ضحك سارة ,كذب يعقوب, شاول الطرسوسي, ارميا والاكتئاب ,موسي والمصري ,خطية داود. . وغيره اياً من هؤلاء كان كاملاً !هؤلاء بشر عاديين لكن الرب استخدمهم فهو يحب ان يستخدم الشخص العادي ويحوله الي شخص غير عادي.
سالني احدهم يوماً هل يمكن للمسيحي ان يرتكب جريمة قتل ؟ افترض طارح السؤال العصمة ؟لكن اجبته نعم بالطبع يمكن للمسيحي ان يقوم بذلك عندما يبعد عن مصدر النعمة. وبالطبع حذر الكتاب المقدس ضد الخطية لكن فرصة التوبة والغفران والتنقية متاحه لهذا الشخص ما دام حياً لا تنقطع رحمة الرب في رجوعة من جديد. فداود رجل الله اخطأ وارتكب الزني والقتل. وهذه الخطايا كفيلة بالاكتئاب وحزن عظيم في النفس لكن ما حدث انه عرف فساده فلجئ الي الطهر الذي في الرب. فخطايا الاتقياء تدل علي عدم انقطاع رحمة الرب في اي يوم.
يحتاج اليوم الانسان لنماذج لا لكلام نظري فقط. . فكل شخصية في الكتاب المقدس هي نحن. . ! فعندما تكتئب تذكر ارميا وحينما تكون سارق واصابك الضعف تذكر شاول وحينما لا تصدق الرب تذكر ضحك سارة …. ! إلى آخره. .
فذكر الكتاب خطايا الاتقياء لأكثر من سبب:
1- لم يخفي الكتاب المقدس او يزين ضعف اتقياءه. سواء كان ابراهيم او اسحق او موسي او داود وغيرهم. فكل البشر اصابهم الضعف وهذا ما تذكره لنا رسالة رومية 3 : 10 – 23. وقد كان يسوع هو الاستثناء الوحيد بحسب رسالة العبرانين 4 : 15 , بطرس الاولي 2 : 22. فما ذكره الكتاب عن خطايا الابطال هو احد ادلة وحي الكتاب المقدس.
2- ان ذكر الخطايا وتسجيل الضعفات تاكيد هام علي تاثير هذه الضعفات علي الشخص فكتبت لتعليمنا لنري مدي شوهة الخطية الانسان بقصص واقعية حية. لا كلام نظري او نصائح بل حياة حقيقية واقعية. وايضاً عدم تغاضي الرب عن الاعمال فتجاوز موسي منعه من دخول كنعان وخطية داود مع بتشبع عوقب عليها وكان الامر كريه في عيني الرب وقدم توبة.
3- اعطاء نموزج علي الجهاد ضد الضعف وثقتهم الكبيره في الرب ومحاولة الحياة تحت مشيئته طوال الوقت. فلا احد منا او منهم سيصل الي الكمال التام فنحن ما زلنا في هذا الجسد وسوف نعمل افعال خاطئة لكن حياة الجهاد تساعدنا علي التغلب علي نقاط الضعف باستمرار والنقاء باستمرار حتي نصل الي ابهي صوره لشركة المسيح. في رومية 15 : 4 · 4. لأَنَّ كُلَّ مَا سَبَقَ فَكُتِبَ كُتِبَ لأَجْلِ تَعْلِيمِنَا حَتَّى بِالصَّبْرِ وَالتَّعْزِيَةِ بِمَا فِي الْكُتُبِ يَكُونُ لَنَا رَجَاءٌ.
4- ذكر خطية شاول الطرسوسي اعطي امل ونموزج لكل فاسد وخاطئ لكي يصبح بولس وليس شاول. وامثلة مثل الابن الضال وغيرها تكشف لنا محبة الله لنا وغفران الله الرائع فالخطية تمحي وتعود العلاقة من جديد.
5- مواجهة عيوبنا بقوة وشجاعة فنحن نجد عيوبنا في عيوبهم في قصة نعمان السرياني نموزج قاد نعمان الي الشفاء الايمان بالله وقصر زكا البدني قاده الي اللقاء بيسوع الذي وصفه بانه ابن ابراهيم. وشاول اصبح بولس كل ما جاء هو لنا نحن فنحن السامرية والمراة الخاطئة وكل شخصية في الكتاب.
6- قد يعتقد القارئ ان هذه القصص لكوكب اخر. . ! لكن مع التاني نجد انها لنا فهذه قصص لاشخاص ارتكبوا الخطية ولم يظهروا نوعاً ما من الايمان سوي القليل بالرغم من بركات الله لهم. فهؤلاء مثلنا لكن برؤية ضعفهم يمكننا الشعور بمدي ضعفنا فالانسان لا يشعر بخطاياه الا عندما يفعلها اخر او يتاملها في اخر قد ينتقد الانسان يهوذا بشكل صارخ ماذا فعل هذا. ؟ وهو يفعل افعال يهوذا ! فالقصص تساعدنا علي وضعنا في نطاق صحيح نحن مثل هءلاء والله يعمل فينا.
7-نتذكر رحمة الله وان الله يختار الضعفاء ليخزي بهم الحكماء و اختار الله ادنياء العالم و المزدرى و غير الموجود ليبطل الموجود بحسب كورنثوس الاولي 1 : 26 – 31.
8- وضع كل هؤلاء في ميزان يسوع الانسان الكامل الرحمة الكاملة الحكمة الكاملة. فنضع ثقتنا كامله في يسوع وحده دون ان يقول لنا اتبعني فنتبعه.
أدب العهد الجديد الأبوكريفي – 5- رسائل الرسل الأبوكريفية
أدب العهد الجديد الأبوكريفي – 5- رسائل الرسل الأبوكريفية
أدب العهد الجديد الأبوكريفي – 5- رسائل الرسل الأبوكريفية
1 – رسالة الرسل
إن “رسالة الرسل” هي أهم الرسائل الأبوكريفية وأقيمها من الناحية التاريخية، وقد نشرت لأول مرة عام 1919م. وكُتبت هذه الرسالة الموجهة إلى “الكنائس شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً” في آسيا الصغرى أو مصر. وبحسب (C. Shmidt)، يعود تاريخ كتابة هذه الرسالة إلى الفترة ما بين 160-170م، ولكن (A. Ehrhard) يرجعها إلى الفترة ما بين 130-140م، إلا أن الدلائل الموجودة بالنص تشير إلى أنها قد كُتبت في الفترة ما بين 140-160م. ولك يبق لدينا أي شيء من النص اليوناني الأصلي، ولكننا نمتلك جزءً من ترجمة قبطية اكتشفت عام 1895م في القاهرة، وترجمة إثيوبية كاملة نشرة عام 1913م، ولدينا أيضاً بعض الشذرات من ترجمة لاتينية. ولقد قام (C. Shmidt) عام 1919م بتحرير نسخة نقدية من هذه الرسالة مستخدماً هذه المصادر.
ويتألف الجزء الرئيس من هذه الرسالة من إعلانات يكشفها الرب لتلاميذه بعد قيامته. وتشتمل المقدمة على اعتراف بالمسيح وملخص لمعجزاته، والخاتمة عبارة عن وصف للصعود. وتقتصر الصيغة الرسائلية على الجزء الأول فقط؛ لهذا يُعتبر العمل بأكمله عملاً رؤيوياً أكثر منه رسالة، إنه نموذج للأدب الديني الشعبي غير الرسمي. ويبني المؤلف أفكاره في الأساس على العهد الجديد، فلغته ومفاهيمه متأثرة بإنجيل القديس يوحنا، كما أن روايته لحادثة القيامة مجمعة من روايات الأناجيل الأربعة القانونية، وإضافة إلى هذه المصادر، استخدم المؤلف “رؤيا بطرس”، و”رؤيا برنابا” و”راعي هرماس”.
ومن جهة الفكر اللاهوتي للرسالة، فالرسالة واضحة جداً في شأن طبيعتي المسيح[1]، فالمسيح فيها يقول عن نفسه: “أنا غير مولود ولكني ولدت من الجنس البشري، أنا عديم الجسد ولكني ولدت في الجسد”. (فصل 21) كما أنها تذكر أيضاً عقيدة تجسد الكلمة بكل وضوح: “نحن نؤمن بالرب الإله ابن الله، وأنه هو الكلمة الذي صار جسداً. ونؤمن أنه أخذ جسداً من العذراء مريم مولوداً من الروح القدس، لا بمشيئة جسد، لكن بمشيئة الله. ونؤمن أنه قد قمط في لفائف بمدينة بيت لحم، وظهر للناس وكبر حتى بلغ سن الرشد”. (فصل 3) غير أنه، في فقرة أخرى، يأتي ذكر الملاك جبرائيل باعتباره تشخيصاً للوغوس، فالرسالة تقدمه وهو يقول: “في ذلك اليوم الذي أخذت فيه شكل الملاك جبرائيل، ظهرت لمريم وتكلمت معها. وقد قبلني قلبها، وآمنت، ثم شكلت نفسي ودخلت إلى جسدها، لقد صرت جسداً لأني أنا وحدي كنت خادماً لنفسي في ذلك الأمر الذي استرعى انتباه مريم، عند الظهور في هيئة ملاك”. ومن ناحية أخرى، تساوي الرسالة بين ألوهية اللوجوس وألوهية الآب: “فقلنا له: يا رب، هل من الممكن أن تكون هنا وهناك في الوقت نفسه؟ لكنه أجاب قائلاً: أنا كلي في الآب والآب فيّ، لأنني أشبه في الشكل، والقدرة، والملء، والنور، والقياس الكامل، والصوت، أنا هو الكلمة”.
وبالرغم من وجود بعض طرق التفكير الغنوسية بالرسالة، إلا أن بها ميلاً واضحاً مضاداً للغنوسية، فبداية، تشير الرسالة إلى سيمون (الساحر) وكيرنثوس باعتبارهما “الرسولين الكاذبين اللذين كُتب عنهما أنه لا ينبغي لإنسان أن يتعلق بهما، لأن بهما يكمن الخداع الذي به يقودان الإنسان إلى التهلكة”. ويمكننا أن نرى نفس هذا الميل المضاد للغنوسية في تشديد الكاتب على عقيدة قيامة الأجساد. وتطلق الرسالة على القيامة اسم “الولادة الثانية” و”الثوب الذي لن يبلى”. (فصل 21) كما أنه كلما جاء الحديث عن نهاية العالم، لا تشير الرسالة أدنى إشارة إلى وجهة النظر الألفية (الاعتقاد بالملك الألفي)، وقد ورد في الوصف المعطى فيها ليوم الدينونة أن الجسد سيُدان مع النفس والروح، ثم سينقسم الجنس البشري بعد هذا إلى قسمين “سينال القسم الأول الراحة في السماء، وسيُعاقب من ينتمون إلى القسم الثاني إلى الأبد إلا أنهم سيبقون أحياء” (فصل 22).
والرسالة مهمة أيضاً بالنسبة لتاريخ الليتورجيا، فهي تحتوي على قانون إيمان قصير الذكر، إلى جانب الأقانيم الإلهية الثلاثة، كل من الكنيسة المقدسة والمعمودية التي تعطى لمغفرة الخطايا باعتبارهما بندين من بنود الإيمان (فصل 5). كذلك تُعتبر المعمودية بمثابة شرط لنوال الخلاص، فلا يمكن لأحد أن يكون في غنى منها، لهذا نزل المسيح إلى الجحيم ليعمد الأبرار والأنبياء: “ثم سكبت عليهم بيدي اليمنى ماء الحياة والغفران والخلاص من كل شر، بالضبط كما فعلت معكم أنتم ومع هؤلاء الذين آمنوا بي”. (فصل 27) وهنا يظهر الكاتب أنه على معرفة بسفر “راعي هرماس” الذي يحتوي على نفس التفسير لسبب نزول المسيح إلى الجحيم. ومن ناحية أخرى، ليست المعمودية وحدها بكافية للخلاص: “لكن أي إنسان يؤمن بي ولكنه لا يحفظ وصاياي، فلن ينتفع شيئاً من هذا الرغم من اعترافه باسمي، لكنه يركض في سباق لا طائل منه، لأن مثل هؤلاء سيجدون أنفسهم في خسارة وخراب. (فصل 27).
ويطلق على الاحتفال بالإفخارستيا في تلك الرسالة اسم “البصخة”، وهو يرد هنا باعتباره تذكاراً لموت المسيح. كما أنه لا تزال وليمة الأغابي والإفخارستيا تقامان معاً، وها هو نص هذه الفقرة القيمة (فصل 15): “لكنكم تتذكرون موتي. والآن عندما تحل البصخة، سوف يُلقى واحد منكم في السجن لأجل اسمي، وسوف يكون في حزن وضيق لأنكم تقيمون البصخة بينما هو في السجن منفصل عنكم…. وسوف أرسل قوتي في هيئة ملاكي جبرائيل وستنفتح أبواب السجن، وسيخرج منه ويسهر الليل معكم حتى يصيح الديك. وعندما تُكملون التذكار الذي تصنعون لي، ومائدة الأغابي، سوف يُطرح مرة أخرى في السجن ليشهد لي وذلك إلى أن يحين الوقت ليخرج من هناك ويكرز بما قد سلمته إليكم. فقلنا له: يا رب، هل سيلزم حينئذ أن نأخذ الكأس ونشرب منه؟ فقال لنا: نعم، إنه أمر لازم حتى يأتي اليوم الذي سآتي فيه ثانية مع هؤلاء الذين قتلوا لأجلي”.
2 – رسائل بولس الأبوكريفية
جاء في رسائل القديس بولس القانونية ذكر عدة رسائل لم ترد في قائمة أسفار العهد الجديد القانونية، ومن الواضح أنها قد فقدت، لذا ظهرت الرسائل الأبوكريفية المنسوبة إلى القديس بولس لتحل محلها.
يشير القديس بولس في رسالته إلى أهل كولوسي (4: 16) إلى رسالة كتبها إلى اللاودكيين، وهذه الإشارة قد أتاحت الفرصة لتظهر “الرسالة إلى اللاودكيين الأبوكريفية”. ويقللد محتوى هذه الرسالة رسائل القديس بولس الأصلية وينتحل أسلوبها، خاصة الرسالة إلى أهل فيلبي، فبعد أن يعرب الكاتب عن فرحه بإيمان اللاودكيين وفضائلهم، يحذرهم من الهراطقة، ويحضهم على أن يظلوا مخلصين للعقيدة المسيحية والمفهوم المسيحي للحياة كما علمهم الرسول. وتزعم الرسالة أنها قد كُتبت من السجن، ولا يمكننا أن نحدد تاريخ كتابتها من محتواها. وصحيح أن الوثيقة الموراتورية تذكر رسالة إلى اللاودكيين باعتبارها رسالة منحولة قد زيفت لتدعم هرطقة ماركيون، لكن رأي هرناك القائل بأن هذه هي نفسها “الرسالة إلى اللاودكيين الأبوكريفية” التي بين أيدينا اليوم لم يلق قبولاً من الدارسين. وبالرغم من أن هناك احتمالاً أن تكون هذا الرسالة قد كتبت باليونانية، إلا أنه ليس لدينا لها حتى الآن إلا نص لاتيني، أما أقدم مخطوطة لها في حوزتنا فهي مخطوطة (Codex fuldensis) المملوكة للأسقف فيكتور أسقف “كابوا” (Capua)، والتي كُتبت عام 546م. ولا يعود زمن كتابة هذه الرسالة إلى ما قبل القرن الرابع الميلادي، لأن الكتاب الكنسيين بدأوا يذكرونها منذ ذاك الوقت فصاعداً. ولقد اعتمد كل ما في حوزتنا من ترجمات لهذه الرسالة على النص اللاتيني، كما أنها قد أُدخلت في عدد من الكتب المقدسة المكتوبة في إنجلترا
تذكر الوثيقة الموارتية إلى جانب “الرسالة إلى اللاودكيين” رسالة ماركيونية بعنوان “الرسالة إلى السكندريين” وقد فُقدت.
وردت في السفر المعروف بـ “أعمال بولس الأبوكريفية” رسالة بعنوان “الرسالة الثالثة إلى أهل كورنثوس”. ومن المفترض أن تلك الرسالة قد كُتبت كرد على رسالة أرسلها أهل كورنثوس إلى بولس يبلغونه فيها بأمر شخصين هرطوقيين، هما سيمون وكليوبيس، هذان اللذان يحاولان أن “يقلبا الأيمان” بالتعاليم التالية: “إنهما يقولان أنه ينبغي علينا ألا نستخدم – كتابات – الأنبياء، وإن الله ليس بقدير، وإنه لا توجد قيامة للجسد، وإن الله لم يخلق الإنسان، وإن المسيح لم يأت في الجسد، وإنه لم يولد من مريم، وإن العالم ليس من الله بل من الملائكة”. (289 James) إذاً، سيكون محتوى إجابة بولس على هذه الأسئلة على قدر كبير من الأهمية، لأنها تتناول مواضيع مثل خلق العالم والجنس البشري، وخالقهما، والتجسد، وقيامة الأجساد. ولقد وجدت كل من الرسالة التي أرسلها أهل كورنثوس إلى بولس، والرسالة التي رد فيها بولس عليهم من سجنه في فيلبي، مكاناً في المجموعة السريانية للرسائل البولسية، كما أنه كان هناك زمن اعتبرت فيه هاتان الرسالتان موضعاً للثقة وذلك في الكنسية الأرمينية والكنيسة السريانية. كما يوجد أيضاً ترجمة لاتينية لهما تعود إلى فترة مبكرة كالقرن الثالث الميلادي.
المراسلات بين بولس وسينيكا: هي مجموعة مكونة من ثماني رسائل أرسلها الفيلسوف الروماني “سينيكا” إلى القديس بولس بالإضافة إلى ستة ردود قصيرة من الرسول عليها، ولقد كُتبت باللاتينية ليس بعد القرن الثالث الميلادي. وشهد القديس جيروم، في (de vir. Illus. 12)، أن تلك الرسائل كان “الكثيرون يقرأونها”. ويكتب سينيكا إلى الرسول ليخبره أن محتوى رسائله قد أثرت فيه كثيراً: “لأن الروح القدس، الذي فيك والذي يعلوك، هو الذي ينطق بهذه الأفكار السامية والمثيرة للإعجاب.” لكن الفيلسوف لا يعجبه الأسلوب الأدبي الرديء الذي كتب به بولس رسائله، لذا نصحه قائلاً: “لذلك، سوف ألفت انتباهك إلى بعض النقاط الأخرى، حتى لا تفقد عظمة الأفكار إلى براعة الأسلوب الأدبي”. (Ep. 7). ومن الواضح أن هذه المراسلات قد لُفقت بهدف معين، فالكاتب كان يريد أن تُقرأ رسائل بولس الأصلية في الدوائر الاجتماعية الرومانية بغض النظر عن عيوبها الأدبية، “لأن الآلهة دائماً ما تتكلم بأفواه البسطاء، لا بأفواه هؤلاء الذين يحاولون بخداع أن يعرضوا علينا ما يمكنهم أن يفعلوه مستخدمين معرفتهم”.
3 – الرسائل الأبوكريفية المنسوبة لتلاميذ بولس
رسالة برنابا (وقد تحدثنا عنها سابقاً)
النص المعروف بـ “Epistola titi Discipuli Pauli, de Despositione Sanctimonii”، ولقد نشر (De Bruyne) هذا النص الأبوكريفي اللاتيني لأول مرة عام 1925، وهو ليس برسالة لكنه عبارة عن خطبة عن البتولية موجهة إلى النساك من الجنسين. وهي تُقاوم مساوئ الحياة المُشتركة بين النساك من الجنسين تحت سقف واحد. ولهذا الخطبة علاقة قريبة بالكتاب المنحول المنسوب إلى كبريانوس والمعون بـ “de singularitate clericorum”، والذي استخدمه الكاتب. ولقد نشأ هذا النص، على الأرجح، في دوائر البريسكيليانيين بإسبانيا، ويبدو أن لغته الأصلية كان اليونانية.
[1] مرة أخرى يظهر هنا تأثر المؤلف بخلفيته الكاثوليكية الخلقيدونية والتي يقحمها في الحديث كلما تهياً له الفرصة لذلك، فالنص الذي أورده هنا لا يتحدث عن طبيعتين للمسيح ولكنه يتحدث عن أقنوم الابن قبل التجسد وفي التجسد. (المراجع).
أسفار الرؤيا الأبوكريفية – أدب العهد الجديد الأبوكريفي 4
أسفار الرؤيا الأبوكريفية- أدب العهد الجديد الأبوكريفي 4
أسفار الرؤيا الأبوكريفية- أدب العهد الجديد الأبوكريفي 4
هناك أيضاً، على غرار سفر “رؤيا القديس يوحنا” القانوني، أسفار رؤيوية أبوكريفية منسوبة إلى رسل آخرين. وبالرغم من أنه كان من المفترض أن يكون الأسلوب الأدبي الرؤيوي، أو أسلوب سفر الرؤيا، جذاباً على نحو خاص لكُتاب الأساطير الشعرية والروايات التهذيبية، إلا أن عدد الأسفار الرؤيوية الأبوكريفية محدود للغاية.
1 – رؤيا بطرس
أهم هذه الأسفار هو “رؤيا بطرس” الذي كتب في الفترة ما بين (125-150م). وقد شغل هذا السفر مكانة كبيرة عند الكتاب الكنسيين القدامى؛ فكليمندس السكندري، في: (Eus. Hist. eccl. 6: 14: 1)، يعتبره سفراً قانونياً، كما أنه يظهر في أقدم قائمة بأسفار العهد الجديد القانونية في الوثيقة الموراتورية، لكن مع إضافة تقول: “البعض لا يحبذون قراءته في الكنيسة”.
ولقد قال يوسابيوس في كتابه “تاريخ الكنيسة” (Hist. eccl. 3: 3: 2): “نحن لا نعرف شيئاً على الإطلاق في تقليد الكنيسة الجامعة عن ذلك السفر المسمى بـ “رؤيا القديس بطرس”، لأنه لا يوجد كاتب أرثوذكسي واحد سواء في الماضي أو في أيامنا هذه قد استخدم الشهادات التي به”. وكذلك رفض القديس جيروم، في (De vir. Ill. I)، هذا العمل باعتباره سفراً غير قانوني، لكن المؤرخ الكنسي “سوزومين” (7: 19) يشير، في القرن الخامس الميلادي، إلى أن هذا السفر كان لا يزال مستخدماً في ليتورجية يوم جمعة الصلبوت في كنائس فلسطين. وقد تم العثور على شذرة كبيرة من هذا السفر في مدينة إخميم في الفترة ما بين (1886-1887م)، أما النص الكامل فقد اكتشف عام 1910م في ترجمة إثيوبية.
ويتكون محتوى السفر في معظمه من رؤى تصور جمال السماء وقبح الجحيم، فالكاتب يرسم صورة مفصلة عن فظاعة العقوبات المعرض لها الخطاة من الرجال والنساء بحسب ما تستحقه جرائمهم. ولقد أظهرت أفكار الكاتب وتصوراته تأثره بالإسخاتولوجيا الأورفية[1] – الفيثاغورية[2] والأديان الشرقية، وربما سيكفي – للتدليل على هذه النقطة – هو أن ننظر إلى الفقرات التالية: “ثم رأيت موضعاً آخر قذراً جداً يُقابل ذلك الموضع؛ لقد كان هذا موضعاً للعقاب. وهكذا كان الخطاة يعاقبون، وكان الملائكة الذي يعاقبونهم يلتحفون بملابس سوداء بما يتناسب مع هواء المكان، وعُلق بعض هؤلاء من ألسنتهم، لأنهم كانوا قد نطقوا بالتجديف على طريق البر، وتحتهم كانت هناك نار تتلظى وتعذبهم.
وكانت هناك بحيرة عظيمة مليئة بالطين المشتعل، وقد جلس فيها بعضٌ من الرجال الذين انحرفوا عن طريق البر؛ وقد سُلطت عليهم ملائكة العذاب. وكان هناك آخرون أيضاً، نسوى معلقات من شعورهن فوق الطين الذي يغلي؛ هؤلاء من كن يتزين لارتكاب الزنى. أما الرجال الذين كانوا مرتبطين بهن في نجاسة الزنى، فقد علقوا من أرجلهم في حين تدلت رؤوسهم في الطين، وهم يقولون: “لم نصدق أنه ينبغي علينا أن نأتي لهذا المكان”.
ثم رأيت القتلة، وهؤلاء الذين كانوا يوافقونهم، في مكان ضيق مليء بالزواحف الشريرة، وقد كانت هذه الوحوش تؤذيهم، وهكذا كانوا يتقلبون في هذا العذاب، ولقد سُلطت عليهم ديدان كمثل سُحب الظلام في كثرتها ذلك في حين وقفت أنفس المقولين تنظر إلى عذاب هؤلاء القتلة وهو تقول: “عادل هو حكمك يا رب”. وقريب من هذا الموضع، رأيت مكاناً ضيقاً آخر حيث كانت تنحدر مخرجات وأقذار هؤلاء الذين كانوا تحت العذاب حتى صار هناك ما هو أشبه ببحيرة. وهناك، جلست بعض النساء مغمورات في هذا السائل حتى أعناقهن. وفي مقابلهن، جلس الكثير من الأطفال الذي ولدوا قبل ميعادهم يبكون، وقد خرجت من أعينهم أشعه من نار تضرب أولئك النسوة في أعينهم. هؤلاء هن من حمل من زواج (؟) ثم أجهضن أجنتهن”.
