الوحي الذاتي للإله في التاريخ البشري – حوار من الأسقف إن. تي. رايت

الوحي الذاتي للإله في التاريخ البشري – حوار من الأسقف إن. تي. رايت

الوحي الذاتي للإله في التاريخ البشري – حوار من الأسقف إن. تي. رايت

الوحي الذاتي للإله في التاريخ البشري – حوار من الأسقف إن. تي. رايت

THE SELF-REVELATION OF GOD

IN HUMAN HISTORY

نقاش حول المسيح مع رايت

أنتوني فلو: أسئلة عن الوحي الإلهي

حتى الآن ناقشت المعلومات التي قادتني للقبول بوجود العقل الإلهي. أولئك الذين يسمعون هذه الحجج حتما سيتسألون عن رأيي بخصوص ادعاءات الوحي الإلهي. في كل كتبي ضد الألوهية ومناظراتي المتعددة وقفت موقفا مؤيدة لادعاءات الوحي الإلهي أو التدخل الإلهي. موقفي الحالي هو أكثر انفتاحا تجاه هذه الادعاءات. في الواقع، أنا أعتقد أن الدين المسيحي يستحق بكل وضوح الاحترام والتقدير بغض النظر عما إذا كان موقفه من الوحي الإلهي صحيحاً.

ليس هناك أي دين يمتلك مزيجاً من شخصية لها جاذبية مثل جاذبية السيد المسيح ومفكر من الطراز الأول مثل القديس بولس Paul St-. تقريباً، كل الحجج المتعلقة بالمحتوى الديني تمت صياغتها من قبل القديس بولس، الذي كان يمتلك عقلاً فلسفياً ذكياً، وكان بمقدوره التحدث والكتابة بكل اللغات ذات العلاقة بالمحتوى الديني. إذا كنت تريد من الإله المقتدر أن يصنع لك دينا، فإن الدين المسيحي هو ذلك الدين.

ناقشت في الطبعات الأولى من كتاب «الإله والفلسفة» الادعاءات المسيحية إلى حد ما، وذهبت إلى أن التقدم الهائل الذي أحرز في الدراسات النقدية للعهد الجديد وغيرها من المصادر لتاريخ نشأة المسيحية لا يدع لأولئك الذين يقدمون ادعاءات واسعة وكبيرة مجالا للاختباء. ثانياً، أنه لا يمكن معرفة المعجزات من خلال دليل تاريخي، وهذا يخل بمصداقية الادعاء بأن قيامة المسيح يمكن معرفتها باعتبارها حقيقة تاريخية.

في مناظراتي المختلفة عن عودة المسيح، قدمت نقاطاً إضافية. النقطة الأولى، هي أن الوثائق التي تؤرخ للحدث المُدعى كتبت قبل ثلاثين أو أربعين سنة بعد ذلك الحدث. ليس هناك دلائل معاصرة، وإنما مجرد وثائق كتبت بعد وقوع الحدث. النقطة الثانية، هي أننا لا نملك وسيلة للتحقق من أن المسيح العائد هو نفسه الذي ظهر للمجموعات التي ادعت رؤيته، لأن ما عندنا من وثائق يقول فقط أن هذا الحدث غير الاعتيادي قد وقع بالفعل. والنقطة الأخيرة هي إن الدلائل على عودة المسيح محدودة جداً. في الواقع أن وثائق العهد الجديد New Testament عن عودة المسيح كانت رسائل القديس بولس، ولم تكن نصوصا إنجيلية Gospels، وفي هذه الوثائق هناك القليل جدا من التفاصيل الحسية على عودة المسيح.

اليوم أقول بأن التحدي المتعلق بفكرة عودة المسيح أكثر تأثيراً من أي تحدي ديني أخر. لا أزال أعتقد بأنه عندما ينظر علماء التاريخ بطريقة احترافية إلى دلائل عودة المسيح فإنهم يحتاجون إلى أكثر بكثير مما هو متوفر، فهم يحتاجون إلى دلائل من أنواع مختلفة. أعتقد أن الادعاء بأن الإله تجسد في المسيح هو ادعاء فريد من نوعه، ولا أعرف كيف يمكن الحكم على ذلك سوى بالإيمان أو عدم الإيمان بصحته. لا أرى أية مبادئ عامة يمكن أن ترشدنا إلى ذلك. في سياق منظوري الفكري الجديد، شاركت في نقاش عن المسيح مع الفقيه التاريخي المعروف الأسقف رایت Bishop N. T. Wright أسقف دورهام، والباحث في العهد الجديد، وفيما يلي ردوده على بعض المواضيع التي طرحتها في كتاباتي.

رد نيكولاس توماس رايت

  1. T. Wrights Response

لا أعرف من أين أبدأ، فالدلائل على وجود المسيح كثيرة جدا، بحيث أنني كعالم تاريخ أجد أن لدينا دلائل كثيرة على المسيح أكثر من أي شخص في العالم القديم. من الواضح أن هناك بعض شخصيات من العالم القديم لدينا لها تماثيل ونقوش. من ناحية أخرى، لدينا أيضا تماثيل للآلهة والإلهات في العالم القديم جداً، ومع ذلك لا يمكنك أن تكون متأكداً من وجود هذه الشخصيات. ولكن فيما يخص المسيح فإن كل الدلائل تشير بشكل قاطع إلى وجود هذه الشخصية العظيمة في العشرينات إلى الثلاثينات من القرن الأول، والأدلة تتسق مع ما نعرفه عن اليهودية في تلك الحقبة (على الرغم من أن الكثير منه كتب لاحقا) بحيث أنه من الصعب على أي باحث تاريخي -لا أعلم أي باحث تاريخي-أن يشك في وجود المسيح. ربما يكون هناك شخص أو شخصين. هناك رجل أسمه ويلس Wells هو الوحيد الذي شكك في ذلك حديثاً. من وقت لآخر تجد شخص مثل اليغرو J. M. Allegro الذي كتب قبل جيل من الآن كتاباً استناداً إلى مخطوطات البحر الميت، واستنتج أن المسيحية ليست سوى عبادة الفطير المقدس[1].

لا يوجد عالم يهودي أو مسيحي أو لا أدري Agnostic على الإطلاق أخذ هذا الكلام على محمل الجد. من الواضع جداً أن المسيح شخصية موثقة جداً في التاريخ الحقيقي، ولذلك لا بد لهذا السؤال أن ينحى جانباً.

ما هي الأسس للادعاء من خلال النصوص بأن الإله تجسد في المسيح؟

إيماني بالمسيح كابن الإله المتجسد لا يستند إلى النصوص الواردة في الإنجيل التي تزعم ذلك، بل إن إيماني بذلك أعمق من ذلك بكثير، بل يعود إلى سؤال مهم جدا حول كيف فهم يهود القرن الأول وجود الإله، وفعل الإله في العالم، وحتما أن ذلك يعود إلى المزامير[2]، وإلى إشعيا[3]، وإلى سفر التثنية[4] وسفر التكوين[5] وهلم جرا. ونستطيع أن نرى كيف أن التراث اليهودي من أيام المسيح فسر هذه النصوص. لقد تكلموا عن الإله الذي صنع الكون، وهو أيضا إله إسرائيل[6] ويتكلمون عن هذا الإله على أنه مؤثر في العالم، وموجود ويفعل أمور في العالم وداخل إسرائيل، ويتحدثون عن ذلك بخمسة طرق (لا علاقة لذلك بطرق توما الأكويني الخمسة[7]).

يتحدثون عن كلمة الإله: لقد تكلم وكفى، لقد قال الإله «ليكن نور» فأصبح هناك نور. كلمة الإله حية وفاعلة، وفي سفر إشعيا لدينا صورة قوية جدا عن كلمة تنزل من الأعلى كالمطر أو كالثلوج وتفعل أشياء في هذا العالم. يتحدثون عن حكمة الإله، ونحن نرى ذلك في الأمثال بشكل خاص، وفي عدة روايات في الإنجيل كذلك. الحكمة تصبح نوعا من التجسيد لذات الإله الثانية. حكمة الإله فاعلة في العالم، وتتواجد في إسرائيل، وهي تقوم بأعمال تساعد الناس أنفسهم حتى يعرفوا كيف يصبحوا حكماء.

يتحدثون عن مجد الإله الحاضر في المعبد. علينا أن لا ننسى بأن المعبد بالنسبة لليهود في القرن الأول، كان رمزا للتجسيد وهم يؤمنون بأن خالق الكون وعد بالعودة، وأن يكون مسكنه في المعبد بالقرب من الطريق إلى القدس. قبل أن تذهب بالفعل إلى القدس وتفكر في هذا الأمر فإنك لن تدرك ذلك، وهو أمر غير عادي على الإطلاق. ويتحدثون عن قانون الإله الكامل الذي ينعش الروح (كما في المزمور ۱۹). القانون مثل الحكمة، ليس مجرد قانون مكتوب. إنه قوة وجودية موجودة وحاضرة عندما أراد الإله أن يظهر ذاته. ثم، أخيراً يتحدثون عن روح الإله، الروح التي تسرع إلى شمشون[8] في سفر القضاة[9].

روح الإله التي تمكن الأنبياء أن يصبحوا أنبياء. روح الإله التي تسكن البشر حتى يتمكنوا من القيام الاستثنائي بتمجيد الإله.

هذه الطرق الخمسة عن فعل الإله في العالم هي الطرق التي كان اليهود في القرن الأول يعبرون فيها عن إيمانهم بالواحد الذي يعرفونه على أنه هو الإله الأبدي خالق العالم حيث كان موجوداً وفاعلاً في العالم، وبشكل خاص داخل أرض إسرائيل. ونستطيع أن نرى ذلك ليس في العهد القديم فحسب، وإنما نستطيع رؤيته في الأثار التي خلفها العهد القديم في يهودية القرن الأول وفي كتابات الحاخامات[10]، وفي مخطوطات البحر الميت[11]، وفي نصوص أخرى.

الآن، عندما نأتي إلى هذه الطرق الخمسة في الأناجيل نكتشف أن يسوع لا يتحدث فقط بل يتصرف، ولكن يتصرف كما لو أن هذه الطرق الخمسة تصبح حقيقة بطريقة جديدة من خلال ما يقوم به. ونرى ذلك بشكل خاص في مثال الزارع. الزارع يزرع الكلمة والكلمة تقوم بعملها، ولكن من الذي يقوم بعملية التعليم، إنه يسوع ذاته.

يتحدث يسوع كذلك بطرق مختلفة حول الحكمة: حكمة الإله حيث يقول: «أنا أفعل هذا، وأنا أفعل ذلك». ويمكنك تتبع تقاليد وحكم العهد القديم، ليس فقط في الأقوال الفردية ليسوع، ولكن في الطريقة التي يمارس فيه ما كان يقوم به، ونقاشاته مع الرجل الحكيم الذي بنى بيته على الحجارة والرجل الجاهل الذي بني بيته على الرمال، وهي نموذج لتعليم الحكمة. الرجل الحكيم هو الشخص الذي يسمع هذه الكلمات من الألغام (الحكم الرمزية) ثم يفعلها. وهكذا فإن الحكمة ويسوع متلازمان معا بشكل وثيق جداً.

ومن ثم، هناك المعبد حيث يتصرف يسوع كما لو كان هو المعبد شخصياً. عندما يقول يسوع إن «خطاياك مغفورة» فهي صدمة حقيقية، غفران الخطايا يعلن عادة عندما تذهب إلى المعبد وتستغفر، ولكن يسوع يقول لك أنك تستطيع أن تستغفر في الشارع، عندما تكون مع يسوع وهو يحدق في مجد الإله.

عندما نعود إلى الشريعة اليهودية، نكتشف شيئا رائعا. أحد العلماء اليهود الكبار في يومنا هذا، يعقوب نوسنر Jacob Neusner، وهو الذي كتب العديد من الكتب الرئيسية في اليهودية، كتب كتابا عن يسوع. في ذلك الكتاب، يقول نوستر إنه عندما يقرأ أن يسوع قال أشياء مثل «لقد سمعت أنه قيل كذا وكذا، ولكن أقول الكم: هذا وهذا وهذا»، أريد أن أقول ليسوع هذا: من تعتقد نفسك؟ الإله؟

لقد قدم يسوع قانون جديد، وقدم تفسيراً جذرياً جديداً للقانون، ويدعي بمعنى ما بأنه تجاوز الطريقة التي كان يفهم أو يفسر بها القانون. وأخيرة هناك الروح، يقول يسوع «إذا كنت أنا روح الإله أتخلص من الشياطين فإن مملكة الإله نزلت علي». فما نراه ليس كثيراً، فيسوع يدور بين الناس قائلاً: «أنا هو الشخص الثاني من الثالوث. إما أن تؤمنوا بذلك أو لا». وهذه في الحقيقة ليست وسيلة لقراءة الإنجيل. بدلا من ذلك، يجب أن تقرأ كما قرأها المؤرخون في القرن الأول، بحيث يمكننا أن نرى يسوع يتصرف بحيث نقول جميعا: الطريقة الرائعة التي يتعامل بها الإله مع البشر قد حدثت بالفعل.

إنها ليست من خلال كلمة أو حكمة أو غيرها، إنها من، وفي، ومن خلال شخص. الشيء الذي يجمع كل ذلك معاً (كتبت هذا في الفصل قبل الأخير من كتابي يسوع ونصر الإله Jesus and the victory of God) هو أن الكثير من اليهود في أيام يسوع كانوا يعتقدون أنه في يوم ما سوف يعود إله إسرائيل Yahweh في شخص للعيش داخل الهيكل. تجد ذلك في سفر حزقيال، وسفر إشعيا، وسفر زكريا[12]، والعديد من النصوص اللاحقة. ولذلك هم يعيشون على أمل أنه في يوم من الأيام سوف يعود الإله، لأنه إذا عاد سوف يعيد بناء الهيكل، ولكن ليس بالطريقة التي فعل بها هيردوس[13] Herod ذلك. هناك سلسلة من التوقعات تتعلق بعودة الإله. كما نجد في الأناجيل صورة استثنائية عن يسوع عند قيامه بالرحلة الأخيرة إلى القدس وهو يحكي قصص الملك الذي عاد.

لقد وجدت كما وجد الأخرون بأن يسوع عندما كان يحكي قصص الملك الذي عاد إلى شعبه، أو السيد الذي عاد إلى خدمه، لم يكن يتحدث عن العودة الثانية في المستقبل. لم يكن التلاميذ مهيئين لذلك، كما إنهم لم يكونوا يعلمون بأنه ذاهب ليصلب. كان يسوع يتحدث عن أهمية رحلته إلى القدس، وهو كان يدعو من لهم آذان إلى أن يسمعوا وأن يأخذوا صورة الإله Yahweh في العهد القديم إلى صهيون Zion ويضعوها في عقولهم وهم يرون النبي الصغير وهو يسافر إلى القدس راكبا حمار. أعتقد أن يسوع راهن على حياته، على أساس الاعتقاد بأنه دعي لتجسيد عودة الرب إلى صهيون[14].

كلمة تجسد Embody كلمة إنجليزية، أما المقابل اللاتيني لها فهو Incarnation ولكنني أفضل كلمة Embody على الأقل في الأماكن التي أقوم فيها بالوعظ حيث يمكن للناس استيعابها أكثر من اللفظ اللاتيني، ولكنها تؤدي نفس المعنى.

أنا لا أظن أن يسوع يعتقد أنه طلب منه أن يتصرف على أساس هذا الافتراض. وأعتقد أن هذا كان مخيفاً بشكل كبير ليسوع. أعتقد أنه كان يعلم أنه قد يكون في الواقع مخطئ. ولكن في نهاية الأمر هناك أناس يصدقون بأن شيء ما يمكن أن يتحول، مثل الرجل الذي يعتقد بأنه إبريق من الشاي. أعتقد أن يسوع كان يعلم أن هذه دعوته، وأنه يجب أن يتعامل على هذا الأساس، وأن عليه أن يعيش ويعمل على أساس أن يجسد عودة الرب إلى شعبه.

لهذا السبب أود أن أقول إن يسوع، بعد موته وقيامته (وهذه قصة مختلفة تماماً. سنأتي إليها قريبا) تم التعرف عليه بسرعة كبيرة جداً من قبل أتباعه على أنه المجسد لإله إسرائيل. واجهوا قيامته، ولكن بعد أن عادوا إلى عقولهم، إلى كل ما شاهدوه وسمعوه وما عرفوه عن يسوع، صفعوا وجوههم «هل كنتم تعرفون مع من كنتم كل هذا الوقت؟ لقد كنا مع شخص تجسد فيه إله إسرائيل، ثم راحوا يحكون القصص مراراً، بشيء من الرهبة والهلع والإدراك المتأخر، متفكرين في كل ما حدث طوال الوقت الفائت.

هذه فكرة استثنائية جبارة، ومع ذلك فإن هذه الفكرة تعطي معناً عميقاً ومتجذراً تاريخياً لطريقة رؤية يسوع لنفسه. والآن بالتأكيد يمكن لأي شخص أن يقول لي: قد تكون على حق، وقد يكون يسوع بالفعل نظر إلى نفسه على هذا النحو، وقد يكون تلاميذه وصلوا للتفكير بذلك أيضاً، ولكن بالتأكيد أن يسوع كان مخطئ، إما لأننا نعلم مسبقا بأنه إذا كان هناك إله فإنه لا يمكن أن يكون إنساناً، وإما لأننا نعلم بشكل مسبق بأن أي شخص يتكلم عن نفسه بهذه الطريقة يجب أن يكون مجنوناً أو مختلاً عقلياً أو مخدوعاً.

لهؤلاء أريد أن أقول حسناً، أتركوا هذه المسلمات جانباً في الوقت الحالي، وحاولوا أن تستحضروا صورة يهود القرن الأول وهو يعتقدون بذلك ويتصرفون على هذا الأساس، وبعد ذلك اطرحوا السؤال عن قيامة المسيح، وبعدها اطرحوا جميع أسئلتكم عما نعنيه بكلمة «إله»، لأن المسيحيين الأوائل قالوا بأن كلمة «الإله» لازالت غامضة وأنها تصبح واضحة فقط عندما ننظر إلى يسوع. يقول القديس يوحنا الإنجيلي [15]«لم ير أحد الإله في أي وقت، ولكن الابن الوحيد الذي يعيش في حضن الأب جعل منه معروفاً». وفقا للغة اليونانية، فإن المعنى الحرفي لهذا الكلام هو «قدم لنا تفسيرا لما هو الإله، وأرانا من هو الإله على وجه الحقيقة». إنه جواب طويل لسؤال جوهري، ولكنني لا أستطيع اختصاره أكثر من ذلك. معظم الناس حسب خبرتنا يفكرون في الإله والمسيح بهذه الطريقة، ولكن هذه الطريقة التي أفكر بها أنا وهي الطريقة التي فكر بها المسيح والمسيحيون الأوائل، وكذلك الذين كتبوا الأناجيل، ونحن نقوم بعمل جيد في أن نجعل عقولنا تلتف حول هذا الفهم.

ما هي الدلائل على قيامة يسوع؟

دعوني أختصر قدر الإمكان. لقد قرأ والدي كتابي المطول «قيامة أبن الإله» The Resurrection of the Son of God عندما كان في الثالثة والثمانين من عمره. استغرقت منه قراءة الكتاب المكون من ۷۰۰ صفحة ثلاثة أيام فحسب. لقد ركز على قراءة الكتاب بشكل كامل خلال هذه الأيام، وبعدها أتصل بي تلفونيا وقال لي: لقد انتهيت من قراءة الكتاب، فتعجبت من ذلك، فقال «نعم لقد قرأته وقد بدأت أستمتع بقراءته بعد الصفحة رقم 600». اعتقدت أن كلامه نوع من المجاملة الفاترة. لقد كان والدي يعمل في صناعة الأخشاب. قلت لوالدي «هل تعلم يا أبي أن الصفحات الخمسمائة هي جذع النظام Root system، وإن الشجرة إذا لم يكن لها جذع رئيسي فإنها لن تكون قادرة على الانتصاب ولن تعطي أية ثمرة. رد والدي قائلا «لقد أدركت ذلك ولكنني أفضل دائما الفروع العليا من الشجرة». .

أعود للحديث عن جذع النظام Root system قليلاً. من الأمور التي استمتعت بها عند تأليف الكتاب هو العودة إلى الأسس التقليدية والبحث عن معتقدات الحياة بعد الموت لدى الشعوب. يعتقد اليونانيون والرومان والمصريون بالحياة بعد الموت، وهناك تنوع كبير في المعتقدات بهذا الشأن، ولكن فكرة القيامة ليست موجودة في العالم اليوناني الروماني.

في الواقع، يقول بليني Pliny، وإسخيلوس Aeschylus، وهوميروس Homer وشيشرون Cicero، وجميع أطياف الكتاب الأوائل بأننا «نعرف بالتأكيد أن القيامة لم تحدث». وفي الوقت نفسه طور اليهود اعتقاداً لاهوتياً محدداً عن القيامة (المقصود قيامة المسيح)، وهو «أن شعب الإله سوف يعود جسديا إلى الحياة بعد الموت في النهاية». عامل الوقت مهم، لأن معظم المسيحيين في العالم الغربي يستخدمون كلمة «القيامة» Resurrection بشكل غامض على أنها تعني «الحياة بعد الموت»، وهو ما لم يحدث أبدأ في العالم القديم. لقد كان المصطلح يستخدم بشكل دقيق جدا، وهو ما أسميه الحياة بعد الحياة بعد الموت. وبعبارة أخرى، فأنت أولاً تموت وتصبح ميتاً وجسدك غير حي، وبعد ذلك تبعث بمعنى أنك تعيش حياة جسدية، وهي حياة جديدة بعد «الحياة بعد الموت».

نستطيع تتبع الطريقة التي يتكلم بها عن معتقد «القيامة» في الديانة اليهودية. القيامة هي سلسلة من مرحلتين: بعد وفاتك مباشرة تدخل في مرحلة انتظار[16]. وبعد ذلك تنتقل إلى مرحلة حياة جديدة تماما تسمى «القيامة». في الكتاب الذي استمتعت بكتابته، رسمت خريطة عن المعتقدات اليهودية في موضوع الحياة بعد الموت على ضوء خريطة أكبر من المعتقدات القديمة لموضوع الحياة بعد الموت، وهناك ضمن الديانة اليهودية تباينات بهذا الخصوص.

آمن الفريسيون[17] Pharisees بالقيامة، ويبدو أن هذا كان هو الاعتقاد الشائع في فلسطين اليهودية أيام يسوع. أما الصدوقيين[18] Sadducees فلم يعتقدوا بالحياة بعد الموت على الإطلاق، وقد أعتقد أشخاص مثل فيلو Philo وربما إسنس Essenes بوجود حياة جسدية خالدة واحدة، بحيث أنك بعد الموت تذهب إلى حيث تذهب وتبقى هناك، بدلا من أن تمر بتجربة «القيامة» أكثر من مرة[19].

أكثر ما يثير الاهتمام أنه في كل المجتمعات التي خضعت للدراسة في هذا الصدد، تجد الناس محافظين جدا في معتقدات الحياة بعد الموت. وفي مواجهة الموت، يميل الناس إلى المعتقدات والممارسات التي يعرفونها والتي أخذوها عن عوائلهم ومن عاداتهم ومن قراهم، وهكذا تتم طقوس الدفن. ولذا فإنه من اللافت للنظر حقاً أن المسيحيين الأوائل المعروفين لدينا في الفترة حتى نهاية القرن الثاني عندما بدأ الغنوصيين[20] Gnostics باستخدام كلمة القيامة بمعنى مختلف تماماً فإن كل المسيحيين الأوائل المعروفين لدينا خلال الأجيال الأربعة أو الخمسة الأولى يعتقدون بالحياة الجسدية بعد الموت، رغم أن أغلب ما جاء في هذه القصص جاء من أيام العالم الوثني حيث كانت فكرة القيامة تعتبر هراءاً مطلقاً.

هناك أسطورة حديثة هذه الأيام تقول إننا نحن فقط ممن يمتلك علماً معاصراً لفترة ما بعد التنوير[21] أكتشف أن الأموات لا يبعثون. هؤلاء الناس يؤمنون بالمعاجز الخيالية، ولكنهم بالتأكيد مخطئون، وهناك نص جميل للويس C. S. Lewis متعلق بهذا الموضوع.

هذا النص يتكلم عن حمل العذراء بالمسيح، وكيف أن جوزيف[22] Joseph لم يكن قلقا بشأن حمل العذراء، ليس لأنه لم يكن يعلم مصدر هذا الحمل، وإنما كان قلقا لأنه كان يعلم بذلك. وكذلك الحال مع قيامة المسيح، فالناس في العالم القديم كانوا يشعرون بالاضطراب من الادعاء المسيحي، لأنهم كانوا يعتقدون أن من يموت يظل ميتاً إلى الأبد.

وكخلاصة، نستطيع تتبع صيغ مختلفة من الديانة اليهودية في فترة المسيحية الأولى فيما يخص القيامة.

 أولاً: أنه بدلاً من قيامة تحصل لجميع البشر في النهاية، فإن المسيحيين الأوائل كانوا يعتقدون أن القيامة تختص في البداية برجل واحد فقط. وحسب علمي لا يوجد يهودي في القرن الأول يعتقد بأن القيامة مختصة برجل واحد يبعث قبل كل البشر، ورغم أن هذا تطور جديد، إلا أن الجميع يعتقدون بالبعث.

ثانياً: أنهم يعتقدون أن القيامة تنطوي على تحول لجسد مادي. يبدو أن اليهود الذين يعتقدون بالقيامة قد ذهبوا في اتجاهين، فالبعض قال إن القيامة (البعث) هي خلق جسد جديد مشابه تماماً لما نحن عليه، في حين ذهب البعض الأخر إلى أنه سوف يكون هناك بدن نوراني، يضئ مثل النجم. تكلم هؤلاء عن نوع جديد من المادية Physicality، نوع جديد من التجسيد Embodiedness -هذا الاعتقاد موجود في كتابات بولس-فهو جسد لكونه جماد وله حجم، ولكنه تحول بحيث لم يعد يحس بالألم أو المعاناة أو الموت، وهذا أمر جديد غير موجود في اليهودية.

 ثالثاً: يعتقدون بأن المسيح نفسه بعث من جسد ميت، وهو ما لا يعتقد به يهود المعبد الثاني Second Temple، لأن أتباع المعبد الثاني يعتقدون أن المسيح ما كان ليقتل أبدأ، وهذا أمر جديد أيضاً.

 رابعاً: هم يستخدمون فكرة القيامة بطريقة جديدة تماماً. تم استخدام هذه الفكرة في اليهودية في استعارة Metaphor «العودة من السجن» كما نجدها في سفر حزقيال Ezekiel، ولكن في بدايات المسيحية تم استخدام هذه الفكرة وربطها بالتعميد[23] Baptism والقداسة Holiness ومفاهيم أخرى من العقيدة المسيحية التي لم تكن في البال في اليهودية، ولم يكن معروفة كيفية استخدامها لمفهوم القيامة، وهو يمثل طفرة في وجهة النظر اليهودية.

خامساً: أن المسيحيين الأوائل يعتبرون أن إله البشر قدم القيامة كنوع من الهدية، والمسيحيون مدعوون للعمل مع الإله في عيد الفصح[24] Easter التوقع ما سيفعله إله العالم الجديد[25]. هذه الفكرة جديدة للغاية، ولكنها تمثل تطوراً في إطار الديانة اليهودية فقط.

سادساً: أن عقيدة القيامة تحولت من عقيدة مهمة من ضمن عقائد عديدة مهمة -كما هو الحال في اليهودية -إلى أن تصبح مركز كل شيء، وإذا ما اقتطعنا هذا الاعتقاد من معتقدات أباء القرن الثاني فإن البناء الفكري لهم يتعرض للتدمير. لابد أن نصل إلى نتيجة مفادها أن شيئا ما حدث جعل من الاعتقاد بالقيامة ينتقل من الإطار الخارجي إلى المركز.

 سابعاً وأخيراً: لا نجد في بواكير المسيحية توجهاً في الاعتقاد لما يحصل بعد الموت. أما في اليهودية، فهناك وجهات نظر عدة، وهناك أيضاً عدد كبير من وجهات النظر بهذا الخصوص في العالم الوثني، ولكن في بواكير المسيحية لا نجد سوى القيامة في ذاتها. تثير معتقدات معظم الناس المحافظين في موضوع الحياة بعد الموت الدهشة، ولذلك يبدو أن المسيحيين الأوائل كان لديهم سببا منطقيا في إعادة التفكير في هذا الاعتقاد الهام والشخصي جدا. وعندما ننظر إلى الطيف الفكري لبواكير المسيحية نجد أن المسيحيين الأوائل يختلفون حول أمور كثيرة، ولكنهم يجمعون بصورة تثير الدهشة ليس في اعتقادهم بالقيامة فحسب، بل في كيفية حصولها وكيف ستتم، وكل ذلك شرحته في كتابي بالتفصيل.

كل هذا يفرض علينا كمؤرخين أن نسأل سؤالاً بسيطاً جداً: كيف أعتقد المسيحيون الأوائل منذ أقدم الأزمان بالإجماع بفكرة القيامة (البعث). هذا السؤال التاريخي مثير للاهتمام بحد ذاته. بالتأكيد، سوف يرد المسيحيون الأوائل بالقول لقد كان لدينا هذا الاعتقاد لأننا نؤمن بيسوع». إذا كانت فكرة أن يسوع بعث من جسد ميت ظهرت بعد عشرين أو ثلاثين سنة من بداية المسيحية كما يقول بعض الباحثين المشككين فإنك سوف تعثر على الكثير من الشواهد التي تبين أنه لم يكن هناك مكان لفكرة القيامة في بواكير المسيحية. لذلك فإن اتساع نطاق وإجماع المسيحيين الأوائل على الاعتقاد بالبعث يجبرنا على القول بأن شيئا ما حدث قبل ذلك بوقت طويل مما شكل وصبغ التحرك المسيحي ككل.

عند هذه النقطة لابد من القول «حسناً وماذا عن القصص الإنجيلية؟ ماذا عن الرواية الثامنة والعشرون في إنجيل متى[26] Matthew، وماذا عن الرواية السادسة عشر في إنجيل مرقس[27] Mark؟ وماذا عن القصة الأطول منها في الرواية الرابعة والعشرون من إنجيل لوقا[28] Luke؟ وماذا عن الروايتين الأطول الواحدة والعشرون والثانية والعشرون في إنجيل يوحنا[29] John؟ وبطبيعة الحال، ومثل باقي علماء الإنجيل أعتقد أن هذه الفقرات كتبت بعد فترة طويلة من موت المسيح. وأنا في الحقيقة لا أعرف متى كتبت الأناجيل، ولا أحد يعرف متى كتبت، بالرغم من أن العلماء يقولون لنا إنهم يعرفون.

ربما تكون هذه الأناجيل كتبت في الخمسينات أو الستينات من القرن الأول، وبعضهم يقول إنها كتبت قبل ذلك، كما يمكن أن تكون قد كتبت في الثمانينات أو التسعينات، ولكن فيما يخص حجتي، فهذا الأمر لا يعني شيئا على الإطلاق. النقطة هي أن القصص الإنجيلية المتعلقة بالبعث لها صفات خاصة ومشتركة بين الأناجيل الأربعة، والذي يتبين تاريخيا أنه رغم أنها كتبت في مرحلة متأخرة فإنه يتضح أنها لم تتعرض للتحريف إلى درجة كبيرة، لقد تم تحريرها قليلاً، ولكنها لم تتعرض للتحريف، وهذا مهم جداً.

الخاصية الأولى، هي صورة يسوع في روايات البعث. لقد قيل مراراً وتكراراً بأن:

1) إنجيل مرقس كتب أولاً، وأنه بالكاد كان فيه إشارة إلى البعث.

۲) إنجيل متى الذي جاء بعد إنجيل مرقس، لم يحتوي كذلك على الكثير مما خص البعث.

۳) مع نهاية القرن، ظهر كل من إنجيل لوقا وإنجيل يوحنا، وعند ذلك فقط وجدنا قصص أكل يسوع للسمك المشوي وطبخه للفطور على الشاطئ وطلبه من توما Thomas أن يمسه وأمثال ذلك. ووفقا لهذه النظرية فإن المسيحيين في نهاية القرن الأول بدأوا يعتقدون بأن يسوع في الحقيقة ليس إنساناً، أي إنه ليس رجلاً حقيقياً، ولذلك قام لوقا ويوحنا بتأليف القصص في هذه المرحلة للقول بأن يسوع كان إنساناً، وأن يسوع الذي رفع كان له كيان بدني وما إلى ذلك.

المشكلة في هذه الروايات أنها كانت شعبية. وجهة النظر الأخرى تقول، أنه إذا كنت يهودياً في القرن الأول وأردت أن تحيك قصة عن المسيح الذي بعث من جسد ميت فإن المصدر الإنجيلي الطبيعي سيكون الرواية الثانية عشرة من إنجيل دانيال[30] التي تعد واحدة من أكبر النصوص التي تتحدث عن البعث بالنسبة ليهودية المعبد الثاني. تقول الرواية الثانية عشرة بأن الصالحين سوف يلمعون مثل النجوم في مملكة الأب. في الواقع، إن يسوع أستشهد بهذه العبارة في الفقرة الأولى من الرواية الثالثة عشر من إنجيل مرقس. مما يزيد الأمر روعة أن يسوع لم يكن ليظهر كنجم يلمع في أي من روايات البعث لو كانوا قد حبكوا هذه القصص.

من خلال وجهتي النظر هاتين، تبدو صورة يسوع غريبة جداً، فهي صورة ليست كما نتوقع، وهي صورة مخالفة لما هو موجود في الروايات اليهودية في ذلك الوقت، وهي متسقة مع ما ورد في أناجيل متى ولوقا ويوحنا، ولذلك يبدو أن شيئاً غريباً ما قد حدث.

كأن الإنجيليين Evangelists كانوا يريدون أن يقولوا لنا «نعلم أنكم ستجدون صعوبة في التصديق، ولكن هذا ما حدث». لا يمكن للناس أن يصدقوا مثل هذه الأمور. أي شخص يكتب قصص خيالية عن عيد الفصح كان ينبغي أن يجعل يسوع أكثر وضوحاً.

دعوني أقول شيئا هنا:

إذا أخذت روايات البعث في أناجيل لوقا ومرقص ومتى ويوحنا في النص اليوناني ووضعتها جنبا إلى جنب فستجد أنها مختلفة (حتى عندما يتحدثون عن قصة النساء اللاتي يذهبن إلى القبر). إنهم يستخدمون كلمات مختلفة مرة بعد أخرى. من الواضح أنهم كانوا ينسخون من بعضهم البعض. الشيء الثاني، أن هناك غياباً شبه كامل لروايات البعث في العهد القديم. في قصة الصلب Crucifixion يبدو واضحا أن قصة موت يسوع قيلت مراراً وتكراراً من قبل الطائفة المسيحية، وقد نسج عليها في الرواية الثانية والعشرين من المزمور Psalm، والرواية الثالثة والخمسين من مزمور إشعيا Isaiah ومزمور زكريا Zechariah وبقية التلميحات في روايات البعث وأيضا في رواية الدفن. ولكن عندما تنتقل إلى الصفحة التي تليها إلى رواية البعث لا تجد ذلك في أناجيل لوقا ومرقص ومتى ويوحنا. وبالمثل، فإن يوحنا يقول عندما ذهب التلاميذ إلى القبر لم يكونوا يعرفون الكتاب المقدس الذي يقول إن يسوع سوف يبعث من جسد ميت، ولكن يوحنا لم يستشهد بذلك. وفي الطريق إلى عمواس Emmaus يشرح يسوع الكتاب المقدس، ولكن مرة أخرى لا يقول لنا لوقا أي شيء عما قاله يسوع.

هذا أمر غريب جداً. فإما أن نقول إن الكنيسة الأولى هي التي كتبت رواية البعث على غرار ما ورد في العهد القديم وأن متى ويوحنا ولوقا ومرقص قد استندوا إلى هذه الروايات، أو أن نقول إن هذه القصص تعود إلى حقبة قديمة جدا في النقل الشفهي التي تسبق الانعكاس اللاهوتي Theological Reflection. في تقديري أن الاحتمال الثاني هو الأرجح بدرجة كبيرة.

الميزة الثالثة الرائعة لهذه الروايات، هو موقع المرأة فيها. في العصور القديمة والعصر اليهودي والوثني، لم تكن تقبل شهادة المرأة في المحكمة. ينقل بولس Paul عن الانطباع السائد عن المسيح في ذلك الوقت قائلاً «هذه قصة قيلت لي. لقد صلب من أجل تخليصنا من الذنوب، ووفقا للكتاب المقدس فإنه رفع في اليوم الثالث ثم رآه رجال سيفاس Cephas عن طريق جيمس، ومن قبل بعض تلامذته، ورآه أيضاً خمسمائة شخص في إحدى المرات، وأخيرا رأيته أنا». ولكن نرفع رؤوسنا ونسأل بولس ولكن أين النساء؟ والجواب أنه في بداية الخمسينات لم يكن يسمح للنساء بالخروج لأنهم كانوا يعلمون أنهم سيكونون في ورطة، ونحن نرى هذه الورطة عندما نقرأ سيلسوس Celsus وهو يصب جام غضبه على البعث بقوله هذا الاعتقاد مبني على شهادة نساء مجنونات». .

من المدهش أننا نجد في أناجيل متى ومرقص ولوقل ويوحنا ذكر لمريم المجدلية[31] Mary Magdalene أو مرايم (جمع مريم) أخريات ونساء غيرهن.

ومن بين كل الناس اختيرت مريم المجدلية كشاهدة رئيسية، ولذلك نجدها في الأناجيل الأربعة، ونحن كمؤرخين ملزمين بالقول إن هذه القصص لو كانت وضعت بعد خمس سنوات ناهيك عن ثلاثين أو أربعين أو خمسين سنة لما وجدنا مريم المجدلية تلعب هذه الدور. من وجهة نظر المدافعين عن المسيحية الذين يريدون إقناع الجمهور المشكك بأن المسيح قد بعث من جسد ميت فإن إدخال مريم المجدلية هنا مثل من يطلق النار على قدميه. لا يمكن للمسيحيين الأوائل أن يفعلوا ذلك مطلقاً. القصص التي تتحدث عن عثور النسوة على القبر لابد من التعامل معها على أنها صحيحة تاريخياً.

الصفة الرابعة والأخيرة لهذه المواقف، وهنا أتحدث كوني مبشراً مارس التبشير في كل عيد فصح لمدة خمس وثلاثون سنة. المبشرون وفقا للعادة الغربية يقومون بالتبشير عن قيامة المسيح، والتبشير عن المستقبل، وعن بعثنا نحن وعن ذهابنا للجنة. ولكن في أناجيل لوقا ومرقص ويوحنا ومتى لا نجد ذكراً لقصص البعث. على العكس من ذلك فإن بولس كان في كل مرة يتحدث فيها عن البعث يتحدث فيها عن مستقبلنا. العبرانيين Hebrews (اليهود أو بني إسرائيل) يوجهون لنا الكلام عن قيامة المسيح وعن بعثنا نحن، وفي كتاب الوحي نجد ربطاً بين بعثنا وبعث يسوع. يتفق كل من جستن الشهيد[32] Justin Martyr، وأغناطيوس الأنطاكي[33] Ignatius of Antioch، وإيريناوس[34] Irenaeus بالقول: «نتحدث عن بعث المسيح لينعكس ذلك علينا». ولكن متى ويوحنا ولوقا ومرقص لا يقولون «أن يسوع سوف يبعث، وبالتالي فإننا سوف نبعث في اليوم التالي». هم يقولون، وهذا مثير لتعجب الناس «إن يسوع سوف يبعث، وإنه هو حقا المسيح». مخلوق الإله الجديد ظهر، ومهمتنا هي عبادته لأنه يجسد إله إسرائيل خالق الكون». وبعبارة أخرى، تريد القصص التي نجدها في الإنجيل أن تقول ببساطة لم تقال من قبل «إن يسوع قد بعث، وأننا سوف نبعث»، وهو ما نجده واضحاً عند بولس بدءًا من أواخر الأربعينات.

من كل ما سبق نصل إلى عدة استنتاجات. حتى نتمكن من تفسير صعود نجم المسيحية في بدايتها، وحتى نستطيع تفسير وجهات النظر الأربع في موضوع البعث علينا أن نقول إن الكنيسة في وقت مبكر جدا كانت بالفعل تعتقد أن يسوع بعث جسدياً من جسد ميت، وليس لدينا دلائل على أن المسيحيين الأوائل كانوا يعتقدون على خلاف ذلك. ولكن هل نستطيع كمؤرخين أن نفسر ذلك؟ كثيراً ما يقول الناس «إنه بالتأكيد ابن الإله، وكان باستطاعته أن يفعل أي شيء. ولكن هل هذا يستند إلى العقل؟ ولكنني لا أريد أن أفعل ذلك، وإنما أريد أن أكون مخلصا للنصوص التي لا تقول ذلك. علينا أن نسأل: كيف يمكن تفسير هذه الظاهرة الاستثنائية في المقام الأول، والقول بأن هناك قصصا تؤكد حصولها.

لقد اكتشفت خلال نظري في التفسيرات التاريخية أن هناك شيئين قد حصلا:

١) كان هناك قبر فارغ وكان معروفا أنه القبر الصحيح.

۲) وكان هناك ظهور Appearances ليسوع الذي رفع .

من المؤكد أن هذين الشيئين حصلا. لأنه إذا كان هناك قبر ولم يكن هناك شبيه فإن كل شخص في العالم القديم كان سيصل إلى نتيجة مفادها أن الجسد قد اختطف. كان من المعتاد سرقة القبور، وخاصة إذا كان الموتى من الأغنياء أو المشهورين، فقد يكون هناك جواهر أو شيء يستحق السرقة، ولكن الناس سوف يقولون ما قالته مريم «لقد أخذوا الجسد، لا أعرف ماذا حدث له»، ولم يكن ليتكلموا أبدا عن البعث إذا كان القبر فارغاً.

وبالمثل لا يمكننا تفسير البيانات التاريخية التي رأيناها بالقول إن تلامذته كانت لهم خبرة من نوع ما جعلتهم يلتقون بيسوع. هؤلاء يعلمون أن يسوع قد قتل، ولكنهم جميعا يعرفون عن الهلوسة والرؤى والأشباح. الأدب القديم -اليهودي والوثني -مليء بمثل هذه الأمور، وهي تعود إلى زمن هوميروس Homer، ونجدها في شعر فيرجيل[35] Virgil، فهي موجودة في كل مكان.

