اللوجوس عند فيلو الفيلسوف اليهودي – القمص عبد المسيح بسيط

اللوجوس عند فيلو الفيلسوف اليهودي – القمص عبد المسيح بسيط

اللوجوس عند فيلو الفيلسوف اليهودي – القمص عبد المسيح بسيط

اللوجوس عند فيلو الفيلسوف اليهودي – القمص عبد المسيح بسيط

منذ عهد بطليموس الأول (323-285ق.) كان هناك يهود يعيشون بكثرة في مصر. وكانت الإسكندرية مركزهم الرئيسي ولقد دعت الحاجة إلى ترجمة العهد القديم من اللغة العبرية إلى اللغة اليونانية، وهى التي تعرف بالترجمة السبعينية. وقد أدى هذا إلى الربط بين الثقافة الغربية واليهودية، وبين إيمان العهد القديم والفلسفة اليونانية.

وكان الفكر اليهودي في الإسكندرية يميل إلى تفسير العهد القديم تفسيرا رمزيا، وحول علماؤهم الحقائق الكتابية إلى رموز لمبادئ عقلية، وزعموا أن الفلاسفة اليونانيين قد اخذوا فلسفتهم أصلاً عن كتابات موسى النبي. وأشار ارسطوبولس (150ق. م) لوجود هذه الترجمة اليونانية المعروفة بالسبعينية والتي يقول التقليد اليهودي أنها ترجمت فيما بين (280 – 150 ق م). ونظرا لوجود معظم المدارس الفلسفية اليونانية بالإسكندرية، فقد تأثر بها اليهود وكانوا يفضلون المدرسة الأفلاطونية، وكان فيلو الفيلسوف اليهودي المعاصر للمسيح (20 ق م – المتوفى فيما بين 40 – 50م) متأثراً بهذه المدارس الفلسفة خاصة الأفلاطونية والأرسطوطالية والرواقية وغيرها. ومن ثم فقد خلط بين أفكار كل هذه المدارس بالفكر اليهودي، ولأن اعتقد مثل يهود عصره ومدينته أن هذه الفلسفات ترجع في أصولها إلى كتابات موسى النبي، لذا فقد جمع بين الفكر الكتابي اليهودي والفكر اليوناني، وهكذا تشكل مفهومه عن اللوجوس، الذي هو في مفهومه وكيل الله ” والوسيط بين الأبدي والزائل، واللوجوس الذي، من وجهة نظره، يعكس نوراً من مظاهر لا تحصى “(34).

ولأن فيلو اليهودي جمع ما بين فكر العهد القديم والتقليد اليهودي والفلسفة اليونانية إلى جانب بعض العناصر الشرقية، لذا فكان فكره وعقيدته خليط بين اليهودية والفلسفة اليونانية. فكيهودي آمن بالله كما هو في العهد القديم، ونظرا لأن الفلسفة اليونانية ترى أن المادة أزلية مثل الله وأنها شر، وأن الله لا يتصل بهذه المادة التي هي شر، لذا فصل فيلو بين الله والعالم تماماً، وجعل الله بدون أي صلة بالعالم، وقال أنه لا توجد أي صلة بين الروح المحض (الله) والعالم المحسوس. ونظرا لأن هذا الفكر أوجد فجوة وهوة لا قرار لها بين اللاهوت السامي والفائق وغير المدرك وبين العالم المادي المحسوس، لذا فكر فيلو في إيجاد كوبري، وسيط، يعبر هذه الفجوة أو الهوة، وسيط يربط بين الله والمادة، ولكن لا بحسب الكتاب المقدس أو التقليد اليهودي بل بحسب فكرة القوات الوسيطة والمُثل الأفلاطونية. ونتيجة لذلك فقد قدم فكرة مصغرة لهذه القوات الفاعلة هي اللوجوس (Logos). هذا المصطلح الذي يحتمل أنه أخذه من العهد القديم ولكن بمحتوى وأسلوب وفكر غنوسي يوناني كما هو في فكر أفلاطون في الُمثل وفكر الرواقيين عن الأسباب والقوات.

ومن ثم يعني اللوجوس عند فيلو ويشير للمثال الأولي، الفكرة الأولية، التي تتفق مع عقل الله، العقل الملازم لله، وأيضاً مبدأ الإعلان في الطبيعة الإلهية. ويعتبر اللوجوس عنده هو العقل الجوهري الذي يوصل الفكر الغير منطوق به في الإنسان، هذا اللوجوس فائق وغير مدرك مثل الله نفسه، ولكن في وجهه الآخر فهو القوة والنشاط وموصل للفكر المنطوق به في الإنسان. اللوجوس هو وسيط الله الذاتي الذي يكشف به الله عن نفسه وعن عنايته الإلهية. هذا اللوجوس أو الكلمة المنطوقة هو الخالق الذي خلق به الله العالم وهو العامل في الكون باستمرار والفاعل فيه دائماً، وفيه توجد كل الحكمة الإلهية والخير الإلهي، بل هو الابن البكر لله، الملاك الأعلى والإله الثاني في الكون(35).

يقول في كتابه: ” De Plant Noe “: ” لأن أولئك الذين لا يستطيعون أن ينظروا للابن نفسه، ينظرونه في نوره المنعكس، حتى لو باعتباره صورة الله، الذي هو ملاكه، فاللوجوس (logos- Memra) كالله (Elohim) نفسه “.

ويقول في كتابه ” On The Confusion Of Tongues p. 247 “(36): ” حتى لو لم يكن هناك من هو مستحق ليسمى بابن الله، ومع ذلك فهو يعمل بلا كلل ليكون مزيناً بحسب كلمته البكر [Logos]، أقدم ملائكته، كرئيس الملائكة العظيم ذو الأسماء الكثيرة؛ لأنه يدعى ذو السيادة واسم الله والكلمة [Logos]، وإنسان بحسب صورة الله والذي يرى إسرائيل “.

ويقول في كتابه ” Allegorical Interpretation, III. “(37): ” ظل الله هو كلمته [Logos] الذي استخدمه كوسيلة عندما خلق العالم. وهذا الظل، وكما كان، نموذجاً، النموذج الأولي للأشياء الأخرى، لأنه كما أن الله نفسه النموذج لهذه الصورة الذي يدعى الآن الظل، هكذا أيضاً هذه الصورة هو النموذج للأشياء الأخرى. وكما بين عندما أوصى معطيا الناموس للإسرائيليين، وقال: ” وعمل الله الإنسان على صورة الله (تك1 :26)، لأن الصورة كانت على نموذج الله، ولأن الإنسان كان على نموذج الصورة التي أُخذت، هكذا، قوة وصورة النموذج “. 

كما قال في كتاب: ” On Dreams, 1, “(38): ” لأنه يوجد، كما يبدو، هيكلان لله؛ واحد هو العالم، الذي فيه الكاهن الأعلى الذي هو الكلمة الإلهي [Logos]، ابنه البكر ..”.

وقال في كتاب ” On The Migration Of Abraham. P. 253 “(39): ” كيف نتوقع الكلمة [Logos]، الذي هو أقدم من كل الأشياء التي كانت موضوعات الخليقة، وبأي وسيلة هو حاكم الكون ..”(40).

ولكن النقطة التي لم يتفق فيها الدرسون هي؛ هل كان اللوجوس عنده، كشخص، منفصل تماما عن الله أم لا؟

وعموما فقد شكل اللوجوس بالنسبة له محورا جوهريا حيث استخدمه في كتاباته أكثر من 300 مرة، وأن كان بمعاني متناقضة ومتعارضة!! ويرى البعض أنه أخذه عن المفهوم الكتابي اليهودي ومن ثم فهو بالنسبة له هو ” كلمة الله “، وقال البعض الآخر أنه تأثر بلوجوس الرواقيينlo,goj qeou/ وبنفس معنى ” العقل الإلهي ” مثال الحكمة الإلهية(41). وقد لخص لنا بعض الدارسين أفكاره كالآتي:

1 – أن الله هو الموجود المطلق ” الذي يكون “. وهو وحده الموجود بذاته، بدون خليط وبدون تعدد، الواحد والكل. وليس هناك اسم يمكن أن يناسبه وهو الموجود المطلق، أو ببساطة ” يكون “. وهو غير معروف في طبيعته.

وتقول دائرة المعارف اليهودية نقلا عن كتاباته أنه فيما يختص بعقيدته في الله فهو يتكلم في اتجاهين؛ سلبي وإيجابي، فمن الناحية السلبية يحاول أن يحدد طبيعة الله بالتضاد مع العالم. فهو، فيلو، يمكن أن يأخذ من العهد القديم نظرات محددة فيما يختص بسمو الله على العالم ” لأن أفكاري ليست أفكاركم ولا طرقكم طرقي يقول الرب. لأنه كما علت السموات عن الأرض هكذا علت طرقي عن طرقكم وأفكاري عن أفكاركم ” (اش55 :8و9)، وعدم استطاعة الإنسان رؤية الله ” لأن الإنسان لا يراني ويعيش ” (خر33 :20). ولكن بحسب المفهوم السائد في العهد القديم فالله يعمل باستمرار في العالم، ومليء بالغيرة ويتحرك بالتوبة ويأتي لمساعدة شعبه؛ ولذا فهو مختلف كلية عن الإله الذي يقدمه فيلو. وفيلو لا يعتبر أن الله مثيل بالسماء ولا بالعالم ولا بالإنسان؛ فالله بالنسبة له لا يوجد لا في الزمان ولا في الفراغ؛ وليس له صفات إنسانية ولا عواطف. حقا فهو بدون صفات وبالتالي فلا اسم له ولهذا السبب لا يمكن أن يدركه الإنسان، وهو لا يمكن أن يتغير ودائما على نفس حاله، ولا يحتاج لكائن آخر، ومكتف بنفسه، ولا يمكن أن يزول وهو ببساطة الموجود، وليس له أي علاقة مع أي كائن آخر(42).

2 – وخارج الله توجد المادة وهى لا شكل لها، في حالة لا تكون، وجوهرها شر. ولا يمكن لله الكائن الكامل أن يوجد في صلة مباشر مع الفساد وعدم الإحساس، مع المادة التي لا شكل لها ولذلك فهو لم يخلق العالم بشكل مباشر.

ومن هنا جاءت فكرة المبدأ المتوسط بين الله والمادة – العقل الإلهي، اللوجوس الذي تتضمن فيه كل الأشياء المحدودة، والذي خلق العالم المحسوس بأن جعل هذه الأفكار تتخلل المادة وتنفذ فيها. 

وتقول دائرة المعارف اليهودية: ” ولأن فيلو وصف المادة والعالم المادي كشر فقد وضع الله خارج العالم. ومن هنا أضطر أن يفصل من الكائن الإلهي الأنشطة التي كان من الواجب أن تكون في العالم وحولها إلى قوات إلهية، هذه القوات كان يقال أنها داخل الله وفي أحيان أخرى يقال أنها خارج الله. هذا الفكر تشكل من العناصر المختلفة التي للفلسفة اليونانية والمفاهيم الكتابية بل النظرات الوثنية إلى جانب اليهودية المتأخرة. وكان فيلو قد استعار من الفلسفة الأفلاطونية مُثل القوات الإلهية والتي عُرفت كأنماط أو نماذج لأشياء حقيقة (المُثل الأولية)، كما أخذ بعض أفكار الفلسفة الرواقية مثل القوات التي اعُتبرت كالأسباب الضرورية والتي لا تمثل النماذج فقط بل تنتجها وتأتي بها أيضاً. فقد ملئت هذه القوات كل العالم وفي داخلهم أحتوى كل كائن وكل الأشياء المتفردة.

وحاول فيلو أن يعمل تناغم وانسجام بين هذه المفاهيم والكتاب المقدس بتوصيفه هذه القوات كملائكة. كما تأثر فيلو بما جاء في أسفار الأنبياء وكتابات ما بين العهدين الرؤوية بما فيها من ظهورات لله جالسا على العرش وحوله الكاروبيم، قوات الله الجوهرية.

وقد اعتبر فيلو هذه القوات في مجموعها أيضاً وعاملها ككائن مفرد مستقل وصفه باللوجوس. وكان مفهوم فيلو عن اللوجوس متأثرا بهذه المدارس الفلسفية، فقد استعار من هيراقليطس مفهوم ” اللوجوس الإلهي ” الذي يدعو كل المواضيع المختلفة للوجود وذلك بمزج المتضادات. واستعار من الرواقيين وصف اللوجوس كالقوة الفاعلة والحيوية، واستعار من العناصر الأفلاطونية ” مثال المثُل Idea of Ideas ” والفكرة الأولية.

