الخطاب اللاهوتي الأول ضد أتباع أفنوميوس – غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الأول ضد أتباع أفنوميوس غريغوريوس النزينزي

غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الأول ضد أتباع أفنوميوس غريغوريوس النزينزي

1– إلى المتحذلقين في الكلام يتوجه هذا الخطاب. ولكي يكون انطلاقي من الكتاب المقدس: ” هأنذا عليك أيها المتطاول الوقح”[1]، تعليماً، واصغاءً وتفكيراً. وإن هنالك لأناساً يشكون “الحكاك”[2] في سمعهم، وفي لسانهم، وها هم، على ما أرى، يشكونه في أيديهم[3]، بسبب كلامنا، وتستهويهم “الأحاديث الباطلة الفارغة، ومناقضات العلم الكاذب”[4]، “والمماحكات الكلامية”[5] التي لا تغني فتيلاً. فهكذا ينعت بولس كل ما كان في الكلام هذياناً وتطاولاً، هو رائد “الكلمة الناجزة”[6]، تلميذ الصيادين ومعلمهم. هؤلاء الذين يدور عليهم الكلام، ذوو اللسان الزلاق، والحاذق في تصيد أفخم الألفاظ وأجلها، حبّذا لو كانوا في أعمالهم هكذا حاذقين. قليلاً من الوقت وتتقلص سفسطائيتهم، وتتراخى في الخطب بهلوانيتهم السخيفة والمستهجنة، وما جرني إلى مثل هذا القول إلا كون السخف لا يجدر به إلا الاستخفاف.

2 – لقد نسخوا طريق التقوى[7] وحصروا همهم في أمر واحد: “عقد” المسائل المطروحة أو “حلها”[8] شأنهم في ذلك شأن الذين يقدمون على المسارح مشاهد الاقتتال، لا للغلبة وفاقاً لقوانين القتال، بل لخطف أنظار الجهال، ورغبة في التمدح وابتزاز الثناء – فيجب أن تضج كل ساحة عامة بدندنة خطبهم وأن يَثقُل جو كل وليمة بترّهات هذرهم، وأن يصبح كل عيد وكل حداد خاليين من بهجة العيد، حافلين بمرارة الحداد، وأن يكون العزاء في ويل أشد وطأة، في جل يخترق حجب الخدور كلها، وينقلها من مألوف بساطتها إلى القلق والاضطراب، وأن تذوي زهرة الخفر في التهافت على الجدل والحجاج.

وإذ كان الأمر كذلك، والشر لا يكبح جماحه، ولا يطاق نطاحه، وإذ كان سرنا العظيم في خطر الانقلاب إلى تحذق زري، فهلم، وليتحملنا الجواسيس[9]، نحن الذي “توجعنا جدران قلبنا[10] الأبوي، ونشعر بتمزق في المشاعر”، على حد ما قال إرميا الإلهي، لا يقابلوا كلامنا على هذه الأمور بالجفوة والتنكر، وليضبطوا لسانهم بعض الوقت إذا أمكنهم ذلك، ويميلوا إلينا بمسامعهم. وعلى كل حال فلا ضير عليكم في ذلك.

وهكذا فإما أن نكون قد خاطبنا “آذاناً صاغية”[11] وكان كلامنا مثمراً وذا فائدة لكم – لأن الزارع يزرع[12] الكلمة في كل ذهن، والذهن الذي يثمر[13] هو الذهن الجميل والخصيب – وإما أن تخرجوا هازئين مستخفين[14] وممعنين في التطاول والتحامل، حتى يكون لكم من ذلك مآدب على مآدب. فلا تعجبوا لخطاب أفاجئكم به وأجري فيه على غير ما تألفون، أنتم الذين تدعون معرفة كل شيء، وتعليم كل شيء، وذلك في كثير من الجرأة والسخاء، وتجنباً لاستيائكم لا أقول في كثير من الجهل والوقاحة.

3 – ليس لكل إنسان، ويكم، ليس لكل إنسان أن يتفلسف في شأن الله؛ ليس ذلك أمراً زهيد الثمن، ولا هو من شأن الزاحفين في التراب[15]. وأزيد: لا في كل حين، ولا أمام الجميع، ولا في كل شيء، بل عندما يلزم، ولمن يلزم، وبقدر ما يلزم، ليس من شأن جميع الناس، بل من شأن الذين تمرسوا بالتأمل وصعّدوا فيه، وقبل ذلك من شأن الذين طهروا النفس والجسد، أو الذين هم على الأقل في طريق ذلك التطهير. فمس الطاهر في غير طهارة[16] أمر غير مأموم العاقبة، كما هي حال العيون الضعيفة أمام أشعة الشمس. وفي أي وقت؟ عندما نتيح لأنفسنا سانحة الخروج من الحمأة ومن الضياع، وعندما يكون سلطان الحكم فينا غير غارق في التصورات المقلقة والباطلة، وإلا كنا كمن يمزج الخط الجميل بخرابيشه القبيحة، أو عرف الأطياب بالمقاذر. أجل، يجب أن نتيح لأنفسنا السانحة وأن نعرف الله، ونحكم باستقامة اللاهوت “متى بلغنا ميقاتنا”[17].

وأمام من؟ أمام من تعنيهم القضية ويغارون عليها، لا أمام من هي لهم كسائر الأشياء التي يتلهون بها في ثرثرتهم بعد حفلات السباق، والمسرح، والغناء، وبعد متعة البطن وما تحت البطن: هؤلاء يجدون مجال ترفه واسترخاء في معالجة هذه القضية بالمكايدة وحذلقات الجدل. وفيم يكون التفلسف وبأي قدر؟ يكون فيما هو لنا من المدركات، وفيما للمستمعين طاقة وقدرة على إدراكه، وإلا فكما تؤذي الأصوات الشديدة الآذان، والأطعمة القوية الأجسام، أو – إذا أردت – كما ترهق الأحمال الباهظة طاقة رافعيها، أو كما تسيء وابلات الأمطار إلى الأرض، هكذا تكون حال أولئك المستمعين، الذين يرهقهم ويبهظهم ما في الخطب من عوص – إذا صح القول – فينهار ما كان متبقياً لديهم من طاقة.

4 – لا أقول بوجوب الامتناع الدائم عن ذكر الله؛ ولا يهاجمنا مرة أخرى أولئك الذين ديدنهم ودأبهم المهاجمة. فعلينا أن نذكر الله أكثر مما نتنفس، بل علينا – إذا أمكن القول – ألا يكون لنا عمل سوى الذكر. وأنا من مؤيدي القول الذي يدعو إلى أن “يُهَذّ فيه ليلاً ونهاراً”[18] وأن يردد “في العشي والغداة والظهر”[19]، وأن “يبارك الرب في كل حين”[20]، وإذا اقتضى الأمر قلنا مع موسى: “عند النوم، وعند النهوض، وعند المشي في الطريق”[21]، وفي أي عمل آخر يعمل، فبالذكر يُصاغ التطهير.

وهكذا فلست أمانع الذكر الدائم لله، بل الجدل في موضوع الله، ولا أمانع الجدل على أنه كفر، بل على أنه تطفل، ولا التعليم، بل التفريط. الإكثار من أكل العسل يبعث على التقيؤ[22]، وإن كان عسلاً، ولكل أمر أوان[23]، على ما يرى سليمان – وعلى ما أرى أنا أيضاً – والجميل يكون غير جميل عندما يحدث بطريقة غير جمالية؛ تلك حال الزهرة، فهي في الشتاء في غير ميقاتها البتة، وكذلك زينة الرجال على النساء، وزينة النساء على الرجال، أو الهندسة[24] في مأتم، أو الدموع في مأدبة، ونحن نستخف بالوقت الملائم هنا فقط حيث يجب الاهتمام الشديد بما هو ملائم.

5 – لا، لا، أيها الأصدقاء والإخوة – وأدعوكم أيضاً إخوة، وإن كان سلوككم غير السلوك الأخوي – لا نذهبن في مثل هذا التفكير، ولا نكن كالخيول الجموحة الشّموسة[25] ونطوح بفارسنا – العقل – ولا نهملن التقوى التي “تشدنا”[26] شداً خيراً، ولا نَعدونَّ خارج المضمار، ولكن لنلزمن حدودنا في الجدل، ولا نتهاو إلى مصر، لا ننجز إلى أشور[27]، ولا نرنم “ترنيم الرب في أرض غربة”[28]؛ أتكلم في آذان الجميع، سواء كانوا من الغرباء أو من ذوينا، من الأعداء أو من الأصدقاء، من المفكرين أو من المغفلين، الذين يراقبون أمورنا بدقة شديدة، ويتمنون لو تنقلب شعلة مَضَرَّاتِنا لهيباً، فيوقدونها. وينفخ أنفاسهم يرتفعون بها خلسة إلى السماء، ويتجاوزون بها لهيب أتون بابل، الذي كان يلتهم كل ما كان حوله[29]. وإذ لم يجدوا في عقيدتهم القوة راحوا يطلبونها في مثالبنا، ولهذا فهم كالذباب على الجراح ينهالون على مواطن ضعفنا، ويأخذننا بما يجب أن نسميه بؤسنا وخطأنا.

وأما نحن فلا نتجاهلن ذواتنا من بعد، ولا نستهينن بالتحفظ والاحتراز في هذه الأمور، ولئن تعذر وضع حد للعدواة والبغضاء فلنتداع للكلام على الأسرار سرياً[30]، وعلى الأقداس قدسياً، غير ملقين في المسامع الأرضية ما لا يجوز إلقاؤه إليها، ولا نُظهرن عبدة الأوثان وخدمة الأساطير والممارسات المخزية أوفر توقيراً واحترازاً منا، هم الذين يؤثرون أن يتخلوا عن دمهم على أن يتخلوا عن كلمات تلقى إلى من لا قبل لهم بها ولا اطلاع على سرها، ولنعلم أنه كما في الملبس والسلوك، والضحك، والسير أدب اعتدال، كذلك في الكلام والصمت، فإننا نجل الكلمة مع سائر أسماء الله وقواته، وحبنا للجدل يجب أن يكون هو أيضاً مقيداً بنظام.

6 – لماذا يسمع بولادة الله وخلقه، وبخروج الله من العدم، ولماذا يسمع بالانقطاع والانقسام والانفصال من يستقرئ هذه الألفاظ في تنكر؟[31] لماذا نُقيم المتهم حكماً علينا؟ لماذا نجعل السيف في قبضة أعدائنا؟ كيف تراه يستقبل كلامك على هذا القضايا، وبأي نفسية تراه يتقبله، من يقر الزنى والفساد في الأولاد، من يتعبد للأهواء، من لا يقوى على الارتفاع بفكرة فوق الجسد، من اتخذ له أمس وقبل الأمس آلهة عُرفوا بأقبح الإجرام؟ أليس مادياً؟ أليس تحقيرياً؟ أليس استخفافياً؟ أليس ذلك دأبه؟ أن يفقه هذه الأمور هكذا، ويجعل من اللاهوت وسيلة دفاع عن آلهته وأهوائه؟ إذا كنا نسيء إلى أنفسنا بهذه الألفاظ فكيف وبكم من الجهد يمكننا أن نحمل الآخرين على أن يعتنقوا مذهبنا ويكونوا من جماعتنا؟

وإذا كانوا بأنفسهم يختلقون المنكرات فمتى يتورعون عن تناول ما نقدمه لهم؟ هذا ما بعث الحرب فيما بيننا[32]، وهذا عمل المتحاربين لأجل الكلمة حرباً أوسع مما يرتضيه الكلمة[33]، وكأني بهم قد فقدوا العقل وكانوا كالمجانين الذين يبعثون النار في منازلهم، أو يُمزقون أبنائهم، أو يطردون والديهم على أنهم غرباء.

7 – بعد تخلصنا مما هو غريب عن كلامنا، وبعد إلقائنا “الجوقة الكثيرة العدد” في قطيع الخنازير الذي تواثب إلى عمق البحيرة[34]، فلنمض فيما يلي من حديثنا، ولنلق النظر على ذواتنا، ولنصقل اللاهوتي صقلاً جماليّاً كما يُصقل التمثال. لنفكر أولاً في هذا: ما هذا التنافس في النقاش، وهذا الانجراف في الكلام؟ ما هذا الوباء الجديد وما هذا الكَلَبُ المُستحدث؟ لماذا، وقد غللنا الأيدي، لم نحجم عن إصلات الألسنة؟ ألسنا نحمد قرى الغرباء؟ ألا نعجب بالحب الأخوي والحب الزوجي، والبتولية، والحَدب على البؤساء؟ ألا نعجب بالترنم بالمزامير، وإحياء الليل بطوله وقوفاً، وسكب الدموع الغزيرة؟ ألا نقمع جسدنا[35] بالصوم؟ ألا ننطلق إلى الله بالصلاة؟ ألا نخضع الناحية الدنيا فينا للعليا، أعني “التراب”[36] للروح، كمن يحكمون الحكم العادل على هذا الكائن الخليط؟ ألا نجعل الحياة “تدربنا على الموت”؟[37]

ألا نقيم من أنفسنا سلطاناً مسيطراً على الأهواء، ذاكرين الأصالة الكريمة التي لنا من العلاء؟ ألا ندجن الغضب الذي ينتفخ ويتلهب؟ والتشامخ الذي يصرع[38]، الحزن الطائش، المتعة الفظة، والضحك الفاجر، والنظر الجائر، والسمع الجشع، والكلام القذع، والفكر الجامح، وكل ما يقتنصه الشرير فينا ليرمينا به مدخلاً الموت “من كوانا”[39] على حد قول الكتاب، أي من حواسنا؟ إننا بخلاف ذلك نطلق العنان لأهواء الآخرين، كما يسرح الملوك جنودهم بعد الانتصار، ويكفي أن يميلوا برأسهم إلينا لكي يتحاملوا بعد ذلك على الله بجرأة أشد وكفر ألد، ونحن نشتري العمل الطالح بالمكافأة القبيحة، أي الإقامة المطمئنة على الكفر[40].

8 – ومع ذلك فإني أتوجه إليك بسؤال وجيز أيها الجدلي الثرثار: “وأنت أجب”[41] يقول لأيوب من يتكلم في العاصفة وفي السحاب. هل عند الله منازل كثير كما يترامى إلى سمعك[42]، أم منزل واحد؟ لا شك في أنك تقول بالكثيرة لا بالواحد. وهل يجب أن تسْكَن جميعها، أم يُسكن البعض منها ويبقى البعض الآخر خالياً ولا فائدة من إعداده[43]؟ نعم جميعها، إذ ليس من عبث فيما يصدر عن الله. وهذا المنزل كيف تتصوره؟ هل لك في أن تُجيب؟ أليس مقر راحة ومجد معداً هناك للطوباويين، أم تراه شيئاً آخر؟ ليس هو شيئاً آخر. وإذ كان الأمر لا خلاف فيه، فلنبحث فيما يلي: هذا الذي يتيح لنا دخول تلك المنازل، اهو شيءٌ ما – كما أقول أنا – أم هو لا شيء؟ من الثابت أنه شيء ما. فما هو؟ هناك أنواع مختلفة في سياسة الحياة وهنالك خيارات متعددة من شأنها أن تتيح دخول هذا المنزل أو ذاك على حسب قاعدة الإيمان[44].

وهذا ما نسميه “السبل”. فهل يجب سلوك جميع هذه السبل أو سلوك بعضها؟ بل جميعها لو كان ذلك في إمكان الإنسان الواحد، وإلا فأكثرها، وإن تعذر عليه ذلك فبعضها، وإن تعذر ذلك كان من الجدير به ومن عظيم الشأن بالنسبة إليه أن يسلك واحدة سلوكاً كاملاً، على ما يبدو لي وموافقتك على ذلك صوابية ولا مداورة فيها. ولكن ماذا؟ عندما تسمع أن هنالك طريقاً واحدة وأنها ضيقة[45]، فماذا يعني هذا القول في رأيك؟ إنها واحدة بسبب الفضيلة، لأن الفضيلة واحدة وإن تشعبت، وهي ضيقة بسبب ما تسيله من عرق، وبسبب أن الكثيرين يجدونها غير سالكة، وعلى حد ما يراه الكثيرون من الزائغين والآخذين في طريق الفسق. وهذا ما أراه أنا أيضاً.

فإذا كان الأمر كذلك، أيها العزيز، فعلام تبطل كلامنا وتزعم أنه لا يخلو من فقر، وفيم تجانب جميع الطرق الأخرى وتنصب وتتهافت على هذه الطريق الوحيدة، طريق النقاش والمباحثة، كما ترى، وأنا أقول إنها طريق الثرثرة والتدجيل. فليؤنبكم بولس الذي، بعدما عدد المواهب انهال باللوم الشديد في هذا الموضوع قائلاً: “أيكون الجميع رسلاً، والجميع أنبياء؟”[46] وما يلي.

9 – فليكن! لقد ارتفعتَ أنت، وارتفعتَ على المرتفعين، وعلى السحاب، وإن شئت، وأنت تشاهد ما لا يُشاهد، وتسمع “كلمات تفوق الوصف”[47]، وطلعت مع إيليا[48]، وكنت أهلاً لأن يتجلى لك الله مع موسى[49]، واختطفت إلى السماء مع بولس[50]، زه! وأنت تنشئ الآخرين على القداسة في يوم، وتختار اللاهوتيين برفع اليد، وتنفخ فيه العلم نفخاً، وتصطنع زمراً من العلماء الجهال! لماذا تلف الضعفاء بخيوط عناكبك، كما لو كان في الأمر حذقٌ وموطن فخار؟ لماذا تثير مدبرة الدبابير في وجه الإيمان؟ لماذا ترتجل ثورة الجدليين علينا وكأنهم مردة الأسطورة القديمة[51].

لماذا جمعت من بين البشر كل خفيف وخسيس كركام قمامة في وحدة واحدة، وبعدما زدت في تخنيثهم بالممالقة لماذا أنشأت وكراً جديداً للكفر، مستغلاً حماقتهم بحذق ودهاء؟ ألا تزال تنقض هذا القول؟ ولا يهمك أي شيء آخر؟[52] وفيما كان من واجبل أن تضبط لسانك ضبطاَ كاملاً رحت تسترسل فيما تتمخض به من كلام! لديك موضوعات أخرى كثيرة ونبيلة للدراسة والنقاش حول إليها سعارك بطريقة مفيدة.

10 – اطعن لي في صمت فيثاغورس[53]، والفول الاورفيّ[54]، ووقاحة الطريقة الجديدة في الحجاج القائمة على العبارة “لقد قال”[55]. إطعن لي في مُثُل أفلاطون، وفي التناسخ وعودة نفسنا الدورية[56] والتذكر[57]، والحب الذي تستثيره الأجسام الجميلة في النفس والذي يخلو من كل جمال[58]، وإلحاد أبيقورس، والذرّة، واللذة التي لا تليق بالفلسفة[59]، وعناية أرسطو[60]، ودقة حذاقته الفنية، وخطبه الفائية في موضوع النفس، والنزعة البشرية في تعاليمه؛ وتعبس الرواقيين، وجشع الكلبيين وسوقيتهم[61]. اطعن لي في الملآن والفارغ[62]، وفيما بين تخريفاتهم جميع تخرصاتهم في شأن الآلهة أو الذبائح، في شأن الأوثان، والأرواح الخيرة والشريرة، والتكهن، واستحضار الآلهة والأرواح، وقدرة الكواكب.

وإذا وجدت كل ذلك غير لائق بكلامك، وأنه أمر حقير طالما عولج، وإذا تحولت إلى ما يعنيك وطلبت موضوعاً نبيلاً، فإني أدلك هنا أيضاً على طرق واسعة. ناقشني في موضوعات العالم أو العوالم، والمادة، والروح، والطبائع العاقلة سواء كانت صالحة أو شريرة، والقيامة، والدينونة، والجزاء، وآلام المسيح. فالانتصار في هذا المجال لا يكن بلا جدوى، والفشل لا يكتنفه الخطر[63]. وإننا سنلتقي الله الآن جزئياً، ولكننا سنتلقيه بعد قليل على نحو أكمل، في المسيح يسوع نفسه ربنا، الذي له “المجد إلى الدهور”[64] آمين.

[1] إر 50: 13.

[2] 2تيم 4: 3.

[3] في هذا الكلام إشارة إلى عنف الأريوسيين في خصومتهم للكاثوليكيين، و”الأيدي” هنا تعني الكتابة.

[4] 1تيم 6: 20.

[5] 1تيم 6: 4.

[6] روم 9: 28.

[7] اللفظة “طريق” هنا بالمعنى الكتابي، فهي تعني الحياة الأخلاقية والدينية.

[8] دا 5: 12.

[9] يشير بـ “الجواسيس” إلى من كان حاضراً من جماعة أفنوميوس.

[10] إر 4: 19.

[11] سير 25: 12 (9).

[12] متى 13: 3

[13] متى 3: 23.

[14] كان الأريوسيون يهزأون بغريغوريوس لأنه كان فقيراً متغضن الوجه، محدودب الظهر، قد نهكه الصوم، ولأنه كان يأتي من مكان بعيد. هذا ما يخبرنا به هو نفسه في سيرة حياته التي نظمها شعراً.

[15] أي أولئك الذين لم يستطيعوا التخلص من أهوائهم ومن المشاغل الأرضية.

[16] فكرة أفلاطونية مرجعها إلى المبدأ العام القائل بأن الشبيه لا يمكن أن يعرفه إلا شبيهه.

[17] مز 74: 3

[18] مز 1: 2.

[19] مز 54: 18.

[20] مز 33: 2.

[21] تث 6: 7.

[22] أم 25: 27.

[23] جا 3: 2.

[24] وردت اللفظة “هندسة” في معظم المخطوطات.

[25] مز 31: 9.

[26] مز 31: 9.

[27] مصر وآشور: أي بلاد الغربة والابتعاد عن الأرثوذكسية.

[28] مز 136: 4.

[29] دا 3: 22.

[30] أي لا نحاولن أن نفسر الأسرار بأقوال مضللة.

[31] في هذا الكلام شبه خلاصة للآريوسية يظهر فيها الخطيب أن الحوار اللاهوتي على طريقة الهراطقة يسيء إلى المسيحية. ومن المعلوم أن الآريوسية تعد ولادة الكلمة برهاناً على أن الألوهة غير كاملة في الكلمة برهاناً على أن الألوهة غير كاملة في الكلمة. وهو من ثم مخلوق نوعاً ما. من هنا اهتمام الآريوسية، ولا سيما أفنوميوس، بالتميز واللولبة، فالكلمة في نظرهم هو مخلوق الله المباشر، وليس هو من جوهره على طريق التواصل. وبين اللامولود وكلمته انقطاع، وانقسام وانفصال.

[32] الأرثوذكسيون والهراطقة ينتمون إلى المسيح، والحرب القائمة فيما بينهم هي حرب بين الإخوة.

[33] فالكلمة لا يرتضي هذا الجدل غير اللائق في موضوع ولادته.

[34] مر 5: 9-13؛ لو 8: 30-33.

[35] 1كو 9: 27.

[36] تك 2: 7.

[37] كلام مأثور لأفلاطون (فيدون 81 أ).

[38] مز 72.

[39] أر 9: 21 (العبراني: 20).

[40] في هذا كله تنديد بالذين يحسبون أن النقاش اللاهوتي وتعليم العقيدة ممكنان لمن لم يمارسوا حياة التقشف والنسك. فالنسك ضروري للتطهير، والتطهير ضروري للعمل اللاهوتي.

[41] أي 38: 3.

[42] يو 14: 2.

[43] يو 14: 2.

[44] روم 12: 6.

[45] متى 7: 14.

[46] 1كور 12: 29.

[47] 2كور 12: 4. ليس في هذا المقطع معالجة لموضوع المواهب الروحية، بل محاولة لبقة من الخطيب لحمل خصمه على اعتبار أن اللاهوت، بالمعنى الأقنومي، ليس الطريق الوحيدة التي تقود إلى الله.

[48] 2 ملو 4: 11.

[49] خر 2: 3؛ 19: 2؛ 33: 18-23.

[50] 2 كور 12: 2.

[51] إشارة إلى أسطورة قدموس الذي نثر أنياب التنين الذي قتله، فخرج منها محاربون مدججون بالسلاح.

[52] أي شيء غير النقض والمناقضة.

[53] كان فيثاغورس يفرض على تلاميذه الصمت خمس سنوات.

[54] كان فيثاغورس يحرم الفول، ولا تزال العلاقة بين الفيثاغورية والأورفية مجهولة.

[55] كانت هذه العبارة حجة الفصل عند الفيثاغوريين.

[56] كانت الرحلة الدورية تستغرق ألف سنة.

[57] المعرفة عند أفلاطون هي تذكر، وعلى ذلك فلا بد أن تكون النفس قد شاهدت المثل قبل ميلادها.

[58] إشارة إلى “الظرفاء” الذين ورد ذكرهم مراراً في آثار أفلاطون.

[59] كان أبيقورس يجعل الذرات في أساس العالم ويجعل السعادة القصوى في اللذة.

[60] العالم في نظر أرسطو أزلي، والله لا يعني به ولا يؤثر فيه إلا بالجاذبية.

[61] في هذا الكلام إشارة إلى خرج الكلبيين الشهير، ومن المعلوم أن ديوجينس كان يعيش على الصدقة.

[62] اشتعر ديمقريطس بهذه الآراء.

[63] يرى الخطيب أن هذه الأمور التي بوردها لم يوضحها الكتاب المقدس بصراحة، وهي في هذا المعنى يمكنها أن تكون موضوع بحث.

[64] رؤ 1: 6.

الخطاب اللاهوتي الأول ضد أتباع أفنوميوس غريغوريوس النزينزي

القديس إغريغوريوس النزينزي الثيؤلوغوس الناطق بالإلهيات – حياته، أعماله وفكره اللاهوتي

القديس إغريغوريوس النزينزي الثيؤلوغوس الناطق بالإلهيات – حياته، أعماله وفكره اللاهوتي

القديس إغريغوريوس النزينزي الثيؤلوغوس الناطق بالإلهيات

القديس إغريغوريوس النزينزي الثيؤلوغوس الناطق بالإلهيات – حياته، أعماله وفكره اللاهوتي

أولاً: حياته

هو علم من أعلام الفكر الإنساني، ورائد في اللاهوت الأرثوذكسي القويم، وهلّيني جمع في صدره الحضارتين الإغريقية والمسيحية، وإمام من أئمة الكلمة والتعبير، وخطيب عنيف تتدافع من عقيدته البلاغة الأخّاذة الساحرة، وأديب شاعر كان في عصره ألم من كتب باليونانية شعراً، وأخيراً قديس كره المناصب فقيد إليها مكرهاً، وتعشق العزلة والانفراد بالله فكانت أسقفيته صليباً صلب عليه العالم في سبيل الله والحقيقة.

ولد غريغوريوس نحو 329/330 في مدينة صغيرة تقع في الجنوب الغربي من كبادوكية وتدعى نزينزة، وقيل بل ولد في أرينزة، وهي ضيعة إلى جانب نزينزة كان لذويه فيها منزل وأملاك. وكان والدته نونا امرأة فاضلة عرفت بتقواها وتمسكها الشديد بالعقيدة الكاثوليكية القويمة. أما والده المعروف بغريغوريوس القديم فكان رجل الصراحة الصارمة، والكلمة الحكيمة الحازمة.

انتحل مذهب الهبسترية[1] ردحاً من الزمن ثم اهتدى إلى المسيحية فكان ملء عين المؤمنين الصالحين، وقبيل مولد ابنه انتخب أسقفاً على نزينزة، فكان أباً روحياً للجميع، وأباً بالجسد لثلاثة بنين نشأوا على إيمان عميق، وعلى أخلاق مسيحية عالية.

كان لغريغوريوس الابن طموح في العلم والفضيلة لا حد له، فراح يطلب الفضيلة في ينابيع الحكمة الإلهية، وراح يطلب العلم في كل مكان كان للعلم فيه سلطان: في كبادوكية، وقيصرية فلسطين، والإسكندرية، ولا سيما أثينا منهل العقل والقلب واللسان، حيث لقي باسيليوس (329/ 30 – 379) وربطته به صداقة شهيرة. وقد تخرج الشابان الكبادوكيان على أشهر الأساتذة من مثل ليبانيوس، وهيماريوس، وعمقا في نفسيهما حب الله والخير والصلاح.

وما إن قفلا راجعين إلى كبادوكية، باسيليوس أولاً ثم غريغوريوس (358/359)، حتى عملا على تحقيق الحياة “الفلسفية” التي نسجا خيوطها في أثينا. فانطلق باسيليوس يطلب الوحدة والتهجد، على شاطئ نهير أبريس[2] في أناسوبي، ولحق به صديقه غريغوريوس وفي نفسه ما في نفس صديقه، ولكن أباه استدعاه سنة 361، فعاد إلى نزينزة حيث عمل الجميع على إقناعه بقبول سر الكهنوت، وبعد تخوف رسم كاهناً، ومارس الكهنوت برهة من الزمن وفي سره حنين إلى مشاركة باسيليوس في عزلته وتفرغه للصلاة والتبحر في معاني الكتاب المقدس.