2 – رؤيا بولس
كانت هناك عدة أسفار رؤيوية ظهرت تحت اسم الرسول بولس. وقد ذكر أبيفانيوس سفراً غنوسياً بعنوان “صعود بولس” في (Haer. 38: 2)، ولكن لم يبق لدينا منه أي شيء. إلا أنه يوجد لدينا نص لعمل بعنوان “رؤيا بولس” في ترجمات مختلفة. وقد كُتب هذا النص باليونانية في الفترة ما بين (240-250م) في مصر على الأرجح. وربما سيفسر هذا سبب كونه معروفاً لأوريجينوس. ولم يبق لدينا أي شيء من النص الأصلي، غير أننا نملك نصاً يونانياً منقحاً يعود إلى الفترة ما بين (380-388م). وفي مقدمة هذه النسخة – المنقحة – يخبرنا المقدم أن هذه الرؤيا قد وجدت أسفل منزل القديس بولس في مدينة طرسوس في فترة قنصلية “ثيودوسيوس” و”جراتيانوس”.
وكان المؤرخ الكنسي “سوزومين”، الذي عاش في القرن الخامس الميلادي، على معرفة بهذا النص الأبوكريفي، لأنه يقول في كتابه “التاريخ الكنسي” (7، 19): “ولا يزال معظم الرهبان يبجلون هذا العمل المعنون بـ “رؤيا بولس” الذي لم يره أحد من القدماء قط. كما أن هناك بعض الأشخاص يؤكدون أنه قد عُثر على هذا السفر بإرشاد إلهي أثناء فترة حكم “ثيودوسيوس” في صندوق رخامي مدفون تحت التراب في بيت بولس بمدينة طرسوس كيلكية، إلا أن كاهناً كليكياً من كنيسة طرسوس أخبرني أن هذا كذب. ولقد كان هذا الكاهن رجلاً دل شعره الأشيب على كبر سنه، وقد قال لي إن مثل هذا الحدث غير معروف لديهم، وتساءل عما إذا كان الهراطقة هم من اخترعوا هذه القصة”.
وإلى جانب النص اليوناني، لدينا ترجمات سريانية، وقبطية، وإثيوبية، ولاتينية. كما أن الترجمة اللاتينية، التي ترجع إلى عام 500م، والتي نملكها في أكثر من عدد من التنقيحات، تتفوق على كل المصادر الأخرى في درجة موثوقيتها بل وتتفوق حتى على النص اليوناني المنقح. وقد عُنونت الرؤيا في معظم المخطوطات اللاتينية بالعنوان: (Visio Pauli) أي “رؤيا بولس”، وهو الوصف الأفضل لمحتواها، لأن الكاتب يعتزم فيها أن يخبرنا عما رآه بولس في الرؤيا التي ذكرها في رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس (12: 2).
وقد جاء فيها أن الرسول قد قبل من المسيح مهمة الكرازة بالتوبة للجنس البشري، وترفع الخليقة كلها، الشمس، والقمر، والنجوم، والمياه، والبحر، واليابسة، دعواها ضد الإنسان قائلة: “آه يا أيها السيد الرب القدير، لقد دنس بنو البشر اسمك القدوس”. ثم يقود أحد الملائكة الرسول بولس إلى موضع الأرواح البارة؛ أرض الصديقين المشرقة، وإلى بحيرة “أخيروسا” (Acherusa) التي منها تظهر مدينة المسيح الذهبية. وبعد أن يريه الملاك تلك المدينة بالتفصيل، يأخذه الملاك إلى “نهر النار” حيث تتعذب أرواح الأشرار والخطاة. ويشبه هذا الجزء سفر “أعمال بطرس” من حيث الوصف الذي يعطيه لعذابات الجحيم، لكنه يتعدى وصف ذلك الأخير ويزيد عليه، فيورد من ضمن المحكوم عليهم رتب الإكليروس المختلفة: الأساقفة، والكهنة، والشمامسة، وكذلك الأنواع المختلفة من الهراطقة.
والكاتب شاعر يمتلك موهبة كبيرة وقدرة على التخيل، فلا عجب إذن أنه كان لكتابه تأثير هائل في العصور الوسطى، فيشير “دانتي” إليه عندما يذكر زيارة “الوعاء المختار” إلى الجحيم في النشيد رقم (2: 28) من الـ “Inferno” (الجحيم). أما الذي يذكره الكاتب عن الملائكة في هذا الكتاب فمثير للاهتمام. ففكرة “الملاك الحارس” مُعبر عنها هنا بوضوح: “هكذا، عند غروب الشمس، وفي الساعة الأولى من الليل، في نفس الساعة، يذهب ملاك كل شخص، كل رجل وامرأة، ذاك الذي يحميهم ويحرسهم لأنهم صورة الله.
وأيضاً في ساعة دخول النهار، التي هي الساعة الثانية عشرة من الليل، يذهب ملائكة الرجال والنساء جميعهم. لكي تمثُل أمام الله، وتعرض عليه الأعمال التي عملها كل إنسان، سواء كانت صالحة أو شريرة. (528 James) فوظيفة الملائكة هي أن تعمل كمرشدة وحارسة للنفوس، خاصة عند صعودها من الأرض إلى السماء بعد الموت.
كما أن مهام الملاك ميخائيل كمرشد تذكرنا بالصلاة التي تتلى عند جمع الصدقات من المصلين أثناء القداس الذي يقام من أجل راحة نفس الميت والمذكورة في كتاب القداس الخاص بالكنيسة الكاثوليكية الرومانية: “ثم جاء صوت الله قائلاً: كما أن تلك النفس لم تحزني، أنا أيضاً لن أحزنها… سلموها إذن إلى ميخائيل، ملاك العهد، واسمحوا له أن يقودها إلى فردوس الفرح، حتى تصبح وارثة مع القديسين (532 James). أما النظير المقابل لميخائيل كمرشد للنفوس فهو “تارتاروس” (Tartarus) (فصل 18): “ثم سمعت صوتاً يقول: سلموا النفس لتارتاروس، وعليه أن يهبط بها إلى الجحيم”. (535 James).
علاوة على ذلك، نجد أنه من المثير للاهتمام أننا نتقابل هنا مع فكرة تخفيف عقوبة المعذبين في الجحيم في يوم الأحد: “والآن، ولأجل ميخائيل رئيس ملائكة عهدي والملائكة الذين معه، ولأجل بولس حبيبي الأثير، لأجل إخوتكم الذين في العالم الذين يقدمون القرابين، ولأجل أولادكم لأن فيهم وصاياي، وبالأكثر لأجل صلاحي، سوف أمنحكم جميعاً وإلى الأبد، يا أيها المعذبون في الجحيم، راحة لمدة يوم وليلة – وذلك – في اليوم الذي قمت فيه من بين الأموات”.
3 – رؤيا استيفانوس
أدان “المرسوم الجلاسياني” سفر “رؤيا بولس” مع سفرين رؤيويين آخرين، هما “رؤيا استيفانوس” و”رؤيا يوحنا”. أما بخصوص “رؤيا استيفانوس” فلا توجد لدينا أية معلومات، ومن الممكن أن يكون المرسوم الجلاسياني هنا يقصد قصة العثور على رفات القديس استيفانوس وإعادة اكتشافه التي ألفها القس “لوقيان اليوناني حوالي عام 415م.
4 – رؤيا توما
كُتب سفر “رؤيا توما” سنة 400م باليونانية أو باللاتينية، ويعتنق كاتبه آراء غنوسية مانوية. ولم يكن هذا العمل قد اكتشف حتى عام 1907م حينما عثر عليه في مخطوطة بمدينة “ميونخ”، وفيها نجد أن هذه الرؤيا تأتي تحت العنوان: “Christi ad Thomam Discipulum Epistola Domini Nostri Jesu”، وأيضاً نمتلك ترجمة إنجليزية قديمة لهذه الرؤيا في عظة مسجلة في مخطوطة (أنجلو – ساكسونية) بمدينة “فيرسيلي”، وهناك إشارات إلى أن اللغة الأصلية التي كُتبت بها هذه الرؤيا من المحتمل أن تكون اليونانية.
ويتألف محتوى هذا السفر من عدة إعلانات أعطاها الرب للرسول توما تتعلق بما سيحدث في الأيام الأخيرة، وعلامات نهاية العالم الوشيكة تمتد هنا على فترة طولها سبعة أيام. ولقد استخدم اتباع “بريسكيليان”[3] هذا السفر، كما أنه كان معروفاً في إنجلترا في القرن التاسع الميلادي على أقل تقدير.
5 – رؤيا القديس يوحنا
حتى الرسول يوحنا صاحب سفر الرؤيا القانوني نُسبت إليه عدة أسفار رؤيوية. ولقد قام كل من (C. Tishendorf) و(A. Birch) بنشر إحداها، وهو يحتوي على سلسلة من الأسئلة والأجوبة التي تتعلق بنهاية العالم، ووصف لضد المسيح كثيراً ما يحذو حذو سفر الرؤيا القانوني. وهناك سفر آخر باسم “رؤيا القديس يوحنا” قام بتحريره (F. Nau) من مخطوطة بمدينة باريس (Paris. Grace. 947)، وهنا يوجه القديس يوحنا أسئلة للرب تتعلق بالاحتفال بيوم الأحد، والصوم، والعبادة، وتعاليم الكنيسة.
6 – رؤيا العذراء
يعود تاريخ كتابة سفر “رؤيا العذراء” إلى حقبة متأخرة، فيه تتلقى العذراء استعلانات بخصوص عذابات الجحيم وتتشفع من أجل المحكوم عليهم بالعذاب. ولدينا منه عدة نصوص باقية باللغتين اليونانية والإثيوبية قام بنشرها كل من: (C. Tischendorf) و(A. Vasiliev) و(M. Chaine) و(M. R. James).
[1] ترجع تسميتها إلى أسطورة أورفيوس. وأورفيوس في الأسطورة كان معروفاً ببراعته في الموسيقا إلى جانب إتقانه فنون السحر والحكمة. وكان عزفه يفتن الحيوانات وغيرها من الكائنات. وقد أحب أورفيوس يوروديكي وتزوجها لكنها سرعان ما ماتت بلدغة ثعبان. وقد اعتبر أورفيوس أن ماحدث لحبيبته لم يكن عدلاً، فقرر الذهاب إلى العالم السفلي وإعادتها إلى الحياة. وكان سلاحه في تلك المغامرة هو موسيقاه التي سحر بها الأشباح وآلهة الموت.
لكن أثناء عودته هو وحبيبته إلى عالم الأحياء التفت أورفيوس وراءه ليتحقق من أن يوروديكي تقتفي أثره، وكان في ذلك إخلال بالعهد الذي قطعه للإله هاديس، الأمر الذي دفع الأشباح إلى اختطاف يورديكي وأعادتها ثانية إلى عالم الأموات. ومنذ ذلك الحين تحولت قصة هبوط أورفيوس إلى العالم السفلي إلى فكرة ترمز للعاشق الذي يحاول استعادة حبيبته وتخليصها من براثن الهلاك لكنه يفقدها ويفقد نفسه في النهاية نتيجة تسرعه وحرصه المفرط. وقد ظهرت المجتمعات الأولى التي تدين بالأورفية في بلاد أتيكا ثم انتشرت في بلاد الإغريق كلها حتى جنوبي إيطالية وصقلية.
والمفهوم الأساسي للأورفية قائم على مبدأ الاثنينية، حيث تنادي بخلود الروح وسموها، وفناء الجسد ودنوه، فالروح ذات طبيعة خالدة مقدسة وتحيا حياة حقيقية بعد فناء الجسد، ولكي تحقق الروح حريتها عليها أن تدخل في دورات من التقمص والحلول في أجساد مختلفة وفقاً لاستحقاقها، ومن هذا كان الاعتقاد بالعقاب والثواب بعد الموت، كذلك الاعتقاد بالخطيئة والحاجة إلى التكفير، وأن كل فرد يمتلك عينة من قوة الحياة تنتقل منه عند الوفاة إلى شخص آخر في دورة جديدة بين الموت والولادة. ولما كانت الروح سجينة الجسد فهي تحتاج إلى حياة نقية من الزهد والتقشف مع تحريم أكل الأغذية الحيوانية ولبس الصوف وشرب الخمر والنشاط الجنسي إلا من أجل الإنجاب، ويبدو ذلك جلياً في الشعائر التي تمارس إحياء لموت أورفيوس وولادته مجدداً (المراجع).
[2] ولد هذا المفكر حوالي عام 580 ق.م في جزيرة ساموس في بحر إيجة، باليونان، وحين بلغ السادسة عشرة من عمره بدأ يظهر نبوغه، وأسس فيثاغورث مدرسته حوالي 529 ق.م في كروتونا، وكانت مدرسته أقرب لأن تكون فرقة دينية من أن تكون مدرسة بالمفهوم الصحيح للكلمة. كان أعضاؤها يتعارفون بإشارة سرية، ويتشاركون في تملك جميع الأشياء، كما تعاهدوا على أن يعاون بعضهم بعضاً. كان مولعاً بالرياضة وله نظرية شهيرة باسمه. ولم يكن فيثاغوس مولعاً بالأعداد والهندسة فحسب وإنما بالعلوم الأخرى المعروفة، فضلاً عن شغفه بعلوم الدين.
وكانت دروس فيثاغورس تتناول درجات الحكمة الأربع: الحساب، الهندسة، الموسيقا، الفلك، وواجبات الإنسان نحو الآخرين، والدين، وكان يفرض على طلابه ممارسة فضائل المروءة والتقوى والطاعة والإخلاص، أي كل ما كان ينادي به المجتمع الإغريقي المثالي. الحياة النقية في رأي فيثاغورس، تعني حياة التقشف. وكانت الموسيقا لدى فيثاغورس ذات أهمية بالغة. وكان تدريس فيثاغورس خليطاً من التصوف والتحليل العقلي (المراجع)
[3] كان بريسكيليان علمانياً؛ وبدأ ينادي في أسبانيا حوالي عام _370-375م) بعقيدة نسكية عنيفة، وامتد نشاطه حتى جنوب فرنسا، وتبعته جماعة سُميت بالبريسكيليانيين، وهي تنتمي إلى الغنوسية؛ وكانت تعتقد بأن هناك فرقاً بين إله العهد القديم وإله العهد الجديد، وتعتقد بالنظرة الثنائية (الخير والشر)؛ وأن جسد السيد المسيح ليس حقيقاً، وقد نبعت أفكارهم النسكية العنيفة نتيجة إيمانهم بأن المادة شر بطبيعتها، وقد حرموا الزواج، وكانوا يمارسون السحر ويهتمون بالفلك، وقد أدينت تعاليم بريسكيليان في مجمع ساراجوسا وحُكم عليه وعلى قادة جماعته بالقطع من الشركة، ولكن الإمبراطور جراتيان أصدر مرسوماً إمبراطوري في تريف حوالي عام (483م)، وهو يعد أول هرطوقي حكم عليه بالموت. وأدينت البريسكيلناينة في مجمع توليدو (447م)، وعدة مجامع أخرى آخرها كان مجمع براجا عام (563م). (المراجع)
أسفار أعمال الرسل الأبوكريفية – أدب العهد الجديد الأبوكريفي 3
أدب العهد الجديد الأبوكريفي – 3- أسفار أعمال الرسل الأبوكريفية
أسفار أعمال الرسل الأبوكريفية – أدب العهد الجديد الأبوكريفي 3
تشترك أسفار الأعمال الأبوكريفية مع الأناجيل الأبوكريفية في كونها تزود القارئ بالمعلومات الغائبة عن العهد الجديد، فتماماً مثل الأناجيل – الأبوكريفية – التي تؤلف مادة قصصية لكي تملأ الفراغات المتروكة في حياة يسوع وعائلته، هكذا أعمال الرسل الأبوكريفية تحكي عن حياة الرسل وموتهم بطريقة تذكرنا بالقصص الرومانسية الوثنية.
ومن الواضح أن قصد ابتداع أدب شعبي يحل محل الروايات الوثنية الإيروتيكية[1] كان له دور هام في تكون هذه الأعمال الأبوكريفية، فهي تذخر بالمغامرات ووصف البلاد الأجنبية والشعوب الغريبة؛ ويمر أبطالها بكل أنواع المخاطر، بل يمكننا أن نرى أن تأثير القصص الخرافية المنتشرة والفلولكلور والأساطير عليها يفوق تأثيرها على الأناجيل الأبوكريفية. لكن أحياناً، تظهر بعض التقاليد الصحيحة تاريخياً تحت كل هذا الكم من القصص المعجزية الخيالية، وذلك مثلاً عندما يذكر سفر “أعمال بطرس وبولس” استشهاد الرسولين في روما، وأيضاً عندما يذكر سفر “أعمال يوحنا” أمر إقامة يوحنا في مدينة أفسس.
وبالرغم من أن معظم هذه الأسفار تُظهر ميولاً هرطوقية، إلا أنها ذات أهمية قصوى لكل من تاريخ الكنيسة وتاريخ الثقافة؛ فهي تلقي بأضواء كثيرة على تاريخ العبادة المسيحية في القرنين الثاني والثالث، وتصف الشكل الأول لخدمات العبادة الدينية التي كانت تقام في المنازل، كما أنها تضم الترانيم والصلوات التي تُشكل بداية الشعر المسيحي. هذا بالإضافة إلى أن هذه الأسفار تعكس الشكل النسكي الخاص بالطوائف الهرطوقية المنتشرة، وتظهر أيضاً محاولات التوفيق التي كانت تتم داخل الدوائر الغنوسية بين المعتقدات المسيحية والأفكار والخرافات الوثنية. ويقول (M. R. James): “يمكننا أن نجد ضمن الصلوات والأحاديث المنسوبة إلى الرسل في أسفار الأعمال المنحولة بعض الأقوال المميزة بل والجميلة؛ كما أن الكثير من هذه القصص المذكورة بها جديرة بالذكر، ومليئة بالخيال، وقد جعلتها عبقرية فناني العصور الوسطى مُبجلة لدينا ومألوفة لنا. لكن، لم يكن مؤلفو هذه الأعمال يتكلمون بلهجة بولس أو يوحنا؛ أو ببساطة الأناجيل الثالثة الأولى، لذا لن نظلمهم إن قلنا إنهم عندما يحاولون أن يكتبوا مثل الأناجيل فإنهم يصبحون مملّين. واختصاراً، يمكننا أن نقول إن دراسة مثل هذا النوع من الأدب دراسة دقيقة، سواء أكانت مجملة أم مفصلة، سوف تعود بالمزيد من الاحترام للوعي الذي كانت تمتلكه الكنيسة الجامعة، والحكمة التي لعلماء الإسكندرية، وأنطاكية، وروما فهم كانوا – بلا أدنى شك – صيارفة متمرسين، لقد امتحنوا كل شيء وتمسكوا بالحسن.”
والمؤلفون الحقيقيون لهذه الأسفار غير معروفين، لكن بداية من القرن الخامس الميلادي ذُكر شخص يدعى “لوكيوس” باعتباره مؤلف أعمال الرسل الأبوكريفية الهرطوقية، فيذكر فوتيوس في (Bibl. Cod. 114)، رجلاً يدعى “لوكيوس خارينوس” باعتباره كاتي مجموعة أعمال بطرس، وبولس، واندراوس، وتوما، ويوحنا. وقد اعتُبر لوكيوس في البداية أنه مؤلف “أعمال يوحنا” فقط؛ إلا أنه لاحقاً نسبت إليه كل أسفار الأعمال الهرطوقية. ولمحاولة منع انتشار هذه الأسفار المنحولة وتعاليمها الهرطوقية، قام مؤلفون مستقيمو العقيدة بإعادة كتابة بعضها، وهكذا عوضوا النقص الكائن في الروايات القانونية المتعلقة برحلات الرسل التبشيرية. ولقد اعتمد كثير من فصور كتاب أعياد الرسل الخاص بالكنيسة الكاثوليكية الرومانية على هذه الأعمال.
1 – أعمال بولس
علق ترتليان في بحثه “عن المعمودية” (الفصل 17) قائلاً: “ولكن الكتابات المنسوبة خطأ إلى بولس تؤيد حجتها بمثال تكلا، وذلك بوصفه أنه يعطي رخصة للمرأة كي تُعلم وتُعمد. ولكن ليعلم الجميع أن هذا القس الذي ألف هذه الكتابات في آسيا – كما لو كان يزيد بولس من شهرة على شهرته – قد عُزل من رتبته بعد أن تمت إدانته واعترف أنه هو من فعل هذا محبة منه في بولس”. ويبدو واضحاً من هذه الكلمات أن هناك كتاباً اسمه “أعمال بولس” كان متداولاً بين الناس قبل زمن ترتليان، وكان مؤلفه كاهناً من آسيا الصغرى قد أوقف عن خدمته الكهنوتية قبل سنة 190م ولا شك. لكن لم يكن من الممكن لنا أن نحدد المحتوى الكامل لهذا الكتاب إلا حينما نشر (C. Shmidt) سنة 1904 شذرات من ترجمة قبطية له كانت موجودة في بردية بجامعة هايدلبرج (Heidelberg).
ولقد أثبتب هذه النسخة القبطية على وجه الخصوص أن هناك ثلاثة نصوص، كانت معروفة لنا منذ وقت طويل باعتبارها كتباً مستقلة، هي في الأصل وببساطة، عبارة عن أجزاء من “أعمال بولس”. وهذه النصوص الثلاثة هي:
أعمال بولس وتكلا.
المراسلات بين القديس بولس وأهل كورنثوس.
استشهاد بولس
أولاً: الكتاب اليوناني المعروف باسم “أعمال بولس وتكلا” (##) يطلق القديس جيروم، في (de vir.ill. 7)، على هذا الكتاب عنوان (Periodi Pauli et theclae)، وهو يضم قصة “تكلا”، الفتاة اليونانية من مدينة إيقونية والتي تحولت إلى المسيحية بكرازة بولس. وتترك تكلا خطيبها وتتبع الرسول لتساعده في عمله الكرازي، ثم تهرب من الاضطهاد والموت بطريقة معجزية، وأخيراً تعتزل العمل الكرازي وتستقر في مدينة سلوقية[2]. وتحمل القصص المروية في هذا العمل كل سمات القصص الخيالية، وتبدو بلا أي أساس تاريخي، إلا أنه، بالرغم من ذلك، أصبح تكريم القديسة تكلا ذا شعبية كبيرة وانتشر في الشرق والغرب، بل إنه في الحقيقة، قد ورد اسمها في الصلوات المقدمة لأجل أرواح المنتقلين (Proficiscere) في الطقس الروماني. ولا يمكننا على وجه التأكيد أن نعرف ما إذا كان هذا الكتاب الأبوكريفي قد كتب ليعطي تبريراً لتكريمها، أم أن القصة لها نواة تاريخية. ولقد حُفظ النص اليوناني الأصلي لهذا الكتاب في عدد من المخطوطات، كما أنه قد بقي لدينا خمس مخطوطات لاتينية له، بالإضافة إلى عدد كبير من الترجمات إلى اللغات الشرقية.
وكان لمحتوى هذه الرواية ولا تزال تأثير كبير على الفن والأدب المسيحي، فلقد أصبح وصف بولس الذي ورد في الفصل الثالث هو النموذج الذي على أساسه رُسمت صورته منذ زمن مبكر: “رأى بولس قادماً، إنه رجل صغير الحجم، ذو رأس أصلع ورجلين معوجتين، قوي، يملك حاجبين ملتصقين، وأنفاً معقوفاً إلى حد ما، مملوءً جمالاً، يظهر أحياناً كإنسان وأحياناً يكون له وجه ملاك.”
ثانياً: المراسلات بين القديس بولس وأهل كورنثوس، وهي تشكل جزءً آخر من “أعمال بولس”؛ وتشمل رد أهل كورنثوس على رسالته الثانية ورسالته الثالثة إليهم.
ثالثاً: وبالإضافة إلى ما سبق، تشتمل أعمال بولس على “استشهاد بولس” أو “آلام بولس” (Passio Pauli). ولقد حفظ هذا النص في مخطوطتين يونانيتين وترجمة لاتينية غير كاملة، وكذلك في ترجمات سريانية، وقبطية، وإثيوبية، وسلافية.
ومحتوى هذا النص أسطوري، وهو يتناول كرازة بولس، وعمله الكرازي في مدينة روما، واضطهاد نيرون، وإعدام الرسول بولس. ولقد أثرت تفاصيل عملية إعدام الرسول، المذكورة في هذا العمل، على كل من الفن والليتورجيا المسيحية بشدة: “ثم وقف بولس ووجهه متجه نحو الشرق ورفع يديه نحو السماء وصلى لوقت طويل. وفي أثناء صلاته، تحاور مع الآباء باللغة العبرية. ثم مد عنقه صامتاً، وعندما قطع الجندي المكلف بالإعدام رأس بولس، تدفع اللبن على عباءته”.
وبعد موته، يظهر بولس للإمبراطور ويتنبأ له بالدينونة الآتية عليه. أما فكرة “المسيح الملك” و”جنود المسيح” فتظهر بوضوح شديد في كل أجزاء هذا العمل؛ فيطلق على المسيح هنا “الملك الأبدي” و”ملك الدهور”، والمسيحيون هم “جنود الملك العظيم”. كما أن الصراع ما بين عبادة المسيح وعبادة الإمبراطور مصور هنا بوضوح.
وقد أثبت الاكتشاف الحديث لجزء كبير من هذا العمل في نصه اليوناني الأصلي أن استنتاج (C. Shmidt) بخصوص الشكل الأصلي لسفر “أعمال بولس” كان صحيحاً. ولقد زودتنا إحدى عشرة صفحة من البردي – كتبت حوالي 300م وموجودة الآن في هامبورج – بجزء كبير من النص الذي كان مفقوداً.
