أصل الكون – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

أصل الكون – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

أصل الكون – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

أصل الكون – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

 

كتاب لغة الإله PDF – فرانسيس كولينز – للتحميل

الفصل الثاني: كتاب لغة الله

 

قبل أكثر من ۲۰۰ سنة كتب أحد أعظم الفلاسفة على الإطلاق إيمانويل كانت ما يلي “شیآن يملأن قلبي دوما بالإعجاب المتزايد والخشوع وهو شعور لا يفارقني كلما أطلت التفكير: السماء المرصعة بالنجوم فوق رأسي والقانون الأخلاقي في داخلي. لقد ميز السعي لفهم أصل الكون وكيفية عمله كل الأديان تقريبا طوال التاريخ، سواء كان ذلك عبادة للشمس أو نتيجة لظاهرة هامة مثل الكسوف أو لمجرد شعور الانبهار بعجائب الجنة.

هل كانت ملاحظة الفيلسوف امانويل كانط Kant مجرد عاطفة فيلسوف لم يستفد من اكتشافات العلم الحديث، أم أن هناك انسجاما ممكنة بين العلم والإيمان فيما يخص سؤال عميق ومهم مثل السؤال عن أصل الكون؟

إحدى التحديات في سبيل الوصول إلى هذا الانسجام أن العلم ليس ثابت. يتوصل العلماء بصورة مستمرة إلى أفاق جديدة، ويقومون باستكشاف عالم الطبيعة بطرق جديدة، ويغوصون في أعماق المساحات التي ليس لدينا فهم كامل عنها. عندما يواجه العلماء مجموعة بيانات تتضمن ظواهر محيرة وليس لها تفسير فإنهم يفترضون فروض لآلية عمل محتملة للظاهرة ثم يجرون تجارب الاختبار هذه الفروض. العديد من التجارب تفشل، وأغلب الفروض يتبين عدم صحتها. العلم في تطور دائم وهو يصحح نفسه: ليس هناك استنتاج خاطي أو فرضية خاطئة يمكن أن تستمر لوقت طويل، لأن المشاهدات الجديدة سوف تدحض بشكل كامل هذا البناء الخاطئ. ولكن على مدى طويل من الزمن فإن مجموعة مشاهدات متتابعة تؤدي أحياناً إلى إطار جديد للفهم. هذا الإطار يحظى بعد ذلك بتوصيف موضوعي ويسمى “نظرية”- نظرية الجاذبية، والنظرية النسبية ونظرية الأجرام تمثل أمثلة على ذلك.

إحدى الأمنيات العزيزة للعالم أن يجعل ملاحظته تسبب هزة في المجال البحثي. على أمل أن تقدم يوماً ما حقيقة غير متوقعة مما يحتم انتشار هذه النظرية. وهذا ما تمنح جائزة نوبل من أجله. وفي هذا الصدد، فإن أي افتراض بوجود مؤامرة محتملة بين العلماء للإبقاء على نظرية قيد الحياة رغم احتواءها على عيوب جوهرية هو بالتأكيد عمل غير أخلاقي للبحث العلمي الذي لا يكف عن البحث. دراسة فيزياء الفضاء تمثل مثالاً جيداً لهذه المبادئ.

حصلت تحولات عميقة خلال الخمسة عقود الماضية خضع فيها فهمنا للمادة ولتركيب الكون إلى تعديلات جوهرية، ومن دون شك أن هناك تعديلات تنتظرنا في المستقبل. هذه الاختلالات المزعجة قد تقود بعض الأحيان لمحاولة إيجاد تركيب يجمع بين العلم والدين، وبالخصوص إذا كانت الكنيسة قد حددت موقفها المسبق من الأشياء وضمنته في نظامها المعرفي. توافق اليوم قد يتحول إلى انفصال غداً. في القرن السادس عشر والسابع عشر قام كوبرنيكوس Nicolaus Copernicus وکیبلر وغاليليو Galileo Galilei (وجميعهم يؤمنون بقوة بالله) بالتوصل إلى اكتشافات عظيمة تدل على أنه لا يمكننا فهم حركة الكواكب بشكل أفضل إلا إذا كانت الأرض تدور حول الشمس، وليس العكس. تفاصيل استنتاجاتهم لم تكن جميعها صحيحة، وفي البداية كان العديد من الباحثين في الحقل العلمي غير مقتنعين بها، ولكن في النهاية أقنعت البيانات والتوقعات الصادقة المطردة للنظرية حتى أكثر العلماء تشكيكاً. ومع ذلك ظلت الكنيسة الكاثوليكية معارضة، بل وأدعت أن النظرية تتعارض مع النصوص المقدسة. كان من الواضح أن وجهة نظر النصوص الدينية ضعيفة، ومع ذلك فإن هذه المواجهة استمرت لعقود وأدت إلى كثير من الضرر للعلم وللكنيسة معاً.

لقد شهد القرن الماضي العديد من المراجعات غير المسبوقة لفهمنا للكون. كانت المادة والطاقة تعدان كیانات مختلفة، بينما أظهر أينشتين في معادلته المشهورة E = MC2 أن العلاقة بينهما تبادلية. ثنائية المادة والجسيم تعني أن للمادة خصائص الجسيمات والموجات في نفس الوقت، وهي ظاهرة تتجلى في الضوء والجسيمات الصغيرة مثل الإلكترونات، وهو ما كان غير متوقعاً بالنسبة لعلماء متمرسين. شكل مبدأ عدم التحديد في ميكانيكا الكم لهايزنبرغ والذي جعل بالإمكان قياس إما موقع أو طاقته ولكن ليس كلاهما تبعات مقلقة للعلم والدين معاً. ولكن الأعمق تأثيرا هو أن مفهومنا عن أصل الكون قد تغير بشكل كبير في السنوات الخمس والسبعين الماضية بتأثير من هاتين النظريتين.