حاول البعض حديثا من باب الجدال أن يقول إن البعث لا يمكن أن يكون قد حصل «عندما يموت الذين تحبهم فأنت تتصورهم معك في الغرفة، يضحكون معك وربما يتحدثون إليك، وفجاءة يختفون مرة أخرى، ولعل هذا ما حدث مع التلامذة». وفي الواقع أنني قرأت بعض من هذا سابقاً. هذه الظاهرة موثقة كجزء من حالة الحزن، ويمكنك أن تفسرها كما يحلو لك، ولكن المسيحيين الأوائل كانوا يعرفون عن هذه الظاهرة كما نعرف. هم يعرفون جيداً أن هناك هلوسة وأشباح ورؤى وما إلى ذلك. بعبارة أخرى، إذا كانت لهؤلاء تجربة قوية مشابهة مع المسيح، ولكن إذا كان القبر ليس فارغاً عندها سيقولون «يا إلهي، لقد كانت تجربة قوية ولكن يسوع بالتأكيد لم يرفع من جسد ميت، لأن الجسد الميت لا يرتفع، وها هو جسده في القبر».

في هذه النقاط علينا أن نذكر أنفسنا بالطريقة التي يدفن بها اليهود موتاهم. معظم اليهود في فلسطين يدفنون موتاهم على مرحلتين. المرحلة الأول بلف الميت بكفن مع الكافور ووضعه في الحد في قبر صخري، أو وضعه في سرداب في المنزل، وهم لا يدفنون الموتى على الطريقة الغربية كما يحدث في الوقت الحالي، حيث يدفن الميت في قبر محفور في الأرض ويملئ.

النقطة هنا هي، أن جسد يسوع لو كان موجودة في القبر لكان من السهل على التلاميذ أن يجدوه، ولذلك فإن علينا أن نقول إنه لابد أنه كان هناك قبراً فارغاً، ولابد أنهم شاهدوا أو اجتمعوا مع شخص ما اعتقدوا أنه يسوع، على الرغم من أنه تحول بطريقة لا نتوقعها، ونجد نحن كقراء أنها مربكة جداً لنا.

والآن نأتي إلى الحركة الأخيرة في مباراة شطرنج. كيف يمكننا كمؤرخين أن نفسر الحقيقتين اللتين ذكرتهما: القبر الفارغ وظهور شبيه ليسوع؟ التفسير الأسهل لذلك هو أن يسوع بالفعل قد ترفع من الجسد الميت، وأن التلاميذ بالفعل التقوا بيسوع على الرغم من أنه تم تجديد جسده وتحول بطريقة يمكن معها أن يبدو حي. لكن بعث يسوع بالفعل لا يوفر لنا تفسيراً كافياً للقبر الفارغ واللقاء مع يسوع. بعد قراءتي لكل الفرضيات الأخرى المحتملة في كل الأدبيات أجد أن هذا التفسير ضروري.

 

أنتوني فلو: ملاحظات ختامية

 أنا معجب بطريقة الأسقف رایت، فهي جديدة تماماً. إنه يعرض الأمر بطريقة جديدة لأول مرة. وهذا مهم جداً، خصوصا في المملكة المتحدة والتي يكاد الدين المسيحي يختفي منها.

من المؤكد أن هذا شيء رائع وراديكالي. هل يمكن أن يكون هناك وحي مقدس؟ كما قلت لا يمكنك أن تحد من قدرات الإله المقتدر إلا إذا كان ذلك مستحيلاً من الناحية المنطقية، وما عدا ذلك فهو ممكن للإله المقتدر.

 

[1] المقصود بالفطير المقدس ذلك الفطير الممزوج بدم بشري من دم (الجوييم) أي الغرياء، وخلطه بالدقيق الذي تعد منه فطائر عيد الفصح. وقد رت هذه العادة المتوحشة إلى اليهود عن طريق كتبهم المقدسة.

[2] المزامير أو مزامير داود هي تسابيح لله، وأناشيد حمد وسجود وتمجيد له، وقد جاءت المزامير في الكتاب المقدس في عدة أماكن.

[3] يعتبر الكاتب لسفر أشعيا في العهد القديم من الكتاب المقدس.

[4] سفر التثنية أو سفر تثنية الاشتراع (بالعبرية: أحد الأسفار المقدسة في الكتاب المقدس لدى الديانة اليهودية والعهد القديم في المسيحية، ولا خلاف بين مختلف طوائف الديانة اليهودية والمسيحية حول قدسيته

[5] سفر التكوين هو أول أسفار التوراة (أسفار موسى الخمسة وأول أسفار التناخ، وهو جزء من التوراة العبرية، كما أنه أول أسفار العهد القديم لدى المسيحيين

[6] في التوراة وفي التراث اليهودي يعتبر اسم «إسرائيل» اسم بديل ليعقوب، وتظهر قصة تسمية يعقوب بإسرائيل في سفر التكوين

[7] خمس حجج قدمها القديس توما الأكويني للبرهنة على وجود الله.

[8] شمشون بن منوح الدني (بالعبرية: lient) من شخصيات العهد القديم، هو بطل شعبي من إسرائيل القديمة اشتهر بقوته الهائلة وورد ذكره في سفر القضاة في الأصحاحات ۱۳ إلى 16.

[9] هو سابع أسفار التناخ الكتاب المقدس في الديانة اليهودية والعهد القديم في المسيحية، ولا يوجد خلاف على قدسيته لدى مختلف طوائف الديانتين باستثناء الصدوقيون إحدى الطوئف اليهودية القديمة التي رفضت جميع أسفار التاخ عدا أسفار موسى الخمسة الأولى المعروفة باسم التوراة.

[10] الرباني في اليهودية، ويسمى الحبر [والراب والحاخام، هو زعيم ديني. كلمة حاخام العربية ترجع إلى الكلمة العبرية Don أي «حكيم».

[11] مخطوطات البحر الميت تضم ما يزيد على 850 قطعة مخطوطة، بعضها مما سمي لاحقا الكتاب المقدس وبعضها من كتب لم تكن تعرف أو كانت مفقودة. وقد كانت في في جرار فخارية كانت مطلية بالنحاس أول من عثر عليها راعيان من بدو التعامرة المتجولين واكتشف المزيد بين عامي 1987 و1956 في 11 کھفاً في وادي قمران قرب خربة قمران شمال البحر الميت. وقد أثارت المخطوطات اهتمام الباحثين والمختصين بدراسة نص العهد القديم لأنها تعود لما بين القرن الثاني قبل الميلاد والقرن الأول منه.

[12] ) أسفار من العهد القديم.

[13] هوردس أو هيرودس (العبرية: ## 73 قبل الميلاد -4 قبل الميلاد) هو ابن الدبلوماسي انتيباتر الإدومي من زوجته النبطية، عين حاكما على الجليل ثم أصبح ملك اليهودية. وقد بسط نفوذه على المنطقة الممتدة من هضبة الجولان شمالا إلى البحر الميت جنوبا، وكانت أيام حكمه تمثل ازدهارا ثقافيا واقتصادية، وقد كان حليفة أمينا للإمبراطورية الرومانية كان مقره في مدينة القدس، أي أورشليم، وقد اشتهر بمشاريع البناء الفاخرة التي بادرها في هذه المدينة، ومنها بناء معبد القدس الكبير المسمى هيكل سليمان

[14] صهيون (بالعبرية: ## ومعناها الحصن) هو واحد من التلين الذين كانت تقوم عليهما مدينة أورشليم القديمة حيث أسس داود عاصمته الملكية.

[15] أحد تلامذة السيد المسيح.

[16] مشابهة لفكرة البرزخ في الديانة الإسلامية.

[17] الفريسيون أحد الأحزاب السياسية الدينية التي برزت خلال القرن الأول داخل المجتمع اليهودي في فلسطين، يعود أصل المصطلح إلى اللغة الآرامية ويشير إلى الابتعاد والاعتزال عن الخاطئين؛ كان الفريسيون يتبعون مذهبا دينيا متشددا في الحفاظ على شريعة موسى والسنن الشفهية التي استنبطوها. كان الفريسيون على خلاف دائم مع الصدوقيين الذين أنكروا القيامة والملائكة والأرواح.

[18] الصدوقيون هم إحدى الأحزاب الدينية السياسية التي نشأت ضمن الديانة اليهودية وذكرت في العهد الجديد؛ فمن المعروف أنه خلال القرن الأول قبل الميلاد ومن ثم خلال القرن الأول انقسم المجتمع الديني اليهودي إلى عدد من الأحزاب والجماعات السياسية داخل المؤسسة الدينية، وقد كان أكبر حزبين هما الصدوقيين والفريسيين.

[19] بمعنى عدم وجود حياة برزخية.

[20] الغنوصية (أو العارفية أو العرفانية) هي مدرسة عقائدية أو فلسفية حلولية نشأت حول القرن الأول الميلادي. خذت الغنوصية طورا جديدا لدي ظهور المسيحية لإثبات تواؤم المعتقدين. وكانت لا تتعارض مباشرة مع الديانات التوحيدية كالمسيحية واليهودية ولكنها تم مقاومتها وقمعها من قبل الكنيسة منذ فترة مبكرة.

[21] عصر التنوير ويسمى عصر الأنوار (بالفرنسية: Siecle des Lumieres) مصطلح يشير إلى القرن الثامن عشر في الفلسفة الأوروبية والذي برز فيه مفكرون وفلاسفة الأنوار.

[22] النبي يوسف الصديق. يحتفل بذكرى يوسف كواحد من الأجداد المقدسين في تقويم القديسين في الكنيسة الأرمنية الرسولية يوم ۲۹ يوليو. وفي الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية والكنائس الكاثوليكية الشرقية التي تتبع المذهب البيزنطي، يعرف باسم «يوسف ذو الجمال الأسر».

[23] التعميد أو المعمودية هي طقس مسيحي يمثل دخول الإنسان الحياة المسيحية. تتمثل المعمودية باغتسال المعتمد بالماء بطريقة أو بأخرى. لشخص الذي يجري تعميده يصبح تابعا ليسوع المسيح وتابعا للكنيسة المسيحية. والعماد يمثل موت يسوع المسيح وقيامته في الحياة الجديدة. أيضا الطفل المعمد يخلص من الخطيئة الأصلية التي هي خطيئة آدم وحواء ويدخل الحياة مرة أخرى كإنسان جديد. وبحسب الاعتقاد المسيحي، فإن أول عماد في التاريخ كان عماد المسيح على يد يوحنا المعمدان في نهر الأردن.

[24] عيد القيامة (باليونانية: Tlioka)، ويعرف بأسماء عديدة أخرى أشهرها عيد الفصح وأحد القيامة، هو أعظم الأعياد المسيحية وأكبرها، يستذكر فيه قيامة المسيح من بين الأموات بعد ثلاثة أيام من صلبه وموته كما هو مسطور في العهد الجديد، وفيه ينتهي الصوم الكبير الذي يستمر عادة أربعين يوما؛ كما ينتهي أسبوع الآلام، ويبدأ زمن القيامة المستمر في السنة الطقسية أربعين يوما.

[25] هذه الفكرة شبيهة بمفهوم ليلة القدر الذي تقدر فيه أعمال البشر.

[26] إنجيل البشير متى (حرفيا «نسبت إلى الرسول متى «). هذا الإنجيل هو أحد الأناجيل الأربعة التي هي ضمن العهد الجديد الكتاب الذي يعتمده المسيحيين في حياتهم. الأناجيل الأربعة التي هي ضمن العهد الجديد من الكتاب المقدس والتي تم طباعتها بصورة تقليدية ابتداء من متى ويليه وبحسب الترتيب مرقس ولوقا ومن ثم يوحنا. إنجيل متى يسمى تقليديا بإنجيل متى البشير أو المبشر.

[27] إنجيل البشير مرقس تقليديا هو الإنجيل الثاني في تسلسل الأناجيل الأربعة في العهد الجديد من الكتاب المقدس للمسيحيين، ويسمى إنجيل مرقس البشير أو المبشر. يشرح ويحكي هذا الإنجيل عن حياة المسيح ابتداء بيوحنا المعمدان إلى صعود المسيح إلى السماء بعد قيامته من بين الأموات، لكن إنجيل مرقس يركز بالخصوص على الأسبوع الأخير من حياة المسيح.

[28] إنجيل البشير لوقا يسرد إنجيل لوقا حياة السيد المسيح، مماته وقيامته. وأن كاتب هذا الإنجيل وأعمال الرسل هو ليس واحد، لكن بحسب التقليد تنسب كتابة أعمال الرسل إلى لوقا

[29] إنجيل البشير يوحنا هو رابع إنجيل من الأناجيل التشريعية في العهد الجديد من الكتاب المقدس للمسيحيين، وتقليديا يسمي بإنجيل يوحنا البشير أو المبشر. القديس يوحنا هو كاتب هذا الإنجيل في الإيمان المسيحي وهذا الإنجيل مقدمته تشهد بلاهوت يسوع المسيح كلمة الله.

[30] دانيال هو أحد الأنبياء الأربعة الكبار في التراث اليهودي المسيحي، والشخصية المركزية في سفر دانيال.

[31] مريم المجدلية من أهم الشخصيات المسيحية المذكورة في العهد الجديد وتعتبر من أهم النساء من تلاميذ المسيح والشاهدة على قيامته وأول الذاهبين لقبره حسب ما ذكره الإنجيل.

[32] القديس جستن كان من المبشرين الأوائل وهو أقدم الشارحين للوجس في القرن الثاني. استشهد مع تلامذته واعتبر قديسا للكنيسة الكاثوليكية.

[33] أغناطيوس الملقب بالنوراني أو الأنطاكي والذي يدعى أيضا ثيوفوروس (باليونانية: ## أي حامل الإله)، وهو قديس وأحد آباء الكنيسة كان على الأرجح أحد تلامذة الرسولين بطرس ويوحنا. هو ثالث أساقفة أو بطاركة أنطاكية بعد بطرس وإفوديوس الذي توفي حوالي سنة 68.

[34] القديس إيرينيئوس (القرن الثاني الميلادي -نحو عام ۲۰۲ م) هو أسقف مدينة لوغدونوم في بلاد الغال، ثم أصبح علما وجزئاً من الإمبراطورية الرومانية (الآن هي مدينة ليون، ب فرنسا). وكان القديس إيرينيئوس أحد أشهر آباء الكنسية الأوائل ومن أهم المدافعين عن العقيدة المسيحية، وكانت كتاباته تقويمية خلال فترة بداية انتشار ونمو علم اللاهوت المسيحي.

[35] فيرجيل (۷۰ ق.م -۱۹ ق.م) شاعر روماني.

مفهوم علم الآباء وتاريخه (باترولوجيا) – مدخل إلى علم الآباء

مفهوم علم الآباء وتاريخه (باترولوجيا) –  مدخل إلى علم الآباء

مفهوم علم الآباء وتاريخه (باترولوجيا) – مدخل إلى علم الآباء

مفهوم علم الآباء وتاريخه (باترولوجيا) –  مدخل إلى علم الآباء

 

كلمة باترولوجيا مأخوذة عن الكلمة اليونانية باتير، أى “أب ” فعلم الباترولوجيا هو ” علم الآباء ” وهو ذلك الجزء من تاريخ الكتابات المسيحية ، الذى يتناول حياة وأعمال الكُتّاب اللاهوتيين والروحيين فى العصور المسيحية الأولى .

بمعنى آخر ” علم الآباء ” هو العلم الذى يساعد على التفهم العميق والحقيقى للحياة المسيحية والإيمان الجامع من خلال كتابات آباء الكنيسة . وهكذا يمكن أن نتفهم جو الكنيسة الأولى ونختبر عذوبته ، ونتعرف على الفكر الأرثوذكسى الأصيل وكيف شهدت الكنيسة للحق فى مواجهة كل المقاومات .

اسم هذا الفرع من فروع علم اللاهوت هو حديث العهد نسبيًا. وأول من استعمل مصطلح ” باترولوجيا ” ، هو اللاهوتى اللوثرى John Gerhard فى القرن السابع عشر وذلك عندما استخدم كلمة ” باترولوجيا ” Patrologia كعنوان لكتابه الذى نشره سنة 1653م .

إلاّ أن فكرة تسجيل أقوال الآباء هى فكرة قديمة ترجع إلى القرون الأولى ، وتبدأ بيوسابيوس المؤرخ الكنسى فى القرن الرابع الميلادى . إذ يقول فى مقدمة كتابه ” تاريخ الكنيسة ” { إنه قصد أن يسجل كتابة ما يعرفه عن عدد من أولئك الذين كانوا فى كل جيل هم سفراء كلمة الله بالكلام أو بالكتابة ، وأيضًا أسماء وعدد وأعمار أولئك الذين اندفعوا إلى طريق الخطأ وانحراف التعليم (أى الهراطقة) .. } (كتاب تاريخ الكنيسة ليوسابيوس 1:10،1) .

ولذا فهو يسجل أسماء الكُتّاب وكتبهم على قدر ما يعرفهم ويسجل إقتباسات من معظم كتاباتهم وذلك حتى عام 325م (تاريخ مجمع نيقية) . ولهذا السبب يُعتبر يوسابيوس واحدًا من أهم مصادر الباترولوجيا ، خاصة وأن عددًا كبيرًا من الكتابات التى اقتبس منها قد فُقدت بعد ذلك .

وقد ترجم روفينوس كتاب يوسابيوس هذا من اليونانية إلى اللاتينية وأضاف إليه حتى عصر الأمبراطور ثيودوسيوس الكبير سنة 392م . وبعد ذلك واصل هذا الجهد كل من جلاسيوس القيصرى وسقراط وسوزومين وثيودريت وجيروم فى كتابه ” مشاهير الرجال ” حتى نهاية القرن الرابع، وقام جيناديوس ، وهو كاهن بمرسيليا بتكملة عمل جيروم حتى نهاية القرن الخامس .

وجاء بعد جيناديوس كثيرون يقدمون أعمالاً تحمل ذات المنهج نذكر منهم إيسيذوروس فى القرن السابع الميلادى وفوتيوس بطريرك القسطنطينية فى القرن التاسع الميلادى الذى قام بعمل مماثل لعمل جيروم تحت عنوان Photu Bibliotheca يمتاز بالدقة .

و كثيرون غيرهم فى الشرق والغرب حتى وصلنا إلى عصر النهضة الأوربية فى القرون من السادس عشر إلى التاسع عشر حين بدأت التجميعات العظيمة للمؤلفات الكنسية القديمة ونشرها فى طبعات ممتازة .

طبعات الكتابات المسيحية الأولى :

1 ـ لقد افتتحت أكاديمية ” فيينا ” وأكاديمية ” برلين ” هذا العمل بطبع مجموعات لكتابات الآباء باللغتين اليونانية واللاتينية .

2 ـ وتعتبر أعظم مجموعة كاملة ، وبنفس هاتين اللغتين هى المجموعة الشهيرة التى أصدرها الراهب الكاثوليكى J. P. Migne ” مينى ” فى القرن التاسع عشر باسم : Patrologia Cursus Completus.

ومجموعة مينى هذه تتكون من سلسلتين :

أـ السلسلة اليونانية : وتشمل كتابات الآباء باليونانية حتى القرن الخامس عشر ويبلغ عددها (161) مجلدًا وتسمى Patrologia Greaca (P.G.) وطُبعت فى باريس سنة 1866م .

ب ـ السلسلة اللاتينية : وتشمل كتابات الآباء باللاتينية حتى القرن الثالث عشر ويبلغ عددها (221) مجلدًا وتسمى Patrologia Latina (P.L.) وطُبعت فى باريس سنة 1855م .

3 ـ أيضًا بدأ علماء الآباء الفرنسيون بنشر أعظم سلسلة للكتابات المسيحية الشرقية وهى التى تُعرف باسم Patrologia Orientalis وهى تشمل الكتابات الكنسية باللغات الشرقية : القبطية والسريانية والأرمينية والأثيوبية والعربية . وهى تصدر بباريس منذ عام 1907م فى (28) مجلدًا حتى الآن وقام بنشرها Graffin .

4 ـ مجموعة كتابات الكنيسة السريانية Patrologia Syriaca قام بنشرها أيضًا Graffin ، بباريس سنة 1926 فى (3) مجلدات .

ترجمات كتابات الآباء :

1 ـ ترجمات إنجليزية :

أ ـ مجموعة آباء ما قبل نيقية The Ante – Nicene Fathers

وهى ترجمة إنجليزية للكتابات الخاصة بآباء ما قبل نيقية وجاءت فى (10) مجلدات وقد صدرت أولاً فى أوكسفورد فى منتصف القرن 19 وقد أُعيد طبعها بأمريكا سنة 1951م .

ب ـ مجموعة آباء نيقية وما بعد نيقية The Nicene and Post Nicene Fathers

وقد أعيد طبعها بأمريكا أيضًا فى (28) مجلدًا وقد أُعيد طبعها سنة 1957م ويقوم بنشر كلا المجموعتين : Eerdmans Publishing Company : Grand Rapids. Michigan .U.S.A .

ج ـ مجموعة آباء الكنيسة The Fathers of The Church

تقوم بنشرها الجامعة الكاثوليكية الأمريكية بواشنطن The Catholic University of America Press. Washington منذ 1947م وقد وصلت حتى الآن (92) مجلدًا .

2 ـ ترجمة فرنسية : مجموعة المصادر المسيحية:Sources Chretiennes بدأ بنشرها Danielou بباريس منذ عام 1941 وتشمل النصوص الآبائية مع ترجمة فرنسية وتعليقات . وصل عددها إلى (400) مجلد حتى الآن .

3 ـ توجد مجموعات أيضًا لترجمة كتابات الآباء بالألمانية والإيطالية والأسبانية والهولندية والبولندية والنرويجية .

الدراسات الآبائية :

ومن جانب آخر بدأت معظم الجامعات فى الغرب إنشاء كراسى خاصة لعلم الآباء (الباترولوجيا) من القرن التاسع عشر . وفى القرن العشرين ظهر اتجاه مكتسح فى الغرب للاهتمام بدراسة النصوص الآبائية القديمة فى الكتابات المسيحية . ومن مظاهر هذا الاهتمام هو بداية المؤتمرات العالمية لدراسة كتابات الآباء وتعاليمهم . وأبرز هذه المؤتمرات الآبائية العالمية هو مؤتمر جامعة أوكسفورد (بانجلترا) للدراسات الآبائية الذى بدأ أول انعقاد له سنة 1951م وينعقد مرة كل أربع سنوات فى الصيف ، ويشترك فيه المهتمون بدراسة كتابات الآباء فى كل جامعات ومعاهد ومراكز الدراسات من قارات العالم ، ويصدر المؤتمر بعد كل دورة إنعقاد، الدراسات والأبحاث التى أُلقيت فيه فى عدة مجلدات باللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية .

كما بدأت بعد مؤتمر أوكسفورد مؤتمرات عالمية فى دراسات آبائية متخصصة . فبدأ مؤتمر لدراسة كتابات أغسطينوس ومؤتمر لدراسة كتابات أوريجينوس العلامة الاسكندرى .

وهذه المؤتمرات تُعقد أيضًا كل أربع سنوات فى بلاد مختلفة ، بجامعات أوروبا أو أمريكا. كما بدأ الاهتمام أخيرًا بعمل مؤتمرات على نطاق القارة الأمريكية لدراسة الآباء ، وهذه المؤتمرات الآبائية تنعقد كل سنتين .

أيضًا بدأت فى السنوات الخمس والعشرين الأخيرة مؤتمرات دولية متخصصة فى دراسة الكتابات المسيحية باللغة السريانية ، وفى دراسة القبطيات ، وأيضًا فى دراسة الكتابات العربية المسيحية . وهذه كلها تنعقد أيضًا كل أربع سنوات فى أماكن مختلفة .

مبادئ أساسية لفهم الكتاب المقدس

مبادئ أساسية لفهم الكتاب المقدس

مبادئ أساسية لفهم الكتاب المقدس

مبادئ أساسية لفهم الكتاب المقدس

سياق المؤلف

حيث أن الكتاب المقدس من تأليف بشري، يجب التعامل معه بنفس الطريقة التي نتعامل بها مع أية معلومات أخرى. والهدف من ذلك هو تحديد المعنى الذي كان يقصده المؤلف. لكن هناك عوائق معينة – مثل اختلافات اللغة والثقافة – تفصل بين المؤلف والقارئ.

فلكي نفهم المعنى الذي قصده المؤلف، يجب على القارئ أن يفهم السياق والبيئة التي يكتب منها المؤلف. بهذه الطريقة فقط يمكن التغلب على تأثير الاختلافات بين المؤلف والمتلقي، ويصبح في الإمكان الوصول إلى الفهم الحقيقي.

في فصول تالية سنقوم بدراسة الوسائل وتطوير المهارات اللازمة للتغلغل في سياق النصوص الكتابية، وسوف نستخدم فهم هذه الدراسة في تفسير الكتاب المقدس، وأخيراً، في تطبيقه على حياتنا. عند هذه النقطة سنقوم ببساطة بتشكيل المبدأ نفسه، وهو أن أختار الله أن يكشف عن نفسه وعن مشيئته، وليس في قائمة من الحقائق الافتراضية المدونة بلغة سماوية، بل أن يكشف عن ذلك للبشر في التاريخ باستخدام لغة بشرية.

لذلك فمن مسؤوليتنا أن ندرس الكتاب المقدس كما نفعل مع أية معلومات بشرية أخرى لكي نحدد بأكثر دقة ممكنة ما كان يقصد المؤلفون أن نفهمه ونؤمن به ونطيعه.

لكن نقوم بذلك، سوف نفكر في سياقين: السياق التاريخي والسياق الأدبي. يشمل السياق التاريخ السياق المادي والجغرافي والثقافي والأيديولوجي للمؤلفين وللناس الذي كتب إليهم. والأحداث التاريخية كذلك. ويشمل السياق الأدبي، اللغة نفسها، وأسلوب الصياغة الأدبية، والسياق المباشر للمقطع موضوع الدراسة.

صدق الكتاب المقدس

حيث أن الله هو المؤلف خلف مؤلفي الكتاب المقدس – وهو المصدر النهائي للإعلان – يجب تفسير الكتاب المقدس على أنه حق وصادق في كل أجزائه، ويجب السعي نحو وحدة كل أجزائه.

صادق في كل أجزائه

حيث أن الكتاب المقدس هو صادق في كل أجزائه، فلا يصلح تشويه تفسيره، أو رفض جزء منه لأنه يبدو أنه يتناقض مع نظرية علمية، أو مصدر تاريخي، أو نظرية معاصرة سواء في علم النفس أو علم الاجتماع أو علم الأجناس البشرية. فعلى سبيل المثال، الله هو الذي خلق العالم، فالعالم لم ينشأ بصورة تلقائية. لذلك فإن أي تفسير للأصحاحات الأولى من سفر التكوين يجب أن يتم التعامل معها على أنها صادقة، وإلا يكون المفسر قد استخدم افتراضات طبيعية مسبقة.

هل حقاً أمر الله إسرائيل أن يهلكوا شعوباً معينة، أم أن هذه فكرة موسى؟ من الذي كتب سفر إشعياء؟ هناك العديد من المقاطع التي يعتمد تفسيرها على إجابات على مثل هذه الأسئلة، لكن المفسر الذي يقبل تقييم يسوع المسيح للكتاب المقدس، يجب أن يقوم بكل تفسير على أساس الافتراض بأن الكتاب المقدس هو حق وصادق.

وحدة أجزائه

إن الكتاب المقدس هو حق بالفعل في كل أجزائه، يجب السعي إلى الوحدة الحقيقية لها بواسطة الشخص الذي سيفسر الكتاب المقدس. فيجب مقارنة الكتب المقدسة ببعضها البعض، كما يجب فحص سياق الكاتب والمتلقي الأول للكتابات. قد تثار أسئلة مثل: كيف يرتبط العهد القديم بالعهد الجديد؟ ماذا يفعل المرء بالسجلات التاريخية التي يبدو أنها لا تتفق معاً، مثل بعض الأنساب في العهد القديم أو في الروايات الخاصة بحياة يسوع في العهد الجديد؟

تتطلب عملية تنسيق ومجانسة الكتاب المقدس مهارات معينة سوف ندرسها بنوع من التفصيل في الفصل 15. لكننا يجب أن نبدأ بالمبدأ الأساسي وهو أنه حيث أن كل أجزاء الكتاب المقدس حق وصادقة. فالتناسق موجود بالفعل، ومهمتنا هي البحث عنه والعثور عليه.

إن الباحث عن الحق مسؤول عن تجميع كل ما يقوله الكتاب المقدس في موضوع معين. بل أكثر من ذلك، تعتبر مهمة جديرة بالعناء أن يسعى الباحث لربط كل التعاليم الكتابية في تفسير شامل للهيكل الكلي للحق الكتابي. سيكون جزءًا من دراستنا في الفصل 16 هو أن ندرس الإرشادات والوسائل الخاصة بتفسير الكتب المقدسة بمقارنتها ببعضها البعض، وإنشاء ترتيب شامل لعقيدة الكتاب المقدس كله (لاهوت نظامي).

في الوقت الحالي، يمكننا أن نخلص إلى أن الكتاب المقدس بأكمله هو جدير بالثقة، ببساطة لأن الله هو مؤلفه. لذلك، فليس فقط أمراً مشروعاً بل أنه من الضروري أن نسعى لإيجاد الوحدة بين جميع تعاليمه لكي نفهم مشيئة الله أكثر.

سلطة الكتاب المقدس

إن الكتاب المقدس، والكتاب المقدس وحده، هو السلطة النهائية المطلقة للإيمان والحياة. لذلك، جميع المبادئ والتقنيات المستخدمة لاستخراج معنى مقطع كتابي يجب أن تتفق مع المبدأ القائل بأن الكتاب المقدس نفسه هو السلطة النهائية. فكر معي في أربعة معان رئيسية لذلك المبدأ:

غرض الإعلان الإلهي

لقد أعلن الله عن نفسه في الكتاب المقدس لأجل غرض خلاص البشرية. وذلك “الخلاص” هو كامل – فهو يمتد منذ بداية المصالحة مع الله، وعبر تغيير المؤمن إلى الشبه الأخلاقي لله، وحتى اتحاد المحبة النهائية مع الله في الأبدية. فغرض الله هو خلاص الإنسان.

“وإنك منذ الطفولية تعرف الكتب المقدسة القادرة أن تحكمك للخلاص بالإيمان الذي في المسيح يسوع. كل الكتاب موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عمل صالح”. (2تيموثاوس 3: 15-17).

إن قولنا أن الخلاص هو غرض الكتاب المقدس يعني أن الإعلان محدد. فالكتاب المقدس لم يعط لنا لكي يعلمنا كل شيء عن الله غير المحدود أو كل شيء عن الكون الذي خلقه. فالله لم يوحي لمن كتبوا الكتاب المقدس لكي يقدموا سجلاً محدداً للتاريخ القديم، أو حتى لكي يعلمونا كل شيء عن طبيعة الإنسان.

لذلك فإن استخدام الكتاب المقدس ككتاب دراسي في علم الأحياء أو علم النفس أو علم الاجتماع معناه إساءة استخدامه وتقويض سلطته. إلا أن الأمر الأكيد هو أنه عندما يلمس الكتاب المقدس تلك المناطق، فإنه يكون جدير بالثقة تماماً، فهو لا يعلم خطأ، لكن ليس هذا هو غرض الإعلان، بل غرضه هو مصالحة الناس مع الله، ومن خلال تلك المصالحة، يردهم لكل ما قصد الله لهم أن يكونوا.

الهدف من دراسة الكتاب المقدس

حيث أن الكتاب المقدس هو الإعلان السلطوي للحق الروحي، فإن الهدف الأول لدراسة الكتاب المقدس يجب أن يكون فهم المعنى الذي قصده المؤلف. فلكي تكون للكتاب المقدس سلطة مستقلة، يجب أن نقرر المعنى الذي قصده المؤلف.

فإن كان غرض الكتاب المقدس هو خلاصنا، فإن هذا الغرض لا يمكن أن يتحقق إلا إذا تم فهم رسالة الله، وتلك هي مهمة المفسر. ومع ذلك، فإن فهم الكتاب المقدس لا يأتي بالخلاص، إذ أن الرسالة يجب أن يتم الإيمان بها وطاعتها، وتلك هي مهمة التطبيق.

لكي يكون التفسير مطابقاً لقصد الكاتب، يجب أن يشتمل على تطبيق.[1]

يمكن أن تصح معرفة وتعلم كلمة الله فقط بواسطة تغيير الحياة…. إن التعليم الوحيد الذي يمكن عن حق أن نطلق عليه “تعليم كتابي” هو الذي يركز ليس على تشغيل المعلومات، لكن على سماع صوت الله المحب والاستجابة له.[2]

باختصار، غرض الإعلان الإلهي هو خلاص الأفراد. لذلك، فكي يكون الكتاب المقدس فعالاً في خلاص الإنسان، فإن أول خطوة هي فهم المعنى الذي قصده المؤلف. أما الخطوة التالية فهي تطبيق ذلك المعنى على الخلفية المعاصرة بالإيمان والطاعة. عندها فقط سيتحقق غرض الإعلان الإلهي، ويكون الكتاب المقدس سلطوياً بالكامل في حياة الناس.

مدى السلطة

لقد رأينا حتى الآن أن سلطان الله لا يؤسس على تفسيرنا غير المعصوم للكتاب المقدس، لكن فقط على الكتاب المقدس نفسه. لكن هل هذه السلطة تستقر فقط على تعاليم الكتاب المقدس، أم أنها تمتد أيضاً إلى كلمات الكتاب المقدس؟ وإن كانت كذلك، هل تمتد إلى كل جزء من الكتاب المقدس بالتساوي؟ أولاً، افتراضنا هو أن كل الكتاب المقدس هو موحى به من الله ومعصوم من الخطأ، فليس هذا هو مكان الدفاع عن وضع الوحي اللفظي أو عصمة الكتاب.

لكن من الملائم أن نتذكر أن نماذجنا في التفسير هم يسوع المسيح والأشخاص الذين كتبوا العهد الجديد. فقد تعاملوا مع العهد القديم ليس فقط على أنه ذو سلطان، بل على أنه بالكامل جدير بالثقة كذلك –حتى بالنسبة لكل كلمة فيه. ونحن باتباعنا لذلك النموذج، فإننا نؤكد أن سلطة الكتاب المقدس تغطي الكلمات كما تغطي المفاهيم. بعض المفسرين يؤكدون على صدق مفاهيم الكتاب المقدس، بينما يعتقدون أن بعض الكلمات بها خطأ.

لكن لا يوجد معنى بدون كلمات تصدق في المعنى وتتفق معه. الأكثر من ذلك، فإن لاهوت “المفهوم الموحى به” يتعدى على السلطة المستقلة للكتاب المقدس. فمعايير التمييز بين المعاني أو المفاهيم الحقيقية، وبين الكلمات غير الصادقة التي من خلالها يتم تقديم المعنى، تنقل السلطة إلى تلك المعايير أو للشخص الذي يستخدمها.

يستخدم جون وورويل مونتجمري تشبيها بالوثيقة القانونية لكي يوضح هذه النقطة، فيقول:

بخصوص تفسير الوثائق القانونية عامة، قدم اللورد بيكن هذه الحكم الصادقة:

“إن التفسير الذي يبتعد عن حرف النص لا يعتبر تفسيراً بل تكهناً”.

“عندما يبتعد القاضي عن الحرف فإنه يتحول إلى مشرع.”

يشرح السير رولاند بوروز هذه النقطة بوضوح يثير الإعجاب:

“يجب على المحكمة أن تعنى بألا يستخدم الدليل لإتمام وثيقة تركها أحد الأطراف غير كاملة، أو بأن تناقض ما قاله هذه الطرف، أو بأن تثير الشكوك، التي بدون ذلك لا تكن موجودة؛ أما بالنسبة للتفسير، فإنه يكون مقصوراً دائماً على تلك الأمور، مما يساعد المحكمة على الوصول إلى معنى الكلمات المستخدمة، وبالتالي أن تعطي سلطة للمعنى المقصود كما يتم التعبير عنه.”

كما هو الحال بالنسبة للرغبات والأفعال والقوانين، المفسر الأمير للكتاب المقدس يقوم بتفسير النص بطريقة تعطيه “شرعية وليس عدم شرعية”؛ ويعمل” بافتراضات ضد السخف ومنافاة العقل”؛ وبمجرد أن يتم تقرير المعنى الواضح للنص، فإنه يقبل تطبيقه وتفعيله في حياته “رغم أن النتائج قد تبدو قاسية أو غير عادلة أو غير مناسبة.” (سي إي أودجرز، The Construction of Deeds and statutes الطبعة الرابعة، 1956، الصفحات 186، 188).

إن المفسر المسيحي المؤمن لوصايا الكتب المقدسة سيفترض أنه بالإشارة إليها أيضاً “كل جزء من وصية يعني شيئاً، ويجب أن يعطى السلطة وأن يتناغم، إن أمكن، بربطه ببقية الأجزاء الأخرى كلها.”  (إف إتش تشيلدز)؛ ويقوم بتفسير العهد القديم دائماً في ضوء العهد الجديد على أساس أن “التعبير الأخير عن الوصية هو الذي يغلب”.[3]

لكن على الرغم من أن الكتاب المقدس كله هو من الله، وبالتالي فهو أهل للثقة، إلا أن ليس كل الكتب المقدسة لها سلطة متساوية بالنسبة لطاعة المسيحيين في عهد الكنيسة. سوف نقوم بمناقشة هذا المبدأ بنوع من التفصيل عند دراسة مبادئ تطبيق الكتاب المقدس في الفصل 19.

الكتاب المقدس نفسه، كالسلطة النهائية، يجب أن يحدد أي جزء منه هو الذي له الدوام والعمومية في التطبيق، وأي جزء هو المحدود. فإذا تم التمييز بين التطبيق العام والمحدود بواسطة أي مبدأ أو شخص آخر. فإن ذلك المبدأ أو الشخص يصبح هو السلطة، مستبدلاً بذلك الكلمة الأخيرة للكتاب المقدس عن نفسه.

الحدود المتضمنة في مبدأ السلطة.

تضع سلطة الكتاب المقدس حدوداً معينة على مبادئ سياق المؤلف ووحدة الكتب المقدسة. لو لم يكن هذا صحيحاً، لما كان الكتاب المقدس نفسه هو السلطة النهائية. فدعونا نلقي نظرة على تلك الحدود.

حدود السياق البشري.

كما أشرنا من قبل، حيث أن الكتاب المقدس قد جاء إلينا من خلال مؤلفين من البشر، فإن المفسر يتعامل حتمياً مع سياقين: (1) إنه يسعى لفهم سياق الذين كتبوا الكتاب المقدس بأفضل طريقة ممكنة، و(2) يسعى أيضاً لتفسير وتطبيق الحق الكتابي في ضوء السياق المعاصر.

غالباً ما يتم دمج هذين الأمرين ومن المعتاد أن يحدث تداخل بينهما. السؤال المفتاحي هو: كيف يمكن استخدام هذه الأدوات المفيدة والمشروعة لفهم الكتاب المقدس بدون التعدي على سلطة الكتاب المقدس؟ وعلى أي أساس يقوم المرء بالتمييز بين الرسالة السلطوية والدائمة للمؤلف، وبين السياق التاريخي المؤقت؟

هناك عدة مناهج تم اقتراحها للقيام بذلك. البعض يعتقد أن التعليم يجب أن يتم الإيمان به وطاعته إن كان في نظام الخليقة أو من طبيعة الله (مثلاً، المحبة). فإن لم يكن التعليم الكتابي في نظام الخليقة أو من طبيعة الله، فيمكن افتراض أنه تعليم مؤقت مقصور على الشكل الثقافي الانتقالي أو على سياق تاريخ محدد. وهنا يجب على المفسر في العصر الحاضر أن يحرر الحق الباقي لكي يتم تطبيقه او رفضه اليوم.

بينما يعتقد آخرون أن أي أمر يرتبط بمبدأ عام، أو مطلب أخلاقي يُطلب من كل الثقافات في أي وقت (مثلاً، عدم السرقة)، يمكن تطبيقه بصورة عامة بسلطة مشيئة الله الأكيدة، لكن التعليم الخاص الذي يكون محدوداً بثقافة معينة، قد لا يتم تطبيقه بهذه الصورة. فالأوامر الخاصة بالدور في علاقات الزواج هي أمور خاصة محدودة بالثقافة، يمكن ألا يتم تطبيقها بسلطان على أنها مشيئة الله الأكيدة في كل الثقافات وفي كل الأزمان.[4]

كما أن هناك آخرون يقولون إن التعليم الذي يكون أخلاقياً بالفطرة ولاهوتياً هو التعليم السلطوي، لكن التعليم غير الأخلاقي وغير اللاهوتي لا يكون له بالضرورة نفس السلطة.[5]

المشكلة في كل من هذه المناهج هي، كيف يمكن للمرء أن يقرر؟ حيث أن الكتاب المقدس لم يعطنا مثل هذا الأساس لتفسيره، ربما يغتصب المفسر لنفسه، عن غير عمد، سلطة الكتاب المقدس، عن طريق فرض معاييره الخارجية الخاصة بما هو تعليم مقبول وسلطوي، وما هو تعليم يمكن الاستغناء عنه. هذه مشكلة حقيقية، وحلها ليس سهلاً. لكن المبدأ الثابت الذي يضع حدوداً صارمة على الفهم الثقافي هو سلطة الكتاب المقدس نفسه.

عند هذه النقطة دعونا نميز بين التفسير والتطبيق. المهمة الأولى هي أن نفسر، أي أن نحدد بثقة المعنى الذي قصده المؤلف. لأجل ذلك، يكون الفهم الثقافي مهماً في تفسير النص وإلقاء الضوء عليه. أما عند القيام بتطبيق النص على خلفية معاصرة، فمن الضروري أن نفحص المبدأ العام الذي يكمن خلف أي تعليم محدد. بهذه الطريقة يمكن للباحث أن يقرر ويطيع مشيئة الله كما هي معلنة في كلمة الله السلطوية.

فكر في مثال تم التلميح إليه من قبل “أيتها النساء أخضعن لرجالكن”. (أفسس 5: 22) إنها وصية واضحة بما يكفي. لا يصلح أن نقول إن هذه عبارة مشروطة ثقافياً، لذلك فهي لم تعد تطبق. فقولنا هذا يعني أن الوصية التالية كذلك “أيها الأولاد اطيعوا والديكم” (أفسس 6: 1)، يجب التعامل معها أيضاً بصورة نسبية، والوصية الأولى بطاعة الله، يمكن أن تعاني من نفس هذا المصير.

