المنهج فوق الطبيعي لتفسير الكتاب المقدس

المنهج فوق الطبيعي لتفسير الكتاب المقدس

المنهج فوق الطبيعي لتفسير الكتاب المقدس

المنهج فوق الطبيعي لتفسير الكتاب المقدس

كما رأينا، لقد وضع يسوع النموذج الذي اتبعه من كتبوا العهد الجديد، في التعامل مع الكتاب المقدس على أنه كتاب فوق طبيعي. فأمور مثل الحية النحاسية، وأحداث مثل الخروج من مصر، وكلمات مثل التنبؤ بأن إشعياء سيكون له ابن؛ وأشخاص مثل ملكي صادق – يتم فهمهم جميعاً على أنهم إشارات ليسوع المسيح.

بعض الشواهد تكون واضحة بما يكفي بحيث أن المفسرين اليهود للعهد القديم – قبل زمن المسيح – كانوا يرون باستمرار إشارات للمسيا. لكن العديد من الشواهد، مثل تلك التي أشرنا إليها أعلاه، لن ترد إلى ذهن الشخص الذي يبحث عن المعنى الذي كان يقصده المؤلف. فغير المؤمنين قد يقولون إن هناك معنى معين تم فرضه على النص.

أما المؤمنون فيقولون إن المعنى يظل مخفي إلى أن يكشفه المسيح أو رسله. ففي أي حدث، يتم رؤية الكتاب المقدس على أنه كتاب فوق طبيعي، هذا لأن الأحداث المستقبلية لا يمكن التنبؤ بها بدقة وتفصيل زمني، قبل حدوثها بسنوات كثيرة، بواسطة الحكمة البشرية وحدها.

المفسرون اليهود وآباء الكنيسة

لم تكن الطريقة التي فهم بها يسوع الكتب المقدسة وفسرها طريقة غريبة بالنسبة لسامعيه من اليهود. فعلى الرغم من أن بعض المفسرين اليهود تعاملوا مع العهد القديم على أنه وثيقة يتم فهمها بمعناها الواضح، إلا أن معظم المفسرين في زمن المسيح وضعوا على عاتقهم مسؤولية أن يكتشفوا المعاني والفروق الدقيقة والمخفية في الكتب المقدس.

كان المفهوم المحوري في تفسير أحبار اليهود، وربما في تفسير الفريسيين الأوائل كذلك، هو مفهوم “Midrash”، بمعنى أنه مفهوم يحدد “التفسير الذي إذ يتعمق فيما هو أبعد من مجرد المعنى الحرفي، يحاول أن يتغلغل في روح الكتب المقدسة، لكي يفحص النص من جميع الجهات، وبذلك يستخرج تفسيرات لا تكون واضحة مباشرة”[1].

توجد بعض التشابهات الموجودة بين فكرة المجاز اليهودية (التي تعتقد أنه بين طيات “الحرف”، أو المعنى الواضح، يوجد المعنى الحقيقي) وبين الطريقة التي تعامل بها من كتبوا العهد الجديد مع العهد القديم. لكن العهد الجديد لم يتعامل مع كل مقطع في العهد القديم بتلك الطريقة، كما رأينا.  الأكثر من ذلك، لا توجد في العهد الجديد الاستنتاجات المتطرفة والخيالية، التي تعتبر نموذجاً لتفسيرات أحبار اليهود.

كان علماء الكتاب المقدس في حقبة الكنيسة ما بعد الرسولية يميلون لاتباع مثال اليهود، بل والمجازيين اليونانيين، أكثر من مثال من كتبوا العهد الجديد. وعلى الرغم من وجود مجموعة من العلماء في أنطاكية (كريزوستوم، وتيودور من موبسيويستيا، وتيودوريت) الذين سعوا لتحديد المعنى الحرفي الذي كان يقصده المؤلفون، إلا أن تلك المدرسة الفكرية لم تنتشر في الكنيسة.

كليمينت، وهو واحد من آباء الكنيسة الأولين العظام من شمال أفريقيا، وتلميذه أوريجن الاسكندري، وضعا نموذجاً لفهم الكتب المقدس منذ القرون الأولى للكنيسة وحتى الإصلاح.

كان أوريجن يعتقد أن المعنى الروحي لمجيء رفقة لاستقاء ماء لعبيد إبراهيم وجماله هو أننا يجب أن نأتي إلى ينابيع الكتب المقدسة لكي نلتقي مع يسوع. كما علم كليمنت أن الخمسة خبزات التي أطعم بها يسوع الجموع كانت تشير إلى التدريب الإعدادي لليونانيين واليهود الذي كان يسبق حصاد القمح. أما السمكتان فتشيران إلى الفلسفة الهلينية: منهج الدراسة، والفلسفة نفسها.

في قصة الدخول الانتصاري، كان الجحش يشير إلى حرف العهد القديم، وأن الأتان، الذي ركبه يسوع كان هو العهد الجديد. كما أن التلميذان اللذان أحضرا الحيوانين إلى يسوع يمثلان المعنى الأخلاقي والمعنى الروحي: لكن رغم أن كليمنت كان يعتقد أنه يمكن أن يكون هناك معنى حرفي ومعنى روحي معاً في النص، إلا أن أوريجن كان يعتقد أن كل شيء في الكتاب المقدس له معنى مجازي رمزي.

هذا الاتجاه في التعامل مع الكتب المقدسة والذي يطلق عليه “the quadriga”، أو “الوسيلة الرباعية في التفسير”، تم تأسيسه بقوة منذ القرن الرابع وحتى القرن السادس عشر. قامت هذه الوسيلة بفحص كل نص من ناحية أربعة معان: حرفية، وأخلاقية، وباطنية (مجازية)، ونبوية. وقد تم تعليم ذلك المنهج بواسطة ترنيمة شهيرة:

الحرف يوضح لنا ما فعله الله وآباؤنا؛

المجاز يوضح لنا أين يكمن إيماننا؛

والمعنى الأخلاقي يعطينا قواعد للحياة اليومية؛

والمعنى النبوي يوضح لنا أين ينتهي جهادنا.

مثال على ذلك كلمة “أورشليم” حرفياً، تمثل أورشليم مدينة بذلك الاسم؛ ومجازياً، تعني أورشليم الكنيسة. أما نبوياً، فهي المدينة السماوية؛ وأدبياً، هي النفس البشرية.[2]

لقد اتخذ المصلحون موقفاً قوياً تجاه ذلك النوع من التفسير. فكان اهتمام لوثر، وكالفن، وزوينجلي هو أن يجدوا المعنى الذي قصده المؤلفون، وأن يجعلوا هذا المعنى هو السلطة للإيمان والأعمال. وقد اتحد هؤلاء المصلحون الثلاثة في رفض زعم الكنيسة في أن تكون هي المفسرة؛ وأكدوا على حرية وقدرة ومسؤولية الفرد في فهم معاني الكتب المقدسة. كما اتفق هؤلاء الثلاثة على سلطة كلمة الله باعتبار أنها فوق كل السلطات الأخرى.

واتفقوا على أن الكتاب المقدس بأكمله جدير بالثقة، وبالتالي، أن الكتب المقدسة يمكنها بل ويجب أن تفسر نفسها بنفسها. الأكثر من ذلك، لقد اتفقوا على أن استنارة الروح القدس هي أمر ضروري لفهم الكتب المقدسة، وأن الدراسة الجادة والقوية هي أمر مطلوب كذلك. لكنهم لم يتفقوا من جميع النواحي على كيفية تفسير الكتب المقدسة.

اختلف المصلحون في أن كالفن كان أكثر ثباتاً وتمسكاً في اتباعه لهذه المبادئ. فقد تمسك بشدة بالمعنى الواحد الواضح لنص الكتب المقدسة. أما لوثر فقد كان أقل تدقيقاً، وكان في بعض الأحيان يستخدم المعنى الرمزي لتفسير المقطع بطريقة تدعم لاهوته الخاص.

وكان تفسيره عقائدياً، يحكمه النظام اللاهوتي الذي كان منتمياً له – وهو الخلاص بالنعمة من خلال الإيمان وحده. أكثر من ذلك، كان تفسيره في بعض الأوقات على أسس ذاتية، أو يزعم أنه تلقاه عن طريق الاستنارة المباشرة بالروح القدس.[3]

لكن على الرغم من اختلاف المصلحين في تلك الطرق، إلا أنهم اتحدوا في التزامهم بالافتراضات المسبقة التي كان يعتنقها من كتبوا العهد الجديد:

1 – بأن الكتاب المقدس هو من الله، وأنه كتب بواسطة البشر.

2 – بأنه نقل مباشرة لمشيئة الله للبشر.

3 – أنه يمكن فهمه باللغة البشرية العادية.

لقد قدم المصلحون جسراً يعبر من المجهودات التفسيرية التي كانت في كثير من الأحيان خيالية ولا يمكن توقعها دائماً في القرون الأولى والمتوسطة للكنيسة، إلى الحقبة البروتستانتية، التي فيها أصبح المعنى الذي يقصده المؤلف هو موضوع البحث لمن يرغبون في فهم كلمة الله.

وإذ قام المصلحون بكسر قبصة التفسير المجازي الرمزي، كانت هناك نتيجة أخرى، وهي أن العقلانيين الآن قد أصبحوا أحراراً في التعبير عن وجهات نظرهم. وفي الحال، أصبح هناك من يرون الكتاب المقدس على أنه كتاب طبيعي صرف. في النهاية، أصبح المنهج الطبيعي سائداً في التفسير البروتستانتي للكتاب المقدس.

المُروحنون المعاصرون

(أي إعطاء روحانية للنص أكثر مما هي فيه)

بقولنا أن المصلحين قد جاهدوا لكي يقربوا الكنيسة أكثر إلى النظرة التي كان يعتنقها الكتاب المقدس نفسه، وأن المصلحين قد حرروا الكنيسة من أولئك الذين كانوا ينظرون للكتاب المقدس على أنه كتاب فوق طبيعي خالص أو حتى سحري، سيكون من الخطأ الكبير أن نفترض أن التفسير الرمزي قد توقف.

فالحقيقة أن هذا الاتجاه في تفسير الكتاب المقدس لا يزال سارياً ومزدهراً، خاصة في الدوائر الإنجيلية. فكر مثلاً في الاستخدام التالي للكتاب المقدس بواسطة أحد المفسرين المشهورين واسعي الانتشار:

ثالثاً، الصمت المطلوب من “الشعب” في هذه المناسبة قدم خطاً مهماً آخر في الصورة النموذجية التي أوردتها هذه الحادثة – رغم أنه خط لا يجذب بالتأكيد الكثيرين من المسيحيين في العصر الحاضر. إن احتلال إسرائيل لأريحا بلا شك سبق تصوير الانتصارات التي حققوها تحت قيادة الله، بواسطة الإنجيل. فالكهنة الذين كانوا ينفخون في الأبواق المصنوعة من قرون الكباش يصورون خدام الله وهم يبشرون بالكلمة.

إن منع “الشعب” من فتح أفواههم تكمن أهميته في أنه يصور أن الأفراد العاديين من المسيحيين لا يجب أن يكون لهم دور في التبشير الشفهي بالحق – فهم غير مؤهلين لذلك، وليسوا مدعوين لخدمة الكلمة. فلا يوجد في أي مكان في الرسائل حث واحد لهؤلاء القديسين على أن يشتركوا في التبشير العلني، وليس حتى على أن يقوموا “بالعمل الفردي” ويسعوا “لربح النفوس”.

كما أنه ليس مطلوب منهم أن “يشهدوا للمسيح” بسلوكهم اليومي في العمل وفي المنزل. بل عليهم فقط أن “يظهروا تسابيح الله”، أكثر من أن “يخبروا” بها. عليهم أن يدعوا نورهم يضيء. فشهادة الحياة هي أكثر تأثيراً من كلام الشفتين السطحي. فالأفعال صوتها أعلى من الكلمات.[4]

لن ينفع لتبرير تلك الطريقة في التعامل مع الكتاب المقدس أن نقول إن هناك معنى واحد فقط لكن تطبيقات كثيرة. صحيح أن المقطع يمكن أن يتم تطبيقه بعدة طرق بالنسبة للخلفيات المعاصرة، لكن أن نتعامل مع الكتاب المقدس بهذه الطريقة، ونستخرج منه رسالة تبعد كثيراً عما يقصده المؤلف، فهذا نموذج للتفسير الذي لا يتعامل مع المؤلف وقصده بمحمل الجد.

في مثل هذا المنهج، لا يكون للكتاب المقدس سلطته الخاصة، ولا يكون حراً في أن يذكر هدفه المعين ويطلب الطاعة لتعاليمه، بل بدلاً من ذلك، فإنه يُستخدم لهدف آخر يكون في ذهن المفسر من خلال عملية الروحنة – والعثور على معنى خفي في النص.

تكون براعة دارس الكتاب المقدس هي القيد الوحيد لتفسيراته المثيرة للكتاب المقدس في مثل هذا المنهج. فعندما يقوم واعظ بالتعامل مع حدث تاريخي مباشر على أن له مضامين خفية وحقائق روحية مثيرة، فلا عجب في أن الكثيرين من المسيحيين الإنجيليين يتعاملون مع الكتاب المقدس بنفس الطريقة في الاستخدام التعبدي وفي طلب المشورة.

كثيرون من المسيحيين المخلصين في قراءة الكتاب المقدس بطريقة تعبدية يشعرون “بالبركة” فقط عندما يجدون فكرة مدهشة مفاجئة يوحي بها النص، وتكون فكرة ليس لها علاقة بقصد وهدف المؤلف. فبالنسبة لهم، يبدو السعي لمعرفة مشيئة الله من خلال الدراسة المتأنية وفهم قصد المؤلف، عملاً جافاً ومملاً.

وبنفس الطريقة، يستخدم كثيرون من المسيحيين الكتاب المقدس بطريقة “سحرية” للحصول على إرشاد معين للقرارات التي يجب أن يتخذوها، مثل، إلى أين يذهبون، وماذا يشترون، وما الوظيفة التي يقبلونها – والتي يتم اكتشافها جميعاً من خلال مقاطع الكتاب المقدس التي، بالمصادفة العجيبة، يكون لها معنى مزدوج. لكن أولاً، هناك الرسالة التي يقصدها المؤلف، ثم هناك المصادفة غير المرتبطة بالموضوع الذي لا يتشابه مع خبرتهم الشخصية الحالية.

على سبيل المثال، قد يسعى زوجين شابين لطلب مشيئة الرب بشأن وظيفتهما الحالية في منطقة جبلية في الولايات المتحدة، ورغبتهما في أن يذهبا عبر البحار لخدمة إرسالية في إحدى الجزر. وأثناء قراءتهما في الكتاب المقدس يكتشفان الأمر القائل: “كفاكم دوران بهذا الجبل” (تثنية 2: 3).

ويلي ذلك اكتشافهما لنبوة كتابية أخرى تقول: “وتنظر الجزائر شريعته” (إشعيا 42: 4). فماذا يمكن أن يكون توجيهاً أوضح لحياتهما الشخصية من تلك الكلمات ذات السلطان من الكتاب المقدس؟ فلا يهم عندها إن كانت الرسالة التي تلقوها ليست لها أية علاقة بالرسالة التي كان يقصد الكاتب توصيلها.

إنني لا أقول إن الله لم يقدم إرشادات مطلقاً من خلال مثل هذه المصادفات الجيدة، فهو ربما يستخدمها، كما يحدث في ظروف الحياة، مثل لقاء شخص بطريق “المصادفة”، والذي يصبح جزءًا مكملاً لإرشاد الله. لكن الكتاب المقدس لم يُعط لأجل هذا الغرض، وعندما نستخدمه بهذه الطريقة، زاعمين السلطة الكتابية أو تصديق الله على قراراتنا الشخصية، فإننا بذلك نسيء استخدامه.

كما يمكن للمصادفة أن تحدث كذلك كترتيب من العناية الإلهية من خلال الصحف اليومية، مفترضة مساراً ما للسلوك للشخص الذي يسعى لمعرفة مشيئة الله. لكن لا يمكن للمرء أن يزعم، في كلتا الحالتين، إعلاناً معصوماً من الخطأ لمشيئة الله، كمثل ما يمكنه أن يزعم بالنسبة لتعاليم مقطع كتابي قصد المؤلف توصيلها.

بل أن الكتاب المقدس يساء استخدامه بصورة أكبر إذا كانت هذه “الرسالة” السرية من الله تم استخدامها لاستبعاد تعليم واضح للكتاب المقدس – أو مبدأ كتابي، على سبيل المثال، يحظر المسار المقترح للسلوك. لأن الروح القدس لن يقول مطلقاً شيئاً من خلال كاتبي الكتاب المقدس، ثم يقوم بمناقضته أو تغييره بالنسبة للقارئ.

بكلمات أخرى، لن يقوم الله بإرشاد المسيحي من خلال فهم أو تطبيق للكتاب المقدس يبتعد بأي حال من الأحوال عما هو مكتوب. فإن لو قام بذلك، لن تكون هناك طريقة لمعرفة إن كان تفسيرنا هذا من الروح القدس، أم من ميولنا الخاطئة، أم من الشيطان، أم من باعث نفسي أو مادي آخر.

يجب أن يكون واضحاً أن الانطباعات الذاتية لا يمكن أن تتناقض مع تعاليم الكتاب المقدس، إن كنا نريد أن يكون الكتاب المقدس هو السلطة الوظيفية لتفكيرنا وسلوكنا.

لكن الخطر الأساسي من الاعتماد على الانطباعات الذاتية التي يثيرها الكتاب المقدس ليس أن تتناقض مع الكتاب المقدس، بل أن تمضي لمعان أكثر مما يقصده الكتاب المقدس، فتجد معاني لم يقصدها المؤلف على الإطلاق، خاصة فيما يتعلق بالمشورة والإرشاد الشخصي، ثم استخدام هذه الانطباعات بسلطة إلهية كما لو كانت كلمة الله المعصومة من الخطأ.

بمعنى أن استخدام الكتاب المقدس كوسيلة عادية للإرشاد الشخصي يروج لوهم “الحق المعلن” الذي يكون مستوى سلطته أعلى من سلطة ظروف العناية الإلهية الأخرى في الحياة، لمجرد أن هذا “الإرشاد” موجود في الكتاب المقدس.

لكن الكتاب المقدس يجب أن يستخدم للإرشاد “بطرق صحيحة”. وهذه الطرق الصحيحة تتكون من مشيئة الله المعلنة للسلوك البشري، التي تتفق مع المعنى الذي كان يقصده المؤلف. فعندما يكون للنص علاقة عرضية بالظروف الشخصية الحالية والقرار المبني على مثل هذا “الإعلان”، يمكن عندها للشخص أن ينادي فقط بانطباعه الذاتي الخاص عن إرشاد الروح القدس من خلال ظروف غير معتادة، وليس بسلطة الإعلان الكتابي.

إن الخطأ الأساسي في كل المناهج الأربع الخاطئة في التعامل مع الكتاب المقدس هو صفة الذاتية. ففي خاصية الذاتية، يصبح المفسر هو السلطة المطلقة النهائية للتفسير. وقد رأينا أن المنهج الطبيعي لتفسير الكتاب المقدس هو ذاتي، لأن المفسر يقرر مسبقاً ما هو المقبول في الكتاب المقدس، بحسب افتراضاته الطبيعية المسبقة. على أن النوع الأقل ظهوراً للذاتية، خاصة بالنسبة للذين يتأثرون به، هو الروحنة الذاتية.

يعتبر الإنجيليون أكثر عرضة لهذا الخطأ، ربما لأنهم يتعاملون بجدية مع العلاقة بين الروح القدس وكلمة الله. لا يمكن الاستغناء عن عمل روح الله في التفسير الكتابي السليم. فقد ألهم الروح القدس الأشخاص الذين كتبوا الكتاب المقدس، وهو الذي ينير أذهان المسيحيين الذين يقرأون هذه الكلمات بعد ذلك بقرون.

فالوحي أو الإلهام يعني أن الله كان يراقب تدوين الكتاب المقدس حتى آخر كلمة فيه. والاستنارة تعني أن الروح القدس يعمل الآن في المسيحي لكي يساعده على فهم ما هو موجود بالفعل في الكلمة، ويساعده على تطبيق الكلمة بطريقة أصيلة وصحيحة.

أعطانا الوحي إعلاناً لمشيئة الله بدون خطأ، بحسب ما يقر الكتاب نفسه. ولكن الكتاب المقدس لا يقر بمثل هذا الوعد بالنسبة للإستنارة أو الفهم أو التطبيق الذي يساعد عليه الروح القدس. فكما يعمل الروح القدس فينا لكي يجعلنا قديسين، ولكننا لسنا قديسين بعد، هكذا يعمل فينا أيضاً لكي ينير أذهاننا من خلال الكتاب المقدس، لكن نتيجة هذه الاستنارة ليست فهماً كاملاً، لأنها لو كانت كذلك، لاتفق جميع المفسرين الأتقياء معاً في تفسيراتهم.

فعندما يتعامل المفسر مع الاستنارة كأمر معصوم من الخطأ، تماماً كما يتعامل مع نص الكتاب المقدس، يكون عندئذ قد سقط في الذاتية. لأنه عندما يدعى شخص ما مثل هذه السلطة في تفسيره لمعاني الكتاب المقدس يكون أمراً سيئاً بما يكفي، لكنه عندما يدعي مثل هذا المستوى من السلطة في انطباعه الذاتي بخصوص الإرشاد الشخصي، فإنه يخطئ أكثر، لأنه يتجاوز معنى النص الموحى به.

هل هذا يعني أن التفسير السليم و”البركة” الذاتية هما أمران متبادلان؟ بالتأكيد! لأن استخدام مبادئ التفسير لفهم وتطبيق الكتاب المقدس بصورة أصيلة، وإدراك المعنى الذي يقصده الله، سوف يسر الله بالتأكيد، ولكنه سيأتي أيضاً بالبركة الشخصية لحياتنا. فالكتاب المقدس يجب أن يكون له علاقة موضوعية بحياتنا، وإلا لن يتحقق هدفه في تغييرها. لكن التشبه بالمسيح لن يتحقق عندما نجعل الله وكلمته يتفقان معنا. لكن عندما نكون نحن أنفسنا متفقين مع الله ومع كلمته.

هل يوجد أكثر من معنى واحد؟

هل لكل مقطع كتابي معنى واحد، أم أن هناك معان خفية يجب استخراجها من خلال اتباع قواعد خاصة في التفسير، أم من خلال الحدس المباشر بالروح القدس؟ يقدم لنا الكتاب المقدس أمثلة لكلمات تم إعلانها لشخص، ومعنى هذه الكلمات تم إعلانها لشخص آخر. فعلى سبيل المثال، في اختبار كل من يوسف ودانيال، أعطيت الرسالة اللفظية أو الرؤية لشخص، بينما التفسير قد أعطي لشخص آخر (تكوين 41؛ دانيال 2).

فهل هذا هو ما حدث في حالة الكتاب الذين كتبوا العهد الجديد وبالنسبة ليسوع نفسه؟ هل كان لمؤلفي العهد القديم معنى واحد في ذهنهم، بينما كان المؤلف (الله) الذي هو خلف أولئك المؤلفين يقصد معنى آخر أو إضافياً، كشفه لشخص آخر في العهد الجديد؟

يوجد على الأقل رأيان في هذا المسألة. يعتقد البعض أنه يمكن أن يكون هناك معنى واحداً فقط للمقطع الكتابي إذا كانت اللغة يعتمد عليها وكان إيصالها للمعنى ممكن. هؤلاء الناس لا ينكرون احتمال أن يكون هناك عدة تطبيقات للمعنى الواحد. بل الأكثر من ذلك، فهم لا ينكرون احتمال أن يكون هناك معنا آخر أشمل محتوى داخل الإعلان الأصلي.

على سبيل المثال، في المشكلة الصعبة الخاصة باقتباس متى بشأن دعوة ابن الله من مصر (متى 2: 14-15)، يشير هذا الاقتباس بوضوح إلى خروج إسرائيل من مصر (هوشع 11: 1). فكيف إذاً يشير متى بذلك إلى إقامة مريم ويوسف والطفل يسوع في مصر؟ ألا يوجد هنا معنى مزدوج؟ لذلك فإن من يعتقدون بأن هناك معنى واحد فقط، وأن ذلك المعنى كان هو القصد الواعي للمؤلف، يفهمون المقطع على أنه تصريح عن قصد الله تجاه الرب يسوع منذ البداية.

وأثناء عملية الإعداد لهذا الأمر، وكرمز لحقيقة أن يسوع المسيح كان سيأتي من مصر، سمح الله لشعبه إسرائيل أن تكون لهم إقامة هم أيضاً في مصر. فالحقيقة أنه في البداية، دعا الله أول شخص اختاره، إبراهيم، من مكان اقامته في مصر. لذلك فإنه منذ البداية، كان هناك معنى واحد هو المقصود. لكن التحقيق التام لذلك المعنى انتظر حتى مجيء الشخص الذي حققه بالكامل.

هناك آخرون يجدون صعوبة في مثل هذا الاتجاه, إذ أنهم يؤمنون أن هناك مقاطع معينة في الكتاب المقدس لا يمكن تفسيرها على أن لها معنى واحد؛ فمثل هذه المقاطع يمكن أن يكون لها أكثر من معنى واحد مقصود. فالمعنى الثاني (الخفي أو الأقل ظهوراً) كان يمكن أن يكون في ذهن المؤلف أو ربما كان فقط في ذهن الروح القدس، الذي أوحى للمؤلف.

في كلتا الحالتين، فإنهم يعتقدون أن المعاني الإضافية موجودة هناك بواسطة القصد الإلهي. فالروح القدس قام بترميز الرسالة، ثم قام في وقت لاحق بإعلان المعنى الثاني لها من خلال متحدث آخر ملهم من الله. (معظم الكتب المقدسة التي يوجد جدل حاد بشأنها تتضمن نبوات). لكن سنقوم بالتعامل مع هذه المشكلة بتعمق أكثر في الفصل 18.

لكن لا بد من التسليم بأنه أمر مشروع بالنسبة لمؤلف أن يكون له معنى ثاني أو خفي. فإن كان أوليفر ويندل هولمز، مؤلف “The One-Hoss Shay”، قصد أن يكتب بيت شعري ليس فقط عن تحطم عربة تجرها الخيول، لكن لكي يسخر من النظام الكالفيني، فقد كان هذا حقه. وإن قصد كاتب فكاهي أن يخفي رسالة سياسية في مؤلفه الفكاهي، فإن له الحق الكامل في أن يقوم بذلك. فالحقيقة أن هذه تقنية أدبية شائعة.

لكن هناك قاعدة واحدة يجب مراعاتها، وهي أنه إذا تنصل المؤلف عن معنى خفي، لا يمكن لشخص آخر بمنتهى الثقة أو السلطة أن ينسب له هذا المعنى الخفي. بكلمات أخرى، أن المؤلف نفسه هو الوحيد الذي يستطيع بصورة شرعية أن يعرف ذلك المعنى الثانوي. هذه هي الحال مع الكتاب المقدس. إذا تم التسليم بأن هناك معنى ثانوي في مقاطع معينة. فالروح القدس هو الذي أوحى للمؤلف وهو الذي أوحى فيما بعد بالتفسير لذلك المؤلف.

إن مسألة ما إذا كان المؤلف لديه معنى مباشر ومعنى آخر أشمل في ذهنه هي أمر معقد وشديد الأهمية بالنسبة لغرضنا هنا من إقامة افتراض أساسي لفهم الكتاب المقدس، أعتقد أن هذه المسألة تحتاج أن يتم حسمها. لأنه حتى لو اعتقد المرء أن هناك معنى واحداً فقط في المقطع، وأن المؤلف كان على وعي بهذا المعنى في البداية وفي المضمون النهائي، إلا أنه يجب علينا أن نتفق أن ليس أي إنسان يمكنه أن يميز ذلك المضمون الأشمل أو النهائي.

ومن ناحية أخرى، إذا اعتقد الإنسان أن هناك مقاطع معينة في الكتاب المقدس تم ترميزها عن عمد بمعنى مزدوج – أحدهما واضح والآخر سيتم التعرف عليه في وقت لاحق – مرة أخرى، ليس أي شخص يمكنه أن “يفك الشفرة” أو يجد ذلك المعنى الخفي.

