الوسم: الأنبياء
لماذا يذكر الكتاب المقدس خطايا الاتقياء؟ رد مختصر
لماذا يذكر الكتاب المقدس خطايا الاتقياء؟
لماذا يذكر الكتاب المقدس خطايا الاتقياء؟
الاجابة باختصار
الله لا يدعوا المؤهلين. . بل يؤهل المدعويين. . !
ضحك سارة ,كذب يعقوب, شاول الطرسوسي, ارميا والاكتئاب ,موسي والمصري ,خطية داود. . وغيره اياً من هؤلاء كان كاملاً !هؤلاء بشر عاديين لكن الرب استخدمهم فهو يحب ان يستخدم الشخص العادي ويحوله الي شخص غير عادي.
سالني احدهم يوماً هل يمكن للمسيحي ان يرتكب جريمة قتل ؟ افترض طارح السؤال العصمة ؟لكن اجبته نعم بالطبع يمكن للمسيحي ان يقوم بذلك عندما يبعد عن مصدر النعمة. وبالطبع حذر الكتاب المقدس ضد الخطية لكن فرصة التوبة والغفران والتنقية متاحه لهذا الشخص ما دام حياً لا تنقطع رحمة الرب في رجوعة من جديد. فداود رجل الله اخطأ وارتكب الزني والقتل. وهذه الخطايا كفيلة بالاكتئاب وحزن عظيم في النفس لكن ما حدث انه عرف فساده فلجئ الي الطهر الذي في الرب. فخطايا الاتقياء تدل علي عدم انقطاع رحمة الرب في اي يوم.
يحتاج اليوم الانسان لنماذج لا لكلام نظري فقط. . فكل شخصية في الكتاب المقدس هي نحن. . ! فعندما تكتئب تذكر ارميا وحينما تكون سارق واصابك الضعف تذكر شاول وحينما لا تصدق الرب تذكر ضحك سارة …. ! إلى آخره. .
فذكر الكتاب خطايا الاتقياء لأكثر من سبب:
1- لم يخفي الكتاب المقدس او يزين ضعف اتقياءه. سواء كان ابراهيم او اسحق او موسي او داود وغيرهم. فكل البشر اصابهم الضعف وهذا ما تذكره لنا رسالة رومية 3 : 10 – 23. وقد كان يسوع هو الاستثناء الوحيد بحسب رسالة العبرانين 4 : 15 , بطرس الاولي 2 : 22. فما ذكره الكتاب عن خطايا الابطال هو احد ادلة وحي الكتاب المقدس.
2- ان ذكر الخطايا وتسجيل الضعفات تاكيد هام علي تاثير هذه الضعفات علي الشخص فكتبت لتعليمنا لنري مدي شوهة الخطية الانسان بقصص واقعية حية. لا كلام نظري او نصائح بل حياة حقيقية واقعية. وايضاً عدم تغاضي الرب عن الاعمال فتجاوز موسي منعه من دخول كنعان وخطية داود مع بتشبع عوقب عليها وكان الامر كريه في عيني الرب وقدم توبة.
3- اعطاء نموزج علي الجهاد ضد الضعف وثقتهم الكبيره في الرب ومحاولة الحياة تحت مشيئته طوال الوقت. فلا احد منا او منهم سيصل الي الكمال التام فنحن ما زلنا في هذا الجسد وسوف نعمل افعال خاطئة لكن حياة الجهاد تساعدنا علي التغلب علي نقاط الضعف باستمرار والنقاء باستمرار حتي نصل الي ابهي صوره لشركة المسيح. في رومية 15 : 4 · 4. لأَنَّ كُلَّ مَا سَبَقَ فَكُتِبَ كُتِبَ لأَجْلِ تَعْلِيمِنَا حَتَّى بِالصَّبْرِ وَالتَّعْزِيَةِ بِمَا فِي الْكُتُبِ يَكُونُ لَنَا رَجَاءٌ.
4- ذكر خطية شاول الطرسوسي اعطي امل ونموزج لكل فاسد وخاطئ لكي يصبح بولس وليس شاول. وامثلة مثل الابن الضال وغيرها تكشف لنا محبة الله لنا وغفران الله الرائع فالخطية تمحي وتعود العلاقة من جديد.
5- مواجهة عيوبنا بقوة وشجاعة فنحن نجد عيوبنا في عيوبهم في قصة نعمان السرياني نموزج قاد نعمان الي الشفاء الايمان بالله وقصر زكا البدني قاده الي اللقاء بيسوع الذي وصفه بانه ابن ابراهيم. وشاول اصبح بولس كل ما جاء هو لنا نحن فنحن السامرية والمراة الخاطئة وكل شخصية في الكتاب.
6- قد يعتقد القارئ ان هذه القصص لكوكب اخر. . ! لكن مع التاني نجد انها لنا فهذه قصص لاشخاص ارتكبوا الخطية ولم يظهروا نوعاً ما من الايمان سوي القليل بالرغم من بركات الله لهم. فهؤلاء مثلنا لكن برؤية ضعفهم يمكننا الشعور بمدي ضعفنا فالانسان لا يشعر بخطاياه الا عندما يفعلها اخر او يتاملها في اخر قد ينتقد الانسان يهوذا بشكل صارخ ماذا فعل هذا. ؟ وهو يفعل افعال يهوذا ! فالقصص تساعدنا علي وضعنا في نطاق صحيح نحن مثل هءلاء والله يعمل فينا.
7- نتذكر رحمة الله وان الله يختار الضعفاء ليخزي بهم الحكماء و اختار الله ادنياء العالم و المزدرى و غير الموجود ليبطل الموجود بحسب كورنثوس الاولي 1 : 26 – 31.
8- وضع كل هؤلاء في ميزان يسوع الانسان الكامل الرحمة الكاملة الحكمة الكاملة. فنضع ثقتنا كامله في يسوع وحده دون ان يقول لنا اتبعني فنتبعه.
لماذا يذكر الكتاب المقدس خطايا الاتقياء؟
الأنبياء والإعلان الإلهى – القمص عبد المسيح بسيط
الأنبياء والإعلان الإلهى – القمص عبد المسيح بسيط
الأنبياء والإعلان الإلهى – القمص عبد المسيح بسيط
عن كتاب: التوراة كيف كتبت وكيف وصلت إلينا؟ للقمص عبد المسيح بسيط
1- أصل كلمة نبى :
كلمة “نبى” فى العبرية هى “نبى – Nabi” وينقسم العلماء والمفسرين فى تفسيرها وشرح معناها كالآتى :
- الكلمة مشتقة من كلمتى “نون – nun” و”بيت – beth” بمعنى “ينبع” أو “ينفجر” وصيغته السلبية “انفجر فيه أو أندفق فيه” وهذا يعنى “اندفاق الروح فى النبى”.
- الكلمة مشتقة من الآشورية أو الآكادية من الفعل “نابوـ Nabu” بمعنى “يدعو” أو “ينادى”.
- الكلمة مشتقة من الفعل العربى “نبأ” أى أعلن أو أخبر.
- هناك صلة بين “نبى” وبين الفعل “بو” أى “يدخل فى”، وبذلك يكون النبى هو من “يدخل فى علاقة مع الله”.
- هناك ارتباط بين كلمتى “نبأ” و”نعم” التي تعنى يهوه، فيكون النبى هو المتكلم بوحى الله.
كلمة نبى فى العهد القديم :
ولكن “نبى” فى العهد القديم تعنى الشخص الذي يحمل رسالة، الذي يحمل إعلان الله، الذي يتكلم نيابة عن الله، واسطة أو وسيط الإعلان بين الله والناس. وتوضح لنا علاقة موسى بأخيه هارون هذا ما آمرك به .. وهرون أخاك يكلم فرعون (1)”. وأيضا علاقة موسى بالنسبة لله “أذهب وأنا أكون مع فمك وأعلمك ما تتكلم به (2)”.
فالنبى هنا هو من يتكلم نيابة عن الإله والذي يضع الله الكلام فى فمه فيتكلم بكلام الله وليس بكلامه هو. وهذا يتجلى بصورة واضحة فى قول الله لموسى الذي جعله مجازاً إلهاً لأخيه هرون وهرون نبيه “فتلكمه (أى هارون) وتضع الكلمات فى فمه. وأنا أكون مع فمك ومع فمه وأعلمكما هذا تصنعان.
وهو يكلم الشعب عنك. وهو يكون لك فماً وأنت تكون له إلهاً (3)”، والمعنى أن الله يضع الكلام فى فم النبى ويكون مع فمه ويوجهه ويعلمه ما يجب عليه أن يفعله والنبى يحمل هذا الكلام، كلام الله، والله معه، إلى الشعب أو متلقى الإعلان، وقال بعد ذلك عن النبى بصفة عامة “وأجعل كلامى فى فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به. ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامى الذي يتكلم به باسمى أنا أطالبه (4)”، النبى إذاً، هو الذي يتكلم باسم الله ويحمل كلامه ويعلنه، الكلام الذي وضعه الله فى فمه.
وكان لموسى النبى بالذات إمتياز خاص عن جميع الأنبياء فى بنى إسرائيل إذ يقول عنه الوحى “إن كان منكم نبى فبالرؤيا أستعلن له فى الحلم أكلمه. أما عبدى موسى فليس هكذا بل هو أمين فى مل بيتى فما إلى فم وعياناً أتكلم معه لا بالألغاز. وشبه الرب يعاين (5)”.
وكان الله يختار الأنبياء بحسب إرادته ودون علم سابق من النبى أو من الشعب بل وبصورة غير متوقعة على الإطلاق، فقد أختار موسى فى الوقت الذي رفض العبرانيان أن يحكم بينهما وقال أحدهما له “من جعلك رئيساً وقاضياً علينا (6)”، وموسى نفسه رأى أنه غير مناسب لهذه المهمة “من أنا حتى أذهب إلى فرعون وحتى أخرج بنى إسرائيل من مصر (7)”، وقال عاموس النبى “لست أنا نبياً ولا أنا ابن نبى بل أنا راع وجانى جميز.
فأخذنى الرب من وراء الضأن وقال لى أذهب تنبأ لشعبى إسرائيل (8)”، وقال أرمياء النبى عندما أختاره الله “أنى لا أعرف أن اتكلم لأنى ولد. فقال الرب لا تقل أنى ولد لأنك إلى كل من أرسلك إليه تذهب وتتكلم بكل ما آمرك به .. ومد الرب يده ولمس فمى وقال الرب لى ها قد جعلت كلامى فى فمك (9)”.
وكانت وظيفة النبى أيضا أن يتنبأ وقد ذكر الفعل العبرى “نبأ ـ Naba” أى يتنبأ أولاً حين أختار موسى سبعيناً من الشيوخ لمعاونته فى قيادة الشعب فحل عليهم روح الرب “فلما حلت الروح عليهم تنبأوا (10)”، أى أن النبى يتنبأ بحلول الرب عليه، روح النبوة. وتنبأ شاول الملك عندما أستقرت عليه الروح وأيضا جماعة الأنبياء المذكورين فى صموئيل الأول (11).
والتنبؤ كما يصفه عاموس النبى هو أيضا إعلان كلام الله “السيد الرب لا يصنع أمراً إلا وهو يعلن سره لعبيده الأنبياء. الأسد قد زمجر فمن لا يخاف. السيد الرب قد تكلم فمن لا يتنبأ (12)”.
وقال الله لحزقيال النبى “وأنت يا ابن آدم فتنبأ وقل (13)”.
وكان مرنمو الهيكل أيضاً يتنبأون بالآلات الموسيقية “بنى آساف وهيمان ويدثون المتنبئين بالعيدان والرباب والصنوج بنو .. يدثون المتنبئ بالعود لأجل الحمد والتسبيح .. لخدمة بيت الله تحت يد الملك (داود) ويدثون وهيمان (14)”. وكان جماعة الأنبياء المذكورون فى سفر صموئيل الأول يتنبأون “وأمامهم رباب ودف وناى وعود (15)”، وكانت مريم النبية أخت موسى وهرون ترنم للرب وهى تقود النساء “بدفوف ورقص (16)”.
2- ألقاب الأنبياء :
“عبد الرب”، لقب الأنبياء بهذا اللقب لأن العبد ملكاً لصاحبه وخاضعاً له، والأنبياء أثارهم الله فلم يعودوا ملكاً لأنفسهم به لله، وكانوا خاضعين له ومنفذي لإرادته وحاملين لإعلانه. وقد وصف جميع الأنبياء بأنهم “عبيد الرب”، “كلام الرب الذي تكلم به عن يد عبيده الأنبياء (17)”.
“رجل الله”، وهذا اللقب لقب به مجموعة من الأنبياء الذين قاموا بأعمال عظيمة مثل موسى المشرع العظيم (18)، وصموئيل آخر القضاة وأعظمهم (19)، والنبى الذي أعلن دينونة الله على بيت عالى الكاهن، وشمعيا (20)، ورجل الله الذي كلم الملك أمصيا (21)، وإيليا الذي قالت له المرأة بعد أن أقام أبنها من الموت “هذا الوقت علمت أنك رجل الله وأن كلام الرب فى فمك حق (22)”، وإليشع النبى الذي لقب بهذا اللقب حوالى 35 مرة (23)، كما دعت أم شمشون الملاك الذي بشرها بولادة شمشون “رجل الله (24)”.
“الرائى” فى العبرية “رأه ـ roeh” من الفعل “رئى ـ ra,a” والذي معناه “يرى، يدرك، يفهم”، والرائى هو الشخص الذي يعلن الله ويكشف من خلاله أسراره” “رجل الله فيخبرنا عن طريقنا .. النبى اليوم كان يدعى سابقاً الرائى (25)”.
واستخدم الفعل “رئى” أيضا للتعبير عن الجانب الرؤى سواء فى حالات الظهورات الإلهية أو الأحلام أو الرؤى، فدعت هاجر اسم المكان الذي ظهر لها فيه ملاك الرب “إيل رئى” “لأنها قالت أهنا رأيت بعد رؤية (26)”.
ويعبر أشعياء عن رؤياه بالقول “رأيت السيد الرب (27)”، كما يعبر كثير من الأنبياء مثل أرمياء وحزقيال ودانيال وعاموس عن رؤاهم بالقول أنهم رأوا أو أن كلمة الرب صارت إليهم فى رؤيا (28)، فقد كانت كلمة الله أيضا تعطى فى هيئة رؤيا.
“الرائى” الذي فى العبرية “حوزى ـ hozeh” والذي لقب به الأنبياء من مرنمى الهيكل الذين كانوا تحت قيادة داود النبى والملك، “هيمان وآساف ويدوثان (29)”. كما لقب اللقب أيضا “الرائين” الذي كانوا فى البلاط الملكى والذين تنبأوا أثناء حكم داود وسليمان ويهوشافاط ومنسى “جاد الرائى (30)”، “عدو الرائى (31)”، “حنانى الرائى (32)”، والموصوفين بـ “الرائين الذين كلموه باسم الرب (33)”. وكان هؤلاء “الرائين” ناصحين ومسيرين للملوك، وكانت لهم حولياتهم “أخبار الرائين (34)”التى كانت أحد مصادر الأسفار التاريخية، (صموئيل والملوك وأخبار الأيام).
والفعل “حزا ـ haza”، أى “يرى، يدرك” أستخدم فى العديد من كتب الأنبياء، “رؤيا أشعياء بن أموص التي رآها (35)”، “الأمور التي رآها أشعياء (36)”، “أقوال عاموس .. التي رآها (37)”، “قول الرب الذي صار إلى ميخا .. الذي رآه (38)”، “الوحى الذي رآه حبقوق (39)”، وذلك للتعبير عن رؤية النبى أو إدراكه لأقوال الله وإعلانه.
وتشير الأسماء المشتقة من “حزا” إلى الإعلان الذي أستلمه النبى فى هيئة رؤيا، والذي يشير عادة إلى حلم أو رؤيا كما هو فى سفر دانيال النبى، كما تعنى كلمة “حزون ـ hazon” فى أسفار أشعياء وعوبيديا وناحوم وأيضا فى ألقاب الأسفار التاريخية المكتوبة عن أنبياء معينين (40)، الرؤيا الإعلانية أو الإعلان الرئوى أو الإعلان الذي أستلمه الأنبياء فى هيئة رؤيا، موضوع الرؤيا هو كلمة الله نفسها.
3- رسالات الأنبياء :
كان الإعلان الذي حمله الأنبياء أو رسالاتهم التي حملوه إلى البشرية هى معرفة الله وفهم غايته والسير بحسب إرادته، وكانت تحمل الرسالات الوعود والتحذيرات وكانوا يبلغون الإعلان شفوياً أو مكتوباً فى لفائف (أدراج)، أو يقدمونه بأسلوب رمزى. وكان يقع عليهم مسئولية حمل الشعب على الرجوع إلى الله والسير بحسب وصاياه وكانت دعامتهم فى ذلك هى شخص الله ذاته ووحدانيته وعدله ورحمته وغفرانه وسيادته على الكون وسيادة حكمه فى التاريخ.
“ليكن أسم الله مباركاً من الأزل وإلى الأبد لأن له الحكمة والجبروت، وهو يغير الأوقات والأزمنة يعزل ملوكاً وينصب ملوكاً. يعطى الحكماء حكمة ويعلم العارفين فهماً. هو يكشف العمائق والأسرار. يعلم ما هو فى الظلمة وعنده يسكن النور (41)”.
أ- استلام الرسالة “الإعلان” :
اختلفت رسالة كل نبى والإعلان الذي حمله عن الأخر، فقد كان هناك أنبياء حملوا رسالة طويلة كموسى وصموئيل وأشعياء وأرمياء وحزقيال وهناك أنبياء حملوا رسالة قصيرة جداً حتى لم يظهر اسم بعضهم فى العهد القديم إلا مرات محدودة وبعضهم لم يذكر أسمه نهائياً بل أشير إليه بتعبير “رجل الله” فقط. وكان هناك أنبياء وظيفتهم هى النبوة مثل الأنبياء المذكورين وأنبياء آخرين كداود (42) الذي دعى فى الأصل ليكون ملكاً وكان الله يكلمه أحياناً من خلال النبيين ناثان وجاد ومع ذلك تنبأ وأوحى إليه وكانت كلمة الرب على لسانه (43).
