رسائل السنوديقا أو الرسائل المجمعية المتبادلة بين باباوات كرسي الأسكندرية وبطاركة السريان الأرثوذكس بأنطاكيا

رسائل السنوديقا أو الرسائل المجمعية المتبادلة بين باباوات كرسي الأسكندرية وبطاركة السريان الأرثوذكس بأنطاكيا

رسائل السنوديقا أو الرسائل المجمعية المتبادلة بين باباوات كرسي الأسكندرية وبطاركة السريان الأرثوذكس بأنطاكيا

رسائل السنوديقا [1] أو الرسائل المجمعية المتبادلة بين باباوات كرسي الأسكندرية وبطاركة السريان الأرثوذكس بأنطاكيا

د. جوزيف موريس فلتس

تعريف بالمصطلح:

كلمة “سنوديقا” ليست كلمة عربية بل هى كلمة يونانية “Sunodika…” وهى صفة في صيغة الجمع المؤنث لكلمة مجمع “SÚnodoj”. هذه الصفة “Sunodika…” كُتبت بحروف عربية حسب النطق اليونانى بمعنى أنه جرى لها ما يُعرف بـ Transliteration، ومع قليل من التحريف فى النطق، صارت “سنوديقا”.

رسائل السنوديقا:

رسائل السنوديقا إذًا معناها الرسائل المجمعية. ولقد ورد هذا المصطلح في نصوص التراث العربى المسيحى لوصف الرسائل التي اعتاد كل من باباوات كرسى الأسكندرية وبطاركة[2] السريان الأرثوذكس بأنطاكية تبادلها عند سيامة أحدهم بطريركًا في كنيسته، ولوصف الردود على هذه الرسائل أيضًا، يذكر كاتب مخطوط اعتراف الآباء الذي يرجع تاريخه إلى ق11 عن بطريرك الأسكندرية الثالث والثلاثون (528 ـ 559م)، ما يأتى: “وقال القديس ثاودسيوس المعترف بالحق في رسالة السنوديقا التي كتبها لما صار بطريركًا على كرسى الأسكندرية إلى الطاهر ساويرس بطريرك أنطاكية…“[3]، كما يذكر كتاب تاريخ البطاركة عن بطرس بطريرك أنطاكية في القرن السادس أنه ” من أجل الإتحاد بين الكرسيين كتب بطرس رسالة سنوديقا إلى الأب دميانوس البطرك كما جرت العادة“[4].

كما نقرأ في السنكسار عن عادة كتابة وتبادل هذه الرسائل بمجرد سيامة باباوات وبطاركة الكرسيين السكندرى والأنطاكى، فنسمع في اليوم السابع عشر من شهر بابة المبارك، وهو عيد نياحة البابا ديسقوروس الثانى بابا الأسكندرية الحادى والثلاثين والمُلقب بديسقوروس الجديد (516 ـ 518م) ” أن هذا الأب كان وديعًا في أخلاقه، فاضلاً في علمه وعمله، كاملاً في حياته، حتى أنه لم يكن مَن يشبهه في جيله، فقُدِّم بطريركًا بإرشاد الروح القدس، وكانت باكورة أعماله أنه بعد ارتقائه الكرسى المرقسى كتب رسالة مجمعية (سنوديقا) إلى الأب القديس ساويرس بطريرك أنطاكية ضمنها القول عن الثالوث الأقدس المساوى في الجوهر والألوهية ثم شرح التجسد وأن الله الكلمة قد اتحد بجسد بشرى كامل في كل شئ بنفس عاقلة ناطقة.

وأنه صار معه بالإتحاد ابنا واحد ومسيحًا واحدًا ربًا واحدًا لا يفترق إلى اثنين وأن الثالوث واحد قبل الإتحاد وبعده لم تدخل عليه زيادة بالتجسد. ولما وصلت الرسالة إلى الأب ساويرس قرأها وفرح بها وتلاها على الشعب الأنطاكى فاستبشر بها وكتب إلى القديس ديسقورس رد الرسالة يهنئه بالرئاسة المسيحية والأمانة الأرثوذكسية ويوصيه أن لا يحيد عنها يمينًا أو شمالاً وأن يعتمد في جميع أقواله وأفعاله على الأمانة التي وضعها الآباء الثلثمائة والثمانية عشر بنيقية وعلى ما أقروا به من القوانين والسنن، ولما وصلت هذه الرسالة إلى الأب ديسقورس قبلها بفرح، وأمر بتلاوتها فقُرئت من فوق المنبر ليسمعها كل الشعب“[5].

كما يرد في سيرة الأنبا أنسطاسيوس بابا الأسكندرية السادس والثلاثون(589 ـ 611م) ” أن بطرس المخالف بطريرك أنطاكية كان قد مات وأُقيم عوضًا عنه راهب قديس عالم يسمى أثناسيوس قويم المعتقد، الذي بمجرد أن صار بطريركًا عمل على تجديد الإتحاد بين كنيستى الأسكندرية وأنطاكية فكتب رسالة بالإيمان المستقيم وأرسلها إلى الأب أنسطاسيوس ففرح بها جدًا وقرأها عليهم ثم رد على الأب أثناسيوس وبأنه يتمنى من صميم قلبه أن يراه“[6].

 

اللغة التي كُتبت بها رسائل السنوديقا:

كانت اللغة اليونانية هى اللغة السائدة في منطقة الشرق الأوسط بجانب اللغات المحلّية كالقبطية في مصر والسريانية في أنطاكية. وبعد الفتح العربى في القرن السابع سادت اللغة العربية رويدًا رويدًا. وكان من الطبيعى والأسهل استخدام اللغة اليونانية السائدة في ذلك الوقت والتي كتب بها آباء كل من الأسكندرية وأنطاكية، لكتابة رسائل السنوديقا. أما بعد أن انتشرت اللغة العربية وصارت مستخدمة في كل من الكنيستين صارت هى اللغة التي دُونت بها هذه الرسائل، غير أنه لا يمكننا بسهولة أن نحدد متى بدأ استخدام اللغة العربية بدلاً من اليونانية.

ما نستطيع أن نقوله هو أن الكنيسة السريانية اهتمت بترجمة هذه الرسائل من اليونانية إلى السريانية لتعم فائدتها حيث يذكر البطريرك الأنطاكى أغناطيوس افرام الأول (1887 ـ 1957) في كتابه اللؤلؤ المنثور وفي الفصل الثلاثون في ترجمات التصانيف الأعجمية ما يلى ” صرف السريان أبعد الهمم وجهدوا في ترجمة المصنفات اليونانية إلى السريانية نزوعًا إلى العلم وولوعًا به “[7]. وفي المقصد الثالث من هذا الكتاب حيث يذكر الترجمات من سنة 451م فما بعد، يورد بيانًا بالرسائل المجمعية التي ترجمت من اليونانية إلى السريانية مع ذكر اسم كل من المرسل والمرسل إليه ومدة بطريركتهما وبداية الرسالة وعدد صفحاتها وأحيانًا السنة التي أُرسلت فيها وعن أى مخطوط ترجمت[8].

أما في الكنيسة القبطية فقد اهتم كاتب مجهول في القرن الحادى عشر بترجمة نصوص هذه الرسائل التي تحوى في الأساس اعتراف كل من باباوات الأسكندرية وبطاركة أنطاكية بالإيمان الأرثوذكسى وتمسكهم بالتقليد المقدس وأقوال آباء الكنيسة وتعاليم المجامع المقدسة، من اليونانية إلى العربية في كتاب واحد يعرف بـ “اعتراف الآباء”[9]. هذا المخطوط الهام يحوى نصوص هذه الرسائل المترجمة إلى العربية عن اليونانية وأيضًا المكتوبة مباشرةً باللغة العربية[10].

 

كاتب رسائل السنوديقا:

كان باباوات الأسكندرية وبطاركة أنطاكية يقومون بكتابة هذه الرسائل بأنفسهم في أغلب الأحيان، أو يقوموا بتكليف أحد الآباء الأساقفة أو الكهنة المشهود لهم بسعة الإطلاع والتضلع في العلوم الدينية واللاهوتية والعقائدية بكتابتها نيابة عنهم. فعلى سبيل المثال نجد في ختام رسالة السنوديقا التي أرسلها البابا فيلوثاوس الـ63 (970 ـ 995م) في القرن العاشر إلى البطريرك أثناسيوس الخامس بطريرك أنطاكية الـ61 (987 ـ 1003م) ما يلي: ” … يقبل قدميك مقاره الحقير الكاتب أسقف منوف الذي كتب هذه السنوديقا العنوان بخط انبا فيلوثاوس برحمه الله أسقف الأسكندرية كتبت بيدى ورسمت هذه الرسالة السنوديقا إلى القديس انبا أثناسيوس بطريرك مدينة الله أنطاكية “[11].

ويذكر كاتب ” تاريخ البطاركة ” في سيرة البابا خرستوذولوس الـ 66 ( 1046 ـ 1077م) أنه ذهب إلى دير ابو مقار بوادى هبيب “وكان انبا ميخائيل كاتب السنوديقا هناك معه “[12]. ويذكر المؤرخ كامل صالح نخلة أن من كان يكتب رسائل السنوديقا من الأساقفة أو الكهنة كان يقيم في القلاية البطريركية أى في دار البطريركية.

حامل رسائل السنوديقا:

كان يحمل رسائل السنوديقا ـ عادةً ـ وفد مكون من أساقفة وكهنة وشمامسة ليقوم بتقديمها للبابا أو البطريرك المرسلة إليه. فعلى سبيل المثال نجد أن رسالة البابا يوحنا الثانى الـ30 (497 ـ 508م) إلى البطريرك ساويرس الأنطاكى كانت بيد كل من الأسقف إيلاريانس والقس واليس والشماس قرطوريوس[13]. وكان الوفد الذي حمل رسالة البابا مرقص الثانى الـ45 (790 ـ 830م) إلى البطريرك الأنطاكى قرياقس الـ48 (793 ـ 817م)، مكون من أسقفين يجيدان اليونانية أحدهما مرقس أسقف تنيس الحكيم والآخر مرقس أيضًا أسقف الفرما ومعهما الشماس جرجه قيّم بيعة الأسكندرية[14].

ومن الجهة الأخرى بعث البطريرك الأنطاكى يوحنا الحادى عشر الـ64 (1058ـ 1073م) رسالة سنوديقا إلى أخيه البابا السكندرى خرستوذولوس الـ66 (1039 ـ 1069م) بيد الأنبا تيموثاوس مطران بيت المقدس[15].

 

ذكر تاريخ إرسال السنوديقا:

لم يسجل كل من كاتبوا الرسائل أو مَن اعتنى بترجمتها، التاريخ الذي أُرسلت فيه الرسالة، واكتفوا بالقول بأنها أُرسلت ” لما صار ” هذا البابا أو ذلك البطريرك على كل من كرسى الأسكندرية وأنطاكية، أو بالقول بأن كتابة الرسالة كانت ” باكورة أعمال البابا “[16]. غير أننا نجد من بين كل رسائل السنوديقا والتي يبلغ عددها 32، ثلاث رسائل فقط قد حملت تاريخ الإرسال حسب تقويم الشهداء وأحيانًا حسب التقويم الهجرى أو الميلادى. وهذه الرسائل المدونة في مخطوط اعتراف الآباء، هى التي بعث بها كل من:

1ـ البابا زخارياس الـ 64 (996 ـ 1023م) إلى البطريرك الـ 62 يوحنا بن عبدون العاشر (1004 ـ 1030م) في سنة 403هـ.

2ـ البابا سانوتيوس الثانى الـ 65 (1024 ـ 1038م) إلى البطريرك ديونيسيوس الـ 63 (1032 ـ 1042م) في 752 ش 1035م.

3ـ يوحنا 11 البطريرك الأنطاكى الـ64 (1058ـ1073م) إلى البابا خرستوذولس الـ62 (1039 ـ 1069م) في سنة 882 للشهداء.

كما يمدنا كتاب اللؤلؤ المنثور بمعلومات عن تاريخ إرسال الرسائل الآتية[17]:

1 ـ رسالة يوحنا الثانى رئيس أساقفة الأسكندرية سنة (505 ـ516) إلى ساويروس بطريرك أنطاكية في 8 نيسان وهو اثنين اسبوع البياض سنة 516 لأنطاكية 512م.

2 ـ رسالة مجمعية (سنوديقية) من يوحنا الثالث[18] الأسكندرى إلى أثناسيوس الثانى بطريرك أنطاكية في 4 حزيران سنة 686م.

3 ـ جواب يوحنا الرابع الأنطاكى إلى يوسف[19] الأسكندرى سنة 846م.

 

ظروف أدت لعدم كتابة السنوديقا:

مرت منطقة الشرق الأوسط بفترات عصيبة خلال التاريخ بسبب الحروب والمنازعات ولم تسلم مصر وبلاد الشام من هذه الحروب، الأمر الذي إنعكس على كافة سكان تلك البلاد وأيضًا على أحوال كرسيّ كل من الأسكندرية وأنطاكية، فلم يتمكن البابا بالأسكندرية أو البطريرك بأنطاكيا من كتابة وإرسال السنوديقا كل منهما للآخر كما جرت العادة، واكتفى الآباء بزيارة قام بها بطريرك أنطاكية لبابا الأسكندرية وحدث هذا الأمر في حبرية البابا يعقوب والمشهور بالعمود المضئ الـ50 (819 ـ 830م) والبطريرك ديونيسيوس الأنطاكى.

ويذكر كاتب تاريخ البطاركة بخصوص هذا الأمر ما يلي: ” ونعود الآن إلى خبر انبا يعقوب مع ديونوسيوس بطرك أنطاكية وأنه لم يمكنه أن ينقذ سنوديقا لأجل الحروب بمصر والشرق وكذلك الأب البطرك ديونوسيوس كان يسمع بأفعال الأب البطرك انبا يعقوب وكان يشتهى أن يسلم عليه وهو في الجسد فلما أنفق له هذا الأمير وهو متوجه إلى مصر سار صحبته إليها حتى وصل إلى مصر فلما نظره أبونا انبا يعقوب فرح فرحًا عظيمًا روحانيًا وتلقاه أحسن تلق وتهللت جميع كورة مصر بمشاهدتها بعضًا لبعض وكانوا الكهنة المصريون يقروؤا قدامهما من قول داءود الرحمة والعدل التقيا والصدق والسلامة أقبلا إلينا ثم أقام الأب ديونوسيوس البطرك بأنطاكية عند الأب انبا يعقوب أيامًا كثيرة ليشبع كل واحد منهما من قدس الآخر “[20].

 

السنوديقا رسالة غير شخصية:

لما كان محتوى رسائل السنوديقا وهدفها هو الإقرار بالإيمان وإعلانه طلبًا للشركة والوحدة بين كرسيّ أنطاكية والأسكندرية، لهذا لم يكن لهذه الرسائل طابعًا شخصيًا بمعنى أنها لم تكن تعبّر عن الآراء الشخصية لمَن يقوم بكتابتها بقدر ما تعبّر عن إيمان الكنيسة التي أؤتمن عليها ” والمسلّم مرة للقديسين ” والذي هو إيمانه الشخصى في نفس الوقت، والحادثة التي ورد ذكرها في سيرة البابا كيرلس الثانى الـ 67 (1078 ـ 1092م)، يمكن أن نبررها في ضوء هذا الملمح غير الشخصى لرسائل السنوديقا حيث كان البطريرك الأنطاكى ديونيسيوس الرابع الـ 63 (1032 ـ 1042م) قد أرسل سنوديقا إلى البابا خرستوذولوس الـ66 (1046 ـ 1077م) حملها القس توما، وحدث أنه ” بعد أن وصل توما القس في هتور سنة سبع ماية خمسة وتسعين للشهداء ومعه الرسالة السنوديقا من ابا ديونوسيوس بطرك أنطاكية ومطارنته وأساقفته وكهنته فوجدوا الأب انبا اخرسطودلوس قد تنيح وجلس الأب انبا كيرلص بعده فغير ترجمة السنوديقا باسمه[21] وأوصلها إليه وقريت في كنائس مصر وذكر اسمه على هياكلها ودعى له فيها في أوقات الصلوات والقداسات كما جرت العادة وكتب له (أى البابا كيرلس) رسالة سنوديقا جوابًا على رسالته “[22].

 

أهداف رسائل السنوديقا:

بناء على ما ورد في نصوص هذه الرسائل نستطيع أن نقول أن هناك أهدافًا متعددة دفعت الباباوات والبطاركة إلى تبادل هذه الرسائل، هذا ويمكن إجمال هذه الأهداف فيما يلي:

1 ـ إعلان الإتفاق التام في الإيمان الأرثوذكسى ومن ثم الشركة الرسولية الكاملة والإتحاد بين الكنيستين:

وهذا ما عبّر عنه البطريرك الأنطاكى باسيليوس الـ55 (923 ـ 935م) في ختام رسالة السنوديقا التي رد بها على رسالة الأنبا قزمان (قسما) الثالث البابا الـ58 (911 ـ 923م) حين كتب ما يلي ” إننا نقول الآن لقدسكم أيها الأخ المغبوط أننا أثبتنا لكم أننا متفقون معكم كل الموافقة بالأخوة الروحية وذلك بما أوردناه لكم من النصوص الأبوية التي تلهجون بها دائمًا ونحن واثقون أنكم مقتنعون بإتحادنا معكم قولاً وعملاً واختيارًا في الشركة الرسولية.

وكما أن المولودين الذين لهم مساواة النفس إذا تقابلوا معًا ونظروا لبعضهم يشفون غليلهم ويطفئون نيران أشواقهم، هكذا نحن الذين لنا الروح الواحد الملتهبة شوقًا التي بالرغم من بعد البلاد وبعد الأشخاص ترى بعضًا بأعينها الحادة ونبل شوقنا ونعانق بعضنا معانقة الغرباء إذا جمعهم الوطن الواحد “[23].

وكان إعلان الوحدة في الإيمان والشركة الكامله بين الكرسيين الرسوليين يتم بأن يأمر البابا أو البطريرك بأن يُدرج اسم أخيه في الطلبات (الأواشى) في القداسات. فقد ورد في نهاية رسالة السنوديقا التي بعث بها البابا فيلوثاوس الـ 63 في القرن العاشر إلى أخيه البطريرك الأنطاكى أثناسيوس الـ 61 ما يلي ” … وتقدمنا إلى ساير الكور ليصلوا ويذكروك في كل قداس تبّت الله اسمك “[24].

2 ـ للرد على الأسئلة التي يوجهها أحد البطاركة لأخيه للإستفسار عن أمور تتعلق بالإيمان ومسائل تمس العقيدة:

فقد حدث أن بعث البطريرك الأنطاكى أثناسيوس الـ 61 إلى أخيه البابا فيلوثاوس الـ 63 في القرن العاشر برسالة حملها إليه توفيلس مطران دمشق وباسيليوس مطران طبرية، يسأله فيها عن أمر موت الرب يسوع على الصليب وكيف تم. فقد جاء في مقدمة جواب البابا فيلوثاوس بابا الأسكندرية عليه ما يلى ” فهمت ما كتبت به أيها الأخ المكرم الحبيب أطال الله بقاك وآدام نعماك وكبت أعداك ونجاك بشفاعة السيدة وجميع القديسين ثم أنى وقفت على مسالتك فيما خطر بقلبك أحياه الله وعمّره بالسرور وهو أن موت سيدنا المسيح لما كان من مفارقة النفس للجسد من حيث لم يفارق اللاهوت للجسد ولا للنفس…“[25].

3 ـ تصحيح تعاليم مخالفة للإيمان المستقيم:

جاء في سيرة البابا داميانوس البطريرك الـ 35 (563 ـ 598م) كما سجلها لنا كاتب تاريخ البطاركة ما يلى ” لما تنيح الأب ثاوفانيوس البطرك ومضى إلى الرب عمد أهل أنطاكية إلى رجل من كهنة البيعة اسمه بطرس فجعلوه بطركًا وكان غليظ القلب مظلمًا في أفكاره مضطرب العقل مقاومًا للأمانة المستقيمة كما قال الحكيم في الله كيرلس البطرك القديس لأجل أصحاب أناطوليوس أنهم مظلموا الأفكار. ومن أجل الإتحاد الذي بين الكرسيين كتب بطرس رسالة سنوديقا إلى الأب داميانوس البطرك كما جرت العادة.

فلما وصلت السنوديقا إليه فرح بها وجمع الأساقفة وفيما هو يميز كلامه المنصوص فيها وجد فيه عثرة في الإعتراف بالثالوث وطلب بحكمته ودعته أن يجذب إليه بطرس المذكور[26] برفق حتى لا تنقسم البيعة ولا يفترق الإتحاد الذي بيد الكرسيين، فكتب إليه ميمرًا (مكتوب)[27] يذكر فيه جميع المخالفين والتعليم الذي وضعه ساويرس البطرك غرضًا في أن يفهمه الأمانة ليدبر عقله لأن بطرس قال بحكمته البرانية أنه لا حاجة إلى ذكر الثالوث وكانوا معلموا البيعة أجمعون وكيرلس الحكيم ومن حياء بعده إلى أيام داميانوس في كتبهم يعترفون بالثالوث المقدس أنه ثلثة أقانيم طبيعة واحدة … والمجد للثالوث المقدس المساوى الكامل في كل شئ الذي لا يقبل شيئًا جديدًا ولا اسمًا جديدًا بالجملة بل أساميه ثابتة وأفعاله معًا.

هذا الكلام كتب به الأب داميانوس البطرك إلى بطرس بطرك أنطاكية. وكان بطرس بطرك أنطاكية مثل الأفعى العمياء التي تسد أذنيها فلا تسمع كلام الحاوى ولا دواء يصنعه حكيم بل بقى مدمنا على فكره الضال يعترف ويقول بلسانه ما الحاجة إلى تسمية الثالوث بهذا وكان يقسم الثالوث الغير منقسم فصار بين المصريين والشرقيين خصومه لهذا السبب وأقاموا هكذا عشرين سنة مختلفين بغير اتفاق “[28]، ” حتى جددها أثناسيوس البطريرك الأنطاكى في مجمع عقده في دير على ساحل البحر المتوسط بمصر في أوائل الجيل السابع “[29].

أو كما سجل لنا تاريخ البطاركة ما حدث بقوله ” فقام المغبوط أثناسيوس وأخذ معه خمسة أساقفة فضلاء معلّمين وسار في مركب إلى الأسكندرية فلما وصلوا أعلموهم أن الأب أنسطاسيوس البطريرك في الديارات فخرجوا إليه فلما سمع أن بطرك أنطاكية قد جاء إليه جمع الأساقفة والكهنة والرهبان وقام بتواضع كثير عظيم وخرج ماشيًا حتى تلقاه بالقراءة والتسبيح والفرح والبهجة ودخلوا جميعًا إلى الدير الذي هو ساحل البحر شرقي بحرى الديارات، وجلسوا فيه هناك بسلامة وفرح وأنفذ الأب أنسطاسيوس للوقت وأحضر كهنة الأسكندرية كلهم ليحضروا إجتماع الآباء وليكملوا القداس معهم ويتناولوا السرائر المقدسة وتكلم أثناسيوس في ذلك المجمع بكلام عجيب مملوء حكمة حتى تعجب كل مَن كان حاضرًا ثم قال في هذه الساعة يا أحبائى يجب أن نأخذ قيثارة وأعواد ونرتل بصوت المزمور ونقول إن الرحمة والحق تلاقيا أثناسيوس وأنسطاسيوس قبلا بعضهما بعضًا، الحق من أرض مصر ظهر والبر من الشرق أشرق وصارت مصر والشام مقالة واحدة صارت الأسكندرية وأنطاكية بيعة واحدة وعذراء واحدة لعريس واحد طاهر نقى هو الرب يسوع المسيح الابن الوحيد كلمة الآب … ومن ذلك اليوم صار الإتفاق بين كرسى أنطاكية وكرسى الأسكندرية إلى يومنا هذا“[30]. والجدير بالذكر أن هذه كانت المرة الوحيدة ـ حسب ما نعلم ـ التي حدثت فيها مثل هذه الأمور بين الكنيستين.

 

حالة امتنع فيها البابا الأسكندرى عن كتابة رسالة سنوديقا:

رغم أن الباباوات والبطاركة كانوا حريصين على كتابة وإرسال هذه الرسائل بمجرد سيامتهم، تحقيقًا لوحدة وشركة الإيمان بين الكنيستين كما رأينا، إلاّ أن هذا الحرص كان يدفعهم في بعض الأحيان إلى التروى في كتابة هذه الرسائل أو حتى الإمتناع عن كتابتها وإرسالها إن كان هذا سيؤدى إلى إضفاء شرعية وقانونية على أمر يخالف القوانين الكنسية.

حدث مثل هذا الأمر في عصر البابا خائيل (ميخائيل) الأول الـ 46 (743 ـ 767م) وولاية هشام بن عبد الملك الذي كان يتحكم في سيامة البطاركة. وفي أنطاكية كان من الصعب عليهم سيامة أحد الرهبان فأقاموا أحد الأساقفة بطريركًا خلافًا لقوانين الكنيسة، أدى هذا إلى حدوث خلاف بين الأساقفة ووصل الأمر إلى الشكوى للملك.

ويخبرنا كتاب تاريخ البطاركة عن هذه المشكلة وموقف بابا الأسكندرية خائيل تجاهه فيذكر الآتى: ” وكان أبونا يوحنا البطرك بأنطاكية الذي كان أسقفًا بينه وبين أساقفته مشاجرة عدة أيام ولم يستطع الصلح وكتب إلى الملك وكتب سنوديقا ما وجد سبيلاً لإنفاذها إلاّ في ذلك الوقت فلم وصلوا وتسلّم الأب أنبا ميخائيل من الرسل السنوديقا والكتب فقرأها وحزن جدًا لأجل الخلف التي بينه وبين أساقفته لأنهم قالوا أنه أسقف وليس هو بطرك وأنهم لم يقدروا أن يخاطبوه في أيام هشام بالبطرك ثم أن أنبا ميخائيل أحضر جميع أكابر أساقفته بكورة مصر وقرئ عليهم الكتب فقالوا نحن ما نكتب إلى هناك كتابة ولا ننفذه لأن هذا أمر فيه صعوبة إن أرادوا أن يخرجوه قال لهم السلطان لا لأنه أسقف وإن كتبنا إليهم أن لا يخرجوه إنقسمت الأساقفة كما قد كتبوا بل اجعل يا أبانا الأمر باقيًا على ما هو عليه ففعل ذلك“[31].

 

محتوى رسائل السنوديقا:

سبق أن تكلمنا أن رسائل السنوديقا هى رسائل عبّر فيها كل من باباوات كرسى الأسكندرية وبطاركة كرسى أنطاكية عن الإيمان المستقيم. ولهذا نجد أن هذه الرسائل قد احتوت على الشهادة للإيمان بالثالوث القدوس الآب والابن والروح القدس، وبالتجسد الإلهى وتعاليم الكنيسة فيما يختص بطبيعة السيد المسيح واتحاد الطبيعتين الإلهية والبشرية في طبيعة واحدة متجسدة وأقنوم واحد متجسد في شخصه الواحد البسيط. أو كما يذكر السنكسار عن محتوى رسالة البابا ديسقوروس فيقول: ” ضمنها القول في الثالوث الأقدس المساوى في الجوهر والألوهية. ثم شرح التجسد وأن الله الكلمة قد اتخذ جسد بشرى كامل في كل شئ بنفس عاقلة ناطقة. وأنه صار معه الاتحاد[32] ابنًا واحدًا، مسيحًا واحدًا، لا يفترق إلى اثنين وأن الثالوث واحد قبل الإتحاد وبعده ولم تدخل عليه زيادة بالتجسد “[33].

 

الإستشهاد بنصوص الكتاب المقدس:

 حوت نصوص الرسائل على شواهد لآيات من العهد القديم وخصوصًا من سفر إشعياء النبى (4 مرات)، ومن أسفار العهد الجديد (12 مرة).

 

التأكيد على التمسك بالتقليد:

من الجدير بالملاحظة هو اهتمام كُتّاب هذه الرسائل ـ وهم يسجلون اعترافهم ـ بالتقليد وما تسلموه من الآباء إذ أن هذا هو الضامن الأكيد لحفظ الإيمان بدون أى تغيير أو تجديد أو كما قال القديس أثناسيوس أن الرب قد أعطى الإيمان والرسل كرزوا به والآباء حفظوه[34]. ولهذا نجد أن عددًا كبيرًا من الرسائل (21 رسالة) قد حوت على مثل هذه العبارة ” أما نحن فلا نأتى بأمانة جديدة بل نتأدب من كل شئ يحفظ الأمانة الجليلة التي سلمها لنا آباؤنا الأطهار ونرفض ما قرر غيرهم“.

أو كما ورد في رسالة البطريرك الأنطاكى قرياقص الـ 48 (793 ـ 817م) إلى البابا مرقص الثانى (799 ـ 819م) ” هذا هو إعتقادنا في الثالوث بحسب ضعف منطقنا (تعبيرنا) لكن كما علّمنا آباؤنا “[35]. وأيضًا ” أما نحن فما علمتنا هكذا بيعة الله، نحن نعلن كلام آبائنا الأطهار الصحيح المملوء حياة “[36]. ويختم البابا خرستوذلوس الـ 66 (1039 ـ 1069م) رسالته إلى البطريرك الأنطاكى يوحنا العاشر الـ 64 (1042 ـ 1057م) بما يلي: ” هذا الميراث الأفضل والغنا العظيم الذي ورثناه من الآباء القديسين الأجلاء وتلقناه من السادة الموعزين إلينا منيرين العالم الذين أضأت بتعاليمهم المسكونة بأسرها “[37]. ولم يكن تمسك البطاركة في الكرسى الأنطاكى بالتقليد أقل من باباوات الأسكندرية. وهنا نأتى بمثال على ذلك من رسالة السنوديقا التي بعث بها البطريرك أثناسيوس الخامس الـ 61 (987 ـ 1003م) إلى شريكه البابا فيلوثاوس الـ 63 (970 ـ 995م) ” … هذا قلناه في هذا المعنى بالإختصار حسبما سلموه إلينا الآباء القديسين “[38].