واشتد به الحنين، فهجر الديار وانضم إلى صديقه، وفي سنة 362 رجع إلى نزينزة ليحتفل بعيد الفصح.

في هذه الأثناء برز انشقاق في كنيسة نزينزة أدى إليه تورط الأسقف غريغوريوس الأب في توقيع بيان ريميني وكان لا يخلو من آراء آريوسية. فسعى الكاهن الشاب لدى أبيه وحمله على إعلان إيمانه الأرثوذكسي وأعاد بذلك السلام إلى تلك الكنيسة.

في سنة 370 انتخب باسيليوس اسقفاً على قيصرية ولم تمض سنتان على ولايته حتى حمل صديقه على تحمل أعباء الأسقفية وقام بتنصيبه على مدينة سازيموس سنة 372 عله يكون سداً منيعاً في وجه التيارات الهدامة. ولكن الأسقف الجديد لم يجد في هذا العمل ما يصبو إليه، فتركه وعاد إلى منسكه وقال: “خير لي أن أختبئ في الجبل وأعيش فيه العيشة التي أحب والتي أجد فيها مسرتي”.

ولكن والده، وقد طعن في السن، وثقلت عليه الشيخوخة، دعاه ليشاطره عبء المسؤولية، فلبى الدعوة في غير ابطاء. وعندما توفي الأسقف الشيخ قام مقامه في الخدمة ريثما ينتخب له خلف شرعي، وقد أظهر من الغيرة والحكمة ما لفت إليه الأنظار، فاجتمع عليه آراء الأساقفة، ووقع عليه اختيارهم، فهرب إلى سلوقية ايزوريا يطلب العزلة والتنسك.

وفي سنة 378 توفي الامبراطور فانس نصير الآريوسية وخلفه ثاودوسيوس الذي عرف بميله إلى الأرثوذكسية ومساندته لها فتوجه كاثوليكيّو القسطنطينية إلى غريغوريوس وتوسلوا إليه في امرهم وفي أن يكون لهم راعياً ومشيراً حيث لا راعي ولا مشير، وحيث انقلبت الدنيا إلى صراعات لاهوتية، ومناورات أيديولوجية، وقد توفي باسيليوس سنة 379، فكان وقع النبأ شديداً على نفس صديقه، وبعد تردد مرهق قبل أن ينتقل إلى القسطنطينية، جعل مركزه في كنيسة صغيرة باسم القيامة (أناستاسيا)، وراح من هناك ينثر الحكمة في غيرة رسولية متوقدة.

فكان هذا الانتقال فوزاً للأرثوذكسية، وقد ضجت من جرائه المدينة، وقامت قيامة الآريوسية، وتقارعت البدع والمذاهب، وامتد الحِجاج والنقاش من الساحات العامة والمعابد إلى الأسواق والمنازل والخدور. وفي هذا الجو الفلسفي اللاهوتي الغامر ألقى غريغوريوس سلسلة خطبه اللاهوتية التي دافع فيها عن عقيدة الثالوث، والتي اكسبته لقب “اللاهوتي”.

في أيار من سنة 381 دعاه ثاودوسيوس إلى حضور المجمع المسكوني الثاني في القسطنطينية، ولما توفي ملاتيوس أسقف أنطاكية الذي كان يرئسه، كُلف غريغوريوس بإدارة شؤونه، وما أن ختمت أعماله حتى بادر غريغوريوس إلى الاستقالة من أسقفية العاصمة، وانزوى في خلوة حياته الفلسفية مكبّاً على الصلاة، والتأمل، والدرس، ونظم الشعر، والمراسلة، وظل يهتم بكنيسة نزينزة إلى سنة 383، ثم سلم الأمر إلى ابن عمه أفلاليوس الذي خلفه أسقفاً عليها. وانتقل هو إلى أزينزة حيث توفي سنة 390.

ثانياً: أعماله

لم يكن غريغوريوس من المكثرين في الكتابة ولكن القليل الذي تركه يُعد من أروع من في التراث المسيحي عمقاً وابتكاراً وأسلوباً، وهو يقسم ثلاثة أقسام: الخطب، والرسائل، والشعر. إنه الشاعر الوحيد بين لاهوتيي القرن الرابع.

وهو في نثره وشعره أبداً سيد الكلمة وإمام المنابر، لا يبلغ شأوه أحد من أبناء المسيحية في عصره، فقد تفرد في البلاغة وروعة الأداء، كما تفرد في دقة الفكرة وعمقها، وفي المقدرة على استيعاب الحقائق البعيدة المدى والتعبير عنها تعبيراً تبنته الأجيال والمجامع من بعده، ووجدت فيه كلمة الفصل وجامع الكلمة.

 

1 – الخُطب

لغريغوريوس 45 خطبة هي أروع ما تركه لنا، وقد ألقى أكثرها ما بين سنة 379 وسنة 381، أي في أهم مرحلة من مراحل حياته يوم كان أسقفاً في القسطنطينية وكان أنظار العالم كله شاخصة إليه، وضمنها من أساليب البلاغة والبيان ما اقتضاه الموقف في مدينة جمعت جمعاً غفيراً من العلماء وأرباب الفكر والفلسفة واللاهوت، وكانت ميداناً واسعاً للصراع المذهبي والعقائدي: وسرعان ما أصبحت تلك الخطب مادة دراسة في معاهد الخطابة والبلاغة، ومثالاً يُحتذى على المنابر. وقد أصبحت المواقف الوجدانية، والمقاطع الغنائية فيها منطلقاً لأناشيد دينية وترانيم كنسية رائعة.

 

أ – الخطب اللاهوتية الخمس

نوع هذه الخطب

لقد سميت هذه الخطب “لاهوتية” لا لأنها تتسع للاهوت كما نفهمه اليوم، بل لكونها تبحث في الله نفسه، في وحدته وثالوثه، وهذا موضوع اللاهوت في معناه الضيق والقديم. وهي التي أكسبت غريغوريوس لقب “اللاهوتي”. وهذه الخطب لم ترد بهذا الاسم في المخطوطات المختلفة، فهو مستقى من فحواها ومنطبق تمام الانطباق على ما تهدف إليه. وهي ترد مجموعة معاً وتدل على أنها ألقيت في أوقات غير متباعدة.

 

المكان والزمان اللذان ألقيت فيهما

رأينا في كلامنا على صاحبها أنه ألقاها في القسطنطينية، وموضوعها نفسه وأسلوبها التحليلي والدفاعي يدلان بوضوح على أن جمهور المقبلين على سماعها هو جمهور مدينة كبيرة بساحاتها العامة، وأعيادها، ومشاهدها، وولائمها، جمهور أَلِفَ النقاش اللاهوتي إلى حد الهوس، وأدخله في كل مكان، وجعله للتظرف أحياناً كثيرة.

وكانت المدينة منذ نحو أربعين سنة تخضع للهيمنة الآريوسية، والأقلية الكاثوليكية فيها بلا كنيسة ولا أسقف، وما أن تولى ثاودوسيوس الحكم حتى تبدلت الأمور وتنفست الأرثوذكسية بملء رئتيها، واستعادت الكنائس التي كانت الآريوسية قد استولت عليها، وتعالى صوت خطبائها للدفاع عن الحقيقة وتفنيد حجج الهراطقة.

 

الآريوسية التي حملت عليها

ليست الخطب اللاهوتية أبحاثاً في اللاهوت وحسب، وإنما هي أيضاً رد على الآريوسية ودحض لأضاليلها.

ظهرت الآريوسية في الإسكندرية نحو سنة 320 عندما نهض الكاهن آريوس في وجه أسقفه في موضوع الثالوث، ونادى بالآب إلهاً أسمى، وباللامولودية جوهراً للألوهة، وأنكر أن تكون اللامولودية ميزة أقنومية الآب، وتدرج من ذلك إلى أن ولادة الابن جرت في زمان، ومن أقواله: “الابن خرج من العدم”، “كان زمن لم يكن فيه الابن”، وهكذا فألوهة الابن، في نظره، هي ألوهة نسبية، ألوهة بالتبني، وذلك لأن الآب خلق به ما خلق.

وراح آريوس يدعم آراءه بنصوص من الكتاب المقدس في غير تمييز. وقد قاده ضلاله إلى إنكار ألوهة الروح القدس أيضاً، وإلى أنه من صنع الابن. فشجب أسقف الإسكندرية هذه الآراء، وواجه عناد صاحبها بمجمع إقليمي دعا إليه، فزاد ذلك آريوس عناداً، وراح يضرب في البلاد، وراحت تعاليمه تنتشر ويتسع انتشارها، وكان ذلك سبب انعقاد المجمع المسكوني الأول في نيقية سنة 325، وصدور قانون الإيمان النيقوي الذي أقر نص العقيدة الأرثوذكسية في غير غموض ولا التباس.

ومع ذلك كله فقد ظلت الآريوسية متجذرة في الشرق على تشعب وتفرع، ومن أشهر فروعها الأفنوميون وعلى رأسهم أفنوميوس الذي أنكر ألوهة الابن والروح القدس، وأظهر من البلاغة والبراعة في التحليل، والحذلقة في الجدل ما ضلل الكثيرين. فغريغوريوس يتوجه إليه وإلى أتباعه بالتنديد والحجاج باسطاً العقيدة الأرثوذكسية النيقوية في غير مداورة ولا اعوجاج، ومفنداً آراء خصومه بكلام حافل بالآيات الكتابية، وبالأقيسة البرهانية التي لا تقرع.

كان أفنوميوس من أصل وضيع، وقد قاده حب العلم، والرغبة في التعلم، إلى الإسكندرية مدينة النور لذلك العهد، فعمل لدى ركن من أركان الآريوسية وتتلمذ له، وفي سنة 360 ظهر شماساً إنجيلياً في أحد مجامع القسطنطينية، ثم أسقفاً في مدينة قزيكا، وكثيراً ما نراه في القسطنطينة معلماً وعاملاً على إنشاء كنيسة منشقة تدين بآرائه وتدعو إلى اتباعه. وفي سنة 383 طرده الامبراطور ثاودوسيوس إلى كبادوكية موطنه الأصلي حيث توفي ما بين سنة 392 وسنة 295.

 

خلاصتها

وهذا الخطب، وإن كانت دفاعية في الدرجة الأولى، هي ثمرة النضوج في دراسة العقيدة الثالوثية. أما الخطبة الأولى فهي بمثابة مقدمة عامة للأربع الأخرى، وهي تعالج الشروط التي لا بد منها لمناقشة الحقائق اللاهوتية. وأما الخطبة الثانية فهي تعالج اللاهوت في ذاته، أي وجود الله وطبيعته وصفاته بقدر ما يستطيع العقل البشري أن يدركها ويحيط بها.

وأما الثالثة فهي تبين وحدة العقل البشري أن يدركها ويحيط بها. وأما الثالثة فهي تبين وحدة الطبيعة عن الأقانيم الثلاثة، ولا سيما ألوهة الكلمة (اللوغوس) ومساواته للآب. وأما الرابعة فهي تفنيد ودحض لاعتراضات الآريوسيين على ألوهة الابن وإيضاح معنى النصوص الكتابية التي يتسلحون بها لدعم مذهبهم. وأما الخامسة فهي دفاع عن ألوهة الروح القدس.

 

ب – الخُطب الأخرى

لغريغوريوس خطاب في رتبة الأسقفية وفيه إلى جانب موضوعه تحديد واسع لعقيدة الثالوث، وخطاب في موضوع الجدل والنقاش وضرورة التأني والانضباط فيه، وخطابان دفاعيان موجهان إلى يوليانوس الجاحد، الذي عرفه غريغوريوس في أثينا، وفيهما ثورة نفسية شديدة وسورة غضب لا حد لها؛ ومجموعة من الخطب الوعظية والتأبينية، ألقاها الخطيب في الأعياد الكبرى، أو أبّن فيها المكابيين، والقديس قبريانوس القرطاجي، والقديس أثناسيوس، ومكسيموس الفيلسوف، وشقيقته غرغونية، وصديقه باسيليوس.

وله إلى ذلك مجموعة كبيرة من خطب المناسبات، ضمن بعضها كلاماً مفصلاً على الكهنوت ومسؤولياته كان في أساس البحوث الستة التي وضعها القديس يوحنا الذهبي الفم في موضوع الكهنوت، وفي أساس القانون الراعوي الذي وضعه القديس غريغوريوس الكبير.

2 – الشعر

نظم غريغوريوس الشعر في أواخر حياته وفي خلوة أرينزة ليُبين أن الحضارة الجديدة المسيحية ليست دون الحضارة الوثنية شأناً، ولينافس الهراطقة، ولا سيما أبوليناروس، الذين عملوا على نشر بعض آرائهم بالأسلوب الشعري وبالكلام الموزون.

فلدينا منه خمس وثلاثون قصيدة عقائدية في الثالوث، وعمل الله الخلقي، والعناية الإلهية، والتجسد، ومعجزات المسيح وما إلى ذلك، وأربعون قصيدة أخلاقية، ومئتان وست قصائد تاريخية فيها سيرة حياته، وقد ضمنها آراءه وعواطفه، ومحبته لذويه وأصدقائه الذين غادروا هذه الدنيا، وآماله ورغباته، وما إلى ذلك مما جعل هذا القسم من المجموعة الشعرية حافلاً بالروعة والجمال.

وقد عدت سيرة حياته الشعرية خير ما كتب في فن السيرة عند الاغريق. ونحن نلمس في هذه القصائد المختلفة حياة صاحبها الداخلية، وما يغتلي فيها من إيمان وغيرة واندفاع، وهي في ذلك أشبه باعترافات القديس اوغسطينوس.

 

3 – الرسائل

كان غريغوريوس مترسلاً فذاً، وقد وضع في فن الترسل دراسة قيمة واشترط فيها للرسالة الناجحة أن تكون موجزة، وواضحة، وطريفة، وبسيطة، ورسائله، وإن كانت دون رسائل باسيليوس أهمية، تتفوق عليها فناً وروحاً. وقد كتب غريغوريوس مئتين وخمساً وأربعين رسالة، وجه معظمها إلى ذويه وأصدقائه.

لبعض هذه الرسائل أهمية لاهوتية، ولا سيما الرسالتين اللتين وجههما إلى الكاهن كليدونيوس نحو سنة 482، وضمنهما خطة الرد على الأبوليناروسيين. وقد اعتمد منهما مجمع أفسس (431) مقطعاً كبيراً، واعتمدهما بكاملهما مجمع خلقيدونية (451).

 

ثالثاً: لاهوت غريغوريوس

كان لباسيلوس تأثير على غريغوريوس في موضوع اللاهوت، وقد أعلن ذلك غريغوريوس في رسالة وجهها إلى باسيليوس فقال: “اتخذتك منذ البدء ولا أزال أتخذك دليلاً ومرشداً ومعلماً في اللاهوت”. وإنه وإن أعلن ذلك، يتجلى في دراساته تفوقه على صديقه أسقف قيصرية في التعبير اللاهوتي، وفي كنه اللاهوت على أنه علم، وفي النظرة العميقة إلى قضاياه. فهو “اللاهوتي” بأدق ما لهذه اللفظة من معنى.

وقد عالج في آثاره طبيعة اللاهوت وموضوعه، ومصادره، كما عالج الطريقة اللاهوتية معالجة وافية، والميزات التي يجب أن يتصف بها اللاهوتي، وتطرق إلى قضية العقل والإيمان، وإلى سلطة الكنيسة في شأن العقائد التي تعلنها.

 

1 – عقيدة الثالوث

كثيراً ما يتوقف غريغوريوس في شتى خطبه عند عقيدة الثالوث وكأنها هاجس لا يفارقه. فيدافع عنها في غير ملل، ويجد في التطلع إليها متعة لقلبه وروحه. قال في خطبة له عن المعمودية ملخِّصاً تعاليمه:

“إن أعطيك إعلان الإيمان هذا دليلاً وملاذاً تحتفظ به حياتك كلها: ألوهة واحدة، وقدرة واحدة في الثلاثة موحدين، وفي كل منهم منفصلين، لا أنهم غير متساوين في الجوهر أو في الطبيعة، ولا أنهم مزيدون أو منقصون بالإضافة أو بالطرح؛ إنهم متساوون من كل وجه، وهم حقيقة واحدة، كما أن جمال السماوات وعظمتها شيء واحد. ارتباط لا متناه لكائنين ثلاثة غير متناهين.

كل منهم بمفرده إله، كما الآب كذلك الاين، وكما الابن كذلك الروح القدس، يمتاز كل منهم بأقنوميته الخاصة، الثلاثة إله واحد في اجتماعهم. كل منهم إله من حيث وحدة الجوهر، وإله واحد من حيث المونرخيّا”.

وإننا إذا قارنا تعليم غريغوريوس بتعليم باسيليوس في شأن اللاهوت رأينا أن الأول أكثر تشديداً على الوحدة والمونرخيا، وعلى سيادة الله المطلقة الواحدة، وأوضح تحديداً للعلاقات الإلهية، وهذه العلاقات التي أكب غريغوريوس على ابرازها كانت عبر الأيام أساساُ لجميع الدراسات التي أنشئت في موضوع الثالوث، وغريغوريوس ينطلق من هذه العلاقات لكي يبرهن على اشتراك الأقانيم الثلاثة في الخلود، وعلى وحدة الجوهر فيهم، وذلك في وجه الهراطقة الذين أحدثوا في الثالوث انفصاماً جوهرياً.

وفيما يقف باسيليوس عند الابن فيما هو من العلاقة، نرى غريغوريوس يمتد فيها إلى الروح القدس، وهكذا كان غريغوريوس أول من حدد بوضوح ميزات الأقانيم الخاصة، وقدم للتاريخ ولعلم اللاهوت فكرة الترابط المصدري في الثالوث على أنه العلاقات المميزة.

وغريغوريوس يتفوق على باسيليوس أيضاً في كونه يعلن أن ميزات الأقانيم الخاصة هي اللامولودية (الآب)، والمولودية (الابن)، والانبثاق (الروح)، وهكذا يحدد بوضوح ميزة الروح القدس الخاصة على أنها الانبثاق، فيما يتوقف باسيليوس عند الآب والابن، ويعلن عجزه عن إبراز ميزة الروح القدس. يقول غريغوريوس: “الآب هو اسم من لا مصدر له، والابن اسم من ولد في غير بدء، والروح القدس اسم من انبثق أو أتى من غير ولادة”.

 

2 – الروح القدس

لقد تردد باسيليوس في إعلان حقيقة الروح القدس، أما غريغوريوس فقد أعلن ألوهته بوضوح وفي غير تحفظ ودعاه “الله”. ومن أقواله: “حتّام نجعل المصباح تحت المكيال، ونحزم الناس من معرفة ألوهة الروح القدس معرفة كاملة؟ إنه من الأفضل أن نجعل المصباح على المنارة فينتشر نوره في الكنيسة كلها، وفي جميع النفوس”.

 

3 – المسيح

كان للكنيسة وللمجامع المسكونية على مر العصور ينبوع فياض في رسائل غريغوريوس وخطبه، فقد دافع بدقة ووضوح عن كمال إنسانية المسيح، وهاجم أبوليناريوس الذي كان يرى في المسيح جسداً بغير روح إنسانية، وقال ب “اللوغوس إنسان” لا ب “اللوغوس جسد”؛ ونادى بأن الإنسانية في المسيح جسد وروح، وبأن في المسيح طبيعتين: طبيعة إلهية وطبيعة بشرية. وهو يقول: “إن الطبيعتين في المسيح متحدتان اتحاداً كاملاً إذ أن الألوهة تأنست، والإنسان تأله”.

وغريغوريوس يعلن أيضاً أن الطبيعتين في المسيح طبيعتان لشخص واحد: “لقد تنازل ليكون واحداً مؤلفاً من اثنين، طبيعتان تلتقيان في ابن واحد لا في اثنين”.

 4 – مريم العذراء

لقد أصبح الاسم “ثاوتوكوس” مع غريغوريوس حجر الزاوية في الأوثوذكسية وذلك قبل مجمع أفسس (431)، وقال:

“من أنكر أن تكون الطوباوية مريم والدة الإله فقد انفصل عن اللاهوت. من ادعى أن المسيح مر في العذراء كما في قناة. من غير أن يتكون فيها إلهياً وإنسانياً معاً، إلهياً أي بغير وساطة رجل، وإنسانياً أي بحسب نظام الحبل، فقد خرج من العقيدة وكان كافراً. من قال بأن إنساناً بأن إنساناً تكون أولاً، وأن الألوهة ألقيت عليه بعد ذلك، وجب تجريمه أيضاً لأنه أزال الولادة الإلهية ولم يُبق منها إلا ظاهر الولادة.

من ذهب إلى أن هنالك ابنين، واحداً من الله، وآخر من الأم، ملغياً الوحدة والإنيّة، فليكن محروماً من التبني الذي وُعد به المؤمنون إيماناً قوياً… من ادعى أن جسده نزل من السماء ولم يكن من ههنا…. فليكن مُبْسَلاً…”.

 

5 – الإفخارستيا

يرى غريغوريوس أن في الإفخارستيا ذبيحة سرية حقيقية. جاء في إحدى رسائله: “إن لسان الكاهن ينهض بالمريض عندما يكون في تأمل أمام السيد، فاصنع أكثر من ذلك وأنت تحتفل بالليتوروجيا، وحلّني من خطاياي الكثيرة عندما تكون ذبيحة القيامة بين يديك. يا صديقي الكريم، لا تتوقف عن الصلاة من أجلي والشفاعة فيّ، عندما تُنزل الكلمة بكلمتك، وعندما تفصل، بطريقة سرية وغير دموية، جسد الرب عن دمه، جاعلاً صوتك بمثابة الحرية”.

وهكذا فغريغوريوس رائد من رواد العقيدة الأرثوذكسية وكوكب اهتدت بنوره الكنيسة عبر العصور، وكلمة حق تمجد بها الكلمة الأزلي، ولنا الأمل الوطيد في أن تكون خطبه اللاهوتية خمير تجدد في شرقنا العزيز، وأن تكون منهلاً محيياً لطالبي الورود والحياة.

 

[1] نحلة ظهرت في القرن الرابع بكبادوكية وبقيت إلى القرن التاسع في القسطنطينية وقد عبدت الإله الواحد الأسمى ومن هنا اسمها، كما عبدت النور والنار، وقدست السبت، وتنكرت للأصنام والذبائح.

[2] ايريس: نهير ينبع في أرمينيا ويصب في البحر الأسود.

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

هل الله يتغير؟ وهل يعبد المسيحيون الجسد؟ – المذيع المسلم يذيعها مدوية: أنا لا أعرف شيء

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

القديس غريغوريوس النزينزي – حياته، أعماله وفكره اللاهوتي

ما هي ادلة القيامة ؟ هل قام المسيح من بين الاموات ؟ – ترجمة جان كرياكوس

ما هي ادلة القيامة؟ هل قام المسيح من بين الاموات؟ – ترجمة جان كرياكوس

ما هي ادلة القيامة ؟ هل قام المسيح من بين الاموات ؟ – ترجمة جان كرياكوس

ما هي ادلة القيامة ؟ هل قام المسيح من بين الاموات ؟ – ترجمة جان كرياكوس

اشراف فريق اللاهوت الدفاعي

جدل حول قيامة يسوع من الموت

يبرز هذا المقال الله بأنه أفضل تفسير لقيامة يسوع، سوف نركز على الحقائق الصغيرة لخطوات Gary Habermas (MFA)، وفيها يفسر Habermas “فكر فقط في المعلومات التي تأكدت بقوة تاريخيا والتي يضمنها تقريبا كل باحث يدرس الموضوع، حتى المتشككين منهم “(1)، هذا يأتي بعد ان قرأ Habermas 3000 مقال أكاديمي لباحثين بعدة لغات، بعد ذلك قام Habermas بتعريف 12 حقيقة (2) (3) ولكننا سوف نركز فقط على أربعة حقائق احتاجها لتوضيح الموضوع:

  • صلب يسوع
  • دفن يسوع
  • قبر يسوع الفارغ
  • ظهورات يسوع بعد موته

الموثوقية العامة:

بما اننا سوف نتطرق للعهد الجديد، فأنا اريد ان نثق به كوثيقة تاريخية، سوف لا نفترض ان ورد بالإنجيل موحي به اوانه معصوم من الخطأ، سوف نتطرق اليه فقط على انه وثيقة تاريخية، كما ناقشت سابقا، سوف نركز على ستة مواضيع رئيسية (4)، ان الأناجيل هي مصادرنا الأولية للتعرف على يسوع، يؤكد الناقد المعاصر Bart Ehrman اننا نستطيع الاستفادة من “اناجيل العهد الجديد”، فهو يوضح ان ذلك “ليس لأسباب دينية او لاهوتية،،، يمكننا ان نثق بها، وانما لأسباب تاريخية، واضحة وبسيطة” (5)، فيما يتفق البروفيسور Richard Burridge يدعي انه عندما “نحكم على مقاييس القرن الأول، اعتقد ان الاناجيل وثائق يمكن الاعتماد عليها جيدا” (6)

فلا يقبل الجدال كون الاناجيل بحد أقصى او اقل، تعطينا معلومات تاريخية عن يسوع، وضع كهذا قد قوي منذ الاجماع عليه (10) واليوم تندرج الاناجيل ضمن “نوعيات السير الذاتية” (7)، “السير الذاتية القديمة” (8)، و” كما تصنف بالسير الذاتية القديمة” (9)، فهذه الحقيقة الهامة توضح لنا دافع الكاتب، وهوان يروي لنا ما حدث بالفعل، سوف يكون شيء اخر إذا كان ينوي الكاتب كتابة رواية رومنسية خيالية او شعريه بدلا عنها،

يدون المؤرخون ان علماء الاثار يؤيدون رويات الاناجيل التي تظهر تناسقا مع التاريخ، فيوجد العديد من التأكيدات التي تتعلق بالأناجيل، كما يميز البروفيسور Craig Evans ويشرح “اناجيل متي، مرقس، لوقا، يوحنا، سفر اعمال الرسل – فهذه هي الاسفار القصصية الاساسية للعهد الجديد، فهم يتحدثون عن أناس حقيقية، أحداث حقيقية، أماكن حقيقية، وعلماء الآثار يوضحون ذلك”(11)، يتفق الباحث Paul Johnson كاتبا ان “يدون المؤرخون هذا الدليل الداعم من علم الاثار يؤكد أكثر من ما يعرض روايات يسوع” (12)، لدي المؤرخون ادلة اضافية على احداث الانجيل.

كما يشرح المفسر Habermas “عندما تجتمع الادلة من المصادر القديمة، فهي تلخص عدد من المعلومات المؤثرة التي تخص يسوع والمسيحية القديمة” (13)، وفوق ذلك فأن الموثوقية العامة تعزز أكثر بواسطة شهادة المخطوطات، فنحن لدينا أكثر من 5000 نسخة باللغة اليونانية الاصلية (14) التي تتفوق على اي شيء اخر لدينا من الاعمال الرومانية اليونانية القديمة، يوضح Habermas ذلك جيدا، “المقصود عادتا هو ان العهد الجديد له ادله كثيرة من المخطوطات التي ترجع لفترات ابعد من الاعمال الكلاسيكية الأخرى، يوجد فقط اقل من 6000 مخطوطة للعهد الجديد بنسخ لغالبية العهد الجديد، يرجع تاريخها ب 100 سنة او أكثر من كتابته.

بأخذ هذا في الاعتبار، فالاعمال الكلاسيكية غير موثقة، في حين ان هذا لا يضمن المصداقية، لكنه يفسر انه من الاسهل بكثير اعادة بناء نص العهد الجديد” (15)، لا يقل اهمية قدم دليل النص الذي لدينا، فكل تواريخ العهد الجديد ترجع لأواخر القرن الأول، لقد مات يسوع حوالي سنة 30 ميلادية، ومعظم الباحثين يؤرخون الاناجيل من سنة 70 وحتى سنة 95 ميلادية، في حين ان رسايل بولس الرسول يرجع تاريخها لما قبل الخمسينات من القرن الأول، وهذا يعني ان ما لدينا هو شهادة القرن الأول عن حياة يسوع.