وكان الأنبياء يعبرون عن استلامهم أو تلقيهم للإعلان الإلهى بالقول “وصارت إلى كلمة الرب”، “جاءت كلمة الرب إلى”، “هوذا كلمة الرب على”، “روح الرب على”، “ودخل فى روح”، “وحملنى الروح”، أو “رؤيا .. النبى”، “وحى النبى” .. الخ. فقد تلقى الأنبياء الإعلان فى هيئة كلمات أو أقوال أو حلم أو رؤيا. فأرمياء النبى يقول أن الله وضع كلماته فى فمه (44)، وأشعياء يقول أنه قيل له “أذهب وقل (45)”، ودانيال يفسر الأحلام ويرى رؤى (46)، وإبراهيم وإسحق ويعقوب يتحدث الله إليهم من خلال ظهورات إلهية، وحزقيال يدخل فيه روحاً ويرى رؤى ويأكل الدرج.
كان روح الله هو الذي يحرك النبى ويقوده ويحمله ويهيمن عليه أثناء حمله للإعلان “روح الرب تكلم بى وكلمته على لسانى (47)”، “وكان روح الرب على عزريا .. فخرج .. وقال (48)”، “ولبس روح الرب زكريا .. فوقف وقال (49)”، “فدخل فى روح .. وقال لى يا ابن آدم أنا مرسلك (50)”، “أنا ملآن قوة روح الرب (51)”، وهكذا دعى الوحى النبى فى سفر هوشع “رجل الروح (52)”، ويقول زكريا النبى “الكلام الذي أرسله رب الجنود بروحه عن يد الأنبياء الأولين (53)”.
ب ـ تبليغ الرسالة “الإعلان” :
حمل الأنبياء الإعلان أولاً وبلغوا رسالتهم شفوياً فكان الإعلان فى أحيان كثيرة مرتبطاً بالأحداث الجارية ثم كانوا يدونونه بعد ذلك كما فعل أغلبهم مثل موسى ويشوع وصموئيل وأشعياء وأرمياء …. الخ. كما كانوا يقدمونه أو يبلغونه مكتوباً كالوصايا العشر ودرج أرمياء. فتكلم أشعياء مع احاز الملك مباشرة (54)، ومع حزقيا (55)، وكلم أرمياء الشعب فى الهيكل (56)، كما بشر الملك حزقيا بصفة خاصة (57)، وتنبأ حزقيال على رعاة إسرائيل وبالطبع كلمهم شفاهة ومباشرة (58)، قبل أن يدون سفره.
وكانت هذه الرسالات تشمل الوعود (59) والتذكير بعهد الله إلى جانب اللوم والتوبيخ والمراثى (60) والأحاجى (61).
كما كانت تقدم فى صور أدبية وبلاغية متنوعة ورائعة مثل تكرار الكلمات أو العبارات والكلمات المسرحية والتضادات أو المقابلات والأسلوب الشعرى السامى واستخدم صور الحديث التخيلية والواضحة إلى جانب النشر الحرفى البسيط (62)، وذلك إلى جانب الأسلوب الرمزى البسيط، كما شق أخيا الشيلونى النبى رداءه الجديد إلى أثنتى عشر قطعة ليشير إلى تمزق المملكة (63)، ودفن أرمياء منطقة الكتان إلى جوار الفرات كرمز لترك الله لنبى إسرائيل (64).
وذهب إلى منزل الفخارى ليرى درساً فى سيادة الله على خليقته (65)، وكسر ابريق الخزف أمام عيون الشعب ليصور دمار أورشليم القادم (66)، كما رسم حزقيال على لبنة سوراً لأورشليم وجعل عليها حصاراً رمزياً لحصار الأعداء القادم عليها (67)، وحمل أمتعته وحفر حفرة فى السور ليصور رحلة الشعب أثناء الجلاء عن أورشليم والسبى إلى بابل، وكان هدف الأنبياء من ذلك جذب انتباه الشعب صلب الرقبة الذي تمرد ولم يستمع لكلمة الله التي أرسلها له عن يد أنبيائه.
جـ – محتوى الرسالة “الإعلان”:
غطت رسالة أنبياء بنى إسرائيل حوالى ألف ومائة سنة من موسى سنة 1500ق.م. إلى ملاخى سنة 1400 ق.م. تغيرت فيها الظروف والأحوال الاجتماعي والسياسية والدينية مرات عديدة إذ عاشوا تحت حكم أنبياء عظماء كموسى وصموئيل وملوك صالحين كداود ويوشيا وملوك أشرار وهم كثيرون، كما عاشوا تحت العبودية فى مسر والسبى فى بابل إلى جانب الحكم الآشوري والفارسى واختلاطهم فى أحيان كثيرة بالشعوب والقبائل التي كانت محيطة بهم.
فتنوعت رسالات الأنبياء وحمل كل منهم إعلان للشعب عامة أو للملوك خاصة، كما تنبأوا على مستقبل شعوب المنطقة كمصر وبابل وآشور وصور وصيدا واشقلون كما تنبأوا عن مستقبل بنى إسرائيل أنفسهم.
ولكن كان يربطهم دائماً عامل واحد هو شرائع ووصايا الله التي أعطاها لهم بواسطة موسى النبى، التوراة، وكان اختيار بنى إسرائيل وخلاصهم من مصر والعهد مع الله والإيمان به كرب لهم وتطبيق شرائعه ووصاياه هى الأركان الأساسية لرسالات الأنبياء جميعا. فكانوا يحثون الشعب دائماً على القيام بواجباتهم الأدبية والأخلاقية وممارسة الطقوس بروحانية للتقرب من الله والشركة الدائمة معه.
وكان الأنبياء يصورون ويقيسون علاقة الله بالشعب، بعلاقة الأب بالابن (68) والفخرانى بالطمى (69) والراعى بالقطيع (70) والزوج بزوجته (71)، بل أن محور ارتكاز دعوة الأنبياء جميعاً كان هو الإيمان بوحدانية الله (يهوه) واجب الوجود، الدائم الوجود، أصل وعلة وسبب كل وجود، سيد الكون ومدبره والمهيمن عليه، وعبادته تعالى دون سواه، ورفض عبادة الأوثان التي هى من صناعة أيدى البشر، فبركات العهد لا ينالها إلا الذين يحبون الله ويخافونه ويعبدونه وحده (72) ويكونوا قديسين لأنه القدوس (73).
ولكن بنى إسرائيل تعدوا على وصايا الله ونقضوا عهده وعصوه وأرتدوا عنه وعبدوا الأوثان، فأعلن الأنبياء كراهية الله لأعمالهم ووبخوهم على خطاياهم وحذروهم من دينونة الله لهم وحلول لعنة العهد عليهم (74) وهزيمتهم عسكريا وسبيهم إلى بابل أن لم يتوبوا (75). وطالبوهم أن يتجنبوا هذا المصير بالعودة إلى الله (76)، ولكنهم أهملوا كلام الأنبياء الذي هو كلام الله وساروا وراء كلام الأنبياء الكذبة الذين خدعوهم وأضلوهم (77).
ولكن الأنبياء، لم يكونوا دعاة دينونة فقط، بل كانوا أيضا مبشرين بعطف الله وحبه ورأفته ورحمته على خليقته فتنبأوا بعودة المشتتين من الأمم (78)، بل وبعودة الأمم إليه، ورفع غضبه عن خليقته (79) لأن حبه أبدى ورحمته دائمة (80)، وأنه سوف يخلص شعبه من أجل اسمه (81) ويجدد عهده ووعوده السابقة بعهد (82) جديد يسكب فيه روحه على كل بشر بالنسل الآتي، نسل إبراهيم واسحق ويعقوب الذي تتبارك به جميع القبائل والشعوب والأمم (83).
ابن داود الذي سيجلس على عرشه إلى الأبد (84) الذي سيولد من عذراء (85) فى قرية بيت لحم أرض يهوذا (86) فى ملئ الزمان (87)، فى زمن الإمبراطورية الرابعة من الإمبراطوريات العالمية التي رآها دانيال النبى (88)
والتى بدأت ببابل ثم فارس ثم اليونان ثم الرومان بل وتحدد بدء عمله بـ 490 سنة تبدأ بخروج الأمر ببناء وتجديد أورشليم (89) والذي صدر سنة 454 ق.م. (90) ، وسوف يتألم لكى بآلامه وجراحاته يحمل خطايا الكثيرين وتأتى إليه جميع الأمم، إلى أورشليم (91)، الروحية، ويؤسس ملكوت الله ويسود على جميع الأمم والشعوب سيادة أبدية لا تنقرض ولا تزول (92). ثم تموت الأرض، تزول (93) ويخلق الله أرضاً جديدة (94) وسماء جديدة ويقوم الموتى من القبور للحياة (95)، الأشرار إلى الدينونة الأبدية والأبرار إلى الحياة الأبدية (96).
فهرس الكتاب:
-
التوراة العبرية والسامرية والترجمة السبعينية والترجمات الحديثة – القمص عبد المسيح بسيط
-
النقد الأعلى وقانونية أسفار العهد القديم – القمص عبد المسيح بسيط
-
الاعتراضات على كتابة موسى للتوراة .. والرد عليها – القمص عبد المسيح بسيط
(1) خر 1:7
(2) خر 12:4
(3) حز 15:4،16
(4) تث 18:18،19
(5) عدد 6:12-8
(6) خر 14:2
(7) حز 11:3
(8) عا 14:7،15
(9) أر 6:1-9
(10) عدد 25:11
(11) 1صم 5:10-13؛ 21:19-24
(12) عا 7:3،8
(13) حز 28:21،30، 2:30 … الخ
(14) 1أخ 1:25،3،6
(15) 1صم 5:10
(16) خر 20:15،21
(17) 2مل 23:17؛ 10:21؛ 2:24
(18) أنظر تث 1:33؛ يش 4:14؛ 1أخ 14:23؛ 2أخ 16:20
(19) 1صم 27:2
(20) 1مل 22:2، 2أخ 2:11
(21) 2مل 7:25-9
(22) 1مل 24:17
(23) أنظر 2مل 7:4-27
(24) قض 6:13
(25) 1صم 8:9-10
(26) تك 13:16
(27) أش 1:6
(28) أر 11:1-13؛ حز 1:1؛ دا 2:8؛ عا 8:7؛ زك 8:1
(29) 1 أخ 1:25-7؛ 2أخ 30:39؛ 15:35
(30) 2صم 11:24
(31) 2أخ 9:9
(32) 2أخ 2:19
(33) 2أخ 18:33
(34) 2أخ 19:33
(35) أش 1:1
(36) أش 1:2
(37) ى 1:1
(38) ميخا 1:1
(39) حب 1:1
(40) 2أخ 29:9، 32:32
(41) دا 20:2،21
(42) أع 39:2،30
(43) 2صم 2:23،3
(44) أر 1:1-10
(45) أش 6
(46) حز 1-10
(47) 2صم 2:23
(48) 2أخ 1:15
(49) 2أخ 20:24
(50) حز 2:2،3
(51) ميخا 8:3
(52) هو 7:9
(53) زك 12:7
(54) أش 3:7
(55) أش 5:39-8
(56) أر 2:7
(57) أر 1:34،2
(58) حز 34
(59) 2أخ 1:15،2
(60) عا 1:5-3
(61) حز 2:18
(62) 1مل 21:13،22
(63) 1مل 30:11،31
(64) أر 1:13-11
(65) أر 1:18-10
(66) أر 19
(67) حز 1:4-3
(68) هو 11
(69) أر 18، أش 8:64.
(70) حز 34.
(71) هو 1-3، اش 1:54-8، أر 2:2، 1:3-11، 23:16.
(72) أنظر اش 5:45، أر 1:10-16، حز 5:8-18، لا 4:19.
(73) حز 8:20-43، 9:43-7، لا 44:11،45.
(74) أنظر تث 15:27-26، لا 14:26-29.
(75) أر 12:3-14.
(76) عا 4:5،6،14.
(77) أر 11:8، حز 10:13.
(78) أش 13:6، 3:7.
(79) أر 12:3 ، أش 7:54،8.
(80) أر 3:31.
(81) أش 11:48، حز 22:36-25.
(82) هو 10:1، أر 31:30، حز 25:34-31.
(83) تك 3:12، 18:18، 18:22.
(84) 2 صم 11:17،12، مز 11:132، أش 726:9، 5:16، أر 5:23، رؤ 7:3.
(85) أش 4:7.
(86) ميخا 3:5.
(87) غل 4:4.
(88) دا ص 2،7.
(89) دا 24:9-27.
(90) عز 24:4، 1:6، 15،1:7، نح 1:2-6.
(91) ميخا 1:4-7.
(92) دا 13:7،14.
(93)
(94)
(95) أش 8:25، 19:16.
(96) دا 1:12، 2.
الأنبياء والإعلان الإلهى – القمص عبد المسيح بسيط
خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 10 – الأنبياء – تطبيق العهد في إسرائيل
خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 10 – الأنبياء – تطبيق العهد في إسرائيل
|
· طبيعة النبوة · وظيفة النبوة · مهمة التفسير الاستنتاجي · بعض الاقتراحات التفسيرية · المنظور النبوي للأحداث المتعاقبة |
إن أسفار الكتاب المقدس التي تندرج تحتَ هذا النوع من أنواع النصوص يزيد عددها عن أسفار أي نصوص أخرى. فهناك أربعة أنبياء كبار (أشعياء، إرميا، حزقيال، دانيال) واثنا عشر نبياً صغيراً (آخر اثنا عشر سفراً بالعهد القديم) وقد كُتِبَتْ جميعاً ما بين 760 – 430 تقريباً ق.م.، وتحتوي على عدد كبير من الرسائل الإلهية. أما الأنبياء الصغار فقد تم تسميتهم كذلك لأن أسفارَهم جاءت قصيرةً نسبياً بالمقارنة مع أسفار الأنبياء الكِبار الطويلة. وهنا نقول بأن هاتين التسميتين لا علاقةَ لهما إطلاقاً بأهمية تلك الأسفار.
طبيعة النبوة
قبل البدء بدراسة مسألة النبوة وطبيعتها، علينا التنبيه أولاً إلى أن الأسفار النبوية تُعَدُّ من أكثر أجزاء الكتاب المقدس صعوبةً من حيث التفسير أو الفهم. وأسباب ذلك تعود إلى إساءة فهم وظيفة تلك الأسفار وصياغتها. وهنا يجدرُ بنا الانتباه إلى بعض الملاحظات الأولية قبل الخوض في بحث هاتين النقطتين.
| من أهم مفاتيح فهمِنا للأنبياء هو أن نرى أنَّ نبواتِهم قد تَحَقَّقَتْ فعلاً. |
معنى النبوة
إن أول صعوبةٍ تواجهُ معظم القراء اليوم عند قراءتِهم لأسفار النبوة عادةً تنشأ من عدم الدقة في الفهم المُسَبَّق لكلمة “نبوة” إن أن معنى هذه الكلمة عند أغلب الناس هو ما تورده معظم القواميس أولاً عند تعريف هذه الكلمة، وهو (التنبؤ أو التَكَهُّن بأمورٍ قبلَ حدوثِها)، لذلك فالكثيرون يميلون للرجوع إلى الأنبياء فقط من أجل الحصول أو الاطِّلاعِ على النبوات التي أَخْبَرَتْ عن مجيء السيد المسيح أو عن سمات عصرِ العهدِ الجديد فقط – وكأن هَمَّ الأنبياءِ الرئيسي كان التَكَهُّن بأحداثٍ بعيدةٍ في زمنِها عن يومهِم هم.
لكن الحقيقة أن التعامل مع الأسفارِ النبوية بهذه الطريقةِ لَهُوَ نوعٌ من الانتقائيةِ الكبيرة. وحول هذا الأمر، تأَمَّلْ الأرقامَ التالية: إن نبواتِ العهدِ القديمِ عن المَسِيَّا تَقِلُّ عن 2% من مجموعِ النبوات. أما النبوات التي تصِفُ عصرَ العهد الجديد بشكلٍ خاص فتَقِلُّ عن 5% وما يتعلقُ بأحداثٍ مستقبلية فتَقِلُّ عن 1%.
لقد قامَ الأنبياءُ حقاً بإعلانِ المستقبل، لكنهُ كان مستقبلاً مباشراً لإسرائيل، ويهوذا، وللأمم الأخرى المحيطةِ بهما، ولم يكنْ المستقبل الخاص بنا نحنُ. لذلك، فإن واحداً من أهم مفاتيح فهمِنا للأنبياء هو أن نرى أن نبواتِهم قد تَحَقَّقَتْ فعلاً، بمعنىً آخر، علينا العودة والنظر إلى الأزمنةِ السابقةِ، التي مع كونِها ماضياً بالنسبةِ لنا فهي كانتْ مستقبلاً بالنسبةِ لهم.
الأنبياء كَمُتَحَدِّثينَ باسم الله
إن النظرَ إلى الأنبياءِ كَمُجَرَّد متنبئينَ عن المستقبل يجعلُنا نُغْفلُ عملَهم الأساسي، الذي يتمثلُ في التكلُّمِ إلى مُعاصرِيهم باسم الله. كما أنَّ ما يُسَبِّبُ الكثيرَ من الصعوباتِ لنا في فهم النبوات هو طبيعتها الكلامية أو الشفهية؛ إذ نحنُ نلاحظُ فقط تركيز هذه الأسفار على الرسائل الإلهية المكتوبة لنا من خلال الأنبياء في الوقت الذي لا يتمُّ فيه التركيز على سيرتِهم الذاتية.
| في أسفارِ الأنبياء، نحنُ نسمعُ عن الله بواسطةِ الأنبياء، بينما لا نسمعُ إلا القليل عن سِيَرِ الأنبياءِ أنفسِهم. |
مثلاً، إن من بين مئاتِ الأنبياء في إسرائيل، هناكَ ستَّةَ عشر نبياً فقط اختارهم الله ليتكلموا برسائل إلهية للناس تَمَّ فيما بعد جَمْعُها وكتابتٌها في أسفار. بالإضافةِ إلى أنبياء آخرين، مثل إيليا وأليشع، نعلم أنهم قد قاموا بدورٍ فَعَّالٍ في نقل كلمة الله إلى شعبِهِ وإلى أُمَمٍ أخرى غير بني إسرائيل. إلا أن ما نعرفٌه عن هؤلاء الأنبياء هو أكثر مِمَّا نعرفُهُ عن نَصِّ كلامِهِم. فما فعلوهُ وُصِفَ لنا بتفصيلٍ أكبرَ جداً مما قد قالوه، وما قالوه تَمَّ ورودُه بتحديدٍ وبوضوحٍ في قرينةِ عصرِهِم على يَدِّ كُتَّابِ قصص العهد القديم التي ظهرَ فيها هؤلاء الأنبياء.