وفي موضع آخر من نفس الرسالة وفي سياق حديثه عن الإتحاد الأقنومى يقول: ” … ومن هنا تبّت الإتحاد الحقانى الأقنومى طبع واحد اقنوم واحد للكلمة المتجسد كما علمونا الآباء لابسى الله “[39]. ونختم هذه النقطة بالإشارة إلى رسالة البابا سانوتيوس الثانى الـ 65 (1024 ـ 1038م) إلى البطريرك الأنطاكى ديونيسيوس الرابع الـ 63 (1032 ـ 1042م) والتي يعبّر فيها عن نفس هذا المعنى بقوله إن ما يعلّم به من جهة التجسد الإلهى وشرح كيفية الإتحاد الأقنومى هو ” كما علمونا الآباء لابسوا الله “[40].

ولم يكتف كاتبو الرسائل بالإشارة إلى الآباء المعلّمين بل يذكرون أسماء الآباء ومقاطع من نصوصهم وكتاباتهم العقائدية ملقبين إياهم ومن تبعهم ” بالأرثوذكسيين “[41] وليس هذا فقط بل أن كاتبوا الرسائل كانوا كثيرًا ما يذكروا أيضًا أسماء الهراطقة[42] والهرطقات ويصفون مَن يتبع أفكارهم وتعاليمهم بأنهم هم ” الذين مرضوا مرض سبليوس ومقدونيوس “[43] على سبيل المثال.

 

الإستشهاد بأقوال الآباء:

كان من الطبيعى أن يلجأ باباوات وبطاركة الكنيسة إلى آباء الكنيسة الذين سبقوهم والذين تسلموا منهم الإيمان عن طريق التقليد المقدس لهذا نجد أن هذه الرسائل قد حوت أقوالاً لكثير من آباء الكنيسة المعلّمين مثل القديس أغناطيوس الثيوفورس (مرتين)، والقديس أثناسيوس (17 مرة)، والقديس كيرلس السكندرى (7 مرات)، والقديس ساويرس الأنطاكى (7 مرات)، والقديس باسيليوس (7 مرات)، والقديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات (11 مرة)، والقديس غريغوريوس النيسى (7 مرات)، والقديس ابيفانيوس أسقف قبرص (مرتين)، والقديس يوحنا ذهبى الفم (4 مرات)، والقديس يعقوب السروجى والقديس مارافرام السريانى وغيرهم.

 

ألقاب البطاركة كما ورد بالرسائل:

اختلفت ألقاب البطاركة من رسالة إلى أخرى. فتذكر إحداها أن البطريرك هو أول أساقفة الأسكندرية وتلقبه رسالة أخرى ببطريرك الأسكندرية ومصر وبلاد النوبة والحبشة والمغرب[44]. وعادةً يسبق اسم البطريرك لقب ” قدس“، ” طاهر“. وبالنسبة لبطريرك أنطاكية فإن الرسائل تلقبه بـ “بطريرك أنطاكية ” أو ” بطريرك أنطاكية والمشرق وما والاها”[45]. ويسبق اسمه ألقاب ” الطاهر ” و” الجليل ” وغيرها.

 

صفات المخالفين في العقيدة:

اعطت الرسائل للمخالفين في العقيدة عدة صفات منها “المضادون”[46]، “المقاومون”، “المخالفون” وذكرت أن ما يقولونه هو زعم ” كما زعم بلا فهم الذين ظنوا بأنفسهم أنهم حكماء ” أو ” ذوو الفهم القاصر الذين جهلوا أو ظنوا ظنًا فاسدًا أنهم حكماء “[47].

 

ذكر مجمع خلقيدونية بالاسم:

كانت قرارات مجمع خلقيدونية وهو المجمع المسكونى الرابع، هى التي تسببت في الإنشقاق الذي حدث بين الكنائس، ولم تقبل كنيستى الأسكندرية وأنطاكية قرارات هذا المجمع ولا تعده من بين المجامع المسكونية المعترف بها.

ولما كانت عقيدة “الخرستولوجى” كما علّمت بها كنيستى الأسكندرية وأنطاكية هى أمر جوهرى في الإيمان المستقيم الذي شهد له كتُّاب رسائل السنوديقا من الكنيستين، لهذا نجدهم يشرحون تعاليم آباء الأسكندرية وأنطاكية فيما يختص بهذا الأمر في معظم رسائلهم مع الإشارة إلى تعاليم مجمع خلقيدونية بدون ذكر اسم المجمع إلاّ في عدد6 رسائل[48] فقط جاء فيها اسم مجمع خلقيدونية عند الاشارة إلى تعاليمه.

كلمات يونانية كُتبت بحروف عربية:

بجانب كلمة “Sunodika…” اليونانية التي كُتبت بحروف عربية “سنوديقا” ومعناها “مجمعية” كما سبق القول، نجد أن هناك كلمات أخرى مثل:

+ الأرطتستيكا. Εortastika… ومعناها رسائل عيّدية أى تُرسل في الأعياد وخصوصًا عيد القيامة أى الرسائل الفصحية.

+ أراتيكى. Α„retikÒj ومعناها هرطوقى. + سنودس.ΣunodÒj  ومعناها مجمع[49].

+ أرسيس. Α†resij ومعناها هرطقة[50]. + الأوسيا. ΟÙs…a معناها الجوهر[51].

+ الاليس. ἈlhqinÒj معناها الحق[52].  

+ البرصبوت. Πroswpo معناها الشخص، برسبوتين أو شخصين[53].

+ الأرتدكسية Οrqodoxoj  معناها مستقيم العقيدة[54].

+ المرغريطس. Margaritej معناها الجواهر اللالئ[55].

[1] نص المحاضرة التى أُلقيت بسمنار أساتذة كلية البابا كيرلس عمود الدين اللاهوتية ببورسعيد، وبتشريف صاحبا النيافة الحبر الجليل الأنبا بيشوى مطران دمياط والبرارى وكفر الشيخ، والأنبا تادرس أسقف بورسعيد فى 19/12/2003.

[2] سنشير دائمًا إلى بطاركة الأسكندرية بلقب ” بابا ” ولبطاركة أنطاكية بلقب ” بطريرك ” بدون تغيير الألقاب التى وردت فى نصوص المخطوطات.

[3] انظر مخطوط اعتراف الآباء رقم 196 لاهوت بالمتحف القبطى ورقة 131 (v) [ عند الرجوع لنصوص من المخطوط سوف نحتفظ بها كما هى بدون أى تدخل لغوى فيها ].

[4] انظر تاريخ البطاركة لساويرس ابن المقفع أسقف الأشمونين عن الباترولوجيا أورثيتاليس أعدها للنشر صموئيل السريانى، المجلد الأول، ص 98.

[5] السنكسار، طبعة مكتبة المحبة القبطية الأرثوذكسية، ج1، ص82.

[6] السنكسار: طبعة مكتبة المحبة، اليوم الثانى والعشرون من شهر كيهك المبارك: ج1، ص 217.

[7] اللؤلؤ المنثور في تاريخ العلوم والآداب السريانية بقلم أغناطيوس افرام الأول برصوم. قدم له ونشره المطران غريغوريوس يوحنا إبراهيم في سلسلة التراث السريانى (1) حلب الطبعة الخامسة 1987، ص166.

[8] المرجع السابق، ص182 ـ 183.

[9] هذا هو الاسم الذي يحمله المخطوط. وللأسف عندما قام أحد رهبان الدير المحرق بنشر هذا المخطوط أعطى له اسمًا آخر وهو ” اعترافات الآباء ” مما غير من معنى محتوى المخطوط. فلا يوجد إلاّ اعتراف واحد بالإيمان المستقيم وما جاء بالمخطوط هو ” اعتراف ” كل الآباء بهذا الإيمان.

[10] لمزيد من المعلومات عن هذا المخطوط راجع:

Georg Graf: Zwei dogmatische florilegien der kopten, B. Das Bekenntnis der Väter. Orientalia Christiana Periodica vol III, Roma, 128, 1937, P. 345-403.

[11] انظر مخطوط اعتراف الآباء ورقة 196 (v).

[12] تاريخ البطاركة. المرجع السابق، المجلد الثانى 172 ـ 173.

[13] اللؤلؤ المنثور، المرحع السابق، ص182.

[14] انظر تاريخ البطاركة، المرجع السابق، المجلد الأول، ص234.

[15] انظر مخطوط اعتراف الآباء ورقة 237 (r).

[16] كما ورد في سيرة البابا ديسقوروس بالسنكسار ج1، ص61.

[17] اللؤلؤ المنثور … المرجع السابق، ص182.

[18] المشهور بيوحنا السمنودى (680 ـ 689م).

[19] هو البابا يوساب الأول (831 ـ 849م).

[20] تاريخ البطاركة. المرجع السابق المجلد الأول، ص 259.

[21] أى أنه غيّر اسم البطريرك الموجهة إليه الرسالة.

[22] تاريخ البطاركة، المرجع السابق، المجلد الثانى، ص210.

[23] كتاب الخريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة. بقلم أحد رهبان دير السيدة برموس في برية أنبا مقاريوس، الطبعة الثالثة 1923 الجزء الثانى، ص289.

[24] مخطوط اعتراف الآباء .. المرجع السابق ورقة 195(r).

[25] مخطوط اعتراف الآباء … المرجع السابق ورقة 193 (r).

[26] يذكر الأسقف إيسيذورس مؤلف كتاب الخريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة، أن البطريرك الأنطاكى بطرس ” هدم الإقرار بتمييز الأقانيم الثلاثة والإقتصار على القول بوحدة أقنوم الله نظير وحده جوهره وكانت غاية بطرس من هذا التعليم المغاير أن ينقص بدعة “كونون” أسقف طرسوس و ” فيلوبونتس ” الفيلسوف الأسكندرى اللذين زعم كل منهما أن في الله ثلاثة طبائع متميزة بالعدد ومتساوية لكنها غير متحدة الإتحاد الجوهرى “. وقد أفرط البطريرك بطرس في المهاجمة والمجادلة فوقع في بدعة جديدة مثلما فعل من قبله بولس السموساطى أسقف أنطاكية في القرن الثالث ونسطور بطريرك القسطنطينية في القرن الخامس. انظر الخريدة النفيسة، المرجع السابق ص70 ـ 71.

[27] وهذا الموقف أيضًا يعكس الملمح غير الشخصى لرسائل السنوديقا الذي أشرنا إليه سابقًا، فالبابا داميانوس يدافع عن الإيمان المستقيم بغض النظر عن شخص ومكانة مَن يعلّم بتعاليم غير أرثوذكسية.

[28] تاريخ البطاركة … المرجع السابق، ص97 ـ 98.

[29] الخريدة النفيسة … المرجع السابق ص35.

[30] تاريخ البطاركة .. المرجع السابق، ص101.

[31] تاريخ البطاركة، المرجع السابق، ص176.

[32] أى تحقق فيه الاتحاد الأقنومى.

[33] السنكسار: اليوم السابع عشر من شهر بابة المبارك ج1، ص82.

[34] انظر ” رسائل الروح القدس للقديس أثناسيوس ـ إلى الأسقف سرابيون “، ترجمه عن اليونانية د. موريس تاوضروس ود. نصحى عبد الشهيد، الرسالة الأولى فصل 28 ص82، إصدار مركز دراسات الآباء 1994.

[35] اعتراف الآباء، المرجع السابق ورقة 159 (v).

[36] المرجع السابق ورقة 161 (v).

[37] اعتراف الآباء … المرجع السابق ورقة 227 (r).

[38] المرجع السابق، ورقة 201 (v).

[39] المرجع السابق ورقة 201 (r).

[40] اعتراف الآباء … المرجع السابق ورقة 212 (r).

[41] رسالة البابا قسما إلى البطريرك يوحنا الأنطاكى. انظر اعتراف الآباء. المرجع السابق ورقة 168 (v).

[42] الخريدة النفيسة. المرجع السابق ص362.

[43] المرجع السابق. ورقة 167 (r).

[44] اعتراف الآباء ورقة 233 (v).

[45] انظر على سبيل المثال رسالة السنوديقا التي أرسلها يوحنا بطريرك أنطاكية الـ 64 إلى البابا خرستوذولس الـ 66. اعتراف الآباء. المرجع السابق ورقة 233 (v).

[46] اعتراف الآباء 167 (r).

[47] اعتراف الآباء. المرجع السابق ورقة 201 (r)، 212 (r).

[48] اعتراف الآباء. المرجع السابق: + ورقة177(r) “..المجمع الطمت الذي اجتمع بخلقيدونية “. + ورقة183(r) “..المجمع الطمت الذي اجتمع بخلقيدونية “. + ورقة202(v) ” سنودس خلقدون الاثمة “. + ورقة213 (r) ” المحفل الذي اجتمع بخلقدونية بغير ناموس … الفاسدين “. + الخريدة النفيسة ج2 ص362 ” المجمع الردئ الاسم والسمعة مجمع خلقيدون ولاون بطومسه “. +ورقة 219 (r) ” المجمع الردئ الطمت اليهودى الذي اجتمع بخلقدون “، وأيضًا بورقة رقم 197 (v).

[49] اعتراف الآباء… المرجع السابق، ورقة 202 (v).

[50] اعتراف الآباء… المرجع السابق، ورقة 214 (v).

[51] اعتراف الآباء… المرجع السابق، ورقة 237 (v).

[52] اعتراف الآباء… المرجع السابق، ورقة 213 (v).

[53] اعتراف الآباء… المرجع السابق، ورقة 202 (v).

[54] اعتراف الآباء… المرجع السابق، ورقة 237 (v).

[55] اعتراف الآباء… المرجع السابق، ورقة 208 (v).

* إختصارات: حرف (v) يعنى وجه الورقة بالمخطوط.

حرف (r) يعنى ظهر الورقة بالمخطوط.

 

رسائل السنوديقا أو الرسائل المجمعية المتبادلة بين باباوات كرسي الأسكندرية وبطاركة السريان الأرثوذكس بأنطاكيا

رسائل الأرطستيكا (تاريخيا ـ عقيديا) – د. جوزيف موريس فلتس

رسائل الأرطستيكا (تاريخيا ـ عقيديا) – د. جوزيف موريس فلتس

رسائل الأرطستيكا (تاريخيا ـ عقيديا) – د. جوزيف موريس فلتس

رسائل الأرطستيكا (تاريخيا ـ عقيديا) [1] د. جوزيف موريس فلتس

معنى كلمة الأرطستيكا:

كلمة الأرطستيكا ليست عربية بالطبع بل هى كلمة يونانية ˜ortastika… بمعنى “عيدية” وهى صفة في صيغة الجمع المؤنث ـ كتبت بحروف عربية حسب النطق اليونانى (Transliteration) مع قليل من التحريف ـ لوصف رسائل بعينها كانت تُرسل كل عام بمناسبة عيد القيامة المجيد.

 

كيف وردت في المخطوطات العربية ؟

وردت هذه الكلمة بدون ذكر كلمة “رسائل“، فقط مصحوبة بالسنة التى تدل على عدد مرات كتابة هذه الرسائل فجاءت ـ على سبيل المثال ـ هكذا ” الأرطستيكا السادسة عشر“[2]. أو مصحوبة بكلمة أخرى مثل كلمة “ كتب الأرطستيكا ” [3].

 

تاريخ رسائل الأرطستيكا (<Epistolaˆ ˜ortastika… – Festal Letters):

لقد كان من المعتاد وحتى القرن التاسع الميلادى[4] أن يُرسل أساقفة الأسكندرية، رسائل إلى كل كنائس مصر ليعلنوا فيها ميعاد عيد الفصح وبدء الصوم المقدس في كل عام. واتخذت هذه الرسائل الشكل الرعوى في حض المؤمنين على الصوم والاهتمام بالعيد.

ولقد كان ديونيسيوس الأسكندرى البطريرك الـ14(247ـ264م) أول أساقفة الأسكندرية في إرسال هذه الخطابات العيدية لأساقفة الكرازة في الإيبارشيات وذلك حسب شهادة يوسابيوس (20:7). وبالإضافة إلى موضوع الرسائل الرئيسى عن الصوم وعيد الفصح فقد اهتم ديونيسيوس أيضا في خطاباته بالأمور الكنسية الأخرى[5].

 

قضية عيد الفصح:

يُعتبر عيد الفصح من أقدم وأكبر الأعياد السنوية في الكنيسة [6]، فقد بدأ الاحتفال بهذا العيد الهام منذ القرن الأول الميلادى، فاتبع مسيحيو آسيا الصغرى وإنطاكية التقويم العبرى، فكانوا يعيدون الفصح في 14 نيسان، الذي قد يقع في أى يوم من أيام الأسبوع، وأُطلق عليهم (Quartadecimanians) أى “الأربعشريين ” أما كنائس الأسكندرية وروما والغرب، فكانت تصر على أن يكون الاحتفال بصلب المسيح في يوم ” جمعة ” وبالتالى يكون الاحتفال بالقيامة يوم ” أحد “.

غير أن تاريخ الاحتفال بعيد القيامة أصبح يشغل الكنيسة كقضية أثير حولها الجدل العنيف من بعد القرن الثانى الميلادى [7]، الأمر الذي نوقش في عدة مجامع بلغ عددها ستة [8]، دون التوصل إلى نتيجة مرضية أو إلى حل يوافق الطرفين.. وهكذا بقى هذا الموضوع على نفس المنوال إلى أن انعقد مجمع آرل (Arles) سنة 314م، والذى حُدد في قانونه الأول أن الفصح المسيحي يجب أن يُحتفل به:

“uno die et uno tempore per omnem orbem” في يوم واحد في كل الكنيسة “، على أن يكون يوم أحد إكراما لذكرى القيامة ومغايرا لليوم المحدد في الحساب اليهودى للفصح. غير أن هذا القرار لم يُنفذ على مستوى المسكونة [9].

المجمع المسكونى الأول (نيقية) وعيد الفصح:

مثلّت قضية تحديد ميعاد عيد الفصح ثانى أكبر الموضوعات التى ناقشها مجمع نيقية 325م [10].

غير أن المؤرخين القدماء لم يسجلوا لنا تفاصيل المناقشات التى جرت في المجمع حول هذا الموضوع، والمعروف أنه لا توجد لدينا وقائع هذا المجمع، إذ لم يعتن الآباء المجتمعون على تدوينها مثلما حدث في المجامع المسكونية التالية، وكل ما وصل إلينا من أعماله مأخوذ عن مؤلفات المؤرخين مثل يوسابيوس وروفينوس وسقراط وسوزمينوس وغيرهم. ولذا لم يصلنا سوى ما اتفق عليه الآباء بشأن عيد الفصح، كما هو مدون في الرسالة المجمعية إلى كنيسة الأسكندرية:

“ثم أننا نعلن لكم البشرى السارة عن الاتفاق المختص بالفصح المقدس، فإن هذه القضية قد سويت بالصواب، بحيث إن كل الاخوة الذين كانوا في الشرق يجرون على مثال اليهود، صاروا من الآن فصاعدا يعيدون الفصح، العيد الأجلّ الأقدس، في الوقت نفسه، كما تعيده كنيسة روما وكما تعيدونه أنتم وجميع من كانوا يعيدونه هكذا منذ البداية”[11]، وأيضا ما جاء في رسالة بعث بها الإمبراطور قسطنطين إلى الذين لم يحضروا المجمع “.. إنه قد رُؤى أن عيد الفصح الجزيل القداسة يجب أن يُحتفل به في كل مكان في اليوم الواحد بعينه ” [12].

 

ولما كان تحديد ميعاد عيد الفصح سنويا يحتاج إلى دراية فلكية واسعة وعمليات حسابية دقيقة، فقد كلف المجمع أسقف الأسكندرية أن يحدد موعد الفصح، ويُبلغ بذلك باقى الكراسى في المسكونة، ولقد تم اختيار الأسكندرية للقيام بهذا العمل لخبرتها السابقة إذ كانت تحدد ميعاد الفصح لسائر الإيبارشيات المصرية [13].

 

قضية عيد الفصح في الأسكندرية بعد مجمع نيقية:

رغم أن قضية تحديد ميعاد الفصح وبدء الصوم صارا تقليدا راسخا لأسقف الأسكندرية، إلاّ أن هذه القضية قد عاودت الظهور في كرسى الأسكندرية في القرن التاسع. فيحفظ لنا التراث العربي المسيحي معلومات يخبرنا بها كاتب سيرة البابا سانوتيوس البطريرك الـ55 (859ـ880م) عن أن

” جماعة من الناس قالوا بأن الفصح في السنة التى صُلب فيها المسيح كان في اليوم السادس عشر من شهر برمودة وكان الأب شنودة (سانوتيوس) مهتم بهذا الأمر إلى أن أظهر لهم الصواب وحققه عندهم وهو أن القيامة المقدسة كانت في سنة خمسة ألف وخمس مائة وأربعة وثلثين للعالم وأن الصلبوت كان في يوم جمعة السابع والعشرين يوما خلت من برمهات وهذا اليوم الذي خرج فيه آدم من الفردوس والقيامة في اليوم التاسع والعشرين من برمهات يوم الأحد ” [14].

ويبدو أن أمر الإصرار على الاحتفال بالفصح يوم 14 نيسان وفى أى يوم من الأسبوع وليس بالضرورة يوم الأحد، كان قد انتشر في أماكن أخرى من كرسى الأسكندرية، حيث يذكر نفس كاتب السيرة عن وجود جماعة تسمى بـ “الأربعة عشرية ” في ضيعة من قرى مريوط [15]. غير أن البابا سانوتيوس قد عاد بهذه الجماعة أيضا إلى حضن الكنيسة [16].

 

رسائل الأرطستيكا وأهم كُتّابها من بطاركة الأسكندرية:

 

I ـ البابا أثناسيوس الرسولى الـ20 (296ـ373م):

خلال القرن الثالث الميلادى كانت قد صارت عادة، أن يقوم أسقف الأسكندرية بإعلان كل الإيبارشيات المصرية ببداية الصوم الكبير وميعاد الاحتفال بعيد الفصح المقدس وذلك عن طريق ” رسائل الأرطستيكا ” التى كانت تُرسل بعد عيد الغطاس بوقت قليل، كما كانت تتضمن هذه الرسائل شئون كنسية جارية أو أمور تخص الحياة الروحية.

ولقد حافظ القديس أثناسيوس الرسولى على هذا التقليد حتى وهو في المنفى، فقد كتب 45 رسالة لأعياد القيامة الـ45 في سنوات حبريته (329ـ373م) [17]. وبعد نياحته بقليل، جُمعت هذه الرسائل معا بواسطة أحد أحبائه، ولاقت هذه المجموعة انتشارا واسعا [18].

لم يعثر علماء الغرب على رسائل الأرطستيكا لأثناسيوس، إلاّ في القرن التاسع عشر الميلادى، إذ لم يكن معروفا عنها قبل ذلك إلاّ إشارات وردت في كتابات جيروم (331ـ430م) وقصاصات ضمن كتابات قزماس (ق6) المعروف بالبحار الهندى [19]. ففى سنة 1842م نقل هنرى تتام Tattam إلى إنجلترا كمية كبيرة من المخطوطات باللغة السريانية من دير السيدة العذراء (السريان) بوادى النطرون.

حين أودعت بالمتحف البريطانى، أكتشف العالم W. Cureten أنها تحتوى على مجموعة من الرسائل الأرطستيكا للقديس أثناسيوس فترجمها من السريانية إلى الإنجليزية ونشرها في لندن سنة 1848م، كما ترجمها Larsow إلى الألمانية ونشرها في برلين 1852م[20].

بقى من الأصل اليونانى لهذه الرسائل بعض مقتطفات صغيرة، كما توجد 13 رسالة كاملة محفوظة باللغة السريانية، وهى الرسائل التى كُتبت بين عامى 329ـ348 م، كما نشر Lefort مؤخرا النص القبطى لـ17 رسالة، فيها القليل من الاقتباسات اليونانية.

ولا توجد رسالة من رسائل الأرطستيكا أثارت الانتباه قديما أو حديثا أكثر من الرسالة التى تحمل رقم 39 التى كُتبت عام 367م. فقد أدانت الهراطقة الذين حاولوا تقديم الأعمال المنحولة على أنها كتب إلهية موحى بها. وقد حددت هذه الرسالة كتب العهدين القديم والجديد القانونية التى قبلتها الكنيسة. ولدينا نص الرسالة تقريبا كاملا من مقتطفات يونانية وسريانية وقبطية. ولأول مرة تُعلن فيها قانونية أسفار العهد الجديد الـ27.

 

II البابا ثاوفيلس الـ23 (385ـ412م):

خلال بطريركيته التى امتدت 28 عاما كان البابا ثاوفيلس مواظبا على التقليد الأسكندرى بخصوص كتابة الرسائل الفصحية. فقد كتب رسائل عديدة معروف لدينا منها 26 رسالة على الأقل. فقد حفظ لنا جيروم [21] ثلاث رسائل للأعوام 401،402،404 في ترجمة لاتينية. تُظهر هذه الرسائل اتجاها مناهضا للأوريجانية، وتحارب أفكار أبوليناريوس أسقف لاودكية. ورسائل الأعوام 401،402 غنية بالمفاهيم اللاهوتية العميقة. بالإضافة إلى الترجمة اللاتينية، لدينا بعض المقتطفات من رسالة البابا ثاوفيلس الفصحية لسنة 401 بلغتها اليونانية الأصلية وشذرات من اللغة القبطية..

ومن باقى رسائله، توجد فقط مقتطفات متفرقة في أعمال آخرين مثل قزماس أندريكويلوستس في كتابه ” الطبوغرافيا المسيحية “، والقديس تيموثاوس الثانى البابا الـ(26) في رده على عقيدة الخلقيدونيين، ويوحنا كاسيان وسينسيوس أسقف الخمس مدن الغربية، وجناديوس المؤرخ اللاتينى وفى بستان الرهبان [22].

 

III البابا كيرلس عمود الدين الـ24(+444م):

واصل القديس كيرلس الأسكندرى التقليد الذي اقتضى أن يُرسل أسقف الأسكندرية رسائل الأرطستيكا لكل أساقفة الإيبارشيات ليعلن لهم بدء الصوم الكبير، وموعد الاحتفال بعيد القيامة.

تضم قائمة كتابات القديس كيرلس 29 رسالة أرطستيكا كُتبت بين عامى 414ـ442م، يحث فيها المؤمنين على الصيام والنُسك والصلاة وأعمال الرحمة، وإلى جانب هذا المضمون العملى، احتوت الرسائل على موضوعات عقيدية تتعلق بالصراعات الخريستولوجية في عصره. لهذا نجد أن الرسائل 5،8،17،27 يدافع فيها عن عقيدة التجسد ضد الهراطقة الذين أنكروا ألوهية الابن. والرسالة رقم 12 تشرح عقيدة الثالوث، والرسالة 6،9 عن الآلهة الكاذبة، الرسائل 1،4،10،20،21،29 عن اليهود وزيفهم [23].

IV ـ البابا بنيامين الـ38 (623ـ662م):

لم تؤثر الأحداث التى صاحبت المجمع المسكونى الرابع في خلقيدونية (451م) والتى أدت إلى انقسام الكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية، أو الأمور التى تلته، أو ما حدث بعد الفتح العربي، فيما اعتاد عليه أسقف الأسكندرية بخصوص كتابة رسائل الأرطستيكا.. فنجد أن البابا بنيامين بطريرك الأسكندرية الـ38، يستمر في هذا التقليد القديم. وتحفظ لنا مخطوطات التراث العربي المسيحي شهادة عن رسالتى[24] السنة الخامسة عشر والسادسة عشر[25]ـ كما سيأتى الحديث بالتفصيل ـ وربما كانت هذه (الشهادة) هى أول شهادة عن تداول مثل هذه الرسائل بعد القديس كيرلس الأسكندرى.

وتوضح لنا الفقرة ـ التى ترد في مخطوط المتحف القبطى ـ من رسالة السنة السادسة عشر للبابا بنيامين، أن كاتبها قد اقتفى أثر البابا كيرلس عمود الدين فيما تضمنته الرسالة ليس فقط من أمور روحية خاصة بالاستعداد للصوم وعبادة الله بل أيضا أمورا عقائدية (تتعلق بهرطقات الآريوسية والأبولينارية)، حيث يشير المخطوط: “وقال القديس بنيامين بطريرك الأسكندرية في الأرطستيكا السادسة عشر يوبخ المخالفين الذين يقولون أن لاهوت الله الكلمة موات (قابل للموت)، لنستعد الآن يا اخوتى وأحباى (أحبائى) للصوم والخدمة لله وكل فعل حسن مملوا فضيلة، وبالأكثر الأمانة الغير مايلة (مائلة) بالثالوث المقدس ونقول… ” [26].

 

V ـ البابا ألكسندروس الثانى الـ43(705ـ730م):

استمر بطاركة الأسكندرية الأقباط في توجيه رسائلهم الفصحية رغم المتغيرات التى صاحبت الفتح العربي لمصر والظروف التى جدّت على الكنيسة منذ ذلك الوقت.

ويبدو أن اليونانية كانت هى اللغة التى اعتاد بطاركة الأسكندرية أن يكتبوا بها رسائلهم الفصحية حتى بعد الفتح العربي لمصر. وتشهد لهذا الرسالة الفصحية التى كتبها باليونانية البابا ألكسندروس الثانى الـ43 (705ـ730م) في العصر الأموى وهى موجودة إلى الآن مكتوبة باليونانية، وموجهة إلى دير الأنبا شنودة المعروف بالدير الأبيض [27].