يناقش الباحث Mike Bird ان هذا مبكرا وخاصةّ “بالمقارنة بالأشخاص التاريخية الاخري” (16)، يشرح البروفيسور Keener ان “نصوص الانجيل قد كتبت في خلال أربعة عقود من اعدام يسوع، وهذا يمنحنا فرصة استثنائية للدخول الي اعماق خدمة يسوع المبكرة” (17)، يدعي الباحث Dan Wallace انه ” كحقيقة تاريخية لا يمكن انكار ان هذه الاناجيل هم شهودنا الاوائل عن ما كان يؤمن به المسيحيين بالقرن الآول” (18)، يوضح ايضا الباحثون انه في الواقع يمكننا العودة حتى الي ما قبل سنة 70 ميلادية عندما نحلل التقاليد الاجتماعية التي كانت وراء الاناجيل،

الحقائق الصغيرة:

سوف نبدأ العمل من القواعد التي يتقبلها عادتا المؤرخون، وهوان مصدران مستقلان يؤكدان حدث تاريخي يعتبر تاريخيا (19)، سوف استخدم ايضا مقياس المصداقية كمرجع (CoA)، CoA هو اداة يستخدمها المؤرخون لتحديد امكانية حدوث أفعال وأقوال يسوع، وبالطبع كلما زادت الامكانية، زادت ثقتنا في الأقوال او الأحداث المزعومة (27)، من خلال CoA سوف نركز على (28):

  1. الاستقلالية والشهادة المبكرة: يظهر الحدث في عدة مصادر قريبة من الوقت المزعوم لحدوثها،
  2. الحرج: فالحدث من الممكن ان يكون فظ او غير نافع بالنسبة للشخص الذي هو مصدرا للمعلومات، مما لا يرجح انه قد قام بأختلاقه،
  3. شهادة الاعداء: يصدق على الحدث الاعداء ايضا مما يمنحه امكانية حدوث عالية،

الحقيقة الآولي: موت الموت يسوع مصلوبا

لا يوجد اتجاه سائد للمؤرخين يشك في صلب يسوع، بحسب رأي البروفيسور James Dunn فأن صلب يسوع “حاز على اجماع غالبية العالم” و”من المستحيل الشك فيه او انكاره” (20)، ويتفق Bart Ehrman على “انه واحد من الحقائق المضمونة عن حياة يسوع” (21)، يقول البروفيسور Luke Johnson ان الدليل “كاسح” (22)، ويقول البروفيسور الملحد Ludemann “ان الصلب غير قابل للمناقشة،” ويقول Crossan “انه يأخذه كشيء مضمون كليا” (23)، ويطلق عليه Borg “من الجائز جدا ان يكون مؤكدا” (24)، وتقول Paula Frederickson “انها أكثر حقيقة مؤكدة لدينا عن يسوع” (25).

ان الصلب وحده مؤكدا فيما لا يقل عن 11 مصدر مستقل من داخل وخارج العهد الجديد: رواية الام المسيح بحسب ما قبل انجيل مرقس، Q، يوحنا، بولس، عبرانيين، رسالة بطرس الاولي 2: 24، Clement of Rome، Ignatius، Martyr، Josephus Flavius، & Cornelius Tacitus، ما قبل انجيل مرقس وQ يعدوا سابقين تاريخيا بعدة سنوات من حدث الصلب، ثم اخرون، اقل قيمة.

مصادر مثل لوسيان، سيرابيون (تعتمد على التواريخ)، الثالوث والتلمود يؤكدان تقليدا ثابتا لصلب يسوع (26)، ايضا يتجاوز الصلب ال CoA، فهو سابقا ومتعددا الادلة (29)، يتجاوز مقياس الحرج (30) (31)، الاتساق (32)، كما ايضا يتفق مع علم الاثار (33)، ان تفاصيل الصلب التي بالانجيل تتفق ايضا مع ما نعرفة عن علم الطب المعاصر وهو الشيء الذي يمنحها مصداقية (33) (34)،

الحقيقة الثانية: دفن يسوع

أجمعت الآراء على دفن يسوع، بحسب CoA فأنه حدثا قديما ومتعدد الاثباتات، فهو مؤكدا منذ ان تسلم بولس الايمان بنحو ما يقل عن خمسة أعوام بعد صلب يسوع (35)، يوضح Habermas ان هذه المعتقدات “تحتفظ ببعض التقارير القديمة التي تتعلق بيسوع منذ ما يقرب من سنة 30- 50 ميلادية” (36)، ان الدفن مؤكدا ايضا برواية مرقس لما قبل الام المسيح، والتي بحسب تفسير William Craig “يعتبر مصدرا قديما جدا والذي غالبا يعتمد على شهادة شهود عيان وتواريخ بعد عدة أعوام من صلب يسوع” (37)، يؤرخها ايضا البروفيسور Richard Bauckham لما قبل عام 40 ميلادية وهو التاريخ الذي غالبا “يعود لكنيسة اورشليم” (38).

فهذا دليل قديم قوي ومستقل، ان الدفن في حد ذاته مثبت بمادة فريدة M & L، سفر أعمال الرسل وانجيل يوحنا، فنحن لدينا بشكل شامل ستة مصادر مستقلة ومبكرة جدا تؤكد دفن يسوع، وبحسب John Robinson فأن الدفن هو واحد من “أقدم وأفضل الحقائق حول يسوع” (39)، والأكثر من ذلك، فالدفن مثبتا ايضا من الاعداء، أعداء يسوع اليهود المتدينين قد اتهموا التلاميذ بسرقة جسد يسوع من القبر وفقا لإنجيل متي 28: 13، Martyr (Dialogue with Tryphyo, 108)، وTertullian (De Spectaculi, 30)، اتهام كهذا يفترض ان يسوع قد دفن داخل القبر وان القبر وجد فارغا،

الحقيقة الثالثة: قبر يسوع الفارغ

ان الحقيقة الثالثة هي الاستثناء، بما انها مؤكدة بنحو75% من الباحثين ومعارضة من نحو99%، ولكن بأي حال، فهي تظل غالبية كما يفسر Habermas قائلا “يبدوان الغالبية العظمي من النقاد الباحثين المعاصرين يؤيدوا ،،، ان يسوع قد دفن في قبر ووجد ذلك القبر فيما بعد فارغا” (40)، اولا، في اوائل عقيدة ما قبل بولس الرسول بالرسالة الاولي الي اهل كورنثوس 15: 1- 11 كما يدون William Craig “عندما نقول ان يسوع مات – دفن – قام – ظهر، فأن ذلك يتضمن بديهيا ان القبر الفارغ قد ترك خلفا” (41)، ثانيا، اذا لم يكن القبر فارغا بالفعل، لكانت المسيحية قد اصطدمت بحائط، فأن ابسط وسيلة لإثبات عدم صحة الايمان المسيحي بقيامة يسوع المخلص، هي ان تذهب الي القبر الذي دفن به يسوع وتعرضه.

يشرح Paul Althaus ادعاء القيامة بأنه “اذا لم يكن قد ثبت خلو القبر لكل المهتمين، لما كان هذا الادعاء استمر في اورشليم لمدة يوم او حتى ساعة” (42)، ثالثا، كون ان النساء اللاتي كن يتبعن يسوع هن اول من اكتشف القبر الفارغ، فهذا يتجاوز مقياس الحرج، كما يلقي الضوء Chris Price “في ظل البيئة الثقافية في ذلك الوقت، اذا اردت ان تختلق قصة حول قبر فارغ، فعليك ان لا تجعل النساء هن اول الشهود العيان، فان ذلك يعتبر تفاصيل ضاره تضمنها الكاتب فقط لأنه اراد ان يخبر بالحقيقة” (43)، وهو ايضا يشكل برهان مستقل، انه مثبت مبكرا وبشكل مستقل في كورنثوس الاولي 15: 1- 11.

وفي رواية الام المسيح لما قبل مرقس الرسول (44)، وهو ايضا مثبتا في اناجيل (مرقس، متي، لوقا) ويوحنا، فهذه المصادر الاربعة المستقلة كما يدون Habermas “ان القبر الفارغ قد ذكر في على الاقل ثلاثة اناجيل ان لم يكن الاربعة” ولهذا السبب “قد اخذ الخبر بجدية من النقاد الباحثين المعاصرين” (45)، وكان ايضا جزء من التعاليم الاولي للمسيحية في سفر اعمال الرسل (3: 29- 31 & 36- 37) وهو ايضا مؤكدا من قبل اعداء المسيحية (46)،

الحقيقة الرابعة: ظهورات يسوع بعد موته

ان الغالبية العظمي تشير الي ان يعقوب، بولس والتلاميذ لديهم خبرات حول قيامة يسوع، طبقا للملحد التاريخي Gerd Ludemann “ربما قد اعتبر شيء مؤكد تاريخيا ان بولس التلاميذ لديهم خبرات بعد موت يسوع حيث ان يسوع قد ظهر لهم كالمسيح القائم من الموت” (47)، يقول Agnostic James Crossley “انه أصعب وأفضل دليل لدينا” (48)، ويدعوه Ehrman “حقيقة تاريخية” (49)، فجميع الاناجيل الاربعة تشهد كل منها بشكل مستقل على القيامة، فظهور يسوع لبولس يشهد عنه لوقا مستقلا، وظهوره للاثني عشر تلميذا يشهد عنه لوقا ويوحنا، ونحن لدينا شهودا مستقلين عن ظهورات الجليل في انجيل مرقس، متي ويوحنا (50)

هناك ما هو  أكثر من ذلك هو  شهادة بولس في بداية ايمانه (كورنثوس الاولي 15: 1- 11)، في رسائل بولس المثبتة والمتجادل عليها، Q وسفر اعمال الرسل، فبداية الايمان تعتبر شيئا مميزا جدا حيث يسجل ان بطرس، الاثني عشر تلميذا، 500 شاهد، يعقوب واخيرا بولس لديهم خبرات حول يسوع القائم من الموت، ما هو أكثر من ذلك، Clement of Rome في القرن الاول وPolycarp في بداية القرن الثاني لديهم ادلة مؤكدة لظهورات القيامة، فكلاهما يعرف التلاميذ وهو الشيء الذي يمنح شهادتهم المصداقية،

ما هو أكثر من ذلك، هو ان التلميذان يعقوب وبولس كانا مخلصان في ادعائهما بقيامة يسوع كما أكدت تسعة مصادر مبكرة ومستقلة، بولس كان يضطهد الكنيسة الاولي حتى ظهر له يسوع (51)، كان يعقوب أخو يسوع الشكاك الذي اقتنع ايضا بسبب ظهور القيامة (52)، نحن ايضا نعرف 11 مصدرا يخبرنا بالادعاءات المبكرة للتلاميذ بالقيامة واستعدادهم للمعاناة والموت من اجلها (53)، واخيرا، فنحن نعلم ان المسيحيين الاوائل بولس، يعقوب (أخو يسوع)، يعقوب (أخو يوحنا)،

اسطفانوس وبطرس جميعهم قد استشهد بسبب ايمانهم بقيامة يسوع، ما هو أكثر من ذلك، هو انه لا يمكن تفسير تلك الظهورات على انه هلوسة، حيث ان بولس قد أمن بقيامة يسوع جسديا (54)، قد أكل يسوع بعد قيامته السمك (لوقا 24: 42)، وعرض على تلاميذه ان يلمسوا جسده القائم (لوقا 24: 39، يوحنا 20: 27)، وان يمسكوا بقدميه (متي 28: 9)، والتلميذ توما قد وضع اصبعه ويده في المكان الذي كان به المسامير بجسد يسوع (يوحنا 20: 27)، بحسب المفسر Craig William Craig “فنحن لدينا شهادات متطابقة بالأناجيل بأن جسد المسيح بعد القيامة كان جسد حقيقي” (55)،

النتيجة: “اذن، فالله هو أفضل تفسير لكل هذه المعلومات،”

ان نقاشي هو ان القيامة هي ان انسب تفسير لكل هذه المعلومات وان وجود الله هو سبب هذه الحقائق،

المراجع:

1، Habermas, G، & Licona, M، 2004، The Case for the Resurrection of Jesus،p، 44،

2، Habermas, G، 2012، The Minimal Facts Approach to the Resurrection of Jesus: The Role of Methodology as a Crucial Component in Establishing Historicity، Available،

3، 12 Historical Facts (Most Critical Scholars Believe These 12 Items)، Available،

4، Bishop, J، 2016، The General Reliability of the Gospels، Available،

5، Ehrman, Bart، 2008، The New Testament، p، 229،

6، Burridge, R، 2013، All Four One And One For All، Available،

7، Stanton, G، 2004، Jesus and Gospel، p، 192،

8، Dunn, J، 2003، Jesus Remembered: Christianity in the Making، p، 185،

9، Cornerstone Institute، New Testament Studies، 2015،

10، Keener, C، 2009، Will the Real Historical Jesus Please Stand Up? The Gospels as Sources for Historical Information about Jesus، Available،

11، Evans, C، Interview: Is the Bible Reliable? Available،

12، Johnson, P، 1986، A Historian Looks at Jesus (Speech)،

13، Habermas, G، 1996، The Historical Jesus: Ancient Evidence for the Life of Christ، p، 219،

14، Elliott, K، & Moir, I، 2000، Manuscripts and the Text of the New Testament، p، 1،

15، Habermas, G، Dr، Habermas Answers Important Questions، Available،

16، Bird, M، 2014، Yes Jesus existed… but relax, you can still be an atheist if you want to، Available،

17، Keener, C، 2009، Will the Real Historical Jesus Please Stand Up? The Gospels as Sources for Historical Information about Jesus، Available،

18، Wallace, D، 2010، Dethroning Jesus: Exposing Popular Culture’s Quest to Unseat the Biblical Christ، p، 100،

19، Craig, W، 2009، Independent Sources for Jesus’ Burial and Empty Tomb، Available،

20، Dunn, J، 2003، Jesus Remembered: Christianity in the Making، p، 339،

21، Ehrman, B، Why Was Jesus Killed? Available،

22، Johnson, L، 1996، The Real Jesus، p، 125،

23، Ludemann, G، 2004، The Resurrection of Christ، p، 50،

24، Crossan quoted by Stewart, R، & Habermas, G، in Memories of Jesus، p، 282،

25، Paula Frederickson, remark during discussion at the meeting of “The Historical Jesus” section at the annual meeting of the Society of Biblical Literature, November 22, 1999،

26، Habermas, G، & Licona, M، 2004، The Case for the Resurrection of Jesus، p، 50،

27، Bishop, J، 2016، The Historical Jesus and the Criteria of Authenticity، Available،

28، Craig, W، 2013، A Reasonable Response، Also see, Craig, W، 2014، Gospel Authorship – Who Cares? Available،

29، Craig, W، The Resurrection of Jesus، Available،

30، Hengel, M، 1977، Crucifixion، According to Hengel: “The social stigma and disgrace associated with crucifixion in the Roman world can hardly be overstated،”

31، Craig, W، 2013، Stephen Law on the Non-existence of Jesus of Nazareth، Available،

32، Wallace, D، 2010، Dethroning Jesus: Exposing Popular Culture’s Quest to Unseat the Biblical Christ، p، 109،

33، Edwards, W، 1986، Journal of the American Medical Association، p، 1463،

34، Bishop, J، 2015، Jesus Fact #2 – The Piercing of Jesus’ Side and Medical Science، Available،

35، Ludemann, G، 1994، The Resurrection of Jesus: History, Experience, Theology، p، 38،

36، Habermas, G، 1996، The Historical Jesus: Ancient Evidence for the Life of Christ، p، 143

37، Craig, W، 2009، Independent Sources for Jesus’ Burial and Empty Tomb، Available،

38، Bauckham, R، 2008، Jesus and the Eyewitnesses: The Gospels as Eyewitness Testimony، p، 243،

39، Robinson, J، 1973، The Human Face of God، p، 131،

40، Habermas, G، The Empty Tomb of Jesus، Available:

41، Craig, W، The Historicity of the Empty Tomb of Jesus، Available،

42، Althaus, P، quoted by Dale Allison in: Resurrecting Jesus: The Earliest Christian Tradition and Its Interpreters، 2005، p، 317،

43، Price, C، 2015، Resurrection: Making Sense of Historical Data، Available،

44، Exploring Biblical Greek، 30-60 AD – Pre-Markan Passion Narrative، Available،

45، Habermas, G، 2005، Recent Perspectives on the Reliability of the Gospels، Available،

46، Flowers, D، 2013، The Resurrection of Jesus of Nazareth، Available

47، Ludemann, G، 1995، What Really Happened? p، 80،

48، Crossley, J، 2015، Unbelievable? New Testament Q&A – Gary Habermas & James Crossley،

49، Ehrman, B، 1999، Jesus: Apocalyptic Prophet of the New Millennium، p، 231،

50، Craig, W، The Resurrection of Jesus، Available،

51، Ehrman, B، 2006، Peter, Paul, and Mary Magdalene: The Followers of Jesus in History and Legend، p، 101،

52، Habermas, G، 2003، The Risen Jesus and Future Hope، p، 22،

53، Sources: Luke, Paul, Josephus, Clement of Rome, Clement of Alexandria, Polycarp, Ignatius, Dionysius of Corinth, Tertullian, Origen, and Hegesippus،

54، Bock, D، & Wallace, D، 2010، Dethroning Jesus: Exposing Popular Culture’s Quest to Unseat the Biblical Christ، p، 208،

55، Craig, W، 2008، Reasonable Faith، p، 383،

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث – الجزء الثاني – عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان

 

ما هي ادلة القيامة؟ هل قام المسيح من بين الاموات؟ – ترجمة جان كرياكوس

مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي

مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي

مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي

مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي

يبقى أن سارتر لم يستطع أو لم يشأ أن يميز الإله الحي عن التصورات الصنمية التي يكونها الإنسان عنه، فرفض الله لكي يوجد الإنسان، أو بعبارة أخرى ليكون الإنسان حراً، إذ أن الحرية والوجود هما في نظر سارتر أمر واحد. رفض الله، بالنسبة لسارتر، يطلق حرية الإنسان، لأنه عند ذاك مرغم أن يخلق ذاته وأن يخلق القيم إذ ليس له ما يستند إليه خارج اختياره. بهذا المعنى قال سارتر: “لقد كتب دوستويفسكي: لو كان الله غير موجود، فكي شيء يكون مسموحاً. هذا هو نقطة انطلاق الوجودية. بالفعل كل شيء مسموح إذا كان الله غير موجود، وإذاً فالإنسان متروك لأنه لا يجد لا في ذاته، ولا خارج ذاته إمكانية التعلق بشيء”.

هكذا فحرية الإنسان هي، بنظر سارتر، المرجع الوحيد لكل شيء لم يعد للإنسان نموذج إلهي يعود إليه في تقييم أموره وفي تحقيق ذاته، إنما صار عليه أن “يخترع” ذاته والقيم، وهكذا بقبوله تلك العزلة يبلغ إلى ملء قامته كإنسان ويحافظ على أثمن ما لديه، على تلك الحرية التي هي مرادفة لوجوده.

ولكن ما هي تلك الحرية التي يجعل فيها سارتر كل كرامة الإنسان؟ إنها فراغ ظهر في ملء الكون. إنها “عدم”، يقول سارتر، ويعني بذلك أنها غير موجودة ولكنها مجرد قوة نفي ورفض، بها ينفصل الإنسان عن أوضاعه ليتجاوزها. ولكن يتجاوزها إلى أين وبالرجوع إلى أية مقاييس؟ ليس للحرية مقاييس بنظر سارتر وليس لها ما يستقطبها. إنها لذاتها المقياس والمرجع والهدف الوحيد. لا مبرر لها ولا غاية. تظهر يوماً إلى حيز الوجود ثم تتلاشى كلياً بالموت دون أن يكون لوجودها أو تلاشيها من معنى: “كل حي يولد دون مبرر ويستمر عن ضعف ويموت صدفة”. وهكذا يكون الإنسان “شهوة لا جدوى لها”. إن حريته تعطي للأشياء معاني ولكنها هو ووجوده لا معنى لهما. لذا فالحرية عبء على الإنسان لأنها فراغ دائم عبثاً يفتش الإنسان فيه عن كيانه ليستريح إليه، الإنسان “محكوم عليه بالحرية”.

تلك هي الحرية التي يعطيها سارتر قيمة مطلقة. ولكن فلنتساءل إذا كان مفهومه هذا للحرية يشكل جواباً مرضياً على مشكلة الإنسان. أمران يبدوان لنا عند ذاك، أولهما أن هذا المفهوم للحرية لا يخلو من متناقضات جوهرية، والثاني أنه تشويه وبتر للحرية الحقة.

1 – المفهوم السارتري للحرية لا يخلو من متناقضات جوهرية

 يقول سارتر إن الكون والوجود الإنساني لا معنى لهما ولا مبرر، ولكنه من جهة أخرى يقرر بأن الإنسان في سعي مستمر إلى المعنى وأنه تحديداً كائن يعكي للأشياء ولأعماله معاني. ولكن السؤال الذي يبقى دون جواب في هذا المنظار السارتري هو الآتي: إذا كان الوجود كله، بما فيه الوجود الإنساني، لا معنى له، فمن أين للإنسان ذلك التوق إلى المعنى؟ من أين له تلك الحرية التي همها أن توجد معاني؟ كيف يُعقل وجود تلك الحرية التائقة إلى المعنى وسط عالم لا معنى له بتاتاً؟ من أين أتت تلك الحرية؟ كيف برزت في كون غريب عنها بالكلية؟ هذا ما عبر عنه جان لاكروا بقوله: “إذا كان العالم مجرداً من كل معنى، وإذا كان للإنسان تطلباً للمعنى، فمن أين يأتي هذا التطلب الإنساني، من أين يأتي الإنسان؟”

أضف إلى ذلك أن تقرير اللامعنى في الكون وفي الوضع الإنساني يفترض وجود معنى نحتكم إليه في تقريرنا هذا. فاللامعنى لا يحدد إلا بالنسبة لمعنى يتطلع الإنسان إليه ويصبو. وإلا لقبلنا الوجود على أنه واقع ليس إلا. لكن طالما ان الحرية تنتصب أمام الكون لتحكم عليه بأنه لا معنى، فهذا يفترض أن هناك معنى يستقطبها وإليه تعود في حكمها هذا، وإنها بالتالي لا يمكن أن تكون مجرد فراغ لا مبرر له ولا غاية. هذا ما عبر عنه مثلاً رينه حبشي في مؤلفاته، وقد لخص الدكتور جميل صليبا موقف هذا المفكر فيما يلي: “…. إذا كان الإنسان يدرك ما في وجوده الواقعي من نقص، فمرد ذلك إلى شعوره بالكمال. وإذا كان يدرك المحال المتجلي في حطام الوجود، فمرد ذلك إلى شعوره بإمكان الخروج منه”.

هذا المعنى الذي تسمو به الحرية الإنسانية على الوجود لتقيم بالقياس إليه الوجود لا يمكن أن ينبع إلا من الله، قاعدة الوجود وغايته. لذا فتقرير عبثية الوجود يفترض ضمناً الرجوع إلى ذلك القياس الإلهي الذي تنفيه عبثية سارتر وغيره: تلك هي المفارقة كما بينها مثلاً بول افدوكيموف بقوله: “إن أكبر مفارقة هي أن اليأس في ذروته يعود حتماً إلى المطلق المعلنة استحالته… وفي النهاية غياب الله هو الذي يجعل العالم عبثاً ويائساً، إنه وحده يبرر المواقف القصوى التي تقفها الوجودية… إن الله، ولو سلبياً، يستخدم هنا كمقياس: كل شيء يقيم بالإضافة إلى غياب المعنى الإلهي”.

مجمل الكلام، أن الحرية السارترية بحاجة إلى الله لكي تقرر أن الكون لا معنى له وتنفي بالتالي وجود الله. لذا فالإلحاد السارتري تراوده، شاء أم أبى، فكرة الله، وما تهالكه على نفي الله، كما يتجلى مثلاً في مسرحية “الشيطان والله”، حيث يدوي اسم الله في كل صفحة، سوى محاولة للتخلص من “شبح” ذاك الذي تصور أنه “قتله”.

ثم أن سارتر ينسب للحرية قدرة على أن توجد الإنسان. فالإنسان “ليس في البدء شيئاً. لن يوجد إلا فيما بعد، وعند ذاك يكون كما صنع نفسه… الإنسان هو فقط، ليس كما يتصور نفسه وحسب، بل كما يريد نفسه… ليس الإنسان سوى ما صنع نفسه”. لا شيء إذاً، في هذا المنظار، مفروض على الإنسان. فالحرية تتخطى كل ضغط الأوضاع البيولوجية والاجتماعية والظروف المعيشية، تتخطى ذلك كله لتوجد الإنسان كما يشاء هو أن يكون. فالإنسان صنيعة نفسه، صنيعة حريته وحسب، لا وليد الأوضاع التي وُجد فيها. هذا التأكيد على الحرية الإنسانية، على ما فيه من مبالغة، هو من أنبل مظاهر الفكر السارتري. ولكن التناقض يبدو بين تلك القدرة الخلاقة التي تُنسب إلى الحرية، من جهة، وبين كون تلك الحرية، من المنظار السارتري، مجرد فراغ يبرز لحظة وبلا مبرر في ملء الوجود لكي يتلاشى بالكلية دون أن يكون لوجوده هدف أو غاية. كيف يمكن للفراغ الذي لا معنى له أن يكون خلاقاً وأن يصنع أسمى المعاني وأنبلها؟ إذا كانت الحرية مجرد ثغرة في كثافة الكون، كما يعتبرها سارتر، فأنى لها أن تبدع في الكون وتغير وجه الأرض؟ بالطبع يرفض سارتر الإجابة على هذا السؤال لأن من ورائه سعياً إلى اكتشاف منطق في الوجود، فيما أن الوجود بنظره لا منطق فيه ولا مبرر له. هذا ما يدعوه سارتر في كتابه “الكائن والعدم”، وكأنه يقول: الأمور هكذا لأنها هكذا. ولكن هذا الموقف يشكل انتحاراً للعقل الذي لا بد له أن يفتش عن علة الأشياء. لذا فإذا رأينا أن الحرية تحرر الإنسان من عبودية نواميس الكون وقيوده، وجب علينا أن نفتش عن أصلها خارج الكون وأن نعتبرها مساهمة منحت للإنسان في سيادة سيد الكون ومبدعه. يقول الفيلسوف الوجودي ياسبرز أن من اختبر حقاً حريته وعن تجذره في الله: “عندما نقرر بحرية، ويتخذ كل شيء معناه لنا و…. نمتلك حياتنا، نعي بأننا لسنا مدينين بكياننا لنا وحدنا.

“على قمم الحرية، عندما يبدو لنا عملنا ضرورياً، لا بضغط خارجي صادر عن حتمية طبيعة لا تلين، بل بموافقة كياننا الداخلية… نعي أننا لأنفسنا، في حريتنا، هدية من التعالي. كلما كان الإنسان حقيقة حراً، كلما كان متيقناً من الله. عندما أكون حقيقة حراً، أكون متيقناً بأنني لست هكذا بنفسي”.

وبالمعنى نفسه، وبالاستناد إلى ياسبرز، كتب المفكر الأرثوذكسي بول افدوكيموف: “يجب الاعتراف بعظمة الوجودية التي ركزت كل تفكيرها على الحرية. تلك الحرية، التي هي بداهة أساسية للفكر البشري، تشكل شرط النشاط الإنساني الخلاق. ولكن هذه الوظيفة لا يمكن أن تأتي، إلا، إلا إذا ناقضت نفسها، من العالم، من مجموعات التبعيات والقيود التي تكونه. من البديهي أن الحرية تتعالى على الكون، وأن مصدرها خارج الكون، وأنها تقدم كهبة ملوكية. لذا، ففي فلسفة كارل باسبرز العميقة، الحرية تشير بوضوح إلى الواهب، تشهد بقوة لوجود الله. إن فضل ياسبرز الكبير هو أنه اكتشف في الحرية الإنسانية برهان الوجود الإلهي…”.

الله وحده وطن الحرية الإنسانية. منه تستمد وجودها، ولكنها أيضاً إياه تبتغي لأنها به وبه وحده تحقق ذاتها. الحرية دون الله وهم وسراب. هذا ما بقي علينا أن نوضحه تجاه المفهوم السارتري للحرية.

2 – الحرية السارترية مشوهة، مبتورة

إن المفهوم السارتري للحرية يجعل منها المرجع الوحيد للإنسان، فلا أصل لها تستند إليه ولا غاية تتجه نحوها، إنما تخرج من لا شيء وتذهب إلى لا شيء. وبذلك تفقد تلك الحرية كل معنى، ويفقد الإنسان معها معناه، فيصبح، وهو الذي أراده سارتر موجوداً برفض الله، غير موجود بالحقيقة لأن وجوده لا طائل له ولا هدف. وبذلك تكون تلك الحرية قيداً على الإنسان لأنها أغلقت عليه في عزلة مميتة وحصرته في عدمه ولا معناه.

يجعل سارتر من الحرية قوام الوجود الإنساني، ولكن الصحيح أن أعمق ما في الإنسان هو السعي إلى المعنى، إلى اكتشاف معنى لوجوده ولحريته نفسها. لذا نرى موريس مارلو بونتي، وهو قطب آخر من أقطاب الوجودية الملحدة، يؤكد بأن الإنسان محكوم عليه بالمعنى. ويعلق بول افدوكيموف على هذا التأكيد بقوله: “يقول مارلو بونتي، راداً على سارتر: إن الإنسان ليس محكوماً عليه بالحرية، إنما هو محكوم عليه بالمعنى، وهذا يعني أن محكوم عليه بأن يكتشف معنى الوجود، وقبل كل شيء معنى الحرية نفسها”.

لا حرية حقة إذا كان الإنسان أسير اللامعنى. كيف نسمي حراً ذلك الإنسان الضائع، المبعثر، الذي يحيا دون أن يدرك للحياة معنى؟ إن إنساناً كهذا تائه في صحراء، وهل يُعقل أن نسمي التيه في الصحراء حرية؟ يقول الكاتب الفرنسي الكبير أنطوان دي سان اكسوبري: “هل تدعو حق التيه في الفراغ، حرية؟!”