إن المعنى الذي يقصده بولس لأي ملاحظ موضوعي هو شديد الوضوح. وهذا المعنى لا يمكن تغييره من خلال التفسير إذا كان المفسر يدرك السلطة المستقلة لكلمة الله. لكن عندما يأتي الأمر إلى التطبيق، فإن الطريقة التي يعلم بها الكتاب المقدس عن دور الزوج كرأس للبيت تختلف بالتأكيد من ثقافة لأخرى. فعلى سبيل المثال، سيسود بالتأكيد في البيت الأمريكي جو أكثر ديموقراطية مما في البيت الياباني، بينما يكون كل منها طائعاً للتعليم الكتابي الواضح.[6]

إن عملية تمييز المبدأ من وراء التعليم الكتابي المشروط ثقافياً هو أمر مشروع وضروري للغاية في تطبيق الكتاب المقدس على الإيمان والطاعة في الوقت الحاضر. هذا الأمر لا يتعدى على سلطة الكتاب المقدس، لكنه يحققها. من ناحية أخرى، فإن استخدام هذا المنهج في التفسير بحيث يتم استبعاد المعنى الواضح، يقوم باستبدال النص السلطوي بالفهم الثقافي المعاصر.

وهذا الأمر لا يتعدى فقط على سلطة الكتاب المقدس، ولكنه يصبح أداة يمكن بها إساءة استغلال تعاليم الكتاب المقدس بتحويلها إلى أي صيغة تقريباً يرغب فيها المفسر.

حدود السعي لوحدة الكتاب المقدس كله.

يضع مبدأ سلطة الكتاب المقدس حدوداً معينة على تنفيذ مبدأ معاملة الكتاب المقدس باعتباره معلومات بشرية مفهومة. كما يضع حدوداً أيضاً على المبدأ القائل بأن المفسر يجب أن يسعى لتناغم واتساق تعاليم الكتاب المقدس. وسوف نقوم فيما بعد بدراسة الإرشادات والوسائل التي تعمل على تناسق وتوافق الكتاب المقدس (الفصلان 15-16).

أود أن أقول باختصار أن سلطة الكتاب المقدس يتم التعدي عليها بوسيلتين أساسيتين بواسطة أولئك الذين يعملون على التوفيق بين مقاطع تبدو أنها غير متفقة في التعليم:

1 – يتم تفسير المقاطع بصورة منافية للمنطق، وبتفسيرات غير أكيدة، أو يتم جعل التركيز الكتابي الثانوي يسود على المقاطع الواضحة المعنى أو على التعليم الأكثر شمولية. فعلى السطح، يبدو أن الوسيلة تسمح ببساطة للكتاب المقدس بأن يقارن نفسه بنفسه، لكن عندما يتم جعل تعليم غير أكيد يسود على الإعلان الأكثر وضوحاً، يكون عندها المفسر أو تفسيره هو السلطة النهائية.

2 – يقوم المفسر بالتعدي على سلطة الكتاب المقدس من خلال الاستنتاج المنطقي من التعليم الكتابي الواضح. هذا النوع من الاستنتاج يتعدى على سلطة الكتاب المقدس عندما: (1) يتم التعامل معه باعتباره حق معصوم من الخطأ؛ أو الأسواء، (2) عندما يتم تحويله ضد تعليم كتابي آخر واضح للكتاب المقدس. عندئذ يصبح وضعاً فلسفياً خارج الكتاب المقدس، والذي يتم استخدامه لتشويه القصد الواضح لمؤلفي الكتاب المقدس.

لكن لكي يتم فهم كلمة الله والإيمان بها وطاعتها، يجب أن تسود سلطة الكتاب المقدس وتتفوق هي وحدها.

[1] ويليام لاركن Faculty Handbook (Columbia, S. C.: Columbia Bible college and Seminary, 1990) صفحة 3.

[2] لاري ريتشاردز، Church Teaching: Content Without Context Christianity Today 15 أبريل 1977، صفحة 16.

[3] جون ورويك مونتجومري، Testamentary Help in Interpreting the Old and New Testaments Christianity Today، 5 مايو 1978، صفحة 55.

[4] تشارلز إتس كرافت، Interpreting in Cultural Context Journal of the Evangelical Society، ديسمبر 1978، صفحة 257.

[5] جوردن في، The Genre of thw New Testament Literature and Biblical Hermeneutics, in Interpreting the Word of God، تحرير صمويل جي شولتز وموريس إيه إنش (Chicago: Moody, 1976) صفحة 133.

[6] انظر جي روبرتسون ماكويلكن، The Limits of Cultural Interpretation, Journal of the Evangelical Theological Society, June 1980، صفحة 113.

مبادئ أساسية لفهم الكتاب المقدس

المنهج فوق الطبيعي لتفسير الكتاب المقدس

المنهج فوق الطبيعي لتفسير الكتاب المقدس

المنهج فوق الطبيعي لتفسير الكتاب المقدس

المنهج فوق الطبيعي لتفسير الكتاب المقدس

كما رأينا، لقد وضع يسوع النموذج الذي اتبعه من كتبوا العهد الجديد، في التعامل مع الكتاب المقدس على أنه كتاب فوق طبيعي. فأمور مثل الحية النحاسية، وأحداث مثل الخروج من مصر، وكلمات مثل التنبؤ بأن إشعياء سيكون له ابن؛ وأشخاص مثل ملكي صادق – يتم فهمهم جميعاً على أنهم إشارات ليسوع المسيح.

بعض الشواهد تكون واضحة بما يكفي بحيث أن المفسرين اليهود للعهد القديم – قبل زمن المسيح – كانوا يرون باستمرار إشارات للمسيا. لكن العديد من الشواهد، مثل تلك التي أشرنا إليها أعلاه، لن ترد إلى ذهن الشخص الذي يبحث عن المعنى الذي كان يقصده المؤلف. فغير المؤمنين قد يقولون إن هناك معنى معين تم فرضه على النص.

أما المؤمنون فيقولون إن المعنى يظل مخفي إلى أن يكشفه المسيح أو رسله. ففي أي حدث، يتم رؤية الكتاب المقدس على أنه كتاب فوق طبيعي، هذا لأن الأحداث المستقبلية لا يمكن التنبؤ بها بدقة وتفصيل زمني، قبل حدوثها بسنوات كثيرة، بواسطة الحكمة البشرية وحدها.

المفسرون اليهود وآباء الكنيسة

لم تكن الطريقة التي فهم بها يسوع الكتب المقدسة وفسرها طريقة غريبة بالنسبة لسامعيه من اليهود. فعلى الرغم من أن بعض المفسرين اليهود تعاملوا مع العهد القديم على أنه وثيقة يتم فهمها بمعناها الواضح، إلا أن معظم المفسرين في زمن المسيح وضعوا على عاتقهم مسؤولية أن يكتشفوا المعاني والفروق الدقيقة والمخفية في الكتب المقدس.

كان المفهوم المحوري في تفسير أحبار اليهود، وربما في تفسير الفريسيين الأوائل كذلك، هو مفهوم “Midrash”، بمعنى أنه مفهوم يحدد “التفسير الذي إذ يتعمق فيما هو أبعد من مجرد المعنى الحرفي، يحاول أن يتغلغل في روح الكتب المقدسة، لكي يفحص النص من جميع الجهات، وبذلك يستخرج تفسيرات لا تكون واضحة مباشرة”[1].

توجد بعض التشابهات الموجودة بين فكرة المجاز اليهودية (التي تعتقد أنه بين طيات “الحرف”، أو المعنى الواضح، يوجد المعنى الحقيقي) وبين الطريقة التي تعامل بها من كتبوا العهد الجديد مع العهد القديم. لكن العهد الجديد لم يتعامل مع كل مقطع في العهد القديم بتلك الطريقة، كما رأينا.  الأكثر من ذلك، لا توجد في العهد الجديد الاستنتاجات المتطرفة والخيالية، التي تعتبر نموذجاً لتفسيرات أحبار اليهود.

كان علماء الكتاب المقدس في حقبة الكنيسة ما بعد الرسولية يميلون لاتباع مثال اليهود، بل والمجازيين اليونانيين، أكثر من مثال من كتبوا العهد الجديد. وعلى الرغم من وجود مجموعة من العلماء في أنطاكية (كريزوستوم، وتيودور من موبسيويستيا، وتيودوريت) الذين سعوا لتحديد المعنى الحرفي الذي كان يقصده المؤلفون، إلا أن تلك المدرسة الفكرية لم تنتشر في الكنيسة.

كليمينت، وهو واحد من آباء الكنيسة الأولين العظام من شمال أفريقيا، وتلميذه أوريجن الاسكندري، وضعا نموذجاً لفهم الكتب المقدس منذ القرون الأولى للكنيسة وحتى الإصلاح.

كان أوريجن يعتقد أن المعنى الروحي لمجيء رفقة لاستقاء ماء لعبيد إبراهيم وجماله هو أننا يجب أن نأتي إلى ينابيع الكتب المقدسة لكي نلتقي مع يسوع. كما علم كليمنت أن الخمسة خبزات التي أطعم بها يسوع الجموع كانت تشير إلى التدريب الإعدادي لليونانيين واليهود الذي كان يسبق حصاد القمح. أما السمكتان فتشيران إلى الفلسفة الهلينية: منهج الدراسة، والفلسفة نفسها.

في قصة الدخول الانتصاري، كان الجحش يشير إلى حرف العهد القديم، وأن الأتان، الذي ركبه يسوع كان هو العهد الجديد. كما أن التلميذان اللذان أحضرا الحيوانين إلى يسوع يمثلان المعنى الأخلاقي والمعنى الروحي: لكن رغم أن كليمنت كان يعتقد أنه يمكن أن يكون هناك معنى حرفي ومعنى روحي معاً في النص، إلا أن أوريجن كان يعتقد أن كل شيء في الكتاب المقدس له معنى مجازي رمزي.

هذا الاتجاه في التعامل مع الكتب المقدسة والذي يطلق عليه “the quadriga”، أو “الوسيلة الرباعية في التفسير”، تم تأسيسه بقوة منذ القرن الرابع وحتى القرن السادس عشر. قامت هذه الوسيلة بفحص كل نص من ناحية أربعة معان: حرفية، وأخلاقية، وباطنية (مجازية)، ونبوية. وقد تم تعليم ذلك المنهج بواسطة ترنيمة شهيرة:

الحرف يوضح لنا ما فعله الله وآباؤنا؛

المجاز يوضح لنا أين يكمن إيماننا؛

والمعنى الأخلاقي يعطينا قواعد للحياة اليومية؛

والمعنى النبوي يوضح لنا أين ينتهي جهادنا.

مثال على ذلك كلمة “أورشليم” حرفياً، تمثل أورشليم مدينة بذلك الاسم؛ ومجازياً، تعني أورشليم الكنيسة. أما نبوياً، فهي المدينة السماوية؛ وأدبياً، هي النفس البشرية.[2]

لقد اتخذ المصلحون موقفاً قوياً تجاه ذلك النوع من التفسير. فكان اهتمام لوثر، وكالفن، وزوينجلي هو أن يجدوا المعنى الذي قصده المؤلفون، وأن يجعلوا هذا المعنى هو السلطة للإيمان والأعمال. وقد اتحد هؤلاء المصلحون الثلاثة في رفض زعم الكنيسة في أن تكون هي المفسرة؛ وأكدوا على حرية وقدرة ومسؤولية الفرد في فهم معاني الكتب المقدسة. كما اتفق هؤلاء الثلاثة على سلطة كلمة الله باعتبار أنها فوق كل السلطات الأخرى.

واتفقوا على أن الكتاب المقدس بأكمله جدير بالثقة، وبالتالي، أن الكتب المقدسة يمكنها بل ويجب أن تفسر نفسها بنفسها. الأكثر من ذلك، لقد اتفقوا على أن استنارة الروح القدس هي أمر ضروري لفهم الكتب المقدسة، وأن الدراسة الجادة والقوية هي أمر مطلوب كذلك. لكنهم لم يتفقوا من جميع النواحي على كيفية تفسير الكتب المقدسة.

اختلف المصلحون في أن كالفن كان أكثر ثباتاً وتمسكاً في اتباعه لهذه المبادئ. فقد تمسك بشدة بالمعنى الواحد الواضح لنص الكتب المقدسة. أما لوثر فقد كان أقل تدقيقاً، وكان في بعض الأحيان يستخدم المعنى الرمزي لتفسير المقطع بطريقة تدعم لاهوته الخاص.

وكان تفسيره عقائدياً، يحكمه النظام اللاهوتي الذي كان منتمياً له – وهو الخلاص بالنعمة من خلال الإيمان وحده. أكثر من ذلك، كان تفسيره في بعض الأوقات على أسس ذاتية، أو يزعم أنه تلقاه عن طريق الاستنارة المباشرة بالروح القدس.[3]

لكن على الرغم من اختلاف المصلحين في تلك الطرق، إلا أنهم اتحدوا في التزامهم بالافتراضات المسبقة التي كان يعتنقها من كتبوا العهد الجديد:

1 – بأن الكتاب المقدس هو من الله، وأنه كتب بواسطة البشر.

2 – بأنه نقل مباشرة لمشيئة الله للبشر.

3 – أنه يمكن فهمه باللغة البشرية العادية.

لقد قدم المصلحون جسراً يعبر من المجهودات التفسيرية التي كانت في كثير من الأحيان خيالية ولا يمكن توقعها دائماً في القرون الأولى والمتوسطة للكنيسة، إلى الحقبة البروتستانتية، التي فيها أصبح المعنى الذي يقصده المؤلف هو موضوع البحث لمن يرغبون في فهم كلمة الله.

وإذ قام المصلحون بكسر قبصة التفسير المجازي الرمزي، كانت هناك نتيجة أخرى، وهي أن العقلانيين الآن قد أصبحوا أحراراً في التعبير عن وجهات نظرهم. وفي الحال، أصبح هناك من يرون الكتاب المقدس على أنه كتاب طبيعي صرف. في النهاية، أصبح المنهج الطبيعي سائداً في التفسير البروتستانتي للكتاب المقدس.

المُروحنون المعاصرون

(أي إعطاء روحانية للنص أكثر مما هي فيه)

بقولنا أن المصلحين قد جاهدوا لكي يقربوا الكنيسة أكثر إلى النظرة التي كان يعتنقها الكتاب المقدس نفسه، وأن المصلحين قد حرروا الكنيسة من أولئك الذين كانوا ينظرون للكتاب المقدس على أنه كتاب فوق طبيعي خالص أو حتى سحري، سيكون من الخطأ الكبير أن نفترض أن التفسير الرمزي قد توقف.

فالحقيقة أن هذا الاتجاه في تفسير الكتاب المقدس لا يزال سارياً ومزدهراً، خاصة في الدوائر الإنجيلية. فكر مثلاً في الاستخدام التالي للكتاب المقدس بواسطة أحد المفسرين المشهورين واسعي الانتشار:

ثالثاً، الصمت المطلوب من “الشعب” في هذه المناسبة قدم خطاً مهماً آخر في الصورة النموذجية التي أوردتها هذه الحادثة – رغم أنه خط لا يجذب بالتأكيد الكثيرين من المسيحيين في العصر الحاضر. إن احتلال إسرائيل لأريحا بلا شك سبق تصوير الانتصارات التي حققوها تحت قيادة الله، بواسطة الإنجيل. فالكهنة الذين كانوا ينفخون في الأبواق المصنوعة من قرون الكباش يصورون خدام الله وهم يبشرون بالكلمة.

إن منع “الشعب” من فتح أفواههم تكمن أهميته في أنه يصور أن الأفراد العاديين من المسيحيين لا يجب أن يكون لهم دور في التبشير الشفهي بالحق – فهم غير مؤهلين لذلك، وليسوا مدعوين لخدمة الكلمة. فلا يوجد في أي مكان في الرسائل حث واحد لهؤلاء القديسين على أن يشتركوا في التبشير العلني، وليس حتى على أن يقوموا “بالعمل الفردي” ويسعوا “لربح النفوس”.

كما أنه ليس مطلوب منهم أن “يشهدوا للمسيح” بسلوكهم اليومي في العمل وفي المنزل. بل عليهم فقط أن “يظهروا تسابيح الله”، أكثر من أن “يخبروا” بها. عليهم أن يدعوا نورهم يضيء. فشهادة الحياة هي أكثر تأثيراً من كلام الشفتين السطحي. فالأفعال صوتها أعلى من الكلمات.[4]

لن ينفع لتبرير تلك الطريقة في التعامل مع الكتاب المقدس أن نقول إن هناك معنى واحد فقط لكن تطبيقات كثيرة. صحيح أن المقطع يمكن أن يتم تطبيقه بعدة طرق بالنسبة للخلفيات المعاصرة، لكن أن نتعامل مع الكتاب المقدس بهذه الطريقة، ونستخرج منه رسالة تبعد كثيراً عما يقصده المؤلف، فهذا نموذج للتفسير الذي لا يتعامل مع المؤلف وقصده بمحمل الجد.

في مثل هذا المنهج، لا يكون للكتاب المقدس سلطته الخاصة، ولا يكون حراً في أن يذكر هدفه المعين ويطلب الطاعة لتعاليمه، بل بدلاً من ذلك، فإنه يُستخدم لهدف آخر يكون في ذهن المفسر من خلال عملية الروحنة – والعثور على معنى خفي في النص.

تكون براعة دارس الكتاب المقدس هي القيد الوحيد لتفسيراته المثيرة للكتاب المقدس في مثل هذا المنهج. فعندما يقوم واعظ بالتعامل مع حدث تاريخي مباشر على أن له مضامين خفية وحقائق روحية مثيرة، فلا عجب في أن الكثيرين من المسيحيين الإنجيليين يتعاملون مع الكتاب المقدس بنفس الطريقة في الاستخدام التعبدي وفي طلب المشورة.

كثيرون من المسيحيين المخلصين في قراءة الكتاب المقدس بطريقة تعبدية يشعرون “بالبركة” فقط عندما يجدون فكرة مدهشة مفاجئة يوحي بها النص، وتكون فكرة ليس لها علاقة بقصد وهدف المؤلف. فبالنسبة لهم، يبدو السعي لمعرفة مشيئة الله من خلال الدراسة المتأنية وفهم قصد المؤلف، عملاً جافاً ومملاً.

وبنفس الطريقة، يستخدم كثيرون من المسيحيين الكتاب المقدس بطريقة “سحرية” للحصول على إرشاد معين للقرارات التي يجب أن يتخذوها، مثل، إلى أين يذهبون، وماذا يشترون، وما الوظيفة التي يقبلونها – والتي يتم اكتشافها جميعاً من خلال مقاطع الكتاب المقدس التي، بالمصادفة العجيبة، يكون لها معنى مزدوج. لكن أولاً، هناك الرسالة التي يقصدها المؤلف، ثم هناك المصادفة غير المرتبطة بالموضوع الذي لا يتشابه مع خبرتهم الشخصية الحالية.

على سبيل المثال، قد يسعى زوجين شابين لطلب مشيئة الرب بشأن وظيفتهما الحالية في منطقة جبلية في الولايات المتحدة، ورغبتهما في أن يذهبا عبر البحار لخدمة إرسالية في إحدى الجزر. وأثناء قراءتهما في الكتاب المقدس يكتشفان الأمر القائل: “كفاكم دوران بهذا الجبل” (تثنية 2: 3).

ويلي ذلك اكتشافهما لنبوة كتابية أخرى تقول: “وتنظر الجزائر شريعته” (إشعيا 42: 4). فماذا يمكن أن يكون توجيهاً أوضح لحياتهما الشخصية من تلك الكلمات ذات السلطان من الكتاب المقدس؟ فلا يهم عندها إن كانت الرسالة التي تلقوها ليست لها أية علاقة بالرسالة التي كان يقصد الكاتب توصيلها.

إنني لا أقول إن الله لم يقدم إرشادات مطلقاً من خلال مثل هذه المصادفات الجيدة، فهو ربما يستخدمها، كما يحدث في ظروف الحياة، مثل لقاء شخص بطريق “المصادفة”، والذي يصبح جزءًا مكملاً لإرشاد الله. لكن الكتاب المقدس لم يُعط لأجل هذا الغرض، وعندما نستخدمه بهذه الطريقة، زاعمين السلطة الكتابية أو تصديق الله على قراراتنا الشخصية، فإننا بذلك نسيء استخدامه.

كما يمكن للمصادفة أن تحدث كذلك كترتيب من العناية الإلهية من خلال الصحف اليومية، مفترضة مساراً ما للسلوك للشخص الذي يسعى لمعرفة مشيئة الله. لكن لا يمكن للمرء أن يزعم، في كلتا الحالتين، إعلاناً معصوماً من الخطأ لمشيئة الله، كمثل ما يمكنه أن يزعم بالنسبة لتعاليم مقطع كتابي قصد المؤلف توصيلها.

بل أن الكتاب المقدس يساء استخدامه بصورة أكبر إذا كانت هذه “الرسالة” السرية من الله تم استخدامها لاستبعاد تعليم واضح للكتاب المقدس – أو مبدأ كتابي، على سبيل المثال، يحظر المسار المقترح للسلوك. لأن الروح القدس لن يقول مطلقاً شيئاً من خلال كاتبي الكتاب المقدس، ثم يقوم بمناقضته أو تغييره بالنسبة للقارئ.

بكلمات أخرى، لن يقوم الله بإرشاد المسيحي من خلال فهم أو تطبيق للكتاب المقدس يبتعد بأي حال من الأحوال عما هو مكتوب. فإن لو قام بذلك، لن تكون هناك طريقة لمعرفة إن كان تفسيرنا هذا من الروح القدس، أم من ميولنا الخاطئة، أم من الشيطان، أم من باعث نفسي أو مادي آخر.

يجب أن يكون واضحاً أن الانطباعات الذاتية لا يمكن أن تتناقض مع تعاليم الكتاب المقدس، إن كنا نريد أن يكون الكتاب المقدس هو السلطة الوظيفية لتفكيرنا وسلوكنا.

لكن الخطر الأساسي من الاعتماد على الانطباعات الذاتية التي يثيرها الكتاب المقدس ليس أن تتناقض مع الكتاب المقدس، بل أن تمضي لمعان أكثر مما يقصده الكتاب المقدس، فتجد معاني لم يقصدها المؤلف على الإطلاق، خاصة فيما يتعلق بالمشورة والإرشاد الشخصي، ثم استخدام هذه الانطباعات بسلطة إلهية كما لو كانت كلمة الله المعصومة من الخطأ.

بمعنى أن استخدام الكتاب المقدس كوسيلة عادية للإرشاد الشخصي يروج لوهم “الحق المعلن” الذي يكون مستوى سلطته أعلى من سلطة ظروف العناية الإلهية الأخرى في الحياة، لمجرد أن هذا “الإرشاد” موجود في الكتاب المقدس.

لكن الكتاب المقدس يجب أن يستخدم للإرشاد “بطرق صحيحة”. وهذه الطرق الصحيحة تتكون من مشيئة الله المعلنة للسلوك البشري، التي تتفق مع المعنى الذي كان يقصده المؤلف. فعندما يكون للنص علاقة عرضية بالظروف الشخصية الحالية والقرار المبني على مثل هذا “الإعلان”، يمكن عندها للشخص أن ينادي فقط بانطباعه الذاتي الخاص عن إرشاد الروح القدس من خلال ظروف غير معتادة، وليس بسلطة الإعلان الكتابي.

إن الخطأ الأساسي في كل المناهج الأربع الخاطئة في التعامل مع الكتاب المقدس هو صفة الذاتية. ففي خاصية الذاتية، يصبح المفسر هو السلطة المطلقة النهائية للتفسير. وقد رأينا أن المنهج الطبيعي لتفسير الكتاب المقدس هو ذاتي، لأن المفسر يقرر مسبقاً ما هو المقبول في الكتاب المقدس، بحسب افتراضاته الطبيعية المسبقة. على أن النوع الأقل ظهوراً للذاتية، خاصة بالنسبة للذين يتأثرون به، هو الروحنة الذاتية.

يعتبر الإنجيليون أكثر عرضة لهذا الخطأ، ربما لأنهم يتعاملون بجدية مع العلاقة بين الروح القدس وكلمة الله. لا يمكن الاستغناء عن عمل روح الله في التفسير الكتابي السليم. فقد ألهم الروح القدس الأشخاص الذين كتبوا الكتاب المقدس، وهو الذي ينير أذهان المسيحيين الذين يقرأون هذه الكلمات بعد ذلك بقرون.

فالوحي أو الإلهام يعني أن الله كان يراقب تدوين الكتاب المقدس حتى آخر كلمة فيه. والاستنارة تعني أن الروح القدس يعمل الآن في المسيحي لكي يساعده على فهم ما هو موجود بالفعل في الكلمة، ويساعده على تطبيق الكلمة بطريقة أصيلة وصحيحة.

أعطانا الوحي إعلاناً لمشيئة الله بدون خطأ، بحسب ما يقر الكتاب نفسه. ولكن الكتاب المقدس لا يقر بمثل هذا الوعد بالنسبة للإستنارة أو الفهم أو التطبيق الذي يساعد عليه الروح القدس. فكما يعمل الروح القدس فينا لكي يجعلنا قديسين، ولكننا لسنا قديسين بعد، هكذا يعمل فينا أيضاً لكي ينير أذهاننا من خلال الكتاب المقدس، لكن نتيجة هذه الاستنارة ليست فهماً كاملاً، لأنها لو كانت كذلك، لاتفق جميع المفسرين الأتقياء معاً في تفسيراتهم.

فعندما يتعامل المفسر مع الاستنارة كأمر معصوم من الخطأ، تماماً كما يتعامل مع نص الكتاب المقدس، يكون عندئذ قد سقط في الذاتية. لأنه عندما يدعى شخص ما مثل هذه السلطة في تفسيره لمعاني الكتاب المقدس يكون أمراً سيئاً بما يكفي، لكنه عندما يدعي مثل هذا المستوى من السلطة في انطباعه الذاتي بخصوص الإرشاد الشخصي، فإنه يخطئ أكثر، لأنه يتجاوز معنى النص الموحى به.

هل هذا يعني أن التفسير السليم و”البركة” الذاتية هما أمران متبادلان؟ بالتأكيد! لأن استخدام مبادئ التفسير لفهم وتطبيق الكتاب المقدس بصورة أصيلة، وإدراك المعنى الذي يقصده الله، سوف يسر الله بالتأكيد، ولكنه سيأتي أيضاً بالبركة الشخصية لحياتنا. فالكتاب المقدس يجب أن يكون له علاقة موضوعية بحياتنا، وإلا لن يتحقق هدفه في تغييرها. لكن التشبه بالمسيح لن يتحقق عندما نجعل الله وكلمته يتفقان معنا. لكن عندما نكون نحن أنفسنا متفقين مع الله ومع كلمته.

هل يوجد أكثر من معنى واحد؟

هل لكل مقطع كتابي معنى واحد، أم أن هناك معان خفية يجب استخراجها من خلال اتباع قواعد خاصة في التفسير، أم من خلال الحدس المباشر بالروح القدس؟ يقدم لنا الكتاب المقدس أمثلة لكلمات تم إعلانها لشخص، ومعنى هذه الكلمات تم إعلانها لشخص آخر. فعلى سبيل المثال، في اختبار كل من يوسف ودانيال، أعطيت الرسالة اللفظية أو الرؤية لشخص، بينما التفسير قد أعطي لشخص آخر (تكوين 41؛ دانيال 2).

فهل هذا هو ما حدث في حالة الكتاب الذين كتبوا العهد الجديد وبالنسبة ليسوع نفسه؟ هل كان لمؤلفي العهد القديم معنى واحد في ذهنهم، بينما كان المؤلف (الله) الذي هو خلف أولئك المؤلفين يقصد معنى آخر أو إضافياً، كشفه لشخص آخر في العهد الجديد؟

يوجد على الأقل رأيان في هذا المسألة. يعتقد البعض أنه يمكن أن يكون هناك معنى واحداً فقط للمقطع الكتابي إذا كانت اللغة يعتمد عليها وكان إيصالها للمعنى ممكن. هؤلاء الناس لا ينكرون احتمال أن يكون هناك عدة تطبيقات للمعنى الواحد. بل الأكثر من ذلك، فهم لا ينكرون احتمال أن يكون هناك معنا آخر أشمل محتوى داخل الإعلان الأصلي.

على سبيل المثال، في المشكلة الصعبة الخاصة باقتباس متى بشأن دعوة ابن الله من مصر (متى 2: 14-15)، يشير هذا الاقتباس بوضوح إلى خروج إسرائيل من مصر (هوشع 11: 1). فكيف إذاً يشير متى بذلك إلى إقامة مريم ويوسف والطفل يسوع في مصر؟ ألا يوجد هنا معنى مزدوج؟ لذلك فإن من يعتقدون بأن هناك معنى واحد فقط، وأن ذلك المعنى كان هو القصد الواعي للمؤلف، يفهمون المقطع على أنه تصريح عن قصد الله تجاه الرب يسوع منذ البداية.

وأثناء عملية الإعداد لهذا الأمر، وكرمز لحقيقة أن يسوع المسيح كان سيأتي من مصر، سمح الله لشعبه إسرائيل أن تكون لهم إقامة هم أيضاً في مصر. فالحقيقة أنه في البداية، دعا الله أول شخص اختاره، إبراهيم، من مكان اقامته في مصر. لذلك فإنه منذ البداية، كان هناك معنى واحد هو المقصود. لكن التحقيق التام لذلك المعنى انتظر حتى مجيء الشخص الذي حققه بالكامل.

هناك آخرون يجدون صعوبة في مثل هذا الاتجاه, إذ أنهم يؤمنون أن هناك مقاطع معينة في الكتاب المقدس لا يمكن تفسيرها على أن لها معنى واحد؛ فمثل هذه المقاطع يمكن أن يكون لها أكثر من معنى واحد مقصود. فالمعنى الثاني (الخفي أو الأقل ظهوراً) كان يمكن أن يكون في ذهن المؤلف أو ربما كان فقط في ذهن الروح القدس، الذي أوحى للمؤلف.

في كلتا الحالتين، فإنهم يعتقدون أن المعاني الإضافية موجودة هناك بواسطة القصد الإلهي. فالروح القدس قام بترميز الرسالة، ثم قام في وقت لاحق بإعلان المعنى الثاني لها من خلال متحدث آخر ملهم من الله. (معظم الكتب المقدسة التي يوجد جدل حاد بشأنها تتضمن نبوات). لكن سنقوم بالتعامل مع هذه المشكلة بتعمق أكثر في الفصل 18.

لكن لا بد من التسليم بأنه أمر مشروع بالنسبة لمؤلف أن يكون له معنى ثاني أو خفي. فإن كان أوليفر ويندل هولمز، مؤلف “The One-Hoss Shay”، قصد أن يكتب بيت شعري ليس فقط عن تحطم عربة تجرها الخيول، لكن لكي يسخر من النظام الكالفيني، فقد كان هذا حقه. وإن قصد كاتب فكاهي أن يخفي رسالة سياسية في مؤلفه الفكاهي، فإن له الحق الكامل في أن يقوم بذلك. فالحقيقة أن هذه تقنية أدبية شائعة.

لكن هناك قاعدة واحدة يجب مراعاتها، وهي أنه إذا تنصل المؤلف عن معنى خفي، لا يمكن لشخص آخر بمنتهى الثقة أو السلطة أن ينسب له هذا المعنى الخفي. بكلمات أخرى، أن المؤلف نفسه هو الوحيد الذي يستطيع بصورة شرعية أن يعرف ذلك المعنى الثانوي. هذه هي الحال مع الكتاب المقدس. إذا تم التسليم بأن هناك معنى ثانوي في مقاطع معينة. فالروح القدس هو الذي أوحى للمؤلف وهو الذي أوحى فيما بعد بالتفسير لذلك المؤلف.

إن مسألة ما إذا كان المؤلف لديه معنى مباشر ومعنى آخر أشمل في ذهنه هي أمر معقد وشديد الأهمية بالنسبة لغرضنا هنا من إقامة افتراض أساسي لفهم الكتاب المقدس، أعتقد أن هذه المسألة تحتاج أن يتم حسمها. لأنه حتى لو اعتقد المرء أن هناك معنى واحداً فقط في المقطع، وأن المؤلف كان على وعي بهذا المعنى في البداية وفي المضمون النهائي، إلا أنه يجب علينا أن نتفق أن ليس أي إنسان يمكنه أن يميز ذلك المضمون الأشمل أو النهائي.

ومن ناحية أخرى، إذا اعتقد الإنسان أن هناك مقاطع معينة في الكتاب المقدس تم ترميزها عن عمد بمعنى مزدوج – أحدهما واضح والآخر سيتم التعرف عليه في وقت لاحق – مرة أخرى، ليس أي شخص يمكنه أن “يفك الشفرة” أو يجد ذلك المعنى الخفي.

هذه نقطة مهمة، فمهما كان الوضع الذي لدى الشخص فيما يخص بمسألة المعنى الخفي أو الثانوي في النبوات، أو المعنى الأشمل المقصود منذ البداية، فإن يسوع المسيح أو كتاب الكتاب المقدس الموحى لهم هم الأشخاص الوحيدون الذين يمكنهم أن يحددوا ذلك المعنى الثانوي أو الأشمل. فعندما تحدث المسيح، كان له كل الحق في تفسير المؤلف. نفس هذا الأمر يمكن أن يقال عن أولئك الرسل الذين خول لهم أن يعلنوا عن مشيئة الله من خلال العهد الجديد.

فأن ينسب الشخص معان خفية للكتاب المقدس، فإنه بذلك يفترض لنفسه سلطة مساوية أو لاغية لسلطة ذلك المؤلف. فالمفسر، سواء كان فرداً أو كنيسة، يعني بذلك أنه سلطة تعلو فوق سلطة الكتاب المقدس. لكن الكتاب المقدس يجب أن يكون هو السلطة النهائية المستقلة لما يقوله الله لشعبه.

صحيح أن الإعلان هو فوق طبيعي في محتواه وفي الطريقة التي أعطي بها، وأن الكتاب المقدس له تأثيرات فوق طبيعة في حياة الذين يقرأونه ويسمعونه. لكن الأداة في توصيل تلك الرسالة فوق الطبيعة هي طبيعة، فهي اللغة البشرية التي توصل كلمات مفهومة لما هو في فكر الله.

فإن كان هناك معنى خفي، فإن المؤلف البشري أو الله نفسه هما الوحيدان اللذان لديهما السلطة لتأكيد ذلك. لذلك فإن أبناء الله الذين يرغبون في معرفة مشيئته وعملها يجب أن يدرسوا باجتهاد لك يتمكنوا من التعامل بطريقة سليمة مع كلمة الحق. فيجب عليهم أن يبذلوا كل اجتهاد لكي يتعرفوا على المعنى الواحد المقصود للمؤلف، وليس أن يبحثوا عن معان خفية.

وعندما يقوم الرب يسوع نفسه أو أحد مؤلفي الكتب المقدسة بإظهار معنى خفي في النص الكتابي، فإننا نفرح بذلك، ولا نندهش، لأن الكتاب المقدس هو كتاب فوق طبيعي، وهناك مؤلف واحد (الله) خلف كل هؤلاء المؤلفين له. لكننا يجب أن نترك مثل هذا النوع من التفسير لمؤلفي الأسفار المقدسة، إذ أننا غير مخولين من الله لأن نكون متحدثين باسمه معصومين من الخطأ بإعلان إضافي.

مراجع مختارة لمزيد من الدراسة

أكرويد، بي آر، وسي إفي إفانز، محرران. The Cambridge History of the Bible Cambridge: U. Press 1970.

فارار، فريدريك دبليو. History of Interpretation. 1886 reprint. Grand Rapids: Baker, 1961.

جرانت، روبرت إم. A Short History of the Interpretation of the Bible. مع ديفي تريسي طبعة ثانية منقحة Philadelphia: Fortress, 1984.

“History of the Interpretation of the Bible” The Interpreter’s Bible.

 New York: Abingdon-Cokesbury, 1952. 1:106-41.

سمولي، بيريل. The Study of the Bible in the Middle Ages. Notre Dame: U. of Nortre Dame, 1964.

وود، جيمس دي. The Interpretation of the Bible: A Historical Introduction. London: Duckworth, 1958.

[1] إس هوروفيتز، Midrash, Jewish Encyclopedia، 12 مجلد (New York: Ktav, 1904)، 8: 548.

[2] جيمس دي وود، The Interpretation of the Bible: A Historical Introduction (London: Ducworht, 1958)، صفحة 72.

[3] نفس المرجع. صفحة 87. انظر أيضاً بيمارد رام، Protestant Biblical Interpretation (Grand Rapids: Baker, 1870)، صفحة 54.

[4] آرثر دبليو بينك، Gleanings in Joshua (Chicago: Moody, 1978)، صفحة 102.

 

المنهج فوق الطبيعي لتفسير الكتاب المقدس

المنهج الطبيعي في تفسير الكتاب المقدس

المنهج الطبيعي في تفسير الكتاب المقدس

المنهج الطبيعي في تفسير الكتاب المقدس

المنهج الطبيعي في تفسير الكتاب المقدس

لا يسمح المتعصبون من أنصار المنهج الطبيعي بأي شيء فوق طبيعي في الكتاب المقدس، أو في أي مكان آخر. يأخذ بعض المفسرين هذا الاتجاه بينما يكون الآخرون أقل تصلباً، ويدركون وجود بعض العناصر فوق الطبيعية في الكتاب المقدس. إن من يتعاملون مع الكتاب المقدس بالمنهج الطبيعي يعتقدون أنهم يجب أن يقللوا أو يبعدوا من العناصر غير المقبولة بالنسبة لمنطقهم، لأن الكتاب المقدس كتبه بشر. وعلى الرغم من أن هناك الكثير من المناهج الطبيعية، إلا أننا سوف نناقش أكثر ثلاثة مؤثرين منها:

1 – العقلانية، التي أصبحت سائدة في القرن السابع عشر.

2 – النقد الأدبي، الذي أصبح سائداً في القرن التاسع عشر.

3 – النسبية الثقافية، والتي أصبحت مؤثرة بصورة متزايدة في النصف الأخير من القرن العشرين.

1 – العقلانية

الكتاب المقدس عقلاني لأنه يخاطب العقل. فالواقع “تجديد” الذهن وتغييره عن الأفكار السائدة في العالم (رومية 12: 2). والكتاب المقدس عقلاني من ناحية أنه حق صرف، ولا يناقض نفسه مطلقاً. وهكذا يتعامل المسيحي مع الكتاب المقدس بعقلانية وليس بدون عقلانية. لكن العقلانية يستدل عليها بنظام للتفسير ينبع من نظرة طبيعية للعالم. فالعقلاني يعتمد على منطقه الشخصي باعتبار أنه السلطة النهائية المطلقة.

وتنعكس تلك النظرة في الافتراضات المسبقة لدى العقلاني: وهي أن ما لا يمكن التحقق منه بواسطة الخبرة المعاصرة أو الفكر المنطقي، لا يمكن قبوله على أنه حقيقي، وبالتالي لا يمكن أن يكون كلمة الله. فالمعيار النهائي للعقلاني لتحديد ما إذا كان تعليم ما أهل للثقة، هو المنطق الفردي المستقل ذاتياً.

بالنسبة للعقلاني، توجد ثلاثة أحجار عثرة في الكتاب المقدس لكي يقبله على أنه جدير بالثقة، وبالتالي ككلام له سلطان من الله. الأولى، بعض تعاليم الكتاب المقدس تم اعتبارها تعاليم لا تليق بالله أخلاقياً. فصلوات دواد لأجل الانتقام من أعدائه (مزامير اللعنات)، والأوامر بإهلاك شعب كنان هي أمثلة لمثل تلك العناصر غير المقبولة. لا يسعى العقلاني لتوفيق هذه العناصر مع تعاليم الكتاب المقدس الأكثر قبولاً (بالنسبة له)، ولكنه يؤكد ببساطة على أنها ليست كلمة الله. وفي السنوات الأخيرة تم إدراج الكثير من تعاليم الكتاب المقدس الأخرى تحت نفس التصنيف بواسطة العقلانيين. فتعاليم الكتاب المقدس عن الطلاق، ودور المرأة في الزواج، وقبول السلطة المدنية، والكثير غيرها قد تم رفضها بسبب ما يطلقون عليه الأسس الاجتماعية.

كما أن هناك عنصران آخران في الكتاب المقدس تم رفضهما بواسطة العقلانيين، وهما: المعجزات، وعبارات الكتاب المقدس التي يبدو أنها تناقض عبارات أخرى فيه (مثل الشواهد التاريخية التي لا تتفق معاً).

بعد الإصلاح تصاعد انتشار التفسير العقلاني بسبب التقدم العلمي. وفجأة ظهرت أعداد أكبر كثيراً من المشاكل في الكتاب المقدس مما كانت تعتبر من قبل. فأية نظرية للعلوم الفيزيقية أو البيولوجية كان يمكن للعقلاني أن يقبلها باعتبار انها أقرب إلى الصدق والحقيقة من أي شيء يمكن للكتاب المقدس أن يقوله في هذا الموضوع. وقد عجل هذا الصراع العظيم بين نظرية التطور وتعاليم الكتاب المقدس الخاصة بالخلق. وبتقدم العلم أكثر، ظهر أن عدداً من التفسيرات الكتابية التي كانت مقبولة منذ زمان طويل تتناقض مع النظريات العلمية الناشئة حديثاً. وهكذا كان العقلاني يميل إلى اتخاذ جانب النظريات العلمية.

وحيث أن العالم المادي ليس هو المحور الرئيس لتركيز الإعلان الكتابي، فإن الصراع حول النظريات الفيزيقية والبيولوجية، رغم شدته، كان محدوداً. لكن بميلاد العلوم السلوكية في القرن التاسع عشر، ازداد بسرعة عدد التعاليم الكتابية التي أصبحت غير مقبولة للعقلانيين. فقد كان علم النفس وعلم الاجتماع يتجهان مباشرة إلى قلب الإعلان الكتابي، بالتعامل مع الموضوعات العامة، مثل الإنسان، وطبيعته، وعلاقاته، وما يجعله مكتملاً. واتسعت ساحة المعركة بسرعة لكي تشمل معظم الكتاب المقدس.

كان هؤلاء هم العقلانيون العلمانيون، ولكننا عندما نتحدث عن الافتراضات العقلانية المسبقة في التفسير، فإننا لا نشير أساساً إلى المواجهة بين المؤمن، الذي يرغب في فهم الكتاب المقدس، والعقلاني غير المؤمن، الذي يهاجم من الخارج. لكننا نتحدث عن أولئك الذين، في سعيهم لفهم الكتاب المقدس، يتبنون اتجاهاً عقلانياً في افتراضاتهم المسبقة. فيعتمدون بالكامل على العقل أو المنهج “العلمي” في التوصل إلى معنى النص ورسالة الله التي قد تكون هناك.

