هل كان هناك خليقتان، أولهما عبَر عنها الكتاب بقوله “في البدء خلق الله السموات والأرض” (تك 1: 1) وهذه تعرضت للفناء والاندثار، وهذا ما أشار إليه الكتاب بقوله “كانت الأرض خربة وخالية” (تك 1: 2) والثانية هي الخليقة الحالية والتي خلقها الله في ستة أيام (راجع وليم كلى – في البدء والأرض الأدمية)؟
ج:
يصعب قبول القول بخلقتين الأولى تعرضت للفناء والاندثار، ثم جاءت الثانية وهي مازالت قائمة للآن، وذلك للأسباب الآتية:
1- لماذا خلق الله الخليقة الأولى في أحقاب زمنية تمتد إلى ملايين السنين، بينما خلق الخليقة الثانية في ستة أيام..؟! هل قدرات الله قد زادت أم أنه طوَر أسلوبه في الخلق؟!
2- لماذا أفنى الله الخليقة الأولى؟ هل لأنه اكتشف نقصها وعدم نفعها، أو لأنها تعدت أوامره، أم لأنه يهوى التغيير؟!! وإن قالوا أن الله خلق الخليقة الأولى وسمح بانقراضها تهيئة للخليقة الثانية، فربما هذا يصح بالنسبة للكائنات الضخمة التي تحوَلت فيما بعد إلى بترول أو فحم، ولكن لماذا أفنى الكائنات الصغيرة والدقيقة؟!
3- قول الكتاب “وكانت الأرض خربة وخالية” تعبير عن أنها كانت جسمًا منصهرًا تحيط به الأبخرة الكثيفة المتصاعدة مما منع وصول الضوء إليها ” وعلى وجه الغمر ظلمة ” فهذه بداية الأرض، بينما لو كانت الأرض معمَرة بالخلقة الأولى ثم آلت إلى الخراب لأوضح الكتاب هذا بقوله ” وصارت الأرض خربة وخالية”، وليس ” وكانت”.
4- كثير من الكائنات التي ظنوها أنها خلقت في الخلقة الأولى مازالت مستمرة ليومنا هذا.
ما هو الزمن؟ هل له بداية ونهاية؟ وكيف سينتهي الزمن والكون؟
ما هو الزمن؟ هل له بداية ونهاية؟ وكيف سينتهي الزمن والكون؟
163- ما هو الزمن؟ هل له بداية ونهاية؟ وكيف سينتهي الزمن والكون؟
ج: يعتبر الزمن لغز من ألغاز الكون، قال عنه أفلاطون تلميذ سقراط وأستاذ أرسطو سنة 325 ق.م. بأن الزمن قائم بذاته، ونحن نُقسّمه إلى ماضي وحاضر ومستقبل، كان ويكون وسيكون، ثم ثبت أن هذا غير صحيح، وتساءل الشاعر ” إيليا أبو ماضي ” في قصيدته ” الطلاسم ” إذا كان هو سائرًا في الدرب، أم أن الدرب هو الذي يسير، أم أن كليهما ساكن والزمن هو الذي يمضي. وقال آخرون أن الزمن ثابت، ونحن نتحرك، فنمر على الأحداث كقطار يعبر محطات ثابتة، فالأحداث لا تقع إنما نحن الذين نعبر عليها.
وقال ” إسحق نيوتن ” سنة 1687م وهو يناقش قوانين الجاذبية إن الزمن مطلق بينما المكان أو الفضاء غير مطلق، وبهذا تخلَّصت قوانين نيوتين من فكرة المكان المطلق وأكدت على أن المكان أو الفضاء غير مُطلق. وفي سنة 1905م قال ” اينشتاين ” ليس المكان فقط غير المطلق، بل أن الزمن أيضًا غير مُطلق، وتخلَّصت معادلات النسبيَّة من فكرة الزمن المطلق، وإن كل شيء متحرك في الكون يحمل زمنه الخاص به، فالزمن يعتمد على الحركة ويتأثر بها، والزمن يبطئ كلما ازدادت السرعة، ولاسيما عندما تقارب هذه السرعة سرعة الضوء (راجع جلال عبد الفتاح – الكون ذلك المجهول ص 127 – 130).
كما يقول الأستاذ جلال عبد الفتاح ” ولكن كيف بدأ الزمن وكيف ينتهي؟ والزمن وُجِد منذ نشأة الكون، وينتهي بنهاية الكون، وهو أمر بسيط للغاية، ولكن المشكلة كيف يمكن تحديد بداية ونهاية الزمن، فالزمن مرتبط بالكون وهو منسوج فيه، ولكن الزمن لا يوجد إلاَّ بوجود المادة، والمادة لا توجد إلاَّ في الفضاء، والفضاء لا بُد له من حيز يحتويه.. لكن هناك الكثير من التساؤلات خارج نطاق البحث العلمي، إذ أن العلم يبحث فيما خلقه الله سبحانه – في الكون، ولا يبحث في كيفية الخلق التي لم يشهدها مخلوق، فهذه الذرة المتفردة من مخلوقات الله، وُضعت في فضاء هو أيضًا مخلوق من الله.. وبوجود المادة وُجِد الزمن..
أما نهاية الزمن، فتعتمد على الحالة التي يمكن أن ينتهي إليها الكون، فلو استمر الكون في التمدد بلا نهاية، دون أن تكون جاذبيته كافية لتوقف هذا التمدد، فسوف ينتهي الأمر إلى.. درجة الصفر المطلق – وهي 16ر273 درجة مئوية تحت الصفر – حيث تتوقف الإليكترونيات عن الدوران حول نوى الذرات، ومن ثمَ نهاية الزمن. أما إذا توقف الكون عن التمدُّد، وبدأ مرة ثانية في الانكماش نحو المركز بفعل الجاذبية، فسوف ينتهي به الأمر إلى الإنسحاق العظيم Big Crunch ويصبح الكون كله كتلة واحدة صغيرة جدًا وذات كثافة لا نهائية، وتندمج الإشعاعات مع المادة مرة أخرى وينتهي الزمن”(1).
أما عن كيفية نهاية الكون، فهناك عدة نظريات لانتهاء الكون نذكر منها ما يلي:
1- ستظل المجرات تتباعد عن بعضها البعض، وكذلك النجوم، وتتخلخل كثافة الكون، وينتهي الوقود النووي داخل النجوم، وتنخفض حرارة الكون إلى درجة الصفر المطلق – 16ر273 درجة مئوية تحت الصفر، فتتوقف الإلكترونات عن الدوران حول نوى الذرات، ويتوقف الزمن ويموت الكون بالتبريد الشديد Big Chill.
2- تتغلب الجاذبية على ظاهرة التمدد، وينكمش الكون، وتلتحم المجرات، ويصير الكون كتلة هائلة من المادة، وتنضغط في حيز صغير، وتأتي النهاية بالانسحاق العظيم Big Crunch.
وكل من النهاتين السابقتين تعرفان عند العلماء بالحد ” سي ” C – Boundary.
3- أن يتقابل عالمنا بعالم آخر مضاد، فيفنيا الاثنان، مع انطلاق كم هائل من الطاقة على هيئة إشعاعات.
والنظريات السابقة وليدة مخيلة العلماء، وربما يظهر في المستقبل نظريات أخرى عن كيفية انتهاء الكون.
وقد أوضح الكتاب المقدَّس بصورة قاطعة أن للكون نهاية فقال:
*“من قِدم أسَّست الأرض والسموات هي عمل يديك. هي تبيد وأنت تبقى ولكنها كثوب تبلى. كرداء تغيرهنَّ فتتغيرَّ. وأنت هو وسنوك لن تنتهي” (مز 102: 25 – 27).
* “ويفنى كل جند السموات (النجوم) وتلتف السموات كدرج وكل جندها ينتثر كانتثار الأرض من الكرمة والسقاط من التينة” (أش 34: 4).
* “وعند إطفائي إياك أحجب السموات وأظلم نجومها وأغشي الشمس بسحاب والقمر لا يضئ ضوءه. وأظلم فوقك كل أنوار السماء المنيرة وأجعل الظلمة على أرضك يقول السيد الرب” (حز 32: 7، 8).
* “تتحوَّل الشمس إلى ظلمة والقمر إلى دم قبل أن يجئ يوم الرب العظيم المخوف” (يؤ 2: 31).
1“في البدء خلق الله السماء والأرض”[2]. ما هو بدء كل شيء إلا يسوع المسيح ربنا و”مخلص جميع الناس”[3] “بكر كل خليقة[4]“؟ إذاً في هذا البدء، بمعنى في “كلمته” “خلق الله السموات والأرض، كما يقول يوحنا البشير في بداية إنجيله: “في البدء كان الكلمة وكان الكلمة عند الله وكان الكلمة الله. كان هذا في البدء عند الله. كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان.[5]” وهو لا يتكلم هنا عن بدء زمني ولكنه يقول إن السماء والأرض وكل ما خلق قد خلق “في البدء” أي في المخلص[6].
الظلمة
وكانت الأرض محتجبة ولا شكل لها، وكانت الظلمة تغطي الهاوية، وروح الله يرف على المياه”[7] كانت الأرض محتجبة ولا شكل لها قبل أن يقول الله “ليكن نور”[8] وقبل أن يفصل النور عن الظلمة وفقاً لما يشير إليه ترتيب السرد. بعد ذلك أمر الله بأن يكون هناك جلد وهذا أسماه “سماء”. وحين نصل إلى تلك النقطة سنوضح الفرق بين الجلد والسماء ولماذا أطلق على الجلد السماء. ولكن الآن يقال: “كانت الظلمة تغطي الهاوية”[9]، فما هي تلك الهاوية؟ بالتأكيد هي الهاوية التي سيكون فيها[10] “إبليس وملائكته”[11]. على الأقل هذا أيضاً مذكور بوضوح في الإنجيل، حين قيل عن المخلص: “إن الشياطين الذين كان يطردهم كانوا يطلبون إليه ألا يأمرهم بالذهاب إلى الهاوية.”[12]
لهذا يبدد الله الظلمة طبقا للنص الكتابي القائل: “وقال الله ليكن نور فكان نور. ورأى الله أن النور كان حسناً وفصل الله النور عن الظلمة. وسمى الله النور نهاراً وسمى الظلمة ليلاً. وكان مساء وكان صباح: يوماً واحداً.”[13]
الزمن
وطبقا للحرف، فإن الله أطلق على النور نهاراً وعلى الظلمة ليلاً ولكن طبقاً للمعنى الروحي، دعونا نرى بعدما “صنع السماء والأرض” في ذلك “البدء الذي تحدثنا عنه سابقاً، وبعد أن قال أيضاً إنه كان نور ثم فصل النور عن الظلمة وأطلق على النور نهاراً وعلى الظلمة ليلاً، وبعد أن قال إنه كان مساء وكان صباح، لماذا لم يقل الله “اليوم الأول”[14] لكن “يوم واحد”[15]؟ ذلك لأن الزمن لم يكن موجوداً قبل كون العالم. ولكن الزمن بدأ يوجد مع الأيام التالية. فاليوم الثاني والثالث والرابع وكل الأيام الأخرى بدأت تشير إلى الزمن.
۲ وقال الله: “ليكن جلد في وسط المياه وليفصل المياه من المياه. وكان كذلك. فعمل الله الجلد[17]” وبعدما خلق السماء، يخلق الله الآن الجلد. في الواقع هو خلق السماء أولاً التي قال عنها: “السماء كرسيي”[18]، ثم بعد ذلك خلق الجلد، أي السماء الجسدية. فمن الواضح أن كل جسد يكون صلباً ومتماسكاً وهذا ما يفسر أن الجلد “فصل بين المياه التي فوق السماء من المياه التي تحتها.”[19]
وحيث أن كل ما كان الله سيصنعه كان مكوناً من روح وجسد، فلهذا قد قيل إن السماء، أي كل مادة روحية يعتمد عليها الله، كما على كرسي، قد خلقت في “البدء” وقبل كل شيء. ولكن السماء الأخرى، أي الجلد، هي جسدية. لهذا فإن السماء الأولى التي وصفناها بأنها روحية هي روحنا، التي هي بالضرورة روحية، أي إنساننا الروحي الذي يرى الله ويتأمله. ولكن الأخرى، التي هي السماء الجسدية والتي يطلق عليها جلد، فهي إنساننا الخارجي الذي يرى بأعين الجسد.
وكما أطلق على الجلد سماء لأنه يفصل بين المياه التي فوقه عن تلك التي تحته، هكذا الإنسان، الذي هو كائن في جسد، إن استطاع أن يفصل ويميز بين المياه العليا التي “فوق الجلد” والمياه التي “تحت الجلد” فسوف يسمى هو أيضاً سماء أي “إنساناً سماوياً[20]” كقول الرسول بولس: “فإن مسكننا هو في السماء[21]“
هذا إذا هو ما تحويه ألفاظ الكتاب ذاتها: “فعمل الله الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه الذي فوق الجلد. ودعا الله الجلد سماء ورأى الله أن هذا حسن، وكان مساء وكان صباح، وكان ذلك يوما ثانياً[22] “
المياه العليا
وليهتم كل واحد منكم إذن بأن يصير من يفصل الماء الذي هو في الأعلى عن الماء الذي بالأسفل حتى يصل إلى الفهم والمشاركة في الماء الروحي الذي هو “فوق الجلد”، ويجري من بطنه أنهار ماء حي تنبع إلى الحياة الأبدية”[23]، مبتعداً بلا شك ومفصولاً عن الماء السفلي أي عن ماء الهاوية الذي يضع الكتاب فيه الظلمة وحيث يسكن “رئيس هذا العالم[24]” و”التنين العدو “مع ملائكته”[25] كما سبق وقلنا.
وهكذا إذاً بالاشتراك في الماء العالي الذي هو فوق السموات يصبح كل مؤمن سماوياً بمعنى أن يركز ذهنه في الأشياء العليا والسامية ولا يكون أي شيء من أفكاره في الأرض، ولكن تكون كلها في السماء، و “يطلب ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الآب”[26]. حينئذ هذا الإنسان نفسه سيحسبه الله مستحقاً للمديح الموجود في النص القائل: “ورأى الله أن هذا كان حسناً”[27]
اليوم الثالث
تصبح أرضا خصبة
ثم ما عرضه في التكملة عن اليوم الثالث يلحق بذات المعني. والواقع أن الكتاب يقول: “وقال الله: ليجتمع الماء الذي تحت السماء إلى كتلة واحدة ولتظهر اليابسة[28]. وكان كذلك”[29].
لنسعى نحن إذن إلى جمع الماء الذي تحت السماء” وأن نزيلها بعيداً عنا حتى تظهر بعد ذلك “اليابسة” أي أعمالنا التي نعملها بالجسد “حتى إذ يرى الناس أعمالنا الحسنة يمجدوا أبانا الذي في السموات”[30]. لأننا إن لم نفصل عنا المياه التي تحت السماء، أي الخطايا ونقائص جسدنا فلن تتمكن يابستنا من الظهور ولن يكون لها الثقة بأنها تسير نحو النور. “كل من يفعل الشر يكره النور ولا يأتي إلى النور خشية أن تدينه أعماله، ولكن من يتمم الحق يأتي إلى النور حتى تظهر أعماله ونراها بما أنها قد عملت في الله”[31]. وهذه الثقة لن تعطى لنا إن لم نطرح ونقطع بعيداً عنا، مثل المياه، نقائص الجسد التي هي أسباب الخطايا. وحين يتم ذلك فإن اليابسة فينا لن تظل “يابسة” كما سنرى فيما يلي.
يقول الكتاب في الواقع ليجتمع الماء الذي تحت السماء إلى كتلته ولتظهر اليابسة. ودعا الله اليابسة أرضاً ومجتمع المياه دعاه بحراً”[32]. وكما أن اليابسة حين تنفصل عن المياه، كما قلنا منذ قليل، لا تبقى يابسة” ولكنها تدعى منذ ذاك “أرضا”، هكذا أيضا أجسادنا، إن حدث مثل هذا الانفصال فيها، فلن تظل “يابسة”، بل سوف تدعى “أرضاً” حيث سيمكنها بعد الآن أن تنتج ثمراً لله.
والله حين “خلق في البدء السماء والأرض خلق فقط فيما بعد الجلد واليابسة ودعا الجلد “سماء” معطياً إياه اسم سماء التي كان قد خلقها قبلاً. ودعا اليابسة “أرضا” لأنه أعطاها القدرة على أن تنتج ثمراً. إذاً إن ظل أحد يابساً بسبب إثمه ولم ينتج ثمراً بل “شوكاً وحسكاً”[33] كما لو كان ينتج “غذاء للنار[34]” فسوف يصير هو نفسه “طعاماً للنار” بسبب ما ينتجه. أما إن فصلته غيرته اليقظة عن مياه الهاوية التي هي أفكار الشياطين، وإذا بدا كأرض تنتج ثمراً، فيجب عليه أن يترجى معاملة بنفس الطريقة، لأن الله يدخله إلى “أرض يفيض فيها اللبن والعسل[35].”
الإتيان بثمر
۳ ولكن دعونا نرى مما يلي ما هي الثمار التي يأمر الله “الأرض” التي أعطاها هو نفسه هذا الاسم بإنتاجها. “ورأى الله أن ذلك حسن. وقال الله: لتنبت الأرض عشب الحقول يحمل بذراً كجنسه وكهيئته، وشجرا ذا ثمر ينتج ثمراً يحوي بذره بداخله كهيئته على الأرض. وكان كذلك”[36]. ومن الواضح لو تمسكنا بحرفية النص، إنه توجد هنا الثمار التي أنتجتها الأرض حينما لم تعد بعد “اليابسة”
ولكن دعونا نرجع إلى أنفسنا من جديد. فها نحن الآن “أرض” ولم نعد بعد “يابسة”، فلنأت إذاً لله بثمار وفيرة ومتنوعة حتى نكون نحن أيضاً مباركين من الآب الذي يقول: ها إن رائحة ابني كرائحة حقل مثمر باركه الرب”[37]، وحتى يتحقق فينا قول الرسول: “حين تشرب أرض المطر الآتي عليها مراراً كثيرة وتنتج عشباً صالحاً للذين يزرعونها، فستنال بركات من الله. ولكن الأرض التي تنبت شوكاً وحسكاً تبدو نوعيتها رديئة وقريبة من اللعنة وننتهي بإحراقها”[38].
4 “فأخرجت الأرض عشب الحقول يحمل بذراً كجنسه وكهيئته، وشجراً ذا ثمر يعمل ثمراً يحوي بذره بداخله كجنسه على الأرض. ورأى الله ذلك أنه كان حسنا. وكان مساء وكان صباح، وكان هذا اليوم الثالث[39].” فالله يأمر الأرض ألا تنبت فقط “عشب الحقول ولكن أيضا “البذار” حتى يمكن أن تنتج ثمراً باستمرار. ولم يأمر بأن تنبت فقط شجراً ذا ثمر” ولكن أيضا شجراً “يحمل ثماراً تحوي بداخلها بذرها كجنسها” وذلك حتى تستطيع بفضل هذه البذار التي بداخلها أن تؤتي ثمراً باستمرار.
وبالمثل، علينا نحن أيضا أن نأتي بثمر وأن تكون في أنفسنا البذار، أي أن نحوي في قلوبنا بذور كل الأعمال الحسنة وجميع الفضائل التي إذ تكون مغروسة في أرواحنا هكذا تجعلنا نتمم ببر كل الأعمال التي نعملها. لأن ثمار هذه البذار هي أعمالنا حين تأتي من كنز قلبنا الصالح”[40].
لأننا إن سمعنا الكلمة وبعد سماعها تنبت أرضنا في الحال عشبا، وإن “جف هذا العشب”، قبل أن ينضج ويأتي بثمر، فإن أرضنا سوف يطلق عليها أرضاً “صخرية”[41]، ولكن إن ترسخت الكلمة في قلبنا بجذور عميقة حتى تعطي ثمرة الأعمال وتحوي بذار الخيرات العتيدة، فحينئذ تعطي أرض كل منا بالحقيقة ثمراً كطاقتها “الواحدة مائة، والأخرى ستين، والأخرى ثلاثين للواحدة[42]“. ولكن بدا لنا من الضروري أن نلفت النظر إلى أن ثمرنا لا يجب أن يحوي “شقاقا”[43] أي زوانا في أي مكان، وأنه لا يجب أن يكون على جوانب الطريق”[44] بل يجب أن يكون مزروعاً على الطريق ذاته، على هذا الطريق الذي يقول: “أنا هو الطريق”[45] حتى لا تأكل طيور السماء”[46] ثمارنا ولا كرمنا. ومع ذلك إن استحق أحد منا أن يكون كرمة[47]، فليحترس من أن يحمل “أشواكا” بشكل العناقيد، وإلا فإن تلك الكرمة لن تشذب ولن تقلم، ولن تحصل “السحب” على الأمر (من الله) بأن تسقط عليها الأمطار، بل بالعكس سوف تترك “قفراً” حتى تنبت فيها الأشواك “[48].