تلك الحرية الجوفاء وصفها لنا الكاتب نفسه – ولم يكن مؤمناً – كمرض من أمراض الإنسانية المعاصرة. فصورها لنا مثلاً في كتابه الرمزي “الأمير الصغير” بشكل مسافرين يتنقلون في القطار من مكان إلى مكان دون هوادة ودون هدف. فعندما يسأ الأمير الصغير عامل السكة الحديدية عن ركاب قطار مر أمامه: “إنهم مسرعون كثيراً. فإلى ما يسعون؟”، يجيب العامل: “إن رجل القاطرة نفسه يجهل ذلك”. وفي إحدى رسائله كتب سان اكسوبري سنة 1943 واصفاً الإنسانية المعاصرة: “أنا مغتم من أجل جيلي، الفارغ من كل جوهر إنساني… أكره زمني من كل قواي لأن الإنسان يموت فيه عطشاً… هناك مسألة واحدة ليس إلا، مسألة واحدة في العالم، ألا وهي أعادة معنى روحي للناس… لم يعد بوسعنا أن نحيا من البرادات والسياسة والميزانيات والكلمات المتقاطعة… لم يعد بوسعنا أن نعيش دون شعر ولون وحب”. إنه في تلك الرسالة، يلاحظ “اليأس الروحي” الذي ينتاب البشر من جراء فقدان معنى وجودهم و”صحراء الإنسان” التي يتيهون فيها، ويقول: “ليس هناك سوى مسألة، مسألة واحدة: أن يكتشف الإنسان من جديد أن هناك حياة للروح أسمى من حياة الفكر نفسها، وأنها وحدها ترضي الإنسان”.

ضياع معنى الوجود عند الكثيرين في أيامنا يفسر إلى حد ما رواج فلسفة سارتر. لقد بين الطبيب النفسي الشهير رودولف الليرس التجاوب القائم بين تلك الفلسفة من جهة وعجز الكثيرين في أيامنا عن معرفة مكانهم في الوجود، من جهة أخرى، وأضاف: “لم يعد البشر يجدون مكانهم لأنهم لم يعودوا يعرفون ما هم. لا يمكن فهم المحدود إلا بالإضافة إلى اللامحدود. الصورة لا تأخذ معناها إلا كانعكاس الأصل. لكي يفهم الإنسان نفسه، يجب عليه أن يدرك من جديد، وبمجموعة كيانه، إنه مصنوع على صورة خالقه ومثاله”.

إن سارتر يرفض بالضبط أن يكون للإنسان هذا المرجع الإلهي، ولذا فالحرية التي ينادي بها محكوم عليها بأن تخبط خبط عشواء. لا يمكنها أن تستنير بقيم لأنها هي مخترعة القيم. لذا، “فسيّان، يقول سارتر، بين ان يسكر المرء وحده أو أن يقود الشعوب”. نعم لقد حاول سارتر أن يبني مناقبية على تلك الحرية المعتبرة مرجعاً لكل شيء، فقال بوجوب العمل على إقامة نظام سياسي واجتماعي يضمن الحرية للجميع، إذ أن الحرية هي أثمن ما في الإنسان. ولكن أسس تلك المناقبية ضعيفة، إذ ما الذي يمنع الحرية، وهي القيمة المطلقة التي لا مرجع لها سوى ذاتها، من أن تختار تأكيد ذاتها عن طريق التسلط واستعباد الغير. ما الذي يمنعها أن تجد نشوتها، إن شاءت، في تحطيم ومحو ذاتها؟ ما الذي يمنعها أن تعتمد سلوكاً لا إنسانياً طالما هي وحدها ترسم، بقرار منها، الحدود بين ما هو إنساني وما هو غير إنساني؟

تلك الحرية الفاقدة المعنى، السائرة على غير هدى، إنما هي عبء لا يطاق على الإنسان، لا لكونها تنافي ميله إلى الراحة والطمأنينة وحسب، كما يبدو لسارتر الذي يعتبر قذراً كل من رفض الحرية التي يبشر بها، بل لكونها تناقض أعمق ما في إنسانية الإنسان، ألا وهو عطشه إلى معنى يقيّم به وجوده، معنى يكشف له من هو وما هو مكانه في الكون. فلا عجب، والحالة هذه، أن يحاول الإنسان التخلص من عبء تلك الحرية بانضوائه تحت لواء مذهب شمولي يستعبد نفسه له كلياً، وبخضوعه الأعمى لزعيم سياسي مؤله، مفضلاً طغيانه وارهابه على ممارسة حرية لا طائل لها ولا هدف. هذا بعض ما يفسر نجاح النازية والفاشية والستالينية في عصرنا. إن سارتر نفسه لم ينج من تلك التجربة كما بين بول افدوكيموف بقوله: “إن هاوية الحرية تثير، بشكل غريب جداً، الدوار والغثيان. وكأن لا بد من دفع ثمن الخداع. هذا ما توقعه دوستويفسكي عندما قال إن الإنسان لن يستطيع أبداً أن يحتمل نير الحرية وأن الماركسية تقدم أقصى الإمكانية للتجرد من هذه الهبة الملوكية. أن سارتر يقر بذلك: “لا أصل لشيء، لا يمكنني فكري من أن أبني شيئاً، إذاً لم يعد من حل سو الماركسية” (نقد العقل الجدلي).

إن الحرية، تلك “الهبة الملوكية”، عبء، على كل حال على الإنسان لأنه ينزع إلى الطمأنينة الرخيصة، ولكنها تصبح زوراً لا يحتمل إذا جردت من معناها كما هو الحال في المفهوم السارتري لها. (هذا ما يسميه افدوكيموف “ثمن الخداع”). إن هذا المعنى وحده ينقذ الحرية من فراغها ويجعل منها حرية أصيلة، لا قيداً يضاف إلى قيود الإنسان. لقد قال الرب يسوع: “ستعرفون الحق، والحق يحرركم” (يوحنا 8: 32). يقابل بول افدوكيموف تلك الكلمة الإلهية بتأكيد مارلو بونتي على ضرورة المعنى للإنسان، ويقول: “حسب الإنجيل، ما يجعل الإنسان حراً هو الحق أي المعنى”.

هذا المعنى الذي لا بد منه كي تكون الحرية أصيلة، لا يتحقق إلا إذا كانت الحرية تعني تحرير الإنسان من كل أغلاله. أن أكون حراً، هذا يعني، في الأعماق، أن أحطم قيودي وأتخلص من محدوديتي وأحقق ذاتي على أكمل وجه. وإلا لاقتصرت الحرية على اختيار قد يسمح لي بشيء من الشعور بالاستقلال ولكنه يفقد الكثير من معناها إذا بقيت جوهرياً أسير عجزي وفراغي. يقول سان اكسوبري: “ما أسميه حرية هو تحريرك”. أما سارتر، “فالحرية التي يتحدث عنها هي مطلق فارغ، إنها محصورة بالاختيار”.

يقول سارتر إن الحرية مرادفة لجاوز الذات المستمر الذي يتميز به الإنسان. ولكن هذا التجاوز مستقطب، وإلا لما كان. الحرية ليست، كما يتصورها سارتر، مجرد رفض لما هو قائم، هذا هو وجهها السلبي فقط. ولكن الإنسان لا يرفض الوضع الراهن إلا بسبب سعيه إلى الأفضل والأكمل. لا وجود لحرية الإنسان لولا المطلق الذي يستقطبها ويعطي لحركتها المستمرة وقلقها الذي لا ينتهي غاية ومعنى. ولكن ما معنى هذا التجاوز للذات، في مفهومه السارتري، الذي هو أفقي محض وممتد من عدم إلى عدم، من العدم الذي يخرج منه الإنسان إلى العدم الذي ينتهي إليه ويتلاشى فيه؟ ما معنى هذا التجاوز للنفس الذي يبقي الإنسان نهائياً على عزلته وشقائه وشروره وفنائه؟ ما معنى هذا التجاوز طالما الإنسان يبقى أسير ذاته وهزالتها؟

ولكن الإنسان لا ينجو من هزالته إلا بالآخر. هذا ما تثبته لنا الخبرة الإنسانية اليومية. الإنسان يكتمل بالحب، عندما يسلم ذاته لآخر عند ذاك يجد نفسه. الرجل والمرأة يكملان أحدهما الآخر في الحب الزوجي الذي يجمعهما، وكما يقول ميللر “في اللحظة التي يكونان فيها منجذبين خارج ذواتهما إلى أبعد حد، باندفاع الحب، في الحياة الزوجية المشتركة، في تلك اللحظة عينها يحس الرجل والمرأة أنهما يبلغان الحرية الحقة”. كذلك يكتمل الرجل بالأبوة – روحية كان أو جسدية – والمرأة بالأمومة، إذا عاشاها في أصالتها المعطاء. لم ير سارتر في الآخر إلا ذاك الذي يسلبني وجودي، ولم يتصور العلاقة بيني وبينه سوى صراع بين عزلتين. ولكن هذه النظرة القاتمة إلى العلاقات الإنسانية لا تأخذ بعين الاعتبار سوى جزء من الواقع. يقول روبير كوفي: “نعلم أن الإنسان، بالرغم من رغبته، لا يستطيع أبداً أن يتغلب على عزلته بشكل تام، ولكننا نعلم أيضاً بالاختبار أن الشركة ولو كانت محدودة وناقصة، تبقى حقيقة واقعية. نظر الأم يوقظ الحياة والحب. نظر الخطيبة والخطيب والزوج والزوجة والصديق يخلق الآخر… إن سارتر لا يشوه الإنسان وحسب، إنما يبدو جاهلاً للوقائع”. خبرة العلاقات الإنسانية، إن لم نبترها بتحيزنا، تعلمنا أن الآخر ليس هو مجرد تهديد لوجودي، إذ إنني به أوجَد. من هذه الخبرة الإنسانية الأصيلة انطلقت الفلسفة المظهرية الحديثة، لتبين “أن الإنسان لا يكتمل كإنسان إلا في الشركة، إلا في الحياة مع الآخرين. عوض “الأنا” يوجد “النحن”، تجاه “الأنا” يوجد “الأنت” ليعطيه معناه. وهكذا يبدو كيف أن إسلام الذات للآخر هو على خط الشخصية والحرية الحقة”.

هذا صحيح بالأحرى بالنسبة لعلاقة الإنسان بالله، إذا كان الإنسان لا يحقق ذاته إلا الآخر الإنساني، فإنه بالأحرى لا يحقق ذاته إلا بذلك الآخر الإلهي الذي منه يستمد كيانه. رفضه الله يعنى انفصاله عن جذور كيانه وينبوع وجوده. في هذا الانفصال لا يجد إلا العدم وحرية زائفة هي حرية العدم، حرية هي بمثابة انتحار كياني. يقول روبير كوفي: “لقد قتل سارتر الله. النتيجة الطبيعة لذلك هو أنه يؤله الإنسان. إنه يأتي من لا شيء ويذهب إلى لا شيء. إنه ليس سوى ومضة في ليل الأشياء. وفي هذا اللحظة الهزيلة التي تدعى الوجود، عليه أن يمثل أمام الإنسان الذي يقاضيه دون ان يعرفه والذي لا يعرف الرحمة والحب”.

“حرية” الزهرة، لو صح التعبير، ليس بأن تستقل عن الجذع فتذبل، بل أن تتصل به صميمياً، لأنها عند ذاك تحقق ملء وجودها كزهرة. كذلك “حرية” السمكة ليست بأن تخرج من الماء الذي يكتنفها، بل أن تبقى ملازمة له. هكذا، يقول شارل ميللر، فالإنسان “يجد حريته الحقة في عودته إلى القوى التي أعطته الحياة والتي تعطيه إياها باستمرار، في العمق”، ولذا “فالعمل الذي به ينفتح الإنسان إلى النعمة هو بمثابة عمل ذاك الذي بعود فيغطس في الماء المحيي. الزهرة المقطوعة تموت إذا بقيت وحدها، أما إذا غطست من جديد في الماء، فإنها تعد زهرة، تعود إلى أصالتها. العمل الذي يقتبل به الإنسان نعمة الإيمان النوارنية ليس سوى ذلك.” من آمن به، يقول يسوع، تجري من جوفه أنهار ماء حي”.

وجود الإنسان مستمد من آخر، وبعبارة أخرى وجوده نعمة، أي عطية حب، يقول الأب دانيالو: “أنا لست موجوداً إلا لأنني محبوب. ولذا أن أوجد يعني بالنسبة لي أن أحب بدوري، أن أجيب على النعمة بالشكر… منذ البدء أدخلت في دورة الحب، دورة النعمة والشكر. لا يسعني أن أنفصل. لأنني إذا انفصلت أدخل في نطاق…. اللامحدود. إنها لمفارقة جديرة بالاهتمام، إنني بقدر ما أريد الاكتفاء بذاتي أهدم ذاتي، فيما أؤكد ذاتي إذا اعترفت بعد كفايتي”.

على الإنسان إذاً أن يعترف بأنه ليس مصدراً ومحوراً لوجوده وأن يدخل في “دورة الحب” التي ذكرنا. عند ذاك يتقبل الوجود عطية حب من ربه، فيحقق ذاته بذلك الحب المحيي ويبلغ إلى الحرية الحقة. ولكن الإنسان قد يرفض ذلك، لأن “شهوته أن يملك ذاته. إنه يكره… أن يقبل بأن ينال كلياً في كل لحظة من آخر…لهذا السبب فإنه، إذا قاده ثقب نظره الماورائي إلى الاعتراف بأن كل خير آت من الله، يرتضي خطيئته، وبأن كل سعادة آتية من الله، يرتضي شقاءه، وبأن كل كينونة آتية من الله، يرتضي عدمه. لأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي لديه لرفض الله، إذا كان كل ما هو كائن آتياً من الله وإذا كان قبول الكينونة اعترافاً بعدم الاستقلال”.

إن سارتر يفضل حرية العدم والفراغ على قبول الوجود من آخر عطية حب مجانية. ولا عجب في ذلك، فمن كان كسارتر لا يرى في الحب البشري سوى العبودية والاستعباد، لا يمكنه أن يفقه شيئاً في سر النعمة، لا يمكنه أن يفهم أن اتجاه الله نحو الإنسان، ذلك الاتجاه الذي شبهه الكتاب، في الأنبياء ونشيد الأنشاد وأمثال الإنجيل ورسائل بولس ورؤيا يوحنا، بالحب الزوجي، إن ذلك الاتجاه يمنح وحده الإنسان الحرية الحقة لأنه وحده يمده بطاقة تمكنه من تحقيق ذاته كلياً.

لقد ميز أوغسطينوس المغبوط بين ما دعاه “الحرية الصغرى”، ألا وهي حرية الاختيار، وما سماه “الحرية الكبرى”، وهي الاتحاد بالله. وقد حدد أحدهم الحرية الحقة بأنها” قدرة على الاختيار في خدمة قدرة على الاكتمال”. ذلك هو المفهوم الكتابي للحرية، تلك الحرية التي أعلنها الكتاب على أنها موهبة الله ودعوته للناس: “فأنتم، أيها الأخوة، إنما دعيتم إلى الحرية” (غلاطبة 5: 13)، “لقد حررنا المسيح لكي ننعم بهذه الحرية: فاثبتوا إذاً فيها ولا تعودوا ترتبطون بنير العبودية” (غلاطية 5: 1). ولكن الحرية، في المنظار الكتابي، لا تتحقق إذا شاءت أن تكتفي بذاتها وتنفصل، بل إذا قبلت بأن تدخل في “دورة الحب” المحيية. الحرية، بنظر الكتاب، لا تنفصل عن حياة الشركة، الشركة مع الله والشركة مع الناس التي تترجم وتحقق الأولى. ولذا فالخطيئة، حسب التعليم الكتابي، عدوة الحرية اللدود، لأنها، تحديداً، تلك الاكتفائية القتالة التي بها يفص الإنسان الشركة ينفصل عن ينبوع وجوده وكيانه، فيجف ويذبل ويصبح أسير عدمه وفراغه.

لذا قال الرب: “إن كل من يعمل الخطيئة هو بعد للخطيئة” (يوحنا 8: 34). لذا أيضاً فبعد أن قال الرسول بولس: “فأنتم أيها الأخوة، إنما دعيتم إلى الحرية”، أضاف: “ولكن لا تجعلوا هذه الحرية قرصة للجسد (أي، في لغة بولس، للإنسان المكتفي بذاته، المنفصل)، بل كونوا بالمحبة خداماً بعضكم لبعض” (غلاطية 5: 13). وكأنه يقول: يجب ألا تقودكم حرية الاختيار (وهي “الحرية الصغرى”) إلى الاكتفائية التي بها تزول حريتكم بالمعنى الكامل لهذا العبارة (وهي “الحرية الكبرى”، تحرر الإنسان من هزالته بدخوله في الشركة الإلهية)، تلك الحرية التي لا تتحقق إلا بالحب. الحرية، في الكتاب، هي ثمر الروح الإلهي الذي به يوجد الإنسان بوبه يتحقق ملء وجوده: “الرب هو الروح، وحيث يكون روح الرب، فهناك الحرية” (2كورنثوس 3: 17).

لذا فرفض الأبوة الإلهية يجعل الإنسان في عزلة وفراغ، أما العلاقة البنوية المعاشة بينه وبين خالق فإنها تمده “بمجد الله” أي بزخم الحياة الإلهية التي بها يتحرر من هزالة وضعف وعزلة وشر وموت. تلك هي الحرية التي حددها الرسول بولس على أنها تحرر من “الخضوع للباطل” ومن “عبودية الفساد”، حرية أبناء الله الذين تحرروا، بتلك البنوة عينها، من المحدودية والشر والموت، فأشاعوا تلك الحرية في الكون كله: “إن الخليقة ستعتق، هي أيضاً، من عبودية الفساد إلى حرية مجد أبناء الله” (رومية 8: 21).

هؤلاء الأبناء متصلون بالله دون أن يكون في ارتباطهم الصميمي به أي أثر للعبودية. ذلك لأن الله ليس كياناً غريباً مفروضاً على كيانهم، بل إنهم به، وبه وحده، يجدون ذواتهم. فالله هو الكائن المتعالي كلياً، ولكنه بآن أقرب إلى الإنسان من ذاته، حتى أن الإنسان لا يقترب من ذاته، الأصيلة، محققاً كل طاقاته، إلا بمقدار اقترابه من الله، من ذاك الذي أشار إليه الشاعر الكبير المعاصر بول كلوديل بقوله: “من هو فيّ أكثر أنا مما أنا”.

الخاتمة

فضل سارتر علينا، في نقده للدين، أنه يساعدنا على التحرر من مواقف دينية زائفة كثيراً ما نخلط بينها وبين الإيمان الأصيل. منها مثلاً ذلك الموقف السلبي في الدين الذي يعطل به الإنسان تفكيره ويتخلى عن كل مبادرة، ادعاء منه بأنه يطيع الله، فيما يكون منقاداً انقياداً أعمى للتقاليد وعوائد بشرية تجنته مشقة تحمل مسؤولياته واتخاذ موقف ملتزم، واع.

منها تلك الجبرية التي بموجبها نستسلم لما ندعي أن الله قد “كتبه” لنا، فنلقي هكذا على الله، أو بالأحرى على صنم نطلق عليه ذلك الاسم المعبود، مسؤولية جبننا وخنوعنا وتخاذلنا. ومنها أيضاً تحويلنا الأخلاق إلى مجموعة من الأوامر والنواهي ننقاد لها بشكل سلبي، أعمى، دون أن نعي ارتباطها الصميمي بمتطلبات كياننا العميقة، فنستعيض عن الضمير الحي، الواعي، الدائم اليقظة والانطلاق، بشريعة ملصقة بنا من الخارج، جامدة، مائتة، خائفة، تجنبنا حرفيتها الضيقة قلق الالتزام الحر وتحمينا من الدخول في مجازفة الحب الذي لا يقف عند حد. ومنها تجنب التفكير في أمور الحقيقة الإلهية (ألا يدعي البعض أن الغوص في شؤون الدين كفر؟)، كأن العقيدة الموحاة وجدت لتعفينا من التفكير، لا لتكون ملهمة ومغذية لفكر حيّ خلاق. ومنها أيضاً تلك الاتكالية التي هي صورة كاريكاتورية عن الثقة بالله والتي يحاول بها الإنسان أن يحمي نفسه من مجابهة الواقع ومن صعوبة وخطر النضال في سبيل تغيير أوضاع تنافي الكرامة الإنسانية.

يقول شارل ميللر بأن هناك نوعا ًمن الاتكال على الله هو طريقة للقبول بمصائب الناس وللحصور على طمأنينة رخيصة، بأن هنا عادة خبيثة تدفعنا إلى تشجيع نفوسنا بقولنا أن كل شيء سيجري على ما يرام، ويضيف: “كل شيء يدعوه سارتر سوء نية، ولكن المسيحي يدعوه خطيئة”. إنه خطيئة لأنه هروب وتخدير ونوم واستكانة أنانية جبانة، فيما تطلب المحبة منا يقظة وشجاعة ومجابهة والتزام: “يسوع في نزاع إلى منتهى الدهر، لذا لا ينبغي أن ننام في هذا الوقت.”

المسيحية، في أصالتها، بعيدة عن الاستكانة بعد السماء عن الأرض. يقول ميللر: “…. إن نعمة الله لا تطالنا (كما يتصور سارتر) بشكل دعوة للاستقالة والانقياد. إنها تدخل فينا بمثابة سيف، تمنعنا من النوم، تلزمنا على يقظة غير منقطة، المسيحي هو الساهر في “ليلة الفصح”، تلك الليلة التي لا ينبغي النوم فيها، إذ يجب ترقب “عبور الرب”.

المسيحية انطلاقاً لا نهاية لها لأنها اندماج الإنسان في الحياة الإلهية التي لا حد لها. من عرف الله حقيقة لا يمكنه أن يقف عند حد، لا يمكنه أن يرضى عن ذاته في حال من الأحوال، بل يحقق ذاته بتجاوز مستمر لذاته. كلما حالو الإنسان الاقتراب من الله، كلما ازداد شعوره ببعده عن ذلك الكائن اللامتناهي الذي يدعوه، وكلما ازداد بالتالي قلقه واشتياقه. هذا ما اختبره بنوع خاص كبار الروحيين: فقد تحدث غريغورس النيصصي مثلاً ذلك الخروج اللامتناهي من الذات نحو غور الله الذي لا يسبر عمقه.

“لقد وصف غريغوروس النيصصي وصفاً بديعاً ذلك اليأس الذي يعتري النفس الساعية إلى الله، التي ترجو في البدء أن تمسكه كله وتغتم لأنها تراه يفلت منها دوماً. ولكن “حجاب الحزن هذا ينزع عنها عندما تتعلم أن التمتع بالمحبوب هو بالضبط في هذا التقدم والارتقاء الدائمين، إذ أن الرغبة تلبى في كل لحظة فتنشئ رغبة بما لم يبلغ بعد” (تعليق على نشيد الأنشاد). هكذا فالنفس التي تنمو في حياة النعمة يملؤها الله دوماً على قدر طاقتها ولكن النعمة المعطاة لها توسع طاقتها وتجعلها قابلة لنعم جديدة. هكذا فالخبرة الصوفية قوامها امتلاك ورغبة بآن… إنها، يقول غريغوريوس، حركة وراحة، بئر مياه حية، ساكنة ومتفجرة بآن”.

يقول النيصصي: “حيث أن الجمال المطلق يكشف ذاته أكثر فأكثر، فعلى قدر التقدم يزداد اكتشاف الألوهة. وبسبب الغزارة الفائقة، غزارة الخيرات التي تكتشفها النفس باستمرار فيما يفوق الطبيعة، يبدو لها أنها لم تزل في أول ارتقائها. لذا يردد الكلمة لتلك التي سبقت فنهضت: “انهضي” ولتلك التي سبقت فأنت: “تعالي”. فإن الذي ينهض حقيقة عليه أن ينهض أبداً، والذي يركض نحو الرب لن يعوزه أبداً الفضاء الواسع ليتابع فيه جريه الإلهي. لأنه ينبغي للمرء أن ينهض دوماً وألا ينقطع أبداً عن الاقتراب ركضاً. لأن الذي يقول: انهض وتعال، يمنح فيك كل مرة نعمة ارتقاء أفضل”، وأيضاً: “والذي يرتقي لا يتوقف أبداً، بل ينطلق من يده إلى بدء، ماراً ببداءات لا تنتهي أبداً”.

الحياة الروحية خروج مستمر، السلاح دائم عن الذات تتحقق به الذات، لأنه انسلاخ عن محدوديتنا، كما أن النمو الطبيعي انفصال مستمر عن الأوضاع القديمة وحدودها لبلوغ حياة أوفر وأكمل. ليست محافظة شحيحة، خائفة، على كياننا، بل هي قبول بأن يضيع هذا الكيان لكي يوجد: “من أراد أن يخلص نفسه أضاعها، ومن أضاع نفسه من أجلي وجدها” (متى 16: 25). إنها خروج دائم للنفس من ذاتها لتجد ذاتها في من هو أعظم من ذاتها، كما قال أوغسطينوس: “لقد أخرجت نفسي، سكبت نفسي خارج ذاتها، إن بقيت نفسي في ذاتها لا تستطيع أن تجد إلا ذاتها”.

إنها فصح دائم، والفصح يعني عبوراً واجتيازاً، يعني اقتبالاً لصليب الانسلاخ الدائم عن “الإنسان القديم” (كولوسي 3: 9 ورومية 6: 6) المكتفي بذاته، المرتاح إلى حدوده (كما كان العبرانيون مرتاحين إلى عبودية فرعون، يحنون إليها) لكي نفسح مجالاً (لجدة الحياة) (رومية 6: 4 تتفجر فينا وتحولنا. هذا ما عناه الأرشمندريت الياس مرقص بقوله: “الحياة الروحية حركة فصحية نحو الله والآخرة” ، وقد كتب أيضاً بهذا الصدد: “نحن نطلب الحياة والحياة لنا هي بالضبط تلك الحركة الاشتياقية اللانهائية حو مصدر الوجود”، وأيضاً: “الله فيّ، في الداخل، في الطبيعة نحن لا محدودون كالله، مخلوقون على صورة لا محدودية الله. ولكن الله غير محدود “فعلاً” أما نحن فبالمصير. الوهتنا أن نتحول، أن نصير الله على الدوام. إن كوننا نتغير – نصير – يعطينا أجنحة على حد قول غريغوريوس النزينزي، وهذا مصدر كياننا. إن الخلق لا يزال جارياً بالنسبة لنا وسيزال إلى الأبد. نحن ننال أنفسنا كل لحظو من الله. “أبي حتى الآن يعمل”…

“…. الخروج من الذات هو بالنتيجة رجوع إلى الذات، إلى الروح العميقة التي في الذات تدعونا إلى الآب…”.

أين هذه الحياة الروحية المتحركة دوماً في تجاوز للذات لا متناه من الاستكانة والنوم اللذين يبدوان لسارتر جوهر التدين. غريب حقاً كون سارتر لم يستطع أن يميز بين الحياة الدينية الأصيلة وانحرافاتها. و”كأنه يقول ميللر، لم يقرأ أبداً نصاً انجيلياً واحداً، كتاباً واحداً لأحد الصوفيين”.

يعتقد سارتر أن نظر الله يسمر الإنسان، يجمده، يحول بينه وبين هذا التجاوز المستمر لذاته الذي هو مرادف لوجوده الإنساني الأصيل. هذا ما يبدو مثلاً في رواية “سبل الحرية” حيث نرى دانيال، وهو منحرف جنسياً، يحاول أن يتخلص من مسؤوليته، فيتجه إلى الله ويتصوره “نظراً محدقاً إليه”، فيقنع نفسه بأنه، كما أن الإنسان بنظره إلى الطاولة يحددها على أنها طاولة، ولا يسعها هي إلا أن تتقبل هذه التحديد، هكذا فالله بنظره إليه يحدده على أنه منحرف، على أن هذه طبيعته، ولم يبق له إذاً سوى تقبل هذا التحديد والعمل بموجبه دون أية مسؤولية. “ولكن المؤمن الأكثر فتورة، يقول ميللر، يعلم جيداً أن “نظر الله” هو نظر حب؛ وأنه، عوض أن يجمدنا، دعوة لنا، ضربة سيف تنفذ إلى مفصل النفس والروح لتعيد إلينا شعورنا بالمسؤولية، لتوقظ فينا حرية ماتت بالخطيئة”. هذا النظر الإلهي تجلت لنا نوعيته في يسوع المسيح.