غالبية هذه المراجعات لفهمنا للعالم المادي ظلت محصورة نسبيا في نطاق ضيق في دوائر البحث الأكاديمي بعيداً عن نظر الرأي العام. وفي حالات معدودة كانت هناك محاولات نبيلة لشرح تعقيدات الفيزياء الحديثة وعلم الكونيات لعامة الناس ومن هذه المحاولات كتاب ستيفن Stephen Hawking Hawking وهو بعنوان A brief history of Time، ولكن يبدو أن قسم كبير من الخمسة ملايين نسخة التي بيعت من كتاب هوكنغ لم يقرأ لأن غالبية القراء وجدوا أن المفاهيم التي يحتويها الكتاب تستعصي على الفهم.

في الحقيقة، إن الاكتشافات المتعلقة بالفيزياء في العقود الخمسة الماضية قادت إلى رؤى تتعلق بالمادة والطبيعة معاكسة للحدس. قبل ما يقرب من مئة عامة علق عالم الفيزياء ایرنست ریذدفورد Rutherford قائلا ” إن النظرية التي لا تستطيع شرحها لنادل المقهى من المحتمل أنها ليست ذات قيمة. على هذا الأساس فإن الكثير من النظريات الحديثة المتعلقة بالجسيمات الأساسية التي تكون المادة ضعيفة”.

من ضمن المفاهيم الغريبة التي أصبحت موثقة في الوقت الحالي حقيقة أن النيترونات والبروتونات تتكون في الحقيقة من ستة نكهات. بل إن النكهات تصبح أكثر غرابة عندما نعلم أن لكل منها ثلاثة ألوان (أخضر وأحمر وأزرق). الأسماء التي أعطيت لهذه الجسيمات تدل على حس إنساني لدى العلماء. تشكل المجموعة المذهلة للجسيمات الأخرى من الفوتونات إلى الغلونات والميونات عالماً غريباً على تجربة الإنسان اليومية مما يجعل غير العلماء يهزون رؤوسهم غير مصدقين. ولكن كل هذه الجسيمات هو ما يجعل وجودنا ممكنا. بالنسبة لأولئك الذين يعتبرون أن المادية أفضل من التوحيد لأنها ابسط وأقرب للحدس، فإن هذه المفاهيم الجديدة سوف تشكل تحدياً لهم. شيفرة أوكام والتي تنسب إلى فيلسوف القرن الرابع عشر وعالم المنطق الإنجليزي وليام أوكام تعتبر نسخة معدلة من رأي ريذرفورد. هذا المبدأ يعتبر أن التفسير الأبسط لأية ظاهرة هو في العادة التفسير الأصح. في هذه الأيام، يبدو أن شيفرة أوكام وصلت للحضيض بوجهة نظر النماذج الكثيرة من فيزياء الكم.

ولكن لازال ينظر إلى ريذرفورد وأوكام بإجلال، على الأقل لان تعبيرهم الرياضي للظواهر المحيرة المكتشفة حديثاً لازال أبسط، بل وأجمل. عندما كنت طالباً في الدراسات العليا في جامعة ييل Yale كانت لي تجربة مميزة في أخذ مقرر في ميكانيكا الكم النسبية على يد الحائز على جائزة نوبل ویلیس لامب Willis Lamb. كانت طريقته في الشرح عبارة عن استعراض لنظريات النسبية وميكانيكا الكم من بداية مفاهيمها. كان لامب يشرح بشكل كامل معتمداً على ذاكرته، ولكن في بعض الأحيان كان يتجاوز بعض الخطوات ويطلب منا ملأها حتى موعد المحاضرة القادمة. ورغم أني تحولت من الفيزياء إلى علم الأحياء إلا أن تجربة استنتاج معادلات كونية بسيطة وجميلة لوصف حقيقة عالم الطبيعة تركت في نفسي أثراً عميقاً، وبشكل خاص لأن النتيجة النهائية ذات طابع جمالي. هذه التجربة أثارت في نفسي أول الأسئلة الفلسفية المتعلقة بطبيعة الكون الفيزيائية. لماذا تسلك المادة على هذا النحو؟ بتعبير ايغن فينغر Wigner’s ماذا يمكن أن يكون التفسير للتأثير غير المنطقي للرياضيات؟

هل هي مجرد حادثة سعيدة أم أنها تعكس نظرة عميقة لطبيعة الحقيقة؟ إذا كان للشخص أن يقبل مفهوم القوة الخارقة فإن ذلك يعني الغوص في عقل الإله؟ هل واجه أينشتين وهايزنبرغ والأخرين الرب؟ في آخر كتابه A Brief History of Time يكتب هوكنغ ما يلي “يجب علينا كفلاسفة وعلماء وحتى الأشخاص العاديين أن نشارك في نقاش السؤال: لماذا أتينا نحن والكون إلى حيز الوجود؟ اذا استطعنا الوصول إلى إجابة على هذا السؤال فإننا نكون قد حققنا نصرة عظيمة للعقل البشري، لأننا عند ذلك نكون قد وصلنا إلى عقل الإله. هل التوصيفات الرياضية للحقيقة تدل على ذكاء أعظم؟ هل تعد الرياضيات إضافة إلى الحمض النووي لغة أخرى للإله؟ من المؤكد أن الرياضيات قادت العلماء إلى عتبة أكثر الأسئلة عمقاً. وأول هذه الأسئلة كيف بدأ كل شيء في البداية؟

الانفجار الكبير

في بداية القرن العشرين كان معظم العلماء يفترضون أن الكون لا بداية له ولا نهاية له. وهذا الافتراض خلق مفارقات فيزيائية عديدة، ومن ذلك كيف يمكن للكون أن يحافظ على استقراره دون الانكفاء على نفسه بفعل قوة الجاذبية، ولكن الاحتمالات الأخرى لم تكن مقنعة. عندما طور أينشتاين نظريته النسبية في عام 1916 قدم عامل التصحيح لإيقاف انهيار الجاذبية والحفاظ على فكرة حالة استقرار الكون. وفي وقت لاحق اعتبر آينشتاين ذلك أكبر غلطة في حياته.