هذه نقطة مهمة، فمهما كان الوضع الذي لدى الشخص فيما يخص بمسألة المعنى الخفي أو الثانوي في النبوات، أو المعنى الأشمل المقصود منذ البداية، فإن يسوع المسيح أو كتاب الكتاب المقدس الموحى لهم هم الأشخاص الوحيدون الذين يمكنهم أن يحددوا ذلك المعنى الثانوي أو الأشمل. فعندما تحدث المسيح، كان له كل الحق في تفسير المؤلف. نفس هذا الأمر يمكن أن يقال عن أولئك الرسل الذين خول لهم أن يعلنوا عن مشيئة الله من خلال العهد الجديد.

فأن ينسب الشخص معان خفية للكتاب المقدس، فإنه بذلك يفترض لنفسه سلطة مساوية أو لاغية لسلطة ذلك المؤلف. فالمفسر، سواء كان فرداً أو كنيسة، يعني بذلك أنه سلطة تعلو فوق سلطة الكتاب المقدس. لكن الكتاب المقدس يجب أن يكون هو السلطة النهائية المستقلة لما يقوله الله لشعبه.

صحيح أن الإعلان هو فوق طبيعي في محتواه وفي الطريقة التي أعطي بها، وأن الكتاب المقدس له تأثيرات فوق طبيعة في حياة الذين يقرأونه ويسمعونه. لكن الأداة في توصيل تلك الرسالة فوق الطبيعة هي طبيعة، فهي اللغة البشرية التي توصل كلمات مفهومة لما هو في فكر الله.

فإن كان هناك معنى خفي، فإن المؤلف البشري أو الله نفسه هما الوحيدان اللذان لديهما السلطة لتأكيد ذلك. لذلك فإن أبناء الله الذين يرغبون في معرفة مشيئته وعملها يجب أن يدرسوا باجتهاد لك يتمكنوا من التعامل بطريقة سليمة مع كلمة الحق. فيجب عليهم أن يبذلوا كل اجتهاد لكي يتعرفوا على المعنى الواحد المقصود للمؤلف، وليس أن يبحثوا عن معان خفية.

وعندما يقوم الرب يسوع نفسه أو أحد مؤلفي الكتب المقدسة بإظهار معنى خفي في النص الكتابي، فإننا نفرح بذلك، ولا نندهش، لأن الكتاب المقدس هو كتاب فوق طبيعي، وهناك مؤلف واحد (الله) خلف كل هؤلاء المؤلفين له. لكننا يجب أن نترك مثل هذا النوع من التفسير لمؤلفي الأسفار المقدسة، إذ أننا غير مخولين من الله لأن نكون متحدثين باسمه معصومين من الخطأ بإعلان إضافي.

مراجع مختارة لمزيد من الدراسة

أكرويد، بي آر، وسي إفي إفانز، محرران. The Cambridge History of the Bible Cambridge: U. Press 1970.

فارار، فريدريك دبليو. History of Interpretation. 1886 reprint. Grand Rapids: Baker, 1961.

جرانت، روبرت إم. A Short History of the Interpretation of the Bible. مع ديفي تريسي طبعة ثانية منقحة Philadelphia: Fortress, 1984.

“History of the Interpretation of the Bible” The Interpreter’s Bible.

 New York: Abingdon-Cokesbury, 1952. 1:106-41.

سمولي، بيريل. The Study of the Bible in the Middle Ages. Notre Dame: U. of Nortre Dame, 1964.

وود، جيمس دي. The Interpretation of the Bible: A Historical Introduction. London: Duckworth, 1958.

[1] إس هوروفيتز، Midrash, Jewish Encyclopedia، 12 مجلد (New York: Ktav, 1904)، 8: 548.

[2] جيمس دي وود، The Interpretation of the Bible: A Historical Introduction (London: Ducworht, 1958)، صفحة 72.

[3] نفس المرجع. صفحة 87. انظر أيضاً بيمارد رام، Protestant Biblical Interpretation (Grand Rapids: Baker, 1870)، صفحة 54.

[4] آرثر دبليو بينك، Gleanings in Joshua (Chicago: Moody, 1978)، صفحة 102.

 

المنهج فوق الطبيعي لتفسير الكتاب المقدس

الكلمة (Logos) كما جاء في الإنجيل للقديس يوحنا – القمص عبد المسيح بسيط

الكلمة (Logos) كما جاء في الإنجيل للقديس يوحنا – القمص عبد المسيح بسيط

الكلمة (Logos) كما جاء في الإنجيل للقديس يوحنا – القمص عبد المسيح بسيط

الكلمة (Logos) كما جاء في الإنجيل للقديس يوحنا – القمص عبد المسيح بسيط

وعلى عكس ما جاء في الفلسفة اليونانية وفلسفة فيلو عن اللوجوس فقد كتب القديس يوحنا بالروح القدس عن اللوجوس الإلهي، كلمة الله الذي من ذات الله وفي ذات الله، نطق الله العاقل وعقله الناطق. فقد كان القديس يوحنا هو التلميذ الحبيب ” التلميذ الذي كان يسوع يحبه ” (يو19 :26؛ 20 :2؛ 21 :7)، وهو الذي اتكأ على صدر المخلص ” التلميذ الذي كان يسوع يحبه وهو أيضا الذي اتكأ على صدره وقت العشاء ” (يو21 :29)، ” فاتكأ ذاك على صدر يسوع ” (يو13 :25)، ومن ثم فقد كان هو التلميذ المحبوب القريب من قلب الرب يسوع المسيح والذي ركز على حوارات الرب يسوع المسيح مع الكتبة والكهنة والفريسيين والتي أشار فيها كثيرا إلى لاهوته وتجسده.

وقد عرف القديس يوحنا من خلال أحاديث الرب يسوع المسيح وحواراته مع هؤلاء في الهيكل أنه، الرب يسوع، هو ” الكلمة ” ، ” كلمة الله الأزلي الذي لا بداية له ولا نهاية “، وأنه ” الله ” أو ” الكائن الإلهي “، و ” الابن الذي من نفس جوهر الله الآب “، وأنه ” الحياة “؛ ” فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس ” (يو1 :4)، و ” معطي الحياة “؛ ” الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية ” (يو3 :36)، ” الحق الحق أقول لكم من يؤمن بي فله حياة أبدية ” (يو6 :47)، وأنه ” نور العالم ” (يو8 :12)، ” النور الذي يضيء في الظلمة ” (يو1 :5)، ” أنا قد جئت نورا إلى العالم حتى كل من يؤمن بي لا يمكث في الظلمة ” (يو12 :46)، و ” الابن الوحيد الجنس الذي في حضن الآب ” (يو1 :18)، والذي ” من الآب “؛ ” كما لوحيد من الآب ” (يو1 :14)، وأنه ” ابن الله “؛ ” ونحن قد آمنّا وعرفنا انك أنت المسيح ابن الله الحي ” (يو6 :69)، و ” ابن الله الوحيد “؛ ” الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب ” (يو1 :18)، ” بهذا أظهرت محبة الله فينا أن الله قد أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي نحيا به ” (1يو4 :9)، الموجود قبل يوحنا المعمدان ” هذا هو الذي قلت عنه يأتي بعدي رجل صار قدامي لأنه كان قبلي ” (يو1 :30)، والموجود قبل إبراهيم: ” قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن ” (يو8 :58)، والموجود ” قبل الخليقة كالخالق “؛ ” كان في العالم وكوّن العالم به ولم يعرفه العالم ” (يو1 :10)، والموجود في الذات الإلهية، في ذات الآب ” أنا في الآب والآب فيّ ” (يو14 :10و11)، والذي يتبادل المجد المتساوي مع الآب ” والآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم ” (يو17 :5)، والذي يتبادل الحب الإلهي مع الآب في الذات الإلهية ” لأنك أحببتني قبل أنشاء (كون – تأسيس) العالم ” (يو17 :24)، والذي يرسل الروح القدس من ذات الآب ” ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي ” (يو15 :26)، والذي يعمل كل أعمال الله الآب ” .لان مهما عمل ذاك (الآب) فهذا يعمله الابن كذلك ” (يو5 :19)، ” أبي يعمل حتى الآن وأنا اعمل ” (يو5 :17)، وبالتالي فهو المساوي للآب في الجوهر بل ومن نفس الجوهر عينه الذي للآب ” قال أيضا أن الله أبوه معادلاً (مساوياً) نفسه بالله ” (يو5 :18)، والذي ناداه توما ” ربي وإلهي ” (يو20 :28).

كما أدرك القديس يوحنا بالروح أنه ” الإله الحق والحياة الأبدية ” (1يو5 :20)، وأنه الذي كان من البدء ولكنه تجسد وظهر لنا على الأرض كإنسان ” والكلمة صار جسدا وحلّ بيننا ورأينا مجده مجدا كما لوحيد من الآب مملوءا نعمة وحقا ” (يو1 :14)، ” الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة. فان الحياة أظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأظهرت لنا. الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضا شركة معنا. وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح ” (1يو1 :1-3).

وأنه جاء إلى العالم ليبذل نفسه فدية عن حياة العالم ” هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. لأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم بل ليخلّص به العالم ” (يو3 :16و17)، فقد كان ” هو بالحقيقة المسيح مخلّص العالم ” (يو4 :42)، ومن ثم فقد كتب القديس يوحنا بالروح: ” يا أولادي اكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا. وان اخطأ احد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا.ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضا ” (1يو1 :1و2).

كما وصف نفسه بالاسم الإلهي الذي عرّف الله به ذاته وكشف فيه عن كينونته ووجوده الدائم الأزلي الأبدي لموسى النبي عندما سأله، موسى، عن اسمه ومعناه ومغزاه: ” فقال الله لموسى أهيه الذي أهيه. وقال هكذا تقول لبني إسرائيل أهيه (hy<ßh.a,( – o` w’n = الكائن) أرسلني إليكم وقال الله أيضا لموسى هكذا تقول لبني إسرائيل يهوه (hw”ùhy> – ku,rioj) اله آبائكم اله إبراهيم واله اسحق واله يعقوب أرسلني إليكم. هذا اسمي إلى الأبد وهذا ذكري إلى دور فدور ” (خر3 :13-15). و تعني عبارة ” أهيه الذي أهيه – hy<+h.a,( rv<åa] hy<ßh.a,( “، ” أكون الذي أكون ” أو ” الكائن الذي يكون “، وترجمت في اليونانية ” أنا هو الكائن – evgw, eivmi o` w;n – إيجو إيمي هو أوُن “، ومنها اسم الفاعل ” يهوه – hw”ùhy> ” والذي ترجم في اليونانية ” ku,rioj = رب = Lord “. واسم ” يهوه ” هذا لم يستخدم لغير الله كما يقول الكتاب بلسان الله ذاته: ” أنا الرب (يهوه) هذا اسمي ومجدي لا أعطيه لآخر ” (اش42 :8).

وقد عرف جميع الأنبياء بالروح وآمنوا أن ” يهوه ” هو اسم الله وحده: ” ويعلموا انك اسمك يهوه ” (مز83 :18)، ” فيعرفون أن اسمي يهوه ” (ار16 :21)، ” يهوه اسمه ” (ار33 :2)، ” والرب اله الجنود يهوه اسمه ” (هو12 :5)، ” يهوه اله الجنود اسمه ” (عا4 :13)، ” يهوه اسمه ” (عا5 :8؛ 9 :6).

وقد أعطى الرب يسوع المسيح لنفسه هذا الاسم مؤكدا أنه هو نفسه ” يهوه ” الرب الإله ” كلمة يهوه: ” قال لهم يسوع الحق الحق أقول لكم قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن ” (يو8 :58). وقد استخدم هنا نفس التعبير ” evgw. eivmi, (ego eimi) = أنا كائن أو أكون “، والذي استخدمته الترجمة اليونانية لقول الله عن نفسه: ” أنا كائن = evgw, eivmi o` w;n “. وقد كرر الرب يسوع المسيح هذا التعبير أو هذا الاسم مرات كثيرة مرتبطا بكونه الإله وكلمة الله: ” أنا هو (evgw. eivmi) الألف والياء البداية والنهاية ” (رؤ21 :6).

كما تكلم عن كونه الابن من الآب، الذي من الآب والذي في الآب، في حضن الآب والواحد مع الآب في الجوهر، وفي ذات الآب قبل كل خليقة، وعن حقيقة كونه ابن الله، الابن من الآب، هذه الحقيقة التي لا يعرفها أحد ولا يقدر أن يعلن عنها أحد غير الابن ذاته فقال مؤكداً: ” كل شيء قد دفع إليّ من أبي. وليس احد يعرف من هو الابن إلا الآب ولا من هو الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له(لو10:22)، أي أن معرفة الآب والابن لا تتم إلا عن طريق الابن، لماذا؟ يعلل هو ذلك بأنه يعرف الآب لأنه منه ” أنا أعرفه لأني منه ” (يو7:29)، فهو الذي ” من الآب ” و ” في الآب “؛ ” أني أنا في الآب والآب فيّ … أني في الآب والآب فيّ ” (يو14:10و11)، ” الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبر ” (يو1:18)، والكائن في ذات الآب: ” والآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم … أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أكون أنا لينظروا مجدي الذي أعطيتني لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم ” (يو5:17و24)، والموجود قبل كل وجود ” قبل أن يكون إبراهيم أنا أكون (كائن) ” (يو8:58)، وكما أعلن عن نفسه:أنا هو الألف والياء البداية والنهاية ” (رؤ21:6 )، ” أنا الألف والياء. البداية والنهاية. الأول والآخر ” (رؤ22:13). 

كما تكلم عن الآب باعتباره الآتي منه، من الآب، من عند الآب، من ذاته، وغير المنفصل عنه، الواحد معه، والمساوي له في كل شيء، بل واستخدم كلمة ” الآب ” باستمرار سواء في حديثه عن الله أو في حديثه مع الله بطريقة تؤكد العلاقة الفريدة بين الآب والابن؛ ففي الإنجيل للقديس مرقس (36:14) ينادي الآب بالتعبير الآرامي ” أبا “؛ ” يا أبا الآب ” الذي يعني ” daddy”،أي أباه بصفة خاصة، أبيه الذي هو منه، وهو لقب لم ينادي به أحد الله من قبل (رو15:8وغل6:4). ودائما يقول ” أبي وأبيكم ” (يو17:20) ولم يقل قط ” أبانا “.

وقد فهم اليهود من أحاديثه عن علاقته الخاصة بالله الآب: ” فأجابهم يسوع أبي يعمل حتى الآن وأنا اعمل. فمن اجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه. لأنه لم ينقض السبت فقط بل قال أيضا أن الله أبوه معادلاً (مساوياً) نفسه بالله. فأجاب يسوع وقال لهم الحق الحق أقول لكم لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئا إلا ما ينظر الآب يعمل. لان مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك. لان الآب يحب الابن ويريه جميع ما هو يعمله. وسيريه أعمالا أعظم من هذه لتتعجبوا انتم. لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحيي كذلك الابن أيضا يحيي من يشاء. لان الآب لا يدين أحدا بل قد أعطى كل الدينونة للابن ” (يو17:5-22)، ” لأنه كما أن الآب له حياة في ذاته كذلك أعطى الابن أيضا أن تكون له حياة في ذاته ” (يو26:5)، ولما قال لهم: ” أنا والآب واحد فتناول اليهود أيضا حجارة ليرجموه.

أجابهم يسوع أعمالا كثيرة حسنة أريتكم من عند أبي. بسبب أي عمل منها ترجمونني. أجابه اليهود قائلين لسنا نرجمك لأجل عمل حسن بل لأجل تجديف. فانك وأنت إنسان تجعل نفسك إلها ” (يو30:10-33)، ” ولكن أن كنت اعمل فان لم تؤمنوا بي فآمنوا بالأعمال لكي تعرفوا وتؤمنوا أن الآب فيّ وأنا فيه ” (يو38:10).

وكان يقول لهم: ” لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم أبي أيضا. ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه. قال له فيلبس يا سيد أرنا الآب وكفانا. قال له يسوع أنا معكم زمانا هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس. الذي رآني فقد رأي الآب فكيف تقول أنت أرنا الآب. ألست تؤمن أني أنا في الآب والآب فيّ. الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي لكن الآب الحال فيّ هو يعمل الأعمال ” (يو7:14-10)، ” الذي يبغضني يبغض أبي أيضا ” (يو23:15). كما يؤكد أن كل ما للآب هو له: ” كل ما للآب هو لي ” (يو15:16)، ويخاطب الآب بقوله: ” وكل ما هو لي فهو لك. وما هو لك فهو لي ” (يو10:17و11).

ومن ثم فقد عرف القديس يوحنا، التلميذ الذي كان الرب يحبه والذي اتكأ على صدر الرب يسوع المسيح بالروح القدس، وعرف حقيقة لاهوته، وحقيقة كونه الكلمة، اللوجوس، كلمة الله، الذي في ذات الله والذي من نفس طبيعته وجوهره وواحد معه في الجوهر، أي له نفس الجوهر عينه الذي لله الآب، وكشف عنه بالروح القدس لذا لم يتأثر لا بالفلسفة اليونانية ولا بفلسفة فيلو بل بروح الله، روح الرب يسوع المسيح (في1 :19)، فقد عاش بنفسه ورأى وسمع ولمس ” الكلمة “، ” كلمة الحياة “؛ ” الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة. فان الحياة أظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأظهرت لنا ” (1يو1 :1و2).

وقد بدأ القديس يوحنا بالروح القدس مقدمة الإنجيل بقول الوحي الإلهي: ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند الله. كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان. فيه كانت الحياة ” (يو1:1-3). والكلمة هنا هو الرب يسوع المسيح نفسه حيث يقول في نفس الفقرة ” والكلمة صار جسدا وحل بيننا ورأينا مجده مجدا كما لوحيد من الآب مملوء نعمة وحقاً ” (يو1 :14)، كما جاء عنه في سفر الرؤيا ” ويدعى اسمه كلمة الله ” (رؤ19 :13).

والكلمة هنا، في حقيقته وجوهره، يختلف تماما عن الكلمة عند فلاسفة اليونان وعند فيلو اليهودي، كما بينّا أعلاه، فالكلمة عند هؤلاء الفلاسفة، غير واضحة المعالم سواء في تعريفها أو كينونتها. ولكن الكلمة هنا هو الذي كان أصلا مع الله، في ذات الله، بلا بداية، وكان هو الله، والواحد معه في الجوهر والطبيعة، ومع ذلك فهو كأقنوم مميز عن الله الآب. هو مُعلن الله الآب؛ ” الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبر” (يو1 :18)، وصورة الله الآب غير المرئي ” صورة الله غير المنظور ” (كو1 :15)، وهو بهاء مجد الله وصورة جوهره ” الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره ” (عب1 :2)، والذي كلمنا الله به ” كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في أبنه ” (عب1 :1)، هو الذي خلق كل شيء ” الله خالق الجميع بيسوع المسيح ” (أف3 :9)، كالمولود من الآب ” الابن الوحيد الذي في حضن الآب “، والذي صار جسدا ” والكلمة صار جسدا وحلّ بيننا ورأينا مجده مجدا كما لوحيد من الآب مملوءا نعمة وحقا ” (يو1 :14). أنه ” الكلمة الإلهي الذي في ذات الآب ومن ذات الآب، الكلمة الذي هو الله الابن “.

وتعبر الآية الأولى من هذه الفقرة ” في البدء كان الكلمة – Ven avrch/| h=n o` Lo,goj ” عن وجود، الكلمة، الرب يسوع المسيح السابق وأزليته بصورة رائعة، ويتركز جوهر هذه الأزلية، وهذا الوجود الأزلي الأبدي في ثلاثة عناصر هي: ” في البدء ” و ” كان ” و ” كل شيء به كان ” إلى جانب كونه الحياة ” فيه كانت الحياة ” فهو معطي الحياة ومانحها. ويأتي اسم الكلمة هنا كفاعل ويتكرر كاسم الفاعل في هذه الفقرة ثلاث مرات، كما يستخدم الفعل ” كان ” أربع مرات للتعبير عن الكينونة أكثر من التعبير عن الزمن؛ ” كان في البدء “، ” كان مع الله “، ” كان هو الله “، و ” هذا كان في البدء عند الله “.

(1) في البدء كان – Ven avrch/| h=nen archee een “: والبدء هنا ليس بدءاً زمنياً، إنما هو بدء ما قبل البدء، أي البدء السابق للخليقة، البدء السابق لعملية الخلق ووجود المخلوقات. فالذي كان في البدء هو الخالق الذي خلق الخليقة ” كل شيء به كان ” (يو1 :3)، والذي كان قبل الكون، والذي قال عن نفسه أنه كان ” قبل كون العالم ” (يو17 :5). فهو الخالق الذي كان موجودا قبل الخليقة ” الكل به وله قد خلق. الذي هو قبل كل شيء وفيه يقوم الكل ” (كو1 :16و17)، ” من قبل أن تولد الجبال أو أبدأت الأرض والمسكونة منذ الأزل إلى الأبد أنت الله ” (مز90 :2).

وبالرغم أن البدء هنا يلمح إلى البدء في سفر التكوين ” في البدء (tyviÞarEB. – براشيت – والذي هو مترجم في اليونانية evn avrch/|) خلق الله السموات والأرض ” (تك1 :1)، وبرغم أنه وضع الكلمة (lo,goj) بدلاً من الله (~yhiÞla/ – إيلوهيم) كالخالق، مؤكداً أن الكلمة هو الخالق، فقد خلق الله الخليقة بكلمته ” بكلمة الرب خلقت السموات ” (مز33 :6)، إلا أن هذا ” البدء ” هنا، في هذه الآيات، يذهب إلى ما وراء، إلى ما قبل الزمن والخليقة(47)، البدء الذي يسبق بدء التكوين، بدء الخلق. ويستخدم هنا الفعل (كان – h=n – een) من فعل الكينونة (أكون – eivmi,) في الزمن الماضي الناقص، غير التام، والذي يفيد الاستمرار في الماضي إلى الوراء، إلى اللازمن والأبدية، البدء الذي لا يوصل لأي بداية لله أو الكلمة (الابن)، لأن الله لا بدء له.

البدء في سفر التكوين هو؛ بدء التكوين، بدء الخلق، بدء عملية الخلق ذاتها، والذي يبدأ من هذه النقطة، الخلق، نازلاً إلى ما بعد ذلك في دورة الزمن. و ” البدء ” هنا، البدء الذي كان فيه الكلمة موجوداً، هو ” بدء ” ما قبل البدء، البدء الذي لا بداية له، لا بدء له، الأزل. أنه البدء الذي يذكر وجود الكلمة قبل الخليقة ويرجع للوراء إلى ما قبل الزمن، إلى الأزل الذي لا بداية له، إلى الأبدية. في هذا البدء كان الكلمة موجوداً ” في البدء كان الكلمة “، أي أنه هو كائن وموجود وخالق الوجود قبل هذا البدء كما يقول الكتاب: ” فانه فيه خلق الكل ما في السموات وما على الأرض ما يرى وما لا يرى سواء كان عروشا أم سيادات أم رياسات أم سلاطين. الكل به وله قد خلق. الذي هو قبل كل شيء وفيه يقوم الكل ” (كو1 :16و17).

والكلمة الذي كان في البدء هو الكائن الأزلي الأبدي بلا بداية والذي وصف نفسه بالأول الذي ليس له قبل ولا بداية، قبله لا يوجد شيء، والبداية الذي بلا بداية لها ولا زمن: ” أنا الألف والياء. البداية والنهاية. الأول والآخر ” (رؤ22 :13)، أو كما نصلي في القداس الغريغوري: ” غير المبتدئ الأبدي. غير الزمني. الذي لا يحد “. وكما يقول عنه ميخا النبي بالروح القدس ” ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل ” (مي5 :2).

(2) و ” كان الكلمة – h=n o` lo,goj – een ho logos “، والفعل ” كان – ἦν – een ” جاء في الزمن الماضي الناقص، غير التام، الدال على حالة كانت مستمرة في الماضي، ويتضمن هنا في هذه الآيات استمرار الوجود، الوجود المستمر في الماضي. إلا أن الفعل هنا لا يركز على الزمن بقدر ما يركز على كينونة الكلمة الدائمة في ذات الله الآب، فهو في كينونة دائمة خارج الزمن. وهذا يعنى أنه قبل أن يبدأ البدء كان الكلمة موجوداً، ويمكن أن تترجم الآية حرفياً ” عندما بدأ البدء كان الكلمة موجوداً هناك “(48)، وهذا يعادل ويساوى القول ” الكلمة يسبق الزمن أو الخليقة “(49). فكان هنا تشير إلى الوجود المطلق لارتباطها بالبدء وبالخالق.

ومعنى نص الآية كاملاً: أنه في البدء، وقبل الخلق، كان الكلمة موجوداً وهو الخالق ذاته، الذي كان موجوداً من الأزل بلا بداية قبل أن يقوم بعملية الخلق، كان موجوداً، وكان هو العنصر الفعال، الخالق، بدء البدء. وقد بين الرب يسوع المسيح نفسه ذلك عندما خاطب الآب قائلاً: ” والآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم … لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم ” (يو17 :3و24). وهنا يتكلم عن وجوده السابق لتكوين وخلق العالم والمجد المتبادل بينه وبين الآب، في الذات الإلهية. ويتكرر الفعل ” كان – ἦν – een ” في هذه الآية، عن الكلمة، أربع مرات: ” في البدء كان (ἦν) الكلمة كان (ἦν) … وكان (ἦν) الكلمة … هذا كان (ἦν) في البدء -ou-toj h=n evn avrch/| “، ” عند الله pro.j to.n qeo,n “.

وفي هذه المرات الأربع تشير إلى ما قبل الخلق والزمن إلى الأزل الذي لا بدء له، إلى الأبدية، فقد ” كان – ἦν ” هو في البدء عند الله، و ” كان – ἦν ” هو الله، و ” كان – ἦν ” قبل وجود الخليقة و ” كان – ἦν ” هو الخالق، ” كل شيء به كان – pa,nta diV auvtou/ evge,neto “، أي بالكلمة، الرب يسوع المسيح، وكل شيء هنا تعني كل شيء بمفرده واحداً واحداً كقوله : فأنه فيه خلق الكل ” (كو1 :15)، و ” كان ” في هذه الآية ” كل شيء به كان ” في أصلها اليوناني ” evge,neto – egeneto – صار “، وحرفياً ” جاء إلى الوجود “، ” وبغيره لم يكن شيء مما كان (صار – جاء إلى الوجود – egeneto)؛ أي كل شيء به جاء إلى الوجود ” به تكون كل شيء، وبغيره لم يتكون أي شيء مما تكون “. إذاً، فهو الذي كان ” موجوداً “، والخليقة لم تكن قد جاءت إلى الوجود، فهو الخالق، الذي خلق الخليقة؛ ” كل شيء به كان (صار – جاء إلى الوجود) “، و ” بغيره لم يكن شيء مما كان – صار (جاء إلى الوجود) “.

و ” الكلمة – lo,goj “؛ هنا كما يؤكد الوحي الإلهي هو الرب يسوع المسيح، نبع الحياة ومصدرها بقوله ” فيه الحياة كانت – evn auvtw/| zwh. h=n. ” (يو1 :4)، فهو معطى الحياة للخليقة سواء كانت مادية (جسمانية) أو أخلاقية، وهو معطى الحياة الأبدية لكل من يؤمن به.

هو مصدر ونبع الحياة ومبدأها. وهذا ما عبر عنه القديس يوحنا الرسول بالروح القدس بقوله: ” الذي كان من البدء (O h=n avpV avrch/jho een apo’ archis arxis)، الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة. فان الحياة أظهرت ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأظهرت لنا ” (1يو1 :1و2).

(3) ” وكان الكلمة عند الله – kai.. o` lo,goj h=n pro.j to.n qeo,n “: وهنا يستخدم تعبيران ” وكان الكلمة – kai.. o` lo,goj h=n ” و ” عند الله – Θεόν τὸν πρὸς “؛ فيستخدم نفس الفعل ” كان – h=n – een ” الناقص، أي أنه كان عند الآب أو مع الآب بلا بداية، كما يستخدم حرف الجر ” عند – pro.j – pros “، وهذا الحرف المستخدم هنا ” pro.j – pros ” لا يعني مجرد قرب بل علاقة شخصية حميمة، فيقول أحد العلماء ” pro.j … تعني أكثر من مجرد ” مع “، وهي مستخدمة بانتظام للتعبير عن حضور شخص مع أخر(50). أي أن المعنى هنا هو أن الكلمة كان ” عند ” الله وهذا يؤكد المساواة بين الآب والابن في الوجود والجوهر.