يروي لنا الإنجيلي مرقص أن إنساناً أتى إلى يسوع سائلاً عما يجب أن يعمله ليرث الحياة الأبدية، “فحدق إليه يسوع، وأحبه؛ وقال له: “أمر واحد ينقصل: امض وبع كل ما لك، وأعطه للفقراء، فيكون لك كنز في السماء؛ ثم تعال اتبعني” (مرقص 10: 20). هكذا كانت نظرة يسوع إلى هذا الشاب؛ نظرة الحب الذي يوقظ المحبوب إلى حياة أوفر وأغنى، ويفتح أمامه آفاقاً لا حد لها، آفاق تحقيق ملء الوجود بتجاوز كل امتلاك، لأن الإنسان مملوك مما يملكه، اسير ممتلكاته وخيراته التي تشده إليها وتحصره فيها وتحول دون تفجر طاقة الحب التي بها، وبها وحدها، يحيا ويحقق ذاته.

قضيتنا مع الله ليست أنه يريد تقييدنا وتجميدنا فيما نحن نثور لندافع عن حريتنا المهددة. الواقع هو العكس تماماً. فهمّ الله أن يوقظنا إلى أبعد حد؛ دعوته الدائمة إلينا أن نتجاوز ذواتنا لانهائياً بتلك الحياة الإلهية، حياته، التي يبثها فينا إن شئنا أن نتقبلها. همه أن يعطينا ذاته لكي نتجاوز كل الحدود ونصبح آلهة، وبذلك نصبح حقيقة أحراراً.

الله طموح بالنسبة إلينا فوق ما نستطيع أن نتصور: “ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر ما أعده الله للذين يحبونه” (1كورنثوس 2: 9). ولكننا نحن نرهب هذا الطموح. ذلك أن الحرية الحقة هي تحرر من محدوديتنا، أما نحن فنطمئن إلى حدودنا، لا نريد أن نتغير جذرياً، لا نريد أن نتجاوز حدود هذا الأنا الضيق المألوف الذي نرتاح إليه، لا نريد أن نتسع إلى اللانهاية.

نرهب الحرية لأنها مقلقة، خطرة، كمن يبقى على الشاطئ لأنه لا يجرؤ على خوض عرض البحر واكتشاف عوالم جديدة. نحن في النهاية نرفض الله أو نستعيض عنه بصنم ندعو باسمه (وهذا أيضاً مظهر من مظاهر الرفض)، لأننا نرفض الحرية التي يدعونا إليها، تلك الحرية التي هي بآن انسلاخ جذري عن الذات. وتحقيق للذات بما يفوق الوصف. نرفض الله لأننا نخاف أن نتحول إلى آلهة. هذا ما عبر عنه الأب جان كاردونيل بقوله:

“الله لا يسلمنا هدية. إنه لا يعطينا شيئاً ما، لأن في ذلك ترفعاً، الله يعطينا شخصاً، وهذا الشخص هو شخصه. الله يعطي ذاته. في الصداقة، لا يعطي المرء شيئاً ما، ولكن شخصاً هو شخصه. كثيراً ما يكون إعطاء شيء تعبيراً عن عجز جذري عن إعطاء الذات. لذا فالله يسعى إلى الحوار معنا. الله يريد آلهة.”

“ولكن كوننا مخلوقات تود أن تبقى هكذا لتكون في اطمئنان، يجعلنا نرهب مصيرنا كآلهة. فنشك في كلية عطاء الله. ننسب لله نية مبينة، فنصور أنه لا يهبنا إلا جزءاً من مجاله ويحتفظ بالقس المفضل من ملكه.”

“الله يريد نفسه صديقاً لنا. يسعى إلى حوار الصداقة، اما نحن، فننتظر بكسل أوامر ننفذها. الله يكلمنا كصديق ونحن نجيبه كرعايا….”

“كثيراً ما يتصور المرء الله كأنه الصانع الأسمى. ولكن الله لا يصنعنا، إنه خالقنا. إنه يخلقنا بعدوى كيانية. ينظر إلينا نظرة صداقة، نظرة طموح. إنه يدعونا لنكون، ولتزداد دوماً كينونتنا.”

“الله لا يسيطر علينا، الله يوقظنا….”

“…. الله هو الرب بمعنى أن الموقظ الأسمى. إن مجده يشع ويسطع بقدر ما يكون الناس أكثر بلوغاً ورشداً. الله هو الله بقدر ما يكون البشر بشراً….”

خلاصة القول إن سارتر كان مصيباً في مطالبته بحرية الإنسان، في دعوته إلى نبذ كل خنوع وتخاذل واستكانة وإلى تحرير الوجود الإنساني من التبعية الطفيلية ليصبح جديراً ببالغ يتعهد مصيره تعهداً مسؤولاً. لقد كان مصيباً في تشهيره لكل مظاهر التدين الزائف التي تتخذ الله ذريعة للتهرب من المسؤولية والاقدام والالتزام.

لكن الالتباس المريع القائم في فكره حول نوعية علاقة الله بالإنسان، والذي غذته بلا شك تلك المظاهر الزائفة للدين التي ذكرناها، قاده إلى رفض الله وبالتالي إلى بتر الحرية نفسها وتشويهها. قد ردها إلى مظهرها السلبي، جعل منها قدرة على الرفض وحسب، وأفرغها من مضمونها، شأنه في ذلك شأن المراهق الذي يعجز عن تجاوز العناصر السلبية في ثورته ليجعل من تلك العناصر مرحلة في بناء نفسه والكون.

إن الحرية السارترية ترفض، تعارض، تنقد، تهدم، ولكنها لا تستطيع أن تبني شيئاً. إنها أسيرة فراغها. الله وحده يحرر الحرية، شرط أن نعرفه على حقيقته، لا كما تتصوره أهواءنا بل كما كشف ذاته لنا في يسوع المسيح، لا طاغية ومستبداً كجوبيتر “الذباب” بل عطاء كلياً وانعطافاً غير متناه، لا ملغياً وجودنا بل مؤكداّ له بإمداده من وجوده، لا مبطلاً حريتنا بل داعياً إيانا إلى الاشتراك في حريته بالتأله.

عند ذاك، إذا عرفنا أبوة الله، لا تبعية خانقة بل علاقة محيية، موقظة، محررة، استطعنا أن نجمع إلى شدة البالغين (“لا تكونوا اطفالاً مضطربين….”، “كونوا رجالاً، تشددوا….” يقول الرسول) تلك الطفولة الروحية التي يدعو إليها الإنجيل (“إن لم ترجعوا وتصيروا كالأطفال فلن تدخلوا ملكوت السماوات”) والتي هي موقف تقبل كياني وانفتاح بي وإسلام حر لذاك الذي به وحده نحقق ذواتنا لأنه أقرب إلينا من ذواتنا.

مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي

الألفاظ اليونانية والسريانية المتداولة كنسياً

الألفاظ اليونانية والسريانية المتداولة كنسياً

الألفاظ اليونانية والسريانية المتداولة كنسياً

الألفاظ اليونانية والسريانية المتداولة كنسياً

1- أبدياقون: يونانية. وهي درجة دون الشماسية وتسمى درجة الشدياقية.

2- أبرشية: يونانية. وهي ولاية الأسقف الكنسية.

3- أرخيدياقون: يونانية. تعني رئيس الشمامسة، وهي درجة دون درجة الكاهن.

4- أسقف: يونانية. تعني الرقيب والناظر. والاسقف هو رئيس الكهنة الذي يتولى تدبير الابرشية ويراقب امورها الدينية.

5- أمولوغيا: يونانية. تعني الاقرار والاعتراف. وهو كتاب الاعتراف بصحة الايمان والمعتقد يوقعة البطريرك الجديد قبل تقليده الرتبة، والاسقف قبل سيامتة وتوليه درجة الاسقفية.

6- أنبا: يونانية. وتعني الأب. وتطلق خاصة على رئيس الدير اما الأقباط فيطلقونها على البطاركة والاساقفة ولكن بادخال لام التعريف عليها.

7- أنتيفونا: يونانية. وهى أبيات صلوات يتلوها الكهنة ويرددها الشعب بعدهم.

8- باعوث: سريانية. وتعني طلبة. وهي أبيات شعرية على اوزان ثلاثة تتلى يومياً في اثناء صلاة الفرض. ولقد عرفها البعض بصلاة الاستسقاء او الاستمطار. ويطلقها نصارى العراق على صوم نينوى وبعض نصارى بلاد الشام على حفلة دينية لبعض اعيادهم.

9- برديوط: يونانية. وتعني نائب الأسقف او كبير الكهنة. وقد يسمى بالسريانية الساعور وهو الراهب القسيس الذي يوفده الأسقف في بعض مهام الرعية.

10- بسالطوس: يونانية. وتعني المرتل. وهي أصغر الدرجات الكنسية.

11- بطريرك: يونانية. وتعني رئيس الآباء، وهو رئيس رؤساء الاساقفة.

12- بيت كاز: سريانية. وتعني مخزناً يراد به عند السريان مجموعة الاناشيد الكنسية.

13- تبرة: يونانية. بيت من الشعر يتلى في مقدمة كل باعوث.

14- تكشفت: سريانية. وتعنى ابتهال. وهو نوع من الاناشيد السريانية المنثورة وضعها رابولا مطران الرها.

15- ترجام: سريانية. وتعني خطبة يفسر فيها فصل الانجيل الذي سبقت تلاوتة.

16- تسبحة: سريانية. وتعني التسبيح والتمجيد. وهي صلاة تتلى في صلاة الليل يومياً.

17- جاثليق: يونانية. وتعني العام الكلي. وهي رتبة دون البطريرك وفوق الأسقف.

18- حبيس: سريانية. وهو ناسك حبس نفسة في صومعة تعبداً لله.

19- حتام: سريانية. وتعني خاتمة. وهو بيت من الشعر يتلوه الكاهن في آخر الصلوات والقداس.

20- حساية: سريانية. وتعني استغفار وغفران. وهي صلاة منثورة مسهبة يتلى منها في القداس والصلوات وايام الآحاد والاعياد والصيام.

21- خرونيقون: يونانية. تاريخ يومي تدون فيه الاحداث سنة فسنة.

22- خورابقوبوس: يونانية. وتعني اسقف الكورة، ولقد خففت فقيل خوري. والمقصود بها اليوم مقدم الكهنة عند البعض، وعند البعض الآخر في بلاد الشام الكاهن على الاطلاق.

23- دبختا: يونانية. تعني ذو اللوحين، وهو لوح كانت تسجل فيه اسماء أئمة الدين المتوفين والاحياء. وكان يتلى في اثناء القداس فى الايام الحافلة، ويعرف عند السريان بسفر الاحياء او الحياة. وقد أهمل بعدئذٍ.

24- دنح: يونانية. وتعني الظهور. ويراد بها عيد الغطاس.

25- ديدسقالية: يونانية. وتعني دار التعليم. اعطيت لمدرسة الاسكندرية اللاهوتية التي أنشئت سنة 180 مسيحية، ثم أطلقت اصطلاحاً على مجموعة السنن والرسوم المنسوبة الى الرسل الاطهار وتلامذتهم.

26- دير: سريانية. مسكن الرهبان الذين يتعبدون لله ويتفرغون للصلاة والتأمل.

27- ربان: سريانية. وتعني الاستاذ. ولقد اريد بها اصطلاحاً الراهب القسيس.

28- زومار: سريانية. وتعني ترتيل. وهي آية من مزامير داود النبي يلحق بها جملة منظومة تتلى قبل الانجيل.

29- سبار: سريانية. تبشير. يراد بذلك ايام صيام وميلاد السيد المسيح في مدينة الموصل وجوارها، حيث تنشد الادعية بمولده حسب الجسد.

30- ستيخارا: يونانية. نوع من الأناشيد البيعية وضعها القديس يوحنا فم الذهب.

31- سدر: سريانية. بكسر السين وتسكين الدال، ومعناها ترتيب، وهو الجزء الثاني من صلاة الحساية.

32- سطيخون: يونانية. اصلها ستيخون ومعناها بيت شعر، وهي نصف منثور من الأناشيد دبجة القديس كيرلوس الأورشليمي.

33- سوسطاثيقون: يونانية. كتاب العهد اى تقليد الولاية للاسقف يكتبة البطريرك.

34- سونترنيس: يونانية. الاجلاس على كرسي الاسقفية او علي العرش البطريركي، وهي حفلة تقام للحبر الجديد عند دخوله الى ابرشيته.

35- سيامة: سريانية. تقليد اصحاب الدرجات الكهنوتية والاسقفية حق القيام بوظائفها، وتعني وضع اليد من قبل الاسقف على رأس المرسوم.

36- شحيم: سريانية. باسكان الشين ومعناها البسيط، وهو اسم لكتاب فرض الصلوات اليومية التي تكرر اسبوعياً.

37- شماس: سريانية. وتعني الخادم. وهو دون القسيس ومعاونه في اثناء القيام بحق العبادة والخدم الكهنوتية.

38- شملاية: سريانية. وتعني تكميل واتمام. وهي أحدي ستة أدعية يتلوها الشماس في اثناء القداس ذكراً للأحياء والموتى.

39- شوباح: سريانية. التسبيح، نوع من الاناشيد المنثورة التي تتلى في اثناء خدمة القربان.

40- طقس: يونانية. نظام وترتيب. وفي العرف الكنسي يطلق على شعائر الديانة وحفلاتها.

41- طروفوريون: يونانية. طروبارية. نوع من الاناشيد النثرية استنبطت في اواسط القرن الخامس المسيحي.

42- عدان: سريانية. وقت، أوان. اهل الشام يستعملونها بهذا المعنى ويراد بها الصلوات التي تقام في نوبات متتابعة فيقال: العدان الاول والثاني…. ويقابلها القومة.

43- عقب:سريانية. بكسر العين. وتعني نهاية. وهو دعاء يلي دعاء العطر.

44- عنيان: سريانية. وتعني جواب. وهي ترتيلة تعاد (ردة).

45- غنيز: سريانية. باسكان الغين والابتداء بالساكن، وتعني خفي، محجوب. وهو نشيد منثور يشابة التكشفت.

46- فردا: سريانية. قطعة فصل وهي انشودة صغيرة.

47- فروميون:يونانية. فاتحة مقدسة، يسمى بها الجزء الاول من صلاة الاستغفار.

48- فنقيت: سريانية. وتعني مجلد والمجموع العام اسم احد كتب الفرض اي الصلاة على الأصلاق.

49- قاثشما: يونانية. واصلها كاثسما، ومعناها مجالس نوع من التراتيل البيعية المنثورة.

50- قال: سريانية. قول وصوت. وهو ترتيلة منظومة تشد بلحن خاص من الاول الى الثامن.

51- قانون: يونانية. قانون، نظام تسبيح بيعي منثور استنبطة اندراوس الكريتي حوالي سنة 700 مسيحية وعم أستعماله،

52- قداس: سريانية. تقدمة القربان الالهي، او الذبيحة الالهية، او الصلوات التى تتلى على الخبز والخمر لتقديسها.

53- قس وقسيس: سريانية. بفتح القاف. وتعني الشيخ الذي يقلد خدمة الكهنوت في الكنيسة المسيحية.

54- كلندار: يونانية. لائحة الفصول والشهور والايام واعياد السنة.

55- كوراخ: سريانية. ترتيلة وجيزة او لحن ينتابه الصفان في البيعة.

56- كوروزوثا: سريانية. وتعني مناداة او انذار. وهي نشيد منظوم كان يتلى في الاعياد الحافلة قبل قراءة الانجيل اذا قرأه الاسقف ومن فوقه. ومن هذه اللفظة فعل كرز الذي يستعمله بعض كتبة النصرانية بمعنى بشر بالدين ونادي به ودعا اليه.

57- ليتورجيا: يونانية. الخدمة الجمهورية. وهي مجموع صلوات القداس ويقال لها ايضاً أنافورا وهي لفظ يوناني معناه رفع القربان.

58- مار: سريانية. وتعني سيدي. وتطلق على القديسين والبطاركة والاساقفة.

59- مدراش: سريانية. ترتيل، نشيد. وهو شعر يصاغ على اوزان مختلفة والحان شتى بلغ عددها الخمسماية. دبجها القديس افرام السرياني (+373)، وقد استنبطها برديصان (+222).

60- مدبرونوث: سريانية. وتعني تدبير وسياسة. عناية الله. ويراد بها هنا ما اقتضته سياسة السيد المسيح بالنسبة الى خلاص البشر.

61- مرميت: سريانية. تعني اصلاً شيء يرمى به. وهي صلاة وجيزة وقسم من المزامير متفاوت العدد أكثره 14 وأقلة 4 مزامير.

62- مسحة: سريانية. زيت مقدس يدهن به المتعمدون والمرضى.

63- مطران: يونانية. اصلها متروبوليت ومعناها رئيس العاصمة. يراد به الاسقف او رئيس الاساقفة المقيم في مدينة كبيرة.

64- معبران: سريانية. ضرب من الاناشيد السريانية المنثورة ترتل في تشييع الجنائز.

65- معذعذان: سريانية. باسكان الميم. عيد حافل. وهو اسم كتاب يشتمل على الأدعية التي تتلى في حفلات الاعياد الكبرى.

66- معنيث: سريانية. اغنية. ترتيلة. وهي نشيد منثور يجري على الالحان الثمانية. يفتتح بآية من الكتاب المقدس ويقال له باليونانية أكطويخس ومعناه ذات الالحان الثمانية، وربما اراد به القدماء النشيد على الاطلاق.

67- مفريان: سريانية. وتعني المثمر. وهو اسم لصاحب رتبة كنسية خاصة بالكنيسة السريانية مرادفة للجاثليق، وهو دون البطريرك وفوق الاسقف. وكان كرسيه في تكريت ثم نقل الى دير مار متى فالموصل.

68- ملفان: سريانية. وتعني المعلم والاستاذ. يراد به أحد أئمة النصرانية وعلمائها. والملفنة تعني الدكتوراه.

69- موربو: سريانية. وتعني تعظيم. وهي اللفظة الاولى من نشيد العذراء مريم “تعظم نفسي الرب” وهو ترتيل منثور يدور على الحان ثمانية ويرنم به يومياً. ويعني ايضاً نشائد التعظيم.

70- ميرون: يونانية. بفتح الميم وكسرها. واصله باليونانية مورون. وهو زيت مقدس ممزوج بالبلسم ومعطر بطيوب. تمسح به الهياكل والمذابح الجديدة، وكذلك يستعمل في سيامة الاساقفة والكهنة.

71- ميمر: سريانية. مقاله. خطبة. قصيدة الألحان.

72- ناقوس: سريانية. مضراب المسيحيين كانوا يدقون به لاوقات صلواتهم. وهذا التحديد ينطبق على الناقوس القديم وهو قطعة من خشب صلب او حديد تعلق فتضرب بمطرقة خشب او حديد.

وقد استبدل بالجرس النحاسي في ما بعد كما نرى ذلك اليوم.

73- هيكل: سريانية. موضع في صدر الكنيسة يصلي فيه الاكليروس عند تقدمة القربان. وربما اطلقه بعضهم على بناء الكنيسة كلها او صحنها، وجمعها هياكل.

 

الألفاظ اليونانية والسريانية المتداولة كنسياً

الكلمات المتداولة في العلوم المسيحية وأصلها ومعانيها

الكلمات المتداولة في العلوم المسيحية وأصلها ومعانيها

الكلمات المتداولة في العلوم المسيحية وأصلها ومعانيها

بعض الكلمات المتداولة في العلوم المسيحية وأصلها ومعانيها

1- أبولوجيست (Abo logiste) : أسم أطلق على أناس كانوا يتوجهون بكتابتهم الى الملوك والحكام والمنفذين دفاعاً عن الايمان، فهم محامو الأيمان المسيحي.

2- أريوس (Arius): كاهن من الأسكندرية (من 280 ــ 336) ومؤسس الأريوسية التي أنكرت ألوهية المسيح شجبة وحرمة مجمع نيقيا سنة 325 مسيحية.

3- أركان (Arcane): بالنسبة الى التاريخ الكنسي هى عملية أطلاع الموعوظين تدريجياً على عقيدة الكنيسة.

4-الايكذومولوجيذ (Exhomologese): الأعتراف العلني أمام الجمهور وقبول العقوبة المفروضة منه.

5-باتريباسيان (Batribatiens): ضالبوا الاب أو الأبوية، وهو مذهب أولئك الذين يعتقدون أن الصليب وقع على الثالوث كلة بشخص المسيح.

6-المختارون المرذلون (Pistiques Hyliques): كان معتنقو هرطقة الغنوصية يقسمون المسيحيين الى ثلاث فئات: الغنوصيون وهم النخبة ويخلصون بنعمة سامية، والبيستيك المختارون ويخلصون بواسطة الأسرار والأعمال الصالحة، وأخيراً الهليك او المرذلون وهم هالكون لا خلاص لهم لأن فيهم يستقر عنصر الشر.

7- البلاجيانية (Pelagianisme): هرطقة من القرن الثالث تنتسب الى الراهب بلاجيوس، وتعتبر الحرية قيمة مطلقة وتؤمن بامكانية بلوغ الكمال على الأرض وتنكر مفعول النعمة والخطيئة الأصلية.

8- البيغار (Begards): أسم أطلق على الهراطقة الذين ظهروا في القرن الثالث عشر وكانوا يرتدون لباساً على الرأس يحمل هذا الاسم ويعيشون من الاحسان.

9- بيغين (Beguin): اخويات المتعبدات، وقد أطلق هذا الاسم على راهبات من بلاد الباسيك وكن يعيشن فى أنواع من الأديرة دون تقيييد بالنذور الرهبانية، ولكل واحدة طريقة حياة خاصة ولقد اصبح الاسم يعني المتعبدات الكاذبات، أو تصنع العبادة.

10- التيتونية (Teutonique): الرهبانية فرسان عسكرية المانية أسسها الصليبيون فى أورشليم سنة 1128مسيحية. ولكنها مارست نشاطها على الاخص فى المانيا وانضم اليها فى سنة 1237 فرسان جماعة “السيف” لنشر الثقافة الجرمانية فى بروسيا. وتحطمت قواتها في تانانسبرغ سنة 1410، وأستمر منها باقية في النمسا بأسم “الوشاح الاسود”.

11- الديناميون (Dynamistes): هرطقة أولئك الذين يعتقدون أن المسيح ليس سوى مظهر لقدرة الله، وينكرون التجسد. يعود تاريخ وجودها للقرن الثالث المسيحي.

12- الدوسيتية (Docetisme): هرطقة من القرن الثالث عشر تدعي ان يسوع لم يكن له الا مظهر الجسد متأثرة بذلك بالفكر اليوناني.

13- الدوناتية (Donatisme): هو مذهب الدوناتيين الذين ينتسبون الي دونات أسقف قرطاجة الذى أعلنتة الكنيسة مبتدعاً وعزلتة عن منصبة فى القرن الرابع المسيحي وأصحاب هذا المذهب يعتبرون أنفسهم ورثة الرسل الوحيديين.

14- الدياسبورا (Diasbora): كلمة تعني الشتات والمقصود بذلك اليهود المشتتين خارج فلسطين لاسباب سياسية (أبعاد أو نفي Debortatron)، أو لأسباب أقتصادية (الهجره Emigration).

15- الغنوصية (Gnosticisme): أحدى هرطقات القرن الثالث المسيحي، وهى تدعي أن معرفة علم الخلاص مختلفة عن الأيمان ومحصورة بفئة قليلة، أعني النخبة. وكذلك تدعي أنها على علم تام بجوهر الطبيعة وحصائص الله. وهى قريبة من الأفلاطونية والمانوية.

16- الكاثار (Cathares ou Albigeois): المطهرون: هم ورثة المانويين الذين، بعد شجبهم التجأوا الى أرمينيا في اسيا، ثم عادوا الى أوروبا (البانيا، بلغاريا، لومبارديا، وتولوذ في فرنسا). وهم يرفضون الأسرار، والطقوس الليتوريجية، والسلطة الكنسية، وحق التملك، وينكرون المطهر وقيامة الموتى. ويحبذون الأنتحار الذي يحرر الروح من الشر. وشجبهم مجمع البى ومجمع لاتران سنة 1179 مسيحية.

وقد تم القضاء عليهم بعد حرب صليبية دامت عشرين سنة وأقرها أينوشنسيوس الثالث بقيادة سيمون دي مونفور، ثم لويس الثامن.

17- مارسيون (Marcion): هو تاجر غني من سينوب (sinope) على ضفاف البحر الأسود أسس كنيسة خاصة في روما سنة 146 مسيحية. ولقد تأثر بالخلاف القائم بين العهد الجديد والعهد القديم فرفض العهد القديم لانه وجد فيه تناقضاً “بين إله العهد الجديد، إله المحبة الذي ظهر لنا بشخص يسوع، وبين إله العهد القديم، إله الحقد والجريمة، خالق عالم الشر”. ولقد حارب تعليمه وعقيدته ترتوليانوس.

18- المانوية (Manicheisme): هرطقة من هرطقات القرن الثانث المسيحي، أسسها ماني أومانيس (2016ــ 277)، وتقول بمبدأين إلهيين: إله الخير وإله الشر.

19- الموناركيانية (Monarchianisme): وهو المذهب الكاثوليكي المستقيم القائل بوحدة الله في الاقانيم الثلاثة دون جعلهم ثلاثة آلهة او إخضاع أحد الأقانيم للآخر.

20- المونتانية (Montanisme): هرطقة من هرطقات القرنين الثالث والثاني. أسسها كاهن فريجي يدعى مونتان (montan). اتباعها أعتبروا أنفسهم الكنيسة الجديده، وأنكروا السلطة الكنسية، ودعوا الى مناقبية صارمة، وأعلنوا ان نهاية العالم قريبة. ولقد التحق بهم ترتوليانوس سنة 207 مسيحية.

21- الموداليست (Modaliste): المشتبة او النمطية. هرطقة تدعي ان الله باستطاعته ان يتخذ جميع الاشكال. من آثارها ما ورد في القرآن عن المسيح: ولم يصلبوه، وانما شبه به لهم. ويعني ذلك ان المسيح كونه الله لم يقع علية الصلب، انما الذي ُصلب هو شخص شبية بالمسيح.

22- الموعوظية (Catechumenat): وهي المدة التي كان يحتاجها المقبل على أعتناق الديانة المسيحية ليصبح أهلاً لتقبل الأسرار، إذ كان عليه ان يخضع لتجارب وتعاليم خاصة بالموعوظين، ولم يكن من حقة حضور القداس بكامله بل القسم الأول منه.

23- الميتانويا (metanoia): وتعني الارتداد، وهو تبديل تام في المواقف الفكرية والقناعات الوجدانية.

24- الألفية (Millenarisme): هو مذهب بعض الكتاب المسيحيين من القرون الأولى للمسيحية وبعض الهرطقات اللاحقة التي كانت تؤمن ان المسيح سيعود الى الأرض ليملك مدة ألف سنة قبل قيامة الموتى.

25- المحسوبية (Nepotisme): امتياز كان يتمتع به، لدى البابوات، أولاد (ابناء الأخوة) او انسباؤهم، بشكل خاص، او عائلاتهم بشكل عام. وهو يعني، في النهاية، أستعمال السلطة لمصلحة الأقارب.

26- الاغتباطية (Quietisme): الكلمة من أصل لاتيني معناه الهدوء. وهو مذهب صوفي يجعل الكمال المسيحي في محبة الله وجمود النفس دون أعمال خارجية. وكان لهذا المذهب ممثلون في كل العصور،  أشهرهم الاسباني مولينوس Molinos، وقد نشر، في القرن السابع عشر، كتاباً عن الزهد يجعل من الديانة شيئاً مثالياً صعب الفهم على العامة. اما في فرنسا فقد تبنت رأى مولينوس إمرأة شهيرة هي مدام غويون Guyon المتعبدة، وألفت كتاباً في الموضوع ذاته سنة 1685، كما دعمها فينيلون Fenelon في كتابة شرح آراء القديسين، فهاجمه بوسويه Bossuet ومدام دي منتينون Maintenon، وحرم البابا كتابه، فاستجاب فينيلون لنداء البابا واعتزل الحياة العامة، فانطفأ المذهب نهائياً ابتداءً من سنة 1693.

27- التصوف أو الصوفية (Mysticisme): هو معرفة مباشرة وتجريبية لله، او بالأحرى هو حالة تختبر فيها النفس الله اختباراً مباشراً. وفي رأي برغسون Bergson المتصوف هو من يفتح طريق الدين الديناميكي ويرى الله مباشرة، أو على الأقل يدركة بواسطة تماس مباشر داخلى. والعقل عاجز عن ادراك الله، فالله لا يدرك إلا بواسطة حدس. والمتصوف يجد في تعاليم اللاهوتيين الألفاظ والصور التي يمكنة أن يترجم بواسطتها ما يشعر به ويشاهده داخلياً. اما التجربة الصوفية فلا تقدم لنا أية معلومات عن طبيعة الله. فالله محبة، وهو موضوع المحبة، ومحبة الله ليست شيئاً من الله، بل هي الله ذاته.

28- الاسمية (Nominalisme): او المذهب الاسمي، وهو يقول ان الكلمة الكلية مجرد اسم ولا مسمى له في ذاته، اي انها إسم لا يشير الى “تصور” في عقل الانسان (كما هو مذهب التصوريين وعلى رأسهم أرسطو)، ولا هي تشير الى مسمى في الكون الخارجى (كما هو مذهب الشيئيين او الواقعيين وعلى راسهم افلاطون)

29- الاوراتوار (Oratoire): جمعية رهبانية أسسها القديس فيليبوس النيري في روما سنة 1564ونقلها الى فرنسا أساتذة وعلماء وواعظين عظماء جداً.