2 – أعمال بطرس
كتبت “أعمال بطرس” سنة 190م، ويبدو أن الكاتب كان يعيش في سوريا أو فلسطين وليس في روما. ونحن لا نمتلك النص الكامل، ولكننا استعدنا ثلثي النص من مصادر مختلفة. ولدينا الجزء الرئيس من “أعمال بطرس” في ترجمة لاتينية وجدت في مخطوطة بمدينة “فيرسيلي” (Actus Vercellenses). وتورد هذه الترجمة المعنونة بـ “Actus Petri cum Simone” الأحداث التالية:
ترك بولس للمسيحيين الرومانيين واتجاهه إلى إسبانيا.
مجيء سيمون الساحر إلى روما وخداعه للمسيحيين بمعجزات ظاهرية.
سفر بطرس إلى روما وانتصاره على الساحر الذي يلقى مصرعه أثناء محاولة منه للطيران منطلقاً من المنتدى الروماني إلى السماء. ثم تُختتم هذه الوثيقة برواية قصة استشهاد بطرس.
وفي سبيل تحديد الوسط الفكري الذي ينتمي إليه المؤلف، يصبح من المهم أن نلاحظ أنه في الفصل الثاني من العمل يذكر أن بولس قد احتفل بالإفخارستيا بخبز وماء: “ثم أحضروا إلى بولس خبزاً وماء للتقدمة، حتى يصلي ويوزعهما على الجميع”. وتشير هذه الحقيقة إلى أن الكاتب يعتنق آراء دوسيتية (docetic). ويمكننا أن نرى التأثير الهرطوقي نفسه في عظة بطرس ضد الزواج، وإقناعه للزوجات بأن يتركن أزواجهن.
ولدينا أيضاً النص اليوناني الأصلي لخبر استشهاد القديس بطرس” (##) الذي يشكل الجزء الثالث من الـ (Vercellenses Actus). وهو يضم قصة “يا رب، إلى أين تذهب؟” الشهيرة، ففي حين كان بطرس يشعر أنه مرغم على ترك مدينة روما، تقابل مع يسوع: “وعندما رآه، قال له: “يا رب، إلى أين تذهب؟” فأجابه الرب قائلاً: “إني ذاهب إلى روما لأصلب”. فقال له بطرس: ” يا رب، هل ستصلب ثانية؟” فأجابه قائلاً: “نعم يا بطرس، سأصلب ثانية”. فعاد بطرس إلى نفسه، وبعد أن رأى الرب صاعداً إلى السماء، عاد إلى روما مبتهجاً وممجداً الرب، لأنه قال: “إني سوف أصلب”، وهو الأمر الذي كان مزمعاً أن يحدث لبطرس”. (Ch. 3. P333 James). ثم تستمر القصة حتى تصل على حكم الوالي أغريباس على بطرس بالموت. وقد صُلب بطرس منكس الرأس بناء على طلبه وقبيل موته، يعظ بطرس عظة طويلة وهو على الصليب تُظهر معانيها الرمزية – مرة أخرى – تأثيراً غنوسياً.
ولا تنتمي القصة المعنونة بـ Martyrium beati Petri Apostoli Lino conscriptum إلى نفس المؤلف، فلقد كُتبت باللغة اللاتينية في القرن السادس الميلادي على الأرجح، وبالتالي لا يمكن أن يكون كاتبها هو لينوس الخليفة الأول لبطرس، ذاك الذي تُنسب إليه كتابتها. كما أن القصة أسطورية تماماً، وهي تتبع تفاصيل خبر الاستشهاد الأصلي كما ورد في الـ (Actus Vercellense) لكنها تضيف إليه بعض التفاصيل الأخرى، مثل اسمي سجاني بطرس: “بروسيسوس” (Proxessus) و”مارتينيان” (Martinian).
3 – أعمال بطرس وبولس
يختلف كتاب “أعمال بطرس وبولس” تماماً عن كل من “أعمال بولس” و”أعمال بطرس” اللذين ذكرناهما تواً، فهو يشدد على العلاقة الحميمة والرفقة التي كانت بين الرسولين. ويبدأ النص بذكر رحلة بولس من جزيرة (Gaudometet) إلى روما، ثم يسرد الأعمال الرسولية التي قام بها الرسولان، ثم استشهادهما في هذه المدينة. ومن الواضح أن الكاتب قد استخدم سفر أعمال الرسل القانوني كأساس لوصفه لرحلة بولس، ومن الممكن أن يكون المؤلف قد كتب هذا العمل بغرض أن يحل محل أسفار أعمال الرسل الأبوكريفية. ويُحتمل أن يكون هذا العمل قد كُتب في القرن الثالث الميلادي، كما أنه نادراً ما يُظهر أي علامات تدل على تأثره بأي هرطقة. والعمل متوفر لدينا في شذرات لاتينية ويونانية.
4 – أعمال يوحنا
إن كتاب “أعمال يوحنا” هو أقدم أسفار أعمال الرسل الأبوكريفية التي في حوزتنا. ولقد كُتب في آسيا الصغرى في الفترة ما بين 150-180م. وبالرغم من أنه لم يبق لدينا منه أي نص كامل، إلا أن بحوزتنا جزءً كبيراً من الأصل اليوناني الذي تُكمل ترجمة لاتينية عدداً من الأحداث الواردة به. ويزعم الكتاب أنه يعطينا رواية شاهد عيان على رحلات يوحنا التبشيرية في آسيا الصغرى، وهو يروي لنا معجزاته، وعظاته، وموته.
وتُظهر عظات الرسول – المذكورة في هذا الكتاب – ميولاً دوسيتية لا تخطئها عين، خاصة عندما تأتي على وصف يسوع وجسده اللامادي، فهو مثلاً يقول في الفصل (93): “أحياناً عندما كنت أمسك به، كانت يدي تصطدم بمادة وجسم صلب. وأحياناً أخرى عندما كنت ألمسه، يصبح جسده غير مادي، كما لو لم يكن موجداً على الإطلاق”. وكذلك صُبغت الترتيلة التي رتلها يسوع للآب مع رسله قبل أن يذهب للموت بصبغة غنوسية في تعبيراتها وتكوينها. ويظهر الكاتب ضعفاً يتمثل في القصص الغريبة، مثل قصة “دوسيانا” (Druciana)، والحوادث المضحكة.
أما بالنسبة للقيم الأخلاقية التي يكشف عنها كتاب أعمال يوحنا فهي نفسها القيم الأخلاقية التي للفلسفة الشعبية الشائعة. ومع ذلك، فإن للكتاب قيمة كبيرة فيما يتعلق بالتاريخ المسيحي، فهو، على سبيل المثال، أقدم مصدر يسجل لنا الاحتفال بالإفخارستيا من أجل الموتى: “وفي اليوم التالي، ذهب يوحنا إلى الضريح في الفجر ومعه أندرونيكوس والإخوة، فاليوم هو اليوم الثالث من وفاة دروسينا حيث يجب علينا أن نكسر الخبز هناك”. (Ch. 72) ولقد جاء في الفصل (85) نص الصلاة الإفخارستيا التي استخدمها الرسول في هذه الخدمة الجنائزية: “وبعدما قال هذا، أخذ يوحنا الخبز وقدمه في الضريح ليكسره ثم قال: “نحن نبارك اسمك، يا من هديتنا من الضلال والخداع القاسي، نحن نمجدك يا من أظهرت أمام أعيننا ما رأيناه، نحن نشهد للطفك المحب، ذاك الذي ظهر بطرق كثيرة، نحن نمجد اسمك الرحيم يا رب ذاك الذي أدانهم، هؤلاء المدانين منك، نحن نشكرك، يا رب يسوع المسيح، لأننا قد قنعنا بنعمتك التي لا تتغير، نحن نشكرك، يا من احتجت أن تأخذ طبيعتنا لتخليصها، نحن نشكرك يا من أعطيتنا هذا الإيمان الأكيد، لأنك أنت الإله وحدك، الآن وإلى الأبد، نحن خدامك نشكرك أيها القدوس، نحن من اجتمعنا بنية صالحة، ولقد اجتمعنا من كل أرجاء العالم”.
5 – إعمال أندراوس
ذكر يوسابيوس أعمال أندراوس في (Hist. eccl. 3: 25: 6) إلى جانب أعمال يوحنا باعتبارهما كتابين وضعهما الهرطقة قائلاً: “لم يعتقد أي شخص ينتمي إلى التعاليم الأرثوذكسية أنه من الصحيح أن يشير إلى أي من هذه الكتب في كتاباته، علاوة على ذلك، يختلف أسلوب كتابة هذه الكتب عن الأسلوب الرسولي، كما أن الآراء والميول العقائدية التي تحتوي عليها غير متناغمة بشكل كبير مع الأرثوذكسية الحقيقية، وتُظهر بوضوح أنها من تزييف الهراطقة”.
ويعتقد أن كاتب كتاب “أعمال أندرواس” هو “لوكيوس خارينوس”، الذي كتبه حوالي سنة 260م، ولا يوجد اليوم إلا بعض الشذرات القليلة التي تحتوي على الأحداث التالية:
قصة أندراوس ومتياس عندما كانا بين آكلي لحوم البشر المتواجدين عند البحر الميت. ونحن نمتلك نص هذه القصة في ترجمات لاتينية، وسريانية، وقبطية، وأرمينة، وكذلك في القصيدة الأنجلوسكسونية “أندرياس” المنسوبة إلى “ساينولف” (Cynewolf).
قصة بطرس وأندراوس.
قصة استشهاد أندراوس في مدينة “بترا” (Patrai) بمقاطقة أخائية، تلك التي كُتبت في وقت ما بعد سنة 400م. وتأخذ هذه الوثيقة شكل رسالة دورية كتبها كهنة وشمامسة أخائية عن استشهاد أندراوس. والرسالة موجودة باليونانية واللاتينية، ويبدو أنه لا علاقة بينها وبين أعمال أندراوس الغنوسية التي أدانها يوسابيوس.
هناك شذرة أخرى محفوظة في المخطوطة الفاتيكانية الإغريقية (Codex Vaticanus grace. 808) تحكي عن الآلام التي عاناها أندراوس في أخائية، والحوارات التي أجراها في السجن في مدينة بترا.
رواية عن استشهاد القديس أندراوس وصلت إلينا في عدة نسخ منقحة.
وهناك شيء واحد مشترك بين هذه القصص جميعاً، وهو أن أندراوس قبل موته يتوجه إلى الصليب الذي كان مزمعاً أن يموت عليه بعظة طويلة تُذكرنا بعظة مُشابهة في إنجيل بطرس، كذلك أيضاً يوصي الرسول في أعمال أندراوس – الزوجات – بترك أزواجهن، الأمر الذي يقوده إلى خلافات مشابهة مع الأزواج ومع السلطات الوثنية، مما يؤدي أخيراً إلى موت الرسول.
6 – أعمال توما
أعمال توما هو الكتاب الوحيد من كتب أعمال الرسل الأبوكريفية الذي وجد كاملاً، وقد كُتب بالسريانية في النصف الأول من القرن الثالث. ومن المرجح جداً أن مؤلفه كان ينتمي إلى شيعة البارديصانيين[3] في مدينة إديسا، وقد تُرجم هذا الكتاب بعد كتابته بفترة قصيرة إلى اللغة اليونانية، ونحن لدينا من هذه الترجمة عدة مخطوطات. كما أنه موجود أيضاً في ترجمات أرمنية وأثيوبية، وترجمتين لاتينيتين مختلفتين.
ويصور الكتاب توما على أنه مبشر الهند ورسولها. وهو يسجل مغامراته وخبراته في رحلته إلى هذه البلد بالتفصيل. وقد آمن الملك جندافور (Gundafor) على يد توما. ثم استشهد توما بعد أن أجرى معجزات كثيرة.
ويتألف الكتاب كله من أربعة عشر عملاً، وبالرغم من أن وجود ملك هندي في القرن الأول الميلادي باسم “جندافور” قد تم تأكيده تاريخياً، إلا أن كل المحاولات التي بذلت حتى الآن لتوثيق قصة كرازة توما في الهند قد فشلت.
ويكشف الكتاب بوضوح عن أصله الغنوسي وميله الجزئي إلى المانوية؛ فاتجاهاته النسكية تُماثل تلك التي في “أعمال أندراوس” و”أعمال بطرس”؛ الزواج مرفوض، كما يتم إقناع الزوجات فيه بترك أزواجهن. كذلك يحتوي العمل على عدة تراتيل ليتورجية على قدر كبير من الجمال، أكثرها لفتاً للأنظار هي الترتيلة المُسماة بـ “النفس” أو “الخلاص”، تلك التي تعود على الأرجح إلى زمن يسبق زمن كتابة الأعمال والتي يبدو أنها قد أقحمت في سياق الرواية. وتصور هذه الترتيلة المسيح باعتباره ابن الملك، ذاك الذي يُبعث من بلده في الشرق إلى مصر في الغرب لكي يهزم التنين ويفوز باللؤلؤة، ثم يعود إلى نور بلده بعد أن يتم له ذلك، وهكذا تكون البلد التي في الشرق هي السماء أو الفردوس الذي نزل منه المسيح إلى العالم الخاطئ ليخلص النفس الواقعة في شرك المادة.
7 – أعمال تداوس
يوحي كلام يوسابيوس القيصري في كتابه “تاريخ الكنيسة” (1: 13) بأنه كان يعرف “أعمال تداوس” التي كُتبت في سوريا. وبحسب يوسابيوس، تحكي هذه الأعمال أن الملك أبجر، ملك أديسا، عندما سمع عن يسوع ومعجزاته، أرسل إليه طالباً منه أن يأتي ويشفيه من مرضه الصعب. لكن يسوع لم يجبه إلى طلبه، بل أرسل إليه رسالة وعده فيها أن يرسل إليه أحد تلاميذه. وفعلاً، بعد قيامة المسيح، حرك الله توما الرسول ليُرسل تداوس، أحد رسل الرب السبعين، إلى أديسا، ثم شفى الملك على يد تداوس، وتحولت أديسا كلها إلى المسيحية.
ولقد ترجم يوسابيوس القيصري المراسلات بين يسوع والملك أبجر من السريانية إلى اليونانية، وهو يخبرنا أنه قد أخذ النص الذي ترجمه من سجلات أديسا، وها هو نص كلامه: “هناك أيضاً دليل وثائقي على صحة هذه الأمور مأخوذ من سجلات أديسا التي كانت حينئذ مدينة كبرى. فعلى الأقل يمكن للمرء أن يجد تلك الأمور أيضاً محفوظة منذ تلك الأيام إلى يومنا هذا في السجلات العامة هناك، تلك السجلات التي تحتوي الأمور التي حدثت في الماضي وفي أيام أبجر. لكن، لا يوجد هناك ما يعادل سماع الرسائل نفسها، تلك التي قمنا باستخراجها من السجلات. ولقد نصت الرسائل على التالي بعدما ترجمتها من السريانية حرفياً: “من أبجر أوخاما الملك إلى يسوع المخلص الصالح الذي ظهر في ناحية أورشليم، تحية. لقد سمعت عنك وعما تجريه من أعمال شفاء، وكيف أنك تتممها بدون أية أدوية أو أعشاب. لأنك، كما تقول الأخبار، ترد للعمي أبصارهم، وتجعل المقعدين يمشون، وتطهر البرص، وتطرد الأرواح الشريرة والشياطين، وتشفي هؤلاء الذين عذبتهم الأمراض الطويلة، وتقيم الموتى. وعندما سمعت كل هذه الأشياء عنك، قررت أمراً من اثنين: إما أنك الله وقد نزلت من السماء لتصنع هذه الأمور، أو أنك ابن الله إذ تصنع هذه الأمور. لهذا السبب، كتبت أستعطفك لكي تسرع إلي وتشفيني من الآلام التي أعانيها. علاوة على ذلك، سمعت أن اليهود يستهزئون بك ويودون أن يؤذوك. لكنني لدي مدينة صغيرة جداً وجليلة، وهي تتسع لكلينا”، رد يسوع على الملك أبجر على يد الساعي أنانياس: “مبارك أنت يا من آمنت بي دون أن تراني، لأنه مكتوب عني أن هؤلاء الذين سيرونني لن يؤمنون بي، وهؤلاء الذين لم يروين سوف يؤمنون ويحيون. والآن بشأن الأمر الذي كتبت لي بسببه، وهو أن آتي إليك، فلا بد لي أولاً أن أكمل هنا كل الأمور التي قد أرسلت لأكملها، وبعد هذا سوف أصعد إلى الذي أرسلني، وبعد أن أصعد سوف أرسل إليك واحداً من تلاميذي ليشفيك من آلامك وليمنحك الحياة أنت ومن معك”.
وانتشرت تلك الرسائل بين يسوع والملك أبجر في كل أنحاء الشرق، ثم وصلت إلى الغرب عن طريق الترجمة التي قام بها “روفينوس” لكتاب يوسابيوس “تاريخ الكنيسة”، ولقد جلس الملك “أبجر أوخاما” على عرش المملكة من 4م إلى 7م، ثم من 13م إلى 50م. لكن بالرغم من ذلك كله، ليست لهذه الرسائل وجود موثق، فقد نفى أغسطينوس في (Cont. Faust. 28: 4; Consens. Ev. 1: 7: 11)، وجود أي رسائل أصيلة بقلم يسوع، كما أن المرسوم الجلاسياني قد ذكر الرسائل محل النقاش بوصفها أبوكريفية. وهكذا لم تكن “أعمال تداوس” سوى أساطير محلية كُتبت في القرن الثالث الميلادي.
ويوجد لدينا شكل آخر من هذه الأعمال مكتوب باللغة السريانية، وهو ذلك العمل المدعو باسم “تعاليم آداي” (Doctrina Addei)، الذي نشر عام 1876م. ويكاد محتوى هذا العمل يكون هو نفسه محتوى “أعمال تداوس” كما سجله يوسابيوس، لكنه يورد تفصيلة واحدة جديدة، وهي أن أنانياس”، الذي حمل رسالة الملك أبجر إلى يسوع، رسم صورة ليسوع ثم حملها إلى مليكه، وهكذا يضعها الملك أبجر في مكان شريف بالقصر. غير أن “تعالم آداي” لا تذكر أمر الرسالة التي كتبها يسوع إلى الملك أبجر، فقد أرسل يسوع رده على رسالة الملك أبجر شفهياً على لسان أنانياس. وربما كان الكاتب على معرفة بما قاله أغسطينوس بشأن هذه الرسائل ومن المرجح أن تكون “تعاليم آداي” قد كتبت في حوالي عام 400م، كما أنه لدينا ترجمة أرمنية لها وأخرى يونانية إلى جانب الأصل السرياني.
وبالإضافة إلى أسفار الأعمال التي تناولناها، لا تزال هناك أسفار أخرى تنتمي معظم هذه الأسفار إلى القرنين الرابع والخامس الميلاديين، بل ويعود بعضها إلى تاريخ متأخر عن هذا. وربما يكفي في هذا الصدد أن نذكر كتاب “أعمال متى” الذي لم يبق منه إلا الجزء الأخير فقط، كذلك “أعمال فيليبس” و”أعمال برثلماوس”. أما بالنسبة للأسفار المنسوبة إلى تلاميذ الرسل أو رفقائهم، فلدينا “أعمال برنابا الأبوكريفية” و”أعمال تيموثاوس الأبوكريفية” و”أعمال مرقص الأبوكريفية”.
[1] هذا النوع من الأدب كان منتشراً مثل الأدب التراجيدي أو الكوميدي، ويرجع تسميته عند اليونانيين إلى الإله إيروس إله الحب والشهوة والغرائز الجنسية. (المراجع)
[2] مدينة سلوقية (تل عمر) Selucia قد بنيت من قبل القائد سلوقس الذي حكم بلاد بابل بعد وفاة الاسكندر الكبير وذلك في الأعوام 321-305ق.م. وفي عام 305 أعلن نفسه ملكاً على إيران والعراق وسوريا العليا وأمر بإنشاء عاصمة له في العراق فبنيت مدينة سلوقية. (المراجع).
[3] نسبة إلى برديصان؛ وهو كاتب سرياني وشاعر موهوب يعتبره البعض مبدع الأدب المسيحي السرياني. وتغنى السريان بشعره وبسببه احتلت الرها مركز الصدارة في الأدب السرياني. وُلد في 11 تموز سنة 154م من أبوين وثنيين. نشأ برديصان في صغره على الديانة الوثنية وتعلم أدبها على يدي الكاهن الأكبر لمعبد منبج، ولما تولى أبجر التاسع رفيقه في الصبا عرش الرها عام 179م عاد برديصان إلى الرها، وهناك التقى مع بعض الذين اعتنقوا الإيمان المسيحي فشرحوا له أسس الدين المسيحي، فقبل الإيمان في شبابه على يدي هسبس أسقف الرها. وبعد أن تعمق في العلوم الدينية سيم شماساً وربما كاهناً. وكتب برديصان في بادئ الأمر مقالات ضد الهرطقات، ولكنه انجرف فيما بعد في معتقدات مرقيون وفالنتينوس. لهذا حذر رجال الكنيسة المؤمنين من تعاليمه التي حسبوها سماً في الدسم. وكان برديصان آخر الغنوسيين من السريان، وقد بقي لفرقته أتباع حتى القرن الثامن كما يقول يعقوب الرهاوي. وقد نظم مائة وخمسين نشيداً على طريقة مزامير داود النبي وضع فيها أفكاره الغنوسية، وقد بذل القديس أفرام السرياني جهداً عظيماً في تأليف أناشيد تقضي بها على أناشيد برديصان، كما كان يعدم كل ما تصل إليه من كتبه. (المراجع)
الأناجيل الأبوكريفية – أدب العهد الجديد الأبوكريفي 2
الأناجيل الأبوكريفية – أدب العهد الجديد الأبوكريفي 2
أدب العهد الجديد الأبوكريفي – 2- الأناجيل الأبوكريفية
1 – الإنجيل بحسب العبرانيين
تكلم القديس جيروم في الفصل الثاني من كتابه “مشاهير الرجال” عن يعقوب أخي الرب قائلاً:” أما الإنجيل المعروف باسم “إنجيل العبرانيين”، والذي قمت بترجمته مؤخراً إلى اللسانين اليوناني واللاتيني، والذي كثيراً ما استخدمه أوريجانوس، فيروي أنه بعد قيامة المخلص “أعطى الرب اللفائف الكتابية لخادم الكاهن، ثم ذهب إلى يعقوب وظهر له – لأن يعقوب كان قد أقسم أنه لن يأكل خبزاً منذ أن شرب كأس الرب حتى يراه قائماً من بين الراقدين”. وبعد ذلك بقليل يقول: “قال الرب: أحضر لي مائدة وخبزاً، ثم أخذ الخبز”، ويضيف الإنجيل بعد ذلك مباشرة: “وبارك وكسر وأعطى يعقوب البار وقال له: يا أخي كل خبزك لأن ابن الإنسان قد قام من بين الراقدين”.
وإنجيل العبرانيين، الذي نقل عنه جيروم هذه الفقرة المثيرة للاهتمام، كان قد كُتب أصلاً باللغة الآرامية ولكن بحروف عبرية. وفي زمن جيروم، كان النص الأصلي الخاص بهذا الإنجيل محفوظاً في مكتبة بمدينة قيصرية في فلسطين. وقد استخدمه كل من “الأبيونيين”[1] والناصريين”[2]، ومنهم حصل جيروم على نسخة منه ليترجمها إلى اليونانية واللاتينية. أما حقيقة كونه مستخدماً من قِبل المسيحيين الفلسطينيين، الذين كانوا يتحدثون العبرانية الآرامية، فتُفسر سبب تسميته بـ “إنجيل العبرانيين”، كما أنها تُفسر أيضاً سبب ظهور يعقوب أخي الرب – الذي كان يُمثل المسيحية اليهودية الصارمة – في قلب رواية القيامة على عكس ما ورته الكتابات القانونية. وقد كان معظم الناس، في أيام جيروم، يعتبرون هذا الإنجيل الأبوكريفي بمثابة الأصل العبري لإنجيل متى القانوني، وهو الأمر الذي ذكره بابياس[3]. وفي الحقيقة، تُظهر الشذارات القليلة التي بقيت لدينا منه شبهاً قريباً من إنجيل متى، وهكذا يمكننا أن نستنتج بثقة أن هذا الإنجيل كان في الغالب عبارة عن إعادة صياغة للأصل العبري لإنجيل متى القانوني بتصرف.
وتُظهر الفقرة المقتبسة أعلاه أنه كان يحتوي على أقوال ليسوع لم يوردها أي من الأناجيل القانونية. وقد برهن أناس آخرون غير القديس جيروم على هذه الصفة المميزة لإنجيل العبرانيي، نذكر منهم، على سبيل المثال، يوسابيوس الذي يقول في (Theophany 22): “إن هذا الإنجيل الذي قد وصل إلينا في حروف عبرية يعطي الويل كما لو لم يكن موجهاً لذاك الذي يخفي وزنته، بل لذاك الذي يحيا حياة مستهترة. لأن – المثل الذي ورد فيه يحكي – عن ثلاثة عبيد؛ واحد منهم أنفق فضة سيده على الزواني والمغنيات، وآخر ربح بها أضعافاً مضاعفة، والأخير أخفى وزنته، وكيف أن أحدهم قد قبله سيده، وآخر لم ينله سوى اللوم، وثالثهم أغلق عليه في السجن.”
ولا بد من أن يكون هذا الإنجيل الأبوكريفي قد كُتب في القرن الثاني الميلادي، لأن كليمندس السكندري قد استخدمه في عمله المعروف باسم “المتفرقات” (Stromata 2: 9: 45)، وقد كان ذلك في الربع الأخير من ذلك القرن.