لكن، وبالنسبةِ لأنبياءَ قليلين فقط مثل “جاد” (1 صم 22، 2 صم 24) و”ناثان” (2 صم 7، 12؛ 1 مل 1)، أو “خلدة” (2 مل 22: 14)، نجدُ جمعاً ما بين النبوة والسيرة الذاتية ونرى نظيراً لهذا الأمر في حالة يونان النبي وبدرجةٍ أقل في حالة دانيال النبي. لكن، وبصورةٍ عامةٍ، فنحنُ نسمع في قصص العهد القديم عن الأنبياء ونسمع عن الله بواسطتِهم، لكن ما نسمعُه منهم أقل مما نسمعه عنهم وعن سيرتهم.
أما في أسفارِ الأنبياء، فنحنُ نسمعُ عن الله بواسطةِ الأنبياء بينما لا نسمعُ إلى القليل عن سِيَرِ الأنبياء أنفسهم. ولَعَلَّ هذا الفرق الوحيد يُفَسِّرُ معظم المشكلات التي يواجهها الناسُ عادةً عند محاولتِهم فهمَ ما تقوله الأسفارُ النبوية في العهد القديم.
علاوةً على ذلك، فهل لاحظتَ قبلاً مدى صعوبةِ قراءةَ أحد الأسفارِ النبوية الطويلة في جلسةٍ واحدةٍ؟ ما السبب في رأيك؟ أولاً، نحنُ نعتقدُ أن هذه الأسفار على الأرجح لم يُقْصَدْ بها أن تُقْرَأَ بتلك الطريقة. فهي في معظمِها تجميع لرسائل إلهية شفهية، وهي كثيراً ما تخلو مما يحدد لها بداياتٍ أو نهايات. كما أننا كثيراً ما نقرأُها بدون معرفةِ خلفيتها التاريخية، إضافةً إلى أن معظم الرسائل الإلهية الشفهية قد قِيلَتْ شِعراً، ونحنُ سنسهبُ في الحديث عن هذا الأمرِ لاحقاً.
مشكلة التاريخ:
إن مسألةَ البعدِ التاريخي تُعَدُّ مشكلةً أخرى تزيدُ في تعقيدِ فهمِنا للأسفارِ النبوية. فنحنُ – كقُرَّاء معاصرين – نجدُ صعوبةً في فهم كلمة الله في وقتنا الحاضر، كما تَكَلَّمَ بها الأنبياء، أكثرَ بكثيرٍ مما وجدَهُ بنو إسرائيل الذين سمعوا النبواتِ مباشرةً. فالأمورُ الواضحةُ عندَهم، مبهمةٌ عندَنا.
لماذا؟ من ناحيةٍ، لأن للسامعينَ المباشرينَ لكلام النبي امتيازاً واضحاً على أولئكَ الذين يقرأونَ كلامَهُ منقولاً إليهم (انظرْ ما قُلناهُ عن الأمثالِ في الفصل الثامن). ومن ناحيةٍ أخرى فإن الصعوباتِ الحقيقية التي نواجهها ليستْ بسبب أننا لم نكن السامعين المباشرين لها فقط، ولكن لكونِنا بعيدين أيضاً عن الحياةِ الثقافيةِ والتاريخيةِ والدينيةِ لشعب إسرائيل القديم، الأمرُ الذي يسبب لنا صعوبةً كبيرةً جداً في وضع الكلماتِ التي نطقَ بها الأنبياءُ ضمن قرينتِها التاريخية؛ إذ كثيراً ما يصعُبُ علينا إدراكَ ما كانوا يشيرونَ إليه ولماذا.
وظيفة النبوة
لمحاولةِ فهم كلام الله لنا من خلال هذه الاسفار ذات الوحي الإلهي، يجدُرُ بنا أولاً أن نفهمَ وبوضوح دورَ ووظيفةَ النبي في إسرائيل قديماً. والتركيز الشديد على أمورٍ ثلاثة:
كان الأنبياءُ كوسطاء تطبيق العهد: لقد قَدَمْنا شرحاً في الفصل السابق عن أن ناموس بني إسرائيل كان قد شُكِّلَ كعهدٍ بين الله وشعبِهِ. وهو كعهدٍ، لم يحتوِ على مجرد قواعد ينبغي الالتزامُ بها، بل نَصَّ أيضاً على أنواع عقوباتٍ كان الله يُنزلها حتماً على شعبِهِ إن لم يحفظوا الناموس، إضافةً إلى الفوائد التي كانوا يجنونها إن هم حفظوه.
وكثيراً ما سُمِّيَتْ هذه العقوبات “بلعنات” العهد والفوائد “ببركاتِه”. لكن هذه التسمية ليستْ بذات أهمية، فالذي يهم هو أن الله لم يقُمْ فقط بمجرد إعطاء الناموس، لكنه كان ينفذه. لقد كان موسى النبي وسيط شريعة الله عندما أعلن الله أولاً عن هذه الشريعة. وبالتالي فهو نموذج للأنبياء باعتبارهم وسطاء الله أو المتحدثين باسمِه فيما يتعلق بالعهد. فبواسطتِهم يُذَكِّرُ الله الأجيال من بعد موسى بأنه إذا ما تَمَّ حفظُ الشريعة، فالبركة قادمةٌ وإلا فالعقابُ سَيَحِلُّ.
وأنواعُ البركات التي سَتَحِلُّ على بني إسرائيل لحفظِهم العهد نجدُها في سفر اللاويين 26: 1 – 13، التثنية 4: 32 – 40، 28: 1 – 14، مع وجود تحذير يرافقُ تلك البركات أنَّه إن لم يُطِعْ بنو إسرائيل شريعة الله فستنتهي تلكَ البركات. أما أنواع اللعنات التي عادةً ما ستنزل ببني إسرائيل إذا قاموا بانتهاك الشريعة فنجدها في لاويين 26: 14 – 39 وتثنية 4: 15 – 28، تثنية 28: 15 – 32 : 42).
لذا عليكَ أن تتذكرَ دائماً بأن الأنبياء لم يخترعوا البركات أو اللعنات التي أعلنوها. نعم، ربما قاموا بصياغة تلك البركات واللعنات بأساليب روائية، كما أوحى لهم الروح القدس. لكنهم وبكامل الصدق قاموا بنقل ما جاءهم من كلمة الله ولم يقدموا كلامهم هم..
فقد قام الله من خلالهم بإعلان قصدِه في تطبيق عهده للبركة أو للعنَّة بناءً على أمانة بني إسرائيل ودائماً وِفقَ أُسُس شروط البركات واللعنات الواردة في لاويين 26 وتثنية 4 وتثنية 28 – 32. إن قراءتَك لتلك الأصحاحات من أسفار الشريعة ستقودُكَ لفهمٍ أكبر للسبب الذي دعا الأنبياء لأن يقولوا ما قالوه.
باختصار، هذا ما ستكتشفه: إذ يحتوي الناموس على أنواعٍ معينة من البركات الجماعية الناتجة عن الالتزام بالعهد: وهي الحياة، والصحة والازدهار والوفرة الزراعية، والكرامة، والأمان. وتندرج معظم البركات المذكورة تحت إحدى تلك الفئات السِتِّ العامة. أما وفيما يتعلق باللعنات، فالناموس يصف عقوبات جماعية تنحصر في الأمور التالية: الموت والوبأ والقحط والمجاعة والخطر والدمار والهزيمة والسبي والعَوَز والخِزْي. ومعظم اللعنات عادةً ما تندرج في إطار تلك القائمة.
تنطبق هذه الأنواع على ما يُعلنُه الله من خلال الأنبياء. فعلى سبيل المثال عندما يعلن الله عن وعده بالبركة للشعب (وليس لأحد الأفراد) بواسطة عاموس النبي، فهو يفعل ذلك من خلال تشبيهات تتعلق بالوفرة الزراعية والحياة والصحة والازدهار والإكرام والأمان (عا 9: 11 – 15). وعندما يعلِنُ عن جزائه بالهلاك للأمة العاصية في أيام هوشع النبي، فهو يفعل ذلك مستنداً إلى اللعنات العشر التي ذُكِرَتْ سابقاً (انظر هو 8: 14؛ 9: 3). إذ كثيراً ما تكون هذه اللعنات مَجَازيةً مع أنها يمكن أن تكون حرفيةً أيضاً.
لكنها دائماً جماعية أو مشتركة، أي تقع على الأمة ككل. فالبركات واللعنات لا تتضمن أي ازدهار أو مجاعة لأي فردٍ بالذات. وتاريخياً، فإن غالبية ما أعلَنَهُ الأنبياء في القرن الثامن والسابع ومطلع القرن السادس قبل الميلاد كان لعنةً، وذلك لأن الهزيمةَ الكُبرى والدمارَ اللذينِ لحقا بالمملكة الشمالية لم يحدُثا إلا عام 722 ق.م. وأما ما لحقَ بالمملكة الجنوبية (يهوذا) فقد حصلَ عام 587 ق.م. وهكذا كان العقابُ قريباً من بني إسرائيل شمالاً وجنوباً خلال تلك الحِقبة.
لذلك فقد كان من الطبيعي أن تسبقَ تلك الأحداث كلماتُ اللعنةِ لا البركة، لأن الله كان يريد لهم أن يتوبوا. أما في فترة ما بعد الدمار الذي لحق بالمملكتين الشمالية والجنوبية، أي بعد عام 587 ق.م.، فكثيراً ما أوحى الله إلى الأنبياء بالتنبؤ بالبركات بدل اللعنات. والسبب في ذلك هو أن الله بعد ما أتَمَّ عقابَه لتلك الأمة، عاد فواصل خُطَّتَه الأساسية وهي إظهار الرجمة (انظر تث 4: 25 – 31) لعمل وصف إجمالي لهذا التسلسل.
قم أثناء قراءتِك للأسفار النبوية بتأملِها مستخدماً هذا النمط البسيط:
- التعريف بخطية بني إسرائيل أو بمحبة الله لهم.
- التنبؤ باللعنة أو البركةِ اعتماداً على حالة الشعب.
هذا النمط هو ما قام الأنبياءُ بنقلِهِ عادةً وفي أغلب الأوقات بحسب ما أُوحِيَ لهم من قِبَل الله.
رسالة الأنبياء هذه لم تنبُعْ منهم، بل من الله وحده: فهو الذي أقامهم (انظر خر 3: 1؛ إش 6؛ إر: 1؛ حز 1 – 3؛ هو 1: 2؛ عا 7: 14 – 15؛ يون 1: 1 … إلخ.). وإذاً ما تَجَرَّأَ نبيٌ بانتحالِ هذه الوظيفةِ لنفسِهِ، فهذا سببٌ كافٍ لجعلِهِ نبياً كَذَّاباً (انظر إر 14: 14؛ 23: 21). فالأنبياء كانوا يستجيبون لدعوة الله. والكلمة العبرية “نبي”، كما في العربية، مشتقةٌ من فعلٍ في اللغةِ السامية معناهُ “دعا”، وستلاحظُ أثناء قراءتِكَ لأسفارِ الأنبياءِ أنهم يَسْتَهِلُّونَ رسائلَهم أو يختمونَها أو يذكرونَ في سياقِها التذكيرَ التالي: “هكذا يقولُ الرَّبُ” أو “يقولُ الرَّبُ”.
وفي غالبية الوقتِ كانت الرسائلُ النبويةُ تُنْقَلُ مباشرةً كما تَسَلَّمَها الأنبياءُ من الرَّبِ وبضميرِ المُتَكَلِّم كأن اللهُ يتحدث عن نفسِهِ باستخدام “أنا” أو “ياء المتكلم”.
| في غالبيةِ الوقتِ، كانت الرسائلُ النبوية تُنْقَلُ مباشرةً كما تَسَلَّمَها الأنبياءُ من الرَّبِ بضميرِ المتكلم، كأن الله يتحدثُ عن نفسِهِ باستخدامِ “أنا” أو “ياء المتكلم”. |
ولأخذ مثالٍ أوضح، اقرأ الأصحاحين 27 و28 من إرميا. تأمل في صعوبةِ مهمة إرميا المتعلقةِ بإيصال الرسالةِ إلى شعب يهوذا، تلك الرسالة التي تقتضي الخضوع لجيوش العدو البابلي، وذلك فيما إذا أراد الشعب إرضاء الرَّب. لقد اعْتَبَرَ معظم سامعي إرميا رسالتَهُ هذه بمثابةِ خيانةً لشعبِهِ. مع أن إرميا، وعند نقلِهِ الرسالةَ، أعلنَ لسامعيه وبكلِ وضوحٍ بأنهم لم يكونوا يستمعونَ إلى وجهةِ نظرِهِ هو في الأمر، بل إلى رسالةِ الله. بدأ إرميا بتذكيرهِم قائلاً: “هكذا قال الرَّبُ لي” (27: 2)، ثم اقتبسَ أمرَ الله له قائلاً: “أرسلْها” (27: 3) “وأوصِهُم …” (27: 4)، وعادَ فأكملَ قائلاً: “هكذا يقولُ الرَّبُ”، فكلمةُ إرميا إذاً كانت كلمةَ الله وقتد تم تسليمُها لهم بسلطان الله (28: 15، 16) وليس بسلطانِ إرميا.
وهنا جديرٌ بالذكرِ أن نقولَ بأن الأنبياءَ، وباعتبارِهِم وُسَطاءَ لنقلِ كلمةَ الله لبني إسرائيل ولأممٍ أخرى قد تَقَلَّدوا نوعاً من المنصبِ الاجتماعي، إذ كانوا بمثابةِ السفراءَ للبلاطِ السماوي، ناقلين المشيئةً الإلهية ذات السيادةِ العُليا إلى الشعب. ولم يكنْ الأنبياءُ بحدِّ ذاتِهم لا مُصْلِحينَ اجتماعيين، ولا مفكرين دينيين. فالإصلاحُ الاجتماعي والفكر الديني اللذانِ أرادَ الله أن ينقلَهُما إلى الشعب، كان قد تَمَّ إعلانُهما في ناموسِ العهد. وبصرفِ النظرِ عن الجماعةِ التي خالَفَتْ تلكَ الشرائعَ، كانت كلمةُ الله تحملُ العقابَ لها من خلالِ النبي.
فإذا كانَ المذنبُ بانتهاكِ العهدِ من الملوك (2 صم 12: 1 – 14؛ 24: 11 – 17؛ هو 1: 4) أو من رجالِ الدين (هو 4: 4 – 11؛ عا 7: 17؛ ملا 2: 1 – 9) أو من أيِّ طائفةٍ أخرى، كان النبي ينقلُ رسالةَ الله باللعنةِ على الأمةِ أو على الشعبِ نقلاً أميناً. وفي الواقعِ لقد قامَ الأنبياءُ بموجبِ كلمة الله بتنصيبِ الملوكِ وخلعِهِم (1 مل 19: 16؛ 21: 17 – 22) وبإعلانِ الحربِ (2 مل 3: 18 – 19؛ 2 أخ 20: 14 – 17؛ هو 5: 5 – 8) أو بمقاومتِها (إر 27: 8 – 22).
رسالةُ الأنبياءِ ليستْ جديدةً: فلقد أوحى الله إلى الأنبياءِ بتقديمِ المضمون الجوهري للتحذيراتِ والوعود (البركات واللعنات) التي يتضمنها العهد. لذلك فإننا عندما نقرأُ كلماتِ الأنبياءِ، فما نقرأُهُ ليسَ عبارةً عن أمرٍ جديد في جوهرِهِ، لكنهُ الرسالةَ نفسَها التي نقلَها الله في الأصلِ ومن البدءِ بواسطةِ موسى. إلا أن الهيئةَ أو الصيغةَ التي تُنْقَلُ بها الرسالةُ قد تتغيرُ فعلياً. لقد أقامَ اللهُ الأنبياءَ لجذبِ انتباهَ الشعبِ الذي أُرْسِلوا إليه.
وجذبُ هذا الانتباهِ قد يتطلبُ إعادةَ صياغةٍ، أو تركيبُ شيءٍ قد سبقَ للشعبِ وسمعوهُ مراتٍ كثيرةً حتى يتَّسِمَ هذا الشيءُ بنوعٍ من الجِدِّية. لكن هذا لا يُعني على الإطلاقِ أن اللهَ يبادرُ برسالةٍ جديدةٍ أو بإعلانِ تعاليمَ لم يسبقْ أن تضَمَّنَتْها أو أَعْلَنَتْها أسفارُ الشريعةِ الخمسة. ولأخذِ مثالٍ على هذا الحفظِ للرسالةِ الإلهيةِ الأصليةِ، تأمَّلْ في النصف الأول من هوشع 4: 2، لقد تَفَشَّى في الأرض “لعنٌ وكذبٌ وقتلٌ وسرقةٌ وفِسْقٌ”.
في هذا العددِ، الذي هو جزءٌ من وصفٍ مسهبٍ لخطيةِ بني إسرائيل أيامَ هوشع (750 – 722 ق.م.) نجدُ تلخيصاً لخمسٍ من الوصايا العشر، كلُّ واحدةٍ نجدُها في كلمةٍ من هذه الكلماتِ الأولى: “اللعنةُ”، وهي الوصيةُ الثالثةُ من الوصايا العشر “لا تنطقْ باسمِ الربِّ إلهِكَ باطلاً” (خر 20: 7؛ تث 5: 11). والثانية “الكذِب”، وهي الوصيةُ التاسعة “لا تشهد على قريبِكَ شهادةَ زورٍ” (خر 20: 16؛ تث 5: 20). الثالثة هي “القتل”، وهي الوصيةُ السادسة “لا تقتل” (خر 20: 13؛ تث 5: 17).
الرابعة “السرقة”، وهي الوصيةُ الثامنةُ “لا تسرقْ” (خر 20: 15؛ تث 5: 18). أما الخامسةُ والأخيرةُ فهي “الزنا”، وهي الوصيةُ السابعةُ من الوصايا العشر “لا تزنِ” (خر 20: 14؛ تث: 5: 18).
وما تجدرُ ملاحظتُه هنا أيضاً هو ما يفعلُهُ النبيُّ المُلْهَمُ وما لا يفعلُه. بمعنى أن هوشع لم يقتبسْ الوصايا العشر حرفياً. فهو يذكرُ خمساً منها فقط، وكلُّ واحدةٍ بكلمةٍ، بما يشبهُ إلى حَدٍّ كبيرٍ ما فعلَهُ السيدُ المسيح في لو 18: 20. لكنَّ مجردُ ذِكْر خمسٍ منها، حتى وإن لم تكُنْ حسَبَ ترتيبِ ورودِها في الأصلِ، يُعَدُّ طريقةً فعالةً جداً في إبلاغِ بني إسرائيل بأنَّهُم قد خالفوا الوصايا العشر. لأنَّهُ، وعند سماعِهِم للوصايا الخمس، سيتساءلون: وماذا عن بَقِيَّةِ الوصايا؟ ماذا عن ترتيبِها؟ فالوصايا كما جاءت في الأصل هي ….