وذلك إلى جانب العناصر الكتابية حيث توجد فقرات كتابية فيها كلمة يهوه التي تعمل كقوة مستقلة وموجودة بذاتها مثل ” هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي. لا ترجع إليّ فارغة بل تعمل ما سررت به وتنجح فيما أرسلتها له ” (اش55 :11)، ومثل هذه الآياتكشفت عن عقيدة الكلمة الإلهي خالق الكون، كما بينا أعلاه. كما استعار فيلو من الأسفار النبوية الرؤوية صورة العرش الإلهي ومركباته والبهاء والمجد الإلهي والشاروبيم واسم الله وأسماء الملائكة أيضاً، وذلك في تفصيل وإحكام عقيدته في اللوجوس. ومن ثم فقد دعى اللوجوس بـ “رئيس الملائكة ذو الأسماء الكثيرة “، والقائد، و ” اسم الله ” أيضاً، و “أدم السمائي ” والإنسان، وكلمة الإله الأبدي. كما وصف اللوجوس أيضاً بـ ” الكاهن الأعلى ” وذلك في إشارة إلى المكانة العالية التي كان يحتلها رئيس الكهنة بعد السبي كالمركز الحقيقي للولاية اليهودية. فاللوجوس عنده مثل رئيس الكهنة، مكفر الخطايا والوسيط والمدافع.

ولكي يربط فيلو عقيدته هذه بأسفار العهد القديم فقد بني فكره أولياً على ما جاء في (تك1 :27) ” فخلق الله الإنسان على صورته.على صورة الله خلقه “، ليصور العلاقة بين الله واللوجوس. وقد ترجم هذه الآية كالآتي: ” فعمل الإنسان على صورة الله “. مستنتجا من ذلك أن لله صورة موجودة، وقال أن صورة الله هي نموذج لكل الأشياء الأخرى ” الفكرة الأولية – لأفلاطون “، ختم طبع على كل الأشياء. وقال أن اللوجوس نوع من الظل منبعث بواسطة الله، له كل الخطوط العريضة ولكن ليس النور المحتجب للكائن الإلهي(43).

وتلخص لنا الدكتورة أميرة حلمي جوهر تعليمه كالآتي: أن يهوه اله اليهود الذي امن به فيلو هو الإله المفارق للعالم المحسوس وهو الإله المتعالي اللامتناهى في صفات الكمال التي لا يمكن أن تحدد أو تحصر في عدد معين، لذلك فهو لا يمكن وصفه إلا بالسلب. غير أنه لفرط علوه عن العالم ولعظم الهوة التي تفصله عنه، لا يؤثر مباشرة في العالم، بل يؤثر عن طريق وسائط أو قوى إلهية. هذه الوسائط يختلف بعضها عن بعض بحسب الأعمال التي تقوم بها ولها أنواع أربعة، أولها وأهمها هي: الكلمة أو ” اللوجوس “(44).

كما يوضح لنا البير ريفو فكره أيضا بقوله: أن الله واحد، وأنه قادر تام القدرة، وأنه لا نهاية له، وأنه الموجد لجميع الخلائق، وعنه تصدر بنوع من الإشعاع المنتشر في الكون، السلسة الهائلة الشاملة لشتى الخلائق، من ملائكة وجن وبشر وحيوان ونبات. وفيه نفسه المبدأ الأول لكل حياة، وبه يرتبط برباط الضرورة، كل ما هو كائن. والابتعاد عنه أنما هو ذهاب نحو العدم والموت. والاقتراب منه معناه الفوز بالحياة والوجود والكمال. وفي كل شيء جزئي خاص يوجد، حينئذ، شبه شرارة صغيرة أو كبيرة من مركز الضوء الإلهي. ومجموع هذه الأضواء الجزئية المنتشرة في الكون هي العقل أو ” اللوجوس ” التي تكون تحت مرتبة الله شبكة متشعبة معقدة من الإدراك الواضح ومن الحياة(45).

أي أنه إلى جانب الله فقد تحدث فيلو عن وجود وسيط بين الله والعالم هو العقل الإلهي أو اللوجوس الذي يحتوى على مثل أو أفكار الأشياء المحدودة. وقال أن الله المطلق محاط بقواته (dunamies) كما يحاط الملك بحاشيته. هذه القوات في لغة أفلاطون هي ” المُثل “، وفي لغة اليهود هي ” الملائكة “، ولكن جميعها في جوهرها واحد، ووحدتها من حيث هي توجد في الله وجميعها تصدر عنه، وهى تنتشر في العالم، ويعبر عنها باللوجوس. وعلى ذلك، فاللوجوس يبدو على وجهين:

1 – من حيث هو عقل الله الباطن، ويحوى في داخله مثال العالم، وهو – بينما لا وجود خارجي له – يشبه العقل الباطن في الإنسان، ويدعوه فيلو Logos endiathetos.

2 – من حيث هو الكلمة المقولة الصادرة عن الله وتظهر في العالم، وذلك عندما خرج اللوجوس من الله في خلقه العالم، ويدعوه فيلو Logos prophorikos أي اللوجوس المنطوق أو المسموع، كما هو الحال عند الإنسان، فأن الكلمة المقولة هي إظهار الفكر.

وبالنسبة للوجه الأول للوجوس، فأن اللوجوس يكون واحدا مع الكيان الإلهي غير المرئي. وبالنسبة للوجه الثاني، فأن اللوجوس يحيط بكل أعمال وإعلانات الله في العالم، ويقدم من نفسه الأفكار والقوى التي بها تمت صياغة العالم وتدعيمه. وهو الذي يملأ جميع الأشياء بالنور الإلهي والحياة، ويحكم الأشياء بالحكمة والمحبة والعدالة. أنه بداية الخليفة وهو الابن الأكبر للآب الأزلي (والعالم هو الابن الأصغر). هو صورة الله والوسيط بين الله والعالم، وهو الملاك الأعلى والإله الثاني.

وعلى ذلك فأن فكرة فيلو عن اللوجوس، تتبلور في أن اللوجوس هو الممارسة الحرة للقوة الإلهية جميعها. وهكذا فأن الله، إلى هذا الحد الذي يكشف فيه عن نفسه، يسمى ” لوجوس ” ثم أن اللوجوس، إلى هذا الحد الذي يعبر فيه عن الله، يسمى الله.

ونظرا لغموض فكر فيلو هذا فقد تناول كثير من الباحثين شرح مفهوم اللوجوس عنده، مع محاولة تحديد المصدر الذي يمكن أن يرد إليه فكر فيلو هذا عن اللوجوس، فمنهم من التمس المصدر عند هيراقليطس ومنهم من رده إلى أصول فيثاغورية أو رواقية أو أفلاطونية.

ومن دراسة الدارسين لفكر فيلو أتضح لهم أنه من المحال أن تكوّن أقواله هذه مذهبا منسجما، لأنها زئبقية لا ثبات فيها ولا استقرار، على ما فيها من جفاء وجدب، وعلى الخصوص مسألة اللوجوس التي تظهر في مجموعة من المناظر المختلفة التي تتعارض مع عقلنا: فتارة تبدو وكأنها شخصية متمايزة وكـ ” ابن ” الله، وتارة تبدو كأنها مجموعة من العقول الخاصة، وتارة تنطبق على الحكمة الإلهية التي تفيض عنه. وأيضاً مسالة الله عند فيلو، فهو مرة يصوره، لنا مساويا للمبدأ الخالد الذي لا يدنو منه شيء ولا يحاكيه في علمه شيء، ومرة يصوره لنا مساويا للرحمة السامية، وأخرى مساويا للخالق اللامتناهى القدرة. أنها أقوال مجردة من كل نظرة شاملة ومن كل تلخيص محدد. أنها أراء متوالية متفككة تثير الضجر، يتخللها بين الحين والحين برق خاطف من العاطفة والتقوى(46).

ويمكن أن نخرج من فكر فيلو بما يلي:

U أن اللوجوس أشبه بمثل أفلاطون إذ هو النموذج الذي يخلق الله العالم على مثاله. ويصفه بكل صفات الكمال من حق وخير وجمال.

U أما عن صلته بالله، فهو واسطة إلى الخلق ورسول إلى الناس، وهو أيضاً الذي ينقل إليه تضرعاتهم، فهو ابن الله ورسوله، وهو وسيلة في خلق العالم.

U أما الوسائط الأخرى التي تصورها فيلو بين الله والعالم إلى جانب اللوجوس، فهي القوى الإلهية: قوة الخير في الله التي يتم بها إيجاد العالم. وقوة القدرة التي يسيطر بها على العالم فهي قوة خيرة خلاقة، وهى أيضاً قوة حاكمة تنزل العقاب لتحقيق سيادة الله على خلقة، وهى أيضاً الحكمة التي يتحد بها الله لينتج عن اتحاده بها العالم. وكثيرا ما يرمز لهذه الحكمة الإلهية بأنها أم العالم، وقد تتصف بأنها زوج الإله.

ومن هذه الوسائط أيضاً الملائكة، وهى فكرة أخذها فيلو من اليهودية. وكذلك الجن والأرواح، فمنها النارية والأثيرية، وكلها تنفذ أوامر الله.

(34) Vencent,s Word Studies Of The New Testament. Vol.ii. pp.24-30.

Kittel Theological Dictionary Of The New Testament. Vol. iv. Pp88-90.

(35) George B. Stevens. The Johannine Theology. P. 83, 84.

(36) http://www.earlyjewishwritings.com/text/philo/book16.html

(37) http://www.earlyjewishwritings.com/text/philo/book4.html

(38) http://www.earlyjewishwritings.com/text/philo/book21.html

(39) http://www.earlyjewishwritings.com/text/philo/book16.html

(40) http://www.thevineone.org/download/rico/The_Memra_of_YHVH_English.ppt

(41) Kittel vol. iv. Pp. 88-89.

(42) Jewish Encyclopedia, Philo Judaeus.

(43) Jewish Encyclopedia. Philo Judaeus.

(44) د. موريس تاوضروس، اللوجوس ص 72.

(45) المرجع السابق.

(46) د. موريس تاوضروس، اللوجوس، والفلسفة اليونانية، أصولها وتطوراتها – ترجمة الدكتور عبد الحليم محمود وأبو بكر زكرى ص 259، 260.

اللوجوس عند فيلو الفيلسوف اليهودي – القمص عبد المسيح بسيط

الكلمة (Logos) كما جاء في الإنجيل للقديس يوحنا – القمص عبد المسيح بسيط

الكلمة (Logos) كما جاء في الإنجيل للقديس يوحنا – القمص عبد المسيح بسيط

الكلمة (Logos) كما جاء في الإنجيل للقديس يوحنا – القمص عبد المسيح بسيط

الكلمة (Logos) كما جاء في الإنجيل للقديس يوحنا – القمص عبد المسيح بسيط

وعلى عكس ما جاء في الفلسفة اليونانية وفلسفة فيلو عن اللوجوس فقد كتب القديس يوحنا بالروح القدس عن اللوجوس الإلهي، كلمة الله الذي من ذات الله وفي ذات الله، نطق الله العاقل وعقله الناطق. فقد كان القديس يوحنا هو التلميذ الحبيب ” التلميذ الذي كان يسوع يحبه ” (يو19 :26؛ 20 :2؛ 21 :7)، وهو الذي اتكأ على صدر المخلص ” التلميذ الذي كان يسوع يحبه وهو أيضا الذي اتكأ على صدره وقت العشاء ” (يو21 :29)، ” فاتكأ ذاك على صدر يسوع ” (يو13 :25)، ومن ثم فقد كان هو التلميذ المحبوب القريب من قلب الرب يسوع المسيح والذي ركز على حوارات الرب يسوع المسيح مع الكتبة والكهنة والفريسيين والتي أشار فيها كثيرا إلى لاهوته وتجسده.

وقد عرف القديس يوحنا من خلال أحاديث الرب يسوع المسيح وحواراته مع هؤلاء في الهيكل أنه، الرب يسوع، هو ” الكلمة ” ، ” كلمة الله الأزلي الذي لا بداية له ولا نهاية “، وأنه ” الله ” أو ” الكائن الإلهي “، و ” الابن الذي من نفس جوهر الله الآب “، وأنه ” الحياة “؛ ” فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس ” (يو1 :4)، و ” معطي الحياة “؛ ” الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية ” (يو3 :36)، ” الحق الحق أقول لكم من يؤمن بي فله حياة أبدية ” (يو6 :47)، وأنه ” نور العالم ” (يو8 :12)، ” النور الذي يضيء في الظلمة ” (يو1 :5)، ” أنا قد جئت نورا إلى العالم حتى كل من يؤمن بي لا يمكث في الظلمة ” (يو12 :46)، و ” الابن الوحيد الجنس الذي في حضن الآب ” (يو1 :18)، والذي ” من الآب “؛ ” كما لوحيد من الآب ” (يو1 :14)، وأنه ” ابن الله “؛ ” ونحن قد آمنّا وعرفنا انك أنت المسيح ابن الله الحي ” (يو6 :69)، و ” ابن الله الوحيد “؛ ” الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب ” (يو1 :18)، ” بهذا أظهرت محبة الله فينا أن الله قد أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي نحيا به ” (1يو4 :9)، الموجود قبل يوحنا المعمدان ” هذا هو الذي قلت عنه يأتي بعدي رجل صار قدامي لأنه كان قبلي ” (يو1 :30)، والموجود قبل إبراهيم: ” قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن ” (يو8 :58)، والموجود ” قبل الخليقة كالخالق “؛ ” كان في العالم وكوّن العالم به ولم يعرفه العالم ” (يو1 :10)، والموجود في الذات الإلهية، في ذات الآب ” أنا في الآب والآب فيّ ” (يو14 :10و11)، والذي يتبادل المجد المتساوي مع الآب ” والآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم ” (يو17 :5)، والذي يتبادل الحب الإلهي مع الآب في الذات الإلهية ” لأنك أحببتني قبل أنشاء (كون – تأسيس) العالم ” (يو17 :24)، والذي يرسل الروح القدس من ذات الآب ” ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي ” (يو15 :26)، والذي يعمل كل أعمال الله الآب ” .لان مهما عمل ذاك (الآب) فهذا يعمله الابن كذلك ” (يو5 :19)، ” أبي يعمل حتى الآن وأنا اعمل ” (يو5 :17)، وبالتالي فهو المساوي للآب في الجوهر بل ومن نفس الجوهر عينه الذي للآب ” قال أيضا أن الله أبوه معادلاً (مساوياً) نفسه بالله ” (يو5 :18)، والذي ناداه توما ” ربي وإلهي ” (يو20 :28).