والذي يعني مع الله، في ذات الله، فالكلمة، كلمة الله، الرب يسوع المسيح ” كان – h=n – een ” عند الله الآب، كان من البدء عند الله الآب، كان بلا بداية، من الأزل، كان أبداً، فهو الحياة الأبدية، الذي كان قبل كل شيء وهو الذي كون، خلق أوجد كل شيء هو الذي جاء بكل شيء إلى الوجود، خلق كل شيء(51).

(4) ثم يقول ” وكان الكلمة الله – kai. qeo.j h=n o` lo,goj “، أي أن الكلمة هو نفسه الله. وقد أفترض البعض بناء على ما زعمه آريوس وما ترجمه شهود يهوه لقوله في هذه العبارة، والتي ترجموها ” وكان الكلمة إلهاً ” على أساس أن كلمة ” الله – qeo.j ” هنا لا تسبقها أداة تعريف “، أي أن الكلمة هو إله بمعنى أنه ليس من جوهر الله بل أقل من الله وتالي له!! وهنا يقول العلماء، علماء اللغة واللاهوت:

تأتي كلمة ” الله – qeo.jtheos ” الأولى في هذه الآية ” وكان الكلمة عند الله ” معرفة بأداة التعريف ” to.n qeo,n “، والتي تجعل الاسم يشير إلى الشخص، إلى شخصيته، وهذا غير موجود أمام Theos الثانية الخاصة بالكلمة ” وكان الكلمة الله – kai. qeo.j h=n o` lo,goj “، وهذا صحيح، ولكن يقول العلماء: ” عندما وضعت أداة التعريف أمام كلمة ثيؤس (qeo.jTheos “؛ ” to.n qeo,n “، الأولى قصد بها شخص الآب، وعندما لم توضع أداة التعريف أمام كلمة ثيؤس ” qeo.jTheos ” الخاصة بالكلمة ” وكان الكلمة الله – kai. qeo.j h=n o` lo,goj ” قصد الجوهر الإلهي ذاته “(52).

أي أنه هنا يقصد أن الكلمة هو من نفس جوهر الله الآب ذاته، فهو الله، الكلمة. وهنا فرق بين أنه قصد الشخصية في الأولى وقصد الجوهر في الثانية، فالكلمة، الابن، في الذات الإلهية ليس هو الآب، بل هو في حضن الآب ” الابن الوحيد الذي في حضن الآب ” (يو1 :18)، وواحد مع الآب ” أنا والآب واحد ” (يو30 :10)، ومن ذات الآب ” أنا في الآب والآب فيّ ” (يو14 :10)، وفي ذات الآب ومن جوهر الآب، من نفس جوهر الآب، إذا فعندما يقول ” وكان الكلمة الله ” يركز على جوهره الإلهي وأنه من نفس جوهر الآب.

كما أن في قوله ” وكان الكلمة الله – kai. qeo.j h=n o` lo,goj “، يقول علماء اللغة أن الفاعل هنا ليس هو ” الله qeo.jqeo.j ” بل ” الكلمة – o` lo,goj ” لذا وضع أداة التعريف أما الكلمة ” o` lo,goj ” لأنه الفاعل، فالكلمة مبتدأ والله خبر الجملة، ومن هنا فقد كان يعني أنه في لاهوته مثل الله الآب ومن نفس جوهره ” He was the same as God “، وأيضا: ” the Word was fully God “(53).

ومن هنا فقد وردت في الترجمات اللاهوتية كالآتي:

In the beginning, the Word was existing.
And the Word was in fellowship with God the Father.
And the Word was as to His essence absolute deity.

” في البدء كان الكلمة موجوداً. وكان الكلمة عند الله الآب. وكان للكلمة نفس جوهر لاهوته المطلق “.

In the beginning the Word already existed.

The Word was with God, and the Word was God.

” في البدء كان الكلمة موجودا، وكان الكلمة عند الله، وكان الكلمة الله “.

In the beginning was the one who is called the Word. The Word was with God and was truly God.

في البدء كان الذي يدعى الكلمة، وكان الكلمة عند الله وكان (الكلمة) إلها حقيقياً.

At the beginning God expressed himself. That personal expression, that word, was with God, and was God, and he existed with God from the beginning.

في البدء عبر الله عن نفسه، وهذا التعبير الذاتي، الكلمة، كان عند الله، وكان الله، وكان موجودا مع الله منذ البدء.

In the beginning was the Word, and the Word was with God and the Word was fully God.

في البدء كان الكلمة، وكان الكلمة عند الله، وكان الكلمة كاملاً في لاهوته. 

THE Logos existed in the very beginning, the Logos was with God, the Logos was divine.

كان الكلمة موجودا منذ البدء الباكر، وكان الكلمة عند الله، وكان الكلمة إلهياً.

(47) Robertson New Testament Word pictures. John. 1.1.

(48) Vencent’s W. S. NT P. 29.

(49) Ibid.

(50) The Gospel of St. John,” The Expositor’s Greek Testament 1:684.

(51) يقول العالم شناكنبرج: إن ” عند = pro.j ” لا تفيد هنا الحركة تجاه هدف ما بل إن pro.j تأتي معادلة والتبادل أحياناً مع para. tw/ qew/|/| كما قالها المسيح في صلاته: ” والآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك = para. seautw/| بالمجد الذي كان لي عندك = para. Soi قبل كون العالم ” (يو17 :5). الآب متى المسكين شرح إنجيل القديس يوحنا. ص 33.

(52) H.E. Dana and Julius Mantey, in their A Manual Grammar of the Greek New Testament,

(53) أنظر كتابنا ” وكان الكلمة الله، هل كان الكلمة إله أم الله؟ ” ص 60- 79.

الكلمة (Logos) كما جاء في الإنجيل للقديس يوحنا – القمص عبد المسيح بسيط

هيبوليتوس الروماني وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

هيبوليتوس الروماني وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

هيبوليتوس الروماني – من هو القديس هيبوليتوس الروماني؟

هيبوليتوس الروماني وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

هيبوليتوس (170- 235م):

وُلد القديس هيبوليتوس حوالي سنة 170م وكان كاهناً بروما، يقول القديس جيروم أنه كان أسقفاً[1]. ولكن التقليد الغربي يقول أنه كان قساً، وكتب العديد من الكتب في تفاسير الكتاب المقدس والعلوم الكنسية ومن أشهرها عن الفصح. وكان صديقاً للعلامة أوريجانوس، وكان يزور الإسكندرية كثيراً، وكان أوريجانوس يتبادل معه الزيارات، وقام بزيارته في روما عام 215م، واستمع إلى عظة له عن ” تكريم المخلص “.

ويرى الباحثون أن كتابات هيبوليتوس قد تأثرت بتعاليم كنيسة الإسكندرية، كما تأثر هيبوليتوس بالقديس إيريناؤس أسقف ليون، بل ويعتبر احد مؤلفاته امتداداً لكتاب القديس إيريناؤس ” ضد الهرطقات ” والذي كتبه سنة 180 ميلادية[2].

ويذكر كل من يوسابيوس وجيروم أهم مؤلفاته التي وصلت إليهم في أيامهم؛ ” في ستة أيام الخليقة، وعن الخروج، وعن نشيد الأنشاد، وعن التكوين، وعن زكريا وعن المزامير، وعن اشعياء، وعن دانيال، وعن سفر الرؤيا، وعن الأمثال، وعن الجامعة، وعن الروح، وعن المحبة، وفيما بعد المسيح، وعن الاضطهاد، وضد ماركيون، وعن الفصح، وضد كل الهرطقات، وتحذير عن قيامة المسيح، والخلاص “[3].

هذه الكتب تبقى لنا منها عدداً قليلاً أهمهما كتبه ” ضد الهرطقات “، والتي كانت مكونة من عشرة كتب، وصلنا منها ثمانية وضاع الكتابان الثاني والثالث. وتبقى أيضاً كتابه ” ضد المسيح ” وهو كتاب في العقيدة شرح فيه كيفية مجيء ضد المسيح، ومن هو ومتى يأتي؟ وشذرات ليست بكثيرة من قليل من الكتب الأخرى، من جزء من تفسيره لسفر دانيال، والتي استشهد بها واقتبس فيها من اسفار العهد الجديد وتكلم صراحة عن وجود عهدين العهد القديم والعهد الجديد والإنجيل الرباعي. بل وينسب إليه البعض كتابة الوثيقة الموراتورية[4].

ولم يترك لنا هيبوليتوس قائمة بأسفار العهد الجديد مثل إيريناؤس وغيره، ولكنه استشهد واقتبس من جميع أسفار العهد الجديد السبع وعشرين. وساوى بين الأنبياء ورسل المسيح، ووضع قانونية ووحي وموثوقية أسفار العهد الجديد على قدر المساواة مع أسفار العهد القديم. كما اقتبس من بعض كتابات الآباء الرسوليين مثل راعيهرماس والديداكية ورسالة برنابا، ولكن ليس كأسفار قانونية[5].

وقد اقتبس واستشهد بأسفار العهد الجديد أكثر من 1300 مرة، وأشار إلى قراءتها فى الاجتماعات العبادية العامة[6] كما أشار إلى قداستها ووحيها وكونها كلمة الله[7]. فقد استشهد بالإنجيل للقديس متى أكثر من 80 مرة، والإنجيل للقديس مرقس 10 مرات، والإنجيل للقديس لوقا 45 مرة، والإنجيل للقديس يوحنا أكثر من 70 مرة، وسفر أعمال الرسل 18 مرة، والرسالة إلى رومية 17 مرة، والرسالة الأولى إلى كورنثوس 25 مرة، والرسالة الثانية 6 مرات، والرسالة إلى غلاطية 14 مرة، والرسالة إلى أفسس 15 مرة، والرسالة إلى فيلبي 9 مرات، والرسالة إلى كولوسي 13 مرة، والرسالة الأولى إلى تسالونيكي مرتين، والرسالة الثانية 4 مرات، وتيموثاوس الأولى 7 مرات، والثانية ثلاث مرات، والرسالة إلى تيطس مرة واحدة، والرسالة إلى العبرانيين 5 مرات، ورسالة يعقوب مرة واحدة، ورسالة بطرس الأولى 4 مرات، والثانية حوالي 11 مرة، ورسالة يوحنا الأولى 4 مرات، ورسالة يهوذا مرة واحدة، وسفر الرؤيا 23 مرة[8].

وقد يتصور البعض أن هيبوليتوس لم يعترف بالرسالة إلى العبرانيين أو رسائل يعقوب وبطرس الثانية ويهوذا، لذا نؤكد أنه اقتبس أو استشهد بنصوصها حوالي 19 مرة باعتبارها أسفار قانونية موحى بها. وعلى سبيل المثال فقد استشهد بالرسالة إلى العبرانيين في قوله: ” ويحمل كل الأشياء في يده، الذي تألم وهو يشفي المتألمين، الذي ضُرب مشيراً إلى لطمه أثناء تحريره للعبيد وأنعم بالحرية على العالم “[9]. وهذا جوهر ومضمون الآية التالية في العبرانيين: ” وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا ” (عب1 :3)، والآية التالية: ” لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ ” (عب2 :18).

وأيضاً: ” أقسم (الآب) للواحد الصالح (الابن)، كما هو مكتوب: اقسم الرب ولن يندم “[10]. وهي اقتباس مباشر مما جاء في العبرانيين، خاصة الجزء الثاني من الآية: ” وَأَمَّا هذَا (المسيح) فَبِقَسَمٍ مِنَ الْقَائِلِ لَهُ: أَقْسَمَ الرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ، أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ ” (عب 7 : 21).

وفي شرحه لوجود يسوع وقوته على الإنسانية يقول بالحرف الواحد: ” الرب إلهنا نار آكلة “[11]. وهذا النص مأخوذ حرفياً من الرسالة إلى العبرانيين في قوله: ” لأَنّ إِلهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ ” (عب12 :29).

ويقتبس من الرسالة إلى يعقوب قائلاً: ” طلبت رحمة منذ زمن طويل، ولكن مصابيحكم مظلمة بسبب صلابة قلوبكم، أبعدوا عني، لأن الدينونة بدون رحمة للذين لم يعملوا الرحمة “[12]. وهو نص أقرب للاقتباس الحرفي لقوله: ” لأَنَّ الْحُكْمَ هُوَ بِلاَ رَحْمَةٍ لِمَنْ لَمْ يَعْمَلْ رَحْمَةً ” (يع2 :13).

كما يستشهد أيضاً برسالة بطرس الثانية، بقوله: ” وستكون شريك الطبيعة الإلهية مع المسيح، ولا تكن مستعبداً للشهوات والأهواء، ولا تضيع ثانية بالأمراض، لأنك صرت إلها “[13]. وهذا جوهر ما جاء في رسالة بطرس الثانية: ” لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ ” (2بط1 :4).

وأيضاً قوله: ” والآن يسيطر كلمة الله (Logos) على كل هذه، بكر الله، صوت الفجر الذي يسبق كوكب الصبح “[14]. والجزء الثاني من الاقتباس يستشهد بالجزء الأخير من قول القديس بطرس في رسالته الثانية: ” إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ ” (2بط1 :19).

وأيضاً قوله: ” سيأتي في الأيام الأخيرة مستهزئون، سالكين بحسب شهواتهم. وسيكون هناك معلمون كذبة بينكم الذين سيدسون بشكل سري بدع لعينة “[15]. وهنا يستشهد بشكل مباشر في نصف الفقرة الأول بما جاء في بطرس الثانية: ” عَالِمِينَ هذَا أَوَّلاً: أَنَّهُ سَيَأْتِي فِي آخِرِ الأَيَّامِ قَوْمٌ مُسْتَهْزِئُونَ، سَالِكِينَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ أَنْفُسِهِمْ ” (2بط3 :3)، وفي النصف الثاني بقول الرسالة: ” كَمَا سَيَكُونُ فِيكُمْ أيضاً مُعَلِّمُونَ كَذَبَةٌ، الَّذِينَ يَدُسُّونَ بِدَعَ هَلاَكٍ ” (2بط2 :1).

كما استشهد أيضاً بما جاء في رسالة يهوذا في قوله: ” سيكون هناك اولئك المعتزلون بأنفسهم بلا خوف “[16]. وهي تستشهد، في مضمونها، بما جاء يهوذا 19: ” هؤُلاَءِ هُمُ الْمُعْتَزِلُونَ بِأَنْفُسِهِمْ، نَفْسَانِيُّونَ لاَ رُوحَ لَهُمْ “.

أي اقتبس من جميع أسفار العهد الجديد فيما عدا رسالتي يوحنا الثانية والثالثة، ربما لأن مضمونهما موجود في الرسالة الأولى والإنجيل للقديس يوحنا الذي استشهد به أكثر من 70 مرة. ولم يقتبس من كتب الآباء الرسوليين، كراعي هرماس، ككتب قانونية ومحى بها، أو من الكتب الأبوكريفية، كأعمال بولس وغيرها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش: 

[1] مشاهير الرجال 74.

[2] هيبوليتوس الروماني إعداد د. جورج عوض إبراهيم.

[3] جيروم مشاهير الرجال 74، ويوسابيوس ك 6 ف 20 :1.

[4] Wood, D. R. W., & Marshall, I. H. New Bible dictionary (3rd ed.) P.172–173.

[5] F. F. Bruce, P. 178.

[6] ANF Vol. 5:251.

[7] Ag. One Noe. 9-14.

[8] PNF, Vol. 686 – 685.

[9] The Discourse on the Holy Theophany, Fragment, 8 :9.

[10] The Justinian Heresy Unfolded in the ” Book of Baruch “.

[11] The Refutation of All Heredies, B. 6 , 27.

[12] Treatise in the Anti Christ, ch. 47.

[13] The Author’s Concluding Address.

[14] The Refutation of All Heredies, Vol. 10 , 19.

[15] ANF Vol. V, 244.

[16] ANF Vol. V, 244.

هيبوليتوس الروماني وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

يمكن تشبيه الدفاعيات بإزاحة الستار حتى يتمكن الناس من رؤية لمحة لما يختبئ وراءها، أو يرفع ماسة مقابل النور فتتلألأ وجوهها وتبرق عند سقوط أشعة الشمس عليها. فالدفاعيات تهتم بتأسيس مداخل للإيمان، سواءً تخيلنا هذه المداخل فتح أبواب، أو إزاحة ستار، أو إضاءة مصباح حتى يرى الناس بمزيد من الوضوح، أو استخدام عدسة تضع الأشياء في البؤرة.

والموضوعات الرئيسية في الدفاعيات هي تلك التي تتيح للناس رؤية الأشياء بوضوح، وربما للمرة الأولى، تساعدهم على اكتشاف الأفكار المضللة، فيدركون فجأة سر ما يتمتع به الإيمان المسيحي من قدرة على الإقناع على المستوى الفكري وجاذبية على المستوى التخيلي.

فالدفاعيات تقوم بمد الجسور التي يعبر عليها الناس من العالم الذي يعرفونه إلى العالم الذي يودون اكتشافه، وتساعدهم في العثور على أبواب ربما لم يسمعوا بها من قبل، فيرَون عالماً يفوقُ كل تخيلاتهم ويدخلون فيه. والدفاعيات تفتح العيون وتفتح الأبواب بتأسيس مداخل للإيمان المسيحي. فما هي المداخل التي نقصدها؟

حتى عهد قريب، كان الاتجاه السائد في الدفاعيات يعتمد على استخدام الحجج للدفاع عن الإيمان المسيحي بشكل عقلاني. إلا أن هذا الاتجاه كان يمثل إلى حد كبير استجابة لثقافة عقلانية اتخذت من التوافق مع العقل معيارًا للحق. وسنرى أن استخدام الحجة ما زال يمثل جزءًا لا يتجزأ من الدفاعيات المسيحية ولا يجب تهميشه أبدًا. إلا أن تراجع المذهب العقلاني في الثقافة الغربية أدى إلى الإقلال من أهميتها. وخلَق جوًا يتطلب إدراكَ جوانب أخرى في الإيمان المسيحي، وعلى رأسها ما يتمتع به من جاذبية عظمى على مستوى الخيال، والأخلاق.

والكُتاب المسيحيون القدامى، وخاصةً كُتاب العصور الوسطى وعصر النهضة، علقوا أهمية كبرى على الصور التشبيهية والقصص الكتابية في تعليم الأشخاص المخلصين، إلا أن صعود تيار الحداثة أدى إلى الحط من قيمة هذين العنصرين، بقدر ما أدى ظهور تيار ما بعد الحداثة إلى إعادة اكتشاف قوة تأثيرهما.

وقد أدى نمو تيار ما بعد الحداثة مؤخرًا إلى تأكيد أهمية القصة والصورة من جديد لأن كلاً منهما يجذب الخيال البشري بشكل خاص. وكل من له دراية بتاريخ الدفاعيات المسيحية لا يصعب عليه أن يدرك أن المدافعين القدامى كانوا يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على هذين العنصرين باعتبارهما مداخل للإيمان، وخاصةً في عصر النهضة. ولذلك، فنحن بحاجة لاستعادة هذه الأساليب القديمة في الدفاعيات لخلق منهج متوازن يدافع عن الإيمان المسيحي ويبرز جماله في ظل ما تشهده ثقافتنا من تحولات.

وعلينا أن نكيف دفاعياتنا بم يتلاءم مع مستمعينا، مع الانتباه لوجود عدة نقاط للتلاقي بين الإنجيل والنفس البشرية. ويتضح أن العهد الجديد نفسه يُعنى بربط الإنجيل مع مفاهيم وخبرات المتلقين على اختلاف نزعاتهم. فإن كانت النفس تَعطش لله “كَأَرضٍ يَابِسَةٍ” (مز143: 6)، فكيف ترتوي؟ إن مهمتنا تحديد القنوات المتاحة التي تتدفق فيها مياه الإنجيل الحية فتنعش النفس البشرية وتغيرها، ثم استخدام هذه القنوات بأمانة وفاعلية. وفي هذا الفصل سأستخدم صورة المدخل لتساعدنا على فهم هذه المنهجيات المختلفة.

المداخل والدفاعيات: بعض الأفكار:

تُعتبر صورة الشمس والنافذة من أهم الصور التي استخدمها اللاهوتيون في العصور الوسطى لشرح ما تجريه نعمة الله من تغيير في النفس البشرية. وتُعَد كتابات “ألن الذي من لِيل” Alan of Lille (المتوفى سنة 1203) مثالاً جيدًا على هذا حيث يشَبه النفس البشرية بحجرة باردة مظلمة. ولكن عندما تُفتح النافذة على مصراعيها، يندفع نور الشمس إلى الحجرة فيشيع فيها النور والدفء.

إلا أن فتح النافذة لا يدفئ الغرفة ولا ينيرها، ولكنه يزيل حاجزاً من أمام القوة التي يمكنها أن تفعل ذلك، فسبب التغيير الحقيقي هو الشمس. وكل ما نفعله نحن أننا نزيل الحاجز الذي يمنع نور الشمس وحرارتها من دخول الحجرة.

وهذه الصورة تساعدنا على إدراك هذه الفكرة اللاهوتية، وهي أننا لا نتسبب في تغيير الناس وقبولهم للإيمان. ويؤكد “ألن” أننا نحن الذين لا بد أن نفتح نافذة عقولنا على مصراعيها، فتتمكن نعمة الله من العمل في حياتنا، وهكذا ينحصر دورنا في إزالة العوائق من أمام نعمة الله، أما تجديد نفوسنا فهو مهمة هذه النعمة الإلهية. إلا أن الصورة مهمة في مجال الدفاعيات أيضًا، فهي تُذكرنا أن الله هو من يغير النفوس، وتؤكد في الوقت نفسه أننا قادرون على تيسير هذه العملية بالمساهمة في إزالة الحواجز والعوائق التي تقف أمام نعمة الله.

والمدخل وسيلة تنفتح بها عيوننا على حقيقة حالتنا، وقدرة الإنجيل على تغييرها. ولكي نفهم هذه النقطة المهمة، تخيل أنك مصاب بتسمم في الدم، وحياتك ستنتهي في غضون ساعات لو لم تحصل على الأدوية اللازمة، ولكنك لا تعرف ما أصابك على وجه التحديد، ولا تعرف بوجود علاج لهذه الحالة. حاول أن تتخيل نفسك في ذلك الموقف. والآن فكِّر في الطرق التالية التي يمثل كلٌّ منها مدخلاً يؤدي إلى تغيير وضعك:

  1. يخبرك طبيب من أصدقائك أن ما تعانيه هو تسمم في الدم، ويشرح لك أن هذه الحالة إن لم تعالج تؤدي إلى الوفاة، ويعطيك أسماء عدة أدوية ويخبرك بالمكان الذي تحصل عليها منه وبكيفية استخدامها.
  2. يخبرك صديق آخر أنه أصيب بهذه الأعراض عينها، إلا أن شخصًا أخبره بدواء معين أنقذ حياته. يقترح عليك أن تجرب هذا الدواء. أي أنه يحكي لك قصته الشخصية التي تتقابل مع قصتك في هذه النقطة الحرجة.

الطريقة الأولى تمثل حجة تستند إلى أدلة، أما الثانية قصة تستند إلى خبرة شخصية يرى صاحبها أنها مطابقة للموقف الذي تمر به. ورغم أن كل أسلوب يختلف تمامًا عن الآخر، فكلٌّ منهما يمثل مدخلاً. كيف؟

أولاً، كلٌّ منهما يساعدك على رؤية الأمور على حقيقتها. ثانياً، كلٌّ منهما يتيح لك أن تدرك ما يجب فعله لتغيير الأوضاع. ثالثًا، كلٌّ منهما يشجعك على اتخاذ تلك الخطوة الحاسمة بالحصول على الدواء، وتناوله حتى تتحسن حالتك.

إن الدواء هو سبب شفائك، ولكنك لو لم تدرك حقيقة حالتك، وأنك تحتاج للدواء، لكان شفاؤك مستحيلاً. ونعمة الله هي الدواء، وبعد أن تُشفى بهذه النعمة يمكنك أن تساعد الآخرين على إدراك حاجتهم لها، ويمكنك أن تشهد عن قوتها. والله هو من يغير الناس ويأتي بهم للإيمان. أنت جزء صغير (ولكنه حقيقي) في عملية الشفاء هذه. ومن ثم، فما تقوله يمكن أن يمثل مدخلاً يسمح للناس برؤية الأمور من منظور مختلف، مما يساعدهم على تخيل طريقة جديدة للتفكير والعيش.

فما هذه المداخل المتاحة للدفاعيات المسيحية؟ سوف نبحث في هذا الفصل بعض الإمكانات المتوفرة للدفاعيات. وسنبدأ بأبسط الأساليب الدفاعية، ألا وهي شرح ماهية المسيحية.

المدخل الأول: الشرح:

أفضل دفاع عن المسيحية هو شرحها. أي أنك إن أردت أن تدافع عن المسيحية أو تبرز جمالها، فأفضل السبل لذلك أن تبدأ بتعريف الناس بماهية المسيحية، لأن الكثيرين لديهم مفاهيم خاطئة عن المسيحية تعيق قبولهم للإيمان.

ومن أروع الأمثلة على ذلك مثال يقدمه اللاهوتي العظيم القديس أغسطينوس الذي قبِل الإيمان بعد جولة طويلة في أراضي الفلسفة المجدبة.[1] كان أغسطينوس شابًا موهوبًا في الخطابة من شمال أفريقيا، وقد صاحب المانويين، وهي طائفة كانت شديدة الانتقاد للمسيحية، هكذا استقى جُل معرفته بالمسيحية من نقادها، لم تكن بالمعرفة الدقيقة. ورفض أغسطينوس المسيحية باعتبارها لا تستحق اهتمام شخص في ثقافته وذكائه.

وكان أغسطينوس طموحًا، فقرر أن يكون رجلاً ناجحًا في عاصمة الإمبراطورية، فغادر شمال أفريقيا متجهًا إلى روما. وبعد فترة وجيزة من وصوله، عُرِضَت عليه وظيفة خطيب عام في ميلانو، وهي المدينة الرئيسية في شمال إيطاليا. ونظرًا لإدراكه بأن هذه الوظيفة يمكن أن تمثل بداية لحياة مهنية ذات شأن في العمل المدني بالإمبراطورية، رحب أغسطينوس بالعرض. إلا أنه كان يعلم أيضًا أن تقدمه في المجال السياسي يعتمد على قدراته البلاغية. فمن يستطيع أن يساعده في تطوير هذه المهارات؟

اكتشف أغسطينوس بعد وصوله إلى ميلانو أن أمبروز Ambrose أسقف المدينة المسيحي مشهور ببراعته في الخطابة، فقرر أن يكتشف بنفسه ما إذا كان يستحق هذه الشهرة. فكان كل يوم أحد يتسلل إلى الكاتدرائية الكبيرة في المدينة ويستمع لعظات الأسقف. وفي البداية لم يكن اهتمامه بالعظات سوى اهتمام الشخص المتخصص الذي ينظر للعظة باعتبارها خطبة فخمة. ولكن محتوى العظات بداً يستحوذ عليه تدريجيًا.

اعتدت أن أسمع عظاته متحمسًا، ولكني لم أكن مدفوعاً لذلك بالدافع الصحيح، بل كنتُ أريد أن أختبر مهارته في الخطابة لأرى ما إذا كانت طلاقته أفضل مما قيل لي عنه أم أدنى… ولكني لم أكن مهتمًا بما يقول، وكانت أذناي لا تتجه سوى نحو أسلوبه في الخطابة… إلا أنه كما دخلت الكلمات التي أمتعتني إلى عقلي، هكذا دخلت المادة التي لم أكن أعبأ بها في بادئ الأمر، حتى إني لم أتمكن من الفصل بينهما. فبينما كنت أفتح قلبي لفصاحته، دخل معها أيضًا الحق الذي كان يعلنه.[2]

وكما يتضح من رحلة أغسطينوس الطويلة إلى الإيمان، نجح أمبروز (الذي أصبح أغسطينوس يعتبره واحدًا من أبطال اللاهوت) في إزالة عائق ضخم من طريق الإيمان. فقد أبطل مفعول الصورة المغلوطة التي روجتها المانوية عن المسيحية. وبعد أن استمع أغسطينوس لأمبروز بدأ يدرك أن المسيحية أكثر جاذبية وإقناعًا مما كان يظن بكثير. وهكذا أزيل عائق يقف أمام الإيمان. وبالرغم من أن أغسطينوس لم يؤمن بالمسيحية إلا بعد فترة، فقد كان لقاؤه مع أمبروز علامة بارزة على طريق البحث.

ولابد أن البعض ممن نلتقي بهم في خدمتنا الدفاعية يحمل أفكارًا مضللة ومشوهة تمامًا عن المسيحية. وهذه المفاهيم الخاطئة التي يلتقطها البعض دون وعي، والبعض الآخر ينشرها عن قصد، لابد من تحديدها وإبطال مفعولها بخطة مُحكمة مدروسة.