اليوم الرابع
الأنوار: المسيح والكنيسة
5 وبعد ذلك تستحق السماء من الآن أن تكون مزودة بأنوار. فقال الله: “لتكن أنوار في جلد السماء لتضيء على الأرض وتفصل النهار عن الليل[49]“. فكما أمر الله أن تكون هناك أنوار في الجلد الذي يدعى سماء، حتى تفصل بين النهار والليل هكذا يمكن أن يحدث لنا أيضا شرط أن نجاهد حتى ندعي ونصير سماء؛ فيكون لنا في أنفسنا مثل أنوار لتنير لنا المسيح وكنيسته. فالمسيح هو “نور العالم[50]” هو الذي ينير الكنيسة أيضا بنوره[51]. فكما نقول إن القمر يحصل على نوره من الشمس حتى يتمكن الليل ذاته من أن يستنير به، هكذا أيضاً الكنيسة إذ تحصل على نورها من المسيح، تنير كل من هم في ليل الجهالة. ولكن إن تقدم أحد حتى صار “ابنا للنهار” سائرا بأمانة كما في وضح النهار”[52]، “كابن للنهار وابن للنور[53]“، فهذا ينيره المسيح ذاته كشمس النهار.
6 “لتكن علامات ولتحدد الأزمنة والأيام والسنين، ولتكن أنوار في جلد السماء لتنير الأرض. وكان كذلك[54] ” فكما أن الأنوار التي نراها في السماء قد وضعت لتكون “علامات ولتحدد الأزمنة والأيام والسنين” وتنير من الجلد من هم في الأرض، هكذا المسيح؛ إذ ينير كنيسته يعطي أيضاً علامات من خلال تعاليمه، حتى نعلم لدى استقبال العلامة كيف نتجنب “الغضب الآتي[55]” بحيث لا يفاجئنا “يوم الرب كلص[56]“، بل يسمح لنا بالحري أن نصل إلى سنة نعمة الرب[57]“.
فالمسيح إذاً هو “النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آت إلى هذا العالم[58]“، وتصير الكنيسة المستنيرة بنوره هي نفسها “نور العالم وتنير “الذين في الظلمة[59]“، كما يؤكد ذلك المسيح نفسه حين يقول لتلاميذه: “أنتم نور العالم[60]“. وينجم من هنا أن المسيح هو نور الرسل، والرسل بدورهم هم نور العالم، فهم في الواقع الكنيسة الحقيقية بسبب أنهم بلا دنس ولا غضن ولا شيء من مثل ذلك”، وفقا لقول بولس الرسول أن الله “أراد أن يظهر أمامه كنيسة مجيدة بلا دنس ولا غضن ولا شيء من مثل ذلك[61]“.
۷ “وعمل الله نورين عظيمين، النور الأكبر ليتسلط في النهار والنور الأصغر ليتسلط في الليل، وعمل أيضا النجوم. ووضعها الله في جلد السماء حتى تضيء على الأرض لتتسلط في النهار وفي الليل وحتى تفصل بين النور والظلمة. ورأى الله أن ذلك حسن. وكان مساء وكان صباح، وكان هذا اليوم الرابع[62]“. وكما أن الشمس والقمر، وفقا للكتاب المقدس، هما النوران العظيمان في جلد السماء هكذا أيضاً المسيح والكنيسة بداخلنا. ولكن أضاف الله نجوماً في الجلد، فيجب علينا نحن أيضاً أن نرى ما يمثل النجوم في داخلنا أي في سماء قلوبنا. فموسى نجم فينا يضيء وينيرنا بأعماله وكذلك إبراهيم وإسحق ويعقوب وإشعياء وإرميا وحزقيال وداود ودانيال وكل من شهدت لهم الكتب المقدسة بأنهم كانوا مرضيين لله[63]. وكما أن كل “نجم يختلف عن نجم في العظمة[64]” هكذا كل قديس بمقدار عظمته يسبغ نوره علينا.
وكما أن الشمس والقمر ينيران أجسادنا، هكذا ينير المسيح والكنيسة عقولنا. على الأقل هما ينيرانها، إن لم نكن عمياناً روحياً. لأنه كما أن الشمس والقمر لا يشعان نورهما على العميان الجسديين الذين لا يمكنهم أن يستقبلوا النور، هكذا المسيح يمد أرواحنا بنوره، ولكنه لن ينيرنا إلا لو لم يمنعه عمى عقلنا. فإن كان هذا هو الحال، فينبغي أولاً أن العميان يتبعون المسيح قائلين وصارخين: ارحمنا يا ابن داود[65]“، فبعد أن ينالوا من المسيح نفسه الإبصار، يمكن بعد ذلك أن يشرق عليهم بهاء نوره.
وأيضاً الذين يبصرون لا يستنيرون بالمسيح بالتساوي ولكن كل واحد على القدر الذي يستطيع به تلقي النور. فإن عيون جسدنا لا تنيرها الشمس بالتساوي ولكن كلما صعدنا إلى أماكن مرتفعة وكلما وضعنا المرصد في مكان عال حيث تتأمل النظرة من خلاله شروق الشمس، تمكننا من إدراك بريقها وحرارتها بصورة أفضل. وهكذا كلما اقتربت عقولنا بصعودها وارتفاعها من المسيح وتعرضت بمزيد من القرب لبريق ضيائه، أشعت أيضاً بنوره بصورة أكثر روعة وأكثر لمعانا، كما يقول الله ذاته هذا من خلال النبي: “اقتربوا إلي فأقترب إليكم، يقول الرب[66]“، ويقول أيضاً: “أنا إله يقترب ولست إلهاً بعيداً”[67].
ومع ذلك فنحن لا نقترب إليه جميعنا بنفس الأسلوب “ولكن كل منا يذهب إليه حسب إمكاناته الخاصة.[68]” إما نذهب إليه مع الجموع وهو يشبعنا بأمثاله[69] فقط لئلا يجعلنا الصوم الطويل نخور في الطريق[70]، أو نظل باستمرار وبلا نهاية جالسين عند قدميه لا نهتم إلا بسماع كلمته دون أن ندع أنفسنا نضطرب “باهتمامات الخدمة الكثيرة”، “مختارين النصيب الأفضل الذي لن ينزع منا”[71]. وعند الاقتراب هكذا منه[72] نأخذ أكثر من نوره. ولو بقينا معه مثل الرسل بلا انقطاع في كل تجاربه[73] دون أن نبتعد عنه ولو إلى قليل، فهو يوضح ويفسر لنا سراً ما قاله للجموع[74] وينيرنا بنور أكبر بكثير وحتى لو استطعنا أن نذهب معه إلى قمة الجبل كبطرس ويعقوب ويوحنا[75] فلن نستنير فقط بنور المسيح، ولكن أيضا بصوت الآب ذاته.
اليوم الخامس
الزواحف والطيور: الأفكار الطيبة والأفكار السيئة
۸ “وقال الله: لتنتج المياه بين الحيوانات الحية كائنات تزحف وطيور تطير على الأرض في جلد السماء. وكان كذلك[76]” وحسب التفسير الحرفي تنتج المياه “الكائنات التي تزحف” “والطيور” عند أمر الله، وهكذا نعلم من هو خالق هذه الكائنات التي نراها. ولكن لنرى كيف يحدث الشيء ذاته في جلد سمائنا، أي في الحقيقة الثابتة التي لعقلنا وقلبنا.
أتصور حينما استنارت عقولنا بالمسيح شمسنا، فإنها تحصل بعد ذلك على الأمر بأن تظهر من المياه التي بها “كائنات تزحف” وطيور تطير بمعنى أن تعرض للنور الأفكار الجيدة والأفكار الرديئة، حتى تعمل الفصل بين الجيدة والرديئة، بما أنها جميعها تأتي من القلب. لأن من قلوبنا تخرج. كما من المياه الأفكار الجيدة والرديئة. لنعرض إذاً، على كلمة الله وبأمره، الأفكار الجيدة والرديئة أمام نظر الله وحكمه حتى إذ نستنير به نستطيع أن نفصل الرديء عن الجيد، أو بعبارة أخرى أن نبعد عنا ما يزحف على الأرض ويقدم اهتمامات أرضية.
أما الكائنات الأفضل، أي “الطيور”، فلندعها تطير ليس فقط “على الأرض” ولكن أيضاً في “جلد السماء”. أو بعبارة أخرى لنعد إلى فكر واعتبار المخلوقات الأرضية وكذلك السماوية التي فينا كي نتمكن من فهم أن الكائنات الزاحفة هي العنصر الضار فينا. فلو نظرنا “لامرأة باشتهاء[77]” فهذا نوع من الزواحف السامة ولكن إن كان لدينا الشعور بالتعفف فحتى لو هامت بنا سيدة مصرية عاشقة، فنصير كالطيور تاركين بين يديها الثياب المصرية ونهرب بلا توقف من الفخاخ الدنيئة[78]. وإن كان فينا ميل للسرقة فهذا أيضاً من الزواحف الكريهة، ولكن إذا فكرنا وإن كنا لا نملك سوى “فلسين صغيرين” لتقديمهما كصدقة “عطية لله[79]” فهذه الفكرة هي طير لا يفكر في الأرضيات، بل يتجه بأقصى سرعة ممكنة إلى جلد السماء. وإن سلمنا بفكرة أنا لا ينبغي أن نحتمل آلام الاستشهاد فهذا نوع من الزواحف السامة، ولكن إن تكونت لدينا الفكرة المتعقلة بأننا يجب أن نجاهد حتى الموت من أجل الحق[80] فهذا يكون طيراً وصل من الأرض إلى الأعالي[81]. وعلينا التفكير بالمثل بالنسبة لباقي أنواع الخطايا والفضائل ونميز الزواحف والطيور التي تحصل مياهنا على الأمر بإبرازها حتى نحكم عليها في إطار نظرة الله.
9 “وخلق الله الحيوانات المائية العظيمة وكل كائن حي من الحيوانات الدبابة التي أنتجتها المياه كجنسها وكل طائر ذي جناح كجنسه[82].” وفيما يتعلق بهذه المخلوقات، كما فيما يتعلق بمن تحدثنا عنها للتو، علينا أيضا أن نفهم أننا يجب أن ننتج “حيوانات مائية عظيمة وكذلك “حيوانات دبابة كجنسها يجب في رأيي أن نرى في الحيوانات المائية العظيمة: الأفكار الآثمة والتصرفات الشنيعة المخالفة لله. ومع ذلك فكل تلك الأفكار يجب أن نظهرها بالنسبة إلى الله ونعرضها أمامه حتى يسمح لنا بتقسيم وفصل الجيد من الرديء وحتى يعين الرب لكل منا مكانه كما سنرى فيما بعد.
۱۰ “ورأى الله أنها كانت حسنة. وباركها الله قائلا: أثمري وأكثري واملأي المياه التي في البحار وليكثر الطير على الأرض. وكان مساء وكان صباح وكان هذا اليوم الخامس[83]” أخذت “الحيوانات المائية العظيمة وكذلك “كل كائن حي من جميع الحيوانات الدبابة التي أنتجتها المياه الأمر بأن تبقى هناك حيث يسكن “التنين الذي صنعه الله ليسخر منه[84]“. ولكن الطيور عليها أن تكثر على الأرض التي كانت قبلا “اليابسة”، والتي تدعى الآن “أرضا”، كما قلنا عاليه.
المنفعة من وراء الشر
ومن الممكن أن نتساءل: لماذا تمثل الحيوانات المائية العظيمة والكائنات الدبابة الشر بينما الطيور تمثل الخير في حين أنه قيل عنهما معا: “ورأى الله أنها حسنة[85]“؟ ذلك لأنه بالنسبة للقديسين، فحسنة هي الكائنات التي تضادهم، لأنهم يستطيعون أن يغلبوها وعندما يغلبونها يصير لهم مجد أعظم عند الله. وفي نهاية المطاف، حين طلب إبليس من الرب أن يسلطه على أيوب[86]، فقد كانت مهاجمات العدو بالنسبة لأيوب سبب مجد مضاعف بعد النصرة[87]، والدليل على ذلك أنه قد استعاد ضعف ما كان قد فقده في هذا العالم، كما أنه مستعد جداً لأن يستعيده دون أدنى شك بذات الأسلوب في السماء. ومن ناحية أخرى يقول بولس الرسول: “لا يكلل أحد إن لم يحارب قانونياً[88]“. فكيف تكون هناك حرب بدون عدو؟ فجمال النور وروعته لن يلاحظا إن لم تأت ظلمة الليل. هل نمتدح هؤلاء بسبب عفتهم إن لم ندن أولئك بسبب فسقهم؟ هل نمجد هؤلاء بسبب شجاعتهم لو لم يكن هناك جبناء ومرتعدون؟ تناول ما هو مر فتصير حينئذ الحلاوة ألذ. تأمل شيئاً مظلماً يبدو لك الشيء المنير أكثر جاذبية. فباختصار، تأمل الأشرار يظهر مجد الأبرار الأكثر تألقاً. ولهذا يقول الكتاب عنها جميعا: “ورأى الله أنها حسنة[89]“.
ولكن لماذا لم يكتب أن الله قال إنها حسنة بل قال “ورأى الله أنها حسنة”؟ لأن الله رأى فائدتها والسبب الذي سمح لها. مع كونها حسنة في ذاتها. بأن تجعل الصالحين يصلون إلى الكمال. لذا قال: “أثمري وأكثري واملأي المياه التي في البحار وليكثر الطير على الأرض[90]“، وهذا يعني أن الحيوانات المائية العظيمة والكائنات التي تزحف يجب أن تكون في البحر كما قلنا عاليه وأما الطيور فيجب أن تكون على الأرض.
اليوم السادس
حيوانات الأرض: الإنسان الأرضي
۱۱ “وقال الله: “لتنتج الأرض الحيوان الحي كجنسه: البهائم والدبابات ووحوش الأرض كجنسها. وكان كذلك. فعمل الله وحوش الأرض كجنسها وجميع الكائنات التي تزحف على الأرض كجنسها ورأى الله أنها حسنة[91].” التفسير الحرفي هنا لا يمثل صعوبة. لأنه يقول بوضوح إن الله هو الذي خلق الكائنات الحية والبهائم والوحوش وثعابين الأرض. أما بالنسبة إلى المعنى الروحي، فمن المفيد أن نربط هذا المقطع بالتفسيرات السابقة.
منذ قليل، كانت الآية تنص على: “لتنتج المياه بين الحيوانات الحية كائنات تزحف وطيور تطير فوق الأرض في جلد السماء.[92]” أما الآن فتنص على: لتخرج الأرض حيوانات حية كجنسها: البهائم والدبابات ووحوش الأرض كجنسها” ففيما يتعلق بالكائنات التي تخرجها المياه سبق وقلنا إنها يجب أن تفسر بتحركات وأفكار عقولنا والتي تأتي من عمق قلبنا. أما الآن فيما يتعلق بأية: “لتخرج الأرض حيوانات حية كجنسها: البهائم والدبابات ووحوش الأرض كجنسها[93]“، فأعتقد أننا ينبغي أن نرى فيها تحركات إنساننا الخارجي، أي الإنسان الجسداني والأرضي. وإجمالاً لا يذكر الطيور في الفقرات التي ترتبط بالجسد، ولكنه يذكر فقط البهائم والدبابات ووحوش الأرض. لأنه حسب رأي الرسول أن “البر لا يسكن جسدي[94]” وأن “حكمة الجسد هي عداوة لله[95]” فهذه بالتأكيد هي وحوش الأرض، أي جسدنا المخلوق، التي أوصى من جهتها الرسول أيضا هذه الوصية: “فأميتوا أعضاءكم التي على الأرض، الزنا والنجاسة والدعارة والبخل وعبادة الأوثان… إلخ[96]“.
إذا بأمر الله وبواسطة كلمته عملت كل الأشياء المنظورة وأنشأ هذا الكون المرئي الهائل، ومن ناحية أخرى وفي الوقت ذاته وبصورة رمزية تم تحديد العناصر التي يمكنها أن تجمل هذا العالم الأصغر الذي هو الإنسان[97]، وحينئذ خلق الإنسان نفسه كما سيعرفنا ذلك ما يلي
خلق الإنسان
۱۲ وقال الله: “لنعمل الإنسان على صورتنا وشبهنا وليتسلط على أسماك البحر وطيور السماء وعلى الكائنات الحية وعلى كل الأرض وعلى كل الكائنات التي تدب على الأرض[98]“. وتبعا لتفسيراتنا السابقة، فإن الإنسان كما وصفناه هو من يتلقى من الله أمراً بالتسلط على الوحوش التي ذكرناها سالفاً، أي الطيور والوحوش الدبابة والبهائم وكل ما عداها. وقد قلنا ما هو التفسير الرمزي الذي يجب أن نعطيه لها حين شرحنا أن الماء، أي عقل الإنسان، قد تلقى أمرا بإنتاج الحس الروحي، والأرض بإنتاج الحس الجسدي بحيث إن الروح تتسلط على الحيوانات وليس العكس. لأن الله يريد أن “العمل” العظيم[99] هذا، وهو الإنسان، الذي من أجله خلق الكون كله[100]، لا يكون فقط غير ملوث وغير مصاب من قبل ما ذكرناه عاليه، ولكن أيضاً أن يتسلط عليها. ولكن دعونا الآن نرى بكلمات الوحي ذاتها من أي نوع من الكائنات الحية يصنف الإنسان.
عظمة الإنسان
إن جميع المخلوقات الأخرى خلقت بأمر إلهي، هذا هو ما يقوله الكتاب: “وقال الله: ليكن جلد[101]“، وقال الله: “لتجتمع المياه التي تحت السماء في كتلة واحدة ولتظهر اليابسة[102]“، وقال الله: لتخرج الأرض عشب الحقول[103].” ويعبر الكتاب بنفس الطريقة بالنسبة لكافة المخلوقات الأخرى. ولكن لنر ما هي المخلوقات التي صنعها الله بنفسه، ولنقس بها عظمة الإنسان: “في البدء عمل الله السموات والأرض[104]“، وأيضاً: “عمل نورين عظيمين[105]” والآن أيضاً: “لنعمل الإنسان[106]“. هذه فقط هي المخلوقات دون غيرها التي تحددت كعمل الله الشخصي. فالله لم يعمل سوى السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم والآن الإنسان، وأما جميع الباقي فيقول الكتاب إنه عًمل بناء على أمره. فلننظر من هنا ما هي عظمة الإنسان، فهو يجعله مساو لأعظم العناصر وللعناصر الرئيسة. فهو يكرم مثل السماء، ولذلك فله الوعد “بملكوت السموات”، وهو أيضاً يكرم مثل الأرض، ولذا يأمل أن يدخل إلى أرض جيدة، في “أرض الأحياء حيث يتدفق اللبن والعسل[107].” وهو أيضاً يكرم كالشمس والقمر ولذا قد وعد بأن يضيء كالشمس في ملكوت الله[108]“
۱۳ بل أتبين في وضع الإنسان شيئاً أسمى أيضاً، لا أجده في أي موقع آخر: “وعمل الله الإنسان، على صورة الله عمله[109]” وهذا لم يذكر لا عن السماء ولا الأرض ولا عن الشمس أو القمر.
الإنسان شبيه الله
بالتأكيد ذلك الإنسان الذي وفقاً للكتاب “عًمل على صورة الله لا نقصده إنساناً جسدياً. فالواقع أن نموذج الجسد لا يحوي صورة الله. ولم يقل إن الإنسان الجسدي قد “عُمل” ولكن إنه “صُنع كما ينص الكتاب فيما يلي. يقول الكتاب: “وصنع الله الإنسان أي شكله من طمي الأرض[110]. أما من عُمل “على صورة الله” فهو إنساننا الداخلي، غير المرئي، غير الجسدي، غير القابل للفساد وغير المائت. لأننا من هذه الصفات نعرف بدقة أكثر صورة الله[111]. فالتصور بأن الإنسان الجسدي هو الذي عمل حسب صورة الله وشبهه، هو الافتراض أن الله نفسه جسدي وأنه يمتلك شكل بشري، ومثل هذه الفكرة عن الله تعد وبكل وضوح تجديفاً. حاصل الكلام، فإن هؤلاء البشر الجسديون، الذين يجهلون معنى اللاهوت، حينما يقرأون عن الله في الكتاب: “السماء عرشي والأرض موطئ لقدمي[112]“، يتصورون أن الله له جسد ضخم حتى إنه يمد قدميه من السماء حيث هو جالس حتى الأرض. وإن كانت لديهم تلك الأفكار فذلك لأنه تنقصهم الآذان المطلوبة لسماع كلام الله المذكور في الكتاب عن الله باستحقاق. فكلمة “السماء عرشي” تفسر كما ينبغي عن الله عندما نعلم أن الله يستريح ويسكن في الذين “مسكنهم في السموات[113]“، أما من كان لهم سلوك أرضي بعد، فنجد فيهم الجزء الأخير من نعمته، كما يشار إلى ذلك بأسلوب مجازي من خلال ذكر القدمين.