كما أدرك القديس يوحنا بالروح أنه ” الإله الحق والحياة الأبدية ” (1يو5 :20)، وأنه الذي كان من البدء ولكنه تجسد وظهر لنا على الأرض كإنسان ” والكلمة صار جسدا وحلّ بيننا ورأينا مجده مجدا كما لوحيد من الآب مملوءا نعمة وحقا ” (يو1 :14)، ” الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة. فان الحياة أظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأظهرت لنا. الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضا شركة معنا. وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح ” (1يو1 :1-3).

وأنه جاء إلى العالم ليبذل نفسه فدية عن حياة العالم ” هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. لأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم بل ليخلّص به العالم ” (يو3 :16و17)، فقد كان ” هو بالحقيقة المسيح مخلّص العالم ” (يو4 :42)، ومن ثم فقد كتب القديس يوحنا بالروح: ” يا أولادي اكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا. وان اخطأ احد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا.ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضا ” (1يو1 :1و2).

كما وصف نفسه بالاسم الإلهي الذي عرّف الله به ذاته وكشف فيه عن كينونته ووجوده الدائم الأزلي الأبدي لموسى النبي عندما سأله، موسى، عن اسمه ومعناه ومغزاه: ” فقال الله لموسى أهيه الذي أهيه. وقال هكذا تقول لبني إسرائيل أهيه (hy<ßh.a,( – o` w’n = الكائن) أرسلني إليكم وقال الله أيضا لموسى هكذا تقول لبني إسرائيل يهوه (hw”ùhy> – ku,rioj) اله آبائكم اله إبراهيم واله اسحق واله يعقوب أرسلني إليكم. هذا اسمي إلى الأبد وهذا ذكري إلى دور فدور ” (خر3 :13-15). و تعني عبارة ” أهيه الذي أهيه – hy<+h.a,( rv<åa] hy<ßh.a,( “، ” أكون الذي أكون ” أو ” الكائن الذي يكون “، وترجمت في اليونانية ” أنا هو الكائن – evgw, eivmi o` w;n – إيجو إيمي هو أوُن “، ومنها اسم الفاعل ” يهوه – hw”ùhy> ” والذي ترجم في اليونانية ” ku,rioj = رب = Lord “. واسم ” يهوه ” هذا لم يستخدم لغير الله كما يقول الكتاب بلسان الله ذاته: ” أنا الرب (يهوه) هذا اسمي ومجدي لا أعطيه لآخر ” (اش42 :8).

وقد عرف جميع الأنبياء بالروح وآمنوا أن ” يهوه ” هو اسم الله وحده: ” ويعلموا انك اسمك يهوه ” (مز83 :18)، ” فيعرفون أن اسمي يهوه ” (ار16 :21)، ” يهوه اسمه ” (ار33 :2)، ” والرب اله الجنود يهوه اسمه ” (هو12 :5)، ” يهوه اله الجنود اسمه ” (عا4 :13)، ” يهوه اسمه ” (عا5 :8؛ 9 :6).

وقد أعطى الرب يسوع المسيح لنفسه هذا الاسم مؤكدا أنه هو نفسه ” يهوه ” الرب الإله ” كلمة يهوه: ” قال لهم يسوع الحق الحق أقول لكم قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن ” (يو8 :58). وقد استخدم هنا نفس التعبير ” evgw. eivmi, (ego eimi) = أنا كائن أو أكون “، والذي استخدمته الترجمة اليونانية لقول الله عن نفسه: ” أنا كائن = evgw, eivmi o` w;n “. وقد كرر الرب يسوع المسيح هذا التعبير أو هذا الاسم مرات كثيرة مرتبطا بكونه الإله وكلمة الله: ” أنا هو (evgw. eivmi) الألف والياء البداية والنهاية ” (رؤ21 :6).

كما تكلم عن كونه الابن من الآب، الذي من الآب والذي في الآب، في حضن الآب والواحد مع الآب في الجوهر، وفي ذات الآب قبل كل خليقة، وعن حقيقة كونه ابن الله، الابن من الآب، هذه الحقيقة التي لا يعرفها أحد ولا يقدر أن يعلن عنها أحد غير الابن ذاته فقال مؤكداً: ” كل شيء قد دفع إليّ من أبي. وليس احد يعرف من هو الابن إلا الآب ولا من هو الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له(لو10:22)، أي أن معرفة الآب والابن لا تتم إلا عن طريق الابن، لماذا؟ يعلل هو ذلك بأنه يعرف الآب لأنه منه ” أنا أعرفه لأني منه ” (يو7:29)، فهو الذي ” من الآب ” و ” في الآب “؛ ” أني أنا في الآب والآب فيّ … أني في الآب والآب فيّ ” (يو14:10و11)، ” الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبر ” (يو1:18)، والكائن في ذات الآب: ” والآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم … أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أكون أنا لينظروا مجدي الذي أعطيتني لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم ” (يو5:17و24)، والموجود قبل كل وجود ” قبل أن يكون إبراهيم أنا أكون (كائن) ” (يو8:58)، وكما أعلن عن نفسه:أنا هو الألف والياء البداية والنهاية ” (رؤ21:6 )، ” أنا الألف والياء. البداية والنهاية. الأول والآخر ” (رؤ22:13). 

كما تكلم عن الآب باعتباره الآتي منه، من الآب، من عند الآب، من ذاته، وغير المنفصل عنه، الواحد معه، والمساوي له في كل شيء، بل واستخدم كلمة ” الآب ” باستمرار سواء في حديثه عن الله أو في حديثه مع الله بطريقة تؤكد العلاقة الفريدة بين الآب والابن؛ ففي الإنجيل للقديس مرقس (36:14) ينادي الآب بالتعبير الآرامي ” أبا “؛ ” يا أبا الآب ” الذي يعني ” daddy”،أي أباه بصفة خاصة، أبيه الذي هو منه، وهو لقب لم ينادي به أحد الله من قبل (رو15:8وغل6:4). ودائما يقول ” أبي وأبيكم ” (يو17:20) ولم يقل قط ” أبانا “.

وقد فهم اليهود من أحاديثه عن علاقته الخاصة بالله الآب: ” فأجابهم يسوع أبي يعمل حتى الآن وأنا اعمل. فمن اجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه. لأنه لم ينقض السبت فقط بل قال أيضا أن الله أبوه معادلاً (مساوياً) نفسه بالله. فأجاب يسوع وقال لهم الحق الحق أقول لكم لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئا إلا ما ينظر الآب يعمل. لان مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك. لان الآب يحب الابن ويريه جميع ما هو يعمله. وسيريه أعمالا أعظم من هذه لتتعجبوا انتم. لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحيي كذلك الابن أيضا يحيي من يشاء. لان الآب لا يدين أحدا بل قد أعطى كل الدينونة للابن ” (يو17:5-22)، ” لأنه كما أن الآب له حياة في ذاته كذلك أعطى الابن أيضا أن تكون له حياة في ذاته ” (يو26:5)، ولما قال لهم: ” أنا والآب واحد فتناول اليهود أيضا حجارة ليرجموه.

أجابهم يسوع أعمالا كثيرة حسنة أريتكم من عند أبي. بسبب أي عمل منها ترجمونني. أجابه اليهود قائلين لسنا نرجمك لأجل عمل حسن بل لأجل تجديف. فانك وأنت إنسان تجعل نفسك إلها ” (يو30:10-33)، ” ولكن أن كنت اعمل فان لم تؤمنوا بي فآمنوا بالأعمال لكي تعرفوا وتؤمنوا أن الآب فيّ وأنا فيه ” (يو38:10).

وكان يقول لهم: ” لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم أبي أيضا. ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه. قال له فيلبس يا سيد أرنا الآب وكفانا. قال له يسوع أنا معكم زمانا هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس. الذي رآني فقد رأي الآب فكيف تقول أنت أرنا الآب. ألست تؤمن أني أنا في الآب والآب فيّ. الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي لكن الآب الحال فيّ هو يعمل الأعمال ” (يو7:14-10)، ” الذي يبغضني يبغض أبي أيضا ” (يو23:15). كما يؤكد أن كل ما للآب هو له: ” كل ما للآب هو لي ” (يو15:16)، ويخاطب الآب بقوله: ” وكل ما هو لي فهو لك. وما هو لك فهو لي ” (يو10:17و11).

ومن ثم فقد عرف القديس يوحنا، التلميذ الذي كان الرب يحبه والذي اتكأ على صدر الرب يسوع المسيح بالروح القدس، وعرف حقيقة لاهوته، وحقيقة كونه الكلمة، اللوجوس، كلمة الله، الذي في ذات الله والذي من نفس طبيعته وجوهره وواحد معه في الجوهر، أي له نفس الجوهر عينه الذي لله الآب، وكشف عنه بالروح القدس لذا لم يتأثر لا بالفلسفة اليونانية ولا بفلسفة فيلو بل بروح الله، روح الرب يسوع المسيح (في1 :19)، فقد عاش بنفسه ورأى وسمع ولمس ” الكلمة “، ” كلمة الحياة “؛ ” الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة. فان الحياة أظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأظهرت لنا ” (1يو1 :1و2).

وقد بدأ القديس يوحنا بالروح القدس مقدمة الإنجيل بقول الوحي الإلهي: ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند الله. كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان. فيه كانت الحياة ” (يو1:1-3). والكلمة هنا هو الرب يسوع المسيح نفسه حيث يقول في نفس الفقرة ” والكلمة صار جسدا وحل بيننا ورأينا مجده مجدا كما لوحيد من الآب مملوء نعمة وحقاً ” (يو1 :14)، كما جاء عنه في سفر الرؤيا ” ويدعى اسمه كلمة الله ” (رؤ19 :13).

والكلمة هنا، في حقيقته وجوهره، يختلف تماما عن الكلمة عند فلاسفة اليونان وعند فيلو اليهودي، كما بينّا أعلاه، فالكلمة عند هؤلاء الفلاسفة، غير واضحة المعالم سواء في تعريفها أو كينونتها. ولكن الكلمة هنا هو الذي كان أصلا مع الله، في ذات الله، بلا بداية، وكان هو الله، والواحد معه في الجوهر والطبيعة، ومع ذلك فهو كأقنوم مميز عن الله الآب. هو مُعلن الله الآب؛ ” الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبر” (يو1 :18)، وصورة الله الآب غير المرئي ” صورة الله غير المنظور ” (كو1 :15)، وهو بهاء مجد الله وصورة جوهره ” الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره ” (عب1 :2)، والذي كلمنا الله به ” كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في أبنه ” (عب1 :1)، هو الذي خلق كل شيء ” الله خالق الجميع بيسوع المسيح ” (أف3 :9)، كالمولود من الآب ” الابن الوحيد الذي في حضن الآب “، والذي صار جسدا ” والكلمة صار جسدا وحلّ بيننا ورأينا مجده مجدا كما لوحيد من الآب مملوءا نعمة وحقا ” (يو1 :14). أنه ” الكلمة الإلهي الذي في ذات الآب ومن ذات الآب، الكلمة الذي هو الله الابن “.