ننتقل الآن لنبحث ما قد يُعتبر أكثر مداخل الإيمان شيوعًا، ألا وهو استخدام الحجة المنطقية.

المدخل الثاني: الحجة:

تؤكد المنهجيات الكلاسيكية في الدفاعيات أهمية العقل في كلٍّ من بناء حجة فكرية تؤيد فكرة وجود الله، ونقد الأفكار المغايرة. وقد بحثنا فيما سبق دور الحجج في الدفاع عن وجود الله، ومنها:

  1. الحجة المبنية على التصميم argument from design: وهي تَعتبر أن ملاحظة التصميم الموجود في العالم، مثل ما يميزه من “ضبط دقيق”، أو بنية معقدة يشير إلى أن الله هو المصمم (ص 99، 100).
  2. الحجة المبنية على الإنشاء argument from origination: إن كانت للكون بداية، فهذا يعني أن له مسببًا أنشأه، وقد يكون هذا المسبب شخصًا أو شيئًا، وهو ما يشير تلقائيًا إلى فكرة الله في المسيحية باعتباره خالقَ كل شيء (ص 96- 98).
  3. الحجة المبنية على الترابط argument from coherence: وهنا نركز على قدرة الإيمان المسيحي أن يقدم تفسيرًا لما نلاحظه في العالم المحيط ولما نختبره داخلنا (ص79- 86، 101- 103).
  4. الحجة المبنية على الأخلاق argument from morality: تقول هذه الحجة باستحالة وجود قواعد ثابته وموثوق بها للقيم الأخلاقية إلا إذا كان لها أساس يتجاوز هذا العالم المادي، كإله بار مثلاً (ص 104-109).

وقائمة الحجج تطول، ولكن لابد أن نأخذ في اعتبارنا أن هذه الحجج لا يجب أن تُفهم على أنها “براهين” بالمعنى المنطقي الدقيق للكلمة. ولكن ما توضحه هذه الحجج بكل جلاء أن الإيمان بالله له أسباب وجيهة، أو أن الإيمان بالله له مبرراته، حتى وإن كان لا يمكن البرهنة عليه بشكل مطلق.

وكلمة “برهان” بمعناها الدقيق لا تنطبق إلا على المنطق والرياضيات، فكما يمكننا أن نبرهن على أن الكل أكبر من الجزء، يمكننا أن نبرهن أن 2+2 =4. إلا أنه يجب أن نحترس من الخلط بين “قابلية البرهنة” و”الحق”. ففي مطلع القرن العشرين أثبت عالم الرياضيات العظيم “كرت جودل” Kurt Gödel أنه بالرغم من كثرة ما نصوغه من قواعد الاستدلال، ستظل هناك بعض الاستدلالات التي لا تخضع لهذه القواعد، ومع ذلك فهي مقبولة.

أي أن هناك عددًا من الأفكار الصحيحة التي قد لا يمكننا إثبات صحتها،[3] وهذه الحقيقة تنطوي على معانٍ غاية في الأهمية من الناحية الفلسفية.[4]

ويمكن استخدام الحجج أيضًا في نقد بدائل الإيمان المسيحي وتقييمها، وذلك بإظهار عدم ترابطها على المستوى الفكري أو افتقارها لأساس من الأدلة يمكن الوثوق به. فقد أبرزنا مثلاً عبر صفحات هذا الكتاب قدرة الإنجيل على خلق معنى للأشياء.

ونحن بذلك لا نحصر جاذبية المسيحية في أبعادها العقلانية فحسب، لأنها غنية بالجوانب الوجدانية، والأخلاقية، والتخيلية، والوجودية. ويجب على المدافع الذي يتحلى بروح المسئولية أن يستفيد منها استفادة كاملة. ولا شك أن الكثيرين ينجذبون إلى الإيمان المسيحي بسبب قدرته على خلق معنى للأشياء.

ولكن ماذا عن بدائل المسيحية؟ ما مدى قدرة النظم المنافسة على خلق معنى للأشياء؟ هل تصمد أمام اختبار الاتساق التجريبي، أي هل تنجح نظرياتها في خلق معنى للملاحظة وللخبرة؟ وقد أكدنا في فصل سابق أهمية إظهار ما يميز الإيمان المسيحي من قدرة على خلق معنى لملاحظاتنا وخبراتنا. ولا يكفي هنا أن يقتصر المدافع على إظهار تفوق المسيحية في هذا الصدد، ولكنه لا بد أن يبين قصور البدائل الأخرى.

ويرجع الفضل في تصميم هذا الأسلوب لواحد من أهم المدافعيين الكتابيين في أمريكا الشمالية أثناء القرن العشرين، وهو “فرانسيس شِفَر” (1912- 1984). ويُبرز أسلوب “شِفَر” في الدفاعيات الكثير من النقاط التي تناولناها في هذا الكتاب.[5]

فهو يلفت النظر مثلاً لأهمية أخذ الجمهور في الاعتبار، والابتعاد عن استخدام منهج موحد للجميع: “إن أردنا أن نتواصل مع مستمعينا، لابد أن نصرف الوقت والجهد لنفهم لغتهم، حتى نوصل لهم الرسالة باللغة التي يفهمونها.”[6] أي أن المدافع لابد أن يستمع لجمهوره حتى يتعلم لغتهم ليتمكن من التواصل معهم بهذه اللغة.

ويبدو أن “شِفَر” اكتشف بنفسه أهمية الإصغاء لأفكار جمهوره ومخاوفهم وتطلعاتهم أثناء عمله المرسلي في المنطقة الناطقة بالفرنسية في سويسرا في أواخر الخمسينات وفي الستينات من القرن العشرين. ونظرًا لأنه كان يقيم في كوخ سويسري (اسمه “لابري” L’Abri وهو مشتق من الكلمة الفرنسية التي تعنى “مأوى” أو “ملجأ”) في قرية بجبال الألب تدعى “إيموز” Huemoz، فقد كان يستضيف الكثير من الطلاب الذين يتجولون في أنحاء أوروبا، ولاسيما الشباب الأمريكيين الذين كانون يتجولون في مختلف البلدان الأوروبية بحقيبة ظهر.

فكان يسمع آرائهم في الأفلام والروايات المعاصرة أو في الفلسفات الجديدة التي ظهرت آنذاك. وكان يتساءل كيف يمكن تقديم الكتاب المقدس بشكل يناسب الأفكار الوجودية العنيدة التي روجها الفلاسفة المؤثرون في تلك الحقبة مثل “جان بول سارتر”  Jean Paul Sartreوكذلك “سورن كيركجارد”. وإذ استمع “شِفَر” لهؤلاء الطلاب وهم يُعبرون عن أفكارهم، اكتشف أنه يمكنه التفاعل معهم في مستواهم وبلغتهم، مستخدمًا صورًا توضيحية من عالمهم ليساعدهم على إدراك معقولية الإيمان المسيحي.

إلا أن أعظم إساهم قدمه “شِفَر” للدفاعيات يكمن في الأهمية التي يعلقها على تحديد مَواطن الصراع في الفلسفات غير المسيحية واكتشاف ما تنطوي عليه من معانٍ أشمل. والمقصود أن أي فلسفة حياتية ترتكز على افتراضات مسبقة معينة، فإن كانت هذه الافتراضات المسبقة من صنع الإنسان ولا تتضمن تفويضًا أو تخويلاً إلهيًّا، فلن تتمكن من التوافق مع بِنَى الكون الذي خلقه الله.

كلما كان مَن يؤمن بفكر غير مسيحي منسجمًا مع افتراضاته المسبقة، ابتعد عن العالم الحقيقي، وكلما اقترب من العالم الحقيقي، تَبدد انسجامه مع افتراضاته المسبقة.[7]

ويقول “شِفَر” إن كل شخص يعيش بإحدى قدميه في أحد العالمَين ويضع الأخرى في العالم الآخر: العالم الحقيقي الخارجي الذي يتميز بعمقه وتعقيده، وعالم داخلي من الأفكار يشكله الاشتياق للتفهم، والحب، والقيمة. فإن وُجِد صراع بين هذين العالمين، يستحيل على الفرد أن يحيا حياة لها معنى.

فلابد من وجود توافق بين خبرتنا في العالم الخارجي وعالمنا الداخلي.[8] ولذلك، يرجح “شِفَر” أن المدافع لابد أن يستخدم الحجة المنطقية لتحديد وكشف التناقضات والصراعات الداخلية التي تحويها الفلسفات الحياتية غير المسيحية. وهو يبين أنها تقوم على فرضيات أو افتراضات مسبقة لا تتسق مع الوجود الإنساني الحقيقي ولا تتوافق معه.

كل مَن نتحدث إليه، سواءً أكان بائعًا في متجر أم كان طالبًا جامعيًا، يحتفظ بمجموعة من الافتراضات المسبقة، سواء قام بتحليلها أم لم يقم… ويستحيل على أي شخص غير مسيحي أو جماعة غير مسيحية أن تتوافق مع النظام الذي تتبعه سواء على مستوى المنطق أو على مستوى الممارسة.

وعندما يحاول الشخص إخفاء الصراع، عليك أن تساعده على كشفه، وفي نقطة معينة سيكتشف عدم الاتساق. وعندئذٍ سيجد نفسه غير قادر على الاستمرار، وهذا الصراع ليس صراعًا فكريًا فحسب، ولكنه يقع في صميم الكيان الإنساني ككل.[9]

ومن ثم، على المدافع أن يساعد الفرد على إدراك هذا “الصراع” والشعور بقوته الفكرية والوجودية، وهو ما يتضمن مساعدته على اكتشافه أولاً، وتقدير أهميته ثانيًا. ويرى “شِفَر” أن البشر يَقُون أنفسهم من هذا الصراع بحمايتها داخل شرنقة فكرية تمنعهم من مواجهة ذلك الاكتشاف المزعج بأن أفكارهم لا تتفق مع الواقع. ويستخدم “شِفَر” صورة يقتبسها من شتاء سويسرا لوصف هذه الحالة، فهو يشبه هذه الشرنقة الفكرية بأسقف أكواخ جبال الألب التي تعمل كمصدات تحمي المسافرين من الانهيارات الثلجية:

فهو يشبه المصدات الكبيرة التي تبنى على بعض الممرات الجبلية لحماية العربات من انهيارات الصخور والحجارة التي تهوي من فوق الجبل من آن لآخر. وهذه الانهيارات الثلجية في حالة غير المسيحي هي العالم الحقيقي الساقط المشوه الذي يحيط بهم. وعلى المسيحي أن يزيل المصدة بحب ويسمح لحقيقة العالم الخارجي وحقيقة الإنسان بأن تصدمه.[10]

ومن ثم يمكن النظر إلى الدفاعيات باعتبارها نزعًا لسقف هذا الكوخ لإجبار الشخص على إدراك أن طريقة تفكيره عاجزة عن الصمود في مواجهة العالم الحقيقي الخارجي.

فكيف يمكن تطبيق هذا المنهج؟ يعطينا “شِفَر” مثالاً يوضح هذا الأسلوب جيدًا. فقد كان يتحدث إلى مجموعة من الطلاب في غرفة بإحدى الكليات في جامعة كامبردج. وبينما كان الماء يغلي لتحضير الشاي، ابتدره أحد الطلاب الهنود قائلاً إن المسيحية لا معنى لها. فسأله “شِفَر” عن عقيدته قائلاً: “ألستُ على صواب إن قلت إن القسوة وعدم القسوة متساويات في عقيدتك، وليس بينهما أي فارق أصيل؟” فوافقه الطالب. ثم يروي “شِفَر” ما حدث بعد ذلك:

الطالب الذي اجتمعنا في غرفته فهم جيدًا ما يعنيه اعتراف الطالب السيخي، فتناول الغلاية الممتلئة بالماء الساخن الذي كان سيعمل به الشاي، ووضعها أعلى رأس الشاب الهندي والبخار يتصاعد منها. فنظر الشاب لأعلى وسأله: ماذا تفعل؟ فأجابه بنبرة حاسمة باردة ولكنها مهذبة: “لا فرق بين القسوة وعدم القسوة.” وعندئذ خرج الهندي صامتًا واختفى في ظلام الليل البهيم.[11]

وأسلوب “شِفَر” يتسم بقوته وبقدرته على الوفاء بالعديد من الأغراض، مما يجعله صالحًا لعدد من المواقف المختلفة. خذ مثلاً الوضعية المنطقية Logical Positivism، وهي حركة فلسفية حققت نجاحًا كاسحًا في العالم الناطق بالإنجليزية في ستينات القرن العشرين. وقد أعلنت هذه الحركة أن كل العبارات الميتافيزيقية*، بما فيها ما يتعلق بالله، عديمة المعنى.

وكان الأساس الذي اعتمدت عليه هذه الفلسفة في ذلك هو “مبدأ التحقق” الذي قصر العبارات ذات المعنى على القضايا الصحيحة في حد ذاتها (مثل “كل العزاب غير متزوجين”) أو التي تتأكد بالخبرة (مثل “كان في الحديقة الأمامية لقصر “باكينجهام” ست إوزات الساعة 5:23 صباحًا يوم 1 ديسمبر 1968″). وتطبيق منهج “شِفَر” يتيح لنا أن نؤكد أن مبدأ التحقق نفسه عديم المعنى لأنه لا يتماشى مع المعيار الذي اعتمدته الوضعية المنطقية لقياس المعنى.

أو خذ مثالاً أبسط للهجمة الشرسة التي غالبًا ما نواجهها في جامعات أمريكا الشمالية: “لا يمكن أن تتأكد من أي شيء”. وهذه النظرة تهدف إلى الإطاحة برؤية “الصورة الكبرى” للواقع، كتلك التي يقدمها الإيمان المسيحي لأنها تعني أننا لابد أن نتشكك حتى في كل العبارات المؤكدة المختصة بالحياة.

ولكن من الواضح أن هذا التصريح ذاتي المرجعية يعتمد في صدقه أو كذبه على ذاته self-referential، ويمكن تقويضه والقضاء عليه بطرح سؤال بسيط ردًا عليه: “هل أنت متأكد من ذلك؟” وهكذا فإن المنطق الذي يقوم عليه الادعاء هو نفسه الذي يُسقطه.

إلا أن هذا لا يعنى أن مهمتنا هي مجرد الفوز بالمجادلات أو تقديم المؤهلات العقلانية للإيمان. فمما يؤسف له أن تأثير حركة التنوير على الثقافة الغربية لم يختفِ، ولا سيما في الإصرار على تقديم براهين تثبت صحة العقائد، مما نتج عنه تقديم الدفاعيات المسيحية باعتبارها مجرد بناء حجج فعالة تهدف لإقناع الناس بصحة الإيمان المسيحي. إلا أن الخطورة في ذلك أنه قد يؤدي إلى إظهار المسيحية على أنها مجموعة من الحقائق الجامدة والأفكار المجردة. ولذلك، فإن هذا المنهج ينطوي على ثلاث صعوبات.

أولها، أنه ليس  مؤسسًا على الكتاب المقدس كما يجب. فالحق، ولاسيما في العهد القديم، يركز في المقام الأول على المصداقية والثقة. والقضية الأساسية في الدفاعيات تتلخص في أن الله هو قاعدة أمان، وأنه أساس آمن تُبنى عليه حياة الإيمان. أي أن “الإله الحقيقي” ليس مجرد إله موجود، بل إله يمكن الاعتماد عليه. والنظرة العقلانية التي تعتبر الحق هو كل افتراض تَثبت صحته تستبعد النظرة الكتابية التي تعتبر الحق مفهومًا علاقاتيًا.

والمشكلة الثانية أن جاذبية الإيمان المسيحي لا يمكن أن تقتصر على منطقية عقائده. ولكن المسيحية تستند بقوة على الخيال أيضًا. كما توضح كتابات “سي. إس. لويس.” وعندما كان “لويس” شابًا وجد نفسه يتوق إلى عالم له معنى، يشتعل حبًا، ويفيض جمالاً، ولكنه اقتنع أن هذا العالم لم ولن يوجد: “كنت أؤمن أن كل ما أحبه تقريبًا وَهم، وتقريبًا كل ما آمنت بأنه حقيقي رأيته منفرًا وبلا معنى.”[12]

لقد أخبره خياله بوجود عالم أفضل، ولكن عقله أخبره أنه كلام فارغ. فلم يجد أمامه خيارًا سوى مواجهة عالم مجدب مجرد من المشاعر، ومواجهة وجوده الخالي من أي معنى.

وأخيرًا اكتشف “لويس” عقلانية الإيمان المسيحي، إلا أن انجذابه للإيمان كان سببه أن الإنجيل يقدم معنى، وليس لأنه يُعبر عن افتراضات صحيحة. وقد علق “لويس” على هذا قائلاً: “إن العقل هو الأداة الطبيعية للحق، ولكن الخيال هو أداة المعنى.”[13] وجاذبية الإيمان المسيحي عند البعض تتمثل في جمال عبادته، أو في قدرته على التلامس مع المشاعر الإنسانية، أو في نتائجه الأخلاقية.

أما ثالث هذه المشكلات فهي أن المنهج العقلاني يقوم على نظرة حداثية. إلا أنه في معظم أنحاء العالم الغربي اليوم، حل اتجاه ما بعد الحداثة مكان الحداثة، مما يقلب الكثير من المعتقدات المحورية للحداثة رأسًا على عقب. فالاستناد إلى الصفة العقلانية الأصيلة في الإيمان ينجح في إطار حداثي، ولكن في أطر ثقافية أخرى، قد يفشل هذا المنهج نفسه الذي يقوم على الحجة والمنطق فشلاً ذريعًا في التلامس مع التطلعات والأفكار الثقافية المسبقة.

وكما سنرى في قسم لاحق من هذا الفصل، أن ميل ما بعد الحداثة للقَصص أكثر منه للحجة يتيح فرصًا عظيمة للدفاعيات الكتابية نظرًا لأن الأشكال القصصية تملأ صفحات الوحي.

ولكننا مع ذلك، ما زلنا نؤكد منطقية الإيمان ونشدد عليها، دون أن نحصره فيما يمكن للمنطق أن يبرهن عليه بشكل قاطع. فأسئلة الحياة الجوهرية تتجاوز حدود العقل بكثير، ومن هذه الأسئلة: من أنا؟ هل أنا مهم فعلاً؟ لماذا أنا هنا؟ هل يمكنني أن أُحدث اختلافًا؟[14] وهي أسئلة لا يمكن للعلم ولا للمنطق البشري الإجابة عنها.

ومع ذلك، إن لم يجد المرء إجابات لهذه الأسئلة، تصبح حياته بلا معنى. وعلينا نحن المدافعين أن نبين أن الإيمان المسيحي يقدم إجابات لأسئلة الحياة الجوهرية، وهي إجابات منطقية من ناحية، وناجحة على المستوى العملي من ناحية أخرى. فكما هو مهم أن نُظهر أن المسيحية صحيحة، مهم أحيانًا أن نُظهر أنها حقيقية.

المدخل الثالث: القصص:

إن تركيز تيار ما بعد الحداثة على القصص يمثل أهمية خاصة في الدفاعيات. فقد كانت الحداثة تنظر بعين الريبة للقصة في التعامل مع الواقع. ومن ثم، سعت لإجهاضها أو التخلص منها بالاستناد إلى التحليل أو الحجة العقلانية، بحيث تتحرر تمامًا من قيود عشوائية التاريخ الأليمة. وقد انعكس ذلك بكل وضوح في تفسير الكتاب المقدس. وكما أشار “هانس فري” Hans Frei  (1922- 1988) أستاذ اللاهوت في “جامعة ييل” Yale University، مختزلاً ما به من روايات تاريخية وأشكال قصصية (كأمثال المسيح) إلى أفكار مجردة من الزمن.[15] وكان يُنظر إلى القصة كأنها قشرة مزعجة غير مستحبة تغطي على الجوهر الفكري والأخلاقي للكتاب المقدس.

إلا أن تيار ما بعد الحداثة شهد استعادة للاهتمام بالقصة الكتابية بما فيها الأشكال القصصية الخاصة كالأمثال التي رواها يسوع ليُعَلم الجموع عن ملكوت الله. ولم يعد إثبات الحق يتوقف على الحجة، ولكن بدأ يُنظر للقصص على أنها قادرة على تكوين هوية مميزة من الناحية الأخلاقية والمفاهيمية.

فالمسيحية تعلن عن عالم يتشكل بالقصص وهي تسكن في هذا العالم، والأساس الذي يشكل أفكار هذا العالم وقيمه هو قصة تعاملات الله مع شعبه التي تبلغ ذروتها في قصة يسوع الناصري. وهكذا فالمسيحية في أساسها ليست مجرد مجموعة أفكار.

منذ حوالي سبعينات القرن العشرين، تزايد الاهتمام بدراسة دور القصة في كلٍّ من اللاهوت والفلسفة، وعلى صعيد الفلسفة الإنجليزية والأمريكية، ظهر بعض الكُتاب البارزين أمثال “بول ريكور” Paul Ricoeur وكذلك “ألاسدير ماكينتاير” وأيضًا “تشارلز تيلور” الذين تصدوا لتقديم معالجات جادة لما ينطوي عليه القَصَص من موضوعات أساسية. فقد درس “ريكور” القصة بوصفها أساسًا لكل صور فهمنا للعالم وبوصفها إطارًا يعيش فيه البشر. ويقول “ماكينتاير” بأن قرارات حياتنا تتشكل وتترتب بناءً على فهمنا لها باعتبارها تشكل جزءًا في “قصة” (أو تقليد) أكبر.

وهو يقول “لا يمكنني أن أجيب عن سؤال “ماذا يجب أن أفعل؟” إلا بعد أن أجيب عن سؤال أسبق، وهو “ما هي القصة التي أشكل جزءًا منها؟”[16] وكما سنرى، يمكن أن تمثل هذه المنهجيات قيمة عظمى للدفاعيات المسيحية.

والكثيرون اليوم يؤيدون الرأي الذي يقول بأن القصص هي المنظار الأساسي الذي يرى البشر الواقع من خلاله. فنحن نرى العالم باعتباره قصة تجيب عن الأسئلة المحورية المختصة بالوجود، والهوية، والمستقبل.

وهذه القصص يمكن أن تجيب عما يسميه الفيلسوف “كارل بوبَر” Karl Popper “الأسئلة العليا” “ultimate questions” وهو بذلك يريدنا أن نفهم المسائل الكبرى التي تتناول “معنى الحياة”، ومنها تلك التي يطرحها “روي بوميستر” Roy [17]Baumeister، وهي التي تتعلق بالهوية، والغرض، والتكليف، والقيمة وتتخذ شكل أسئلة مثل: “من أنا؟” “ما هدف الحياة؟” ” ماذا أفعل لأُحدث فرقًا؟”

وقد أدرك البشر من قديم الزمان الأهمية الثقافية والفكرية لوجود قصة تفسيرية شاملة. وغالبًا ما يستخدم مصطلح “الأسطورة” في المجال الأكاديمي للإشارة إلى هذه القصص التفسيرية التي تشرح الواقع والهوية الشخصية والاجتماعية. (عادةً ما يساء فهم مصطلح “الأسطورة” على أنه “قصة غير حقيقية”، إلا أن هذا المعنى ليس هو المقصود هنا). ولكن كما أشار “لويس” وآخرون، كلمة “أسطورة” تشير أساسًا إلى قصة عن العالم تُمكن الأفراد من فهمه والعيش فيه.

وهذه “الأساطير” تمثل العدسات التي ينظر بها أي مجتمع للعالم، فهي تقدم إطارًا يسهم في حل التناقض بين الخبرات العديدة ويعمل على خلق رابطة بينها.

والقصة المسيحية عند “لويس” التي يعتبرها المنحة الإلهية التي تكمل وتتوج المحاولات البشرية الأخرى في صنع الأسطورة، تمثل أعلى وأسمى قمة نرى منها الحقيقة ونفهمها. فالقصة المسيحية عن الخلق، والسقوط، والفداء، ونهاية الزمان تعطي معنى لكل القصص الأخرى التي نرويها عن هويتنا وغاياتنا الحقيقية. إنها القصة الأم، الرواية العليا التي تضع سائر الروايات المختصة بأصل الإنسان ومصيره في مكانها الصحيح.

ويؤكد هذه النقطة أستاذ العهد الجديد والمدافع البريطاني ” ن. ت. رايت” N.T. Wright الذي يقول إننا عندما نروي قصة الكتاب المقدس كاملةً فنحن بذلك نعلن النظرة المسيحية للواقع وفي الوقت نفسه نتحدى البدائل العلمانية الأخرى. فبروايتنا لقصة الكتاب المقدس

مؤكد أننا نتحدى جوانب عديدة في نظرة العالم للأمور (أي نظرته للسلطة والقوة). ونقوض نظرته لماهية العالم ولغرضه بالكامل، ونقدم نظرة جديدة للعالم بأفضل طريقة ممكنة.[18]

والكتاب المقدس عند “رايت” يتحدى طرق التفكير الأخرى ويبرز جمال طريقته ويجسدها بوضوح. وهو يروي قصة تجيب عن أربعة أسئلة أساسية:

  1. من نحن؟ الكتاب المقدس يخبرنا أننا بشر مصنوعون على صورة خالقنا، ولا نكتسب هويتنا الجوهرية من العنصر الذي ننتمي إليه، ولا النوع، ولا الطبقة الاجتماعية، ولا الموقع الجغرافي.
  2. أين نحن؟ نتعلم من الكتاب المقدس أننا نحيا في عالم حسن وجميل، ولكنه مؤقت. وقد خلقه الله الذي نحمل صورته.
  3. ما المشكلة؟ نفهم من الكتاب المقدس أن البشرية تمردت على خالقها، وبالتالي انحرف العالم عن القصد المخلوق له.
  4. ما الحل؟ يطمئننا الكتاب المقدس أن الله عمل، ويعمل، وسوف يعمل في الخليقة من خلال المسيح يسوع والروح القدس ليتعامل مع الشر الذي نتج عن تمرد البشرية، وليصل بعالمه إلى الغاية التي صنعه من أجلها، ألا وهي أن يكون في توافق تام مع حضوره ومجده.[19]

وتطالعنا أعمال الروائي “ج. ر. ر. تولكين” بنظرة مشابهة. وقد عُرف “تولكين” بدفاعه المستميت عن الدور المحوري الذي تلعبه الأسطورة في خلق معنى للواقع وبمحاولته أن يطبق هذا الفكر في ثلاثيته الملحمية “ملك الخواتم” The Lord of the Rings.[20] ووفقًا لهذا النهج، تظهر قدرة القصة المسيحية الكبرى على تفسير الأمور في تَمَكُّنها من وضع غيرها من القصص الكبرى في موقعها الصحيح، وتفسيرها، وشرحها. والقصة المسيحية، مثل سائر القصص، لا يمكن “البرهنة عليها” بالوسائل الموضوعية منطقية كانت أم علمية.

بل يجب تقييمها بناءً على قدرتها أن تخلق للأشياء معنى أعمق من منافساتها الحالية أو التي قد تظهر فيما بعد، وذلك ببساطتها، وأناقتها، وسهولة فهمها، وقدرتها على خلق معنى يتجاوز حدودها.

فكيف نستفيد من عودة الاهتمام بالقصة في محاولتنا لفهم كيفية تقديم الإيمان المسيحي لثقافتنا؟ سأطرحُ هنا بعض الأفكار الشخصية. عندما كنت أصغر سنًا كنت أعتقد أن أفضل طريقة لمساعدة الآخرين على اكتشاف حق المسيحية المدهش هو مناقشتهم بالحجة. أي إقناعهم بأن المسيحية صحيحة وحق. وباختصار، كونت ما يطلق عليه الكثيرون اليوم منهجًا “حداثيًا”. ولكني اليوم أوصل حق الإنجيل بطريقة مختلفة. فأنا أحكي قصة قبولي للإيمان.

لماذا؟ لأن القصة أكثر تشويقًا من أي حجة، ولكن السبب الأهم أن قصتي تبين أن المسيحية حقيقية، أي أنها قادرة على تغيير حياة البشر، وإعطائهم أسباب جديدة للحياة ورجاء أكيد للمستقبل. فالقصة تدور حول فلسفة حياتية أصبحت تمثل نظرة شخصية في حياة صاحبها، وهي قادرة على التجديد والتغيير والاستثارة. وروايتي لهذه القصة الشخصية تؤكد أن الإنجيل حقيقي في حياتي.