وهكذا سيبدأُ السامعون بالتفكيرِ في الوصايا العشر مُذَكِّرينَ أنفسَهُم بما قد دعاهم ناموسُ العهدِ إليه بشأن البِرِّ الأساسي. وهنا نرى أن هوشع لم يقُمْ بتغيير شيءٍ من الناموس، بل كما فعلَ السيدُ المسيح، كَرَّرَ فقط خمساً من الوصايا من أجل إحداثِ التأثيرَ ذاتَهُ. ولكنه قامَ بطبعِ الناموسِ في أذهانِ سامعيه بطريقةٍ أحدَثَتْ أثراً ربما لم يَكُنْ ليحدُثَ فيما لو أنه أعادَ عليهم ذِكْرَ الوصايا كلمةً كلمةْ.
هناكَ أيضاً سؤالٌ ثانٍ يتعلقُ بالنبواتِ الخاصةِ بالمَسِيَّا: هل هذه النبواتُ جديدةٌ؟ لا، على الإطلاق. بالتأكيدِ، إن تفاصيلَ حياةِ ودور المَسِيَّا التي نجدها في قصائد العبد في إشعياء 42، 49، 50، 53 قدْ تُعَدُّ جديدةً. لكنْ لم تكُنْ هذه هي المَرَّةُ الأولى التي كشفَ اللهُ بها للناسِ عن فكرةِ المَسِيَّا من خلالِ الأنبياء. بل في الحقيقةِ كان هذا الكشفُ قد بدأَ أصلاً بالناموس.
وإلا فكيفَ كان يمكنُ ليسوعَ المسيحِ أن يَصِفَ حياتَهُ كإتمامٍ لما هو مكتوبٌ في ناموسِ موسى والأنبياءِ والمزامير (لو 24: 44)؟ إن من بين مقاطع ناموس موسى الأخرى التي تتكلمُ عن خدمةِ المَسِيَّا هناك مقطعٌ بارزٌ وشهيرٌ في تثنية 18: 18 “أقيمُ لهم نبياً من وسطِ إخوتِهمْ مثلك، وأجعلُ كلامي في فَمِهِ فيُكَلِّمُهم بكل ما أوصيهِ بهِ”.
وكما أن يوحنا 1: 54 أيضاً يُذَكِّرُنا أن الناموسَ قد سبقً وتكلَّمَ عن المسيح، فلمْ يكُنْ جديداً أن يتكلمَ الأنبياءُ عنهُ. ولم يكُنْ يلزمُ للشكلِ أو الأسلوبِ أو الخصوصيةِ التي صاغَ بها أولئكَ الأنبياءُ ما أَوْحَى اللهُ لهم من نبواتٍ – لم يكن يلزم أن يكونَ محصوراً بما قد احْتَوَتْهُ أسفارُ الشريعةِ الخمسة. لأن الحقيقةَ الجوهريةَ هي في أن سيكونُ هناكَ عهدٌ جديدٌ سيأتي به نَبِيٌّ جديدٌ (على حَدِّ تعبيرِ سفر التثنية). هذه الحقيقةُ كانتْ في الواقع أمراً ليس بالجديد.
مهمة التفسير الاستنتاجي
الحاجةُ إلى المساعدةِ الخارجية
سبقَ أن ذَكَرْنا في الفصلِ الأول بأن هناكَ اعتقاداً شائعاً مُفادُهُ أن كلَّ ما في الكتابِ المقدس لابدَ وأن يكونَ واضحاً لكلِّ من يقرأه، بدونَ دراسةٍ أو مساعدةٍ خارجيةٍ من أي نوع. وأساس هذا الاعتقاد هو: إن كان اللهُ قد كتبَ الكتابَ المقدسَ من أجلِنا، فالمُفْتَرَضُ بنا هو أن نفهَمَهُ بالتمامِ من أولِ قراءةٍ له، طالما أن الروحُ القُدُس فينا.
لكن مثل هذه الفكرةِ ليستْ صحيحةً. فبعْضُ الأجزاءِ من الكتابِ المقدس واضحةٌ ومباشرةٌ، وأجزاءٌ أخرى غيرُها ليستْ كذلك. وبموجبِ الحقيقةِ القائلةِ بأن أفكارَ اللهِ ليستْ كأفكارِنا نحنُ البشر (مز 92: 5؛ إش 55: 8)، فليسَ مستغرباً إن احتاجَتْ بعضُ مقاطعِ الكتابِ المقدسِ وقتاً ودراسةً متأنيةً لكي نفهمَها.
وهذا الوقتُ وهذا الجهدُ الدراسي هما ما تحتاجُهُ الأسفارُ النبويةُ. إذ كثيراً ما يقرأُ الناسُ هذه الأسفارَ قراءةً عابرةً وكأن القراءةَ السطحيةَ لكتاباتِ الأنبياءِ ستمنحَهُم مستوىً رفيعاً من الفهم. وطبعاً هذا الأسلوبُ لا ينفعُ مع الأسفارِ النبويةِ.
نحنُ نحتاجُ لأن نُكَرِّرَ هنا، وبصفةٍ خاصةٍ فيما يتعلقُ بتفسيرِ الأنبياءِ، أنواعَ المساعداتِ المتوفرةِ لك. مثل القواميسِ أو موسوعاتِ الكتابِ المقدس التي تُوْرُدُ مقالاتٍ على الخلفيةِ التاريخيةِ لكلِّ سِفرٍ وعن مواضيعِهِ الرئيسيةِ، أيضاً المعالمَ الخاصةَ التي يشتملُ عليها والنقاط التفسيرية التي يجب على القارئُ مراعاتُها. وهنا نوصيكَ بأن تَتَعَوَّدَ على القيامِ بهذا النوعِ من القراءةِ قبلَ أن تبدأَ دراستَكَ لأي سفرٍ نبوي. إذْ تحتاجُ لأن تعرفَ عن خلفيةِ الموضوعِ قبلَ أن تتمكنَ من فهمِ القصد من الكثيرِ مما قالَهُ النبي.
لقد جاءتْ كلمةُ الله من خلال الأنبياءِ إلى الناسِ في ظروفٍ معينةٍ، ولَعَلَّ مقدارُ قيمةِ هذه النبواتِ بالنسبةِ لنا يعتمدُ جزئياً على مدى مقدرتِنا على استيعابِ تلك الظروفِ بحيثُ نستطيعُ بدورِنا نحنُ أن نُطَبِّقَ النبواتِ على ظروفِنا.
المصدرُ الثاني للمساعدةِ هو كُتُبُ التفسير، التي تتميزُ بإعطاءِ مقدماتٍ وافية لكلِّ سفرٍ، وهي مُكَوَّنةٌ بعضُ الشيء على نمطِ قواميسِ الكتاب المقدس، وإن كانت مراتٍ كثيرةٍ أقلَّ فائدةٍ من حيثُ تنظيم المعلومات. لكن الأهم من هذا أنها تقدمُ تفسيراً لمعنى كل آيةٍ على حِدّة. وقد تزيدُ أهمية هذه التفسيراتِ إن كنتَ تدرسُ، وبعنايةٍ، مقطعاً صغيراً من أحد الأسفارِ النبويةِ، جزءاً يَقِلُّ عن أصحاح، وذلك في جلسةٍ منفصلة.
أما المصدرُ الثالثُ للمساعدةِ فهو مقدماتُ الأسفارِ، وهي عادةً تعطي للقارئ نظرةً عامةً على الكتابِ المقدس. وما يميز هذه الكتب هو أنها تجمعُ بين ما تقدمه القواميسُ وكتبُ التفسير. لكن، بدونَ الدخولِ في تفاصيلٍ كثيرةٍ، سواءً في الخلفياتِ المختلفةِ لِلْنَصِّ أو في شرحِ النصِّ آيةً آيةْ. فمقدماتُ الأسفارِ هدفُها تقديم مساعدةٍ إرشاديةٍ في وقتٍ قصير.
القرينةُ التاريخية
هل تذكرُ دراستَنا للقرينةِ التاريخيةِ ليسوعَ المسيحِ في الفصلِ السابع، والتي تناولَتْ كلاً من القرينةِ التاريخيةِ العامةِ التي أتى فيها السيدُ المسيحُ، والقرينةِ التاريخيةِ الخاصةِ لأيٍ من أقوالِهِ أو أفعالِهِ؟ هكذا الأمرُ أيضاً مع دراسةِ الأسفارِ النبوية. فالقرينةُ التاريخيةُ العامةُ تتناولُ المجالَ الأوسعَ والأشملَ (حقبتها الزمنية)، بينما القرينةُ الخاصةُ تتناولُ ما يتعلقُ بكل رسالةٍ إلهيةٍ فردية.
ولكي تتمكنَ من عملِ التفسيرِ الاستنتاجي جيداً، عليكَ فهمُ نوعي القرينةِ التاريخية لكل الأسفارِ النبوية
- القرينةُ العامة: تجدرُ الملاحظةُ هنا إلى أن أسفارَ العهدِ القديم النبوية السبعةُ عشر جاءتْ ضِمنَ نطاقٍ ضيقٍ من المشهدِ الشاملِ لتاريخِ بن إسرائيل (حوالي 760 – 430 ق.م.). وهنا نسألُ: ما السببُ في عدم وجودِ أسفارٍ نبويةٍ في ايامِ إبراهيم؟ ألَمْ يتكلمُ اللهُ إلى شعبِهِ وعالمِهم قبل 760 ق.م.؟ الجوابُ هو: نعم، بالطبعِ تكلَّمَ اللهُ ولدينا في الكتابِ المقدس أمورٌ كثيرةُ عن تلكَ العصورِ، إضافةً إلى الأمورِ التي تتعلقُ بالأنبياء (1 مل 17؛ 2 مل 13).
- علاوةً على ذلك، تَذَكَّرْ أن اللهَ قد تَحَدَّثَ إلى إسرائيلَ خصيصاً بواسطة الناموس، ذلك الناموسُ الذي كان من شأنِهِ أن يسودَ على كل ما بَقِيَ من تاريخِ الأمةِ إلى الوقتِ الذي حَلَّ فيه العهدُ الجديدُ مَحَلَّهُ (إر 31: 31 – 34).
وهنا نجدُ سؤالاً أخرَ يدركنا، وهو: إذن، لماذا هذا التركيزُ في تدوينِ الكلمةِ النبويةِ خلالَ القرونِ الثلاثةِ ما بينَ عاموس (حوالي 760 ق.م.)، وهو أقدمُ الأنبياءُ الكُتَّابُ، وملاخي (حوالي 430 ق.م.) وهو آخرهم؟ والجوابُ هو: إن تلكَ الحِقْبَةَ من تاريخ إسرائيل دَعَتْ، وبشكلٍ خاص، إلى إيجادِ وسطاء من أجل تطبيقِ العهد، وكان هذا عينُهُ هو مهمةُ الأنبياء. هناكَ عاملٌ آخرٌ واضحٌ، وهو أن الله رغِبَ في أن تُدَوَّنَ كلُّ تحذيراتِ اللعنةِ ووعودُ البركةِ التي أعلَنَها بواسطة الأنبياء أثناء تلك الحقبة البالغة الأهمية، وذلك من أجلِ التاريخِ اللاحق.
تميزت تلك السنونُ بأمورٍ ثلاثة:
- تغيراتٍ سياسيةٍ وعسكريةٍ واقتصاديةٍ واجتماعيةٍ عنيفةٍ لم يسبقْ لها مثيل.
- مستوىً رهيبٍ من الخيانةِ الدينيةِ والاستخفافِ بالعهدِ الموسوي الأصلي.
- تنقلاتٍ سكانيةٍ وتغييراتٍ في الحدودِ الإقليمية. وهنا نرى أن الناسَ كانوا في حاجةٍ إلى كلمتهِ من جديدٍ في ظِلِّ تلكِ الظروف. لذا أقامَ اللهُ الأنبياءَ وأعلنَ كلمتَه.
عندما تستخْدِمُ القواميسَ والتفاسيرَ والمقدماتِ الكتابيةَ، ستلاحظُ أن إسرائيلَ كانتْ بحلول عام 760 ق.م. أمةً دائمةَ الانقسام بسبب الحربِ الأهليةِ الطويلةِ الأمَدْ. فقد كانت الاسباطُ الشماليةُ – واسمها إسرائيل، وأحياناً أفرايم – منفصلةً عن السبطِ الجنوبي المُسَمَّى يهوذا. فالمملكةُ الشماليةُ، التي فاقتْ بكثيرٍ في ارتدادِها عن عهدِ الله مملكةَ يهوذا، كانت آيلةً إلى السقوطِ بسببِ خطيئتِها قدامَ الله. وفيها قامَ كلٌّ من عاموس بدايةً (بحوالي 760) وهوشع بدايةً (بحوالي 755) بإعلانِ السقوطِ الوشيك.
وفعلاً وقعَتْ المملكةُ الشماليةُ في براثنِ الدولةِ العُظْمى في الشرق الأوسطِ آنذاك وهي مملكة آشور في عام 722 ق.م.، بعدها ازدادَ إثمُ يهوذا بالتزامنِ مع قيامِ قوةٍ عُظمى أخرى، هي مملكةُ بابل. وشَكَّلَ هذانِ الأمرانِ المادةَ التي كتبَ عنها أنبياءٌ كثيرون بما فيهم إشعياء وإرميا ويوئيل وميخا وناحوم وحبقوق وصفنيا.
ولقد تَمَّ أيضاً تدمير مملكةِ يهوذا لعدم إطاعتِها لله. وكان ذلك عام 587 ق.م. ثم قام بعدها كلٌّ من حزقيال ودانيال وحجي وزكريا وملاخي بإعلانِ مشيئة الله الخاصةَ بِرَدِّ الشعب (بدءاً من عودتِهم من السبي عام 538 ق.م.) وإعادةِ ترسيخِ العقيدة. وكان كلُّ هذا ينسجمُ مع ما جاءَ في تثنية 4: 25 – 31.
لقد تكلمَ الأنبياءُ مباشرةً عن هذه الأحداث وبشكلٍ مُطَوَّل. إن لم تُلِمّْ بهذه الأحداث وغيرِها التي وَقَعَتْ ضمنَ تلك الحقبة، والتي يزيدُ عددُها عن أن يُذْكَرَ في هذا المقام، فرما لن تتمكنَ من أن تتابعَ بشكلٍ جيدٍ ما قالَهُ الأنبياء، فقد تكلَّمَ اللهُ من خلال التاريخِ وعن التاريخ. ولكي نتمكنَ من فهمِ كلمة الله، علينا أن نعرفَ شيئاً عن هذا التاريخ.
- القرينةُ الخاصة: كل رسالةٍ إلهية نبوية قد سُلِّمَتْ أصلاً ضمنَ خلفيةٍ تاريخيةٍ معينة. فلقد تكلم الله من خلال الأنبياء إلى الناسِ في وقتٍ وزمانٍ معينين، وفي ظل ظروفٍ معينةٍ. فإذا ما استطعتَ تحديدَ ومعرفةَ التاريخ وهُوِيَّةِ المستمعين، والحالةِ التي كانت سائدةً، فستسهمُ هذه المعرفةُ جوهرياً في استيعابِ الرسالةِ الإلهية.
اقرأ هوشع 5: 8 – 10، فهو عبارةٌ عن رسالةٍ إلهيةٍ موجزةٍ وقائمةٍ بذاتِها إلى جانب رسائل إلهية أخرى. وإذا عُدْتَ إلى كتابِ تفسيرٍ جيد، فستجدُه قد وصفَ لك تلك الرسالة الإلهية باعتبارِها رسالةً من رسائل الحرب. وهذا النوع من الرسائل الإلهية هدفُهُ إعلانُ دينونة الله وإنزالُها من خلالِ المعارك. إليكَ مثلاً العناصر المعتادة لمثل هذا الأسلوب: التحذير، وصف الهجوم، والتنبؤ بالهزيمة. وبالإضافةِ إلى معرفتِكَ للأسلوبِ، فمن المفيدِ أيضاً أن تعرفَ وتحددَ المعركةَ المقصودة.
كان التاريخ هو 724 ق.م. تقريباً ومن سمعوا الرسالةَ الإلهيةَ هم شعب المملكةِ الشمالية (المدعوون أفرايم هنا) الذين تكلم إليهم هوشع. ولقد كانتْ رسالةُ الله موجهةً بالتحديد إلى مدن معينة على الطريق من أورشليم عاصمة يهوذا إلى مركز عبادة بني إسرائيل الزائف، بيت إيل (بيت أون). والحالة كانت حالة حربٍ حيث قامت مملكة يهوذا بالرد على الهجوم الذي قامت به عليها كلٌ من مملكة إسرائيل وسورية واجتاحتا خلاله مملكة يهوذا (انظر 2 مل 16: 5).
وهنا نرى أنه قد تم صَدُّ المعتدين وردُّهم على أعقابِهم بمساعدة قوة أشور العُظمى (2 مل 16: 7 – 9). وقد قام الله بواسطة هوشع بإذاعة التحذير مجازياً في مدنٍ تقع ضمن أرضِ بنيامين (عدد 8)، هذه المدن كانت جزءاً من المملكة الشمالية. لقد كان الدمارُ أكيداً (عدد 9) لأن يهوذا كانت ستحِلُّ في الأراضي التي ستجتاحها (بإزاحةِ حجارة الحدود إذا جاز التعبير)، لكن يهوذا أيضاً ستنالُ ما تستحقه؛ لأن غضبَ الله سيقع عليهما معاً لأجل تلك الحرب ولأجل ممارستِها الوثنية (2 مل 16: 2 – 4).
لقد كانت مملكتا إسرائيل ويهوذا في عهدٍ مع الله يُحَرِّمُ عليهما مثل تلك الحرب المُهلِكة للطرفين. وكان الله مزمعاً أن يعاقبهما على انهاكِهما للعهدِ معه.
إن الإلمامَ بهذه الحقائق البسيطة سيؤثرُ كثيراً على قدرتِكَ على فهمِ وتقدير الرسالةِ الإلهية الواردةِ في هوشع 5: 8 – 10. عُدْ إلى كتبِ التفسيرِ أو مقدماتِ الكتاب المقدس التي بين يديكَ أثناء قراءتِكَ لأسفارِ الأنبياء، وكما ينبغي دائماً، حاول اثناءَ قراءتِك لها أن تلاحظَ التاريخَ وهُوِيَّةَ المستمعين والحالة التي أحاطتْ بالرسالةِ الإلهية.