30- الأكامية (Occamisme): المذهب المنسوب الى غيوم دوكام، وهو راهب فرنسيسكاني أنكليزي من أشهر علماء اللاهوت المدرسي وأكبر المدافعين عن مذهب الأسمية، وقد لقب بالدكتور الذي لايقهر، وهو أبو المذهب الأختباري الذى يعتبر أن كل معرفة تقوم على التجربة.

31- الأنغليكانية (Anglicanisme): الديانة الرسمية لأنكلترا. ويعود تاريخها الى الملك هنري الثامن الذي قطع علاقتة بالبابا لأنه لم يوافقة على فسخ زواجة من كاترين داراغون. والملك هو رئيس الكنيسة الأنغليكانية ومع أن أعضاء هذه الكنيسة أعتنق بعضهم البروتستانتية، فأنها حافظت على نقاط الألتقاء كثيراً مع الكنيسة الكاثوليكية وأهمها تسلسل السطلة.

32- تجديدي العماد (Anabaptistes): هم شيعة من الهرطقة الألمان من أوائل القرن السادس عشر، وأكثر من المنتمين اليها من القرويين، وقد قضى عليها الأشراف الألمان بقيادة لوفير، في يوم فرانكينهوزن سنة 1525.

33- الأوفكلارونغ (Aufklerung): عصر الانوار، وهو تيار فكري كان سائداً في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في فرنسا وأهم ممثلية فولتير والموسوعيون.

34- سان ــ بارتيليمي (SAINT Barthelemy): وهي مذبحة البروتستانت ايام شارل التاسع في فرنسا بأمر كاترين دي ميدسيس وآل غيز ليلة 23 آب 1572. وقد حدثت المذبحة في اليوم الثاني لاحتفالات زواج هنري دي نافار الذي أصبح هنري الرابع، ومارغريت أخت شارل التاسع. وبدأت المذبحة في باريس على قرع الاجراس. وكانت نتيجتها الحرب الأهلية الخامسة.

35- الترابيست (Trappistes): رهبانية اوروبية. من ممارستها الصمت، والمحافظة على السكوت المطلق دائماً، والانقطاع للتأليف والصلاة أسسها سنة 1664 أرمان دي رانسي في النورماندي الفرنسية.

36- الجانسينية (Jansenisme): انه المذهب المنسوب الى جانسينوس الهولاندي والمعروض في كتابة “الأغوسطينوس”، وهو يحد من حرية الانسان ومن انصارة سان سيران وأرنولد وبيير كيني في فرنسا. وقد قام صراع بين اليسوعيين وجماعة بور رويال وعلى رأسهم باسكال حول الموضوع. ولكن هذا المذهب انتهى بعد هدم دير بور رويال، ولا تزال كنيسة صغيرة في هولاندا تدين به.

37- الجوزيفية (Josebhisme): طريقة في التفكير والحكم منسوبة الى الامبراطور جوزف الثاني الالماني النمساوي الذي شجع الافكار الفلسفية في القرن الثامن عشر وحاول اصلاحاً في امبراطوريتة ففشل، ويسمى مذهبة ايضاً “المذهب الاستبدادي المستنير”.

38- الدييت (Diete): مؤتمر سياسي على شكل جمعية وطنية كان يتم دورياً في مدن الامبراطورية الالمانية وفيه تجري مناقشة القضايا العامة. وأشهر هذه المؤتمرات مؤتمر أوغسبورغ سنة 1518 وورمس سنة 1521، وامامه إمتثل لوثر، ونورامبرغ سنة 1532…..

39- الدروينية (Darwinisme): نسبة الى مذهب داروين البيولوجي والفلسفي. والدروينية تعني، في مقابل التطورية العامة، مذهب الاستحالة الذي يقول بأن النوع الانساني خرج من الانواع الحيوانية، ولكن دون عرض فرضية عن أصل الحياة او الاتجاه العام لنموها. وفي مقابل نظرية لامارك وسبنسر المؤلفة من جراء التمرين والوراثة فهي نظرية استحالة الانواع وترجع اصلاً الى الانتخاب الطبيعي.

40- زوانكل (zwingle): هو اورليك زوانكل. مصلح سويسري، ولد في ولدهاوس قرب سان جيل. دعا الى إلغاء عزوبية الكاهن والقداس. إجتاح مذهبة قسماً كبيراً من سويسرا. وبعد موته إنضم اتباعه الى اتباع كالفن ولوثير ( 1484 ــــ 1531).

41- السكرمانتاريون (sacramentariens): شيعة من اتباع لوثير رفضوا الايمان بالحضور الالهي الحقيقي في الافخارستيا.

42- الشارترو (Chartreux): رهبانية اوروبية إهتمت بحياة النسك والتقشف، واتبعت قانون القديس مبارك. أسسها القديس برونو دي كولوني سنة 1074 في وادٍ جبلي يدعى Cartusio.

43- صراع الثقافة (Kulturkamph): وهو الصراع الذي قام بين الدولة البروسية والكنيسة الكاثوليكية في اواخر القرن التاسع عشر حول الاشراف على الثقافة.

44- الغاليكانية (Gallicanisme): مذهب يدافع عن امتيازات الكنيسة الفرنسية وحريتها ومبادئ سلوكها بالنسبة الى الكرسي الرسولي مع استمرارها شديدة الارتباط بالايمان الكاثوليكي. ويضع العصمة، ليس في البابا وحده، بل في جسم الاساقفة كله المتحد برئيسه. ويدافع عن سلطة المجامع العاملة المطلقة، ويفصل بين السلطة الزمنية. وقد جُمعت هذه المبادئ في بيان اكليروس فرنسا الذي كتبه بوسوية سنة 1672. ولكن اعلان عصمة البابا في المجمع الفاتيكاني سنة 1870 شجب الغاليكانية.

45- غرافامينا (Gravamina): وثيقة بالشكوى التي قدمتها الأمة الالمانية الى السينودس الاقليمي في مايانس 1455 حول الضرر الحاصل للكنيسة الالمانية من جانب الكوريا الرومانية.

46- فودوا (vaudois): شيعة تنسب الى مؤسسها بيير فالدو (القرن الثاني عشر)، وقد قضى على القسم الأكبر منهم فرانسوا الأول. إشتهروا بصلابة الاخلاق، وما تزال لهم بعض الكنائس في ايطاليا.

47- فلسفة علم الظواهر (phenomenology): أو مذهب القائلين بالظواهر، ويستعمل بمعنيين: الاول بمعنى النظرية القائلة بان علمنا بالاشياء مقصور على معرفة الظواهر دون حقائقها. والثاني بمعنى النظرية القائلة ان كل ما نعمله ظواهر، وان الظواهر هي كل شئ في الوجود، ومعنى الظاهرة في هذه النظرية هو الحقيقة الماثلة امام العقل، اما مباشرة او بطريق الاستنتاج.

49- كالفن (Calvin): هو جان كالفن المولود في نوايون وناشر الاصلاح في فرنسا وسويسرا، ورئيس الكالفانيين. مات في جنيف بعد ان اقام جمهورية بروتستانتية (1509 ـــ 1564). يمتاز مذهبة عن المذاهب البروتستانتية بديمقراطية السلطة الدينية وإلغاء الاحتفالات، ونفي التقليد المطلق وعقيدة الاختيار وقبول العماد والعشاء السري من الأسرار، ويطلق على اتباعه إسم هوغونوت في فرنسا. مذهبه منتشر في سويسرا وهولاندا وهنغاريا.

50- الكانتية (Le kantisme): مذهب الفيلسوف الألماني عمنوئيل كانت، مؤلف نقد العقل الصافي والعقل العملي، نقد الحكم (1724 ــ 1804) وهو دراسة وصفية كما تتراءى لنا في الزمان والمكان خلافاً لدراسة القوانين المجردة والثابتة التي تنظم الظواهر، وخلافاً لدراسة الحقائق العالية التي تكون الظواهر تبديات لها، وخلافاً للنقد المعياري الذي يتطرق لشرعية هذه الظواهر.

51- التحررية (Liberalisme): او المذهب الحر. أشهر مؤسسية الفيلسوف كوك، ويعتبر ان العلاقة الطبيعية بين الناس علاقة كائن حر بكائن حر تؤدي الى المساواة. حق الناس ينحصر في تنمية حريتهم والدفاع عنها وعن كل ما يلزم من حقوق.

52- التاريخانية (Historicisme): تعني ان وضعنا كموجودين يدفعنا الى استخدام حريتنا في نزوع نحو المستقبل رغم اننا موجودون في الزمن ومرتبطون ارتباطاً وثيقاً بالماضي. فالتاريخانية اذن ملتصقة بالوجود البشري بصفته مندمجاً بالحينونة الخاصة.

53- التجديدية (Modernisme): حركة في الفكر الكاثوليكي معارضة للطريقة القديمة التي كان يمثلها “الوجوديون” أتباع القديس توما وسكوت، سعت الى تأويل تعاليم الكنيسة على ضوء المفاهيم الفلسفية والتاريخية العصرية.

54- الذاتانية او المذهب الذاتي (Subjectivisme): وهي تعني من الناحية الميتافيزيائية المذهب الذي يرجع كل الوجود الى الذات ويقول ان الأشياء الخارجية لا وجود لها إلا في الذات، وهو المذهب المثالي عند فخته وشلنغ. اما من الناحية المنطقية فهي تعني المذهب القائل ان معيار الحقيقة ليس معياراً موضوعياً، بل هو معيار ذاتي بالنسبة الى الذات المدركة. ومن الناحية الأخلاقية تعني المذهب القائل ان اللذات والسعادة الفردية والنفع على وجه العموم يجب ان يكون المعيار الذي تقاس به الأشياء الأخلاقية. ومن الناحية النفسية تعني المذهب القائل ان التجربة في علم النفس يجب ان تكون تجربة باطنية.

55- مذهب العيانية (Ontologisme): مذهب فلسفي يزعم أصحابة ان الانسان يعايش موضوع تصوراته في الله، مباشرة وبدون واسطة. ويطلق علية العرب احياناً لفظة الشهودية نسبة الى شهود، والشهود عندهم هو رواية الحق بالحق.

56- مذهب التقليدية (Traditionalisme): ويسمى ايضاً المذهب السلفي الذي ينتمي اليه لويس دي بونالد، وجوزف دي مستر، والذي ظهر في القرن الثامن عشر معارضاً للمذهب الفردي. فهو ينكر علية ان الفرد كائن برأسة، وان الاجتماع وليد اتفاق بين الافراد. ويعارض هذه الدعوى بتوكيد ضرورة الاجتماع وينكر عليه دعواه ان العقل الفرد يبلغ الى الحق بقوته الذاتية، ويعارضه بارجاع العلم الانساني الى وحي اول نزلت به من لدن الله الفاظ اللغة والمعاني المقابلة لها فتناقلها السلف.

57- المتطهرون (Puritains): شيعة بريسبيتارية نشأت في انكلترا وايقوسيا، ويدعون أنهم أكثر أمانة من غيرهم لمعنى الكتاب المقدس، وتشددهم في موضوع الاخلاق أوقعهم في صلابة مرعبة مضرة للحياة. وعلى أثر ثورة سنة 1648 اضطهدهم آل ستيوارت فهاجر قسم كبير منهم الى أمريكا.

58- التأليهية (Le deisme): نظرة فلسفية قديمة (ارسطو) تعني التأليه المحض، وهي الاعتقاد ان الله خلق الطبيعة ولكنه لا يتدخل في المجرى الذي حدده لها. ثم تطور الى الاعتقاد بامكان الوصول الى الحقيقة بواسطة قوى العقل الطبيعية دون الحاجة الى التسليم بالوحي. وقد شاع هذا المعنى في الفلسفة الانكليزية في القرن الثامن عشر، ويمثل عقيدة الدين الطبيعي ومنه اللادينيون القائلون بالألوهية والمنكرون للأديان

59-  النقدية (Criticisme): هذا المذهب النقدي صاحبه الفيلسوف الالماني “كانت”، ويريد به الجمع بين التجربة والعقل مصدراً للمعرفة. فالعلم بالشئ مرجعه الى التجربة، ولكن الادراك الحي لا يستقيم بغير مبادئ اولية بديهية لا تستمد من التجربة بل تقدم في الذهن، سابقة للتجربة.

60- الهوغونوت (Huguenots): هم اتباع كالفان في فرنسا وهي تشوية للكلمة الالمانية أيدجنوسين Eidgenossen  ومعناها المتحد بالقسم.

61- الهيغلية (Hegelianisme): مذهب الفيلسوف الالماني جورج فردريك هيغل (1770 ــ 1831)، او مذهب الجدل، ويتألف من مراحل ثلاثة: الفرضية ونقيضها والتأليف بينهما These, antithese, synthese.

62- الهرمزيانية (Hermesianisme): رأي الكنيسة حول موضوع تربية الاولاد بالنسبة الى مذهب أهلهم. وهو القائل بضرورة تربية الطفل على المذهب الكاثوليكي في الزواج المختلط، وينسب الى أحد الباباوات.

63 الكوريا الرومانية (La curie romaine): لقد تم تنظيم هذه المؤسسة منذ اول كانون الثاني سنة 1968، وهي تشمل مجامع ومحاكم ومكاتب وامانات سر. فالمجامع متساوية في الحقوق فيما بينها. وتتألف من أعضاء كرادلة واساقفة يسمًيهم البابا لمدة خمس سنوات، والاساقفة المقيمون يشتركون في الاجتماعات ويتمتعون بكامل الحقوق ومنها معاجة أهم القضايا ونحديد الاتجاهات الكبري ( حضورهم ليس ضروريا في روما الا مرة واحدة في السنة ). وعلي رأس كل مجمع كردينال مدير ونأئب مدير وسكرتير ونأئب سكرتير يعًينهم البابا لمدة خمس سنوات. يساعدهم مستشارون يسميهم البابا لمدة خمس سنوات ويختارهم من الاساقفة والكهنة والرهبان والعلمانين حسب طبيعة الاعمال في كل مجمع . وما تزال اللغة اللاتينية لغة المجامع الرسمية ، انما يمكن استعمال اللغات الحديثة . ومن واجبات الكردينال سكرتير البابا (امين سر الدولة البابوية) ان يجمع مدراء المجامع بشكل دوري فيؤلفون مجلساً استشارياً وزارياً.

64- سكرتاريا البابا: ومجلس المشورة لشؤون الكنيسة العامة. سكرتارية البابا او امانة سر الدولة البابوية ــ انه أرفع تنظيم في الكوريا. يرأسة الكردينال امين سر الدولة ويساعده معاون ووكيل. والسكريتارية تحت تحت تصرف البابا لكل المهام التي يعهد بها اليها. فهي تؤمن العلاقات مع المنظمات الأخرى في الكوريا وعلاقات البابا مع الاساقفة ومع السفراء ومع الحكومات وسفرائها  ومع الافراد. يرتبط بها مكتبان للرسائل والوثائق البابوية، ومكتب لجمع المعلومات واقوال الصحف، ومكتب الاستشارات الاجتماعية، ومكتب للاحصاء، ومكتب حكومة الفاتيكان، ومجلس استشاري لقضايا الكنيسة العامة.

65- المجامع الرومانية: مجمع الايمان المقدس الذي يسهر على نقاء العقيدة والاخلاق. ومجمع الكنائس الشرقية وهو المسؤول عن جميع القضايا العائدة للأفراد والنظام والطقوس في الكنائس الشرقية المرتبطة بروما. ومجمع الاساقفة ويشمل المكتب الاستشاري لقضايا الكنيسة العامة ومدراء المكاتب والاساقفة وتنظيم الابرشيات، والتعليم المسيحي، والاكليروس. ومجمع الاسرار المقدسة ويشمل كل ما له علاقة بقبول الاسرار وادارتها والاحتفال بالقربان المقدس وسيامة الكهنة. ومجمع الطقوس، ومجمع الاكليروس، ومجمع الرهبان والمؤسسات العلمانية، ومجمع الاعداد الكاثوليكي ويهتم بالاكليريكيات والمدارس. ومجمع نشر الايمان ويهتم بنشر الايمان المسيحي بين الأمم.

66 – امانة السر والمجالس الاستشارية: امانة سر الوحدة المسيحية ــ امانة سر غير المسيحيين وتشمل قسماً خاصاً بالمسلمين ــ امانة سر غير المؤمنين ــ المجلس الاستشاري للعلمانيين ــ البعثة البابوية للعدالة والسلام، وتهتم بمساعدة المظلومين والفقراء في العالم الثالث.

67- المحاكم: المحكمة العليا للأختام الرسولية وفيها غرفة استئناف وتمييز، وغرفة ادارية. ومحكمة الروتا وتختص بقضايا الزواج. والمحكمة الرسولية وتختص بالقضايا الضميرية.

68- المكاتب: مكتب الاختام وهو المكلف بالبريد وتوزيع الوثائق البابوية ــ المكتب الرسولي ومهمتة المحافظة على ممتلكات الكرسي الرسولي في الفترة الممتدة بين وفاة البابا وانتخاب خلف له ــ مكتب تموين الكرسي الرسولي ــ مديرية المال وهي شبيهة بديوان المحاسبات يرأسها ثلاثة كرادلة. مكتب الاحصاء. مكتب مدير القصر الرسولي وهو المكلف بادارة الخدمات العامة والاحتفالات في القصر وتنظيم المقابلات.

 

الكلمات المتداولة في العلوم المسيحية وأصلها ومعانيها

المجامع المسكونية – نظرة سريعة

المجامع المسكونية – نظرة سريعة

المجامع المسكونية – نظرة سريعة

المجامع المسكونية – نظرة سريعة

1- مجمع نيقيا 325: حرم آريوس الذي ألأنكر ألوهية يسوع المسيح ووضع قانون الايمان.

2- مجمع القسطنطينية الاول 381: حرم مقدونيوس والماسيدنيين الذين ينكرون الوهة الروح القدس ومساواته للآب والابن في الجوهر.

3- مجمع أفسس 431: حرم نسطوريوس الذي أنكر ان تكون مريم العذراء أم الله.

4- مجمع خليقدونية 451: حدد طبيعتي المسيح الالهيه والانسانية وحرم اصحاب الطبيعة الواحدة.

5- مجمع القسطنطسنية الثاني 552: شجب نسطوريوس واوريجانوس.

6- مجمع القسطنطينية الثالث 680ــ 681: شجب المونوتولية او مذهب المشيئة الواحدة.

7- مجمع نيقيا الثاني 787: شجب محاربي الايقونات.

8- مجمع القسطنطينية الرابع 869ــ 870: عزل فوتيوس عن كرسي بطريركية القسطنطينية.

9- مجمع لاتران الاول 1123: تدخل فى مسألة الرتب الكنسية. وقد نشأت المسألة من جراء الصراع العنيف الذي قام بين البابوية وأباطرة المانيا حول سيامة الأساقفة. واستمر من سنة 1074 ــ 1122، وبلغ أشدة أيام غريغوريوس السابع والأمبراطور هنري السابع، وانتهى بمبدأ الفصل بين السلطتين. فالسلطة الزمنية يمنحها الأمبراطور والسلطة الروحية يمنحها البابا.

10- مجمع لاتران الثاني 1139: شجب السيمونيا (بيع الرتب الكنسية) وسوء استعمال السلطة الروحية، ونصح بعدم زواج الكهنة.

11-مجمع لاتران الثالث 1179 ــ 1180: اتخذ اجراءات اولية ضد بدعة الكاثار.

12- مجمع لاتران الرابع 1215: شجب بدعة الألبيجوا (أو الكاثار) وحدد عقيدة الاستحالة الجوهرية ونظم قوانين الكنيسة.

13- مجمع ليون الاول 1245: ضد فردريك الثاني.

14- مجمع ليون الثاني 1274: وهو محاولة للتقارب مع الكنيسة الشرقية، واتحاد الكنائس.

15- مجمع فيينا 1311 ــ 1312: حل منظمة الهيكل.

16- مجمع كونستانس 1414 ــ 1418: وضع حداً للأنشقاق في الغرب، وشجب جان هوس.

17- مجمع فلورنسا 1438 ــ 1445: وهو محاولة للتقارب من جديد مع الكنيسة الشرقية، ضمن مخطط اتحاد الكنائس.

18- مجمع لاتران الخامس 1512 ــ 1517: محاولة أصلاح الاكليروس، وتحديد خلود النفس. ولكن محاولة الاصلاح كانت فاشلة.

19- مجمع ترانت (التريدنتيني) 1545 ــ 1563: أصلاح الكنيسة الكاثوليكية: قرارات عقائدية البروتستانت.

20- مجمع الفاتيكان الأول 1869 ــ 1870: حدد موقف الكنيسة من الايمان والمذهب العقلاني وأعلن عصمة البابا.

21- مجمع الفاتيكان الثاني:

الدورة الأولى: من 11 تشرين الأول الى 8 كانون الأول 1962.

 الدورة الثانية: من 29 ايلول الى 4 كانون الاول 163.

الدورة الثالثة : من 14 أيلول الى 2 تشرين الثاني 1964.

الدورة الرابعة: من 14 أيلول الى 8 كانون الأول 1965.

حضر هذا المجمع 2300 أسقف وتألف من 12 لجنة، وأستغرق 140 جلسة، وأجرى حوالي 550 تصويتاً.

نتائجة: 4 دساتير و9 مراسيم و3 أعلانات. النص الاساسي: دستور عقائدى للكنيسة. أما باقى النصوص فموزعة على مجموعتين:

1- وثائق التجديد: قرارات فى رسالة العلمانيين والاساقفة والرسالات. ودستور عقائدي فى الوحي والليتورجيا.

2- وثائق الحوار: مع غير الكاثوليك، وغير المسيحيين، وغير المؤمنين، ومع العالم أجمع.

3- أسس الحوار ووسائلة: الحرية الدينية، الكنيسة وعالم اليوم ــ وسائل الأعلام الأجتماعية.

 

المجامع المسكونية – نظرة سريعة

تعليل الإلحاد السارتري – إلحاد سارتر – كوستي بندلي

تعليل الإلحاد السارتري – إلحاد سارتر – كوستي بندلي

تعليل الإلحاد السارتري – إلحاد سارتر – كوستي بندلي

تعليل الإلحاد السارتري – إلحاد سارتر – كوستي بندلي

الاكتفائية وأصنام الله

وقد نتساءل: إذا كان هذا هو إله الاعلان الكتابي، فما الذي دفع سارتر – وقد عاش في وسط مسيحي – أن يعطينا عنه هذه الصورة المشوهة؟

إنني أعتقد شخصاً أن لذلك سببين: أولاً الاكتفائية الكامنة في صميم فكر سارتر، والثاني “أصنام” الله التي حالت بينه وبين إله الإعلان الكتابي.

1 – الاكتفائية السارترية

فمن جهة أولى قبول الله يفترض أن أقبل بأن وجودي عطية من آخر ولو كان لي سلطان بأن أستخدم هذه العطية كما أشاء وأن أحولها، إذا أردت، ضد معطيها. قبولي لله يعني اعترافي بأن لي مقياساً ومرجعاً، ولو أعطيت سلطاناً بأن اضرب بهذا المقياس وبهذا المرجع عرض الحائط. قبولي لله يعني إنني لست مالكاً لذاتي ولو أعطيت سلطة التصرف بذاتي كما أشاء. قبول لله لا ينفي حريتي ولكنه يعني أن هذه الحرية ليس غاية بحد ذاتها. مجمل الكلام أن “كوني مخلوقاً، كما كتب جان دانيالو، لا يعني أن الوجود ينزع مني كما يقول سارتر، إنما ينوع مني امتلاك هذا الوجود.

ما ينزع مني هو إرادتي بالاكتفاء الذاتي”. قبولي لله طعن في الصميم لاكتفائيتي، لإرادتي بأن أكون المقياس والمرجع الوحيد لذاتي. إيماني بالله صليب لهذه “النرجسية الروحية” على حد تعبير أوليفية كليمان، لتلك الشهوة في الإنسان بأن يملك نفسه ويتمتع بأناه المنغلق، المكتفي. صعب على الإنسان أن يقبل بأن وجوده كله نعمة. وهذا صعب بنوع خاص على الإنسان الحديث الذي بدأ منذ عصر النهضة يعتبر نفسه تدريجياً مركز كل شيء ومقياس كل شيء. وبصورة أخص هذا صعب بالنسبة للاتجاه الفردي الكامن في صميم فلسفة سارتر، وأن كان تطوره الفكري قاده إلى أن يخفف نوعاً ما من حدة هذه الفردية. فبالنسية لسارتر وجود الآخر كآخر تهديد لوجودي. لأن وجودي ينزع إلى اتخاذ نفسه محوراً لذاته وللكون كله، بينما يأتي وجود الآخرين ليزعزع هذه المحورية.

نظر الآخر إليّ، بالنسبة لسارتر، خطر عليّ واعتداء على حريتي لأنه يجعلني تحت تصرف الآخر يحكم عليّ ويقيمني كما يشاء فيجمدني ويحصرني في هذه الفكرة التي يكونها عني. الحب نفسه فخ لأن كلاً من المحبين يستخدم الآخر في سبيل تأكيد ذاته. لذلك “فجوهر العلاقات بين الوجدانات، حسب تعبير سارتر، هو الصراع، ومن هنا كلمته الشهيرة في مسرحية Huis-Clos “الجحيم هو الآخرون”. لم يدرك سارتر أن العلاقة بين البشر، وإن كانت في كثير من الأحيان صراعاً كما صورها، يمكنها أن تكون أيضاً شركة وأن “الفردوس هو الآخرون”، على حد تعبير غبريال مارسيل، لأنني بهم، وبهم فقط، أخرج من عزلتي وأنجو من اكتفائيتي القتالة، فأحقق هكذا ملء وجودي.

لم يدرك أن وجود الآخر إلى جانبي فرصة لأجد ذاتي بخروجي من ذاتي في اتجاهه وبانفتاحي لاقتباله ولقائه. إن من اختبر صداقة أو حباً أصيلين، من عاش الأبوة أو الأمومة في أعماقهما، يعرف كم تلك العلاقات بالآخر تغني الإنسان بفيض من الحياة غزير؛ كذلك اعجابنا بمن رأيناه متفوقاً في ميدان ما يفجر فينا طاقات كامنة ويرفعنا، بصورة ما، إلى مستوى من نحن معجبون به. وحتى إذا أقلقنا الآخر بمعارضته وانتقاده، حتى إذا كان حكمه علينا قاسياً ولربما ظالماً، فإن اقلاقه هذا مثمر إذا عرفنا أن نتقبله، فإنه يدفعنا إلى أعادة للنظر خلاقة فيما نحن عليه، إلى تجاوز حدودنا وعيوبنا، إنه ينتزعنا من الاستكانة المخدرة ويدفعنا إلى الأمام في حركة لا تتوقف. لذا كتب مونييه في كتابه “مدخل إلى المذاهب الوجودية”: “لقد لمنا سارتر لكونه لم ير في النظرة سوى النظرة التي تجمد. ولكن النظرة الأعمق هي، بالعكس، نظرة تزعزع.