يعتبر العقلاني فهمه الشخصي (أو فهم شخص آخر) هو السلطة التي يقيم بها العناصر الموجودة في الكتاب المقدس. فإذا كان هناك خطأ ما في الكتاب المقدس، فيجب أن يقوم شخص ما بتحديد وجه الخطأ وما هو الصواب. وبحسب رأي العقلاني، يتم تحديد ذلك بواسطة التفكير البشري.

على هذا الأساس، لا يستطيع العقلاني أن يقبل المعجزات الموجودة في الكتاب المقدس لأنه لم يختبرها هو شخصياً، وأيضاً لأن الروايات المتعلقة بالمعجزات لا يمكن التحقق منها بواسطة التجربة. ولذلك يجب تفسير المعجزات إما على أنها سوء فهم للأحداث الطبيعية، أو على أنها أساطير تنمو حول نوع من الأحداث التاريخية او التخيلية.

على سبيل المثال، بحسب العقلانيين، كان عبور البحر الأحمر فعلياً هو عبور لبحر “ريد”، هو عبارة عن مستنقع ضحل، والذي استطاع الإسرائيليون السير عبره. نبوات دانيال أيضاً لم يكتبها دانيال نفسه، بل كتبها شخص آخر بعد وقوع الأحداث. بالإضافة إلى أن يسوع لم يطعم الخمسة آلاف نفس، بل أن يسوع استخدم سخاء الصبي الذي أعطاه غذاءه لتحفيز الباقين للمشاركة بغذائهم بسخاء أيضاً.

فالافتراض المسبق هو أن المعجزة أمر مستحيل. لذلك، فبدلاً من اللجوء إلى القواعد العادية التي يستخدمها المؤرخون للتحقق من الأحداث التاريخية، يقوم العقلاني ببساطة باستبعادها على أنها غير مقبولة. يُستخدم نفس هذا المنهج لاستبعاد ما يعتبر تعليم غير مقبول أخلاقياً، وللمقاطع التي تبدو أنها تناقض البراهين التاريخية الأخرى أو النظريات العلمية المعاصرة.

النتيجة النهائية للمنهج العقلاني في الكتاب المقدس هي ببساطة أنه: لا توجد كلمة أكيدة من الله، بمعنى أن الكتاب المقدس ليست له سلطة مستقلة في ذاته، لأن التفكير البشري هو السلطة النهائية في الحكم على كل ما يعبر عن نفسه بأنه كلام من الله.

2 – نقد الكتاب المقدس (النقد الأدبي)

واحدة من السمات المميزة للإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر كان إصرار قادته على “الكتاب المقدس وحده”. فرفض المصلحين لتساوي سلطة الكتاب المقدس بسلطة التقليد قد تأثر باكتشاف أن وضع الكنيسة الرومانية الكاثوليكية كان مؤسساً على وثائق مزورة. وبالتالي أصبح البروتستانت مهتمين للغاية بالمسائل المتعلقة بالسمة الأدبية للوثائق الدينية، وخاصة الكتاب المقدس.

وهكذا كان هناك احتياج للحكم النقدي لتمييز الصواب من الخطأ. و”نقد الكتاب المقدس” هو مصطلح فني لا يتضمن معناه الجلوس في موضع الحكم على الكتاب المقدس، كما يحدث عندما يقوم الناقد الفني بتقييم عمل فني، أو النزعة السلبية التي يقوم بها شخص ذو “روح ناقدة”. لكن هذا المصطلح يشير إلى التقييم الدقيق للبيانات لتقرير الحقيقة بشأن الكتاب المقدس.

يأخذ النقد الكتابي شكلين. أولاً، النقد النصي أو “الأدنى”، إذ سعى النقاد النصيون لتقرير ما هو النص الأصلي للكتاب المقدس. فالكثير من النسخ القديمة من الكتاب المقدس تم حفظها في أجزاء أو بأكملها، وهذه تمثل درجات مختلفة من الاتفاق. فالنقد النصي هو علم مقارنة النص بالنص الآخر لتحديد النص الأصلي. ورغم أنه لا يوجد لدينا أي من المخطوطات الأصلية اليوم، إلا أنه بسبب الأعداد الضخمة من النسخ والترجمات القديمة المتاحة (أكثر من 5000)، يمكننا أن نتيقن تقريباً من النص الأصلي.

وفي الحالات الضئيلة التي يظل بها نوع من الأسئلة، لا يشكل هذا أي مخاطرة بمبدأ عقائدي مهم. فكل نقاد النصوص الأوائل تقريباً كان يدفعهم الاقتناع بأن النص الأصلي هو الموحى به من الله، ولهذا كان للنص الدقيق أهمية عظمى. وهكذا يسعى النقد النصي لإظهار النص الأصلي بأكثر دقة ممكنة.

أما النوع الثاني من نقد الكتاب المقدس، فهو أمر يطلق عليه النقد “الأعلى”، ويقوم بفحص النص التاريخي للوثيقة والسمات الأدبية للسفر نفسه. هذا النوع من التحليل يحاول أن يجيب على أسئلة مثل: تاريخ كتابة السفر، ومن هو كاتبه، والأسلوب الأدبي في أي مقطع. مثل هذه الدراسة ليست عقلانية في الأصل. فمعرفة الاختلاف بين نصوص الشريعة والأمثال، أو بين الشعر والرسالة، يساعد على فهم ما يقصده الكاتب بطريقة سليمة.

كما أن ملاحظة الهدف اللاهوتي لأي ممن قاموا بكتابة الكتاب المقدس له قيمته وأهميته أيضاً. لكن على يدي العقلانيين، أصبحت الوسيلة النقدية التاريخية هي تماماً ما يطلق عليه “النقد الأعلى الهدام” – وهو النقد الذي تكون نتيجته النهائية، إن لم يكن هدفه، هو هدم الثقة في مصداقية الكتاب المقدس، أو في أنه ذو سلطة على الإطلاق.

النقد التاريخي من هذا النوع قد أصبح بديل شديد الفائدة بالنسبة لأولئك الذين استبعدوا فكرة الكتاب الموحى به من الله، ولكنهم لا يزالون يرون نوعاً من القيمة في الكتاب المقدس كسجل للسعي الديني. فسعي إسرائيل، إذ يعاد بناؤه بواسطة الناقد، تم جعله يتفق، وفي معظم الأحيان يتم تفسيره بالكامل، بالحياة الدينية للشعوب حوله. وهذه نظرة طبيعية لأنها ترفض أي احتمال أن يكون الله قد اختار وأفرز شعب إسرائيل لتحقيق أغراضه الخاصة، وأنه استطاع أن يوحي للكتاب لكي يسجلوا بدقة رحلتهم الروحية.

كانت نظرية JEDP التي كان هناك الكثير من الجدل بشأنها، هي المثال النموذجي لاستخدام الوسيلة النقدية التاريخية بطريقة تهدم الثقة في سلطة ومصداقية الكتاب المقدس. تعتقد هذه النظرية أن التوراة، أي أسفار موسى الخمس، كان في الحقيقة تجميع لمواد أربعة مؤلفين مختلفين على مدى عدة قرون. باستخدام تقنية مشابهة، جادل آخرون بأن سفر إشعياء كتبه اثنان أو ثلاثة “إشعياء”، وأن بولس لا يمكن أن يكون قد كتب الرسائل الرعوية التي يزعم أنه كتبها.

يؤكد هذا المنهج كبداية على وجود أخطاء في الكتاب المقدس، كما يقوض سلطة الكتاب المقدس في النهاية، جاعلاً من السهل “تفسير” النص بطرق تتفق مع منطق الفرد الشخصي بالنسبة لما هو ممكن أو مقبول. ولذلك فإن العناصر فوق الطبيعية في الكتاب المقدس أو التعاليم، والتي لا تتفق مع منطق الفرد الشخصي بالنسبة لما هو ممكن أو مقبول. ولذلك فإن العناصر فوق الطبيعية في الكتاب المقدس أو التعاليم، والتي لا تتفق مع الأسس الحديثة التي يتبناها الشخص، لا تعد حقيقية أو ذات سلطة.

جميع نقاد الكتاب المقدس، لو قاموا بواجباتهم الدراسية، يعملون من منطلق نفس البرهان. فإذا بدا هذا البرهان أنه يقوض مصداقية الكتاب المقدس، تبدأ افتراضات الشخص المسبقة في العمل. أولئك الذين يؤمنون أن النص حق وصادق، سيبحثون عن حلول تدعم ثقتهم في مصداقية الكتاب المقدس – وقد نجح العلماء المؤمنون بصورة ملحوظة في حل تلك المشاكل. لكن الذين يعتقدون أن الكتاب المقدس، مثل أي كتاب ألفة البشر، قد يخطئ، لا يحتاجون أن يسعوا للمزيد من التحليلات، إذ أنهم يحلون المشكلة باستنتاج أن عبارات الكتاب المقدس على خطأ. هكذا نرى أن افتراضات الشخص المسبقة بشأن طبيعة الكتاب المقدس تسبق التفسير، وتتحكم فيه.

فعلى سبيل المثال، المفسر الذي يعتنق افتراضات طبيعية مسبقة قد يجادل ضد السلطة المزعومة لسفر ما، مثل أسفار موسى أو بولس، لمجرد أن محتوى السفر لا يتفق مع الافتراضات الخاصة بالمفردات والأسلوب. وهذا يقوض سلطة أجزاء رئيسية من الكتاب المقدس.

على أن المفسر الذي يقبل تصريحات الكتاب المقدس الخاصة بالتأليف، سيجادل من ناحية أخرى، بشأن إمكانية أن يستخدم المؤلف أساليب مختلفة في فترات مختلفة من حياته عندما يتعامل مع موضوعات مختلفة أو عندما يقتبس من مؤلفين مختلفين. وبالمثل، فإن المفسر صاحب المنهج الطبيعي قد يجادل ضد وحدة سفر إشعياء لأن العناصر الموجودة في جزء من السفر تزعج افتراضه المسبق بشأن استحالة تنبؤ أي شخص بالمستقبل. في كلتا الحالتين، يتم حرمان الكتاب المقدس مسبقاً من ممارسة أي سلطة مستقلة.

إلا أن التصميم الكامل للكتاب المقدس مبني على أن يتحدى الافتراضات المسبقة، وليس أن يحكم بها. وإن لم يكن الكتاب المقدس فوق طبيعي، لأن يفقد منه فقط المعجزات، بل يُزال منه كذلك مفهوم الإعلان الإلهي السلطوي بأكمله. لذلك يختار النقد التاريخي الهدام أن يعترف فقط بالسلطة البشرية في الكتاب المقدس. لكن لكي نكون صادقين فيما يؤكده الكتاب المقدس عن نفسه، يجب أن يعمل كل من النقد التحليلي والنصي والتاريخي والأدبي على أساس افتراضات مسبقة يكون مصدرها بشري وإلهي معاً.

3 – النسبية الثقافية

إن مهمة عبور الفجوة بين العالم البعيد لكتاب الكتاب المقدس والعالم المعاصر ليس جديدة. فدراسة السياق الذي كتب فيه الكتاب المقدس كانت دائماً أمراً مهماً لأي شخص لكي يفهم معاني الكتاب المقدس. باستثناء الكثيرين الذين يسعون لفهم “روحي” آخر غير المعنى الطبيعي للنص، يسعى جميع المفسرين للحصول على فهم واضح للكتاب المقدس بدراسة المحيط التاريخي والثقافي والديني للمؤلف.

على هذا الجانب من الفجوة بين القديم والحديث، يسعى المفسرون الأصليون الحقيقيون للكتاب المقدس لتطبيق المعنى على الوضع الحاضر. ولكي يقوموا بذلك بفاعلية، يجب على المفسرين أن يفهموا محيط وبيئة القارئ أو السامع. لأن الشخص الذي يسعى لتوصيل حق الكتاب المقدس للناس في ثقافة مختلفة عن ثقافته، يكون من أكثر الأمور أهمية بالنسبة له هو أن يدرس سياق ثقافة المتلقي. إن عملية “وضع حق الله في سياق المتلقي” أو السامع، هو ما يعنيه التجسد كله. فقد قام يسوع المسيح بترجمة حق السماء إلى كلمات وأفعال يمكن للبشر أن يفهموها. وأتبع الرسل ذلك بتطبيق حق الله بطريقة مختلفة تماماً بما يتناسب مع كل من سامعيهم من اليهود ومن الأمم.

هذان السياقان أو المحيطان، محيط المؤلف ومحيط القراء المعاصرين، مهمان للغاية لفهم وتطبيق حق الكتاب المقدس حتى أن عدة فصول في هذا الكتاب سوف تتعامل مع تطوير المهارات في هاتين المنطقتين. لكن يجب أولاً حسم الافتراضات المسبقة. ماذا يعني المرس إذاً “بتكييف السياق”؟ عملياً، يتراوح من يقومون بتكييف السياق ما بين أولئك الذين يقومون بدراسة السياق الثقافي للنص ببساطة كوسيلة لتوضيح معنى النص، وبين الذين يركزون كثيراً على “السياق” حتى أنهم يصبحون طبيعيين في منهجهم.

الأسئلة الجوهرية هنا هي: هل تعتمد صحة مقطع كتابي على الفهم الحالي للثقافة القديمة؟ وهل تعتمد سلطة الكتاب المقدس على توافقها مع المقاييس الثقافية في عصرنا الحاضر؟

“الثقافة” هي الطريقة التي ترى بها جماعة من الناس الأمور المختلفة، أو التي تفعل بها الأشياء. تؤمن النسبية الثقافية بأن قيمة أو حقيقة أية فكرة تعتمد على الثقافة التي وجدت فيها. وحيث أن العقلاني يرى الثقافة على أنها متعادلة أخلاقياً، فإن ما يأتي بنتائج مقبولة في ثقافة ما قد لا ينجح في ثقافات أخرى، وبالتالي فإنه لا يكون صالحاً للثقافات الأخرى. هذا المنهج مشروع في القضايا المتعادلة أخلاقياً. لكن أن نجعل هذا المنهج ينطبق على كل شيء في الثقافة، فإن هذا يزعزع مكانة الكتاب المقدس كسلطة مستقلة تحكم على جميع أفكار وطرق السلوك البشري. في الحقيقة أنه ليس كثير أن نقول أن الكتاب المقدس قد أعطي تحديداً لكي يغير الثقافة البشرية ويخلق أسلوباً إلهياً في التفكير والسلوك. وهذا هدف أساسي من أهداف الكتاب المقدس.

فكر في مضامين النسبية الثقافية على كلا طرفي “فجوة الفهم” بين النص القديم والمؤمن في عصرنا اليوم. ماذا تفعل النسبية الثقافية للمعنى الذي يقصده المؤلف من ناحية، ولتطبيق الكتاب المقدس على إيمان وحياة العصر الحالي، من ناحية أخرى؟

عندما تختلف النظرة الحالية لسياق الكتابة الأصلية عن المعنى الواضح للنص، فأي تفسير هو الذي يسود؟ إذا تم السماح لفهم العصر الحالي للثقافة القديمة – الذي يكون غير دقيق في أفضل حالاته – بأن يغير من المعنى الواضح للنص، فقد أصبح هذا المنهج عندها منهجاً طبيعياً.

كثير من تعاليم الكتاب المقدس تعتبر مصدر إزعاج ومشاكل بالنسبة للثقافة المعاصرة. عدد من المفسرين الذين يعتبرون أنفسهم إنجيليين يتعاملون مع هذه المشاكل من خلال عملية يطلق عليها عدة أسماء مختلفة مثل، “تكييف السياق”، “التفسير الديناميكي المعادل”، أو “علم اللغويات العرقي”. وهذا العلم يقول أن التصريح الكتابي هو مجرد “هيكل” ثقافي مؤقت، فقد كانت له سلطة فقط بالنسبة لسامعيه الأصليين، ويمكن أن يتم استبعاده على أنه غير ملزم لشعوب أخرى ذات ثقافات مختلفة. لكن “جوهر” الحق المخفي في هيكل هذه الثقافة هو المبدأ والعقيدة الثابتة الباقية، والتي هي مشيئة الله لجميع الشعوب وفي كل العصور.

إلى أي حد يصبح هذا المنهج طبيعياً؟ إنه يصبح كذلك عندما يتم وصف أي تعليم من الكتاب المقدس بأنه هيكل ثقافي يمكن الاستغناء عنه في سبيل الجوهر، أو المبدأ العقائدي الباقي المفترض أنه يحويه – إلا إذا قدم الكتاب المقدس نفسه الأساس لمثل هذا التمييز.

لا يقر الكتاب المقدس في أي جزء منه بوجود تمييز بين الهيكل والجوهر. فعلى أي أساس إذاً يتم هذا التمييز؟ ومن الذي يحكم فيه؟ على سبيل المثال، أي من الوصايا التالية هيكل ثقافي يمكن الاستغناء عنه؟

“أيتها النساء اخضعن لرجالكن كما للرب” (أفسس 5: 22).

“أيها الأولاد أطيعوا والديكم في الرب لأن هذا حق”. (أفسس 6: 1).

“ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس” (أعمال 5: 29).

إن الشخص الذي يقيم أية تعاليم هي التي يتعامل معها كمبدأ ثابت، وأيها يتعامل معه كثقافة يمكن الاستغناء عنها، قد أصبح هو نفسه سلطة فوق سلطة الكتاب المقدس. فإذا حكم على الزواج “بالموت” في عيني مشير الزواج، يخبروننا بأنه يجب أن ينصح بالطلاق. لكن ماذا عن أمر المسيح ضد الطلاق؟ حسناً، سيقولون أن المسيح قد أعطى هذه الأوامر في محيط الثقافة اليهودية في القرن الأول الميلادي، وهكذا فإن المبدأ وراء هذا الأمر هو الذي يجب أن يطاع، وليس الأمر نفسه. فالمبدأ هو اهتمام المحبة من الشريكين تجاه بعضهما البعض. لكن في بعض الأحيان يعتقد الناس أن اهتمام المحبة يعفي الطرف الآخر من الروابط الشرعية للزواج. وهكذا يقول أنصار تكييف السياق في معظم الأحيان أنه يجب على المفسر ألا يلتزم بالشرعية الحرفية البسيطة.

فكر مثلاً في تعليم الكتاب المقدس عن سلوك الجنس المثلي. إن حظر ممارسة علاقات الجنس المثلي في الكتاب المقدس قد تم بسبب السمعة السيئة للأشخاص الذين يمارسون الجنس المثلي في العالم الروماني، السمعة التي كانت ستجلب العار على الكنيسة لو أن المسيحيين قبلوا بهذه الممارسة. وهكذا فإن المبدأ خلف هذا الحظر كان الإخلاص الزوجي، وهكذا يتم التعليم بأن علاقة الجنس المثلي تصبح مدانة فقط لو أنها صارت مختلطة. في النهاية، يصبح فهم المفسر للثقافة القديمة هو السلطة لقبول أو رفض التعليم الكتابي. وحيث أن كل الكتاب المقدس قد أعطي في سياق حضارة ما، فإن أي تعليم فيه تقريباً يخضع لهذا النوع من الاستغلال السيء للسياق.

افتراضات أنصار النسبية الثقافية هي نفس افتراضات العقلانيين: وهي افتراضات المنهج الطبيعي. فبالنسبة لأصحاب المنهج الطبيعي، عندما يكون هناك تعليم واضح في الكتاب المقدس يتعارض مع أسلوب التفكير البشري بشكل ما، يجب أن يبتعد الإعلان ويفسح الطريق للفكر البشري. وبالنسبة لأنصار النسبية الثقافية، إذا كان فهم الشخص لخلفية المؤلف الثقافية أو للخلفية الثقافية المعاصرة يجعل التفسير مخالفاً للمعنى الطبيعي للنص نفسه، فإن الافتراض هو أن من يقوم بتكييف السياق له سلطة أعظم في تقرير الحق من الكتاب المقدس نفسه، وهذا يعتبر منهجاً طبيعياً. (تعتبر مسألة تكييف السياق هي القضية الجوهرية بين المفسرين الإنجيليين. لذلك سنقوم بمعالجة هذا الموضوع بصورة أدق في الفصول التالية).

مراجع مختارة للمزيد من الدراسة

آلاند كيرت، وبارباراد ألاند. The Text of the New Testament: An Introduction to the Critical Edition s and to the Theory and Practice of Modern Textual Criticism. ترجمة إيرول إف رودس Grand Rapids: Eerdmans 1989.

بروس إف إف. The New Testament Documents: Are Thwy Reliable? Downers Grove, 111.: InterVarsity, 1973.

جرينلي، جي هارولد. Introduction to New Testament Textual Criticism. Grand Rapids: Eermans, 1964.

كرتنر، إدجار. The Historical – Critical Method. Philadephia: Fortress, 975.

سولين، ريتشارد إن. Handbook of Biblical Criticcism. Atlanta: John Knox, 1981.

ستين، روبرت إتش. The Synoptic Problem: An Introduction. Grand Rapids: Baker, 1987.

ستولماكر، بيتر. Historical Criticism and Theological Interpretation of Scripture: Toward a Hermeneutic of Consent.  ترجمة روي أيه هاريسفيل. Philadelphia: Fortress 1997.

المنهج الطبيعي في تفسير الكتاب المقدس

القديس يوستينوس Saint Justin Martyr

القديس يوستينوس Saint Justin Martyr

القديس يوستينوس Saint Justin Martyr

القديس يوستينوس Saint Justin Martyr

يوستينوس الشهيد هو أهم مدافع يوناني في القرن الثاني الميلادي[1]، وواحد من أنبل شخصيات الأدب المسيحي المبكر. ولد يوستينوس في مدينة “فلافيا نيابوليس” (Flavia Neapolis)، والتي كانت تعرف قبلاً باسم “شكيم” (Sichem)، بفلسطين. وكان والداه وثنيين، وهو نفسه يخبرنا، في (Dialog 2 -8)، أنه قد جرب أولاً أن يلتحق بمدرسة فيلسوف رواقي (Stoic)، ثم بمدرسة فيلسوف مشائي[2] (Peripatetic)، لكن، ولا واحد من هؤلاء الفلاسفة قد أقنعه أو أشبع نهمه.

لقد فشل الرواقي لأنه لم يشرح له أي شيء يتعلق بشخص الله، وأكثر ما كان يهتم به المشائي هو أن يدفع له يوستينوس أجرة الدرس فوراً، الأمر الذي قابله يوستينوس بأن تجنب حضور محاضراته؛ والفيثاغوري طلب منه أن يدرس أولاً الموسيقا، والفلك، والهندسة كضرورة، ولم يكن لدى يوستينوس الرغبة في ذلك.

ومن ناحية أخرى، راقت له الفلسفة الأفلاطونية لفترة من الوقت، وقد كان ذلك إلى أن أقنعه رجل، عندما كان يتمشى على شاطئ البحر، بأن الفلسفة الأفلاطونية لا يمكنها أن تُشبع قلب الإنسان، ولفت نظره إلى “الأنبياء الذين وحدهم قد أعلنوا الحق”. ثم يحكي يوستينوس قائلاً: “وعندما تكلم بهذا وأشياء أخرى كثيرة لا وقت لذكرها الآن، ذهب طالباً مني أن أفكر فيما تكلم به إليّ؛ ولم أره من حينها.

لكن للفور اشتعل في روحي لهيب، وتملكني محبة للأنبياء ولهؤلاء الرجال الذين هم أصدقاء للمسيح. وبينما كنت أقلب كلماته في رأسي، وجدت أن هذه الفلسفة هي الوحيدة الآمنة والمفيدة. هكذا، ولهذا السبب، أصبحت فيلسوفاً، وأتمنى أن يكون كل البشر لهم نفس فكري، ولا يتحولوا عن تعاليم المخلص”. (Dial. 8)

لقد قاده طلبه للحق إلى اعتناق المسيحية. كما يخبرنا يوستينوس أيضاً أن هذه الاستهانة البطولية التي كان المسيحيون يقابلون بها الموت قد لعبت دوراً ليس بصغير في تحوله للمسيحية: “أنا نفسي كنت أستمتع بتعاليم أفلاطون وأستمع إلى كلام شرير عن المسيحيين، لكن لما رأيت أنهم لا يظهرون أي خوف في مواجهة الموت وكل الأمور الأخرى التي تبعث على الخوف، فكرت في أنه لا يمكنهم أن يكونوا متوحشين وشهوانيين”. (Apol. 2: 12).

وقد أدى به البحث الأمين عن الحق والصلاة المتضعة إلى اعتناق المسيحية في آخر الأمر: “عندما اكتشف الخداع الشرير الذي ألقته الأرواح الشريرة حول عقائد المسيحيين الإلهية لتصرف الآخرين عن الانضمام إليهم، وأعترف إني صليت وجاهدت بكل قوتي لأصبح مسيحياً”.

وبعد اهتدائه، الذي حدث على الأرجح في مدينة أفسس، كرس يوستينوس حياته كلها ليدافع عن الإيمان المسيحي. لقد سافر متنقلاً وهو يرتدي “الباليم” (Pallium) – وهي عباءة كان يرتديها الفلاسفة اليونانيون – باعتبار مُعلماً متجولاً. ووصل يوستينوس إلى روما في عهد الإمبراطور “أنطونينوس بيوس” (138-161م)، وأسس مدرسة هناك، وكان من تلاميذه “تاتيان” الذي قدر له لاحقاً أن يصبح مدافعاً.

وهناك أيضاً لقي مقاومة شديدة تمثلت في شخص الفيلسوف الكلبي[3] “كريسكنس” (Crescens)، الذي اتهمه يوستينوس بالجهل. ولدينا رواية موثقة عن استشهاد يوستينوس مذكورة في (Martyrium S. Justini et Sociorum)، وهي معتمدة على محضر المحاكمة الرسمي. ووفقاً لهذه الوثيقة، قطعت رأس القديس يوستينوس ومعه ستة آخرون عام 165م على أرجح الأقوال، ذلك في حين كان الحاكم “يونيوس روستيكوس” (Junius Rusticus) (163-167م) لا يزال في منصبه.

كتابات القديس يوستينوس

كان يوستينوس كاتباً غزير الإنتاج، ولم تصلنا من كتاباته التي كان يعرفها يوسابيوس (Hist. 4: 18) إلا ثلاثة أعمال فقط موجودة في مخطوطة وحيدة حالتها متدهورة نسخت عام 1364م (Paris. No. 450). وهذه الأعمال الثلاثة هي دفاعاه ضد الوثنيين وحواره مع تريفيون اليهودي.

أما أسلوب هذه الأعمال فهو أبعد ما يكون عن الجاذبية، لأنه يتبع ما تمليه عليه اللحظة كونه غير معتاد على اتباع خطة محددة. إنه ينحرف عن الموضوع، وأفكاره غير مترابطة، كما أنه ضعيف في صياغة الجمل الطويلة. يفتقد أسلوب يوستينوس التعبيري برمته إلى القوة، كما أنه نادراً ما يصل إلى البلاغة أو دفء المشاعر.

لكن، بالرغم من كل ما تنطوي عليه كتابات يوستينوس من عيوب، إلا أنها بالنسبة لنا ذات جاذبية لا تحد، فهي تكشف لنا عن شخصية متفتحة وأمينة تحاول أن تصل إلى مساحة مشتركة مع الخص.  كان يوستينوس مقتنعاً بأن “كل شخص يستطيع أن يتكلم بالحق ولا يفعل سوف يدينه الله” (Dial. 82)، وهو أول كاتب كنسي يحاول أن يقيم جسراً بين المسيحية والفلسفة الوثنية.

أولاً: دفاعا القديس يوستينوس

إن أهم كتابات يوستينوس الباقية هما دفاعاه، ويعلق يوسابيوس عليهما في (Hist. Eccles. 4: 18) قائلاً: “ترك لنا يوستينوس مقالات ذات فكر مُثقف متمرس لاهوتياً، ومليئة بكل ما هو نافع. وسنحيل الدارسين إليها، مشيرين إلى ما قد وصلنا منها بشكل نافع. هناك مقالة كتبها دفاعاً عن عقيدتنا موجهاً إياها إلى أنطونينوس الملقب بـ “بيوس” وأولاده، ومقالة أخرى كتبها إلى مجلس الشيوخ الروماني تحوي دفاعاً ثانياً عنا، وجهه إلى خليفة الإمبراطور السابق الذكر وسميه المدعو أنطونينوس فيروس”.

ونحن بالتأكيد لدينا دفاعان بقلم القديس يوستينوس، أطولهما الدفاع المكون من ثمانية وستين فصلاً، موجه إلى أنطونينوس بيوس، وأقصرهما، المكون من خمسة عشر فصلاً، موجه إلى مجلس الشيوخ الروماني. لكن (E. Schwartz) يعتبر الأخير مجرد خاتمة للأول، ففي الغالب، كان كلام يوسابيوس عن دفاعين هو السبب الذي لأجله قسم العمل الكامل في المخطوطة إلى قسمين، ثم وضعت الخاتمة في المقدمة كما لو كانت عملاً مستقلاً بذاته.

أما اليوم فيوافق معظم الدارسين على أن العمل المعروف بالدفاع الثاني كان يشكل في الأصل ملحقاً للأول أو إضافة لاحقة عليه. وعلى أرجح الأقوال، كانت الأحداث التي وقعت في عهد الحاكم أوربيكوس (Urbicus) هي الدافع الذي يقف وراء كتابة هذا العمل، وهو يبدأ بوصف لأحداثها.

والدفاعان موجهان إلى الإمبراطور أنطونينوس بيوس (138-161م). ويبدو أن القديس يوستينوس قد كتبهما في الفترة ما بين عامي 148م و161م، لأنه يقول في (Apology I: 46): “لقد ولد المسيح من مائة وخمسين عاماً في عهد كيرينيوس (Quirinius)”، وقد كُتبا هذا الدفاعان في مدينة روما.

الدفاع الأول ليوستينوس

  1. في المقدمة (الفصول 1-3)، يطلب يوستينوس من الإمبراطور باسم المسيحيين، أن يتناول قضيتهم باهتمام، وأن يكوّن قراره بدون أن تُضلله تحيزات الجماهير أو كراهيتهم.
  2. يتكون الجزء الرئيسي في الدفاع من قسمين:

1) القسم الأول (الفصول من 4-12) هو نقد لموقف الدولة الرسمي من المسيحيين. وهنا ينتقد الكاتب الإجراءات القضائية التي تتبعها الدولة بشكل منظم ضد شركائه في الإيمان، والاتهامات الباطلة الموجهة إليهم. إنه يحتج على تصرفات السلطات الحمقاء في إنزال العقاب لمجرد اعتراف الشخص باعتناق المسيحية؛ فاسم “مسيحي” مثله مثل اسم “فيلسوف” لا يثبت إدانة شخص ما أو براءته. يمكن إنزال العقوبات على جرائم أدين بها متهم، لكن الجرائم التي اتُّهم المسيحيون بها ما هي إلا محض افتراءات. إنهم ليسوا بملحدين، فإذا رفضوا أن يعبدوا الآلهة، فهم يفعلون ذلك لأن تقديم العبادة لهذه الآلهة حماقة. إن معتقداتهم الأخروية وخوفهم من العقاب الأبدي تحفظهم من السلوك الخاطئ، وتجعل منهم أفضل أعوان للدولة.

2) يتحول القسم الثاني (الفصول من 13-67) إلى شرح الديانة المسيحية، معطياُ وصفاً تفصيلياً بوجه خاص لتعاليمها وعباداتها وأساسها في التاريخ، وأسبابها لاعتناقها.

أولاً: تعاليم المسيحيين العقائدية والأخلاقية:

 من النبواءت الإلهية يمكن إثبات أن يسوع المسيح هو ابن الله ومؤسس الديانة المسيحية، ولقد أسسها بحسب إرادة الله حتى يحول الجنس البشري ويصلحه. ولقد حاكت الشياطين نبوات العهد القديم وقلدتها في الأديان الوثنية السرية، وذلك يفسر سبب الكثير من التشابهات والتماثلات بين الديانة المسيحية وأشكال العبادة الوثنية. وبالمثل، اقتبس الفلاسفة، مثل أفلاطون، من العهد القديم، ولهذا السبب، لا يمكننا أن نتعجب من وجود بعض الأفكار المسيحية في الفلسفة الأفلاطونية.

ثانياً: العبادة المسيحية:

يعطي الكاتب هنا وصفاً لسر المعمودية، وخدمة الإفخارستيا وحياة المسيحيين الاجتماعية.

  1. الخاتمة (فصل 68) عبارة عن تحذير جاد للإمبراطور. ثم أضاف يوستينوس في نهاية الدفاع الأول المرسوم الذي أرسله الإمبراطور هادريان، حوالي عام 125م، إلى “مينوكيوس فوندانوس” (Minucius Fundanus) حاكم آسيا. وهذه الوثيقة ذات أهمية كبرى بالنسبة لتاريخ الكنيسة، فهي تنص على أربعة قوانين وضعت من أجل إجراءات قضائية أعدل وأصح في المحاكمات المقامة ضد المسيحيين، وهذه القوانين هي:

1) الحكم على المسيحيين يجب أن يتم من خلال إجراء قانوني أمام محكمة جنائية.

2) يمكن أن يدان المتهمون فقط إذا كان هناك دليل على أنهم قد ارتكبوا جريمة ضد القانون الروماني.

3) يجب أن تتناسب العقوبات مع طبيعة الجرائم ودرجتها.

4) يجب أن يعاقب كل اتهام كاذب بشدة.

وبحسب يوسابيوس في (Hist. Eccles. 4: 8: 8) ضم يوستينوس هذه الوثيقة في نصها اللاتيني الأصلي إلى دفاعه، ولقد ترجمها يوسابيوس إلى اليونانية، ثم أدرجها في كتابه “تاريخ الكنيسة” (4: 9).

الدفاع الثاني للقديس يوستينوس

يبدأ هذا العمل بذكر الأحداث التي كانت قد وقعت مؤخراً، فأوربيكوس، حاكم مدينة روما، كان قد قطع رأس ثلاثة من المسيحين لأنهم اعترفوا بكونهم مسيحيين. ويلجأ يوستينوس مباشرة إلى الرأي العام الروماني محتجاً مرة أخرى ضد المعاملة الخشنة غير العادلة التي يتعرض لها المسيحيون ومجيباً على انتقادات عدة. فهو، على سبيل المثال، يجيب عن السؤال الساخر الذي كان يسأله الوثنيون، وهو: لماذا لا ينتحر المسيحيون حتى يصلوا إلى إلههم بأقصى سرعة؟

فيجيب يوستينوس قائلاً: “لأننا، إن فعلنا هذا، سوف نسلك نحن أنفسنا ضد إرادة الله. لكن عند استجوابنا لا ننكر، لأننا لم نقصد أي شر، بل أننا نعد عدم قولنا الحق في كل الأشياء أمراً شريراً” (Apol. 2: 4). لقد أثارت كراهية الشياطين للحق والفضيلة الاضطهادات ضد المسيحيين، وتلك القوى الشيطانية نفسها هي التي أتعبت “أتقياء العهد القديم والعالم الوثني.

لكن، لن يكون لهذه القوى سلطان على المسيحيين إذا لم يكن الله يريد أن يقود أتباعه عبر التجارب والقلاقل إلى الفضيلة والمكافأة، وعبر الموت والخراب إلى الحياة الأبدية والسعادة. وفي الوقت نفسه، يعطي الاضطهاد المسيحيين فرصة ليظهروا سمو ديانتهم على الوثنية بطريقة مؤثرة. وختاماً، يطلب يوستينوس من الإمبراطور أن يتبع، في محاكمته للمسيحيين، العدل والصلاح ومحبة الحق.

ثانياً: الحوار مع تريفون

هو أقدم دفاع مسيحي ضد اليهود لا يزال في حوزتنا. لكننا، للأسف، لا نملك نصه الكامل، فلقد فُقدت منه المقدمة وجزء كبير من الفصل (74). ولا بد من أن الحوار قد كُتب بعد كتابة الدفاعين، لأن هناك إشارة إلى الدفاع الأول في الفصل 120. ويحتوي الحوار على نقاش دار على يومين مع شخص يهودي متعلم، وهو على الأرجح الرابي “تارفون” المذكور في المشناه[4].

ويعتقد يوسابيوس (Hist, Eccles. 4: 18: 6) أن مدينة أفسس هي المكان الذي أقيم فيه هذا الحوار. وقد أهدى القديس يوستينوس عمله هذا لشخص يدعى “ماركوس بومبيوس” (Marcus Pompeius)، وهو عمل طويل، يبلغ طوله مئة واثنين وأربعين فصلاً. وتحتوي المقدمة (الفصول من 2-8) على قصة مفصلة يرويها يوستينوس عن نموه الفكري واعتناقه المسيحية.

ويشرح القسم الأول من الجزء الرئيس (الفصول من 9-47) وجهة النظر المسيحية بخصوص العهد القديم. لقد كان الناموس الموسوي ذا سلطة قانونية مؤقتة، فالمسيحية هي الناموس الجديد والأبدي لكل جنس البشر. ثم يُفسر القسم الثاني من الجزء الرئيس (الفصول من 48-108) سبب عبادة المسيح كإله، أما القسم الثالث من الجزء الرئيس (الفصول 109-142) فيبرهن على أن الأمم التي آمنت بالمسيح وتبعت ناموسه هي إسرائيل الجديد وشعب الله المختار الحقيقي.

ويختلف النهج الدفاعي المتبع في الحوار عن ذاك المتبع في الدفاعين لأنه موجه إلى نوع مختلف تماماً من القراء، فالقديس يوستينوس، في حواره مع تريفون، يركز على العهد القديم، ويقتبس من أقوال الأنبياء كبرهان على أن الحق المسيحي كان موجوداً حتى من قبل المسيح. وبالفحص الدقيق لاقتباسه من العهد القديم، يكشف المرء أن يوستينوس يفضل الفقرات التي تتكلم عن رفض الله لإسرائيل واختياره الأمم الوثنية.

ومن الواضح أن هذا الحوار ليس بأي حال من الأحوال إعادة إنتاج لتقرير اختزالي خاص بمناظرة حقيقية. لكن من ناحية أخرى، نجد أن صيغة الحوار ليست بكاملها مجرد أسلوب أدبي؛ إذ يبدو أن كتابة هذا العمل قد سبقته حوارات ونقاشات حقيقية. ومن الممكن أن تكون هذه المناقشات قد حدثت في أفسس في زمن حرب “باركوخبا” المذكورة في الفصل الأول والتاسع.

ثالثاً: أعمال يوستينوس المفقودة

بالإضافة إلى الدفاعين والحوار مع تريفون، كتب يوستينوس عدداً من الكتابات الأخرى التي فقدت، ولم تبق من هذه الأخيرة سوى عناوين أو بعض الشذرات الصغيرة. أحد هذه الأعمال ذكرها يوستينوس بنفسه، وآخر اقتبس منه إيرينيوس، وكثير منها جاء ذكره في قائمة يوسابيوس. كما لا تزال هناك أعمال أخر اقتبس منها الكتاب الكنسيون اللاحقون، وفيما يلي قائمة كتابات يوستينوس المعروفة لنا اليوم:

  1. مقال ضد كل الهرطقات: ذلك العمل الذي يشير إليه يوستينوس بنفسه في الدفاع الأول: فصل 26.
  2. ضد ماركيون: وهو العمل الذي استخدمه إيرينيوس في (ضد الهرطقات 4: 6: 2)، ويذكره يوسابيوس في (Hist. Eccl. 4: 11: 8ff).
  3. مقالة ضد اليونانيين: وهو الذي يقول يوسابيوس بشأنه: “بعد مناقشة طويلة وموسعة تدور حول الكثير من الأشياء التي يتباحث فيها كل من المسيحيين والفلاسفة، يتحدث القديس يوستينوس عن طبيعة الشياطين”.
  4. النُصح: وهو مقالة أخرى كانت بحسب يوسابيوس في (4: 18: 4)، موجهة إلى اليونانيين.
  5. عن سلطان الله: ذلك العمل الذي بناه يوستينوس ليس فقط على كتبنا المقدسة، بل على كتب اليونانيين أيضاً.
  6. عن النفس: ويصف يوسابيوس محتوى هذا العمل في (4: 18: 5) هكذا: “يعرض يوستينوس فيه عدة أسئلة حول المشكلة محل النقاش، ويورد آراء الفلاسفة اليونانيين التي يعد بتفنيدها والإدلاء برأيه الخاص في كتاب آخر.
  7. كتاب بعنوان “المُرتل”.
  8. في كتاب يوحنا الدمشقي “Sacra Parallela” ثلاث شذرات كبيرة من مقالة يوستينوس “عن قيامة الأموات”، ولكن أصالتها محل شك.

وفي الوقت الذي كانت فيه هذه الكتابات كلها قد فُقدت، احتوت المخطوطات على عدد من الكتابات المنحولة تحت اسم يوستينوس. غير أنه من الجدير بالملاحظة أن ثلاثة من هذه الأعمال المنحولة لها عناوين تشبه عناوين أعمال يوستينوس الأصلية المفقودة:

  1. يحاول كتاب “نصح اليونانيين” (Cohortatio ad Graecos) أن يقنع اليونانيين بالدين الحق في صورة خطبة، فالأفكار التي كانت لدى الشعراء اليونانيين بخصوص الآلهة مستهجنة، كما أن تعاليم الفلاسفة فيما يتعلق بالقضايا الدينية مليئة بالتناقضات. ويجد المرء الحق مع موسى والأنبياء، هؤلاء الذين عاشوا قبل الفلاسفة اليونانيين. لكن، يمكن للمرء أن يجد آثاراً من معرفة الله الحقيقية حتى في أعمال الشعراء والفلاسفة اليونانيين، إلا أن القدر القليل من الصلاح الذي تحتويه تلك الأعمال مأخوذ من كُتب اليهود. ويختلف موقف كاتب “نصح اليونانيين” من الفلسفة اليونانية عن موقف القديس يوستينوس بشكل لافت للنظر، حتى إنه لهذا السبب وحده لا يمكن أن تنسب كتابة هذا العمل إليه. لكن إلى جانب هذا، فإن أسلوبه الأدبي يفوق أسلوب يوستينوس، كما أنه يستخدم مفردات لغوية مميزة. كل هذه الأسباب معاً كافية لتثبت أن العمل ليس أصيلاً. وقد كتب “نصح اليونانيين” على الأرجح في القرن الثالث الميلادي، ويتكون من 38 فصلاً، وهو أطول الكتابات المنسوبة إلى يوستينوس.
  2. أما العمل الأقصر كثيراً فهو المعروف باسم “خطاب إلى اليونانيين” (Oratio ad Graecos)، والذي يبلغ عدد فصوله خمسة فقط. والعمل زاه ومفعم بالحياة من حيث الأسلوب الأدبي، ومكثف وجذاب من حيث الترتيب. ومثلما هو واضح من محتواه، هو عبارة عن دفاع مهتد يوناني عن نفسه، إنه “دفاع عن حياته” (Apologia pro vita sua). يهاجم الكاتب استباحة الآلهة الوثنية كما يصورها هوميروس (Homer) وهيزيود (Hesiod)، ثم يختم خطابه بدعوة حماسية لاعتناق المسيحية. ويدل كل من الأسلوب البلاغي الرفيع والمعرفة الممتازة بالأساطير اليونانية على أن القديس يوستينوس ليس بكاتب هذا العمل. ويرجع كتابة “الخطاب” على الأرجح إلى النصف الأول من القرن الثالث الميلادي، ونحن نملك نصين له: النص الأقصر موجود باللغة اليونانية، أما الأطول، والذي حرره شخص اسمه أمبروسيوس (Ambrosius)، فموجود فقط في ترجمة سريانية.
  3. أما العمل المعروف باسم “عن الرئاسة الواحدة” (De Monarchia) (6 فصول) هو مقال يسعى لإثبات وحدانية الله من خلال الاستشهاد بأشهر شعراء اليونان. ويشهد اختلاف الأسلوب الأدبي لهذا العمل عن أسلوب يوستينوس بأن يوستينوس ليس بكاتبه، علاوة على ذلك، يعطي يوسابيوس وصفاً لمحتوى عمل يوستينوس الأصيل (De Monarchia)، وهو لا يتطابق مع محتوى هذا المقال.