عزل النبوات الفردية عن بعضها البعض
وعندما تصل كدارسٍ إلى الدراسةِ الفعلية أو القراءةٍ الاستنتاجية الدقيقة لأسفار النبوة، فإن أولَ أمرٍ عليكَ فعلُهُ هو اعتبار الرسالة الإلهية بمثابةِ وحداتِ فكرٍ (تماماً كما تعلمتَ أن تُفَكِّرَ بحسب الفقراتِ أثناءَ دراستِكَ للرسائل). وهذه ليست بالمهمة السهلة دائماً، إل أن إدراكَ صعوبَتِها والحاجة إلى القيامِ بها هما البدايةُ لاستكشافاتٍ مثيرة.
ففي معظم الأوقاتِ ستجدُ أن ما قالَهُ الأنبياءُ عادةً يأتي في اسفارِهِم في شكلٍ متواصل، بمعنى أن الكلامَ الذي قالوهُ في أوقاتٍ وأماكنَ مختلفةٍ على مَرِّ سِنِيِّ خدمتِهم قد تم جمعُهُ وتدوينُه كله بدون أي تقسيماتٍ تشيرُ إلى بداياتِ أو نهاياتِ تلك الرسائل الإلهية.
علاوةً على ذلك، فحتى عندما تتمكن من افتراض نقطة بداية وحدةٍ ما، وذلك من خلال التغيير الرئيسي للموضوع، يبقى هناك عدم وضوحٍ (من جهةِ عَنْوَنَةِ الأحداثِ ونقاط الانتقالِ مثلاً) مما قد يُحَيِّرُكَ فتتساءل: هل قيلتْ هذه النبوة إلى نفس المستمعين في اليومِ ذاته أم أنها قيلت بعد عدة سنوات – أو ربما قبل عدة سنوات – أو لجماعةٍ أخرى من المستمعين تحتَ ظروفٍ مختلفةٍ؟ إن الإجابةَ على مثل هذا السؤال ستؤثرُ على عملية فهمِكَ للنص.
أيضاً تتميز بعض أجزاء الكتب النبوية بالاستثناءات. ففي سفر حجي مثلا، وفي الأصحاحاتِ الأولى لسفر زكريا ستجدُ تاريخاً لكلِّ نبوة. وبمساعدةِ قاموس الكتاب المقدس أو كتب التفسير أو المقدمات ستتمكنُ من تتبع تَقَدُّم هذه النبوات بسهولةٍ وِفْقَ قرينتِها التاريخية. كما أن بعض النبوات التي قد تجدها في أسفارٍ أخرى وبشكلٍ خاص في سفرِ إرميا وسفر حزقيال قد تمَّ فعلاً تأريخها وترتيبها وِفْقَ خلفيةٍ معينة وضعَها النبي بوحيٍ من روح الله.
لكن، وللأسف، لا يكون الأمرُ كذلك في معظم الأوقات. فعلى سبيل المثال، اقرأ عاموس 5 واسأل نفسَكَ ما إذا كان هذا الأصحاح كلُّه نبوةً (رسالةً) أو وحدةً واحدة.
فإن كانت النبوةُ واحدةً، لماذا نرى فيها إذن كل تلك التغييرات في المواضيع: رثاء لدمار إسرائيل (الأعداد 1 – 3)، الدعوة لطلب وجه الله حتى لا يموتوا (الأعداد 5 – 6، 14)، هجومٌ على الظلم الاجتماعي (الأعداد 7 – 13)، التنبؤ بالألم والشقاء – وصف يوم الرب (الأعداد 18 – 20)، انتقاد للعبادةِ المنافقة (21 – 24)، ونظرةٌ موجزةٌ على تاريخ إثم إسرائيل الذي سيصلُ إلى قِمَّتِهِ بالتنبؤ بالسبي (25 – 27)؟ وإن لم تكنْ نبوةً واحدةً، كيف يمكن فهمُ أجزاءها؟ هل كل منها منفصلٌ عن الآخر؟
هل ينبغي ضمُّ بعضَها إلى بعضِه؟ وإذا كان الأمر كذلك، فبأيةِ طريقةٍ؟ وما الوسيلة؟
في واقع الأمر، يحتوي الأصحاح 5 من عاموس على ما اتُّفِقَ في تقسيمه إلى نبواتٍ ثلاث. فالأعداد 1 – 3 تمثل نبوة أو رسالةَ رثاء، وحدة واحدة تعلن الدينونة، والأعداد 4 – 17 تُشَكِّلُ نبوةً (وحدةً) واحدة (مع كونِها معقدةً) للدعوةِ إلى البركةِ والتحذيرِ من العقاب. إذن التغيير الطفيف في الموضوعاتِ لا يُعني بدايةَ نبوةٍ جديدةٍ في كل حالة. ومن جهةٍ أخرى، فإن تقسيماتِ الأصحاح لا تناظرُ كلَّ نبوةٍ (وحدةٍ) على حِدَه، وهنا يمكننا فصل أو عزل النبوات (الوحدات) من خلال الانتباه إلى أشكالِها المعروفة والمختلفة (انظر أدناه).
إن النبوات الثلاث جميعها في عاموس 5 قد قِيْلَتْ في أواخرِ عهد يربعام ملك إسرائيل (793 – 753 ق.م.) وقيلت إلى شعبٍ ظَنَّ أنَّ أمر هلاكِ الأمة مستبعدٌ بسبب الازدهارِ النسبي الذي كانت تتمتعُ به، وأن مجرد التفكير في عملية انتهاء وجود تلكَ الأمة خلالَ جيلٍ واحدٍ كان أمراً لا يخطرُ على البال. سيفيدكَ أثناء القراءة العودةُ إلى القواميس والتفاسير والمقدمات للكتابِ المقدس؛ لذلك لا تحاول إعاقةَ نفسك عبثاً بتحليل الأمور دونَ الرجوع إلى تلك المراجع.
أشكال الأقوال النبوية
ما أن عزل وفصل النبوات (الوحدات) أو الرسائل الفردية هو أحد مفاتيح فهم الأسفار النبوية، فمن المهن أن تعرف شيئاً عن الأشكال المختلفة التي استخدمها الأنبياء لصياغة نبواتهم. إن معرفة هذه الأشكال أو الأساليب مطلبٌ مُسْبَقٌ كي تتمكنَ من تحديد النبوات (الوحدات) تحديداً سليماً. وكما أن الكتاب المقدس كله مؤلفٌ من أنواعٍ مختلفةٍ من النصوص، هكذا أيضاً قام الأنبياء بتوظيف أشكالٍ أدبيةٍ متنوعةٍ في خدمةِ الرسائل الإلهية التي أوحى الله بها إليهم. يمكن لكتب التفاسير أن تبين وتشرح هذه الأشكال. ولقد قمنا بانتقاء ثلاثة من أكثر الأشكالِ شيوعاً لنساعدَ في تنبيهِكَ إلى أهمية إدراكِ الأساليب الأدبية المستخدمة وتفسيرها على نحوٍ سليم.
- المحاكمة: هنا نقترحُ عليكَ أولاً قراءةَ إشعياء 3: 13 – 26، فهذه الأعداد تتضمن صيغةً أدبيةً مجازيةً تُدعى “محاكمةُ العهد”، فهنا كما في الأعداد التي لا حصرَ لها من مجازات أدب المحاكمات في أسفارِ الأنبياء (مثل هوشع 2: 2 – 7؛ 4: 1 – 19 … إلخ)، يمكن أن تتخيل الله كالمُدَّعي أو المُدَّعي العام أو القاضي في محاكمة ضد إسرائيل التي تقف في قفص الاتهام. والصيغة الكاملة للمحاكمة عادةً ما تحتوي على استدعاءاتٍ واتهام ودليل وقرار بالحكم، رغم أن هذه العناصر قد تكون ضمنيةً أحياناً وليستْ صريحةً. في إشعياء 3 تتحد هذه العناصرُ على الشكل التالي: تجتمعُ هيئةُ المحكمة وتُقامُ الدعوى على إسرائيل (13، 14). تُتْلى لائحةُ الاتهام (14 ب – 16). وبما أن الأدلةَ تُثبتُ جُرمَ إسرائيل بوضوحٍ، يتم إعلان حكم الإدانة (17 – 26). وحيث أن العهد قد انتُهِكَ فستنزلُ بإسرائيل رجالاً ونساءً بعضُ العقوباتِ الواردةِ في العهد: الوبأ والعَوَز والحرمان والموت. وهنا نرى أن الأسلوب الرمزي لذلك المجاز كان طريقةً مثيرةً وفاعلةً في إبلاغ بني إسرائيل بأنهم سوف ينالون جزاءَ عصيانهم، وأن عقابهم سيكونُ شديداً. إن هذا الشكل الأدبي الخاص يساعدُ كثيراً في إيصال الرسالة.
- الويل: هناك شكلٌ أدبيٌ شائعٌ آخر هو “نبوة الويلات”. “الويل” كلمةٌ كان يصرخُ بها بنو إسرائيل القدامى عند حدوث الكارثة أو الموت، أو في أثناء نوحهم في الجنازات. فبواسطة الأنبياء يقوم الله بالتنبؤ بالهلاك الوشيك مستخدماً كلمة ويل، وما كان يمكنُ لأي إسرائيلي أن تفوته دلالة استخدام تلك الكلمة.
إن نبوات الويلات تحتوي، ضمنياً أو تصريحياً، على عناصر ثلاثة تُشَكِّلُ في مجملِها سمة هذا الأسلوب:
- إعلان عن ضيق (ككلمة ويل على سبيل المثال)
- سبب ذلك الضيق
- نبوة الهلاك
اقرأ حبقوق 2: 6 – 8 لترى إحدى المرات العديدة التي يذكر فيها هذا السفرُ النبوي رسالةَ ويلٍ ضد البابليين. لقد كانت مملكة بابل تلك الدولة الوحشية والقوة الاستعمارية العُظمى في الهلال الخصيب قديماً، وكانت تُعِدُّ الخططَ لمحاربةِ مملكة يهوذا وسحقها في أواخر القرن السابع قبل الميلاد، عندئذٍ تكلم حبقوق بكلام الله ضدهم.
وبعملية تصوير وتشخيص بابل كَلِصٍّ ومغتصِبٍ (السبب) تُعلنُ النبوةُ الويلَ، وتتنبأ بالكارثة (عندما يقوم على بابل كل الذين وقعوا في قبضتِها). هذه النبوة أيضاً مجازيةٌ (مع أنه ليست كل رسائل الويلات كذلك، انظر ميخا 2 – 1؛ صفنيا 2: 5 – 7).
- الوعد: على الرغم مما سبق، فهناكَ أيضاً أسلوبٌ أدبيٌ نبوي شائعٌ آخر هو رسالة الخلاص، أي الوعد. وستتمكن من تمييز هذا الأسلوب كلما صادفتك العناصر التالية:
- إشارةٌ إلى المستقبل
- ذِكرٌ لتغييرٍ جوهري
- وذكرٌ للبركة
تُعَدُّ الفقرة من عاموس 9: 11 – 15 نموذجاً رائعاً لرسالة الوعد، إذ هي تتضمنُ العناصرُ التالية: ذِكرٌ للمستقبل كما في ذلك اليوم (عدد 11)، والتغيير الجوهري الموصوف بإعادة بناء مظلة داوود الساقطة (عدد 11)، وترقية إسرائيل إلى مركزٍ أعلى من ذلك الي لأدوم (عدد 12)، والعودة من السبي (العددان 14، 15). أما البركة فتأتي بواسطة عناصر العهد المذكورة: الحياة، الصحة، الازدهار، الوفرة الزراعية، الإكرام، الإيمان. إن جميع هذه العناصر مشمولةٌ في عاموس 9: 11 – 15 مع أن الصحة متَضمَّنةٌ وليس مُصَرَّحٌ بها.
إن التشديد الرئيسي كان على الوفرة الزراعية. فالمحصول، على سبيل المثال، سيكون وفيراً بحيث لن يستطيع الحصادون إنهاء عملهم عندما يحين موعد الزراعة من جديد (عدد 13). ولمزيدٍ من الأمثلة على رسائل الوعد، اقرأ هوشع 2: 16 – 20؛ 2: 21 – 23؛ إشعياء 45: 1 – 7؛ إرميا 31: 1 – 9.
نأملُ ومن خلال هذه الأمثلة الموجزة أن تتمكنَ من تكوين فكرةٍ عن الكيفية التي يمكنكَ بها إدراك أشكال الأقوال النبوية بما قد يساعدك في استيعاب رسالة الله بدقةٍ أكثر. ويمكنك التعلم أكثر عن هذه الأساليب بالاستعانةِ بكتب التفسير الجيدة (انظر الملحق آخر الكتاب).
النبوات كأشعار
أما الشعر عند بني إسرائيل قديماً فقد كان وسيلةَ تَعَلُّمٍ واسعةَ الانتشار. فكثيرٌ من الأمور التي كان من المهم حفظُها كانت تُصاغُ في قالبٍ شعري. لقد وجدَ الإسرائيليون أن هذه الأمور التي تُكتَبُ شعراً عادةً ما تكون أسهل للحفظ والتذكر في عصر كانت فيه مهارات القراءةِ والكتابةِ قليلة، ولم تكنْ فيه المكتبات أو الملكية الخاصة للكتب معروفةً، ولقد تكلم الله كثيراً من خلال أنبيائه بواسطة الشعر. فقد كان الشعبُ معتاداً على الشعر، وبالتالي كان يمكنُه تذَكُّرُ النبوات التي كانت ترسِلُ رنينَها في الآذان.
حتى القصائد النثرية التي يستخدمها الأنبياء أحياناً كانت تحتوي على أسلوبٍ رسمي خاص يحملُ تلكَ الصفاتِ نفسَها، وإنْ أقلَّ تماسكاً وتناغماً. ولكون تلك القصائد النثرية ذات طابع أدبي منتظم ومميز أكثر من لغة الكلام المعتاد، فهي أيضاً سهلة الحفظ والتذكر. وعلى سبيل التبسيط، دعنا نتكلم عن هذا النوع من الأدب بإدراجِهِ تحت مصطلح الشعر.
وهنا، فمن المفيد أن تقرأَ مقدمةً للشِعْرِ العبري قبل قيامك بقراءة الأسفارِ النبوية، مثلاً قاموس الكتاب المقدس. وإن أردتَ نموذجاً للفوائدِ التي يمكنُ أن تجنيها من معرفة وظيفة الشعر العبري، فهناك ثلاثة ملامح من الأسلوبِ المتكرر لشعر العهد القديم:
- التوازي المترادف، يقوم الشطرُ الثاني بإعادةِ أو تعزيز ما جاء في الشطر الأول، كما في إشعياء 44: 22
“قد محوتُ كغيمٍ ذنوبَكَ وكسحابةٍ خطاياكَ”
- التوازي العكسي (الطِبَاق). وهنا يناقض الشطرُ الثاني الفكرةَ الواردةَ في الشطر الأول، كما في هوشع 7: 14.
” لا يصرخونَ إليَّ بقلوبِهِم حينما يولولون على مضاجِعهِم”
- أما التوازي التركيبي فيقومُ فيه الشطرُ الثاني بعمل زياداتٍ على ما جاء في الشطر الذي سبَقَهُ، بحيثُ يُضْفي على المعنى معلوماتٍ جديدةٍ، كما في عوبديا 21:
“ويصعدُ مخلَّصونَ على جبلِ صهيونَ
ليدينوا جبلَ عيسو
ويكونُ للرَّبِّ المُلكُ”
تحذير: النبي كمُتَنَبِئٍّ عن المستقبل
لقد أشرنا في مطلع هذا الفصل إلى أن المهمةَ الأساسيةَ للأنبياء لم تكنُ التنبؤ بالمستقبل البعيد. ومع أنهم قاموا حقاً بالتنبؤ بأحداثٍ مستقبلية، إلا أن ذلك المستقبل، وفي أغلبِ الأحوال، هو الآن في طي الماضي. أي أنهم قد تنبأوا بالدينونة القادمة أو الخلاصِ العتيد المتعَلِّق بمستقبل بني إسرائيل القريب نسبياً، وليس بمستقبلِنا نحنُ.
لذلك علينا الاحتراس لأنه إن كُنَّا نريدُ أن نرى نبواتِهم وقد تحقَّقتْ فعلاً، علينا العودة إلى الوراء، أي إلى الزمن الذي كان بالنسبةِ لهم مستقبلاً وقد صارَ الآن بالنسبةِ لنا ماضياً. غيرر أن هذا التفسير الحياتي يحتاجُ مِنَّا إلى توضيح.
وكمثالٍ على أن رسائل الأنبياء قد تَرَكَّزَتْ بالفعل على المستقبل القريب لا البعيد، نقترحُ عليكَ قراءةَ الأصحاحات 25 – 39 من سفر حزقيال. لاحظ بأن النبوات (الوحدات) المتنوعة المشمولة في هذا الجزء الكبير من السفر تتناول مصير الأمم الأخرى، مع أن أمة إسرائيل مشمولةٌ أيضاً فيها. وهنا تجدر ملاحظة أن الله يشير إلى مصير تلك الأمم، وأن تحقيق النبوات قد تم في خلال عقودٍ من وقتِ إعطائها، أي أن معظمها قد تحقق خلال القرن السادس قبل الميلاد. بالطبعِ هناك استثناءاتٌ خاصةٌ لذلك.
فلقد وصفَ حزقيال 37: 15 – 28 عصرَ العهدِ الجديد، والبركاتِ التي سيسكبها الله على الكنيسة بواسطة المَسِيَّا، مع أن معظم النبوات، بما فيها نبوات الأصحاحين 38 و39 كانت تتعلق بأزمنةِ وأحداثِ العهد القديم (راجع كتب تفاسير حول هذه الأصحاحات).
إن حماسَكَ الشديد لرؤية أحداث العهد الجديد في نبوات العهد القديم قد يؤدي بكَ إلى نتائج غريبة. فمثلاً، ما وردَ في إشعياء 49: 23 “بالوجوهِ إلى الأرضِ يسجدونَ لكَ” قد بدا فعلاً شبيهاً بما قد فعلَهُ المجوسُ الذين زاروا الطفلَ يسوع (مت 2: 1 – 11)، إلى حدٍّ جعلَ الكثيرين يفترضون أن كلماتِ إشعياء كانت عن المَسِيَّا.
لكن مثل هذا التفسير للأسفِ مخفقٌ لتجاهلِه القرينة (فقد تم ذِكرُ ملوكٍ وملكاتٍ، وموضوعُ هذا المقطع هو عودةُ إسرائيل بعد السبي البابلي)، ولتجاهلِه القصدَ (إن لغةّ هذه النبوةِ – الوحدة – تهدفُ لإظهارِ عظمة إسرائيل عندما يَرُدُّها الله)، وتجاهلِه الأسلوب (لأن الشعرَ يرمزُ إلى احترام الأمم من خلال تصوير حكامِه كحاضنين لإسرائيل، يلمسون غبارَ رِجْلَيّ الأُمَّة)، وتجاهلِه للألفاظ (فقد كان المجوسُ حكماءَ أو علماءَ فَلَك، وليسوا ملوكاً).