 نظريات أخرى افترضت بديلا لتفسير الكون بدأ عند نقطة معينة، وبعد ذلك اتسع ليصل لحالته الحالية، ولكن بقيت مهمة اثبات ذلك تجريبية على عاتق العلماء الذين يأخذون هذه الفرضية على محمل الجد. بداية هذه المعلومات كانت مع ادوین هابل Edwin Hubble في عام ۱۹۲۹ في سلسلة من التجارب التي تابعت ابتعاد المجرات القريبة منا.

باستخدام تأثير دوبلر وهو نفس المبدأ الذي يسمح لشرطة المدينة تحديد سرعة سيارتك أثناء مرورك بجوار جهاز الرادار أو تلك التي تسبب صفير القطار القادم بنغمة أعلى عندما يمر بجوارك -وجد هبل Hubble أنه أینما نظرنا فإن الضوء في المجرات يدل على أنه ينحسر من جهتنا. وكلما كانت المجرات أبعد فإن المجرات تنحسر بشكل أسرع.

إذا كان كل شيء في الكون يتطاير بعيدة عن بعضه البعض فإن إرجاع مؤشر الزمن يؤدي إلى توقع أنه في وقت ما كانت كل هذه المجرات تشكل كتلة واحدة هائلة جداً. ملاحظة هبل أدت خلال السنوات السبعين الماضية إلى بدأ تجارب عملية، مما دفع نسبة كبيرة من علماء الفيزياء والكونيات إلى استنتاج أن الكون بدأ في لحظة واحدة، وهو ما أصبح يشار إليها بلحظة الانفجار العظيم. الحسابات تدل على أن ذلك حدث قبل 14 مليون سنة.

لقد تم التأكد من صحة هذه النظرية عن طريق الصدفة بواسطة آرنو بینزیاس Arno Penzias وروبرت ولسون Robert Wilson عندما توصلوا إلى ما بدا أنه خلفية مزعجة لذبذبات المايكرويف بغض النظر عن الجهة التي يوجهون لها المجس. وهذا يمثل بدقة نوع الشفق الذي يمكن أن نتوقعه كنتيجة للانفجار العظيم الناشئ عن تدمير المادة والمادة المضادة في اللحظات الأولى من انفجار الكون.

تم التوصل إلى أن هناك أدلة دامغة على صحة نظرية الانفجار الكبير من خلال نسبة عناصر معينة في أرجاء الكون، بشكل خاص الهيدروجين والديوتريوم والهليوم. وفرة الديتريوم بشكل مستمر تمتد من النجوم القريبة منا إلى أبعد المجرات القريبة من أفقنا. هذا الاكتشاف يتوافق مع كمية الديتريوم التي تشكلت تحت درجة حرارة هائلة في لحظة واحدة خلال الانفجار الكبير. إذا كانت هناك عدة لحظات من هذا النوع في أماكن وأزمان مختلفة لما وجد هذا الاتساق.

بناءً على هذا المشاهدات ومشاهدات أخرى، أتفق العلماء على أن الكون بدأ بكثافة لا نهائية ونقطة عديمة الأبعاد من الطاقة الخالصة. وعند هذه النقطة تتهاوى قوانين الفيزياء كنتيجة لذلك، وهو ما يعبر عنه بنقطة “التفرد”. على الأقل حتى وقتنا الحالي لم يستطع العلماء تفسير اللحظات الأولى للانفجار خلال to4310 ثانية. من الممكن القيام بتوقعات للأحداث التي كانت بحاجة أن تقع لينتج الكون الذي نشاهده، بما في ذلك فناء المادة والمادة المضادة، وتشكيل نواة ذرية مستقرة، وفي نهاية المطاف تشكيل الذرات، وفي المقام الأول الهيدروجين، الديوتيريوم، والهيليوم.

السؤال الذي لم يتم الإجابة عليه حتى الآن: هل أن الكون الذي نتج عن الانفجار الكبير سوف يستمر في التمدد إلى ما لا نهاية، أم أن الجاذبية سوف تأخذ زمام المبادرة وحينها تبدأ المجرات بالاقتراب من بعضها، وفي نهاية المطاف تؤدي إلى توقف التمدد. الاكتشافات الحديثة التي دلت على وجود كميات غير معروفة من ما يعرف بالمادة السوداء والطاقة السوداء، والتي يبدو أنها تشغل كمية كبيرة جداً من مادة الكون تجعل الإجابة على هذا السؤال معلقة، ولكن ما لدينا من دلائل تشير إلى أن ذلك سوف يتم تدريجياً، وليس على شكل انهيار كامل.

 

ماذا كان يوجد قبل الانفجار الكبير؟

فكرة حدوث الانفجار الكبير تقودنا إلى السؤال عن ماذا حصل قبل ذلك، ومن الذي كان يدبر الأمور. هذا السؤال يبين بالتأكيد حدود العلم. النتائج المترتبة على نظرية الانفجار العظيم كبيرة بالنسبة للشخص اللاهوتي. بالنسبة للمعتقدات الدينية التي تعتبر أن الإله خلق الكون من لا شيء يعد الانفجار العظيم أمراً مثيراً. هل تنسجم حادثة فردية مثل الانفجار العظيم مع تعريف المعجزة؟

الشعور بالدهشة لإدراك هذه الحوادث دفع العديد من العلماء اللا أدريين إلى الميل نحو اللاهوتية. في كتابه “الإله وعلماء الفلك” God and the Astronomers كتب عالم الفيزياء الفلكية روبرت جاسترو Jastrow الفقرة التالية في هذه اللحظة يبدو أن العلم عاجز عن إزاحة الستار عن غموض الخلق”. بالنسبة للعالم الذي تعود على الخطوات المنطقية يبدو وكأن قصة الانفجار الكبير تنتهي كحلم مزعج. لقد تسلق جبال من الجهل، وعندما وصل إلى الصخرة الأخيرة باتجاه القمة تم الترحيب به من قبل اللاهوتيين الذين يجلسون هنا منذ قرون”.