فإذا كان من بينهم من وضعوا جهادهم وحماسهم في أن يصيروا سماويين من خلال قداسة الحياة وعمق الفكر، فهؤلاء يصبحون هم أنفسهم أيضا عرشا لله، بعد أن جعلوا أولا سماويين بسلوكهم، وهم يقولون: “أقامنا مع المسيح وأجلسنا معه في السماوات[114].” وأما الذين “كنزهم في السماء[115]” فهؤلاء يمكن أن يطلق عليهم سماويين وكذلك عرشاُ الله لأنه “حيث يكون كنزهم هناك يكون قلبهم[116]“، والله لا يكتفي بأن يستند عليهم ولكنه يسكن أيضاً فيهم[117]. وإن كان هناك من يصلون إلى درجة أن يستطيعوا القول: “أم أنكم تبحثون عن برهان أن المسيح هو الذي يتكلم فيّ[118]“، فلا يكتفي الله بأن يسكن في هؤلاء فقط، ولكنه يسير في وسطهم أيضاً. ولهذا فالكاملون إذ صاروا سماويين أو أصبحوا سماوات، فإنهم يخبرون بمجد الله[119]” كما يقول في المزمور، لهذا أيضا التلاميذ الذين كانوا من السماوات قد أرسلوا ليخبروا بمجد الله ويأخذوا اسم “بوانرجس أي ابني الرعد[120]“، حتى تؤكد لنا قوة الرعد أنهم حقاً من السماوات.
إذاً “عمل الله الإنسان، على صورة الله عمله[121]“. فعلينا أن نرى ما هي صورة الله ونبحث على شبه أية صورة خلق الإنسان، لأنه لم يقل إن الله عمل الإنسان على صورته أو على شبهه، ولكن أنه “عمله على صورة الله فما هي إذا صورة الله الأخرى هذه التي عمل الإنسان على شبهها؟ لهذه الصورة لا يمكن أن تكون إلا مخلصنا: هو بكر كل خليقة[122]” ومكتوب عنه أنه “بهاء النور الأبدي والرسم المرئي لجوهر الله[123]“، ويقول هو عن نفسه: “أنا في الآب والآب فيّ[124]” ومن رآني فقد رأى الآب أيضاً[125].” والواقع أن من يرى صورة شخص يرى الشخص الذي تمثله الصورة. وهكذا، نحن نرى الله عن طريق كلمة الله الذي هو صورة الله. وهكذا يحق ما يقوله إن: “من رآني فقد رأي الآب أيضاً”.
فالإنسان خلق إذا على شبه هذه الصورة. ولهذا، مخلصنا، الذي هو صورة الله، إذ تحركت مشاعر الشفقة لديه من أجل الإنسان الذي عًمل على شبهه، والذي رآه ينحل من صورته ليلبس صورة اللئيم، أخذ هو نفسه صورة إنسان، بدافع الشفقة، وجاء إليه كما يشهد بذلك أيضا الرسول حين يقول: “مع إنه كان الله بحاله، لم يتمسك بلهفة بمساواته مع الله، لكنه أخلى نفسه آخذاً حالة العبد، صائرا في شبه الناس، وإذ عًرف كإنسان من خلال كل ما بدا منه، وضع نفسه حتى الموت[126]“
فكل من يأتون إليه ويجتهدون في أن يكونوا مشاركين لتلك الصورة العاقلة[127] بتقدمهم، “يتجددون يوما بعد يوم حسب الإنسان الداخلي[128]” على صورة من صنعهم، وهكذا يمكنهم أن يصيروا تشبيهين بجسد مجده[129]“، ولكن كل واحد بحسب قدراته. لقد تشكل الرسل من جديد على شبهه حتى قال عنهم هو نفسه: “إني ذاهب لأبي وأبيكم، إلهي وإلهكم[130]“، وقد طلب هو نفسه إلى الآب من أجل تلاميذه حتى يعاد لهم الشبه القديم قائلا: “أيها الآب اعمل بحيث يكونوا واحداً فينا، كما أننا أنت وأنا واحد[131].”
فلتكن إذن أعيننا دوماً على صورة الله هذه حتى يمكننا أن شكل من جديد على شبهه. فإن كان الإنسان المخلوق على صورة الله قد صار مشابها لإبليس بالخطية، بنظره، على عكس طبيعته، إلى صورة إبليس، فكم بالأحرى لو نظر إلى صورة الله التي خلقه الله حسب شبهها، فهو سينال بالكلمة وبقوته الشكل الذي أعطى له بالطبيعة. وإن وجد أحد أنه يشبه أكثر إبليس منه إلى الله، فلا ييأس من أنه يمكنه استعادة شكل صورة الله، بما أن المخلص لم يأت ليدعو الأبرار بل الخطاة إلى التوبة[132].” فمتى كان عشاراً[133] وبالطبع كانت صورته تشبه إبليس، ولكن بمجيئه إلى صورة الله وإلى ربنا ومخلصنا وباتباعها، تم تغييره إلى شبه صورة الله. ويعقوب ابن زبدي ويوحنا أخوه[134] “كانا صيادين[135]” وشخصين عديمي العلم[136]“، ومن الواضح أنهما كانا بناء على ذلك يشبهون بالأحرى صورة إبليس، ولكن باتباعهما هما أيضاً لصورة الله صارا مشابهين له مثل باقي التلاميذ. وبولس كان يضطهد[137] صورة الله ذاتها ولكنه حين استطاع أن يرى جمالها وعظمتها، حولته تلك الرؤيا إلى شبهها إلى درجة عالية، حتى إنه قال: “أم أنتم تبحثون عن البرهان على أن المسيح هو الذي يتكلم فيّ[138]؟
“خلقهما ذكرا وأنثى”
14 “ذكراً وأنثى خلقهم وباركهم الله قائلا أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض وكونوا أسيادها[139].” إنه من المثير للاهتمام أن نبحث هنا بتفسير حرفي لماذا يقول الكتاب: “خلقهما ذكرا وأنثى” في حين لم تكن المرأة قد خلقت بعد. بلا شك. هكذا أعتقد أنه بسبب البركة التي أعطاهما الله إياها قائلا: “أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض، فيقول الكتابة، مستبقاً ما كان سوف يحدث: “ذكراً وأنثى خلقهما”، لأن الرجل لا يستطيع أن يثمر ولا أن يتكاثر إلا بالمرأة. وحتى لا يكون هناك إذاً تردد في الإيمان بحلول تلك البركة، يقول: “ذكرا وأنثى خلقهما”، فعلى هذا النحو، إذ يرى الرجل أن النمو والتكاثر ينتج من أن المرأة مرتبطة به، فيمكنه أن يحتفظ بثقة أكبر في البركة الإلهية. فلو كان الكتاب قد قال: “أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض وكونوا أسيادها” دون أن يضيف أنه “خلقهما ذكرا وأنثى” لظل الإنسان حتما متشككا في البركة الإلهية، مثلما فعلت مريم التي جاوبت على بركة الملاك: “كيف يحدث هذا بما إني لست أعرف رجلا[140]؟” ولكن إذا كان الكتاب يقول مستبقا: “خلقهما ذكرا وأنثى” فربما أيضاً لأن كل أعمال الله مقدمة بكونها متحدة ومنجمعة كالسماء والأرض والشمس والقمر، فقد أراد الكتاب من هنا إذاً أن يوضح أن الإنسان أيضاً هو عمل الله وأنه لم يخلق دون الاتفاق والارتباط اللازمين له.
كل ذلك لم يقم بشيء سوى الإجابة على مشكلة التفسير الحرفي.
15 ولكن دعونا نرى أيضا بالمعنى المجازي كيف خلق الإنسان ذكراً وأنثى على صورة الله. إنساننا الداخلي مكون من روح ونفس. لنقل أن الروح هي الذكر، ويمكن أن تعتبر النفس هي الأنثى. فإن تفاهما واتفقا فيما بينهما يثمران ويكثران باتحادهما فيلدان – كأبناء – الأعمال الصالحة والأفكار والتأملات المفيدة التي يمكن بها الأرض ويكونون أسيادها، أي أنهما إذ يتحكمان في ميول الجسد يحولانها إلى مقاصد أسمى ويكونون أسيادها بعدم تساهلهما مع أي تمرد للجسد ضد إرادة الروح. أما إن هبطت النفس المتحدة بالروح والمقترنة بها، إذا جاز التعبير، أحياناً إلى الشهوات المادية ومالت إلى متعة الجسد، فبدت أنها تطيع إنذارات الروح الخلاصية حيناً وتستسلم للرذائل الجسدية حيناً آخر، فإن هذه النفس الملوثة، كما من زنا جسدي، لا يمكنها أن تثمر ولا أن تتكاثر بشكل شرعي، بما أن كلمة الكتاب تعلن أن “أبناء الزنا لا يصلون إلى كمالهم[141]“، فمثل هذه النفس التي تهمل الارتباط بالروح وتستسلم بكاملها إلى ميول الجسد وإلى الشهوات الجسدية كما لو كانت قد ابتعدت عن الله بوقاحة، فتلك النفس ستسمع الصوت القائل لها: “اتخذت وجه امرأة زانية وبذلت نفسك دون حياء للجميع[142]” وستعاقب إذا كزانية ويأمر الرب بإعداد مذبحة أبنائها[143].
16 “وتسلطوا على سمك البحر وعلى طيور السماء وعلى الخيل والحمير وعلى كل الحيوانات التي على الأرض وعلى الزواحف التي تدب على الأرض[144].” لقد سبق وأن فسرنا ذلك بالمعنى الحرفي[145] حين تعرضنا لآية: “وقال الله: لنعمل الإنسان” والباقي تم تفسيره حين قال: “ليتسلطوا على سمك البحر وعلى طيور السماء. إلخ[146]“
أما بالمعنى المجازي، فما يبدو لي هو أن ما تشير إليه الأسماك والطيور والحيوانات والزواحف التي على الأرض هو ما قد سبق وقلناه أيضاً أعلاه، أي سواء ما ينتج عن تدابير النفس وفكر القلب أو ما يتولد من الشهوات المادية وحركات الجسد. وفي هذه جميعها يمارس القديسون الذين يحفظون بركة الرب تسلطهم من خلال قيادة الإنسان بالكامل طبقاً لإرادة الروح، أما الخطاة فهم على العكس تحت سيادة ما ينشأ عن نقائص الجسد وشهواته.
غذاء الإنسان
۱۷ “وقال الله ها قد أعطيتكم كل عشب يبذر بذراً على سطح الأرض كلها وكل شجر فيه ثمر ببذر يبذر، هذا يكون لكم طعاماً ولكل حيوانات الأرض وكل طير السماء وكل الدبابات التي تدب على الأرض والتي فيها نفس حية.[147]” وبالمعنى التاريخي، هذه العبارة تشير بوضوح إلى أن الله في البدء سمح باستخدام العشب كطعام، أي الخضراوات وثمار الأشجار ولكن فيما بعد، حين تم العهد مع نوح بعد الطوفان سمح الله للإنسان أن يتغذى على اللحوم. وسوف نفسر لاحقاً أسباب ذلك بشكل أفضل في موقعها. أما بالمعنى المجازي، فالعشب وثمار الأرض التي وهبت للإنسان كطعام يمكن أن تفسر على أنها الأهواء الجسدية. فالغضب والطمع هما إذا أفرع الجسد[148]، وثمر هذه الأفرع، أي العمل، بالنسبة لنا نحن الكائنات العاقلة كما بالنسبة لوحوش الأرض، هو مشترك، لأننا حين نحتد بحق، أي من أجل توبيخ شخص مذنب وإصلاحه من أجل خلاصه، فنحن هنا نتغذى من ثمرة الأرض هذه وغذاؤنا هو الإحتداد الجسدي الذي يردع الخطية ويستعيد العدالة.
وربما يبدو [لكم] أني قد استنتجت هذا من أعماقي أكثر مما استنتجته من سلطان الكتاب الإلهي، ولكن ارجعوا إلى سفر العدد وتذكروا ما عمله الكاهن فينحاس؛ إذ رأى امرأة زانية من مديان سلمت نفسها لفعل النجاسة مع رجل من بني إسرائيل أمام أعين الجميع، وإذ امتلأ من الغضب ومن الغيرة المقدسة، أمسك بسيف وطعن كل منهما به في صدريهما[149]. هذا التصرف حسب له براً من قبل الله، وفقا لكلمة الرب: “فينحاس هدأ غضبي وسوف يحسب له هذا براً[150]“. فهذا الطعام، أي الغضب الأرضي قد صار إذن غذاءنا حين نستخدمه بتعقل من أجل العدل. ولكن حين يوصل الغضب إلى أعمال مخالفة للصواب كمعاقبة الأبرياء، أو كالثورة في وجه من لم يفعلوا أي سوء، يكون هذا الطعام من أجل بهائم الحقل وثعابين الأرض وطيور السماء لأن الشياطين أيضاً تتغذى على نفس هذا الطعام، الذين يقتاتون أعمالنا السيئة ويفضلونها. وقايين مثال لنا على هذا النوع من الأعمال، هو الذي من غضبه وغيرته قتل أخاه البريء[151]. ويجب أن نقول ذلك عن الشهوة وعن كل الأهواء التي من هذا النوع. لأنه عندما تشتهي نفسنا وتنضني تائقة للإله الحي[152]“، فيكون الاشتهاء هو طعامنا. ولكن إذا نظرنا امرأة غريبة لنشتهيها[153] أو إذا اشتهينا أي شيء يملكه القريب[154] هنا تصبح الشهوة طعاما حيوانياً. ومن الممكن أن نعطي مثالا لذلك: شهوة آخاب وما فعلته إيزابل من أجل كرم نابوت اليزرعيلى[155].
ويجب بالتأكيد أن نلاحظ حذق الكتاب المقدس حتى في اختيار الكلمات، فبينما قال حين كان الأمر يتعلق بالبشر: “قال الله: ها قد أعطيتكم كل عشب يبزر بزراً على الأرض وكل شجر على الأرض: هذا يكون لإطعامكم[156]“، لم يقل ذلك حين كان الأمر يتعلق بالبهائم: “إني أعطيتها كل هذا طعاما لها” لكن: هذا يستخدم طعاما لها[157]“، وباتباع المعنى الروحي الذي عرضناه، يجب نفهم أن هذه الغرائز قد أعطاها الله للإنسان ومع ذلك فهو يعلن أنها تستخدم أيضا طعاماً لبهائم الأرض. هذا هو السبب إذن في أن الكتاب الإلهي قد استخدم أسلوباً حذراً للغاية: فيخبر بالنسبة للبشر أن الله قال: “أعطيتكم هذا طعاما[158]“، أما عندما يأتي إلى البهائم، يقول إن هذا يستخدم أيضاً طعاماً للبهائم والطيور والثعابين، ليعني أن هذا لا يأتي كأمر من قبل شخص، وإنما كنوع من الإعلان من قبل شخص.
أما نحن، فلنعكف وفقا لقول بولس الرسول “على القراءة[159]“، حتى نستطيع، حسب كلماته الخاصة، “أن نأخذ فكر المسيح[160]” ونعرف “ما أعطاه الله لنا[161]“، وما أعطاه طعاما لنا لا يجب أن نجعل منه طعاما للخنازير أو للكلاب[162]. لكن لنهيئ بداخلنا طعاما يجعلنا مستحقين لاستقبال كلمة وابن الله في قلوبنا، الذي يأتي مع أبيه والذي يريد أن يقيم فينا مسكنه[163] في الروح القدس[164] الذي يجب قبل كل شيء أن نكون له هيكلاً[165] بقداستنا. له المجد الدائم إلى دهر الدهور آمين[166].
[1] العناوين الجانبية من وضع مترجم النسخة الفرنسية.
In principio, Commentaire sur S. Jean, I, 90-124, SC 120, p. 106 – 125
ويتعلق الأمر هنا بالنسبة إلىأوريجانوس بحفظ دور الكلمة في الخلق كل شيء به كان”، وأيضا بتأكيد لا زمنية البدء بحيث يمكن أن يطابق عرض الكتاب المقدس لبداية الخليقة مع الوجود المسبق للعالم المعقول (المدرك بالعقل لا بالحواس). وسنلاحظ بعد قليل (في نهاية الفقرة 1) أنأوريجانوس يعبر بوضوح عن فكرة أن ’’يوم الخليقة الأول” لا يحسب في الزمن. فبالنسبة له، تكون مخلوقات اليوم الأول (“السماء” و”الأرض” كما يفهمهما) موضوعة إذا خارج الزمن، في الوجود المسبق. ارجع إلى:
In principio, Interpretations des premiers versets de la Genese, Paris, Etudes augustiniennes, 1973; chez Origene, p. 88-92, par P. Nautin.
[7] انظر: تك 1: ۲ (حسب نص الترجمة السبعينية للعهد القديم). ومن الجدير بالذكر أن النص
الذي يعتمد عليه العلامةأوريجانوس في عظاته على سفر التكوين وفي كل اقتباساته من العهد القديم هو نص الترجمة السبعينية. كما أنه في بعض الأحيان يعتمد على الذاكرة فلا
[10] يذكر النص كلمة “سوف” (erit) بدلا من كلمة “كان” (erat) وحيث وضعناأوريجانوس في مناخ خليقة ما قبل الزمن، تكون الهاوية التي يصفها أيضا من نفس الطبيعة هي موجودة قبل الزمن. لكن هل كان (erat) بالفعل إبليس وملائكته فيها (وهذا يطابق الفكر الأوريجيني)، أم يجب انتظار أن يكون الزمن قد أتم عمله الذي سوف. (erit) تحدث فيه المعركة ضد إبليس، وهذا ما تمكن روفينوس من تصوره من خلال سفر الرؤيا ( ۹: ۱۲ و ۲۰ : ۳). وفي مكان آخر في هذه العظات نجد أن الهاوية هي مسكن إبليس الدائم (راجع العظة 4: 4).
[47] إن الطريقة التي يشير بهاأوريجانوس هنا إلى المراتب الروحية هي غير دقيقة. فهو لا يعطي تصنيفات محددة وواضحة المعالم لتلك المراتب التي يقترحها من خلال الصور الكتابية. ويبدو أن حالة “الكرم” هنا متفوقة عن حالة “الأرض”، لكن لا توجد أية اشارة الطبيعة هذا التفوق. وفي مواضع آخرى، يميزأوريجانوس المراتب وفقا للفرق الذي يجده بين نوح وحيوانات الفلك (العظة ۲: ۳)؛ وبين إبراهيم ولوط (العظة 4: ۱)؛ وبين إسحق وإسماعيل (العظة ۷: ۲)؛ وبين رفقة وجمالها (العظة ۱۰: ۲)؛ وبين الأرض واليابسة (العظة ۱: ۲)؛ وبين الأرض والسماء (العظة ۱: ۲). ونعتقد أنه سيكون من غير المجدي أن نبحث هنا عن شيء أخر بخلاف مجرد تمييز الخبرة بين مسيحيين كاملين تقريباً.
[81] موضوع الاستشهاد الذي يظهر هنا ليس بلاغة محضة، ولكنه يجعلنا نفهم أن الاضطهاد في ذلك الزمان كان يمكن أن يبعث من حين لآخر. وبعد بضعة سنوات، ختم أوريجينيسن الدرس الرمزي الذي يستخلصه اليوم من عرضه، بآلامه الخاصة.
[84] انظر: مز ۱۰۳: ۲۹. هذا هو المزمور رقم ۱۰۳ بحسب نص السبعينية ويقابله مزمور رقم 104 في النص العبري الماسوري وهو النص الذي أخذت عنه الترجمة البيروتية.
[111] يرجعأوريجانوس من أجل شرح أكثر تفصيلا للإنسان المخلوق على صورة الله في تعليقات على سفر التكوين. لكن الجزء الأكبر من هذه التعليقات مفقود اليوم باستثناء ربما المقطع الطويل الذي على البردية التي تملكها جامعة جيسين (Giessen).