ولقد كان من المزعج وغير المرغوب فيه للفاتحين العرب استخدام لغة غير لغتهم مثل اليونانية أو القبطية في الكتب الكنسية أو الصلوات أو في كتابة رسائل لها صفة دورية مثل الأرطستيكا، فربما شملت إهانة للدين الجديد. هذا الأمر دفعهم للبحث عمن يفهم هذه اللغات واستمالتهم ليفسروها لهم، أو لمحاولة الحد من استخدام هذه اللغات والعمل على نشر لغتهم الأم.

ويسجل لنا كاتب سيرة البابا ألكسندروس الثانى هذه الحالة، حيث يذكر أن الأصبغ الابن الأكبر لعبد العزيز ملك مصر كان ” مبغضا للنصارى سفاك دماء رجل سوء كالسبع الضارى ثم انطوى إليه شماس اسمه بنيامين فكان يُعمّر له وكان يحبه أكثر من جماعة أصحابه ويظهر له أسرار النصارى بسعايته حتى أنه فسر له الإنجيل بالعربي وكتب الكيمياء وكان يبحث عن الكتب لتُقرأ عليه وكذلك الأرطستيكات كان يقرأها لينظر هل يشتمون فيها المسلمون أم لا ” [28].

 

VIـ البابا مرقص الثانى الـ49(799ـ819م):

ورد في ختام سيرة البابا مرقص الثانى الـ49 والذى امتدت حبريته لمدة20 عاما حتى بداية القرن التاسع الميلادى، أنه كتب ” عشرين أرطستيكا ” [29]. تعكس هذه السيرة [30] جوانب عديدة متميزة في شخصية هذا البطريرك، فقد “ أرضى روح القدس ” واهتم “باجتماع اتحاد الكرسيين أسكندرية مع إنطاكية، وكتب سنوديقا كما جرت العادة ممتلئة من كل حكمة ” ضليعا في العلوم اللاهوتية حتى أنه ” ضاهى الأب ساويروس وكيرلس وديسقوروس ” مهتما “ بخلاص أنفس الناس ” ساهرا بالصلاة على سلام الكنيسة ووحدة أعضائها حيث ترد بالسيرة صلاته الآتية: ” والآن يارب اسمع صلاة عبدك وليدخل دعائى أمامك بسبب هذه الخراف الضالة ولتجتمع أعضاء بيعتك ليكونوا قطيعا واحدا وراعيا واحدا ” سواء في كنيسة الأسكندرية أو في كنيسة إنطاكية. وقد عمل هذا البطريرك على تجديد وإعادة بناء كنيسة من الكنائس التى هُدمت، فكان أن ” أرض مصر جميعها قد امتلأت مسرة ببناء البيعة “. فلم يكن من الغريب إذن على مثل هذا الراعى الساهر، حرصه على كتابة الأرطستيكا في كل عام منذ أن تولى مسئوليته البطريركية إلى أن تنيح. وللأسف لم تحفظ لنا المخطوطات ـ حسب علمنا نصوص هذه الرسائل العشرين التى وبلا شك، كانت ستحمل لنا مفاهيما روحية ولاهوتية ورعوية عالية تليق بمثل هذه الشخصية الكنسية النشطة.

 

VIIIـ البابا سانوتيوس (شنودة) الـ55(859ـ880م):

عمل البابا سانوتيوس على تعليم شعبه العقيدة الأرثوذكسية[31]، وذلك لمّا رأى أن هناك أفكارا غير مستقيمة قد أخذت في الانتشار، مثل:

1 ـ ” جماعة سكان بضيعة من أعمال الصعيد تسمى البلينا وما معها من أعمال ادّعوا أن طبيعة اللاهوت ماتت ” [32].

2 ـ ” قوم من ضيعة من قرى مريوط يُسمون بالأربعة عشرية ينكرون الآلام وأن السيد لم يقبل الآلام بالجسد بل كانت مثل المنام، وهم أتباع أبوليناريوس ” [33].

3 ـ ” مشكلة اختلاف ميعاد عيد الفصح ” [34].

اهتم هذا البطريرك ليس فقط بحياة شعبه الروحية بل أيضا بتحسين ظروف معيشته وتدبير أحواله [35]، ومع هذا “ لم يدع الاهتمام بالكتب الأرطستيكا المملوءة نعمة وتعليم روحانى ليتغذى منها كل أحد ” [36].

ويرد في سيرة هذا البطريرك أنه كتب رسالة أرطستيكا في السنة الثانية من جلوسه، وذلك في أيام الصوم المقدس وأرسلها إلى البيع. ولقد حرص كاتب السيرة على تسجيل الجزء اللاهوتى من هذه الرسالة بعد أن اختصر ما جاء فيها، غير الأمور العقيدية، بقوله إن الرسالة ” مملوءة من كل نعمة ” ثم يذكر ما تؤمن به الكنيسة عن عقيدة التجسد والتعليم عن السيد المسيح (خريستولوجى).

وجدير بالذكر أن هذا النص لم يرد ضمن باقى نصوص الأرطستيكا ‎فى مخطوط ” كتاب اعتراف الآباء “، والذى يتضمن العديد منها، كما سيأتى الحديث.

ويختم كاتب السيرة نص الأرطستيكا هذا، موضحا تأثيرها على الشعب فيقول ” ولما وصلت هذه التعاليم إلى البيع والشعب، فرحوا بها وشكروا الله الذي أعطى هذا الأب هذه النعمة التى هى تعاليم كيرلص والآباء القديسين ” [37].

 

VIIIـ البابا خريستوذلولس الـ66(1047ـ1077م):

يبدو أن التقليد الأسكندرى في عادة كتابة رسائل الأرطستيكا قد استمر إلى القرن الحادى عشر الميلادى وذلك خلافا لما ذكره كواستن [38]. ودليلنا على ذلك ما جاء في مخطوط “كتاب اعتراف الآباء” ـ كما سنرى ـ حيث يرد ذكر خمس من رسائل الأرطستيكا للبابا خرستوذولوس (ق11) وهى رسائل السنوات 16،17،20،21،23 [39].

وهنا تجدر الإشارة إلى أهمية دراسة التراث العربي المسيحي لما فيه من غنى لاهوتى ومعرفى يمكن أن يسهم إسهاما ثريا في مجال العلوم اللاهوتية والتاريخية اليوم.

هذا وتوضح لنا النصوص المختارة من رسائل الأرطستيكا للبابا خرستوذولوس، أنه قد تمثل بمن سبقوه في العمل. حيث شملت رسائله العيدية (الفصحية) أيضا موضوع عقيدى هام شغل الكنيسة لقرون طويلة وحتى العصر الذي عاش فيه، وهو موضوع “كيفية الاعتقاد بسر التجسد”[40] كما يوضح كاتب الخريدة النفيسة.

حول رسائل الأرطستيكا في مخطوط كتاب اعتراف الآباء وكتاب تاريخ البطاركة:

 

أ ـ مخطوط ” كتاب اعتراف الآباء “:

وردت بعض فقرات من رسائل الأرطستيكا لكل من البابا بنيامين والبابا خرستوذولوس في مخطوط ” كتاب اعتراف الآباء ” أو كما يسميه أبو البركات ابن كبر ” أمانات الآباء القديسين “[41] هذا الكتاب هو لمؤلف مجهول الاسم حاول الكاتب فيه أن يجمع نصوص من كتابات الآباء الأولين والكُتّاب الكنسيين منذ العصر الرسولى إلى القرن الحادى عشر (زمن حبرية البابا خرستوذولوس)، تمت ترجمتها من اليونانية والقبطية إلى العربية. بلغت النصوص التى جاءت في هذا الكتاب 234 نصا لعدد 66 من هؤلاء الآباء المعلمين والكُتّاب الكنسيين [42].

تتناول النصوص المختارة في هذا الكتاب، عقيدة الثالوث والتجسد وطبيعة السيد المسيح وتعكس بصفة خاصة تعاليم كنيسة الأسكندرية وتمسكها بمقولة القديس كيرلس ” طبيعة واحدة متجسد لله الكلمة ” وبتعاليمه عن اتحاد الطبيعة الإلهية بالطبيعة البشرية اتحادا أقنوميا في شخص المسيح الواحد بغير اختلاط أو امتزاج أو تغيير. كما أنها تتحدث عن وحدة الإرادة والفعل للكلمة المتجسد.

شملت هذه النصوص أيضا الرسائل المتبادلة بين بطاركة كنيسة الأسكندرية وكنيسة السريان الأرثوذكس الشقيقة، والتى اعتاد أن يُرسلها بطريرك إحدى الكنيستين بعد انتخابه مباشرة إلى شقيقه في الكنيسة الأخرى، والتى عُرفت برسائل السنوديقا [43](Sunodika…) أو الرسائل المجمعية، حيث كان الهدف منها إظهار ” اعتراف الآباء ” [44] بشركة الإيمان الواحد بين الكنيستين الشقيقتين وبالتالى الشركة في الخدمة الرسولية بينهما. ثم تأتى النصوص المختارة من رسائل الأرطستيكا لكل من البابا بنيامين وخرستوذولوس، لتُكمّل هدف هذا الكتاب في إظهار ما تؤمن به الكنيسة منذ عصر الرسل وما علّم به الآباء الكبار.

فكاتب ” اعتراف الآباء ” إذن، يستخدم رسائل الأرطستيكا لدعم هدفه، لهذا فهو يبرز الجانب العقيدى فيها أكثر من الجانب الرعوى، وكمثال واضح على ما نقول، نستعرض ما جاء في هذه الرسائل حسب ورودها في مخطوط اعتراف الآباء:

(1) رسالة البابا بنيامين:

جاء في مقدمة رسالة البابا بنيامين حسب ما يذكر كاتب مخطوط ” كتاب اعتراف الآباء”، ” وقال القديس الأنبا بنيامين بطريرك الأسكندرية في الأرطستيكا السادسة عشر يوبخ المخالفين الذين يقولون أن لاهوت الكلمة موات “، ثم يعود إلى الهدف الأصلى من الرسالة وهو العيد فيذكر ” لنستعد الآن يا اخوتى وأحباى (أحبائى) للصوم والخدمة لله وكل فعل حسن مملوا (مملوءا) فضيلة ” ويربط هذا الاستعداد الروحى بالصوم والخدمة والفعل الحسن “بالأمانة ” أى الاعتراف أو الاعتقاد المستقيم (الأرثوذكسى) أو حسب ما يسميه ” الأمانة الغير مايلة (مائلة) بالثالوث المقدس ” [45].

ومن ثمّ يصل إلى ” صُلب ” الموضوع ـ وهدف كتاب اعتراف الآباء ـ فيبدأ في استعراض المفاهيم العقيدية كلها مستهلا ذلك بكلمة ” ونقول ” ويأتى بنص من رسالة الأرطستيكا ” نؤمن بالآب والابن والروح القدس الثالوث المقدس المساوى الممجد، ثلثة أقانيم متساوية في كل شئ بالفعل والكلام ثلثة وجوه [46] جوهر واحد لاهوت واحد شكل واحد إرادة واحدة، ونجيب الكلام (نتكلم) على الواحد من الثالوث المقدس الله الكلمة الذي صار جسدا بأقنومه وحده بلا افتراق واختلاط من جسد ودم والدة الإله المقدسة مريم التى هى عذرى (عذراء) في كل زمان جسد مساوى لنا متألم له نفس عاقلة ناطقة “.

والآن إذ وضع الكاتب أمامنا هذه التحديدات العقائدية في صورة مُجملة، يأتى دور الآباء المعلمين في شرح هذه العقيدة، التى إن أراد قومٌ من الجُهّال بها أن يفهمها، فعليه بالأكثر أن يسأل فيها الآباء فيكتب ” ثم إن قوما من الجُهّال لا يفهموا بالأكثر يسلوا (هكذا) الآباء “.

وهنا يستشهد بما جاء في رسالة الأرطستيكا للسنة السابقة وهى السنة الخامسة عشرة[47] وأيضا يأتى منها بنصوص من الآباء الآتى أسمائهم من كتابات مختلفة لهم [48]:

1 ـ غريغوريوس الناطق بالإلهيات [49].

أ ـ فصل من قول “إن الله الكلمة تألم بجسده وهو غير متألم بلاهوته”.

ب ـ من رسالته إلى إفلابيوس.

ج ـ في الميمر الذي قاله لأجل المعمودية.

2 ـ القديس كيرلس (الذى يدعوه الكاتب الحكيم كيرلس):

أ ـ فصل يقول فيه.. (دون ذكر اسم العمل).

ب ـ في جوابه الذي كتبه في الفصل الثانى عشر يناضل كفر تاوطوريطّس (هكذا).

ج ـ في ميمره الثانى.

3 ـ للقديس باسيليوس:

ـ في الميمر الذي قاله لأجل الشكر.

4 ـ للقديس أثناسيوس:

ـ في الميمر الرابع الذي له يناضل الآريوسيين.

ـ في الميمر الذي قاله لأجل الآريوسيين.

ـ في الرسالة التى كتبها إلى… (الاسم غير واضح بالمخطوط).

5 ـ القديس إبيفانيوس أسقف قبرص:

ـ إلى هاراسيس (الهراطقة) الأبوليناريوسين.

6 ـ القديس أبرقلس (بروكلوس):

ـ في الميمر الذي قاله لأجل توما الرسول.

7 ـ رئيس الآباء ساويروس:

ـ في الرسالة التى كتبها إلى أنيرانيقوس الفروخوس (أندرينيقوس).

8 ـ القديس فيلكى أسقف روما:

ـ لما تكلم عن التجسد والأمانة.

9 ـ القديس غريغوريوس أسقف نوسا (النيسى).

10 ـ ثاوطوطس أسقف أنقرا.

11 ـ ديسقوروس المعترف رئيس أساقفة الأسكندرية:

ـ في الرسالة التى كتبها وهو في غنغرا إلى بريطن.

تشرح جميع هذه النصوص بإسهاب وتكرار ما جاء في مقدمة الرسالة من موجز للعقائد الجوهرية في الإيمان المسيحي حسب تعاليم كنيسة الأسكندرية والرسالة طويلة من 150r – 153v، في مخطوط المتحف القبطى رقم 196 لاهوت.

 

(2) رسائل البابا خرستوذولوس:

يذكر كاتب مخطوط ” كتاب اعتراف الآباء ” في بداية استشهاده برسائل الأرطستيكا الخمسة للبابا خرستوذولوس للأعوام 16،17،20،21،23، أى في بداية الرسالة السادسة عشر، صفة أساسية وتعريفا بسيطا لهذه الرسائل فهى:

أ ـ تصدر عن الأب البطريرك.

ب ـ تُرسل إلى جميع إيبارشيات الكرازة.

ج ـ هى رسالة سنوية (حيث يذكر رقم السنة أيضا) فيقول ” الأرطستيكا السادسة عشر الصادرة عن الأب الأنبا أخرسطودولس إلى جميع كراسى الأسكندرية في كل سنة “.

والدليل على أن كاتب مخطوط ” كتاب اعتراف الآباء ” يستخدم الجانب العقيدى لرسائل الأرطستيكا سواء التى للبابا بنيامين أو للبابا خرستوذولوس، هو أنه يستشهد بما فيها من نصوص عقيدية مسبوقا بحرف الجر “من” فيكتب دائما ” من الأرطستيكا ” ثم يذكر السنة إن وُجدت أكثر من رسالة. أى أن النصوص الواردة هنا هى نصوص منتقاة ومختارة من النص الكامل للرسالة.

وهناك دليل آخر يؤكد نفس المعنى جاء في رسالة الأرطستيكا السابعة عشر للبابا خرستوذولوس، إذ يذكر كاتب اعتراف الآباء ” من الأرطستيكا السابعة عشر للأنبا خرستوذولوس البطريرك ” ثم يأتى مباشرة إلى بيت القصيد بالنسبة له ألاّ وهى الأمور العقيدية في الرسالة فيقول “الآن نأتى على تجسد الله الكلمة الواحد من الثالوث المساوى صار في الأحشا (الأحشاء) البتولى..“. فيورد تعاليم الكنيسة عن هذه الأمور، على لسان آباء الكنيسة ومن كتاباتهم حيث ترد أسماء ونصوص بعض منهم مثل ” بروكلوس بطريرك القسطنطينية ” و ” أثناسيوس ” (فى أكثر من موضع) وكذلك القديس ” ساويرس ” والقديس ” باسيليوس “.

كل هذا يوضح أن نصوص رسائل الأرطستيكا المنتقاة والموضوعة في كتاب اعتراف الآباء ليست هى النصوص الكاملة لهذه الرسائل، بل هى الأجزاء المتعلقة بالعقيدة فقط. العقيدة التى حرص كاتبوا الرسائل أن يشدّدوا عليها في رسائلهم بجانب نصائحهم وإرشاداتهم الروحية والعملية للمؤمنين كى تستقيم العبادة.. حيث إن العقيدة المستقيمة لابد وأن تصل بالإنسان إلى حياة روحية مستقيمة أو حسب ما يقول القديس كيرلس عمود الدين ” لذلك فليقترن الإيمان الذي بلا عيب ويشرق مع أمجاد الحياة المستقيمة “[50]، ليفرح الكل لا بالصوم فقط كجهاد فردى، بل بعمل وقوة الرب القائم والمحتفى بنصرته في حياتنا كل يوم، وفى عيد الفصح أيضا.

 

ب ـ كتاب تاريخ البطاركة:

لم يرد في كتاب تاريخ البطاركة، عند الإشارة إلى الآباء البطاركة الذين عرف عنهم كتابتهم لرسائل الأرطستيكا سوى نصا واحدا من هذه النصوص، والذى جاء في سيرة البابا سانوتيوس (شنودة) الـ55، كما سبق الذكر، وهو يمثل الجزء اللاهوتى من هذه الرسالة، حيث نضعه كنموذج لرسائل الأرطستيكا نظرا لأهميته.

 

نماذج لرسائل الأرطستيكا:

وأخيرا نورد نصين لرسائل الأرطستيكا للبطاركة البابا بنيامين والبابا مرقص، كما وردا في مخطوط اعتراف الآباء وكتاب تاريخ البطاركة.

 

 

1 ـ أرطستيكا 23 للبابا خريستوذولوس [51]:

[ نؤمن بالواحد من الثالوث المقدس الابن الحبيب كلمة الآب كما علمنا من تقدمنا ممن نظروا بإعلان، وحصلوا خداما للكلمة، أن تجسد الكلمة (الكلمة تجسد) وحل فينا. جسدا صار واحدا معه بالأقنوم بلا امتزاج، المساوى لنا بطبيعتنا، متألم مثلنا، له نفس ناطقة لها عقل من الروح القدس، ومن التى هى بتول في كل زمان القديسة مريم، جسد يُرى ويُلمس وهكذى (هكذا) ظهر بالجسد الكلمة الابن الغير مرئى الذي [… ][52]. ناسوت ولاهوت صار واحد بلا افتراق ولا انقسام ولما صار الاتحاد معا لما يكون في أحشا (أحشاء) البتول، لا نعرفه في طبيعتين ولا نقسمه بفعل، ومن يقول طبيعتين بعد الاتحاد الغير مدروك (غير المدرك)، نعده مخالفا. بل هو واحدا. لأن الذي تجسد من البتول مريم، الابن الكلمة المساوى هى (هو) طبيعة واحد، صار جسدا إرادة واحدة فعل واحد، هو نور في جوهر أبيه، وتسبحه الجنود السمائية العالية، هو أسفل أيضا في بطن أمه، تجسد من دمها البتولى. هو الذي لُف في خرق ووُضع في مذود وهو الغير مرئى أزلى الغير مدروك (غير المدرك)، لُمس بأيدى مخلوقة. الخالق، مخلوقا من التى هى طبيعتنا البتول مريم. هو الذي الأرض ثابتة بقدرته، ومشا (مشى) على الأرض برجليه. جاع وعطش وهو مُطعم كل ذى جسم. تألم ومات وهو غير متألم وغير ميت (مائت). ونستشهد بما شرحه ساويروس الميمر الذي قاله يرد فيه على [000] قال: هكذا إن المصنوع صار واحدا مع خالقه. جسد متألم متحد مع اللاهوت الغير مـتألم. الذي يقبل الموت اتحد مع الحى إلى الأبد الغير ميت، بطبيعة واحدة وأقنوم واحد. (الذى) يقبل الفساد اتحد مع الذي لا يقبل الفساد. الذي يضمحل بطبيعته ارتبط مع الدائم إلى الأبد. الذي يُحوى صار واحدا مع الذي لا يحويه مكان. الذي يُلمس ويُمسك ارتبط بالله الكلمة، هذا الأقنوم الباقى ].

 

2 ـ رسالة البابا سانوتيوس (شنودة) الـ55 [53]:

[ نؤمن هكذى (هكذا): في آخر الزمان لما أراد الله أن يخلص جنسنا من العبودية المرة أرسل ابنه الوحيد إلى العالم متجسدا من الروح القدس، مساويا لنا في كل شئ ما خلا الخطية ذو نفس غير مدروكة (المدركة)، وجعل الجسد معه واحدا بغير تغيير ولا اختلاط ولا افتراق، بل طبيعة واحدة وأقنوم واحد ووجه واحد. تألم بالجسد عنا ومات وقام من الموت كالذى في الكتب، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب.

فإن قلنا إن الله تألم عنا ومات، فلنفهم الآن بأمانة، أنه تألم عنا بالجسد وهو الغير متألم، وهو هذا الواحد كما علمنا الآباء الذين للبيعة المقدسة. وكل من يفرقه بتجديف ويقول إن الله الكلمة لم يتألم ولم يموت، لكن الإنسان هو المتألم والمائت، لكى يفرقه اثنين، الله الكلمة على حدة والإنسان على حدة، ويجعله وجهين وطبيعتين كل واحد يفعل ما يشاكلها من طبعها، يريدوا بذلك أن يدخلوا الأمانة النجسة لنسطور والمجمع المرذول [.. ] الخلقدونى في الأمانة المستقيمة هؤلاء البيعة الجامعة الرسولية، تحرمهم ونحن نهرب من هؤلاء ونرذلهم، ونحرم أيضا الذين يفرقوا الله الكلمة إلى طبيعتين من بعد الاتحاد الذي لا يدرك، ونحن نعترف باستقامة أن الله الكلمة قبل إليه بإرادته الآلام بالجسد، لا شك أنه اتحاد واحد في كل شئ لأن الطبيعتين اللذين صارا واحدا في الابتداء لم يفترقا بالجملة بأمر من أمور تدبير الكلمة لأنهما غير مفترقتين، وحتى في حين الآلام التى قبلها بجسده لئلا نظل مثل فوتيس وسبليوس هذين الذين قالا، بكفرهما، بأن اللاهوت بعُد وصلب الناسوت (بمعزل عن اللاهوت)، ونحن نحرمهما ونهرب منهما وأقاويلهما الكفر].

 

 ـــــــــــــــــــــــــــ

هوامش الموضوع: 

 

[1] نص البحث الذي قُدم في مؤتمر التراث العربي المسيحي السنوى السابع 25ـ26 فبراير 1999.

[2] مخطوط رقم 196 لاهوت بالمتحف القبطى ص 150 V.

[3] تاريخ بطاركة الكنيسة المصرية المعروف بسير البيعة المقدسة لساويروس ابن المقفع أسقف الأشمونين: مطبوعات جمعية الآثار القبطية. قام على نشره يسى عبد المسيح وعزيز سوريال وأسولد برمستر. المجلد الثانى الجزء الأول، القاهرة 1948 ص 19.

[4] Quasten: Patrology, Spectrum Publishers, Utrecht- Antwerp. 4th printing 1975, Vol. II, P. 108.

[5] Quasten: Ibid. P. 109.

 [6] Schaff: History of the Christian Church, WM. B. Eerdmans Publishing Company, Michigan, Reprinted, October 1985, Vol. III, § 78. P. 400.

[7] Schaff: Ibid. P. 404.

[8] المجامع التى نوقش فيها هذا الموضوع هى:

1 ـ مجمع في فلسطين برئاسة ثيوفيلوس القيصيرى وناركسيوس الأروشليمى.

2 ـ مجمع في روما برئاسة البابا فيكتور.

3 ـ مجمع في بنطس برئاسة بالماس أسقف أماسترس.

4،5 ـ مجمعان في بلاد الغال برئاسة القديس ايريناوس.

6 ـ مجمع في أفسس برئاسة بوليكراتوس..

[9] Schaff: Ibid. P.405.

[10] Schaff: Ibid. P.405.

[11] وُجدت صورة هذه الرسالة في تاريخ مجمع نيقية لإجلاسيوس (33:12) وفى تاريخ الكنيسة لسقراط6:1 وفى تاريخ الكنيسة لثيوذويطس(6:1) حسب ما يذكر حنانيا كساب في مجموعة الشرع الكنسى، منشورات النور، بيروت 1975 ص 113،114.

[12] يوسابيوس: من سيرة قسطنطين 18:35ـ20.

[13] إذ قام البابا ديمتريوس (189ـ231م) بإظهار كيفية استنتاج موعد عيد الفصح من الحساب اليهودى ثم عمل البابا ديونيسيوس (247ـ264م) حلقة فصحية من ثمانى سنوات.

[14] تاريخ بطاركة الكنيسة المصريةـ المرجع السابق. المجلد الثانى الجزء الأول ص 33ـ34.

[15] المرجع السابق: ص 13.

[16] المرجع السابق ص 17.

[17] Quasten, Ibid. Vol. III, p. 52 بينما يذكر ساويروس ابن المقفع في سيرة القديس أثناسيوس إنه ” كتب سبعة وأربعين أرطستيكا” أنظر:

EVETTS: History of The Patriarchs of the Coptic Church of Alexandria, I. Paris 1904

ص [157]. والعدد الذي ذكره ابن المقفع غير صحيح لأنه تجاوز سنوات اعتلاء أثناسيوس لكرسى الأسكندرية.

[18] Quasten: Ibid. Vol. III, P. 52.

[19] Cosmas Indicopleustes وهو تاجر مصرى من الأسكندرية اشتهر في القرن 6م حيث جاب البحار المتوسط والأحمر والخليج الفارسى وزار الهند وسيلان وأهم مؤلفاته (الطوبوغرافيا المسيحية) مكون من 12 جزء كتبه سنة 547م.

[20] لمزيد من التفاصيل راجع Quasten: المرجع السابق ج 3، ص 53.

[21] Jerome’s Ep. 96 (Coprus Scriptorum Ecclesiasticorum Latinorum. Louvain, 1903ff. 55, 159), Ep. 98(CSEL55,185), 100(CSEL55,213).

[22] لمزيد من التفاصيل عن هذه الرسائل راجع: Quasten: Ibid. Vol. III, P.103..

[23] لمزيد من المعلومات أنظر Quasten: Ibid. Vol. III, P.131..

[24] نشير في هذا البحث إلى إحدى هذه المخطوطات وهو مخطوط كتاب اعتراف الآباء بالمتحف القبطى رقم 196 لاهوت ص 150r، 150v.

[25] يذكر جورج جراف الرسالة 16. أنظر:

George Graf: Zwei dogmatische Florilegien der Kopten: B. Das Bekenntnis der Väter. In: Orientalia Christiana Periodica. Vol. III, Roma, 128, 1937. P.394. No: 208

حيث يشير إلى أن Renadudot يذكر هذه الرسالة في كتابه:

 Historia Patriarcharum Alexandrinorum Iacobitarunt, Paris 1713, s. 172.

وأيضا إلى وجود طبعة لهذه الرسالة مع بعض التغيير في مجلة طريق الحياة: العام الثانى 1932، الأسكندرية ص38ـ43.

[26] مخطوط كتاب اعتراف الآباء بالمتحف القبطى رقم 196 لاهوت ص 150r، 150v.

[27] القس شنودة ماهر اسحق: الأدب القبطى، اللهجات القبطية وآثارها الأدبية، القاهرة، طبعة أولى ديسمبر 1998 ص53،76.

[28] أنظر EVETTS: المرجع السابق ص [304] ـ [305].

[29] أنظر EVETTS: المرجع السابق ص [554].

[30] ترد سيرة هذا البطريرك في المرجع السابق من ص [516] ـ [554].

[31] أنظر سيرة هذا البطريرك في تاريخ بطاركة الكنيسة المصرية، جمعية الآثار..، المرجع السابق المجلد الثانى ـ الجزء الأول من ص 13 إلى ص68.

[32] المرجع السابق ص21.

[33] المرجع السابق ص 17.

[34] المرجع السابق (ص33ـ34).

[35] مثل تفكيره في حفر خليج من الخليج الذي حفره المتوكل على الله حتى يدخل منه الماء إلى الأسكندرية وصارت المراكب تصل منه إلى الأسواق ‎وزرع الناس عليه الكروم والبساتين وغير ذلك من الأمور التى ترد في سيرته.

[36] المرجع السابق: ص 19.

[37] المرجع السابق ص 20.

[38] يذكر Quasten أن هذا التقليد استمر إلى القرن التاسع فقط، أنظر كواستن المرجع السابق المجلد الثانى ص 108.

[39] أنظر Graf. المرجع السابق ص 398، ومخطوط اعتراف الآباء بالمتحف القبطى رقم 196 لاهوت ص 222v إلى ص 229v.

[40] الخريدة النفيسة: لأحد رهبان دير السيدة برموس الجزء الثانى، الطبعة الثالثة 1915 ص 345.

[41] أبو البركات ابن كبر: مصباح الظلمة في إيضاح الخدمة. ج1، طبعة مكتبة الكاروز، القاهرة 1971 ص 323. أمانات جمع كلمة ” أمانة ” وتعنى إيمان وهذا التعبير يُستخدم كمرادف لكلمة إيمان في قولنا ” قانون الإيمان ” أو ” الأمانة المقدسة ” كما تذكر بعض المخطوطات والكتب.