إذا تقبلت حضور الآخر كشيء ليس تحت تصرفي، فنظرته إليّ لا تجمدني، ولكنها بالعكس تزعجني، تقلقني، تعيد النظر فيّ. نعم إنها تجردني، ولكنها تجردني من نفسي كعدو لنفسي، من مركزية أناي اللاشفافة، … من هذا الحاجز الذي أقيمه بيني وبين نفسي في العزلة. الاختبار يعلمنا كل يوم قيمة الكشف التي لرأي الآخرين بنا عندما يقبلون بأن يفضلوا به إلينا أو لذلك الوعي الذي يوقظونه فينا بمجرد عبء نظرتهم الصامتة. في الوحدة لا نعرف أنفسنا كما يجب ولا نحسن الحكم على أنفسنا. الاغتياب في معظم الأحيان محق أكثر من التأمل الباطني. إذاً لا يحيينا النظر الكريم الصادر من الآخر وحسب، إنما أيضاً نظر العداء أو الحسد أو اللامبالاة، إذا كنت، أنا الذي أتقبله، في حالة انفتاح له. هذا الاختبار يتحقق في الجماعات كما في الأفراد… إن نظرة الالحاد الى الدين، نظرة المعارضة إلى الحكومة، نظرة التلامذة إلى المعلم، هي الباعث الأساسي لحيوية هؤلاء”. أما بالنسبة لسارتر، فعلاقة الإنسان بالآخر هي، في الصميم، علاقة استعباد متبادل (وإن قبل سارتر في تطوره الفكري بإمكانية تعاون خارجي بين البشر من أجل بناء عالم أفضل). هذا المفهوم لعلاقة الإنسان بالآخر مبني، كما بين مونييه في كتابه المذكور أعلاه، على كون تفكير سارتر – إننا نحكم هنا على تفكيره وليس على شخصه، ففي شخصه الكثير من الالتزام الشريف لشؤون الناس تجلى في جهاده من أجل تحرير البشر من الظلم وفي تصريحه لجريدة Le Monde في 18 نيسان 1964: “أمام طفل يموت، لم يعد للغثيان من وزن” – قلنا على كون تفكيره يدور في عالم التملك أو عالم عدم الانفتاح على حد تعبير غبريال مارسيل. وقد حدد مارسيل هذا الموقف بقوله: “عدم الانفتاح هو أن يكون المرء منشغلاً بذاته”. إذا كنت أريد أن أكون مالكاً لذاتي فوجود الآخرين يهدد هذا التملك لأن عليّ أن أحسب حساباً لوجودهم ولما ينتظرونه مني ولوجهة نظرهم فيّ. إذا أغلقت على ذاتي ضمن مركزية أناي، فلا بد أن أرى الآخرين على شاكلتي وأن أرى فيهم بالتالي كائنات منغلقة، منشغلة بذاتها، تتطاحن مع كياني وتهدده بالاستعباد. إذا كنت منشغلاً بذاتي، فلا مكان حقيقي في وجودي للآخر، وبالأحرى لا مكان فيّ لهذا الآخر المطلق الذي هو الله، لأن إن قبلت به تجردت تماماً عن ملكية ذاتي وضربت في الصميم اكتفائي. ولا بد عند ذاك أن أتصور الله، كما أتصور الآخرين، من خلال مركزية أناي، فأراه أنانية هائلة تحاول استعبادي. ولا بد أن يكون رفضي له أعمق بكثير من رفضي للآخرين، لأنني إذا تصورت أن الآخرين يحاولون استعبادي أستطيع أن أرد عليهم بمحاولتي استعبادهم، أما الله، وهو تحديداً من لا أستطيع استعباده، فلا سبيل لي إلا إنكاره للمحافظة على اكتفائيتي. إذا كانت نقطة الانطلاق هي مركزية الأنا، فلا بد أن تبدو لي صورتها منعكسة على الآخرين، فأحس أنهم معتدلون ومستعبدون، ولا بد أن تنعكس صورتها مضخمة على الله، فأراه الطاغية الأكبر الذي يمتص كياني امتصاصاً ويلغي وجودي. لقد كتب إتيان بورن عارضاً وجهة النظر السارترية: “إن حضور الآخر يأتيني ببرهان إضافي على مدى أذى الله، لو كان موجوداً. لأن من هو الله سوى آخر مطلقة حرب بأن يرفع العلاقة الجدلية بين سيد وعبد (التي تربطني بالآخر) إلى أعلى درجة من الحدة عوض أن يحلها؟ لأنه إذا كان الآخر بغيضاً، فالله يكون، والحالة هذه، بغيضاً بصورة مطلقة”. عند ذاك وفي هذا المنظار الذي يصبح فيه حسب تعبير هيغل “كل وجدان يسعى إلى الموت الآخر”، أصبح “موت الله”، على حد تعبير نيتشه وسارتر من بعده، شرطاً لا بد منه لأوجد أنا. أما إذا تحررت من مركزية الأنا وأصبحت “منفتحاً” تحولت علاقتي بالآخر من صراع بين “أنا” و”هو” إلى “مناجاة” بين “الأنا” المنفتح والأنت حسب تعليم غبريال مارسيل. أي أن الآخر يصبح ليس ذلك الغريب “هو” الذي يحد وجودي ويهدده بل ذلك المخاطب، ذلك “الأنت”، شريكي الذي به أكتمل. عندئذ أستطيع أن أرى الله كطاغية غريب ينتزع مني الوجود بل كشريك وحبيب، ذلك، “الأنت المطلق” كما يقول غبريال مارسيل، الذي يوقظني باستمرار إلى وجود أوفر وأغنى.

2 – أصنام الله

أما السبب الثاني الذي حدا سارتر بنظري إلى تبني هذه الصورة المشوهة عن الله، فهو “الأصنام” التي حالت بينه وبين الإله الحقيقي. “الأصنام” هي تلك التصورات التي نكونها عن الله في ضوء ميولنا ورغباتنا فنتعبد لها معتقدين أننا نتعبد لله فيما لا نعبد بالحقيقة سوى أنفسنا. “ليست أفكاري كأفكاركم يقول الله، في نبؤة أشعيا، ولا طرقي كطرقكم لكن كبعد السماء عن الأرض تبعد أفكاري عن أفكاركم وطرقي عن طرقكم” (أشعيا 55: 8، 9)، ومع ذلك فإننا عوض أن نرتقي نحن إلى الله كثيراً ما ننحدر بالله إلى مستوى أفكارنا ورغباتنا. عندما انطلق سارتر من محورية الأنا تصور الله طاغية يمتص وجود الإنسان، كما رأينا، فأوجد هكذا صنماً سماه “الله”. ولكن سارتر عندما فعل ذلك، كان إلى حد بعيد يرجع صدى ما يتصوره الكثيرون من المسيحيين عن الله.

قاله المسيحيين، والحق يقال، ليس دائماً الإله المسيحي، الإله الذي أعلن لنا في يسوع المسيح. إن إله الكثيرين من المسيحيين إله يتصورونه على شاكلتهم، إله هو صورة مضخمة عن نقص المحبة الكامن فيهم. يقول لويس افلي في كتابه المذكور أعلاه: “… إن معظم المسيحيين لا يتمنون أن يكونوا ذلك الإله الذي يتصورونه. لأنهم أفضل منه. لقد قال فولتير كلمة رهيبة: “الله خلق الإنسان على صورته، ولكن الإنسان رد له المثل”. الإنسان صنمي بطبيعته. إنه دون انقطاع يكوّن إلهاً على صورته. كل واحد منا مجرب بأن يتصور إلهاً بعيداً…. مستاء، غير مكترث، لاهياً، حقوداً، متذمراً. لأننا لا نحبه كثيراً، نتصور أنه لا يمكن أن يحبنا كثيراً”. ولكن إله الاعلان الكتابي “أعظم” بما لا يقاس “من قلوبنا” الضيقة (1يوحنا 3: 29). لذا يتابع لويس افلي قائلاً: “الإعلان الإلهي يقول لنا… إن الله ليس مثلنا، وأنه لا ينبغي لنا، إذا شئنا أن نعرف مشاعره نحونا، أن نستند إلى مشاعرنا نحوه… إن الله أحبنا دون أن نحبه، إنه أحبنا أولاً”.

الإله الذي يتصوره المسيحيون كثيراً ما يكون صورة عن أسلوبهم في الحياة، مع أن هذا الأسلوب دائماً ناقص وقد يكون منحرفاً. من قرأ كتاب سارتر الأخير Les Mots (وفيه يروى طفولته)، أو الكاتب المماثل لتلميذه سيمون دي بوفوار، يرى أن كلاهما نشأ في بيئة عائلية أو اجتماعية كان الله يتميز فيها عن الوطن والنظام والأسلوب البورجوازي في العيش وسلطة التقاليد الاجتماعية. تلك التقاليد التي قتلت “زازا” الفتاة المؤمنة والمنتمية إلى عائلة مؤمنة، صديقة سيمون دي بوفوار، لأن تربيتها جعلتها تخضع، ضوعها لله، لإرادة والدة كانت ترفض تزويجها من الرجل الذي أحبته لأن العرف يقضي بان لا تختار الفتاة زوجاً بل يختاره لها والدها.

المسيح رفض تجربة السلطة، رفض أن يكون ملكاً على الأرض، (يوحنا6: 15، 18: 36)، وبذلك أظهر لنا أن سلطة الله تختلف بما لا يقاس عن مفاهيم البشر في السلطة. ومع ذلك فكثيراً ما يتخذ المسيحيون الله مبرراً للنظام الاجتماعي الراهن ولو كان هذا النظام جائراً. لقد تحققت في فولتير مثلاً كلمة المذكورة أعلاه، إذ أنه نادى بفكرة “إله دركي” يكون ضمانة لنظام اجتماعي مبني على تفاوت الثروات، وكان هكذا، وهو ثري، يتخذ الله حجة لضمان احتفاظه بثروته.

ولكن الكثيرين من المسيحيين يجارون في هذا الموقف فولتير الذي لم يكن مسيحياً، فتراهم ينسـبون إلى الله تفاوت الثروات ويتخذونـه وسيلة لتكريس اسـتغلال فئة لفئة أخرى. إن أ. لامبرت، في مقال له، بعد أن بين أن الله لا يمارس في العالم سلطة شبيهة بسلطة الناس، أظهر كيف أن المسيحيين سخّروا ولا يزالون يسخّرون الله لتثبيت تسلط المتسلطين، وأضاف قائلاً: “يتمتع الإنسان بهذا الامتياز الرهيب بأنه يستطيع أن يحمّل إلهاً مسؤولية المركز الذي يشغله والقانون الذي يضعه… هذا هو أحد العوامل الرئيسية لاستبعاد البشر وهذا ما يظهر بأنه بإمكان المرء أن يدوس الصليب لا عن طريق اضطهاده بل عن طريق تملكه”.

إنها بالحقيقة محاولة كفرية يستخدم بها الإنسان الله عوض أن يضع نفسه في خدمته ويحدره إلى مستوى مطامعه عوض أن يرتفع إليه، إنه يصور الله بأخلاقه عوض أن يتصور بأخلاق الله، وهكذا يبرر سلوكه ويتأصل به ويطفئ فيه الإمكانات الخيرة ويصبح تماماً على صورة ذلك الإله الذي تصوره. يقول جوبيتر “الذباب” لايجيست: “لقد قلت لك أنك مصنوع على صورتي. كلانا يعمل ليسود النظام، أنت في أرغوس وأنا في العالم” (الفصل 2 – المنظر 2 – المشهد 5) والصحيح أن “جوبيتر” و”أصنام الله” الشبيهة به صنعت على شيه الطاغية ايجيست وأمثاله. الحق يقال إن المسحيين كثيراً ما تصورا ويتصورون الله على صورة الملوك والحكام وما سمي “بنظامهم” الذي قد يكون تكريساً من الملوك والحكام التخلق بأخلاق الله.

هذا ما أدى إلى التلازم المؤسف، المرير، بين “المذبح” والعرش”، هذا ما قاد الكنيسة الرسمية في كثير من الأحيان إلى الخلط بين قضية الله وقضية الطبقة الحاكمة، هذا ما يفسر، إلى حد ما، إن الحركات التحريرية منذ الثورة الفرنسية كثيراً ما انحرفت في نضالها ضد الاستبداد إلى رفض الله نفسه، لأن الإله الذي وجدته أمامها كان قد صنع على صورة المستبدين.

ولأن المسيحيين تصورا الله على صورة السلطات الأرضية، فقد ناقضوا الإنجيل بشكل رهيب إذ كثيراً ما استخدموا الاكراه في أمور الدين. فقد كتب بردياييف: “في مجرى التاريخ، كثيراً ما اتخذت المسيحية طريق الاكراه وسقطت في التجربة وتخلت عن حرية المسيح. إن الرئاسة الروحية، سواء الكاثوليكية أو الارثوذكسية، كثيراً ما استبدلت الحرية بالإكراه، وسقطت في تجربة المفتش الأكبر”.

هذا الإله الذي كثيراً ما نلصق به صورة المتسلط في المجتمع، قد نراه أيضاً من خلال علاقتنا الطفيلية بوالدينا. إن أول صورة يتحسس المرء من خلالها سر الله هي صورة والديه، إلا أن نموه الإنساني والروحي يجب أن يقوده إلى تجاوز هذه الصورة. ولكن قد تحجب هذه الصورة الطفيلية عن الإنسان رؤية الإله الحقيقي. هذا ما قد يحدث مثلاً إذا كان الوالدان شديدي التسلط أو إذا كانا يخلطان بين سلطة الله وسلطتهما الخاصة ويبنيان تربيتهما الدينية والخلقية على الخوف من الإله الذي “يخنق الأطفال”.

هكذا قد تبقى عالقة في نفس المرء طيلة حياته صورة إله يضخم شراسة الوالدين وتسلطهما، صورة له لا سبيل للوقوف أمامه إلا في موقف الطفل العاجز أمام عملاق يسحقه، صورة إله بعبع لا مجال أمامه إلا للشعور الدائم بالإثم والخوف. تلك صورة “الإله الأب الرهيب” التي وجدها فرويد في بعض التصورات الدينية فلم يعرف أن يميز بينها وبين الإله الحقيقي. إن المشتغلين بعلم النفس كثيراً ما يرون هذه الصورة عن الله، التي يجتمع فيها كل عجز الطفل وذعره، تبرز من كوامن العقل الباطن وتطغي على المعلومات الدينية التي تلقنها الشخص – خاصة إذا كانت سطحية، ناقصة – وتصبغ حياته كلها، فإما تستعبده وتشل فيه كل حيوية وتعذبه دون هوادة بالوساوس والشعور المرضي بالإثم وإما تشعل فيه ثورة تبدو وكأنها موجهة ضد الله فيما هي بالحقيقة محاولة مستميتة للتخلص من صنم استعيض به عن الإله الحقيقي.

تلك العلاقة بين الصورة التي يكونها الطفل عن والديه (والتي ليست هي بالضرورة مطابقة تماماً لشخصها الحقيقي) وبين تصوره، في طفولته وما بعدها، لله، تبدو لنا إذا عدنا إلى طفولة سارتر كما يرويها لنا في مذكراته المذكورة آنفاً وكما رجع لنا تلميذه جانسون صداها في دراسته عن سارتر التي سبق أيضاً ذكرها. أن عبارة في مذكرات سارتر لا بد لها أن تلفت النظر، ألا وهي: “لقد فهم القارئ أنني أكره طفولتي وكل ما بقي منها….”. فما هو الداعي يا ترى لتلك الكراهية؟ لقد توفي والد سارتر فيما كان يبلغ من العمر سنتين، فعاشت أرملته عند والديها مع الطفل مدة عشر سنوات تزوجت بعدها من جديد. هكذا قام جد سارتر بدور الوالد بالنسبة لليتيم. وقد أحاطه بالعناية والاهتمام، فلم ينقصه شيء في الظاهر، إلا أن الطفل كان يحس بأن تلك العناية كلها لم تكن نابعة حقيقة من القلب، إنما كان فيها تكلف وتمثيل.

لم يحس بأن ذلك المنزل كان منزله حقيقة، فقد كانت والدته توشوش في أذنه إذا ضج: “احذر، لسنا في بيتنا”. أحس هذا الطفل المدلل بأنه لم يكن محبوباً من أجل نفسه، إنما كان عليه أن يشترك في تمثيلية، فيتقبل تظاهر جده بالاهتمام به ويجيب على ذلك بأن يلعب دوره، دور الولد المرضي، المهذب، المطيع، الذكي، دون أن يجد الحب لقلبه سبيلا: “لم أكن أحب شيئاً أو أحداً”. كان يشعر بأنه ليس مقبولاً حقيقة وأن لا مبرر لوجوده سوى أرادة جده، تلك الإرادة التي كان عليه ان يستميلها بلعبه، تجاه ذلك الجد المتسلط، دور الكلب الأليف. من الطبيعي، والحالة هذه، أن يكوّن الطفل سارتر صورة عن الأبوة نابعة من علاقته بجده. فقد كانت تلك العلاقة مجردة من الحب: كان الطفل يشعر أن جده لا بحبه حقيقة (“كان مصيري معلقاً به كلياً، فكان يعشق فيّ كرمه”) وإن عطفه عبء عليه لأنه كان مضطراً أن يستجديه بتلبس شخصية زائفة، ذليلة. لذا تصور الأبوة طاغية، ساحقة، وهنأ نفسه لوفاة والده لأنها جعلته حراً: “ليس من أب صالح، تلك هي القاعدة. ولا يعود اللوم في ذلك للبشر بل لرباط الأبوة الذي هو مهترئ. حسن أن يصنع الإنسان أولاداً، ولكن أن يكون له أولاد، يا للظلم.

لو كان عاش أبي، لكان تمدد عليّ بطوله وسحقني. لحس حظي مات عندما كنت صغيراً….”، “لقد كان موت جان باتيست (والده) قضية حياتي الكبرى، فقد…. أعاد لي الحرية”. هكذا نرى أن سارتر بتأثير خبرة طفولته لم يتصور الأبوة إلا بشكل ملكية واستبعاد ساحق. وإذا كانت صورة الأبوة كما يكونها الإنسان في طفولته تطبع إلى حد ما تصوره لله، كما أظهر التحليل النفسي، فلا عجب أن يكون سارتر قد كوّن منذ طفولته عن الله صورة مشوهة، صورة مراقب مخيف تجلت للطفل سارتر في لحظة يرويها لنا من حياته، فرفضها نهائياً: “مرة واحدة، شعرت بأنه موجود. كنت قد لعبت بعيدان كبريت وأحرقت سجادة صغيرة، وفيما كنت أخفي جرمي، أبصرني الله فجأة، شعرت بنظرة داخل رأسي وعلى يديّ؛ قدرت في الحمام وأنا أحس أنني مرئي بشكل فظيع، هدف حي للرماية.

ولكن الاستنكار أنقذني: فقد اغتظت لفضول مبتذل لهذا الحد وجدفت… فلم ينظر إليّ أبداً فيما بعد”. تلك الصورة الرهيبة التي كونها سارتر منذ طفولته عن الله لم يكن ما يقومها، لا في بيئته العائلية، فجده وجدته كانا لا مباليين، وأمه كانت ذات إيمان منطو، ولا في بيئته الاجتماعية التي كانت تدين بدين شكلي لا حياة فيه ولا التزام. فلا عجب أن يكون قد تسلح ضدها بتلك المكابرة التي اتخذها منذ طفولته سلاحاً ضد بيئة عائلية أحس أنها تسلبه وجوده الأصيل، لا عجب أن يكون قد رفضها رفضه لتلك الأبوة التي تبرأ منها مفضلاً عليها عزلة لا جذور لها (“ابن لا أحد، أصبحت علة ذاتي، هذا غاية الكبرياء وغاية الشقاء”، “أصبحت راشداً وحيداً، لا أب لي ولا أم، لا مقر لي، وأكاد أكون بلا اسم”)، تلك الأبوة التي لم يشأ هو أن يمارسها. هكذا كانت طفولة سارتر أحد المصادر الرئيسية لتلك الصورة الصنمية عن الله التر رفضها بشدة غير مميز إياها عن الإله الحي.

هذا ما يظهر ما لنوعية سلوك الوالد من أهمية في تنشئة الموقف الديني عند أولاده. فالوالد صورة عن الله ولكنه صورة ليس إلا. لذا يجب أن يمحي تدريجياً أمام الأصل، كما أمحى المعمدان أمام السيد قائلاً: “ينبغي أن ينمو هو وأن أنقص أنا” (يوحنا 3: 27-30)، يجب أن يكون سلوكه قدر الإمكان صورة لمعطائية الله الذي يغدق من ذاته ولا يستولي. أما إذا شاء الوالد أن يخلط بين سلطته وسلطة الله، وبعبارة أخرى أن يؤله ذاته، إذا كانت أبوته طغياناً وحبه لنفسه وسيلة للاستعباد، فإنه يدفع بأولاده إلى الكفر لا به وحسب بل بالله الذي هو صورته في نفوسهم. هذا صحيح خاصة في أيامنا حيث يقود التمرد على السلطة الوالدية في كل مظاهرها، من عائلية واجتماعية، إلى رفض الأب السماوي. وقد كتب جان لاكروا بهذا الصدد: “إن رفض سلطوية الوالد، بأقوى معانيه، هو أحد دوافع زمننا الرئيسية، والسبب الجوهري لرفض الله”. بالطبع كثيراً ما يتخذ ذلك الرفض للسلطوية الوالدية في أيامنا أشكالاً هوجاء، تتسم بطابع المراهقة، فيخلط بين السلطوية والأبوة ليرفضهما كليهما، ولكن ينبغي أن نرى في أصل ذلك الالتباس تلك الصورة المشوهة التي طالما سادت في العائلة والمجتمع، صورة أبوة مستعبدة، ساحقة، عوض أن تكون محيية، معطاء، صورة ألصقت بالله نفسه واتخذته تكريساً لها وضماناً، فأوجدت صنماً من أبشع أصنام الله.

“أصنام الله، هذه، على حد تعبير القديس غريغوريوس النيصصي، يجب أن يكفر بها. لقد كان الوثنيون يسمون المسيحيين الأولين “ملحدين” لأنهم كانوا يكفرون بتلك الأصنام التي كان يعتقدها عبادها آلهة. ولكن في كل منا لا تزال الوثنية كامنة، وأصنامها المصنوعة على شاكلة تصورات البشر. لذا ينبغي لنا أن نكفر باستمرار بهذه الأصنام التي قد تحجب عنا رؤية الإله الحق. هنا يظهر لنا الدور الإيجابي الذي يمكن لإلحاد سارتر وللإلحاد المعاصر عامة أن يلعبه بالنسبة لإيماننا. لقد كتب الفيلسوف لانيو: “إن الإلحاد هو الملح الذي يمنع الإيمان بالله من الفساد”. المسيحي يعلم أن وجد الآخر إلى جانبه، وإن كان يهدده في طمأنينته الأنانية، إنما هو بالحقيقة دعوه له إلى وجود أوفر وأغنى، لذا يمكن أن نعتبر الإلحاد السارتري مدعاة إلى تطهير إيماننا وتأصيله وتعميقه. إذا عنى أحد بالله ذلك الإله الذي يصوره سارتر فنحن مع سارتر كافرون بهذا الإله – الصنم، باسم الإله الحقيقي، حسب تعبير الراهب المتصوف الألماني الشهير المعلم أكارت (الذي عاش في القرن الثالث عشر وأوائل الرابع عشر): “إنني أسأل الله أن ينجيني من الله”، أين إنني أسأل الإله الحقيقي الحي أن ينجيني من الإله الصنم الذي يراود خيالي. الإيمان الحقيقي عملية شاقة مستمرة يلازمها كفر دائم بأصنام الله، حسب وصية الرسول يوحنا: “يا أولادي احفظوا أنفسك من الأصنام” (1يوحنا 5: 21). خطأ سارتر أنه توقف عند الناحية السلبية ولم يتجاوزها. أما نحن فسبيلنا أن نتذكر دائماً بأن الله، حسب تعليم الكتاب المقدس وحسب النهج الذي سار عليه بنوع خاص الآباء الشرقيون في لاهوتهم وحسب اختبار كبار المتصوفين المسيحيين، منزه عن كل تصور بشري، وأنه ينبغي لنا، والحالة هذه، أن ننبذ كل تصوراتنا البشرية عن العظمة والسلطة إذا شئنا أن نعرف عظمته وسلطته. يقول القديس غريغوريوس بالاماس منزهاً الله عن كل ما في الوجود من صفات: “إذا كان الله طبيعة، فكل ما تبقى ليس بطبيعة وإذا كان ما ليس الله طبيعة فالله ليس بطبيعة. وإذا كانت الكائنات الأخرى موجودة فهو ليس بموجود” أي أن وجوده يختلف بما لا يقاس عن وجود الكائنات الأخرى، حتى أننا إذا أطلقنا صفة الوجود عليها، لا يمكننا أن نطلق الصفة نفسها عليه. وهكذا إذا سمينا البشر آباء وحكاماً فالله ليس بأب ولا بحاكم. إما إذا سمينا الله أباً وحاكماً فالبشر ليس بآباء ولا بحكام حسب قول السيد: “لا تدعوا أحداً على الأرض أباً، فإن أباكم واحد وهو الذي في السماوات، ولا يدعكم أحد مدبرين، لأن مدبركم واحد، وهو المسيح” (متى 23: 9، 10).

تعليل الإلحاد السارتري – إلحاد سارتر – كوستي بندلي

إله الإعلان الكتابي – إله الكتاب المقدس – كوستي بندلي

إله الإعلان الكتابي – إله الكتاب المقدس – كوستي بندلي

إله الإعلان الكتابي – إله الكتاب المقدس – كوستي بندلي

إله الإعلان الكتابي – إله الكتاب المقدس – كوستي بندلي

في مسرحية الذباب أشار سارتر إلى الألوهة باسم “جوبيتر” وهذا ليس عبثاً، لأن اسم جوبيتر مرتبط بأسطورة بروميتيوس، ذلك الكائن الذي اختلس ناراً من السماء ليوجد منها البشر، فغضب عليه جوبيتر وأنزل به عقاباً أبدياً. تلك الأسطورة تصور العلاقة بين الألوهة والبشر علاقة عداء في الأساس حتى أن وجود الإنسان نتيجة اختلاس للقوة الإلهية. وكأن الإنسان لا يوجد إلا ضد الله. هذا هو بالضبط موقف سارتر. فقد كتب في “الكائن والعدم” إن المخلوق “لا يمكن أن يؤكد ذاته إلا ضد خالقه”.

1 – الله محبة

ولكن جوبيتر الذي نسب إليه الأقدمون – وسارتر من بعدهم – صفات التملك والحسد الكائنة في البشر ليس إله الإعلان الكتابي. إله الكتاب – وقد تجلى لنا تماماً في يسوع المسيح القائل “من رآني فقد رآى الآب” (يوحنا 14: 9) – ليس عنده تسلط وتملك. ذلك لأنه عطاء كله. لقد قال عن نفسه في العهد القديم: “أنا ينبوع الماء الحي”. وهتفت المزامير: “كما يشتاق الأيل إلى ينابيع الماء الحي، هكذا تشتاق نفسي إليك يا رب”، والينبوع فيض مستمر، هبة حياة دائمة. وفي العهد الجديد كتب الرسول يوحنا “الله محبة” (1يوحنا 4: 8 ،16) وكأنه يقول إن المحبة هي أفضل تعريف عنه لأنه في جوهره محبة عطاء. لقد قال جوبيتر “الذباب”: “إنني لا أحب أحداً” أي أنه قابع في عزلة وأنانية أبديتين. ولكن إله الكتاب ليس فقط بحب ولكنه المحبة عينها. إنه محبة منذ الأزل ولذلك فهو ثالوث، لأن علاقة المحبة لكي تقوم تفترض وجود أكثر من شخص واحد. إله الكتاب يظهر لنا علاقة حب تجمع الأقانيم حتى أن الأقنوم الأول لا يعرف عنه إلا بالنسبة للثاني (فالآب ليس آبا إلا بالنسبة للابن) والثاني لا يعرف عنه إلا بالنسبة للأول (فالابن ليس ابناً إلا بالنسبة للآب)، الله يظهر لنا في صميمه عطاء تاماً متبادلاً: “كل ما هو لي فهو لك وكل ما هو لك فهو لي” (يوحنا 17: 10). فالآب يعطي ذاته بالكلية للابن، يعطيه جوهره بكامله، ولذا فالابن صورة تامة عن الآب: “من رآني فقد رأى الآب” (يوحنا 14: 9). ولكنه بإعطائه جوهره أزلياً للابن فإنه يعطيه أن يكون عطاء، ولذا فالابن متجه إلى الآب كلياً. في العهد الجديد عندما يظهر الآب، لا يمجد ذاته إنما يمجد ابنه. فإنه عندما اسمع صوته حين معمودية يسوع وحين تجليه، اسمعه ليمجد ابنه قائلاً: “هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت” (متى 3: 17، 17: 5) وكذلك الابن أتى إلى العالم ليمجد الآب: “انا مجدتك على الأرض” (يوحنا 17: 4).

هذه المحبة التي هي في صميم الله تعين نوع علاقته بالبشر. هذه العلاقة لا يمكنها أن تكون إذاً إلا علاقة حب وعطاء. الآب يجب العالم بالحب ذاته الذي يحب به ابنه: “…. إنك أحببتهم كما أحببتني” (يوحنا 17: 23). هذا ما يتجلى في العهد القديم عندما صور الأنبياء ونشيد الأنشاد علاقة الله بشعبه كعلاقة الزوج بزوجته والحبيب بحبيبته. ولكنه ظهر لنا خاصة في يسوع المسيح. فالحب الذي أظهره يسوع لنا كشف لنا كل عمق حب الآب، لأن الابن صورة الآب. بيسوع خاصة عرفنا أن علاقة الله بالبشر كلها سخاء وبذل. حياة يسوع كانت معطاة لنا كلها، معطاة لنا حتى الموت، معطاة لنا بدون قيد أو شرط، معطاة للخطأة والصديقين، للأشرار والصالحين، ففهمنا هكذا أن الله عطاء غير مشروط: “لا يكاد أحد يموت عن بار، وقد يقدم أحد على الموت عن صالح وأما الله فقد برهن على محبته لنا بأن المسيح قد مات عنا ونحن بعد خطأة” (رومية 5: 7، 8). رأينا يسوع يولد في مزود ويرفض الغنى والسلطة والمجد، رأيناه يغسل أرجل التلاميذ ويؤكد بأنه “لم يأت ليُخدم بل ليَخدم ويبذل نفسه فدية عن كثيرين” (متى 20: 28)، رأيناه “طالعاً حتى الموت” (فيليبي 2: 8)، وهكذا في يسوع الذي هو على حد تعبير الرسول بولس “صورة الله غير المنظور” (كولوسي 1: 15) أدركنا أخلاق الله وعرفنا بأن التسلط والتشامخ والتجبر والتملك، تلك الأخلاق التي نسبها سارتر لإلهه، بعيدة عن أخلاق الإله الحي بعد السماء عن الأرض.