[127] تعادل “عاقلة” هنا تقريبا “روحية” أو حتى “إلهية”. ويقال “عاقل” عن كل من يتطابق مع مبادئ العقل المستنير بالروح القدس. “المعرفة العقلية” هي المعرفة التي تجعلنا نتشارك مع كلمة وحكمة الله (العظة ۳: ۲). “المخلوقات العقلية” هي المخلوقات التي تستمد حياتها من الثالوث (العظة ۲: 5). “الحس العقلي” هو الحس الذي يسمح لنا بأن نسود على شهوات الجسد وأن نقف بلا انقطاع أمام الله العظة 4: 14؛ العظة ۱۲: 5)، وألا ننظر إلى الوراء وأن نكون على الدوام متجهين صوب الخلاص (العظة 5: ۲)؛ وهو الذي يجعل الماء الحي الذي للحياة الأبدية ينبع فينا (العظة 12: 5)، وهو انعكاس صورة الله فينا (العظة ۱۳: 3). وعلى العكس فإن الذين لم يضئ عندهم الإيمان بعد هم كائنات محرومة من العقل (العظة ۲: ۳).
[164] هذه العبارة تذكر مصطلح “في الروح القدس” حينما تتكلم عن عمل الثالوث معنا. وسنجد في (العظة ۲: 5) عبارة “من الأب بالابن والروح القدس” وهي كلها تعتبر بدايات لما استقر في القرن الرابع: “من الأب بالابن في الروح القدس.
كان العام 1916 ولم يكن “ألبرت أينشتاين” Albert Einstein سعيداً بما قادته إليه حساباته. لأنه إن كانت نظريته في النسبية العامة General Relativity صحيحية، فهي تعني أن الكون ليس أزليًا بل له بداية. وكانت حسابات “أينشتاين” تكشف فعليًا بداية محددة للزمن كله، وللمادة كلها، وللفضاء كله. وهو ما ضرب بعرض الحائط اعتقاده في استاتيكية (أي ثبات) الكون وأزليته.
وقد وصف “أينشتاين” اكتشافه فيما بعد بالاكتشاف “المزعج”، لأنه أراد للكون أن يكون ذاتي الوجود – لا يعتمد على أي مسبب خارجي – ولكن ظهر أن الكون هو أثر عملاق. والحقيقة أن “أينشتاين” ضاق جدًا بتداعيات النسبية العامة، وهى نظرية ثبتت دقتها بدرجة لخمسة أرقام عشرية (واحد من مائة الف)، حتى إنه أدخل ثابتًا كونيًا (أطلق عليه البعض من ذلك الحين “مُعامِل التصحيح” “fudge factor”) في معادلاته ليبيَن أن الكون استاتيكيًا
وليتجنب فكرة البداية المحددة.
إلا أن معامل تصحيح “أينشتاين” لم يصحِّح طويلاً. ففي عام 1919 أجرى عالم الكون البريطاني “آرثر إدينتون” Arthur Eddington تجربة أثناء كسوف شمسي أكدت فعليًا صحة النسبية العامة، فالكون ليس استاتيكيًا بل له بداية. ولم يسعد “إدينتون” كما لم يسعد “أينشتاين” بالتداعيات. فقد كتب فيما بعد: “من الناحية الفلسفية، أرى أن وجود بداية لنظام الطبيعة الحالي فكرة مُنَفِّرة لي شخصيًا… أتمنى أن أعثر على ثغرة حقيقية”!
وفي سنة 1922 أثبت عالم الرياضيات الروسي “ألكسندر فريدمَن” Alexander Friedman رسميًا أن معامل تصحيح “أينشتاين” خاطىء وفقًا لقواعد علم الجبر. (الغريب أن “أينشتاين” بكل نبوغه، في محاولاته للهروب من البداية’ قَسَمَ على صفر، وهو ما يعرف حتى تلاميذ المدارس أنه لا يجوز مطلقًا!) وفي الوقت نفسه اكتشف عالِم الفَلَك الهولندي “فيلِم دي سيتَر” Willem de Sitter أن النسبية العامة تستلزم تمدد الكون. وسنة 1927 لاحظ عالم الفلك “إدوين هَبِل” Edwin Hubble (الذي سُمِّي التلسكوب الفلكي “هَبِل” باسمه) تمدُّد الكون فعليًا.
فعندما نظر “هَبِل” من التلسكوب البالغ قطره 254 سنتيمترًا الكائن في “مرصد ماونت ويلسون” Mount Wilson Observatory بولاية كاليفورنيا، اكتشف “انزياحًا نحو الأحمر” “red shifty” في الضوء في كل المجرات التي يمكن ملاحظتها، مما يعني أن تلك المجرات تتحرك بعيدًا عنا. أي أن النسبية العامة تأكَّدت مرة أخرى، ويبدو أن الكون يتمدد من نقطة معينة في الماضي السحيق.[1]
وسنة 1929 شدَّ “أينشتاين” الرِّحال إلى “ماونت ويلسون” لينظر في تلسكوب “هَبِل” بنفسه. وما رآه كان شيئًا لا يقبل الجدل. فالدليل المبني على الملاحظة بيَّن أن الكون يتمدَّد فعلاً كما تنبأَّتْ النسبية العامة.
والآن بعد أن انسحق ثابته الكون نهائيًا تحت وطأة الدليل المضاد، لم يتمكن “اينشتاين” منذ تلك اللحظة أن يدعم أمله في أزلية الكون. ومن ثم، وَصَفَ الثابت الكوني بأنه “أكبر خطأ محرج في حياتي”، وأعاد توجيه جهوده نحو العثور على سطح علبة لغز الحياة. وقال “أينشتاين” إني أريد “أن أعرف كيف خَلَقَ الله العالم. ولا تهمني هذه الظاهرة أو تلك، ولستُ مهتمًا بمدى هذا العنصر أو ذاك. ولكني أريد أن أعرف فِكرَه، أما الباقي تفاصيل”.
ورغم أن “أينشتاين” قال إنه يؤمن بوحدة الوجود (الله والكون واحد)، فتعليقاته التي يعترف فيها بالخلق والفكر الإلهي هي أقرب للإيمان بالإله الخالق الحافظ. ورغم ما تسببه نظريته في النسبية العامة من “إزعاج”، فهي تقف اليوم بوصفها من أقوى الأدلة على وجود إله خالق حافظ. والحقيقة أن النسبية العامة تؤيد واحدة من أقدم الحجج الرسمية على وجود الإله الخالق الحافظ، ألا وهي الحجة الكونية.
الحجة الكونية: بدايةُ نهايةِ الإلحاد
لا تخف من هذا الاسم الاصطلاحي: فكلمة “كوني” “cosmological” مشتقة من الكلمة اليونانية cosmos التي تعني “العالم” أو “الكون”. أي أن الحجة الكونية Argument Cosmological هي الحجة المبنية على بداية الكون. فإن كان للكون بداية، إذَن للكون مسبب. وفي القالب المنطقي تظهر الحجة هكذا:
كل ما لديه بداية له مسبِّب.
الكون له بداية.
إذَن الكون له مسبَّب.
وكما بينَّنا في الفصل السابق، لكي تكون الحجة صحيحة، لا بد أن تكون مقبولة منطقيًا، ولا بد أن تكون فرضياتها صحيحة. هذه الحجة مقبولة منطقيًا، ولكن هل المقدمات صحيحة؟ فلنلقِ نظرة على فرضياتها.
فرضية 1: كل ما له بداية له مسبَّب. هذا هو قانون السببية الذي يمثِّل المبدأ الأساسي للعلم. فلولا قانون السببية، لكان العلم مستحيلاً. وقد قال “فرانسيس بيكون” Francis Bacon (أبو العلم الحديث): ” المعرفة الحقيقية هي معرفة المسبِّبات. أي أن العلم هو بحث عن المسببات. وهذا ما يفعله العلماء؛ يحاولون أن يكتشفوا مسببات الأشياء.
وإن كنا قد لاحظنا أي شيء عن الكون، فما لاحظناه هو أن الأشياء لا تحدث بلا مسبب. فعندما يقود رَجُل سيارته في الطريق لا يمكن أن تظهر أمامه سيارة من مكان لا وجود له، بلا سائق، أو بلا مسبب. صحيح نحن نعلم أن الكثيرين من رجال الشرطة يسمعون ذلك، ولكنه ليس صحيحًا. فدائمًا ما يكون هناك سائق أو أي مسبب آخر وراء تلك السيارة التي ظهرت.
وحتى المتشكك العظيم “ديفيد هيوم” لم يقدر أن يذكر قانون السببية. وقد كتب: “لم أؤكد مطلقًا هذه الفرضية شديدة السخافة: أن شيئًا يمكن أن يحدث دون مسبب”.
والحقيقة أن إنكار قانون السببية يعني إنكار العقلانية، لأن عملية التفكير العقلاني نفسها تتطلب منا أن نجمع معًا الأفكار (المسببات) التي تؤدي إلى النتائج (الآثار). فإن قال لك أحد إنه لا يؤمن بقانون السببية، تسأله: “ما السبب الذي وصل بك إلى هذه النتيجة؟”
وبما أن قانون السببية ثابت ومؤكَّد ولا يمكن إنكاره، إذَن الفرضية رقم 1 صحيحة. ماذا عن الفرضية رقم 2؟ هل للكون بداية؟ إن لم يكن كذلك، إذَن لا حاجة لمسبِّب. ولكن إن كان كذلك، إذَن لا بد أن يكون للكون مسبب.
حتى زمن “أينشتاين” تقريبًا، كان الملحدون مستكينين للاعتقاد بأن الكون أزلي، ومن ثم لا يحتاج لمسبب. ولكن منذ ذلك الحين، اكتُشِفَت خمسة فروع من الأدلة العلمية تُثْبِت بما لا يقبل الشك المنطقي أن الكون له بداية بالفعل. وتلك البداية هي ما يُطلِق عليه العلماء حاليًا “الانفجار الكبير” “The Big Bang”. وأدلة الأنفجار الكبير يمكن تذكرها بسهولة بكلمة SURGE.[2]
في البدء كان الإنفجار الكبير
كل عدة سنوات أو نحو ذلك، تنشر كبرى المجلات الإخبارية، مثل مجلة “تايم” “Time” ومجلة “نيوزويك” “Newsweek” وغيرهما، موضوع غلاف عن أصل الكون ومصيره. ومن الأسئلة التي تبحثها هذه المقالات: “متى بدأ الكون؟” “ومتى سينتهي؟” ولكن فكرة أن الكون له بداية وأنه سيموت في النهاية لا تُطرح للمناقشة في هذه الموضوعات. لماذا؟ لأن العلماء اليوم يعلمون أنه لا بد من وجود بداية ونهاية للكون بناءً على واحد من أكثر القوانين الطبيعية المؤكَّدة ألا وهو القانون الثاني في الديناميكا الحرارية.
القانون الثاني في الديناميكا الحرارية (S)
القانون الثاني في الديناميكا الحرارية Second Law of Thermodynamics هو ما سنشير إليه بحرف S في كلمة SURGE. والديناميكا الحرارية هي العلم الذي يدرس المادة والطاقة، ومن الأشياء التي ينص عليها القانون الثاني أن الكون يفقد الطاقة القابلة للاستخدام. فكل لحظة يتناقص مقدار الطاقة القابلة للاستخدام في الكون، مما يؤدي بالعلماء إلى النتيجة الواضحة من أنه يومًا ما كل الطاقة ستنفذ والكون سيموت. فالكون مثل السيارة المنطلقة على الطريق، لا بد أن تفرغ من البنزين.
تقول: “وَلَوْ! كيف يُثْبِت ذلك بداية الكون؟” لتنظر إلى الأمر هكذا: القانون الأول في الديناميكا الحرارية يقول إن أجمالي كمية الطاقة في الكون ثابت.[3] أي أن الكون لا يملك إلا مقدارًا محددًا من الطاقة (مثل سيارتك التي لا تملك إلا مقدارًا محدودًا من الوقود). والآن، إن كانت سيارتك بها مقدار محدود من الوقود (القانون الأول)، وكلما تسير تستهلك الوقود باستمرار (القانون الثاني)، فهل يمكن لسيارتك أن تتحرك الآن لو كنت قد أدرتها منذ الأزل؟ لا، بالطبع لا.
كان وقودها سينتهي. وهكذا لو كان الكون يعمل منذ الأزل، لكان الآن قد فقد كل طاقته. ولكنه مازال يعمل. إذَن لا بد أنه بدأ في وقت ما في الماضي المحدود. أي أن الكون ليس أزليًا، ولكن له بداية.
يمكنك أيضًا أن تتخيل الكون مثل كشاف كهربائي. إن تركت الكشاف الكهربائي مضاء طوال الليل، فكيف ستكون قوة الضوء في الصباح؟ سيكون خافتًا لأن البطاريات استهلكت معظم طاقتها. إن الكون مثل كشاف كهربائي يخفت ضوءه. وهو لا يملك إلا قدرًا محدَّدًا من الطاقة المتبقية المتاحة للاستهلاك. ولكن بما أن بطارية الكون مازال فيها قدر من الطاقة (لم تَمُتْ تمامًا)، إذَن يستحيل أن يكون أزليًا. بل لابد أن له بداية لأنه لو كان أزليًا لكانت البطارية قد فرغت تمامًا من الطاقة.
ويُعرف القانون الثاني أيضًا باسم قانون الإنثروبي Law of Entropy وهو عبارة عن طريقة معقَّدة للتعبير عن ميل الطبيعة لإشاعة حالة من الفوضى. أي أن الأشياء تتهالك بمرور الزمن. فسيارتك تتهالك، وبيتك يتهالك، وجسمك يتهالك. (الحقيقة أن القانون الثاني هو السبب في أننا عندما نشيخ نمشي على ثلاثة بعد أن كنا نمشي على اثنتين!) ولكن إن كان النظام يقل في الكون، فمِن أين أتى النظام الأصلي؟ عالم الفلك “روبرت جاسترو” Robert Jastrow يُشَبِّه الكون بساعة تُدار يدويًا. إن كانت هذه الساعة تعمل، لا بد أن شخصًا أدارها.
وهذا الجانب أيضًا في القانون الثاني يعَرِّفنا أن الكون له بداية. فبما أنه ما زال شيء من النظام متبقيًا عندنا، تمامًا كما أنه عندنا قدر من الطاقة القابلة للاستخدام، إذَن لا يمكن أن يكون الكون أزليًا، لأنه إن كان كذلك لكُّنا الآن قد وصلنا إلى فوضى كاملة (إنتروبي).
منذ عدة سنوات، دعاني (“أنا نورم”) أحد الطلاب الذين يشاركون في خدمة مسيحية في إحدى جامعات رابطة أيفي ليج Ivy League لأتحدث هناك عن موضوع مشابه. وفي المحاضرة التي قدمتها للطلاب كان موضوعي الأساسي ما كتبناه هنا، ولكن بمزيد من التفاصيل الكثيرة. وبعد المحاضرة طلب مني الطالب الذي دعاني أن أتناول الغداء معه ومع الأستاذ الذي يُدَرِّسه الفيزياء.
وعندما جلسنا للأكل، أوضح الأستاذ أنه متشكك في حجتي التي مفادها أن القانون الثاني يستلزم بداية للكون. وقال إنه يؤمن بالفلسفة المادية التي تقول إنه لا يوجد إلا المادة، وإنها موجودة منذ الأزل.
فسألته: “إن كانت المادة أزلية، فماذا تفعل بالقانون الثاني؟”
أجاب: “لكل قاعدة استثناء. وهذا هو استثنائي”.
كان يمكنني أن أسأله إن كان هذا الافتراض علميًا. فهذا الكلام ليس علميًا، بل قد يكون متناقضًا ويفند نفسه. فهو يفند نفسه إن سالت: “هل القاعدة التي تقول “لكل قاعدة استثناء” لها استثناءات؟” إن كان لها إي استثناء، فقد يكون القانون الثاني استثناء من القانون الذي يقول إن كل قاعدة لها استثناءات.
ولكني لم أتخذ هذا النهج لأني لم أُرِدْ أن أحرجه. ولكني وضعت القانون الثاني جانبًا بشكل مؤقت وقررت أن أسأله عن المادية.
فسالته: “إن كانت كل الأشياء مادية، إذَن ما هي النظرية العلمية؟ فمهما كان، النظريات عن كل الأشياء المادية ليست مادية، فالنظرية لا تتكون من جزيئات”.
فكررت ما قال لأني لم أصدق أذني: “سحر؟ على أي أساس تقول ذلك؟”
فأجاب مسرعًا: “الإيمان”.
ففكرت في نفسي: “الإيمان بالسحر؟ لست أصدق أذني! إن كان الإيمان بالسحر أفضل ما يمكن لدعاة الفلسفة المادية تقديمه، إذَن لست أملك الإيمان الكافي لاعتناق المادية!”
وعندما استرجعتُ الموقف بدا لي أن هذا الأستاذ عاش لحظة وجيزة من الصدق التام؛ فقد عرف أنه لا يستطيع الرد على الأدلة الكاسحة التي تؤيد القانون الثاني. ولذلك، اعترف أن موقفه لا يقوم على أي دليل أو منطق سليم. وبذلك، قَدَّم مثالاً آخر على رفض الإرادة أن تُصَدِّق ما يقبله العقل باعتباره الحق، وهو أيضًا مثال يبيِّن أن موقف الملحد يقوم على إيمان مَحض.
لقد أصاب الأستاذ في شيء واحد، ألا وهو أن عنده إيمانًا. والحقيقة أنه كان يحتاجُ قفزة إيمانية حتى يتجاهل إراديًا أكثر القوانين المؤكَّدة في الطبيعة برمتها. وقد وصف “آرثر إدينتون” القانون الثاني منذ أكثر من ثمانين عامًا قائلاً:
القانون الذي يقول بزيادة الأنتروبي، وهو القانون الثاني في الديناميكا الحرارية، أظن أنه يحتل المكانة العليا بين قوانين الطبيعة. فإن أخبرك أحدهم أن نظريتك المفضلة عن الكون تتعارض مع معادلات “ماكسويل” Maxwell، يمكن ان تُنَّحي معادلات “ماكسويل” جانبًا.
وإن وُجدَت متعارضة مع الملاحظة، لا يهم، فالتجارب أحيانًا ما تفسد الأمور. ولكن أن وُجِدَت نظريتك متعارضة مع القانون الثاني في الديناميكا الحرارية فلا أستطيع أن أعطيك أي أمل، لأنه ليس أمامها إلا أن تهوي إلى أعماق الخزي.
وبما أني أدركت أن البرفسور لم يكن مهتمًا بقبول الحق، لم أسأله أي أسئلة أخرى محرجة. ولكن لأننا لم نتمكن من تجاهل تأثير القانون الثاني على أجسامنا، “طَلَب كلانا الحلوى بعد الغداء. ولم يُرِدْ أي منا أن ينكر أننا نحتاج أن نعوض الطاقة التي فقدناها لتونا!
تمدد الكون (U) The Universe Is Expanding
إن النظريات العلمية الجيدة هي التي تستطيع أن تتنبأ بالظواهر التي لم تخضع للملاحظة بعد. فكما رأينا النسبية العامة تنبأت بأن الكون يتمدد. ولكن العلماء لم يؤكدوا أن الكون يتمدد وأنه يتمدد من نقطة واحدة إلا بعد أكثر من عشر سنوات عندما نظر أسطورة علم الفلك “إدوين هَبِل” في تلسكوبه. (منذ عام 1913 كان عالم الفلك “فستو ملفين سليفَر” Festo Melvin Slipher على وشك أن يكتشف تمدد الكون، ولكن “هَبِل” هو من وَضَع أجزاء الصورة معًا حتى اكتملت في أواخر العشرينيات). وهذا الكون المتمدد هو الفرع الثاني من الأدلة العلمية على بداية الكون.
كيف يُثْبِت تمدُّد الكون أن له بداية؟ فكِّر فيها هكذا: تَخيَّل أننا نشاهد تسجيلاً بالفيديو لتاريخ الكون ولكن بالعكس، سنرى أن كل مادة الكون تنهار حتى تصل إلى نقطة، ليست في حجم كرة السلة، ولا في حجم كرة الجولف، ولا حتى في حجم رأس الدبوس، ولكنها رياضيًا ومنطقيًا نقطة عبارة عن لا شيء (لا مكان، ولا زمان، ولا مادة). أي أنه كان هناك عدم ثم، انفجار، صار هناك شيء، انفجر الكون كله إلى الوجود! وهو ما شاعت تسميته طبعًا باسم “الانفجار الكبير”.
