر الرؤيا، كما قبل أمفيلوكيوس (بعد 394) جميع الأسفار ما عدا رسالة بطرس الثانية، ورسالتى يوحنا الثانية والثالثة، كما أن يوحنا ذهبى الفم وثيودور االموبسوستى وثيودوروس، وجميعهم من الشرق وممن كتبوا فى أواخر القرن الرابع أو أوائل القرن الخامس، كلهم أدرجوا على الأقل اثنين وعشرين سفرآ من السبعة والعشرين.

وهكذا فرغم أن يوسابيوس وأثناسيوس قد برهنوا على أن الأسفار القانونية هى سبعة وعشرين سفرآ، إلا أن الآباء الشرقيين فيما بعد قد قاموا بحصر القائمة.

على أنه من المهم أن نلاحظ أن لا أحد منهم قد أضاف أية أناجيل أو رسائل أو رؤى أخرى، لأسفار العهد الجديد القانونية. وأكثر من ذلك، فأن الكتب التى رفضوها كان عليها نزاع منذ البداية – وهى الرسائل القصيرة (رسالتا يوحنا الثانية والثالثة ورسالة يهوذا)، ورسالة بطرس الثانية (لأنها تختلف فى الأسلوب عن رسالة بطرس الأولى)، وسفر الرؤيا (لأنه يختلف فى الأسلوب عن انجيل يوحنا وبسبب نظرته الأخروية الواضحة)، ولكن الكتب الساسية الثنين والعشرين ظلت مؤكدة وموثقة بقوة.

الملخص

كانت الأسفار القانونية للعهد الجديد عبارة عن مجموعة من السفار الجديرة بالثقة “والتى فرضت نفسها بهذه الصفة” 24 على الكنيسة الأولى. وبمجرد ان تم استخدام تعبير الأسفار المقدسة لكى يطلق على أسفار العهد الجديد فإن الأناجيل الأربعة ورسائل بولس الثلاثة عشر تم إدراجها، كما أن أعمال الرسل ورسالة بطرس الأولى ورسالة يوحنا الأولى لم تكن عامة موضوع نزاع، ونفس الأمر يمكن أن يقال عن معظم الرسالة إلى العبرانيين وسفر الرؤيا.

وبنهاية القرن الرابع، كانت الأسفار القانونية قد أغلقت فى الغرب فعليآ، على رغم أنه لم يكن رسميآ. اما فى الشرق، فقد جادلت بعض الأصوات المؤثرة ذات السلطة بأن الأسفار الأسفار القانونية عى سبعة وعشرون، ولكن بعض الكتّاب عارضوا ذلك. لكن من المهم أن ندرك أن معارضتهم لم تكن اتجاه إدراج أسفار أكثر بل أقل، كما أن عددآ قليلآ فقط

من الأسفار التى على حافة القانونية هى التى كان هناك نزاع بشأنها. نفس هؤلاء الكتّاب هم الذين رفضوا الكتب الهرطوقية رفضآ صريحآ، هذا إن كانوا ناقشوها على الأطلاق.

لكن ماذا نفعل بشأن حقيقة ان الأسفار القانونية فى الشرق ظلت مسألة مفتوحة لمدة طويلة؟ يتعلق هذا الأمر بسؤال أكبر، وهو لماذا لم يتكون مجلس رسمى عالمى للكنائس، أو كان هناك قرار قديم ينص على الأسفار القانونية؟ يمكننا أن نستخلص على الأقل ثلاثة انطباعات من هذه الحقيقة.

أولآ: أنه لم يكن هناك على الأطلاق أى ضغط شديد داخل الكنيسة لقبول أسفار معينة على أنها قانونية .25 وقد كان هذا أمرآ مدهشآ للغاية أن تأتى الكنيسة لمثل هذه النتائج الحاسمة بشأن معظم الأسفار فى زمن مبكر، وبشأن البقية فى وقت مناسب.

ثانيآ: حيث أنه لم يكن هناك بيان رسمى محدد بالأسفار، بالطبع تعرضت بعض الأسفار للجدل،على الأقل فى جانب من الكنيسة. وقد كان الجدل يتعلق دائمآ بما إذا كانت الأسفار رسولية، وشاملة، ومستقيمة العقيدة. وعلى هذا الأساس بدت الأسفار القصيرة أنها تفتقر للشمولية لأنها بسبب قصرها بدا من السهل تجاهلها، وكانت رسالة بطرس الثانية محل شك بسبب الشك فى مصدرها الرسولى، كما كان هناك شك فى سفر الرؤيا بسبب أمور تتعلق بسلامة العقيدة.

ولكن رسائل بولس والأناجيل كانت هى القلب والأساس دائمى عن الجبهات الثلاث. وقد كان الفتقار لقرار يصدره مجلس كنسى رسمى هو الذى سمح للكنيسة القديمة أن تصارع بشأن شرعية هذه الأسفار، وعلى هذا الساس فإن اهم الأسفار الأساسية لم يتم الشك فيها مطلقآ.