[42] لمزيد من التفاصيل عن هذا الكتاب راجع Graf. في المقال السابق ذكره.

[43] سبق لكاتب هذا المقال، تقديم بحث عن هذه الرسائل بعنوان ” رسائل السنوديقا.. الأهمية التاريخية والعقائدية لها ” وذلك في المؤتمر السنوى السادس للتراث العربي المسيحي بالقاهرة عام 1998م.

[44] اتخذ جامع كتاب ” اعتراف الآباء ” من مضمون وهدف هذه الرسائل ـ حسب اعتقادنا ـ عنوانا لكتابه، كما أن بعض هذه الرسائل تبدأ هكذا ” إنى أعترف ” (رسالة البابا ثاؤدوسيوس البطريرك33 إلى ساويرس الأنطاكى) ص 131v. ويبدأ البعض الآخر ” نؤمن بالواحد الآب ” (رسالة ديونيسيوس الأنطاكى إلى خائيل الـ53) ص 164r.

[45] ص 151r ـ 150v.

[46] يقصد بكلمة ” وجوه ” التعبير اليونانى ” (PrÒswpa) “.

[47] لم يذكر جراف هذه الرسالة في المقال السابق الإشارة إليه، وربما لم يلتفت إليها إذ هى ضمن الرسالة السادسة عشر.

[48] من ص 155r إلى ص 153v.

[49] ص 150r.

[50] القديس كيرلس عمود الدين: الرسالة 55 في شرح قانون الإيمان PG. 77. 289.

[51] أنظر مخطوط ” كتاب اعتراف الآباء ” ص 229ـ 230.

[52] [ … ] غير واضحة بالمخطوط.

[53] تاريخ بطاركة كنيسة الأسكندرية ـ المرجع السابق ـ المجلد الثانى الجزء الأول ص 19 ـ 20.

رسائل الأرطستيكا (تاريخيا ـ عقيديا) – د. جوزيف موريس فلتس

رسائل القديس أنطونيوس – سامح فاروق حنين

رسائل القديس أنطونيوس – سامح فاروق حنين

رسائل القديس أنطونيوس – سامح فاروق حنين

رسائل القديس أنطونيوس – سامح فاروق حنين

رسائل القديس أنطونيوس [1]

سامح فاروق حنين[2]

1 ـ سيرة القديس أنطونيوس

إن ظهور الحياة الرهبانية في مصر يُعد من أهم أحداث كنيسة الإسكندرية خاصة والكنيسة الجامعة عامة, ويعتبره بعض الباحثين ” أعظم هبات مصر للعالم”[3]. وإن لم يكن القديس أنطونيوس هو أول الرهبان ولا أول النساك, إذ سبقه إلى هذه السيرة القديس بولا الطيبى, الذي يشير إليه القديس أنطونيوس نفسه كمرشده إلى الحياة النسكية, إلاَّ أن أنطونيوس يُعتبر أب الرهبان ومؤسس الحياة الرهبانية[4].

ولا يُعتبر القديس أنطونيوس أشهر قديسي مصر فقط, بل وأيضًا واحد من أهم الشخصيات التي ساهمت في تطوير الرهبنة ونشرها في العالم أجمع. وحتى أثناء حياته كان يُعتبر أب كل الرهبان وأهم وجهة للزائرين سواء من داخل القطر المصري أو من خارجه. ولكن شهرته وأهميته للحياة الرهبانية يعودان في المقام الأول إلى كتاب سيرة “حياة وتدبير أبينا القديس أنطونيوس”:

«Βίος καὶ πολιτεία τοῦ ὁσίου πατρὸς ἡμῶν Ἀντωνίου»[5].

التي كتبها القديس أثناسيوس الرسولي في شكل رسالة وأرسلها إلى الرهبان الذين في خارج مصر بعد سنوات قليلة من نياحة القديس أنطونيوس[6], إذ أنهم كانوا يبدون اهتمامًا صالحًا نحو الرهبان الذين يعيشون في مصر.

هذا العمل كتبه القديس أثناسيوس بناءً على رغبة هؤلاء الرهبان, ليس فقط لكي يظهر الاحترام اللائق بالقديس أنطونيوس, بل و أيضاً لكي يقدّم لهم سيرة القديس أنطونيوس كنموذج: “لأن حياة القديس أنطونيوس بالنسبة للرهبان تُعتبر نموذجُا يُحتذى في النسك”.

«œsti g¦r monaco‹j ƒkanÕj carakt¾r prÕj ¥skhsin Ð ‘Antwn…ou b…oj»[7].

وهذه السيرة لا تتضمن فقط حياة القديس أنطونيوس, بل أيضًا بداية ظهور الرهبنة. ورغم أنه لا يمكن تحديد زمن معين لكتابة هذه السيرة, إلا أن الدراسات الحديثة تضعها بين عامي 356 و362م[8].  

وعن مكانة سيرة القديس أنطونيوس في مجال كتابة سير القديسين يقول أستاذ الدراسات البيزنطيةHerbert Hunger هيربرت هونجر “إن سيرة القديس أنطونيوس لأثناسيوس الرسولي تُعتبر النموذج الأول من نوعه”[9], و يقول عنها كذلك الأستاذMarshall مارشال: “إن سيرة القديس أنطونيوس التي كتبها القديس أثناسيوس تعد عملاً كلاسيكيًا دينيًا, الذي قرأه كل من الشرق وكذاك الغرب الأوربي في ترجمة لاتينية. هذه الفلسفة المسيحية (يقصد بالفلسفة هنا سيرة القديس أنطونيوس) دفعت الكثيرين إلى التوجه إلى وادي النيل والصحارى, ونشرت الرهبنة في الولايات الغربية للإمبراطورية البيزنطية. إن حياة القديس أنطونيوس للقديس أثناسيوس تُعد النموذج الأول الذي اتبعه كُتاب سير القديسين اليونانيون بعد ذلك”[10].

وباستثناء عمل القديس أثناسيوس هذا فثمة مصادر أخرى تحمل أخبارًا عن حياة القديس أنطونيوس, نذكر منها على سبيل المثال: سيرة القديس بولا الطيبى وسيرة القديس هيلاريون اللتان دونهما القديس ﭽيروم, التاريخ اللوزاكى لبلاديوس أسقف هيلينوبوليس, تاريخ رهبان مصر المكتوب أواخر القرن الرابع الميلادي وكذلك التاريخ الكنسي للمؤرخ اللاتيني روفينوس[11].

وبالنسبة إلى عبارة القديس أثناسيوس عن أنطونيوس الكبير أنه ” لم يكن متعلمًا”:

“gr£mmata mn maqe‹n oÙk ºnšsceto”[12]

­­ يعلّق المؤرخ الانجليزى E. Gibbon قائلاً “إن التأكيد على أمية أنطونيوس التامة قد قبلها كل من الكُتّاب القدامى والمحدثين, إلا أن تيلمونت Tillemont[13] يرجح أن القديس أنطونيوس كان يستطيع القراءة والكتابة باللغة القبطية, لغته الأم[14], وأنه كان يجهل فقط اللغة اليونانية”[15]. ويتفق معه في الرأي الأستاذ Gerard Garitte جيرار جاريت الذي يرى أن أنطونيوس لم يكن أميًا, وذلك ضد تقليد طالما تثبّت[16]. وحتى جهل أنطونيوس باللغة اليونانية لم يمنعه من تبنى الحجج الدامغة ضد الأريوسية أي الدفاع عن عقيدة التجسد بنفس منهج وطريقة القديس أثناسيوس. فسيرته التي كتبها القديس أثناسيوس تظهر رجلاً ذا عقل راجح, وحكمة إلهية, ونعمة ولطف[17], قادراً على مناقشة أمور عصره المختلفة, الفلسفية واللاهوتية والعقائدية[18], حتى ولو كان غير متعلّم. وكان إذا سأله أحد المتعلّمين عن ذلك يجيبه متسائلاً “ماذا تقول في العقل والآداب, أيهما أولاً, وأيهما سبب الآخر؟”, هل العقل سبب الآداب أم الآداب سبب العقل؟”. وكان إذا أجابه محدثه بأن العقل هو الأول, وأنه هو مبتدع الآداب, كان أنطونيوس يجيب: “إذن من لديه عقل راجح ليس في حاجة إلى الآداب”[19]. ويقول القديس أثناسيوس فى ذلك: “إن أنطونيوس وإن كان قد نال شهرةً فذلك ليس لأجل كتاباته, ولا لأجل حكمة عالمية, ولا لأجل فنه, بل لأجل طاعته لله”[20].

 

2 ـ رسائل القديس أنطونيوس:

إن مجموعة كبيرة من الكتابات المعروفة بنسبتها إلى القديس أنطونيوس نُشرت مرات عديدة منذ القرنين السادس عشر والسابع عشر, ولكن الغريب أن هذه الكتابات لم تجذب تقريبًا الانتباه إليها, والسبب في ذلك هو أن جزءً كبيرًا منها موجود فقط باللغة العربية, أو مُترجم إلى اللاتينية عن العربية, على حين أنه تُنسب إلى القديس أنطونيوس سبعة رسائل, محفوظة في مخطوطة من الدير الأبيض بسوهاج, ولها عدة نسخ باليونانية واللاتينية والجيورجية والسريانية, بالإضافة إلى ذلك توجد أقوال لأنطونيوس وتعاليمه في بستان الرهبان[21].

إن صحة وأصالة هذه الرسائل السبعة لم تصبح يومًا مثار اتفاق الجميع, والسبب في ذلك هو المخطوطات التي تضعنا في هذه المشكلة. فمن النسخة القبطية تبقت فقط شذرات, ومن السريانية الرسالة الأولى, والترجمة اللاتينية, التي قام بها Valerius de Sarasio، بها كثير من الغموض, وكذلك اليونانية بها الكثير من النقص. وأكمل نسختين هما العربية والجيورجية[22].

والمصادر التي تتحدث عن سيرة القديس أنطونيوس تشير إلى هذه الرسائل التي كتبها القديس إلى جهات كثيرة, منها رسالة إلى قسطنطين الكبير وأولاده, وأخرى إلى الأسقف الأريوسي غريغوريوس الكبادوكى, وثالثة إلى أديرة القديس باخوميوس, ورابعة إلى فلاكيوس أحد موظفي الإمبراطور وأحد مؤيدي بدعة أريوس[23] وأخيرة إلى القديس أثناسيوس الرسولي[24].

وقد نشر Valerius de Sarasio في “الباترولوجيا جريكا” مجلد 40 رسائل القديس أنطونيوس السبعة في ترجمة لاتينية على أساس النص اليوناني, وعنوانيها كالتالي:

إلى أخوتي

Epistula I, ad fraters suos

إلى رهبان أرسينوى  

Epistula II, ad Arsinoitas

إلى رهبان الأسقيط

Epistula III, Scitis

إلى المنعم عليهم المُكرّمين

Epistula IV, Charissimis et honorabilibus

إلى أبنائي الأعزاء الإسرائيليين

Epistula V, Delictissimis natis, filiis Israelitis[25]

غير مشار إلى من كُتبت

Epistula VI

إلى جميع أخوتنا الأعزاء

Epistula VII, Omnibus delictissimis fratribus[26]

 

وثمة رسالة أخرى تُنسب إلى القديس أنطونيوس موجهة إلى ثيؤدوروس رئيس رهبان طابينيسا, وقد حُفظت هذه الرسالة ضمن كتابات القديس أمونيوس, مؤداها هو أن الله يظهر رحمة لعابدي يسوع الحقيقيين حتى وإن سقطوا, طالما أنهم يتوبون عن خطاياهم بصدق[27].

نُشرت فى الباترولوجيا جريكا مجلد 40، عشرون رسالة تُنسب إلى القديس أنطونيوس, نُشرت جميعها باللاتينية وبعض هذه الرسائل يُشتبه في صحة نسبتها إلى القديس أنطونيوس[28]، وقد تُرجمت هذه الرسائل إلى العربية عن الإنجليزية ونشرها مركز دراسات الآباء بالقاهرة على جزأين[29].  

 

3ـ أدلة من عدة مصادر على صحة نسب الرسائل للقديس انطونيوس

إن صحة نسب هذه الرسائل وأصالتها إلى القديس أنطونيوس ـ مثل غيرها من كتابات الكُتّاب المسيحيين القدامى ـ قد فحصها الكثيرون من المهتمين بالدراسات الآبائية في القرن الأخير. فالبعض يراها نظرية جدًا لأن يكتبها واحد مثل أنطونيوس, وآخرون يعتبرونها أصيلة جدًا ويستخدمونها كمصادر لحياة وأعمال القديس أنطونيوس[30]. ولكن على أساس عدة مصادر أخرى نستطيع أن نبرهن على أن رسائل القديس أنطونيوس أصيلة, وأن المعلومات التي تشير في سيرة القديس أنطونيوس إلى أنه لم يتلق أي نوع من التعليم يتيح له كتابة مثل هذه الرسائل, ليست ذات قيمة.

والأدلة على أن القديس أنطونيوس قد كتب بالفعل هذه الرسائل نجدها في عدة مصادر قديمة نذكر منها:

1ـ ”عن مشاهير الرجال” De Viris Illustribus

في كتابه المؤرخ له بعام 392م, يشير القديس ﭽيروم إلى أن ” الراهب أنطونيوس, الذي دون سيرته أثناسيوس أسقف مدينة الإسكندرية, في كتاب ضخم, قد أرسل إلى عدة أديرة في مصر سبعة رسائل مكتوبة باللغة المصرية (القبطية), وقد تُرجمت إلى اللغة اليونانية”:

«Antonius monachus, cujus vitam Athanasius, Alexamdrinae urbis episcopus, insigni volumine prosecutus est, misit Aegyptiace ad diversa monasteria apostolici sensus sermonisque epistolas septem, quae in Graeciam linguam translatae sunt »[31].

ويُعتبر القديس ﭽيروم هو الكاتب الوحيد الذي أشار حرفيًا إلى هذه الرسائل, على أساس أنه كانت له علاقات حميمة مع رهبان مصر الشيء الذي يرجح أنه استقى منهم هذه المعلومات مباشرةً[32]، أو كما يشير كواستنQuasten، يبدو أنه قد قرأها ليس بالطبع في لغتها التي كُتبت بها أو أملاها فيها القديس أنطونيوس, بل باللغة اليونانية[33].

2ـ ” حياة أنطونيوس ” Vita Antonii

يقول القديس أثناسيوس عن أنطونيوس: “إن شهرته قد وصلت إلى الملوك أيضًا, لأن الأوغسطس قسطنطين وأولاده الأوغسطس قسطنطيوس والأوغسطس قنسطانس عندما علموا بأخباره كتبوا إليه كأب, وكانوا يتمنّون لو تصلهم رسائل منه[34], أما هو فكان لا يريد أن يقبل هذه الخطابات منهم, قائلاً إنه لا يعرف بماذا يرد على مثل هذه الرسائل. ولكن عندما حثه الرهبان على ذلك قائلين إن الملوك مسيحيون، سمح بأن تقرأ الرسائل عليه, ورد عليها”[35].

3ـ تاريخ الأريوسيين لأثناسيوس الرسولىHistoria Arianorum Athanasii :

” ذات مرة كتب الأنبا أنطونيوس من الجبل هكذا….[36].

أما فيما يتعلق بزمن كتابة هذه الرسائل فانه يُؤرخ لها بعامي 340 و 350م[37], ولم يكتبها هو بنفسه بل أملاها على آخرين باللغة المصرية[38].

 

4 ـ تعليم القديس انطونيوس من خلال رسائله

أحد الباحثين القلائل الذين اهتموا بدراسة رسائل القديس أانطونيوس الكبير هو د.صموئيل روبنسون أستاذ التاريخ بجامعة لوند بالسويد, الذي قام بتحليل الرسائل ودراسة نسخها المختلفة وخلص إلى أن:

1 ـ الرسائل كتبت باللغة القبطية, وبهذا ’يعد أنطونيوس أول كاتب قبطي.

2 ـ أصالة الرسائل وصحة نسبها إلى القديس أنطونيوس قد اعترف بها الكثيرون, وهذا كافٍ لدحض الرأي القائل بأن أنطونيوس, الراهب المصري, كانت تنقصه الثقافة.

3 ـ محتوى الرسائل يوضح أن أنطونيوس كان حقًا عارفًا بالأفلاطونية, ومتأثرًا بتقاليد مدرسة الأسكندرية وعلى رأسه كليمندس وأوريجينوس[39].

وطبقا لدراسة د. روبنسون فإن محتوى رسائل القديس أنطونيوس هو كالتالي:

الرسالة الأولى تختلف عن باقي الرسائل السبعة, فهي ليست رسالة تقليدية بل يمكن أن نطلق عليها ” مقدمة في الحياة الرهبانية”. فيها يركز القديس أنطونيوس على نقاوة العقل والنفس والجسد, ويقدم توجيهات دقيقة إلى الرهبان المبتدئين[40]. وما نجده في هذه الرسالة يعد حقًا مقالاً منظمًا عن التوبة والنقاوة. فبعد وصف الطريقة التي بها يدعو الله الناس إلى التوبة يصف القديس أنطونيوس عمل روح التوبة في الإنسان, وكيفية التأثير على عقل الإنسان ونفسه وجسده. هذا التعليم يخص التوبة العملية لكل عضو من أعضاء الجسد. وليس ثمة إشارة فى هذه الرسالة إلى تاريخ الخلاص, ولا إلى إلوهية المسيح ولا إلى الأخرويات.

قبل تحليل نقاوة كل عضو من أعضاء الجسد الذي يُعد الموضوع الرئيسي للرسالة, يقدّم القديس أنطونيوس رأيه بخصوص “حركات الجسد” مقسمًا إياها إلى ثلاثة أنواع:

1 ـ حركات طبيعية, وهى التي تتحكم فيها النفس, وهى غير ضارة في ذاتها.

2 ـ حركات تنتج عن الطمع والشراهة.

3 ـ وحركات تنتج عن الشرور والأرواح الشريرة[41].

ثمة تقارب شديد بين تعليم أنطونيوس هذا وما ورد في كتاب “عن المبادئ ” لأوريجينوس III.2.2-3, حيث يؤكد الأخير أن الشياطين ليست دائما هي المسئولة عن جميع الأوجاع والشهوات.

في الجزء الأخير من الرسالة يعلّم أنطونيوس كيف أن الإنسان يستطيع أن يطّهر أعضاء جسده, مبتدئًا من العين, ثم اللسان, فالبطن, فالأعضاء التناسلية, ثم أخيرًا الرجلين.

أما الرسائل من7:2 نجد أنه تربطهم معًا نفس البنية ونفس النصوص والاقتباسات. والتفسير الوحيد المقنع لذلك هو أن جميعها كتبها نفس الكاتب في نفس الزمن لنفس الغرض إلى نفس الأشخاص.

الموضوع الرئيسي لهذه الرسائل من 7:2 ما عدا الرسالة الرابعة هو ” تاريخ الخلاص” وحاجة الإنسان الماسة إلى المعرفة. والإرشادات الدقيقة إلى النسك والطهارة التي في الرسالة الأولى لا نجدها في الرسائل الستة الأخيرة. بعد التحية[42] يصف القديس أنطونيوس “تاريخ الخلاص” كتاريخ محاولات الله المستمرة لرعاية الإنسان. فالله أرسل موسى النبي بالناموس المكتوب ومن خلاله أسس “بيت الحق” أي الكنيسة. ولكن لا موسى ولا من جاء بعده من الأنبياء استطاعوا أن يتمّموا الخلاص. وإرسال الابن, طبقا لرأى القديس أنطونيوس, هو نتيجة عدم مقدرة كل هؤلاء على شفاء جُرح البشرية.

في الجزء الأول من “تاريخ الخلاص” هذا نجد أن نص الرسائل تقريبًا واحد, وكل الرسائل تحتوى على نفس العبارات. وإن كانت الفكرة العامة للرسائل الستة الأخيرة متطابقة فإن ثمة اختلافات في شكل الرسالة.

في الرسالة الثالثة يشير القديس أنطونيوس إلى معرفة النفس كطريق يؤدى إلى معرفة الله، وبالتالي إلى معرفة تدابيره في الخليقة. ويعبّر أنطونيوس عن فرحه بالرهبان الذين أعدوا أنفسهم للخلاص بمجيء يسوع, وكذلك عن عميق حزنه على الرهبان الذين يتاجرون باسم يسوع, هؤلاء الذين خارت قواهم فركلوا ميراثهم ومضوا. 

الرسالة الرابعة تختلف كثيرًا عن الأخريات, حيث لا توجد أي إشارة إلى “تاريخ الخلاص”, بل تُعد مقالاً مختصرًا عن الفرق بين العبودية والتبني.

في الرسالة الخامسة ـ بعد الإشارة إلى افتقاد الله لخلائقه بواسطة خلاص المسيح ـ يحث أنطونيوس أبنائه على تقديم أنفسهم ذبيحة لله في كل قداسة, وعلى الجهاد والسهر لكي ما ينعشوا القديسين ويعطوا بهجة للملائكة وفرحًا ليسوع المسيح.

الرسالة السادسة بها جزء صغير عن الشياطين وحيلهم لإهلاك البشر, الشيء الذي لا نجده في بقية الرسائل. ولكن نفس العبارات المستخدمة في الرسائل الأخيرة والاقتباسات الكتابية نجدها هناك.

في الرسالة السابعة يحث أنطونيوس على إعداد النفس لملاقاة الخالق في قداسة, لأجل أن ابنه المحبوب قد مات لأجلنا أجمعين. أما عن الحرية فيقول أنطونيوس إن أول ما يحتاج إليه الإنسان العاقل هو أن يعرف أولا نفسه ثم يعرف أمور الله وهباته السخية, ثم أن يعرف أن كل خطية إنما هي غريبة عن طبيعة جوهره العقلي (الروحي). هذه الرسالة هي الوحيدة التي يشير فيها القديس أنطونيوس إلى الاضطرابات التي أحدثتها بدعة أريوس, و هذا يعد دليلا على أن القديس أنطونيوس قد كتب إلى جماعات رهبانية مختلفة يحثهم على الثبات فى مواجهة بدعة آريوس[43].

هذا وقد حلّل د.جيرارد جاريت[44] ما تحت يديه من تفاصيل, وكذلك النسخ المختلفة لرسائل القديس أنطونيوس, ولحياته التي كتبها أثناسيوس, ولأقوال الآباء, وكذلك للمعلومات التي تحويها برديات من القرن الرابع الميلادي عن الحياة اليومية في صعيد مصر, وكذلك أيضًا المعلومات الهامة التي تحويها النصوص الغنوسية, وأثبّت أن رسائل القديس أنطونيوس في نسختها الجيورجية ليست فقط أصلية بل وأيضا تُظهر لنا صورة شخصٍ مثقفٍ, على اتفاق تام مع اللاهوت الأسكندري في عصره[45].

وتعليقًا على عبارة القديس أنطونيوس: “الله واحد, والجوهر الروحاني واحد أيضًا”[46]

” Sed quoniam Deus unus exsistit,

et secundum sensualem essentiam in idipsum est unitas”

والتي تلخص المفهوم الأفلاطوني عن الله كأصل جميع الأشياء, يقول د. روبنسون إنها ترتبط في رسائل القديس أنطونيوس مع تعاليم الكتاب المقدس بخصوص فكرة “الخلق من العدم”Creatio ex nihilo[47]. فأنطونيوس يعترف بوضوح أن كل الأشياء وُجدت من العدم, فالشمس, والقمر, والنجوم, والسماوات, والرجال والنساء, جميعها صدرت عن أصل واحد[48].

وكأفلاطون و أوريجينيس كذلك أيضا أنطونيوس يرفض أي فكرة عن الإثنَيْنية Δυϊσμός فيما يتعلّق بفكرة أصل وطبيعة الخليقة. وحتى بالنسبة إلى المخلوقات الشريرة (الشياطين) فليس ثمة مصدرٌ آخر للوجود سوى الله. فالإنسان والملائكة والشياطين الذين خُلقوا ملائكة ثم سقطوا وصاروا شياطينًا، هذه المخلوقات كلها من مصدر واحد في جوهرها الروحى[49].

وعند أنطونيوس نجد أن أصل الشر هو الحرية التي وهبها الله لكل المخلوقات الروحية. في هذا نجده يتفق مع أوريجينوس الذي يرى أن لا شيء خُلق من البدء حسنًا أو شريرًا[50]. وحتى وإن لم يقدم أنطونيوس شرحًا وافيًا لآرائه فيما يخص نتائج السقوط الأول, وخلق العالم المادي, فإن التقارب الشديد بينه وبين أوريجينوس يمكن أن يُرى كخلفية لأفكاره. فطبقًا لرأى أنطونيوس عن العالم, نجد أن الإنسان لا يوجد وحده مع الله, بل يشاركه الوجود كل من الملائكة والشياطين. فهذه الخلفية لتعاليم أنطونيوس هي تعاليم أوريجينوس بخصوص الشياطين مع تأثره بالتقاليد اليهودية – المسيحية. فكل من أوريجينوس وأنطونيوس يرى أن الشياطين كمخلوقات روحية خلقها الله ككل الطبيعة العاقلة, وتتشارك في نفس الجوهر الروحي. وفى السقوط الأول أى السقوط الذى سبق سقوط الإنسان, فإن الأرواح التي ظلت مُطيعة لله هم الملائكة, والأخرى التي تمردت عليه صارت شياطينًا[51].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] أود أن أشكر السادة الأجلاء أعضاء مؤسسة القديس أنطونيوس للدراسات الآبائية لتفضلهم بنشر هذا المقال، و بما أنه أول بحث ينشر لى فإنى أهديه إلى الأستاذ ستاڤروس يؤانيس كوروسيس أستاذ الأدب البيزنطى بكلية الفلسفة – جامعة أثينا(اليونان) بصفته المشرف على رسالة الماجستير خاصتي و التى يعتبر هذا المقال جزءًا منها.

 Τῷ ἀγαπητῷ μου Κυρίῳ Σταύρῳ Ἰώαννῃ Κουρούσῃ.

[2] الأستاذ سامح فاروق، هو مدرس مساعد بقسم الدراسات اليونانية واللاتينية بآداب القاهرة.

[3] N. H. Baynes – L. B. Moss, Βυζάντιο: Εἰσαγωγή στό Βυζαντινό Πολιτισμό, Ἑλληνική μετάφραση, Ἀθήναι 2001, P. 38

[4] Θρησκευτικὴ καὶ Ἠθικὴ Ἐγκυκλοπαίδεια, Τομ. 2, Λήμμα ὑπὸ Ἀθαν. Κ, Ἀρβανίτη, Ἀθήναι 1965, σσ. 965-975.

[5] Athanasii Vita Antonii, MPG 26, Προοίμιον.

[6]Samuel Rubenson, The Arabic version of the letters of St. Antony, OCA 226, Roma 1986, P. 19.

[7] Vita Antonii, MPG 26, C. 837, line 19.

[8] Nicene and Post- Nicene Fathers, 2nd Ser. Vol. 4, P. 556.

[9] H. Hunger, Βυζαντινὴ Λογοτεχνία, Ἡ λόγια κοσμικὴ γραμματεῖα τῶν Βυζαντινῶν, τόμ. Β΄, σ. 22 (Ἑλληνιστί).

[10] N. H. Baynes – L. B. Moss, Βυζάντιο: (Ἡ Βυζαντινή Φιλολογία) P. 318.

[11] Nicene and Post- Nicene Fathers, 2nd Ser. Vol. 4, P. 556.

[12] Vita Antonii, PG 26, C. 841.

[13] L.S. Le Nain De Tillemont, Mémoires pour servir à l’Histoire Ecclésiastique des six premiers Siècles, Vol. VII. Paris, 1693-1712, P. 666.

[14] القديس أنطونيوس كان يتكلم اللغة القبطية, و كل الكتابات التي حُفظت له مترجمة ٌ عن القبطية, ويسميها أثناسيوس أيضًا اللغة المصرية قائلاً هكذا: ” ذات يوم جاء القديس أنطونيوس, و جاء إليه جميع الرهبان ليسمعوا منه كلمة, فقال لهم باللغة المصرية هكذا…”

«Mi´ goàn ¹mšrv proelqën, kaˆ p£ntwn tîn monacîn ™lqÒntwn prÕj aÙtÕn, ¢xioÚntwn te par’ aÙtoà ¢koàsai lÒgon, œlegen aÙto‹j tÍ A„guptiakÍ fwnÍ taàta».

Vide Vita Antonii, PG 26, C. 841, line 5.

[15] Ε. Gibbon, The History of the decline and fall of the Roman Empire, vol. 3, Pp. 589, 599.

[16] G. Garitte, Lettres de saint Antoine. Version Georgienne et fragments Copte, CSCO 148-149, Louvain 1955. vid. U. Zanetti, Du nouveau sur S. Antoine et ses Lettres, AnBoll 108 (1990) P. 278.

[17] Vita Antonii, NPNF, 2nd Ser. Vol. 72f, P. 607.

[18] NPNF. 2nd Ser. Vol. 4. Pp. 562, 563.

[19] Vita Antonii, NPNF, 2nd Ser. Vol. 72f, P. 607.

[20] Op. cit. 93f, P. 618.

[21] تراث الأدب القبطي, القس شنودة ماهر و د. يوحنا نسيم, مؤسسة القديس مرقس لدراسات التاريخ القبطي, القاهرة 2003, ص 180, 181. والرسائل السبعة هذه هي الكتابات الوحيدة لأنطونيوس التي’تعتبر أصلية وانظر كذلك:

Samuel Rubenson, The letters of St. Antony, Origenist Theology, Monastic Tradition and the Making of a Saint, Lund University Press, 1990, P. 20.