ومهم أن نفهم أن الكون لا يتمدد في فضاء فارغ، ولكن الفضاء نفسه يتمدد، فلم يكن هناك فضاء قبل الانفجار الكبير. ومهم أيضًا أن نفهم أن الكون لم ينبثق من مادة موجودة، ولكن من لا شيء، فقبل الانفجار الكبير لم يكن هناك مادة. بل الحقيقة أنه من الناحية الزمنية لم يكن هناك “قبل” الانفجار الكبير لأنه بدون الزمن ليس هناك “قبل”، ولم يكن هناك زمن حتى حدوث الانفجار الكبير.[4]
وهذه الحقائق تسبِّب الكثير من الاضطراب للملحدين، كما حدث في ليلة مطيرة في ولاية جورجيا من شهر نيسان/أبريل سنة 1998. في تلك الليلة حضرتُ (أنا “فرانك”) مناظرة في مدينة “أتلانتا” حول سؤال: “هلِ الله موجود؟” وقد اتخذ “وليم لين كريج” William Lane Craig المؤقف المؤيّد، واتخذ “بيترآتكينز” Peter Atkins الموقف المعارض.
وكانت المناظرة حيوية جدًا، بل فكاهية أحيانًا، وهو ما كان يرجع جزئيًا لحَكَم المناظرة “وليم ف. بَكلي” الابن Jr. William F. Buckley (لم يُخفِ “بَكلي” انحيازه لموقف “كريج” المؤيِّد لله، فبعد أن قدَّم “كريج” ومؤهلاته المبهرة، بدأ تقديم “آتكينز” بتعبير فكاهي، فقال: “ومعنا الدكتور “بيتر آتكينز” في صف الشيطان!”).
وكانت الحجة الكونية واحدة من الحجج الخمس التي طرحها “كريج” لإثبات وجودِ الله مؤيَّدةً بدليل الانفجار الكبير الذي تناولناه هنا. وقد أشار إلى أن الكون: كل الزمان، وكل المادة، وكل المكان انفجر من لا شيء، وهي حقيقة اعترف بها “آتكينز” في كتابه وأكدها ثانية فيما بعد تلك المناظرة.
بما أن “كريج” تحدَّث أولاً فقد أخبر الحضور عن محاولة “آتكينز” أن يفسر الكون من منظور إلحادي قائلاً: “يبذل الدكتور “آتكينز” قصارى جهده في كتابه “مراجعة الخليقة” The Creation Revisited ليفسِّر كيفية ظهور الكون إلى الوجود، بلا مسبب ومن العدم. ولكنه في النهاية يجد نفسه وقد سقط في التناقض. فهو ]يكتب[: “والآن نعود بالزمن إلى ما قبل لحظة الخلق عندما لم يكن هناك زمان، وحيث لم يكن هناك مكان”. وفي هذا الزمان الذي قبل الزمان يتخيل ترابًا من النقاط الرياضية التي تتحرك في دوامات وتتصل مرارًا وتكرارًا وأخيرًا عن طريق المحاولة والخطأ تشكل كوننا بزمانه ومكانه.
ثم أشار “كريج” إلى أن موقف “آتكينز” ليس نظرية علمية ولكنه في الواقع ميتافيزيقا شعبية متناقضة. وهو ميتافيزيقا شعبية لأنها تفسير مُفَبرَك، فليس هناك دليل علمي على الإطلاق يؤيده. وهو متناقض لأنه يفترض الزمان والمكان قبل أن يكون هناك زمان ومكان.
وحيث أن “كريج” لم يحصل على فرصة ليتحاور مع “آتكينز” مباشرةً حول هذه النقطة وقفت أنا وكذلك “رافي زكراياس” في صف الأسئلة قرب نهاية المناظرة لنسأل “آتكينز” عن موقفه. ولكن للأسف الوقت انتهى قبل أن يتمكن أيٌّ منا من طرح سؤاله. لذلك ذهبنا إلى “آتكينز” على انفراد بعد المناظرة.
وبدأ “رافي” الحديث قائلاً: “دكتور “آتكينز”، إنك تعترف أن الكون انفجر من لا شيء، ولكن تفسيرك لبدايته يتلاعب بمعنى “اللاشيء”. وذلك لأن النقاط الرياضية التي تتحرك في دوامات ليست لا شيء. ولكنها شيء. كيف تبرر ذلك؟”
وبدلاً من أن يرد “آتكينز” على هذه القضية استسلم حرفيًا للقانون الثاني من الديناميكا الحرارية، وقال: “الحقيقة أنا متعَب جدًا ولا يمكنني أن أجيب عن المزيد من الأسئلة الآن”.
أي أن انخفاض طاقته أثبت أن القانون الثاني سارٍ. والحقيقة ان “آتكينز” لم يكن لديه فعليًا أي شيء يقوله.
وفقاً للأدلة الكونية الحديثة، لم يكن هناك فعليًا أي شيْ انبثق منه الكون. ولكن عندما حاول “آتكينز” أن يقدم تفسيرًا إلحاديًا لذلك لم يبدأ باللاشيء، بل بنقاط رياضية وزمان. وبالطبع لا يستطيع المرء على أي حال أن يتخيل كيف يمكن لمجرد نقاط رياضية وزمان أن يُسَبِّبا الكون. إلا أننا أردنا أن نؤكد أن الملحدين أمثال “آتكينز” عليهم أن يجدوا طريقة ليفسروا كيفية بدء الكون من لا شيء أصلاً.
ما هو اللاشيء؟ قدَّم أرسطو تعريفًا جيدًا حين قال: اللاشيء هو ما تحلم به الصخور! إن اللاشيء الذي نشأ منه الكون ليس “نقاطًا رياضية” كما يرجح “آتكينز”، ولا “طاقة إيجابية وسلبية” كما كتب ذات مرة إسحاق أزيموف” Isaac Asimov ، وهو أيضًا ملحد. اللاشيء هو حرفيًا لا شيء، إنه ما تحلم به الصخور.
وقد وصف الكاتب البريطاني “أنتوني كني” Anthony Kenny بأمانة المأزق الذي يجد نفسه فيه بصفته ملحدًا في ضوء الأدلة على الانفجار الكبير. فكتب: “وفقًا لنظرية الانفجار الكبير، كل مادة الكون ظهرت في الوجود في وقت معين في الماضي السحيق. ومؤيد هذه النظرية، على الأقل إن كان ملحدًا، لا بد أن يؤمن أن مادة الكون أتت من لا شيء وبواسطة لا شيء”.
الإشعاع المنبعث من الانفجار الكبير (R ) Radiation from the Big Bang
الفرع الثالث من الأدلة العلمية على أن للكون بداية اكتُشِفَ بالصدفة سنة 1965. وكان ذلك عندما التقط كلٌّ من “آرنو بنزياس” Arno Penzias وزميله “روبرت ويلسون” Robert Wilson إشعاعًا غريبًا على هوائي “مَعامل بل” Bell Labs” في “هولمدل” Holmdel بولاية نيو جيرسي. وحتى عندما أدارا الهوائي في كل الاتجاهات ظل هذا الإشعاع الغامض موجودًا. وفي البداية ظنًا أنه يمكن أن يكون نتيجة تراكم فضلات الحمام المعشش من شاطيء نيو جيرسي على الهوائي. فطلبا إبعاد الحمام وإزالة فضلاته. ولكنهما عندما دخلا ثانية وجدا أن الإشعاع ظل باقيًا، وظل يأتي من كل الاتجاهات.
وما رصده “بنزياس” وزميله “ويلسون” أصبح من أكثر الاكتشافات المدهشة في القرن الماضي، حتى إنه كان سببًا في فوزهما بجائزة نوبل. لقد اكتشف عالِما “مَعامل بل” الشعاع التابع لانفجار كرة النار الكبير!.
وهذا الشعاع التابع للانفجار الذي يُعرف اصطلاحًا باسم إشعاع الخلفية الكونية cosmic background radiation هو فعليًا عبارة عن ضوء وحرارة من الانفجار الأصلي. إلا أن هذا الضوء لم يعُد منظورًا لأن طوله الموجي تَمَدَّد بفعل التمدُّد الكوني حتى وصل إلى أطوال موجية أقصر قليلاً من الموجات الصادرة من فرن الميكروويف. ولكننا مازلنا قادرين على رصد الحرارة المنبعثة.
ومنذ سنة 1948 تنبأ ثلاثة علماء أن الانفجار الكبير، إن كان حقيقيًا، فلا بد أن يوجد إشعاع كهذا. ولكن لسببٍ ما، لم يحاول أحد ان يرصده قبل أن يتعثر فيه “بنزياس” وزميله “ويلسون” بالصدفة بعد ما يقرب من عشرين عامًا. وعندما تأكد الاكتشاف أسكت كل الاقتراحات التي تُلِحّ على أن يكون في حالة أزلية ثابتة. وهو ما عَبَّرَ عنه عالم الفلك اللاأدري “روبرت جاسترو” بهذه الكلمات:
لم يُكتَشَف لإشعاع كرة النار إلا الانفجار الكبير. والفيصل الذي أقنع تقريبًا آخر توما شكاك هو أن الإشعاع الذي اكتشفه “بنزياس” و”ويلسون” له نفس نمط الأطوال الموجية المتوقَّعة للضوء والحرارة الناتجين عن انفجار ضخم. وقد حاول مؤيدو نظرية الحالة الثابتة steady state theory محاولات مستميتة أن يجدوا تفسيرًا بديلاً. ولكنهم فشلوا. وفي الوقت الحالي، نظرية الانفجار الكبير تقف بلا منافس.
والواقع أن اكتشاف إشعاع كرة النار أحرق أي أمل في الحالة الثابتة. إلا أنه لم يكن آخِر الاكتشافات. وفيما يلي مزيد من أدلة الانفجار الكبير. والحقيقة أنه لو كان عِلم الكون مبارة كرة قدم أمريكية، لَطُلِب من المؤمنين بالانفجار الكبير أن “يقفزوا” فوق لاعبي الفريق المنافس مع ظهور هذا الاكتشاف التالي.
بذور المجرة العظيمة (G) Great Galaxy Seeds
بعد اكتشاف تمدُّد الكون الذي تنبأت به النظريات، والإشعاع التابع للانفجار الكبير، وَجَّهَ العلماء انتباههم لتنبوء آخر من شأنه تأكيد الانفجار الكبير. فإن كان الانفجار الكبير قد حدث بالفعل، رأى العلماء أنه لابد أن نرى تنوعات طفيفة (أو حركات موجية دائرية صغيرة) في درجة حرارة الإشعاع الخلفي الكوني الذي اكتشفه “بنزياس” و”ويلسون”. وهذه الحركات الموجية الدائرية من درجة الحرارة مَكَّنَت المادة من التجمع بفعل الجاذبية في هيئة مجرات. وإن وُجِدَت، ستُشَكِّل الفرع الرابع من الأدلة العلمية على بداية الكون.
وسنة 1989 تَكَثَّف البحث عن هذه الحركات الموجية عندما أطلقت ناسا القمر الصناعي الذي تعادل قيمته 200 مليون دولار، والذي اختير له اسم مناسب جدًا هو “مستكشف الخلفية الكونية” Cosmic Background Explorer واختصاره “كوب” COBE. وقد تَمَّكَن “كوب” بما حمله من أجهزة شديدة الحساسية أن يرى ما إذا كانت هذه الحركات الموجية الدائرية الصغيرة موجودة بالفعل في الإشعاع الخلفي ومدى دقتها.
وعندما أعلن عالم الفلك “جورج سموت” George Smoot، قائد المشروع، نتائجَ “كوب” سنة 1992 نشرت صحف العالم وصفَه الصادم. فقد قال: “إن كنتَ متدينًا، فالأمر يشبه النظر إلى الله”. ولم يكن “مايكل ترنر” Michael Turner عالم الفيزياء الفلكية بجامعة شيكاغو أقل حماسًا، إذ زعم قائلاً: “إن قيمة هذا ]الاكتشاف[ أعظم من أن توصف.
لقد وجدوا قدس أقداس الكونيات”. وقد اتفق معهما أيضًا “ستيفن هوكينج” عالم الفلك بجامعة كامبريدج، ووصف النتائج بأنها “أهم اكتشاف في القرن، إن لم يكن في التاريخ كله”. فما الذي اكتشفه “كوب” حتى يستحق كل هذه الأوصاف الرنانة؟
إن “كوب” لم يجد الحركات الموجية الدائرية فحسب، ولكن العلماء ذُهِلوا من دقتها. فالحركات الموجية تُبَيِّن أن انفجار الكون وتمدُّده ضُبِطَا بدقة تتيح إنتاج المادة بكمية تكفي لتَجَمُّعها معًا بما يسمح بتكوين المجرات، ولكنها لا تكفي لتجعل الكون ينهار مرة أخرى على نفسه. ولو حدث تغيير طفيف بأي شكل من الشكال لن يكون أيُّ منَّا حتى يخبر به. وفي الحقيقة الحركات الموجية الدائرية الصغيرة في منتهى الدقة (تصل دقتها إلى جزء من مائة ألف) حتى إن “سموت” أطلق عليها “آثار آلةِ خلق الكون”، ووَصَفَها أيضًا بأنها ” بصمات الخالق”.
ولكن هذه الحركات الموجية الدائرية لدرجة الحرارة ليست مجرد نقط على رسم بياني لأحد العلماء في مكانٍ ما. ولكن “كوب” التقط صورًا تحت الحمراء للحركات الموجية. تَذَكَّر أن ملاحظة الفضاء هي في الواقع ملاحظة للماضي، نظرًا لطول الزمن الذي يستغرقه الضوء القادم من أجسام بعيدة جدًا حتى يصل إلينا. لذا، صور “كوب” هي فعليًا صور من الماضي. أي أن الصور تحت الحمراء التي التقطها “كوب” تشير إلى وجود مادة من الكون الأولي تُشَكِّل في النهاية المجرات والعناقيد المجرِّية.
وقد أطلق “سموت” على هذه المادة “بذور” المجرات كما توجد اليوم (يمكن الاطلاع على هذه الصور على الموقع الإليكتروني للقمر “كوب”: http://imbda.gsfc.nasa.gov)). وهذه “البذور” هي أكبر بِنَى تم رصدها على الإطلاق، وأكبرها يمتد بعرض ثُلث الكون المعروف. وهو ما يعادل 10 مليار سنة ضوئية أو 95 مليار تريليون (95 يتبعها 21 صفر) كيلومتر.
والأن تستطيع أن تفهم سبب الأوصاف المهيبة التي أطلقها بعض العلماء على الاكتشاف. إنه شيء آخر تنبّأت به نظرية الانفجار الكبير، والآن تم اكتشافه، وكان ذلك الشيء عظيم الكِبرَ وشديد الدقة حتى إنه أحدث انفجارًا كبيرًا عند العلماء!
نظرية أينشتاين في النسبية العامة (E) Einstein’s Theory of General Relativity
حرف E في كلمة SURGE يشير إلى “أينشتاين” Einstein. وتمثِّل نظريته في النسبية العامة الفرع الخامس في الأدلة العلمية على بداية الكون، وكان اكتشافها بداية النهاية لفكرة أزلية الكون. والنظرية نفسها التي تم التحقُّق من دقتها للرقم العشري الخامس (أي بنسبة واحد من مائة ألف)، تستلزم بداية محددة للزمن، والمكان، والمادة. وهي تبين أن الزمان، والمكان، والمادة ملازِمة لبعضها البعض. أي أنها علاقة تكافيلية، لا يمكن أن يوجد عنصر واحد دون العنصرين الآخَرين.
ومن نظرية النسبية العامة، تنبأ العلماء بتمدد الكون، والشعاع المنبعث عقب الانفجار، وبذور المجرة العظيمة التي ضُبِطَت بدقة تسمح للكون أن يتخد شكله الحالي، ثم اكتشفوا كل هذه الحقائق. أضف هذه الاكتشافات إلى القانون الثاني في الديناميكا الحرارية. وبذلك تتكون لدينا خمسة فروع من الأدلة العلمية القوية على أن الكون له بداية. بداية، إن جاز لنا التعبير، أتت في انفجار كبير أشرنا إلى أدلته بلفظ SURGE.
الله وعلماء الفلك
إذَن الكون له بداية. ماذا يعني ذلك لمسألة وجوِد الله؟ العالِم الذي يشغل حاليًا كرسي “إدوين هَبِل” في “مرصد ماونت ويلسون” يخبرنا ببعض الأمور عن هذا الموضوع. واسمه “روبرت جاسترو”، وهو عالم فلك اقتبسنا من أقواله في هذا الفصل. وهو مدير “مرصد ماونت ويلسون”، ومؤسس “معهد جودار لدراسات الفضاء التابع لناسا” NASA’s Goddard Institute of Space Studies.
ومن الواضح أن مؤهلاته لا تشوبها شائبة. وهو ما جعل لكتابه “الله وعلماء الفلك” God and the Astronomers تأثيرًا كبيرًا على من يبحثون في تداعيات الانفجار الكبير، أي من يطرحون سؤال: “هل الانفجار الكبير يشير إلى الله؟”
ويكشف “جاسترو” في افتتاحية الفصل الول أنه لا يتبنى أي آراء دينية يود إقناع القارئ بها. فهو يقول: “عندما يكتب عالِم فَلَك عنِ الله، يفترض زملاؤه إما أنه شاخ وخَرِف، أو أنه أصيب بالجنون. ولكني أرجو أن يُفْهَم من البداية أني لاأدري في الأمور الدينية”.
في ضوء لاأدرية “جاستو”، تظهر أقواله التي تتعلق بالإيمان بالله الخالق أكثر إثارةً. فبعد أن شرح بعض أدلة الانفجار الكبير التي استعرضناها توًا، كتب: “يمكننا الآن أن نرى أن الأدلة الفلكية تؤدي إلى منظور كتابي[5] لأصل العالم. ورغم اختلاف تفاصيل الرواية الفلكية عن الرواية الكتابية الواردة في سفر التكوين؛ فالعناصر الأساسية في الروايتين واحدة: سلسلة الأحداث التي تؤدي إلى ظهور الإنسان بدأت بداية مفاجئة واضحة في لحظة محدَّدة في الزمن، في ومضة من الضوء والطاقة”.
والأدلة المذهلة على الانفجار الكبير وتوافقها مع الرواية الكتابية في سفر التكوين دفعا “جاسترو” أن يقول في حوار أُجري معه: “يرى علماء الفلك اليوم أنهم وضعوا أنفسهم في مزنق؛ لأنهم أثبتوا بطُرُقِهم العلمية أن العالم بدأ فجأة بفِعْلِ خَلْقٍ يمْكِنك أن تعزي له كل بذور كل نجم، وكل كوكب، وكل كائن حي في هذا الكون وعلى الأرض. وقد وجدوا أن كل هذا حدث نتاجًا لقوى لا يمكنهم حتى أن يحلموا باكتشافها…إني أعتقد أن وجود ما أُطْلِقُ عليه، أنا أو غيري، قوى فوق طبيعية عاملة أصبح الآن حقيقة ثابتة علميًا”.
وإذ يثير “جاسترو” فكرة فوق الطبيعي، يردد الخلاصة التي توصل إليها “آرثر إدينتون” الذي عاصر “أينشتاين”. فكما ذكرنا فيما سبق، أنه رغم أن “إدينتون” وجدها فكرة “منفِّرة”، فقد اعترف أن “البداية يبدو أنها تطرح صعوبات مستعصية إلا إذا اتفقنا أن ننظر إليها بصفتها فوق طبيعية على نحو صريح”.
ولكن لماذا يعترف “جاسترو” وكذلك “إدينتون” بوجود قوى “فوق طبيعية” عاملة؟ ما المانع أن يكون الكون نتاجَ قوى طبيعية؟ لأن هؤلاء العلماء يعلمون، مثلما يعلم أي شخص آخر، أن القوى الطبيعية، بل الطبيعة برمتها، خُلِقَت في الانفجار الكبير. أي أن الانفجار الكبير كان نقطة البداية للكون المادي كله. فالزمان والمكان والمادة أتت إلى الوجود عند تلك النقطة. وقبل الانفجار الكبير لم يكن هناك عالم طبيعي ولا قانون طبيعي.
وبما أن المسبِّب لا يمكن أن يَعْقُب الأثر، إذَن القوى الطبيعية لا يمكن أن تفسِّر الانفجار الكبير. ومن ثم لا بد من وجود شيء خارج الطبيعة يقوم بهذه الوظيفة. وهذا هو بالظبط ما يعنيه تعبير فوق طبيعي.