ثالثآ: حيث أنه لم يكن هناك قرار ينص على الأسفار القانونية فهذا أيضآ يخبرنا ضمنيآ بأن الأسفار القانونية كانت عبارة عن مجموعة من الكتب الجديرة بالثقة أكثر من كونها من الأسفار التى تم التوثّق منها. فتلك الأسفار التى تنتمى للأسفار القانونية تنتمى إليه بسبب قيمتها الأصلية وأصالتها كشهادات ليسوع المسيح، ليس لأن مجلسآ ما للكنائس قد أعلن أنها جديرة بالثقة والقبول، فكما يشير ميتزجر:

لا تنتفع الكتب الدينية أو الأعمال الأدبية حقيقة بأى شئ بمجرد أن يطبع عليها الختم الرسمى، فمثلآ لو كان فى الإمكان أن تتحد جميع الأكاديميات الموسيقية فى العالم فى إعلان أن باخ وبيتهوفن موسيقيان عظيمان، فإننا سنقول لها، “إننا نعلم ذلك بالفعل، فلا داعى لإعلانكم”، فإن ما يعترف به الجمهور الموسيقى بدون مساعدة، يشبه كذلك من لديهم التمييز الروحى فى الكنيسة الأولى الذين استطاعوا أن يميزوا كتاباتهم المقدسة من خلال ما اطلق عليه كالكفن الشهادة الداخلية للروح القدس.

على أن تلك الشهادت الداخلية للروح القدس لم تخلق هى سلطة الكتب المقدسة (الموجودة فيها بالفعل)، ولكنها كانت الوسيلة التى بواسطتها اعترف المؤمنون بسلطة هذه الكتب. فهى متلازمة مع الأصالة الذاتية للكتب المقدسة، كما أنه ولا آباء الكنيسة ولا كالكفن حاولوا أن يحسموا الخلافات الخاصة بتوصيف الأسفالر القانونية عن طريق الدعوة البسيطة للاحتكام إلى ما يمليه الروح القدس.26

إننى ارغب فى أن أختم هذا الفصل بالعودة إلى سؤالنا الأصلي: هل قامت الكنيسة الأولى بالأختيار الصحيح عندما أختارت الأسفار التى يجب إدراجها ضمن الأسفار القانونية؟ دعونا نفترض جدلآ، أن أسفار يوسابيوس “المعترف بها” فقط هى التى كان يجب أن تكون ضمن الأسفار القانونية. فما الذى كنا سنفقده فى هذه الحالة؟ كنا سنفقد فقط خمسة أسفار تحوى إحدى عشر أصحاحًا. فليس من المصادفة أن بعضآ من أقصر الأسفار فى العهد الجديد هى التى كانت فى قائمة النزاع. فإنه ببساطة لم يكن يتم الأستشهاد بها كثيرآ كما كان يحدث مع الأسفار الأطول، ولم تكن تقع تحت رادار تأكيدات آباء الكنيسة الأوائل.

فأمر ملاحظة الأسفار هذه الأسفار القصيرة، كان بمثابة ملاحظة كل أصحاح من غصحاحات رسائل بولس، حيث أن ثلاثة من هذه الأسفار مكونة من مجرد أصحاح واحد.كما أنه ولا واحد من هذه الأسفار يعتبر شاهدآ رئيسيآ على تاريخية شخص يسوع المسيح، رغم أنها بالتأكيد تسهم فى فهم هويته وما كانت الكنيسة الأولى تعتقده بشأنه.

أننا لا نفترض بالطبع أن هذه الأسفار كان يجب أن تحذف من العهد الجديد، ولكننا نقولإنه حتى لو أنها حذفت، فإن صورة يوع لم تكن لتتأثر على الأطلاق بل كانت ستظل كما هى تمامآ. فافتراض أنه حيث أن قائمة السفار القانونية كانت لا تزال مفتوحة فى القرن الرابع فهذا معناه أن لدينا الحق فى أستبدال الأناجيل الأربعة بأية أسفار أخرى، أو أن تلقى برسائل بولس بعيدآ، لهو أفتراض سخيف للغاية، أذ أنه ببساطة لا يتفق مع حقائق التاريخ.

فبدلآ من أن نرى الكنيسة القديمة وكأنها قد تورطت فى نوع من التغطية، ربما يمكننا أن نتساءل عن دوافع من يقومون بهذه الاّدعاءات فإنهم شديدو النتقاء والعجرفة فى كيفية تذكّرهم للماضى، بحيث أن الحقائق التاريخية تبدو لهم وكأنها أمور تافهة قد اعترضت طريق إحدى القصص الجيدة. وتمامآ كما قام ماركيون بحذف أجزاء من نسخته لإنجيل لوقا، فإن هؤلاء المنقحين التاريخيين قد عوجوا بيانات التاريخ وذكروا فقط تلك الأجزاء من القصة التى تدعم مزاعمهم.

قانونية أسفار العهد الجديد، لماذا لدينا 27 سفر؟

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

Exit mobile version