2 – إنجيل المصريين
كان كليمندس السكندري هو أيضاً المصدر الرئيس لمعلوماتنا عما يسمى بـ “إنجيل المصريين”، ويدل هذا الاسم على أن هذا الإنجيل كان متداولاً بين مسيحيي مصر؛ وهذا يُفسر سبب اطلاع كل من كليمندس السكندري وأوريجانوس عليه. وينتمي “إنجيل المصريين” إلى هذا النوع من الأبوكريفا التي كُتبت لتدعم هرطقات معينة، ومن المرجح جداً أن يكون ذا أصل غنوسي، أما عناصره العقائدية المميزة فتُظهر بوضوح نزعة طائفية هرطوقية. ولقد احتفظ كليمندس السكندري بعدد ضئيل من كلمات يسوع التي وردت في حديث الرب مع سالومي – الوارد في هذا الإنجيل – تلك التي تعد أفضل دليل على ما يظهره “إنجيل المصريين” من نزعات عقائدية هرطوقية: “وعندما سألت سالومي: إلى متى سيكون للموت سلطان؟ أجابها الرب – وهو لا يعني أن الحياة شر أو أن الخليقة شريرة – قائلاً: طالما كنتن تحبلن أيتها النساء”. (Stromata 3: 6: 45) “أما هؤلاء الذين يناصبون خليقة الله العداء من خلال التقشف المخزي فيتذرعون بهذه الكلمات التي وجهها الرب لسالومي والتي ذكرناها أعلاه، وهي مذكورة أيضاً – كما أعتقد – في إنجيل المصريين، ذلك لأنهم يقولون إن المخلص نفسه قد قال: “لقد أتيت لأدمر أعمال الأنثى”… إن الأنثى هي الشهوة وأعمالها هي الولادة والفساد”. (Stromata 3: 9: 63) “ولكن لماذا لا يتكلم – هؤلاء الذين يسيرون تائهين بدلاً من أن يتبعوا إنجيل قاعدة الحق – ببقية الكلمات التي تكلم بها الرب لسالومي؟ لأنها لما قالت: “إذاً، لقد فعلت حسناً لأني لم أنجب”، كما لو كانت الأمومة أمراً غير لائق، أجابها الرب قائلاً: “كلي كل عشب، ولكن تلك الأعشاب التي بها مرارة لا تأكلينها”. (Stromata 3: 9: 66) “لهذا يقول كاسيان: عندما سألت سالومي عن الوقت الذي ستكون فيه هذه الأمور فيما يتعلق بسؤالها، قال الرب: “عندما تدوسين ثوب الخزي، وعندما يصبح الاثنان واحداً، والذكر مع الأنثى؛ فلا يكون هناك لا ذكر ولا أنثى”. (Stromata 3: 13: 92).
3 – إنجيل الإبيونيين
من المرجح أن يكون “إنجيل الإبيونيين” هو نفسه “إنجيل الرسل الاثني عشر” الذي يذكره أوريجانوس في (Hom. In Lux. 1). فإذا صح هذا الأمر، فإن زمن كتابته سيعود على الأرجح إلى بدايات القرن الثالث الميلادي. غير أنه من الواضح أن جيروم قد أخطأ في قوله بأن هذا الإنجيل هو نفسه “إنجيل العبرانيين”، وبالرغم من ذلك، يدعم (A. Schmidtke) هذا الرأي.
وقد حصلنا على كل ما نعرفه عن “إنجيل الإبيونيين” من إبيفانيوس (Adv. Haer. 30: 13 -16) الذي استشهد بشذرات منه. ويمكننا أن نحكم من خلال هذه الشذرات أنه قد كُتب لصالح فرقة من فرق المسيحيين كانت تُقاوم تقديم الذبائح، وهكذا يظهر يسوع – في هذا الإنجيل – وهو يقول: “لقد أتيت لأضع حداً للذبائح، وأنه لن يمتنع الغضب عنكم، إلا بأن تتوقفوا عن تقديم الذبائح”. (30: 16).
4 – الإنجيل بحسب بطرس
اكتشف “بوريانت” (Bouriant) شذرة كبيرة من هذا الإنجيل عام (1886-1887) في قبر لراهب بأخميم في صعيد مصر، ونشرها مع ترجمة في 1892م. ويروي هذا الإنجيل قصة آلام يسوع وموته ودفنه، ويزين قصة قيامته بتفاصيل مشوقة تتعلق بما تلاها من معجزات. كما أنه توجد فيه بعض الآثار البسيطة للهرطقة الدوستية (الخيالية)[4]، وربما لهذا السبب غير كاتب الإنجيل كلمات يسوع على الصليب القائلة “إلهي إلهي لما تركتني” لتصبح “قوتي قوتي لقد تركتني”. ومن الملفت للنظر أيضاً أن هيرودس في هذا الإنجيل هو من أصدر الحكم بالإعدام على المسيح وليس بيلاطس؛ وبهذا تقع مسؤولية صلب المسيح على اليهود حصرياً. لكن، هناك شك فيما إذا كان هذا الإنجيل يعود حقاً إلى أصل هرطوقي، لأن الإشارات المبعثرة التي تدل على كونه ينتمي إلى مذهب هرطوقي أقل من أن تكون مقنعة، فالكاتب يبدو كما لو كان قد أعاد صياغة روايات الأناجيل القانونية متصرفاً فيها بحرية.
وهناك كذلك إشارات لـ “الإنجيل بحسب بطرس” في كتابات الكُتاب الكنيسيين. وقد كان أوريجانوس هو أول من ذكره، وذلك في تفسيره لإنجيل متى (10: 17)، فهو يقول إن البعض يظنون – معتمدين على تقليد ذكره إنجيل تحت اسم بطرس – أن هؤلاء المدعوين “إخوة يسوع” هم أبناء ليوسف النجار من زوجة سابقة كانت تعيش معه قبل مريم. وقد ذكر يوسابيوس القيصري أن الأسقف سيرابيون الأنطاكي قد رفض هذا الإنجيل حوالي عام 190م باعتباره ذا سمة دوستية. ومن ثم، ينبغي أن يكون هذا الإنجيل قد كُتب في النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي على أقصى تقدير.
5 – إنجيل نيقوديموس
لقد كانت النزعة إلى التهوين من شأن الذنب الذي ارتكبه بيلاطس – والتي نجدها في “الإنجيل بحسب بطرس” – تُظهر مدى الاهتمام البالغ الذي كانت تنظر به المسيحية الأولى لهذا الشخص. ولكن المكانة المرموقة التي كان يشغلها بيلاطس البنطي في الفكر المسيحي المبكر تظهر بشكل أوضح في “إنجيل نيقوديموس”، فلقد اشتمل هذا العمل القصص على الوثيقة المعروفة باسم “أعمال بيلاطس”، وهي عبارة عن تقرير رسمي يفترض أن الوالي الروماني قد كتبه عن يسوع. ويبدو أن بعض أجزاء “أعمال بيلاطس” كانت معروفة في زمن مبكر كالقرن الثاني الميلادي، فبعد أن ذكر يوستينوس الشهيد – في دفاعه الأول (فصل 35) – كلآ من آلام المسيح وصلبه، قال: “يمكنكم أن تتحققوا من صحة هذه الأمور التي حدثت مما قد كتب في أعمال بيلاطس البنطي”، وتوجد أيضاً عبارة مشابهة في الفصل 48 من نفس العمل. كذلك يشير ترتيليانوس مرتين إلى التقرير الذي قدمه بيلاطس إلى – الإمبراطور – طيباريوس؛ فوفقاً لما يقول، أخبر بيلاطس البنطي الإمبراطوري عن حكم الإعدام الظالم الذي صدر ضد شخص بريء وإلهي؛ ولقد تأثر الإمبراطور جداً بهذا التقدير الذي يحكي عن معجزات المسيح وقيامته، حتى إنه عرض أن يقبل المسيح ضمن آلهة روما، لكن مجلس الشيوخ الروماني رفض (Apologeticum 5). كذلك يذكر ترتليانوس في موضع آخر أن “بيلاطس قد أخبر الإمبراطور – الذي كان في ذلك الوقت هو طيباريوس – بقصة المسيح كاملة، لأنه في ذلك الحين كان هو نفسه مسيحياً في قلبه سراً” (Apol. 21. 24) ويمكننا في هذا العمل أن نرى الرغبة في استخدام الوالي الروماني كشاهد على تاريخ موت المسيح وقيامته والحق المسيحي.
ولا بد من أن تلك النزعة عينها هي السبب في ظهور تلك الوثيقة المعروفة باسم “أعمال بيلاطس” التي تشكل قوام “إنجيل نيقوديموس”؛ فالجزء الأول منه (الفصول من 1 إلى 11) يقدم إلينا رواية تفصيلية لمحاكمة يسوع وصلبه ودفنه، ولهذا الجزء عنوان خاص به وهو (Acta Pilate) – أعمال بيلاطس – أما الجزء الثاني من العمل (الفصول من 12 إلى 16) فيحكي عن المناظرات التي حدثت في مجمع السنهدرين بشأن قيامة المسيح، وهو بمثابة إضافة إلى “أعمال بيلاطس”. أما الجزء الثالث من العمل (الفصول من 17 إلى 27) فعنوانه هو: “نزول المسيح إلى الجحيم”، وهو يزعم أنه يحكي قصة نزول المسيح إلى الجحيم على لسان شاهدين هما “ابنا شمعون” اللذان قاما من الموت بعد أن شاهدا المسيح في الجحيم.
ولا بد أن “إنجيل نيقوديموس” هذا والوارد في مخطوطة لاتينية متأخرة تحت عنوان (Evagelium Nicodemi) قد كُتب بالكامل في بداية القرن الخامس الميلادي، لكن يبدو أنه لم يكن أكثر أو أقل من مجرد تجميع لمادة تعود إلى عصر أقدم. ويخبرنا يوسابيوس القيصري أنه في أثناء الاضطهاد الذي شنه الإمبراطور “مكسيمينوس دايا” عامي 311 و312م، نشرت الحكومة الرومانية نسخاً وثنية مزيفة من “أعمال بيلاطس” حتى تثير مشاعر الكراهية تجاه المسيحيين: “لقد زيفوا تقرير بيلاطس ومخلصنا، وجعلوه مليئاً بكل أنواع التجديف ضد المسيح، ثم أرسلوه بموافقة من رئيسهم إلى كل أرجاء الإمبراطورية مع فرمان يفرض بأنه يجب تعليقه علناً ليراه الجميع في كل مكان، في الريف والمدن، وأنه يجب أن يعلمه المدرسون الابتدائيون لتلاميذهم بدلاً من الدروس، ليدرسوه ويحفظوه عن ظهر قلب.” (Hist. eccl. 9: 5; cf. 1: 9: 1; 1: 11: 9; 9: 1).
ومن الممكن أن تكون “أعمال بيلاطس” التي شكلت قوام “إنجيل نيقوديموس” قد كتبت في الأصل لتضاد التأثير السيئ الذي تركته تلك التصرفات الوثنية.
ويبدو أن أقدم قطعة أدبية مسيحية تتكلم عن بيلاطس هي “تقرير بيلاطس إلى الإمبراطور كلوديوس”، والتي أدخلت في نصها اليوناني إلى الكتاب المتأخر “أعمال بطرس وبولس” وألحقت في ترجمة لاتينية بـ “إنجيل نيقوديموس”، ومن المحتمل أن يكون هذا التقرير متطابقاً مع ذاك الذي ذكره ترتليانوس، فإذا كان هذا صحيحاً، لوجب أن يكون تاريخ تأليفه قبل عام 197م، وهو التاريخ الذي ألف فيه ترتليانوس كتابه “Apologeticum”. واعتماداً على النص اليوناني، جاءت الترجمة الإنجليزية التي أنجرها (M. R. James) كالتالي: “من بيلاطس البنطي إلى كلوديوس قيصر، تحية وسلام. لقد جرت مؤخراً أحداث كنت أنا نفسي شاهداً عليها لأن اليهود بسبب الحسد قد عاقبوا أنفسهم وذريتهم بأحكام مخيفة بسبب خطئهم؛ لأنه لما كان آباؤهم قد وعدوهم – أو بشروهم – أن إلههم سوف يرسل لهم من السماء قدوسه الذي يستحق أن يدعى ملكاً عليهم، ووعدهم أن يرسله إليهم على الأرض من عذراء؛ أتى – أو أتى إله العبرانيين هذا – في الوقت الذي كنت فيه أنا حاكماً لليهودية، ورأوه يفتح عيون العميان، ويطهر البرص، ويشفي المفلوجين، ويطرد الشياطين من الرجال، ويقيم الموتى، وينتهر الرياح، ويمشي فوق أمواج البحر دون أن تبتل قدماه، ويفعل عجائب أخرى كثيرة، وكان كل شعب اليهود يدعونه ابن الله، إلا أن رؤساء الكهنة قد ثاروا ضده في حسد، وأمسكوا به وأرسلوه إليّ واتهموه بتهم ملفقة، واحدة بعد الأخرى، قائلين إنه ساحر وإنه فعل أموراً تخالف ناموسهم لكني – بينما كنت أعتقد ان الأمور هي هكذا – جلدته وسلمته إليهم بحسب إرادتهم فصلبوه، وبعد أن دُفن وضعوا حراساً عليه، لكن بينما كان جنودي يحرسونه، قام في اليوم الثالث. إلا أن خبث اليهود قد اضطرم كثيراً حتى أنهم أعطوا الجنود مالاً قائلين لهم: قولوا إن تلاميذه قد سرقوا جسده، لكن الجنود، بالرغم من أنهم قد أخذوا منهم المال، لم يستطيعوا أن يصمتوا بخصوص هذه الأمور التي قد حدثت، لأنهم أيضاً قد شهدوا أنهم رأوه قائماً وأنهم قد أخذوا مالاً من اليهود. ولقد قمت بإخبار عظمتكم بهذه الأمور، مخافة من أن يكذب عليك شخص ما – في اللاتينية: مخافة من أن يكذب عليك شخص ويخبرك بأمور مختلفة – فتحسب أنك تُحسن صنعاً بتصديق أكاذيب اليهود”.
ونذكر من وثائق بيلاطس الأبوكريفية الأخرى كلا من الأعمال التالية على سبيل المثال لا الحصر: “أنافورا بيلاطس”، “ورسالة بيلاطس إلى الإمبراطور طيباريوس”، و”محاكمة الإمبراطور لبيلاطس”، و”المراسلات المتبادلة بين بيلاطس وهيرودس” والتي يعود زمن كتابتها إلى القرون الوسطى.
ولقد كان لـ “أعمال بيلاطس” الموجودة في “إنجيل نيقوديموس” والمحفوظة في نص يوناني، وترجمات سريانية، وأرمينة، وقبطية، وعربية، ولاتينية – نتائج ملفتة للنظر، فقد كرم المسيحيون في مصر وسوريا بيلاطس باعتباره قديساً، بل إنه حتى اليوم لا يزال مدرجاً في التقويم الليتورجي للكنيسة القبطية[5]. ولقد كان لأعمال بيلاطس في العصور الوسطى تأثير هائل في مجالي الأدب والفن.
6 – إنجيل يعقوب التمهيدي
ينتمي إنجيل يعقوب التمهيدي إلى مجموعة أناجيل الطفولة التي تحكي بشيء من الإسهاب عن فترة شباب مريم العذراء وميلاد يسوع وطفولته. أما تسمية الإنجيل بـ “التمهيدي” (Protoevangelium) فحديثة؛ فقط أطلقت على إنجيل يعقوب لأول مرة عام 1552م في ترجمة لاتينية قام بها جويلاوم بوستيل (Guillaume Postel)، وقد كان أوريحانوس هو أول من أشار إلى “كتاب يعقوب” مشيراً إلى أن هذا الكتاب يذكر أن “إخوة الرب” كانوا أبناء ليوسف – النجار – من زوجة سابقة. لكن حتى أوريجينوس، ذكر معلمه كليمندس السكندري، وكذلك يوستينوس الشهيد، أحداثاُ تتعلق بميلاد يسوع جاء ذكرها في إنجيل يعقوب التمهيدي.
كان هذا الكتاب على الأرجح نتاج منتصف القرن الثاني الميلادي، فمن المؤكد أنه كان موجوداً في نهاية ذلك القرن، كما أنه يحتوي على أقدم رواية لدينا عن ميلاد العذراء المعجزي وطفولتها، ونجد فيه لأول مرة أسماء أبوي العذراء مريم: يواقيم وحنة. أما الأكثر تشويقاً فهي رواية تكريس الطفلة وتقديمها للهيكل حيت أتى بها أبواها وهي في عمر ثلاث سنوات (فصل 6-8): “واشتد عود الطفلة يوماً بعد يوم، وعندما أصبحت في عمر ستة الأشهر، أقفتها أمها على الأرض ليك ترى إذا كانت ستستطيع الوقوف؛ فسارت سبع خطوات ثم عادت إلى حضنها مرة أخرى، فأمسكت بها قائلة: “حي هو الرب، لن تسيري على هذه الأرض مرة أخرى حتى أتي بك إلى هيكل الرب”، ثم صنعت محراباً في غرفة نومها، ولم تدع أي شيء رديء أو غير طاهر يمر به. ثم أحضرت فتيات عبرانيات غير دنسات، فحملنها من ذراعيها. وعندما أتمت الطفلة سنتها الأولى، صنع يواقيم وليمة عظيمة ودعى الكهنة والكتبة ومجمع الشيوخ وكل شعب إسرائيل. ثم أحضر يواقيم الطفلة للكهنة، فباركوها قائلين: “يا إله آبائنا بارك هذه الطفلة واعطها اسماً مشهوراً للأبد في كل الأجيال”، فرد كل الشعب قائلاً: “ليكن هذا، ليكن هذا، آمين”، ثم أحضرها لرؤساء الكهنة، فباركوها قائلين: “يا إله الأعالي، انظر لهذا الطفلة، وباركها بالبركة الأخيرة التي ليس بعدها بركة”. ثم أمسكتها أمها ووضعتها في غرفة نومها وأرضعتها. ورنمت حنة للرب قائلة: “سوف أرنم تسبحة للرب إلهي، لأنه افتقدني ورفع عني تعييرات أعدائي، لقد منحني الرب ثمرة بره أمامه مرة ومرات، ومن ذا الذي سيُخبر بني رأوبين أن حنة تُرضع؟ اسمعوا اسمعوا يا أسباط إسرائيل الاثني عشر، أن حنة تُرضع”. ثم وضعت الطفلة لتستريح في غرفة النوم التي بها محرابها، ثم ذهبت لتخدمهم. وعندما انتهت الوليمة، ذهبوا مبتهجين وممجدين إله إسرائيل. وازدادت شهور عمر الطفلة حتى بلغت السنتين، فقال يواقيم: “لنذهب بها إلى هيكل الرب حتى نوفي النذر الذي نذرناه حتى لا يطالبنا الله به وتصبح تقدمتنا غير مقبولة”. فقالت حنة: “لننتظر حتى السنة الثالثة حتى لا تشتاق الطفلة إلى أبيها وأمها”، فقال يواقيم: “لننتظر”. وعندما بلغت الطفلة ثلاث سنوات، قال يواقيم: “ادع الفتيات العبرانيات غير الدنسات، ولتأخذ كل واحدة مصباحاً وتشعله، حتى لا تلتفت الطفلة إلى الوراء ولكي يأسر هيكل الرب قلبها”. وفعلوا هكذا حتى صعدوا إلى هيكل الرب. فاستقبلها الكاهن وقبلها وباركها قائلاً: “الرب عظّم اسمه في كل الأجيال وفي آخر الأيام سيظهر الرب فيكي خلاصه لكل بني إسرائيل”. ثم أجلسها على الدرجة الثالثة للمذبح، ووضع الرب نعمته عليها وكانت فرحة وأحبها كل بيت إسرائيل. ثم رجع أبواها متعجبين وممجدين الرب الإله لأن الطفلة لم تلتفت للوراء، وكانت مريم في الهيكل مثل حمامة، تتغذى وتتلقى طعاماً من يد ملاك. وعندما بلغت مريم اثني عشر عاماً، اجتمع مجمع من الكهنة قائلين: انظروا، قد بلغت مريم الثانية عشرة من العمر وهي في هيكل الرب، ماذا نفعل بها لئلا تدنس قدس الرب؟ فقالوا لرئيس الكهنة: قف أنت على مذبح الرب وادخل وصلِ من أجلها، ومهما يكن الأمر الذي سيعلنه لك الرب دعنا نفعله”.
ثم يستمر الإنجيل (الأبوكريفي) ليروي قصة خطبة مريم ليوسف الذي كان حينئذ رجلاً عجوزاً وله أولاد، ثم يذكر بالتفصيل ميلاد يسوع في كهف والمعجزات المصاحبة له؛ وهي من النوع الأكثر إفراطاً في الخيال.
أما الهدف الرئيس من الكتاب كله فهو اثبات بتولية العذراء الدائمة التي لم تمس قبلاً، وأثناء، وبعد ميلاد المسيح. وهكذا، شربت العذراء “ماء الإيمان الراسخ الذي للرب” حتى تزيل من نفسها أي شك (فصل 16). كما شهدت لدوام بتوليتها القابلة التي حضرت حادثة الميلاد (فصل 20). وهذا الخصوص، يبدو أن كلميندس السكندري كان يعرف هذا الإنجيل أو مصادره الأسطورية، فهي يقول في كتابه “المتفرقات” (Strom 7: 93: 7): “يقول البعض أنها بعد أ، ولدت، اعتنت بها قابلة فوجدت أنها لا تزال عذراء”.
ويختتم الإنجيل بحادثة استشهاد زكريا أبي يوحنا المعمدان وموت هيرودس، ثم تأتي في نهايته فقرة بخصوص المؤلف هي: “والآن أنا يعقوب الذي كتبت هذا التاريخ في أورشليم عندما اندلع شغب هناك بسبب موت هيرودس، فانسحبت إلى البرية حتى ينتهي الشغب في أورشليم، ممجداً للرب الإله الذي منحني الموهبة والحكمة لأكتب هذا التاريخ”.
ولا شكل أن الكاتب يريد أن يعطي هنا انطباعاً بأنه هو يعقوب الصغير أسقف أورشليم؛ وهو أمر يتعذر اثباته، فالكاتب يُظهر جهلاً شديداً بجغرافية فلسطين. وعلى الجانب الآخر؛ تظهر الحكايات التي أوردها الكاتب في هذا الإنجيل أنه متأثر بشدة بالعهد القديم، وهذا يشير إلى أنه مسيحي من أصل يهودي يسكن في مكان ما خارج فلسطين، ربما مصر. ولا يمكننا أن نعتبر أن الإنجيل في شكله الحالي من قلم مؤلف واحد، فروايتا موت زكريا وهروب يوحنا المعمدان تبدوان كأنهما إضافتان لاحقتان على هذا الكتاب، كما أن تسلسل الأحداث ينقطع عدة مرات فجأة، وهكذا نرى في الفصل الثامن عشر أن يوسف النجار يقتحم الأحداث بغتة ويبدأ في التكلم بدون أي مقدمات.
ويرجع شكل النص اليوناني الموجود بين أيدينا اليوم إلى القرن الرابع الميلادي؛ حيث كان أبيفانيوس قد استخدمه في الجزء الأخير من ذلك القرن. أما الانتشار الواسع الذي كان يحظى به “إنجيل يعقوب التمهيدي” فيمكننا أن نراه في حقيقة كون النص اليوناني قد حُفظ فيما لا يقل عن ثلاثين مخطوطة. علاوة على ذلك، لدينا ترجمات قديمة له في السريانية، والأرمنية، والقبطية، والسلافية، لكننا لم نعثر له على أي مخطوطة لاتينية.
وبالرغم من أن “المرسوم الجلاسياني”[6] – الذي يعود إلى القرن السادس الميلادي – قد أدان هذا الكتاب باعتباره من الكتب المنحولة، إلا أننا لسنا نبالغ في تقدير مدى التأثير الذي تركه إنجيل الميلاد (انجيل يعقوب التمهيدي) على الليتورجية، والأدب، والفن؛ فكلها قد تأثرت به على نحو مماثل. ولقد استمد كل من تكريم “القديسة حنة” والعيد الكنسي الخاص بـ “دخول العذراء إلى الهيكل” مصدره من التقاليد المسجلة في هذا الكتاب، كما أن كثيراً من الأساطير الجميلة التي تدور حول سيدتنا العذراء تعتمد على القصص التي وردت في إنجيل يعقوب التمهيدي، بالإضافة إلى أنه قد ألهم الفنانين مراراً وتكراراً.