[22] V.Poggi, Recensiones: Samuel Rubenson, The letters of St. Antony, OCP 57 (1991) Pp. 247-248.

[23] J. Quasten, Patrology, vol. 3, Christian Classics, Inc., Westminster, Maryland, 1992, P. 150.

[24] ΘΗΕ, Τομ. 2, Λήμμα ὑπὸ Ἀθαν. Κ, Ἀρβανίτη, σσ. 965-975.

[25] كثيرا ما يطلق القديس أنطونيوس على الذين يراسلهم ” أولاد إسرائيل” أو” رجال إسرائيل القديسين” وذلك لأنهم يتبعون كلمات الرب التي قالها لإبراهيم exi de terra et de cognatione tua ” ” أي ” اخرج من أرضك ومن عشيرتك” (تك1:12), وذلك لأن المراسل إليهم كانوا من الرهبان. Vid. J. Quasten, Patrology, vol. 3, P. 151.

[26] Patris Antonii Epistolae VII, ex Graeco Latine redditae, interprete Valerio de Sarasio. PG 40, Epis. II, Ad Arsinoitas, C. 981.

[27] Ex epistola Ammonis Episcopi, PG 40, CC. 1065-1066.

[28] وهذه الرسائل العشرون التي تُنسب للقديس أنطونيوس لم يكتبها هو نفسه ولم يملها, بل جزء منها كتبه أحد تلاميذه وهو القديس أمونيوس, والجزء الآخر كاتبه مجهول.

  1. Quasten, Patrology, vol. 3, P.151 انظر: Μέγας Ἀντώνιος, Βίος καὶ Πολιτεία ὑπὸ Μ. Ἀθανασίου Πατριάρχου Ἀλεξανδρείας, 6η εκ. Ἐκδόσεις Β. Ῥηγοπούλου, Θεσσαλονίκη 1971, σ. 13. انظر أيضًا Antonii Magni Monachorum omnium Parentis Epistolae viginti, PG 40, CC. 999- 1066.

[29] المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية, رسائل القديس أنطونيوس الجزءان معا (1-19) القاهرة 2004.

[30] Samuel Rubenson, The letters of St. Antony, Origenist Theology, Monastic Tradition and the Making of a Saint, Lund University Press, 1990, P. 35.

[31] Ηieronymi, De Viris Illustribus, Μigne PL 23, Cap. 88, C.731.

[32] Samuel Rubenson, The letters of St. Antony, P. 36.

[33] J. Quasten, Patrology, vol.3, P. 151.

[34] Vita Antonii, PG 26: 835-976b, C. 959, line 14ff.

[35] Idem, P. 956, line 26f.

[36]Historia Arianorum Athanasii, ed. H.G. Opitz, vol.2.1. Berlin: De Gruyter, 1940, ch.14, sec.1, line 1f.

[37] V. Poggi, Recensiones: Samuel Rubenson, The letters of St. Antony, OCP 57 (1991) Pp. 247-248.

[38] Ὁ Μέγας Ἀντώνιος, Βίος καὶ Πολιτεία, σ. 13.

[39] V. Poggi, The letters, OCP 57 (1991) Pp. 247-248. καὶ βλ. Samuel Rubenson, Origen in the Egyptian monastic tradition of the fourth century, Origeniana Septima, Leuven University press, 1999, Pp. 321, 323.

[40] Samuel Rubenson, The letters of St. Antony, P. 51.

[41] Ep. Ant. I.35-41. PG 40.

[42] رسائل القديس أنطونيوس من 2-7 تنقسم, بعد التحية, إلى قسمين, الأول مختصر عن تاريخ الخلاص, والثاني مجموعة من الإرشادات. من هذه الوجهة تتشابه رسائل القديس أنطونيوس مع رسائل القديس بولس الرسول وخاصة رسائله إلى رومية وأفسس والعبرانيين Vid. Samuel Rubenson, The letters of St. Antony, P. 55.

[43] J. Quasten, Patrology, vol.3, P. 151.

[44] G. Garitte, Lettres de saint Antoine. Version Georgienne et fragments Copte, CSCO 148-149, Louvain 1955.

[45] U. Zanetti, Du nouveau sur S. Antoine et ses Lettres, AnBoll 108 (1990) P. 278.

[46] PG 40, Ep. Ant. III, I, c. 997.

[47] De Principiis, I.1.6. و قارن كذلك Samuel Rubenson, The letters of St. Antony, P. 64.

[48] PG 40, Ep. Ant. V, IV, c. 996.

[49] Samuel Rubenson, The letters of St. Antony, P. 51.

[50] Idem, P. 67. n. 3, καὶ βλ. De Principiis I.5.3.

[51] De Principiis II.9.2-6.

رسائل القديس أنطونيوس – سامح فاروق حنين

علم الآباء 3 – صور وتصنيف كتابات الآباء

علم الآباء 3 –  صور وتصنيف كتابات الآباء

علم الآباء 3 –  صور وتصنيف كتابات الآباء

صور كتابات الآباء

تنوّعت الصور التي استخدمها الآباء في التعبير عن موضوع كتاباتهم على حسب الصورة التي تخدم المؤمنين؛ فلم يكن اهتمامهم يرجع للصورة الأدبيّة للنصوص المكتوبة بل استخدموا الرسائل، المواعظ، النصوص، الشعر كما يأتي:

  1. الرسائل:

تركّزت أكبر صورة لكتابات الآباء على الرسائل، التي أخذت أكبر قدر من كتاباتهم، ونحن بصدد الحديث عن كتابات الآباء، نوضح أنها لم تكن بهدف الكتابة فقط، فقد كان لكل رسالة هدف واضح لأجل بناء الكنيسة ونفع المؤمنين، في إما تعالج مشكلة في الكنيسة، مثل رسالة القديس أكْلِمَنْضُس الروماني على كنيسة كورنثوس، والتي تعالج موضوع الانقسام الحادث عندهم، أو للرد على أسئلة صعبة سواء في التفسير أو في اللاهوت، أو بهدف التعليم، إذ أن رسائل الآباء مملوءة بالتعاليم النافعة.

ويمكن تصنيف الرسائل إلى الآتي:

  • رسائل موجّهة لحكام.
  • رسائل لتنظيم الكنيسة.
  • رسائل للرد على البدع والهرطقات.
  • رسائل لاهوتية.
  • رسائل تعليمية.
  • رسائل في تنظيم الحياة الاجتماعية.
  • رسائل فِصْحِيّة.
  • رسائل تعزية.

وقد كان هناك تقليد قديم استمر إلى عهد قريب، ألا وهو: أن يكتب الآباء أو الأب البطريرك رسالة في عيد القيامة “عيد الفصح” تُقرأ في الكنائس كلها، تحقيقاً لمبدأ الوحدانية الكنسية والتعليمية والرعويّة.

من أشهر الآباء الذين كتبوا رسائل:

القديس أثناسيوس الرسوليّ (328 -373م):

كتب القديس أثناسيوس الرسوليّ فصحية، كما كتب أربعة رسائل للقديس سيرابيون في ألوهية الروح القدس عام 359م، كما كتب رسائل عقائدية في تعاليم ديونيسيوس عام 352م، وفي قوانين مجمع نيقية عام 350، 351م، كما كتب رسالة عامة إلى الأساقفة 340م، كما كتب رسائل أخرى.

القديس غريغوريوس النزينزي (329 -390م):

وهو من أول مؤلف باليونانية ينشر رسائله، وذلك بناء على طلب نيكوبولس Nicobulus حفيد أخته جورجونيا، بغير قصد وضع نظرية “كتابة الرسائل”، إذ طلب أن تكون قصير وواضحة ولطيفة وبسيطة… (رسالة 51، 54).

وقد كتب غريغوريوس رسائل عديدة وصلنا منها (245) رسالة أكثرها شخصية، لذويه وأصدقائه لبعضها أهمية لاهوتية، خاصة الرسالتين إلى الكاهن كليدونيوس نحو 382م وفيها الرد على الأبوليناريين، اعتمد منهما مجمع أفسس 431م مقطعاً كبيراً. كذلك الرسالة إلى نكتاريوس الذي خلفه على كرسي القسطنطينية وكان سابقاً لذهبيّ الفم، لكي يحض الإمبراطور ثيودوسيوس على محاربة الهراطقة، فاستجاب الإمبراطور وحظر على الأريوسيين عقد الاجتماعات ورسامة الأساقفة[1]. قد تبادل الرسائل ليُعبر عن أفكاره ومواقفه، ولكي يُجيب أيضاً على أسئلة كنسية واجتماعية…

وتُعد هذه الرسائل صورة صادقة عن إنسان شريف لا يتردد في قول الحقيقة، وتتحلى رسائله بالإيجاز والتماسك والجمال[2].

القديس باسيليوس الكبير (330 -379م):

كتب رسائل عددها (366) رسالة، في الفترة ما بين (357 -379م)، وهي توضح صوراً كثيرة، وتحتوي على مواضيع عديدة مختلفة حول الحياة النسكية والرهبانية والصداقة والمحبة[3].

تحمل رسائل القديس باسيليوس أهمية كبيرة إذ تنطوي على موضوعات لاهوتية وتاريخية ونسكية، وهي تكشف عن أخلاق وطباع كاتبها الذي وإن كان يقسو أحياناً لكنه لا يلبث أن يلين في فيض من الروحانية[4].

القديس أغسطينوس (354 -430م):

كتب أكثر من 270 رسالة، من (386 إلى 429م)… لجهات مختلفة، بعضها يحوي أبحاثاً فلسفية ولاهوتية ورعوية عملية أهمها التي وجهها إلى جيروم[5]. ونذكر من بين هذه الرسائل:

  • حرية الإرادة (388 -395).
  • التعليم المسيحيّ (397 -426).
  • في المعمودية ضد الدونابيين (401).
  • في النعمة ضد بيلاجيوس (415).
  • في الثالوث (399 -419).
  1. المواعظ:

العظة في القرن الثالث تميزت بالاتجاه إلى البحث عن التوازن والمنهجية، في تُشكل مرحلة انتقالية بين طابع العظة الخاريزماتيكي، والعفوي كما في عصر الرُسل وعصر الآباء الرسوليين، إلى القرن الثالث.

أخذ الوعظ في الكنسية وضعه في القرنين الرابع والخامس، مع انتشار المدارس الفلسفية وظهور مدرسة الإسكندرية بمُعلّميها، والحاجة إلى خطاب كنسي قوي لبنيان المؤمنين، ولمواجهة احتياجات الحوار مع المثقفين الوثنين من الخارج ودحض البدع والهرطقات من الداخل. ومن ثم ارتفع مستوى ثقافة الإكليروس والشعب[6]، إذ كان يركّز على التعاليم العقائدية لمواجهة الهرطقات.

وكانت العظات تشمل تفاسير للكتاب المقدس، مثل تفسير القديس أُغسطينوس للمزامير، الذي كان عبارة عن مجموعة عظات، كذلك تفاسير القديس يوحنا ذهبيّ الفم، معظمها عظات في الأعياد…

كذلك القديس إغريغوريوس النزينزي له 45 عظة قدمها في أهم فترة في حياته من 379 -381م، حينما كان أسقفاً على القسطنطينية، جاذباً أنظار العالم إليه.

  1. نصوص عقائدية وليتورجية:

في القرون الأولى للكنسية كانت هناك نصوص خاصة بكل كنيسة محليّة، تتضمن بنود الإيمان وصلوات الليتورجيات المختلفة… ورغم أنّها كانت خاصة بكل كنيسة، إلا أنها كان لها مضمون واحد ومحتوى عقيدي وروحي واحد.

بعد المجامع المسكونية وإقرار قانون الإيمان النيقاويّ القسطنطينيّ، أصبح هناك نصّ واحدٌ لإيمان الكنيسة الجامعة في كل مكان، وفيما يخص الليتورجية كان هناك ليتورجيات كثيرة، ولكن كل منها تشتمل على عناصر أساسية مشتركة؛ على مثال ما فعله السيد المسيح في تأسيس سر الإفخارستيا للتلاميذ، مثل: الشكر، التسبيح، الطلبات، التعليم…

وتُعدٌ أشهر الليتورجيات هي: ليتورجية القديس باسيليوس أسقف قيصرية كبادوكية في آسيا الصغرى (القرن الرابع)، وليتورجية القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات النزينزيّ (القرن الرابع)، وليتورجية القديس كيرلس عمود الدين (القرن الخامس).

كما كانت هناك ليتورجيات المعمودية، وقد تحدّث ابن العسّال في “المجموع الصفوي” عن التعميد، من جهة أحكامه والقوانين المتعلّقة به والصلوات الخاصة به، ففصّل أحكامه وأورد القوانين المتعلّقة به، ثم قال: “قد وضع في البيعة القبطية كتاب خاص بالتعميد مشتق من القوانين، مُشتمل على كيفية التعميد وجميع الصلوات المخصوصة به والاعتماد عليه في ذلك. ويجب التحرُز العظيم فيه[7].

هناك أيضاً ليتورجيات خاصة بترتيب صلوات وطقوس رسامة وتكريس كل من الأب البطريرك والأسقف والمطران والقس والإيغومانس (القُمصّ) والشماس والرهبان والراهبات ورئيسة الراهبات…، وأيضاً تحوي شروط وكفاءات المتقدّم للرسامة في كل درجة من الدرجات كما تشرح وتفسر بعض القوانين وتدعم بعض التحديدات والتحريمات فيها[8].

كذلك ليتورجية خاصة بصلوات سر الزيجة، ثم كتب صلوات تدشين الكنائس، وعمل الميرون المقدس، وتبريك المنازل الجديدة، وقدّاس اللقان، وتقديس زيت مسحة المرضى، وباقي الأسرار الكنسيّة.

  1. الشعر:

وقد كتب آباء كثيرون بطريقة شعرية، ويشمل ألحان الكنيسة بنغماتها الأصلي، وتُعد الإبصلمودية بما تحتويه، من وضع الآباء، ويُطلق عليها شعر ليتورجي، وقد وجد شعر كنوع آخر يسمّى “الشعر غير الليتورجي، وهو شعر تأمليّ روحي، بشرط أن تتفق هذه الأشعار مع العقيدة الأرثوذكسية.

من أشهر الآباء الذين كتبوا بلغة شعرية:

القديس مار أفرام السرياني (203 – 273م):

كان القديس مار أفرام السرياني غزير الإنتاج فوق العادة حيث يذكر مؤلف “الدرر النفيسة في مختصر تاريخ الكنيسة”[9]، 12 ألف قصيدة، 550 مدراشاً، وغير ذلك الكثير من الصلوات والابتهالات[10].

يعد من أشهر مَن كتب شعراً كنسيّاً حيث دُعي قيثارة الروح، واستخدم أناشيد عقائدية قاوم بها الهرطقات، وإذ رأى أحد الهراطقة قد ألّف (150) نشيداً تحمل عقائد خاطئة يترنم بها الشعب، ألّف هو أيضاً (150) نشيداً بذات النغم مع استقامة الإيمان وعذوبة الأسلوب وقوته، فحلّت محل الأناشيد الأولى[11].

وتظهر كتاباته الشعرية فيما يعرف بالميامر: وهي مواعظ شعرية على بحر واحد، تتناول العقيدة والأخلاق المسيحية، وقد نشر قسماً كبيراً منها المستشرق أدموند بك في (مجموعة الكتبة المسيحيين الشرقيين CSCO)[12] في لوفان، ينصها السرياني مع ترجمة ألمانية أو لاتينية، وكان قد نشر ميامر عن الإيمان رقم 212/213 سنة 1961، وأخرى عن ربنا رقم 270/271 سنة 1966، وميامر عن أسبوع الآلام رقم 412/413 سنة 1979. كما نشر “كرافن” ميامر عن المائدة (الإفخارستيا) في الشرق السريان عدد 4 سنة 1959، وميمراً عن نيقوديموس نشره “ش. رينو” في الباترولوجيا الشرقية مجلد 37 جزء 2 سنة 1975.

وبجانب الميامر هناك المدرايش: وهي ترانيم منظومة على أوزان الشعر المختلفة، ومُلحّنة وتدور حول مواضيع كتابية وإيمانية وأخلاقية، وكانت جوقته الكنسيّة تنشد معظمها خلال الصلوات الدينية والاحتفالات.

القديس غريغوريوس النزينزي (329 -390م):

له قصائد شعرية كتبها في أواخر حياته، وفي خِلْوته بأرينز [13]Arianzum، ولم يبق منها سوى (400) قصيدة، في أحدها سجل لنا سبب اتجاهه للشعر في أواخر حياته، ألا وهو: ليعبر عن إحساسه وخبرته وليقدم للشباب ومحبي العلم والقراءة، لإظهار أن الثقافة المسيحيّة الجديدة ليست أقل من الثقافة الوثنية بأية حال، وليقاوم قرار يوليان، ولأن بعض الهرطقات كالأبولينارية تستخدم القصائد في نشر أفكارها، لهذا استخدم ذات السلاح للرد عليها.

وقد جاءت بعض قصائده لاهوتية، فقد كتب 38 قصيدة عقائدية في الثالوث، وعمل الله، والعناية الإلهية، والتجسد، ومعجزات السيد المسيح، كما كتب 40 قصيدة أخلاقية و99 قصيدة تاريخية، وهناك قصائد تعبّر عن نفس دقيقة تطلب الراحة في أحضان الله، وأخرى كلاسيكية في لغتها، فقد استخدم لغة هوميروس، التي لسبب صعوبتها لم تحتل مكانة كبيرة لدى الشعب، وشعره مصدر مهم عن حياته[14].

القديس أمبروسيوس (339 -397م):

يعتبر القديس أمبروسيوس “أبا الترنيم الكنسي اللاتيني” وهو أسقف ميلان وقد ترك تراثاً ثميناً، فمن جانبه اهتم بتنظيم العبادة الليتورجية العامة في ايبارشيته، حيث تحتل أناشيده جزءاً مهماً في صلوات السواعي في الكنيسة اللاتينية، فهي تخاطب القلب وتلائم ساعات النهار والأعياد، وتتسم بخفة الأوزان الشعرية[15]. فقدم تدبيراً ليتورجياً جميلاً يعتز بها أهل ميلان.

كما أدخل نوعاً من الموسيقى الكنسية دُعيت بالإمبروسية Ambrosian كلها ذات أوزان شعرية قصيرة ولها نغمة واحدة وهي غير مقفاة، ففيها تعبير هادئ ثابت وسلاسة ووضوح في الكلام، ولها خاصية الهيبة والوقار التي في لغة القانون والحرب، تختلف عن الكلام العامي للشعب، ويخُبرنا القديس أمبروسيوس والقديس أغسطينوس أن الشعب كان يترنم بها أثناء العمل وفي الطريق وفي المنزل، كما كانت تُنشدها مجموعات كبيرة في داخل الكنيسة[16].

القديس أغسطينوس (354 -430م):

كتب القديس أُغسطينوس (6 كتب) عالج فيها الإيقاع، كما كتب “مزمور ضد الدوناتيين” في 30 مقطعاً، كما كتب منظومة سداسية في النفس[17].

القديس ساويرُس بطريرك أنطاكية (459 -538م):

اهتم بالترنيم، كأب نزل إلى أبنائه الصغار ليضع لهم ترانيم بسيطة، وكان يؤلف الألحان ويرنمها وبهذا أحل الترانيم المقدسة عوض الأغاني المعثرة.

قيل إنه في أيامه كانت الميادين العامة تشبه الكنائس، إذ كان صوت الترانيم والتسابيح المقدسة يُسمع فيها عوض الأغاني العابثة[18].

  1. التفاسير:

أسهب الآباء في شرح وتفسير آيات الكتاب القدس بمناهج مختلفة، فقد كتبوا ووعظوا بما لا يستطيع أحد أن يحصره. كما سنرى

  1. القوانين الكنسية[19]:

تناولت كتابات الآباء أيضاً وضع قوانين، تعتمد أساساً على الكتاب المقدس وتعاليم الرسل، لتنظيم وضبط الحياة الكنسية، وأهم هذه الكتابات:

  1. الدسقولية:

تحوي على تعاليم وقوانين الرسل، ويلحق بها الديداكي (تعاليم الرب كما سلمه للرسل الاثني عشر)، وتسمل الدسقولية (28) باباً تختص بعمل كل رتب الإكليروس، وبناء الكنائس، والقدس الإلهي، وخدمة الأرامل والأيتام والشمّاسات والعلمانيين، وفيها تعاليم عن الصوم والتناول والتسبيح وأوقات الصلاة.

أما قوانين الرسل فهي (127) قانوناً نشرتها Potrologia Orientalis في كتابين، ولخصها القديس Hippolytus في مجموعته التي تُسمّى بالعربية “قوانين أبوليدس”، كما أرسلت على يد أكلمنضس الروماني، وسُميت في بعض المجموعات قوانين أكلمنصس.

  1. قوانين المجامع المسكونية والمحلية:

وتشمل قوانين مجمع نيقية المنعقد سنة (325م)، وهي عبارة عن (20) قانوناً، يضاف إليها قانون الإيمان، وقوانين مجمع القسطنطينية المنعقد سنة (381م) وهي (7) قوانين، يضاف إليها حروم القديس كيرلس عمود الدين ضد النساطرة وهي (12) حرماً.

  1. قوانين المجامع المحلية والإقليمية:

وهي المجامع التي انعقدت في إقليم ما، واقتصرت على أساقفة هذا الإقليم أو عدة أقاليم مجاورة، ولكن دون أن تأخذ صفة المسكونية، ولكن قوانينها حازت قبولاً واعترافاً من الكنيسة الجامعة، وهذه المجامع انعقدت قبل مجمع خلقيدونية سنة 451م وتشمل:

† مجمع أنقرا (سنة 314م) وأصدر 25 قانوناً

† مجمع قيصرية الجديدة (سنة 315م) وقد أصدر 15 قانوناً.

وكلا المجمعين السابقين قبل مجمع نيقية، وهناك مجامع إقليمية بعد نيقية، منها:

  • مجمع غنغرا وأصدر 20 قانوناً.
  • مجمع أنطاكية وأصدر 25 قانوناً.
  • مجمع سرديقية وأصدر 20 قانوناً.
  • مجمع لاوديكية وأصدر 60 قانوناً.

† مجمع قرطاجنة الذي يُسمى مجمع أفريقيا الذي انعقد سنة 419م وأصدر 136 قانوناً، وقد حضره 217 أسقفاً برئاسة القديس أورويسيوس كما حضره القديس أغسطينوس.

  1. قوانين الآباء الكبار:

وهي القوانين التي أصدرها الآباء القديسون، وغالبية هذه القوانين منشورة في الجزء الرابع عشر مجموعة Nicene & Post Nicene Fathers

  1. قوانين وضعها البابا ديونيسيوس الإسكندري (تنيح سنة 265م): 4 قوانين.
  2. قوانين وضعها البابا بطرس الإسكندري الملقب بخاتم الشهداء (استشهد 311م): 14 قانوناً.
  3. قوانين وضعها البابا أثناسيوس الإسكندري الملّقب الرسولي (328-272م): 107 قانوناً.
  4. القديس باسيليوس الكبير رئيس أساقفة الكبادوك (329 -279م): 106 قانوناً (وفي بعض المراجع 92 قانوناً).
  5. البابا تيموثاوس الإسكندري (تنيح سنة 355م): 17 قانوناً.
  6. القديس غريغوريوس أسقف نيصص (355 -395م): 8 قوانين.
  7. البابا ثاوفيلس الإسكندري (384 -412م): 14 قانوناً.
  8. هيبوليتس أسقف روما الملقب أبوليدس (170 -235م): 38 قانوناً.
  9. البابا كيرلس الإسكندري الكبير (412 -444م): 12 قانوناً.

10.القديس يوحنا ذهبي الفم بطريرك القسطنطينة (347-407م) 12قانوناً.

 القوانين التي صدرت في عصور متأخرة مثل قوانين البابا كيرلس بن لقلق، وقوانين البابا غبريال بن تريك، وقوانين وضعها بابوات كنيسة الإسكندرية (بعد مجمع خلقيدونية) وهي مُلزمة للكنسية القبطية فقط:

  1. البابا قزمان الثالث (920 – 932م)، والذي وضع فصولاً في المواريث وأحكامها.
  2. البابا خريستوذولوس (1047 -1077م).
  3. البابا كيرلس الثاني (1078 -1092م).
  4. البابا غبريال بين تريك (1131 -1145م).
  5. البابا كيرلس الثالث الملقب ابن لقلق (1235 – 1243م).

وهناك مَنْ اهتم بجمع القوانين، ومن أهمهم ابن العسال في كتابه “المجموع الصفوي”، لكن عليه ملاحظات وانتقادات[20].

تصنيف كتابات الآباء

لدراسة كتابات الآباء بصورة منظمة، تطلّب ذلك تصنيف كتابات الآباء على أُسس محددة، وقد اتبع طرق مختلفة أهمها:

1 – الأساس الزمني:

الأساس الزمني لتقسيم كتابات الآباء وفيه يعتبر أول مجمع مسكوني (325م) خطاً فاصلاً بين نوعين من الآباء ومن جهة كتاباتهم وتراثهم وهما:

مجموعة أباء ما قبل نيقية Ante Necene Faghers، ويشمل (24) مجلداً، وهي تتصف بالبساطة وتضم جميع كتابات آباء ما قبل القرن الثالث الميلادي.

عصر نيقية وما بعد نيقية Nicene and Post Nicene Fathers وهي تتسم بالقوة، وتضم كتابات القديس أغسطينوس ويوحنا ذهبي الفم، كما تضم كتابات آباء القرن الرابع مثل كتابات القديس أثناسيوس والقديس غريغوريوس النزينزي والقديس كيرلس الأورشليمي ويوسابيوس القيصري….

2 – اللغة التي كتبوا بها:

 تُقسم كتابات الآباء على أساس اللغة التي كتبوا بها إلى: آباء يونانيون، آباء لاتينيون، آباء أقباط، آباء سريان، آباء أرمن، وقد قام العالم Migne بمجهود كبير في تقسيم كتابات الآباء لمجموعتين:

  1. كتابات الآباء باللغة اليونانية (Patrologia Greece).
  2. كتابات الآباء باللغة اللاتينية (Patrologia Latina).

هذا إلى جانب كتابات باللغات القومية مثل القبطية والسريانية والأرمنية، هذا وقد تُرجمت كتب كثيرة من هاتين المجموعتين إلى اللغات الحديثة.

3 – المكان:

يقسم البعض، الكتابات حسب المناطق:

  1. كتابات آباء مصر، خاصة مدرسة الإسكندرية وآباء البرية.
  2. الآباء الأنطاكيون.
  3. الآباء الكبادوك.
  4. الآباء اللاتين.

كل مجموعة تحمل فكراً خاصاً واهتمامات خاصة تُنسب للظروف المحيطة بها، لذا جاءت كتابات كل منها إلى حد ما بطابعها الخاص.

4 – مادة الكتابة:

أحياناً يقوم التقسيم حسب مادة الكتابة كالآتي:

  1. كتابات دفاعية.
  2. تفسير الكتاب المقدس.
  3. عظات ومقالات.
  4. رسائل.
  5. ليتورجيات كنسية.
  6. كتابات شعرية وتسابيح.
  7. حوار.
  8. نسكيات.
  9. قوانين كنسية.
  10. كتابات تاريخية.

5 – تقسيم عام يمثل مزيج للتصنيفات السابقة:

وهو الأكثر استخداماً عنج معظم الباحثين، وعليه يمكن تقسيم كتابات الآباء إلى:

عصر بداية كتابات الآباء:

وتشمل كتابات الآباء الرسوليين والآباء المدافعين وآباء القرنين الثاني والثالث مثل:

  1. رسائل أكلمنضس الروماني: الرسالة الأولى إلى الكورنثيين سنة 96م، الرسالة الثانية المسيوبة إلى أكلمنضس، رسالتان عن البتولية.
  2. رسائل أغناطيوس الأنطاكي السبع إلى كنائس آسيا حتى سنة (107م)
  3. رسالة القديس بوليكاريوس أسقف أزمير إلى كنيسة فيلبي حوالي سنة (156م).
  4. كتاب الـ” ديداكي: تعليم الرب للأمم بواسطة الرسل الاثني عشر”.
  5. كتابات الكُتاب المعاصرين للآباء الرسوليين: الرسالة المنسوبة لبرنابا حوالي سنة (100م)، بابياس سنة (130م)، كتاب الراعي لهرماس (القرن الثاني).

وترجع أهمية هذا العصر إلى:

  1. كتابات الآباء الرسوليين في القرن الأول وبداية الثاني، بكونها بداية انطلاق للتراث خلال من تتلمذوا على يدي الرسل.
  2. بدراسة كتابات آباء هذه العصر نعرف أن ما نعيشه الآن من عقيدة وطقس…هو من أيام الآباء الرسل، الذين سلموها لتلاميذهم وهكذا بالتتابع. فهو “الإيمان المسلم مرة للقديسين” (يه 3)، فهذا العصر هو عصر بدء القوانين الرسولية والشكل الليتورجي، حيث كانت الكنيسة تحتاج إلى هذا النظام لتمارس حياتها التعبدية ووجود دستور لسلوكها.
  3. فرزت الكنيسة الكتب الأبوكريفا عن الأناجيل وبقية أسفار العهد الجديد القانونية.
  4. نَظم المسيحيون الأوائل شعراً للتسبيح للتعبير عن مشاعر حبهم لله مخلصهم.
  5. كتب بعض أبنائها سير الشهداء، فظهرت أول أعمال الشهداء.