إننا نعيش في عالم تشكله القصص. بالإضافة إلى أن “القصص الكبرى” قادرة على إضفاء معنى على العالم وعلى خلق علاقة مفيدة بين من يلاحظ الأحداث والأحداث نفسها. وهذه القصص عبارة عن شباك من المعاني نحكيها لنجمع فيها خبراتنا الشخصية ونحتفظ بها، ولنختزن فيها المعنى الذي نرى أنها تنقله أو تنطوي عليه.

والمسيحية تروي واحدة من هذه القصص، والإلحاد الجديد يروي قصة أخرى، وهناك قصص لا تحصى يرويها أولئك ممن لديهم أغراض يريدون تنفيذها، ورؤى ينشرونها، ومصالح أو أغراض شخصية يروجونها. إن القصص تحدد أماكن الحقائق بوضعها في إطار قصصي.

والآن بعد أن وضعنا أساسًا نظريًا لتأكيد أهمية القصص في الدفاعيات، سنتناول كيفية استخدامها. وسنبدأ بعد قليل بقصتين تُستخدمان في تدعيم الدعاوى التي يقيمها بعض الكُتاب ضد المسيحية، وسنرى كيف يمكن نقدهما.

على الدفاعيات المسيحية أن تنقد وتُقَيم غيرها من القصص الكبرى، مثل القصص العلمانية التي تعمل على تقويض المسيحية أو تهميشها. ولكنها لابد أن تُقدر في الوقت نفسه ما تتضمنه المسيحية من قصص خاصة بها. فالقصة المسيحية الكبرى عن الخلق، والسقوط، والفداء، ونهاية الزمان تساعدنا أن نفهم معنى العالم، كما أشار “لويس” وغيره. ولكن هذه كلها “قصص كبرى” فماذا عن القصص العادية؟ وكيف يمكن استخدامها في الدفاعيات المسيحية؟

أَوضَحُ نموذج يمكننا البدء به هو أمثال المسيح. فاستخدام الرب يسوع للقصص حتى يتفاعل مع مستمعيه لم يكن من قبيل الصدفة، ولكن هذه القصص كان لها غالبًا أساس في الحياة اليومية للمجتمعات الريفية والزراعية التي سادت فلسطين في القرن الأول. وقد كانت قصصًا غاية في السهولة تجذب انتباه المستمعين وتثير خيالهم. وكلُّ من هذه الأمثال يحمل داخله قدرة دفاعية هائلة يجب اكتشافها وفهمها، بل استخدامها. وإذا استُخدمَت هذه الأمثال بحكمة فإنها تتمتع اليوم بذات التأثير الذي كانت تتمتع بها عندما قيلت لأول مرة.

والمدافع الحكيم هو من يدرس الأمثال الرئيسية ويسأل هذه الأسئلة المحورية: كيف تساعدني هذه القصة في توصيل الإنجيل؟ كيف تساعدني على التواصل مع هذه الفئة؟ فالقضية هنا ليست دراسة ما في المثل من صور ومفردات في ضوء الديانة اليهودية إبان القرن الأول، بل اكتشاف وسائل لاستخدامه دفاعيًا اليوم.

ولنأخذ مثالاُ لوضيح هذه النقطة، وليكن تلك القصة المعروفة التي عادةً ما يشار إليها باسم “مثل اللؤلؤة كثيرة الثمن.”

أَيْضًا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا تَاجِرًا يَطْلُبُ لآلِئَ حَسَنَةً، فَلَمَّا وَجَدَ لُؤْلُؤَةً وَاحِدَةً كَثِيرَةَ الثَّمَنِ، مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَاشْتَرَاهَا. (مت 13: 45، 46)

بالرغم من صياغة القصة بأقل عدد ممكن من الكلمات (خمس وعشرون كلمة فقط في الأصل اليوناني)، فالخيال البشري يمكنه بسهولة معالجتها وتذوق تأثيرها. والخبرة البشرية تؤكد صحتها. بالإضافة إلى أنه من السهل البناء عليها وتطبيقها. فكيف نستخدمها في الدفاعيات؟ سأعرض لك كيف أستخدمها، وأترك لك الحرية في تطويرها:

إننا جميعًا نبحث عن شيء له قيمة في الحياة. إلا أننا غالبًا ما نكتشف أن الأشياء التي كنا نظن أنها ستسعدنا وتفرحنا لا تفعل ذلك، فنشعر أنه ما من شيء يمكنه أن يمنحنا الفرح والسلام. ولكن يسوع روى قصة عن هذا الموضوع. فقد قال إن تاجرًا وجد لؤلؤة ثمينة كانت معروضة للبيع، فقرر أن يبيع كل شيء ليحصل عليها. لماذا؟ عندما رأي التاجر تلك اللؤلؤة المميزة أدرك أن كل ممتلكاته باهتة وتافهة مقارنةً بها. وكما يغطي لمعان الشمس على لمعان النجوم، فلا يُرى إلا ليلاً، هكذا أتاحت هذه اللؤلؤة الثمينة للتاجر أن يرى ممتلكاته من منظور مختلف.

فما كان يظن أنه سيشبعه ثبت أنه يكشف عدم شبعه، ويثير اشتياقه لشيء لم يكن في متناوله. ولكنه رأى تلك اللؤلؤة المتميزة، فأصر أن يحصل عليها، لأنها شيء عظيم القيمة، شيء يستحق الامتلاك، حتى إن كل مقتنياته الأخرى تبدو قليلة القيمة مقارنةً بها. هذا هو الإنجيل عندما تكتشفه لأول مرة. إنه شيء في غاية الروعة حتى إنه يتفوق على كل ما عداه.

وهنا نرى مثالاً لاستخدام قصة كتابية لتوضيح نقطة دفاعية مهمة. إلا أن القصص الكتابية يمكن أن تُستخدم أيضاً لتكوين أطر تقدم معاني أو تفسيرات يمكن استخدامها لإضفاء معنى على الحياة. وعندما نستخدم القصص ندعو المستمع للدخول في القصة ونسأله عما إذا كانت تعطي معنى لخبراته وملاحظاته.

ولكن ليست كل القصص الكتابية تلقي الضوء على نقاط محددة بهذا الشكل. فبعض القصص تتيح لنا أن نرى خبراتنا الحياتية وملاحظاتنا من منظور مختلف. ولتوضيح هذه الفكرة سنأخذ قصة من أعظم قصص العهد القديم، وهي قصة السبي البابلي وَرَدّ مسبيي أورشليم إلى أرضهم بعد سقوط الإمبرطورية البابلية.

وتُعتبر قصة السبي البابلي سنة 586 ق. م من أهم قصص العهد القديم. ففي سنة 605 ق.م هزم الإمبرطور البابلي نبوخذ نصر الجيوش المصرية التي تجمعت في كركميش، وهكذا أسس بابل باعتبارها أعلى قوة عسكرية وسياسية في المنطقة. إلا أن يهوياقيم ملك يهوذا تمرد على الحكم البابلي، فقامت القوات البابلية بغزو يهوذا، وهو ما فسره الكُتاب آنذاك بكل وضوح باعتباره تنفيذًا للقضاء الذي أخبر به الرب على شعبه الخائن وملكهم.

وفي مطلع سنة 597 ق.م استسلم كلٌّ من الملك، والعائلة المالكة، ومستشارو البلاط الملكي لقوات الحصار. وتم ترحيلهم إلى بابل مع عدة آلاف من المسبيين غيرهم. ثم حدثت موجة أخرى من الترحيلات سنة 586 ق.م ولم يحصل اليهود على حريتهم في العودة إلى أرضهم إلا بعد سقوط بابل أمام الفرس سنة 539 ق.م.

وغالبًا ما تستخدم هذه القصة التاريخية المؤثرة لخلق معنى للوضع البشري. فمن منظور مسيحي، يرمز وضع اليهود أثناء سبيهم في بابل لحالة البشر. وذلك لأن اليهود لم يكونوا ينتمون لبابل، ولكنهم كانوا مسبيين يتوقون للعودة إلى أرضهم. ومزمور 137 يرسم صورة تنبض باشتياقهم للعودة وتعبر عن ذكرياتهم المرتبطة بأرضهم: “عَلَى أَنْهَارِ بَابِلَ هُنَاكَ جَلَسْنَا، بَكَيْنَا أَيْضًا عِنْدَمَا تَذَكَّرْنَا صِهْيَوْنَ.” (ع1).

إن هذا الإطار يعطي الحياة الإنسانية معنى. فليس المفترض أن نكون هنا، وهذه الأرض ليست وطننا، ولكننا ننتمي لوطن آخر. ومازلنا نحمل في أعماقنا ذكرى هذا الوطن التي لا تستطيع قوة في الوجود أن تمحوها. إننا نتحرق شوقًا للعودة إلى وطننا، ونحيا على رجاء أننا يومًا ما سنكون في الوطن الذي ننتمي إليه بالفعل. إن هذا الإطار يشير إلى مصدرنا الحقيقي ومآلنا، ويعطي معنى للشوق والتوق العميق الذي تتناوله “الحجة المبنية على الرغبة.”

ولكن ماذا عن القصص التي تتحدى المسيحية؟ سنستعرض قصتين تهدفان لهدم المصداقية التاريخية لأهمية يسوع الناصري كما يصورها التقليد المسيحي. أولهما “شفرة دافينشي” The Da Vinci Code (2003) لكاتبها “دان براون” Dan Brown، والثانية “يسوع الصالح والمسيح الشرير” The Good Man Jesus and the Scoundrel Christ    (2010) لمؤلفها “فيليب بولمان” Philip Pullman. ما المنهجيات التي يتبعها كلٌّ منهما؟ وكيف نرد عليهما؟

إن القصص تدعونا لنتخيل عوالم بديلة ونقارنها بعالمنا: أيهما أكثر معقولية؟ وأكثر جاذبية؟ وتجدر الإشارة إلى أن إعادة قراءة التاريخ بشكل مختلف عادةً ما يكون وراءها دوافع هجومية أو أخلاقية، ومنها على سبيل المثال تصوير شخصية تاريخية خبيثة بشكل أفضل، أو شخصية محبوبة بشكل أسوأ. فرواية “أنا كلوديوس” I, Claudius (1934) مثلاً لكاتبها “روبرت جرفز” Robert Graves تتعاطف مع الإمبرطور الروماني كلوديوس (10ق.م – 54 م) وترسم له صورة إيجابية، وهو شخص كان يُنظر إليه في التاريخ على أنه رجل أحمق لا يضر ولا ينفع.

إلا أن “جرفز” يبرز كلوديوس على أنه يروج هذه الصورة عمدًا حتى يخدع الآخرين فيضمن بقاءه في زمن ملئ بالمخاطر السياسية.

وقد تَمكَّن كتاب “دان براون” الذي صدر سنة 2003 من تحقيق نجاح باهر واستحوذ على انتباه قرائه بفضل حبكته المتقنة التي تروي بداية تاريخ المسيحية بدرجة عالية من المعقولية حتى إن القارئ لا يلحظ التحريفات الجذرية المدسوسة في الكتاب ببراعة. (والطبعات الأولى من الكتاب كانت بحمل على غلافها كلمة “رواية” تحت العنوان. ولكنها حُذفَت فيما بعد). والقصة المحورية في هذا الكتاب تتلخص في أن الكنيسة اخترعت صورة خاصة بها ليسوع وجعلت منه إلهًا وفرضت هذه الصورة بالمؤامرة السياسية والتهديد بالعنف. ويصور “براون” الإمبراطور قسطنطين على أنه شخص مكيافلي انتهازي يغير طبيعة المسيحية لتخدم أغراضه السياسية.

ويروي “براون” قصة خداع وقمع تنتهي بكشف “الحق” وتحرير الناس. ويركز جزء كبير من القصة على بداية تاريخ المسيحية، فيروي أن الإمبراطور قسطنطين أراد للمسيحية أن تكون الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية، ولكنه أدرك أنها تحتاج لنوع من إعادة الصياغة حتى تفي بهذا الغرض. ومن ثم، كان لابد من رفع رتبة يسوع الناصري بحيث لا يظل ذلك المعلم الريفي الفلاح، فأعلن فسطنطين أن يسوع هو الله. وقد استلزم ذلك الحصول على عدد مناسب من الأصوات والتلاعب في النصوص.

ويتم إطلاع القارئ على هذه الأسرار في شخصية السير “لي تيبينج” Sir Leigh Teabing الذي يعلم بهذه الخفايا التاريخية، فيصرح بأنه لم يكن أحد يعتقد أن يسوع هو الله حتى مجمع نيقية سنة 325 عندما طُرحَت المسألة للتصويت، وحصلت على غالبية الأصوت بفارق ضئيل. وتُصدم “صوفي نفو” Sophie Neveu المتخصصة في فك الشفرات عندما تسمع هذا الكلام وتقول في حالة من الذهول: ” لست أفهم ما تقول. هل تتحدث عن ألوهيته؟”

صرح لها “تيبينج”: “عزيزتي، حتى تلك اللحظة، كان أتباع يسوع يتعتبرونه نبيًا فانيًا مثل كل البشر… رجل عظيم مؤثر، ولكنه إنسان، فانٍ”.

[قالت “صوفي”]: “ليس ابن الله؟”

أجاب “تيبينج”: “بلى. فكرة أن يسوع “ابن الله” طُرحَت رسميًا للتصويت في مجمع نيقية.”

“مهلاً. تقول إن لاهوت يسوع جاء نتيجة تصويت؟”

أضاف “تيبينج”: “بفارق ضئيل بين الطرفين.”[21]

ويشرح “تيبينج” كيف حظر قسطنطين الأناجيل التي تحدثت عن يسوع بلغة إنسانية بحتة، ولم يسمح إلا بالأناجيل التي تشير إلى ألوهيته.[22]

ويتم تعريف القارئ بالحقائق المحظورة الخطيرة التي تتعلق بتاريخ الكنيسة ويركز الكاتب بشكل خاص على جماعة يلفها الغموض تعرف باسم “جمعية سيون” Priory of Sion ويقدمها باعتبارها حارسة لأحد الأسرار الخطيرة. ويخبر “براون” قراءه بأن هذه “الجمعية” هي جماعة سرية تكونت سنة 1099 ومازالت موجودة حتى اليوم ويؤكد لهم أن هذه حقائق ثابتة.

والحقيقة أن هذا كلام خاطئ بكل المقاييس، لأن “جمعية سيون” عبارة عن منظمة اخترعها “بيير بلانتار”  Pierre Plsntard (1920- 2000) سنة 1956، وقد كان “بلانتار ” بارعًا في تأليف القصص الخيالية، فنسج قصصًا غاية في الإتقان عن هذه الجماعة التي اخترعها وربط بينها وبين أحداث من العصور الوسطى والأرض المقدسة.[23] أي أن الموضوع لا يمت بصلة لأي نوع من الحقائق.

ولست أعرف أي سند تاريخي ذا قيمة يؤيد أيًا من الأفكار الرئيسية التي تقوم عليها “شفرة دافينشي” التي يمكن تفنيدها جميعًا بمنتهى السهولة. ولكن مربط الفرس أن “براون” يروي قصة يتمنى الكثيرون أن تكون صحيحة ويدعوهم أن يصدقوها. وقصة “براون” تقوض الفكر المسيحي التقليدي في أذهان عموم القراء بتصويره لهذا الفكر على أنه نشأ من إساءة ممارسة السلطة والرغبة في قمع العناصر الأنثوية للإيمان.

والقصة “تُعرفنا” بأن الحقيقة هي أن يسوع تزوج مريم المجدلية وأن ابنتهما أنجبت نسلاً ملكيًا في فرنسا. وقد قال “براون” ردًا على الانتقادات الكثيرة التي تناولت الأخطاء التاريخية الفادحة في روايته إن كل ما فعله أنه وضع الكلمات في أفواه شخصيات الرواية وترك القارئ يفهم منها ما يفهمه.

وتكمن جاذبية منهج “براون” في المقام الأول في قدرته على الهدم. فالقصة مكتوبة بأسلوب ركيك يبدو أن معظم القراء يتقبلونه خاصةً مع سرعة توالي الأحداث. وهي من حيث الأسلوب على النقيض تمامًا من “يسوع الصالح والمسيح الشرير” لكاتبها “فيليب بولمان” التي صدرت سنة 2010.[24] فأسلوب “بولمان” يتبع نوعًا ما أسلوب ترجمة الملك جيمز King James للكتاب المقدس، وهو يتميز بفصاحة لا نجد لها أثرًا في أسلوب “براون” الممل الركيك.

وكتاب “بولمان” يعيد سرد قصة الإنجيل في قالب تخيلي يحتفظ بالأسلوب الأصلي للأناجيل ولكنه يغير المحتوى تغييرًا جذريًا. وتنطوي إعادة صياغة القصة بهذا الشكل على تقديم فرضية محورية يبني عليها “بولمان” أطروحته. فهو يصور مريم على أنها فتاة تعاني من ضعف قدراتها العقلية وصعوبات في التعلم، يخدعها أحد الرجال لتنام معه مؤكدًا لها أنه ملاك، فتلد توأمين، يسوع والمسيح، ولكن العلاقة بينهما تسوء منذ سن مبكرة.

كان يسوع رجلاً تقيًا، وواعظًا متجولاً يكرز بملكوت الله وينتظر من أتباعه أن يتغيروا أخلاقيًا. ويخبرنا “بولمان” أن يسوع، كأي كارز بروتستانتي ليبرالي من القرن التاسع عشر، لم يصنع معجزات بالمعنى المفهوم. ولكنه كان يجعل الأمور تحدث بشكل طبيعي. فما الذي حدث في إشباع الخمسة الآلاف؟ كل ما في الأمر أنهم تقاسموا ما كان معهم من طعام.

وهكذا يتضح أن يسوع شخص صالح ينتمي إلى عالم مثالي غير عالمنا ولا يحتك بواقع السلطة السياسية. إلا أن المسيح مختلف. فهو يلتقي بشخصية غامضة اسمها “الغريب” The Stranger تزرع في عقله فكرةَ أن يعيد كتابة قصة يسوع وتعاليمه على نحو يجعلها أكثر جاذبية وأطول عمرًا.

والنتيجة إنجيل أسطوري كُتِب أصلاً لأسباب تافهة بقلم توأم يسوع المزعوم. وما يريد “بولمان” أن يشير إليه من طرف خفي أن إنجيل المسيح “المحسَّن” والمزوَّر هو السبب الأساسي في ظهور كتابات بولس في العهد الجديد.

وهكذا تصبح الكنيسة مؤسسة على إنجيل المسيح الوهمي، وليس على حقيقة يسوع التاريخية المفقودة. فالمسيح يدرك بدهائه ضرورة خلق قصة كبرى، فلسفة حياتية مغرية لتضمن استمرار الكنيسة على مر التاريخ.

ونظرًا لفشل يسوع في تقديم هذه القصة، يقوم المسيح بتعويض هذا العجز بنفسه بتأليف قصة قادرة على إنشاء مؤسسة قوية والحفاظ عليها. والقوة المؤسسية تعتمد على الأمر الإلهي الذي يُفرض دون هوادة ويصبح أيديولوجية راسخة تضمن استمراريته. ويظهر بكل وضوح من هذه الرواية ومن ثلاثية “مواده السوداء” His Dark Materials أن “بولمان” يستهدف مؤسسة الكنيسة.

وأخيرًا يحرض “الغريب” المسيح على خيانة أخيه، خيانة تؤدي إلى موت الشقيق (نعم، يتضح في النهاية أن المسيح هو يهوذا الإسخريوطي). ثم تصبح القيامة مسرحية يحاول فيها المسيح الحي أن يُظهر نفسه على أنه يسوع الميت، وهو ما يعني طبعًا أن القيامة تمثيلية اخترعها المسيح ليعوض عن موت يسوع ميتة مؤسفة عادية. والموضوع مألوف لدى قراء الأعمال العقلانية التي أعادت تأليف حياة يسوع في القرن الثامن عشر، ولكن “بولمان” أدخل عليها تعديلات تاريخية جديدة ولكنها مستحيلة الحدوث.

وهذه هي المشكلة، فهذه القصة الهجومية غير معقولة على الإطلاق لدرجة أنها لا تطابق أدنى المعايير المستخدمة لتحديد صحة الأحداث من الناحية التاريخية. والقصة معقدة ومتداخلة حتى إنها لا يمكن أن بؤخذ على محمل الجد من الناحية التاريخية. ورغم أن الكاتب قَصَّاص من الطراز الأول عندما يؤلف قصصًا خاصة به، فعندما يعيد إنتاجَ قصص غيره، وخاصةً إذا كانت قصة مألوفة كقصة يسوع الناصري يتعثر كثيرًا. فالحبكة مفتعلة بشكل مفرط حتى إن براعة “بولمان” الأسلوبية تعجز عن التعامل مع هذا الخط القصصي المعقد اللازم لتحقيق أغراضه في مهاجمة التقليد.

وقد أقحم “بولمان” نفسه في القصة الكتابية على نحو سافر، فلم يكن دوره فيها سلبيًا ولا صامتًا. وأكثر المواقف التي يظهر فيها هذا الإقحام بشكل صريح هو صلاة يسوع في جثسيماني التي يفاجئنا بأن يسوع يختمها قائلاً أنه لا يوجد إله. ويأتي صوت المؤلف مملاً رتيبًا في مواقف كهذه، ولا سيما عندما يعظ يأخذ مكان يسوع ويعظ قراءه بنبرة حادة مزعجة.

وهو ما يختلف عن أسلوبه في ثلاثية “مواده السوداء”. وهو في رواية “يسوع الصالح والمسيح الشرير” يفتعل حالة من التقوى المفرطة بشكل يثير الاشمئزاز. علاوة على أنه يَسهل على القارئ التنبؤ بما سيحدث قبل قراءته.

ومن الواضح أن القصة مستحيلة الحدوث التي نطالعها في هذه الرواية تهدف إلى هدم مؤسسة السلطة الدينية. ويتضح هذا الهدف بجلاء في سؤال طرحه أثناء لقاء أجري معه عقب نشر كتابه بفترة وجيزة: “إن استطعت أن ترجع بالزمن وتنقذ ذلك الرجل من الصَلب وأنت تعلم أن هذا يعني عدم ظهور الكنيسة لحيز الوجود، هل ستنقذه أم لا؟” وترتكز هذه الحجة على افتراض مسبق مفاده أن القارئ يشارك “بولمان” في كراهيته الشديدة للمؤسسة الكنسية، وهو ما يظهر بكل وضوح في أعماله الأسبق.

ولكن هل الأمور حقًا بهذه البساطة؟ وهل الحق التاريخي يتوقف على ما نحب؟ وهل الإنجيل يتمحور فعلاً حول الكنيسة باعتبارها مؤسسة؟

معروف أن “بولمان” يريد أن يزعزع أساس الإيمان المسيحي. ولكن كيف يدعم هذا الكتاب حجته؟ إن ما حصل عليه هذا الكتاب من ردود أفعال فاترة على المواقع الإلكترونية الإلحادية يؤكد مدى غموضه. وقد سألني أحد زملائي من الأساتذة الملحدين مؤخرًا: “ولكن ما الفائدة منه؟ ومن سيلتفت لهذا الهراء؟” وقد راودتني هذه الأسئلة الوجيهة الواضحة وأنا أقرأ هذا الكتاب. ورغم استمتاعي بأسلوبه، لم أتمكن من تصديق حبكته الركيكة. ولابد أن أعترف أني لم أجد إجابة مقنعة حتى الآن.

المدخل الرابع: الصور:

تُعتبر الصور، لا الكلمات، أعلى أشكال التواصل عند كُتاب ما بعد الحداثة. وشركات الدعاية والإعلان تنفق أموالاً طائلة لتحصل على أفضل صورة للشركة المعلِنة، وتصمم إعلانات تليفزيونية تعرض صورًا تجعلنا نريد أن نشتري منتجات معينة دون غيرها. إلا أن الكثير من المسيحيين، مثلي، يفضلون استخدام الكلمة (ولا سيما الكلمة المكتوبة، في حالتي) لتوصيل الإيمان وإبراز جماله. ولكن علينا أن نعي أن الصور يُنظر إليها في إطار ما بعد الحداثة على أنها تتمتع بمصداقية وقوة من نوع خاص وتتجاوز الحدود المفروضة على الكلمات.

والعقل البشري يعمل عن طريق توليد صور تساعدنا على “تصوير” العالم المحيط بنا وفهم معناه. ويمكن تشبيه الصور بالخرائط الذهنية التي تساعدنا على رسم أرض الواقع وتحديد مكاننا في الإقليم المحيط بنا. وهذه الصور مفيدة جدًا للمدافع، لأن الصور التي تُعبر عن الفكر المسيحي يمكن تقديمها بأشكال تجذب الخيال البشري. وعمومًا نحن نتعلم أن نسكن في صورة نستخدمها ونكتشف مدى ملاءمتها لواقع عالمنا.

وسنفحص في هذا الجزء عددًا من هذه الصور ونبحث كيفية استخدامها لتوصيل الإنجيل وإبراز جماله. وبعضها مأخوذ من الكتاب المقدس، والبعض الآخر من الثقافة العلمانية. وأولى هذه الصور مأخوذ من أحد كلاسيكيات الفلسفة اليونانية القديمة، ألا وهو كتاب “الجمهورية” Republic لأفلاطون. (إن كنت قد قرأت رواية “الكرسي الفضي” The Silver Chair، وهي إحدى روايات سلسلة “نارنيا” لكاتبها “لويس”، ستكون الصورة مألوفة لك، حتى وإن لم تكن تعرف أصلها التاريخي[25]).

يدعونا أفلاطون لأن نتخيل كهفًا مظلمًا عاشت فيه مجموعة من الناس منذ مولدهم. وقد ظلوا محبوسين في هذا الكهف طيلة حياتهم حتى إنهم لم يعرفوا عالمًا آخر سواه. وفي أحد أطراف الكهف تشتعل نيران متوهجة بالدفء والضوء. اللهُّب المتصاعدة تلقي ظلالاً على جدران الكهف، فيشاهد الناس هذه الظلال التي تسقط أمامهم على الحائط، ويفكرون فيما تعنيه، فهذه الظلال المرتعشة هي كل ما يعرفه سكان الكهف عن العالم. وإدراكهم للواقع منحصر فيما يرونه ويختبرونه في هذا السجن المظلم.

فإن كان هناك عالم خارج الكهف، فإنه شيء لا يعرفونه ولا يمكنهم أن يتخيلوه، وكل آفاقهم محدودة ومحددة بالظلال وبما ينالونه من ضوء خافت. ولكنهم لا يعرفون أن الكهف سجن ولا أنهم محبوسون فيه، وليس لهم أن يصلوا إلى هذا الاكتشاف إلا إذا عرفوا بوجود عالم آخر.

ويزين أفلاطون هذه الصورة بالعديد من التفاصيل، منها أن سكان الكهف مقيدون بأغلال تمنعهم من الحركة في أنحاء الكهف. ولا يمكنهم أن يروا إلا الجدار المقابل لهم. ويمتد خلفهم ممر يعبر فيه أشخاص يحملون أشياء متنوعة على رؤوسهم، والنار تلقي هذه الظلال المتحركة على جدران الكهف.

والناس الذين يعبرون الممر يتحدثون بعضهم مع بعض فتُرَجِّع أصواتهم صداها في جنبات الكهف، ولكنها تأتي مشوهة بفعل الجدران. وهكذا يرى السجناء ظلالاً متحركة ويسمعون أصداء أصوات. فهم لا يرون ولا يسمعون أي شيء بشكل مباشر، ولكن خبرتهم بكل شيء تأتي على نحو غير مباشر وغير واضح المعالم.[26]

ولا يعنينا هنا البناء الفلسفي لهذا التشبيه كما وضعه أفلاطون، ولكن ما يعنينا هو إمكانية استخدامه في الدفاعيات. فكيف نستخدم هذه الصورة لتوصيل الإنجيل وإبراز جماله في عالم اليوم؟ تخيل نفسك الآن تسكن في هذه الصورة بضع دقائق، ولاحظ أنك لابد أن تنسى كل شيء عن العالم الذي نعرفه جميعًا حيث الشمس الساطعة، والهواء العليل، والورود، والبحيرات، والأشجار. وتَذَكر أن العالم الوحيد الذي تعرفه هو ذلك الكهف المظلم الذي يمثل لك الواقع كله.

وأنت لا ترى إلا ظلالاً ولا تسمع إلا أصداء. وما يظهر من هذه الأشياء يصبح واقعًا لك.

احترس من مقارنة عالم الكهف بأي واقع آخر، ففكرة التشبيه كلها تقوم على أساس أنك لا تعرف أي شيء غير هذا الكهف الذي يمثل لك تعريف الواقع. وعندما تشعر بأنك اعتدت على الصورة، سنبدأ في فحصها ودراسة كيفية تطبيقها في الدفاعيات.