7 – إنجيل توما
يقول أوريجينوس في عظته الأولى على إنجيل لوقا: “هناك أيضاً إنجيل متداول بحسب توما”. ولقد نشأ هذا الإنجيل الأبوكريفي في دوائر هرطوقية كانت على الأرجح غنوسية. وبينما ينسبه هيبوليتوس الروماني[7] إلى فرقة “الناسيين”[8] (The Naassenes)، يتكلم كيرلس الأورشليمي عنه باعتباره عملاً مانوياً[9]؛ فهو يقول في عظاته للموعوظين (4: 36): “ومن العهد الجديد اقرأوا أربعة أناجيل فقط، فالباقي أبوكريفي ومُضر. ولقد كتب المانويون أيضاً انجيلاً منسوباً إلى توما، وبالرغم من أنه يحمل اسماً جميلاً هو اسم الإنجيل، إلا أنه يفسد نفوس البسطاء”، وكذلك في عبارة مشابهة يقول في (6: 31): “لا تدعوا أحد يقرأ إنجيل توما، فهو لم يُكتب بواسطة أحد الاثني عشر رسولاً، لكن كتبه أحد تلاميذ ماني الثلاثة الأشرار”. ويبدو أن هيبوليتوس كان يقصد أيضاً هذا الإنجيل نفسه؛ لكن بينما يتكلم هيبوليتوس عن مؤلف هذا الكتاب باعتباره أحد أعضاء فرقة “الناسيين” الغنوسية؛ ينسب كيرلس كتابته إلى المانويين، وربما يمكننا أن نتخطى هذه المعضلة إذا افترضنا أن إنجيل توما المانوي كان مجرد اختصار وإعادة صياغة لإنجيل توما الغنوسي. على أي حال، لقد ضاع كل من إنجيل توما المانوي وإنجيل توما الغنوسي، أما “إنجيل توما الطفولي”، الموجود لدينا في نسخ يونانية وسريانية وأرمينة وسلافية ولاتينية، فهو في الغالب عبارة عن نسخة منقحة ومختصرة للأصل. وهو يورد رواية عن طفولة يسوع، كما أن القصص التي فيه وتحكي عن معرفة وقوة يسوع المعجزية قد نُسخت معاً لتبين أن القوة الإلهية كانت تسكن يسوع قبل معموديته. وتشكل الحياة القروية اليومية خلفية هذه القصص، وذلك كما يظهر مثلاً في القصة التالية: “عندما كان الطفل يسوع في الخامسة من عمره كان يلعب عند النهر، وكان يجمع الماء الذي كان يجري فيه في برك، ثم يجعلها نقية فوراً، ويأمرها بكلمته فقط. وبعد أن صمع طيناً ليناً، شكله على شكل اثني عشر عصفوراً، وكان هذا يوم سبت حينما عمل يسوع هذه الأشياء، وكان هناك أطفال آخرون كثيرون يلعبون معه. وحينما رأى أحد اليهود يسوع وهو يفعل هذا، أي وهو يلعب في السبت، ذهب من فوره وأخبر أباه يوسف قائلاً: “يا للعجبن إن ابنك عند النهر، وقد أخذ طيناً وصنع منه اثني عشر طائراً صغيراً ونجس السبت”. فجاء يوسف إلى المكان ورآه، فصاح به قائلاً: “لماذا تصنع هذه الأشياء في السبت وهو أمر ضد الناموس؟” ولكن يسوع صفق بيديه معاً وصاح في العصافير – الطينية – قائلاً: “طيري!” فطارت العصافير وهي تغرد، وعندما رأي اليهود هذا ذهلوا وذهبوا إلى رؤسائهم وأخبروهم بما فعل يسوع”. (فصل 2).
كما أن بعض المعجزات – التي وردت في هذا الإنجيل – ليست مستساغة، فيبدو أن الكاتب لديه مفهوم شاذ عن الألوهة لأنه يصور الصبي يسوع وهو يستخدم قوته في الانتقام: “بعد هذا، ذهب يسوع ليتمشى في أرجاء القرية، فأتى أحد الأطفال جرياً وصدم كتفه، فاستفز هذا يسوع، فقال له: “إنك لن تُكمل طريقك”، فسقط الطفل ميتاً لوقته، لكن عندما رأى البعض ما حدث، قالوا: “من أين أتى هذا الصبي، حتى إن كل كلمة منه بمثابة عمل قد اكتمل؟”. ثم جاء أهل الصبي الميت إلى يوسف، ولاموه قائلين: “بما إنك تربي مثل هذا الصبي لا يمكنك إذن أن تعيش معنا في القرية، إلا بأن تعلمه أن يبارك ولا يلعن، لأنه يميت أولادنا”. فدعا يوسف الصبي الصغير على انفراد ولامه قائلاً: “لماذا تفعل هذه الأشياء التي تجعلهم يكرهوننا ويضطهدوننا؟” ولكن يسوع قال: أنا أعرف أن هذه الكلمات ليست لك، ورغم ذلك من أجلك سوف أؤثر السلامة، ولكنهم سينالون عقابهم”، وللحال أًصيب الذين اتهموه بالعمى”. (فصل 4، 5).
ومن المرجح أن تعود تلك النسخة الحالية المنقحة من إنجيل الطفولة هذا إلى ما بعد القرن السادس الميلادي.
8 – الإنجيل العربي لطفولة يسوع
أدى كل من إنجيل يعقوب التمهيدي وإنجيل توما إلى ظهور الكثير من أناجيل الطفولة الأخرى التي وسّعت من أحداث القصص التي وردت في هذين المصدرين وأضافت إليها قصصاً أخرى، والكتاب المعروف بـ “الإنجيل العربي لطفولة يسوع” هو مثال قوي على هذا. استمد هذا الكتاب المتأخر محتوى جزئه الأول من إنجيل يعقوب التمهدي، ومحتوى جزئه الثاني من إنجيل توما، لكنه أضاف إليهما الكثير من الأحداث الجديدة والغربية. وهكذا يذكر هذا الإنجيل الأبوكريفي أن يسوع قال لأمه وهو نائم في مهده: “أنا يسوع ابن الله، اللوغوس الذي ولدتيه أنتِ”.
9 – التاريخ العربي ليوسف النجار
هناك عمل مشابه يدعى “التاريخ العربي ليوسف النجار”، وهو يحكي قصة حياة يوسف النجار وموته وتأبين يسوع له. ولقد ضمن الكاتب في هذا العمل بعضاً من مادة إنجيل يعقوب التمهيدي وإنجيل توما، تلك التي أضاف إليها عدة تفاصيل مختلفة. أما هدف هذا الإنجيل فهو الإعلاء من شأن يوسف النجار والتشجيع على تكريمه الذي كان معتاداً في مصر. ولدينا نص هذا الإنجيل كاملاً في العربية واللهجة القبطية البحيرية، وشذارت منه في اللهجة القبطية الصعيدية؛ ولقد ترجم في القرن الرابع عشر إلى اللاتينية. أما بالنسبة لزمن كتابته، فلا بد أن هذا الإنجيل لم يكتب قبل القرن الرابع، كما أن زمن كتابته لا يتعدى القرن الخامس.
10 – إنجيل فيلبس
لم تُنسب الأناجيل الأبوكريفية إلى بطرس ويعقوب وتوما فقط بل إلى باقي الرسل أيضاً. وقد تكلم إبيفانيوس (Haer. 26: 13) عن الغنوسين المصريين قائلاً: “لقد زيفوا إنجيلاً باسم فيلبس، التلميذ القديس، وهو يقول فيه: “لقد كشف لي الرب عن الذي يجب أن تقوله النفس بينما تصعد إلى السماء، والكيفية التي يجب بها أن تجيب على كل قوة من القوات العليا – يجب على النفس أن تقول: “لقد عرفت نفسي، وجمعت شتات نفسي من كل مكان، ولم ألد أولاداً للحاكم، ولكني قضيت عليه، وجمعت الأعضاء المشتتين في جميع الاتجاهات. وأنا أعرف من أنت، لأني أحد الذين هم فوق”. وتكشف هذه الشذرة التي اقتبسها إبيفانيوس من إنجيل فيلبس عن ميل قوي للاتجاه النسكي الغنوسي الذي يزعم أنه يجب على الشرارات الإلهية المبعثرة في العالم أن تتحد وأن تتخلص من تأثير المادة. ويبدو أن الكتاب القبطي المعروف باسم “بيستيس صوفيا” (Pistis Sophia)[10]، كان يشير إلى إنجيل فيلبس عندما ذكر أن فيلبس الرسول قد دون تعاليم سرية علمها الرب لتلاميذه بعد قيامته، ومن هذا يمكننا أن نستنتج أن هذا الإنجيل كان موجوداً في القرن الثالث الميلادي.
11. إنجيل متياس
يذكر أوريجينوس – في عظته الأولى على إنجيل لوقا – أن “إنجيل متياس” كان معروفاً في زمانه. ويظن كل من (M. R. James) و(O. Bardenhewer) أن العمل الذي ذكره كليمندس السكندري باسم “تقاليد متياس” ربما يكون هو هذا الإنجيل نفسه، لكن هناك آخرين، مثل (O. Stahlin) و(J. Tixeront)، يشكون في صحة هذا الأمر. أما الفقرات التي كتبها كليمندس – ذاكراً فيها “تقاليد متياس” – فهي التالية:
“إن بداية معرفة الحق هي أن يشك المرء في الأشياء، وذلك كما يقول أفلاطون في محاورة ثياتيتوس (Theaetetus). وها هو متياس ينصحنا قائلاً: “شك في الأشياء التي أمامك، جاعلاً من هذا الأمر الخطوة الأولى نحو معرفة أعمق” (strom 2: 9: 45).
“إن هؤلاء الغنوسيين الملفين حول باسيليدس يقولون إن متياس قد علمهم قائلاً: “يجب علينا أن نحارب ضد الجسد ونقمعه، لا نسلمه أبداً للمتع الفاحشة، لكن يجب علينا أن نجعل الروح ينمو من خلال الإيمان والمعرفة”. (strom 3: 4: 26).
“يقولون إن متياس الرسول قال في “التقاليد”: “إنه في كل مرة يخطئ جار الإنسان المسيحي، فإن المسيحي أيضاً يكون قد أخطأ، لأنه لو كان المسيحي قد سلك بحسب ما توصي به الكلمة، لكان الجار أيضاً قد شعر بالخجل من أسلوب حياته، وما كان قد أخطأ”. (strom 7: 13: 82).
وسواء كانت هذه الفقرات من “تقاليد متياس” تمثل جزءً من إنجيل متياس أو لم تكن، فلا بد من أن هذا الأخير قد كُتب قبل زمن أوريجينوس.
12 – الإنجيل بحسب برنابا
لم يبق لدينا أي شيء من هذا الكتاب، لكننا قد عرفناه عن طريق “المرسوم الجلاسياني”، الذي يعود إلى القرن السادس الميلادي والذي يذكره من ضمن كتب الأبوكريفا؛ كما أنه مذكور أيضاً في “قائمة الستين كتاباً” اليونانية التي تعود إلى القرن السابع أو الثامن. غير أن هناك عملاً مختلفاً تماماً معروف باسم “إنجيل برنابا الإيطالي” نشره كل من (Lonsdale) و(Laura Ragg) عام 1907م، وقد كتب هذا الأخير مسيحي ارتد إلى الإسلام في القرن الرابع عشر الميلادي، وهو يهدف في الأساس إلى اثبات أن محمداً هو المسيا، وأن الإسلام هو الدين الوحيد الصحيح.
13 – إنجيل برثلماوس
ذكر جيروم هذا الإنجيل في مقدمة تفسيره لإنجيل متى، وقد جاء ذكره أيضاً في “المرسوم الجلاسياني”. وهو نفسه، على الأرجح، العمل المعروف باسم “أسئلة برثلماوس” والذي نعرف أنه قد كُتب أصلاً باللغة اليونانية، وإلى جانب مخطوطتين يونانيتن، الأولى في فيينا والأخرى في أورشليم، لدينا أيضاً شذرات من “أسئلة برثولماوس” في ترجمات سلافية وقبطية ولاتينية. وهو يحتوي – في شكل أجوبة على أسئلة برثلماوس – على إعلانات أعطاها الرب بعد قيامته، وكذلك على إعلانات أعطيت بواسطة مريم العذراء، بل إنه حتى الشيطان نفسه يظهر ويجيب على أسئلة برثلماوس بخصوص الخطية وسقوط الملائكة. كما أن “نزول المسيح إلى الجحيم” موصوف في هذا العمل بالتفصيل.
14 – أناجيل أبوكريفية أخرى
كان من عادة الهراطقة، وخاصة الغنوسيين، أن يكتبوا أناجيل بهدف تدعيم تعاليمهم الخاصة، لذا كان هناك عدد كبير من هذه الأناجيل الأبوكريفية، معظمها معروف لدينا بالاسم فقط، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
إنجيل أندراوس: من المرجح أن كاتبه كان ذا أصل غنوسي ويبدو أن القديس أغسطينوس يشير إليه في: (Contra Adversarios Legis et Prophetarum. 1: 20).
إنجيل يهوذا الأسخريوطي: ذلك الذي كان أعضاء طائفة القايينيين[11] (Cainites) الغنوسية يستعملونه.
إنجيل تداوس: وهو مذكور في المرسوم الجلاسياني.
إنجيل حواء: يذكر إبيفانيوس أنه كان متداولاً بين أعضاء طائفة البوربوريين[12] (Borborites)، وهي طائفة أوفيتية[13] غنوسية.
وبعض هذه الأناجيل يحمل أسماء هراطقة مشهورين مثل:
الإنجيل بحسب باسيليدس: يقول أوريجانوس إن هذا الهرطوقي قد “بلغ من الوقاحة” حتى إنه كتب إنجيلاً. وقد ذكر هذا العمل كل من أمبروسيوس وجيروم، ومن الممكن أن يكون باسيليدس قد قام بإعادة صياغة للأناجيل القانونية حتى يجعلها مؤيدة للتعاليم الغنوسية.
إنجيل كيرنثوس: ذلك الذي ذكره إبيفانيوس.
إنجيل فالنتينوس: وترتليانوس هو مصدر معلوماتنا عن هذا العمل.
إنجيل أبيلس (Apelles)، الذي أشار إليه كل من جيروم وإبيفانيوس.
والسمة المشتركة بين هذه الأناجيل جميعاً هي أنها تتعامل مع محتوى الأسفار القانونية بأسلوب قاس وملتو؛ فالروايات الإنجيلية القانونية تُستعمل فيها كإطار للاستعلانات الغنوسية؛ تلك التي يعلنها الرب أو مريم في حوارات مع تلاميذ يسوع بعد قيامته. أما فيما يتعلق بالتأملات الكونية التي تحتوي عليها فهذه الأناجيل ذات طابع رؤيوي، ولهذا السبب سُميت بـ “الأناجيل الرؤيوية” (Gospel – Apocalpses).
[1] هو اسم معناه الفقراء أو المساكين، وهم جماعة مسيحية ذات نزعة تهودية. وكانوا يستخدمون إنجيل العبرانيين (من كتب الأبوكريفا)، واعتقدوا أن الحفاظ على الختان والناموس أمر ضروري للخلاص. وكانت لهم تعاليم خاطئة عن الرب يسوع. (المراجع).
[2] كانوا متشددين ناموسياً لدرجة شديدة ورفضوا الاعتراف بألوهية الابن قبل تجسده، إلا أنهم آمنوا بولادته من العذراء وبصلبه وقيامته، ورفضوا كل رسائل بولس لأنها لا تعطي أهمية للناموس، ولم يبالوا بكل الأسفار الأخرى واستعملوا فقط ما يسمى بإنجيل العبرانيين والذي يطلق عليه إنجيل الناصريين نظراً لاستخدامهم له. وكانوا يحافظون على السبت وسائر نظم اليهود، وقد تحدث عنهم يوسابيوس في كتابه تاريخ الكنيسة (3: 27). (المراجع).
[3] انظر يوسابيوس القيصري؛ تاريخ الكنيسة 3: 39: 16؛ 6: 25: 4. والقديس إيريناوس (ضد الهرطقات 1: 1).
[4] هي بدعة تعود إلى القرن الأول الميلادي وانتشرت بين الغنوسيين، ينادي أصحابها أن جسد المسيح هو خيال، وأن آلامه وموته كانت مجرد آلام ظاهرية، وتكلم عنهم القديس يوحنا الرسول في (1يو 4: 2، 2يو 7)، وحاربهم القديس إغناطيوس الأنطاكي في رسائله كما يتضح في المتن. (المراجع).
[5] لا نعرف من أين استقى المؤلف هذه المعلومة: فبيلاطس ليس أحد قديسي السنكسار القبطي (المترجم).
[6] كان البابا جلاسيوس الذي تولى باباوية الكنيسة الكاثوليكية من سنة 492-496م قد أصدر قراراً في نهاية القرن الخامس يحتوي على أسماء الكتب المقدسة القانونية والكتب المنحولة. في الجزء الثاني منه نجد أسماء الأسفار القانونية (27 سفراً للعهد الجديد) وفي الجزء الخامس من القائمة نجد أسماء كتب مرفوضة وممنوع قراءتها. وقد ورد فيها كتاب باسم إنجيل برنابا وبقية أسماء الكتب المذكورة هي كتب غنوسية. منها أعمال اندراوس، أعمال بطرس، أعمال توما، أعمال فيلبس، انجيل يعقوب الصغير، انجيل برثلماوس، إنجيل بطرس، انجيل اندراوس، كتاب طفولة المخلص، رؤيا توما، رؤيا بطرس، رؤيا استفانوس…. وغيرها. ويقول البابا جلاسيوس: “إن هذه الكتب (المنحولة) وما شابهها قد علمها ودونها الهراطقة والمنشقون وأتباعهم. فنحن نرفض هذه الكتب ونستبعدها في كل الكنيسة الرومانية الكاثوليكية الرسولية ونحرمها مع كاتبيها”. (المراجع)
[7] Philos 5: 7.
[8]الناسيين” هي جماعة ربما يكون اسمها مشتق من الكلمة العبرية (nahash)، والتي معناها (ثعبان). وهي جماعة ظهرت حوالي عام 100م تقريباً، ولم تعرف إلا من خلال كتابات هيبوليتوس الروماني، وقد زعموا أنهم تلقوا تعاليمهم من مارياميني تلميذة يعقوب البار، ويمكن اعتبار أن تعليمهم ينتمي إلى المراحل الأولى من البدعة الغنوسية. (المراجع).
[9] البدعة المانوية نسبة إلى ماني (215 – 276م) وهو فارسي الأصل، كان تعليمه مزيجاً من الديانات (المسيحية والبوذية وازرادشتية)، علم بوجود مبدأين للخلق (إله النور/ الخير)، (إله الظلمة/ الشر) فكل ما هو خير هو روحي، وكل ما هو مادي فهو شر. لذلك رفض التجسد، وعلم بأن الشر له كيان مادي وأنه كائن في الطبيعة البشرية. ونادى بعدم الزواج لأنه الوسيلة التي ينتقل بها الشر في الكيان الإنساني. والخلاص في المانوية هو تحرر الروح من سجن الجسد حتى تتحد بمبدأ الخير وذلك لن يتم إلى عن طريق تعذيب الجسد، بالزهد والتنسك والتصوف وإيقاف الغرائز الجسدية. (المراجع)
[10] هو مخطوط غنوسي آخر وجد خارج مجموعة نجع حمادي يرجع تاريخه للقرن الرابع الميلادي، وهو يتضمن مجموعة من الحوارات بين السيد المسيح وتلاميذه من الرجال والنساء. (المراجع).
[11] هم طائفة غنوسية كانت مزدهرة في القرن الثاني الميلادي وخصوصاً في المنطقة الشرقية من الإمبراطورية الرومانية، كانت رؤيتهم ليهوه أنه شرير لأنه صمم العالم على نحو معاذ للخير، حتى يمنع العنصر الإلهي في الإنسان من الاتحاد بالإله الكامل غير المعروف، وكانوا يمجدون الشخصيات الكتابية التي رُفضت في العهد القديم مثل قايين وعيسو وغيرهم من الذين اعتقدوا بأنهم كانوا يحملون معرفة باطنية مختلفة، ويقولون إن هذه الشخصيات عوقبت بواسطة إله غيور وشرير، ويطلق على القايينيين أحياناً لقب “الغنوسيين المستبيحين”، وذلك لإيمانهم بأن الخلاص والكمال الحقيقي، يأتي فقط عن طريق كسر كل الوصايا الكتابية في فترة حياة واحدة فقط، أي يجب على الغنوسي الذي يريد الخلاص أن يكسر كل الوصايا أثناء حياته. (المراجع).
[12] كان البوبربوريون طائفة غنوسية موغلة في القذارة والشر بشكل غير طبيعي، وكلمة “بوربوري” مأخوذة من الكلمة اليونانية “بوربوروس” والتي تعني “وحل”؛ لذا يمكن أن تترجم كلمة “البوربوريين” إلى “القذرين”. وكانت عقائدهم تتضمن ممارسة الشذوذ الجنسي بالإضافة إلى أمور أخرى غاية في القذارة. وبما أن كل ما نعرفه عن هؤلاء البوربوريين قد أتى من أعدائهم، لذلك لا يمكننا أن نكون متأكدين ما إذا كانت هذه الاتهامات صحيحة أم مبالغاً فيها. (المراجع)
[13] الأوفيتي هو عضو طائفة من ضمن عدة طوائف غنوسية ازدهرت في الإمبراطورية الرومانية في القرن الثاني الميلادي ولعدة قرون لاحقة. اندرج تحت اسم “الأوفيتيين” عدة طوائف غنوسية مثل الناسيين والقايينيين، وقد اختلفت عقائد هذه الطوائف عن بعضها البعض من أوجه كثيرة لكنها جميعاً تمحورت حول نظرية لاهوتية ثنائية وضعت كائناً أعلى ذا طبيعة روحية محضة – وهو مصدر العملية الكونية والخير الأسمى – على طرف النقيض مع عالم مادي فوضوي وشرير. بالنسبة إلى الأوفيتيين، كانت معضلة الإنسان نتيجة كونه خليطاً من هذه العناصر الروحية والمادية فقط المعرفة – المعرفة الباطنية الخير والشر – هي التي تستطيع ان تخلص الإنسان من قيود المادة وتجعله على دراية بهذا الإله غير المعروف المصدر الحقيقي لكل وجود. (المراجع)
أبوكريفا العهد القديم – أدب العهد الجديد الأبوكريفي 1
أدب العهد الجديد الأبوكريفي – 1- أبوكريفا العهد القديم
أدب العهد الجديد الأبوكريفي – 1- أبوكريفا العهد القديم
في الحقيقة لم يقدم لنا العهد الجديد إلا معلومات قليلة عن طفولة الرب وحياة أمه وانتقالها ورحلات رسله التبشيرية، لذا لا عجب في أن خيال المسيحيين الأتقياء قد تحرك ليكمل التفاصيل الناقصة. وهكذا تمت عملية كتابة الأساطير على مجال واسع من الحرية بهدف التثقيف والتهذيب. ومن ناحية أخرى، شعر الهراطقة، خاصة الغنوسيين[1]، أنهم بحاجة إلى روايات إنجيلية تؤيد تعاليمهم العقائدية. هكذا، نمت حول الأسفار القانونية مجموعة من الأساطير تُشكل تلك الكتابات المعروفة بـ “أبوكريفا العهد الجديد”، وقد ظهرت الأناجيل غير القانونية، والأسفار الرؤيوية المنحولة، والرسائل، واسفار الأعمال المنحولة المنسوبة للرسل بوصفها متممة للأسفار القانونية.
ولم تكن كلمتا “أبوكريفي”، وأبوكريفا” في الأصل تعنيان ما هو مزيف أو غير حقيقي، وذلك على الأقل في أذهان من استخدموهما. أولاً: فقد اعتبرت بعض من تلك الأعمال قانونية وفقاً لشهادة كل من القديس جيروم (Prol. Gal. in Samuel et Mal, Epist. 107. 12) والقديس أغسطينوس (De civitate Dei, 15.23.4).
وقد كان السفر الأبوكريفي في بداية الأمر سفراً مقدساً جداً وخاصاً للغاية حتى أنه يجب ألا يطلع عليه الجميع، لذا كان يجب أن يكون مخفياً (apocryphon) عن العامة وأن تقتصر معرفته فقط على هؤلاء المنضمين الجدد إلى المسيحية. وفي سبيل أن تحصل تلك الأسفار على القبول، كانت تظهر تحت أسماء الرسل وتلاميذ يسوع الأتقياء. لكن، عندما اكتشف زيف هذه الأسفار، تغير معنى كلمة “أبوكريفي”؛ ومن هذا الوقت فصاعداً صارت كلمة “أبوكريفي تعني “منحول، مزيف، مرفوض”.
ويستطيع حتى القارئ البسيط جداً أن يشعر بتدني هذه الكتابات مُقارنة بالأسفار القانونية، فهي تزخر بالمعجزات المزعومة التي أحياناً ما تكون مبتذلة إلى حد السخف. ولكن بالرغم من هذا، فللأبوكريفا أهمية قصوى بالنسبة للمؤرخين الكنسيين، لأنها تمدهم بمعلومات قيمة عن الاتجاهات والعادات التي اتصفت بها الكنيسة الأولى.
علاوة على ذلك، تُمثل الأبوكريفا بدايات الأساطير المسيحية، والقصص الشعبية، والأدب الروائي المسيحي. ولا غنى عن الأبوكريفا لفهم الفن المسيحي، فهي التي أوحت بلوحات الموزاييك الموجودة في بازيليكا “سانتا ماريا ماجيوري” (Santa Maria Maggiore) بمدينة روما وأيضاً الحفر البارز الذي كان يزين النعوش المسيحية القديمة.
كما أن الرسومات الصغيرة التي تزين الكتب الليتورجية والنوافذ الملونة الخاصة بكاتدرائيات العصور الوسطى كانت ستصبح غير مفهومة إن لم تكن تشير إلى القصص المذكورة في هذه الأبوكريفا. وللأبوكريفا أيضاً تأثير قوي على الأعمال المسرحية التي كانت تدور حول المعجزات أو الغوامض في العصور اللاحقة، فحتى “دانتي” قد استخدمها كمصدر للمشاهد الأخروية التي أوردها في عمله المعروف بـ “الكوميديا الإلهية”، لذلك نحن نمتلك من خلالها صورة واضحة ومصدراً مباشراً للفكر المسيحي المبكر.