و”روبرت ويلسون” و”آرنو بنزياس”، مكتشِفا الشعاع التابع للانفجار، لم يكونا من معلمي الكتاب المقدس المتحمسين له. بل كان كلاهما في البداية يؤمن بنظرية الحالة الثابتة. ولكنهما نظرًا لتزايد الأدلة، غيَّرا موقفهما واعترفا بحقائق تتفق مع الكتاب المقدس. ويعترف “بنزياس” قائلاً: “لقد اتضح أن نظرية الحالة الثابتة في منتهى البشاعة حتى إن الناس لفظوها. وأسهل وسيلة لتوفيق الملاحظات على أقل عدد من المعايير تتمثل في تأكيد أن الكون خُلِقَ من لا شيء، في لحظة، وأنه مازال يتمدد”.
وقد قال “ويلسون” الذي درس على يد “فْرِد هويل” Fred Hoyle (الذي روَّج لنظرية الحالة الثابتة ونشرها على نطاق واسع سنة 1984): “لقد أُعجِبْتُ بنظرية الحالة الثابتة من الناحية الفلسفية. ولكن واضح أنه كان لا بد أن أتخلى عنها”. وعندما سأله الكاتب العلمي “فْرِد هيرِن” Fred Heeren عما إذا كانت أدلة الانفجار الكبير تشير إلى وجود خالق، أجاب “ويلسون” قائلاً: “مؤكد أن شيئًا ما أطلق هذه العملية برمتها.
ومؤكد، إن كنتَ متدينًا، أنه لا يمكنني أن أجد نظرية أفضل منها عن أصل الكون تتناسب مع سفر التكوين”. وقد أكد “جورج سموت” تقييم “ويلسون” حينما قال: “لا شك أن هناك تشابهًا بين الانفجار الكبير بصفته حدثًا والفكرة المسيحية المختصة بالخلق من عدم”.
ما قول الملحدين في ذلك؟ لقد رأينا ما في تفسيرات “آتكينز” و”إسحق أزيموف” من قصور، فهي تنطلق من شيء وليس من عدم فعلي. فهل هناك أي تفسيرات إلحادية أخرى مقبولة منطقيًا؟ لم نرَ للملحدين تفسيرات مقبولة حتى اللآن. فقد خرجوا بنظريات أخرى، ولكنها جميعًا مشوبة بأخطاء فادحة. فلنلق نظرة سريعة على القليل منها.
نظرية الارتداد الكوني The Cosmic Rebound Theory: ترجِّح هذه النظرية أن الكون كان يتمدَّد وينكمش منذ الأزل. وهو ما يساعد مؤيديها على الهروب من البداية المحدَّدة. ولكن هذه النظرية محاطة بمشكلات عديدة، مما أدى إلى رفضها.
وأول هذه المشكلات وأوضحها هو عدم توافر دليل على وجود عدد لانهائي من الانفجارات (فمهما كان النظرية ليست نظرية الانفجار، الانفجار، الانفجار، الانفجار…الكبير!) بل يظهر أن الكون انفجر مرة واحدة من العدم، وليس مرارًا من مادة موجودة.
ثانيًا، الكون لا يحوي مادة كافية لسحب كل الأشياء معًا مرة أخرى. فيبدو أن الكون محكوم بشكل يجعله يستمر في التمدد إلى ما لانهاية. وهو ما أكَّده سنة 2003 “تشارلز بِنِت” Charles Bennett أحد علماء “مركز جودارد لرحلات الفضاء التابع لناسا” NASA’s Goddard Space Flight Center. فبعد أن فحص قراءات من أحدث مسبار فضائي لوكالة ناسا قال: “الكون سيستمر في التمدد إلى الأبد. فهو لن يرتد على نفسه وينهار محدثًا دويًا عظيمًا” والحقيقة أن علماء الفلك يكتشفون حاليًا أن سرعة تمدّد الكون تتزايد بالفعل، مما يستبعد أيضًا احتمالية الانهيار.
ثالثًا، حتى وإن كانت هناك مادة كافية لجعل الكون ينكمش ثم “ينفجر” ثانيةً، فنظرية الارتداد الكوني تتناقض مع القانون الثاني في الديناميكا الحرارية لأن النظرية تفترض، خطأً، أنه لن يُفقَد أي قدر من الطاقة في كل انكماش وانفجار. إن الكون الذي “ينفجر” مرارًا كثيرة لا بد أن يضعف ويتلاشى كما تضعف الكرة الساقطة. فلو كان الكون يتمدد وينكمش منذ الأزل، لكان قد تلاشى.
وأخيرًا، كان من المستحيل أن نصل إلى يومنا هذا لو كان الكون يتمدد وينكمش منذ الأزل. فحدوث عدد لانهائي من الانفجارات الكبيرة هو استحالة حقيقية (وسوف نتناول ذلك بالتفصيل بعد بضع صفحات). وحتى لو كان هناك عدد نهائي من الانفجارات، فالنظرية لا تستطيع أن تشرح ما سَبَّبَ أول انفجار. فلم يكن هناك شيئ “ينفجر” قبل الانفجار الأول!
الزمن التخيلي Imaginary Time:
أما المحاولات الإلحادية الأخرى التي تحاول تفسير كيفية انفجار الكون إلى الوجود من عدم هي أيضًا محاولات معيبة. فمثلاً في محاولةً لتجنب بداية محددة للكون، طرح “ستيفن هوكينج” Stephen Hawking نظرية تستخدم “الزمن التخيلي”. ويمكننا نحن أيضًا أن نسميها “نظرية تخيلية” لأن “هوكينج” نفسه يعترف أن نظريته “مجرد مقترح ]ميتافيزيقي[” لا يستطيع أن يفسِّر ما حدث في الزمن الحقيقي.
فهو يعترف أنه “في الزمن الحقيقي الكون له بداية…والواقع أن “هوكينج” يرى أن “الجميع تقريبًا اليوم يؤمنون أن الكون والزمن نفسه بدآ في الانفجار الكبير”. ومن ثم، باعتراف “هوكينج” نفسه، نظريته التخيلية تتلاشى عندما تُطَبَّق على العالم الحقيقي. فالزمن التخيلي محض خيال.
انعدام اليقين Uncertainty:
نظرًا لقوة الأدلة على بداية الكون، فإن بعض الملحدين يشكَّكون في الفرضية المنطقية الأولى في الحجة الكونية، ألا وهي قانون السببية. إلا أن هذا التشكيك يمثّل خطورة كبيرة على الملحدين الذين عادة ما يفخرون بأنهم أبطال العقل والعلم. وكما اشرنا آنفًا، قانون السببية هو أساس العلم برمته. فالعلم هو بحث عن المسببات. فإن دَمَّرتَ قانون السببية، دَمَّرتَ العلم نفسه.
ولكن الملحدون يحاولون التشكيك في قانون السببية باللجوء إلى الفيزياء الكمية، وتحديدًا مبدأ عدم اليقين عند هايزنبرج Heisenberg’s Uncertainty Principle. ويصف هذا المبدأ عجزنا عن التنبوء في آن واحد بموقع وسرعة الجسميات الموجودة في الذرة subatomic particles (أي الإلكترونيات). والملحدون هنا مقتنعون بأنه: إن كانت السببية غير ضرورية في عالم الذرة الداخلي، إذَن ربما سببية الكون برمته غير ضرورية أيضًا.
ولكن من حسن حظ العلم ان هذه المحاولة الإلحادية للتشكيك في قانون السببية تبوء بالفشل. لماذا؟ لأنها تخلط بين السببية وإمكانية التنبوء. فمبدأ عدم اليقين عند هايزنبرج لا يُثبت أن حركة الإلكترونات بلا مسبب، ولكنه يصف فقط عجزنا عن التنبؤء بموقعها وسرعتها في وقت بعينه، فعدم قدرتنا على التنبوء بشيء لا يعني أن هذا الشيء بلا مسبب.
والحقيقة أن واضعي نظريات الكم يعترفون أنه قد لا نستطيع التنبوء بسرعة الإلكترونات وموقعها في آن، لأن محاولتنا لملاحظتها هي السبب في تحركاتها التي لا يمكن التنبوء بها! فكما يضع مربي النحل رأسه في خلية النحل، علينا أن نستثيرها حتى نلاحظها. ومن ثم قد تكون الحركة الحادثة هي عبارة عن عالِم يرى رموشه في الميكروسكوب.
وفي النهاية يتضح أنه ليست هناك نظرية إلحادية تُفَنِّد أيًا من فرضيات الحجة الكونية بكفاءة. فللكون بداية، ومن ثم يحتاج إلى مسبب.
ديانة العلم
فلماذا إذَن لا يقبل كل العلماء هذه النتيجة بدلاً من أن يحاولوا تجنب الحقائق ومضامينها بتفسيرات معيبة وغير مقبولة منطقيًا؟ وتعليقات “جاسترو” ثاقبة في هذا الصدد أيضًا (تَذكَّر أن “جاسترو” لاأدري). فهو يقول:
اللاهوتيون عمومًا سعداء بالبرهان على بداية الكون، ولكن الغريب أن الفلكيين متضايقون. وردود أفعالهم تُعَبِّر تعبيرًا مثيرًا عن استجابة العقل العلمي، الذي يُفتَرَض أنه عقل موضوعي جدًا، عندما تؤدّي الأدلة التي كشفها العلم نفسه إلى صدام مع بنود الإيمان في مهنتنا. وينتهي المطاف بالعالِم إلى أن يتصرف كما نفعل جميعًا عندما تصطدم معتقداتنا بالأدلة. فإما أننا ننزعج، أو نتظاهر بعدم وجود صدام، أو نخفيه بعبارات لا معنى لها.
والعبارات التي رأينا “آتكينز” و”أزيموف” يستخدمانها لتفسير بداية الكون مثل “النقاط الرياضية”، و”الطاقة الأيجابية والسلبية” على الترتيب تبدو لنا بالتأكيد بلا معنى. وهي في الواقع لا تفسِّر شيئًا.
أما بخصوص مشاعر “أينشتاين” “المزعجة” تجاه النسبية العامة وتمدد الكون، يقول “جاسترو”: “إنها لغة عاطفية غريبة لا تناسب مناقشة الصيغ الرياضية. ولكني أظن أن فكرة البداية الزمنية ضايقت “أينشتاين” لما لها من مضامين لاهوتية”.
إن الجميع يعلمون أن المؤمنين بالله الخالق لديهم معتقدات لاهوتية. ولكن الحقيقة المهملة غالبًا هي أن العلماء الملحدين والمؤمنين بوحدة الوجود لديهم أيضًا معتقدات لاهوتية. وكما أشرنا آنفًا، يُطْلِق “جاسترو” على بعض هذه المعتقدات “بنود الإيمان في مهنتنا” وهو يؤكد أن بعض هذه المعتقدات تشكل “الديانة العلمية”. فهو يكتب قائلاً:
هناك نوع من الديانة العلمية…كل أثر لا بد أن يكون له مسبب، فليس هناك مسبب أولي…ولكن هذا الإيمان الديني عند العالِم يتأذى باكتشاف أن العالَم له بداية شروطها تُبطل قوانين الفيزياء المعروفة، وأنه نتاجُ قوى أو ظروف لا يمكننا اكتشافها. وعندما يحدثُ ذلك يفقد العالم السيطرة. ولو فَحَصَ مضامين هذه الاكتشافات فحصًا حقيقيًا، لأُصيب بصدمة. وكالعادة عندما يواجه العقل صدمة يكون رد فعله أنه يتجاهل مضامينها، وهو ما يُعرف في العلم باسم “رفض توقع النتائج المتضمنّة”، أو التهوين من أصل العالَم بتسميته الانفجار الكبير، وكأن الكون لعبة نارية.
وسواء كان العلماء مصدومين أم لا، عليهم أن يدركوا ما تنطوي عليه أدلة الانفجار الكبير من مضامين. فقد لا تعجبهم الأدلة أو مضامينها، إلا أن هذا لا يغير الحقائق. وحيث إن الأدلة تبين أن الزمان والمكان والمادة خُلِقَت في الانفجار الكبير، فالخلاصة العلمية الأكثر احتمالاً هي أن الكون سُبِّبَ بفعل شيء خارج الزمان والمكان والمادة (أي مسبب أزلي). وعندما يقصر العلماء عن مواجهة تلك الخلاصة بإخفائها “بعبارات لا معنى لها” أو “برفض توقع النتائج المتضمنة”، يبدو أنهم ببساطة يرفضون قبول الحقائق والخلاصات الأكثر منطقية المترتبة عليها. وهو رفض إرادي، لا عقلي. فالأدلة موضوعية، ولكن العلماء الذين لا يصدقونها غير موضوعيين.
ماذا لو كانت نظرية الانفجار الكبير خاطئة؟
لقد استعرضنا حتى الآن أدلة علمية متينة ( (SURGEعلى حقيقة بداية الكون. ولكن هَبْ أن العلماء استيقظوا ذات يوم واكتشفوا أن كل حساباتهم خاطئة، وأنه لم يكن هناك انفجار كبير. ولكننا إن أخذنا في الاعتبار الأدلة العديدة المتنوعة وقدرة النظرية على التنبوء تنبؤات صحيحة بكمً كبير من الظواهر القابلة للملاحظة، يصبح رفض نظرية الانفجار الكبير أمرًا مستبعدًا تمامًا.
وهو ما يعترف به حتى الملحدين أنفسهم. فمثلاً “فيكتور ستنجر” Victor Stenger، وهو فيزيائي كان يُدَرِّس في “جامعة هاواي” University of Hawaii كتب أن “الكون انفجر من العدم”. واعترف “ستنجر” مؤخَّرًا أن الانفجار الكبير يبدو دائمًا أكثر احتمالاً. وقد قال: “علينا أن نترك المجال مفتوحًا لاحتمالية خطأ ]الانفجار الكبير[، لكننا…كل سنة نكتشف أن البيانات الفلكية المتراكمة تزداد توافقًا على الأقل مع الصورة العامة للانفجار الكبير”.
والواقع أنه في سنة 2003 ظهرت المزيد من الأدلة على صحة الانفجار الكبير. فالقمر الصناعي المسمى “مسبار ويلكينسون لقياس اختلاف الراديوية” (WMAP Wilkinson Microwave Anisotropy Probe) التابع لناسا أكد اكتشافات سابقة “كوب” وأنتج صورًا أوضح خمسًا وثلاثين مرة من صور “كوب” للحركات الموجية الدائرية لإشعاع الخلفية الكونية.
والحقيقة أن ملاحظات الفضاء تؤيِّد، يومًا بعد يوم، المنظور الإيماني حتى إن “جورج ويل” George Will يعلق عليها قائلاً: “الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية”Union American Civil Liberties ، أو “أناس من أجل النهج الأمريكي” people for the American Way، أو غيرهما من الفصائل العلمانية المُحِبَّة للتقاضي سترفع دعاوي قضائية قريبًا على ناسا متهمة إياها بأن تلسكوب هَبِل الفضائي ينحاز لذوي الميول الدينية بما يخالف الدستور”.
ومع ذلك دعونا نلعب دور محامي الشيطان للحظات. فلنفترض أنه في نقطة ما في المستقبل اعتُبِرَت نظرية الانفجار الكبير خاطئة. فهل هذا سيعني أن الكون أزلي؟ لا، لعدة أسباب.
أولاً، القانون الثاني في الديناميكا الحرارية (المشار إليه بحرف S في كلمة SURGE) يؤيّد الانفجار الكبير ولكنه لا يعتمد عليه. فحقيقة أن الكون يستنفذ الطاقة القابلة للاستخدام ويتجه نحو حالة من الفوضى هي حقيقة لا جدال عليها. وهو ما عبَّر عنه “إدينتون” قائلاً إن القانون الثاني “يحتل المكانة العليا بين قوانين الطبيعة”. فهو قانون صحيح حتى إن لم يكن الانفجار الكبير صحيحًا.
ثانيًا، ينطبق هذا الكلام نفسه على نظرية “أينشتاين” في النسبية العامة (المشار إليها بحرف E في كلمة SURGE). فهذه النظرية، التي تم التحقق منها جيدًا بالملاحظة، تستلزم وجود بداية للمكان، والمادة، والزمان سواء أكان كل هذا قد بدأ بانفجار أم لا.
ثالثًا، هناك أيضًا أدلة علمية جيولوجية تؤكّد أن للكون بداية. وكما دَرَسَ الكثير منا في مادة الكيمياء في المدرسة الثانوية، العناصر المشعة تضمحل بمرور الوقت متحولة إلى عناصر أخرى. فمثلاً اليورانيوم المشع يتحول في النهاية إلى رصاص. وهو ما يعني أنه لو كانت كل ذرات اليورانيوم أزلية، لكانت قد تحولت جميعها إلى رصاص، ولكن ذلك لم يحدث. إذَن لا يمكن أن تكون الأرض أزلية.
أخيرًا، هناك فرع فلسفي من الأدلة على بداية الكون. وهذا الفرع من الدلة منطقي جدًا، على نحو لا يمَكِّننا من التملص منه، حتى إن البعض يعتبرونه أقوى الحجج جميعًا. ويطلق عليه الحجة الكونية من علم الكلام Kalam Cosmological Argument، وهي تقول:
العدد اللانهائي من الأيام لا نهاية له.
ولكن اليومَ هو اليومُ النهائي في التاريخ (التاريخ باعتباره مجموعة من كل الأيام).
إذَن لم يكن هناك عدد لانهائي من الأيام قبل اليوم (أي أن الزمان له بداية).
ولفهم هذه الحجة، انظر الخط الزمني أدناه، وهو مقسَّم إلى أجزاء تمثل أيامًا (شكل 3-1). وكلما تتحرك يسارًا، تتجه تاريخيًا إلى الماضي. والآن تخيَّل لِلَحظة أن هذا الخط يمتد يسارًا إلى ما لانهاية، بحيث لا ترى إن كانت له بداية أصلاً. ولكنك عندما تنظر إلى اليمين ترى نهاية الخط لأن آخر جزء في الخط يمثل اليوم. والغَدّ لم يأتِ بعد، ولكنه عندما يأتي سنضيف جزءًا آخر (أي يومًا) على الطرف الأيمن من الخط.
الإنفجار الكبير – الزمن والبيج بانج
ولنشرح الآن كيف يُثْبت ذلك أن الزمان له بداية: بما أنه من المؤكَّد أن الخط ينتهي على اليمين، فلا يمكن أن يكون الخط الزمني لانهائيًا لأن اللانهائي ليس له نهاية. علاوة على ذلك، لا يمكنك أن تضيف أي شيء إلى اللانهائي، ولكننا غدًا سنضيف يومًا آخر إلى خطنا الزمني. إذَن لا نستطيع أن ننكر أن خطنا الزمني محدود.
ولننظر إلى هذه الحجة من زاوية مختلفة. لو كان هناك عدد لانهائي من الأيام قبل اليوم، إذَن اليوم لن يأتي أبدًا. ولكنه أتى! إذَن لا بد أنه لم يكن هناك إلا عدد نهائي من الأيام قبل اليوم. أي أننا حتى وإن كنا لا نستطيع أن نرى بداية الخط عندما ننظر يسارًا فنحن نعلم أنه لابد أن يكون قد بدأ عند نقطةٍ ما، لأنه لا بد أن تنقضي مدة نهائية من الزمن حتى يأتي هذا اليوم الحاضر. فلا يمكن لعدد لانهائي من الأيام أن ينقضي. إذَن لا بد أن الزمان له بداية.
وقد يقول البعض إن الأعداد اللانهائية موجودة، فما المانع أن يكون هناك عدد لانهائي من الأيام؟ لأن هناك فرقًا بين سلسلة لانهائية مجردّة وسلسلة محسوسة. فالأولى نظريةٌ بحتة، والثانية فعلية. فمن الناحية الرياضية يمكننا أن ندرك عددًا لانهائيًا من الأيام، ولكن من الناحية الفعلية يستحيل أن نَعُدّ أو نعيش عددًا لانهائيًا من الأيام. يمكنك أن تدرك عددًا لانهائيًا من النقاط الرياضية بين طرفي رف من رفوف المكتبة، ولكنك لا تستطيع أن تضع بينهما عددًا لانهائيًا من الكتب.
وهذا هو الفرق بين المجرد والمحسوس. فالأرقام مجردة. أما الأيام محسوسة. (وبالمناسبة ينسحب هذا الكلام على إجابتنا المذكورة آنفًا عن سبب استحالة وجود عدد لانهائي من الانفجارات في تاريخ الكون. فمن المستحيل وجود عدد لانهائي من الأحداث الفعلية).
إن ما نقصده هنا هو ان الكون، سواء أكان الانفجار الكبير صحيحًا أم لا، له بداية. أي أن الحجة الكونية صحيحة لأن فرضيتييّ الحجة كلتيهما صحيحتان: كل ما يأتي للوجود له مسبِّبن والكون اتى للوجود. بما أن الكون له بداية،لا بد ان له بادئ.