إذاً علينا الحذرُ من جعل النبوات، أو أي جزءٍ من أجزاءِ الكتابِ المقدس، تقول ما نريدُ نحنُ منها أن تقولُهُ. وعلينا بالأولى أن نُصغي لما يريد الله فعلاً قولَهُ.
وهنا نُنَوِّهُ إلى أن بعض النبوات المتعلقة بالمستقبل القريب قد صِيْغَتْ في إطارِ خلفيةِ المستقبل العظيمِ الذي يتعلق بالأيامِ الأخيرة، وأحياناً قد تبدو هذه النبوات ملائمةً لذلكَ المستقبل. بالطبعِ سنتحدثُ عن هذا الموضوع ثانيةً، لكن في الفصل 13 من هذا الكتاب. أما الآن، فدعنا ندركُ أن السببَ في ذلكَ يعودُ إلى تصوير الكتاب المقدس لله وهو يعملُ في التاريخِ الزمني في ضوءِ خُطَّتِهِ الشاملة لكامل التاريخ الإنساني.
وعليه، ينبغي أخذُ الوقت الزمني في ضوء الوقتِ الأبدي. وقد يبدو الأمرُ كَمَنْ ينظرُ إلى قِصَّتين، الأصغرُ منهما أمام الأكبر، فيعطي في البدايةِ نظرةً من الأمام، ثم، ومن منظورِ التاريخِ اللاحقِ، ينظرُ إليهما من أحدِ الجوانبِ فيرى المسافةَ الزمنيةَ التي تفصلُ بينهما.
المنظورُ النبوي للأحداثِ المتعاقبة
نطرةٌ مستقيمةٌ من الأمام – نظرةٌ جانبية
هناكَ إذن في أسفارِ الأنبياء بعضُ الأمورِ التي قد تَخُصُّ الأحداثَ الأخيرةَ للدهر (انظر يؤ 3: 1 – 3؛ صف 3: 8 – 9؛ زك 14: 9). غير أن العقوباتِ الزمنية التي كثيراً ما تَرِدُ عادةً مقترنةً مع تلكَ الأحداثِ الأخيرة لا ينبغي أن نَزُّجَ بها في المستقبل.
أيضاً يجدرُ بنا الإشارةُ إلى نقطةٍ أُخرى، وهي أن اللغةَ المتعلقة بالأُخْرَوِيَّات كثيراً ما تكونُ مجازيةً في طبيعتِها. وقد تُعَبِّرُ هذه المجازاتُ أحياناً عن لغةِ أحداثِ الأيامِ الأخيرة بواسطةِ الشِّعْر، لكنها لا تهدفُ بالضرورةِ إلى التنبؤ عن تلكَ الأحداثِ فِعْلياً. يمكنُكَ أن تجدَ مثالاً على ذلك في حزقيال 37: 1 – 14.
فمثلاً باستخدام كلمة “قيامةُ الموتى” يمكننا أن نعرفَ أن هذا سيحدثُ في نهايةِ الدهر. أما أن يستخدم الله حزقيال للتنبؤ بعودة الشعب من السبي في بابل في القرن السادس قبل الميلاد (الأعداد 12 – 14) فإن حادثةً مثل هذه تُعَدُّ ماضياً بالنسبةِ لنا (كما هي موصوفةٌ في عزرا 1 – 2) يتم التنبؤ بها مجازاً بلغةٍ أُخْرَوِيَّة – أي الكلمات التي نقصدُ بها أواخر الأيام – كما لو أنها كانت حادثةً من أحداثِ وقتِ النهاية.
تنبيه: مدلولاتُ النبوة ومدلولاتُها الثانية
ستجدُ في مواضعٍ كثيرةٍ في العهد الجديد إشاراتٍ إلى مقاطع العهد القديم قد لا تبدو بأنها تشيرُ إلى ما يقولُه العهد الجديد عنها، أي أن هذه المقاطع قد تبدو ذاتَ معنىً واضحٍ ووثيقٍ بمحيطِها الأصلي في العهد القديم، ومع ذلك فهي قد تُسْتَخْدَمُ مرتبطةً بمعنىً مختلفٍ من قِبَلِ أحد كُتَّابِ العهد الجديد.
كمثالٍ على ذلك، تَأّمَّلْ في قِصَّتَيّ إعطاء موسى وبني إسرائيل الماءَ مُعْجِزِيَّاً من صخورِ البرية، مَرَّةً في رفيديم (خر 17: 1 – 7) وأخرى في قادِش (عد 20: 1 – 13). تبدو هاتانِ القصتان في قرينتيهما الأصليتين بسيطتين وفي غايةِ الوضوح. لكنَّ بولس الرسول في 1 كورنثوس 10: 4 يُشَبِّهُ اختبارَ بني إسرائيل باعتبارِهِ لقاء مع المسيح، إذ يقول “لأنهم كانوا يشربون من صخرةٍ روحيةٍ تابَعَتْهُم، والصخرةُ كانت المسيح”.
لكن العهد القديم، وفي كِلْتا القصتين، لم يُشِرْ إلى الصخرةِ إلا لكونِها مجرد صخرةٍ عادية. لقد أعطى بولس الرسول الصخرةَ مدلولاً ثانياً مُعَرِّفَاً إياها بأنها السيد المسيح. إن مثل هذا المدلول الثاني يُسَمَّى بالمعنى الأكمل.
فلو فَكَّرْنا بعمقٍ لوجدنا أن بولس الرسول قد رسمَ لنا تشبيهاً، وكأنه يقول: في الواقع إن الصخرةَ بالنسبةِ لهم كان كالمسيحِ لنا – كما أنها مصدر عونٍ لهم كذلك وبالطريقةِ نفسِها الأمورُ الروحيةُ هي مصدرُ عونٍ لنا. وهنا نجد أن لغة المجاز قد طَغَتْ على ما يقوله بولس الرسول في الأعداد 2 – 4.. لقد أرادَ لقُرَّائه أن يفهموا أن اختبار الإسرائيليين في البرية هي بمثابةِ استعارةٍ يمكن أن يشبه بها اختبارَهم الخاص بالمسيح، وخاصةً حول عشاء الرب.
من المُرَجَّحِ أننا نحنُ كقُرَّاء معاصرين لن نتمكنَ بأنفسِنا من ملاحظة كل التشبيه الذي وصفه بولس.
فلو من يقُمْ بولس الرسول بكتابةِ تلك الكلمات، هل كان بمقدورِنا أن نُفَسِّرَ معنى السحابةِ والبحرِ بالمعمودية (عدد 2)؟ أو المسيح بالصخرة (عدد 4)؟ وبكلماتٍ أخرى، هل كان باستطاعتِنا وحدنا أن نحدد بيقين ذلك المعنى الأكمل أو المدلول الثاني؟ والجواب هو: كَلَّا، فلقد أَوْحَى الروحُ القدس إلى بولس بأن يقومَ بهذا الربطِ التشبيهي بين تجربة بني إسرائيل في البرية والحياة في المسيح دون اتِّبَاع القواعد العامة للقرينة والنِيَّة والأسلوب والألفاظ (راجع أعلاه عنوان: النبي كُمُتَنَبِّئٍ عن المستقبل).
لقد قاد الروح القدس بولسَ الرسول لوصف حقيقة نوال الإسرائيليين للماء من الصخر أكثر من مَرَّةٍ وذلك بلغةٍ رمزيةٍ غير معتادة، حيث قال أن صخرةً روحيةً تابعتهم. كذلك يوجد الكثير من التفاصيل الأخرى المتعلقة باللغة التي يصف بها بولس الرسول أموراً في 1 كورنثوس 10: 1 – 4، وهي تُعتبرُ غيرَ معتادةٍ إلى حَدٍّ كبير (مثلاً عندما قال: أباءنا جميعهم (عدد 11) أو طعاماً وشراباً روحيين (عدد 3، 4).
وهنا نقولُ: ولأننا بطبيعة الحال لسنا كُتَّاباً أُوْحِيَ لنا بكتابة الكتاب المقدس، فمن غير المسموحِ لنا بأن نعملَ ما قد عملَه بولس الرسول. فالروح القدس نفسه الذي أوحى لأحد كُتَّاب العهد القديم أن يكتبَ مجموعةً معينةً من الكلمات أو مقطعاً ما، قادرٌ على أن يوحي
| لأننا بطبيعةِ الحال لسنا كُتَّاباً أُوْحِيَ لنا بكتابةِ الكتاب المقدس، فمن غير المسموح لنا أن نعمل ما قد عملَهُ بولس الرسول |
لكاتبٍ من كُتَّابِ العهد الجديد أن يتجاوز الاعتبارات المعتادة للقرينة والقصد والأسلوب والألفاظ وأن يعلنَ وجود معنىً أكمل لمقطع العهد القديم. أما نحنُ فلسنا ممن أُوحي لهم. ما لم يُضِف العهد الجديد معنىً أشمل على مقطعٍ ما أو مجموعةٍ من الكلمات، فلا ينبغي لنا أن نفسرَ تلك المقاطع من العهد القديم هكذا وببساطةٍ بناءً على سُلْطَتِنا الخاصة.
أن وسائل دراسة الكتاب المقدس ككتب التفسير والموسوعات والقواميس الكتابية والكتب المقدسة ذات الشواهد الكتابية – كل هذه تميلُ إلى تحديد المقاطع النبوية في العهد القديم التي لها مدلولٌ ثانٍ في العهد الجديد. وإليكَ بعض المواضيع الشهيرة التي يُضفي عليها العهدُ الجديدُ مدلولاً ثانياً: متى 1: 22 – 23 (إش 7: 14)، متى 2: 15 (هو 11: 1)، متى 2: 17 – 18 (إر 31: 15)، يوحنا 12: 15 (زك 9: 9).
سنكتفي الآن بعرض أحد تلك المقاطع النبوية لتوضيح ظاهرة المدلول الثاني: متى 2: 15، نقرأ في هوشع 11: 1 ما يلي:
” لَمَّا كان إسرائيلُ غلاماً أحببتُهُ، ومن مِصرَ دعوتُ ابني”
إن القرينةَ في هوشع هي إنقاذ بني إسرائيل من مصر بواسطةِ الخروج. والقصد هو إظهار كيف أن محبة الله لشعب إسرائيل هي مثل محبة الابن. والأسلوبُ كان أسلوباً ترادُفي، كالشعر المتوازي، بحيثُ يكون “ابني” مرتبطاً مع أُمَّة إسرائيل. والألفاظ كانت مجازيةً، فقد صَوَّرَتْ إسرائيل بلا شكٍ كابنٍ. أما الأُقْنومُ الثاني في الثالوث، أي المسيح، فلا إشارةٌ له بالمعنى الواضح المباشر لهذه الآية. ولم تكن الآية 2: 15 في مَتّى البشير موجودةً في الكتاب المقدس، لما خطرُ في بالِنا على الإطلاق اعتبار آية هوشع نبوةً عن يسوع الناصري.
لكن كان لمَتَّى امتيازٌ لا نملكه نحن، فلقد حَظِيَ بوحيٍ ذي سُلْطان من الروحِ نفسه الذي أَوْحَى لهوشع بكتابة الآية 11: 1، ولقد قامَ الروحُ نفسه بقيادةِ مَتَّى إلى إعادة استخدام كلمات هوشع بقرينةٍ وقصدٍ وأسلوبٍ وألفاظٍ مختلفةٍ وإلى ربطِها مع كلماتٍ أخرى تختصُ بالمَسِيَّا. لقد قام الروح القدس بغرسِ تلك الكلمات في سفر هوشع استعداداً لإعادة استخدامِها بشأنِ الأحداثِ المختصة بحياة يسوع المسيح.
والبشير مَتَّى لم يقُمْ باستخدام تلك الكلمات عن يسوع قياسياً على أساس مبدأ أو عملية التفسير والتفسير الاستنتاجي، لكنه استعارَ تلك الكلمات من قرينتها الأصلية وأعطاها مدلولاً جديداً كاملاً وهو صاحبُ سُلْطَةٍ بعملِ ذلك. أما نحنُ فلا يَسَعْنا إلَّا قراءة وقبول ما قام به.
فائدة التشديد الثنائي على المُعْتَقَدِ القويم والتطبيق العملي القويم:
الأرثوذكسية تُعني: المُعتقد القويم. والأرثوبراكسية تُعني: التطبيق القويم. فلقد قامَ الله من خلال الأنبياء بدعوةِ شعب إسرائيل ويهوذا القديم للموازنةِ ما بين المعتقد القويم والتطبيق القويم. وهذا الأمرُ بالطبعِ ظلَّ المبدأ الذي يُطالِب به العهد الجديد أيضاً (انظر يع 1: 27؛ 2: 18؛ أف 2: 8 – 10).
والذي أرادَهُ الله من إسرائيل ويهوذا هو بصورةٍ عامةٍ ما كان يريدُه مِنَّا. لقد ظل الأنبياء بمثابةِ مُذَكِّرين دائمين لنا بعزم الله على تطبيقِ عهدِهِ. فلأولئكَ الذين يطيعون شَرْطَي العهد الجديد (محبة الله ومحبة القريب)، فإن النتيجة الأخيرة هي البركة على الرغم من عدم ضمان كون تلك النتائج في هذه الحياة مُشَجِّعَةً جداً. أما لمن لا يطيعون، فالنتيجةُ لن تكونَ سوى لعنة، بصرف النظر عن مدى تَنُعُّم الإنسان أثناء حياتِه على الأرض، وما زال تحذيرُ ملاخي سارياً (ملا 4: 6).
خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 10 – الأنبياء – تطبيق العهد في إسرائيل
نظرة شاملة لكتب العهد القديم
نظرة شاملة لكتب العهد القديم
نظرة شاملة لكتب العهد القديم [3]
هل مازال العهد القديم مناسبًا لعصرنا؟
يعتقد البعض أنه طالما أن العهد القديم كتاب قديم، لم تعد له قيمة في عصر الطاقة النوويَّة واكتشافات كوكب المريخ. ويبدو أنه بإطلاق اسم “العهد القديم” اعتبر العديد من المسيحيين أن لديهم ما هو أفضل. ولكن هناك أسباب عديدة لأهميَّة العهد القديم.
- بالرغم من أن العهد القديم لا يتحدث عن المواضيع المعاصرة بشكل محدد، فإن الأمور الأساسيَّة المتعلقة بالطبيعة البشريَّة ما زالت كما هي. يعالج العهد القديم صراع الخير والشر، وسوء استعمال السلطة، وتوقنا إلى الأمان في عالم أفضل، وصراعنا مع الشك والألم، وبحثنا عن هدف ومعنى لوجودنا.
- إن إهمال العهد القديم يعني عدم تقديرنا لوصايا وشرائع سامية مثل الوصايا العشر التي أعطاها الله تعالى للعالم، وكانت أساسًا في تكوين العديد من الأنظمة القانونيَّة في العالم.
- يعتبر الكتاب المقدس دراما من فصلين. الفصل الأول هو العهد القديم والفصل الثاني هو العهد الجديد. وبالرغم من أن الفصل الثاني يقدم ذروة الأحداث، إلا أنه يتعذر فهم الدراما بشكل صحيح وجيد بدون معرفة الفصل الأول منها.
- العهد الجديد لا يُهمل العهد القديم بل يبني على أساسه. فمثلاً، لا يكرر العهد الجديد ما جاء في العهد القديم عن اهتمام الله بالعدالة وحمايته للفقير والضعيف لأن ذلك ورد سابقًا، ولا ضرورة لتكراره.
- في العديد من اختبارات الناس نجد أن العهد القديم يتكلم إليهم بشكل فعّال ومؤثر. فمثلاً، يمنح كتاب المزامير التعزية والتشجيع، وتقدّم كتب الحكمة أفكارًا عمليَّة لحياتنا. وبينما يقرأ الناس العهد القديم ويعرفون الله الذي يتدخل في التاريخ، فإن ثقتهم تزداد إذ يؤمنون أن الله يتدخل أيضًا في الحياة الشخصيَّة.
كيف تجد طريقك في مكتبة العهد القديم؟
مما لا شك فيه أن كتاب العهد القديم هو كتاب كبير الحجم، ولنفرض أنك ترى كتاب العهد القديم للمرة الأولى في حياتك، ورغبت بقراءته، فكأي كتاب آخر، من المتوقع أن تقرأه من بدايته.
إذا فعلت ذلك، فإنك ستجد متعة بذلك، ولكن إلى وقت قصير! بعد قراءتك لمجموعة من الأحداث الممتعة والقصص المشوقة، فإنك ستفاجئ حين ترى القوانين والشرائع الغريبة، والأعياد غير المألوفة، فلا بدَّ أن تصاب الإحباط. بالطبع لكل نسخة من الكتاب المقدس قائمة محتويات تساعدك على إيجاد الكتاب الذي تود قراءته، وبعض الترجمات العربيَّة الحديثة تتضمن أيضًا مقدمات عامة ومخطط لكل كتاب وعناوين للفقرات.
يعتبر كتاب العهد القديم مكتبة تضم 39 كتابًا وقد قسمته التقاليد اليهوديَّة إلى ثلاثة أقسام:
- التوراة. وتضم الكتب الخمسة الأولى.
- الأنبياء. ويضم هذا القسم إضافة إلى الأنبياء مثل إشعياء وغيره، الكتب التاريخيَّة مثل كتاب يشوع وأخبار الأيام، ومرد ذلك إلى أن اليهود اعتبروا أن الله يعمل ويتكلم في التاريخ كما يعمل ويتكلم في الأنبياء.
- الكتابات. وتضم الكتب الأخرى مثل المزامير وأيوب وراعوث وإستير.
عندما ترجمت كتب العهد القديم من العبريَّة إلى اليونانيَّة، ليتمكن من قراءته أولئك الذين لا يعرفون العبريَّة، فإن ترتيب الكتب قد تغير بعض الشيء، وقد حافظت التقاليد المسيحيَّة على الترتيب التالي:
- كتب الشريعة.
- الكتب التاريخيَّة.
- الكتب الحكمَّة والشعريَّة.
- الكتب النبويَّة.
قصة عن الله وشعبه
يحتوي العهد القديم على الكثير من القصص، ولكن كل هذه القصص تشكّل معًا قصة كبيرة عي قصة الله الذي يدعو سعبًا ليعرفه ويحبه، بهدف أن يتعلم كل العالم معرفته ومحبته. قبل الدخول في تفاصيل هذه القصَّة الكبيرة، من المستحسن أن نأخذ فكرة عامة عنها.