وقد أبدى م. ر. جيمس (M. R. James) تقديراً رائعاً لمكانة الأبوكريفا في تاريخ الأدب المسيحي بقوله: “ربما لا يزال المرء يسمع بعض الناس يقولون: “على أية حال، هذه الأناجيل وأسفار الأعمال الأبوكريفية – كما تحب أن تدعوها – هي محل اهتمام مثلها مثل الأسفار القديمة، وهي لم تدخل ضمن أسفار العهد الجديد فقط من قبيل الصدفة البحتة أو بسبب أهواء البعض”.
أما أفضل رد على هذا الحديث الواهن فكان دائماً – كما هو حالياً – أن تخرج هذه الكتابات للتكلم عن نفسها، ولسوف يتضح بسرعة شديدة أنه ما من أحد قد استبعد هذه الأسفار من العهد الجديد، فهي التي قد استبعدت نفسها بنفسها. لكن ربما يقال: ” إذا كانت هذه الأسفار لا تصلح ككتب تاريخية، أو دينية، أو حتى أدبية، فلما إذن تصرف وقتك وجهدك في الدعاية لها، الأمر الذي أنت بنفسك تظهر أنها لا تستحقه؟” والإجابة على هذا السؤال هي: نعم بشكل جزئي، إلى أن يتمكن الآخرون بالطبع من أن يكونوا رأياً نهائياً عنها.
لكن ليس هذا الأمر كله، ففي الحقيقة، لا ينبغي أن ينظر لهذه الكتب فقط من الزاوية التي تدعيها لنفسها (من جهة قانونيتها) فهي – من كل الجوانب الأخرى – لها فوائد عظيمة ودائمة…. وإذا كانت كتب الأبوكريفا ليس بمصادر تاريخية جيدة من وجهة ما، فهي كذلك من وجهة أخرى، فهي تسجل تخيلات وآمال ومخاوف من كتبوها؛ إنها تظهر الأمور التي كان يقلبها المسيحيون غير المتعلمين في القرون الأولى، وتلك التي كانت تشغلهم، وتلك التي كانت تعجبهم؛ والأمثلة السلوكية التي كانوا متعلقين بها في هذه الحياة، والأمور التي كانوا يظنون أنهم يجدونها في النص. أما بالنسبة للقصص الشعبية والروايات، سنجد مرة أخرى أن الأبوكريفا ثمينة جداً.
كما أنها تكشف لمحبي ودارسي أدب العصور الوسطى وفنها عن جزء ليس بصغير من أصولهما، هذا بالإضافة إلى أنها تعطيهم حلولاً لألغاز كثيرة تقابلهم. ولقد تركت الأبوكريفا بالفعل تأثيراً عظيماً جداً وواسعاً جداً – لا يتناسب إجمالاً مع قيمتها الداخلية – حتى إنه لا يمكن لشخص مهتم بتاريخ الفكر المسيحي والفن المسيحي أن يهملها.
أولاً: المدسوسات المسيحية المبكرة في أبوكريفا العهد القديم
يمكننا أن نتتبع عادة تقليد الأسفار الكتابية المقدسة، إلى ما قبل ظهور المسيحية. ولقد نسب مؤلفو هذه الأسفار الأبوكريفية كتاباتهم إلى شخصيات معروفة وأرجعوا تاريخ كتابتها إلى فترات تسبق بكثير تاريخ كتابتها الحقيقي.
وهكذا، ظهر في القرن الثاني قبل الميلاد سفر “عزرا الثالث” الذي يسرد نسخة منقحة من قصة انحدار وسقوط مملكة يهوذا بداية من عهد الملك يوشيا، ولقد استكمل هذا السفر في العصر المسيحي بالسفر المسمى بـ “عزرا الرابع”، وبما أن هذا الأخير قد كتب في وقت دمار هيكل أورشليم تقريباً، لذا تأثر كثيراً بالآمال والتطلعات المسيحية؛ كما أن تأثيره على الإسخاتولوجيا المسيحية لم يكن قليلاً. لهذا، لم يكن من المفاجئ أن يتم اعتبار هذا السفر قانونياً.
ولقد ظهر سفر أخنوخ بطريقة مماثلة، وهو يتكون من مجموعة من الاستعلانات الرؤيوية، نواتها هي الفصول من 1 إلى 36 والفصول من 72 إلى 104 التي يعود تاريخ كتابتها إلى القرن الثاني قبل ميلاد المسيح، وتحتوي هذه الفصول في أغلب الظن على أقدم قطعة أدبية يهودية تتناول موضوع “قيامة إسرائيل العامة”، ثم وسعت مدسوسات الكتاب المسيحيين خلال القرن الأول الميلادي من محتوى سفر أخنوخ أكثر فأكثر.
أما ما هو مثير للاهتمام بشكل خاص، هو أننا نجد في الفصلين (32: 2 – 33: 2) من سفر “أسرار أخنوخ” (الموجود باللغة السلافية) أول إشارة إلى عقيدة الملك الألفي[2]. ويمكننا كذلك أن نجد المزيد من هذه المدسوسات في العمل المعروف بـ “عهد البطاركة الاثني عشر”، وهو عمل مركب يدعي أنه يحتوي على الكلمات الأخيرة لأبناء يعقوب الاثني عشر. ويمكن أن نجد الأمر نفسه في العمل المعروف بـ “رؤيا باروخ”.
أما أهم نموذج للتغيرات التي أحدثها المسيحيون في الكتابات اليهودية فنجده متمثلاً في سفر “صعود إشعياء”، وقد بنيت هذه الوثيقة القيمة – التي تعود إلى نهاية القرن الأول وبداية الثاني – على مجموعة من الأساطير اليهودية التي تتحدث عن “باليار” (Beliar) واستشهاد النبي إشعياء. أما الجزء الثاني من العمل (الفصول من 6 إلى 11) فعبارة عن وصف متحمس للسموات السبع، وتجسد المسيح وآلامه وقيامته وصعوده إلى السماوات بحسب ما رأى إشعياء عندما اختطف إلى السماء، ولا شك أن هذا القسم من العمل ذو أصل مسيحي.
وإلى جانب النبوءات عن المسيح وكنيسته، يعطي هذا القسم وصفاً لا تخطئه عين للإمبراطور نيرون، وهو وصف ذو أهمية خاصة باعتباره أقدم شهادة موجودة لدينا بشأن الطريقة التي استشهد بها بطرس. ونحن لا نمتلك النص الكامل لهذه الرؤيا إلا باللغة الإثيوبية فقط، لكن يوجد لدينا شذرات كبيرة منه محفوظة في تنقيحات يونانية، ولاتينية، وسلافية.
[1] ليست الغنوسية مذهباً واحداً، ولكنها مذاهب شتى تجمع بين المسيحية واليهودية والوثنية والأفكار الفلسفية الهيلينية، ولكن جميع هذه المذاهب تنظر للمادة على أنها شر ونجاسة وخطية، والإله العظيم منزه عن الاتصال بالمادة، لذلك فهو لم يخلق العالم إنما صدر منه آلهة آخرى، وأكثر هذه الآلهة بعداً عنه هو الإله الذي اتصل بالمادة وخلق العالم، واعتقدوا أن الأرواح كانت موجودة في عالم سماوي منير ولكنها سقطت فجأة إلى الأرض وأصبحت سجينة الجسد المادي، وتحتاج إلى من يخلصها، والخلاص يأتي عن طريق المعرفة، غنوسيس Gnosis، والغنوسيون هم أصحاب المعرفة، وبالمعرفة يعرف الإنسان أصله، ويعرف من هو، ويعرف كيف يخلص (المراجع).
[2] هي عقيدة ينادي أصحابها بان المسيح سيأتي ليملك على الأرض مع المؤمنين ألف سنة (رؤ 20: 1-6) لكي يحقق بعض الوعود مثل (أش 11، 65)، والتي لا يمكن أن تكون قد تحققت في المجيء الأول، وهذا الاعتقاد قد تسلل إلى بعض الآباء الأولين من التعاليم اليهودية التي ظهرت في فترة ما بين العهدين، حيث في ظروف الظلم والفساد والاستعباد، ظهرت بعض الكتابات مثل عزرا الثاني وسفر أخنوخ، والتي تتكلم عن مملكة المسيا الذي سيأتي ليحرر اليهود من كل هذه الأمور، ومن أشهر من نادى بالملك الألفي القديس إيريناؤس، ويوستينوس الشهيد (المراجع).
علي مر العصور والازمنة فرضت الضرائب وهي في السياق الكتابي الجزية علي اليهود نفسهم والامم فيذكر لنا كتاب:
Thomas Nelson Publishers. (1995). Nelson’s quick reference topical Bible index. Nelson’s Quick reference (625). Nashville, Tenn.: Thomas Nelson Publishers.
ففرضت ضرائب من قبل اليهود بحسب نص عزرا 4 : 20
فرضت علي اليهود انفسهم بحسب عزرا 4 : 13
فرضة علي الاسرائليين بحسب ما جاء في ملوك الثاني 23 : 33
المسيح سددها بحسب ما جاء في متي 22 : 17 – 21.
وعظ بولس عنها بحسب ما جاء في نص رومية 13 : 6 – 7.
ويذكر لنا مرجع:
Torrey, R. (1995, c1897). The new topical text book : A scriptural text book for the use of ministers, teachers, and all Christian workers. Oak Harbor, WA
1-ان الضرائب كانت تفرض احياناً من قبل الملوك لاجل رعايتهم الشخصية وهذا ما جاء في صموئيل الاول 8 : 10 – 17.
2-كانت تفرض الضرائب علي الدول التي تم حربها مثل ما جاء في هوشع 16 : 10 وملوك الثاني 23 : 33 وقضاه 1 : 30.
3-تفرض الضرائب في حالة
العمل ملوك الاول 5 : 13 – 14 وملوك الاول 9 : 15 – 21.
علي انتاج الارض كما جاء في صموئيل الاول 8 : 15 , ملوك الاول 4 : 7.
علي الذهب والفضة ايضاً كما جاء في ملوك الثاني 23 : 33 – 35.
4-اليهود مطلوب منهم دفع نصف شيكل لله كما جاء في سفر الخروج 30 : 12 – 16.
5-يسوع تجنب الامر من خلال عمل معجزه لدفع الجزية او الضريبة له ولبطرس كما ورد في متي 17 : 24- 27.
6-الضرائب وملوك اسرائيل
منع فرضها اذا كانت لا لزوم لها او قمعية بحسب ما ورد في دانيال 17 : 17.
من اجل الضباط كما ورد في صموئيل الثاني 20 : 24 وملوك الاول 4 : 4 -7 .
7-كثير من الاحيان كانت تفرض علي المظلومين من الشعب كما جاء في ملوك الاول 12 : 4, 11.
8-اعمال الضرائب ادت الي التمرد في كثير من الاحيان كما جاء في ملوك الاول 12 : 14 – 20.
كان الكهنة واللاويين معفيين من الضرائب بحسب ما جاء في عزرا 7 : 24.
9-الضرائب والرومان
1-صدور مرسوم اغسطس الوارد في لوقا 2 : 1
2-فرضت لاول مره في يهوذا عندما كان كيرينيوس الوالي في لوقا 2 : 2.
3-كانت تدفع كل واحد في مسقط راسه كما ورد في لوقا 2 : 3 – 5.
4-جمعها العشارين لوقا 3 : 12 , 13 ولوقا 5 : 27 .
5-كانت تدفع بالعملة الرومانية كما ورد في متي 22 : 19 – 20.
6-قاوم الجليليين هذه الضرائب بواسطة يهوذا الجليلي سفر الاعمال 5 : 37 ولوقا 13 : 1.
المسيح اظهر للفريسيين والهيرودسيين سلامة الدفع بحسب ما جاء في تي 22 : 15 – 22 ومرقس 12 : 13 – 17.
7-اتهامم زوراً ان الرب نهي عن الدفع ورد في رومية 13 : 6 – 7
10 – حض جميع القديسين علي دفع الضرائب بحسب رومية 13 : 6 – 7.
ويذكر لنا كتاب:
Easton, M. (1996, c1897). Easton’s Bible dictionary. Oak Harbor, WA
انه كان هناك ضريبة نصف شيكل للهيكل يدفعها كل يهودي فوق سن العشرين ولم تكن هذه الضريبة مدنية بل ضريبة دينية. تطبيقاً لما ورد في سفر الخروج 30 : 12 وملوك الثاني 12 : 4.
ويذكر انما جاء في متي 22 او مرقس 12 او لوقا 20 كانت العملة نحت عليها رسم صوره لقيصر وكان علي كل يهودي الدفع الي الرومان.
رسالة الراعي لهرماس – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة
رسالة الراعي لهرماس – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة
رسالة الراعي لهرماس – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة
رغم أن هذا الكتاب يحسب من ضمن كتابات الآباء الرسوليين، لكنه في الحقيقة ينتمي إلى فئة الكتب الرؤيوية المنحولة (Apocryphal apocalypses)، وهو عبارة عن كتاب يضم مجموعة من الرؤى أعطيت لهرماس في روما بواسطة اثنين من الكائنات السماوية: الأولى كانت امرأة مسنة، والثاني كان ملاكاً في صورة راعٍ، ومن هذا الأخير أخذ الكتاب اسمه. ولا يحوي الكتاب سوى عبارة واحدة فقط تلك التي يمكننا أن نستنتج منها زمن كتابته، فوفقاً للفقرة (4: 3) في الرؤيا الثانية، أمرة المرأة التي تمثل الكنيسة هرماس أن ينسخ نسختين من الرؤيا ويعطي إحداها لكليمندس الذي سيرسلها إلى المدن البعيدة، وكليمندس هذا بلا شك هو كليمندس الروماني الذي كتب رسالته إلى أهل كورنثوس عام 96م.
لكن، يبدو هذا متناقضاً مع ما ورد في الوثيقة الموراتورية[1](Muratorian fragment) التي تتكلم عن كاتب هذا العمل قائلة: “وحديثاً في وقتنا هذا في مدينة روما كتب هرماس كتاب الراعب عندما كان أخوه بيوس الأسقف يجلس على كرسي مدينة روما.” وتعطي شهادة الوثيقة الموراتورية – التي ترجع إلى نهاية القرن الثاني الميلادي – انطباعاً بموثوقية المعلومات المذكورة بها، لكن بما أن جبرية بيوس الأول تقع ما بين (140-150م)، نظر الباحثون إلى إشارة الكاتب إلى البابا كليمندس الواردة في الرؤيا الثانية على أنها خيال محض.
لكن، ليس هناك سبب معقول يدفعها لندعو هذه الإشارة خيالاً، فنحن يمكننا أن نفسر كلا التاريخين إذا أخذنا في الاعتبار الطريقة التي جُمعت بها أجزاء هذا الكتاب، فعلى أغلب الظن، تعود الأجزاء الأقدم من هذا الكتاب إلى عهد حبرية كليمندس، في حين تعود النسخة المنقحة الموجودة بين أيدينا إلى عهد حبرية بيوس. ويقود الفحص النقدي لمحتويات الكتاب إلى نفس هذا الاستنتاج، ويظهر هذا أن أجزاء الكتاب المختلفة تعود إلى فترات تاريخية مختلفة.
ونجد أيضاً أن أوريجينوس كان يرى أن مؤلف هذا الكتاب هو هرماس الذي ذكره بولس في رسالته إلى أهل رومية، وهذا الرأي غير مقبول. ويذكر المؤلف أنه قد تم بيعه كعبد في شبابه المبكر وأرسل إلى روما، وهناك اشترته سيدته المدعوة رودا.
أما الأسلوب العبراني الذي للكاتب فيؤكد أنه إما من أصل يهودي أو تعلم على يد معلمين يهود، وهي يحكي – في صراحة ووِد – كل أنواع الأمور التي تتعلق به شخصاً أو بأقاربه، وهو يتكلم عن صفقاته التجارية، وفقدانه لكل ثروته التي جمعها كشخص حر، وزراعته لفدادين الأرض التي يملكها على طريق السفر الواصل بين مدينة روما ومدينة كومي (Cumae)، هذه الحقيقة الأخيرة تفسر سبب خروج هذا الكم الكبير من الصور الريفية التلقائية من قلم الكاتب.
ويخبرنا الكاتب أيضاً أن أولاده قد ارتدوا عن الإيمان أثناء فترة الاضطهاد، وكيف أنهم خانوا والديهم وعاشوا حياة منافية للأخلاق، كما أنه لا يجد شيئاً طيباً ليقوله عن زوجته التي تتحدث كثيراً ولا تلجم لسانها. وتدفعنا هذه المعلومات لنستنتج أن الكاتب كان رجلاً تقياً باراً له ضمير حي، رجلاً قد ثبت في مواجهة الاضطهاد.
ويتكون الكتاب من عظة عن التوبة ذات سمات رؤيوية وعلى وجه العموم فإن موضوعها كان غريباً من جهة الشكل والمضمون. والعمل ينقسم ظاهرياً إلى ثلاث أقسام: خمس رؤى، واثني عشر حكماً أو وصية، وعشرة أمثال. وبالرغم من أن هذا التقسيم من وضع الكاتب، إلا أن العمل لا يحتوي داخلياً على أساس منطقي يُبرر هذا التقسيم الثلاثي أو حتى العناوين الفرعية المختلفة داخله، وذلك لأنه حتى الوصايا والأمثال الواردة في العمل هي أيضاً ذات طبيعة رؤيوية أما منطقياً، فينقسم الكتاب إلى قسمين رئيسين وخاتمة.
المحتويات
في القسم الرئيس الأول، الذي يضم الرؤى من الأولى إلى الرابعة، يستقبل هرماس رؤى من المرأة التي تمثل الكنيسة والتي ظهرت له أولاً في شكل امرأة عجوز جليلة ولكنها بالتدريج تفقد علامات السن وتظهر في الرؤيا الرابعة كعروس تمثل مُختاري الله.
الرؤيا الأولى
تبدأ الرؤيا الأولى بكلام عن خطية فكر تؤرق ضمير هرماس، وتظهر الكنيسة فيها كسيدة عجوز تحثه على التوبة عن خطاياه وخطايا أسرته.
الرؤيا الثانية
تعطيه السيدة العجوز كتيباً لينسخه ويوزعه؛ ويحث محتوى الرؤيا أيضاً على التوبة ويحمل نبوة واضحة بأن الاضطهاد على الأبواب.
الرؤيا الثالثة
في هذه الرؤيا تستخدم السيدة العجوز رمز البرج الذي لم يكتمل بناؤه لتشرح لهرماس مصير المسيحية التي سوف تنمو في وقت قصير لتصبح الكنيسة المثالية. كل حجر لا يناسب باني البرج سيرفض، لذلك كل خاطئ لا يتوب عن خطيته سيخرج خارج الكنيسة. والتوبة السريعة مطلوبة لأن الوقت مقصر.
الرؤيا الرابعة
تكشف هذه الرؤيا للرائي عن نكبات خطيرة وشيكة الوقوع، واضطهاد تحت سلطان تنين بشع. لكن على قدر بشاعة هذا الوحش، إلا أنه لن يؤذي الرائي وكل من يتسلح بالإيمان. وخلف الوحش، يرى الرائي الكنيسة في ثياب عروس، رمزاً للبركة التي سينالها المطيعون تأكيداً لدخولهم إلى الحياة الأبدية.
الرؤيا الخامسة
في هذه الرؤيا، التي تمثل مرحلة الانتقال من القسم الأول إلى القسم الثاني، يظهر ملاك التوبة في شكل الراعي الذي سيرعى ويقود عملية التوبة. إنه هو من سيعيد إحياء المسيحية، وهو الآن يشرح لهرماس الوصايا والأمثال.
يتكون الجزء الرئيس الثاني من اثنتي عشرة وصية بالإضافة إلى الأمثال من 1 إلى 9:
الوصايا الاثنتا عشرة
تُمثل الوصايا الاثنتا عشرة ملخصاً للأخلاق المسيحية؛ فهي تكشف عن المبادئ التي ينبغي أن يسلك بها التائب بحسب الطبيعة الجديدة، وهذه الوصايا هي:
1 – الإيمان، مخافة الله والسلوك باعتدال
2 – وحدانية القلب والبراءة
3 – الصدق
4 – الطهارة والسلوك المستقيم في كل من حالتي الزواج والترمل
5 – الصبر وكظم الغيظ
6 – ذاك الذي ينبغي الإيمان به، وذاك الذي ينبغي عدم الاعتداد به، وهما بالترتيب: ملاك العدل وملاك الشر
7 – ذاك الذي ينبغي أن تخافه وذاك الذي ينبغي ألا تخافه: الله والشيطان.
8 – ما ينبغي أن نتجنبه وما ينبغي أن نفعله: الشر والخير
9 – فيما يتعلق بالشكوك (##)
10– فيما يتعلق بالحزن والتشاؤم
11– في الأنبياء الكذبة
12– في وجوب اقتلاع المرء لكل رغبة شريرة من قلبه وملئه بالصلاح والفرح.
ثم يختم القسم – مثل كل وصية – من الوصايا الاثنتي عشرة. بنصيحة ووعد، فالملاك يؤكد لتلك النفس الضعيفة التي تشك في قدرتها على تتميم تلك الوصايا، أن الإنسان الذي واثقاً في الله يجاهد ليحفظها سوف يجد أن حفظها أمر سهل؛ وأن كل من يلتزم بها سينال الحياة الأبدية.
الأمثال العشر
تشتمل الأمثال الخمس الأولى على وصايا أخلاقية مثلها في ذلك مثل الوصايا الاثنتي عشرة. ويصور المثل الأول المسيحيين كغرباء عن الأرض: “أنتم تعرفون يا خدام الله أنكم تسكنون في أرض غريبة لأن مدينتكم بعيدة جداً عن هذه المدينة، فإن كنتم إذن تعرفون مدينتكم التي ستسكنون فيها، لماذا تشترون هنا أراضي، وتقومون بمثل هذه الاستعدادات المكلفة، وتكدسون البيوت والأبنية عديمة القيمة؟ إن الذي يقوم بمثل هذه الاستعدادات من أجل هذه المدينة لن يستطيع العودة إلى مدينته…. إذاً، بدلاً من الأراضي، اشتروا النفوس المتعبة حسب طاقة كل إنسان. افتقدوا الأرامل والأيتام ولا تتعالوا عليهم، وأنفقوا كل خيراتكم وأملاككم التي نلتموها من الله على مثل هذه الأراضي والبيوت… هذا تصرف نبيل ومقدس”.
والمثل الثاني يلزم الأغنياء بواجب مساعدة المحتاجين، وذلك تحت مثل الكرمة وشجرة الدردار التي تعتمد كل واحدة منهما على الأخرى. ففي مقابل المساعدة التي يسديها الأغنياء للفقراء، يجب على الفقراء أن يصلوا من أجل إخوتهم الأغنياء. أما بالنسبة للسؤال الذي يحير المسيحين، والذي يدور حول السبب الذي لأجله لا يمكن أبداً التمييز بين الخاطئ والبار على الأرض، فيجيب المثل الثالث عليه، وذلك بأن يشبههما بشجر الغابة في فصل الشتاء، فحينما تفقد الأشجار أوراقها في فصل الشتاء وتتغطى أغصانها بالثلوج لا يمكن أيضاً التمييز بينها.
ثم يضيف المثل الرابع بطريقة الجملة الاعتراضية أن العالم الآتي مثل الغابة في فصل الصيف، حيث يمكن التمييز بين كل من الأشجار الميتة والأشجار ذات الصحة الجيدة. ويتكلم المثل الخامس عن الأصوام الجماعية التي كانت الجماعة كلها تحفظها، تلك التي كانوا يسمونها بـ “المحطات” (Stations). وهو لا ينتقد النظام نفسه ولا الصوم بشكل عام، لكنه ينتقد الثقة الفارغة التي كان يضعها بعض الناس في تلك الممارسة، فالصوم يتطلب – أولاً وقبل كل شيء – تغييراً أخلاقياً، والتزاماً تاماً بناموس الله، ثم ممارسة لأعمال الخير. ويسمح المثل في أيام الصوم بتناول الخبز والماء فقط، ومن ثم تذهب النفقات التي كان ينفقها المرء يومياً إلى الفقراء.
أما الأمثلة الأربعة الأخيرة فتتحدث عن الخضوع لله من خلال التوبة، وهكذا يُظهر المثل السادس ملاك النهم والغش وملاك العقاب في صورة راعيين، ثم يتحدث عن فترة العقاب الآتية. وفي المثل السابع يتوسل هرماس إلى ملاك العقاب – الذي يعذبه – كي يخلص. ولكنه ينصحه بأن يصبر، ويعزيه قائلاً إنه يتألم لأجل خطايا العائلة. والمثل الثامن يشبه الكنيسة بشجرة صفصاف كبيرة لها أغصان قوية، تلك التي بالرغم من أنها قد انتزعت من جذع الشجرة وتبدو يابسة إلا أنها سوف تزهر في حيوية إذا زرعت في الأرض وبقيت رطبة؛ كل من فصلته الخطايا الأخلاقية عن الاتحاد المحيي بالكنيسة يمكنه أن يحيا مرة أخرى بالتوبة وأسرار النعمة التي تقدمها الكنيسة.