مَنْ صَنَعَ الله؟
في ضوء كل الأدلة على وجود بداية للكون المحدود بالزمكان Space-time universe، لا بد أن يكون البادئ خارجَ كونِ الزمكان. وعندما نقترح أن الله هو البادئ، ينبري الملحدون يسألون السؤال القديم قِدَم التاريخ: “إذَن مَنْ صَنَعَ الله؟ إن كان كل شيء يحتاج لمسبب، فالله أيضًا يحتاج لمسبب!”
كما رأينا قانون السببية هو أساس العلم. فالعلم بحث عن المسببات، وذلك البحث يقوم على ملاحظتنا التي تبين دائمًا أن كل ما له بداية له مسبب. والحقيقة أن سؤال “مَنْ صَنَعَ الله؟” يشير إلى احترامنا لقانون السببية. فإنه من المُسَلَّم به أن كل شيء تقريبًا يحتاج لمسبب.
فلماذا إذَن لا يحتاجُ الله لمسبب؟ لأن قناعات الملحد تسيء فهم قانون السببية. فقانون السببية لا يقول إن كل شيء يحتاج لمسبب. ولكنه يقول إن كل شيء يأتي إلى الوجود يحتاج لمسبب. والله لم يأتِ إلى الوجود. فالله لم يصنعه أحد. إنه غير مصنوع. والله بصفته كائنًا أزليًا لا بداية له، إذَن فهو لا يحتاج لمسبّب.
إلا أن الملحد سيَحتَجّ قائلً: “ولكن مهلاً، إن كان عندك إله أزاي، إذَن يمكن أن يكون عندي كون أزلي! وإن كان الكون أزليًا، إذَن لا يكون له مسبب”. نعم، من الممكن منطقيًا أن يكون الكون أزليًا ومن ثم لا يكون له مسبب. والواقع أن هذا الاحتمال هو واحد من اثنين: إما أن الكون أزلي، أو شيء خارج الكون هو الأزلي. (بما أنه لا شك أن شيئًا ما يوجد اليوم، إذَن لا بد أن شيئًا آخر وُجِدَ أزلاً. وليس أمامنا إلا خياران: الكون، أو شيء سبَّبَ الكون).
ولكن المشكلة التي تواجه الملحد هي أنه رغم أنه ممكن من الناحية المنطقية أن يكون الكون أزليًا، يبدو أنه ليس ممكنًا من الناحية الواقعية. وذلك لأن كل الأدلة العلمية والفلسفية) (SURGE، واضمحلال النشاط الإشعاعي، والحجة الكونية من علم الكلام) تخبرنا أن الكون يستحيل أن يكون أزليًاز وعليه، باستبعاد أحد الخيارين، ليس أمامنا إلا الخيار الآخر: شيء خارج الكون هو الأزلي.
وعندما تنتبه للأمر جديًا، لا تجد إلا احتمالين لأي شيء موجود: إما أنه (1) موجود أزلاً ومن ثم لا مسبب له، أو (2) له بداية وقد سبَّبَه شيء آخر (لا يمكن أن يكون سبَّبَ نفسه، لأنه في هذه الحالة لا بد أن يكون موجودًا من الأصل حتى يسبّب أي شيء). ووفقًا للأدلة الهائلة، الكون له بداية، إذَن لا بد أن شيئًا آخر سبَّبَه، شيء خارجه. لاحظ أن هذا الاستنتاج يتوافق مع الأديان التي تؤمن بالله الخالق، ولكنه لا يقوم على تلك الأديان، بل يقوم على منطق سليم ودليل صلب.
فما صفات هذا المسبب الأولي؟ قد يظن المرء أنه لا بد أن يعتمد على الكتاب المقدس أو غيره مما يطلق عليه وحي ديني للإجابة عن ذلك السؤال، ولكننا لا نحتاج هنا أيضًا لأي نص مقدس حتى نستنتج صفات ذلك المسبب الأولي. فقد أصاب “أينشتاين” حين قال: “العلم بلا دين أعرج، والدين بلا علم أعمى”. العلم يؤكد الدين ويُطَعِّمه بالمعارف، وهو ما تفعله الحجة الكونية مثلاً. اي أنه يمكننا أن نكتشف بعض سمات المسبب الأولي من الأدلة التي تناولناها في هذا الفصل فحسب. ومن تلك الأدلة فقط نعرف أن المسبب الأولي لا بد أن يكون:
ذاتي الوجود، سرمدي غير محدود بزمان، غير محدود بمكان، غير مادي (بما أن المسبب الأولي خلق الزمان، والمكان، والمادة، إذَن لا بد أن يكون المسبب الأولي خارج الزمان، والمكان، والمادة). أي أنه غير محدود أو لانهائي.
قويًا بشكل يفوق الخيال، مادام قادرًا على خلق الكون برمته من العدم.
ذكيًا ذكاءً فائقًا، مادام قادرًا على تصميم الكون بهذه الدقة المذهلة (سنرى المزيد في هذا الموضوع في الفصل القادم).
شخص، مادام قادرًا أن يختار أن يُحَوِّل حالة العدم إلى كون من الزمان والمكان والمادة (القوة اللاشخصية لا تقدر على الاختيار).
سمات المسبب الأولي هذه هي بالضبط السمات التي ينسبها المؤمنون بالله الخالق إلى الله. ونكرِّر إن هذه السمات لا تقوم على ديانة شخصٍ ما أو على خبرة ذاتية. ولكنها مأخوذة من الأدلة العلمية التي استعرضناها توًا، وهي تساعدنا على رؤية جزء جوهري من سطح علبة هذا اللغز الذي نسميه الحياة.
الخلاصة: إن لم يكنِ الله موجودًا، فلماذا يوجد شيء بدلاً من العدم؟
منذ سنوات ناظرتُ (“أنا نورم”) أحد الملحدين في “جامعة ميامي” University of Miami حول سؤال “هلِ الله موجود؟” وبعد أن قَدَّمتُ الكثير من الأدلة التي استعرضناها في هذا الفصل، أتيحت لي الفرصة أن اسأل خصمي بعض السئلة. وأليك ما سألت:
” سيدي، عندي لك بعض الأسئلة: أولاً “إن لم يكنِ الله موجودًا، لماذا أصلاً يوجد شيء بدلاً من العدم؟” ثم سألته بضعة أسئلة أخرى معتقدًا أنه سيجيب عنها بالترتيب.
عادة عندما تناظر شخصًا تحاول أن تقنع الجمهور. ولكنك لا تتوقع أن تجعل خصمك يعترف بأنه مخطئ. فقد استثمر الكثير والكثير في الموقف الذي يتبناه، ومعظم المناظرين لا تسمح لهم كبرياؤهم أن يعترفوا بالخطأ. ولكن هذا الرجل كان مختلفًا. فقد فاجأني بالقول: “السؤال الأول سؤال وجيه. إنه حقًا سؤال وجيه”. ودون أن يضيف أي تعليق آخر انتقل إلى إجابة سؤالي الثاني.
فبعد أن سمع هذا المُناظر الأدلة على وجودِ الله بدأ يشك في معتقداته. بل إنه حضر اجتماع متابعة عقب المناظرة وعبَّر عن أنه يشك في الإلحاد. لقد بدأ إيمانه بالإلحاد يهتز بالفعل.
“أن لم يكنِ الله موجودًا، فلماذا اصلاً يوجد شيء بدلاً من العدم؟” سؤال علينا جميعًا أن نجيبه. وفي ضوء الأدلة ليس أمامنا إلا خياران: إما أنه لا أحدَ خلق شيئًا من العدم، أو أن شخصًا ما خلق شيئًا من العدم. أيّ المنظورين أكثر منطقية؟ العدم خلق شيئًا؟ لا. حتى “جولي أندروز” Julie Andrews عرفت الإجابة عندما غنَّت قائلة: ” لا شيء يأتي من العدم. لا شيء أبدًا أتى من العدم!” وإن كنت لا تستطيع أن تصدق أن العدم سبَّبَ شيئًا، إذَن أنت لا تملك الإيمان الكافي للإلحاد!
إن المنظور الأكثر منطقية هو الله. وهو مارجحه “روبرت جاسترو” عندما ختم كتابه “الله وعلماء الفلك” بهذه الكلمات الكلاسيكية: “بالنسبة للعالِم الذي عاش على إيمانه بقوة العقل، تنتهي القصة كحُلْم مزعج. لقد تسلق جبال الجهل، وكان على وشك أن يغزو أعلى قممها، وبينما يجذب جسمه على آخر صخرة، يصادف مجموعة من اللاهوتيين يحيّونه وقد جلسوا هناك منذ قرون”.
[1] كل المجرات تتجه بعيداً عنا‘ ولكن هذا لا يعني أننا في مركز الكون. ولكي ترسم صورة في ذهنك لهذه الفكرة، تَخَيل بالونة عليها نقط سوداء. وعندما تنفخ البلونة، تنفصل كل النقط عن بعضها البعض سواء أكانت قريبة من المركز ام لا. والنقط التي على جانبي البلونة (الأبعد عن بعضها البعض) تنفصل أسرع من النقط المتجاورة. والحقيقة أن “هَبِل” اكتشف علاقة طردية بين المسافة والسرعة، أظهرت أن مجرة تبعد عنا ضعف المسافة التي تبعدها مجرة أخرى، تسير عنا بمقدار ضعف السرعة. وهو ما عُرِف باسم “قانون هَبِل”.
تعني زيادة مفاجئة، أو ارتفاع مفاجئ، أو تدفق قوي مفاجئ. (المترجمة)surge الطريف أن كلمة [2]
[3] ربما أنك سمعت القانون الأول في الديناميكا الحرارية مصاغًا على هذا النحو: “الطاقة لا تُخلق ولا تُدَمَّر” أو الطاقة لا تفنى ولا تَّستحدث من عدم”. هذه عبارة فلسفية، وليست ملاحظة تجريبية. فكيف لنا أن نعرف أن الطاقة لم تُخلَق لم تستحدث من عدم)؟
لم يكم هناك ملاحظون ليتحققوا من هذا الأفتراض. ولكن التعريف الأدق للقانون الأول بقدر ما تتيحه الملاحظة هو أن “إجمالي كمية الطاقة في الكون (اي الطاقة القابلة للاستخدام وغير القابلة للاستخدام) تظل ثابتة”. لذلك بينما تُستهلك الطاقة القابلة للاستخدام، تتحول إلى طاقة غير قابلة للاستخدام، ولكن مجموع الاثنتين يبقى كما هو. كل ما يتغير هو نسبة الطاقة القابلة للاستخدام إلى الطاقة غير القابلة للاستخدام.
[4] كلمات مثل “يسبق” و”قبل” عادة ما تنطوي على زمن. ولكننا لا نقصدها بذلك المعنى، لأنه لم يكن هناك زمن “قبل” الانفجار الكبير. لأنه يستحيل أن يكون هناك زمن قبل بدء الزمن. فما الذي يمكن أن يوجد إذَن قبل الزمن؟ الإجابة بمنتهى البساطة هي: الأزلي! أي المسبب الأزلي الذي أوجد الزمان، والمكان، والمادة.
[5] كلمة “كتابّي” في الفهم المسيحي تعني: وفقًا للكتاب المقدس. (المترجمة)
[6]الإشارة إلى الجزء الخامس من فيلم “حرب النجوم” Star Wars ، وعنوانه بالإنجليزية The Empire Strikes Back. (المترجمة)
الآن – الزمن فى كتاب العهد الجديد – د. موريس تاوضروس
الآن – الزمن فى كتاب العهد الجديد – د. موريس تاوضروس
الآن – الزمن فى كتاب العهد الجديد – د. موريس تاوضروس
نناقش مفهوم ” الزمن ” فى كتاب العهد الجديد، من خلال الكلمات التى تعبر عنه، ونبدأ بمناقشة مفهوم ” الآن “.
ويعبر عن مفهوم ” الآن ” بالكلمات (nun) و(nuni) و(arti).
أما بالنسبة للعلاقة بين هذه الكلمات فنلاحظ الآتى:
1 ـ الظرف ” nuni ” هو ضيغة تأكيد من الظرف ” nun ” ولكنه أقل استعملاً فى العهد الجديد، وشاع استعماله فى الترجمة السبعينية لبعض كتابات العهد القديم مثل ” أيوب “، “المكابيين “. وفى العهد الجديد يكثر استعماله فى رسائل بولس الرسول (دون الرسائل الرعوية). أما الظرف ” nun ” فيتفاوت استعماله بين كتب العهد الجديد، فقد ورد فى رسائل بولس الرسول 52 مرة، وفى إنجيل القديس لوقا 39 مرة، وفى إنجيل القديس يوحنا 28 مرة.
وفى لغة العهد الجديد اليونانية فإن الظرف ” arti ” فى استعمالاته الزمنية، يرادف الظرف ” nuni ” ولكنه أقل شيوعًا على وجه الإطلاق لا فى الإنجيل للقديس مرقس ولا فى الإنجيل للقديس لوقا ولا فى سفر الأعمال، ولا فى الرسائل الرعوية ولا فى الرسالة إلى العبرانيين.
2 ـ على الرغم من أن ” nun ” تستعمل على نحو تام كظرف، إلاّ أنها فى العهد الجديد تستعمل أحيانًا كاسم وكصفة. وينطبق هذا الأمر أيضًا بصورة جزئية على الظرفين ” nuni وarti “.
+ تستعمل ” nun ” و” arti ” كاسم إذا جاء بعد حروف المعنى، مثل ” ap arti ” من الآن (مت39:23)، ” acri tou nun ” إلى الآن (رو22:8).
+ تستعمل “nun ” كاسم، عندما تكون مسبوقة بأداة التعريف وحرف معنى، مثل: “apo tou nun ” منذ الآن (لو48:1).
+ كذلك تستعمل ” nun ” عندما تكون مسبوقة باداة تعريف فقط (بدون حرف معنى) مثل “ta nun” الان (أع30:17).
+ arti , nuni , nun يمكن أن تستعمل كصفات عندما تجيئ بين أداة التعريف والاسم مثل “o nun aiwn ” فى الدهر الحاضر (1تى17:6).
3 ـ الاستعمال غير الزمنى للظرف ” nun “:
+ كأداة ربط kai nun والآن (أع22:20).
+ عندما تستعمل لتعارض شيئًا حقيقيًا مع افتراض أو فكرة غير حقيقية مثل ” nun de ” ولكنكم الآن (يو40:8) وأنظر يو41:9، 22:15 ولو42:19 ويو36:18.
المفهوم الزمنى لكلمة ” nun “
لكى تظهر أهمية معالجتنا لمفهوم ” الآن ” فى العهد الجديد، يجدر بنا فى البداية أن نشير إلى الفرق فى مفهوم ” الآن ” بين كتاب العهد الجديد وبين الفلسفة اليونانية.
لقد تناولت الفلسفة اليونانية الحديث عن مشكلة ” الزمن ” حتى استنفدتها وعلى الأخص، فإن أرسطو، والرواقيون والشكاك الذين تأثروا بآرائه، قد تناولوا مفهوم “الآن” وعلاقته بالزمن بوجه عام، ولكنهم ساهموا قليلاً للتمهيد لهذا المفهوم على النحو الذى استعمل فيه فى العهد الجديد، ذلك لأن كل تفكيرهم قد انصب فى دراسات صورية نظرية. لقد عالج أرسطو مشكلة ” الآن ” فى كتاب “الطبيعة ” وعلى الأخص الكتاب الرابع، مبينًا أن ” الآن ” ليس جزءاً من الزمن. وبينما يهتم العهد الجديد بمفهوم ” الآن ” ويعالج ” الآن ” باعتباره يعنى ” الزمن الحاضر “، فإن أرسطو، والرواقيين قللوا من شأن ” الآن “. ويقول أرسطو: [ وأما ” الآن ” فليس بجزء] (1).
ويشرح الدكتور عبد الرحمن بدوى فكرة أرسطو عن الزمان فيقول: الزمان قد يبدو لنا حينما ننظر إليه أول الأمر أنه ليس له وجود، فالماضى قد فات، والمستقبل آت، والحاضر لا يمكنه تثبيته. واللحظة نفسها ـ أو الآن ـ طرف موهوم بين ماضٍ ذهب، ومستقبل لم يوجد بعد. كما أن الزمان لا يمكن تثبيته، لأنه يفقد حينئذ طابعه الجوهرى، وهو كونه مكونًا من أوجه متتالية، يتلو الواحد الآخر. فمن هذا يبدو لأول وهلة أن الزمان غير موجود …. ويقول أرسطو إنه لا وجود للزمان إلاّ إذا وجدت النفس (لأن الزمان وهو مقدار الحركة لا يوجد ـ حال كونه معدودًا ـ إلا إذا وجد العاد (النفس)، فبدون وجود النفس إذن لا يوجد الزمان (2).
وهكذا فيما يعلق Kittle على نظرية أرسطو، بالمقارنة بتعليم العهد الجديد، فيقول: [ إن الحاضر، كفترة طويلة من الزمن، لا يجد له مجالاً فى فكر أرسطو ] (3).
فلنحاول الآن، أن نناقش مفهوم ” الآن ” فى العهد الجديد، لنتبين ما أضفاه العهد الجديد من أهمية على هذا المفهوم، لم يحظ بها الفكر البشرى السابق.
” الآن ” كحد للزمن:
من الطبيعى أن يعبر مفهوم ” الآن ” عن ” الحد “. إنه الحد بين الماضى والمستقبل، وهو “حد ” لا يمكن أن نمسكه أو نفصله، لأنه على الدوام يوجد فى حالة تلاشٍ واختفاء. وعلى ذلك “فالآن ” هو الحد الفاصل كنهاية وبداية لفترات زمنية معينة.
بالنسبة ” للنهاية “، فإن مفهوم ” الآن ” يَردُ غالبًا فى العهد الجديد ليعبر عن “الحد المؤقت” للعالم ” لأنه حينئذٍ يكون ضيق عظيم لم يكن مثله منذ ابتداء العالم إلى الآن ولن يكون ” (مت2:24)، ” فإننا نعلم إن كل الخليقة تئن وتتمخض معًا إلى الآن ” (رو22:8)، وعن الحياة الفردية (تك34:46، حز14:4) وعن النعمة المؤقتة (عدد17:14ـ19) وعن زمن غلاظة الشعب الإسرائيلى (أنظر 2كو14:3) ـ وأنظر أيضًا فى1:5، 1كو11:4،13. وفى هذا المعنى استعملت أيضًا arti (إلى الآن لم تطلبوا شيئًا باسمى) يو24:16، على أن arti فقدت هذا المعنى فى يو17:5 (فأجابهم يسوع أبى يعمل حتى الآن وأنا أعمل) ذلك لأنه ليس هناك زمن محدد لأعمال الله.
وبالنسبة للبداية، فإن خاصية ” الآن ” كحد تكون أكثر قوة وبشكل أساسى عندما تشير إلى بداية الفترات الزمنية. وفى الكتاب المقدس، تكون هذه الفترات عادة فترات إلهية محددة، سواء بالنسبة لعصر الخلاص للعالم، أو العصر الجديد، كما فى ميخا7:4 ” وأجعل الظالعة (العرجاء) بقية، والمقصاة أمة قوية، ويملك الرب عليهم فى جبل صهيون من الآن إلى الأبد “، إش21:59، أو زمن الخلاص بالنسبة للأمميين، والذى يعنى أيضًا رفض اليهود أع6:18 ” من الآن أذهب إلى الأمم “، أو زمن البركة الشخصية، كما هو الحال مع القديسة مريم لو48:1 “فهوذا منذ الآن جميع الأجيال تطوبنى “. وبطرق متعددة، فإن نهاية حياة يسوع على الأرض هى نقطة بداية، أى بداية الزمن بين المجيئين، وهو زمن الانفصال والضيق بالنسبة للعالم والتلاميذ (لو18:22، مت39:23)، زمن الويلات المرتبطة بعصر المسيا (لو52:12)، والذى هو فى نفس الوقت بالنسبة للمسيح هو زمن ربوبيته وسيادته (لو69:22) ” منذ الآن يكون ابن الإنسان جالسًا عن يمين قوة الله “، ومن أجل ذلك فإن ” الآن ” هو فى نفس الوقت نقطة التنكر للمسيح وكذلك هو نقطة بداية تمجيده.
” الآن ” كفترة من زمن:
بالنسبة لاستعمال كلمة ” nun ” فى العهد الجديد، فإن مفهوم ” الحد المؤقت ” يمكن أن يمتد ليصير مفهومًا ” لمدة زمنية “. فالنقطة تصير خطًا. إن الظرف ” nun ” يمكن أن يشير ليس فقط إلى نقطة فاصلة (قاطعة جازمة) للزمن، ولكن أيضًا إلى الحاضر، المماثل فى امتداده للأبدية، كما يبدو هذا فى صور التعبيرات التالية:
فى20:1 ” كما فى كل حين كذلك الآن يتعظم المسيح فى جسدى “.