كان يا ما كان في قديم الزمان… كان هناك رجلاً يدعى أبرام (إبراهيم) عاش بين نهري دجلة والفرات في منطقة العراق حاليًّا. طلب الله تعالى من إبراهيم أن يذهب إلى أرض بعيدة هي أرض كنعان التي تبعد حوالي 400 ميلاً عن مدينة أور التي كان يقطنها. قصد إبراهيم كنعان ولكن بعد فترة من الزمن، حلت مجاعة شديدة بأرض كنعان، فاضطر وعائلته اللجوء إلى مصر. وفي مصر ازداد عدد عائلته وعملوا عبيدًا لفراعنة مصر، ولكن الله لم ينسهم قط، فقد دعا رجلاً اسمه موسى لينقذ الشعب من العبوديَّة القاسية.
وحدثت معجزة الخروج، واستطاع الشعب التمتع بالحريَّة أخيرًا. وخلال 40 عامًا في بريَّة سيناء أعطى الله للشعب الشريعة بتحكم حياتهم. بعد وفاة موسى استلم يشوع زمام القيادة، وقاد الشعب إلى أرض كنعان. وبسبب الهجمات المتكررة من الشعوب المجاورة أراد الشعب تنصيب ملكًا عليهم. فملك شاول ثم داود ثم سليمان، عُرف داود بالملك الذي استطاع تأمين الأمان لشعبه، وعُرف سليمان بالملك الذي بنى الهيكل. بعد ملك سليمان انقسمت المملكة إلى قسمين، مملكة شماليَّة عاصمتها السامرة، وجنوبيَّة عاصمتها أورشليم.
دامت المملكة الشماليَّة حوالي 200 عامًا إلى أن سقطت على أيدي الآشوريين وتمَّ سبي معظم سكانها. أما المملكة الجنوبيَّة فاستمرت حوالي 135 عامًا بعد سقوط الشماليَّة إلى أن سقطت على يد نبوخذ نصر البابلي، الذي دمَّر أورشليم، وسبى معظم السكان إلى بابل. لقد كان السبي ضربة قاسية لشعب آمن أن الله يمنحه الحماية والأمان. لماذا سمح الله بذلك؟
خلال فترة المملكتين أرسل الله النبي تلو الآخر ليعلنوا للناس إرادته ليحيوها وليعملوا بها. لقد حذر الأنبياء أن عقاب الله آتٍ لا محالة، إذا استمر الشعب في عصيانه، وأعلن الأنبياء أن بركات الله متوافرة ما دام الشعب يعلن الولاء والطاعة لله. ولكن في معظم الأحيان لم يكترث الملوك ولا الشعب بما حذر وأعلن الأنبياء. وهكذا كانت كارثة السبي! ولكن الله لم ينس شعبه. ففي بابل استطاع بعض المسبيين المحافظة على إيمانهم، وبعد حوالي 50 عامًا سقطت بابل نفسها أمام جيوش الملك كورش الفارسي، الذي سمح بعودة المسبيين إلى أرضهم.
وبالرغم من المشاكل الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة فقد تمت إعادة بناء الهيكل. وفي عهد نحميا بنيت أسوار أورشليم، وفي عهد عزرا كتبت الشريعة واستحوذت على اهتمام الناس.
ليس العهد القديم قصة شعب واحد فقط، بل هو قصة تعاملات الله التي فيها يعلن تعالى عن نفسه، ويتدخل في تاريخ البشريَّة جمعاء. والآن هيا لنبدأ تفاصيل قصتنا الكبيرة.
الأساسات
ليس الكتب الخمسة الأولى، التي يُطلق عليها اسم التوراة أو أسفار الشريعة، مجرد تشريعات وقوانين. فالكلمة العبريَّة “توراة” تفيد معنى التوجيه والإرشاد، إضافة إلى معنى التشريع. إذن هذه الكتب الخمسة تقدم توجيهًا وإرشادًا من خلال القصص ومن خلال الوصايا.
يمكننا أن نقسم كتاب التكوين إلى قسمين: يتألف القسم الأول من الفصول 1-11. في هذا القسم نجد قصة خلق العالم، ونرى كيف يتمرد الإنسان على إرادة الله. ويتألف القسم الثاني من الفصول 12-50. يبادر الله في هذا القسم إلى البدء بخلق بداية جديدة للبشريَّة، وذلك من خلال دعوة إبراهيم، تلك الدعوة التي هدفت أن تشمل كل البشريَّة. وهنا نجد القصص الشيقة التي قراءتها وسماعها تحبس أنفاس الصغار والكبار. هل من الممكن أن تحمل سارة وهي في شيخوختها؟ نعم، فالله وعد وهو سيفي بوعده بأن يكثر نسل إبراهيم.
ونقرأ أيضًا القصص الممتعة عن اسحق ويعقوب ويوسف، والقصَّة الأخيرة غاية في الروعة إذ تخبرنا كيف أن يوسف بسبب غيرة إخوته منه، بيع كعبد إلى مصر، وهناك استطاع بمعونة الله ومواهبه أن يصبح وزير الموارد الغذائيَّة في البلاط المصري. وتحدث مجاعة في أرض كنعان تُجبر عائلة يعقوب، والد يوسف، على النزوح من أرض فلسطين إلى مصر حيث يهتم يوسف بهم وتتم المصالحة بينه وبين أخوته الذين حسدوه وقرروا التخلص منه.
يركز كتاب الخروج على دور موسى كمحرر للشعب، وكمعطي للشريعة. بازدياد عدد الإسرائيليين في مصر، تبدأ مخاوف فرعون فيستعبدهم ويضطهدهم. وهنا يظهر دور موسى في إنقاذ شعبه من هذه العبوديَّة القاسية. إن لب كتاب الخروج هو الفصلان 19 و20، ففي الفصل 20 يمنح الرب بواسطة موسى الوصايا العشر للشعب، ولكن في الفصل 19 فإنه يذكرهم بما فعل لهم بإنقاذهم من عبوديَّة المصريين. ويتحدث الله عن عهد أو اتفاقيَّة يقيمها بينه وبين الشعب.
وبكلمات أخرى، الله يبادر بالعمل فيحرر، وينقذ شعبه ليكونوا على علاقة معه ومن ثمَّ يقدم الشرائع والوصايا، وذلك للحفاظ على علاقة صحيَّة وحميمة بينه وبينهم. في العهد القديم كما في العهد الجديد نجد الله هو المبادر في إعلان محبته للبشريَّة، وبعد هذا الإعلان ونشوء العلاقة معه فإنه يدعونا لحياة الطاعة.
من مصادفات الأمور أنني أكتب هذه الكلمات يوم الأحد بعد الظهر، وفي الصباح حضرت خدمة العبادة في إحدى الكنائس وقد حزنت حقًا إذ سمعت الراعي يقول في عظته ما معناه أنه في العهد القديم كان الأساس: افعل فتحيا أي اعمل الأعمال، أطع الوصايا، لتكون لك علاقة مع الله، ولكن في العهد الجديد – يتابع الراعي – الأمر انعكس تمامًا فالأساس الآن هو: احيا وافعل. لقد غاب عن ذهن أخي الراعي أن العلاقة مع الله في العهدين القديم والجديد لم تتغير، فأساسها هو مبادرة الله السبّاقة ومن ثمَّ طاعتنا لوصاياه.
يتألف كتاب اللاويين من العديد من التشريعات المتعلقة بالعبادة والمناسبات الدينيَّة المختلفة. ويهدف إلى دعوة الشعب لحياة القداسة أي الحياة المكرسة والمفرزة لله.
أما كتاب العدد فاسمه مأخوذ من إحصاء للشعب الذي نقرأ عنه في الفصل الأول منه، أما عنوان الكتاب في الأصل العبري فترجمته “في البريَّة” أي في بريَّة سيناء، وهذا العنوان يصف مضمون الكتاب بشكل أفضل، إذ يخبرنا عن رحلة الإسرائيليين إلى أرض كنعان، وعن صعوبات تلك الرحلة، وعن اهتمام الرب بتأمين احتياجاتهم خلالها. إن رحلة الإيمان ليست بالرحلة السهلة، ولكننا فيها نتعلم العديد من الدروس المفيدة لحياتنا، والأهم من كل هذا هو أن الله يرافقنا في هذه الرحلة.
يقدم لنا كتاب التثنية النبي موسى مخاطبًا الشعب على مشارف أرض كنعان، فيذكرهم بما فعل لأجلهم، وكيف اعتنى بهم وأيَّة استجابة يتوقعها منهم. إن إله كتاب التثنية هو إله التاريخ، الذي حرر شعبه من العبودية، وبالمقابل على الشعب أن يتذكروا ما فعل الله لأجلهم، ويتجاوبوا بمحبتهم له. هذه الذكرى وهذه المحبة ينبغي أن يتجليا بحياة العبادة والطاعة لإرادة الله.
يضع موسى أمام الشعب هذين الخيارين: “انظر قد جعلت اليوم قدامك الحياة والخير والموت والشر بما أني أوصيتك اليوم أن تحب الرب إلهك وتسلك في طرقه وتحفظ وصاياه وفرائضه وأحكامه لكي تحيا وتنمو ويباركك الرب إلهك في الأرض التي أنت داخل إليها لكي تمتلكها. فإن انصرف قلبك ولم تسمع بل غويت وسجدت لآلهة أخرى وعبدتها فإني أنبئكم اليوم أنكم لا محالة تهلطون لا تطيل الأيام على الأرض التي أنت عابر الأردن لكي تدخلها وتمتلكها” (تثنية 15:30-18).
الله في التاريخ
إذا طُلب إليك أن تخبر قصة حياتك، فإنك تستطيع فعل ذلك بطرق مختلفة. قد تفضل التحدث عن أيام المدرسة، أو عن إنجازاتك الرياضيَّة، أو عن حياتك العائليَّة. ولكن مهما تقل فإنك تختار عناصر معيَّنة توليها اهتمامك وتركيزك أكثر من غيرها. ولكل قصة هناك زاوية معيَّنة تُروى من خلالها. فمثلاً، قصتي عن قصاصي لأني غششت في الامتحان، تختلف عن القصَّة التي يرويها أستاذي. على المنوال نفسه، فقد اختار الإسرائيليون أن يركزوا في قصتهم على عمل الله الذي تجلَّى في حادثة خروجهم من مصر وتحريرهم من العبوديَّة.
بالطبع لو طلبت من مؤرخي فرعون آنذاك أن يرووا القصَّة لك فإنهم سيفعلون ذلك من زاوية مختلفة، ولكن المؤرخ المصري وكاتب كتاب الخروج كلاهما يوافقان على حدوث الحادثة، ولكن الأخير يرى فيها حضور الله.
قام المؤرخون العبرانيون بكتابة سجل تاريخي لأمتهم غطَّى الحقبة الزمنيَّة الممتدة من دخول الشعب بقيادة يشوع إلى أرض كنعان إلى السبي البابلي الذي حدث بعد ذلك بحوالي 600 عامًا. هذا السجل التاريخي مدون في كتب يشوع والقضاة وصموئيل الأول والثاني والملوك الأول والثاني. في هذه الكتب يُنظر إلى الأحداث من وجهة نظر معيَّنة.
نستطيع أن نُطلق تعبير “التاريخ اللاهوتي” على هذا السجل. لقد رأى هؤلاء المؤرخون أن الله يعمل في التاريخ، وأوضحوا كيف أن ازدهار الأمة، أو انحطاطها كان نتيجة لطاعة أو لعصيان الحكام والشعب.
يخبرنا كتاب يشوع عن كيفيَّة بدء الإسرائيليين بتثبيت أقدامهم في أرض كنعان. إن كلمات الله ليشوع وهو على أهبة البدء بمهمته تصلح كتشجيع لكل من يقوم بمهمة لله: “أما أمرتك تشدد وتشجع. لا ترهب ولا ترتعب لأن الرب إلهك معك حيثما تذهب” (يشوع 9:1).
أما كتاب القضاة فيرينا تهاون الشعب في إعلان ولائهم لله، وما نتج عن ذلك من متاعب وصعوبات، إذ عانوا من هجمات متتالية من قبل الشعوب المجاورة. ويسجل هذا الكتاب كيف أن الله أقام قادة لقبوا بالقضاة لقيادة الشعب ولمساعدته في التغلب على أعدائه. من أهم هؤلاء القضاة دبورة (4:4-16) وجدعون (1:6-28:8) وشمشون (1:13-31:16).
يرتبط اسم صموئيل، الذي كان مخضرمًا لقترتي القضاة والملكيَّة في إسرائيل، بكتابين اثنين هما صموئيل الأول والثاني. هذان الكتابان يسجلان قصة أول ملكين في إسرائيل: شاول وداود. بسبب الخوف من الفلسطينيين طلب الشعب من صموئيل أن يعين لهم ملكًا كسائر الأمم (1 صموئيل 1:8-22)، رأى صموئيل في هذا الأمر إخفاقًا في وضع الثقة بالله الملك العظيم، فطلب الشعب بأن يكون “كسائر الأمم” هو منافٍ لدعوة الله لهم ليكونوا شعبًا مميّزًا له قيمه التي وضعها الله تعالى.
ولكن لله طرقه الخاصة في تحويل أخطاء البشر ليحقق بواسطتها مقاصده. لقد أعطاهم شاول ومن ثم داود وسليمان ليملكوا عليهم، وقد تعلم الشعب من خلال التجارب الصعبة أنَّ الملوك يأتون بالمنافع، ولكن لا يخلو ذلك من “وجع الرأس”. فخلال عهد الملكيَّة عانى الشعب من أنظمة الضرائب والتسخير وما شابه، ولكنهم تعلموا أيضًا أن لله خطة خاصة جدًا لنسل داود، فمن نسله سيأتي المسيَّا – المسيح المنتظر الذي سيأتي بالسلام والحريَّة لكل البشريَّة.
إن رغبة إسرَإيل بأن يحكمها ملك هي إخفاق لإيمانها من ناحية، ولكن الله استخدم ذلك الإخفاق كوسيلة يُظهر بواسطتها محبته للبشريَّة جمعاء. وفي ذلك درس هام لنا، فالله ليس بعيدًا عنا بل قريب منا ليعرف احتياجاتنا. لقد منحنا حريَّة الاختيار لنختار إطاعته أو عصيانه، ولكن لا شيء يستطيع أن يقهر الله ولا حتى عصيان الإنسان! فالله بسيادته وسلطانه يستطيع أن يجد وسيلة لإعلان خطة محبته للعالم.
يتابع كتابا الملوك الأول والثاني قصة ملْك سليمان وبناء الهيكل، ويختتمان بذكر ما حدث نتيجة غزو نبوخذ نصر لأورشليم. من الملاحظ أن في هذين الكتابين قلما نجد الله يتدخل بطرق عجائبيَّة. وفي كل هذه الفترة فإن الأمة كانت تختبر الحقيقة المعلنة في تثنية 15:30-18: البركة تتبع الطاعة والعقاب يتبع العصيان.
نقرأ في هذين الكتابين أيضًا عن صراع الشعب بين عبادة الله وآلهة الكنعانيين. إنها قصة الشعب الذي فقد الرؤيا بأنه شعب الله، وأخفق أن يُري الأمم المجاورة ما هي مشيئة الله لهم. ولم يستطع الملكان الأمينان حزقيا ويوشيا تأخير دينونة الله التي ظهرت بسقوط مملكة يهوذا عام 587 ق.م. لقد هزت هذه الحادثة إيمان الشعب هزًا عنيفًا، ولكن حتى في ذلك كان هناك بريق من الأمل.
يكمل كتابا أخبار الأيام الأول والثاني قصة كتب صموئيل والملوك لأناس في فترة زمنيَّة لاحقة، هي فترة بعد العودة من السبي. وفي هذين الكتابين نجد العديد من الدروس التي على الإسرائيليين أن يتعلموها من التاريخ. يتابع عزرا ونحميا القصَّة في نفس الفترة (بعد العودة من السبي) ويخبران عن العودة وعن بناء الهيكل.
يصف نحميا مشروع بناء أسوار أورشليم، ويعيد وعزرا الشريعة إلى مركز حياة الأمة. يتناول هذان الكتابان مسألة كيفيَّة تعامل شعب الله مع الشعوب المجاورة التي لا تشاركه إيمانه. ويظهران كيف أن الله يستطيع استعمال القوى الغريبة والأجنبيَّة ليحقق الأمان لشعبه، وهذا ما نراه في تعاطف السلطات الفارسيَّة مع عزرا ونحميا ودعمها لعودة المسبيين.
التحدث باسم الله
في أيامنا عندما نصف أحد بأنه نبي، فإن ما نعنيه هو أن لديه موهبة تمكِّنه من معرفة ماذا يخبئ المستقبل، أو أن ما يقوله يشكّل تحدٍ للقيم السائدة في المجتمع. قد لا نولي هؤلاء الناس الاهتمام الكافي، ولكن قد ندرك في أعماق أنفسنا أنهم يتكلمون الحق. لقد كان في إسرائيل قديمًا أنبياء مثل هؤلاء.
الله يعلّق الآمال الكبرى على شعبه، فهو يتوق أن يراهم يسلكون في الطريق الأنسب لحياتهم، ولكنهم في أحيان كثيرة ينحرفون عن الطريق بمشغوليات الحياة وبأمور أخرى عديدة. لقد انجذب البعض إلى طرق عبادة الأمم المجاورة التي فقدت الحس الأخلاقي، والبعض – خاصة الأغنياء – بالرغم من أنهم حفظوا طقوس ومراسم العبادة، إلا أنهم عاشوا لأنفسهم ولم يهتموا بالفقير والمحتاج. وعمومًا، فقد أخفق الشعب ليكون قدوة للأمم المجاورة كما أراده الله أن يكون.
كان الأنبياء الواسطة التي استخدمها الله ليحوِّل مسار الشعب للوجهة الصحيحة. لم يكن للأنبياء وظيفة خاصة في التركيبة الاجتماعيَّة، بل كانوا مجرد أفراد تلقوا رؤيا معيَّنة من الله فتكلموا كلمات الترغيب والترهيب، كلمات العزاء والدينونة، وقد دفعوا ثمن جرأتهم غاليًا.
إن الترتيب الذي ترد فيه كتب الأنبياء في العهد القديم لا يتعلق بالترتيب الزمني الذي عاش فيه الأنبياء. من أقدم الأنبياء كان عاموس وهوشع وأشعياء.