وإلى جانب هذه الأعمال الثلاثة، هناك عدد من الأعمال الأخرى التي تنسبها المخطوطة إلى يوستينوس. وتتشابه أربعة من هذه الأعمال بشدة من حيث اللغة والتعاليم اللاهوتية حتى إنه لا بد من أن يكون كاتبها شخصاً واحداً، ويبدو أن هذا الأخير قد عاش حوالي عام 400م وكان له علاقة ما بسوريا. وهذه المقالات هي:

  1. أسئلة وأجوبة عن الأرثوذكس: عمل يحتوي على مائة وواحد وستين سؤالاً وإجابة تتعلق بمسائل تاريخية، وعقائدية، وأخلاقية، وتفسيرية.
  2. أسئلة المسيحيين للأمم: تشتمل هذه المقالة على خمسة أسئلة عقائدية يوجهها المسيحيون إلى الوثنيين ثم يجيب الوثنيون عليها، لكن يتم تفنيد هذه الإجابات لكونها تعج بالتناقضات.
  3. أسئلة اليونانيين للمسيحيين: تشتمل هذه المقالة على خمسة عشر سؤالاً يسألها الوثنيون، والعدد نفسه من أجوبة المسيحيين، وذلك فيما يتعلق بجوهر الله، وقيامة الأموات، وعقائد مسيحية أخرى.
  4. تفنيد بعض العقائد الأرسطوطالية: ويفند هذا العمل، في خمس وستين فقرة، تعاليم أرسطو فيما يتعلق بالله والعالم.

ولقد تعذرت معرفة هوية الكاتب الحقيقية لهذه المقالات حتى اليوم، فينسبها (A. Harnack) إلى “ديودوروس الطرسوسي” (Diodorus of Tarsus)، في حين فكر آخرون في ثيودوريت الكورشي” (Theodoret of Cyrus) الذي تنسب إليه مخطوطة القسطنطينية كتابة “أسئلة وأجوبة عن الأرثوذكس”، لكن لا يمكننا أن نضمن بأي حال من الأحوال أن أياً منها هو الكاتب.

وإلى جانب هذه المقالات الأربع، تنسب المخطوطات المقالات التالية ليوستينوس:

  1. شرح الإيمان أو عن الثالوث (Expostitio Fedei seu de Trinitte)، وهو شرح لعقيدة الثالوث، وكاتب هذا العمل غير معروف، لكن يبدو أنه لا يعود إلى ما قبل القرن الخامس الميلادي.
  2. رسالة إلى زينا وسيرينوس (Epistola ad Zenam et Serenum)، وهي دليل مفصل للسلوك النسكي المسيحي، مع وصايا تتعلق بفضيلتي التواضع والهدوء وهي تذكرنا بالتعاليم الأخلاقية التي للفلسفة الرواقية. ويعتقد (P. Batiffol) أن “سيسينيوس القسطنطيني” هو كاتب الرسالة، وأنها قد كتبت حوالي عام 400م.

فكر القديس يوستينوس اللاهوتي

ينبغي أن نتذكر عند تحليل الفكر اللاهوتي للقديس يوستينوس، أننا لا نملك وصفاً كاملاً ومفصلاً للإيمان المسيحي بقلمه، كذلك يجب علينا أن نأخذ في الاعتبار أن أعماله اللاهوتية الأصلية، مثل “عن سلطان الله” و”عن النفس” و”عن قيامة الأموات” و”تفنيد جميع الهرطقات” و”ضد ماركيون”، قد فُقدت. ولا يمدنا “الدفاعان” و”الحوار مع تريفون” بصورة شاملة عن يوستينوس الشهيد كمعلم لاهوتي.

لقد كانت لدي يوستينوس، في الأعمال المضادة للهرطقات، فرصة أكبر بكثير ليبحث ويتعمق في المسائل الخاصة بالعقيدة، في حين أنه، عند دفاعه عن الإيمان ضد غير المؤمنين، يركز بالأكثر على احتكام الإيمان إلى العقل. ويسعى يوستينوس ليشير إلى التشابهات الحاصلة بين تعاليم الكنيسة وتعاليم المفكرين والشعراء اليونانيين، وذلك لكي يبين أن المسيحية هي الفلسفة الوحيدة الآمنة والمفيدة.

ولهذا السبب، ليس من المفاجئ أن يكشف التعليم اللاهوتي للقديس يوستينوس عن تأثير أفلاطوني؛ فمن بين كل النسق الفلسفية الوثنية، كان يوستينوس يُجل النسق الأفلاطوني بالأكثر.

1 – مفهوم الله

هناك بالفعل، في مفهوم يوستينوس عن الله، ميل واضح للفلسفة الأفلاطونية. الله لا بداية له، ومن هذه الحقيقة يجب علينا أن نستنتج أنه لا اسم له: “لا ينبغي أن نطلق اسماً على أبي الكل، غير المولود. لأن كل من يُدعى باسم يكون من سماه أكبر منه. أما الكلمات مثل “الآب” و”الله” و”الخالق” و”السيد” فليست أسماء، لكنها ألقاب مشتقة من أعماله ووظائفه الصالحة. إن لقب “الله” ليس اسماً، لكنه فكرة مزروعة في طبيعة البشر بخصوص الشيء الذي لا يمكن تفسيره”. (2: 6).

وأفضل اسم له هو “الآب”، لأنه بما أنه هو الخالق، فهو حقاً أبو كل الأشياء. وينكر يوستينوس الحضور الجوهري لله في كل مكان، فبحسبه، يسكن الله الآب في المناطق التي تعلو السماء، ولا يمكنه أن يغادر مكانه، ولهذا السبب لا يمكنه أن يظهر في العالم:

“إن من يملك أقل قدر من الذكاء لن يجرؤ أن يقول إن الخالق وأبا كل الأشياء قد ظهر في بقعة صغيرة من الأرض تاركاً كل الأمور فوق السمائية” (Dial. 60) “لأن الآب الذي لا ينطق به، ورب كل الأشياء، لا يأتي إلى أي مكان، ولا يسير، ولا ينام، ولا يقوم، بل يبقى في مكانه أيا كان هذا المكان، ينظر بسرعة ويسمع بسرعة، بلا عيون له ولا آذان، إلا أنه ذو قوة لا توصف؛ يعرف كل الأشياء، ولا يفلت واحد من ناظريه.

إنه لا يتحرك لأي بقعة من العالم كله ولا يتقيد بها، لأنه كان موجوداً قبل أن يخلق العالم. كيف إذن يمكنه أن يتكلم لأي شخص، أو أن يراه أي شخص، أو أن يظهر على أصغر بقعة من الأرض في حين كان الشعب في سيناء غير قادرين حتى على النظر إلى مجده الذي أرسله؟” (Dial. 127)

ولكن بما أن الله مُتعال وسام فوق كل البشر، من اللازم إذن أن يُقام جسر فوق الهوة التي تفصل بين الله والإنسان، وهذا ما فعله اللوغوس “الكلمة”، فاللوغوس هو الوسيط بين الله الآب والعالم. فالله يتواصل مع العالم من خلال اللوغوس فقط، ويظهر نفسه من خلاله بشكل حصري. إذاً، يكون اللوغوس هو الدليل إلى الله ومعلم الإنسان، وهو في الأصل كان يسكن كقوة بداخل الله، لكن قبل خلق العالم بوقت قصير، خرج وصدر منه ثم خلق العالم بنفسه.

ويوستينوس في حواره مع تريفون يشرح ولادة اللوغوس بصورتين مختلفتين: “إنها تشبه بالضبط ما نراه يحدث في حالة النار، تلك التي لا ينقص منها شيء عندما تُشعل منها نار أخرى لكن تبقى على حالها كما هي، كذلك تظهر النار التي أشعلت كما لو كانت موجودة من تلقاء نفسها بدون أن تنقص من وهج تلك التي أُشعلت منها”. (Dial. 61). أو بالضبط مثل العمل الذي يخرج من الإنسان بدون أن ينقص من جوهره. هكذا لا بد أن تفهم ولادة اللوغوس، الكلمة الإلهي، باعتبار عملية تحدث داخل الله.

أما عند الحديث عن العلاقة بين الآب والابن، فيبدو أن يوستينوس يميل إلى “الخضوعية” أو “التبعية التراتبية” (Subordinationism)، وهذا يتضح من كلامه في (Apology 2: 6): “ابنه الوحيد الذي يليق به وحده أن يسمى “الابن” و”الكلمة”، الوحيد الذي كان معه وولد منه قبل المخلوقات.

وعندما خلق الآب به في البدء كل شيء ودبره، سماه “المسيح” في إشارة إلى أنه قد مسح، وأن الله به دبر كل شيء”. ومن ثم، يبدو أن يوستينوس يفترض أن اللوغوس قد استقل خارجياً بغرض خلق العالم وتدبيره فقط[5]. لقد منحه الوظيف الشخصية وجوداً شخصياًن فأصبح شخصاً إلهياً، لكنه خاضع للآب[6]. (Cf. Dial. 61)

وتعاليم يوستينوس عن اللوغوس هي أهم تعاليمه، لأنها تشكل جسراً بين الفلسفة اليونانية والمسيحية، ذلك لأن يوستينوس يعلم أنه بالرغم من أن اللوغوس الإلهي قد ظهر بملئه في المسيح، إلا أن “بذرة اللوغوس” كانت قد انتشرت بين الجنس البشري برمته قبل المسيح بوقت طويل، لأن كل إنسان يمتلك بذرة من اللوغوس. ومن ثم، ليس فقط أنبياء العهد القديم، بل حتى الفلاسفة اليونانيون، قد حملوا بذرة خصبة من اللوغوس في نفوسهم، فعلى سبيل المثال، كان “هيراقليطس” (Heraclitus).

و”سقراط”، والفيلسوف الرواقي “ميسونيوس” (Musonius) هؤلاء الذين عاشوا بحسب توجيهات اللوغوس الكلمة الإلهي – مسيحيين حقاً: “لقد تعلمنا أن المسيح هو بكر الله، وقد أوضحنا أنه هو اللوغوس الذي يشترك فيه كل البشر، وأن هؤلاء الذين عاشوا بحسب اللوغوس هم مسيحيون، حتى لو اُعتبروا ملحدين، مثل هؤلاء الذين كانوا بين اليونانيين، سقراط، وهيراقليطس، وأناس مثلهم” (Apology 1: 46).

هكذا، لا يمكن أن يكون هناك تعارض بين المسيحية والفلسفة، لأن: “كل حق نطق به البشر مهما كان هو ملك لنا نحن المسيحيين. لأننا، إلى جانب الله، نعبد ونحب اللوغوس الذي هو من الله غير المولود وغير الموصوف. لأنه من أجلنا صار إنساناً، حتى يشترك في آلامنا ويجلب لنا الشفاء. فكل الكُتاب، من خلال بذرة اللوغوس التي طعمت فيهم، كان لهم قبس من الحقيقة، لأن بذرة الشيء وتقليده الذي يعطى بحسب قدرة ذاك الذي يناله هو أمر، والشيء نفسه الذي يشترك فيه بحسب نعمة الله هو أمر مختلف تماماً” (Apology 2: 13)

ويقول أيضاً: “لأنه مهما كان الشيء الحسن الذي نطق به المشرعون أو الفلاسفة، فقد توصلوا إليه بعثورهم على جزء من اللوغوس والتأمل فيه. لكن بما أنهم لم يكن لديهم معرفة باللوغوس كاملاً، الذي هو المسيح، كانوا كثيراً ما يناقضون أنفسهم. كذلك هؤلاء الذين كانوا من جهة الولادة أقدم من المسيح، عندما كانوا يحاولون أن يفكروا في الأشياء ويثبتونها بالمنطق، كانوا يمثلون أمام المحاكم باعتبارهم أشراراً وفضوليين.

ولقد أُتُهم سقراط، الذي كان في هذا الاتجاه أكثر اجتهاداً من جميعهم، بنفس الجرائم التي نُتهم بها نحن. لأنهم قالوا إنه قدم آلهة جديدة، ولم يعتقد بهذه الآلهة التي اعترفت بها الدولة… لكن مسيحنا قد فعل هذه الأشياء بقوته الخاصة، لأنه لم يحدث أن أحداً آمن بسقراط إلى درجة أن يموت في سبيل هذه التعاليم، لكن المسيح، ذاك الذي كان معروفاً لسقراط جزئياً، لأنه كان ولا يزال اللوغوس الذي يسكن في كل إنسان.” (Apology 2: 10).

هكذا يعطي يوستينوس إثباتاً ميتافيزيقياً لوجود عناصر الحق في الفلسفة الوثنية، لكنه بالإضافة إلى هذا، لديه أيضاً إثبات تاريخي. فالفلاسفة الوثنيون قد نطقوا بالكثير من الأقوال الصحيحة لأنهم كانوا قد استعاروها من أدب اليهود، من العهد القديم:

“إن موسى أقدم من جميع الكُتاب اليونانيين، كما أنه مهما كانت أقوال كل من الفلاسفة والشعراء عن خلود النفس او العقاب ما بعد الموت، أو التأمل في الأمور السماوية، أو ما يشبه هذا من تعاليم، فقد حصلوا على مثل هذه التلميحات من الأنبياء، لأنها قد مكنتهم من أن يفهموا هذه الأمور ويفسروها. ومن ثم، يبدو أن هناك بذاراً للحق منتشرة بين جميع الناس”. (Apology 1: 44).

لكن المسيحيين وحدهم هم الذين يمتلكون الحق الكامل، لأنه في المسيح يتجلى الحق بذاته.

2 – مريم وحواء

كان يوستينوس هو أول كاتب مسيحي يضيف نظيراً للمقارنة التي كتبها القديس بولس الرسول بين آدم والمسيح، وذلك بمقارنة مريم بحواء، فهو يقول التالي في حواره مع تريفون (فصل 100) “لكن المسيح صار إنساناً بواسطة العذراء حتى يدمر العصيان الذي خرج من الحية نفس الطريقة التي بدأ بها.

لأن حواء التي كانت عذراء لم تدنس، بعدما حبلت بكلمة الحية، ولدت عصياناً وموتاً. لكن العذراء مريم نالت إيماناً وفرحاً عندما بشرها الملاك جبرائيل بالأخبار السارة، وهي أن روح الرب سيحل عليها، وقوة العلي ستظللها؛ لأن القدوس المولود منها هو ابن الله. وأجابته قائلة: “ليكن لي كقولك”. ومنها قد ولد ذاك الذي قد ثبت أن الكثير من نبوات الكتب المقدس تشير إليه، والذي به يدمر الله كلا من الحية وهؤلاء الملائكة، ومن مثلهم من البشر”.

3 – الملائكة والشياطين

يوستينوس هو أحد الكُتاب الأوائل الذين يشهدون لإكرام الملائكة: “الطغمات الأخرى من الملائكة الصالحين الذين يتبعونه ويتشبهون به، والروح النبوي الذي نعبده ونكرمه”. (Apology 1: 6).

والملائكة يعتنون بالبشر جميعاً من السماء: “إنه قد أسند مهمة العناية ببني البشر وكل الأشياء التي تحت السماء إلى ملائكة عينها عليهم” (Apology 2: 5).

ويوستينوس ينسب إلى الملائكة أجساماً تشبه الأجسام البشرية بالرغم من طبيعتها الروحانية: “مما هو واضح بالنسبة لنا هو أنهم يأكلون في السماء، هذا بالرغم من أنهم لا يتغذون على طعام يشبه طعام البشر؛ لأنه بالنسبة للمن الذي اغتذى عليه آباؤكم في الصحراء تقول الكتب المقدسة إنهم أكلوا “طعام الملائكة” (Dial. 57)

أما حقيقة كون القديس يوستينوس ينسب الجسد للملائكة فتظهر في رأيه بشأن سقوط الملائكة، فلقد كانت خطيئة الملائكة الساقطين تتمثل في اتصالهم الجنسي بنسوة بشريات: “لقد تعدت الملائكة هذه الوظيفة، وفتنت بحب النساء، وولدت أولاداً هم هؤلاء الذين نسميهم بالشياطين”. (Apol 2: 5).

والشياطين عقابهم في النار الأبدية بعد عودة المسيح (Apol. 1: 28). ولهذا، ما زالت لديهم القدرة حتى الآن ليضلوا البشر ويغووهم، فبعد مجيء المسيح أصبح كل مسعاهم هو أن يمنعوا الإنسان من الاهتداء إلى الله واللوغوس (Apol. 1: 26, 54, 57, 62). وهذا قد أثبته الهراطقة الذين هم أدوات الشياطين، لأنهم يبشرون بإله غير الآب وابنه.

لقد أعمت الشياطين اليهود وأثارتهم ليسببوا كل تلك الآلام للوغوس الذي ظهر في يسوع، لكن ولأنهم يعرفون أن المسح سوف يضم أغلب أتباعه من بين الأمم، لذلك كانوا متلهفين على نحو خاص ليفسدوا فرصته بينهم. ومن اللافت للنظر في هذا الخصوص ما يقوله يوستينوس عن تأثير اسم يسوع على الشياطين: “نحن نسميه المعين والمخلص، والقوة التي باسمها ترتعد الشياطين.

واليوم، عندما تُطرد الشياطين باسم يسوع المسيح، الذي صلب في عهد بيلاطس البنطي حاكم اليهودية، تتم هزيمتهم. وهكذا يظهر للجميع أن أباه قد منحه قوة عظيمة جداً بها تخضع الشياطين لاسمه” (Dial. 30).

4 – الخطية الأصلية[7] والتأله

كان يوستينوس مقتنعاً بأن كل إنسان له إمكانية التأله وكان هذا على الأقل هو الحال في بداية الخليقة، لكن الأبوين الأولين قد وقعها في الخطية وجلبا الموت على نفسيهما. ولكن الآن، استعاد كل إنسان القدرة على أن يصبح إلهاً: “لقد خلقوا على مثال الله، متحررين من الآلام والموت، بشرط أن يحفظوا وصاياه، وحسبوا مستحقين أن يحملوا اسم أبنائه.

لكنهم – مثل آدم وحواء – جلبوا الموت على أنفسهم: ليكن تفسير المزمور (81) كما تريدونه أن يكون، لكن هكذا يظهر أن كل البشر قد حسبوا مستحقين أن يصبحوا آلهة وأن يكون لهم القدرة على أن يصبحوا أبناء للعلي. إلا أنهم سقطوا تحت الحكم والدينونة كآدم وحواء”. (Dial. 124).

5 – المعمودية والإفخارستيا

إن وصف ليتورجية المعمودية وليتورجية الإفخارستيا الذي يعطيه يوستينوس في نهاية الدفاع الأول هو ذو قيمة استثنائية، فهو يقول بشأن المعمودية: “ولسوف أحكي أيضاً عن الطريقة التي بها نكرس أنفسنا لله حينما نُجدد من خلال المسيح، مخافة من أن نبدو غير منفصلين في الشرح الذي نقوم به إذا لم نذكرها. بما أن هناك كثيرين مقتنعون ومؤمنون بأن ما نعلم به ونقوله حقيقي آخذين على عاتقهم أن يعيشوا بحسبه، يتم إرشادهم ليصلوا ويتضرعوا إلى الله بالصوم من أجل غفران خطاياهم السابقة، ونصلي ونصوم معهم.

ثم نحضرهم إلى حيث يوجد ماء، فيجددون بنفس الطريقة التي تجددنا بها. لأنهم حينئذ ينالون الغسل بالماء باسم الله الآب سيد الكون، ومخلصنا يسوع المسيح والروح القدس… وقد تعلمنا من الرسل السبب في هذا – الطقس – لأننا في ميلادنا الأول قد ولدنا من اجتماع أبوينا بدون معرفتنا وبلا اختيار منا ثم كبرنا في عادات سيئة وتدريب شرير، وحتى لا نظل أولاداً للجبر والجهل بل نصبح أولاداً للاختيار والمعرفة، وحتى نحصل على غفران الخطايا التي ارتكبناها في السابق.

وهناك، يدعى ذاك الذي اختار أن يولد من جديد وتاب عن خطاياه باسم الله الآب سيد الكون، فذاك الذي يقود الشخص المزمع أن يغتسل إلى حيث الجرن يدعوه بذلك الاسم وحده. ويسمى هذا الغسل بـ “الاستنارة”، لأن هؤلاء الذين يتعلمون هذه الأمور يستنيرون روحياً. لكنه يدعوه أيضاً باسم يسوع المسيح الذي صلب في عهد بيلاطس البنطي، وباسم الروح القدس الذي بواسطة الأنبياء سبق وأخبر بكل الأمور المتعلقة بيسوع المسيح”. (Apol. 1, 61).

وهناك وصفان لخدمة الإفخارستيا في دفاعي يوستينوس. يصف يوستينوس في الأول (فصل 65) الليتورجية الإفخارستية الخاصة بالمعمدين حديثاً، ويعطي في الثاني (فصل 67) تفاصيل خدمة الأحد المعتادة. وتبدأ خدمة الآحاد بقراءة من الأناجيل القانونية التي يسميها يوستينوس صراحة بـ “مذكرات الرسل”، أو قد جاء في القراءات. بعد هذا تصلي الجماعة من أجل المسيحيين وجميع البشر في العالم كله، وفي ختام الصلاة يتبادل الأعضاء جميعهم قُبلة السلام.

حينئذ، يقدم إلى الرئيس الخبز والخمر والماء، فيتلو صلاة التقديس عليها. ويوزع الشمامسة التقدمات التي تم تقديسها على الحاضرين ويوصلونها إلى الغائبين. غير أن يوستينوس يضيف صراحة أن هذا الخبز ليس خبزاً عادياً، وأن هذا الخمر ليس خمراً عادياً، لكنهما جسد ودم يسوع المتجسد، وهو يستشهد بكلمات التأسيس كدليل على هذا.

وقد تُرك أمر صياغة كلمات الصلاة الإفخارستيا للرئيس المحتفل، لكن يوستينوس يذكر أن الإفخارستيا تُقدس بصلاة تحتوي على كلمات المسيح نفسه. إذاً، يبدو أنه ليس فقط كلمات التأسيس هي التي كانت جزءً من الصلاة، بل على الأرجح كانت رواية التأسيس برمتها جزءً من الصلاة، بل على الأرجح كانت رواية التأسيس برمتها جزءً ثابتاً من صلاة التقديس. لهذا السبب، يمكن للمرء هنا أن يتكلم عن ليتورجية نصف ثابتة (semirigid)، لأن بها عناصر ثابتة ولكن مع ذلك يبقى فيها مكان أيضاً للارتجال الشخصي الذي يقوم به الكاهن المُقدِس.

ومن الملفت للنظر أن يوستينوس، في وصفه لخدمة الإفخارستيا التي تتبع نوال سر المعمودية، لا يذكر القراءات التي تتلى من الكتب المقدسة ولا العظة التي يلقيها الرئيس، ويبدو أنهما قد حذفتا بسبب مراسم المعمودية التي سبقتهما.

أما وصفه للقداس الخاص بالمعمدين حديثاً فهو كالتالي: “لكننا، بعد أن نغسل ذاك الذي قد آمن ورضي، نحضره إلى هؤلاء المدعوين إخوة في مكان اجتماعهم، حتى نرفع معاً بكل قلوبنا صلاة لأجل أنفسنا، ولأجل الشخص الذي نال الاستنارة، ولأجل الآخرين الذين في كل مكان، حتى نُحسب مستحقين. والآن بعد أن عرفنا الحق، يجب أن نكون مواطنين صالحين وحافظين للوصية، وذلك حتى ننال الخلاص الأبدي. وبعد أن نفرغ من الصلاة، نسلم على بعضنا بعضاً بقبلة.

حينئذ يُقدم إلى رئيس الإخوة خبزاً وكأساً من الماء والخمر، فيستلمهما، ثم يأخذهما معطياً التسبيح والمجد لأبي كل شيء باسم ابنه والروح القدس؛ ثم يقدم شكراً طويلاً لكوننا قد حُسبنا مستحقين أن ننال هذه الأمور على يديه. وبعد أن يختم الصلوات والتشكرات، يبدي جميع الحاضرين موافقتهم بقولهم “آمين”، وهذه الكلمة “آمين” باللغة الآرامية تعني “ليكن كذلك”.

وبعد أن يحتفل الرئيس بالإفخارستيا، ويبدي الجميع موافقتهم، يقوم هؤلاء الذين ندعوهم شمامسة بإعطاء كل واحد من الحضور جزءً من خبز الإفخارستيا والخمر والماء، ثم يبقون على جزء للغائبين. ونحن نسمي هذا الطعام “الإفخارستيا”، ولا يسمح لأحد أن يشترك فيه إلا من يؤمن أن الأمور التي نُعلم بها صحيحة واغتسل في الحوض من أجل غفران الخطايا والولادة الجديدة، ومن ثم يعيش وفقاً لما أمر به المسيح.

نحن لا نتناول الخبز والخمر كأنهما خبز وخمر عاديان، لكن كما أن كلمة الله يسوع المسيح مخلصنا قد صار جسداً وصار له لحم ودم من أجل خلاصنا، هكذا أيضاً الطعام الذي يبارك بكلمة الصلاة التي خرجت منه والذي تغتذي عليه أجسادنا ودماؤنا بالاستحالة، هو أيضاً – كما تعلمنا – جسد ودم يسوع المسيح نفسه الذي صار جسداً؛ لأن الرسل في المذكرات التي كتبوها والمدعوة أناجيل قد أوضحوا أنهم قد أُمروا أن يفعلوا كالتالي: أن يسوع قد أخذ خبزاً وشكر وقال: “اصنعوا هذا لذكري، هذا هو جسدي”، وبطريقة مماثلة، شكر وقال: “هذا هو دمي”، ثم ناولهما لهم وحدهم”. (Apology 1: 62).

ويعطي القديس يوستينوس وصفاً لقداس الأحد العادي في الفصل رقم (67). وهو يفسر حقيقة كون هذا اليوم قد أُختير ليصبح يوم الاجتماع الليتورجي للجماعة المسيحية بقوله إنه فيه خلق الله العالم وقام المسيح من بين الأموات: “وفي ذلك اليوم الذي يُدعى الأحد، يجتمع كل من يعيش في القرى أو المدينة في مكان واحد، ثم تُقرأ مذكرات الرسل أو كتابات الأنبياء بحسب ما يسمح الوقت. ثم يختم القارئ، فيرشدنا الرئيس ويعظنا لنتمثل بهذه الأمور الرائعة، ثم ننهض جميعاً ونقدم صلواتنا.

وكما قلت قبلاً، بعد أن نختم صلواتنا يؤتى بخبز وخمر وماء، ثم يقوم الرئيس على نحو مماثل برفع صلوات وتشكرات بقدر ما يستطيع، فيوافق الناس قائلين: “آمين”، وتوزع الإفخارسيتا ويشترك الجميع فيها، وترسل أجزاء للغائبين بواسطة الشمامسة. ثم يتبرع الأغنياء إذا ما أرادوا، بالذي يريدون أن يتبرعوا به، كل بحسب ما يقدمه.

وتترك التبرعات في عهدة الرئيس الذي يساعد بها الأيتام، والأرامل، والمحتاجين بسبب المرض أو أي سبب آخر، وهؤلاء الذين في السجون والغرباء الذين في سفر، وباختصار، كل من في حاجة. لكن يوم الأحد هو اليوم الذي نقيم فيه اجتماعنا العام لأنه هو اليوم الأول الذي خلق فيه العالم عندما حول الظلام والمادة. وقد قام يسوع المسيح مخلصنا من بين الأموات في اليوم نفسه”. (Apology 1: 67).

وقد ثار نقاش حاد لا يزال مستمراً حول ما إذا كان يوستينوس قد اعتبر الإفخارستيا ذبيحة أم لا. لكن، يمكننا أن نجد الفقرة الحاسمة بخصوص هذا الأمر في حواره مع تريفون اليهودي (الفصل 41): “لا مسرة لي بكم يقول الرب؛ ولا أقبل ذبائحكم من أيديكم. لأنه من مشرق الشمس إلى مغاربها قد تعظم اسمي بين الأمم، وفي كل مكان يقدم لاسمي بخور وذبيحة طاهرة.

لأن اسمي عظيم بين الأمم يقول الرب، أما أنتم فنجستموه”. ثم يتكلم عن هؤلاء الأمم، يقصدنا نحن، الذين في كل مكان يقدمون له الذبائح. أي خبز الإفخارستيا وأيضاً كأس الإفخارستيا، مؤكداً على أننا نعظم اسمه وأنتم تنجسونه”. ولا شك أن يوستينوس هنا يساوي بوضوح بين الإفخارستيا والذبيحة التي تنبأ عنها ملاخي.

غير أنه ثمة فقرات أخرى يرفض فيها يوستينوس الذبائح بشكل واضح، وهكذا يقول في حواره (فصل 117): “اعترف أنه الآن عندما تُقدم هذه الصلوات والتشكرات – ذبيحة الشكر (الإفخارستيا) بواسطة رجال يستحقون، تكون هي الذبائح الوحيدة المرضية عند الله”.

كما أن لديه فكرة مشابهة تظهر في الفصل (13) من دفاعه الأول: “إن الإكرام الوحيد اللائق به هو ألا نحرف بالنار ما قد خلقه لإعالتنا، لكن أن نستخدمه لفائدتنا ولفائدة المحتاجين، وأن نقدم له الشكر بامتنان بالتسابيح والتراتيل، لأنه قد خلقنا”.

وقد استنتج البعض من هذه التعليقات أن يوستينونس يرفض الذبائح كلها ويقبل الصلاة فقط، خاصة الصلاة الإفخارستيا. لكن هذا التفسير لا يفي فكره حقه، فلا يمكن لأحد أن يدرك مفهوم يوستينوس عن الذبيحة إن لم يأخذ في حسبانه تعاليمه فيما يخص اللوغوس. إن ما يرفضه يوستينوس حقاً عن الذبائح المادية الحيوانية كما مارسها كل من اليهود والوثنين.

وهو يحاول بمفهومه عن الذبيحة أن يصنع جسراً يعبر الفجوة التي تفصل بين الفلسفة الوثنية والمسيحية بالضبط كما يستخدم مفهومه عن اللوغوس لنفس الغرض. إن مفهومه المثالي عن الذبيحة هو أو الذبيحة العقلية التي أعلن الفلاسفة اليونانيين أنها هي العبادة الوحيدة اللائقة بالله. في هذه الحالة، كما في حالة اللوغوس تعتبر المسيحية بمثابة التحقيق الكامل للمُثُل الفلسفية لأن بها مثل هذه الذبيحة.

لهذا السبب، يتفق يوستينوس مع كل من الفلاسفة اليونانيين وأنبياء العهد القديم في أن الذبائح الخارجية لا بد أن تبطل، فلم يعد هناك مكان للذبائح الدموية المادية. إن الإفخارستيا هي الذبيحة العقلية التي طال انتظارها، إنها هي الـ، وذلك لأن اللوغوس نفسه يسوع المسيح هو الذبيحة. وتعريف يوستينوس لـ باعتبار هي نفسها الإفخارستيا قد ثبت أنه صحيح.

كما أنه بإدخال يوستينوس هذه الفكرة الى التعليم المسيحي، استأثر للمسيحية بأرفع إنجازات الفلسفة اليونانية، وشدد في الوقت نفسه على الطابع الجديد والمميز للعبادة المسيحية. لقد أبقى يوستينوس على الذبيحة المدركة بالحواس، لكنه من ناحية أخرى شدد على الطابع الروحاني للعبادة المسيحية، الذي بسببه تفوقت على الذبائح الوثنية واليهودية جميعها. وهكذا يُعبر مصطلح “الذبيحة العقلية” (Oblatio rationabilis) الوارد في ليتورجية القداس الروماني، عن مفهوم يوستينوس للذبيحة أفضل من أي كلمة أخرى.

6 – الأفكار الأخروية

أما فيما يتعلق بأفكار يوستينوس الأخروية، فهو يشارك المؤمنين بالملك الألفي اعتقادهم بهذا الملك: “لكن أنا وغيري من المسيحيين ذوي الآراء السليمة في كل شيء متأكدون من أنه سيكون هناك قيامة للموتى ثم ألف سنة في أورشليم التي سوف تُبنى وتُزين وتوسع”. لكنه يشعر أنه ملزم بأن يعترف بأنه ليس كل المسيحيين لهم نفس وجهة النظر الألفية تلك: “إني أقول لك إن كثيراً من هؤلاء الذين ينتمون إلى الإيمان النقي والصالح هم مسيحيون حقيقيون لكنهم يفكرون بطريقة مختلفة”. (Dialogye 80).

وبحسب يوستينوس، تدخل أرواح المنتقلين إلى الهاوية أولاً ثم تبقى هناك إلى أن ينتهي العالم. والاستثناء الوحيد هم الشهداء، فأرواحهم تذهب مباشرة إلى السماء. لكن حتى في الهاوية، تنفصل أرواح الصالحين عن أرواح الأشرار، فأرواح الصالحين تبتهج متوقعة خلاصها الأبدي، بينما أرواح الأشرار تعسة بسبب عقوبتها وشيكة الوقوع. (Dialouge 5; 80).

 

[1] لمزيد من المعلومات عن حياة وكتابات فكر القديس يوستينوس، انظر “القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد، مركز باناريون للتراث الآبائي، الطبعة الأولى، 2012.

[2] هي مدرسة فلسفية في اليونان القديمة، استمدوا أفكارهم من مؤسس تلك المدرسة الفيلسوف اليوناني أرسطو، الذي سماه تلاميذه المشّاء. (المراجع)

[3] الفلسفة الكلبية (Cynicism) مذهب فلسفي أسسه في القرن الرابع قبل الميلاد الفيلسوف أنتيسثينيز، أحد أتباع الفيلسوف اليوناني سقراط. وكانت نقطة البداية لهذا الفيلسوف هي مذهب معلمه، الذي يرى الفضيلة وليس المتعة – الهدف الأساسي للحياة، وأنها تمثل السعادة الحقيقية. (المراجع)

[4] هو كتاب يحوي الشريعة الشفوية، ويشمل التشريعات والشروحات اليهودية، وقد جمعه يهوذا هاتاسي حوالي عام (200-220م) (المراجع).

[5] إن تعبير “ولد منه قبل المخلوقات” لا يعني أن الولادة قد حدثت قبل خلق المخلوقات بفترة وجيزة أو قد حدثت فقط من أجل خلق المخلوقات، ولكن هذا التعبير قد يعني التفريق بين ولادة الابن الأزلي والتي بالتأكيد هي قبل خلق المخلوقات في الزمن. (المراجع)

[6] يقول ق. يوستينوس في حوار: 61 عن الابن “يصنع إرادة الآب وولد بإرادة الآب” ومن الواضح أنه لم يكن يفرق بين الولادة بالطبيعة من جوهر الآب والولادة بإرادة الآب وهو ما يبدو واضحاً من كلامه التالي، فعلى الرغم من أنه يقول عن الابن إنه ولد بإرادة الآب إلا أنه يصفه بأنه كلمة الآب وحكمته وقدرته ومجده وهذا في الحقيقة يتماشى مع التعليم بأن الابن مولود بالطبيعة وليس بالإرادة من جوهر الآب. وهذا الأمر قد حسمه الآباء في مجمع نيقية فيما بعد حيث أكدوا أن الابن مولود بالطبيعة من جوهر الآب وليس بإرادة الآب. (المراجع)

[7] المقصود هنا هو الخطية الأولى التي دخل بها الموت إلى العالم.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث – الجزء الثاني – عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان

 

القديس يوستينوس Saint Justin Martyr

الله والإنسان والألم – معالجة لمشكلة الألم – سي إس لويس

الله والإنسان والألم – معالجة لمشكلة الألم – سي إس لويس

الله والإنسان والألم – معالجة لمشكلة الألم – سي إس لويس

الله والإنسان والألم – معالجة لمشكلة الألم – سي إس لويس

لقد تألم ابن الله حتى الموت. ليس لكيلا يتألم البشر، بل لتكون آلامهم مشابهة لآلامه.”

The Son Of God Suffered Unto Death,”

Not That Men Might Not Suffer, But

That Their Sufferings Might Be Like His”

جورج ماكدونالد

“أشعر أنني أبعد كثيراً عن الشعور الحقيقي بما أتكلم عنه. وأنني لا أستطيع سوى أن أصرخ طلباً للرحمة وأتوق إليها كما يجوز لي. عندما يكون من اللازم احتمال الألم، فإن قليلاً من الشجاعة تفيد أكثر من المعرفة الكثيرة، وقليلاً من التعاطف الإنساني أكثر من الشجاعة الكثيرة. وأقل لمحة من محبة الله تفيد أكثر من الكل.”

سي إس لويس S. Lewis

مقدمة

“إنني أتعجب من الوقاحة التي يقوم بها مثل هؤلاء الأشخاص بالحديث عن الله. ففي مقالة موجهة إلى الملحدين، بدأوا بفصل يثبت وجود الله من خلال أعمال الطبيعة Works of Nature… وقد أعطى هذا فقط أساساً لقرائهم للاعتقاد بأن براهين ديانتنا (المسيحية) ضعيفة للغالة… إنها حقيقة جديرة بالملاحظة أنه لا يوجد كاتب للوحي المقدس قد استخدم من قبل “الطبيعة” Nature   لكي يثبت وجود الله.”

باسكال Pascal , Pensees. IV 292. 293

منذ سنوات ليست بكثيرة عندما كنت ملحداً، لو كان أي إنسان قد سألني: “لماذا لا تؤمن بالله؟” لكانت إجابتي ستشبه التالي: “انظر إلى الكون الذي نعيش فيه. يتكون أكبر جزء فيه إلى حد بعيد من فضاء فارغ Empty Space، مظلم تماماً وبارد بصورة لا يمكن تخيلها. الأجسام Bodies التي تتحرك في هذا الفضاء قليلة وصغيرة للغاية بالمقارنة بالفضاء Space نفسه بحيث أنه حتى إذا عُرف عن كل واحد من هذه الأجسام أنه مكتظ بقدر ما يسع، بكائنات سعيدة تماماً، لكان لا يزال من الصعب تصديق أن الحياة والسعادة هما أكثر من مجرد منتج ثانوي للقوة التي صنعت الكون. لكن حيث أن الأمر كذلك، يعتقد العلماء أنه من المحتمل أن القليل جداً من شموس الفضاء – ربما ولا واحد فيها سوى شمسنا – لديها أية كواكب تابعة؛ وفي نظامنا الشمسي الخاص من غير المرجح أن يكون هناك أي كوكب آخر سوى الأرض يحوي حياة.

بل إن الأرض نفسها كانت موجودة بدون حياة على مدى ملايين السنين وقد توجد لملايين أخرى عندما تغادرها الحياة. فكيف يكون شكلها أثناء بقائها؟ إنها منظمة ومرتبة بحيث أن كل صورها تستطيع أن تعيش فقط عن طريق افتراسها لبعضها البعض. في الصور الأدنى للحياة، يستتبع هذه العملية فقط الموت، لكن في الصور العليا للحياة تظهر سمة جديدة يُطلق عليها ” الوعي” Consciousness والتي تمكنها من اختبار الألم. فالكائنات تسبب ألماً بأن تولد، وتعيش بأن توقع ألماً على آخرين.

كما أنها في ألم تموت في معظم الأحيان. أما في أكثر الكائنات تعقيداً على الإطلاق، الإنسان، فتظهر سمة أخرى، والتي نطلق عليها العقل أو المنطق Reason، حيث يتمكن الإنسان من أن يتوقع ألمه الشخصي الذي يتبعه منذ تلك اللحظة فصاعداً معاناة فكرية حادة، كما يستطيع أن يتوقع موته الشخصي رغم أنه يرغب بشدة في البقاء. هذه السمة تمكن البشر كذلك، عن طريق مئات الاختراعات البارعة، من أن يوقعوا قدراً كبيراً من الألم على أحدهم الآخر وعلى الكائنات غير العاقلة أكثر مما كان يمكنهم أن يفعلوا لولا وجود تلك السمة. وقد استغل البشر هذه القوة إلى أقصى درجة ممكنة. فتاريخهم يعد سجلاً ضخماً للجريمة، والحروب، والمرض، والإرهاب. مع وجود مجرد قد كاف من السعادة يتخلل كل هذا لكي يعطيهم، أثناء وجودها، ترقب وخوف من فقدها يعذبهم. وعندما يفقدون تلك السعادة يشعرون بالبؤس والتعاسة الشديدة بتذكرها.

إلا أنه من وقت إلى آخر، يقوم البشر بتحسين أحوالهم وظروفهم نوعاً ما، ويظهر ما نطلق عليه “حضارة”. لكن كل الحضارات تمضي وتنتهي، وحتى أثناء وجودها، تسبب آلاماً خاصة بها. قد تصل إلى درجة أنها تفوق التسكينات التي ربما تكون قد جلبتها إلى الآلام الطبيعية للبشر. لا يستطيع أحد أن يجادل في أن حضارتنا الخاصة قد فعلت هذا؛ أما إذا كانت سوف تمضي وتنتهي مثل جميع سابقاتها، فهذا أمر محتمل بالتأكيد. لكن حتى إذا كان لا يجب أن يحدث ذلك، ماذا بعد؟ الجنس البشري محكوم عليه بالفناء.