اسأل نفسك هذا السؤال: كيف يتأتى لسكان الكهف أن يدركوا أن هناك عالمًا أفضل خارج جدران الكهف المظلمة المدخنة؟ فكر قليلاً في السؤال ثم واصل القراءة بعد أن تصل إلى بعض الإجابات.

ثلاث وسائل تُمكن سكان الكهف من اكتشاف وضعهم الحقيقي:

  1. يدخل شخص من العالم الحقيقي الخارجي إلى داخل الكهف ويخبر سكانه بالعالم الحقيقي. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة فكرة الإعلان الإلهي.
  2. بنية الكهف نفسه تحتوي على دلائل تشير إلى وجود عالم خارج جدرانه. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة الحجج التي تؤكد وجود الله بناءً على المؤشرات التي نراها في بنية العالم.
  3. عند هؤلاء المساجين معرفة حدسية تقول لهم إن هناك عالمًا أفضل من الكهف المظلم المدخن. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة الحجج التي تؤكد وجود الله بالاستناد على المشاعر الإنسانية، ومنها الحجة المبنية على الرغبة.

وسوف نبحث فيما يلي ما تتضمنه كل وسيلة من إمكانية دفاعية مع الاحتفاظ بصورة الكهف.

أولاً، قد يقتحم الكهف شخص من عالم آخر، ويخبرنا عن ذلك العالم الآخر مستخدمًا تشبيهات مستمدة من الكهف. بل إنه قد يفعل ما هو أفضل من هذا فيعرض علينا أن يرشدنا لطريق الخروج. وقد يفعل ما هو أفضل من هذا وذاك، فيعرض علينا أن يُخرجنا بنفسه.

وهذا الأسلوب هو الذي ينعكس في عقيدة التجسد المسيحية التي ترى يسوع المسيح باعتباره الشخص الذي يدخل إلى عالم التاريخ والخبرة البشرية، ليُظهر لنا الأمور على حقيقتها وليعطينا القدرة أن نتحرر من ربط العالم وقيوده. وبالرغم من أن هذا الموضوع يملأ صفحات العهد الجديد، فهو يَبرز بشكل خاص في إنجيل يوحنا، كما يتضح من الآيتين التاليتين:

وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْدًا (يو 1: 14)

أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. (يو 6: 51)

والوسيلة الثانية تقول بأن عالم الكهف نفسه مرصع بمؤشرات ومفاتيح تشير إلى أنه ليس العالم الوحيد. فقد يكون على جدران الكهف علامات تشير إلى أصله أو إلى مصيره الحقيقي، مثل العلامات التي لاحظها أريستبوس على شاطئ جزيرة رودس (ص 122). فربما الكهف يكشف عن أدلة تشير إلى وجود تصميم أو بنية معقدة تثير أسئلة جوهرية عن نشأته. وقد تكون جدرانه مزينة بالرسوم أو غيرها من الدلائل التي تشير إلى أصله وتاريخه.

أما الحل الثالث هو أن من يلاحظون الكهف أنفسهم يملكون في أعماقهم حسًا فطريًا أصيلاً بوجود عالم آخر. وقد يتخذ هذا الحس شكل قناعة عميقة أن الحياة أكثر من مجرد ظلمة هذا الكهف المدخن، أو معرفة حدسية قوية بأن مصيرهم يجب أن يكون في مكان آخر، أو رغبة في شيء يشعر صاحبها أنها لن تُشبع أبدًا، وهو شعور يشير إلى أن عالمنا ليس العالم الوحيد، وأن إشباعنا الحقيقي لن يتحقق فيه.

فنار الشوق التي تشتعل داخلنا ولا تطفئها خبراتنا في هذا العالم تمثل مفتاحًا جوهريًا يشير إلى وضعنا الحقيقي ويدعونا لاكتشاف الواقع الأعظم الذي تشير إليه.

هكذا قمنا ببحث الأساليب الثلاثة وشرحها بسهولة مستخدمين صورة كهف أفلاطون. وكل وسيلة منها تتيح للدافع أن يبحث أحد جوانب الإيمان المسيحي ويكتشف تلامسه مع خبرتنا بالعالم المحيط ومع معرفتنا الحدسية وأشواقنا العميقة وقدرته على خلق معنى لكل هذه الأمور.

ويمكن إدماج هذه الصورة المعبرة بسهولة في الأحاديث، والعظات، والمحاضرات، ويمكن تطويرها بالعديد من الطرق المبتكرة. ويسهل كذلك إضافة طرق أخرى للثلاثة المذكورة أعلاه.

فما الصور الأخرى التي يمكن استخدامها في الدفاعيات؟ يستخدم بولس مجموعة من الصور القوية في رسائله ليساعدنا على فهم ما فعله المسح لأجلنا بصلبه وقيامته. ومن هذه الصور صورة التبني. وفيها يؤكد لنا بولس أننا أصبحنا أبناء الله بالتبني في المسيح (رو 8: 23، غل 4: 5). ويرى بولس أن هذه الصورة المستمدة من قانون الأسرة الروماني تلقي الضوء على امتيازات المؤمن ومكانته في علاقته بالله.[27] وهي صورة تتطلب منا أن ندركها في عقولنا ونقدرها في قلوبنا.

وصورة التبني سهلة الفهم نسبيًا، فهي تُعبر عن أسرة تقرر أن تمنح طفلاً لم يولد في أحضانها الامتيازات القانونية نفسها التي يحصل عليها الطفل المولود في الأسرة. وهو ما يستتبع أن الطفل المتبنى يتمتع بحقوق الميراث التي يتمتع بها الطفل الطبيعي.

وهكذا يمكن أن يرى المؤمن نفسه باعتبار أنه أُدخِل في عائلة الله ومُنح ذات الامتيازات القانونية التي يتمتع بها أي ابن طبيعي. ومن هو الابن الطبيعي لله؟ إنه المسيح نفسه. وبذلك، يشرح بولس هذه الفكرة القوية، ألا وهي أن كل ما منحه الله للمسيح باعتباره ابنه سيؤول إلينا في النهاية باعتبارنا أولاد الله:

أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ. فَإِنْ كُنَّا أَوْلاَدًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا، وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ. (رو 8: 16، 17)

ولذلك فالسمات الأسرية التي تميز أولاد الله هي الألم في هذه الحياة والوعد بالمجد في الحياة الآتية. وهو ما يعني أن المجد يكمن وراء الألم، ولابد أن نتعلم أن نرى الألم باعتباره امتيازًا نحتمله مسرورين بوصفه نتيجة لمركزنا الجديد بصفتنا ورثة الله.

ولكن صورة التبني لا تخاطب العقل فحسب، بل تستحوذ على الخيال والقلب أيضًا. وهي بذلك تدعونا أن نترجمها بشكل تخيلي، ولا نكتفي بفهمها. فالتبني معناه أن الطفل مرغوب فيه، وهو يتضمن أيضًا معنى الانتماء. وهذه قضايا وجدانية عميقة تتلامس مع اهتمامات الكثيرين ومخاوفهم في مجتمعات تزداد انكسارًا يومًا بعد يوم.

فالتبني يعني دعوة الشخص ليدخل في بيئة مُحبة حانية. وهي تعني الترحيب بالشخص والرغبة في وجوده وتقديره . والتبني يقدر امتياز الدعوة التي يتم بمقتضاها الترحيب بشخص من خارج الأسرة وإدخاله في كنف الإيمان والحب.

والصورة التي يرسمها بولس للتبني تتوافق بشدة مع اشتياق الإنسان العميق للانتماء إلى مكان ما. فنحن نحتاج أن نشعر أننا مقبولون ومرغوبون. وتؤكد “سيمون فيّ” كثيرًا في كتاباتها أهمية هذه النقطة.

فهي تشير في كتابها “البحث عن الجذور” The Need for Roots إلى أهمية المجتمعات في تكوين الهوية الشخصية وحمايتها: “قد تمثل الحاجة للجذور أهم احتياجات النفس البشرية ولكنها الأقل حظًا من حيث إدراكها والاعتراف بها.”[28] ويتناول “ولتر بروجمَن” Walter Brueggemann أستاذ العهد القديم المعروف هذه الفكرة بمزيد من العمق عندما يشير إلى أن

الشعور بالضياع والتشرد وفقدان المأوى يسود ثقافتنا المعاصرة. وتوق الإنسان لأن ينتمي لمكان، ويكون له بيت، يحتمي في موضع آمن هو سعي عميق يثير في النفس لهيبًا من المشاعر المتأججة.[29]

ونجاح المسلسل التليفزيوني الأميريكي “في صحتك” Cheers يعكس هذه النقطة على أكمل وجه. وقد بدأ عرض المسلسل الذي تجري أحداثه في حانة في بوسطن سنة 1982 واستمر على مدى 271 حلقة حتى سنة 1993. ويرجع نجاحه الباهر إلى ما خلقه من شعور قوي بالانتماء لجماعة.[30]

فقد كانت الحانة مكانًا للأحاديث الخفيفة والأحاديث الجادة، وكانت ملجأ يرحب بكل من يأتيه، والجميع هناك يعرفك. أما خارج الحانة هناك جموع مجهولة من بشر لا يعرفهم أحد ولا يعرفون بعضهم البعض. ولكن داخل الحانة، أنت شخص مميز، ومهم عند الآخرين، أنت تنتمي لمكان. وقد عبَّرت أغنية المسلسل عن هذا المعنى أوضح تعبير: أنت تريد أن تكون في مكان “كل من فيه يعرف اسمك.”

ويمكن للمدافع أن يستخدم صورة التبني التي يرسمها بولس مشيرًا إلى ما تحمله من معانٍ على مستويات مختلفة. فهي لا تلقي الضوء على ما يعود علينا من موت المسيح وقيامته فحسب، ولكنها تخاطب اشتياق القلب البشري العميق للانتماء.

وهناك صور كتابية أخرى يسهل الاستفادة منها في الدفاعيات، مثل صورة الله الراعي، أو المسيح خبز الحياة. فالدفاعيات تتمتع بصندوق زاخر بالكنوز التي يمكننا الاستفادة منها، وهي تستخدم الخيال باعتباره مدخلاً للنفس البشرية. وينبغي على المدافع الناجح أن يجدد هذا الصندوق باستمرار مضيفًا إليه قصصًا وصورًا جديدة.

خطوة للأمام:

المداخل الأربعة التي تناولناها في هذا الفصل كلها مهمة ويمكن تطبيقها بسهولة في الدفاعيات. إلا أنها مجرد أمثلة توضيحية لا تشمل كل المداخل التي يمكن الاستفادة منها، بل يمكن إضافة مداخل أخرى لها. ومنها على سبيل المثال تجسيد المؤمن لإيمانه في حياته العملية، وهو مدخل يؤدي وظيفة دفاعية مهمة.

فالكثيرون يسألون عن الإيمان عندما يرون أن أصدقائهم يتميزون بشيء غير متوفر لهم، كالشعور بالسلام أو بوجود غرض للحياة، أو الشعور العميق بالحنان والحب للبشر، وهو ما يثير لديهم السؤال: “من أين لهم هذا؟” ويتمنون في أعماقهم أن يتمتعوا بما يتمتع به هؤلاء. ومحبة الله تتجسد وتعلَن عندما يخدم المسيحي الحقيقي العالم المحيط به.

والطريقة التي يتعامل بها المؤمن مع الموت تقدم شهادة مهمة لرجاء القيامة المغير الذي يمثل ركيزة أساسية في الإنجيل. فممارسة الحق في حياتنا العملية هي “دفاعيات متجسدة” تمثل في حد ذاتها شهاد قوية لذلك الحق. أي أننا نحتاج لما هو أكثر من الحجج، نحتاج أن نظهر أن الإيمان المسيحي يغير الحياة ويمنحها قوة، كما أشار المدافع “فيليب د. كنِسون” Philip D. Kenneson في ملاحظة حكيمة قائلاً:

إن ما ينتظره عالمنا، وما تبدو الكنيسة متقاعسة عن تقديمه، ليس الاستمرار في تقديم مزيد من الأحاديث عن الحق الموضوعي، بل شهادة متجسدة تعطي الآخرين سبباً للالتفات لهذا الحق.[31]

علاوة على ذلك، تقدم الحياة المسيحية شهادة مهمة لقدرة الإنجيل على تغيير حياة البشر، فعندما نشهد عن قصتنا الشخصية، نقدم شهادة غير مباشرة على أن الإنجيل حقيقي، وليس صحيحًا فحسب.

ومن السهل إضافة المزيد من الأساليب أو تطويرها حسب القضايا التي يواجهها المدافع أو الاتجاهات الثقافية التي يشعر أنه يجب التعامل معها. ومن الأمثلة الواضحة التي يمكن استخدامها في الدفاعيات من بعض المجالات الفنية والأدبية الأخرى:

  1. الأفلام: ربما يعتبر الفيلم، لما يميزه من المزج بين القصة والصورة، أفضل وسيلة للتواصل مع جيل يطَلِّع على الواقع بطريقة بصرية أكثر منها نَصية. والكثير من الأفلام الحديثة تثير قضايا لاهوتية ودفاعية كبرى، مما يتيح الفرصة لفتح مناقشات دفاعية.
  2. الشعِر: تُعبر الكثير من القصائد عن شعور بالقلق الشديد تجاه الوضع الحالي للعالم، وعن تطلع نحو الهدف الأسمى للبشرية. وليس من الصعب على المدافع أن يحدد بعض القصائد، وكلمات بعض الأغاني المشهورة، التي تتيح الفرصة لإثارة أسئلة أو فتح مداخل للدفاعيات.

  3. اللوحات الفنية: الكثير من الأعمال الفنية الكلاسيكية، ناهيك عن الصور المشهورة، يمكن أن تمثل مداخل دفاعية. فإذا أجريت بحثًا سريعًا على الإنترنت مثلاً ستجد لوحة مشهورة للفنان “إدفارد مونك” Edvard Munch اسمها “الصرخة” The Scream  (1893) يظهر فيها شخص في حالة من اليأس الوجودي المريع لعجزه عن التعامل مع العالم. فكيف نستفيد من هذه اللوحة؟ إنها مدخل ممتاز للدفاعيات، ويمكنك أن تجد الكثير غيرها بسهولة.

الآن وقد اطلعنا على أساليب تساعدنا في إبراز جمال الإيمان المسيحي وربطه بحياة الناس العاديين، لابد أن ننتقل للعثرات والشكوك التي يواجهها الناس في الإيمان وكيفية التعامل معها .

لمزيد من الاطلاع:

Garson, D.A.The God Who Is There: Finding Your Place in God’s Story. Grand Rapids: Baker, 2010.

Johnston, Robert K.Reel Spirituality: Theology and Film in Dialogue، 2nd ed. Grand Rapids: Baker Academic, 2006.

Keller, Timothy J. The Reason for God: Belief in an Age of Skepticism. New York: Dutton, 2008.

Marsh, Clive. Theology Goes to the Movies: An Introduction to Critical Christian Thinking. New York: Routledge, 2007.

McGrath, Alister E. Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things. Louisville: Westminster john Knox, 2011.

Nash, Ronald H. Faith and Reason: Searching for a Rational Faith. Grand Rapids: Academie Books, 1988.

Peters, James R. The Logic of the Heart: Augustine, Pascal, and the Rationality of Faith. Grand Rapids: Baker Academic, 2009.

Piper, John. Think: The Life of the Mind and the Love of God. Wheaton: Grossway, 2010.

Sire, James W. Naming the Elephant: Worldview as a Concpt. Downers Grove, IL: Inter Varsity, 2004.

Wright, N. T. Simply Christian: Why Christianity Makes Sense. San Francisco: HarperSanFrancisco, 2006.

[1] Peter Brown, Augustine of Hippo (London: Faber & Faber, 1967).

[2] Augustine, Confessions V.xiii.23-xiv.25.

[3] James Robert Brown, Philosophy of Mathematics: An Introduction to the World of Proofs and Pictures (London: Routledge, 1999, 71-78); George Bools, “Gödel’s Second Incompleteness Theorem Explained in Words of One Syllable,”, Mind 103 (1994): 1-3.

[4] For a highly influential discussion, see John Lucas, “Minds, Machines and Gödel,” Philosophy 36 (1961): 112-27.

[5] For two good assessments of Schaeffer’s approach, see Thomas V. Morris, Francis Schaeffer’s Apologetics: A Critique (Grand Rapids: Baker, 1987); Bryan A. Follis, Truth with Love: Apologetics of Francis Schaeffer (Wheaton: Crossway, 2006).

[6] Francis Schaeffer, The God Who Is There, Complete Works of Francis Schaeffer, vol. 1 (Westchester, IL: Crossway, 1982), 130.

[7] Ibid., 134.

[8] For a good analysis, see Morris, Francis Schaeffer’s Apologetics, 21-22.

[9] Schaeffer, The God Who Is There, 132.

[10] Ibid., 140.

[11] Ibid., 110.

* metaphysical وتترجم أحياناً إلى “ما وراء الطبيعة” والمقصود كل ما يختص بالبحث الفسلفي في المبادئ أو العلل الأولى للكينونة والمعرفة. (المترجمة)

[12] C. S. Lewis, Surprised by Joy (London: HarperCollins, 2002), 138.

[13] C. S. Lewis, Rehabilitations and Other Essays (London: Oxford University Press, 1939), 158.

[14] See Roy Baumeister, Meanings of Life (New York: Guilford Press, 1991). Baumeister’s analysis of the importance of questions of identity, value, purpose, and agency is of major importance to Christian apologetics.

[15] Hans Frei, The Eclipse of Biblical Narrative: A Study in Eighteenth and Nineteenth Century Biblical Hermeneutics (New Haven: Yale University Press, 1977).

[16] Alasdair MacIntyre, After Virtue (London: Duckworth, 1985), 216.

[17] Baumeister, Meanings of Life.

[18] N. T. Wright, “How Can the Bible Be Authoritative?” Vox Evangelica 21 (1991): 7-32.

[19] N. T. Wright, The New Testament and the People of God (Minneapolis: Fortress, 1992), 132.

[20] See Verlyn Flieger, Splintered Light: Logos and Language in Tolkien’s World (Kent, OH: Kent State University, 2002); Jeffrey L. Morrow, “J. R. R. Tolkien as a Christian for Our Times,” Evangelical Review of Theology 29 (2005), 164-77.

[21] Dan Brown, The Da Vinci Code: A Novel (New York: Doubleday, 2003), 233.

[22] Brown is totally wrong on all these points. See, for example, Bart D. Ehrman, Truth and Fiction in The Da Vinci Code: A Historian Reveals What We Really Know About Jesus, Mary Magdalene, and Constantine (Oxford: Oxford University Press, 2004), 23-24.

[23] The best account of the fabrication of this myth is Massimo Introvigne, Gli Illuminatie il Priorate di Sion (Milan: Piemme, 2005). An English summary of this work is available at http://www.cesnur.org/2005/pa_introvigne.htm.

[24] Philip Pullman, The Good Man Jesus and the Scoundrel Christ (Edinburgh: Canongate, 2010).

[25] You might enjoy reading the interesting study of William G. Johnson and Marcia K. Houtman, “Platonic Shadows in C. S. Lewis’ Narnia Chronicles,” Modern Fiction Studies 32 (1986), 75-87.

[26] For a detailed discussion, see Gail Fine, Plato on Knowledge and Forms: Selected Essays (Oxford: Oxford University Press, 2003).

[27] James C. Walters, “Paul, Adoption, and Inheritance,” Paul in the Greco-Roman World, ed. J. Paul Sampley (Harrisburg, PA: Trinity Press International, 2003), 42-76.

[28] Simone Weil, The Need for Roots (London: Routledge, 2002), 43.

[29] Walter Brueggemann, The Land: Place as Gift, Promise, and Challenge in Biblical Faith, 2nd ed. (Philadelphia: Fortress Press, 2002), 1.

[30] Bill Carter, “Why ‘Cheers’ Proved So Intoxicating,” New York Times, Sunday, May 9, 1993.

[31] Philip D. Kenneson, “There’s No Such Thing as Objective Truth, and It’s a Good Thing, Too.” Christian Apologetics in the Postmodern World, ed. Timothy R. Phillips and Dennis L. Okholm (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 1995), 155-70.

المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

لماذا يختبئ الله ولا يتكلم معي؟ James Bishop

لماذا يختبئ الله ولا يتكلم معي؟ James Bishop

لماذا يختبئ الله ولا يتكلم معي

يطرح الناس هذا السؤال لان الله لم يظهر لهم بالطريقة التي تناسب فكرهم .او بالمعني الصحيح التي يجب عليه ان يُظهر ذاته لهم بناءاً علي متطلباتهم .فلا يتساءل هؤلاء هذا السؤال لماذا ” ؟لماذا يتوجب علي الله الظهور لاي شخص بالطريقة التي يريدها الشخص نفسه؟ فهل الامر هو حقاً واجب علي الله ظهوره للناس بحسب الطلب والهوي؟ وهل الله لم يضع الكون ليشهد عن وجوده بشكل كافي .فكما يذكر الكتاب المقدس وضع العالم ليشهد عن الله ؟ فالاجابة علي هذا السؤال نقول نعم .فالامر ايضاً يتطلب ايمان ولا ينبغي ان نتجنب الناحية الايمانية ونتجاهلها .يوضح الكاتب والمبشر رافي زكرياس الاتي .

” جعل الرب العالم بشكل كافي لندركه ولنؤمن به وهو الشئ الاكثر منطقية . و تَرَك منه ما يجعل الحياة بالمنطق المُجرّد أو المُلاحظة وحدها مُستحيلاً.” (1)

فيسوع نفسه تكلم عن الشق الايماني في مرقس 10 : 52 , متي 17 : 20 . وكان يحزن حينما يجد القلوب الفاتره لديها نقص ايماني كما جاء في مرقس 6 : 5 . ويتكلم بولس الرسول ايضاً عن الايمان ويؤكد عليه رومية 1 : 17 . وايضاً يتكلم في موضع اخر بما قام به الله لنا من خلال يسوع .في رومية 10 : 10 .ففي الواقع لا يمكن فصل الايمان في الاعتقاد بالله . فبدون ايمان لا يمكن ارضاؤه كما جاء في عبرانين 11 : 6 .هذا هو السبب في لماذا الله لا يظهر ذاته لأولئك الذين يرغبون في ذلك . فالايمان هو السعي الي الله والدخول في علاقة حقيقية معه .

ثانياً الله غير مختفي بالفعل .هو يبدوا انه مخفي في الطريق الذي نتوقع منه وجوده .وعلينا ان نتذكر اننا نطرح هذا السؤال لان الانسان انفصل عن الله كما يخبرنا التكوين 3 : 17 وهذا نتيجة السقوط ومع ذلك كشف الله لنا عن نفسه من خلال يسوع الناصري .فيسوع يقف في قلب التاريخ ليراه الجميع .ففي الواقع خدمة يسوع تخضع للاستكشاف التاريخي والحقيق وهي لب ومنبع حقيقة المسيحية .يفسر لنا المؤرخ Jaroslav Pelikan هذا قائلاً :-

“بغض النظر عن أي شخص قد نعتقد او نفكر فيه .كان يسوع الشخصية الاكثر بروزاً في تاريخ الثقافة الغربية لما يقرب من عشرين قرناً .وايضاً التقويم وبجوار اسمة يلعنه كثيرين وبجواء اسمة يصلي ايضاً كثيرين “

وانا لا اعتقد ان هذا الامر ليس صدفة .فالله بالفعل وضع بصمته في التاريخ لنراه .واعتقد ان المرء قبل ان يذهب الي انكار الله ان يذهب ليري بصمت الله في التاريخ من خلال يسوع المسيح .

فالله منظور لنا في العالم المادي .كما جاء في رومية 1 : 20 لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات، قدرته السرمدية ولاهوته، حتى إنهم بلا عذر. كتب Fred Hoyle عالم الفلك الانجليزي الشهير ذات مره “

“A common sense interpretation of the facts suggests that a superintellect has monkeyed with physics, as well as with chemistry and biology, and that there are no blind forces worth speaking about in nature. The numbers one calculates from the facts seem to me so overwhelming as to put this conclusion almost beyond question”

“الحس السليم في شرح الوقائع يشير الي ان superintellect عله تتحكم بقوانين بالفيزياء بالتوازي مع الكمياء بالتوازي مع الاحياء.وانه لا توجد قوي عمياء تستحق ان نتحدث عنها في الطبيعة.الارقام والحسابات من ضمن الحقائق الهائله التي تجعل هذا الاستنتاج غير قابل للشك ” (2)أأيسيسييسي

 

فلم يكن هناك قوه عمياء تتحكم في الطبيعة واسفرت عن وجود هذا التصميم .ولا يوجد بديل لله ليفعل ..!َ

وبولس يخبرنا ان الله كشف لنا عن ذاته من خلال ضمائرنا كما جاء في رومية 2 : 15 الذين يظهرون عمل الناموس مكتوبا في قلوبهم، شاهدا أيضا ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكية أو محتجة،ونحن نعلم جميعاً ان الضمير هو الاحساس الاخلاقي تجاه ما هو شر وما هو خير لذلك يعرف ب moral realism الواقعية الاخلاقية .علي الرغم ان بعض الناس تحاول ان تقتل ضمائرهم لانه في وجهة نظرهم يضعفهم في العالم.لكن ايضاً صورة الله انطبعت داخلنا لاننا علي صورته كما جاء في تكوين 1 : 17 ويوضح الفيلسوف ويليام كريج . ” انه في حاله عدم وجود الله لم يكون هناك معايير موضوعية للحق والباطل (3)

وتكلم الرب مع انبياءه بشكل واضح فلم تكن الصوره المادية هي المرجوه فقد تعامل الله مع شعب بني اسرائيل بما هو مادي فما ان تاخر موسي صنعوا العجل ليعبدوه ..! فليس المقياس الصوره المادية .

فيتسائل البعض لماذا لا يتكلم الله بصوت مسموع اليوم ؟

ذلك لان الله تحدث بالفعل عن طريق الوحي الكتابي فلدينا كلمات الله .والوحي قد اكتمل الآن ووصل الي ما وصل اليه .لكن هل لا يزال الله يتكلم ايضاً بعيداً عن الكتاب المقدس ؟ بالطبع يستطيع ان يحدث الينا من خلال روحة القدوس . واشهد انا علي هذه الحقيقة وساكتب عليها فيما بعد .وعلي اي الاحوال متي اراد الله واين اراد الله ان يتكلم هو امر يخص مشيئته.وايضاً الخطية لها دور مهم في هذا الموضوع فالشخص الغير تائب الواقع في الخطية لا يري الله فتكرار الخطايا تصيبة بالصمم وتبعد الانسان عن علاقة حقيقية مع الله .

وفي الختام نقول

ان الله تحدث من خلال وسائط متعدده الي البشرية في ملئها .” الكون المادي , الكتاب المقدس , الضمير الاخلاقي ” واكثر هذه الوسائل حسماً هو يسوع التاريخي .فعندما نشعر انه غير موجود وانه لا يهتم حينما نصلي بصدق له هذا استنتاج .لكن هو قريب فكما جاء في ارميا 29 : 13 وتطلبونني فتجدونني إذ تطلبونني بكل قلبكم .فالرب يتمم ما هو صالح حسب مشيئته. فالانسان يري الظلمة ولا يري النور في اوقات الاحتياج

واختم بمقوله فرانسوا فاريون

“اثنان يتميزان بالخساسة عندما يعطي الله فنمدحه وعندما يحجب الله فنسخط عليه “

المراجع

  1. Ravi Zacharias. 2004. The True Face of Atheism. p. 115.

  2. Hoyle, F. 1981. ‘The Universe: Past and Present Reflections’ in Engineering and Science. p. 8–12,
  3. Craig, W. Can We Be Good Without God
  4. Pelikan, J. Jesus through the Centuries.

اللاهوت فى فكر البابا اثناسيوس الرسولى

اللاهوت فى فكر البابا اثناسيوس الرسولى

اللاهوت فى فكر البابا اثناسيوس الرسولى

اللاهوت في فكر البابا أثناسيوس الرسولي
يُعتبر البابا أثناسيوس الرَّسولي المركز الذي كانت تدور حوله الكنيسة واللاهوت في العصر النيقاوي ، لذلك لُقِب بأبو الأرثوذُكسية ، ودُعِيَ بالمِنبر الأعظم وحجر الزاوية في الكنيسة المُقدسة، وأسقف الأساقِفة رأس العالم رأس كنيسة الأسكندرية .