بالنسبة لأولئك الذين يودون التقريب بين العلماء واللاهوتيين فإن هناك القليل من الاكتشافات المتعلقة بأصل الكون ما يجعله مساعداً على هذا التقريب. في مورد آخر من كتابه المثير كتب جاسترو يقول “ها نحن نرى كيف أن الأدلة الفلكية عن أصل الكون تؤدي بنا إلى النظرة الدينية. قد تختلف التفاصيل، ولكن العناصر الرئيسية ووجهة النظر الفلكية والدينية لسفر التكوين هي نفسها، وهي سلسلة الأحداث التي جعلت شخص يشرع بعمل ما بشكل مفاجئ في لحظة ما كلمحة من الضوء والطاقة”.

عليّ أن أعترف أن نظرية الانفجار الكبير تحتاج إلى تفسير ربوبي. إنها تجبرنا على نتيجة مفادها أن الطبيعة كانت لها بداية محددة. لا أستطيع أن أتصور طبيعة تخلق نفسها. فقط قوة خارج الزمان والمكان قادرة على ذلك. ولكن ما الذي حدث بعد الانفجار الكبير؟ ما الذي أوصلنا إلى الوجود بعد عشر ملايين سنة من الانفجار العظيم؟

تركيب نظامنا الشمسي وكوب الأرض

في المليون سنة الأولى بعد الانفجار الكبير تمدد الكون وانخفضت درجة الحرارة وبدأت الذرات والجزئيات تتشكل. وبدأت المادة تلتئم إلى مجرات بفعل قوة الجاذبية. واكتسبت حركة دائرية، وفي نهاية المطاف نتج عن ذلك شكل حلزوني للمجرات كما هو الحال مع مجرتنا. وضمن هذه المجرات تشكل مركب من الهيدروجين والهليوم وارتفعت كثافته ودرجة حرارته. وفي نهاية المطاف حدث الاندماج النووي.

عملية اندماج أربع ذرات من الهيدروجين لتشكيل طاقة وذرات الهليوم مما يوفر وقوداً للنجوم. النجوم الكبيرة تحترق سريعاً، وأثناء احتراقها ينتج في محورها عناصر أكثر ثقلاً مثل الكربون والأكسجين. وفي بداية الكون (في أول 100 مليون سنة) تظهر هذه العناصر فقط في محور المجرات المحترقة، ولكن مجموعة من هذه النجوم تتعرض لانفجارات هائلة تسمى السوبرنوفا (باللغة العربية تسمى الطارق الأعظم) لتقذف عناصر أكثر ثقة إلى الغاز الموجود في تلك المجرات.

يعتقد العلماء أن شمسنا لم تتكون في الأيام الأولى من تكون الأرض، بل تكونت في المرحلة الثانية أو الثالثة من تكون النجوم، وذلك قبل خمس ملايين سنة عبر عملية التحام داخلية. وأثناء ذلك أفلتت من عملية الاندماج كمية قليلة من العناصر الثقيلة الموجودة في الجوار وتكون نجم جديد، وبدلا عنه تكونت كواكب تدور حول شمسنا. بما في ذلك كوكبنا، والذي لم يكن صالحا للعيش في الأيام الأولى. في البداية، كان كوكبنا شديد الحرارة مع حدوث انفجارات هائلة متكررة، ولكن الأرض بدأت تبرد تدريجية، وطورت غلاف جوية وأصبح الكون ملائماً للعيش قبل أربع ملايين سنة. وبعد 150 مليون سنة أصبح الكون زاخرة بالحياة.

كل هذه الخطوات التي كونت نظامنا الشمسي أصبحت معلومة تماماً، ومن غير المحتمل أن يتم التعديل عليها على ضوء أية معلومات إضافية. أغلب الذرات في جسمك تم إعدادها في الفرن النووي من السوبر نوفا القديمة -فجسمك مكون في الحقيقة من غبار النجوم.

هل هناك نتائج لاهوتية تترتب على أي من هذه الاكتشافات؟ هل وجودنا فريد في الكون؟ هل ذلك بعيد الاحتمال؟ يمكن المحاججة بأن أصل الحياة المعقدة لا يمكن أن يكون تبلور في أقل من 5-10 ملايين سنة بعد الانفجار العظيم.

منذ الجيل الأول لم تكن النجوم تحتوي العناصر الأثقل مثل الكربون والأكسجين، والتي نعتقد أنها ضرورية للحياة، على الأقل بالمقدار الذي نعرفه. فقط في الجيل الثاني أو الثالث من نظامنا الشمسي والكواكب المتزامنة معه بات من الممكن العيش فيه. وحتى بعد ذلك، استغرق الأمر وقتا طويلا حتى وصلت الحياة إلى درجة الذكاء والحساسية المطلوبتين. وعلى الرغم من أن أنواع الحياة الأخرى لا تعتمد على العناصر الثقيلة فإنها كانت ممكنة الوجود في مكان آخر من الكون، فطبيعة هذه الكائنات الحية من الصعب جدا أن يتم استنتاجه من معرفتنا الكيميائية والفيزيائية الحالية.

هذه الاكتشافات تدعونا للتساؤل عن الحياة التي يمكن أن تكون موجودة في الأماكن الأخرى من الكون. ورغم أنه لا يوجد أحد لديه معلومات حديثة لتأكيد أو نفي ذلك إلا أن هناك معادلة مشهورة تم صياغتها في عام 1961 من قبل عالم الفلك المتخصص في موجات الراديو فرانك دريك Frank Drake سمحت بالتفكير بالاحتمالات الممكنة. تعد معادلة دريك أفضل وسيلة لتوثيق حالة جهلنا بحقيقة وجود كائنات أخرى في الكون. لاحظ دريك بصورة منطقية مبسطة أن التواصل الحضاري في مجرتنا هو نتيجة لسبعة عوامل:

  • عدد النجوم في مجرة طريق الحليب (تقريباً 100 مليون) مضروبة بـ
  • جزء من عدد النجوم التي تحيط بها كواكب مضروبة بـ
  • عدد الكواكب لكل نجم التي يمكن العيش فيها مضروبة بـ
  • جزء من تلك الكواكب التي يوجد بها حياة مضروبة بـ
  • جزء من تلك الكواكب التي يوجد بها حياة ذكية مضروبة بـ
  • جزء من تلك الكواكب التي طورت حياة يمكن التواصل فيها مضروبة بـ
  • جزء من تلك الكواكب التي يوجد بها حياة ويمكن التواصل فيها مع كواكب أخرى.