كتابات الآباء المدافعين:

كتابات الآباء المدافعين Apologists ليست هي كتابات هجوم، ولكن في الحقيقة هدفها الأساسي جذب غير المؤمنين للتمتع بعمل الله، مثل دفاع أثيناغوراس الذي قدمه للإمبراطور وابنه، حيث ذكر فيه النقاط التي يتهمون بها المسيحيين، ثم قدم دفاعه عن هذه النقاط. أو ما جاء في الرسالة إلى ديوجينتيس: “إن رغبت أن يكون لك هذا الإيمان… فيا ليتك تُطهر عقلك من التعصّب الذي يمنعك من التفكير.

وأهم المدافعين هم:

أ – كودارتس (124م).

ب – أرستيدس من أثينا (125م).

ج – أرستو بيللا (140م).

د – يوستينوس الشهيد (165م).

ه – تاتيان السوري (172م).

و – أبوليناروس من هيرابوليس (172م).

ز – أثيناغوراس (177م).

ح – ثاؤفيلوس الأنطاكي (حوالي 180م).

ط – ميليتو أسقف ساردس (190م).

ي – ملتيادس (192م).

ك – مينوكيوس فيلكس (200م).

ل – هرمياس الفيلسوف (200م).

آباء القرنين الثاني والثالث:

كانت الإسكندرية أكبر مركز للثقافة الهيلينية، تشتهر بمدارسها الفلسفية مثل الموزيم (المتحف)، ولهذا رأت الكنيسة منذ عهد القديس مارمرقص الرسول، أن تجابه هذه الثقافة الوثنية بإنشاء مدرسة مسيحية قادرة على مواجهة التيار الهيليني القوي، فظهرت مدرسة الإسكندرية التي اشتهرت بآبائها الذين لمعت أسماؤهم في الشرق والغرب.

كما ظهر آباء في أسيا الصغرى وسوريا وفلسطين، ومن أشهر المدارس في الشرف كانت مدرسة أنطاكية، التي تبنت التفسير الحرفي للكتاب المقدس، كمقابل لمدرسة الإسكندرية التي اشتهرت بالتفسير الرمزي، كما ظهرت مدرسة قيصرية.

بدأ الأدب اللاتيني المسيحي على يدي مينوسيوس فيلكس وهيبوليتس الروماني ونوفاتيان وسائر أساقفة روما.

ومن مشاهير هذا العصر كان: إيريناوس أسقف ليون (140 -202م)، أكْلِمَنْضُس الإسكندرية (150 -210م)، أوريجانوس (185 – 254)، ديونيسيوس الإسكندري (264م)، غرغوريوس العجائبي (213 – 270)، ميثوديوس الأولمبي (نهاية القرن الثالث)… من الشرق، وترتليان (220)، كبريانوس أسقف قرطجنة (200 -258)، هيبوليتوس الروماني (160 -235)، أرنوبيوس (280 -310) من الغرب.

آباء القرنين الرابع والخامس:

تعتبر فترة ما بين نيقية سنة (325م) ومجمع خلقيدونية سنة (451م) هي العصر الذهبي للكتابات الآبائية الشرقية، ويسمونه عصر نيقية وما بعد نيقية Nicene and post Nicene Fathers، من سمات هذا العصر:

† ظهور كتابات البابا ألكسندروس الذي واجه أريوس المبتدع، والبابا أثناسيوس الرسولي، وسيرابيون أسقف تيمي، وديديموس الضرير، والبابا ثاوفيلس، والبابا كيرلس عامود الدين… في مصر.

† كما ظهرت كتابات مؤسسي الحركة الرهبانية في مصر، وكتابات من جاءوا إلى مصر ليمارسوا الحياة الرهبانية ويسجلوا أقوال آباء البرية في مصر، مثل أنبا أنطونيوس الكبير وأمونيوس باخوميوس أب الشركة وهوريسيوس وتادرس ومقاريوس المصري وأغريس من بنطس وبالاديوس وإيسيدورس الفرمي أو البلوزي والقديس الأنبا شنودة بأتريب.

† في أسيا الصغرى نجد يوسابيوس النيقوميدي وثيؤحنيس من نيقية وأوستيرس السوفسطائي ومارسيليوس بأنقرا وياسيليوس بأنقرا، وإبيفانيوس أسقف سلاميس…

† ظهر آباء الكبادوك العظام مثل القديس باسيليوس الكبير وغريغوريوس النزينزي وغريغوريوس أسقف نيصص وأمفيلوجيوس أسقف إيقونيم وأوستيروس من أماسي.

† في أنطاكية وسوريا أوستاثيوس الأنطاكي وأتبوس الأنطاكي وأونوميسوس من Cyzicus  وجلاسيوس القيصري ويوسابيوس من أمسيا، ومار أفرام السرياني، ومار فليكسنوس أسقف منبج، وساويرُس الأنطاكي، مار إسحق السرياني، القديس يوحنا الدرجي.

† ظهر كيرلس الأورشليمي وأبوليناريوس من لادوكيا وإبيفانيوس أسقف سلاميس وديؤدور الطرسوسيّ وثيؤودور من المصيصة ويوحنا ذهبي الفم وأكاكيوس من Beroea وأنتيخوس من بتللاميس وسيرفيان من جبالة ومقاريوس ماجنيس وهستخيوس الأورشليمي ونيلس من أنقرا ومرقس الناسك وبروكليس من القسطنطينية وباسيليوس من سيليكا.

† وفي الغرب ظهر هيلاري أسقف بواتييه، وأمبروسيوس أسقف ميلان، وجيروم، وروفينوس، ويوحنا كاسيان، والبابا غريغوريوس الكبير.

† ظهر أيضاً المؤرخون الكنسيون مثل فيليب Philip Sidetes وسقراط وسوزومين وثيؤدورت أسقف قورش.

كتابات ما بعد مجمع خلقيدونية:

إذ عزل مجمع خلقيدونية الشرق عن الغرب إلى حد ما، جعل الكنائس اللاخلقيدونية تهتم بالكتابة عن طبيعة السيد المسيح، وقد برز قادة عظماء في هذا المجال. يقول ميندورف: “خلال النصف الثاني من القرن الخامس والنصف الأول من القرن السادس، قد ساد اللاهوتيين (المونوفزيت) على المسرح، وهم ثيموثاوس أوليروس وفيلكسينوس أسقف منبج Manbbug، وعلى وجه الخصوص ساويرس الأنطاكي، ولم يكن لدى الخلقدونيين لاهوتي واحد بارز يقف أمامهم”[21].

بعد دخول العرب مصر والشرق الأوسط تحوّل اهتمام الكُتاب الشرقيين إلى الحوار مع المسلمين، وجاءت القرون من (11-13) غنية بالتراث المسيحي المصري في ذلك المجال، أما الكنائس الخلقيدونية فواجهت مشاكل مثل محاربة الأيقونات، وانبثاق الروح القدس….

[1] نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة القرون الأولى – القمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 223.

[2] راجع تاريخ الكنيسة المسيحية، أفغراف سميرنوف، سنة 1964، مطرانية حمص، ص 302.

[3] الأب جوزيف زبارة – القديس باسيليوس الكبير، إصدار جمعية التعليم المسيحي بحلب.

[4] نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 218.

[5] نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 273، 274.

[6] البروفيسور يوأنس فندولي – علم الوعظ – تعريب – القمص أثناسيوس اسحق حنين – مجلة الكرمة 2008 – ص 131.

[7] القديس صليب سوريال –دراسات في القوانين الكنسية الكتاب الرابع –في كتاب المجموع الصفوي لابن العسال-1992-ص46.

[8] أحد رهبان برية القديس مقاريوس – التدبير الإلهي في بنيان الكنيسة – الطبعة الأولى 2001 – ص 50-58.

[9] الدرر النفيسة في مختصر تاريخ الكنيسة – المجلد الأول – مار إغناطيوس أفرام الأول برصوم بطريرك انطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس، حمص 1940م.

[10] نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 173.

[11] لويس ساكو، القديس أفرام، اللاهوت هو صدى للإنجيل، مجلة الفكر المسيحي، نيسان 1987، ص 129-135.

[12] الجزء الأول رقم 305/306 سنة 1970، والجزء الثاني رقم 311/312 سنة 1970، الجزء الثالث رقم 320/ 321 سنة 1972، الجزء الرابع رقم 324/ 325 سنة 1973.

[13] أريانزوس Arianzus قرية جنوب غربي الكبادوك

[14] نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 232.

[15] نظرة شاملع لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 260.

[16] القديس أمبروسيوس – الأسرار – مركز دراسات الآباء – الطبعة الثانية 1996 ص 60، 61.

[17] نظرة شاملع لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 272-273.

[18] القمص تادرس يعقوب ملطي – قاموس آباء الكنيسة وقديسيها – (ج – ص) – 2001م – ص 274.

[19] راجع كتاب التدبير الإلهي في بنيان الكنيسة، لأحد رهبان برية القديس مقاريوس، الطبعة الأولى 2001، من صفحة 50-58.

[20] مجلة الكرازة في 9 ديسمبر 1994 م العدد 45 و46.

[21] J. Meyendorff: Christ in the Eastem Christian Thought, 1969. P. 24.

علم الآباء 3 –  صور وتصنيف كتابات الآباء

الوهية المسيح فى رسائل بولس. تحقيق نصى.

ساعرض هنا تحقيق نصى لاشهر 4 نصوص تحدث فيهم بولس الرسول عن ربنا يسوع المسيح باعتباره ” طبيعة الله ومساو له – ملء اللاهوت المتحد بالجسد – الوهيم(كرسيك يا الله ) – يهوه (يارب فى البدء اسست الارض ) -خالق الكل (فيه وبه خلق الكل) ” 
من اقدم مخطوطة وصلت لنا تحوى معظم رسايل القديس بولس ” بردية 46 “
بردية 46 كانت تؤرخ لبدايات القرن الثالث حسب العالم كينون لكن العالم يونج كيو كيم ارجع المخطوطة لزمن الامبرواطور دومتيان حوالى سنة (81-96) حسب المقارنة بين شكل خط المخطوط ومخطوط نفس العصر اللى استخدمها واخيرا كومفورت اعطى رائيه ان البردية تعود لمنتصف القرن الثانى لان بعض الحروف فيها غير مشابهه تماما للمخطوطات الىل استخدمها يونج فيرجح انها ترجه لمنتصف القرن الثانى
عموما فالبردية اقدم بردية محفوظ فيها نص اغلب رسايل البولس ” من اواخر القرن الاول الى حوالى منتصف القرن الثانى ” 

Kenyon dated this codex to the first half of the third century. Kenyon’s dating was largely influenced by the handwriting of the stichometrical notes at the end of several of the epistles, which he dated to the early part of the third century.1 Ulrich Wilcken, who was director of the Vienna library and founder of Archiv für Papyrusforschung, thought it belonged to the second century and said it could be dated safely to around a.d. 200.2 Wilcken suggested this date on the basis of seeing only one leaf. Hans Gerstinger also thought it belonged to the second century.
Young Kyu Kim proposed a date in the reign of Domitian (a.d. 81–96) based on six criteria:3
1. All literary papyri similar to the exact style of P46 have been assigned dates between the first century b.c. and the early second century a.d. His primary examples are P. Oxy. 1790, P. Oxy. 2337, P. Oxy. 3695, P. Mil. Vogl. 1181, P. Mich. 6789, P. Alex. 443, P. Med. 70.01 verso, and P. Rylands III 550. His secondary examples are P. Mon. Gr. 216, P. Berol. 6926/P. Gen. 100, P. Gr. Berol. 19c, P. Gr. Berol. 29b, P. Oxy. 8, P. Hamb. III 193, and P. Oxy. 3721.
2. Comparable ********ary papyri are dated early: P. Oxy. 211, 270, 318, 320, and 3051.
3. The handwriting of P46 is an upright, informal uncial of the early type. It is a bookhand, manifesting at times a running hand, giving way here and there to ligatures, while still trying to keep the upper line. Such a style is very rare after the first century.
4. The finals at the feet of the letters are seen in other manu******s dated from the last quarter of the third century b.c. to the third quarter of the first centurya.d.
5. The εγ-form (before compounds with β, δ, and λ) is very early, as compared with the εκ-form.
6. The hand of a certain corrector (no. 11, writing και) appears in manu******s from the second century b.c. to the early second century a.d.
My observation is that most of the manu******s from the first century that Kim sees as displaying a hand comparable to P46 show some similarities in individual letters but not in overall appearance and therefore do not belong to the same time period as P46. Kim himself admits that several of these manu******s display an early form of what we see later in P46, especially with respect to the serifs at the bottom and tops of letters.
Let us take, for example, several of the papyri dated to the first century that Kim cites as illustrating the kind of hand manifested in P46. My observation is that the following manu******s are too early to be parallel examples of P46:
P. Med. 70.01 verso (a.d. 55)—several similarities, but earlier than P46
P. Oxy. 270 (a.d. 94)—some similarities, but not many
P. Oxy. 2987 (a.d. 78–79)—nascent similarities
P. Oxy. 3051 (a.d. 89)—a few similarities
P. Oxy. 3695 (first century a.d.)—many similarities, but not completely identical
P. Gr. Berol. 6845 (ca. a.d. 100)—a few similarities
P. Berol. 6926 + P. Gen. 100 (second half of first century a.d.)—a few similarities in small serifs, but not completely identical
These manu******s may have, here and there, a few letters like P46, but their overall appearance is earlier.
Far more similarities are seen in the following manu******s:
P. Oxy. 8 (assigned late first or early second century)—very similar morphologically
P. Oxy. 841 (the second hand, which cannot be dated later than a.d. 125–150 [see plate and discussion in C. H. Roberts, Greek Literary Hands, no. 14])— the handwriting is similar to that found in P46
P. Oxy. 1622 (dated with confidence to pre–a.d. 148, probably during the reign of Hadrian [117–138], because of the ********ary text on the verso)—this early–dated specimen shares many similar features with P46
P. Oxy. 2337 (assigned to the late first century)—very similar but probably earlier than P46
P. Oxy. 3721 (assigned to the second half of the second century, but Kim would date it earlier)—the most comparable of all the manu******s I have personally seen
P. Rylands III 550 (assigned to the second century)—a remarkable likeness toP46
P. Berol. 9810 (early second century)—quite similar (see plate and discussion in Schubart, Palaeographie,Handbuch der Altertumswissenschaft, 1.4.1 [Munich: C. H. Beck, 1925], 29b.)
Another reasonable way to date P46 (P. Chester Beatty II) is to compare it with the other manu******s with which it was discovered. The earliest manu****** in this collection is unquestionably P. Chester Beatty VI (Numbers–Deuteronomy). This manu******, displaying a good example of a Roman type of hand, is very comparable to the great Hyperides manu******, P. London 132 (early second century a.d.); the Herodas manu******, P. Egerton 1 (ca. a.d.100); and P. Oxy. 270 (a ********ary text dated a.d. 94). Thus, Beatty VI should be dated around a.d. 125.4 P46 (P. Chester Beatty II) is probably not as early as Beatty VI; indeed, it seemed to Kenyon that P46 had “lost a little of the simplicity of the best of the Roman hands.”5 In the final analysis, P46 belongs to the second century and probably belongs to the middle part of that century, when we consider its undeniable comparability with P. Oxy. 1622 (ca. a.d. 117–138), P. Oxy. 3721 (second half of second century), P. Rylands III 550 (second century), P. Berol 9810 (early second century), and P. Oxy. 841 (second hand; 125–150). Thus, it is my opinion that P46 belongs to an era after a.d. 81–96 (the era posited by Kim)—perhaps the middle of the second century.
Dating P46 to this era allows time for the formation of the Pauline corpus to have occurred and for an archetypal collection to have been produced and to circulate in Egypt. Zuntz figured that an archetypal Pauline corpus was formed by a.d. 100 in Alexandria.6 Thus, an Alexandrian copy such as P46 could have been produced shortly thereafter and been used by Egyptian Christians in Alexandria and other nearby towns such as Aphroditopolis
Frederic G. Kenyon, The Chester Beatty Biblical Papyri, fasc. 3, supplement 3.1, Pauline Epistles, Text (London: Emery Walker, 1936), xiv–xv.

Ulrich Wilcken, Archiv für Papyrusforschung 11 (1935): 113; also cited in Günther Zuntz, The Text of the Epistles: A Disquisition upon the Corpus Paulinum, Schweich Lectures 1946 (London: Oxford University Press for the British Academy, 1953), 11.

Young Kyu Kim, “Palaeographical Dating of P46 to the Later First Century,”Biblica 69 (1988): 248–57.

Wilcken dated Beatty VI to the reign of Hadrian (a.d. 117–138); see Archiv für Papyrusforschung 11 (1935): 113.

Frederic G. Kenyon, The Chester Beatty Biblical Papyri, fasc. 1, General Introduction (London: Emery Walker, 1933), 13–14.

Zuntz, Text of the Epistles, 278–79.

Comfort, Philip Wesley ; Barrett, David P.: The Text of the Earliest New Testament Greek Manu******s. A corrected, enlarged ed. of The complete text of the earliest New Testament manu******s. Wheaton, Ill. : Tyndale House, 2001, S. 204



النص الاول /
الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً للهِ.

ὃς ἐν μορφῇ Θεοῦ ὑπάρχων οὐχ ἁρπαγμὸν ἡγήσατο τὸ εἶναι ἴσα Θεῷ

 

نص المخطوطة 
ος εν μορφη θ̅υ̅
υπαρχων ουχ αρπαγμον ηγησατο ειναι
ϊσα θ̅ω̅
صورة المخطوطة 

النص الثانى / (اقدم ليتورجية مسيحية قدمتها كنيسة المسيح لتمجيد المسيح الاله )
16 فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ.

ὅτι ἐν αὐτῷ ἐκτίσθη τὰ πάντα, τὰ ἐν τοῖς οὐρανοῖς καὶ τὰ ἐπὶ τῆς γῆς, τὰ ὁρατὰ καὶ τὰ ἀόρατα, εἴτε θρόνοι εἴτε κυριότητες εἴτε ἀρχαὶ εἴτε ἐξουσίαι· τὰ πάντα δι’ αὐτοῦ καὶ εἰς αὐτὸν ἔκτισται
نص المخطوطة
οτι εν αυτω εκτισθη τα παντα εν [τοις ουρα
νοις και επι της γης τα ορατα και τα αορα[τα
ειτε θρονοι ειτε κυριοτητες ειτε αρχαι ειτ[ε
εξουσιαι οτι παντα δι αυτου και εις αυτον
εκτισται

·كلمة تا فى النص المسلم اتت فى نص البردية اوتى
صورة المخطوطة /

17 الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ

καὶ αὐτός ἐστι πρὸ πάντων, καὶ τὰ πάντα ἐν αὐτῷ συνέστηκε
نص المخطوطة
και αυτος εστιν προ παντων και τα
παντα αυτω συνεστηκεν

,مطابق ماعدا كلمة اين قبل كلمة اوتو فى النص المسلم 

19 لأَنَّهُ فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ،
ὅτι ἐν αὐτῷ εὐδόκησε πᾶν τὸ πλήρωμα κατοικῆσαι
نص المخطوطة
οτι εν αυτω ευδο
κησεν παν το πληρωμα κατοικησαι

مطابق 
صورة العددين 

النص الثالث
فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا.

ὅτι ἐν αὐτῷ κατοικεῖ πᾶν τὸ πλήρωμα τῆς θεότητος σωματικῶς
نص المخطوطة
οτι εν αυτω κ̣α̣τ̣[ο]ι̣[κει παν
το πληρωμα της θεοτητος σωματικως

صورة المخطوطة

النص الرابع 
8 وَأَمَّا عَنْ الابْنِ: «كُرْسِيُّكَ يَا أَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ.

πρὸς δὲ τὸν υἱόν, Ὁ θρόνος σου ὁ θεὸς εἰς τὸν αἰῶνα [τοῦ αἰῶνος, καὶ ἡ ῥάβδος τῆς εὐθύτητος ῥάβδος τῆς βασιλείας αὐτοῦ·
نص المخطوطة
προς δε τον υ̅ν̅ ο θρονος σου
ο θ̅ς̅ εις τον αιωνα του αιωνος· και η ραβδος
της ευθυτητος ραβδος της βασιλειας αυτου

 

 

10 وَ «أَنْتَ يَا رَبُّ فِي الْبَدْءِ أَسَّسْتَ الأَرْضَ، وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ.

καί· σὺ κατ’ ἀρχάς, Κύριε, τὴν γῆν ἐθεμελίωσας, καὶ ἔργα τῶν χειρῶν σού εἰσιν οἱ οὐρανοί

·
نص المخطوطة

και συ κατ αρχας κ̅ε̅ την γην εθε
μελιωσας και εργα των χειρων σου εισιν
οι ουρανοι

صورة العددين

هل توجد رسائل مفقودة للقديس بولس الرسول؟ 1 كورنثوس 5 : 9

هل توجد رسائل مفقودة للقديس بولس الرسول؟ 1 كورنثوس 5 : 9

هل توجد رسائل مفقودة للقديس بولس الرسول؟

هل توجد رسائل مفقودة للقديس بولس الرسول؟ 1 كورنثوس 5 : 9

كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ فِي الرِّسَالَةِ أَنْ لاَ تُخَالِطُوا الزُّنَاةَ (1 كورنثوس 5 : 9) دراسةٌ مُوسَعَةٌ حول الآية الواردة في (1 كورنثوس 5 : 9)، تحليل لغوي، علمي، آبائي وتوضيح المقصد الحقيقي للقديس بولس الرسول والرد على تساؤلات العلماء والمعترضين على حدٍ سواء.

MolkaMolkan

 

المقدمة :

يزعم البعض من الكتاب غير المسيحيين في كتب كثيرة وفي الجرائد والمجلات وفي عشرات المواقع على النت وغرف البالتوك، بل وفي كثير من المحطات الفضائية وغيرها، وجميعها تنقل بعضها عن بعض دون فحص أو دراسة!! فمثلاً يكتب أحدهم مقال أو فصل من كتاب ويضعه على النت أو ينشره في كتاب ثم نراه بعد ذلك مستخدم في جميع هذه الوسائل!! دون أن يحاول من يستعينوا به فحص ما جاء فيه من معلومات والتأكد من حقيقتها وصحتها، بل ويستخدمون وكأنه وحي نزل من السماء!!

ويزعم هؤلاء أن هناك العشرات من الأسفار أو الكتب المقدسة التي يذكرها الكتاب المقدس بأسمائها سواء في العهد القديم أو العهد الجديد دون أن يكون لها أي وجود الآن!! وراحوا يدّعون بغير علم ولا معرفة أو دراسة حقيقية وعلمية للكتاب المقدس أو مفاهيمه ومصطلحاته وبيئته وخلفياته التاريخية والحضارية والثقافية والدينية التي كتب إثناءها وبمفاهيمها ومصطلحاتها، أن هذه الكتب أو الأسفار هي كتب وأسفار مقدسة وموحى بها! ثم راحوا يتساءلون؛ أين هي هذه الأسفار؟ وهل فقدت وضاعت؟ وكيف ولماذا؟ أم تم حذفها ولماذا؟ وراح البعض يسألوننا؛ كيف تؤمنون بكتاب مقدس ضاع منه الكثير من الأسفار المقدسة؟

والغريب أنهم يذكرون أسماء كتب لا يعرفون عنها شيئاً بل ولا يعرفون حتى أن ينطقوا بأسمائها!! فقط نقلوها عن بعض الكتب التي كتبها نقاد المسيحية في أوربا وبصفة خاصة التي أصدرتها مدارس النقد الإلحادية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، بسبب عدم إيمانها بوجود إله للكون وعدم وجود حياة بعد الموت ولا بعالم ما وراء الطبيعة، وكذلك التي أصدرتها الجماعات اللادينية وجماعة سيمينار يسوع (Jesus Seminar) التي لا تؤمن إلا بما تلمسه بالحواس، حيث لا تؤمن بالمعجزات مثل قيامة الأموات لأنها لم تر ميت يقوم من الموت ولا بميلاد المسيح من العذراء، الميلاد العذراوي، لأنها لم تر إنسان يولد من أم دون أب!!

وتجاهل، هؤلاء الكتاب الذين يشككون في المسيحية، الكتب المسيحية العلمية والوثائقية التي ردت عليها، بل وتجاهلوا ما برهنت عليه الاكتشافات الأثرية الحديثة والتي أكدت صحة كل أحداث الكتاب المقدس ودقة كتابه في تسجيلهم للأحداث، بل وفي نقل الأسماء الأجنبية، وما كشفت عنه كهوف قمران بالبحر الميت سنة 1945م من مخطوطات برهنت على صحة ودقة نقل آيات الكتاب المقدس ونصوصه عبر مئات بل آلاف السنين!!

والتي كشفت أيضاً عن الكثير من مخطوطات العهد القديم ومخطوطات الكتب التي تشرح العهد القديم وكتب علماء اليهود التي كتبوها في الفترة ما بين العهدين والتي أوضحت لنا الفكر اليهودي قبل المسيح. وكذلك اكتشاف مخطوطات نجع حمادي سنة 1947م والتي كشفت عن معظم الكتب التي كتبها الهراطقة الغنوسيون الذين كتبوا عشرات الكتب وبرهنت لنا على سلامة موقف الكنيسة في رفض هذه الكتب الأسطورية والخرافية والهرطوقية.

وقد وضعنا هذا الكتاب وما فيه من أبحاث وثائقية وعلمية ومنطقية للرد على أمثال هؤلاء الكتاب الذين لا هم لهم سوى التشكيك في المسيحية وتشويه صورتها، ليس من خلال البحث العلمي والدراسات المنهجية العلمية المنطقية المبنية على الدليل والوثيقة والبرهان، بل على مجرد التشكيك باستخدام وسائل غير علمية وغير منطقية، ما أنزل الله بها من سلطان!! فقط لتشويه صورة المسيحية بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة!![1]

وراح هؤلاء يزعمون، بغير معرفة ولا دراسة، أن العهد الجديد يذكر أناجيل كثيرة وليس إنجيل واحد، ويقولون أن هذه الأناجيل ضاعت أو فُقدت أو أُتلفت أو حُرقت ولم يعد لها أي وجود!! ويستشهدون باستخدام الكتاب لتعبير وكلمة ” إنجيل ” تحت أكثر من مسمى، فيقولون أن العهد الجديد يذكر: ” إنجيل المسيح “، و” إنجيل يسوع المسيح “، و” إنجيل ربنا يسوع المسيح “، و” إنجيل ابنه “، و” إنجيل مجد المسيح “، و” إنجيل الله “، و” إنجيل آخر ” (غل1: 6)، و” إنجيل الغرلة “، و” إنجيل الختان “، و” إنجيل خلاصكم “، و” إنجيل السلام “، و” إنجيل مجد الله المبارك “، كما يكرر القديس بولس تعبير ” إنجيلي “، و” الإنجيل الذي بشرت به “، ” الإنجيل الذي أكرز به بين الأمم “[2]، أي تصوروا أن كل اسم من هذه الأسماء هو إنجيل مختلف عن الآخرين!! كما تصوروا أن الإنجيل الذي يتحدث عنه القديس بولس الرسول يعبر عن إنجيل معين يختلف عن الآخرين، هو ” إنجيل بولس “.

أي أنه كان هناك، بحسب هذا الفهم الخاطيء حوالي أربعة عشر إنجيلا على الأقل مذكوراً في العهد الجديد غير الأناجيل الأربعة المعروفة!! وراحوا يسخرون ويتساءلون قائلين: أين هي هذه الأناجيل؟ ولماذا لا توجد الآن؟ وهل فقدت أم أُتلفت أم حُرقت؟ بل وراحوا يزايدون في قولهم أن هذه الأناجيل لو وجدت لكشفت الكثير مما يحاول، من يسمونهم بالنصارى، إخفاءه!! وهكذا يقولون كلاماً عشوائياً مرسلاً لا دليل عليه سوى تخيلات وتهيؤات وأماني كاذبة وأحلام يقظة، بل ويخترعون القصة ثم يصدقونها!! وهذا يذكرني بأسطورة المثال اليوناني، بيجمليون، الذي صنع تمثالاً رائعاً لامرأة جميلة ومن فرط جمالها أحبها وتمنى من الآلهة أن تحولها إلى امرأة حقيقية لتكون محبوبته!! وهكذا هؤلاء أيضاً فقد صنعوا أسطورة أعجبتهم ومن شدة إعجابهم بها صدقوها وراحوا يكررونها في الكثير من المقالات والكتب!!

ولكي نوضح الحقيقة نقول لهؤلاء وغيرهم أن كلمة إنجيل بمشتقاتها (إنجيل والإنجيل وبإنجيل وبالإنجيل وإنجيلنا وإنجيلي) وردت في العهد الجديد 67 مرة، وتكررت كلمة ” إنجيل ” و” بالإنجيل ” وحدها 24 مرة وفي معظمها تعني ” إنجيل المسيح “؛ ” بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله ” (مر1: 1)، ” ملء بركة إنجيل المسيح ” (رو29: 15)[3]، و” إنجيل ربنا يسوع المسيح “، ” لأني لست استحي بإنجيل المسيح ” (رو1: 16و 19)، ” بقوّة آيات وعجائب بقوة روح الله. حتى أني من أورشليم وما حولها إلى الليريكون قد أكملت التبشير بإنجيل المسيح ” (رو15: 19). وإنجيل ابنه، ابن الله، المسيح ” فان الله الذي اعبده بروحي في إنجيل ابنه (المسيح) ” (رو9: 1)، ويوصف أيضا ب ” إنجيل مجد الله المبارك ” (1تي11: 1). و” إنجيل خلاصكم ” (أف13: 1). و” إنجيل السلام ” (أف15: 6). و” إنجيل الله ” (1تس8: 2؛ 1بط17: 4)؟ ” نكرز لكم بإنجيل الله ” (1تس2: 9)، ” نكلمكم بإنجيل الله ” (1تس2: 2). فإنجيل المسيح هو إنجيل الله.