فهو الذي جعل للتعليم اللاهوتي الأرثوذُكسي قانون مُتكامِل ، جاهد واضطُهِد ونُفِيَ لكي يُرسيه ، وكان اللاهوت يتدفق من قلب أثناسيوس فجاء قوياً أمام الفلسفات والأفكار الذاتية ، ولا يندرِج المنهج اللاهوتي عنده تحت مفهوم المعارِف والعلوم والثقافات ، بعد أن أصبح الكتاب المُقدس عنده خبرة حيَّة مُعاصِرة للكنيسة في زمانه ، لذا تغيَّر مفهوم الخلاص في تقليد الأسكندرية ذاتها ، بعد أن شابته المعرِفة والثقافة اليونانية على يد إكليمنضُس وأوريجانوس السكندريين .

تميَّز اُسلُوب أثناسيوس الرَّسولي بكونهِ تعليمياً أكثر منه جَدَلِياً هجومياً ، لأنه راعِ يعلم رعيته ، وإن كان من البيِّن أنَّ البابا أثناسيوس كان يستخدِم الاُسلُوب الهجومي الجَدَلي ضد الأريوسيين بهدف تعليم الشعب، لذلك نقرأ كِتابات لاهوتي عظيم يتكلَّم بأبسط اُسلُوب يتناسب مع شعبه .

اعتقد أنَّ الأسفار المُقدسة كفيلة بحد ذاتها أن تُعلِن الحق (1) ، وأنها كافية جداً لنا ، وحوَّل كل فِكْر وثقافة لخدمِة أبحاثه اللاهوتية ، بعد أن تسلَّم حياة وتراث الآباء والعُلماء السابقين له ورأى استشهاد البابا بطرُس خاتِم الشُّهداء ، فأي تعليم لاهوتي هذا الذي تسلَّمه لينمو في وُجدانه الروحي والإيماني واللاهوتي ، على مستوى العِشرة بالخبر والإيمان والعيان والتلمذة والحق والاعتراف وشهادِة الدم .

وكما ارتبطت الكلِمة ( كيريجما ) باللاهوت الأثناسياني ، كذلك ارتبطت الشهادة ( مارتيريا ) أيضاً به ، لكي يشهد ويُدافِع أثناسيوس عن ما رأى وما سمع ، وارتبطت الثيولوچيا عنده بالتلمذة بعد أن تتلمذ للبابا ألكسندروس وعاين اعتراف وشهادِة البابا بطرس خاتِم الشُّهداء ، ليشهد بضمير صالِح مُتوهِج ويعترِف في نيقية ضد الأرواح المُضِلَّة والهرطقة الآريوسية .

تشكَّل لاهوت أثناسيوس الرَّسولي على أساس التلمذة النُّسكية على يدي العظيم الأنبا أنطونيوس أبو الرهبان في العالم كله فكان لاهوت أثناسيوس مبنياً على الإنجيل والآباء والنُسك وشهادِة الدم والتلمذة ، إنها رسالِة حب لا رسالِة تعليم ، وهكذا كان تأثير الرهبنة والنُّسك على شخصيِة البابا أثناسيوس تأثيراً عميقاً….

فاتسمت حياته بالفضيلة والجهاد ، وارتبط اللاهوت عنده بالذُّكصولوجيا أي التَّسبيح ، حتى صار الاتجاه النُّسكي البتولي وحياة التَّسبيح والعِفة خطاً رئيسياً في كِتاباته ، لا كلاهوتي يشرح عقيدة بل كمؤمِن يشهد لِمُخلِصه ، ومن أشهر كِتاباته اللاهوتية ” ضد الوثنيين “ و” تجسُّد الكلِمة “ .

كان أثناسيوس في نيقية ( 325م ) أعظم المُرافقين للأساقِفة ، وهو الذي انتصر بصورة أساسية في ثِقته بالمسيح الذي كان يُدافِع عنه ، فكان يملُك الحقيقة لا في عقله ولا في لِسانه فحسب بل في قلبه ، في شخص يسوع المسيح الذي كان يتكلَّم فيه بروحه القدوس عند افتتاح فمه .

وضع مُصطلحات لاهوتية لقطع خط الرجعة على الهراطِقة ، وهو صاحِب اصطلاح Homoousion ( أي واحِد مع الآب في الجوهر ) ، فنادى به على مستوى الإيمان والأمانة ولا يمكن أن نفصِل اسم أثناسيوس الخالِد أبداً عن عقيدِة الثَّالوث ( التريادولوچا ) التي كرَّس حياته لأجلها .

إنَّ أخر مفهوم أوريجاني في الثيولوچيا كان التريادولوچا ( الثَّالوث ) ، وبالنسبة للقديس أثناسيوس كانت التريادولوچا هي الكلِمة الأولى ، إذ كان تعليم الثَّالوث هو أساس وركيزة اللاهوت الذي دافع عنه البابا أثناسيوس وعمَّقه ، انطلاقاً من مقولته الشهيرة :

الله نفسه قد دخل بشريتنا

وهذه الركيزة اللاهوتية جاءت نتيجة الظروف التاريخية لقيام الجدل اللاهوتي الذي أثاره الأريوسيون وأصحاب بِدعِة ” مقاومة الروح القدس “ أبوليناريوس ومقدونيوس .
وكانت المقولة الحاسِمة في تعليم القديس أثناسيوس اللاهوتي ، والتي صارت من أقواله المأثورة في العقيدة المسيحية على مر الدُّهور ، هي تلك التي وردت في مبحثه الأوَّل ضد الأريوسيين حيث أعلن قائِلاً :

” يكمُل اللاهوت في الثَّالوث “
وهذه هي فقط ” التقوى الحقيقية “ بلهذا هو ” الصَّلاح والحق “ (2) .

وكان يُعرِّف التقوى من خلال موقِف اليهودية العبرانية ، أمَّا اشارته إلى الصَّلاح والحق فتتضمن موقِف الفلسفة الهيلِّينية أو اللاهوت الفلسفي Philosophical Theology .
اعتبر القديس أثناسيوس أنَّ الثيولوچيا التريادولوچية هي نقطة البدء ، لذلك رأى أنها ” قاعدة وأساس إيمان الكنيسة “ (3) .
إنه ” الإيمان الذي أعطاه الرب نفسه والذي كرز به الرُّسُل لذلك حفظهُ الآباء الإيمان الذي عليه قد بُنِيَت الكنيسة “ .

وفي رسالته إلى الأسقف سِرابيون يُعلِن :
” الرب يسوع المسيح نفسه علَّم تلاميذه كمال الثَّالوث القدوس ، القائِم بلا انقسام في اللاهوت الواحِد “ (4) .
وفي لاهوته الثَّالوثي يُؤكِد على وِحدانيِة الثَّالوث ( ثالوث في واحِد وواحِد في ثالوث ) .

ويُؤكِد على ثالوث أقانيم الآب والابن والروح القدس ووحدِة الكيان والعمل ( أنرچيا )
للأقانيم الثَّلاثة ، وكانت انطلاقته الأولى في استعلان الثَّالوث في الإيكونوميا الخلاصية ، والتي تعني مفهوم لاهوت التدبير الخلاصي الذي أتمُّه الثَّالوث القدوس وأيضاً تُشير إلى استعلان الله في المسيح .

وفي الإيكونوميا يشترِك الثَّالوث في تناغُم وانسجام ووحدة Unison :

فالآب يُخلِّص
والابن يُخلِّص
والروح القدس يُخلِّص
بمعنى أنَّ الثَّالوث القدوس قد استُعلِن في عملٍ واحِد ، ووحدِة العمل هذه تُشير إلى وحدِة كيان الله .

فالله لا تحِدُّه مفاهيم ولا تحصُره ادراكات العقول البشرية ، لكنه يُعرف بأعماله واعلانه ، فنحن نعرِف أنَّ الله كائِن لأننا نعرِف أنَّ الله يعمل ، أباً وابناً وروح قدس ، لكننا نعرِف أيضاً أنَّ الآب والابن والروح القدس ليسوا ثلاثة آلهة بل إله واحِد ، لأنَّ عمل الآب لا يختلِف عن عمل الابن ولا عن عمل الروح القدس ، أخيراً لا الآب ولا الابن ولا الروح القدس يختلِفون في الكيان أو الجوهر ، فليس الآب أعظم من الابن أو الروح القدس ، ولا الابن أدنى من الآب ( فليس كل اُقنوم أدنى من الآخر أو أنَّ الأقانيم هي مجرد حالات أو ظواهِر مختلِفة ) ( حسب قول المُبتدِع سابيليوس ) .

قاوم البابا أثناسيوس الأفلاطونية بنظريتها في الثَّالوث المُتدرِج ( غير المُتساوي ) (5)، فكل من يفصِل الابن عن الآب ، أو من يُدنِّي الروح القدس لا يكون له الآب ولا الابن ، وهو بلا إله ، ويكون أشر من غير المُؤمِن ، ولا يُحسب أنه مسيحي ، لأنَّ الإيمان بالثَّالوث المُسلَّم إلينا يُوحِّدنا بالله (6) .

ومن ثمَّ فلتأكيد وحدِة الأقانيم الثَّلاثة ولتأكيد ثالوثيِة الجوهر الواحِد لا يليق أن يُعرف أو يُحدَّد اُقنوم باُقنوم آخر ، لكن الإنسان قد يتساءل حينما يقرأ مقولِة القديس أثناسيوس والتي قد يُفهم منها أنَّ الابن أدنى من الآب كقوله ” الآب هو الأصل أو المبدأ الأوَّل للابن بينما
الآب لا مبدأ له “ أو حينما يقول ” الروح القدس ينبثِق من الآب ويستقِر في الابن أو أنه روح الابن أو أرسله الابن “ .

ويُؤكِد البابا أثناسيوس أنَّ هذه المقولات غير انعكاسية أي لا يمكن الرجوع فيها ، لأنَّ الاجابة على زعم البعض بأنَّ أقوال القديس تتضمن ولو شُبهِة التدني أو التدرُّج أو المرؤوسيةSubordinationism، هي بالقطع النفي التام للأسباب التالية :

الآب هو مبدأ الابن ( Ẩρχή ) بسبب الاستعلان ، لأنَّ الآب لا بِداية له ، فهو بحسب تعبير القديس أثناسيوس ” آنارخوس آرخي “ (Ẩναρχοσάρχή ) ” أي البدء الذي لا بدء له “ .
الابن غير مخلوق أي ” أجنيتوجنيس “ ( Ẩγενητογενήσ ) وهي صِفة يعود استخدامها إلى البابا ألكسندر بطريرك الأسكندرية ألـ 19 ، الذي خَلَفَهُ البابا أثناسيوس الرَّسولي على الكرسي المرقُسي الأسكندري .

ونرى نفس الفِكر مُتعمِقاً في الإبنڤماتولوچيا ( لاهوت الروح القدس ) ، فالروح القدس ليس أقل Inferiorمن الابن لأنه مُرسل من الابن ، أيضاً ليس الابن أقل من الآب لأنه أرسله وفي الحقيقة الروح القدس يُعطى للابن من الآب ، وهو ينبثِق من الآب ليستقر في الابن ، ولكنه ليس أقل من الآب أو الابن ، لأنه يُعلِن الابن ويُعلِن الآب حقاً ، فالروح القدس يُكمِل لاهوت الثَّالوث He Completes the Theology of the Trinity .

وفي رسالِة القديس الأولى إلى سِرابيون الأسقف يقول :
” إذاً يوجد ثالوث قدوس وكامِل ، نعترِف بأنه الله الذي هو الآب والابن والروح القدس ، لا شئ فيه غريب أو خارِج عن طبيعته ، لا يتألَّف من واحِد يخلِق وواحِد مخلوق بل كله خالِق ، جوهره بسيط وغير مُنقسِم وعمله واحِد “ ( Consistent and in nature indivisible and its activity is ONE ) .

فالآب يصنع كل شئ بالابن اللوغوس في الروح القدس ، هكذا تظِل وحدِة الثَّالوث القدوس محفوظة ، والكنيسة تكرِز بإله واحِد : الذي هو فوق الجميع وبالجميع وفي الجميع : هو فوق الجميع أباً فهو البداية وهو الأصل ، وبالجميع باللوغوس الكلِمة ، وفي الجميع في الآب لا مبدأ له “ أو حينما يقول ” الروح القدس ينبثِق من الآب ويستقِر في الابن أو أنه روح الابن أو أرسله الابن “ .

ويُؤكِد البابا أثناسيوس أنَّ هذه المقولات غير انعكاسية أي لا يمكن الرجوع فيها ، لأنَّ الاجابة على زعم البعض بأنَّ أقوال القديس تتضمن ولو شُبهِة التدني أو التدرُّج أو المرؤوسيةSubordinationism، هي بالقطع النفي التام للأسباب التالية :

الآب هو مبدأ الابن ( Ẩρχή ) بسبب الاستعلان ، لأنَّ الآب لا بِداية له ، فهو بحسب تعبير القديس أثناسيوس ” آنارخوس آرخي “ (Ẩναρχοσάρχή ) ” أي البدء الذي لا بدء له “ .
الابن غير مخلوق أي ” أجنيتوجنيس “ ( Ẩγενητογενήσ ) وهي صِفة يعود استخدامها إلى البابا ألكسندر بطريرك الأسكندرية ألـ 19 ، الذي خَلَفَهُ البابا أثناسيوس الرَّسولي على الكرسي المرقُسي الأسكندري .

ونرى نفس الفِكر مُتعمِقاً في الإبنڤماتولوچيا ( لاهوت الروح القدس ) ، فالروح القدس ليس أقل Inferiorمن الابن لأنه مُرسل من الابن ، أيضاً ليس الابن أقل من الآب لأنه أرسله وفي الحقيقة الروح القدس يُعطى للابن من الآب ، وهو ينبثِق من الآب ليستقر في الابن ، ولكنه ليس أقل من الآب أو الابن ، لأنه يُعلِن الابن ويُعلِن الآب حقاً ، فالروح القدس يُكمِل لاهوت الثَّالوث He Completes the Theology of the Trinity .

وفي رسالِة القديس الأولى إلى سِرابيون الأسقف يقول :
” إذاً يوجد ثالوث قدوس وكامِل ، نعترِف بأنه الله الذي هو الآب والابن والروح القدس ، لا شئ فيه غريب أو خارِج عن طبيعته ، لا يتألَّف من واحِد يخلِق وواحِد مخلوق بل كله خالِق ، جوهره بسيط وغير مُنقسِم وعمله واحِد “ ( Consistent and in nature indivisible and its activity is ONE ) .

فالآب يصنع كل شئ بالابن اللوغوس في الروح القدس ، هكذا تظِل وحدِة الثَّالوث القدوس محفوظة ، والكنيسة تكرِز بإله واحِد : الذي هو فوق الجميع وبالجميع وفي الجميع : هو فوق الجميع أباً فهو البداية وهو الأصل ، وبالجميع باللوغوس الكلِمة ، وفي الجميع في بين سِر اللاهوت Theology والتدبير Economy …..

فالله كائِن بذاته موجود وغير مُتغيِر وغير خاضِع للزمن وغير قابِل للموت أو الفساد ، أمَّا العالم فمخلوق مُستمَدْ من إرادِة الله مُتغيِر ومُعرَّض للفساد ، وكلِمة الله هي عِلِّة الخلق ، وهناك صِفات ذاتية كيانية في الله وهي الصِفات الجوهرية : الآب والابن والروح القدس ، إنه سِر العِبادة الأعظم ( ثلاثة في واحِد ) وهنا يُؤكِد البابا أثناسيوس على علاقِة الثيولوچيا بالتريادولوچيا .

ولاهوت الابن هو لاهوت الآب ، لذلك فهو غير مُنقسِم ، لأنه يوجد إله واحِد ، والأُبوة والبُّنوة في الله ليست مُرتبطة بالمادة ولا بالتصورات الزمنية ولكنها حقيقة دينامية إينارچية ، لها قُدرة وتواجُد معاً ، الابن غير مُفترِق عن الآب ، ولم يكن زمان قط كان فيه الابن غير موجود ، ولكنه دائِماً أبداً صورِة الآب وشُعاعه وله أزليِة الآب .

ويرى البابا أثناسيوس أنَّ من يُؤمِن بالآب يعرِف الابن في الآب ، وهو لا يعرِف الروح القدس بدون الابن ، وذلك يُؤمِن أيضاً بالابن والروح القدس لأنَّ لاهوت الثَّالوث واحِد وقد اُعلِنَ من واحِد ، أي من الآب …. فالإيمان بالثَّالوث يُوحدنا بالله ، لأنَّ المعمودية تتم باسم الثَّالوث ، ويوجد إيمان واحِد في الثَّالوث ، هكذا أيضاً الثَّالوث القدوس مُتساوي مع ذاته ، ومُتحِد بنفسه في وِحدة غير مُتجزِئة ، والإيمان به إيمان واحِد .

وهذه الأقوال الدقيقة الشارِحة للاَّهوت الثَّالوثي تتكرر بمضمونها وإن لم يكن حرفياً في كل أقوال الآباء الذينَ أقامهم الله آباء ورُعاة ومُعلِّمين في الكنيسة المُقدسة بعد نياحِة القديس العظيم الأنبا أثناسيوس الرَّسولي حامي الإيمان .

واللاهوت الثَّالوثي يختلِف تماماً بل ويُضاد ذلك الفِكر اللاهوتي الوحداني الصِرف Monistic Theology ( الفِكْر الأُحادي ) ، مثل بِدعِة السبليانية التي تعتبِر الآب والابن والروح القدس ثلاثة مظاهِر أو أشكال لإله واحِد Modelism أو مِثْل ما يُسمَّى باللاهوت التَّعدُدي الجموعي Pluralistic Theology مثل الفلسفة الهيلينية التي تخلِط بين الله وعناصِر العالم ، فينشأ عن هذا الخلط ” تأليه الكون “ ، وهو مذهب وحدِة الوجود ( أي أنَّ الله والطبيعة شئ واحِد ) .

لكن لاهوتنا الثَّالوثي الذي نُؤمِن به يُقرِّر أنَّ كل اُقنوم من أقانيم الثَّالوث إله كامِل ، والأقانيم الثَّلاثة إله واحِد وليسوا ثلاثة آلِهة ( بل لاهوت واحِد أزلي في الثَّالوث ومجد واحِد للثَّالوث ) (11) .
والأقانيم الثَّلاثة مُتميِزة Distinct ومع هذا فإنَّ تمايُزها ليس عائِقاً لوحدانيِة جوهرها .

ويليق بنا أن نعرِض هنا النص التالي بغرض توضيح مفهوم تمايُز الأقانيم الثَّلاثة في الثَّالوث القدوس ، في منظور القديس أثناسيوس اللاهوتي ، وهو نص وَرَدْ في ردُّه الأوَّل على الأريوسيين ، يدحض التثليث الأريوسي المرفوض الذي قام على اعتبارات عقلانية وقياسات منطِقية ( Syllogisms ) :

” إن قُلنا أنَّ اللوغوس كان منذ الأزل مع الآب ، لكنه ليس ابنه ، فإنَّ شُكوك الأريوسيين المزعومة قد تبدو مقبولة بحسب ظاهِرها ، لكن بينما نحن نقول أنه أزلي ، نعترِف أيضاً إنه ابن من الآب فكيف يكون المولود أخاً لمن ولده ؟ ..

ما هذا إلاَّ زعم يهودي المنشأ … لأنَّ الآب والابن لم يُولدا من أصل سابِق الوجود حتى نعتبرهُما أخين ، لكن الآب وَلَدَ الابن ، والآب هو الآب ، والابن هو الابن ليس أخاً بل دُعِيَ ابن الآب الأزلي ، وحقاً قد دُعِيَ كذلك لأنَّ جوهر الآب لم يكن أبداً ناقِصاً ، ليس كما في حالِة ميلاد إنسان من إنسان قد وُلِدَ الابن الوحيد من الآب ، حتى يبدو لاحقاً للآب في الوجود بل هو مولود الآب بالطبيعة منذ الأزل “ (12) .

وهكذا أكَّد القديس أثناسيوس على الثَّالوث الأزلي ( Eternal Trinity ) في مواجهة ذلك الفِكْر الأريوسي الذي يخضع لمقاييس وأبعاد الزمن ، فيصير لاهوتاً ناقِصاً تحكمه معايير التدني والتَّبعية والمرؤوسية (Subordinationist ) (13) .

فأريوس يُعلِّم ويزعُم أنَّ الله في البدء كان واحِداً وحيداً ( موناد Monad ) ، لكنه فيما بعد خلق الابن !! وفيما بعد أيضاً أوجد الروح القدس !! وهكذا تحدَّدت معالِم فِكْر أريوس الهرطوقي والمُبتدِع عن تلك الوحدانية الأنطولوچية الإغريقية .

لكن الله هو الواحِد الغير مخلوق البِدء الأزلي وأصل كل الأشياء الذي لا يتغيَّر ، الأبدي ، ولا صيرورة فيهBecoming .

يزعم أريوس أنه : حينما نقول أنَّ الابن مولود والروح القدس مُنبثِق ، فكإننا نقول أنَّ كيان الله ” يصيرBecomes “ ، والصيرورة دائِماً ما تكون في الزمان وتقبل التغيير ، وعلى هذه المُقدمات المنطِقية العقلانية رفض الأريوسيون تعليم الكنيسة المُستقيم عن الابن الأزلي ، وعن انبثاق الروح القدس الأزلي ، وقد أعاقهم مفهومهم الأفلاطوني الجامِد ( الإستاتيكي ) عن الكيان الإلهي عن رؤيِة أيَّة ” حركِة حياة “ داخل الله ، بمعنى أي سِر شخصس ( Personal mystery ) .

وقد اعتاد القديس أثناسيوس أن يُشكِّل إيمان الكنيسة افتراضاته الفلسفية ويصيغ تعليمه ، فدحض هرطقِة المُبتدِع أريوس ، والتي تتعلَّق بأزليِة الابن ، والتي حصرها أريوس الهرطوقي في بُنوة لها معنى الصيرورة والمخلوقية (14) .
ويُحاجج القديس أثناسيوس ليُميِز بين :

الميلاد
Generation
والخلق
Creation

مُستنِداً إلى التعليم الإنجيلي للكتاب المُقدس ، فحال كون الابن مولوداً لا تُساوي على الاطلاق كونهِ مخلوقاً ، فالمولود ميلاداً إلهياً مولود بالطبيعة ، بينما المخلوق خُلِق من عدم ، وميلاد الابن يخُص الطبيعة الإلهية ، ولهذا يختلِف عن أي ميلاد بشري ، فالطبيعة الإلهية أزلية ومن ثمَّ وَجَبْ أن يكون الميلاد الإلهي أزلياً ، أمَّا الميلاد البشري فلا يمكن أن يحدُث إلاَّ في الزمن ، لأنَّ الطبيعة البشرية قد خُلِقت وتوجد في الزمن ، أيضاً الطبيعة البشرية يحكُمها المكان لأنها توجد في المكان ولها مظهر جِسداني محدود..

لكن الكيان الإلهي غير جسداني وبسيط لا يحِدُّه زمان ولا مكان ، وهو غير مُدرك ومن ثمَّ فكيفية الميلاد الأزلي غير مُدركة ، وِدفاع الكنيسة عن الميلاد الأزلي للابن ليس دِفاعاً مبنياً على أُسُس عقلانية كما لو كانت الكنيسة تقدِر أن تُدرِك كيفية هذا الميلاد الإلهي أو تُثبِته ، لكنه دِفاع قد قام في الكنيسة لأنها قد تسلمته من الرب نفسه من خلال رُسُله القديسين ، وقد استُعلِن في الاختبار التاريخي لاستيعاب الكنيسة لحق الاستعلان الإلهي (15) .

وفي ( ضد الريوسيين 2 : 58 ) ، يقول القديس أثناسيوس :
” يُحدِّد الكتاب المُقدس الفارِق بين ميلاد الابن وخلقِة الأشياء ويكشِف أنَّ وحيد ” الآب ” هو ابن لم يبدأ من أي بِدء لكنه أزلي ، لكن الشئ المخلوق ، إذ هو عمل خارجي من أعمال الخارِج ، يبدأ في أن يكون له وجود من لا وجود ، ولهذا فإنَّ القديس يوحنا حينما سلَّمنا التعليم الإلهي اللاهوتي عن الابن – وهو مُدرِك للفارِق في العبارات والمُسميات –

لم يقُل ” في البدء صار ” أو ” خلق ” ، لكنه قال ” في البدء كان اللوغوس “، حتى نفهم ” الميلاد ” بواسطة لفظِة ” كان ” لا بمفهوم وجود مسافة زمنية تفصِل الابن عن الآب لكن حتى نُؤمِن أنَّ الابن كائِن أزلياً وعلى الدوام “ .

وفي ( ضد الأريوسية 2 : 57 ) ، يتحدَّث القديس بطريقة مُماثِلة :
” للأعمال بِداية عند خلقها أو عملها ، وبِدايتها تسبِق صيرورتها ، لكن اللوغوس ليس من الأشياء التي خُلِقت أو صارت بل هو ذاته خالِق كل الأشياء التي لها بِداية ، أيضاً تُقاس كينونِة المخلوقات بمعيار صيرورتها ، لأنَّ الله قد بدأ في خلقها باللوغوس من بدايِة ما حتى نعرِف أنها لم تكن موجودة قبل خلقِها ، لكن اللوغوس لا يستمِد كيانه من بِدء آخر غير الآب ، الذي هو بلا بِداية ومن ثمَّ كينونِة الابن بلا بِداية في الآب ، لأنه وحيده وليس مخلوقه “ .

وبالنسبة للبابا أثناسيوس كان نُكران أريوس الهرطوقي للاهوت الابن يتضمن أيضاً بالتبعية نُكران لاهوت الثَّالوث ، الذي لا يقِل أبداً عن الالحاد ونُكران الله !! لأنَّ لاهوت الثَّالوث هو الحق (16) The Theology of the Trinity is the truth .

وفي رِسالته الأولى إلى سِرابيون الأسقف يقول : ” أنَّ الأريوسيين بنُكرانهم للابن يُنكِرون يُنكِرون الآب وأيضاً هؤلاء المُبتدِعون مُقاوِمو الروح القدس بحديثهم الشِّرِّير عن الروح القدس يتحدَّثون بالشَّر عن الابن ، وقد وزَّع الفريقان فيما بينهما الضَّلالة ضد الحق ، ففريق منهم يُقاوِم الابن والآخر يُقاوِم الروح القدس وصار كلاهما يُجدِّف نفس التجديف ضد الثَّالوث “ .

ثم يستخدِم القديس أثناسيوس لغة قوية فيما بعد : ” ظهر الثَّالوث كامِل وغير منظور ، القدوس الأزلي الواحِد ذو الطبيعة التي لا تتغيَّر ، والإيمان بالثَّالوث الذي سُلِّمَ إلينا يُشرِكنا بالله ، وذاك الذي ينفصِل عن الثَّالوث مُعتمِداً باسم الآب والابن دون الروح القدس لا ينال شيئاً، بل يبقى كما هو خامِلاً بلا مفاعيل هو والذي يُحاكيه …

ومن يفصِل الابن عن الآب أو الذي ينزِل بمستوى الروح القدس إلى الخليقة ، ليس له الابن ولا الآب بل هو مُلحِداً وأسوأ من غير المُؤمِن بل هو شئ آخر غير صِفة ” مسيحي ”، هو بالحق كذلك لأنه كما أنَّ المعمودية المُعطاه في الآب والابن والروح القدس هي معمودية واحِدة ، وكما أنَّ الإيمان في الثَّالوث كما قال بولس الرسول هو إيمان واحِد ، هكذا أيضاً الثَّالوث القدوس حال كونه مُماثِلاً لذاته مُتحِداً بذاته ليس فيه شئ من الذي يخُص المخلوقات ، وهذه هي وحدِة الثَّالوث التي لا تنفصِم ، وهذا هو الإيمان الواحِد “ (17) .

ومن أساسيات تعليم القديس أثناسيوس عن الثَّالوث القدوس ، هو الاعتراف النيقاوي بوحدانِيِة الجوهرỎμοουσιοστώConsubstantiality ، والتي تأكدت أوَّلاً من جهة الابن مع الآب ( خاصة في ضد الأريوسية وكتاب المجامِع De Synodis وكتاب الإيمان (( العقيدة )) De Decretis والأعمال الأخرى ضد الأريوسيين ) ثم من جهة الروح القدس مع الابن ومن ثمَّ مع الآب .