لقد استطعنا التواصل مع العالم خارج الكرة الأرضية قبل أقل من عدة مئات من السنين. عمر الأرض يقارب 4.5 بليون سنة، ولذلك فإن معامل دراك لا يعكس سوى جزء بسيط جداً من عدد سنوات وجود الأرض: 0,000000022)).

معادلة دراك جميلة ولكنها عديمة الفائدة لأننا عاجزون بأي مقدار من اليقين تحديد قيمة كل شيء، ربما باستثناء عدد النجوم في مجرة طريق الحليب. ولكن بالتأكيد فإن نجوم أخرى تم اكتشافها مع الكواكب التي تدور حولها، ولكن بقية المعلومات لازالت غامضة. ومع ذلك فإن معهد “البحث عن الذكاء خارج الأرض” (SETI) الذي تم إنشاءه من قبل فرانك دراك نفسه قد بدأ وبمشاركة من علماء فيزياء وفلك وأخرين في السعي للوصول إلى إشارات من بقية الحضارات المحتملة في مجرتنا. لقد كتب الكثير عن الأهمية الدينية لاكتشاف حياة في الكواكب الأخرى إذا ما تم التحقق من ذلك. هل هذه الحقيقة سوف تجعل الجنس البشري على كوكب الأرض أقل أهمية؟ هل وجود حياة في كواكب أخرى يجعل اشتراك الإله في هذه العملية أقل احتمالا؟ من وجهة نظري هذه الاستنتاجات غير مؤكدة. إذا كان الإله موجوداً، وهو راغب في أن يكون له أتباع ككائنات حية مثلنا، وإذا كان قادرا على الاعتناء والتفاعل مع ستة بلايين شخص على هذا الكوكب، وبلايين أخرى سبقتنا، فإنه من غير الواضح كيف أن غير قادر على التعامل مع ملايين من الكائنات المشابهة لنا، وملايين أخرى من الكواكب. إنه من المشوق أن نعرف ما إذا كانت الكائنات في الكواكب الأخرى من الكون لديها قانون أخلاقي أيضاً، عطفاً على أهميته في نظرتنا لطبيعة الإله. من الناحية الواقعية، من غير المحتمل أن نعرف الإجابة على هذه الأسئلة أثناء سنوات عمرنا.

المبدأ الإنساني

الآن أصبح أصل الكون ونظامنا الشمسي مفهوماً بشكل أكبر بالنسبة لنا، كما تم التعرف على مجموعة مبهرة من المصادفات متعلقة بعالم الطبيعة كانت قد حيرت العلماء والفلاسفة ورجال الدين على حد سواء. خذ على سبيل المثال الملاحظات التالية:

 1- في اللحظات الأولى للكون بعد حدوث الانفجار العظيم تم خلق المادة ومضاد المادة في الوقت نفسه تقريباً في جزء صغير من الثانية، وانخفضت درجة حرارة الكون مما سمح للكواركات ومضاداتها للتكثف. عندما يحدث أن يتلاقى أي كوارك بسرعة كبيرة مع مضاد الكوارك فإن ذلك ينتج عنه فناء كل منهما وإطلاق فوتون من الطاقة. ولكن التماثل بين المادة ومضاد المادة لم يكن دقيقاً، لأنه عند كل بليون زوج من الكواركات ومضادات الكوارك كان هناك كوارك زائد. هذا الجزء البسيط الذي سبب الكون في البداية هو الذي كون كتلة الكون الذي نعرفه.

لماذا يوجد هذا التماثل؟ يبدو أنه أكثر ملائمة أن لا يكون هناك تماثل. ولكن إذا كان هناك تماثل كامل بين المادة وضدها فإن الكون سرعان ما يتحول إلى إشعاع خالص، وعندها لن يتمكن البشر والكواكب والنجوم والمجرات من الوجود.

 2- الطريقة التي تمدد بها الكون بعد الانفجار العظيم تعتمد اعتمادا كلياً على كم كانت كتلة وطاقة الكون في ذلك الوقت، وهو أمر يعتمد أيضا على قوة ثابت الجاذبية. الدقة العجيبة لهذه المعاملات الفيزيائية كانت مصدر إعجاب للعديد من الخبراء. كتب هوكنج قائلا “لماذا بدأ الكون بنسبة حرجة من التمدد الذي فصل النماذج التي انهارت مرة أخرى عن تلك التي استمرت في التمدد إلى الأبد، بحيث أنه بعد عشرة ملايين سنة من ذلك لازالت تتمدد بنفس النسبة؟ لو كان تمدد الكون بعد ثانية واحدة من الانفجار العظيم أقل بحجم أقل من 100 ألف بليون لانهار الكون قبل أن يصل إلى حجمه الحالي”.

من جهة أخرى، لو كانت نسبة التمدد أكبر بجزء من المليون لما كان بإمكان الكواكب والنجوم أن تتكون. النظريات الحديثة توفر لنا تفسيراً جزئياً عن سبب تراجع نسبة تمدد الكون السريع في الأيام الأولى بعد الانفجار العظيم إلى نسبة مقاربة للقيمة الحرجة. ومع ذلك فإن بعض علماء الفلك يقولون إن ذلك يعيد إلى الواجهة السؤال عن السبب الذي جعل الكون يتوفر على مقدار مناسب من الخصائص المطلوبة لحدوث هذا التمدد المتضخم. وجود الكون الذي نعرفه يقف على حافة سكين من الدقة.