فكل سلالة تأتي إلى الوجود في أي جزء من الكون محكوم عليها بالفناء؛ لأن الكون، كما يقال لنا، يتهاوى، وفي وقت ما سوف يصبح لا نهائية موحدة Uniform Infinity من مادة متجانسة Homogeneous Matter عند درجة حرارة منخفضة. كل الروايات سوف تنتهي إلى لا شيء: كل حياة سيتضح في النهاية أنها كانت تجاعيد عابرة وزائلة بلا معنى على الوجه الأحمق للمادة اللانهائية Infinite Matter. فإذا طلبت مني أن أؤمن أن هذا هو عمل روح خيّر وكلي القدرة، سأرد بأن كل الدلائل تشير في الاتجاه المضاد لذلك. فإما أنه لا توجد روح وراء خلق الكون، أو أنها روح حيادية غير مبالية بالخير أو الشر، أو أنها روح شريرة.

هناك سؤال واحد لم أكن أحلم أن أطرحه. فأنا لم أكن قد لاحظت أن قوة وبراعة قضية المتشائمين نفسها تمثل لنا مشكلة مباشرة. وهذا السؤال هو: إذا كان الكون بمثل هذا السوء، أو حتى بمنتصف هذا السوء، كيف استطاع البشر في أي وقت مضى أن ينسبوه لنشاط خالق حكيم وصالح؟ ربما يكون البشر أغبياء؛ ولكنهم لن يصلوا إلى مثل هذا الغباء. إن الاستدلال المباشر من الأسود إلى الأبيض، من زهرة الشر إلى جذر الفضيلة.

من عمل أخرق إلى عمل حكيم بلا حدود، يزعزع هذا الاعتقاد. لذلك فرؤية الكون كما تكشفها الخبرة ما كان يمكن أبداً أن تكون أساساً للدين، بل لا بد من وجود سبب آخر غير رؤية الكون هو الذي رسخ الإيمان بالدين (يقصد الكاتب أن رؤية وتحليل الكون كما هو قائم لا يمكن في حد ذاته أن يقود إلى الوصول الفكري إلى وجود إله بار وصالح وعاقل خالق لهذا الكون. ولذلك فينبغي من وجود سبب آخر هو الذي جعل البشر عبر العصور يتيقنون من وجود إله خالق – المحرر).

سيكون من الخطأ أن نجيب بأن أسلافنا كانوا جهلة وبالتالي فقد استمتعوا بخيالات وأوهام مبهجة بشأن الطبيعة، التي بددها التقدم العلمي منذ الحين. فعلى مدى قرون، كان خلالها البشر جميعاً يؤمنون (بالله كخالق). كان حجم الخبرة المروعة بحماقة وبطل الكون معروف بالفعل. ستقرأ في بعض الكتب أن البشر في العصور الوسطى كانوا يعتقدون أن الأرض مسطحة وأن النجوم قريب، لكن هذه كذبة. لقد أخبرهم بطليموس Ptolemy أن الأرض هي نقطة رياضية بدون حجم بالنسبة للمسافة بينها وبين النجوم الثابتة، وهي مسافة كانت إحدى النصوص الشعبية في العصور الوسطى تقدرها بحوالي مائة وسبعة عشر مليون ميلاً. بل أنه في أزمنة أقدم من ذلك، حتى منذ بدايات التاريخ، لا بد أن البشر كان لديهم نفس هذا الإحساس بالضخامة غير المتناسبة من مصدر أكثر وضوحاً من ذلك.

بالنسبة لإنسان ما قبل التاريخ، لا بد أن الغابة المجاورة له كانت كبيرة بلا حصر بما يكفي، والأمور الغريبة والمزعجة تماماً التي يجب علينا الآن أن نجلبها من التفكير في الأشعة الكونية وشموس التبريد، قد أتت إليه تشمشم وتعوي ليلاً أمام أبوابه. الأمر الأكيد أنه في كل الحقب كان الألم وفقد الحياة البشرية أمراً واضحاً بالمثل. ديانتنا نفسها بدأت بين اليهود، وهم شعب تم اعتصاره بين امبراطوريتين عظيمتين مولعتين بالحرب، وكان يعرض باستمرار للهزيمة والسبي، وكان يألف، مثل بولندا أو أرمينيا، القصة المأساوية للشعوب المحتلة. لذلك يعد أمر لا معنى له أن نضع الألم من بين مكتشفات العلم. ضع هذا الكتاب جانباً وفكر لمدة خمس دقائق في حقيقة أن كل الديانات العظيمة كان يتم التبشير بها منذ البداية، وتتم ممارستها منذ أمد بعيد، في عالم بدون مادة الكلوروفورم (يقصد قبل اكتشاف مادة الكلوروفورم اليت يتم استخدمها في التخدير لتخفيف الألم – المترجم).

وهكذا في كل الأزمنة، يكون بالمثل الاستدلال من سير الأحداث في هذا العالم على صلاح وحكمة الخالق أمراً منافياً للعقل؛ كما أنه لم يحدث أبداً. (ملحوظة: لم يحدث أبداً في بدايات وجود دين. لكن بعد أن تم قبول الإيمان بالله فإن الدراسات اللاهوتية التي تقوم بتبرير صلاح الله وعدله في مقابل وجود الشر “Theodicies” والتي تشرح أو تفسر مآسي الحياة. كانت بالطبع ستظهر كثيراً بما يكفي فيما بعد.) الدين له أصل مختلف. لذلك، فيما يتبع لا بد من فهم أنني لا أبرهن في الأساس على الحق المسيحي بل أصف أصله ومنشأه، وهي مهمة، في رأيي، ضرورية إذا كنا نريد أن نضع معضلة الألم في إطارها الصحيح.

في كل الديانات التي تم تطويرها نجد ثلاث أفرع أو عناصر، أما في المسيحية فنجد عنصراً واحداً إضافياً. أول هذه العناصر هو ما يطلق عليه البروفيسور أوتو Otto خبر “الشعور بالرهبة لأمور إلهية أو فوق طبيعية”، “Numinous”. أولئك الذين لم يلتقوا بهذا المصطلح من قبل، ربما يمكن أن يتعرفوا عليه بالطريقة التالية. افترض أنك أخبرت أن هناك نمر في الغرفة المقابلة: فإنك ستعرف أنك في خطر وربما تشعر بالخوف. لكن إذا أخبرت أن هناك “شبح في الغرفة المجاورة”، وصدقت ذلك، فإنك ستشعر بالتأكيد بما يطلق عليه كثيراً خوف. لكنه من نوع مختلف. فهو لن يكون مبنياً على معرفة الخطر، لأنه لا أحد في الأساس يخاف مما يمكن لشبح أن يفعله به؛ بل من مجرد حقيقة أن هناك شبح. إنه شعور بشيء غريب “خارق للطبيعة” Uncanny، أكثر منه شعور بالخطر، وهذا النوع الخاص من الخوف الذي يثيره يمكن أن يطلق عليه “رهبة” أو فزع Dread.

بواسطة هذا الأمر الخارق للطبيعة يكون الفرد قد وصل إلى أطراف الشعور بالرهبة “Numinous”. والآن افترض أنك أخبرت ببساطة “أن هناك روحاً قديرة في الغرفة”، وصدقت ذلك. فإن مشاعرك عندها لن تكون مجرد شعور بالخوف من الخطر: بل أن اضطرابك وانزعاجك سيكون عميقاً. ستشعر بالتعجب وبنوع من الانقباض – شعور بعدم الأهلية للتعامل مع مثل هذا الزائر وبالدونية والحقارة والانبطاح أمامه – وهي مشاعر يمكن التعبير عنها بكلمات شكسبير Shakespeare، بأنه “تحت تأثيرها عبقريتي تُوبّخ”. يمكن وصف هذا الشعور “بالرهبة”، ووصف الشيء الذي يثير هذه الشعور بأنه “روحي أو خارق للطبيعة”.

لا شيء أكثر يقيناً من أن الإنسان، منذ حقبة مبكرة للغاية، بدأ في الاعتقاد بأن الكون مسكون بالأرواح. وربما يفترض البروفيسور أوتو Otto بسهولة شديدة أنه منذ البداية كان الإنسان ينظر إلى هذه الأرواح برهبة من حيث أنها خارقة للطبيعة. لكنه من المستحيل إثبات ذلك لسبب وجيه هو أن الكلمات التي تعبر عن الرهبة من الأمور الخارقة للطبيعة والكلمات التي تعبر عن مجرد الخوف المعتاد من الخطر قد تستخدم لغة وتعبيرات متماثلة، كما نستطيع نحن حتى الآن أن نقول إننا “خائفون” من شبح أو “خائفون” من حدوث ارتفاع في الأسعار. لذلك من الممكن نظرياُ أنه كان هناك وقت يعتبر البشر فيه ببساطة أن هذه الأرواح خطرة ويشعرون تجاهها كما يشعرون تجاه النمور. إلا أن الأمر الأكيد هو أنه الآن. على أي حال، توجد خبرة بالأمور الخارقة للطبيعة، وأننا إذا بدأنا من أنفسنا يمكننا أن نتتبعها حتى مدى طويل في الماضي.

يمكن العثور على نموذج حديث لهذا الشعور (إذا لم نكن شديدي الفخر بالبحث عنه في الماضي) في رواية The Wind In The Willows، حيث يقترب الفأر وحيوان الخلد من “بان” (الإله) على الجزيرة.

فيقول الخلد، وقد استجمع أنفاسه لكي يهمس مرتجفاً، “يا فأر، هل أنت خائف؟” فيتمتم الفأر، وعيناه تلمعان بحب لا يوصف: “خائف منه؟ كلا، أبداً، على الإطلاق، ومع ذلك، مع ذلك، آه يا خلد، إنني خائف.”

بالعودة إلى حوالي قرن مضى. نجد أمثلة وافرة على ذلك في كتابات ووردزوورث Wordswoth، ربما كان أفضلها ذلك المقطع الموجود في الفصل الأول من “The Prelude”، حيث يصف خبرته أثناء تجديفه في البحيرة في القارب المسروق. بالعودة إلى الوراء أكثر. نحصل على مثال شديد النقاء والقوة في مالوري Malory. عندما بدأ Galagad “في الارتجاف بشدة إذ بدأ الجسد المائت في رؤية الكائنات الروحية” (يشير الكاتب إلى كتب لا نألفها في الشرق الأوسط – المحرر).

أما في بداية عصرنا المسيحي فقد وجدت هذه الرهبة تعبيراً عن نفسها في سفر الرؤيا Apocalypse حيث سقط الكاتب “كميت” عند قدمي المسيح المقام. في الأدب الوثني نجد صورة أوفيد Ovid في البستان المظلم في أفنتين Aventine، والتي يمكن أن نقول عنها بلمحة سريعة Numen inest أن المكان مسكون، أو أن هناك كائن ما موجود فيه؛ ويقدم لنا فيرجيل Virgil لاتيناس Latinus باعتباره “مكان مفزع (Horrendum) وبه غابات وهيبة وورع الأيام القديمة”. وهناك نبذة يونانية نُسبت، لكن بصورة غير مرجحة. إلى أسخيليوس Awxchylus، تخبرنا عن أرض وبحر وحبل تهتز “العين المفزعة لسيدها” وفي ماض أبعد من ذلك نجد حزقيال يخبرنا في نبوته عن “بكرات”، بأن أطرها عالية ومخيفة”؛ ويعقوب، إذ قام من نومه قال: “ما أرهب هذه المكان!”

إننا لا نعرف إلى أي مدى في تاريخ البشرية ترجع هذه الأحاسيس. كان البشر الأوائل يعتقدون فيما يشبه التأكيد بأشياء كان ستثير المشاعر فينا لو كنا قد آمنا بها، ولذلك يبدو من المرجح أن الرهبة تجاه الأمور الخارقة للطبيعة هي في مثل قدم البشر نفسها. لكن اهتمامنا الأساسي هنا ليس بتاريخ تواجدها وتوقيته. فالأمر المهم هو أنه بطريقة أو بأخرى قد جاءت هذه المشاعر إلى الوجود، وأنها واسعة الانتشار، ولا تختفي من العقل بنمو المعرفة والحضارة.

هذه الرهبة ليست نتيجة استدلال من الكون المرئي. فلا توجد إمكانية للجدال من مجرد الشعور بالخطر حتى الوصول إلى الشعور الغريب بالرهبة، والذي لا يزال أقل من الشعور الكامل بالرهبة لشيء روحي خارق للطبيعة. قد نقول إنه يبدو لك أمر طبيعي للغاية أن الإنسان الأول، حيث أنه كان محاطاً بأخطار حقيقية، وبالتالي كان خائفاً، كان يجب أن يخترع الأمر الخارق للطبيعة والشعور بالرهبة تجاهه. من ناحية ما هذا صحيح، لكن دعونا نفهم ما أقصده، أنت تشعر أن هذا طبيعي لأنه حيث أنك تشارك الطبيعة البشرية مع أسلافك البعيدين في الماضي، تستطيع أن تتخيل نفسك وأنت تستجيب إلى عزلة محفوفة بالمخاطر بنفس الطريقة؛ وهذه الاستجابة في الحقيقة “طبيعية” من ناحية كونها تتفق مع الطبيعة الإنسانية.

ولكنها ليست في أقل تقدير “طبيعية” من ناحية أن فكرة الشيء الغريب أو الخارق للطبيعة محتواة بالفعل في فكرة الأمور الخطيرة، أو أن أي فهم للخطر أو أي نفوز من الجروح والموت الذي يمكن أن يستتبعه يمكن أن يعطي أقل إدراك للفزع من الأشباح أو مما هو روحي وخارق للطبيعة بالنسبة لعقل لم يفهم هذه الأمور بالفعل. عندما يجتاز الإنسان من الخوف المادي Physical إلى الفزع والرهبة، فإنه يقوم بقفزة كاملة، ويعي شيئاً ما كان يمكن أبداً أن يتم افتراضه، مثل الخطر، عن طريق الحقائق المادية والاستدلالات المنطقية منها.

معظم المحاولات المبذولة لشرح الرهبة تجاه الأمور الخارقة للطبيعة تفترض مسبقاً أن يتم تفسير هذه الرهبة أولاً. كما يحدث عندما يقوم علماء الأنثروبولوجيا باستنتاج أن هذه الرهبة تنبع من الخوف من الموتى، بدون أن يفسروا لماذا يجب أن يثير الموتى (وهم بالتأكيد أقل البشر خطورة) مثل هذه المشاعر الغريبة. تجاه كل مثل هذه المحاولات لا بد أن نصر على أن الفزع والرهبة يمثلان بعداً مختلفاً من الخوف.

لأنهما يكمنان في طبيعة التفسير الذي يعطيه الإنسان للكون، أو الانطباع الذي يحصل عليه منه؛ وكما أنه لا يمكن أبداً أن يوجد في سرد السمات المادية لشيء جميل سمة جماله، أو أن نقدم أقل تلميح عما نعنيه بالجمال لكائن بدون تجربة وخبرة جمالية مسبقة، هكذا أيضاً لا يوجد وصف فعلي لأية بيئة بشرية يمكن أن تحوي ما هو خارق للطبيعة وللرهبة التي تصحبه، أو حتى أي تلميح عنهما (يقصد الكاتب أن الإنسان لا يمكنه أن يدرك ما هو خارق للطبيعة إلا إذا كان قد اختبره من قبل في أعماق كيانه الفكري والروحي. وهذا يشبه معرفة الإنسان بالجمال وذلك لأنه يدرك في أعماق كيانه ما هو الجمال – المحرر)

يبدو في الحقيقة، أن هناك نظرتان فقط يمكننا أن نعتنقهما بشأن تلك الرهبة. فإما أن تكون مجرد انحراف في العقل البشري، لا يتفق مع أي شيء موضوعي ولا يخدم أية وظيفة بيولوجية، ومع ذلك لا يُظهر اتجاهاً لأن يختفي من ذلك العقل في أكمل تطوره، لدى الشاعر، أو الفيلسوف، أو القديس: وإما أن تكون خبرة مباشرة بشيء بالفعل خارق للطبيعة، والذي يمكن أن نطلق عليه بصورة صحيحة اسم إلهام أو كشف أو وحي Revelation.

(هذه العبارة تعتبر نتيجة تلخيصية لما حاول الكاتب إثباته في الفقرات السابقة – المحرر).

الأمر الخارق للطبيعة لي هو نفسه الشيء الجيد أخلاقياً، والإنسان الذي تغمره الرهبة من المرجح، إذا ترك لنفسه، أن يفكر أن الشيء الخارق للطبيعة “يتجاوز أو أبعد مما هو خير وشر. هذا يأتي بنا إلى الفرع أو العنصر الثاني في الدين. كل البشر الذين عرفهم التاريخ يقرون بنوع من الأخلاق؛ بمعنى، إنهم يشعرون تجاه أفعال افتراضية معينة بخبرات يعبرون عنها بالكلمات، “يجب عليّ” و “لا يجب عليّ”. هذه الخبرات تشبه الرهبة من ناحية واحدة فقط، وهي أنها لا يمكن استنتاجها منطقياً من البيئة والخبرات المادية للإنسان الذي يجتاز فيها.

يمكنك أن تخلط بين “أنا أريد” و”أنا مجبر”، وبين “من المستصوب أن أفعل ذلك” و “لا أجرؤ على القيام بذلك” على قدر ما ترغب، بدون أن تفهم من هذه التعبيرات أقل تلميح بما “يجب” وما “لا يجب”. ومرة أخرى. فإن المحاولات التي تبذل لتحليل التجربة الأخلاقية إلى شيء آخر تفترض مسبقاً دائماً نفس الشيء الذي تحاول أن تفسره، كما يحدث عندما يقوم محلل نفسي شهير باستنتاج ما من خلال قتل الأب أو الأم (Parricide) في عصور ما قبل التاريخ. فيستنتج انه إذا كان قتل الأب أو الأم قد أنتج شعوراً بالذنب. فهذا لأن البشر شعروا أنه ما كان يجب عليهم أن يرتكبوا ذلك؛ أما إذا لم يشعروا هكذا، فلا يمكن أن ينتج ذلك فيهم شعوراً بالذنب.

وهكذا فالأخلاق، مثل الرهبة من الأمور الخارقة للطبيعة، هي قفزة؛ فيها يذهب الإنسان إلى ما هو أبعد من أي شيء يمكن “إعطاؤه” (كمعطيات) أو افتراضه في حقائق التجربة الاختبار. كما أن بها خاصية واحدة ملحوظة جداً بحيث لا يمكن تجاهلها. الأخلاقيات المقبولة بين البشر قد تختلف – رغم أنها لا تختلف في أساسها بطريقة شديدة الاتساع كما يزعم كثيراً – ولكنها تتفق جميعاً في تحديد سلوك يفشل معتنقوها في ممارسته.

وهكذا كل البشر على حد سواء يقفون مدانين، ليس بواسطة قواعد أخلاقية غيرية عنهم، بل بواسطة قواعدهم هم أنفسهم الأخلاقية، ولذلك فكل البشر يدركون ويعون الشعور بالذنب.

العنصر الثاني في الدين: هو الوعي ليس فقط بقانون أخلاقي، بل بقانون أخلاقي تم تأييده وعصيانه في آن واحد. هذا الوعي لا هو استدلال منطقي ولا استدلال غير منطقي من حقائق الاختبار؛ فإننا لو لم نكن قد أتينا به إلى تجربتنا لم نكن قد استطعنا أن نجده هناك. فهو إما إن يكون وهماً لا يمكن تفسيره، أو أن يكون كشفاً أو وحياً Revelation.

التجربة الأخلاقية والتجربة الخارقة للطبيعة يبعدان كثيراً عن أن يكونا هما نفس الشيء حتى أنهما ربما يتواجدان لفترات طويلة بدون إقامة اتصال متبادل بينهما. في الكثير من أشكال الوثنية Paganism، لا يكون هناك علاقة إلا ضئيلة للغاية بين عبادة الآلهة والمناقشات الأخلاقية للفلاسفة.

ومن هنا تنشأ المرحلة الثالثة في التطور الديني عندما يتطابق الأمران معاً، أي عندما تصبح القوة الخارقة للطبيعية التي يشعرون إزاءها بالرهبة هي الوصي للأخلاق التي يشعرون أنهم ملتزمون بها.

مرة أخرى، قد يبدو هذا بالنسبة لك أمراً “طبيعياً” جداً. ماذا يمكن ان يكون أكثر طبيعية بالنسبة لإنسان همجي يطارده في آن واحد الشعور بالرهبة والشعور بالذنب. من أن يفكر أن القوة التي ترهبه هي أيضاً السلطة التي تدين ذنبه؟ وهذا بالتأكيد طبيعي بالنسبة للبشرية. ولكنه في أقل تقدير ليس واضحاً. فالسلوك الفعلي لذلك الكون الذي تطارده الرهبة من الأشياء الخارقة للطبيعة لا يحمل أي شبه بالسلوك الذي تطالبنا به الأخلاق. يبدو أحدهما مدمراً، قاسياً، وغير عادل؛ بينما يوعز إلينا الآخر بسمات مضادة.

كما أنه لا يمكن أن يتم تفسير التطابق بين الاثنين بأنه تحقيق لرغبة، حيث أنه لا يحقق رغبات أي إنسان. إننا لا نرغب في أقل من أن نرى ذلك القانون الذي لا يمكن بالفعل دعم سلطته المجردة، مدعوماً بالمطالب التي لا تحصى لما هو خارق للطبيعة. لذلك، من بين كل القفزات التب تقوم بها البشرية في تاريخها الديني، تعتبر هذه بالتأكيد القفزة الأكثر غرابة.

وهكذا ليس من غير الطبيعي أن قطاعات كثيرة من الجنس البشري رفضتها. فالديانة غير الأخلاقية Nonmoral Religion، والأخلاقية غير الدينية Non Religious Morality، كانا ولا يزالان موجودين. ربما شعب وحيد فقط، كشعب، هو الذي أخذ تلك الخطوة الجديدة بتصميم كامل – أعني اليهود؛ لكن أفراداً عظماء في كل الأزمنة والأماكن قد أخذوها أيضاً. وفقط أولئك الذين يأخذونها يكونون في أمان من مجون ووحشية العبادة غير الأخلاقية، أو من برودة وشقاء البر الذاتي للنزعة الأخلاقية Moralism المحضة. وحيث أنها تعرف من ثمارها، فإن هذه الخطوة هي خطوة نحو صحة متنامية. ورغم أن المنطق لا يجبرنا على أخذها، فإن من الصعب للغاية أن نقاومها – فحتى في الوثنية Paganism ومذهب وحدة الوجود Pantheism نجد الأخلاق تقتحم المشهد. بل وحتى الرواقية Stoicism.

تجد نفسها طوعاً أو كرهاً تحني الركبة لله. مرة أخرى. قد يكون هذا جنوناً – جنوناً فطرياً في الإنسان وذو نتائج حسنة الحظ على نحو غريب – أو قد يكون كشفاً أو وحياً. وإذا كان وحياً. فإنه حقاً وبالحقيقة في إبراهيم ستتبارك كل الأمم، لأن اليهود هم الذين تعرفوا بالكامل وبصورة لا لبس فيها على الحضور الرهيب الذي حل على قمم الجبال السوداء والغيوم الرعدية “للرب البار” الذي “يحب البر”.

أما الفرع أو العنصر الرابع فهو حدث تاريخي. “فهناك رجل ولد بين هؤلاء اليهود يزعم أنه “أو هو بالفعل ابن، أو “واحد مع”، “الكيان” الذي هو في نفس الوقت الساكن الرهيب للطبيعة ومعطي القانون الأخلاقي. هذا الزعم صادم للغاية – إنها مفارقة، بل أنه رعب، والذي قد ننخدع بسهولة بالحديث عنه باستخفاف شديد – وهو أن هناك وجهتي نظر فقط يمكن بهما التفكير في هذا الرجل. فهو إما أنه كان مجنوناً من نوع مكروه بطريقة غير عادية يهذي، او أنه كان بالفعل، بالتحديد ما قاله عن نفسه. لا يوجد شيء في المنتصف. فإذا كان السجلات تجعل الفرضية الأولى غير مقبولة، فلا بد لك من أن تخضع للفرضية الثانية. وإذا فعلت ذلك، فإن كل شيء آخر يزعمه المسيحيون يصبح ذا مصداقية. إن هذا الرجل، رغم أنه قتل، إلا أنه حي، وأن موته، بطريقة ما غير مفهومة للفكر البشري، قد أحدث تغييراً حقيقياً في علاقاتنا بذلك الرب “الرهيب” و”البار”، وهذا التغيير لصالحنا.

أن نسأل ما إذا كان الكون كما نراه يبدو أكثر أنه عمل لخالق حكيم وصالح، أو أنه من عمل الصدفة، أو العبث، أو الشر، فهذا معناه أن نلغي من البداية جميع العوامل ذات الصلة في المعضلة الدينية.

فالمسيحية ليست نتيجة لمجادلة فلسفية عن أصول الكون: بل هي حدث جوهري تاريخي هائل جاء بعد الإعداد الروحي الطويل للبشرية، الذي وصفته من قبل. فالمسيحية ليس نظاماً يجب أن نجعله يتفق مع الحقيقة المربكة للألم؛ بل هي في حد ذاتها واحدة من الحقائق المربكة التي يجب أن يتم توفيقها مع أي نظام نصنعه. من ناحية ما، إنها تخلق، أكثر منها تحل، معضلة الألم، لأن الألم لم يكن ليصبح مشكلة لولا أننا، جنباً إلى جنب مع تجربتنا اليومية في هذا العالم المؤلم، قد تلقينا ما نعتقد أنه قناعة مؤكدة بأن الواقع الحقيقي المطلق Ultimate Reality هو بار ومحب.

لماذا تبدو لي هذه القناعة جيدة ومؤكدة. لقد أوضحت ذلك بصورة أو بأخرى. لا يرقى الأمر إلى الإلزام المنطقي. ففي كل مراحل التطور الديني قد يتمرد الإنسان. إن لم يكن بدون تشويه لطبيعته الخاصة، لكن بدون عبثية. يمكنه أن يغلق عينيه الروحية ضد ما هو خارق للطبيعة. إذا كان على استعداد لمفارقة نصف الشعراء والأنبياء العظام في جنسه، بل لمفارقته طفولته نفسها، بثراء وعمق التجربة المتفردة المتحررة من التقاليد الاجتماعية. يمكنه أن ينظر إلى القانون الأخلاقي باعتباره وهم، وبالتالي يفصل ويقطع نفسه من الأساس المشترك للإنسانية.

يمكنه أن يرفض أن يطابق ما هو خارق للطبيعة بالأبرار، ويظل همجياً، يعبد الجنس، أو الموتى، أو قوة الحياة، أو المستقبل. لكن التكلفة ستكون باهظة. لكننا عندما نأتي إلى الخطوة النهائية الأخيرة، التجسد التاريخي The Historical Incarnation، يكون لدينا أقوى قناعة على الإطلاق، تشبه القصة بشكل غريب الكثير من الأساطير التي سكنت الدين منذ البداية، ومع ذلك فهي ليست مثلها، إنها لا تعبر بشفافية عن العقل؛ فلا يمكن أن نكون قد ابتدعناها من أنفسنا. فهي لا تحوي وضوح البداهة a Priori Lucidity المشبوه مثل الذي يوجد في مبدأ وحدة الوجود Pantheism أو الفيزياء النيوتونية Newtonian Physics.

بل أن بها السمة البادية للتميز النوعي العشوائي Arbitrary والغرابة والخصوصية Idiosyncratic الذي يعلمنا العلم الحديث ببطء أن نحتملها في هذا الكون، حيث تتكون الطاقة Energy   في أجزاء صغيرة من الكمية Quantity لا يمكن لأحد أن ينبأ بها، وحيث السرعة ليس غير محدودة، وحيث الأنتروبيا التي لا رجعة فيها Irreversible Entropy (هذه وحدة طاقة في علم الفيزياء تقيس نظام طاقة حراري غير منتظم وغير مفهوم الأبعاد – المحرر) تعطي الزمن اتجاهاً حقيقاً، والكون Cosmos، الذي لم يعد ثابتاًStatic   أو دورياً Cyclic، يتحرك مثل الدراما من بداية حقيقة إلى نهاية حقيقية.

إن كان يمكن لأية رسالة على الإطلاق أن تصل إلينا من قلب الواقع، فإننا يجب أن نتوقع أن نجد فيها مثل هذا الشيء الفجائي الرائع. ذلك التعقيد Anfractuosity الدارمي الجامح الذي نجده في الإيمان المسيحي. ففيه اللمسة السيادية الأصيلة، مذاق الحقيقة القوي والشجاع، الذي لم يُصنع بواسطتنا، او في الواقع، لأجلنا، ولكنه يصدمنا في وجوهنا.

إذا كنا على مثل هذه الأسس، أو على أسس أفضل، نتبع المسار الذي تم اقتياد البشرية فيه. ونصبح مسيحيين، عندها سيكون لدينا “معضلة” الألم.

الله والإنسان والألم – معالجة لمشكلة الألم – سي إس لويس

معنى التقليد المسلم عند آباء الكنيسة الأولى

معنى التقليد المسلم عند آباء الكنيسة الأولى

معنى التقليد المسلم عند آباء الكنيسة الأولى

معنى التقليد المسلم عند آباء الكنيسة الأولى

“لو لم يحرّكني سلطان الكنيسة الجامعة لما أمنت بالإنجيل”

(أوغسطين، ضد الرسائل المانيّة، 1، 1)

القديس فكنديوس والتقليد

كان قول القديس فكنديوس الليرنسي الشهير: “يجب أن نحفظ ما آمن الجميع به دائماً وفي كل مكان” (Commonitorium،2) ميزة رئيسة في موقف الكنيسة القديمة من الأمور الإِيمانيَّة. وهذا القول كان مقياساً مبدأ في الوقت نفسه. وكان التشديد الحاسم يقع هنا على استمرار التعليم المسيحي. والحق، أن القديس فكنديوس احتكم إلى “المسكونية” المزدوجة في الإيمان المسيحي -في المكان والزمان. فهذا الرؤية الكبيرة هي التي ألهمت القديس إيريناوس في أيامه: لقد انتشرت الكنيسة الواحدة في أرجاء العالم، لكنَّها تتكلَّم بصوت واحد وتحفظ الإيمان نفسه في كلّ مكان، كما سلَّمه الرسل الأطهار وحفظه وتعاقب الشهود، هذا الإيمان “الذي حُفظ في الكنيسة من أيام الرسل بواسطة تعاقب القسوس”.

هذان الوجهان للإيمان، بل بعدهما، لن ينفصلا، لأن “المسكونية” (universitas) و”القِدَم” (antiquitas) و”الإجماع في الرأي” (consensios) أمور متكاملة وليس أحد منها مقياساً صالحاً في حدِّ ذاته. لم يكن “القِدَم” في حدِّ ذاته ضمانة كافية للحقيقة إذا لم يثبِّته “الإجماع في الرأي” عند “القدماء”. و”الإجماع” في حد ذاته لم يكن باتّاً ما لم ترجع جذوره بشكل مستمر إلى الرسل. يقول القديس فكنديوس: نحن نعترف بالإيمان الحقيقي عن طريق الالتجاء إلى الكتاب المقدَّس والتقليد، “عن طريقين… أولاً عن طريق سلطان الكتاب المقدس، ومن ثمّ عن طريق تقليد الكنيسة الجامعة”.

لكن هذا الأمر لا يشير إلى وجود مصدرين للعقيدة المسيحية، لأن قانون الكتاب كان “تاماً” و”كافياً” في حدِّ ذاته ولأن “كل الأشياء (في الكتاب) كاملة وأكثر من كافية”. فماذا يجب أن يُكمَّل “بسلطان” آخر؟ ولماذا كان الرجوع إلى سلطان “الفهم الكنسي” ضرورياً؟ لقد كان السبب واضحاً وهو أن كلّ مسيحي شرع في تفسير الكتاب بشكل مختلف، “لدرجة أن المرء يكاد يصل إلى الانطباع بأن هناك معاني مختلفة بمقدار عدد الناس”.

ولذلك قاوم القديس فكنديوس تعدّد الأفكار “الخاصة” بفكر الكنيسة “الواحد”، فكر الكنيسة الجامعة، فقال إنه يجب أن “نوجِّه تفسير كتب الأنبياء والكتابات الرسولية وفق قاعدة التفسير الكنسي الجامع”. فلم يكن للتقليد عنده وجود مستقل، ولم يكن مصدراً مكمِّلاً للإيمان. “فالفهم الكنسي” لا يضيف شيئاً إلى الكتاب المقدَّس، لكنه كان الوسيلة الواحدة للتحقق من المعنى الصحيح للكتاب ولكشفه. كان التقليد التفسير الموثوق به، وبهذا المعنى يمتد امتداد الكتاب. وكان التقليد “الكتاب المفهوم بشكل صحيح”. وكان الكتاب، عند القديس فكنديوس، القانون الأوحد والرئيسي والنهائي للحقيقة المسيحية (Commonitoriun الإصحاح 2 و28).

المسألة التفسيرية في الكنيسة القديمة

في هذا المجال وافق القديس فكنديوس كلياً التقليد القائم في الكنيسة. فعبارة القديس إيلاريون واتيه الرائعة التي تقول : “إن الكتاب ليس في قراءته، بل في فهمه” (إلى كونستانس، 2، 9، مجموعة الآباء اللاتين، مين 10، 570) كرَّرها القديس إيرونيموس “جيروم” (الحوار ضد لوكيفاروس، 28، مجموعة الآباء اللاتين مين 23، 190-191). ولقد ظلّت مشكلة التفسير الصحيح للكتاب المقدس حادّة حتى القرن الرابع أثناء صراع الكنيسة مع الآريوسيين، وما خفَّت حدَّتها عماّ كانت عليه في القرن الثاني أثناء مقاومة العرفانيين والصباليوسيين والمونتانيين.

فكلّ أطراف النزاع احتكمت إلى الكتاب، حتى إن الهراطقة والعرافايين والمانويين استشهدوا بفصوله وآياته واحتكوا إلى سلطانه. وكان التفسير في تلك الفترة أهمّ منهج لاهوتي ولعلَّه كان المنهج الأوحد، وكان سلطان الكتاب مطلقاً وسامياً. وكان الأرثوذكسيون يتّجهون إلى طرح السؤال التفسيري الحاسم: ما هو مبدأ تفسير الكتاب؟ لكنَّ لفظة “الكتاب المقدس” أشارت في القرن الثاني بصورة أساسية إلى العهد القديم، ولذلك اعترض مركيون (مرقيون) بقوة على سلطان أسفار العهد القديم رفض الاعتراف بها. بناء عليه أصبح برهان وحدة العهدين ضرورية. ما هو أساس الفهم المسيحي والخريستولوجي “للنبوءة”، أي للعهد القديم وما هو مبرِّره؟ ففي تلك الحقبة أُثير أولاً سلطان التقليد.

فالكتاب ينتمي إلى الكنيسة ولذلك يُفهم بشكل وافٍ ويُفسَّر بشكل صحيح فيها وضمن جماعة الإيمان القويم فقط. أمَّا الهراطقة، أي الذين خارج الكنيسة، فلم يملكوا مفتاح فكر الكتاب، لأنه لم يكن الاستشهاد بكلام الكتاب كافياً إذ يجب على الإنسان أن يَشرح معنى الكتاب الحقيقي والقصد منه بشكل كليّ وأن يُدرك مسبقاً نموذج الإِعلان الكتابي ومخطط عناية الله المخلِّصة. وهذا لن يتحقَّق إلاَّ بالرؤية الإيمانية. فبالإيمان كان “الإقرار بالمسيح” (Christiuszeugniss) في العهد القديم مفهوماً. فبالإيمان أُكِّدت بشكل صحيح وحدة الأناجيل ذات الأشكال الأربعة لكنَّ هذا الإيمان لم يكن تأملاً فردياً كيفياً، بل كان إيمان الكنيسة المتأصل في البشارة الرسولية وفي الكرازة (kerygma) أمَّا الذين خارج الكنيسة فتعوزهم هذه الرسالة الأساسية، التي هي قلب الإنجيل.

فالكتاب عندهم حرف ميت ومجموعة من النصوص والسير غير المترابطة. إنهم حاولوا ترتيبها وفق طريقتهم الخاصة التي استقوها من مصادر غريبة. فأتى إيمانها مختلفاً. هذه هي حجة ترتليان في مبحثه “معارضة الهرطقة” (De praescriptione). فهو لم يشأ أن يبحث الكتاب مع الهراطقة، إذ لا حقّ لهم في استعماله لأنه لا يخصّهم. الكتاب ملك الكنيسة. ولذلك أكّد ترتليان بشدة على أولوية “قانون الإيمان” (regula fidie) الذي هو المفتاح الأوحد لفهم معاني الكتاب. وهذا “القانون” كان رسولياً ومتأصّلاً في تعليم الرسل ومستمداً منه.

وصف تُرنير (C.H.Turner) بشكل صحيح معنى هذا الاحتكام إلى “قانون الإيمان” وغاية الرجوع إليه في الكنيسة الأولى، فقال: “عندما تحدَّث المسيحيون عن “قانون الإيمان”بكونه قانوناً “رسولياً”… لم يعنوا به أن الرسل اجتمعوا لصياغته… بل عنوا به أن الاعتراف بالإيمان الذي علَّمه الرسل وأودعوه تلاميذهم ليعلِّموه هم من بعدهم”. كان هذا الاعتراف هو هو في كل مكان، رغم أن أسلوب التعبير قد يتغيَّر من مكان إلى مكان وكان دوماً وثيق الصلة بدستور المعمودية. وخارج هذا “القانون” لا يمكن إلاَّ أن يفسَّر الكتاب تفسيراً خاطئاً.

فالكتاب والتقليد، عند ترتليان، متلازمان دون انفصال: “حيثما يتّضح التعليم المسيح الحقّ والإيمان المسيح القويم نجد الكتاب المقدَّس الحقيقي والتفسير القويم والتقليد المسيحي الحقيقي”. فتقليد الإيمان الرسولي كان المرشد الضروري لفهم الكتاب والضمانة الأساسية للتفسير الصحيح. لكنَّ الكنيسة لم تكن سلطة خارجية مهمتها أن تحكم على الكتاب، بل أن تحفظ الحقيقة الإلهية المودعة فيه. (E.Flesseman وأنظر مقدمة R.F.Refoulé وملاحظاته في كتاب”في المبادئ”).

القديس إيريناوس و”قانون الحقيقة”

عند دحض القديس إيريناوس سوء استعمال العرفانيين الغنوصيين للكتاب المقدَّس أورد تشبيهاً رائعاً، فقال: صنع فنَّان موهوب صورة جميلة لأحد الملوك من الجوهر الثمينة، لكنَّ شخصاً آخر فكَّ هذه الحجارة وأعاد ترتيبها بأسلوب آخر ليقدِّم صورة كلب وثعلب. ثم زعم أن هذه الصورة هي الصورة الأصلية التي صنعها الفنَّان الأول، وتعلَّل قائلاً إن الحجارة (أو الفسيفساء psiphides) أصلية. والحق أن التصميم الأصلي قد تهدَّم و “صاع نموذج الإنسان الموضوع”. هذا بالضبط ما يفعله الهراطقة بالكتاب المقدس.

فهم يتجاهلون ويمزِّقون “الترابط والترتيب” الموجودين في الكتاب المقدس، “ويقطعون أوصال الحقيقة”. إن كلماتهم وتعابيرهم وأمثالهم أصيلة، لكنَّ قياسهم (أو تصميمهم) (hypothesis) كيفيّ وخاطئ (ضد الهرطقة 1، 8، 1). ثمّ أورد هذا القديس تشبيهاً آخر. كانت مختارات من شعر هوميروس متداولة في تلك الأيام، لكنها استخدمت جزافاً وبعيداً عن سياقها وأُعيد ترتيبها بشكل كيفيّ. فكانت الأبيات كلُّها هوميروسية، لكنَّ القصة الجديدة التي اخترعها الناس بسبب إعادة ترتيب الأبيات لم تعد هوميروسية أبداً.

وكذلك ينخدع الإنسان بسهولة بهذا الأسلوب الذي يبدوا هوميروسياً (1، 9، 4). ويجدر بنا أن نشير إلى أن ترتليان ذكر أيضاً هذه المختارات الشعرية (centones) من أبيات هوميروسية وفرجيلية (معارضة الهراطقة 39). ويبدو أن هذا الأسلوب كان مألوفاً في الأدب الدفاعي آنذاك. أمَّا النقطة التي أراد القديس إيريناوس أن يوضحها فهي أن للكتاب نموذجه وبنيته الداخلية وتآلفه، لكنَّ الهراطقة ينكرون هذا النموذج وبالأحرى يستبدلونه بنموذجهم الخاص. وبكلام آخر، إنهم يعيدون ترتيب الشواهد الكتابية على أسس غريبة عن الكتاب نفسه.

فأكد القديس إيريناوس أن الذين يحفظون بقوة “قانون الحقّ” الذي تسلَّموه في المعمودية لن يجدوا صعوبة في “إعادة كلّ عبارة إلى مكانها الصحيح”، ولن يعجزوا عن مشاهدة الصورة الحقيقية. إن العبارة الواقعية التي استعملها القديس إيريناوس فريدة وخاصة به وهي “الملائم لجسم الحقيقة” (prosarmosas tis alithias somation) وترجمتها اللاتينية القديمة غير المتقنة: (corpusculum veritatis) أمَّا معناها فواضح جداً، لأن لفظة (Somation) “جسم” ليس تصغيراً، بل تشير إلى “الجسم” (corpus) إلى السياق الصحيح والبنية الأصلية و”الصورة الصحيحة” والترتيب الأولى للحجارة (أو الفسيفساء) والأبيات. ولذلك يجب أن يرشدنا “قانون” الإيمان، في رأيه، إلى قراءة الكتاب المقدَّس، لأن المؤمنين يلتزمونه باعترافهم به في المعمودية، ولأن هوية الرسالة الأساسية و”حقيقة” الكتاب تعيّنان به بصورة صحيحة.

أم العبارة الفضَّلة لدى القديس إيريناوس فكانت “قانون الحقّ” (Kanon tis alitheias، Regula veritatis). والواقع أن هذا “القانون” لم يكن سوى شهادة الرسل وكرازتهم وبشارتهم، التي “أودعت” في الكنيسة وعُهد بها إليها من الرسل وحُفظت بصدق وسُلِّمت بإجماع عام في كلّ الأمكنة عبر تعاقب الرعاة “الذين تسلَّموا موهبة الحقيقة الثابتة إلى جانب التعاقب الرسولي”. ومهما كان المدلول الدقيق والمباشر لهذه العبارة التي تزخر بالمعاني (أكد البعض أن “موهبة الحقيقة” كانت العقيدة الرسولية الحقيقة الرسولية في الإعلان الإلهي، حتى أن إيريناوس لم يشر إلى أية موهبة كهنوتية خاصة بالأساقفة. راجع Karl Müller) فلن يعترينا الشك في أن هذه الحفظ الدائم للإيمان المودَع ونقله تحققا، عند القديس إيريناوس، بحضور الروح القدس في الكنيسة. لقد كان مفهوم الكنيسة عنده قائماً على “المواهب” و”المؤسسة” بآن واحد.