وكان جهاد القديس أثناسيوس الأساسي ضد الأريوسيين ومُقاوِمي الروح القدس Pnevmatomachiansفي دِفاعه عن وحدانِيِة الجوهر homoousion . فاللاهوت الذي يخلِط غير المخلوق بالمخلوق ليس لاهوتاً .. لذلك يرتكِز الدِفاع عن وحدانِيِة الجوهر ( هوموآوسيون ) على الاستعلان الكِتابي ، وخصوصاً على إيكونوميِة المسيح ( تدبيره الخلاصي ).

والمبدأ الذي يحكم استعلان الله في العهد القديم والتدبير المسيحي هو الفِعْل الثُّلاثي الغير مُنقَسِم للثَّالوث القدوس ، ويستعلن التدبير ( الإيكونوميا ) عمل الله الذي بدأ بالآب وتأسَّس بالابن وكَمُل في الروح القدس ، وهذا العمل الواحِد يتطلب ” الجوهر الواحِد “ Ousia ( اُوسيا ) ووحدانِيِة الجوهر .

والتأكيد على وحدِة العمل والجوهر هو تأكيد في غايِة الأهمية إذ يكشِف عن أنَّ اللاهوت لا ينفصِل عن الإيكونوميا ( التدبير الخلاصي ) ، وليس لاهوت الثَّالوث مُطلقاً جامِداً بلا دِيناميكية ، لكنه لاهوت اختباري في عمل الثَّالوث الخلاصي التدبيري نحونا ، وتدبير تجسُّد الله اللوغوس هو الركيزة الحقيقية لهذا اللاهوت التريادولوچي ( الثَّالوثي )، ومن خلال اتحادنا وشَرِكتنا مع المسيح ، نختبِر الثَّالوث ونعرِفه ..

لذلك يُؤكِد القديس أثناسيوس على أنَّ الكنيسة هي المجال الذي فيه يُختبر لاهوت الثَّالوث ويُعرف ، فالكريستولوچيا ( طبيعِة المسيح ) والسوتيريولوچيا ( لاهوت الخلاص ) والتريادولوچيا ( لاهوت الثَّالوث ) لا تُفهم فهماً صحيحاً إلاَّ من خلال الإكلسيولوچيا ( حياة الكنيسة ) .

لذلك نرى القديس أثناسيوس وقد رضع اللاهوت وأحس بكيان الله الواحِد من خلال العِبادة الليتورچية ، وأيضاً من خلال التلمذة Discipline للبابا ألكسندروس وللبابا بطرس خاتِم الشُّهداء الذي اعترف بأنَّ الذي بطبيعته إله صار بطبيعة البشر ، والسيف مُسلطاً على رقبته .

لم يرَ البابا أثناسيوس أنَّ اللاهوت فلسفة عقلانية ومنطِق يخضع للنِقاش والجِدال والتحليل ، لكنه رأى أنَّ اللاهوت تقوى وعِشق الثَّالوث ، لذلك جاهد ضد الأريوسية مُجاهدة النور مع الظُلمة والحياة مع الموت ، حتى سقطت الأريوسية بلاهوتها العقلاني المُلفق ومنهجها الفلسفي ، بعد أن عاش أثناسيوس حياة استشهاد مُتواصِل ، عاش في الحق الذي لا يموت ظلَّ يزرع أشجاراً طوال حياته حتى تستطيع الأجيال القادِمة أن تستظِل تحتها (18) .

اقتنى أثناسيوس حياة الفضيلة ، لأنه كان يربُط بين معرِفة الله ” الثيولوچيا “ وبين الفضيلة ، لذلك قيل أنَّ من يمدح أثناسيوس يمدح الفضيلة ، إنه ذلك الرجل الإلهي الذي عَشَق الإلهيات وعاشها وكلَّمنا ودافع عنها ، مُعتبِراً أنَّ الإلهيات بعيدة عن الأشرار ، لذلك صار هو بحق معيار الأرثوذُكسية الحي ، الذي وجد فيه الروح القدس من سيتنفس لحسابه !! (19) .

إنَّ المنهج اللاهوتي للبابا أثناسيوس الرَّسولي يرتكِز على علاقته الشخصية بالمسيح ، لذلك لُقِب ” فيلوخريستو “ ، فلا يستطيع أن يتكلَّم عن الثيولوچيا إلاَّ من أحب المسيح واشتعل بنار العِشق الإلهي ، وفي ربط لاهوتي حياتي يربُط البابا أثناسيوس بين الثيولوچيا والكريستولوچيا ، مُثبِّتاً نظره على المسيح المُخلِّص الذي لم يُعلِّم الفضيلة فقط بل مارسها كمِثال حي وعملي ..

تعلَّق البابا أثناسيوس بوسائِط النِعمة (20) التي شكِّلِت فكره اللاهوتي ، فاعتبر الإفخارستيا مأكل فائِق سمائي وطعام روحاني به نتحِد بالإلهيات ، ونتناول من جسد الكلِمة نفسه فيكون لنا في أنفسنا الرب الواحِد ، وهنا نلمس رَبْط القديس أثناسيوس بينالثيولوچيا والإكلسيولوچي ، فنحن نتذوق ونعرِف اللاهوت ونتلامس معه في الكنيسة مُستودع النِعمة ، لذلك أخذ القديس على عاتِقه أن لا يُقدِّم المسيح إلاَّ مُتحِداً بكنيسته من الداخِل ، وفي كلمة واحدة كان المسيح هو نفسه الكنيسة .

كان الإنجيل والتأمُّل في كلِمة الله من أهم الأساسات التي تأسَّس عليها لاهوت القديس أثناسيوس ، فكان الإنجيل شهوِته المُفضلة ، مُعتبِراً أنَّ الكُتُب المُقدسة كافية للثيولوچيا والإعلان الإلهي ، وبذلك أمكنه أن يُنقِذ التعليم اللاهوتي من الانحراف وراء الهرطقات أو النظريات الفلسفية واليونانية ، فصارت الأرثوذُكسية الجامِعة مُتجسِدة في شخصه (21) .

رَبَطْ القديس بين الثيولوچيا والذُّكصولوجيا ، لأنَّ النَّفْس التي لها فِكْر المسيح تتوافق مع هذا الفِكْر كتوافُق القِيثارة مع من يُحرِّك أوتارها ، وهكذا النَّفْس حينما لا تصنع الباطِل تُدعى بحق قِيثارة روحية ، التي ينبغي أن تتمثَّل بالسيرافيم والشاروبيم ولا تكُف عن التَّسبيح المُتواصِل ، لأنَّ كل معرِفة ثيولوچية حقة تمتزِج بالتَّسبيح والتَّمجيد .

تمسَّك البابا أثناسيوس في منهجه اللاهوتي بالتقليد الكنسي ، ففهم اللاهوت فهماً كنسياً بعيداً عن التلوث الفلسفي اليوناني الذي أسقط أريوس الهرطوقي وأتباعه .. ، وربط القديس بين الثيولوچيا والباترولوچيامُعتبِراً أنَّ شَطَطْ الهراطِقة كان في عدم حِفظِهِم للمسيحية التقليدية ، أمَّا إيماننا نحن فمستقيم ونابِع من تعليم الإنجيل وكرازِة الرُّسُل وتقليد الآباء ومشهود له من العهدين القديم والجديد .

رَبَطْ القديس دائِماً بين الثيولوچيا والتقوى أي بين المعرِفة اللاهوتية والحياة العملية ، مُعتبِراً أنَّ العقيدة والتقوى أُختان ، فعاش ناسِكاً تقياً ، بعد أن رأى أنَّ من يريد أن يُدرِك فِكْر الناطقين بالإلهيات (Θεολόγων ) يجِب عليه أن يُقدِّم حياته ويُعاشِر القديسين (22).

ومن بين الركائِز الأثناسيانية كانت الاهتمامات المُركزة على التريادولوچيا ( الثَّالوث ) والتي أسماها القديس” اللاهوت الكامِلPerfect Theology “ ، وأيضاً أسماها ” التقوى الوحيدة “ (23) .
والنُّصرة في حرب الإيمان ودحض الهرطقات ليست نِزاع ومنطِق كلام بل إيمان وإنجيل وتقليد وتقوى والتزام عملي وسلوكي ، لذلك اعتبر القديس أنَّ الثَّالوث هو اللاهوت الكامِل وأنه التقوى الوحيدة ، بالتأمُّل في الثيولوچيا لا كدِراسة فِكرية نظرية وبُرهانات ، ولكنكممارسة عملية تقوية للفضيلة ولِشَرِكَة الثَّالوث القدوس .

وعِلْم اللاهوت Θεολογία عند البابا أثناسيوس مُرتبِط بحياة القداسة فهو يقوم على قداسِة السيرة مع الالهام والاعلان من الله ، ونقاوِة النَّفْس تُؤهِلها لتتأمَّل في الإلهيات لأنَّ أنقياء القلب يُعاينونه ..
وأثناسيوس قَبَلْ أن يكون اللاهوتي البارِع بطل مجمع نيقية وبطريرك الأسكندرية ، هو إنسان يحيا ” الثيولوچيا “ الحياة الإلهية ، هذه هي شهوِته الأولى فربط بين الأسقيطولوچيا والثيولوچيا ، أي النُّسك باللاهوت (24) .

أكَّد القديس على أولويِة الإيمان على العقل ، فتسليم المعرِفةالثيولوچية لا يمكن أن يكون بالبراهين الكلامية بل بالإيمان وأفكار التقوى والوقار ، لذلك لم يترك لنا مُؤلِفات ذات طابِع بُنائي أو تثقيفي لأنَّ حياته كلها كانت جهاد ودِفاع ، وبالرغم من خِصبه الفكري وكثافته اللاهوتية ، إلاَّ أنَّ اُسلُوبه سهل واقعي تلقائي بسيط ، يشرح الحق فقط مُكرراً ممُؤكِداً ، ويُصحِّح أفكار السابقين له ، فكان لاهوته ثابِت الأصول والاتجاه من البِداية إلى النهاية (25) .

ولم يكن لاهوت الثَّالوث الكامِل عنده نتيجة نظرة عقلانية من جانِب الإنسان بل هو عطية الله ، ونِعمة من الله ، فمعرفِة الثَّالوث قائِمة على نِعمِة الثَّالوث ، وكثيراً ما يتحدَّث البابا أثناسيوس عن اللاهوتيين بأنهم ” اللاهوتيون القديسون “ الذينَ علَّمهم الله نفسه اللاهوت الكامِل ، وسجَّله بأقلامهم في الكِتاب المُقدس ، ويتحدَّث أيضاً عن المُعلِّمين المُلهمين من الله ، ويرى أنَّ الذينَ يقرأون الإنجيل قراءة صحيحة تعبُدية يفهمونه فهماً صادِقاً ويشهدون بلاهوت المسيح .

وعلى يد اللاهوتيين الذينَ علَّمهم الله ، وعلى يدي الآباء المُعلِّمين والمُفسرين الذينَ ألهمهم الله تعلَّمنا نحن اللاهوت ، هكذا يرى القديس أثناسيوس الرَّسولي .
ففي كِتابه ” ضد الأُمم “ (26) يذكُر القديس بولس الرَّسول كواحِد من هؤلاء اللاهوتيين مُشيراً إلى مقولته الرَّسولية في ( رو 1 : 2 ) أنَّ أمور الله الغير منظورة تُرى بالمخلوقات من خلال تأمُّل العقل منذ تأسيس العالم ، وهذا يُوضِح أنَّ البابا أثناسيوس يقبل مفهوم ”لاهوت الطبيعة Theology of Nature“ .

ويقول أنَّ الحقيقة الأولى التي يُعلِّمها هؤلاء اللاهوتيون هي أنَّ الله هو الخالِق وحافِظ كل الأشياء (27) ، ويتأكد هذا التعليم في مقدمة إنجيل القديس يوحنا اللاهوتي ” كل شيء به كان وبغيرهِ لم يكن شيء مِمَّا كان “ (28) .

فهؤلاء اللاهوتيون يُعلِّموننا إذن أنَّ لوغُوس الله الذي خلق كل الأشياء هو في نفس الوقت حافِظها … وتعليم التدبير والعِناية أو نِعمة العِناية الإلهية هو تعليم مُتلازِم تماماً مع نِعمة الخلق الأولى .

ثم – أنَّ اللاهوتيين يتحدَّثون عن ظهور الله الكلِمة اللوغُوس مُتجسِداً الذي أباد الموت والفساد ، لذلك صار اللاهوتيون هم لاهوتيو المُخلِّص ، الله اللوغُوس الذي يُؤكِد لاهوته وناسوته ، ومن ثمَّ فإنَّ وحدِة أو اتحاد الله بالإنسان تتحقق وتُكتمل فيه إلى الأبد ، ومن الواضِح أنَّ اللاهوتي في رأي البابا أثناسيوس هو الذي يُعلِن ( يكشِف عن ) لوغُوس الله ، لأنَّ هذا اللوغُوس قد استُعلِن أولاً له ، واستعلان اللوغُوس هو نِعمة من اللوغُوس .

وللقديس أثناسيوس الرَّسولي مفهومه ذو الثَّلاثة أبعاد ، فهو يختص :0
بالخلقCreation
والتدبيرProvidence
والخلق الجديدRenew creation
وبمعنى آخر ، يستوعِب تاريخ الخلاص كله منذ بِداياته عند تأسيس العالم وحتى نهايته في قيامِة المسيح وإبادِة الموت والفساد ، أي تأليه الطبيعة ، وهنا مكمن مجد وفخر اللاهوت .
واللاهوتي الحقيقي هو الذي يتيقن ويُستعلن في وجوده تلك الأسرار العظيمة الثَّلاثة لعمل الله والاستعلان في آنٍ واحِد ، أعني :

الخلق ، وتدبير الخلق ، وتجديد الخلق أي الكمال

وليس الكِتاب المُقدس غاية لاهوتية !! بل هو فقط وسيلة ، أمَّا الغاية فهي الإنسان ، الشخص Person ، الذي فيه تمَّم الله كل مقاصِده جاعِلاً إياه اللاهوتي في الأيقونة والشَبَه بحسب الله ذاته .
والقديس أثناسيوس يجِد الأيقونة في الأنبياء والرُّسُل والقديسين في الكِتاب المُقدس .

أخيراً – يُؤكِد القديس على الطهارة Purity كسابِقة وضرورة للاَّهوت ، ففي كتاب ” تجسُّد الكلِمة “ يقول : ” من أجل تفتيش الكِتاب المُقدس والمعرِفة الحقيقية له نحتاج إلى حياة مُكرَّسة ونفس طاهِرة لأنه بدون فِكْر نقي طاهِر ، وبدون حياة نمتثِل فيها بالقديسين لا يستطيع الإنسان أن يُدرِك ويستوعِب كلام اللاهوتيين ، لأنه إن أراد الإنسان أن يرى نور الشمس ، يمسح عينيهِ ويُنقيهِما مًطهِّراًَ نفسه ، حتى تقدِر العين المُبصِرة أن ترى نور الشمس ..

أو كما لو كان الإنسان يريد أن يرى مدينة أو بلدة يأتي بنفسه إليها ليراها ، هكذا أيضاً الذي يشتاق أن يُدرِك فِكْر اللاهوتيين عليه أن يبدأ يغسِل ويُطهِّر نفسه بسلوكه في حياته ، وأن يقترِب من القديسين أنفسهم بالامتثال بأعمالِهِم ، والاشتراك في سيرِة حياتِهِم ليفهم ما استُعلِن لهم من الله ، وإذ يرتبِط ارتباطاً صميمياً بهم ينجو من هلاك الخُطاة ونارهم في يوم الدينونة “ .

وجاءت هذه المقولة في أُولى أعمال البابا أثناسيوس لتكشِف عن سِر حياته وعَظَمَته ، وإذا أردنا الايجاز فإنَّ القديس يقول إن الإنسان بحاجة إلى تطهير نفسه في حياته ليكون مُستحِقاً للاَّهوت .
وإذا نظرنا إلى الأمر من جهة الله ، فاللاهوت نِعمة الثَّالوث ، ومن جهة الإنسان ، فاللاهوت تلمذة غالية ونفيسة .
واللاهوت لن يُعلن لنا بإيضاحات كلامية بل بالإيمان ، ولن يُعلن لنا بالعقل إنما بروح التقوى وحاسة الوقار …
فالإيمان بالله يسبِق المسير نحو الثيولوچيا ، لأننا في البِداية نُؤمِن وبعد ذلك نعرِف وأخيراً نتكلَّم ونشهد …

إنَّ اللاهوت لا يقوم على فهم شخصي

ولا على مشيئة شخصية

بل هو تعليم إنجيلي وإعلان كِتابي

بحسب الله ذاته .
والقديس أثناسيوس يجِد الأيقونة في الأنبياء والرُّسُل والقديسين في الكِتاب المُقدس .
أخيراً – يُؤكِد القديس على الطهارة Purity كسابِقة وضرورة للاَّهوت ، ففي كتاب ” تجسُّد الكلِمة “ يقول : ” من أجل تفتيش الكِتاب المُقدس والمعرِفة الحقيقية له نحتاج إلى حياة مُكرَّسة ونفس طاهِرة لأنه بدون فِكْر نقي طاهِر ، وبدون حياة نمتثِل فيها بالقديسين لا يستطيع الإنسان أن يُدرِك ويستوعِب كلام اللاهوتيين ، لأنه إن أراد الإنسان أن يرى نور الشمس ، يمسح عينيهِ ويُنقيهِما مًطهِّراًَ نفسه ، حتى تقدِر العين المُبصِرة أن ترى نور الشمس …

أو كما لو كان الإنسان يريد أن يرى مدينة أو بلدة يأتي بنفسه إليها ليراها ، هكذا أيضاً الذي يشتاق أن يُدرِك فِكْر اللاهوتيين عليه أن يبدأ يغسِل ويُطهِّر نفسه بسلوكه في حياته ، وأن يقترِب من القديسين أنفسهم بالامتثال بأعمالِهِم ، والاشتراك في سيرِة حياتِهِم ليفهم ما استُعلِن لهم من الله ، وإذ يرتبِط ارتباطاً صميمياً بهم ينجو من هلاك الخُطاة ونارهم في يوم الدينونة “ .

وجاءت هذه المقولة في أُولى أعمال البابا أثناسيوس لتكشِف عن سِر حياته وعَظَمَته ، وإذا أردنا الايجاز فإنَّ القديس يقول إن الإنسان بحاجة إلى تطهير نفسه في حياته ليكون مُستحِقاً للاَّهوت .
وإذا نظرنا إلى الأمر من جهة الله ، فاللاهوت نِعمة الثَّالوث ، ومن جهة الإنسان ، فاللاهوت تلمذة غالية ونفيسة .
واللاهوت لن يُعلن لنا بإيضاحات كلامية بل بالإيمان ، ولن يُعلن لنا بالعقل إنما بروح التقوى وحاسة الوقار …
فالإيمان بالله يسبِق المسير نحو الثيولوچيا ، لأننا في البِداية نُؤمِن وبعد ذلك نعرِف وأخيراً نتكلَّم ونشهد …

إنَّ اللاهوت لا يقوم على فهم شخصي

ولا على مشيئة شخصية

بل هو تعليم إنجيلي وإعلان كِتابي

وتسليم رسولي وتقليد كنسي

يوصَّلنا إلى معرِفة لاهوتية صحيحة

هي الأمانة والوديعة

هي قانون الإيمان النيقاوي

ولنُصلِّي جميعاً

بالحقيقة نُؤمِن بإله واحِد ……

+++

مراجِع الفصل

1) Cont., Gen., 1.
2) CAR 1, P.G. 26, 49 A.
3) SER 1, P.G. 26, 596 C.
4) Ibid. 605 (CD).
5) Harnak, History of Dogma of The Spirit & of Trinity. P, 199.
6) Athanas, ad, Serap, 1, 30.
7) Ch. 28.
8) Harnack, Op, Cit, p. 284.
9) Ibid. P. 250.
10) Athanas, Incar, 19.
11) CAR 1, 18.
12) CAR 1, 14.
13) Athanas., C, Ar, IV, 29.
14) F. A. Staudenmeier, cited by Florovsky, Op, Cit, P. 60.
15) Athanas. Contra Arian., 1: 9.
16) Athanas. To Serapion, 11. 5.
17) Ser 1, 30.
18) P.G. 26, 577.
19) Bouyer, L’incarnation et l´Eglise – Corps du Christ dans la Theologie de St. Ath., 1943, P. 22.
20) Quasten, Patrology, vol. III, P. 66.
21) N.P.N.F. 172 & 224.
22) P.G. 26, 656.
23) SER 1, 29.

1) N.P.N.F. 103.
2) P.G. 26, 577 & Quasten, Op. Cit. P. 66.
3) Contra Gen., P.G. 26, 698 C..
4) Ibid. 84 AB.
5) Ibid. 84 CD.

 

اللاهوت فى فكر البابا اثناسيوس الرسولى

To whom did Christ appear first, the women or His disciples? MATTHEW 28:9

MATTHEW 28:9—To whom did Christ appear first, the women or His disciples?

PROBLEM: Both Matthew and Mark list women as the first ones to see the resurrected Christ. Mark says, “He appeared first to Mary Magdalene” (16:9). But Paul lists Peter (Cephas) as the first one to see Christ after His resurrection (1 Cor. 15:5).

SOLUTION: Jesus appeared first to Mary Magdalene, then to the other women, and then to Peter. The order of the twelve appearances of Christ goes as follows:

THE ORDER OF THE TWELVE APPEARANCES OF CHRIST

PERSON(S)

SAW

HEARD

TOUCHED

OTHER EVIDENCE

1.

Mary
(John 20:10–18)

X

X

X

Empty tomb

2.

Mary & Women
(Matt. 28:1–10)

X

X

X

Empty tomb

3.

Peter
(1 Cor. 15:5)

X

X*

Empty tomb, Clothes

4.

Two Disciples
(Luke 24:13–35)

X

X

Ate with Him

5.

Ten Apostles
(Luke 24:36–49; John 20:19–23)

X

X

X**

Saw wounds, Ate food

6.

Eleven Apostles
(John 20:24–31)

X

X

X**

Saw wounds

7.

Seven Apostles
(John 21)

X

X

Ate food

8.

All Apostles
(Matt. 28:16–20; Mark 16:14–18)

X

X

9.

500 Brethren
(1 Cor. 15:6)

X

X*

10.

James
(1 Cor. 15:7)

X

X*

11.

All Apostles
(Acts 1:4–8)

X

X

Ate with Him

12.

Paul
(Acts 9:1–9; 1 Cor. 15:8)

X

X

Paul was not giving a complete list, but only the important one for his purpose. Since only men’s testimony was considered legal or official in the 1st century, it is understandable that the apostle would not list the women in his defense of the resurrection here.

[1]

 

* Implied

** Offered Himself to be touched

** Offered Himself to be touched

* Implied

* Implied

[1]Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When critics ask : A popular handbook on Bible difficulties (365). Wheaton, Ill.: Victor Books.

Is Jesus advocating pacifism and denouncing capital punishment in this passage? MATTHEW 26:52

MATTHEW 26:52—Is Jesus advocating pacifism and denouncing capital punishment in this passage?

PROBLEM: When the soldiers came to arrest Jesus, Peter took out his sword and cut off the ear of the high priest’s servant. Jesus told Peter to put back the sword because those who take up the sword will die by the sword. Some use this verse to support pacifism and to oppose capital punishment, which the Bible affirms elsewhere (Gen. 9:6).

SOLUTION: Total pacifism is not taught in this Scripture. Indeed, Abraham was blessed by the Most High God (Gen 14:19) after engaging in a war against the unjust aggression of the kings who had captured his nephew Lot. In Luke 3:14, soldiers come to inquire of John the Baptist about what they should do. John never told them to leave the army. Likewise, Cornelius, in Acts 10, was a centurion. He was called a devout man (v. 2), and the Scriptures say that the Lord heard the prayers of Cornelius (v. 4). When Cornelius becomes a Christian, Peter does not tell him to leave the army. Also, in Luke 22:36–38, Christ says that the one who has no sword should sell his robe and buy one. The apostles responded saying that they had two swords. Jesus responded saying that “it was enough.” In other words, they did not need to get rid of their swords. The Apostle Paul accepted the protection of the Roman army to save his life from unjust aggressors (Acts 23). Indeed, he reminded the Roman Christians that God had given the sword to the king who did not bear it in vain (Rom. 13:1–4). When Jesus returns to earth, He will come with the armies of heaven and will war against the kings of the earth (Rev. 19:11–19). So, from the beginning to the end, the Bible is filled with examples of the justification of war against evil aggressors.

What, then, did Jesus mean when He commanded Peter to put away his sword? Peter was making two mistakes in using his sword. First, while the Bible permits the sword by the government for civil purposes (Rom. 13:1–4), it does not endorse its use for spiritual ends. It is to be used by the state, not by the church. Second, Peter’s use was aggressive, not purely defensive. His life was not being unjustly threatened. That is, it was not clearly an act of self-defense (Ex. 22:2). Jesus appears to have endorsed the use of the sword in civil self-defense (Luke 22:36), as did the Apostle Paul (Acts 23).

Likewise, capital punishment is not forbidden in Scripture, but rather was established by God. Genesis 9:6 affirms that whoever sheds man’s blood, the blood of the killer will also be shed. Numbers 35:31 makes a similar statement. In the NT, Jesus recognized that Rome had capital authority and submitted to it (John 19:11). The Apostle Paul informed the Romans that governing authorities are ministers of God and that they still possessed the God-given sword of capital authority (13:1, 4). So Jesus in no way did away with the just use of the sword by civil authorities. He simply noted that those who live lives of aggression often die by the same means.

[1]

 

[1]Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When critics ask : A popular handbook on Bible difficulties (360). Wheaton, Ill.: Victor Books.

Did Jesus make a mistake in referring to Zechariah the son of Jehoiada rather than to Zechariah the son of Berechiah? MATTHEW 23:34–35

MATTHEW 23:34–35—Did Jesus make a mistake in referring to Zechariah the son of Jehoiada rather than to Zechariah the son of Berechiah?

[button color=”red” size=”big” link=”https://www.facebook.com/difa3iat” target=”blank” ]إضغط هنا[/button]

PROBLEM: Jesus said to the scribes and Pharisees that the guilt of all the righteous blood from Abel to Zechariah will fall on them. Concerning Zechariah, Jesus said he was killed between the sanctuary and the altar. Some conclude that the Zechariah referred to by Christ is the son of Jehoiada (2 Chron. 24:20–22).

SOLUTION: The Zechariah referred to has to be the son of Berechiah. This Zechariah is one of the minor prophets, and his father is listed as Berechiah (Zech. 1:1). He would be the most likely candidate because the other Zechariah (son of Jehoiada) died about 800 b.c. If one thinks Christ referred to this Zechariah, then the time span from Abel to this Zechariah would not cover the OT period, which extended to 400 b.c. Abel to Zechariah the son of Berechiah would make a much better sweep of the OT period than would the period from Abel to Zechariah the son of Jehoiada. Since many Zechariahs are mentioned in the OT, it would not be too difficult to imagine two Zechariahs dying from similar circumstances.

[1]

 

[1]Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When critics ask : A popular handbook on Bible difficulties (357). Wheaton, Ill.: Victor Books.

Why did Jesus call people fools and yet condemn others for doing the same thing? MATTHEW 23:17

MATTHEW 23:17—Why did Jesus call people fools and yet condemn others for doing the same thing?

PROBLEM: Jesus said, “whoever says [to his brother], `You fool!’ shall be in danger of hell fire” (Matt. 5:22). Yet He Himself said to the scribes and Pharisees, “Fools and blind!” (Matt. 23:17) The Apostle Paul, following suit, said, “O foolish Galatians” (Gal. 3:1; cf. 1 Cor. 15:36).

SOLUTION: There are good reasons why there is a strong difference between the two uses of the term “fool.” First, this is another example of the principle that the same word can be used with different meanings in different contexts (see Introduction). For instance, the word “dog” can be used of a canine animal or a detested person.

Second, in Matthew 5, it is used in the context of someone who is “angry” with his brother, indicating a hatred. Neither Jesus nor Paul harbored hatred toward those to whom they applied the term. Thus, their use of the term “fool” does not violate Jesus’ prohibition against calling others a fool.

Third, technically speaking, Jesus only commanded that a “brother” (Matt. 5:22) not be called a “fool,” not an unbeliever. In fact the scriptural description of a fool is one who “has said in his heart, `There is no God’ ” (Ps. 14:1). In view of this, one can see the seriousness of calling a brother a fool; it is tantamount to calling him an unbeliever. Hence, when He who “knew what was in man” (cf. John 2:25) called unbelievers “fools,” it was a most appropriate description of what they really were.

[1]

 

[1]Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When critics ask : A popular handbook on Bible difficulties (357). Wheaton, Ill.: Victor Books.

Exit mobile version