نفس الظروف تنطبق على تكون العناصر الأثقل. إذا كانت القوة الذرية التي تجمع البروتونات والنيترونات أضعف بقليل فإن الهيدروجين سيكون هو الناتج الوحيد في هذا الكون. ومن جهة أخرى لو كانت هذه القوة أكبر بنسبة بسيطة لتحول كل الهيدروجين إلى هيليوم بدلا من نسبة 25٪ التي وجدت بعد الانفجار العظيم. ولما كان بإمكان فرن انصهار النجوم أن ينتج عناصر أثقل. بالإضافة إلى هذه الملاحظة اللافتة فإنه يبدو أن القوة النووية تم تعييرها بشكل مناسب لإنتاج الكربون، وهو أمر حاسم لوجود الحياة على الأرض. لو كانت هذه القوة أكبر بنسبة ضئيلة لتحول كل الكربون إلى أكسجين.

هناك 15 ثابت فيزيائي تعجز النظريات الحالية عن التنبؤ بقيمتها. المعطيات المتوفرة هي أن قيمة هذه الثوابت هي القيمة التي يجب أن تكون عليه. هذه القائمة من الثوابت تشمل سرعة الضوء، مقدار الشدة الدنيا والقصوى للقوى النووية، العوامل المختلفة للقوة الكهرومغناطيسية وقوة الجاذبية. فرصة أن تتوفر كل هذه الثوابت الضرورية لاستقرار الكون بحيث يكون قابل للعيش فيه فرصة متناهية الصغر. وهذه العوامل هي بالفعل ما نلاحظه بالفعل. الخلاصة أن كوننا بالغ الدقة.

حتى تكون محقا في الاعتراض بأن هذه الحجة تستلزم الدور: على الكون أن يسير وفق عوامل متناسبة مع ثبات الكون أو لن نكون موجودين للحديث عن الموضوع. هذه المبدأ يشار إليه على أنه المبدأ الإنساني: وهي فكرة أن الكون تم تعييره بشكل يسمح لحياة الناس. لقد سبب ذلك الكثير من الدهشة والتساؤل منذ أن تم الكشف عنه منذ عقود عدة

هناك عدة ردود على المبدأ الإنساني:

 1- من المحتمل أن يكون هناك عدد لا متناهي من الأكوان، إما بالتزامن مع كوننا الذي نعيش فيه أو بكيفية أخرى مع قيم مختلفة من الثوابت ، وربما بقوانين فيزيائية مختلفة، ولكننا لسنا قادرون على مراقبة هذه الأكوان. نحن نعيش فقط في كون خصائصه الفيزيائية تسمح بوجود الحياة عليه. ثوابت كوكبنا ليست سحرية، ولكنها نتيجة غير معتادة لمحاولات الصحة والخطأ، وهو ما يسمى بفرضية تعدد الأكوان.

 ۲- هناك كون واحد وهو ما نعيش فيه. لهذا الكون جميع الخصائص التي تسمح بوجود الحياة الواعية. لو لم يكن الكون كذلك لما كنا نناقش هذا الموضوع. نحن محظوظون جداً جداً.

 ۳- هناك كون واحد وهو ما نعيش فيه. الإتقان الدقيق لكل الثوابت الفيزيائية والقوانين الفيزيائية لتوفير حياة واعية ممكنة أمر ليس بمحض الصدفة، وإنما يعكس فعل قام به من خلق الكون في المقام الأول.

بغض النظر عن تفضيل واحد من الاحتمالات 1 أو 2 أو 3، لا شك أن المسألة لاهوتية. يشير كتب هوكنج قائلا “الاحتمالات النافية لتشكل الكون من شيء ما مثل الانفجار العظيم هائلة. أعتقد أن من الواضح أن هناك آثار دينية”. يذهب هوكنغ في كتابه A Brief History of Time أبعد من ذلك فيقول “من الصعب جدا تفسير لماذا بدا الكون بهذه الطريقة، إلا إذا كان ذلك فعلاً إلهياً قام به شخص يريد أن يخلق كائنات مثلنا”. عالم فيزياء معروف هو فریمان دایسون Freeman Dyson توصل بعد مراجعة هذه السلسلة من الأحداث إلى ما يلي “كلما تعمقت في اختبار الكون وتفاصيل تصميمه كلما حصلت على براهين على أن هذا الكون كان على علم بقدومنا”. أيضا أرنو بنزیاس Arno Penzias الحائز على جائزة نوبل والذي اكتشف الإشعاعات الخلفية للميكروويف الكوني والتي دعمت بقوة نظرية الانفجار العظيم يقول “المعلومات المتوافرة والتي جاءت تماماً كما توقعتها لن تكون أكثر من كتب موسى الخمسة والمزامير والإنجيل مجتمعة”. ربما كان Penzias يفكر في كلمات داود في المزمور الخامس “عندما فكرت في جنتكم، وبصمة أصابعكم، والأقمار والنجوم، ما هو الإنسان الذي كان في عقلك”.

ماذا يمكن أن نصل إليه في استعراضنا للاحتمالات الثلاثة؟ دعونا نتناول ذلك بشكل منطقي. لنبدأ بالتالي، لدينا مشاهداتنا عن الكون الذي نعرفه بما في ذلك أنفسنا. وبعد ذلك علينا أن نحسب أي الاحتمالات الثلاث أكثر ترجيحة. المشكلة أنه لا يوجد لدينا طريق لحساب الاحتمالات، ربما إلا في الاحتمال الثاني. أما بالنسبة للاحتمال الأول فإنه كلما اقترب رقم الأكوان المتزامنة إلى اللانهاية فإن احتمال أن تكون خصائص هذا الكون ملائمة يكون كبيراً جداً. أما بالنسبة للاحتمال الثاني، فإن نسبة احتمال ذلك سوف تكون ضئيلة جداً. أما نسبة احتمال الاحتمال الثالث تعتمد على الخالق الخارق الذي يهتم بالكون غير المحصن. على أساس نسب الاحتمال، يبدو الاحتمال الثاني هو الأقل. وهذا ما يتركنا مع الاحتمالين الأول والثالث. الاحتمال الأول يمكن الدفاع عنه منطقياً، ولكن عدد الأكوان القريب من اللانهاية يثير العجب. إنه بالتأكيد يخالف نظرية شيفرة اوكام.