2بط18:3 ” له المجد الآن وإلى يوم الدهر ” = قبل كل الدهور والآن وإلى كل الدهور، ذلك لأنه بالنسبة لله فإن ” الآن ” له معنى الأبدية (السرمدية)، سواء بالنسبة لما هو قبل ” من الأزل أقمت، من الأول قبل أن كانت الأرض ” (أم23:8)، ” بل نتكلم بحكمة الله فى سر، الحكمة المكتومة التى سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا ” (1كو7:2)، أو لما هو بعد “أجاب دانيال ليكن اسم الله مباركًا من الأزل وإلى الأبد” (دا 20:2)، ” ويعطيه الرب الإله كرسى داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية ” (لو33:1)، ” عبدوا المخلوق دون الخالق الذى هو مبارك إلى الأبد أمين ” (رو25:1).
” الآن ” مع الإشارة إلى الماضى والمستقبل:
فى ضوء الاستعمال السابق ” للآن ” لتشير إلى الامتداد إلى فترة طويلة الزمن، يمكننا أن نلاحظ بسهولة، لماذا يستعمل العهد الجديد ” الآن ” ليشير إلى أحداث ماضية وأحداث مستقبله:
+ استعملت ” nun ” و” arti ” على الأخص مع الزمن الماضى البسيط للإشارة إلى أحداث وقعت فى الماضى:
” arti “: ” إن ابنتى الآن ماتت ” (مت18:9)، ” الآن صار خلاص إلهنا وقدرته وملكه وسلطان مسيحه لأنه قد طرح المشتكى على إخوتنا ” (رؤ10:12).
” nun “: ” قال لهم يسوع قدموا من البسمك الذى أمسكتم الآن ” (مت10:21). وفى معظم الحالات، فإن ” nun ” لا تشير إلى مجرد حدث قد تم وكمل مرة واحدة فى الماضى، بل إلى عمل أو إلى حالة بدأت به، مثل ” فإنه كما كنتم أنتم مرة لا تطيعون الله، ولكن الآن رحمتم بعصيان هؤلاء ” (رو30:11)، ” فقاال له اليهود الآن علمنا أن بك شيطانًا. قد مات إبراهيم والأنبياء، وأنت تقول إن كان أحدٌ يحفظ كلامى فلن يذوق الموت إلىالأبد ” (يو52:8)، ” أى الأنبياء لم يضهده آباؤكم وقد قتلوا الذين سبقوا فأنبأوا بمجيئ البار الذى أنتم الآن صرتم مسلميه وقاتليه ” (أع52:7).
كذلك تستعمل ” nun ” بسبب ارتباطها الوثيق بالحاضر، لتشير إلى المستقبل القريب ” الآن دينونة هذا العالم، الآن يُطرح رئيس هذا العالم خارجًا ” (يو31:12)، ” هكذا هؤلاء أيضًا الآن لم يطيعوا لكى يرحموا هم أيضًا برحمتكم ” (رو31:11). (وبالنسبة لـ” arti ” أنظر مت53:26).
يقول أحد الباحثين فى إظهار فضل المسيحية فى النظر إلى الزمن على هذا النحو الذى يرتبط فيه الماضى بالحاضر والمستقبل أى بالتاريخ:
بتلك الروح المنطلقة إلى المستقبل القريب والمستقبل البعيد والتى تلوح دائمًا بالماضى المنكود أثرت المسيحية فى تصورات الفلاسفة المحدثين للزمان بل كان لها أثرها فى خلق روح الحضارة الغربية. ويقول إميل برييه عن أثر المسيحية فى الفكر الغربى: إن فكرة العلاقة بين الإنسان والتاريخ لم تتطرق إلى التفكير الغربى إلا بعد مجئ المسيحية: ذلك أن التفكير اليونانى كان يجهل الإنسان من الوجهة التاريخية: فالفكرة الإغريقية المألوفة عن الزمن هى ” أنه زمن دائرى يتجدد على الدوام، وفى هذه الحالة لا ينطوى الزمن على قبل أو بعد. ولذا لم يكن الإنسان ليكترث بتاريخ لا يؤثر فى مصيره أوفى تأثير.
أما الرضى بالمصير الذى أوحى به الفلاسفة الرواقيون فإنه يصير جنبًا إلى جنب مع إنكار الطابع التاريخى للإنسان. وبظهور المسيحية تبدل الأمر كله إذ تطرقت إلى الأذهان فكرة التاريخ الذى يتألف من لحظات ويعبر عن تقدم حقيقى، والذى ينطوى على ماضى بدأ من خلق آدم حتى هبوطه إلى الأرض ومن الهبوط إلى فداء المسيح، ومن مستقبل يبدأ من فداء المسيح حتى نهاية التاريخ. وهكذا أصبح للزمان دلاله فى نهاية الأمر بفضل التاريخ الدينى الذى يعتمد على التاريخ الزمنى. أضف إلى هذا أنه قد أصبح لهذا التاريخ دلاله فى نظر المؤمنين لأن التاريخ العام ينعكس فى ذاتية كل واحد منهم ماداموا يرون أن الخطيئة قد أرجعت إلى الماضى على نحو ما بفضل أملهم فى العفو الإلهى. فالتاريخ الخارجى الموضوعى والتاريخ الداخلى الذاتى يتضمن كل منهما الآخر ويكمله. وبذلك وبفضل هذه الروح الجديدة أصبح الزمان بآناته الثلاثة متصلاً مستمرًا ركناه الأساسيان هما الماضى والمستقبل، وما الحاضر غير معبر تجتازه الذات المدركة لماضيها المقبلة على مستقبلها(4).
” الآن ” = اللحظة الإلهية:
تعنى ” nun ” (وكذلك arti) فى المعنى الصارم للكلمة، فقط، لحظة زمنية ” ثم أصعده أبليس إلى جبل عالى وأراه جميع ممالك المسكونه فى لحظة من الزمان ” (لو5:4).
ولكن حيث إن هذه اللحظات تعبر عن وقت معين أو زمن معين، فإن كل لحظة من هذه اللحظات لها معنى. ومن بين سلسلة اللحظات غير المتناهية، فإن بعض هذه اللحظات تظهر متميزة لأن فيها على الأخص، تبرز ملامح الأبدية بالتزاماتها وهباتها. وكما أن التدبير الإلهى يختار بعض الناس وبعض الأمم، كذلك فإنه يختار بعض اللحظات لأجل تحقيق أغراضه. فى
العهد القديم مثلاً، من بين هذه اللحظات الإلهية ما يشار إليه فى يشوع 13:5ـ15 حيث يتدخل الله فى التاريخ لصالح شعبه ” وحدث لما كان يشوع عند أريحا أنه رفع عينيه ونظر وإذا برجل واقف قبالته وسيفه مسلول بيده، فسار يشوع إليه وقال له هل لنا أنت أو لأعداءنا، فقال كلا بل أنا رئيس جند الرب. الآن أتيت.. “. وكرازة بولس الرسول للأمم ” وإذ كانوا يقاومون ويجدفون نفض ثيابه وقال لهم دمكم على رؤوسكم. أنا برئ من الآن أذهب إلى الأمم ” (أع6:18). أو بداية فترة ما بعد الرسل فى (أع20:32) ” والآن استودعكم يا إخوتى لله ولكلمة نعمته ” أو تشير إلى لحظات حاسمة فى حياة السيد المسيح على الأرض ” الآن نفسى قد اضطربت ” (يو27:12)، ” فلما خرج قال يسوع الآن تمجد ابن الإنسان وتمجد الله فيه ” (يو31:13)، ” وأما الآن فأنا ماضٍ إلى الذى أرسلنى ” (يو5:16)، ” وأما الآن فإنى آتى إليك” (يو13:17) (وأنظر لو52:12، 18:22، مت39:23، لو69:22 وفى التجلى يو27:12 وما بعده).
” الآن ” كفتره إلهية مرسومة:
1 ـ تاريخ المسيح ” كحاضر “:
هناك شئ خاص لهذه اللحظة بالنسبة لجميع اللحظات الأخرى، كلحظة تتضمن كل تاريخ المسيح. إن التأكيد المميز للإنجيل ينبر على حقيقة أن الله قد أحدث مرة بالكامل، تحولاً جديدًا لتاريخ الجنس البشرى. على أن هذه اللحظة الجديدة التى حدثت فى الماضى، ليست هى مجرد حدث قد مضى وانتهى، ولكنها لحظة تحتفظ بقوة حاضرة وبكل ملء ” الآن ” وهذا ما يعبر عنه فى الآيات التالية
رو9:5 ” فبالأولى كثيرًا ونحن متبررون الآن بدمه نخلص به من الغضب “.
كو22:1 ” قد صالحكم الآن فى جسم بشريته بالموت ليحضركم قديسين “.
2تى10:1 ” وإنما أظهرت (النعمة) الآن بظهور مخلصنا يسوع المسيح الذى أبطل الموت وأنار الحياة والخلود بواسطة الإنجيل “.
عب26:9 ” ولكنه الآن قد أظهر مرة عند انقضاء الدهور ليبطل الخطية بذبيحة نفسه “. وشبيه بهذه اللحظة من التحول العالمى، تلك اللحظة التى تتصل بحياة الأفراد، حيث يتم فيها اتخاذ قرار إما للإيمان بالمسيح أو رفضه ” فإنه كما كنتم أنتم مرة لا تطيعون الله ولكن الآن رحمتم بعصيان هؤلاء.. ” (رو30:11)، ” لأنكم كنتم كخراف ضالة لكنكم رجعتم الآن إلى راعى نفوسكم وأسقفها ” (1بط25:2)، ” هكذا هؤلاء أيضًا الآن لم يطيعوا لكى يُرحموا هم أيضًا برحمتكم ” (رو31:11).
هناك سمتان هامتان لمفهوم ” الآن ” فى العهد الجديد:
+ أن التاريخ يُختبر ويُعاش كحاضر.
+ أن ” الآن ” فى العهد الجديد، غالبًا ما يشير إلى فترة لها معنى أبدى، فما يميز ” الآن ” فى العهد الجديد أن فيه يُختبر أيضًا المستقبل ” كحاضر” وهذا يقودنا إلى النقطة التالية.
2 ـ مفهوم ” الآن ” بين حدثين:
جاء فى الرسالة الثانية للرسول بطرس ” وأما السموات والأرض الكائنة الآن فهى مخزونة بتلك الكلمة عنها محفوظة للنار إلى يوم الدينونة وهلاك الناس الفُجار ” (2بط7:3). هذه الآية تكشف عن استعمال الآن (nun) لتشير إلى فترة فاصلة بين فترتين. بين زمن كارثة الطوفان وبين دمار العالم فيما بعد بالنار. وهذا الاستعمال الذى يختص به العهد الجديد يمكن أن يُعبر عنه بصورة مكانية، فهو يُشبه بسلسلة من الجبال تقع بين دولتين، وعلى ذلك فهى تتبع كليهما وتنظر إلى كليهما. ويعنى هذا حرفيًا ” فترة انتقالية ” بين فترتين، أى بين حدثين، الأول يختص ببداية فترة جديدة والحدث الثانى يختص بنهاية فترة قديمة. وعلى ذلك، فهذا الاستعمال المميز ” للآن ” يتبع كلا الدهرين.
وبالنسبة لهؤلاء الذين يعيشون فى هذه الفترة الانتقالية، فإن الحاض، هو من ناحية “ما يزال” (أى مازال فى الزمن القديم) ومن ناحية أخرى فهو “الآن المتحقق” فى الزمن الجديد. وكل من هذين الطرفين يعتبر متناقضًا مع الطرف الآخر (إن القديم يتناقض مع الجديد).
ويظهر هذا الاستعمال بوضوح فى عبارة للقديس بولس يستعملها دائمًا وهو يشير إلى الزمن الانتقالى بين حدثين، وهى عبارة ” فى الزمن الحاضر ” (فكذلك فى الزمن الحاضر أيضًا قد حصلت بقية حسب اختيار النعمة) (رو5:11). هذا هو بالنسبة لإسرائيل زمن بقية النعمة بين فترة وضعهم كشعب الله وإعادة قبولهم فى النهاية (رو5:11). وبالنسبة للمسيحيين، فهو وقت المعاناة بين الفرح بمجئ المسيح وظهوره الثانى (رو18:8).
وكذلك فإن عبارة ” o kairoV outoV ” ” هذا الزمان” التى وردت فى الأناجيل تشير إلى هذه الفترة الانتقالية بين فترتين. إنها الفترة المسيانية التى ضل اليهود عن إدراكها (لو56:12)، وذلك لأن هذه الفترة لا تعرف إلا لمن كشف المسيح له عنها بالإيمان، ذلك لأن هذه الفترة هى جزء من السر المسيانى. وبالنسبة للمسيحيين، فإن هذا الزمان (مر30:10) هو فترة معاناة، ولكن من ناحية أخرى هو فترة ثواب ومكافأة (لو29:18،30).
إن ” الوقت الحاضر ” الذى تشير إليه الرسالة إلى العبرانيين فى (9:9)، هو أيضًا زمن المسيح بين مجيئه الأول ومجيئه الثانى (عب28:9). وهنا أيضًا فإن التشديد يقع على التناقض مع الماضى الذى هو زمن الرمز والظلال، وبين الحاضر الذى هو زمن الحقيقة (عب8:9ـ14).
رسائل القديس كيرلس الأسكندرى
(أربعة أجزاء)
صدرت الترجمة العربية لهذه الرسائل فى أربعة أجزاء بين سنة 1988م (تاريخ صدور الجزء الأول) وسنة 1997م (تاريخ صدور الجزء الرابع).
الجزء الأول:
صدر بعنوان ” رسائل القديس كيرلس إلى نسطور ويوحنا الأنطاكى ” ويحوى هذا الجزء ثلاث رسائل هى: رسائل أرقام 4، 17، 39. والقصد من نشر هذه الرسائل الثلاث معًا فى كتاب واحد هو أنها رسائل أخذت صفة مسكونية، ذلك أنها تحوى التعليم العقائدى عن المسيح، فالرسالتان 4، 17 أرسلهما القديس كيرلس إلى نسطور قبل انعقاد مجمع أفسس المسكونى سنة 431م. وعندما انعقد المجمع المذكور اعتمد الرسالة (4). كما أن مجمع خلقيدونيا سنة 451م ومجمع القسطنطينية الثانى اعتمدا كلاهما الرسالة نفسها. أما الرسالة (17) وهى تحوى فى نهايتها الحروم المعروفة باسم ” الحروم الأثنى عشر “. وقد أُضيفت هذه الرسالة أيضًا إلى أعمال مجمع أفسس.
والرسالة الثالثة فى هذا الجزء، وهى رقم 39، أرسلها البابا كيرلس إلى البطريرك يوحنا الأنطاكى سنة 433م بعد استعادة السلام والوحدة مع كنيسة أنطاكية. وتحوى هذه الرسالة وثيقة الاتحاد التى أرسلها مجمع أساقفة أنطاكية إلى البابا كيرلس. وقد وافق البابا كيرلس على هذه الوثيقة كما يظهر فى هذه الرسالة. وبسبب الأهمية المسكونية لهذه الرسائل الثلاث، فإنها لا تزال تشكل أساسًا لمحاولة تحقيق الوحدة الكاملة بين الكنائس الأرثوذكسية بعائلتيها الخلقيدونية وغير الخلقيدونية.
صدر هذا الجزء فى يوليو 1988م، وعدد صفحاته 50 صفحة من القطع المتوسط. وتمت الترجمة عن مجموعة الآباء باليونانية مجلد 77 ـ مينى Migne , P.G. 77. قام بالترجمة دكتور موريس تاوضروس ودكتور نصحى عبد الشهيد، ونشره مركز دراسات الآباء بالقاهرة.
الجزء الثاني:
يحوى هذا الجزء من رسائل القديس كيرلس، الرسائل من 1 ـ 31 فيما عدا ما نُشر منها فى الجزء الأول. وتحوى الرسالة رقم (1) الموجهة إلى آباء الرهبنة والذين يمارسون معهم حياة التوحد، شرحًا مفصلاً لعقيدة التجسد ضد البدعة النسطورية. ورسائل هذا الجزء تعتبر مصدرًا تاريخيًا هامًا للأحداث التى صاحبت بدعة نسطوريوس وانعقاد مجمع أفسس المسكونى الثالث سنة 431م. وقد صدرت رسائل هذا الجزء فى يوليو 1989م فى 108 صفحة من القطع المتوسط. وترجمها الدكتور موريس تاوضروس والدكتور نصحى عبد الشهيد عن اللغة اليونانية من مجوعة الآباء اليونانية مجلد 77 ـ مينى Migne , P.G. 77. ونشرها مركز دراسات الآباء بالقاهرة.
الجزء الثالث:
يحوى هذا الجزء الرسائل من 32 ـ 50 بالترتيب فيما عدا الرسالة 39 التى نُشرت فى الجزء الأول. رسائل هذا الجزء تعالج مشكلة انقطاع الشركة بين البابا كيرلس الأسكندرى والبطريرك يوحنا الأنطاكى وأساقفته وذلك بعد مجمع أفسس، وإلى أن تم الصلح بين كنيستى الأسكندرية وأنطاكية سنة 433م. ويؤكد القديس كيرلس فى هذه الرسائل اتحاد الطبيعتين إذ يقول: حينما نوّحد الطبيعتين فإننا نعترف بمسيح واحد، وهو نفسه ربٌ واحد وإذن فنحن نعترف بأن طبيعة الابن المتجسدة واحدة، ونعترف أنه لم يحدث امتزاج ولا اختلاط، بل إن الجسد كان جسدًا لأنه مأخوذ من امرأة، والكلمة هو الكلمة لأنه مولود من الآب. ومع ذلك فالمسيح والابن والرب هو واحد حسب قول يوحنا ” والكلمة صار جسدًا ” (رسالة 44 فقرة 3).
وفى الرسالة 41 من هذا الجزء، يتحدث القديس كيرلس عن التيس المرسل، وتضمن حديثه نقطتين أساسيتين، الأولى يوضح فيها أنه لا يمكن أن يكون التيس المُرسل (عزازيل) تقدمة للشيطان، ويبرهن على ذلك باستفاضة من كتب العهد القديم. والنقطة الثانية يوضح فيها أن كلا التيسين يشيران إلى الواحد الابن الوحيد الرب يسوع المسيح.
وقد صدر هذا الجزء فى ديسمبر 1995م فى 136 صفحة من القطع المتوسط: وترجمه الدكتور موريس تاوضروس والدكتور نصحى عبد الشهيد عن اليونانية من مجموعة الآباء اليونانية مجلد 77 ـ مينى Migne , P.G. 77. ونشره مركز دراسات الآباء بالقاهرة.
الجزء الرابع:
يحوى هذا الجزء الرسائل من 51 ـ 74 بالإضافة إلى الرسالة رقم 83. ومن أهم رسائل هذا الجزء رسالة 55، وهى رسالة طويلة يشرح فيها القديس كيرلس قانون إيمان نيقية والقسطنطينية بتفصيل، وهى أطول رسائل القديس كيرلس على الإطلاق. أما الرسالة 83، فيعالج فيها القديس كيرلس موضوعًا آخر غير الذى عالجه فى جميع الرسائل السابقة ألا وهو التصورات الخاطئة عند رهبان أرسينوى (الفيوم) القائلين بأن اللاهوت له هيئة بشرية. وقد صدر هذا الجزء فى يونيو 1997م فى 96 صفحة من القطع المتوسط، وعلى غلافه أيقونة روسية ملونة للقديس كيرلس. وترجمه الدكتور موريس تاوضروس والدكتور نصحى عبدالشهيد عن اليونانية (والإنجليزية بالنسبة للرسائل المفقود أصلها اليونانى) من مجموعة الآباء اليونانية مجلد 77 ـ مينى Migne , P.G. 77. ونشره مركز دراسات الآباء بالقاهرة.
(1) أرسطو، كتاب الطبيعة، ترجمة اسحق بن حنين، تحقيق عبد الرحمن بدوى، الجزء الأول، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة 1964 ص 405.
(2) المرجع السابق: ص 216 ـ 220.
(3) Kittle (G.), Theological Dictionary of the New Testament (translated by Bromiley (G.W.), vol.IV , p. 1108.
(4) محمد عبد الواحد حجازى، فلسفة الأيام، مطبعة النصر الجديدة، القاهرة ص 74،75.
الآن – الزمن فى كتاب العهد الجديد – د. موريس تاوضروس