وكان “التقليد”، في مفهومه، “وديعة حيَّة” (Juvenescens depositum) أعطيت للكنيسة لتكون نسمة جديدة للحياة، مثل نسمة الحياة التي أُسبغت على الإنسان الأول (aspiration plasmationis quemadmodum 1، 24، 3). والأساقفة وو “القسوس” كانوا حرَّاساً مفوَّضين في الكنيسة وخدَّاماً للحقيقة التي أُدعت فيها. “حيثما تودع posita sunt” مواهب (charismata) الرب يحسن تعلّم الحقيقة ممن عندهم التعاقب الكنسي الآتي من الرسل (successio apud quos est ea quae est ab apostolis ecclesiae) وممن عندهم التصرف اللائق الذي لا عيب فيه وممن ينطقون بكلام طاهر لا غش فيه. فهؤلاء يحفظون أيضاً إيماننا هذا بالإله الواحد الذي خلق كلّ شيء، ويكثرون محبتنا لابن الله الذي أتمَّ تدبيراً عظيماً كهذا من أجلنا، ويفسرون لنا الكتاب من دون خطر ولا يجدِّفون على الله ولا يزدرون البطاركة ولا يحتقرون الأنبياء” (5، 26، 4).

قانون الإيمان (Regula fidei)

كان التقليد في الكنيسة الأولى مبدأ تفسيرياً ومنهجاً تفسيرياً أيضاً، لأننا لا نقدر أن نفهم الكتاب فهماً صحيحاً وكاملاً إلاَّ على ضوء التقليد الرسولي الحيّ وفي إطاره. وهذا التقليد كان عاملاً أساسياً في الوجود المسيحي، لا لأنه يقدر أن يضيف شيئاً إلى ما أعلن في الكتاب،  بل لأن يزوِّد بالإطار الحيّ وبالمنظور الواسع اللذين يُكتشف ويُفهم بهما “القصد”  الحقيقي من الكتاب والإعلان الإلهي و”تصميمهما” الكامل.

كانت الحقيقة عند القديس إيريناوس “منهجاً راسخ الأساس” و”جسماً حيّاً” (corpus) (ضد الهراطقة 2، 27، 1) “ولحناً متآلف النغمات” (3، 38، 2). لكننا لا ندرك هذا “التآلف” إلاَّ بالرؤية الإيمانية. الحق، أن التقليد لم يكن مجرَّد نقل لعقائد متوارثة “على الطريقة اليهودية”، بل كان الحياة المستمرة في الحقيقة (5). ولم يكن قلباً بلا حراك ومُركباً من القضايا الملزمة، بل كان تبصرا في معنى الأحداث المعلَنة وتأثيرها في كشف “الإله الفاعل”.لقد كان هذا الأمر حاسماً في حقل التفسير الكتابي.

إن ج.ل.برستيج   أحسن في قوله: “إن صوت الكتاب يُسمع بوضوح إذا ما فُسِّرت نصوصه برؤية واسعة وبطريقة منطقية وباتفاق مع الإيمان الرسولي ومع دليل الممارسة التاريخيَّة للمسيحية. فالهراطقة هم الذين عوَّلوا على نصوص منعزلة والمسيحيون الأصيلون تنبَّهوا أكثر من المبادئ الكتابية”. وعندما لخَّصت الدكتورة إلين فليسيمانفان لير تحليلها الدقيق لاستعمال التقليد في الكنيسة الأولى، قالت: “إن الكتاب من دون تفسير ليس كتاباً على الإطلاق، وعندما نستخدمه ويصير حياًّ يكون كتاباً مفسَّراً”. فيجب أن نفسِّر الكتاب وفقاً “لمضمونه الأساسي” المعلَن في “قانون الإيمان” (Regula fidei). وهكذا يكون هذا “القانون” مَثَلاً يوجّه تفسير الكتاب. “فالتفسير الحقيقي للكتاب هو التقليد وبشارة الكنيسة”

القديس أثناسيوس و”غاية الإيمان”

في القرن الرابع لم تتبدَّل الأحوال، لأن الصراع مع الآريوسيين دار أيضاً حول مسألة تفسير الكتاب، على الأقل في المرحلة الأولى من هذا الصراع. فجاء الآريوسيون وأنصارهم بمجموعة كبيرة من النصوص الكتابية ليدافعوا عن موقفهم العقيدي، وأرادوا حصر البحث اللاهوتي في المجال الكتابي وحده. ولذلك كانت مواجهتهم في هذا الإطار ضرورية في بادئ الأمر.

ومهجهم التفسيري أي طريقة معالجتهم للنص، كان مطابقاً لمنهج الذين انشقوا عن الكنيسة في القرون الأولى. فهم اهتموا بالنصوص التي اختاروها لتأييد موقفهم، من غير أن يلتفتوا إلى السياق العام للإعلان. ولذلك اضطر الأرثوذكسيون إلى الاحتكام إلى فكر الكنيسة، إلى “الإيمان” الذي أُعلن مرة وحُفظ بصدق. وهذا كان اهتمام القديس أثناسيوس الأساسي ومنهجه الاعتيادي.

لقد استشهد الآريوسيون بمقاطع كثيرة من الكتاب ليقيموا الدليل على ما ناضلوا من أجله وهو أن المخلِّص مخلوق. في جواب القديس أثناسيوس كان الاحتكام إلى “قانون الإيمان” واضحاً في قوله: “لنصلح، نحن الذين اقتنينا غاية الإيمان (to Skopon tis pisteos) المعنى الصحيح (orthisn tin dianian) لما فسَّروه بشكل خاطئ” (ضد الأريوسيين 3، 35). وأكَّد القديس أثناسيوس أن التفسير “الصحيح” لنصوص معيَّنة يصبح ممكناً من خلال المنظور الإيماني كله فقط: “ما يتعلَّلون به من الأناجيل يفِّسرونه بشكل خاطئ، إذا ما قبلنا نحن المسيحيين غاية الإيمان (Himas tous christianous pisteos ton skopon tis Kath) وقرأنا الكتاب مستعملين هذه الغاية قانوناً (osper Kanoni chrisameni)”.

من جهة ثانية يجب أن نهتمّ اهتماماً شديداً بالسياق المباشر لكلّ جملة وتعبير وبإبراز قصد الكاتب الصحيح بدقة (1، 54). وعندما كتب القديس أثناسيوس إلى الأسقف سرابيون عن الروح القدس أكَّد له أن الآريوسيين يجهلون “غاية الكتاب المقدس” (إلى سرابيون 2، 7 وإلى أساقفة مصر، 4) “لأنهم يهتمون بما يُقال ويتجاهلون معناه”. كانت لفظة (skopos) “لغاية” عند أثناسيوس موازنة لفظة (hypothesis) عند إيريناوس للإشارة إلى “الفكرة” الأساسية والتصميم الصحيح والمعنى المقصود (راجع Guido Müller، lexicon Athanasianum) وكانت لفظة (skopos) مألوفة في اللغة التفسيرية عند عدد من المدارس الفلسفية، وخاصة عند الأفلاطونية الحديثة.

إن التفسير قام بدورٍ كبير في المحاولات الفلسفية في ذلك الوقت ولذلك كان إثارة السؤال عن المبدأ التفسيري ضرورياً. فالفيلسوف إيامفليخوس كان نموذجياً في هذه النقطة. لقد كان من واجب الإنسان أن يكتشف “النقطة الرئيسية” والموضوع الأساسي في البحث الذي يدرسه وأن يحفظها في ذهنه دائماً (9). ومن الجائز أن يكون القديس أثناسيوس ملماً بالاستخدام التقني لهذه اللفظة، ولذلك أكَّد أن الاستشهاد بفصول ومقاطع معزولة من الكتاب المقدَّس بعيداً عن قصد الكتاب الإجمالي أمر مضلِّل. ونخطئ إذا فسَّرنا لفظة (skopos) عند أثناسيوس بأنها “المعنى العام” للكتاب. “فغاية”  الإيمان و “غاية”  الكتاب هي الفحوى العقيدي الموجود بكثافة في “قانون الإيمان”، كما حفظته الكنيسة وكما “انتقال من “أب إلى أب” في وقت لا نجد فيه “آباء” عند الآريوسيين (في قوانين مجمع نيقية، 27)”.

ولاحظ الكاردينال نيومان (Newman) أن القديس أثناسيوس عدَّ “قانون الإيمان” المبدأ الأسمى للتفسير و”عارض أفكار الهراطقة الخاصة في طريق الفكر الكنسي” (ضد الآريوسيين 1، 44). فكان يوجز المرة تلو المرة معتقدات الإيمان المسيحي الأساسية عند تدقيقه في الحجج الآريوسية قبل أن يمتحن النصوص التي يتعللون بها في براهينهم، حتى يعيد النصوص إلى منظورها الصحيح، أمَّا تُرنير (H.E.W.Turner) فوضف طريقة أثناسيوس التفسيرية فقال : “أصرَّ (أثناسيوس) على اتخاذ مرمى إيمان الكنيسة العام قانوناً للتفسير ضد التقنية الآريوسية المفضَّلة التي يؤكد المعنى المنطبق على قواعد اللغة من غير أن تنظر إلى سياق الكلام وإلى الإطار العام لتعليم الكتاب بكلِّيته.

فتعامى الآريوسيون عن المدى الواسع الذي يتمتع به اللاهوت الكتابي. ولذلك اخفقوا في النظر إلى سياق الكلام الذي تقع فيه نصوصهم الإثباتية. فيجب أن يُحسب معنى الكتاب نفسه كتاباً (مقدَّساً). وهذا المبدأ عُدَّ تخلِّياً عن الاحتكام إلى الكتاب واستبداله ببرهان مأخوذ من التقليد. ومن الأكيد أنه اذا وُضع في أيدِ لا تحرص عليه، فإنه يؤدي إلى تقييد كليّ للكتاب المقدس، كما حاولت عَقَديّة (دوغماتيّة) الآريوسيين والعرفانيين أن تفعل. ولكن هذا الأمر لم يكن قصد القديس أثناسيوس نفسه، الذي حسب الاحتكام إلى التقليد انتقالاً من تفسير ثمِل إلى تفسير صاح، ومن تشديد حرفي قصير النظر إلى معنى غاية الكتاب”

ولكن يبدو أن البروفسور تُرنير (Turner) ضخم الخطر، لأن. البرهان كان كتابياً، فالقديس أثناسيوس قبل مبدئياً كفاية الكتاب المقدس الموحى به للدفاع عن الحقيقة (ضد الوثنيين 1). إن الكتاب يجب تفسير في إطار التقليد الإيماني الحيّ، بتوجيه من “قانون الإيمان”. أمَّا هذا “القانون” فلم يكن أبداً سلطة “غريبة” “تُفرض” على الكتاب المقدس. فهو “البشارة الرسولية” نفسها، المدوَّنة باختصار (in epitome) في أسفار العهد الجديد.

كتب القديس أثناسيوس إلى الأسقف سرابيون : “لننظرنّ إلى تقليد الكنيسة الجامعة وتعليمها وإيمانها، الذي أعطاه الرب وبشَّر به الرسل وحفظه الآباء، لأن الكنيسة أسِّست عليه” (إلى سرابيون 1، 28). هذا المقطع هو من ميزات القديس أثناسيوس، فهناك ثلاث ألفاظ متطابقة فيه “التقليد” (Paradosis) هو من المسيح نفسه، و”التعليم” (Didascalia) هو بواسطة الرسل، و”الإيمان” (Pistis) هو من الكنيسة الجامعة. وهذا هو أساس الكنيسة -الأساس الأوحد والفريد (12). الكتاب نفسه ينتمي إلى هذا “التقليد” الذي يأتي من الرب. وفي الفصل الختامي من رسالته الأولى إلى سرابيون يعود القديس أثناسيوس مرة ثانية إلى النقطة نفسها فيقول: “إنني سلَّمت التقليد وفق الإيمان الرسولي الذي تسلَّمته من الآباء، من غير أن أبتدع شيئاً من الخارج. فسلّمته مثلما تعلّمته من الكتب المقدسة” (1، 33).

وأشار مرة القديس أثناسيوس إلى الكتاب نفسه هو “التقليد” (paradosis) رسولي (إلى أدلفيون 6). والشيء المميَّز هو أنه لم يذكر أبداً لفظة التقليد بصبغة الجمع في نقاشه مع الآريوسيين. فكان يرجع دائماً إلى لفظة “تقليد” – أي “التقليد”، التقليد الرسولي، الذي يحوي كلّ فحوى البشارة الرسولية، والذي كان موجزاً في “قانون الإيمان”. وكانت وحدة التقليد وتماسكه النقطة الأساسية والحاسمة في كلّ البرهان الذي قدَّمه.

هدف التفسير و”قانون العبادة”

كان الاحتكام إلى التقليد احتكاماً إلى فكر الكنيسة، لأنه افتُرض أن الكنيسة كانت تملك معرفة الحقيقة وفهمها، إي حقيقة الإعلان و”معناه”. فالكنيسة كان عندها السلطان لنشر الإنجيل وتفسيره. لكن هذا لا يدلّ على أن الكنيسة كانت “فوق” الكتاب، فهي كانت تقف بجانبه مؤيِّدة إياه من دون أن تتقيَّد “بحرفه”. فالهدف الأول للتفسير كان في إظهار معنى الكتاب المقدس وغايته وبالأحرى معنى الإعلان و”تاريخ الخلاص” (Heilsgeschichte). كان واجب الكنيسة أن تبشِّر بالمسيح لا “بالكتاب” فقط.

ولذلك لا نقدر أن نفهم استعمال التقليد في الكنيسة القديمة بشكل صحيح إلاَّ في إطار الاستعمال الفعلي للكتاب. فالكلمة حُفظت بشكل حيّ في الكنيسة فانعكست على حياتها وبنيتها، لأن الإيمان والحياة تلاحما عضوياً. ويحسن أن نذكر في هذا المجال مقطعاً شهيراً من “النعمة الإلهية” (de gratia Dei Indiculus) المنسوب خطأً إلى البابا كلستينوس، لأن وضعه الحقيقي هو القديس بروسبر من أكويتانيا : “هذه هي قرارات الكرسي الرسولي المقدس التي لا يمكن نقدها، والتي قضى بها آباؤنا على الابتداع المهلك… لننظر إلى الصلوات المقدسة التي يرفعها كهنتنا بتماثل في كل كنيسة جامعة في العالم كلّه وفقاً للتقليد الرسولي. وليؤكد قانون العبادة قانون الإيمان”.

ويصحّ القول أن هذه العبارة في سياقها المباشر لم تكن صبغة لمبدأ عام، لأن القصد المباشر منها كان محصوراً في نقطة أساسية واحدة وهي أن معمودية الأطفال شاهد يدلّ على حقيقة الخطيئة الجدية. والحق أنه ما كان إعلاناً بابوياً جازماً، بل رأي خاص للاهوتي صرح به في جو من الصراع الحار. لكن لم تؤخذ هذه العبارة خارج سياقها المباشر ولم تغيَّر قليلاً، غفو ونتيجة لسؤ فهم، لتعبر عن المبدأ التالي: “يجب أن يبنى قانون العبادة قانون الإيمان” (crededi statuat lex orandi ut legem). “فالإيمان” وجد تعبيره الأول في الصِيغ الليتوجية والأسرارية والطقسية، و”دساتير الإيمان” برزت أولاً كجزء أساسي من خدمة إدخال المؤمنين الجدد إلى الكنيسة. يقول كيلي (J.N.D.Kelly): “إن الملخصات العقيدية الخاصة بالإيمان، تصريحيَّة كانت أم استفهامية، هي حصيلة الليتوجيا، ولذلك عكست ثباته وطواعيتها”. لقد كانت “الليتورجيا” بمعناها الواسع الشامل القاعدة الأولى للتقليد الكنيسي. أمَّا البرهان الواسع الشامل القاعدة الأولى للتقليد الكنسي.

أمَّا البرهان المتخذ من “قانون الصلاة” (Lex orandi) فكان يُستخدم دائماً في النقاشات التي دارت في أواخر القرن الثاني. فعبادة الكنيسة كانت تعبيراً احتفالياً عن إيمانها. ولعلَّ استدعاء اسم الله في المعمودية كان الصبغة الثالوثية المبكِّرة، مثلما كان سرّ الشكر الشاهد الأول لسرّ الخلاص في مثله. والعهد الجديد نفسه برز إلى حيِّز الوجود “ككتاب مقدس” في الكنيسة المصلية، لأنه كان يُقرأ أولاً في جو العبادة والتأمل.

القديس باسيليوس و”التقليد غير المدوَّن”

اعتاد القديس إيريناوس أن يرجع دائماً إلى “الإيمان” كما سُلّم في المعمودية. وكان ترتليان والقديس كبريان يستخدمان البراهين الليتورجية. والقديس  أثناسيوس والكبادوكيون استخدموا البرهان نفسه. لكن توسيع هذا البرهان القائم على التقليد الليتورجي نجده عند القديس باسيليوس. ففي مواجهته للآريوسيين بصدد الروح القدس بنى برهانه الأساسي على تحليله للمجدلات كما كانت تُستخدم في الكنائس. وكتابه “في الروح القدس” دوِّن بشكل اقتضائي، أي في نار الصراع اليائس، فخاطب ظرفاً تاريخياً خاصاً، لكنه عُني بمبادئ البحث اللاهوتي ومناهجه.

في مبحثه هذا سعى القديس باسيليوس إلى البرهنة على نقطة حاسمة في عقيدة الثالوث الأقدس وهي مساواة الروح القدس في القيمة والكرامة (Homotimia) للأقنومين الأخرين. أمَّا مرجعه الأساسي فكان الشهادة الليتورجية في أي المجادلة التي تحوي عبارة “مع الروح” والتي برهن أنها استُخدمت كثيراً في الكنائس. هذه العبارة غير موجدة في الكتاب المقدس لكنَّ التقليد صدَّق عليها.

أمَّا أخصامه فلم يقبلوا إلاَّ بسلطان الكتاب المقدس، ولذلك حاول أن يبرهن شرعية الاحتكام إلى التقليد. فهو أراد أن يثبت مساواة الروح القدس في القيمة والكرامة، أي ألوهيته التي آمنت بها الكنيسة دائماً والتي كانت جزءاً من الاعتراف بالإيمان أثناء المعمودية. وكما أشار بحق الأب ب. بروش (Benoit Pruche)، كانت لفظة (homotimos)، عند القديس باسيليوس، معادلة للفظة “الواحد في الجوهر” (homoousios). ولم يكن هناك الكثير من الجدة في هذا المفهوم للتقليد، إذا استثنينا الدقة واتساق الكلام. ولكنَّ للعبارة ميزة خاصة. يقول : “إن العقائد والتعاليم التي حُفظت في الكنيسة حصلنا على بعض منها من التعليم المكتوب وعلى بعض الآخر في سرّ (en mystirio) سُلّم إلينا من تقليد الرسل. ولهما نفس الفاعلية بالنسبة إلى التقوى”  (في الروح القدس 66).

يظن المرء في النظرة الأولى أن القديس باسيليوس أدخل هنا سلطتين وقاعدتين أي الكتاب والتقليد. والحق، أنه كان بعيداً كلّ البعد عن هذا الأمر، لأن استخدامه للألفاظ كان خاصاً. فلفظة (kerygmata) تشير عنده إلى ما يسمَّى اليوم “بالعقائد” أي التعليم الرسمي الذي يُعتمد عليه في أمور الإيمان، والتعليم العلني. ولفظة (domata) كانت عنده مجموعة الأعراف و”العادات غير المدوَّنة” وبنية الحياة الليتورجية والأسرارية. لا ننسى مفهوم لفظة (dogma) لم يكن ثابتاً وأن هذه اللفظة لم تكن قد أخذت مدلولاً ثابتاً ودقيقاً في أيامه. في أي حال يجب أن لا نرتبك في رأي القديس باسيليوس الذي يقول إن الـ (dogmata) سلَّمها الرسل “في سرّ” (en mystirion).

ونخطئ إذا ترجمناها بلفظة “الخفية”. فالترجمة الصحيحة هي “عن طريق الأسرار”، أي تحت شكل الاستخدامات الليتورجية والطقوس و”العادات” الليتورجية. هذا ما قاله بالضبط باسيليوس الكبير نفسه عندما كتب أن “معظم الأسرار وصلتنا بطريقة غير مكتوبة”. أمَّا لفظة “الأسرار” (ta mystica) فتشير هنا بالتأكيد إلى سرَّي المعمودية والشكر الذين يرجعان، في رأي القديس باسيليوس، إلى أصل “رسولي”. في هذا الصدد يستشهد باسيليوس بالرسول بولس عندما يذكر “التسليم” التي تسلَّمها المؤمنون “مشافهة وكتابةً إليهم” (2 تسا2 : 15، كور 11: 2). فالمجدلة التي تحدثنا عنها هي الواحدة من هذه “التقاليد” (71، أنظر أيضاً 66): “شرع الرسل والآباء منذ البدء في الاهتمام بكل ما يختص بالكنائس، فحفظوا في السّر والصمت هيبة الأسرار”).

والحق، أن كل المقاطع التي يستشهد بها القديس باسيليوس في هذا المجال لها طبيعة ليتورجية وطقسية، كرسم إشارة الصليب في خدمة قبول الموعوظين والاتجاه إلى الشرق أثناء الصلاة، وعادة الوقوف المستمر أثناء صلاة الآحاد، واستدعاء الروح القدس في القداس الإلهي، وتبريك الماء والزيت، ورفض الشيطان وكلّ مجده، والتغطيس في الماء ثلاث مرَّات في خدمة المعمودية. ويقول باسيليوس إن هناك العديد من “أسرار الكنيسة غير المدوَّنة” (66 و67) لم تُذكر في الكتاب، لكنها ذات أهمية وسلطة كبيرتين،  وهي وسائل ضرورية للشهادة والاتحاد وأمور لا بدَّ منها لحفظ الإيمان الصحيح، وتأتي، كما يشير، من التقليد “الصامت” و”الخاص” : “من التقليد الصامت والصوفي ومن التعليم الذي لا يُعلن ولا يُقال”.

لم يكن هذا التقليد “الصامت والسرّي (mystical) وغير المعلَن”  عقيدة باطنية مخصَّصة للنخبة، لأن “النُخبة” كانت الكنيسة. “فالتقليد” الذي يحتكم إليه القديس باسيليوس هو الممارسة الليتورجية في الكنيسة. إن القديس باسيليوس يلجأ هنا إلى ما نسمِّيه اليوم “نظام الكتمان” (disciplina aracni) الذي كان سائداً في القرن الرابع والذي دافعت عنه الكنيسة ودعمته. فكان ذا صلة بتأسيس رتبة الموعوظين وذا هدف تعليمي وتثقيفي. وهناك، على حدّ قول القديس باسيليوس، بعض “التقاليد” التي يجب أن تُحفظ بشكل “غير مدوَّن” لئلا تدنسها أيادي الهراطقة. هذه الإشارة تعود بوضوح إلى الطقوس والممارسات، ويجب أن نذكِّر هنا أن “دستور الإيمان” و”الصلاة الربَّانية” كانا في القرن الرابع جزئين من “نظام الكتمان” هذا، وأنه لم يكن جائزاً أن يعرضا لمن هم خارج الإيمان. كان دستور الإيمان مدخَّراً للذين يقبلون إلى المعمودية، في آخر مرحلة التعليم، أي بعد أن توافق الكنيسة عليهم وتدرجهم بكل إجلال في عداد “المستعدِّين للاستنارة”.

وكان الأسقف يقوم “بنقل” دستور الإيمان إليهم مشافهة، وكانوا هم يتلونه غيباً أمامه في خدمة “نقل” (traditio) و”ترداد دستور الإيمان” (redditio symboli). وكان يحثّ الموعوظين على عدم إفشاء دستور الإيمان لغير المؤمنين وعلى عدم تدوينه. فهو يجب أن يُحفر في قلوبهم. وهنا يكفي أن نستشهد “بمقدمة التعليم الديني” (Procatechesis) للقديس كيرلّس الأورشليمي في الفصلين 12و 17. وفي الغرب أيضاً أحسَّ روفينوس وأغوسطين بأنه لا يليق بالمسيحيين أن يدونوا دستور الإيمان على الورق.

ولذلك لم يذكر سوزمنوس في تاريخه نص الدستور النيقاوي “الذي كان يحق للمتنصرين وللمسارين (mystagogues) تلاوته وسماعه” (التاريخ الكنسي 1: 20). أمام هذه الخلفية وضمن هذا المحتوى التاريخي يجب أن نقوِّم ونفسر برهان القديس باسيليوس. فهذا أكد بقوة أهمية الاعتراف بالإيمان في المعمودية، الذي يتضمن التزام الإيمان بالثالوث الأقداس، الآب والابن والروح القدس (67 و26). كان هذا الاعتراف “تقليداً” يُسلم “في سرّ” إلى الذين تنصروا حديثاً ويُحفظ “بصمت”. ويتعرض المرء إلى خطر زعزعة “أساس الإيمان بالمسيح” إذا رفض وتجاهل هذا “التقليد غير المكتوب” (25).

فالفارق الأوحد بين العقيدة (dogma) و”التعليم” (kerygma) كان في طريقة نقلها: العقيدة تُحفظ “بصمت” أمَّا التعاليم “فتُنشر وتُعلن”. لكنَّ هدفها واحد، لأنهما يقدمان الإيمان نفسه ولو بطرق مختلفة. لكن هذه العادة الخاصة لم تكن مجرد تقاليد الآباء – لأن تقليداً كهذا لا يكون كافياً. فالآباء استقوا مبادئهم من “قصد الكتاب وغايته”. “إنهم اتبعوا رأي الكتاب واستقوا مبادئهم من شواهده”. إذن، لا يضيف “التقليد غير المكتوب” في طقوسه ورموزه، شيئاً إلى محتوى الإيمان الكتابي: فهو يكتفي بالتركيز على الإيمان في بعده المحرقي.

كان احتكام القديس باسيليوس إلى “التقليد غير المكتوب” احتكاماً إلى إيمان الكنيسة وإلى “المعنى الجامع” (sensus catholicus) وإلى “الفكر الكنسي”. لذلك اضطر إلى أن يزيل المأزق الذي خلقه أعداؤه الآريوسيون، الضيِّقو الأفق والمتمسكون تمسكاً كاذباً بحرف الكتاب المقدس. فرد على زعمهم قائلاً اننا لا نقدر أن نفهم قصد الكتاب وتعليمه بعيداً عن قانون الإيمان “غير المكتوب”. لقد كان القديس باسيليوس كتابياً في لاهوته بكلّ ما في الكلمة من معنى. فالكتاب عنده كان المقياس الأسمى للعقيدة (الرسالة 189، 3).

وتفسيره للكتاب كان رصيناً ومتَّزناً. إن الكتاب نفسه سر “للتدبير” الإلهي وسر للخلاص الإنساني، عمقه لا يُسبر غوره، لأنه كتاب “مُلهَم”، كتاب من الروح القدس. ولذلك يجب أن يكون تفسيره الصحيح روحياً ونبوياً. فموهبة التمييز الروحي ضرورية لفهم صحيح للكلمة المقدسة، “لأن ناقد الكلمات يجب أن ينطلق من الإستعداد الذي ينطلق منه المؤلف نفسه… وأرى أنه من المستحيل على كلّ إنسان أن يأخذ على نفسه التدقيق في كلمات الرب، ما لم يملك الروح الذي يهب قوة التمييز” (الرسالة 204).

ويُعطَى الروح في أسرار الكنيسة، لذلك يجب أن يُقرأ الكتاب تحت ضوء الإيمان وسط جماعة المؤمنين. ولهذا السبب كان تقليد الإيمان، كما سُلِّم من جيل إلى جيل، بالنسبة للقديس باسيليوس، المرشد الضروري والدليل في دراسة الكتاب المقدس وتفسيره. إذن حذا القديس باسيليوس حذو القديس إيريناوس وأثناسيوس في هذا المجال. وكذلك أغسطين استخدم التقليد بطريقة مشابهة ولا سيما الشاهد الليتورجي.

الكنيسة مفسِّر للكتاب

كان للكنيسة سلطان تفسير الكتاب، لأنها المستودع الحقيقي الأوحد للتعليم الرسولي (Kerygma). فهذا التعليم حُفظ بطريقة حية في الكنيسة، لأن الروح أعطي لها. والكنيسة كانت تعلِّم “مشافهة” (viva voca) مودعة كلمة الله وموطدة إياها في النفوس “فصوت الإنجيل الحيّ” (viva vox Evangelu) لم يكن مجرد تلاوة لكلمات الكتاب، بل كان إعلاناً لكلمة الله كما سُمعت وحُفظت في الكنيسة بقوة الروح الذي يفعل فيها دائماً ويحييها. أمَّا خارج الكنيسة وخارج خدمتها الكهنوتية القانونية “المتعاقبة” من أيام الرسل فلم يتمّ إعلان صحيح للإنجيل ولا تبشير قويم ولا فهم حقيقي لكلمة الله. إذن إن التفتيش عن الحقيقة في مكان آخر، أي خارج الكنيسة الجامعة الرسولية، سيكون بلا فائدة. هذا كان الإيمان المشترك في الكنيسة القديمة، من أيام القديس إيريناوس وحتى مجمع خلقيدونية وما بعده.

فالقديس إيريناوس كان نوذجياً في هذا المضمار، لأن الرسل، في رأيه، هم الذين حملوا ملء الحقيقة في الكنيسة : “فكل ما يتصل بالحقيقة أودع في أيديهم بأكثر وفرة” (ضد الهراطقة 3، 4، 1). والحق، أن الكتاب ألَّف القسم الأكبر من هذه “الوديعة” الرسولية، مثلما ألَّفت الكنيسة. فالكنيسة والكتاب لا ينفصلان ولا يتناقضان. فالكتاب، أي فهمه الصحيح، موجود في الكنيسة فقط، لأن الروح القدس يوجهها ويرشدها. ولذلك أكد أوريجنس وحدة الكنيسة والكتاب. وكانت مهمة المفسر، عنده، الإعلان عن كلمة الروح: “يجب أن ننتبه عندما نعلم لئلاّ نقدم تفسيرنا الخاص بدلاً من تفسير الروح القدس” (في تفسير رومية 1، 3، 1). هذا الأمر يبقى مستحيلاً خارج التقليد الرسولي المحفوظ في الكنيسة.

فأوريجنس شدد على التفسير “الجامع” للكتاب، كما هو مقدم في الكنيسة: “لنصغ في الكنيسة إلى كلمة الله التي تقدم على نحو جامع” (في تفسير اللاويين، العظة 4، 5). أما الهراطقة فيتجاهلون في تفسيرهن “قصد” الكتاب الحقيقي: “فالذين يقدمون كلام الله من دون أن يقرنوه بقصد الكتاب وبحقيقة الإيمان ويزرعون قمحاً ويحصدون شوكاً” (في تفسير إرميا العظة 7، 3). إن “قصد” الكتاب المقدس يرتبط بقوة “بقانون الإيمان”.

هذا هو موقف الآباء في القرن الرابع والقرون اللاحقة الذي ينسجم كلّياً مع تعليم الأقدمين. فالقديس إيرونيموس، رجل الكتاب العظيم، أورد الفكرة نفسها بأسلوبه القوي الحاد، فقال: “إن ماركيون وفاسيليدس وهراطقة آخرين… لا يملكون إنجيل الله، لأنهم لا يمكلون الروح القدس، الذي من دونه يصبح الإنجيل المبشَّر به إنسانياً. فنحن لا نعتبر أن الإنجيل (أي البشارة) يتألَّف من كلام الكتاب المقدس فغايته في معناه، لا في سطحه، في لبِّه وجوهره، لا في أوراق العظات، بل في أصل معناه. في هذا الحال يصحب الكتاب نافعاً حقاً للسامعين عندما يُبشَّر به مع المسيح وعندما يُقدم ويُعرض مع الآباء وعندما يُقدِّمه المبشِّرون به مع الروح… كبير هو خطر التكلم في الكنيسة، لأن التفسير المنحرف يحول إنجيل المسيح إلى إنجيل إنساني” (في تفسير غلاطية 1، 1، 2، مجموعة الآباء اللاتين، مين 26، 386).

نجد هنا الاهتمام نفسه بالفهم الصحيح لكلمة الله مثلما نجده في أيام إيريناوس وترتليان وأوريجنس. وبما كان إيرونيموس يقوم بإعادة صياغة كلام أوريجنس عندما قال إن “الإنجيل الإلهي” لا يوجد خارج الكنيسة، بل يوجد بديل إنساني منه. إننا لا نقدر أن نستقصي المعنى الحقيقي للكتاب (sensus Scripturae) أي الرسالة الإلهية، إلاَّ في ارتباطه بحقيقة الإيمان (veritatem juxta fidei)، وتحت توجيه قانون الإيمان. و”حقيقة الإيمان” (verias fidei) هي الاعتراف الإيماني بالثالوث. وهذه هي طريقة القديس باسيليوس. فالقديس إيرونيموس يتحدث هنا أولاً عن إعلان الكلمة في الكنيسة “لمن يصغي إليها” (andientibus utilis est)

أوغسطين والسلطان الجامع

بهذا المعنى يجب أن نفسر قول أوغسطين الشهير والمدهش حقاً : “لو لم يحركني سلطان الكنيسة الجامعة لما آمنت بالإنجيل” (V.f.epistolum fundaminti 6). يجب علينا أن نقرأ هذا العبارة ضمن سياقها. فأوغسطين لم ينطق بهذه العبارة بالأصالة عن نفسه، إنما بالأصالة عن الموقف الذي كان على المؤمن العادي أن يتخذه عندما يواجه الهراطقة، الذين يزعمون أنهم أصحاب السلطان. في هذا الحال، يليق بالمؤمن البسيط أن يحتكم إلى سلطان الكنيسة، التي تلقى فيها ومنها الإنجيل نفسه (أي البشارة) : “إنني آمنت بالإنجيل نفسه، لأن مبشرين “جامعيين بشروني”.

فالإنجيل وتعليم الكنيسة الجامعة لا يفصلان. وأوغسطين لم يسمع إلى “إخضاع” الإنجيل للكنيسة، بل أراد أن يشدد على أننا نتلقى “الإنجيل” في إطار التبشير الجامع في الكنيسة، لأنه لا ينفصل عنها. في هذا الإطار وحده يأخذ الإنجيل مكانه ويُفهم فهماً صحيحاً.

والحق، أن شهادة الكتاب بينة وواضحة كل الوضوح عند المؤمن الذي وصل إلى نضج “روحي”، وهذا ممكن في الكنيسة فقط. لذلك قاوم أوغسطين الأوهام التي يتعلل بها التفسير المانوي عبر هذا التعليم وعبر سلطان (auctoritas) البشارة اللذين يتصلان بالكنيسة الجامعة. فالإنجيل لا يخص المانويين. أما “سلطان الكنيسة الجامعة” فلم يكن مصدراً مستقلاً للإيمان، بل كان مبدأً ضرورياً للتفسير الصحيح. إننا نقدر أن نقلب هذه العبارة فنقول: يجب أن لا يؤمن المرء بالكنيسة ما لم يحركه الإنجيل. فالعلاقة متبادلة بنيهما بشكل تام.(Luis de Montadon <Bible et Eglise dans l Apologetique de Saint Augustin>a).

________________________________________

(5) راجع:

Dom Odo Casel, O.S.B., Benedict von Nursia als Pnermatiker, in “Heilege Uberlieferung” Münster 1938, pp. 100-101.

إذن، منذ البدء لم يكن التقليد المقدس في الكنيسة مجرد انتقال من العقيدة إلى اليهودية المتأخّرة ليكون نموذجاً من دون إزدهار حيّ للحياة الإلهية. وفي الحاشية يُرجع Dom Casel القارئ على John Adam Möhler.

(9) راجع:

Karl Pächter, Richtungen und schulen im Neuplatonismus, in “Genethliakon” (Carl Roberts zum 8. März 1910), Berlin, 1910.

يترجم Prächter لفظة “العناية” باللفظتين Grundthema أو Zielpunct (ص 128). ويصف بطريقة إيامفليخوس بأنها “تفسير مسكوني” (ص 138). وبروكلوس في تفسيره للرسالة إلى تيموثاوس يضع تضادّاً بين بورفيريوس وإيامفليخوس. فبورفيريوس يفسِّر النصوص بشكل جزئي أمّا إيامفليخوس فبشكل أشمل وأعمّ (في الرسالة الأولى إلى تيموثاوس، ص 204، 24 المذكورة عند Prächter، ص 136).

(12) (أشار C. R, B, Shapland بحق إلى أن “الأساس” في هذا النص يدلّ بالتحديد عند القديس اثناثيوس على اسم الثالوث الأقدس كما يستدعى في المعمودية. ويذكر القديس أثناثيوس هذا الأمر الإلهي فيما بعد في رسالته مستهلاً كلامه هكذا: “أمرهم السيّد أن يضعوا هذا الأساس للكنيسة قائلاً: …فذهب الرسل وعلّموا هكذا”). راجع:

The Letters of saint Athanasius concerning the Holy Spirit, C. R. B. Shapland, London 1951, 132.

معنى التقليد المسلم عند آباء الكنيسة الأولى

القضية الخالق – تجميع نهائي 3 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 3 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 3 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 3 – لي ستروبل

إقرأ أيضًا: الاحتمـال الأول: فرضـيـة دارويـن

الاحتمال الثاني: فرضية التصميم

قال عالم الفيزياء الذي أصبح فيما بعد لاهوتياً جون بولكينغورن: “إن سؤالاً أساسياً مثل الإيمان بالله (أو عدم الإيمان) لا يمكن إنهائه بمناقشة واحدة. إنه معقد للغاية. وما على الشخص أن يفعله هو التفكير في قضايا مختلفة ويرى ما إذا كانت الإجابات التي سيحصل عليها توضح الصورة التي تعطي للموضوع معنى”[1].

وهذا هو الأسلوب الذي اتبعته في بحثي. وقمت بفحص عميق لأربعة فروع علمية مختلفة لأرى ما إذا كانت تشير إلى أو تبعدني عن المصمم الذكي.

وعندما فتحت ذهني لتفسير غير مبدأ الطبيعة، وجدت أن افتراضية التصميم تفسر بكل وضوح أدلة العلم “فالقوة التفسيرية” لفرضية التصميم تفوقت على نظرية أخرى. وما يلي بعض الحقائق التي وردت في أبحاثي واستفساراتي:

  • دلـيـل علـم الكـونيـات

إنه بفضل الاكتشافات العلمية في الخمسين سنة الأخيرة، أخذت مجادلة “الكلام Kalam” الكونية القديمة قوة جديدة. وكما وصف ذلك وليم لين كريج فقال: “رغم أن هذه المجادلة بسيطة إلا أنها ممتازة: “تقول أولاً: كل ما هو موجود له سبب”. وحتى الشكاك المشهور ديفيد هيوم لم ينكر هذه الافتراضية. كما قال الملحد كوينتن سميث إن التعبير الذي يقول: “إننا جئنا من لا شيء وبواسطة لا شيء من أجل لا شيء” تعبير سخيف ومثير للسخرية.

“ثانياً: إن الكون له بداية”. وبناء على المعلومات فإن كل علماء الكون يوافقون على أن الكون بدأ بالانفجار الهائل في نقطة محددة في الماضي. كما أكد كريج على القول بأن النظريات البديلة عن أصل الكون تحتاج إلى بداية. فمثلاً، استخدام ستيفن هوكنج “للأرقام الخيالية” يحجب نقطة البداية في نموذجه، والذي يصرح هوكنج عنه بالقول بأنه ليس وصفاً للحقيقة.

ويأتي الاستنتاج بكل وضوح من مقدمتين منطقيتين: “ولهذا فللكون سبباً. وحتى روبرت جاسترو والذي كان سابقاً لا أدري سلم بأن العناصر الأساسية للمسيحية وعلم الكون الحديث يلتقيان: “إن سلسلة الأحداث التي تقود الإنسان بدأت فجأة وبحدة، وفي لحظة محددة من الزمن، في ومضة ضوء وطاقة”.

  • دلـيـل الفيـزيـاء

إحدى أكثر الاكتشافات المميزة للعلم الحديث هو أن قوانين وثوابت الفيزياء تتعاونان بطريقة غير متوقعة لجعل هذا الكون مكاناً صالحاً للسكن والحياة. فمثلاً، قال عالم الطبيعة والفيلسوف روبن كولنس، إن الجاذبية قد ضبطت بكل دقة على جزء من مائة مليون بليون، بليون، بليون، بليون.

والثابت الكوني، الذي يمثل كثافة طاقة الفضاء، محددة بإحكام مثل إلقاء سهم من الفضاء ليضرب عين ثور بنسبة تريليون تريليون من البوصة في قطر الكرة الأرضية. وقال أحد الخبراء إنه يوجد أكثر من ثلاثين من القوانين الكونية الثابتة تحتاج إلى تقويم محدد حتى ينتج عنها كوناً يمكن أن يكون فيه حياة.

وقال بين كولينس بإن الفرصة لا يمكن أن تفسر “مبدأ أن الإنسان هو حقيقة الكون المركزية” والبديل الذي نوقش – بأنه يوجد الكثير من الأكوان – يحتاج إلى دعم من أي دليل وقد انهار تماماً على ما تحقق من أن هذه العوالم الأخرى يُعزى وجودها إلى عملية مصممة تصميماً عالياً.

وهذا الدليل قوي للغاية حتى أنه هو الذي جعل باتريك جلين يتخلى عن إلحاده ويقول: “إن المعلومات المتناغمة تشير بقوة تجاه فرضية وجود الله. إنه أسهل وأكثر الحلول وضوحاً للغز الإنساني”.

  • دلـيـل علـم الفـلك

وما يشبه الضبط الدقيق لعلم الفيزياء، هو مركز الأرض في الكون وتعقيداته الجيولوجية والعمليات الكيميائية كلها التي تعمل معاً بكفاءة عظيمة لكي تخلق مكاناً آمناً حتى يمكن للبشر أن يعيشوا.

مثلاً، قال كل من عالم الفلك جيليرمو جونزاليس والفيلسوف جاي ويزلي ريتشاردز حتى يكون نجماً بيئة صالحة للعيش عليه يحتاج إلى أن يكون له الخواص غير العادية لشمسنا – الكتلة الصحيحة، الضوء الصحيح، العمر الصحيح، المسافة الصحيحة، المدار الصحيح، المجرة الصحيحة، الموضع الصحيح. لكي يغذي الكائنات الحية على كوكب دوار. وعوامل كثيرة تجعل نظام مجموعتنا الشمسية وموقعنا في الكون هو الصحيح لكي يكون بيئة صالحة للسكن فيه.