وتعبر الآية الأولى من هذه الفقرة ” في البدء كان الكلمة – Ven avrch/| h=n o` Lo,goj ” عن وجود، الكلمة، الرب يسوع المسيح السابق وأزليته بصورة رائعة، ويتركز جوهر هذه الأزلية، وهذا الوجود الأزلي الأبدي في ثلاثة عناصر هي: ” في البدء ” و ” كان ” و ” كل شيء به كان ” إلى جانب كونه الحياة ” فيه كانت الحياة ” فهو معطي الحياة ومانحها. ويأتي اسم الكلمة هنا كفاعل ويتكرر كاسم الفاعل في هذه الفقرة ثلاث مرات، كما يستخدم الفعل ” كان ” أربع مرات للتعبير عن الكينونة أكثر من التعبير عن الزمن؛ ” كان في البدء “، ” كان مع الله “، ” كان هو الله “، و ” هذا كان في البدء عند الله “.

(1) في البدء كان – Ven avrch/| h=nen archee een “: والبدء هنا ليس بدءاً زمنياً، إنما هو بدء ما قبل البدء، أي البدء السابق للخليقة، البدء السابق لعملية الخلق ووجود المخلوقات. فالذي كان في البدء هو الخالق الذي خلق الخليقة ” كل شيء به كان ” (يو1 :3)، والذي كان قبل الكون، والذي قال عن نفسه أنه كان ” قبل كون العالم ” (يو17 :5). فهو الخالق الذي كان موجودا قبل الخليقة ” الكل به وله قد خلق. الذي هو قبل كل شيء وفيه يقوم الكل ” (كو1 :16و17)، ” من قبل أن تولد الجبال أو أبدأت الأرض والمسكونة منذ الأزل إلى الأبد أنت الله ” (مز90 :2).

وبالرغم أن البدء هنا يلمح إلى البدء في سفر التكوين ” في البدء (tyviÞarEB. – براشيت – والذي هو مترجم في اليونانية evn avrch/|) خلق الله السموات والأرض ” (تك1 :1)، وبرغم أنه وضع الكلمة (lo,goj) بدلاً من الله (~yhiÞla/ – إيلوهيم) كالخالق، مؤكداً أن الكلمة هو الخالق، فقد خلق الله الخليقة بكلمته ” بكلمة الرب خلقت السموات ” (مز33 :6)، إلا أن هذا ” البدء ” هنا، في هذه الآيات، يذهب إلى ما وراء، إلى ما قبل الزمن والخليقة(47)، البدء الذي يسبق بدء التكوين، بدء الخلق. ويستخدم هنا الفعل (كان – h=n – een) من فعل الكينونة (أكون – eivmi,) في الزمن الماضي الناقص، غير التام، والذي يفيد الاستمرار في الماضي إلى الوراء، إلى اللازمن والأبدية، البدء الذي لا يوصل لأي بداية لله أو الكلمة (الابن)، لأن الله لا بدء له.

البدء في سفر التكوين هو؛ بدء التكوين، بدء الخلق، بدء عملية الخلق ذاتها، والذي يبدأ من هذه النقطة، الخلق، نازلاً إلى ما بعد ذلك في دورة الزمن. و ” البدء ” هنا، البدء الذي كان فيه الكلمة موجوداً، هو ” بدء ” ما قبل البدء، البدء الذي لا بداية له، لا بدء له، الأزل. أنه البدء الذي يذكر وجود الكلمة قبل الخليقة ويرجع للوراء إلى ما قبل الزمن، إلى الأزل الذي لا بداية له، إلى الأبدية. في هذا البدء كان الكلمة موجوداً ” في البدء كان الكلمة “، أي أنه هو كائن وموجود وخالق الوجود قبل هذا البدء كما يقول الكتاب: ” فانه فيه خلق الكل ما في السموات وما على الأرض ما يرى وما لا يرى سواء كان عروشا أم سيادات أم رياسات أم سلاطين. الكل به وله قد خلق. الذي هو قبل كل شيء وفيه يقوم الكل ” (كو1 :16و17).

والكلمة الذي كان في البدء هو الكائن الأزلي الأبدي بلا بداية والذي وصف نفسه بالأول الذي ليس له قبل ولا بداية، قبله لا يوجد شيء، والبداية الذي بلا بداية لها ولا زمن: ” أنا الألف والياء. البداية والنهاية. الأول والآخر ” (رؤ22 :13)، أو كما نصلي في القداس الغريغوري: ” غير المبتدئ الأبدي. غير الزمني. الذي لا يحد “. وكما يقول عنه ميخا النبي بالروح القدس ” ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل ” (مي5 :2).

(2) و ” كان الكلمة – h=n o` lo,goj – een ho logos “، والفعل ” كان – ἦν – een ” جاء في الزمن الماضي الناقص، غير التام، الدال على حالة كانت مستمرة في الماضي، ويتضمن هنا في هذه الآيات استمرار الوجود، الوجود المستمر في الماضي. إلا أن الفعل هنا لا يركز على الزمن بقدر ما يركز على كينونة الكلمة الدائمة في ذات الله الآب، فهو في كينونة دائمة خارج الزمن. وهذا يعنى أنه قبل أن يبدأ البدء كان الكلمة موجوداً، ويمكن أن تترجم الآية حرفياً ” عندما بدأ البدء كان الكلمة موجوداً هناك “(48)، وهذا يعادل ويساوى القول ” الكلمة يسبق الزمن أو الخليقة “(49). فكان هنا تشير إلى الوجود المطلق لارتباطها بالبدء وبالخالق.

ومعنى نص الآية كاملاً: أنه في البدء، وقبل الخلق، كان الكلمة موجوداً وهو الخالق ذاته، الذي كان موجوداً من الأزل بلا بداية قبل أن يقوم بعملية الخلق، كان موجوداً، وكان هو العنصر الفعال، الخالق، بدء البدء. وقد بين الرب يسوع المسيح نفسه ذلك عندما خاطب الآب قائلاً: ” والآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم … لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم ” (يو17 :3و24). وهنا يتكلم عن وجوده السابق لتكوين وخلق العالم والمجد المتبادل بينه وبين الآب، في الذات الإلهية. ويتكرر الفعل ” كان – ἦν – een ” في هذه الآية، عن الكلمة، أربع مرات: ” في البدء كان (ἦν) الكلمة كان (ἦν) … وكان (ἦν) الكلمة … هذا كان (ἦν) في البدء -ou-toj h=n evn avrch/| “، ” عند الله pro.j to.n qeo,n “.

وفي هذه المرات الأربع تشير إلى ما قبل الخلق والزمن إلى الأزل الذي لا بدء له، إلى الأبدية، فقد ” كان – ἦν ” هو في البدء عند الله، و ” كان – ἦν ” هو الله، و ” كان – ἦν ” قبل وجود الخليقة و ” كان – ἦν ” هو الخالق، ” كل شيء به كان – pa,nta diV auvtou/ evge,neto “، أي بالكلمة، الرب يسوع المسيح، وكل شيء هنا تعني كل شيء بمفرده واحداً واحداً كقوله : فأنه فيه خلق الكل ” (كو1 :15)، و ” كان ” في هذه الآية ” كل شيء به كان ” في أصلها اليوناني ” evge,neto – egeneto – صار “، وحرفياً ” جاء إلى الوجود “، ” وبغيره لم يكن شيء مما كان (صار – جاء إلى الوجود – egeneto)؛ أي كل شيء به جاء إلى الوجود ” به تكون كل شيء، وبغيره لم يتكون أي شيء مما تكون “. إذاً، فهو الذي كان ” موجوداً “، والخليقة لم تكن قد جاءت إلى الوجود، فهو الخالق، الذي خلق الخليقة؛ ” كل شيء به كان (صار – جاء إلى الوجود) “، و ” بغيره لم يكن شيء مما كان – صار (جاء إلى الوجود) “.

و ” الكلمة – lo,goj “؛ هنا كما يؤكد الوحي الإلهي هو الرب يسوع المسيح، نبع الحياة ومصدرها بقوله ” فيه الحياة كانت – evn auvtw/| zwh. h=n. ” (يو1 :4)، فهو معطى الحياة للخليقة سواء كانت مادية (جسمانية) أو أخلاقية، وهو معطى الحياة الأبدية لكل من يؤمن به.

هو مصدر ونبع الحياة ومبدأها. وهذا ما عبر عنه القديس يوحنا الرسول بالروح القدس بقوله: ” الذي كان من البدء (O h=n avpV avrch/jho een apo’ archis arxis)، الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة. فان الحياة أظهرت ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأظهرت لنا ” (1يو1 :1و2).

(3) ” وكان الكلمة عند الله – kai.. o` lo,goj h=n pro.j to.n qeo,n “: وهنا يستخدم تعبيران ” وكان الكلمة – kai.. o` lo,goj h=n ” و ” عند الله – Θεόν τὸν πρὸς “؛ فيستخدم نفس الفعل ” كان – h=n – een ” الناقص، أي أنه كان عند الآب أو مع الآب بلا بداية، كما يستخدم حرف الجر ” عند – pro.j – pros “، وهذا الحرف المستخدم هنا ” pro.j – pros ” لا يعني مجرد قرب بل علاقة شخصية حميمة، فيقول أحد العلماء ” pro.j … تعني أكثر من مجرد ” مع “، وهي مستخدمة بانتظام للتعبير عن حضور شخص مع أخر(50). أي أن المعنى هنا هو أن الكلمة كان ” عند ” الله وهذا يؤكد المساواة بين الآب والابن في الوجود والجوهر.

والذي يعني مع الله، في ذات الله، فالكلمة، كلمة الله، الرب يسوع المسيح ” كان – h=n – een ” عند الله الآب، كان من البدء عند الله الآب، كان بلا بداية، من الأزل، كان أبداً، فهو الحياة الأبدية، الذي كان قبل كل شيء وهو الذي كون، خلق أوجد كل شيء هو الذي جاء بكل شيء إلى الوجود، خلق كل شيء(51).

(4) ثم يقول ” وكان الكلمة الله – kai. qeo.j h=n o` lo,goj “، أي أن الكلمة هو نفسه الله. وقد أفترض البعض بناء على ما زعمه آريوس وما ترجمه شهود يهوه لقوله في هذه العبارة، والتي ترجموها ” وكان الكلمة إلهاً ” على أساس أن كلمة ” الله – qeo.j ” هنا لا تسبقها أداة تعريف “، أي أن الكلمة هو إله بمعنى أنه ليس من جوهر الله بل أقل من الله وتالي له!! وهنا يقول العلماء، علماء اللغة واللاهوت:

تأتي كلمة ” الله – qeo.jtheos ” الأولى في هذه الآية ” وكان الكلمة عند الله ” معرفة بأداة التعريف ” to.n qeo,n “، والتي تجعل الاسم يشير إلى الشخص، إلى شخصيته، وهذا غير موجود أمام Theos الثانية الخاصة بالكلمة ” وكان الكلمة الله – kai. qeo.j h=n o` lo,goj “، وهذا صحيح، ولكن يقول العلماء: ” عندما وضعت أداة التعريف أمام كلمة ثيؤس (qeo.jTheos “؛ ” to.n qeo,n “، الأولى قصد بها شخص الآب، وعندما لم توضع أداة التعريف أمام كلمة ثيؤس ” qeo.jTheos ” الخاصة بالكلمة ” وكان الكلمة الله – kai. qeo.j h=n o` lo,goj ” قصد الجوهر الإلهي ذاته “(52).

أي أنه هنا يقصد أن الكلمة هو من نفس جوهر الله الآب ذاته، فهو الله، الكلمة. وهنا فرق بين أنه قصد الشخصية في الأولى وقصد الجوهر في الثانية، فالكلمة، الابن، في الذات الإلهية ليس هو الآب، بل هو في حضن الآب ” الابن الوحيد الذي في حضن الآب ” (يو1 :18)، وواحد مع الآب ” أنا والآب واحد ” (يو30 :10)، ومن ذات الآب ” أنا في الآب والآب فيّ ” (يو14 :10)، وفي ذات الآب ومن جوهر الآب، من نفس جوهر الآب، إذا فعندما يقول ” وكان الكلمة الله ” يركز على جوهره الإلهي وأنه من نفس جوهر الآب.

كما أن في قوله ” وكان الكلمة الله – kai. qeo.j h=n o` lo,goj “، يقول علماء اللغة أن الفاعل هنا ليس هو ” الله qeo.jqeo.j ” بل ” الكلمة – o` lo,goj ” لذا وضع أداة التعريف أما الكلمة ” o` lo,goj ” لأنه الفاعل، فالكلمة مبتدأ والله خبر الجملة، ومن هنا فقد كان يعني أنه في لاهوته مثل الله الآب ومن نفس جوهره ” He was the same as God “، وأيضا: ” the Word was fully God “(53).

ومن هنا فقد وردت في الترجمات اللاهوتية كالآتي:

In the beginning, the Word was existing.
And the Word was in fellowship with God the Father.
And the Word was as to His essence absolute deity.

” في البدء كان الكلمة موجوداً. وكان الكلمة عند الله الآب. وكان للكلمة نفس جوهر لاهوته المطلق “.

In the beginning the Word already existed.

The Word was with God, and the Word was God.

” في البدء كان الكلمة موجودا، وكان الكلمة عند الله، وكان الكلمة الله “.