أولئك الذين يرفضون بشكل قاطع القبول بالخالق الذكي، سوف يحتجون بأن الاحتمال الثالث ليس أكثر بساطة على الإطلاق، لأنه يتطلب توسط الموجود الخارق. يمكن القول حينئذ أن الانفجار العظيم ذاته يؤشر بقوة إلى الخالق، والسؤال عما حدث قبل ذلك سوف يظل قائماً.

إذا كان هناك من يقبل بحجة أن الانفجار العظيم يستدعي وجود خالق، فإنه ليس من البعيد عليه أن يقبل بأن الخالق وضع جميع المتغيرات الثوابت والقوانين الفيزيائية وما عداها للوصول إلى هدف معين. وإذا كان هذا الهدف يشمل الكون الذي كان مجرد فراغ لا خصائص له فإننا نكون قد وصلنا إلى الاحتمال الثالث.

عند الحديث عن محاولة الاختيار بين الاحتمال الأول والثالث يقفز إلى الذهن تشبيه الفيلسوف جون ليسلي John Leslie. في هذا المثل، يواجه أحد الأشخاص الإعدام رمياً بالرصاص، وصوب خمسون رامية محترفة بنادقهم تجاهه لتنفيذ الإعدام. يصدر الأمر، ويسمع صوت الطلقات، ولكن بطريقة ما جميع الرصاصات لا تصيب الشخص المدان، ويخرج من دون أن يصاب بأذى. كيف يمكن تفسير مثل هذه الحادثة الغريبة؟

يعتبر ليزلي أن هناك نوعان من البدائل الممكنة تتناسب مع اختيارنا البديلين الأول والثالث. في المقام الأول، ربما يكون هناك الآلاف من الموجودات الفاعلة التي خلقت في نفس اليوم، وأفضل الرماة يمكن أن يخطأ أحياناً. ولكن عوامل الفشل جميعها صبت في مصلحة هذا الشخص بالتحديد، والرماة الخمسون فشلوا في إصابة الهدف. الاحتمال الثاني هو أن هناك شيء ما محدد يجري، والخطأ في تصويب للرماة كان مقصوداً. أيهما يبدو أكثر احتمالاً؟

من الأفضل لنا ترك الباب مفتوحاً لجهة قدرة الاكتشافات المستقبلية في الفيزياء النظرية على تحديد بعض من الثوابت الخمس عشرة، والتي تم تحديدها حتى الآن بواسطة المشاهدات التجريبية، حيث يمكن تقييد قيمتها الرقمية المحتملة عبر شيء ما أكثر عمقا، ولكن هذا الأمل لا يبدو قريبة من الأفق. وزيادة على ذلك، وكما هو الحال مع الحجج التي عرضنا لها في هذا الفصل والذي سبقه، ليس هناك مشاهدة علمية بإمكانها الوصول إلى برهان قاطع على وجود الإله. ولكن بالنسبة لأولئك الذين يرغبون في التفكير في وجهة نظرهم الدينية فإن المبدأ الإنساني بالتأكيد يوفر حجة مشوقة في صالح الخالق.

ميكانيكا الكم ومبدأ عدم التحديد

اسحق نيوتن كان من المؤمنين، وقد كتب في تفسير الإنجيل أكثر مما كتب في الرياضيات والفيزياء، ولكن ليس كل من يقلده يشاطره الرأي في هذا الاعتقاد. في بداية القرن التاسع عشر قدم الماركيز دي لابلاس marquis de Laplace وهو فيزيائي ورياضي فرنسي معروف وجهة نظر للطبيعة التي تحكم قوانين الطبيعة بدقة (بعضها أكتشف، والبعض الأخر لم يكتشف بعد) وبالتالي فإن الطبيعة لا يمكنها تجنب الانصياع لهذه القوانين. في وجهة نظر لابلاس هذه الحاجة ضرورية حتى في أصغر الجسيمات، وفي أبعد أماكن الكون، وكذلك الحال مع البشر وعملية تفكيرهم.

افترض لابلاس أنه تم إعداد الترتيب الأولي للكون، وكل الحوادث المستقبلية، بما في ذلك المتعلقة بتجربة البشر في الماضي والحاضر والمستقبل بطريقة لا يمكن العودة عنها. هذه النظرة تمثل الصورة المتطرفة من الحتمية العلمية، وهو ما لا يترك أية مساحة للإله (إلا في البداية) أو لمفهوم الإرادة الحرة. لقد أحدثت وجهة النظر هذه ضجة في الأوساط العلمية والدينية (وكما اشتهر عن لابلاس قوله لنابليون عندما سأله عن الإله، “لا أحتاج إلى هذه الفرضية”).

وبعد عقد من ذلك تم الانقلاب على مفهوم لابلاس في الحتمية العلمية، ليس عن طريق حجة دينية، ولكن عن طريق رؤى علمية. في ذلك الوقت بدأت الثورة المعروفة باسم ميكانيكا الكم، كوسيلة للإجابة على الأسئلة غير المجاب عليها في الفيزياء فيما يخص طيف الضوء. استنادا إلى عدة مشاهدات، كشف ماكس بلانك وألبرت آينشتاين أن الضوء لم يأت من أية قوة ممكنة، بل هو عبارة عن قوة مضغوطة في جسيمات طاقة دقيقة تسمى الفوتونات. لذلك، فهو غير قابل للانقسام إلى ما لا نهاية، بل هو عبارة عن سيل من الفوتونات، كما أن تصميم الكاميرا الرقمية لا يمكن أن تكون أدق من بكسل واحد.