بيسوع المصلوب عنا “ليس حب أعظم من هذا أن يضع الإنسان نفسه عن أحبائه” (يوحنا 15: 13) عرفنا أن الله مبذول لنا كله، وبأن طبيعته لا أن يتملك ويحتفظ لنفسه ويطلب ما لنفسه بل أن يعطي ويغدق بدون حساب. أدركنا بيسوع نوعية علاقة الله بخليقته. يقولون إن الله خلق الكائنات لمجده. ولكن ما هو مجد الله؟ “مجد الله، يقول أحد الكتاب المعاصرين الروحيين، ليس أن يأخذ بل أن يعطي. مجد المحبة أن تحب…. مجد الينبوع أن يملأ ويسقي ويروي ويغسل. مجد الشعلة أن تلهب وتضيء وتدفئ، مجد الأب أن ينجب ويربي ويشدد….”.

يقول لويس افلي في كتابه “أبانا….”: “ما هو مجد الله؟ الله يحب. مجده أن يكون الله، أي أن يكون محبة….” (ص 49). وأيضاً: “الله خلق الخليقة حباً، ليعطي وليهب ذاته، ليحيي كائنات أخرى بحياته، ليبهج كائنات أخرى بفرحه” (ص 48).

هذا ما عبر عنه الآباء الأقدمين ايريناوس، عندما كتب في القرن الثاني للميلاد: “مجد إله حياة الإنسان”. وكأنه يرد مسبقاً على تصورات سارتر الذي سمى إلهه جوبيتر “إله الأموات” كما رأينا وقال أنه يسر برؤية الأحياء شبيهين بالأموات، بينما سمعنا الرب يقول: “الله ليس إله الأموات بل إله الأحياء” (لوقا 20: 38)، وسمعناه يكشف لنا مقاصد الله بقوله: “أما أنا فقد أتيت لتكون لهم الحياة وتكون لهم بوفرة” (يوحنا 10: 10).

هكذا يتضح لنا أن هم الله ليس أن يزيل وجودي بل أن يمدني بوجوده، كل ما يريده الله مني هو أن أدعه يحبني ويجعلني في الوجود بحبه، هو أن أقبل بأن أتلقى منه الكينونة والخير. إنه ليس فقط لا يريد إلغاء وجودي بل إنه لا يرتضي لي بوجود ناقص، مبتور، إنه يريد لي كل الوجود، يريد أن يشركني في حياته كلها وأن يغنيني بملئه كله. ليس فقط لا يشاء الله الغاء وجودي، بل يريد أن يدفعني إلى مستوى وجوده، أن يمنحني كل غنى وجوده. وبعبارة أخرى يريد الله تأليهي. هذا ما عبر عنه القديس مكسيموس المعترف في القرن السابع عندما كتب: “الله متعطش إلى تأليه الإنسان”. الله لا يشاء تحقير الإنسان بل، كما أن الجدير بهذا الاسم يسر بأن يصبح ابنه مثله مكتمل الرجولة، هكذا شاء الله أن يجعلنا شركاء لاهوته وأن يعاملنا معاملة المثل للمثل. لذا كتب بطرس الرسول بأننا مدعون إلى أن نكون شركاء الطبيعة الإلهية” (2بطرس 1: 4). وكتب الرسول يوحنا “أيها الأحباء، نحن من الآن أولاد الله، ولم يتبين بعد ماذا سنكون. غير أننا نعلم أننا، إذا ما ظهر، سنكون أمثاله، لأننا سنعاينه كما هو” (1يوحنا 3: 2). ويختتم تيموتي وار مقاله عن “تجلي الجسد” بقوله: “يقول مخطوط عبراني: إن أحد الملوك دخل بستان ليخاطب البستاني، فاختبأ البستاني، فقال له الملك: لماذا تختبئ مني ألست مثلك؟ هكذا سيسير الله مع الصديقين في الفردوس الأرضي وسيرونه وسيرتجفون منه، وسيقول لهم آنذاك، لا تخافوا أنا واحد منكم” (ص 144). في هذا الألفة التي يعتبر فيها الله نفسه واحداً من أحبابه، أين مكان الخوف الذي قال عنه سارتر على لسان جوبيتر الذباب “إن له ريحاً شهية في خياشم الآلهة”؟ وكأن الرسول الحبيب قد رد مسبقاً على سارتر عندما كتب: “لا خوف في المحبة بل المحبة الكاملة تنفي الخوف…. والخائف لم يكتمل في المحبة” (1يوحنا 4: 17، 18).

قد نتساءل والحالة هذه: لماذا سقط آدم أذاً عندما شاء أن يحقق وعد الشيطان “ستصيران آلهة”؟ ألا يعني ذلك أن الله لا يشاء أن يتأله الإنسان؟

ولكن هل كانت خطيئة آدم بأنه أراد أن يتأله؟

فلنز جواب لويس افلي على هذه المسألة: “كل تاريخ البشرية انحرف وتحطم لأن آدم كون لنفسه فكرة خاطئة عن الله. لقد كان يريد أن يصبح مثل الله. أرجوا أنكم لم تعتقدوا لحظة أن خطيئة آدم كانت كامنة في ذلك. أي طموح آخر كان يمكن أن يكون له؟ ألم يكن هذا هو الهدف بالضبط الذي دعاه الله إليه؟ ولكن آدم أخطأ النموذج. فقد اعتقد أن الله كائن مستقل، مكتف بذاته ولذلك تمرد وعصى حتى يصبح مثله.

“ولكن الله عندما كشف ذاته، عندما أراد أن يظهر ما هو بالحقيقة، أظهر ذاته محبة، حناناً، عطاء ذات…. الله أظهر ذاته طائعاً، طائعاً حتى الموت.”

“هكذا عندما اعتقد آدم أنه يصبح مثل الله اختلف بالكلية عن الله. لأنه انفصل واعتزل بينما الله شركة كله”.

هكذا لم يسقط آدم لأنه أراد أن يصير مثل الله، ولكن لأنه لم يتمثل الله حقيقة، أي لم يشأ أن يكون مثله عطاء يقابل عطاء، بل فصم الشركة ورفض “عطية الله” (تلك العطية التي حدث يسوع السامرية عنها قائلاً: “لو كنت تعرفين عطية الله يوحنا 4: 10) أي أنه رفض أن يمتلئ من الوجود الذي كان الله يدفقه فيه وحبس على نفسه في اكتفائية قاتلة.

2 – الله يريد ويحترم حرية الإنسان

ولكن الله يحترم حرية الإنسان حتى عندما يريد الإنسان أن يفصم الشركة. يحترمها إلى حد أنه يسمح للإنسان أن يستخدم ذلك الوجود، الذي وهبه عطية حب، ضد معطيه. يحترمها إلى حد أنه يسمح للإنسان أن يذهب في تمرده إلى أبعد الحدود. هذا هو معنى الجحيم. إنها مظهر من مظاهر احترام الله الكلي لحرية الإنسان. “جهنم هي، كما يقول برناتوس، ألا يحب المرء”. وبعبارة أخرى يرتضي الله بأن يرفض الإنسان حبه، وبأن يرفضه، إذا شاء، إلى الأبد. ولكن الله لا يزال يحب ذلك الإنسان. يمكن للإنسان أن يرفض الله، ولكن لا يمكن لله أن يرفض الإنسان. يمكن للإنسان أن يكتفي بذاته ولكن الله عطاء كله. الله أمين على العهد الذي أقامه مع الإنسان مذ خلقه ولو لم يكن الإنسان أميناً. يقول لويس افلي: “يمكن أن ينكر الله وأن ينسى ولكن الله لا يمكنه أن ينكرنا وأن ينسانا. يمكن للإنسان أن يكون دون الله، ولكن الله لا يمكن أن يكون دون الإنسان. يمكن للإنسان أن يترك البنوة ولكن لا يمكن ألا يكون أباً”. لذا فجهنم ليست انتقاماً رهيباً يجريه إله سادي على إنسان عصى أوامره، ليست امتداداً لانتقام جوبيتر من بروميتيوس، ولكن الإنسان الذي رفض الله جذرياً ونهائياً يعذبه رفضه لأنه مخالف لمتطلبات طبيعته العميقة. جهنم هي أبعد المظاهر لاحترام الله حرية الإنسان وهي انعكاس سلبي لحبه.

احترام الله لحرية الإنسان يعني أن هذه الحرية لا تنتزع من الله عنوة واغتصاباً كما تصور مسرحية “الذباب”، إنما هي هبة من الله للإنسان. جوبيتر “الذباب” يناقض نفسه لأنه من ناحية أعطى الإنسان الحرية ومن ناحية أخرى يحاول أن يعمي الإنسان عن وجودها فيه وأن يخمدها في قلبه. أما إله الإعلان الكتابي فليس عنده هذا التناقض. لقد شاء الإنسان حراً لأنه شاء أن يكون مثله، على صورته. هذا ما علمه الآباء. فقد كتب غريغوريوس النصيصي: “بالحرية الإنسان على شكل الله مقدس، لأن الاستقلال والحرية هما من خصائص القداسة الإلهية” وأيضاً: “الإنسان، إذ خلق على صورة الله، يجب أن يتمتع بكل خيرات سيده. وبين هذه الخيرات، الحرية”. وأيضاً: “إن الحرية هي الشبه مع ذاك الذي هو سيد مطلق لا سيد له، وقد أعطي لنا هذا التشبه، نحن البشر، من الله، في البدء. إن كتاب أعمال الرسل (17: 28) يؤكد الأمر نفسه: “إننا من الذرية الإلهية”.

هذا ما نجد صداه عند مفكرين معاصرين. فقد كتبت سيمون فايل بأن الله شاء من أجل حبه لنا أن يجعل نوعاً من المساواة بيننا وبينه، لذا أعطانا الحرية المطلقة بأن نقبل إليه أو نؤله ذواتنا وهماً ونرفضه، لقد أعطانا سلطة الضياع اللانهائي في الوهم هذه لكي يتسنى لنا أن نتخلى عنها حباً: “الله هو…. الصديق بكل معنى الكلمة. فلكي يكون بينه وبيننا، رغم المسافة اللامتناهية، نوع من المساواة، شاء أن يضع في خلائقه مطلقاً ألا وهو الحرية المطلقة بأن نقبل أو لا بالاتجاه الذي جعله فينا نحوه…. لقد أعطانا سلطة الوهم اللامتناهي هذه لكي نستطيع أن نتخلى عنها حباً”.

وقد كتب غبريال مارسيل من جهته عن الله: “هذه الحقيقة هي نفسها حرة وتزرع بحرية حريات”.

الله يبتهج بحرية الإنسان ولا يرهبها كما يرهبها جوبيتر “الذباب”. يبتهج بها كما يبتهج الوالد ذو الأبوة الأصلية عندما يرى ولده أصبح يحبه لا بتبعية الطفل بل باستقلال البالغ. هذا ما قاله بيغي بعبارات رائعة وكأنه يرد مسبقاً على ذباب” سارتر:

“اسألوا هذا الوالد إن لم تكن أفضل لحظة عنده

تلك اللحظة التي يبدأ فيها أبناؤه يحبونه محبة رجال،

يحبونه كرجل،

بحرية،

مجاناً،

اسألوا هذا الأب الذي يكبر أولاده.

“أسألوا هذا الوالد إن لم تكن هناك ساعة سرية،

لحظة سرية،

وأن لم تكن

عندما يبدأ أبناؤه يصبحون رجالاً،

احراراً.

ويعاملونه هو كرجل،

حر،

ويحبونه كرجل،

حر،

أسألوا هذا الأب الذي يكبر أولاده.

“أسألوا هذا الوالد إن لم يكن هناك اختيار وحيد من نوعه

وإن لم يكن

عندما بالضبط يزول الخضوع وعندما يرى أبناءه وقد أصبحوا رجالاً بحبونه ويعاملونه كخبراء إذا صح التعبير

معاملة الرجل للرجل،

بحرية،

بمجانية….

أسألوا هذا الأب إذا كان لا يعرف إن لا شيئاً يساوي نظرة رجل تلاقي نظرة رجل.

“ولكنني أنا أبوهم، يقول الله، وأعرف وضع الإنسان.

فأنا الذي خلقته.

….. إنني لا أطلب منهم سوى قلبهم….

“خضوع العبيد كلهم، لا يساوي نظرة واحدة جميلة لرجل حر. أو بالأحرى خضوع العبيد كلهم تشمئز له نفسي وإني أهب كل شيء مقابل نظرة جميلة واحدة لرجل حر،

مقابل طاعة وحب وإخلاص جميل واحد صادر عن رجل حر….

“…. في سبيل هذه الحرية، في سبيل هذه المجانية ضحيت بكل شيء، يقول الله

في سبيل ميلي بأن يحبني رجال أحرار،

بحرية،

بمجانية،

رجال حقيقيون، ذوو رجولة، بالغون، أشداء.

شرفاء، رقيقون، ولكنهم ذوو رقة مقرونة بالشدة.

من أجل أن أنال هذه الحرية، هذه المجانية، ضحيت بكل شيء، لكي أخلق هذه الحرية، هذه المجانية،

لكي أفسح المجال لهذه الحرية وهذه المجانية”.

لذا فالحرية ليست فقط حقاً اوتيناه، إنما هي واجب يطالبنا به الله الذي لا يريد أن يقيم علاقة إلا مع بشر أحرار. بهذا المعنى كتب بردياييف: “إن الحرية في الحياة الدينية واجب. الإنسان ملزم بأن يحمل عبء الحرية وليس له الحق بأن يتخلص منه. الله لا يقبل إلا البشر الأحرار، إنه لا يحتاج إلا إلى بشر أحرار. عند دوستويفسكي، المفتش الأكبر، عدو الحرية وعدو المسيح، يوبخ المسيح هكذا:” لقد أردت هذه المحبة الحرة من الإنسان لكي يتبعك بحرية، مجذوباً إليك ومأسوراً منك”…. الدين المسيحي إنما هو الحرية في المسيح الخلاص القسري مستحيل وبدون جدوى”.

ليس صحيحاً ما يدعيه سارتر عندما كتب في كتابه “الوجودية فلسفة إنسانية” بأن علاقة الله بالإنسان شبيهة بعلاقة الصناعي بمقص الورق الذي يصنعه. ليس الإنسان شيئاً بالنسبة لأله الإعلان الكتابي، الله لا يريد “تشيئ” الإنسان. ذلك لأن الله لا يوجد الإنسان كما يوجد الصناعي مقص الورق. علاقته بالإنسان ليست علاقة خارجية كعلاقة الصناعي بالشيء الذي يصنعه. إنما خلق الله للإنسان يعني امداد الإنسان من وجوده، اشراكه في وجود الله، إذاً في حرية الله. يقول شارل ميللر مفنداً ذلك المفهوم السارتري للخلق: “إن هذا المفهوم للخلق يفترض إنه لا يمكن أن تكون للإنسان أية ذرة من الحرية والمبادرة، كما هو وضع مقص الورق الذي هو سلبي تماماً بين يدي من يصنعه أو يستعمله”، “إذا كان الخلق هو صنع أدوات، فلم يعد للإنسان سوى أن يدع نفسه “يُستخدم” من صانعه، في هذا الحال “لم يعد بوسعنا أن نرى…. في العالم سوى أمرين: إما السلبية المخزية، سلبية عبيد يزحفون أما إله طاغية، أو الاكتفائية المتكبرة، اكتفائية كائن يدعي أن لا اب ولا أم له”، ولكن العمل الخلاق ليس عملاً حرفياً، ليس الخلق تقنية… فإذا كان خلق العالم المادي نفسه لي بتقنية، فبالأحرى خلق الإنسان: الله يخلق الإنسان حراً، إنه يصنعه حراً، إنه يخلق الحرية فيه. ليس عمل الخلق “صناعة” حرفية، بل امداداً كيانياً بداعي الحب، إنه هبة الذات، إنه إرادة إشراك كائنات بالكائن. أما بالنسبة للإنسان، فالخلق يعني قصد جعله مساهماً في الطبيعة الإلهية، وذلك، بين أمور أخرى، بالحرية”. هكذا فللمخلوق كيان قائم بذاته مستمد من الله، “فمن هذا الكيان القائم بذاته بالضبط يستمد المخلوق قوة التمدد على الله، فيقبل الله بأن يستخدم المخلوق تلك الحرية التي وهبه إياها، لينقلب عليه، ليكون “إلهاً دون الله”.

قال أوريست لجوبيتر (الذباب): “إنك …. ملك الحجارة والنجوم، ملك أمواج البحر، ولكنك لست ملك البشر”. ولكن إله باغي كان قد أكد قبل ذلك بكثير أن علاقته بالبشر مختلفة بما لا يقاس عن علاقته بالأشياء التي في الكون (فضلاً عن أن علاقة الله بالمخلوقات الجامدة نفسها ليست من باب علاقة الصناعي بمصنوعه، كما أوضح ميللر). يقول إله باغي:

“غبطة عبيد، خلاص عبيد، غبطة عبودية، كيف تريدون أن يهمنى ذلك؟ هل يحب أحد أن يحبه عبيد؟”

“إن كانت القضية قضية إعطاء البرهان عن سلطاني، فسلطاني ليس بحاجة إلى هؤلاء العبيد ليظهر، سلطاني معروف كفاية، معروف كفاية بأنني القادر على كل شيء.”

“سلطاني يتجلى كفاية في كل مادة وفي كل حدث.”

“سلطاني يتجلى كفاية في رمال البحر ونجوم السماء.”

“ليس اعتراض عليه، إنه معروف، إنه يتجلى كفاية في خليقتي الجامدة….”

“ولكنني في خليقتي الحية، يقول الله، أردت ما هو أفضل من ذلك، ما هو أكثر من ذلك.”

“أفضل من ذلك بما لا يقاس. أكثر من ذلك بما لا يقاس. لأنني أردت هذه الحرية.”

“خلقت هذه الحرية عينها…”

“من اختبر مرة واحدة أن يحب بحرية، لا يعود يرى للخضوع طمعاً.”

“من اختبر أن يحبه رجال أحرار، لا يعود يرى معنى لسجدات العبيد”.

ألم يقل الرب: “لا أدعوكم بعد عبيداً…. إنما سميتكم أحباء” (يوحنا 15: 15).

هذا الاحترام الإلهي لحرية الإنسان يحدد بالضبط طبيعة الإيمان. فالإيمان يقين ولكنه يقين حر. ذلك أن الله يريد أن يقبل الإنسان اليه تلقائياً، لا مغلوباً على أمره، لذا فعوض أن يفرض وجوده علينا كما تفرض الحقائق الحسية أو العلمية ذاتها فرضاً، يحتجب لكي يتسنى لنا أن نقبل إليه بحرية الحب. هذا ما عبر عنه بردياييف بقوله: “الإيمان هو كشف الأمور اللامنظورة”، أي أنه عمل حر، عمل اختيار حر. فالأمور اللامنظورة لا تدخل إلينا عنوة، لا تكرهنا اكراهاً شأن الأمور المنظورة. إننا نكشف الأمور اللامنظورة بخطر، بمجازفة، لأننا نحبها وقد اخترناها بحرية…. العلم يختلف عن الإيمان بالضبط من حيث أنه قسري ومضمون، من حيث أنه لا يدع مجالاً للاختيار الحر ولا يحتاج لمثل هذا الاختيار. العلم ليس خطراً، إنه يكشف الأشياء المنظورة، تلك التي تكرهنا. أما في الإيمان فحرية ولذا ففيه شجاعة، ليس في العلم حرية ولذا فليس فيه من بطولة. المسيح الذي هو موضوع إيمان وحب لا يكره، لا يظهر بشكل يقسر الإيمان. إنه يظهر بشكل عبد يموت ميتة شائنة. لذا يلزم اختيار حر وحب مقدام ليرى المرء في صورة المسيح، العبد المهان، القدرة الجليلة التي لابن الله، المساوي للآب في الجوهر…. بنظر ذلك الذي آمن، الذي قام بعمل اختيار حر، المسيح قام من الأموات وبذلك أظهر قدرته الإلهية التي تنير وتخلص العالم. أما بنظر غير المؤمن، الذي لم يقم بالاختيار الحر، الذي لا يعرف إلا الأشياء المنظورة، المكرهة، فالمسيح مات على الصليب وانتهى الأمر. إن معجزة القيامة لا تنكشف إلا للحرية، إنها مغلقة للإكراه”.

3– الله يجعل نفسه رهن حرية الإنسان

الله ليس فقط يحترم الإنسان ولكنه جعل نفسه، على نوع ما، رهن هذه الحرية. الضابط الكل شاء أن يكون، على نوع ما، تحت تصرف الإنسان. لقد كتب لويس افلي: “الله يحبنا. هذا ليس مجرد عبارة…. هذا يعني أن لنا سلطة عليه.

“لنا سلطة على الذين يحبوننا. الأولاد يعرفون ذلك، رغم ضعفهم فيحردون ويرفضون الطعام لأنهم بهذا ينالون من والديهم ما يشاؤون. إنهم بذلك يعطونهم برهاناً معكوساً عن اقتناعهم بأنهم محبوبون، بأنهم هامون. نحن هامون بنظر الذين يحبوننا والله يحبنا.”

“…. أن نحب كائناً يعني لا محالة أننا علقنا مصيرنا بمصيره، يعني أننا أعطيناه سلطة علينا.”

“الله، لأنه شاء أن يحبنا، اختار بأن يعطينا سلطة عليه.”

“على الصحون، في نورمندينا، تقرأ هذه العبارة القاسية: “الأقل حباً، هو دائماً الأقوى”. الذي يقل حباً عن الآخر يستر دائماً عاشقه. الله، أمامنا، هو دائماً الأضعف، لأنه يحب”. أليس هذا المعنى العميق لحادثة صراع يعقوب مع الملاك حيث نرى الله، بشخص ملاكه، يجعل نفسه رهن إرادة الإنسان يعقوب الذي قال له: “لا أتركك إلا إذا باركتني”. ومن هنا اكتسب اسمه “إسرائيل” الذي يعني “القوي ضد الله” (تك 32: 29) الذي ورثناه نحن “إسرائيل الجديد”. أليست قوة الصلاة ناتجة من كون الله شاء أن يربط قوته بطلب الإنسان: “كل ما طلبتموه من الآب باسمي تنالونه” (يوحنا 15: 16). ولذا قال إله باغي، أن “لا سلاح له” أمام صلاة البشر. ألم يقل الرب “إن ملكوت الله يغتصب اغتصاباً” (متى 11: 12)؟ لقد كتب بول افدوكيموف في مقال له: “لقد تبنى سارتر عبارة الفوضوي الروسي باكونين: “إذا كان الله موجوداً، فلست بحر، أنا حر، فالله إذاً غير موجود”. ولكن ما ينبغي أن يقال هو أن الحقيقة أعجب من هذا بما لا يقاس: فإن “الأنا حر” عند الإنسان يفترض أن الله لم يعد حراً. يستطيع الإنسان أن يقول “لا” لله. أما الله فقد التزم إلى حد أنه لن يقول قط فيما بعد “لا” للإنسان. هذا ما يؤكده الرسول بولس: “في الله ليس إلا نعم”.

من دواعي الإلحاد السارتري، كما يبين فرنسيس جانسون تلميذ سارتر، أن محبة الله نفسها للإنسان لا يمكن أن تكون عبودية للإنسان، لأن الله يعطي ولا يأخذ فيما المحبة الأصلية تقتضي التبادل. هذا ما يلمح إليه سارتر على لسان الثائر كارك الذي يخاطب الفلاحين بهذه العبارات (من مسرحية الشيطان والله): “للذي يعطي قبلة أو صفعة أعطوا قبلة أو صفعة، ولكن للذي يعطي دون أن تستطيعوا الرد، أعطوا كل ما في قلبكم من حقد، لأنكم عبيداً وسيستعبدكم، لأنكم كنتم مهانين وسيزيد في اهانتكم” (171).

وقد كتب جانسون بهذا المعنى أيضاً: “من أراد أن يحب البشر، كان عليه أن يضع نفسه أولاً في متناولهم، ويكفي أن يكون وضع نفسه من متناول ضرباتهم”. ولكن إلهنا جعل نفسه في متناول البشر لأنه جعل نفسه بحاجة إليهم وجعل نفسه في يسوع المسيح عرضة ليس فقط لضرباتهم بل لقتلهم أيضاً. لذا دخل معهم في حوار حقيقي لا تفضل فيه ولا استعباد. وقد قال الأب جورج خضر بهذا المعنى في حديثه عن “مصير الله”: “…. إن الله جعل نفسه، بانعطاف منه، بحاجة إلى … خليقة، الله تخلى لنا عن شيء من قدرته عندما فطرنا أحراراً. وإذاً ارتضى أن تكون صورته في الأرض مرئية أو محجوبة، وقبل أن يرى أو أن يغلق عليه.

“الله منذ أن طرح هذا الوجود جعل نفسه في المصير، في تاريخ الوجود، ودل على ذلك بأجلى بيان عندما شلح نفسه في مزود، رهيناً لمريم وبالتالي عندما أضحى هو في قيضة الإنسان يحيا أو يمات…

“والله إذن ليس بمغتصب لا يتسلط إلا على ذاك الذي يسلطه، ولا ينحني إلا عند من يرحب به. الله جعل نفسه مدعو الإنسان ضيفاً على الإنسان الحر الذي يناديه أو الذي يباعده. الله هو الفقير للإنسان. نحن طبعاً بحاجة إلى ربنا ولكن منذ أن تخلى عن مجده في الخلق الأول وفي سر التجسد هو أيضاً صار فقيراً إلى حب الإنسان لأن الله جعل نفسه في حوار. ولا يمكن أن تعني المحاورة شيئاً ما لم تعن كائنين أصيلين يتواجهان بحرية… الله يرتفع عنا…. عندما نحن نطرده. الله طريد الإنسان كما هو ضيف الإنسان…”

“…. أنتم أسياد على الله. أليس هو القائل: “ما جئت لأُخدم بل لأَخدم وأبذل نفسي فدية عن كثيرين”؟ أليس هو راكعاً عند أقدامنا لكي يغسلها كما فعل في علية صهيون؟ أليس المسيح كله بين أيديكم تحيونه أو تميتونه”.

في مقال يعرض فيه بإيجاز بنود الإيمان، كتب الأب فرنسوا فاريون، أن الله، بما أنه محبة، فهو، كما تجلى لنا بالمسيح، فقر وتبعية وتواضع:

“الفقر أولاً، لا الاقتصادي، بل الروحي. المحب يقول للمحبوب: “أنت فرحي”، وهذا يعني: “بدونك أنا مفتقر إلى الفرح”. أو “أنت كل شيء لي”، وهذا يعني: “بدونك لست شيئاً”. الحب هو إرادة المرء بأن يكون بالآخر ومن أجل الآخر…. الأكثر حباً هو إذاً الأفقر. المحب لا نهائياً – الله – فقير لا نهائياً.”

“ثم التبعية، الروحية لا الحقوقية. المحب يقول للمحبوب: “أريد أن أكون تابعاً لك”. الحب وإرادة الاستقلال لا يتفقان إلا سطحياً. الأكثر حباً هو إذاً الأكثر تبعية. المحب لا نهائياً – الله – تابع لا نهائياً….”

“أخيراً التواضع. المحب يقول للمحبوب: “لا يمكن أن أترفع عليك دون أن أخطئ بحق الحب”. إذا كان المحب، بصورة ما، أعظم من المحبوب، فلا يكون حبه حباً إلا بالفعل الذي ينكر به تفوقه ويجعل نفسه مساوياً للمحبوب. الأكثر حباً هو إذاً الأكثر تواضعاً. المحب لا نهائياً – الله – متواضع لا نهائياً. لذا لا يمكن أن يرى الله في حقيقة كيانه إلا بالنظر إلى المسيح الذي يعبر عن التواضع الإلهي بعمل غسل الأرجل.”

“…. الله غني لا نهائياً، ولكنه غني بالحب لا بالامتلاك (والغني بالحب مرادف للفقر)…. الله هو اللامحدودية والقدرة اللامتناهية (ولكن حبه هو اللامحدود والمقتدر كلياً…. المقتدر أن يتنازل إلى حد الامحاء).

“وبعبارة أخرى، أن سر الحب المحتجز عن الإدراك، الذي هو الله في كيانه الأبدي، لا يمكن أن يترجم ويعبر عنه ويعلن إلا بفقر وتبعية وتواضع المسيح”.

ما أبعد جوبيتر “الذباب” وبصورة أعم ما يدعوه سارتر “الله” في كتاباته المختلفة، عن ذاك الذي يرينا إياه سفر الرؤيا في شخص يسوع المسيح يلتمس من الإنسان أن يقبله، لا ليتسلط عليه بل ليجعله مشاطراً حياته وخيراته: “ها أنا واقف على الباب وأقرع، إن فتح لي أحد أدخل وأتعشى معه وهو معي” (رؤيا 3: 20).

Exit mobile version