ويبدو أن المثل التاسع قد أضيف لاحقاً؛ فهو يبدو إلى حد ما استدراكاً لما سبق، حيث إن مثل البرج قد استخدم مرة أخرى وأصبحت الحجارة المختلفة فيه تمثل أنواعاً مختلفة من الخطاة. لكن الجديد في الأمر هو أن عملية بناء البرج قد تعطلت حتى تعطي فرصة لخطاة كثيرين ليتوبوا حتى يتم قبولهم كحجارة في البرج، ولكن إذا لم يسرعوا للتوبة سيرفضون. بمعنى آخر، امتد زمن التوبة الذي كان محدداً قبلاً متخطياً الوقت الذي كان قد أعلن أصلاً، ومن الممكن أن يكون هرماس نفسه هو من قام بمثل هذا التغيير، لأن المجيء الثاني الذي كان يتوقعه لم يحدث. ويشكل المثل العاشر خاتمة هذا العمل، حيث يحث ملاك التوبة هرماس مرة أخرى ليطهر عائلته من كل شر، كما أنه يكلفه مرة أخرى بمهمة دعوة الجميع للتوبة.
والحقيقة أنه أمر بالغ الصعوبة أن نجد عملاً من العصور المسيحية المبكرة تبدو فيه حياة المجتمع المسيحي بمثل هذا الوضوح مثلما الحال في كتاب راعي هرماس؛ فنحن هنا نتقابل مع كل أطياف المسيحيين، الطيب منهم والشرير أيضاً. وفيه نقرأ عن الأساقفة، والكهنة، والشمامسة الذين قاموا بخدمتهم أمام الرب بكل كفاءة، لكننا أيضاً نقرأ عن كهنة صاروا تحت العقاب بسبب كبريائهم أو إهمالهم أو طموحهم، وشمامسة استحلوا لأنفسهم أموال الأرامل واليتامى.
ونقرأ عن شهداء لم يهتز قلبهم لحظة، لكننا نقرأ أيضاً عن مرتدين، وخونة، وجواسيس؛ هؤلاء الذين ارتدوا من أجل مطامع عالمية، أمثال هؤلاء الذين لم يخجلوا أن يلعنوا الله والمسيحيين أخوتهم علناً. كذلك يخبرنا راعي هرماس عن مهتدين إلى المسيحية لم تدنسهم الخطية، كما يخبرنا عن خطاة من كل نوع. ويخبرنا أيضاً عن أشخاص أغنياء يحتقرون الإخوة الأفقر منهم، كما يخبرنا عن مسيحيين مُحسنين صالحين.
ويخبرنا عن هراطقة، كما يخبرنا عن شكاكين يجاهدون ليجدوا طريق البر، ويخبرنا عن مسيحيين صالحين ذوي أخطاء صغيرة، كما يخبرنا عن مرائين ومنافقين. وهكذا يعتبر كتاب راعي هرماس بمثابة محاسبة قوية للنفس من جانب كنيسة روما[2]، لأنه من الواضح أن السلوك المتسم بالجبن عند عدد كبير من المسيحيين قد نجم عن فترة من السلام استقرت فيها حياة هؤلاء الأعضاء في راحة وكدسوا الأموال بل وحتى أصبحت لهم مكانة رفيعة بين جيرانهم الوثنين، ولم يلبثوا أن فوجئوا تماماً بويلات الاضطهاد المريع.
إن هذه الأحداث تميز فترة حكم الإمبراطور تراجان، ومن ثم تشير بقوة إلى النصف الأول من القرن الثاني الميلادي، وهذا يتفق مع ما ذكرناه أعلاه. لكن يبدو أن هرماس يرى أن المسيحيين النموذجيين – لا الخطاة – هم الأغلبية. ولم يكن هدف الكاتب أن يجتذب الخطاة للتوبة فقط، بل أيضاً أن يشجع النفوس الضعيفة. ولهذا من الواضح أننا نجد في العمل بوجه عام نظرة متفائلة للحياة.
الاتجاهات التعليمية في كتاب الراعي
1 – التوبة
شكل التعليم عن التوبة، كما ذكر في كتاب راعي هرماس، موضوع جدل عنيف. وقد تمركز هذا الجدل حول الوصية (4: 3: 1-6) والتي تقدم حواراً يدور بين هرماس وملاك التوبة: “لقد سمعت، يا سيدي، من بعض المعلمين أنه ليست من توبة أخرى غير تلك التي كانت عندما نزلنا إلى الماء ونلنا مغفرة خطايانا السابقة. فقال لي: ما سمعته صحيح، لأن الأمر هو هكذا.
إن من نال مغفرة خطاياه ينبغي ألا يخطئ مرة أخرى بل إن يعيش في طهارة، لكن بما أنك تسأل باجتهاد عن كل شيء، سوف أشرح لك هذا أيضاً، لا كمن يعطي العذر لمن سوف يؤمنون في المستقبل أو من قد آمنوا فعلاً بالرب، لأن هؤلاء الذين قد آمنوا أو هؤلاء الذين على وشك أن يؤمنوا ليس لهم توبة عن الخطايا بل غفران لخطاياهم السابقة. لأن الرب قد وضع التوبة لهؤلاء الذين قد دعوا قبل هذه الأيام. لكن بما أن الرب يعلم القلب ويعرف كل الأشياء مسبقاً، ويعرف شر الإنسان والخبث الماكر الذي للشيطان، لذا يعلم أنه سوف يتسبب في بعض الشرور لخدام الله وسوف يتعامل معهم بخبث.
ولأن الرب مليء بالعطف، لذا رحم خليقته وأسس هذه التوبة وأعطاني سلطاناً عليها. ثم قال: لكني أقول لك، إنه بعد هذه الدعوة الجليلة، إن أخطأ إنسان وأغراه الشيطان بالخطية، سيكون له فرصة واحدة للتوبة، لكن إن أخطأ أكثر من مرة وتاب لن يكون له فرصة واحدة للتوبة، لكن إن أخطأ أكثر من مرة وتاب لن يكون هذا مجدياً له، لأنه بالكاد يحيا. فقلت له: لقد عادت لي روحي مرة أخرى عندما سمعت منك هذه الأمور بمثل هذه الدقة، لأن علمت أنه إن لم أضف المزيد إلى خطاياي سوف أحيا، فقال لي: لسوف تخلص أنت وكل من يفعل هذه الأمور.” وحسب هذه الفقرة يمكن أن يتلخص التعليم عن التوبة كما يقدمه كتاب راعي هرماس في النقاط التالي:
هناك توبة مخلصة بعد المعمودية، وهذا ليس تعليماً جديداً يعلنه هرماس لأول مرة، كما افترض البعض كثيراً مخطئين، ولكنه تعليم قديم في الكنيسة. وقد اندفع هرماس ليكتب هذا العمل لأن بعض المعلمين أصروا على أنه لا توجد توبة إلا في المعمودية، وأن أي شخص يرتكب خطيئة مميتة لا يعود من ضمن أعضاء الكنيسة. ولم يكن في نية هرماس أن يعطي انطباعاً بأنه هو أول من أعلن للخاطئ المسيحي أن خطاياه يمكن أن تغفر أو أن هذا مجرد تنازل استثنائي، لكن في الحقيقة، رغب الكاتب في أن يوضح للمسيحيين أن رسالته هذه لا تقدم الفرصة الأولى لغفران ما ارتكبوه من خطايا بل الفرصة الأخيرة. وهذا هو ما يُشكل العنصر الجديد في رسالته.
للتوبة صفة الشمول، لذا لا يوجد خاطئ مُستثنى منها حتى غير الطاهر أو المرتد. الشقي الذي لن يتوب هو فقط المستثنى منها.
لا بد للتوبة أن تكون سريعة ولا بد أن ينتج عنها تغيير؛ ولا يجب أن يُستهان بالفرصة التي تقدمها التوبة بأن يسقط الإنسان مرة أخرى في الخطية. وهو يحاول أن يبرهن على ضرورة حدوث تغيير في حياة التائب بالتركيز على الجانب النفسي، والصعوبات التي سيواجهها من يرتد إلى حياة الخطية في طريقه نحو بلوغ الحياة الأبدية. والكاتب هنا يتكلم انطلاقاً من نظرة لاهوتية رعوية لا عقائدية. أما حث الكاتب على الإسراع في التوبة فيرتكز على أرضية اسخاتولوجية (أخروية)، فلا بد للتوبة من أن تتم قبل أن يصبح بناء البرج – الذي هو الكنيسة – حقيقة واقعة، لأن عملية البناء قد توقفت حتى تمنح الخاطئ فرصة للتوبة.
الهدف الداخلي للتوبة هو “تغيير الفكر”. (##). إنه التغيير الكامل للخاطئ، والرغبة في التكفير عن الخطية بالتأديبات الطوعية والصوم، والصلاة من أجل مغفرة ما ارتكبه من خطايا[3].
لا يكون التبرير الذي يناله الخاطئ بالتوبة مجرد تطهير من الأدناس، لكنه سيكون أيضاً تقديساً إيجابياً مثل ذلك التقديس الذي ينتج عن المعمودية بحلول الروح القدس. (Sim. 5: 7: 1-2).
إن عقيدة التوبة عند هرماس كانت مشبعة بمفهوم ضرورة الكنيسة لخلاصنا، ولهذا يذكر هرماس الصلوات التي يقدمها شيوخ الكنيسة عن الخطاة. والمصالحة على هذا النحو لم تُذكر في النص، ولكنها ولأسباب قوبة ينبغي أن تقبل بشكل مؤكد.
2 – الخريستولوجي:
أثارت التعاليم الخريستولوجية الخاصة بهرماس شكوكاً قوية، فهو لم يستخدم أبداً مصطلح “لوغوس”، أو اسم “يسوع المسيح”، لكنه يستخدم دائماً لقب “المخلص”، أو “ابن الله”، أو “الرب”، لكن في المثل (1: 1: 9) نقرأ أن ملاك التوبة يقول لهرماس: “أريد أن أريك كل ما أراك إياه الروح القدس (##) الذي تكلم معك في صورة امرأة، لأن هذا هو ابن الله”. وهنا يعرف هرماس الروح القدس باعتباره ابن الله، وبمعنى آخر، لدينا هنا أقنومان إلهيان فقط: الله والروح القدس، هذان اللذان توصف العلاقة بينهما بعلاقة أب وابن.
أما ما هو أكثر أهمية فنقرأه في المثل (5: 5: 5-7): “إن الروح القدس الأزلي، ذاك الذي خلق كل شيء، قد جعله الله يسكن في جسد اختاره لنفسه. وهذا الجسد الذي سكن فيه الروح القدس قد خدم الروح بكل طهارة وقداسة بدون أي شائبة. وبعد أن سلك الجسد بصلاح وبطهارة، وبعد أن ساعد الروح وعمل معه في كل شيء، مُظهراً قوة وشجاعة، سمح الله له بأن يشارك الروح القدس؛ لأن سلوك هذا الجسد قد أسر الله لأنه لم يتنجس عندما كان يحمل الروح القدس على الأرض. لذلك، استشار ابنه وملائكته الممجدين.
حتى يتمكن هذا الجسد، الذي خدم الروح دون أن يسبب أي شيء يُلام عليه، من أن يحصل على مكان للسكن، ولا يفقد أجرة خدمته. فهناك مكافأة لكل جسد يتضح – من خلال سكنى الروح القدس – أنه لا يشوبه أي شائبة”. ويحسب تلك الفقرة، يبدو أن الثالوث عند هرماس يتكون من الله الآب، وأقنوم إلهي آخر هو الروح القدس الذي يدعوه ابن الله، ثم المُخلص الذي ارتفع ليصبح مرافقاً لهما كمكافأة استحقها. وبمعنى آخر، يعتبر هرماس أن المخلص هو ابن الله بالتبني، وذلك طالما كنا نتكلم عن طبيعته البشرية.
3 – الكنيسة:
يرى هرماس أن الكنيسة هي أول المخلوقات، ولهذا السبب ظهرت له على شكل امرأة عجوز جليلة. ولقد خلق العالم كله من أجلها: “أيها الأخوة، بينما أنا نائم تلقيت إعلاناً من شاب جميل جداً قال لي: من تظن المرأة العجوز التي أخذت منها الكتاب؟ قلت: العرافة، فأجابني قائلاً: أنت مخطئ، إنها ليست عرافة، فقلت: من هي إذن؟ فأجابني: الكنيسة، فقلت له: ولماذا إذن هي سيدة عجوز؟ فأجابني: لأنها أول من خُلق، ولهذا السبب هي عجوز، ولقد خلق العالم كله من أجلها.” (Vis. 2: 4: I).
لكن أشهر رمز ظهرت به الكنيسة عند هرماس كان هو “البرج السري” (Vis. 3: 3: 31; Simil. 8: 13: 1)، غير أن هذا الرمز كان يرمز إلى كنيسة المعينين والمختارين، الكنيسة المنتصرة، لا الكنيسة المجاهدة التي يعيش فيها كل من القديسين والخطاة جنباً إلى جنب. والكنيسة مؤسسة على صخرة هي ابن الله.
4 – المعمودية:
لا يقبل أحد في هذه الكنيسة إلا بنوال المعمودية: “اسمع إذن سبب كون البرج مبنياً على الماء: لأن حياتكم قد خلصت وستخلص بالماء، ولقد تأسس هذا البرج بكلمة القدير واسمه العظيم، وهو محفوظ بقدرة السيد غير المنظورة” (Vis. 3: 3: 5). ويسمي المثل (9: 16) المعمودية بـ “الختم”؛ ويذكر مفعولها. “قلت: يا سيدي، لماذا صعدت الحجارة من أعماق المياه ووضعت في مبنى البرج بعد أن حملت تلك الأرواح؟
فأجابني قائلاً: كان من الضروري لها أن تصعد من الماء حتى تنال الحياة، لأنه لا يمكنها بطريقة أخرى أن تدخل ملكوت الله إلا بأن تطرح عنها موات حياتها السابقة. وبالمثل، نال هؤلاء أيضاً الذين رقدوا ختم ابن الله (##) ودخلوا ملكوت الله. ثم استطرد قائلاً: لأنه قبل أن يحمل الإنسان اسم الله يكون ميتاً، ولكنه عندما يقبل الختم يطرح عنه الموت ويقبل الحياة، والختم هنا هو الماء. إنهم ينزلون إلى الماء أمواتاً ويصعدون أحياء. قد كُرز لهؤلاء أيضاً بهذا الختم ثم استخدموه ليدخلوا ملكوت السماوات.
ثم سألته قائلاً: يا سيدي، لما إذن صعدت الأربعون صخرة معهم من الماء بالرغم من أنها كانت قد نالت الختم بالفعل؟ فأجابني قائلاً: لأن هؤلاء الرسل والمعلمين الذين كرزوا باسم ابن الله، ثم ماتوا في قوة وإيمان ابن الله، كرزوا أيضاً لهؤلاء الذين قد ماتوا قبلهم ومنحوهم ختم الكرازة. لهذا السبب نزلوا معهم إلى الماء ثم صعدوا مرة أخرى. لكن، في حين نزل هؤلاء الآخرون أحياء وصعدوا أحياء، نزل الأولون – هؤلاء الذين قد رقدوا من قبلهم – أمواتاً وصعدوا أحياء، لذلك أصبح هؤلاء أحياء بواسطتهم وقبلوا اسم ابن الله، ولهذا السبب صعدوا معهم وأخذوا مكانهم في مبنى البرج، واستخدموا معهم في بناء البرج بدون أن يُصقلوا، لأنهم كانوا قد ماتوا أبراراً وفي طهارة عظيمة لكن فقط هذا الختم هو الذي لم يكونوا قد نالوه. هذا هو تفسير تلك الأمور”.
وهكذا يؤكد هرماس أن المعموجية ضرورية للخلاص، حتى أنه يُعلم بأن الرسل والمعلمين قد نزلوا إلى الجحيم بعد موتهم ليعمدوا الأبرار الذين رقدوا قبل ظهور المسيحية.
التعاليم الأخلاقية في كتاب الراعي
للتعاليم الأخلاقية في كتاب الراعي هرماس أهمية تفوق التعاليم العقائدية:
من الأمور الجديرة بالذكر والمهمة أننا نجد هنا بالفعل تفريقاً بين الوصية والنصيحة، بين الضرورات والنوافل: “سأريك وصاياه، لكن إذا فعلت أمراً صالحاً يزيد على ما تطلبه وصايا الله، سوف تقتني لنفسك مجداً أعظم وسيرضى الله عنك أكثر مما كان مقدراً لك”. (Sim 5: 3: 3) ويذكر هرماس من ضمن هذه الأعمال النافلة كلا من: الصوم، والبتولية، والاستشهاد.
مما هو جدير بالذكر أيضاً تلك الملاحظة الجلية التي تتكلم عن الأرواح التي تسيطر على قلب الإنسان: “يسكن في الإنسان ملاكان: واحد للخير والثاني للشر… وملاك الخير لطيف ومتواضع ووديع ورقيق، لذلك، عندما يأتي ليتكلم في قلبك يتكلم من فوره عن الخير، والطهارة، والقداسة، والتحكم في الذات، وكل عمل صالح وكل فضيلة مجيدة. فعندما تأتي كل هذه الأشياء في قلبك اعلم أن ملاك الخير معك، لذا آمن به وبأعماله. والآن انظر أيضاً إلى أعمال ملاك الشر، إنه – قبل كل شيء – مُر، وغضوب، أحمق، وكل أعماله شر، ويؤذي خدام الله. لذا عندما يأتي إلى قلبك اعرفه من أعماله”. (Mand. 6: 2: 1-4).
وفي فقرة أخرى يبذل الكاتب جهده ليوضح أنه من المستحيل أن يسكن ملاك الخير وملاك الشر في قلب الإنسان في وقت واحد: “لأن هذه الأرواح عندما تسكن في إناء واحد حيث يسكن الروح القدس أيضاً، لا يعود ثمة مكان في هذا الإناء بل سيصبح مزدحماً، لذلك يهجر الروح اللطيف، غير المعتاد على أن يساكن روحاً شريراً أو قساوة، مثل هذا الإنسان يطلب أن يسكن مع البساطة والهدوء. لذا عندما يهجر الروح اللطيف ذلك الإنسان الذي كان يسكن فيه، يصبح الأخير مفتقراً من روح البر، وتملأه الأرواح الشريرة، وتصبح كل تصرفاته مختلة حيث تجره الأرواح الشريرة هنا وهناك، ويعمى تماماً عن الأفكار الصالحة”. (Mand. 5: 2: 5-7).
أما بشأن الزنى، فقد قال الكاتب أنه ينبغي على الزوج أن يطلق امرأته التي أدينت بهذه الخطية وترفض التوبة، غير أنه ينبغي عليه هو نفسه ألا يدخل في علاقة أخرى طالما بقيت زوجته حية. أما إذا تابت الزوجة الزانية وأصلحت من نفسها، يكون الزوج حينئذ مجبراً على أن يقبلها مجدداً: “إذا لم يقبلها زوجها فهو يخطئ ويجلب على نفسه خطيئة كبيرة. فلا بد لنا أن نقبل الخطاة التائبين، ولكن ليس إذا تكرر الأمر كثيراً؛ لأنه لا يوجد لخدام الله سوى فرصة واحدة للتوبة”. (Mand. 4: 1: 8)
يسمح هرماس، بخلاف عدد من الكتاب المسيحيين القدامى، بالتزوج مرة أخرى بعد موت الزوج أو الزوجة: “قلت: يا سيدي، إذا ماتت الزوجة أو الزوج، فهل يخطئ الطرف الثاني إذا تزوج مرة أخرى؟ فأجابني قائلاً: إنه لا يخطئ، ولكن إذا بقي أعزب فإنه ينال كرامة أعظم أمام الرب، ولكن إذا تزوج لا يخطئ” (Mand. 4: 4: 1-2)
ونتقابل في الرؤيا (3: 8: 1-7) مع قائمة مكونة من سبع فضائل هي: الإيمان، والعفاف، والبساطة، والمعرفة، والبراءة، والوقار، والمحبة. ولقد صورت هذه الفضائل السبع في صورة سبع نسوة، وهو تصور لعب دوراً كبيراً في تطور الفن المسيحي.
وقد نال كتاب الراعب مكانة رفيعة في القرون الأولى من خلال شهادة كُتاب كنسيين له، منهم: إيريناوس، وترتليانوس قل اعتناقه المونتانية[4]، وأوريجينوس. وقد اعتبروا هرماس بمثابة نبي وعدوا كتابه من ضمن الكتب المقدسة. ويبدو أن هذا الكتاب كانت له شعبية كبيرة في الشرق أكثر منها في الغرب، حيث إن القديس جيروم قد ذكر أنه في أيامه كان ذلك الكتاب يكاد يكون غير معروف بين الناطقين باللاتينية (de vir.ill.10). ونعرف من الوثيقة الموراتية أنه كان مسموحاً بقراءة هذا الكتاب في الجلسات الخاصة، ولكنه لم يكن يقرأ علناً في الكنيسة. ولكن أوريجانوس يشهد أنه كان يقرأ علناً في بعض الكنائس ولكن هذا الممارسة لم تكن عامة.
كيف وصل النص إلينا
المصادر المعتمدة لنص راعي هرماس باللغة اليونانية هي:
المخطوطة السينائية (Codex Sinaiticus): كتبت في القرن الرابع، وتحوي الربع الأول من العمل الكامل حتى: (Mand. 4: 3: 6).
مخطوطة من جبل أثوس تعود إلى القرن الخامس الميلادي، وهي تضم العمل كاملاً ما عدا آخر جزء من الخاتمة، أي الأجراء التالية: (Siml. 9: 30: 3-10: 6).
مجموعة جامعة ماتشيجان للبرديات وتضم شذرتين من راعي هرماس قام كامبل بونر (Campbell Bonner) بنشرهما، وهما تشكلان إضافة لمعلوماتنا عن النص. والشذرة الأطول ذات أهمية كبرى لأنها حفظت لنا معظم العبارت المفقودة من مخطوطة جبل أثوس، فهي تضم الجزء: (Simil. 2: 8-9: 5: 1)، كما أنها أقدم من معظم مخطوطات راعي هرماس التي نشرت حتى الآن، وقد كُتبت في نهاي القرن الثالث الميلادي. وتعود الشذرة الأقصر إلى نفس زمن كتابة الأطول، وتضم نهاية المثل الثاني والكلمات الافتتاحية من المثل الثالث.
شذرة صغيرة من مخطوطة “فيلوم” (Vellum) – المحفوظة في مدينة هامبورج – وتحتوي على الأجزاء التالية: (Sim. 4: 6-7: 5: 1-5).
وجدت أيضاً شذرات من نص راعي هرماس في البردية الأمهرية: (CXC, Oxyrh. Pap. رقم 404 و1172) و(Berlin Pap. رقم 5513 و6789).
والنص أيضاً محفوظ في ترجمتين لاتينيتين وف ترجمة إثيوبية، ولدينا أيضاً أجزاء من ترجمة قبطية صعيدية محفوظة في المكتبة الوطنية بباريس وفي مكتبة اللوفر، ولدينا شذرة من العمل في ترجمة فارسية وسيطة[5].
[1] الوثيقة الموراتورية (أو القانون الموراتوري) اكتشفها موراتوري (1672-1750م) في مكتبة القديس أمبروسيوس بمدينة ميلانو الإيطالية، فعرفت باسمه. وهي عبارة عن وريقة صغيرة ترجع إلى حوالي 170م. وتعتبر هذه الوثيقة أقدم لائحة بأسفار العهد الجديد المعترف بها في الكنيسة، ويعود المخطوط الحالي لها إلى القرن السادس الميلادي، وهو نسخة عن وثيقة قديمة دونت في النصف الثاني من القرن الميلادي الثاني في روما أو في جوارها على يد هيبوليتس الروماني. وتتضمن 85 سطراً، وهي مكتوبة بلغة لاتينية معقدة يصعب فهمها. (المراجع).
[2] لا يعدو ما كتبه المؤلف هنا غير مجرد رأي لا تسانده الأدلة. (المراجع)
[3] المفهوم الذي قدمه المؤلف هنا للتوبة يختلف عن مفهوم التوبة في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. (المراجع)
[4] سميت بذلك نسبة إلى مؤسسها مونتانوس، وكان كاهناً وثنياً اهتدى إلى المسيحية، ثم أعلن نفسه نبياً في فريجيا (155-160م)، مدعياً أنه قد تلقى إعلاناً مباشرة من الروح القدس، واعتبر نفسه أنه هو النبي الأخير مؤسس المدينة السماوية، وأن الروح القدس الموعود به في (يو 14: 6، 16: 7) قد تجسد فيه، وسعت هذه الجماعة إلى تطهير الكنيسة من وجهة نظرها وتنشئة مسيحية روحانية، وقد قاومت السلطة الكنسية، ومنعت الزواج لأنهم ظنوا أنهم يعيشون قرب المجيء الثاني للمسيح. وقد حرمت هذه البدعة في مجمع محلي عقد في روما عام 177م، وبعض المجامع التي عقدت في آسيا الصغرى. (المراجع).
[5] وهي لغة بين الفصحى والفارسية الحديثة (المراجع).
رسالة الراعي لهرماس – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة
رسالة برنابا – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة
رسالة برنابا – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة
رسالة برنابا – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة
رسالة برنابا هي مقالة لاهوتية ولكنها رسالة من حيث الشكل الخارجي فقط. وهي في الحقيقة لا تحتوي على أي شيء شخصي، كما أنها تفتقد إلى المقدمة والخاتمة المميزة للرسائل، أما المحتوى فذو سمة عامة ولا يعطي انطباعاً بأنه موجه لأشخاص معينين، ومن ثم يكون شكلها مجرد نص أدبي. وقد كان الكُتاب المسيحيون المبكرون ينظرون إلى الرسالة باعتبارها الشكل الأدبي الوحيد الصالح للنصح بطريقة فيها تقوى، وكانوا يلجأون إليه حتى عندما لا يكونون بصدد مخاطبة دائرة محدودة من القراء. ويهدف الكاتب المجهور الاسم أن يعلم “المعرفة الكاملة والإيمان”.