In the beginning was the one who is called the Word. The Word was with God and was truly God.

في البدء كان الذي يدعى الكلمة، وكان الكلمة عند الله وكان (الكلمة) إلها حقيقياً.

At the beginning God expressed himself. That personal expression, that word, was with God, and was God, and he existed with God from the beginning.

في البدء عبر الله عن نفسه، وهذا التعبير الذاتي، الكلمة، كان عند الله، وكان الله، وكان موجودا مع الله منذ البدء.

In the beginning was the Word, and the Word was with God and the Word was fully God.

في البدء كان الكلمة، وكان الكلمة عند الله، وكان الكلمة كاملاً في لاهوته. 

THE Logos existed in the very beginning, the Logos was with God, the Logos was divine.

كان الكلمة موجودا منذ البدء الباكر، وكان الكلمة عند الله، وكان الكلمة إلهياً.

(47) Robertson New Testament Word pictures. John. 1.1.

(48) Vencent’s W. S. NT P. 29.

(49) Ibid.

(50) The Gospel of St. John,” The Expositor’s Greek Testament 1:684.

(51) يقول العالم شناكنبرج: إن ” عند = pro.j ” لا تفيد هنا الحركة تجاه هدف ما بل إن pro.j تأتي معادلة والتبادل أحياناً مع para. tw/ qew/|/| كما قالها المسيح في صلاته: ” والآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك = para. seautw/| بالمجد الذي كان لي عندك = para. Soi قبل كون العالم ” (يو17 :5). الآب متى المسكين شرح إنجيل القديس يوحنا. ص 33.

(52) H.E. Dana and Julius Mantey, in their A Manual Grammar of the Greek New Testament,

(53) أنظر كتابنا ” وكان الكلمة الله، هل كان الكلمة إله أم الله؟ ” ص 60- 79.

الكلمة (Logos) كما جاء في الإنجيل للقديس يوحنا – القمص عبد المسيح بسيط

الابن الكلمة اللوجوس (Logos) عبر تاريخ العقيدة – القمص عبد المسيح بسيط

الابن الكلمة اللوجوس (Logos)  عبر تاريخ العقيدة – القمص عبد المسيح بسيط

الابن الكلمة اللوجوس (Logos) عبر تاريخ العقيدة – القمص عبد المسيح بسيط

الابن الكلمة اللوجوس (Logos)  عبر تاريخ العقيدة – القمص عبد المسيح بسيط

1 – كلمة الله في العهد القديم:

  أدرك علماء العهد القديم من اليهود، خاصة في القرن الخامس قبل الميلاد، أن لله كلمة في ذاته وهذا الكلمة هو، كلمة الله، الكائن في ذات الله، وأنه العامل والفاعل في الكون وخالقه ومدبره وفاديه وديانه، ومن ثم يستخدم الكتاب كلمة الله هنا بمعنى الكلمة التي تخرج من فم الله، ولكنها ليست ككلام الإنسان بل كلمة الله التي تعمل في الكون، وعندما يقول الله للشيء ” كن ” تعمل كلمته في الكون والمادة والطبيعة وتجعل الشيء موجوداً ” يكون ” وتعطي الحياة. ومن هنا نفهم حقيقة ما جاء في بداية سفر التكوين قوله: ” في البدء خلق الله السموات والأرض … وقال الله ليكن نور فكان نور “.

وفي بقية آيات الخليقة في بداية فسفر التكوين يقول أن الله قال ” ليكن “، ثم يتلوا أمره عبارة ” وكان كذلك “. (تك1 :1-27). وهذا يعني أن عمل الخلق، كما فهمه علماء اليهود، قد تم بـ ” كلمته “، كلمة الله التي تعمل في الكون والخليقة وتقوم بعمل الخلق وإيجاد الخليقة من لاشيء، من العدم، وتعطي الحياة للخليقة. فالكلمة، كلمة الله، هنا هي كيان إلهي في ذات الله يقوم بعمل الخلق، ويقدم لنا المزمور (33) صورة وصفية واضحة وإشارة لعمل كلمة الله الخالق حيث يقول: “ بكلمة الرب صنعت السموات وبنسمة فيه كل جنودها ” (مز33: 6).

  والكلمة هنا مشخصة، ككيان متمايز في الذات الإلهية، تقوم بعمل الخلق في الكون والطبيعة وتعطي الحياة. كما يوضح لنا الوحي الإلهي في سفر اشعياء وجود هذا الكلمة الإلهي في الذات الإلهية وكيف يرسلها الله لتعمل في الكون والخليقة بقوله: ” لم أتكلم من البدء في الخفاء. منذ وجوده أنا هناك والآن السيد الرب أرسلني وروحه ” (اش48 :16). وهذا الوصف لعمل كلمة الله يساوي قوله: ” في البدء كان الكلمة (لوجوس – logos –lo,goj) والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله … والكلمة صار جسداً وحل بيننا ” (يو1:1و14). كما يوضح لنا كيفية عمله في الكون وكيفية خروج الكلمة من ذات الله، بدون انفصال، لتعمل ما يرسلها من أجله، بقوله: ” كلمتي التي تخرج من فمي. لا ترجع إليّ فارغة بل تعمل ما سررت به وتنجح فيما أرسلتها له ” (اش55 :11). أي أن الله يرسل كلمته من ذاته لتعمل إرادته وتنفذ العمل الذي أرسلها من أجله.

  فالله في طبيعته وجوهره، كلي الوجود وكلي القدرة وكلي الحكمة والعلم وهو روح ونور غير مرئي وغير مدرك بالحواس ولذا يكشف ويعلن عن ذاته في الطبيعة وفي الناموس والأنبياء بواسطة كلمته ويعمل في الخليقة والكون بكلمته وحكمته. وتظهر هذه العقيدة في العهد القديم في ثلاثة أوجه هي:

(1) الكلمة، كلمة الله في العهد القديم ترمز دائما لقوة الله وعمل الله في الكون والخليقة، فهي المنفذة لإرادته والموجودة والمتضمنة في ذاته الإلهية، وترتبط دائماً بعمل الله الخلاق، كما بينّا أعلاه: ” وقال الله ليكن “، وهي تظهر كأقنوم، مشخص ومتمايز في الذات الإلهية، كما يصورها الشعر العبري النبوي في العهد القديم(1)، التي تظهر في بعض فقراته، كالفاعل المحرك والفعال المنفذ للإرادة الإلهية كقوله(2): ” أرسل كلمته (Arb’D>â- to.n lo,gon auvtou – His word) فشفاهم ونجاهم من تهلكاتهم ” (مز107 :20)، والفاعل المنفذ في الطبيعة ” يرسل كلمته (Ar*b’D> – o` lo,goj auvtou/) في الأرض سريعا جدا يجري قوله ” (مز147 :15).

وينسب إلي كلمة الله كل صفات الذات الإلهية لكونها كلمة الله الذاتي والإعلان الإلهي المستمر سواء في الطبيعة والكون أو الناموس والأنبياء ” لأن كلمة الرب مستقيمة وكل صنعه بالأمانة ” (مز33 :4)، ” يبس العشب ذبل الزهر وأما كلمة إلهنا فتثبت إلى الأبد ” (أش40 :8)، كما أن الكلمة هو الشافي ” أرسل كلمته فشفاهم ونجاهم من تهلكاتهم ” (مز107 :20)، بل ويقول أيضاً: ” كلمتي التي تخرج من فمي. لا ترجع إليّ فارغة بل تعمل ما سررت به وتنجح فيما أرسلتها له ” (اش55 :11)، وكذلك قوله في مزمور (147 :15) ” يرسل كلمته في الأرض سريعا جدا يجري قوله “. وقد جاءت عبارة ” بكلمة الرب ” في قوله: “ بكلمة الرب (يهوه) صنعت السموات وبنسمة فيه كل جنودها ” (مز33:6) ” בדבר יהוה – bdâbâr yhwh ” والكلمة هنا ” rb’D’ – dâbâr  “، لتؤكد هذا المعنى وهو أن الله خلق الكون وأعطاه الحياة بكلمته، كلمة الله، كلمة الرب (يهوه) ” dâbâr yhwh “.

  وقد ترجمت عبارة ” بكلمة الرب (يهوه) ” في هذه الآية الأخيرة (مز33:6) في اليونانية السبعينية ” tw/| lo,gw| tou/ kuri,ou – بكلمة الرب “، وفي الإنجليزية “By the word of the LORD  “، والكلمة هنا ” lo,gw| = lo,goς = Word “(3). كما أن كلمة ” rb’D’ – dâbâr  – الكلمة ” ترجمت إلى اليونانية في كل العهد القديم إلى ” lo,goj ” و ” r`h,ma “(4)، وترجمت ” لوجوس – lo,goj ” في كل الأسفار التاريخية. والكلمة نفسها في العبرية، كما يقول قاموس Kittel اللاهوتي، تقدم لنا المفهوم المادي للطاقة المحسوسة فتظهر كالقوة المادية التي تجرى القوة في المادة وتصنع الحياة. وكانت الكلمة في كل أسفار العهد القديم تعبر عن الإعلان الإلهي في الناموس والأنبياء. وفيما بعد السبي اجتمع الناموس في كل من أسفار موسى والأنبياء وهنا اتخذت الكلمة شكلا مكتوباً وتحول المفهوم النبوي لكلمة الرب (يهوه) ” דבר יהוה – dâbâr yhwh ” و ” lo,gw| tou/ kuri,ou ” إلى كلمة كلية جامعة، ولأن كلمة الرب (يهوه) تشير دائما للإعلان الإلهي في الناموس والأنبياء فقد استخدمها الكتاب لتشير أيضاً لإرادة الله المعلنة، كما يعلن الكتاب أن الكلمة لها مجال ثالث في الإعلان الإلهي هو خليقة الطبيعة والكون التي يقول الكتاب أنها خلقت بكلمة الرب (يهوه) (5).

  وعندما تُرجم العهد القديم من العبرية إلى الآرامية فيما سمي بالترجومات، أي الترجمات، أيام عزرا الكاهن والكاتب في القرن الخامس قبل الميلاد، وضُعت كلمة ” ميمرا – מימרא –Memra )(6) الآرامية كبديل وترجمة لـ ” دابار – dâbâr) العبرية، لتشير إلى ” كلمة الله ” بل وإلى ” الله ” نفسه، بل ووضعت أيضاً كترجمة لقول الله ” أنا “، وصارت اسم خاص لله. وصار هذا هو اعتقاد علماء اليهود، الربيين، منذ ذلك الوقت (نح8 :6-8). فتقول جذاذة ترجوم على التوراة (خر12 :42): ” في الليلة الأولى عندما ظهر كلمة الرب (מימרא יהוה = Memra Yhwh ) للعالم لكي يخلقه، كان العالم خالياً وخرباً وانتشرت الظلمة فوق كل اللاتكون وكان كلمة الرب (מימרא יהוה = Memra Yhwh ) مشرقا ومنيراً ودعاها الليلة الأولى “. ويقول ترجوم يوناثان على تكوين (1 :27) عن خلقة الإنسان: ” فخلق كلمة الرب (מימרא יהוה = Memra Yhwh ) الإنسان على صورته على صورة يهوه، يهوه خلقه “(7). ومن ثم فقد استقر في التقليد اليهودي أن الله الخالق الذي خلق الكون وأعطاه الحياة بكلمته، خلق بكلمته، وأن الخالق الفعلي هو كلمة الرب (يهوه)، وكلمة الله، كلمة الرب، متمايز في ذاته، فهو الله وهو كلمة الله الذي ينفذ إرادة الله ويعمل عمله في الكون والخليقة(8).

  يقول كتاب (Mek., Beshallaḥ, 10) مشيرا لقوله: ” بكلمة الرب خلقت السموات … ” (مز33 :6): ” الواحد القدوس المبارك خلق العالم بالكلمة ” Ma’amar “. كما يقول سفر يشوع بن سيراخ(9)، الذي يرجع للقرن الثاني قبل الميلاد: ” بكلمة الرب وُجدت أعماله ” (بن سيراخ42:15). ويقول سفر الحكمة، الذي يرجع للقرن الثاني قبل الميلاد، يقول ” بل كلمتك التي تشفي الجميع ” (حك16 :12)، ” حتى أنقضت كلمتك الجبارة من عرشك الملكي في السماء إلى تلك الأرض المنكوبة كالمحارب الشرس ” (حك18 :15). وتقول المشناه، التي تعني دراسة الشريعة، وهي تشير إلى خلق السموات في تكوين (ص1): ” أقيمت السموات العليا معلقة بكلمتك الخلاقة (Creative Ma’amar) “. بل ويقول اليهود في صلواتهم ” أنت خلقت العالم بكلمتك وعينت الإنسان بحكمتك ليسود على الخليقة التي خلقتها “. ويقول سفر عزدراس الرابع الأبوكريفي: ” يا رب أنت قلت في اليوم الأول للخليقة: ليكن هناك سموات وأرض وقامت كلمتك بإنجاز العمل “(10).