وكما تخيلوا وتوهموا، خطأ وبغير معرفة، وجود أناجيل ضائعة أو مفقودة توهموا أيضاً أن هناك رسائل، خاصة للقديس بولس، ذكرها العهد الجديد ولكنها غير موجودة الآن!! وعلى سبيل المثال يقول أحدهم تحت عنوان: ” الكتاب المقدس يستشهد بأسفار غير موجودة “، بعد أن راح يبكي ويلطم على ميت لم يخلق من الأساس ولم يكن له وجود في يوم من الأيام إلا في خياله!! مثله مثل المخصي الذي جلس يبكي على أبنه المتوفى وهو لم يتزوج مطلقا بل ولا يصلح من الأساس للعلاقات للزوجية، لأنه مخصي منذ طفولته!!

” إن من أشد العجب ولا أدري حقيقة كم من العجب والدهشة تصيب من يقرأ هذا الكتاب حتى أنه من المفروض أن من يقرأ هذه الكتاب يصاب بحالة مرضية عجيبة يلتصق فيها حاجباه بمنبت شعره وتظل عيناه مفتوحتان على الدوام وفمه مفتوح وتصيبه حالة مزمنة من الدهشة والعجب على ما يجده في هذا الكتاب، إنها كارثة بمعنى كلمة كارثة، ما نراه في ذلك الكتاب انه يستشهد بكتب وأسفار ويحكي عن كتب غير موجودة ويبدو أن هذه الأسفار والكتب كانت موجودة بالفعل في الكتاب المقدس وكانت مقروءة بين أيدي الناس ولهذا يستشهد كاتب الكتاب المقدس بها على أنها موثوقة ومن الممكن مراجعتها لأي إنسان إن أراد أن يراجع ما يرويه الكاتب في الكتاب فكاتب الكتاب يستشهد بها ليدل على رأي معين أو يثبت صحة قوله في أمر آخر وهو يحث الناس ويأمرهم على مراجعة ما يقوله لهم في هذه الكتب أو الأسفار التي يحكي عنها ويستشهد بها، وبعض هذه الأسفار كانت من الثقة بحيث أن كل الناس يعلمون عنها وتحكي أمور مهمة يعلمها الجميع كما ستقرأ أدناه في النصوص “.

ثم يضيف: ” وإني أتساءل .. لماذا يستشهد الله في كتابه بأسفار وكتب غير موجودة في الحقيقة؟؟ وأين تلك الكتب التي استشهد بها الله في كتابه؟؟ أين ذهبت تلك الكتب ولماذا أخفاها النصارى أو فقدوها؟؟؟ ولو أنها ليست وحيا إلهيا فهل يستشهد الله بكتب يعلم أن البشر سيفقدونها ولن تكون موجودة بعد ذلك؟؟ ألم يكن الله بقادر على حماية تلك الكتب من الاندثار أو الإزالة؟ ماذا كان مكتوباً في هذه الأسفار والكتب؟؟ ومن الذي كتبها؟؟ هل كان فيها نبؤات معينة؟؟ هل كان فيها شرائع وأحكام؟؟ متى وأين ولماذا ومئات الأسئلة التي تطرح في هذا الأمر ولا نجد لها إجابة … وعلى العموم فقد اقتبست بعض (وأقول أيضا هنا بعض وليس كل) الفقرات التي تحكي عن هذه الكتب وتذكر لنا أسماءها كما سترى “. وبعد ذكره لأسماء هذه الكتب يقول متسائلاً: ” أين ذهبت تلك الكتب؟؟ أليست من كلام الله؟ ولماذا تركها النصارى وأين أخفوها؟؟؟ “.

وراح يذكر بعض ما تصور أنه أسفار مفقودة في العهد الجديد فذكر قوله: ” بل بالعكس إذ رأوا أني اؤتمنت على انجيل الغرلة كما بطرس على انجيل الختان ” (غل2: 7). وقال أن هناك ” رسائل مفقودة: من رسالة كولوسي (كو4: 16): ” ومتى قرئت عندكم هذه الرسالة فاجعلوها تقرأ أيضا في كنيسة اللاودكيين والتي من لاودكية تقرأونها انتم أيضا “. أين الرسالة التي من اللاودكيه؟ و” كتبت إليكم في الرسالة أن لا تخالطوا الزناة “، أين هذه الرسالة؟ ” (1كو5: 9)، فكتابات بولس المرسلة هنا وهناك الموجودة في العهد الجديد كلها رسائل فأين إذن الرسالة المشار إليها في النص؟ الإجابة بكل وضوح إنها مفقودة!!

والسؤال هنا هل هناك رسائل مفقودة من العهد الجديد؟ وما معنى قول القديس بولس بالروح: ” كتبت إليكم في الرسالة “؟ وما هي الرسالة إلى ” لاودكية “؟

 

وقبل أن ندخل في عُمق البحث والأدلة سأريكم كم أن بحثه هش وبه من الوهن ما يجلعني أهدمه في بضع سطور ! فنقول .. سنفترض – جدلاً – أن فعلاً هناك رسائل ضائعة للقديس العظيم الخادم بولس الرسول، وهكذا أيضاً بعض الكتابات للآباء تم تدميرها عبر الإضطهادات العنيفة التي لاقتها الكنيسة في بداياتها، فمن الذي قال أن هذه الرسائل هى وحيٌ؟! ألا يعرف هذا المُدَعي أن ليست كل كتابات الآباء وحي !؟، أم أنه يتخيل أن كل ما كتبوه هو وحي !؟

على هذا فكل كَتَبَةْ العهد الجديد لم يكتبوا إلا أسفار العهد الجديد فقط ! عجبي !، أيقول عاقل أو شبة عاقل أن كل كتابات الرُسل هى وحي !؟ ، فكتابات الآباء الآخرين موجودة بين أيدينا فهل قال أحد أنها وحيٌ ! فالعاقل  يقول أن لا ضرر أن تضيع رسائل للقديس بولس الرسول أو لغيره طالما أنها ليست وحيٌ، بل بالأخص القديس بولس الرسول لانه تعب أكثر من جميع الرُسل وصال جال الدنيا شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً ولم يَدّخِرُ لنفسهِ جُهْداً إلا وبذله في الخدمة وفي كل مدينة كان يدخلها تقريبا كان يتفقدها ويتفقد ما بناه عندهم سابقاً ويختبر إيمانهم ويصحح ما قد يقعوا فيه أو يصحح الأخطاء التي وقعوا بها بالفعل، فمن الطبيعي أن يراسلهم كثيراً بأكثر من طريقة ليتفقد أحوال رَعِيّة المسيح.

 

ولهذا كان على المُعترض أن يثبت أولاً أن هذه الرسائل المزعومة هى وحي قانوني للمسيحيين وكانت لها قانونية والآن ليست ضمن قانون العهد الجديد هذا كله على فرض انه يوجد رسالة بالفعل وايضاً بفرض ان هذه الرسالة المزعومة قد ضاعت !، ولسوء حُسن حظ المعترض فلا هذه ولا تلك يستطيع أن يثبتها بأدلة نَقليّة !، بل أنكم كما سترون سنهدم كل كلامه بكل أنواع الأدلة، وهكذا فقد رددنا على بحثه بالكامل بإفتراض ما ذهب إليه ثم مطالبته بإثبات وحي هذه الرسائل وقانونيتها..

ألم أقل لكم أن كتابات هذا المعترض تُعَد أضحوكة للعلماء وحتّى أنصافهم؟، ولكن الغريب والعجيب أنه يعتقد أنه بمثل هذه الكتابات الساذجة التي لا تساوي في ميزان العلم مِثقال ذَرّة الهيدروجين أنه يرد على العلاَّمة القمص عبد المسيح بسيط ! فأُفً لهكذا خَبَلٍ ! وأُفً للعلماء الذين يُضِيعون أعمارهُم في الدِراسة ليأتي مِثل هَذا المُعترض ليُحاوِل – فقط محاولة – الرد !

قام المشكك بطرح شبهته في آيتين دمجهم معاً في موضوعٍ واحد، وسَنَرُد على كل ما قاله، ولكن في هذا البحث سَنَرُد فقط على شبهته في الآية الخاصة برسالة معلمنا القديس بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس وفي بحث تالي بإذن المسيح سَنَرُد على شبهته الساذجة الأُخرى. فأدعوا له أن يتحمل الصدمات المتوالية فإني مشفق عليه لأنه دخل مُعترك العلم ولا يملك به علم.

 

هل توجد شُبهة لو إفترضنا (جدلاً) ما توصل إليه؟

حاول المعترض أن يثبت ما يريده بكل الوسائل الممكنة وغير الممكنة – كما سنرى – وأن يقول أن هذه الرسالة المزعومة ضائعة ولكي لا أصيبه بصدمة دماغية من البداية سأفترض معه ما توصل إليه ونجعل العلماء يردون عليه، فسيقول العلماء أن حتى لو كانت الرسالة ضائعة فليس كل رسائل القديس بولس هى رسائل موحى بها بل توجد رسائل شخصية تخص فرد معين او حدث معين او حل لمشكلة معينة وبالطبع هم ليسوا في الكتاب المقدس، ولكي لا تضيع الدقة اللغوية لأقوال العلماء سأضع النصوص كلها باللغة الإنجليزية.

 

يقول ألان جونسون :

Paul’s Previous Letter Clarified (5:9–11) I have written you in my letter is the first clear reference in the New Testament to an apostolic letter that has not survived in our canonical collection. There were apparently others as well (cf. Col 4:16). This should not be troublesome for us. Not all the apostolic instruction was universal enough in scope to address different congregations’ needs, and the Holy Spirit worked providentially to give us those writings in the collection (canon) that would best serve the church in its continuing witness to the gospel of Christ.[4]

 

ويقول جون جيل في التفسير الذي إقتطعه المشكك تدليساً منه على القاريء المُسْلِم :

I wrote unto you in an epistle, ….. Not in this same epistle, and in 1Co_5:2 as some think; for what is here observed is not written in either of those verses, but in some other epistle he had sent them before, as is clear from 1Co_5:11 which either came not to hand, or else was neglected by them; and so what he here says may be considered as a reproof to them, for taking no notice of his advice; but continuing to show respect to the incestuous person, though he in a former epistle had advised them to the contrary: no doubt the apostle wrote other epistles to the Corinthians, besides those that are in being; see 2Co_10:10 nor does such a supposition at all detract from the perfection of Scripture; for not all that were written by him were by divine inspiration; and as many as were so, and were necessary for the perfection of the canon of Scripture, and to instruct us in the whole counsel of God, have been preserved; nor is this any contradiction to this epistle’s being his first to this church; for though it might not be his first to them, yet it is the first to them extant with us, and therefore so called: what he had written to them in another epistle was not.[5]

 

يقول ويليام ماكدونالد :

هنا يشرح الرسول لأهل كورنثوس أنه كان قد كتب إليهم رسالة قال لهم فيها أن “لا تخالطوا الزناة”. إن كون الرسالة المشار إليها قد ضاعت لا يؤثر في وحي الكتاب المقدس البتة.  فليس كل ما كتبه بولس (غير الرسائل الموجودة في كتا العهد الجديد) موحى به، بل فقط كل ما رأى الله أنه من الضروري ضمه إلى الكتاب المقدس.[6]

 

ويقول الدكتور ويليان إدي :

كتبت إليكم في الرسالة: ذهب بعض المفسرين أنه عنى بهذا كلاماً سبق في هذه الرسالة والذي يعارض هذا المذهب أنه ليس في ما سبق مثل هذا النهي. وذهب آخرون (ومذهبهم هو الأرجح) أنه أشار بذلك إلى رسالة مختصرة أرسلها قبلاً إليهم مقصورة على فائدتهم دون غيرهم من الكنائس ولذلك لم يعتن الروح القدس بأن تُحفظ. ولا عجب من أن يكون الرسول قد كتب كثيراً من الرسائل إلى ما أسسه من الكنائس الكثيرة إجابة على مسائل منها وبغية تعليمها وتزيتها وأن تلك الرسائل أكثر من الرسائل الأربع عشرة التي بقيت لنا. ولكن لنا أن نؤكد أن للكنيسة الآن كل صحف الوحي التي قصد الله أن تبقى لتعليمها ونيانها.[7]

 

ويقول الدكتور روبرت جروماكي :

If Paul did write a previous letter, its theme was the relationship of Christians to fornicators. Apparently the Corinthians misunderstood Paul’s teaching and thought that they should be separate from all immoral men. However, in this section (5:1–13) Paul corrected that notion by calling for separation only from professing believers who practiced fornication or other public sins; he did not mean that they should dissociate themselves from the unsaved fornicators. If Paul did send a previous letter, the content of the original letter was summarized and incorporated into this section (5:1–13); in which case, the church is not lacking any inscripturated book or truth.[8]

ويقول دانيال بور :

The allusion must therefore be to some earlier letter now lost. [This is the conclusion of Calvin, Beza, Bengel, de Wette, Meyer, Wordsworth, Alford, Hodge, Barnes, and most other modern commentators, and as Words. argues, “is perfectly consistent with the position, ‘that no Canonical Book of Holy Scripture has been lost.’[9]

ويقول متى هنري :

Some think this was an epistle written to them before, which is lost. Yet we have lost nothing by it, the Christian revelation being entire in those books of scripture which have come down to us, which are all that were intended by God for the general use of Christians, or he could and would in his providence have preserved more of the writings of inspired men.[10]

ويقول هيرولد مير :

Though the letter here referred to could possibly be a reference to the preceding part of the present letter and the verb egrapsa could be taken to mean, “I write” (an epistolary aorist, taken from the reader’s viewpoint; cf. Rom 16:22), it is more natural to conclude that this is a reference to a former letter that we do not possess. (That not all of an apostle’s writings have been preserved presents no problem regarding the completeness of the canon. The church has all of the inspired writing God intended his people to have.[11]

ويقول روبرت جيمسون :

Paul probably wrote a former brief reply to inquiries of the Corinthians: our first Epistle, as it enters more fully into the same subject, has superseded the former, which the Holy Spirit did not design for the guidance of the Church in general, and which therefore has not been preserved.[12]

 

و يوجد الكثير والكثير من الأدلة على هذا الكلام، وهذا بالرغم من انهم هُم أنفسهم نفس العلماء الذين يقولون بضياع الرسالة المزعومة، بل لا أكون مخطيء عندما أقول أن كل من قال بضياع هذه الرسالة سواء ذكر انها ليست من الرسائل الموحى بها أو لم يقل ذلك فهو يعرف ذلك ويؤمن بذلك والذين لم يكتبوا هذا الكلام، لم يكتبوه، فقط، لانه شيء بديهي معروف للقاصي والداني !

وهكذا يمكنني ان أنهي الرد على شبهته تماماً فقد اتفقت معه (جدلاً) في ما ذهب إليه وأثبتُ انه لا ضرر البتة حتى لو اعتبرنا أن الرسالة المزعومة ضائعة، ولكن لأن هذا كان فقط عارض وليس هو أصل الرد في البحث فسنكمل توضيح ما إلتبس عليه وعلى العلماء ونجب على الأسئلة جميعها مُتَّبِعِينَ في ذلك أمر الله ” امتحنوا كل شيء، تمسكوا بالحسن “.

 

هل يوجد أدلة نقلية في أن المقصود هي رسالة ضائعة؟

نقصد هنا بـ ” الأدلة النقلية ” أي الادلة الخارجية أي هل هناك حقاً دليل ملموس أن هناك فعلاً رسالة قد أرسلها القديس مار بولس الرسول الى أهل كورنثوس قبل هاتين الرسالتين الموجودتين بين أيدينا اليوم أم أن العلماء إستدلوا على وجودها غيباً بعدم قدرتهم على فهم الآيات المقدسة؟ أي أنهم لم يجدوا تفسيراً آخر غير أن يقولوا أن هذه الرسالة المُشار إليها في رسالة كورنثوس الأولى (5 : 9) هى رسالة آُخرى كان قد أرسلها القديس بولس الرسول وهى الآن ضائعة ولا نعرف عنها شيئاً؟!

بكل أسى وأسف أقول أني وعلى مدار ما يقرب من 250 تفسيراً لم اجد دليل نقلي واحد، نعم واحد فقط، على هذا الزعم بل على النقيض تماماً وجدت العلماء يقولون هذا الزعم بسبب أدلة داخلية واهية جداً أستطيع أن أرد عليها واحد تلو الآخر وبل على النقيض تماماً رأيت العلماء قد تركوا أكثرية تفاسير الآباء الذين قالوا أن كلمة ” الرسالة ” مقصود بها نفس الرسالة التي يكتبها، وراحوا يرفضوا هذا الدليل ويقولون ضمنياً لو كان هذا التفسير الآبائي صحيحاً لكُنا وجدنا الذي يتحدث عنه القديس بولس، ألا وهو ” لا تخالطوا الزناة ” وظنوا بالخطأ أنهم بهذا الزعم الثاني يكون هناك رسالة أرسلها القديس بولس قبل الرسالة المعروفة الآن بكورنثوس الأولى، وأكملوا القصة الدرامية بأنهم طالما توصلوا إلى ان هذه الرسالة ارسلها القديس بولس وهى نفسها أيضا (المزعومة) لا نعرف عنها شيئاً، فإذاً هى مفقودة وتبنى هذا الرأي كالفين وبيزا وإستيوس وجروتيُس وبنجل ومن بعدهم تقريباً معظم المفسرين المعاصرين عاملين بمبدأ ” لماذا نتعب في التفسير الصحيح طالما بين أيدينا تفسير سهل لن يستغرق مِنّا إلا بضع كلمات هى ” الرسالة المقصودة قد ضاعت ” ” بغض النظر عن ان هذا التفسير صحيح أم لا وما هو أدلته وبراهينه لنفسر به كلام الله، وللأسف كل أدلتهم تتسابق في وهنها لكي يكون أي منها هو ” الأوهن ” ..

 

أدلة بعض العلماء على الرأي القائل بضياع الرسالة والرد عليها

كما اوضحنا أني لم أجد دليل نقلي خارجي واحد في أدلتهم، بل رأيت أن كل أدلتهم هى أدلة داخليه واهية جداً لمن يفندها بعقل راجح كما فعل العلّامة القمص عبد المسيح بسيط أبو الخير واعطانا ما بعد علامة الـ يساوي (=) بدون أن يدخلنا في صعوبات البحث العلمي الأصيل، أي بعد بحث شاق ومرير أعطانا النتيجة النهائية وهى ذاتها التي سوف نصل اليها هنا، فسنعرض أدلة العلماء الداخلية واحدة تلو الاخرى ونشرحها ثم نفندها تفنيدا مريراً.

 

  • الدليل الأول :

النص باليونانية يقول ” Ἔγραψα ὑμῖν ἐν τῇ ἐπιστολῇ μὴ συναναμίγνυσθαι πόρνοις, ” وبالتحديد الكلمة المقصودة هنا هى ” Ἔγραψα ” وتُنطَق ” إجربسا ” وتعني ” أنا كتبت ” او ” قد كتبت (أنا) ” أو ” انا اكتب “[13] وسنعتبر الآن صيغة الماضي كما أقرتها الترجمات ونترك صيغة المضارع تماماً، فيقول العلماء هنا أن الكلمة تدل على الماضي وبالتالي فلا يمكن ان تدل على هذه الرسالة لان هذه الرسالة هى تُكتب في الحاضر وليس الماضي وعليه خلِصوا الى النتيجة المعروفة والتي قالوا فيها ان هذا الفعل ماضٍ يدل على رسالة سابقة – أكرر – رسالة سابقة قد كتبها القديس بولس قبل هذه الرسالة الحالية (الاولى) وقد فُقِدت ولم تعد بين أيدينا.!

  • الرد على الدليل الأول :

بكل بساطة، هذا ليس دليلاً داخلياً بأي حال، سوى فقط خطأ منطقي في الإستدلال والتفكير، فَهُم يقولون انه طالما أن الفعل هو فعل ماضٍ إذن فيدل على رسالة سابقة ونحن بدورنا نقول لهم من أين أتيتم بأن المقصود رسالة سابقة؟! فالرسول لم يقل أبداً ” كتبت أليكم في رسالتي السابقة ” أو ” كتبت إليكم في الرسالة السابقة ” لكي تقولوا أنه هناك رسالة سابقة بل انه قال ” كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ فِي الرِّسَالَةِ ” فالفعل الماضي يدل على فعل ” الكتابة ” نفسه وليس على ” الرسالة ” فهو قال ” كَتَبْتُ ” وعليه نقول لماذا لا يكون قد كتب في هذه الرسالة في أي آيات سابقة؟!، فلو كتب في أي جزء من نفس الرسالة قبل الآية التاسعة من الأصحاح الخامس فيحق له أن يقول ” كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ فِي الرِّسَالَةِ ” فهو فعلاً سيكون قد كتب فعلاً في الرسالة ولكن في نفس الرسالة.

أي ببساطة الفعل الماضي هذا يدل على أن الكتابة كانت في الماضي ولا يدل على الرسالة الماضية فهو في حالاته الثلاثة ” سأكْتِبُ ” و” أَكْتِبُ ” و” كَتَبْتُ ” يدل بحالاته على الكتابة نفسها وهذا لا يعطي دليل على رسالة سابقة بل على كتابة سابقة قد تكون في رسالة سابقة وقد تكون في نفس الرسالة كما ذُكرت في مواضع كثيرة سنبينها بعد قليل، فلا يوجد ما يؤيد أنه كتب في رسالة أخرى سوى عدم مقدرة العلماء أن يفسروا هذه الآية مخالفين في ذلك الآباء والمفسرين القدامى.

 

  • الدليل الثاني :

عرفنا من الدليل السابق والرد عليه أنه لا يوجد إلزام في كلمة ” كتبتُ ” أن يكون قد كتب في رسالة سابقة بل المهم هو أنه يكون قد كتب سابقاً سواء في رسالة أخرى أو في نفس الرسالة ولكن في موضوع سابق، وهنا يقف العلماء على أن الصواب هو الكتابة في رسالة سابقة وحجتهم في ذلك انهم يقولون انه لايوجد مكان  سابق في الرسالة قد قال فيه القديس بولس هذا الكلام !، وعندما أشرنا إليهم الى المكان السابق لهذه الآية في نفس الرسالة والذي فيه قال القديس بولس هذا الكلام لم يردوا بشيء سوى أنهم قالوا أنه لم ” يقتبس ” كلامه حرفياً !

 

  • الرد على الدليل الثاني :

بالطبع هذا الكلام لا أساس مطلقاً له من الصحة بل ويميل إلى السذاجة ففي البداية القديس بولس الرسول قد أشار فعلاً لهم أن يتجنبوا هذه الأفعال وان لا يخالطوا الزناة والغريب والعجيب أن هذا الكلام ورد في نفس الأصحاح الذي به هذه الآية محل البحث فقد ورد في بداية الأصحاح الخامس لرسالة القديس بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس النهي عن هذه الأفعال حيث قال:

” يُسْمَعُ مُطْلَقاً أَنَّ بَيْنَكُمْ زِنًى! وَزِنًى هَكَذَا لاَ يُسَمَّى بَيْنَ الأُمَمِ حَتَّى أَنْ تَكُونَ لِلإِنْسَانِ امْرَأَةُ أَبِيهِ 2 أَفَأَنْتُمْ مُنْتَفِخُونَ وَبِالْحَرِيِّ لَمْ تَنُوحُوا حَتَّى يُرْفَعَ مِنْ وَسَطِكُمُ الَّذِي فَعَلَ هَذَا الْفِعْلَ؟ 3 فَإِنِّي أَنَا كَأَنِّي غَائِبٌ بِالْجَسَدِ وَلَكِنْ حَاضِرٌ بِالرُّوحِ قَدْ حَكَمْتُ كَأَنِّي حَاضِرٌ فِي الَّذِي فَعَلَ هَذَا هَكَذَا 4 بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ – إِذْ أَنْتُمْ وَرُوحِي مُجْتَمِعُونَ مَعَ قُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ 5 أَنْ يُسَلَّمَ مِثْلُ هَذَا لِلشَّيْطَانِ لِهَلاَكِ الْجَسَدِ لِكَيْ تَخْلُصَ الرُّوحُ فِي يَوْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ 6 لَيْسَ افْتِخَارُكُمْ حَسَناً. أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ خَمِيرَةً صَغِيرَةً تُخَمِّرُ الْعَجِينَ كُلَّهُ؟ 7 إِذاً نَقُّوا مِنْكُمُ الْخَمِيرَةَ الْعَتِيقَةَ لِكَيْ تَكُونُوا عَجِيناً جَدِيداً كَمَا أَنْتُمْ فَطِيرٌ. لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضاً الْمَسِيحَ قَدْ ذُبِحَ لأَجْلِنَا

فالكلمات ” وَزِنًى هَكَذَا لاَ يُسَمَّى ” و” يُرْفَعَ مِنْ وَسَطِكُمُ ” و” يُسَلَّمَ مِثْلُ هَذَا لِلشَّيْطَانِ ” و” نَقُّوا مِنْكُمُ ” جميعها تحمل نفس المعنى الذي قال القديس بولس الرسول أنه قاله بالفعل حينما قال ” أَنْ لاَ تُخَالِطُوا الزُّنَاةَ ” بل أيضاً أن هذه العبارة (أَنْ لاَ تُخَالِطُوا الزُّنَاةَ) تحمل تلخيصاً وتركيزاً وتسليط للضوء بشكل مباشر على كل ما قاله منذ بداية الأصحاح.

هنا يأتي العلماء ويقولون انه لم يقتبس بشكل حرفي كلامه، وصراحة انا اضحك على هذا الكلام كثيراً جداً فهل هم يتملكون أصلاً الرسالة المزعومة حتى يقولون انه إقتبس بشكل حرفي منها ولم يقتبس بشكل حرفي من كلامه في هذا الأصحاح !؟ ألا ترون أن هذا إدعاء باطل لانهم لا يملكون الرسالة المزعومة ليعرفوا هل إقتبس معلمنا القديس بولس منها ام لا فلو لم يقتبس منها بشكل حرفي فينقلب كلامهم ضدهم حيث انه في هذه الحالة سيكون لم يقتبس بشكل حرفي من نفس الرسالة الاولى لأهل كورنثوس أيضاً لم يقتبس من الرسالة المزعوم ضياعها فلماذا الكيل بمكيالين !؟، هذا كان الرد الأوسع على الإدعاء القائل بانه لم يقتبس حرفياً من هذه الرسالة واما عن الردود المنطقية البسيطة على سؤالهم ” لماذا لم يقتبس من كلامه في نفس الرسالة بشكل حرفي؟ ” فهى كثيرة جداً أُلخصها في الآتي.

أولاً، هل يعقل أن أقوم بكتابة بحث (مثلا كهذا) واقتبس منه انا نفسي بشكل حرفي؟! ألست انا لمؤلف ولي حق التعبير بما أريد؟ ام لابد أن اقتبس انا من كلامي أنا ايضاً بشكل حرفي؟! فما الذي يجبره أن يقتبس من كلامه بشكل حرفي ما قاله قبلها بأيتين فقط؟! ومن وضع هذا الشرط؟!،

ثانياً، هذا شيء طبيعي جداً بل وغيره لا يُعد طبيعياً حيث أنه يلخص ما قاله هنا ” وَزِنًى هَكَذَا لاَ يُسَمَّى ” و” يُرْفَعَ مِنْ وَسَطِكُمُ ” و” يُسَلَّمَ مِثْلُ هَذَا لِلشَّيْطَانِ ” و” نَقُّوا مِنْكُمُ ” في جمُلة واحدة صريحة ” أَنْ لاَ تُخَالِطُوا الزُّنَاةَ “، ويظهر هنا سؤال لم يسأله أي عالم بل سأطرحه أنا وارد أنا أيضاً عليه لربما يأتي في مخيلة بعض القُراء الأعِزاء، وهو ” لماذا يكرر الرسول بولس هذا التنبيه مرتان؟ “والأجابة بسيطة جداًَ وتتلخص في سببين رئيسيين وهما،

أولاً، انه في بداية الأصحاح وحتى الآية  السابعة وهو يقول لهم أن يعزلوا هذا مثل هذا الشخص ويضع بعد كل آية سبب هذا وان الاخلاق المسيحيية لا ترضى أن نتشارك في هذه الاعمال فنجده يقول لهم تارة ” وَزِنًى هَكَذَا لاَ يُسَمَّى بَيْنَ الأُمَمِ ” ونرى أنه يقارنهم بالأمم وتارة أخرى يقول لهم ” أَفَأَنْتُمْ مُنْتَفِخُونَ وَبِالْحَرِيِّ لَمْ تَنُوحُوا ” وتارة أخرى ” لِكَيْ تَخْلُصَ الرُّوحُ فِي يَوْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ ” وايضاً ”  أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ خَمِيرَةً صَغِيرَةً تُخَمِّرُ الْعَجِينَ كُلَّهُ؟  ” وايضاً ” لِكَيْ تَكُونُوا عَجِيناً جَدِيداً ” فهو يذكر كل مخاطر هذا الإختلاط وفوائد البعد عنه واخلاق الإنسان المسيحي وهذا هو السبب الاول،

أما عن السبب الثاني فهو ” التفسير ” فقد ذكر ” 10 وَلَيْسَ مُطْلَقاً زُنَاةَ هَذَا الْعَالَمِ أَوِ الطَّمَّاعِينَ أَوِ الْخَاطِفِينَ أَوْ عَبَدَةَ الأَوْثَانِ وَإِلاَّ فَيَلْزَمُكُمْ أَنْ تَخْرُجُوا مِنَ الْعَالَمِ ” أي انه يقول لهم أنه لا يقصد بهذا الكلام أن يبتعدوا عن الأماكن التي بها هؤلاء الناس ولا يكونوا معهم في مكان وإلا فلابد ان يخرجوا من هذا العالم ولذلك فأن الكلمة المستخدمة اليونانية بليغة جداً وهى ” συναναμίγνυμι ” وتعني ” to mix up together ” أي ” نتخالط معهم ” أو ” نتشارك معهم ” فقد اوضح القديس بولس انه بهذه الكلام لا يقصد أن نترك كل الاماكن التي هم يعيشون فيها وإلا فلن يوجد لنا مكان على الأرض ولكن اوضح أنه يريد ان نتشارك معهمفكان كل الكلام الى الآية التاسعة عبارة عن إنذار وتوبيخ.