عاش عاموس حوالي العام 750 ق.م.، وقد أتى من مملكة يهوذا الجنوبيَّة وقصد مملكة إسرائيل، المملكة الشماليَّة، ليتنبأ هناك. لذلك اعتبره الناس متطفلاً في شئون اقتصاديَّة واجتماعيَّة لا تعنيه! لقد حذر عاموس الناس معلنًا لهم أن الله غير مسرور بممارستهم الدينيَّة، بينما حياتهم اليوميَّة يسيطر عليها الظلم وعدم العدالة الاجتماعيَّة. تنبأ عاموس أن المستقبل لن يكون كما يتوقع الشعب، إن هو استمر في سلوكه المشين. وفي العام 722 ق.م. غزا الآشوريون مملكة إسرائيل وسبوا معظم سكانها.
إن رسالة النبي عاموس تدعونا لإعادة النظر بمواقفنا وبمقاييسنا الأدبيَّة والأخلاقيَّة. ومن هذه المواقف، الموقف السائد في عدد من مجتمعاتنا، وهو أنه لنا الحق بالتمتع بالرفاهيَّة والبحبوحة حتى وإن كان ذلك على حساب الآخرين.
بالتزامن مع النبي عاموس عاش هوشع النبي. ركز هوشع على المشكلة الرئيسية لفساد الأمة وهي الابتعاد عن الله. يصوِّر لنا هوشع الأمة كامرأة زانية تجافت لعهد الزواج، ولكن الزوج أظهر محبته بالسعي وراءها ليستمر الزواج. وفي ذلك صورة عن الأمة الزانية روحيًّا ومحبة الله التي لا تزال تلحق بالخطاة لاستردادهم إلى شركة معه.
أما النبي إشعياء فقد عاش في مدينة أورشليم، عاصمة المملكة الجنوبية. في ذلك الحين كانت تهديدات الآشوريين تكاد تصل إلى هذه المملكة. وفي أحد الأيام يرى إشعياء في الهيكل رؤيا مؤثرة عن عظمة الله وقداسته، دفعته هذه الرؤيا للكلام بجرأة وشجاعة فكانت رسالته مماثلة لرسالة النبي عاموس في المملكة الشماليَّة. لقد دان إشعياء ممارسات الظلم والتعسف، وحذَّر الملك آحاز من الاعتماد على القوة الأجنبيَّة، بل دعاه ليثق بالله وسط الأزمات. لم يجد إشعياء أذنًا صاغية لدى آحاز، لكنه وجدها لدى ابنه الملك حزقيا.
وفي العام 701 ق.م. عندما غزا سنحاريب الإمبراطور الآشوري مملكة يهوذا، وعد الله الملك حزقيا بلسان إشعياء أنه سيحفظ المملكة، وهذا ما حدث فعلاً إذ أصاب الوبأ جيش سنحاريب فاضطر إلى الانسحاب.
في أجزاء أخرى من كتاب إشعياء نرى النبي يحذر الشعب من إمكانيَّة حدوث السبي في حال استمرار عصيانهم، ولكن حتى في رسائل الدينونة كان يلوح شعاع الرجاء في الأفق: ستكون هناك بداية جديدة لأمة تثق بالله، وهذه الأمة ستكون بركة للأمم المجاورة.
تحمل الفصول 40-55 رسالة عزاء ورجاء للمسبيين في بابل، فهي تؤكد أن الله لم يُقهر بواسطة آلهة بابل، وأنه لم يتخل عن شعبه. الله الذي خلَّص الشعب قديمًا من عبوديَّة فرعون هو قادر أن يمنح الخلاص من عبوديَّة البابليين، والهدف من كل ذلك هو أن يدرك الشعب الدور الذي دعاهم الله إليه: أن يكونوا نورًا لكل الأمم.
تعكس الفصول 55-66 حالة العديد من الذين عادوا بعد السبي إلى يهوذا. ففي وضع مثقل بالمشاكل الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة احتاج العائدون ليسمعوا رسالة تشجيع، تظهر هذه الرسالة على شكل رؤيا مشرقة ليس فقط لأورشليم الجديدة، بل لكل العالم. ولكن مثل هذا المستقبل المشرق، لن يصبح حقيقة ملموسة دون تحمل شعب الله مسئولياته التي أناطه الله بها. الله القدوس يطالب أن يكون له شعبًا مقدسًا.
الشعر والحكمة
أحيانًا نشعر أننا نريد أن نغني فرحًا، وأحيانًا أن نصرخ غضبًا. ثمة أوقات في حياتنا نشعر فيها بالشك فنسأل الله: لماذا يا رب؟ في كتب العهد القديم هناك مجال لكل هذه المشاعر والأحاسيس، وهذا يؤكد أن الله يريدنا أن نخاطبه بكل صراحة وشفافية، ويدعونا بأن تكون كذلك مع بعضنا البعض.
يطلق على كتب الأمثال وأيوب والجامعة لقب “كتب الحكمة” لأنها تعبّر عن موقف الحكماء من الحياة، وبالمفارقة عما رأيناه في كتب الشريعة والتاريخ والأنبياء، فإن هذه الكتب لا ترتبط ارتباطًا مباشرًا بحياة وشعب إسرائيل. وفي بعض الأحيان هناك تشابه كبير بين الحكمة المدونة في هذه الكتب، وحكمة قدماء المصريين أو سكان ما بين النهرين. الحكمة الحقَّة هي حكمة بغض النظر عن مصدرها.
يتحدث كتاب الأمثال عن اختبارات وتجارب الحياة اليوميَّة. والكتاب في مجمله هو عبارة عن مجموعة أقوال حكميَّة موجزة، تستخدم التشبيه أحيانًا لتحثنا على التفكير. بموقف أو عمل ما فنسأل السؤال: هل هذا الموقف أو العمل يعبر عن حكمة أم عن جهل؟
- “خزامة ذهب في فنطيسة خنزيرة المرأة الجميلة العديمة العقل” (أمثال 22:11)
- “قال الكسلان الأسد في الخارج فأقتل في الشوارع” (أمثال 13:22)
- لا تسلب الفقير لكونه فقيرًا ولا تسحق المسكين في الباب” (أمثال 22:22)
إن قيمة هذه الحكم للمتدينين هي أن يهتموا بأمورهم الحاليَّة والحاضرة، وألا يحيوا فوق الغيوم! ولكن لو كان كتاب الأمثال هو الكتاب الوحيد الذي يبحث في موضوع الحكمة في العهد القديم، لانتابنا الشك بانحياز هؤلاء الحكماء لأنهم يصوِّرون الجانب المتفائل من حياة الإنسان. ولكن ماذا عن الجانب المظلم؟
وهنا يأتي دور كتاب أيوب الذي يعتبر من أروع القصائد الأدبيَّة في الأدب العالمي التي تتعلق بالسؤال: لماذا يتألم الأبرياء؟ أيوب رجل تقي، ولكنه يعاني ما يعاني من هول المصائب الالآم. يهرع ثلاثة من أصدقائه ليقدِّموا له التعزية، ولكن تعزيتهم تُضحي توبيخًا أكثر منها تعزية. لقد قالوا لأيوب ما معناه: “إن آلامك نتيجة لخطايا سريَّة ارتكبتها يا أيوب.
فاطلب من الله الغفران لعلَّ ذلك ينجيك من الآلام.” ولكن في النهاية، يتكلم الله ولكنه لا يمنح أيوب جوابًا مباشرًا للسؤال: “لماذا أتألم أنا؟”، بل يقول له تعالى: “هل تثق بي لأدبر شئون العالم حسب حكمتي؟”
ليس ثمة إجابة سهلة للسؤال: لماذا يتألم الأبرياء؟ ولكن في وسط الغضب والامتعاض يمكننا اكتشاف حضور الله، فهو ليس عنا ببعيد، وهو لا يوبخنا على أخطائنا، بل يقف تعالى معنا وسط الألم، ورغبته أن نعرفه كصديق يجتاز معنا هذه المرحلة بكل آلامها وصعوبتها.
أما كتاب الجامعة (أو الفيلسوف) فيبدو مؤلفه بأنه عايش الشك واليقين، الفرح والحزن، النجاح والفشل… لقد جرَّب كل أصناف الحياة ليحصل على الشبع والاكتفاء، ولكنه لم يجد ذلك. هناك رغبة دفينة في الإنسان ليطلب ويطلب ولكن الموت يضع حدًا لكل شيء. وكالكثيرين وكالكثيرات في أيامنا فإن كاتب الجامعة يتأرجح بين أمرين: فهو يشعر أن معنى الحياة بمتناول يده، ولكن يأتي الموت ليهزأ بمنجزات الإنسان، ومن ناحية ثانية فهو يرى أنه من الجميل والواجب التمتع بالحياة.
ربما لا توجد إجابة لهذا الصراع لدى الإنسان، إلا في حال إمكانيَّة التغلب على الموت. هذه الغلبة هي إجابة العهد الجديد لسؤال يطرحه العهد القديم.
كتاب المزامير هو كتاب التسابيح والصلوات. وقد استخدم هذا الكتاب وما زال يستخدم في العديد من خدمات العبادة في الكنائس المسيحيَّة. يرينا كتاب المزامير كيف عبَّر الإسرائيليون عن إيمانهم ورجائهم، عن شكرهم وامتنانهم لله. في هذا الكتاب نجد التنوع في التعبير عن مشاعر الإنسان، لذلك يساعدنا كتاب المزامير لنقول لله ما نعجز التعبير عنه بواسطة كلماتنا. يشجعنا كتاب المزامير على أنه من الصواب لنا أن نسأل الله، وأن نعبِّر له عن غضبنا وانزعاجنا وخيبة أملنا.
إنه كتاب يمنحنا التشجيع عندما نجتاز الظروف الصعبة، إذ يعلّمنا أن الله هو إله التاريخ الذي تعامل مع ظروف صعبة مماثلة في الماضي. وأخيرًا، يذكِّرنا كتاب المزامير أنه حتى عندما نشعر أننا نحيا في وحدة، فإننا جزء لا يتجزأ من جماعة الإيمان.
[1] J. R. W. Stott, Fundamentalism and Evangelism (Grand Rapids: Eerdmans, 1959), p. 41.
[2] لقد قام ولدنا تيمي قسيس ومجموعة من الشباب والشابات بتشكيل مجموعة تجتمع لدراسة الكتاب المقدس، وقد أطلقت حسنًا على نفسها اسم مجموعة 16:3 لأنها تتخذ من الآية “إِنَّ الكِتَابَ بِكُلِّ مَا فِيهِ، قَدْ أَوْحَى بِهِ الله، وَهُوَ مُفِيدً لِلتَعْلِيمِ وَالتَوْبِيخِ وَالتَقْوِيمِ وتَهْذِيبِ الإِنْسَانِ فِ الْبِرِّ، لِكَيْ يَجْعَلَ إِنْسَانَ الله مُؤَهَّلاً تَأْهِيلاً كَامِلاً، وَمُجَهَّزًا لِكُلِّ عَمَلِ صَالِح” شعارًا وهدفًا لها.
[3] هذا الملحق هو من أفضل المقدمات التي تقدِّم للقارئ نظرة شاملة عن العهد القديم، وقد كتبه صديقي الكاتب القس الدكتور Stephan Travis، أحد أساتذة اللاهوت في كلية القديس يوحنا، نوتنجهام، المملكة المتحدة، وقمت بتعريبه ببعض التصرف بعد استشارته والحصول على موافقته.
نظرة شاملة لكتب العهد القديم
اسماء الانبياء بالترتيب في الكتاب المقدس – وموطن وزمن الملوك المعاصرين لكل نبي منهم
اسماء الانبياء بالترتيب في الكتاب المقدس – وموطن وزمن الملوك المعاصرين لكل نبي منهم (exclusive) انبياء العهد القديم بالترتيب
| الاسم | الموطن | الزمن | الملوك المعاصرون | طبيعة الرسالة | تأثير الرسالة |
|---|---|---|---|---|---|
| آدم | جنة عدن | ما قبل الطوفان | – | ديني | وضع أسس الدين اليهودي |
| نوح | أور الكلدانيين | الطوفان | – | ديني | أنقذ البشرية من الطوفان |
| إبراهيم | أور الكلدانيين | بعد الطوفان | نمرود، سارغون | ديني | أسس شعب الله، إسرائيل |
| إسحاق | كنعان | إبراهيم | أبيمالك، آدوم | ديني | أسس شعب الله، إسرائيل |
| يعقوب | كنعان | إسحاق | لابان، يوسف | ديني | أسس شعب الله، إسرائيل |
| موسى | مصر | عصر الفراعنة | فرعون، هارون | ديني | أخرج الشعب الإسرائيلي من مصر |
| يوشع | كنعان | موسى | – | ديني | قاد الشعب الإسرائيلي إلى أرض الموعد |
| صموئيل | إسرائيل | يوشع | شاول، داود | ديني | مسح داود ملكًا على إسرائيل |
| داود | إسرائيل | صموئيل | شاول | ديني | أسس المملكة المتحدة لإسرائيل |
| سليمان | إسرائيل | داود | – | ديني | حكم إسرائيل في سلام وازدهار |
| إشعياء | إسرائيل | سليمان | آحاز، حزقيا | ديني | تنبأ بمجيء المسيح |
| إرميا | إسرائيل | حزقيا | صدقيا | ديني | حذر الشعب الإسرائيلي من الارتداد عن الله |
| حزقيال | بابل | صدقيا | نبوخذ نصر | ديني | تنبأ بعودة الشعب الإسرائيلي من السبي البابلي |
| دانيال | بابل | نبوخذ نصر | نبوخذ نصر | ديني | تنبأ بمجيء المسيح |
| هوشع | إسرائيل | يهوشافاط، يربعام الثاني | – | ديني | دعا الشعب الإسرائيلي إلى التوبة والعودة إلى الله |
| جويل | إسرائيل | يربعام الثاني | – | ديني | تنبأ بيوم الرب |
| عاموس | إسرائيل | عزيا، يربعام الثاني | – | ديني | هاجم الظلم الاجتماعي في إسرائيل |
| عوبديا | إسرائيل | يربعام الثاني | – | ديني | تنبأ بدمار الأمم المحيطة بإسرائيل |
| يونان | إسرائيل | يربعام الثاني | – | ديني | تنبأ بدمار نينوى |
| ميخا | إسرائيل | حزقيا | – | ديني | تنبأ بمجيء المسيح |
| ناحوم | إسرائيل | حزقيا | – | ديني | تنبأ بدمار نينوى |
| حبقوق | إسرائيل | حزقيا | – | ديني | سأل الله عن سبب معاناة الشعب الإسرائيلي |
| صفنيا | إسرائيل | حزقيا | – | ديني | تنبأ بدمار الأمم المحيطة بإسرائيل |
| حجي | إسرائيل | عزرا، نحميا | – | ديني | حث الشعب الإسرائيلي على إعادة بناء الهيكل |
| زكريا | إسرائيل | عزرا، نحميا | – | ديني | تنبأ بمجيء المسيح |
| ملاخي | إسرائيل | عزرا، نحميا | – | ديني | حذر الشعب الإسرائيلي من الارتداد عن الله |
| يوحنا المعمدان | اليهودية | هيرودس أنتيباس | هيرودس أنتيباس | ديني | مهد الطريق لظهور المسيح |
| يسوع المسيح | اليهودية | هيرودس أنتيباس | هيرودس أنتيباس | ديني | أكمل الرسالة النبوية، وخلص البشرية من الخطيئة |
ملاحظات:
- يختلف ترتيب الأنبياء في الكتاب المقدس حسب الترجمة، وقد تم اعتماد الترتيب التقليدي هنا.
- تم ذكر موطن كل نبي حسب ما ورد في الكتاب المقدس.
- تم ذكر زمن كل نبي حسب التقديرات التاريخية.
- تم ذكر الملوك المعاصرين لكل نبي حسب ما ورد في الكتاب المقدس.
- تم ذكر طبيعة رسالة كل نبي حسب ما ورد في الكتاب المقدس.
- تم ذكر تأثير رسالة كل نبي حسب ما ورد في الكتاب المقدس.
اسماء الانبياء بالترتيب ازمنتم وتاريخ نبوتهم وموطن النبى والملوك المعاصرين لكل نبى (exclusive)
الدرس الرابع في أساسيات الإيمان المسيحي: الأنبياء والرسل
الدرس الرابع في أساسيات الإيمان المسيحي: الأنبياء والرسل
الدرس الرابع: الأنبياء والرسل
تكلمنا في الدرس الثاني عن الكتاب المقدس وفي الدرس الثالث عن ناموس الله وفي درسنا الرابع اليوم سنتكلم عن الأنبياء والرسل الذي نقلوا لنا محتوى الكتاب المقدس والناموس الإلهي.
أنبياء ورسل الكتاب المقدس هم أشخاص دعاهم الله بطريقة فريدة، معطياً لهم رسالاته بطرق خارقة للطبيعة. مُهمة الأنبياء والرسل هي نقل رسائل الله لنا عن طريق نقل كلمته بواسطة كلامهم وكتابتهم للأسفار المقدسة.
الرسائل التي نقلها الأنبياء والرسل تحتوي نبؤات وإعلانات ووصايا إلهية. لقد أعطى الله موهبة من الروح القدس لكي ينقل الأنبياء والرسل كلامه وأقواله بصورة مباشرة. فكان كلام الإنبياء كلام بسلطان إلهي لان الله دعاهم بصفة خاصة ان يكونون متحدثين بإسمه. هذه السلطة وهذا الإختيار ليس شئ يؤخذ بالوراثة او بالإنتخاب بل الدعوة الإلهية وقوة الروح القدس هي التي كانت تختار الإنبياء بشكل فريد وخاص.
الكتاب المقدس وما يحتويه من شرائع ورسائل وإعلانات إلهية كُتب على يد كثير من الأنبياء إختلفوا في زمانهم ورسائلهم ودورهم في نقل كلام الله. الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد كُتب على مدار 1500 سنة في ازمنة مُختلفة وفي مجتمعات واوضاع مختلفة، لكن بقت الرسالة هي رسالة إلهية واستمر الإنبياء بنقل كلام الله بكل أمانة وحرص.
الخلاصة
الأنبياء والرسل اختارهم الله كوكلاء لنقل كلمته ورسائله للبشر، فكان لهم دور اساسي في التواصل مع البشرية ونقل كلام الله بكل امانة وحرص. الله اختار اشخاص مُعينين بصفة خاصة وهؤلاء الإشخاص بحسب الإختيار الإلهي هم الوحيدين الذين يملكون سلطة ان يكونو انبياء ورسل لينقلوا كلام الله. الكتاب المقدس يحتوي على كلام الله الذي نقله لنا الأنبياء والرسل بكل أمانة وحرص على فترة زمنية طويلة وبواسطة أكثر من شخص.
شواهد كتابية للتأمل