المحتويات
الرسالة مقسمة إلى قسمين، قسم نظري وقسم عملي:
يتكون القسم النظري من الفصول (1-17)، وهو ذو صفة عقائدية. ويصف الكاتب في الفصل (1: 5) الغرض من رسالته بالكلمات التالية: “حتى تكتمل معرفتكم مع إيمانكم”، إلا أن هذه المعرفة فريدة من نوعها. ويريد الكتاب، في المقام الأول، أن يشرح ويُثبت لقرائه قيمة الإعلان الإلهي في العهد القديم ومعناه، إنه يريد أن يُظهر أن اليهود قد أساءوا فهم الناموس كلياً لأنهم فسروه حرفياً. وبعد أن أعرب الكاتب عن رفضه لهذا النوع من التفسير الحرفي، فسر النصوص بشكل روحي ومجازي.
“المعرفة الكاملة” (##) والتي يشكل التفسير الرمزي لتعاليم العهد القديم ووصاياه، قلب هذه المعرفة. فالله لا يريد تقديمات مادية بذبائح دموية بل تقدمة القلب في التوبة، وهو لا يريد ختان أجسادنا بل ختان أسماعنا حتى تُذعن أذهاننا للحق. إنه لا يصر على وجوب امتناع الإنسان عن لحوم الحيوانات النجسة ولكنه يصر على وجوب اجتناب الخطايا التي تمثلها هذه الحيوانات (فصل 9، 10)، فالخنزير – على سبيل المثال – يعد من الحيوانات النجسة لأن هناك من البشر من يشبه الخنزير، إنهم هؤلاء الذين عندما يمتلئون من الطعام ينسون اليد التي امتدت لتطعمهم. كما أن النسر والصقر والحدأة والغراب تعهد من الطيور الممنوع تناول لحومها لأنها ترمز للإنسان الذي يحصل على غذاء يومه بالسلب وكل وسيلة ظالمة بدلاً من أن يكسبه بأمانة ومن عرق جبينه (فصل 10: 4). كذلك يظهر في الفصل التاسع من الرسالة، الذي يتكلم فيه الكاتب عن ختان إبراهيم لـ 318 من عبيده، دليلاً على جسارة الكاتب في استخدام التفسير الرمزي. فبحسب تأويل الكاتب، أُظهر لإبراهيم بهذه الطريقة سر الخلاص بصليب المسيح وموته، فالرقمين 10 و8 يكتبان في اليونانية بحرفي اليوتا والإيتا (## يسوع)، أما الرقم 300 في اليونانية فيرمز إليه بحرف (##) الذي يشير على الصليب، ومن ثم يرمز الرقم 318 إلى الخلاص بموت يسوع المسيح على الصليب. وهكذا، لم يكن الناموس القديم معداً – أصلاً – لليهود، “لقد استلمه موسى لكنهم لم يكونوا مستحقين له”، بل كان معداً للمسيحيين من البدء: “لكن اعلموا كيف قبلناه، لقد استلمه موسى كخادم، ولكن الرب نفسه أعطاه لنا بوصفنا شعب الميراث، وذلك بأن تألم لأجلنا” (فصل 14: 4). أما التأويل اليهودي للعهد القديم فلم يكن ذاك التأويل الذي أراده الله، بل قد انخدع اليهود بمكائد الملاك الشرير: “لقد أخطأوا لأن ملاكاً شريراً كان يضلهم”. (فصل 9: 4). بل أن الكاتب تجرأ حتى قال إن شكل العبادة اليهودية يشبه العبادة الوثنية (16: 2).
يناقش القسم الثاني (الفصول 18-21) القيم الأخلاقية بدون أي تحيز من أي نوع، فهو يشبه الديداخي؛ إذ يضع طريقين أمام البشر: طريق الحياة وطريق الموت، ولكنه يسميها “طريق النور” و”طريق الظلمة”. ولكي يرسم الكاتب صورة لطريق النور، يقدم الكثير من الوصايا الأخلاقية التي تعكس محتوى الوصايا العشر. أما الفقرات التي تتناول طريق الظلمة فتذكر أنواعاً كثيرة من الآثام والخطايا.
التعليم العقائدي
بالرغم من أن التعاليم العقائدية في هذه الرسالة ضئيلة متناثرة، إلا أن بعض التفاصيل تستحق الاهتمام:
يعترف برنابا بعقيدة الوجود الأزلي للمسيح. لقد كان المسيح مع الآب عندما خلق العالم، بل إن كلمات الكتاب القائلة: “لنخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا”، قد نطقها الآب محدثاً بها ابنه الإلهي (فصل 5: 5). والأكثر من ذلك هو أن برنابا قد استخدم مثل الشمس، المشهور استخدامه في التعليم اللاهوتي السكندري، لشرح التجسد: “لأنه إذا لم يكن قد جاء في الجسد، كيف كان للبشر أن ينظروا إليه ليخلصوا مع معرفتهم أنه عند نظرهم للشمس لا تكون لهم القدرة على التحديق في أشعتها”. (فصل 5: 10).
وقد تحدث عن سببين للتجسد: (1) “لقد تجسد ابن الله حتى يُكمل كأس ذنوب هؤلاء الذي اضطهدوا أنبياءه حتى الموت، ولهذا احتمل الآلام”؛ (2) “لقد شاء أن يتألم لأجلنا”. (5: 11-13).
تشرح الفصول (6-11) بطريقة رائعة الكيفية التي تمنح بها المعمودية نعمة التبني للإنسان وتختم نفسه بصورة الله وشبهه: “لقد جددنا بغفران خطايانا، وجعلنا جنساً آخر حتى يكون لنا روح البنين كما لو كان يخلقنا من جديد، لذلك يقول الكتاب بخصوصنا حينما صور الآب محدثاً الابن: “لنخلق الإنسان على صورتنا ومثالنا”. (6: 11-12).
من خلال المعمودية تتأهل خليقة الله لتصير هيكلاً للروح القدس: “بقي لي فقط أن أحدثكم بخصوص الهيكل، وكيف أن هؤلاء القوم الأشقياء – اليهود – قد أخطأوا عندما وضعوا ثقتهم في الهيكل وليس في الله نفسه الذي خلقهم؛ كما لو كان هذا الهيكل هو مكان سُكنى الله، وهكذا يفعلون كالأمم، فهم أيضاً يحصرون الله في معبد. لكن اعلموا ما الذي تكلم به الله معتبراً الهيكل كأنه لا شيء: “من الذي قاس السماء بشبره والأرض بيده؟ أليس هو أنا؟ هذا ما يقوله الرب، السماء كرسي لي والأرض موطئ قدمي، ما هو البيت الذي ستبنونه لي؟” فاعلموا إذاً أن كل رجائهم قد صار هباءً. أيضاً يقول الرب: “انظر، الذين ينقضون الهيكل هم من سيبنونه مرة أخرى.” وهذا قد حدث عندما هدم أعداؤهم الهيكل في حروبهم معهم؛ وبناه خدام أعدائهم مرة أخرى في أيامنا هذه… لكن دعونا نسأل، هل يمكن أن يكون هناك أي هيكل للرب؟ نعم يمكن، وهو المكان الذي أعلن الرب نفسه أنه سوف يبنيه ويكمّله، لأنه مكتوب: “في آخر الأسبوع سيبنى هيكل الله بمجد” وهكذا أجد أن هناك هيكلاً. ولكن كيف سيبنى باسم الرب؟ سوف أريكم، قبل أن نؤمن بالله كانت قلوبنا فاسدة وضعيفة مثل هيكل مبني بالأيادي، لأنه كان مسكناً مملوءً أصناماً، بيتاً للشياطين، نظراً لأن كل ما كان يحدث فيه كان ضد الله، ولكنه سيبنى باسم الرب. إن هيكل الرب سيبنى بمجد. ولكن بأي وسيلة؟ اعلموا إذن أننا بغفران خطايانا وثقتنا في اسم الرب نتجدد مخلوقين ثانية، حيث سيسكن الله بالحقيقة في داخلنا”. (فصل 16: 1-8، 9).
يركز الكاتب، خاصة في (فصل 15: 8)، على الاحتفال باليوم الثامن في الأسبوع (يوم الأحد) بدلاً من السبت اليهودي وذلك لأنه يوم قيامة المسيح من بين الأموات: “قال الله لهم: أوائل شهوركم وسبوتكم لم أعد أحتملها، تأملوا ما الذي يعنيه بتلك الكلمات، إنه يقول: إن سبوت هذا الدهر الحاضر ليس مقبولة أمامي بل تكل حددتها لنهاية العالم مشيراً إلى اليوم الثامن الذي هو بداية العالم الذي يأتي، لذلك نحن نحتفل فرحين باليوم الثامن الذي فيه قام يسوع من بين الأموات وأظهر نفسه لتلاميذه، وصعد إلى السماوات”.
إن حياة الرضع – الذين ولدوا والذين لم يولدوا بعد – محمية بقوة الناموس: ” لا تقم بعملية إجهاض ولا تقتل طفلاً بعد ولادته.” (19: 5).
يؤمن الكاتب بعقيدة الملك الألفي[1]، فأيام الخليقة الستة تعني ستة آلاف سنة، لأن ألف سنة في عيني الله كيوم واحد، ولسوف يكتمل كل شيء في ستة أيام، أي في ستة آلاف سنة، وبعدها سينتهي هذه الدهر الحاضر الشرير وسيأتي ابن الله وسيدين الأشرار وستتغير الشمس والقمر والنجوم وسيرتاح حقاً في اليوم السابع، وهكذا سيشرق سبت الملكوت الألفي (15: 1-9).
الكاتب
لا تدعي الرسالة في أي مكان منها أن كاتبها هو برنابا، كما أنها حتى لم تدع لنفسها أصلاً رسولياً؛ إلا أنها منذ العصور المبكرة كانت تنسب تقليدياً إلى الرسول برنابا رفيق القديس بولس الرسول وشريكه في الخدمة.
وتدرج المخطوطة السينائية – التي تعود إلى القرن الرابع الميلادي – الرسالة ضمن الكتب القانونية للعهد الجديد، وتضعها بعد سفر رؤيا يوحنا. وقد استشهد كليمندس السكندري بعدة فقرات منها ناسباً إياها إلى القديس برنابا، وكان أوريجانوس يدعوها باسم “الرسالة الجامعة” (##) كما كان يحسبها في عداد الكتب المقدسة. أما يوسابيوس فيضعها ضمن الكتب المختلف عليها، في حين أن جيروم يحسبها مع كتب الأبوكريفا.
وقد أثبتت الأبحاث الحديثة بما لا يدع مجالاً للشك أن برنابا الرسول ليس هو كاتب هذه الرسالة، وذلك بسبب ما يظهر فيها من رفض قاس وتام للعهد القديم. لذلك، وبسبب هذا العداء السافر لكل ما هو يهودي، لا يمكن أن يكون برنابا هو كاتب هذه الرسالة. علاوة على ذلك، هناك فارق كبير بين تعاليم القديس بولس، الذي كان برنابا رفيقاً له في الكرازة، وبين تعاليم هذه الرسالة، فبولس يعتقد أن الناموس القديم كان قانوناً إلهياً في حين تتكلم تلك الرسالة عنه بوصفه خداعاً شيطانياً (فصل 9: 4).
وينبغي أيضاً أن ترفض نسبة هذه الرسالة إلى برنابا على أساس تاريخي، وذلك لأنه من المؤكد أنها قد كُتبت بعد دمار أورشليم، وهذا ما يثبته الفصل السادس عشر بوضوح. أما استخدام التفسير الرمزي في الرسالة فيشير إلى الإسكندرية كموطن للمؤلف؛ فتأثير “فيلو” الظاهر فيها لا تخطه عين، وهذا يفسر سبب المكانة الرفيعة التي كانت تلك الرسالة تحظى بها عند اللاهوتيين السكندريين.
زمن كتابة الرسالة
بالرغم من أن التاريخ الذي يجب أن تكون تلك الرسالة قد كتبت بعده محدد جداً، حيث أن الرسالة لا يمكن أن تكون قد كُتبت قبل خراب أورشليم، إلا أن الآراء تختلف اختلافاً بيناً في تحديد التاريخ الذي يجب أن تكون تلك الرسالة قد كُتبت قبله. وقد جاءت في (فصل 16: 3-4) الكلمات التالية: “أيضاً يقول الرب: “انظر، الذين ينقضون الهيكل هم من سيبنونه مرة أخرى”، هذا يحدث الآن، لأن الأعداء قد دمروا الهيكل بسبب الحرب، لكن في أيامنا هذه حتى خدام الأعداء يبنونه مرة أخرى.” وتقودنا الجملة التي تبدأ بعبارة “هذا يحدث الآن” إلى أن نستنتج أنه – في وقت كتابة الرسالة – كان ردح من الزمن قد مضى منذ دمار الهيكل.
ولكن هارناك (Harnack) يرى في الإشارة إلى إعادة بناء الهيكل تلميحاً إلى بناء هيكل جوبيتر (Jupiter) في أورشليم أثناء حكم هدريان (117-138م)، وهكذا يضع تاريخ كتابة الرسالة في الفترة ما بين 130-131م. أما رأي فانك (Funk) والذي يقول بأن هذه الفقرة تتحدث عن بناء الكنيسة – التي هي هيكل الله الفائق للطبيعة – فغير مقنع، والأقل إقناعاً هي محاولته لاستنتاج تاريخ كتابة الرسالة من الفقرة (4: 4-5). حيث تستشهد الرسالة في هذه الفقرة بنص (دا 7: 24) و(دا 7: 7-8) قائلة: “يقول النبي أيضاً: “ستقوم عشر ممالك على الأرض وبعدها يقوم ملك صغير سيخضع ثلاثة ملوك له”.
كذلك يقول دانيال بخصوص الأمر نفسه: “ونظرت إلى الحيوان الرابع، شرير وقوي، وأشرس من كل حيوانات البحر، وله عشرة قرون يخرج منهم قرن آخر صغير أخضع له ثلاثة قرون كبيرة””. وقد اعتبر فانك أن الملك الحادي عشر الصغير المذكور في هذه النبوة هو نفسه الإمبراطور الروماني “نيرفا” (Nerva) (96-98م)، ووفقاً لفانك، أخضع نيرفا ثلاثة ملوك له، وحدث ذلك حين ارتقى عرش الإمبراطورية بعد اغتيال الإمبراطور دومتيان، الأمر الذي قضى على حكم أسرة فلافيان الحاكمة والتي أفرزت ثلاثة أباطرة هم فيسبسيان (Vespasian) وتيتوس (Titus) ودوميتيان (Domitian).
لكن، لن طبق كلمات دانيال هنا على الإمبراطور نيرفا إلا بتفسيرها مثل هذا التفسير التعسفي. وعلى الجانب الآخر، توجد في الطريقة التي استخدمها هارناك في تحديد زمن كتابة الرسالة مشاكل خاصة بها، فهي تعتمد على تحديد الوقت الخاص بهدم الهيكل ووقت إعادة بنائه المشار إليه في الرسالة. ويعتقد لايتزمان (Leitzmann) أن الكاتب يشير هنا إلى المرة الثانية التي دُمر فيها الهيكل والتي كانت أثناء حرب باركوخيا (Barcochba)، وهذا سيقودنا إلى أن نعتقد أن العمل قد كتب بعد بداية هذه الثورة – ثورة باركوخيا، تلك التي تزامنت نهايتها مع السنة الأخيرة من حكم هادريان (138م)، يصعب علينا تحديد تاريخ لاحق على هذا الوقت كتاريخ مفترض لكتابة هذه الرسالة.
وقد تساءل البعض حول مدى تجانس محتوى رسالة برنابا، وبُذلت بعض المحاولات لإثبات دخول بعض الإضافات على نصها، غير أن مولينبورج (Muilenburg) أثبت بنجاح أن الوثيقة من بدايتها إلى نهايتها هي لنفس الكاتب، وأنه لايمكن تمييز أي إضافات لاحقة عليها. أما سقوطها في كثير من عدم الترابط فيمكننا أن نرجعه إلى لغتها غير الدقيقة وطريقة كتابتها المفتقدة إلى البراعة، فالكاتب يغير أسلوب الكتابة فجأة بل يقطع سياق أفكاره ليدخل إلى عظة أخلاقية ليس لها علاقة بما كان يقوله.
أما عرض الكاتب لطريقين – طريق الخير وطريق الشر – فمأخوذ من نفس المصدر الذي استقى منه الديداخي محتواه، إلا أننا بالرغم من ذلك متأكدون من أن كاتب رسالة برنابا لم يعتمد على الديداخي كمصدر له. ويقودنا تحليل رسالة برنابا إلى أن نستنتج أن الكاتب لم يكن في متناوله فقط هذا المصدر المشترك بالإضافة إلى الكتب المقدسة. بل له أيضاً مصادر أخرى غير معروفة لنا.
كيف وصل النص إلينا
بالنسبة للنص اليوناني لدينا هذه الوثائق:
المخطوطة السينائية (Codex Sinaiticus) التي تعود إلى القرن الرابع الميلادي، والتي كانت محفوظة سابقاً في سان بترسبرج والآن في لندن. وتدرج تلك المخطوطة رسالة برنابا ضمن أسفار العهد الجديد، وتضعها بعد سفر الرؤيا مباشرة.
المخطوطة الأورشليمية (Hierosolymitanus Codex) التي كتبت عام 1056م وكانت تلك المخطوطة محفوظة سابقاً في مدينة القسطنطينية أما الآن فهي في أورشليم. اكتشفها بيرينيوس (Bryennios) عام 1875م، وتحتوي على رسالة برنابا والديداخي ورسالة كليمندس الأولى.
المخطوطة الفاتيكانية (اليونانية) (859) (Codex Vaticanus grace 859) التي تعود إلى القرن الحادي عشر، وتحتوي على رسائل إغناطيوس وبوليكارويوس ورسالة برنابا، إلا أن الفصول (1: 1 – 5: 7) تنعصها، وقد وجد أن هذا الجزء نفسه مفقود أيضاً في المخطوطات الأخرى اللاحقة المنقولة عن نفس المخطوطة الأم التي نقلت عنها المخطوطة الفاتيكانية اليونانية.
والرسالة موجودة أيضاً في ترجمة لاتينية أنجزت في القرن الثالث الميلادي. وقد نسخت تلك الترجمة في القرن العاشر الميلادي في دير كوربي (Corby) وهي محفوظة في مدينة سان بترسبرج ولكن ينقصها الفصول (18: 1 – 29: 9).
[1] انظر الحاشية رقم 25. (المراجع).
رسالة برنابا – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة
كان بابياس أسقف مدينة هيرابوليس في آسيا الصغرى، وقال عنه إيرينيوس (Adr. Haer. 5: 33: 4)، إنه سمع القديس يوحنا يعظ، وبأنه كان أيضاً صديقاً لبوليكاريوس أسقف سميرنا. أما يوسابيوس (Eusev. Hist. 3: 39: 3)، فيخبرنا أنه: “كان رجلاً محدود الذكاء كما يظهر من كتبه”.
والكتب التي يقصدها يوسابيوس هنا لا يمكن إلا أن تكون مقالات وضعها بابياس سنة 130م في خمسة كتب بعنوان “شرح أقوال الرب” (##). وهذا النقد القاسي الذي وجهه يوسابيوس لبابياس فهو بسبب:
(1) دفاع بابياس عن عقيدة الحكم الألفي[1].
(2) أظهر بابياس قدراً ضئيلاً جداً من الدقة في اختيار مصادره وتوثيقها. ولكن العمل – بقدر ما تبقى لدينا منه – له أهمية خاصة بالرغم مما شبه من عيوب، وحيث احتوى على ما هو ذي قيمة كبيرة بالنسبة لنا، ألا وهو تعاليم تلاميذ الرسل الشفاهية.
وهكذا يلخص بابياس الشروحات التي تعلمتها وأتذكرها جيداً، تلك التي أثق أنها حق لأني – على العكس من كثيرين – لا أُسر بهؤلاء الذين يتكلمون كثيراً بل بمن يُعلمون بالحق، ولا أسر بهؤلاء الذين يسردون وصايا الآخرين، بل بالذين يسجلون ما قد أخذوه من الرب للإيمان، ذلك الذي ينبثق من الحق نفسه. فإذا ما جاء أي شخص وكان تابعاً للشيوخ، أسأله عن كلماتهم، وما كان يقوله أندراوس أو بطرس أو فيليبس أو توما أو يعقوب أو يوحنا أو أي شخص من تلميذا الرب، كذلك ما كان يقوله أريستيون أو يوحنا الشيخ تلميذا الرب لأني لا أعتقد أن المعلومات المستمدة من الكتب سوف تساعدني بقدر ما ستفعل الأصوات الحية الباقية.” (Euseb. Hist. Eccles. 3: 39: 3-4).
ويتضح لنا من هذا الاقتباس أن كلمات الرب التي تناولها بابياس بالشرح لم تكن مأخوذة فقط من الأناجيل المكتوبة التي كانت في متناوله، بل أيضاً من التقليد الشفاهي؛ فعمله هذا لم يكن مجرد تفسر للأناجيل وإن كانت أغلب الفقرات الواردة به مأخوذة من الروايات الإنجيلية.
ومن ضمن الشذرات القليلة التي بقيت من هذا العمل وحفظها لنا يوسابيوس، اشتهرت تلك الملاحظات التي تتحدث عن الإنجيلين الأولين (متى ومرقص)، فالشذرة الأولى تقول: “وقال الشيخ: صار مرقص مترجماً لبطرس وسجل بدقة كل ما تذكر أن الرب قاله أو فعله، ولكن بلا ترتيب تاريخي، لأنه لم يسمع الرب ولم يتبعه، لكنه لاحقاً – كما سبق وقلت – تبع بطرس الذي اعتاد أن يعلم بحسب الحاجة، لكنه لم يكن مهتماً أن يرتب أقوال الرب – ترتيباً تاريخياً – وهكذا لم يرتكب مرقص أي خطأ من هذه الجهة في كتابة النقاط المتفرقة كما تذكرها، لأن كل اهتمامه كان يكتب كل ما سمعه بدون أن يترك أي شيء منه وألا يكتب أي شيء خطأ”. (Euseb. Hist. Eccles. 3: 39: 15-16). ولدينا هنا أقوى شهادة عن قانونية إنجيل مرقس، غير أننا حتى الآن لا نجد تفسيراً مرضياَ لسبب ذكر بابياس ليوحنا مرتين (Euseb. Hist. Eccles 3: 39: 4).
أما بخصوص أصل إنجيل متى فيقول: “كتب متى أقوال (الرب) بالعبرية، وفسر كل واحد منها بقدر ما استطاع.” (Euseb. Hist. Eccles 3: 39: 16) وهذه العبارة تؤكد أنه في وقت بابياس كان العمل الأصلي الذي كتبه متى قد حلت محله ترجمة يونانية له، أما الترجمات التي يقصدها بابياس هنا فليست ترجمات مكتوبة للإنجيل، بل صياغة شفوية لأقوال ربنا المسجلة فيه؛ لقد كانت – على الأرجح – ترجمات للفقرات الإنجيلية المستخدمة في الاجتماعات الليتورجية بين الجماعات المتكلمة باليونانية أو تلك الثنائية اللغة.
أيضاً يقول يوسابيوس عن بابياس: “يدون الكاتب نفسه روايات وصلت إليه من تقاليد غير مكتوبة، وأمثالاً وتعاليم غريبة للمخلص، بالإضافة إلى أمور أخرى أكثر إغراقاً في الخرافة، منها أنه سيكون هناك ألف عام بعد قيامة الأموات يُقام فيها ملكوت المسيح في شكل مادي على الأرض، وأنا أعتقد أنه قد أتى بمثل هذه الأفكار بسبب سوء فهمه لتعاليم الرسل، غير مدرك أنهم قد تكلموا بهذه الأمور بطريقة سرية ورمزية” (Euseb. Hist. Eccles 3: 39: 11-12).
وقد أشار يوسابيوس إلى أن المكانة التي كان يتمتع بها بابياس أغوت الكثير من المسيحيين ليؤمنوا بعقيدة المُلك الألفي: “إنه هو المسؤول عن كون الكثير من الكُتاب الكنيسيين بعده صار لهم نفس رأيه معتمدين على أقدميته، مثل إيرينيوس وكل من يبدو أنه قد اعتقد بهذا الرأي”. (Euseb. Hist. Eccles 3: 39: 13). أما “القصص المغرقة في الخرافة” التي أشار إليها يوسابيوس فمنها – دون شك – القصة التي تحكي عن نهاية يهوذا الخائن الشنيعة، وقتل يوحنا أخي يعقوب الذي خانه اليهود، وأيضاً ما سمعه بابياس من بنات فيلبس (أع 21: 8) الذين سكنوا في هيرابوليس، حيث أخبروه بمعجزات حدثت في أيامهن، مثل قيامة والدة مانايموس (Manaimus) من الموت، وقصة يسطس بارسابا الذي ابتلع جرعة من السم دون أن يضار.
[1] هي عقيدة ينادي أصحابها بان المسيح سيأتي ليملك على الأرض مع المؤمنين ألف سنة (رؤ 20: 1-6) لكي يحقق بعض الوعود مثل (أش 11، 65)، والتي لا يمكن أن تكون تحققت في المجيء الأول. وهذا الاعتقاد قد تسلل إلى بعض الآباء الأولين من التعاليم اليهودية التي ظهرت في فترة ما بين العهدين، والتي تتكلم عن مملكة المسيا الذي سيأتي ليحرر اليهود من كل هذه الأمور، ومن أشهر من نادى بالملك الألفي القديس إيرينيوس، ويوستينوس الشهيد (المراجع).