 

  • الدليل الثالث :

هذا الدليل أعتبره ساذج للغاية حيث أن العلماء قالوا فيه أن هذه الآية تدل على رسالة سابقة لان نفس هذا التعبير (ἐν τῇ ἐπιστολη) المستخدم في الرسالة الاولى لأهل كورنثوس هو نفسه المستخدم في الرسالة الثانية لأهل كورنثوس (7 : 8) وبالتالي فهو طالما يقصد هنا (الرسالة الثانية) الرسالة الاولى، ففي الرسالة الأولى كان يقصد رسالة قبل الاولى وهى الضائعة الآن ! وعجبي!

 

  • الرد على الدليل الثالث :

صراحة هذا إن عددناه ضمن الادلة فأنا أستنكف أن ارد عليه! ولكن لأجل الذين يخدعون من هذه الأفكار الهشة سأفنده، فالعلماء هنا بغرابة قد استدلوا على تفسيرهم بتفسيرهم أيضاً !، أي اتخذوا تفسيرهم كدليل يؤيدهم في تفسير الآية الأخرى ! ورغم أن الآية الثانية لا تحتوي على أي إشارة بأنه يقصد رسالته السابقة فالآية تقول ” لأَنِّي وَإِنْ كُنْتُ قَدْ أَحْزَنْتُكُمْ بِالرِّسَالَةِ لَسْتُ أَنْدَمُ، مَعَ أَنِّي نَدِمْتُ. فَإِنِّي أَرَى أَنَّ تِلْكَ الرِّسَالَةَ أَحْزَنَتْكُمْ وَلَوْ إِلَى سَاعَةٍ ” فهو يقول ” أَحْزَنْتُكُمْ بِالرِّسَالَةِ ” فأي رسالة؟ يمكن ان تكون هذه ويمكن أن تكون الاولى فعلاً ولكن ما أقصده ببطلان هذا الدليل ليس أنه هنا يشير أو لا يشير الى رسالته السابقة بل إستخدامه كدليل في تفسير الآية الواردة في الرسالة الأولى، فحتى إن فرضنا صحة تفسيرهم (جدلاً كالعادة) لا يوجد دليل قطعي يجزم بأنه في كل مرة يقصد رسالة سابقة لهذه الرسالة الحالية، وهكذا فإين هذا لا دليل أبدا عليه.

إثبات أن المقصود هو نفس هذه الرسالة بعينها

أبقيت على هذا الجزء للنهاية حتى لا يصاب المعترض بصمدة دماغية، فإلى الآن أستطيع ان اتوقف ولا أكمل البحث فقد رددنا على كل محاولة وأثبتنا خطا هذا التفسير من كل الجوانب تقريباً وأقول ” تقريباً ” لان ما ستجدوه في هذا الجزء سيكون بمثابة صاعقة على رأس المعترض الذي حاول أن يضع نفسه ضمن مصاف أشباه العلماء فضلاً عن العلماء والباحثين.

 

الدليل الآبائي :

ينقل لنا القمص تاردس يعقوب مالطي الرأي الآبائي فيقول ” يرى القديس يوحنا ذهبي الفم وثيؤدورت وأغلب المفسرين اللاتين مع إجماع الكتاب الألمان بأن النص هنا يشير إلى ذات الرسالة وليس إلى رسالة سابقة مفقودة ” [14]، ونضيف عليهم الأب إيكومينوس[15]  .

 

الدليل اللغوي :

نقل لنا المعترض بنفسه هذا الدليل ولكنه لأنه اخطأ في الترجمة فلم يفهم أنه نقل دليل إدانته بنفسه وذلك لجهل من يترجم له وأريدكم ان تضاعفوا التركيز جداً في هذه الفقرة لانها مهمة، قال المعترض :

” في رسالة – ἐν τῇ ἐπιστολῇ . كان هناك اختلاف كبير في الرأي بخصوص هذه العبارة. عدد كبير من المفسرين مثل كريسوستوم, ثيودوريت, أويسومينيوس, أغلب المفسرين الـلاتين, وجميع المفسرين الألمان تقريباً, يفترضون أن العبارة تشير إلى الرسالة نفسها (كورنثوس الأولى)، وأن الرسول يقصد بالعبارة الإشارة إلى جزء من الرسالة نفسها (كورنثوس الأولى 5: 2) والتي فيها أعطاهم هذا التعليم. ولتدعيم هذا التفسير قالوا أن τῇ مستخدمة بدلاً من ταυτῇ ويشيرون إلى نصوص مثل (روميا 16: 2 , كولوسي 4: 6, تسالونيكي الأولى5: 27 , تسالونيكي الثانية 3 : 3-4) “[16]، والكلمة التي اخطأ في ترجمتها هى ” مستخدمة بدلاً من ” والصحيح هو ” مستخدمة كـ ” أو ” مستخدمة بمعنى “، ونجد بالفعل العالم سكوت ولديل في قاموسهما اليوناني يقولان نفس هذا الكلام حيث قالا ” τῇ, dat. fem. of ὁ, like ταύτῃ, here, there, Hom ”  [17]،

فهل حاول المعترض أن يبحث عن معنى الكلمة التي أشار لها بنفسه أم إكتفى بالتشكيك فقط؟ بالطبع هو لا يعرف أصلاً كيف يبحث عنها ولكن دعونا نرى المفاجأة فلو ذهبنا للقواميس اليونانية المعتمدة سنجدها تقول لنا امراً صاعقاً وهو:

“ταύτῃ taútē; dat, gen. taútēs, acc taútēn, fem. sing. forms of hoútos (3778), this one  ” [18]

وأيضاً قاموس آخر:

” ταύτῃ, dat. fem. dat. of  οὗτος, in this way  ” [19]

وسأكتفي بهذه فقط للرأفة بحال المعترض والرفق عليه وعلى الدكتور الذي سيعالجه من الصدمة العصبية التي أصابته الآن، والآن دعونا نقرأ الآية كما أخبرتنا القواميس اليونانية المعتمدة، فسنجدها تقول لنا ” كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ ” فهل عبارة ” في هذه الرسالة ” تدل على أنه كتب في رسالة أخرى أيها المُسَمّى بالطلاً بـ ” باحث “؟!

الدليل بالقياس :

في هذا الدليل سَنُثبِتُ أن كلمة ” كَتَبْتُ ” في صيغتها الماضية لا تدل دائماً على كتابة ماضية بل في نفس الوقت أي الحاضر فأدعوا للمُعتَرِض بالشفاء، بالفعل هذا من عمق اللغة اليونانية للعهد الجديد والتي لا يدركها إلا العلماء والباحثين فقد جاء في رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية (6 : 11) ” اُنْظُرُوا، مَا أَكْبَرَ الأَحْرُفَ الَّتِي كَتَبْتُهَا إِلَيْكُمْ بِيَدِي! ” فهو هنا يكلم أهل غلاطية الذين سَيُرسِل إليهم الرسالة التي يكتبها الآن ومع ذلك يقول لهم ” كتبتها ” فهو هنا قد كتب الحروف هذه (ماضي) ومع ذلك فهو مازال لم يُرسل الرسالة لانه مازال يكتبها فهو لك يقل ” الأحرف التي أكتبها ” مع انه مازال يكتب، فهل يوجد رسالة أخرى لأهل غلاطية ليتكلم بصيغة الماضي؟!،

مثال آخر، رسالة بولس الرسول أيضاً إلى فليمون (1 : 19) ” أَنَا بُولُسَ كَتَبْتُ بِيَدِي. أَنَا أُوفِي. حَتَّى لاَ أَقُولُ لَكَ إِنَّكَ مَدْيُونٌ لِي بِنَفْسِكَ أَيْضاً ” فهو بالرغم من انه مازال يكتب ومازال لم يرسل الرسالة بعد إلا أنه يتكلم بصيغة الماضي ويقول ” كتبت ” ولم يقل ” أكتب ” وأيضاً فلا توجد رسالة أولى لفليمون وأخرى لهم أيضاً !، مثال آخر، في نفس الرسالة (لفليمون) ولكن هذه المرة مع الآية 21، فقد قال معلمنا القديس بولس الرسول ” إِذْ أَنَا وَاثِقٌ بِإِطَاعَتِكَ كَتَبْتُ إِلَيْكَ، عَالِماً أَنَّكَ تَفْعَلُ أَيْضاً أَكْثَرَ مِمَّا أَقُولُ ” فبالرغم من أنه مازال يكتب وبالرغم من أن الرسالة مازالت لم تصل له بعد يقول له ” كتبتُ “، طبعاً سنركز فيما بعد عن السبب الحقيقي في هذا والذي لربما بعض الأذكياء (بعد الشر عليك) قد لاحظوه ولكن لنكمل درس الأخلاق، مثال آخر في رسالة بولس الرسول أيضاً وأيضاً إلى أهل كولوسي والأصحاح الرابع ” 7 جَمِيعُ احْوَالِي سَيُعَرِّفُكُمْ بِهَا تِيخِيكُسُ الأَخُ الْحَبِيبُ، وَالْخَادِمُ الأَمِينُ، وَالْعَبْدُ مَعَنَا فِي الرَّبِّ 8 الَّذِي ارْسَلْتُهُ الَيْكُمْ لِهَذَا عَيْنِهِ، لِيَعْرِفَ احْوَالَكُمْ وَيُعَزِّيَ قُلُوبَكُمْ، 9 مَعَْ انِسِيمُسَ الأَخِ الأَمِينِ الْحَبِيبِ الَّذِي هُوَ مِنْكُمْ. هُمَا سَيُعَرِّفَانِكُمْ بِكُلِّ مَا هَهُنَا ” فكيف يقول لهم أنه أرسل لهم تيخيكس وهم لم يرسله بعد؟!، بالتأكيد الجواب واضح لمن يعقلون ويبحثون بأمانة وشرف علمي، وننتقل في النهاية إلى مثال قوي جداً يوضح كل شيء وهو في رسالة معلمنا يوحنا الأولى والأصحاح الثاني عشر وسأضعهم بتنسيق مختلف لكي يسهل إيصال الفكرة :

1Jn 2:13 أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الآبَاءُ لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي مِنَ الْبَدْءِ. أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَحْدَاثُ لأَنَّكُمْ قَدْ غَلَبْتُمُ الشِّرِّيرَ. أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَوْلاَدُ لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ الآبَ.

1Jn 2:14 كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الآبَاءُ لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي مِنَ الْبَدْءِ. كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَحْدَاثُ لأَنَّكُمْ أَقْوِيَاءُ، وَكَلِمَةُ اللهِ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ، وَقَدْ غَلَبْتُمُ الشِّرِّيرَ.

هذا المثال هو خير بيان لكل شيء بحق، حيث ان فيه القديس يوحنا الحبيب قد أستخد كل من صيغة الماضي وصيغة الحاضر في آيتيين متتاليتين فقال في الأولى ” أكتب ” وقال في الثانية ” كتبت ” وفي كلاهم كان يكلم الآباء والأحداث فهل هو في قد كتب ويكتب في نفس الوقت؟! فلو كان قد كتب ومازالت الرسالة معه ولم يرسلها فهل هذا يدل على انه يتكلم عن الرسالة السابقة؟و إين كان مازال يكتب فهل كان يكتب في ذلك الوقت في الرسالة السابقة؟! بالطبع الإجابة سهلة وبسيطة جداً وسوف أخبركم بها في الدليل التالي.

 

الدليل في السياق :

هذا الدليل هو دليل حاسم للقضية كلها ولم يناقشه أي عالم (حسب ما قرأت) من الذين تبنوا فكرة ضياع الرسالة المزعومة، وهو بحق أسميه ” دليل صاعق ” وهو يتلخص في الآية 11 في نفس الأصحاح محل البحث والذي فيه يقول القديس مار بولس الرسول ” وَأَمَّا الآنَ فَكَتَبْتُ إِلَيْكُمْ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ مَدْعُوٌّ أَخاً زَانِياً أَوْ طَمَّاعاً أَوْ عَابِدَ وَثَنٍ أَوْ شَتَّاماً أَوْ سِكِّيراً أَوْ خَاطِفاً أَنْ لاَ تُخَالِطُوا وَلاَ تُؤَاكِلُوا مِثْلَ هَذَا ” وكلمة ” كَتَبْتُ ” هى في اليونانية ” εγραψα ” أي هى نفس الكلمة المستخدمة في الآية محل البحث (9) وبالطبع هى في صيغة الماضي كما هو واضح من ترجمتها العربية، والسؤال البسيط الذي يطرح نفسه الآن هو ” كيف يقول مار بولس الرسول ” الآنَ ” وبعدها مباشرة يقول ” فَكَتَبْتُ “؟! أليس من المفترض أن يقول ” وَأَمَّا الآنَ فَأكْتِبُ إِلَيْكُمْ ” حيث انه على حسب زعم هؤلاء العلماء هو يكتب في رسالة منفصلة تماماً عن الرسالة السابقة المزعومة؟! ولكن ما أعظم الكتاب المقدس الذي يقول ” أليست هكذا كلمتي كنار، يقول الرب، وكمطرقة تحطم الصخر؟  (إر29: 23) ” فالقديس بولس الرسول بنفسه قد رد على هذه الشبهة الساذجة حيث أنه استخدم نفس الفعل في المرتين، والسبب هنا في إستخدامه هذا الفعل بصيغة الماضي هو أنه يتكلم في زمن وصول تلك الرسالة إليهم وقراءتهم لها كما بينا في الدليل بالقياس أي أنه يتكلم بعينهم وهى تقرأ رسالته فليس من الصحيح أن يكتب لهم وهم يقرأون ” أكْتِبُ إِلَيْكُمْ فِي الرِّسَالَةِ أَنْ لاَ تُخَالِطُوا الزُّنَاةَ ” بل الصحيح هو ” كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ فِي الرِّسَالَةِ أَنْ لاَ تُخَالِطُوا الزُّنَاةَ ” لان كل من سيقرأ الرسالة هذه سواء المُرسَل إليهم او نحنُ مِن بعدهم سيكون حدث الـ ” كتابة ” هو حدث، قد تم، وانتهى، أي انه في زمن الماضي، ولهذا نجده أيضا عندما كان يكتب الرسالة الأولى هذه وفي الأصحاح الخامس والآية الحادية عشر مازال يقول ” كتبتُ ” وقبلها يقول ” الآن ” ففي الآية 9 قال ” كتبت ” وفي الآية 11 قال ” كتبت ” فلماذا الكيل بمكيالين، تارة تقولون يقصد رسالة سابقة وتارة تقولون في هذه الرسالة !؟

 

الدليل التفسيري :

في هذا الدليل سنضع بعض العلماء الذين قالوا بأن الآية تشير إلى نفس الرسالة ..

يقول روبرت جروماكي :

The second alternative is that 5:9 does not refer to a former letter, but to the epistle Paul was presently writing. The Greek verb translated “wrote” (egrapsa) can be interpreted to mean that Paul looked at his present discussion of fornication from the viewpoint of the Corinthian readers. At the time they would read Paul’s admonition, his writing of it would be in the past. This is why he used a past verbal tense (“wrote”) rather than the present (“write”). It is difficult to be positive here, but either alternative is an acceptable evangelical option.[20]

ويقول أدم كلارك :

The wisest and best skilled in Biblical criticism agree that the apostle does not refer to any other epistle than this; and that he speaks here of some general directions which he had given in the foregoing part of it; but which he had now in some measure changed and greatly strengthened, as we see from 1 Corinthians 5:11. The words εγραψα εν τη επιστολη may be translated, I had written to you in this epistle; for there are many instances in the New Testament where the aorist, which is here used, and which is a sort of indefinite tense, is used for the perfect and the plusquam-perfect. Dr. Whitby produces several proofs of this, and contends that the conclusion drawn by some, viz. that it refers to some epistle that is lost, is not legitimately drawn from any premises which either this text or antiquity affords. The principal evidence against this is 2 Corinthians 7:8, where εν τη επιστολη, the same words as above, appear to refer to this first epistle. Possibly the apostle may refer to an epistle which he had written though not sent; for, on receiving farther information from Stephanas, Fortunatus, and Achaicus, relative to the state of the Corinthian Church, he suppressed that, and wrote this, in which he considers the subject much more at large. See Dr. Lightfoot.[21]

يقول جون لايتفوت :

The Aorist ἔγραψα may be rendered I had written, without any wrong to grammar. “ ‘I had written in this Epistle, Company not,’ &c. before the report of this wickedness came to me: but now hearing it I sharpen my pen the more, and I bind you with a straiter prohibition, namely, ‘That ye do not eat with such.’ ”[22]

ويقول هارولد مير :

I have written you in my letter. Or, this could be translated, ‘I write you in my letter.’ The use of the past tense of the Greek verb here may refer to instructions Paul gave them in another letter which has not been preserved, or could mean the instructions he has just given in 5:1–8. When the Corinthians received this letter it would be instructions written in the past which, from Paul’s standpoint, would be instructions he is now writing that is, ‘I write you in my letter’ (which I am now writing). In Greek this can be called an ‘epistolary aorist’. ‘The writer of a letter or book, the dedicator of an offering, may put himself into the position of the reader or beholder who views the act as past.’2 [23]

و يقول روبرت هوربر :

I have written you in my letter.† Paul here may be clarifying a previous letter (one not preserved) which the Corinthians mistook to mean that, on separating from sin, they should disassociate themselves from all immoral persons, including non-Christian people. Or this verse may begin, “I am writing you,” since the Greek verb here is the same as in v. 11, where it is so translated (and there would be no previous letter, now lost). In either case Paul means that they should separate from immoral persons in the church who claimed to be Christian brothers (vv. 10–11).[24]

 

القس أنطونيوس فكري :

” في الرسالة = يقول ذهبي الفم أن الرسول يقصد نفس هذه الرسالة أي الرسالة الأولي لكورنثوس، حيث طلب منهم في هذا الإصحاح بالذات ومن أول آية أن يرفعوا من وسطهم الذي فعل هذا الفعل الرديء. والبعض يقول أن هناك رسالة مفقودة قال لهم فيها هذا، وهذا رأي مستبعد. “

 

تفسير ناشد حنا :

” ظن الناس أنه توجد رسالة أخرى كتب فيها الرسول هذا الكلام. لكن لا يوجد داع لهذا الفكر على الإطلاق. فقوله في هذا الأصحاح «لم تنوحوا حتى يرفع من وسطكم الذي فعل هذا الفعل» (ع2) يعني لا تخالطوه. وقوله «نقوا منكم الخميرة العتيقة» (ع7) يعني لا تخالطوه. فقول الرسول “كتبت لكم في الرسالة» يقصد هذه الرسالة عينها لا غيرها. لكن لا يقصد الرسول عدم مخالطة زناة هذا العالم عموماً فقد يكون التاجر الذي اشتري منه حاجتي زانياً والزميل في المكتب قد يكون زانياً هل يمكن عدم مخالطة هؤلاء أو التعامل معهم؟ نحن نتعامل معهم تعاملاً عادياً ومع كل الناس لكن ليست لنا شركة معهم وإلا وجب علينا الخروج من هذا العالم “

 

تفسير بنيامين بنكرتن :

” كتبت إليكم في الرسالة. أي في هذه الرسالة في الفصل السابق حيث أمرهم بأن ينقوا عنهم الخميرة العتيقة مشيرًا إلى الأخ الزاني الذي كانوا يخالطونهُ. ثمَّ يميز بين الذين من خارج والذين من داخل. لأنهُ يوجد فرق عظيم بين معاشرتنا أخوتنا المسيحيين والذين لم يعترفوا بالمسيح بعد “

 

 

كلمة أخيرة للمعترض،،

حاول بقدر الإمكان ان تكون محترم ومهذب وتعرف قدرك وحجمك العلمي وانت ترد علينا وحاول أن تتخذ العلم بدون الدافع الهجومي بغير علم، وحقدك على المسيحيية، فالمسيحيية قد نشأت في أعظم إمبراطوريات العالم في الفكر والفلسفة والمنطق وفي أوج عصورها ومع ذلك فقد غلبت كل قوة المعاند بحكمة لا تستطيع ان تدرك معانيها وفوق هذا كله فإن الروح القدس قال ” لأَنِّي أَنَا أُعْطِيكُمْ فَماً وَحِكْمَةً لاَ يَقْدِرُ جَمِيعُ مُعَانِدِيكُمْ أَنْ يُقَاوِمُوهَا أَو ْيُنَاقِضُوهَا ” فحاول أن تعرف قدر نفسك فلو أراد الرب أن أتفرغ لما بقى من ابحاثك سأجعلك تكره انسان أسمه ” مولكا مولكان ” فمهما وصل عدد المراجع التي تستخدمها، فطالما في الباطل فيسهل علينا هدمها بمراجع أقوى واحق منها وبمنطق لا تستطيع فهمه فضلا عن رده، فكن على يقين أن لكل شبهة او سؤال، رد يجعل طارح الشبهة يكره اليوم الذي جاء فيه إلى هذه الدنيا، فأنا لكم بالمرصاد إلى أن تتعلموا الحق وتتعلمون المنهجية في الحوار والعلم. فتظل العين عين والحاجب حاجب، فإعرف حجمك جيداً ..

إلى اللقاء في الرد على شبهته في الآية (كولوسي 4 : 16)

« إِلَى هُنَا أَعَانَنَا الرَّبُّ »

 

لأَنِّي أَنَا أُعْطِيكُمْ فَماً وَحِكْمَةً لاَ يَقْدِرُ جَمِيعُ مُعَانِدِيكُمْ أَنْ يُقَاوِمُوهَا أَوْ يُنَاقِضُوهَا

(لو  21 :  15)

 

Molka Molkan

24 / ديسمبر / 2010

 

 

 

[1] هذه المقدمة منقولة بالحرف من كتاب العلّامة القمص عبد المسيح بسيط أبو الخير أستاذ اللاهوت الدفاعي واللاهوت والعقيدي والنقد الكتابي بالكلية الإكلريكيّة  والذي هو بعنوان ” هل هناك أسفار مفقودة من الكتاب المقدس؟ ” حيث أن المعترض قد أخذ هذه المقدمة وأبدل بعض الكلمات في محاولة منه لقلب الحقائق وكأن عندما يقول عالم لبعض الجُهال أنهم جُهال ويأتي هؤلاء الجُهال ويضعوا نفس المقدمة مع تغير الموجة إله هذه المقدمة سيصبح الجاهل عالماً والعالماً يصير جاهلاً ! فهذا هو عقل المعترض السقيم، فأفً لهذا الجهل، أفلا يعقلون؟!

[2] أنظر الشواهد التالية : (مر1: 1)، (رو1: 9)، (رو15: 29)، (1كو9: 18)، (2كو2: 12)، (2كو4: 4)، (2كو10: 14)، (غل1: 6)، (غل1: 7)، (غل2: 7)، (أف1: 13)، (أف6: 15)، (1تس2: 8)، (1تس3: 2)، (2تس1: 8)، (1تي1: 11)، (1بط4: 17)، (رو2: 16)، (رو16: 25)، (2تي2: 8)، (مت13: 26)، (مر8: 35)، (مر10: 29)، (أع15: 7)، (رو10: 16)، (رو11: 28)، (1كو9: 14)، (1كو9: 18)، (1كو9: 23)، (2كو8: 18)، (غل1: 11)، (غل2: 2)، (غل2: 5)، (غل2: 14)، (أف6: 19)، (في1: 5)، (في1: 7)، (في1: 12)، (في1: 17)، (في1: 27)، (في2: 22)، (في4: 3)، (في4: 15)، (كو1: 5)، (كو1: 23)، (1تس2: 4)، (2تي1: 8)، (2تي1: 10)، (فل1: 13)، (مر1: 15)، (مر13: 10)، (مر16: 15)، (1كو4: 15)، (1كو9: 14)، (1كو15: 1)، (أف3: 6)، (رو1: 16)، (رو15: 19)، (2كو11: 7)، (1تس2: 2)، (1تس2: 9).

[3] ” وأنا ابشر اجعل إنجيل المسيح بلا نفقة حتى لم استعمل سلطاني في الإنجيل ” (1كو18: 9)، ” ولكن لما جئت إلى ترواس لأجل إنجيل المسيح ” (2كو12: 2)، ” إنارة إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله ” (2كو4: 4)، ” وصلنا إليكم أيضا في إنجيل المسيح ” (2كو14: 10)، ” تيموثاوس أخانا وخادم الله والعامل معنا في إنجيل المسيح ” (1تس2: 3)، و” إنجيل ربنا يسوع المسيح ” (2تس8: 1)، ” أكملت التبشير بإنجيل المسيح ” (رو19: 15)، “عيشوا كما يحق لإنجيل المسيح ” (في27: 1)

[4] Alan F. Johnson The IVP New Testament commentary series, 1 Corinthians (Page 91)

[5] http://www.freegrace.net/gill/1_Corinthians/1_Corinthians_5.htm

[6] وليام ماكدونالد: تفسير الكتاب المقدس للمؤمن – العهد الجديد – الجزء الثاني – أعمال الرسل إلى فيلبي – (صـ778).

http://www.waterlive.org/Read.aspx?vn=1,3&t=2&b=46&c=5

[7] الدكتور وليم إدي: الكنز الجليل في تفسير الإنجيل – الجزء السادسشرح رسالتي كورنثوس الأولى والثانيةصـ57

[8] Called to Be Saints: An Exposition of I Corinthians,  An Exposition of I Corinthians , (Page xv).

[9] A commentary on the Holy Scriptures : 1 Corinthians (Page 116).

[10] Matthew Henry’s commentary on the whole Bible : complete and unabridged in one volume, (1 Co 5:9).

[11] The Expositor’s Bible Commentary, Volume 10: Romans Through Galatians (Page 219).

[12] A commentary, critical and explanatory, on the Old and New Testaments, 1 Co 5:9

[13]الفعل المضارع لهذه الكلمة اليونانية قاله فعلاً بعض العلماء ولكن لن ندع له اهمية الآن بل سنفرض أيضاً صيغة الماضي لكي نماشي الكل على هواه وسنعود له في النهاية لنعرف رأي العلماء فيه.

[14] J.-P. Migne, ed. Patrologiae cursus completus. Series Graeca. 166 vols. Paris: Migne, 1857-1886. 82:263.

[15] Albert Barnes’ Notes on the Bible – 1Co 5:9.  

[16]  Albert Barnes’ Notes on the Bible – 1Co 5:9 [In an epistle – ἐν  τῇ ἐπιστολῇ  en tē epistolē. There has been considerable diversity of opinion in regard to this expression. A large number of commentators as Chrysostom, Theodoret, Oecumenius, most of the Latin commentators, and nearly all the Dutch commentators suppose that this refers to the same Epistle (our 1 Corinthians), and that the apostle means to say that in the former part of this Epistle 1Co_5:2 he had given them this direction. And in support of this interpretation they say that τῇ  tē here is used for ταυτῇ  tautē, and appeal to the kindred passages in Rom_16:2; Col_4:6; 1Th_5:27; 2Th_3:3-4.

dat. dative

fem. feminine

Hom. Homer

[17] H.G. Liddell, A Lexicon : Abridged from Liddell and Scott’s Greek-English Lexicon, (Page 804).

dat (dative)

gen (genitive)

sing (singular)

[18] Spiros Zodhiates, The Complete Word Study Dictionary : New Testament (electronic ed.; Chattanooga, TN: AMG Publishers, 2000, c1992, c1993), G5026.

dat. dative

fem. feminine

[19] H.G. Liddell, A Lexicon : Abridged from Liddell and Scott’s Greek-English Lexicon, (Page 794).

[20] Robert Gromacki, Dr., Called to Be Saints: An Exposition of I Corinthians (The Woodlands, TX: Kress Christian   Publications, 2002), xvi.

[21]Adam Clarke, Clarke’s Commentary: First Corinthians (electronic ed.;, Logos Library System; Clarke’s Commentaries Albany, OR: Ages Software, 1999), 1 Co 5:9.

[22]John Lightfoot, A Commentary on the New Testament from the Talmud and Hebraica, Matthew-1 Corinthians: Volume 4, Acts-1 Corinthians (Reprint of the 1859 ed. published by Oxford University Press, Oxford, England, under title: Horae hebraicae et talmudicae.; Originally written in Latin and published at intervals between 1658 and 1674. It is not known by whom the translation was made.;Bellingham, WA: Logos Research Systems, Inc., 2010), 193.

2 H. W. Smyth, Greek Grammar, rev. G. M. Messing (Cambridge: Harvard University Press, 1963), p. 433, section 1942.

[23] W. Harold Mare, New Testament Background Commentary: A New Dictionary of Words, Phrases and Situations in Bible Order (Ross-shire, UK: Mentor, 2004), 261.

This note has been added or revised for this edition.

[24] Robert G. Hoeber, Concordia Self-Study Bible (“Lutheran edition of the NIV study Bible” –Foreword.;, electronic ed.; St. Louis: Concordia Pub. House, 1997, c1986), 1 Co 5:9.

هل توجد رسائل مفقودة للقديس بولس الرسول؟ 1 كورنثوس 5 : 9

Exit mobile version