  وهكذا استخدم الترجوم كلمة (كلمة الرب – מימרא יהוה = Memra Yhwh ) ليعلن بها عن القوة الإلهية أو كالممثل لله الذي يقوم بعمل الله، بل والمرادف لله نفسه، ومن ثم يترجم قوله: ” لستم واثقين بالرب إلهكم ” (تث1 :32)، إلى ” لستم واثقين بكلمة الرب (מימרא יהוה = Memra Yhwh ) “، و ” ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي ” (تث18 :1)، إلى ” ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلمة الرب (מימרא יהוה = Memra Yhwh ) “، و ” الرب إلهك هو العابر أمامك نارا آكلة ” (تث9 :3) إلى ” كلمة الرب (מימרא יהוה = Memra Yhwh ) هو العابر “، و ” فضرب الرب الشعب ” (خر32 :35)، إلى ” فضرب كلمة الرب (מימרא יהוה = Memra Yhwh ) “، و ” واخرج موسى الشعب من المحلّة لملاقاة الله ” (خر19 :17)، إلى ” واخرج موسى الشعب من المحلّة لملاقاة كلمة الرب (מימרא יהוה = Memra Yhwh ) “، ” وأنا اجتمع بك هناك ” (خر25 :22)، إلى ” ويجتمع بك كلمة الرب (מימרא יהוה = Memra Yhwh ) و ” ويكون متى اجتاز مجدي أني أضعك في نقرة من الصخرة وأسترك بيدي حتى اجتاز ” (خر33 :22)، إلى ” وأسترك بكلمة الرب (מימרא יהוה = Memra Yhwh ) “، و ” وترذلكم نفسي ” (لا 26 :30)، إلى ” وترزلكم كلمتي Memra “. وترجموا عبارة ” صوت الرب ” و ” صوت السيد ” في (تك3 :8؛ تث4 :33و36؛ اش6 :8)، إلى ” صوت كلمة الرب (מימרא יהוה = Memra Yhwh ) “، و ” أنا كنت واقف بين الرب وبينكم ” (تث5 :5)، إلى ” أنا كنت واقف بين كلمة الرب (מימרא יהוה = Memra Yhwh ) وبينكم “، و ” لأنه علامة بيني وبينكم ” (خر31 :13و17)، إلى ” لأنه علامة بين كلمتي  Memra  وبينكم “، و ” فجاء الله إلى ابيمالك في حلم الليل ” (تك20 :3)، إلى ” فجاء كلمة الرب (מימרא יהוה = Memra Yhwh ) إلى ابيمالك في حلم الليل “، و ” فوافى الله بلعام ” (عد23 :4)، إلى ” فوافى كلمة الرب (מימרא יהוה = Memra Yhwh ) بلعام “. وحول الترجوم كل العبارات الخاصة بمساعدة الله لإسرائيل وعمله للقوات والآيات والعجائب إلى كلمة الرب (מימרא יהוה = Memra Yhwh )، (أنظرعد23 :21؛ تث1 :30؛ 33 :3؛ اش63 :14؛ ار31 :1؛ هو9 :10)(11).

(2) ملاك يهوه؛ وإلى جانب عمل الله الذي أدرك علماء اليهود أنه خاص بالكلمة، كلمة الرب (يهوه)، كلمة الله، الذي من ذات الله وفي ذاته، أدركوا أيضا أن كل الظهورات الإلهية التي ظهر خلالها الله للآباء والأنبياء في العهد القديم، خاصة أسفار موسى الخمسة؛ مثل ظهوره وحديثه مع آدم وإبراهيم واسحق ويعقوب وموسى النبي، والتي وصف فيها الإعلان الإلهي الظهور الإلهي بظهور ملاك الله؛ ملاك الرب (يهوه) وملاك حضرته (اش63 :9)، وملاك العهد (ملا3 :1)، هي ظهورات لكلمة الله، الكلمة الإلهي، الذي وصف في العهد الجديد بـ ” صورة الله غير المنظور ” (كو1 :15)، خاصة وأن هذا الملاك يتحدث عن نفسه باعتباره الله، الرب (يهوه)، كما عرف والآباء وأدركوا بالفعل أنه الرب (يهوه)، وتكلموا عنه باعتباره ملاك الرب (يهوه)، وأنه هو نفسه الرب (يهوه)، الله. لذا فعندما بارك يعقوب أبنه يوسف قال له: ” الله الذي سار أمامه أبواي إبراهيم واسحق. الله الذي رعاني منذ وجودي إلى هذا اليوم. الملاك الذي خلصني من كل شر يبارك الغلامين ” (تك48 :15و16). وهو هنا يقول أن الله الذي سار أمامه هو وأبويه إبراهيم وإسحق ورعاهم، هو نفسه ملاك يهوه.

  ولأن الله بطبيعته وجوهر لاهوته، لا يرى لذا فقد أدرك علماء اليهود أنه كان يظهر للآباء والأنبياء بكلمته (ميمرا يهوه – מימרא יהוה = Memra Yhwh)، ومن ثم فعندما ترجموا العهد القديم للآرامية وضعوا عند ذكر الظهورات الإلهية، سواء لله أو لملاك يهوه، كلمة الرب (يهوه)؛ ” מימרא יהוה = Memra Yhwh) “، والتي تعني ” كلمة الله = كلمة الرب (يهوه) “، كبديل للرب (يهوه)، سواء في الظهورات أو في عمل الخلق. ويظهر تعبير ” מימרא יהוה = Memra Yhwh ” كتعبير عن الظهور الإلهي وعمل الله في الخليقة 596 مرة في الترجومات (أي الترجمات إلى الآرامية)، فيستخدم ترجوم أونكيلوس هذا التعبير 179 مرة، وفي ترجوم أورشليم 99 مرة، وفي ترجوم يوناثان 321 مرة. وعلى سبيل المثال فقد ترجموا قوله: ” وسمعا صوت الرب الإله ماشيا في الجنة عند هبوب ريح النهار. فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة “. وقد ورد تعبير ” الرب الإله ” في العبرية: ” יהוה אלהיםElohim Yhwh ” إلى ” كلمة الرب – מימרא יהוה = Memra Yhwh “.

  ومن ثم فعندما ظهر الله لموسى النبي في العليقة ظهر له في البداية كملاك الرب (يهوه) ولما اقترب موسى من العليقة تحدث معه باعتباره الله، ” أهيه الذي أهيه – hy<+h.a,( rv<åa] hy<ßh.a,( (Eheyeh asher Eheyeh) = أكون الذي أكون ” والتي ترجمت في اليونانية ” أنا هو الكائن – evgw, eivmi o` w;n “، يقول الكتاب: ” وظهر له ملاك الرب بلهيب نار من وسط عليّقة … فلما رأى الرب انه مال لينظر ناداه الله من وسط العليقة … ثم قال أنا اله أبيك اله إبراهيم واله اسحق واله يعقوب. فغطى موسى وجهه لأنه خاف أن ينظر إلى الله ” (خر3 :2-6)، ” فقال موسى لله ها أنا آتي إلى بني إسرائيل وأقول لهم اله آبائكم أرسلني إليكم. فإذا قالوا لي ما اسمه فماذا أقول لهم. فقال الله لموسى أهيه الذي أهيه. وقال هكذا تقول لبني إسرائيل أهيه (hy<ßh.a,( – o` w’n = الكائن)(12) أرسلني إليكم وقال الله أيضا لموسى هكذا تقول لبني إسرائيل يهوه (hw”ùhy> – ku,rioj) اله آبائكم اله إبراهيم واله اسحق واله يعقوب أرسلني إليكم. هذا اسمي إلى الأبد وهذا ذكري إلى دور فدور ” (خر3 :13-15).

ويعلق ترجوم أورشليم: ” وقال كلمة الرب (מימרא יהוה = Memra Yhwh) لموسى: أنا هو الذي قلت للعالم ” كنفكان: والذي سأقول له في المستقبل ” كن ” وسيكون. وقال: وتقول لبني إسرائيل: أنا هو أرسلني إليكم “.  ويقول ترجوم أورشليم على تكوين (16 :13) عن الظهور الإلهي لهاجر: ” وشكرت هاجر وصلت باسم كلمة الرب (מימרא יהוה = Memra Yhwh) الذي كشف لها عن نفسه “. وهكذا نسبوا كل ما لله، الرب، يهوه، لكلمة الرب، كلمة يهوه، ميمرا يهوه (Memra Yhwh)(13). ومن ثم يقول مدراش، أي دراسات العهد القديم، راباه على تكوين (44 :1): ” بعد هذه الأمور جاءت كلمة الرب (מימרא יהוה = Memra Yhwh) إلى إبراهيم في الرؤيا قائلا. لا تخف يا إبرام. أنا ترس لك. أجرك كثير جدا “. لأنه مكتوب من جهة لإبراهيم أن طريقه كامل وكلمة الرب (מימרא יהוה = Memra Yhwh) نقية (2صم22 :31) … وقد امتحن كلمة الرب (מימרא יהוה = Memra Yhwh) بشكل جوهري أن القدوس الذي أرضاه جربه في فرن نارية وكان ترسا لكل الذين التجئوا إليه (2صم22 :31) “(14).

  ويقول ترجوم أونكيلوس على تكوين (15 :6): ” فآمن إبراهيم بكلمة الرب (מימרא יהוה = Memra Yhwh) وحسب له ذلك برا “. كما صلى إبراهيم باسم كلمة الرب: ” وعبد إبراهيم الرب وصلى باسم كلمة الرب (מימרא יהוה = Memra Yhwh)، وقال أنت يهوه الذي يرى ولكنك لا يمكن تُرى “. ويقول ترجوم أورشليم عن إبراهيم عندما قدم إسحق ابنه: ” الله يرى له الخروف للمحرقة يا ابني ” (تك22 :8)، والتي جاءت في الترجوم: ” فقال إبراهيم كلمة الرب (מימרא יהוה = Memra Yhwh) يرى له الخروف للمحرقة يا ابني “(15).

  ويقول ترجوم أونكيلوس على تكوين (28 :20و21): ” أن كان كلمة الرب (מימרא יהוה = Memra Yhwh) معي … يكون كلمة الرب (ميمرا يهوه – מימרא יהוה = Memra Yhwh) لي إلها ” … الخ.

  ويقول أيضاً على تكوين (28 :20-21): ” ونذر يعقوب نذرا قائلا أن كان كلمة الرب (מימרא יהוה = Memra Yhwh) معيني وحفظني في هذا الطريق الذي أنا سائر فيه وأعطاني خبزا لآكل وثيابا لألبس ورجعت بسلام إلى بيت أبي يكون كلمة الرب (מימרא יהוה = Memra Yhwh) لي إلها “.

  كما يقول ترجوم على مزمور (22 :9) أن الملك داود يحث شعب إسرائيل أن يثقوا في كلمة الرب: ” ثقوا في كلمة الرب (מימרא Hy”å = Memra Yah) كل الأوقات يا شعب بيت إسرائيل! أسكبوا أمامه تنهدات قلوبكم يقول الله ثقتنا إلى الأبد “(16).

(3) الحكمة المشخصة؛ ويصف الكتاب المقدس أيضاً عمل الحكمة التي كانت في الذات الإلهية منذ الأزل بلا بداية والتي لا يعرف عنها أحد شيء سوى الله ذاته في سفري أيوب والأمثال، في الكون والخليقة، ويشخصها لنا الوحي الإلهي بطريقة شعرية، ولكن كالحكمة الإلهية، ويقول عنها أنها سر عظيم في الحياة لأنها مخفية في ذات الله. يقول سفر أيوب بأسلوب شعري: ” أما الحكمة فمن أين توجد وأين هو مكان الفهم. لا يعرف الإنسان قيمتها ولا توجد في أرض الإحياء … فمن أين تأتي الحكمة وأين هو مكان الفهم … الله يفهم طريقها وهو عالم بمكانها ” (أي28 :12و13و20و23).

وهذه الحكمة تظهر بوضوح في سفر الأمثال، بل وتظهر أكثر تشخيصاً، ويصور لنا بأسلوب شعري كيف أمتلكها الله قبل أن يخلق العالم، قناها في بداية طريقه منذ الأزل وقبل كل بدء وخلق بها الكون والعالم: ” الرب قناني أول طريقه من قبل أعماله منذ القدم. منذ الأزل مسحت منذ البدء منذ أوائل الأرض. إذ لم يكن غمر أبدئت إذ لم تكن ينابيع كثيرة المياه. من قبل أن تقررت الجبال قبل التلال أبدئت. إذ لم يكن قد صنع الأرض بعد ولا البراري ولا أول أعفار المسكونة. لما ثبت السموات كنت هناك أنا. لما رسم دائرة على وجه الغمر. لما اثبت السحب من فوق لما تشددت ينابيع الغمر. لما وضع للبحر حده فلا تتعدى المياه تخمه لما رسم أسس الأرض. كنت عنده صانعا وكنت كل يوم لذّته فرحة دائما قدامه ” (أم8 :22-30).