وما هو أكثر من ذلك، الحالة غير العادية التي تجعل الحياة ممكنة هي أيضاً التي تحدث لكي تجعل كوكبنا في موقع جيد لرؤية وتحليل الكون والبيئة. وكل هذا يوضح بأن كوكبنا قد يكون نادراً إن لم يكن فريداً وأن الخالق أرادنا أن نكتشف الكون.

وقال الفيزيائي الفلكي المتعلم في هارفارد جون أ. أوكيف من ناسا “لو لم يكن الكون قد صنع بأقصى دقة ما كنا موجودين فيه. ومن وجهة نظري أن هذه الظروف تبين أن الكون خلق للإنسان ليعيش فيه”.

  • دلـيـل الكيميـاء الحيـويـة

قال داروين: “إذا أمكن توضيح أن أي عضو معقد موجود ولم يتكون من تعديلات عديدة ومتتابعة وطفيفة، فسوف تنهار نظريتي”. وقد أوضح المتخصص في الكيمياء الحيوية مايكل بيه هذا تماماً من خلال وصفه “للتعقيد المتعذر اختزاله” في مكائن جزيئية.

هذه الأدوات الغريبة الميكروسكوبية المعقدة مثل الهُدب cilia والبكتيريا الشبيهة بالسوط flagella، لا يمكن أن تكون قد وُجدت قطعة قطعة من خلال عمليات داروين لأنها يجب أن توجد كاملة حتى يمكنها أن تؤدي وظيفتها. وأمثلة أخرى تشتمل على النظام الذي يصعب تصديقه عن نقل البروتينات داخل الخلايا والعملية المعقدة لتجلط الدم.

وما هو أكثر من مجرد تحدي مدمر لأصحاب نظرية داروين هي تلك الأنظمة البيولوجية المدهشة – التي تفوق القدرة البشرية في التكنولوجيا وكلها تشير إلى خالق علوي. وقال بيه “ويمكن تلخيص استنتاجي في كلمة واحدة هي: التصميم. وأقول هذا بناء على العلم. وأقول أن نظام “التعقيد المتعذر اختزاله” هو دليل قوي على تصميم هادف بواسطة مصمم ذكي”.

إن مجادلة بيه أثبتت أنه يصعب على الشكاكون تحديها. وإن كان من الواضح أنه ستكون هناك اكتشافات مستقبلية في الكيمياء الحيوية، فقد أشار بيه أنهم لن يستطيعوا مناقشة التعقيد الذي اكتشف وكان أفضل تفسير له هو وجود خالق.

  • دلـيـل المعلومات البيولوجية

الستة أقدام من حامض DNA في داخل كل خلية في أجسادنا التي بها 100 تريليون خلية تحتوي على أربعة حروف من الرموز الكيميائية التي تقذف تعليمات مجمعة ومحددة لكل البروتينات التي تتكون منها أجسادنا. وقد أوضح ستيفن مير المتعلم في كامبردج أنه ولا فرضية علمية واحدة تمكنت من توضيح كيف يمكن للمعلومات أن تدخل المادة البيولوجية بوسائل طبيعية.

وعلى العكس من ذلك، قال “حينما نجد ترتيبات متتابعة ومعقدة وتتمشى مع نمط أو وظيفة مستقلة، فإن هذا النوع من المعلومات هو دائماً ناتج عن الذكاء. فالكتب، وشفرة الكمبيوتر والحامض النووي كلها تتمتع بهذه الخواص. ونحن نعلم ان الكتب وشفرات الكمبيوتر مصممة بالذكاء، ووجود هذا النوع من المعلومات في الحامض النووي يشير إلى مصدر ذكي”.

وبالإضافة إلى ذلك قال مير: “إن انفجار كامبريان الكوني الذي نتج عنه أشكال جديدة من الحياة، والذي ظهر فجأة مكوناً تكويناً كاملاً في سجل الحفريات، بدون سابق تحول، كان سيحتاج إلى كميات هائلة من المعلومات الحيوية. والمعلومات هي الماركة المسجلة للعقل. ومن دليل الجينات وعلم الأحياء يمكننا أن نستنتج وجود عقل أكبر كثيراً جداً من عقولنا، مصمم ذكي واع، حكيم وله هدف وهو مبدع بدرجة مذهلة”.

  • دلـيـل الوعــي

توصل الكثير من العلماء إلى أن قوانين الكيمياء والطبيعة لا يمكنها أن تفسر لنا اختبارنا للوعي. وقد عرف البروفيسور جي. بي. مورلاند الوعي على أنه الاستبطان والاحساسات والأفكار والعواطف والرغبات والمعتقدات والاختبارات الحرة التي تبقينا أحياء ومتنبهين. والروح هي التي تحتوي على الوعي وتبعث الحياة في جسدنا.

وطبقاً لما وضحه أحد الباحثين من أن الوعي يمكن أن يستمر بعد أن يقف مخ الإنسان عن العمل، فإن الأبحاث العلمية الحديثة أيدت وجهة النظر التي تقول بأن “العقل” و”الوعي” و”الروح” هي كيان منفصل عن المخ.

وكما قال مورلاند: “لا يمكنك أن تحصل على شيء من لا شيء. فإذا كان الكون نشأ من مادة ميتة لا وعي فيها كيف يمكنك أذاً أن تحصل على شيء مختلف تماماً – وعي، حياة، تفكير، مشاعر، مخلوقات حية – على المادة التي ليست بها مثل هذه الأشياء. ولكن إذا كان كل شيء بدأ من فكر وعقل الله، فليست لدينا مشكلة في تفسير مصدر وأصل عقولنا”.

إن الفيلسوف مايك روس يؤمن بنظرية داروين، اعترف بصراحة: “لا يوجد أحد لديه إجابة على قضية الوعي. وقال جون سي. إلكيس الحاصل على جائزة نوبل “هناك ما يمكن أن نسميه الأصل غير العادي لعقلي الواعي ولروحي المتفردة”.

هـويـة المُصـمم

راجعت سيل المعلومات مما قمت به من بحث وتقصي، ووجدت أن الدليل على وجود مصمم ذكي أمر مصدق ومقنع وقوي. ومن وجهة نظري فإن ربط ما وجدته من علم الكونيات وعلم الطبيعة كافيين تماماً لتأييد افتراضية وجود مصمم لهذا الكون. وكل المعلومات الأخرى التي قد تكون قضية تراكمية قوية انتهت بأنها غمرت كل اعتراضاتي.

ولكن من هو هذا المصمم الأعظم؟ ومثل لعبة توصيل النقط، فإن كل واحدة من الستة فروع العلمية التي بحثها أعطت المفاتيح لإزالة القناع عن هوية الخالق.

وكما شرح كريج أثناء لقائنا، قال إن أدلة علم الكونيات توضح أن سبب هذا الكون يجب ألا يكون لا سبب ولا بداية ولا زمن وغير مادية وله إرادة حرة وقوة هائلة. وفي مجال الفيزياء قال كولنس إن الخالق ذكي واستمرت مشغوليته بخليقته بعد الانفجار الهائل الأولي.

ودليل علم الفلك يوضح أن الخالق كان مبدعاً ودقيقاً في خلق مكان يصلح لمعيشة مخلوقاته التي صممها وأنه يعتني ويهتم بها. كما قدم كل من جونزاليز وريتشاردز الدليل على أن الخالق قد وضع على الأقل هدفاً في مخلوقاته وهو اكتشاف العالم الذي صممه ومن خلال ذلك يكتشفونه هو.

ولا تؤكد الكيمياء الحيوية ووجود المعلومات البيولوجية نشاط الخالق بعد الانفجار الهائل فقط، ولكن أيضاً تظهر مدى ابداعه العظيم.  وكما قال مير إن الدليل على وجود الوعي يؤكد أن الخالق كائن عاقل وحكيم، وهذا يساعدنا على فهم هذه القوة كلية القدرة كما توضح أننا يمكن أن نصدق فكرة الحياة بعد الموت.

إن هذه ليست صورة لإله الربوبية* الذي كون هذه الكون ثم تخلى عنه. وكما شرح مير في لقائي الأول معه، إن التخلي عن دليل لوجود نشاط مستمر للخالق في الكون بعد بداية خلقه يكذب مذهب الربوبية كاحتمال يمكن تصديقه.

ومذهب وحدة الوجود، الخالق والكون موجودان معاً، يعجز أيضاً عن تفسير الدليل، لأنه لا يستطيع أن يوضح كيف ظهر الكون للوجود. وإذا كان إله مذهب وحدة الوجود غير موجود قبل الكون المادي فلن يستطيع إحضار الكون للوجود.

كما وضح كريج كيف أن المبدأ العلمي “لشفرة أوكهام” الذي قضى على تعدد الآلهة والشرك بالله، تاركاً إيانا مع إله واحد. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الطبيعة الشخصية للخالق تتناقض مع القوة الإلهية غير الشخصية للخالق تتناقض مع القوة الإلهية غير الشخصية التي هي مركز عقائد العصر الجديد.

على النقيض من ذلك، فإن صورة الخالق التي بزغت من المعلومات العلمية تتوافق بقوة مع وصف الله الذي وضحت شخصيته على صفحات الكتاب المقدس:

  • الخالق: “من قدم أسست الأرض والسموات هي عمل يديك” (مزمور 102: 25)[2].
  • فريد: “إنك قد أُريت لتعلم أن الرب هو الإله. ليس آخر سواه” (تثنية 4: 35)[3].
  • موجود بذاته وسرمدي: “من قبل أن تولد الجبال أو أبدأت الأرض والمسكونة منذ الأزل إلى الأبد أنت الله” (مزمور 90: 2)[4].
  • روحي غير مادي: “الله روح” (يوحنا 4: 24)[5].
  • شخصي، ذاتي: “…. ظهر الرب لإبراهيم وقال له: “أنا الله القدير سر أمامي وكن كاملاً” (تكوين 17: 1)[6].
  • له إرادة حرة: “وقال الله ليكن نون فكان نور” (تكوين 1: 3)[7].
  • ذكي وعقلاني: “ما أعظم أعمالك يا رب. كلها بحكمة صنعت. ملآنة الأرض من غناك” (مزمور 104: 14)[8].
  • عظيم القوة: “الرب عظيم القدرة” (ناحوم 1: 3)[9].
  • مبدع: “لأنك قد اقتنيت كليتي نسجتني في بطن أمي. أحمدك من أجل أني قد امتزت عجباً. عجيبة هي أعمالك ونفسي تعرف ذلك يقيناً” (مزمور 139: 13 -14)[10].
  • يرعى ويهتم: “امتلأت الأرض من رحمة الرب” (مزمور 33: 5)[11].
  • كلي الوجود: “هو ذا السماوات وسماء السماوات لا تسعك” (ملوك الأول 8: 27)[12].
  • أعطى البشرية هدفاً: “فإنه فيه خلق الكل ما في السماوات وما على الأرض ما يرى وما لا يرى… الكل به وله قد خلق” (كولوسي 1: 16)[13].
  • يعطينا حياة بعد الموت: “يبلع الموت إلى الأبد” (أشعياء 25: 8)[14].

وكما كتب الرسول بولس منذ ألفي عام وقال: “لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى أنه بلا عذر” (رومية 1: 20)[15].

والسؤال عما إذا كانت هذه الصفات قد تصف ألوهية أية ديانة أخرى في العالم أصبحت موضع نقاش عندما أضفت الدليل الذي اكتشفته من خلال دراسة التاريخ القديم والآثار القديمة.

وكما وصفت في كتابي “القضية …. المسيح” إن الدليل المقتنع يقيم أساساً يعول عليه للعهد الجديد، وهذا يوضح تحقيق نبوات العهد القديم في حياة يسوع الناصري ضد كل ما هو غريب ويؤيد قيامة المسيح كحادثة فعلية ظهرت في الزمن المحدد وفي الفضاء. كما أن قيامته من الأموات هو عمل فذ وغير مسبوق وأعطى سلطاناً وقوة وتوثيقاً لقوله إنه ابن الله الوحيد.

وبالنسبة لي فإن المدى والتنوع والعمق والقوة المثيرة والمقنعة للأدلة من العلم والتاريخ أكدت صدق المسيحية إلى الدرجة التي أزالت بها كل شكوكي.

وأنا لست مثل الذين يؤمنون بنظرية داروين، فإن إيماني يسبح ضد تيار قوي من الأدلة المضادة، واضعاً ثقتي في الله إله الكتاب المقدس وهو قرار حكيم وطبيعي وقد اتخذته فعلاً. وكنت فقط أسمح بسيل الحقائق أن تجرفني نحو نتائجها المنطقية.

انصـهار العـلـم والإيمـان

لسوء الحظ هناك الكثير من سوء الفهم حول الإيمان. فالبعض يعتقدون بأن الإيمان يتناقض مع الحقائق. ويقول مايكل شيرمير: “إن هدف الإيمان هو أن تثق بصرف النظر عن الأدلة، وهذا أمر مضاد للعلم”[16]

ومع ذلك، فهذا بالتأكيد ليس هو فهمي لهذا الأمر. فإنني أرى الإيمان على أنه خطوة عاقلة نحو نفس الاتجاه الذي يشير إليه الدليل. أي أن الإيمان يتخطى مجرد الاعتراف بأن حقائق العلم والتاريخ تشير نحو الله. إنه يُجيب على تلك الحقائق بالاستفادة من الثقة في الله، خطوة مضمونة تماماً وذلك لتأييد الدليل لها.

قال أليستر مكجراث من أكسفورد كل وجهات النظر العالمية تحتاج إلى الإيمان. وادعاءات الحقيقة للإلحاديين لا يمكن إثباتها. كيف نعرف أنه لا يوجد إله؟ والحقيقة البسيطة في الأمر كله هو إن الإلحاد هو نوع من الإيمان يصل إلى نتائج تتخطى الأدلة المتاحة”[17].

ومن الناحية الأخرى، فإن الأدلة المتاحة من أحدث الأبحاث العلمية تُقنع مزيداً من العلماء بأن الحقائق تؤيد الإيمان أكثر من أي وقت مضى. ويقول الصحفي جريج إيستروبروك: “إن الفكرة القديمة التي تقول إنه هناك الكثير من الوجوه أكثر مما تراه العين تبدو كما لو أنها فكرة حديثة ظهرت ثانية. وأننا ندخل أعظم مرحلة للتداخل بين العلم والإيمان منذ حركة التنوير التي حاولت أن تُصلح الاثنين معاً”[18].

وبالنسبة لكثير من الناس – بمن فيهم الفيزيائي بول دافيس – هذا تطور غير متوقع وسبب لهم نوع من الصدمة. ويقول: “قد يكون ذلك أمراً غريباً ولكن في وجهة نظري أن العلم يقدم طريقاً مؤكداً نحو الله أكثر من العقيدة”[19].

وقال العالم جيمس تور من جامعة ريز: “الشخص المبتدئ الذي لا يعرف شيئاً عن العلم سيقول إن العلم يقوده بعيداً عن الإيمان. وإذا درست العلم بجدية فسوف يقربك أكثر إلى الله[20]. وقال الفيزيائي الفلكي والقس جورج كوين ” لا شيء نتعلمه عن الكون يهدد إيماننا. إنه يزيده غنى وثراء”[21].

وقال عالم الفيزياء الرياضي ليولكينغورن، من كامبردج:

لم ير أحداً الشحنة الكهربية الموجودة في الجزيء الأصغر من الاليكترون المسماة quark وأعتقد أنه لن يستطيع أحد أن يراها. إنها ترتبط بقوة معا داخل البروتون والنيوترون حتى إنه لا يمكن كسرها. لماذا إذاً أصدق في هذه الشحنات غير المرئية؟ ….. لأنها تعطي معنى لكثير من الأدلة المباشرة في علم الطبيعة. وأود أن ننتقل من هذا إلى حقيقة وجود الله.

فوجود الله يعطي معنى لكثير من جوانب معرفتنا واختباراتنا مثل: نظام وثمار العالم المادي، الوجوه المختلفة للحقيقة، الاختبارات الإنسانية في العبادة والرجاء، ظاهرة يسوع المسيح (بما فيها قيامته. وأعتقد أن عمليات فكرية مشابهة متضمنة في كلا الحالتين. ولا أعتقد أنني انحرفت إلى طريق فكري غريب عندما انتقل من العلم إلى الدين… وفي بحثهم عن الحق يصبح العلم والإيمان أبناء عمومة تحت الجلد”[22].

ومع ذلك فقد أضاف تميزاً هاماً: “إن المعرفة الدينية تتطلب جهداً وعناية أكثر من المعرفة العلمية. فبينما تتطلب انتباهاً دقيقاً للحق، فهي أيضاً تدعو إلى الالتزام بهذا الحق الذي اكتشفته”[23].

وطبقاً لما يقوله ماكجاث: “الكلمة العبرية لكلمة “الحق” تعني “الشيء الذي يمكن أن تستند إليه”. ويقول بأن الحق هو أكثر من مجرد الصواب. إنه الثقة التي تقودنا إلى شخص جدير بأن نطرح فيه كل ثقتنا. وغير مطلوب منا أن نعرف حقيقية أخرى بل ان ندخل في علاقة مع من يستطيع أن يحفظنا ويريحنا”[24].

إن حقائق العلم والتاريخ يمكنها فقط أن تأخذنا بعيداً. فعند نقطة معينة تتطلب الحقيقة إجابة. وعندما نقرر ألا نتأمل فقط في الفكرة المجردة عن مصمم هذا الكون ولكن أيضاً أن نجعله “إلهنا الحقيقي” عندئذ يمكننا أن نلتقي به شخصياً ونتصل به يومياً ونقضي الأبدية معه كما وعدنا بذلك. وهذا يغير كل شيء.

من العـلـم إلى الله

لم يندهش أحد عند سماعه الدليل العلمي على وجود الله مثلما اندهش عالم الطبيعة العجوز الذي يصل عمره إلى 77 عاماً وصاحب الشعر الفني والكلام الطيب والذي كان أمامي في مطعم في جنوب كاليفورنيا.

وقصته مثل تلك التي قصها عليّ كريج سابقاً عن عالم الطبيعة من أوروبا الشرقية الذي وجد الله من خلال علم الكونيات، وهذه شهادة أخرى للعلم لكي يقود الباحثين نحو الله. ومع ذلك فهي شيء آخر، إنها خريطة طريق لمن يريد أن يتقدم إذا كنت مهتماً شخصياً لمعرفة ما إذا كان الإيمان بالله يدعم بالحقائق.

فيجو أولسين هو جراح ذكي انغمست حياته في العلم، وبعد تخرجه من كلية الطب أصبح زميلاً في مجلس الجراحين الأمريكيين. وكان يصحب اسمه العديد من رموز الشهادات التي حصل عليها M.S., M.D., Litt.D., D.H., F.A.C.S., D. T. M.&H., F. I. C. S. وكان يُرجع شكه في الأمور الروحية لمعرفته لعالم العلم.

وقال: “بحثت في المسيحية والكتاب المقدس من خلال نظرة شخص يؤمن بمذهب اللاأدري. وكانت زوجتي جوان أيضاً لا تؤمن بالمسيحية. وكنا نعتقد بعدم وجود برهان مستقل على وجود خالق. وكنا نعتقد أن الحياة وُجدت من خلال عمليات تطورية”[25].

وكانت المشكلة في والدي جوان اللذين كانا مسيحيين أتقياء. وعندما قام بزيارتهما كل من فيجو وجوان في عام 1951 وهم في طريقهم لكي يبدأ فيجو كطبيب مقيم في مستشفى نيويورك لأول مرة، شعروا بتبكيت ديني شديد. وفي مناقشات متأخرة بالليل، بدأ كل من فيجو وجوان أن يشرحا بصبر لماذا تتناقض المسيحية مع العلم المعاصر. وأخيراً، وهم يشعران بنوع من الضيق والتشتت عند الساعة الثانية صباحاً وهم جالسون حول الطاولة بالمطبخ، وافقا على فحص واختبار الإيمان المسيحي بأنفسهم.

وأشار أولسين أن بحثه سيكون مخلصاً وصادقاً، ولكنه في داخله كان هناك خطة أخرى. وقال: “لم يكن قصدي أن أقوم بدراسة موضوعية على الإطلاق. وكما شرح الجراح الصدر، قررنا أن نخترق الكتاب المقدس لنستخرج منه كل الأخطاء العلمية المحيرة”.

وعلى منزلهم الجديد علقوا ورقة وكتبوا عليها “أخطاء علمية في الكتاب المقدس” متخيلين أنهم يستطيعوا ملئها بالأخطاء. ووضعوا نظاماً يناقشون فيه بعضهم البعض ما يتعرفوا عليه من بحثهم وتقصيهم. وبينما كان فيجو يعمل بالمستشفى، تقوم جوان ببحص القضايا المعلقة على الورقة. ثم أثناء ليالي العطلة الأسبوعية في إجازة فيجو، كانا يدرسان معاً ويحللان ويناقشان ويتجادلان.

وبرزت المشاكل بسرعة ولكن ليس تلك التي كانا يفكران فيها. وقال فيجو: “لقد وجدنا صعوبة في إيجاد تلك الأخطاء العلمية. ثم وجدنا شيئاً يبدو أنه خطأ ولكن بعد دراسة أكثر وتأمل، اكتشفنا أن فهمنا كان ضحلاً. وهذا دفعنا لأن نتوقف لتدبر الأمر”.

وفي إحدى المرات أعطاني طالب كتاباً مكتوباً في عام 1948 بعنوان “العلم الحديث والإيمان المسيحي”. وكل فصل من فصوله 13 مكتوبة من قبل عالم مختلف عن الدليل الذي وجدوه في مجاله والذي يشير إلى وجود الله. وبالرغم من أنه كتب قبل ظهور الكثير من الاكتشافات العلمية التي وصفها في هذا الكتاب فإن هذه الأدلة كانت كافية لتوقف فيجو وجوان.

قال أولسين: “لقد عصف الكتاب بأذهاننا! فلأول مرة عرفنا أنه توجد أسباب خلف المسيحية. وتصميمهم على الإيمان لن يكون نوعاً من الانتحار الذهني”.

مغامـرة العـمـر

التهم كل من فيجو وجوان هذا الكتاب والكثير من الكتب الأخرى في نفس الموضوع. وبينما كانوا يحللون الأدلة توصلوا إلى العديد من النتائج.

أولاً، عرفا على أساس علمي أن الكون ليس أزلياً. بل بالحري ظهر في نقطة معينة. وطالما أن هذا الكون ملفوف بالقوة – طاقة حرارية، طاقة ذرية…. إلخ – فبدأوا يفكرون أنه لا بد من وجود قوة هائلة أوجدته.

ثانياً، نظرا إلى الخطة الواضحة للكون، والجسم الإنساني بكل أعضائه وخلاياه، واستنتجوا أن القوة التي خلقت هذه الكون يجب أن تكون قوة ذكية.

ثالثاً، قالا إنه بالرغم من عظمة القوة العقلية لدى الإنسان، فهناك من هو أعظم، القدرة على الحب والتعامل بالمشاعر والعاطفة. ولأن الخالق يجب أن يكون أعظم من خلائقه، فلا بد وأن له نفس هذه الصفات.

وبناء على الأدلة والمنطق المستقل عن الكتاب المقدس، تمكنوا من الإجابة على السؤال الأول من الثلاثة أسئلة التي قام عليهم بحثهما: “هل يوجد إله خلق الكون؟” وأدهشوا أنفسهم بالحكم الذي توصلوا إليه: نعم، خالق شخصي – الله موجود.

بعد اقتناعهم بهذا، بدأ في محاولة استكشاف السؤالان الآخران: “هل كشف الله عن ذاته للبشرية من خلال الكتاب المقدس أو نصوص كتابية مقدسة أخرى؟ وهل يسوع ابن الله – متحداً إلهياً بالبشرية – يستطيع أن يساعدنا كما ادعى ذلك؟”

واستمر البحث في هذين الموضوعين. وفي أحد الأيام، بينما كان فيجو يعمل في المستشفى، كون ما اعتقد أنه مجادلة قوية ضد المسيحية. قال لي وهو يستعيد ذكرى المنظر كما لو أنه حدث الشهر الماضي: “كنت حقيقة فخوراً به وأمضيت طوال اليوم أفكر فيه. ولم أتمكن من الانتظار حتى أخبر زوجتي جوان!”

وفي نهاية فترة العمل بالمستشفى، سار حتى وصل إلى شقته الصغيرة “وفي هذا اليوم أتذكر الفكر الذي تبادر إلى ذهني عندما فتحت زوجتي الباب وقبلتني – يا لها من زوجة رائعة وهي حامل أيضاً”.

دخل وأغلق الباب وشرح لزوجته اعتراضه الجديد على المسيحية. وأخيراً سأل: “ماذا تعتقدين أنت؟”

قال: “ساد السكون المكان لمدة دقيقة. ثم نظرت جوان إليّ بعينيها الزرقاوان الجميلتان وقالت: “ولكن يا فيجو ألم تتوصل بعد كل هذه الدراسات إلى أن المسيح هو ابن الله؟”

قال: “كان هناك شيء ما في الطريقة التي كلمتني بها والتي نظرت بها إليّ والتي في الحال أسقطت كل الحواجز الباقية في ذهني. ولم يعد الدليل أمامه أي عائق. وكل ما تعلمناه اجتمع معاً في صورة رائعة مضيئة وخرافية للرب يسوع.

“ترددت بعض الشيء ثم قلت لها: “نعم، إنني أؤمن بذلك وأعلم أنه حقيقي”. ولم أكن آمنت حتى لحظة كلامي معها – ولكن عندما انهارت الحواجز، علمت أنها على صواب. وتوجهنا نحو غرفة المعيشة وجلسنا على الكنبة. وقلت لها: “ماذا عنك أنت؟”

قالت: “لقد حسمت الأمر كله منذ بضعة أيام، ولكنني خشيت أن أقول لك ذلك. كل الأشياء التي درسناها وتعلمناها أقنعتني أخيراً بما جاء في الكتاب المقدس وعن المسيح وعن حاجتي – بل وحاجتنا – إليه. “ومنذ بضعة أيام كنت مقتنعة تماماً” لقد صلت لكي تقبل غفران الله المجاني لها والحياة الأبدية. وبهذا بدأت أكبر مغامرة في حياتنا.

ولأنهما رغبا في زيادة الأثر الطيب الذي حصلوا عليه، صلى كل من فيجو وجوان صلاة جريئة طلبا فيها من الله أن يرسلهم إلى مكان خال من المسيحيين ومن الرعاية الطبية. وأرسلهم الله إلى بنجلادش حيث قضيا 33 عاماً في هذا البلد الفقير.

وهناك أسسوا مستشفى مسيحي وجعلوه مركزاً للرعاية الطبية والاستنارة الروحية حيث وجدت فيه الجماهير الشفاء والرجاء. وقد قام فيجو وزملاؤه بتأسيس 120 كنيسة. وقد رحب بهم الناس والحكومة ترحيباً حاراً، وقد كرموه بإعطائه الفيزا رقم 1 اعترافاً منهم بما قدموه لبلدهم.

قلت له: “لا بد وأن المعيشة كان صعبة للغاية في بلد متخلف مثل هذا”.

أجابني بابتسامة: “لقد كانت أعظم مغامرة قمنا بها. فعندما تقيم في مكان صعب، وتشعر بثقل المسؤولية أكثر مما تحتمل وتصلي وتسكب نفسك وقلبك أمام الله، عندئذ سترى الله يصل إليك ويلمس حياتك ويحل المشكلة ويتدخل في الموقف بطريقة تفوق كل تصورك.

وأضاءت عيناه وقال: “هذه هي الحياة مع الله، لا يساويها شيء وعلينا أن نختبر هذه مرة ومرات. لقد كنا سنخسر كل ذلك من أجل العالم. وفي رأيي إنك إذا عرفت الهدف الذي خلقك الله من أجله – مهما كان – وتتبعه فستجد أنه هو أفضل طريق وحياة تعيشها”.

وكتب فيجو ثلاثة كتب عن اختباراته. وأحببت عنوا أحد هذه الكتب هو “اللاأدري الذي جرؤ على البحث عن الله”[26]لأنه يقول بوجود مخاطرة مع البحث عن دليل لوجود الله. وعند نقطة معينة فإن الحق الذي تكشف عنه ستطلب إجابة. وهذا يمكنه أن يغير كل شيء.

لقـد صُممـت للاكتشـاف

مع أن فيجو كانت لديه خلفية علمية قوية وأفضل مما لدي أنا، فكانت توجد أشياء متشابهة في الطريقة التي تعاملنا بها مع قضية الإيمان والعلم. لقد قرأنا كتباً، وسألنا أسئلة وبحثنا عن أدلة غير مهتمين إلى أي مكان سيأخذنا ذلك. وبحثنا عن ذلك بطريقة منظمة وحماسية كما لو أن حياتنا متوقفة عليها.

وفي النهاية، حياتنا ومشاعرنا وفلسفاتنا ونظرتنا للعالم وأولوياتنا وعلاقاتنا تغيرت للأفضل.

وإذا كنت شكاكاً روحياً أرجو أن تتمكن من اكتشاف الدليل بنفسك. وفي الحقيقة، فإن سلوك أولسين ذي الثلاث جوانب قد يساعدك إذا اتبعته:

أولاً: هل هناك إله خلق هذا الكون؟

ثانياً: هل كشف الله عن ذاته للبشرية من خلال الكتاب المقدس أو أي كتب مقدسة أخرى.

ثالثاً: هل يسوع هو ابن الله – متحداً بالبشرية – ويمكن أن يساعدنا كما ادعى.

وسوف تكتشف أن الكون محكوم بقوانين طبيعية وقوانين روحية. والقوانين الطبيعية تقودنا إلى الخالق، أما القوانين الروحية تعلمنا كيف نعرفه شخصياً اليوم وإلى الأبد.

إنه ليس الخالق فقط بالمعنى الواسع، بل هو خالقك أنت. لقد خلقك لكي تتصل به بطريقة حية ونشطة وقوية. وإذا بحثت عنه بكل قلبك، فهو يعدك بأن يقدم لك كل الوسائل التي تحتاجها لكي تجده[27]. وربما تكون قد شعرت وأنت تقراً هذا الكتاب بأن الله يبحث عنك بطريقة قد تكون غامضة ولكنها حقيقية.

إنك، كما يقول بحث جونزاليز وريتشاردز، خُلقت وصممت للاكتشاف، وأعظم اكتشاف في حياتك ينتظرك. ولهذا فأنا آمل أن تسعى وراء المعرفة العلمية ولكن لا تتوقف هناك. ولا تدع اغرائها يكون مصيرك، وبدلاً من ذلك اسمح لها بأن تقودك لما ورائها من معان متضمنة لا تُصدق والتي تقدمها لحياتك وأبديتك.

واقتراحي هو ما يأتي: اقضي بعض الدقائق الهادئة لكي تنغمس في هذه الكلمات الختامية والتي عبر عنها ببلاغة أليستر مكجراث ودعها تكون قوة دافعة لمغامرة عمرك:

وجد الكثيرون أن المنظر الرهيب للسماء المرصعة بالنجوم يولد احساساً بالإعجاب والسمو المشحون بالمعاني الروحية. ومع ذلك فإن الوميض البعيد للنجوم لا يخلق في حد ذاته هذا الإحساس بالشوق، إنه فقط يعرض ما هو موجود فعلاً هناك. إنها تحفز رؤيتنا الروحية وتكشف فراغنا وتجبرنا لكي نسأل كيف يملأ هذا الفراغ.

يا ليت أصولنا الحقيقية ومصيرنا يكون خلف تلك النجوم. ويا ليت وطننا يكون، ليس ذلك الموجودون فيه حالياً، بل الذي نصبو للعودة إليه. ويا ليت تراكمات أحزاننا وأوجاعنا أثناء وجودنا في هذا العالم تكون مؤشراً لأرض أخرى حيث مصيرنا الحقيقي والذي نشعر به الآن في داخلنا.

ولنفترض أن هذا ليس هو المكان الذي سنكون فيه ولكن ينتظرنا وطناً أفضل. نحن لا ننتمي لهذا العالم. وقد نكون قد فقدنا طريقنا. ألا يجعل هذا وجودنا الحالي أمر غريب ورائع في ذات الوقت؟ غريب، لأن هذا ليس هو مصيرنا ورائع لأنه يشير للأمام إلى حيث رجائنا الحقيقي. إن جمال السماوات بالليل، أو روعة غياب الشمس هي مؤشرات هامة لتلك الأصول وتحقيق كامل لرغبات قلوبنا العميقة. ولكن إذا أخطأنا رؤية العلامة المميزة لتوجيهنا فسوف نربط أشواقنا ورجاؤنا بأهداف ضعيفة لا تطفئ عطشنا لهذه المعاني السامية[28].

[1]John Plokinghorne, Quarks, Chaos, and Christianity (New Youk: Cross-road, 1994), 25.

* مذهب فكري يدعو إلى دين طبيعي مبني على العقل لا على الوحي

[2] Psalm 102: 25.

[3] Deuteronomy 4: 35.

[4] Psalm 90: 2.

[5] John 4: 24.

[6] Genesis 17: 1. According to Theologian Millard J. Erickson, “God is Personal. He is an individual being, with self-consciousness and will, capable of feeling, choosing, and having a reciprocal relationship with other personal and social beings,” Millard J. Erickson, Christian Theology (Grand Rapids, Mich.: Baker, 1985), 269.

[7] Genesis 1: 3.

[8] Psalm 104: 24.

[9] Nahum 1: 3.

[10] Psalm 139: 13-14.

[11] Psalm 33: 5.

[12] 1 Kings 8:27.

[13] Colossians 1: 16 (The Message).

[14] Isaiah 25: 8.

[15] Romans 1:20.

[16] Michael Shermer, How We Believe, 123.

[17] Alister McGrath, Glimpsing the Face of God, 22.

[18] Gregg Easterbrook, “The New Convergence,” Wired (December 2002)

[19] Quoted in John Plokinghorne. Qurks. Chaos and Christianity, 35.

[20] See: Candace Adams, “Leading Nanoscientist Builds Big Faith,” Bap-tist Standard (March 15, 2002).

[21] Quoted in Margaret Wertheim, “The Pope’s Astrophysicist,” Wired (December 2002).

[22] John Polkinghorne, Quarks, Chaos, and Christianity, 98-100.

[23] Ibid., 13.

[24] Alister McGrath, Glimpsing the Face of God, 44.

[25] See: American Scientific Affiliation, Modem Science and Christian Faith (Wheaton, 111.: Van Kampen, 1948).

[26] Viggo Olsen, The Agnostic Who Dared to Search (Chicago: Moody, 1974). His Other Books are Dakter and Daktar II, Both Published by Moody.

[27] God said in Jeremiah 29: 13: “You will seek ne and find me when you seek me with all your heart.”

[28] Alister McGrath, Glimpsing the Face of God, 51, 53.

القضية الخالق – تجميع نهائي 3 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 2 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 2 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 2 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 2 – لي ستروبل

الاحتمـال الأول: فرضـيـة دارويـن

ولكي أبدأ، بدأت أفكر في كيف أن الحقائق تناسب الفرضية التي تقول بأن كل الحياة يمكن تفسيرها بعمليات تقييم طبيعية غير موجهة. وقال عالم الأحياء جوناثان ويلز “مثل كل النظريات العلمية الأخرى، فإن تقييم نظرية داروين في التطور يجب مقارنته باستمرار مع الأدلة. وإذا كان لا يسايرها يجب أن يعاد تقييمه ويُترك – وإلا فلن يكون علماً بل أسطورة[1].

وعندما نظرت إلى مبادئ نظرية داروين، التي دفعتني للإلحاد لعدة سنوات، لم أمض طويلاً لكي أستنتج أنها كاذبة ولا يمكن تصديقها. وأدركت إنني إذا آمنت فعلاً بهذه النظرية فعلي أن أثق فيما يلي:

  • العدم (لا شيء) ينتج عنه كل شيء
  • ما لا حياة فيه يعطي حياة
  • العشوائية ينتج عنها ضبط دقيق
  • الفوضى تعطي معلومات
  • فقدان الوعي ينتج عنه الوعي
  • الخطأ ينتج عنه الصواب

وبناء على كل هذا، كنت مضطراً لأن أستنتج أن نظرية داروين تحتاج إلى الإيمان الأعمى بها، ولم أكن مستعداً ولا راغباً في هذا. وانهارت الأعمدة الأساسية لنظرية التطور عندما تعرضت للتفكير العميق والدقيق.

فمثلاً، فشلت تماماً كل العلميات الطبيعية في تفسير كيف أن المواد الكيميائية غير الحية يمكنها أن تتجمع ذاتياً إلى الخلية الحية الأولى. إذا لا يوجد أية نظريات قابلة للتصديق بل وأيضاً لا توجد نظريات على الإطلاق. وقال عالم الكيمياء الحيوية كلاوس: “كل المناقشات الحالية عن النظريات ذات المبادئ والتجارب في هذا المجال إما انتهت إلى مأزق أو اعتراف بالجهل[2].

وتحدث الكاتب العلمي روبرت روب بريت عن هذه المشكلة فقال: “هل حدث مرة وحلمت بأنك كنت تحاول أن تجري للهروب من وحش وتعثرت قدماك ولم تتمكن للذهاب لأي مكان. إن البحث لمحاول فهم أصل الحياة لا يختلف كثيراً عن هذا الحلم”[3].

وقد أشار ستيفن سي. مير في لقائي معه أنه توجد حواجز لا يمكن تخطيها فيما يختص بأصل المعلومات البيولوجية التي لا يمكن حلها بمزيد من البحث والجهد وبكلمات أخرى، إن العلماء الذين يبحثون في أصل الحياة لم يستيقظوا من الكابوس الذي يعيشون فيه. وبالنسبة لي، فهي تشبه كعب أخيل في نظرية التطور. وكما قال عالم الكيمياء الحيوية مايكل دينتون، إن فكرة العمليات غير الموجهة قد يكون بإمكانها تحويل المواد الكيميائية الميتة إلى كل التعقيدات غير العادية للكائنات الحية فإن هذا بكل تأكيد “لا أكثر ولا أقل من الأسطورة العظيمة للجينات الوراثية الكونية في زماننا”[4].

وبالإضافة إلى هذا، فإن سجل الحفريات رفض بكل إصرار أن يؤكد الادعاءات الكبيرة للتحولات الموجودة في نظرية داروين. وبالرغم من الاكتشافات الكثيرة منذ أيام داروين يقول دينتون: “إن الاكتشافات المتوسطة ظلت محيرة كالعادة”[5]. وبدلاً من أن تندمج في نظرية داروين أصبحت الحفريات نغمات شاذة ومتعارضة حتى أنه لا يمكنها أن تفسر القفزات الأثرية الموجودة في نظرية التطور، مثلاً بين السمك وبين البرمائيات أو بين البرمائيات وبين الزواحف.

أما النقص الخطير في سجل الحفريات فهو الانفجار الهائل البيولوجي والانفجار الكوني. وغالبية، إن لم يكن كل، الأربعين شعبة العالمية، وأعلى فئة في المملكة الحيوانية، قفزت بخطط جسمانية متفردة منذ أكثر من 500 مليون سنة. والظهور المفاجئ لأشكال الحياة الجديدة، قد قلبت شجرة حياة داروين رأساً على عقب.

ومثل المدعي العام الذي كان يثق في نفسه ثقة مطلقة في قضية السيارة بينتو، تنبأ داروين أن اكتشافات جديدة سوف تفسر هذه القفزة في التعقيدات البيولوجية. وفي الحقيقة، فقد ساعدوا على أن تسير كل الأمور إلى أسوء. والعذر في أن المخلوقات الانتقالية كانت لينة للغاية أو صغيرة جداً حتى يمكن أن نجدها في حفرية فإن هذا العذر قد بطل وتبدد عند اختباره. أما النظريات البديلة مثل نظرية “التوازن المرقم” قد تحطمت على صخرة العقل والفكر. إن تقييم داروين ما زال دقيقاً أكثر من قرن ونصف فيما بعد: الانفجار كامبريان الكوني “لا يمكن تفسيره” بحسب فرضياته. وطبقاً لوجهة نظري سيظل هذا نقصاً شديداً.

وعندما فحصت كل هذه الأمور ونقائص أخرى في نظرية داروين بكل موضوعية تأكدت تماماً أن التطور هو حقيقة مؤكدة طالما أن يُعرف على أنه اختلافات تطويرية صغيرة نراها في عالم الحيوان والنبات. وبلا شك، فإن كمية كبيرة من التغيير والتباين حدثت على مدار الزمن. ومع ذلك فهناك أدلة – وإن كانت غير كافية – أوصلتنا إلى استنتاج جوهري يقول بأن انتقالات تطورية كبيرة وعلى نطاق واسع قد حدثت.

ولخص روجر لوين الحاصل على جوائز – وهو محرر سابق في مجلات “العلم، العالم الجديد” – مؤتمر تاريخي علمي عن التطور الضخم: “كان السؤال المركزي هو …. ما إذا كانت الآلية التي وراء التطور الصغير يمكن استقراؤها لتفسر لنا ظاهرة التطور الهائل. وكانت الإجابة الواضحة، كلا”[6].

باختصار، فإن كمية الإيمان التي تحتاجها لكي تُبقي على ثقتنا أمام الادعاءات الكاسحة والمضادة لنظرية داروين، تفوق ما اعتقد ضمانات الأدلة العملية. وفوق كل هذا، فإن مبدأ الطبيعة التي هي مصدر كل شيء لا يمكن تصديق تفسيره عن كيف ظهر الكون في المقام الأول. وهذا الفشل لنظرية مبدأ الطبيعة ونظرية داروين فتح الباب للتفكير في الفرضيات الأخرى وأن كل من الكون والحياة التي فيه هي من نتاج مصمم ذكي.

الاحتمال الثاني: فرضية التصميم

[1] Jonathan Wells, Icons of Evolution, 5.

[2] Klaus Dose, “The Origin of Life: More Questions than Answers,” Inter-disciplinary Science Review 13 (1998).

[3]Robert Roy Britt, “The Year’s Top Ten Space Mysteries,” available at www.msnbc.com/news/851919. Asp?vts=122820022235 (accessed Decem-ber28,2002).

[4] Michael Denton, Evolution: A Theory in Crisis, 358.

[5] Ibid., 162.

[6] Roger Lewin, “Evolutionary Theory Under Fire,” Science 210 (November 1980).

القضية الخالق – تجميع نهائي 2 – لي ستروبل

Exit mobile version