  واستخدم الكتاب هنا كلمة ” قناني – ynIn”q – Canani “، أي امتلكني، والتي تترجم في الإنجليزية ” possessed me  “، ولكنها ترجمت في اليونانية ” e;ktise,n me – ektisen me ” والتي تعني صنعني (made me) أو خلقني (created me). ولكن هذه الترجمة لا تتفق مع الأصل العبري ولا تتفق مع كونها  هي الخالق الذي خلق الله به الكون، فالخالق لا يمكن أن يكون مخلوقاً، بل ويذكر هذا الإصحاح وجودها قبل الخليقة خمس مرات. إذا فالنص العبري يقول قناني، أي امتلكني كما جاءت في الترجمات الإنجليزية “possessed me  “، وليس خلقني أو صنعني. وهذه الترجمة، اليونانية السبعينية أستغلها آريوس والآريوسيين بشدة في محاولة لإثبات هرطقتهم ولكن القديس أثناسيوس الرسولي رد عليهم رداً حاسماً، وبين لهم العكس.

  أما سفر الحكمة، من الأسفار القانونية الثانية، فيزداد المعنى فيه وضوحا وتظهر الحكمة مشخصة بصورة أكثر. فيصف السفر الحكمة بصفات الطبيعة الإلهية ويتكلم عنها كاسم مرادف للطبيعة الإلهية ويربطها بالمسيا، أي المسيح المنتظر، حيث يقول: ” فإِنَّ فيها روحًا فَطِنًا قُدّوسًا وَحيدًا متَشَعِّبًا لَطيفًا مَحَرِّكًا ثاقِبًا طاهِرًا واضِحًا سَليمًا مُحِبًّا لِلخَيرِ حادًّا حُرًّا محسِنًا مُحِبًا لِلبَشَر ثابِتًا آمِنًا مُطمَئِنًّا يَقدُِر على كُل شيَءٍ ويْراقبُ كُلَّ شيء يَنفُذُ إِلى جَميعَ الأَرْواح الفَهِمَةِ مِنها والطَّاهِرَةِ والأشَدً لَطافَةً لأنَّ الحكمةَ أكثر حَرَكَةً مِن كُلِّ حَرَكَة فهي لِطَهارَتها تَختَرِقُ وتَنفُذُ كُل شيَء. فإنَّها نَفحَةٌ من قدرَةِ اللهِ واْنبعاثٌ خالصٌ مِن مَجدِ القَدير. فلِذَلك لا يَتَسرَبُ إِلَيها شيءٌ نَجِس لأنَّها اْنعِكاسٌ لِلنَّّورِ الأزَليَ ومِرآةٌ صافِيَةٌ لِعَمَلِ الله وصورَةٌ لِصَلاحه. تَقدِر على كُلِّ شيء وهي وَحدَها وتُجَدَدُ كلَّ شيَءٍ وهي ثابِتَةّ في ذاتها وعلى مَرِّ الأجْيالِ تَجْتاُز إِلى نُفوسٍ قِدِّيسة فتُنشئُ أَصدِقاءَ لِلهِ وأنبياء لأنَّ اللهَ لا يُحِبُّ إِلَّا مَن يُساكِنُ الحِكمَة. فإنَّها أَبْهى مِنَ الشَّمس وأَسْمى مِن كُلً مَجْموعةِ نجوم وإِذا قيست بِالنورِ ظَهَرَ تَفوَقُها لأنَّ النَّّورَ يَعقبه اللَّيل. أَمّا الحِكمَةُ فلا يَغلِبُها الشَرَ ” (حكمة7 :22-30).

  بل ويعطيها صفات الله الأزلي الخالق ويتكلم عن جلوسها معه على كرسيه ويربطها بصفات الابن الذي كل شيء به كان والمرسل إلى العالم لخلاص البشرية: ” يا إِلهَ الآباءِ ويا رَبَ الرَحمَة يا صانع كُلِّ شيءٍ بكَلِمَتِكَ ومُكَوِّنَ الإِنْسانِ بِحِكَمَتِكَ لِكَي يَسودَ الخَلائِقَ الَّتي صَنَعتَها ويَسوسَ العالَمَ بِالقَداسةِ والبرّ ويُجرِيَ الحُكْمَ  بِاْستِقامةِ النًّفْس هَبْ لِيَ الحِكمةَ الجالِسَةَ مَعَكَ إِلى عَرشِكَ ولا تَنبُذْني مِن بَين أَبْنائِكَ … الحِكمَةُ الَّتي مِنكَ … مَعكَ الحِكمةَ العَليمةَ بِأَعمالِكَ والَّتي كانَت حاضِرة حينَ صَنعتَ العالَم وهي عارِفةٌ ما المَرضِيُّ في عَينَيكَ والمُستَقيمُ بِحَسَبِ وَصاياكَ. فأَرسِلْها مِنَ السَّمواتِ المُقَدَّسة واْبعَثْها مِن عَرشِ مَجدِكَ لِكَي تَقِفَ إِلى جانِبي وتَجِدَّ معي وأَعلَمَ ما المَرضِيّ لَدَيكَ. فإِنَّها تَعلَمُ وتَفهَمُ كُلَّ شيَء فتَكونُ لي في أَفْعالي مُرشِدًا فَطينًا وبِمَجدِها تَحْميني … مَنِ الَّذي عَلِمَ بمَشيئَتِكَ لو لم تُؤتِ الحِكمَة وترسِلْ مِنَ العُلى رُوحَكَ القُدُّوس؟ هكذا قُوِّمَت سُبُلُ الَّذينَ على الأَرض وتَعَلََّمَ النَّاسُ ما يُرضيكَ وبِالحِكمَةِ نالوا الخَلاص ” (حكمة9).

(1) كتبت معظم النبوات في أسفار الأنبياء في العهد القديم شعرا ليسهل على الشعب حفظها في عصور كانت تعتمد بالدرجة الأولى على الحفظ وترديدها شفويا.

(2) George B Stevens, Johannine Theology p.77.

(3) Brenton. The Septuagint Version of The Old Testament With An English Translation. P,716.

(4) كلمة ريما ” r`h,ma ” مرادفة لكلمة لوجوس لكنها لم تستخدم ككلمة الله الذاتي مثل لوجوس. أنظر فيرلين د. فيربروج، القاموس الموسوعي للعهد الجديد. ص 604 و605.

(5) Kittel Theological Dictionary Of The New Testament. vol.iv.pp, 92-100.

(6) يقول جرشوم شوليم (Gershom Scholem) في كتابه في (شكل رأس إيلوهيم): ” الميمرا … مستخدمة في  تفسير الترجومات، الترجمات الآرامية للكتاب المقدس، لتشير إلى كلمة الله (ميمرا إيلوهيم). الميمرا ليست مجرد حيلة لغوية لحل مشكلة تجسيمات الله ، تشبيهه بصور بشرية؛ فهي لها مغزى لاهوتي حقيقي. الميمرا … هي … قوة مخترقة العالم، هي حقيقة في عالم المادة والعقل، الوجه الدائم لإيلوهيم،الذي يمسك كل الأشياء بقدرته ككلي الوجود “.http://www.thevineone.org/download/rico/The_Memra_of_YHVH_English.ppt

(7) http://www.thevineone.org/download/rico/The_Memra_of_YHVH_English.ppt

(8) Ibid. جاء في كتاب ” زوهار بيريشيت Zohar Bereshit ch. 1. p. 86

” بالعمل السري الصامت للإرادة الإلهية من نقطة النور الأولى التي أشعت الشرارة الحيوية المعطية الحياة، التي سادت وعملت في أشكال الكون الهائل، أصبح روح الكون (اللوجوس)، نبع وأصل الحياة والحركة الأرضية والوجود الأرضي، وبقي في عمله السري غير موصوف وغير مدرك ولا يمكن تعريفه، ثم أدرك كاللوجوس الإلهي، الكلمة، ودعي البدء (براشيت – Brashith – tyviÞarEB.)، لأنه هو نفسه كان في البدء عند الله

(9) سفر يشوع بن سيراخ وسفر الحكمة من الأسفار القانونية الثانية.

(10) http://www.thevineone.org/download/rico/The_Memra_of_YHVH_English.ppt

(11) Jewish Encyclopedia ” MEMRA “.

(12) و ” hy<ßh.a – أهيه –  ehyeh- أكون ” اسم يعبر عن كينونة الله وكيانه وجوهره، ويعبر عن وجوده الذاتي، الدائم والمستمر، الوجود الأزلي الأبدي، الذي لا بداية له ولا نهاية. يقول هامش  الترجمة اليسوعية (1989م): ” أنا هو من هو… أنا هو أرسلني إليكم “. ” بما أن الله يعنى نفسه فهو يستعمل صيغة المتكلم ” أنا هو ” … لكن من الممكن أيضاً أن نترجم النص العبري حرفياً فنقول: ” أنا هو من هو “. وهذا يعنى بحسب قواعد الصرف والنحو العبرية ” أنا هو الذي هو “، ” أنا هو الكائن “. وبهذا المعني ترجمه علماء  الترجمة اليونانية السبعينية.

(13) http://www.thevineone.org/download/rico/The_Memra_of_YHVH_English.ppt

(14) http://www.thevineone.org/download/rico/The_Memra_of_YHVH_English.ppt

(15) Ibid.

(16) Ibid. تابع بالتفصيل هذا الموضوع في كتابنا ” وكان الكلمة الله – هل الكلمة إله أم الله؟ ” ص 24 وما بعده

الابن الكلمة اللوجوس (Logos) عبر تاريخ العقيدة – القمص عبد المسيح بسيط

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

 

الكلمة اللوجوس (Λόγος ὁ – Logos) عند فلاسفة اليونان – القمص عبد المسيح بسيط

الكلمة اللوجوس (Λόγος ὁ – Logos) عند فلاسفة اليونان – القمص عبد المسيح بسيط

الكلمة اللوجوس (Λόγος ὁ – Logos) عند فلاسفة اليونان – القمص عبد المسيح بسيط

الكلمة اللوجوس (Λόγος ὁ – Logos) عند فلاسفة اليونان – القمص عبد المسيح بسيط

  اختلف معنى الكلمة عند الفلاسفة اليونانيين عن معنى الكلمة في العهد القديم والتقليد اليهودي جوهرياً، فهي عندهم مبدأ عام أو مجموعة من المبادئ والمثل أو المُثل، كما أنها هي كلمة الإنسان، وكلمة العقل، بل والمبدأ الفاعل في الكون، ولكن بصورة غير واضحة لا تكاد تتضح معالمها، فهي تارة تبدوا كالكائن العاقل الذي أوجد الكون وتارة هي من الكون أو ضمن الكون، وأخرى تبدوا كمجرد مثال أو مبدأ عام!! أو مجموعة مُثل أو مبادئ!!

(1) اللوجوس عند هيراقليطس (Heraclitus): يعتبر الفيلسوف الإغريقي هيراقليطس (Heraclitus – 535 – 475 ق م)، من أهم الفلاسفة الإغريق القدامى قبل سقراط وأفلاطون وأرسطو لأنه سبقهم جميعا ولذا فهو الأكثر تأثيرا على تشكيل العقل الأوربي بما فيه هؤلاء الفلاسفة أنفسهم فهو الذي وضع أساس كل التأملات الفلسفية في الفيزياء (physics – علم الطبيعة) والميتافيزيقا (metaphysics – ما وراء الطبيعة). وكانت فكرته تقوم أساساً على أن الكون في حالة تغير ثابت وأنه يوجد هناك عقل وراء هذا التغير هو اللوجوس (Logos)(18).

ويرى أن اللوجوس يشكل كيان كل من الكون والإنسان فهو المبدأ الرابط الذي يشكل الكوبري والفهم بين (1) الإنسان والعالم وبين البشرية في ترتيبها السياسي، (2) وبين الإنسان والله، (3) وبين هذا العالم والعالم الذي فوق(19). ومن ثم فاللوجوس يشكل بالنسبة له أهمية كبرى.

ولكن ما هو اللوجوس بالنسبة تحديا له؟ وهل يمكن للكائنات البشرية أن تحدده أو تدركه؟ كما أنه يقول أن اللوجوس مكون من أزواج متناقضة في الكون؟ وكيف يشرح اللوجوس التغيير؟ وما الفرق عنده بين اللوجوس ككلمة الإنسان واللوجوس الكوني، العقل الذي يقف وراء الطبيعة والكون؟ وقد فرق دارسو فلسفة هيراقليطس بين الكلمة (اللوجوس) العامة، والكلمة التي يتكلم بها الإنسان من خلال فقرتين من الفقرات التي ذكرها هيراقليطس عن اللوجوس وهما:

1- بالرغم من أن هذه  الكلمة ” اللوجوس ” صادقة من الأزل، فان الناس لا يستطيعون فهمها، ليس ذلك قبل سماعها فحسب، بل بعد أن يسمعوها لأول مرة، حتى أننا نقول: انه بالرغم من أن كل الأشياء تحدث متطابقة مع هذه الكلمة ” اللوجوس ” فانه يبدو أن الناس ليس لديهم أية خبرة عنها، وذلك على الأقل أذا حكمنا عليهم في ضوء هذه الكلمات والأعمال التي سوف اقرها هنا. أن منهجي أن أميز كل شيء حسب طبيعته وأن أعين سلوكه، على العكس من ذلك، ينسى الآخرون ويهملون – في لحظات يقظتهم – ما يدور حولهم وما في داخلهم مثلما تكون حالتهم أثناء النوم(20).

2 – ينبغي أن نترك أنفسنا يقودها ما هو عام للمجتمع. وبالرغم من أن الكلمة ” اللوجوس ” عامة للجميع، فأن معظم الناس يعيشون وكان لكل منهم عقله الخاص. ولقد ثار نقاش عنيف حول تفسير ” الكلمة ” عند هيراقليطس، وأنقسم الباحثون في ذلك إلى رأيين:

1- رأي يرى أن هيراقليطس يشير أساسا إلى الكلام الذي كان ينطقه.

2- والرأي الثاني يرى أن الإشارة إلى شيء أخر كلي سام. ومن الملاحظ أن سكستس امبريقوس يفسر ” الكلمة ” على أنها تحمل معنى كونيا، إذ يكتب قائلا:  يؤكد هيراقليطس، أن الكلمة ” اللوجوس ” العامة الإلهية – التي بمشاركتنا فيها نصبح عقليين – أنما هي محك الحقيقة.

  وبالإضافة إلى ذلك، يميز هيراقليطس بطريقة قاطعة – في الفقرة 118، بين الكلمة ” اللوجوس ”  وبين كلامه هو، وذلك حين يقول:

  لا تستمعوا إليّ لكن إلى الكلمة ” اللوجوس “. والفقرة الثانية توضح أن الكلمة ” اللوجوس ” تحمل نوعا من الدلالة الكونية الكلية، وتأكيدا لهذا المعنى يورد الدكتور على سامي النشار، فقرة لرجل معاصر قريب من هيراقليطس هو ابتيشارمس: أن الكلمة ” اللوجوس ” تهدى الناس وتحفظهم على الطريق الصحيح. أن الإنسان له قدرته على الحساب، لكن هناك أيضاً ” الكلمة – اللوجوس ” الإلهية.

أن التفكير الإنساني ينبثق من الكلمة ” اللوجوس ” الإلهية التي تقدم لكل إنسان طريق الحياة والنمو، فالاحتمال الأقوى، هو أن هيراقليطس قد اعتبر الكلمة ” اللوجوس ” على أنها الحقيقة في صفاتها الموضوعية، وفوق الإنسانية وقد اعتبر نفسه مع ذلك أيضاً أنه مؤهل ومعد خاصة ليفصح عن طبيعة هذه الحقيقة. وفي أيام هيراقليطس كان الحكيم أو محب الحكمة هو ذلك الرجل الذي يجد نفسه مدعوا – بصوت حضور أعظم منه – أن ينطق بالحقيقة كما تتكشف له(21).

  ويقول القاموس الموسوعي للعهد الجديد: ” دمج هيراقليطس الذي كان معاصراً لبارمنيدس اللوجوس بفكر الفكر الخالص غير المشوش من المشاعر. وهكذا نقل عالم اللوجوس logos إلى الجانب الآخر للعالم الخادع للمظاهر، في عالم الوجود الصافي. ثلاثة أشياء تصبح واضحة للوهلة الأولى لمفهوم اللوجوس logos: الحجة المتناقضة، والثنائية، والهبوط بمفهوم اللوجوس logos إلى المجال الشخصي لنشاط التفكير والفكر نفسه(22).

(2) اللوجوس عند الرواقيين(23):

  استخدم الرواقيون اللوجوس بمفهوم معادل لمفهوم الله وأيضاً بمفهوم معادل لمفهوم العناية والقدر(24)، فهو من جهة (بحسب كريسيبوس) عقل زيوس”(25)، كما أنه عقل العالم. وهو مرتبط عندهم بالقضاء والقدر الذي يشرح لنا الدكتور عثمان أمين نظريته، القضاء والقدر عند الرواقيين، كالآتي: لما كان الله هو مبدع الوجود كله فالعقل الكلى هو قانون به ربطت الأشياء بعضها رباطا لا فكاك منه.

وهذا القانون الذي لا يمكن أن يجترح أبداً هو الذي يسمى بالقضاء والقدر. وهذا القضاء هو عبارة عن تسلسل العلل والأسباب تسلسلا يستلزم أن يكون كل حادث نتيجة لعلة، وكل علة مرتبطة بعلة أخرى وهكذا إلى غير نهاية. وهذا التسلسل يحكم الأشياء المستقبلة كما يحكم الأشياء الحاضرة والماضية. ولا شيء يحدث إلا وكان متضمنا من قبل في أصل الأشياء. فالقدر هو العقل الكلى من حيث هو علة عامة لجميع الموجودات، ومن حيث أنه يحدث التسلسل في العلل الخاصة الجزئية.

  وحسب المفهوم الديني الشعبي، فأن كلمة ” لوجوس ” تعادل ” زيوس، كما هو واضح من قصيدة كليانتس الشهيرة، حيث يقول كليانتس؛ أيا زيوس يا اجل الخالدين. ويا من يذكره الناس بشتى الأسماء والصفات يا مدبر الكون كله يا حاكم الأشياء جميعا وفق ناموسك وسنتك ويا من يخضع لك كل هذا العالم الذي يدور حول الأرض ويذعن بارادته لسلطانك.

 من دونك لا شيء يحدث في الأرض ولا في البحر ولا في السماء، سوى أفعال الأشرار وسببها جهلهم وقلة إدراكهم وأنت لا يغرب عن علمك شيء، تؤلف ما افترق، وتنظم ما تتاثر وترتب الخيرات على قدر الشرور، وتعطى كل شيء بحساب(26).

+ اللوجوس إذاً هو المبدأ الذي خلق العالم، أي هو الذي نظمه وأنشأه، وهو الذي خلقه، جعله كائنا حيا عاقلا، أنه القوة التي تسرى خلال المادة، التي تعمل باطنا في جميع الأشياء. أن العالم هو فيض عظيم (للوجوس)، فهو (أي اللوجوس) مادي، لأن كل شيء عند الرواقيين هو مادي: النار. النفس. الأثير.

+ على أن اللوجوس، من حيث القوة التي تنشئ وتشكل المادة، وتعطى النمو للنبات والحركة للحيوان، فهو ” لوجوس سبيرماتيكوس ” أي مبدأ بذرى، ويشرح الدكتور فؤاد زكريا، فكرة المبادئ البذرية (Logoi Spermatichoi) كالآتي:                             

+ اللوجوس هو الذي يعطى للإنسان قوة المعرفة، كذلك هو الذي يمنح للإنسان قوة العمل الأخلاقي.

+ وحيث أن جميع القوى تخرج من اللوجوس، فأنها تعود إليه.

+ العقل الخاص بالإنسان هو جزء من العقل العام.

+ وبحسب هذا العقل الإلهي والإنساني المشترك، يعيش الإنسان حسب الطبيعة. ويتحقق هذا عند الفيلسوف.

+ يتحدث الرواقيون عن ثنائية في اللوجوس، للتمييز بين العقل الباطني (endiathetos) والكلام الذي يعبر عنه ظاهريا (prophorikos).

+ يرى الرواقيون، أن موافقة الطبيعة عند الإنسان، هي عبارة عن الحياة وفاقا للعقل. والعقل هو الجزء الرئيسي فينا الذي يقوم ماهيتنا بما نحن أناس ويلزم عن ذلك أن الحياة وفاقا للعقل. لكن الإنسان حين يحيا وفاقا للعقل لا يكون موافقا لنفسه فحسب، بل يكون موافقا لمجموع الأشياء أي للكون بأسره، لأن العقل لا يختص بالإنسان وحده، بل هو أيضاً من خصائص الوجود الكلى أي من خصائص الكون. والعقل الإنساني ليس إلا جزءاً من العقل الكلي الشامل. فبالعقل نحيا على وئام مع أنفسنا، كما نحيا على وئام مع العالم أجمع(27). 

(3) اللوجوس عند السفسطائيين وسقراط وأفلاطون:

  وبعد هيراقليطس والرواقيون طور السفسطائيين مفهوم اللوجوس وصار عندهم القوة العقلية الموجودة في الإنسان، قوة الحديث والفكر، وقد لعب اللوجوس في الحياة السياسية دوراً حاسماً كقوة الإقناع والتوجيه(28). كما قال سقراط عن اللوجوس في حواراته أنه يوجد حديث عام مع كلماته ومفاهيمه. فاللوجوس بالنسبة له هو الحقيقة الأساسية في كل الحياة في المجتمع، وهذه كانت النقطة الحاسمة في سياسات سقراط وأفلاطون، كما لو أن هناك نوع من الانسجام السابق الوجود بين لوجوس الروح المفكرة ولوجوس الأشياء. لذا يجب على الإنسان أن يكون محروسا لئلا يصير عدو للكلمة كما يكون آخر عدو للإنسان. فالحق يأتي عندما يفسر اللوجوس الظواهر ولكن اللوجوس يجب أن يسبقهم(29).

(أ) السفسطائيين (منتصف القرن الخامس)؛ قالوا عن اللوجوس أنه انعكاس فلسفي موجه نحو الإنسانية ونحو العلاقة بين الفرد والمجتمع. فمن خلال اللوجوس logos، الكلام يكون الناس قادرين على لعب دور معقول في الحياة السياسية. في هذه الخطة، يواجه اللوجوس logos معنى الطريقة الفردية للحجة. وهي الشيء الوحيد المهم للدفاع عن قضيته الخاصة. وكل لوجوس logos يشتمل على مضاد للوجوس logos، في حالة جدل متعارض (الخير والشر والحق والباطل) مُترف به كالمبدأ الأساسي للحوار. وبذا يرى الناس قوة عظيمة في اللوجوس logos، إذ لديه قدرة تربوية بها يوبخ الأشرار ويمدح الأخيار(30).

(ب) أما سقراط (384-322 ق م)؛ فنظر للمناقشة والجدال كنشاط منتج للمجتمع مادام الناس يكافحون من أجل الحقيقة. وليس هدفهم الكلام من أجل الكلام، لكن عن طريق التفكير من خلال الحوار لاكتشاف لوجوس logos الأشياء(31).

(ج) أفلاطون (حوالي424-384 ق م)؛ الذي تعلق فكره أولاً بمفهوم المثال والصورة، لم يضف جديداً حاسماً لموضوع اللوجوس logos. حتى مع أرسطو الذي لم يحرث له أرض جديدة، فالبشر وحدهم من يملكون اللوجوس logos، لأن أفعالهم محددة بالكلمة، وهم القادرون على الخطاب والفكر(32).

(17) هذا الجزء رجعنا فيه، بصفة رئيسية، للمراجع التالية:

Vencent,s Word Studies Of The New Testament. Vol.ii. pp.24-30.

Gerhard Kittel Theological Dictionary Of The New Testament. Vol. iv. Pp77-87.

http://en.wikipedia.org/wiki/Logos

Jewish Encyclopedia.

Rev. J. S. Johanston, The Philosophy Of The Fourth Gospel.

Jacob Bryant. Sentiments Of Philo Judeus.

د. موريس تاوضروس، اللوجوس ص 60-67.

(18) http://www.wsu.edu/~dee/GREECE/HERAC.HTM

(19) Gerhard Kittel Theological Dictionary Of The New Testament. Vol. iv. Pp77-87.

(20) د . موريس تاوضروس، اللوغوس مفهوم (الكلمة) في العهد الجديد.

(21) المرجع السابق ص 62.

(22) فيرلين د. فيربروج القاموس الموسوعي للعهد الجديد ص 400.

(23) الفلسفة الرواقية أسسها زينو القبرصي (Zeno of Citium) حوالي سنة 300 ق م.

(24) CF. Zeno in Diog.L. VII, 68.

(25) زيوس في الأساطير اليونانية هو كبير الآلهة وحاكم جبل الأوليمب وإله السماء والرعد.

(26) دكتور عثمان أمين. ص 158 – 186.

(27) د. موريس تاوضروس ص 67 و د. عثمان أمين ص 204.

(28) Kittel. Vol.iv.p,82.

(29) Ibid. p,83.

(31) فيرلين د. فيربروج القاموس الموسوعي للعهد الجديد ص 400.

(32) المرجع السابق ص 400.

(33) السابق.

الكلمة اللوجوس (Λόγος ὁ – Logos) عند فلاسفة اليونان – القمص عبد المسيح بسيط

Exit mobile version