في الوقت نفسه، اختبر نیلس بور تركيب الذرة، واندهش من قدرة الإلكترونات في البقاء في مدار الذرة. تجذب الشحنة السالبة لكل إلكترون الشحنة الموجبة لكل بروتون في الذرة، وفي نهاية المطاف ينتج عن ذلك انهيار كل المادة لا محالة. افترض بور مسلمة شبيهة بحجة الكم، مما أدى إلى نظرية تعتمد على مسلمة تقول إن الإلكترونات يمكن أن توجد فقط في عدد متناهي من الحالات.

بدا أن أسس الميكانيكا التقليدية تتهاوى، ولكن أعمق النتائج الدينية لهذه الاكتشافات ظهرت على يد عالم الفيزياء ورنر هیزنبرغ Werner Heisenberg حين أوضح أنه في عالم الكم الغريب في أقصر المسافات وأصغر الجسيمات لا يمكن قياس موقع ومقدار القوة الدافعة بشكل دقيق في نفس الوقت. مبدأ عدم التحديد هذا والذي سطع باسم هیزنبرغ أطاح بحتمية لابلاس بضربة واحدة، لأنه أشار إلى أن أي ترتيب للكون لا يمكن في الحقيقة تحديده بدقة كما كان يتطلب نموذج لابلاس.

النتائج المترتبة على ميكانيكا الكم لفهم معنى الكون كانت موضوعاً لكثير من النقاشات خلال الثمانين سنة الماضية. آينشتاين نفسه، ورغم أنه لعب دوراً مهماً في بدايات ميكانيكا الكم رفض في البداية مفهوم عدم التحديد، وكان له تعبير لافت “الإله لا يلعب النرد”.

يمكن للمؤمن بالإله أن يرد بقوله إن اللعب لن يبدو كنرد بالنسبة للإله، حتى لو كان يبدو لنا كذلك. وكما أشار هوكنج “لازال بإمكاننا تصور أن هناك مجموعة من القوانين التي يمكنها تحديد الحوادث بشكل دقيق لكائن خارق يمكنه أن يراقب الوضع الحالي للكون دون أن يتسبب في إرباكه”.

علم الفلك وفرضية الإله

المراجعة السريعة لطبيعة الكون تقودنا لإعادة النظر في إمكانية فرضية الإله بطريقة أكثر عمومية. أتذكر هنا ما ورد في المزمور 19، حيث كتب داوود “تبرز الجنات عظمة الإله، والسموات تظهر أن ذلك من صنع يديه”. من الواضح أن وجهة النظر العلمية ليست كافية بشكل كامل للإجابة على كل الأسئلة المثيرة المتعلقة بأصل الكون، وليس هناك تعارض جوهري بين فكرة الإله الخالق وبين ما يكشف عنه العلم. في الحقيقة، إن فرضية وجود الإله تجيب على مجموعة من الأسئلة العويصة تتعلق بما حدث قبل الانفجار العظيم، ولماذا هيئ الكون بشكل رائع من أجل أن نعيش فيه.

بالنسبة للمؤمن بالإله الذي وصل من حجة القانون الأخلاقي (الفصل الأول) إلى البحث عن الإله الذي لم يدفع بالكون للحركة فحسب، بل المهتم بالبشر، وهو ما يجعل هذا التركيب ممكناً.

يمكن صياغة الحجة على النحو التالي:

إذا كان الإله موجود فهو قوة خارقة

إذا كان قوة خارقة فهو غير مقيد بقوانين الطبيعة

إذا كان غير مقيد بقوانين الطبيعة فإنه غير مقيد بزمن

إذا لم يكن مقيد بزمن فإنه موجود في الماضي والحاضر والمستقبل

النتائج المترتبة على هذه الاستنتاجات تشمل التالي:

هو يمكن أن يكون موجود قبل الانفجار العظيم، كما يمكن أن يبقى بعد أن يفني الكون

هو قادر على معرفة ترتيب الكون بدقة حتى قبل أن يوجد

يمكن أن يكون على معرفة مسبقة بالكوكب القريب من الحافة الخارجية لمجرة حلزونية متوسطة مناسبة لعيش البشر فيها

يمكن أن يكون على معرفة مسبقة بأن تشكل الكون سوف يؤدي إلى تطوير مخلوقات واعية، من خلال آلية التطور عن طريق الانتقاء الطبيعي.

يمكن أن يكون على معرفة مسبقة حتى بأفكار وأفعال هذه الكائنات رغم أن هذه الكائنات حرة الإرادة.

يمكنني أن أقول الكثير حول الخطوات الأخيرة في هذه الحجة، ولكن الاتساق الملخص بين العلم والإيمان يمكن رؤيته بوضوح. هذه الحجة لا تقصد أن تتستر على كل التحديات أو جوانب القصور. المؤمنين بالإله في بعض أديان العالم يواجهون بالتأكيد صعوبات محددة في بعض تفاصيل أصل الكون الذي تنبأ به العلم.

الربوبين من أمثال آينشتاين الذين يعتقدون أن الإله بدأ خلق الأشياء دفعة واحدة، ولكنه لم يعد مهتمة بما يحدث بعد ذلك، يبدو مرتاحين من الاكتشافات الأخيرة لعلم الفيزياء والفلك، باستثناء مبدأ عدم التحديد. ولكن شعور معظم الأديان الإيمانية بالراحة متغير. ففكرة البداية المحددة للكون غير متوافقة تماماً مع البوذية. ولكن هناك فروع في الديانة الهندوسية لا تواجه تعارض حقيقي مع نظرية الانفجار العظيم. وكذلك أغلب مفسري الإسلام ولكن ليس كلهم.

في التقليد اليهودي -المسيحي، يبدأ سفر التكوين بالعبارة التالية “في بداية الأمر خلق الله السماوات والأرض” وهي تتوافق مع نظرية الانفجار العظيم. وفي مثال لافت، كان البابا بيوس الثاني عشر للكنيسة الكاثوليكية من أشد المؤيدين لنظرية الانفجار العظيم حتى قبل أن يبرز الجانب العلمي للنظرية.

ليست كل التفاسير المسيحية مؤيدة للنظرة العلمية للكون، ومع ذلك فإن من فسروا سفر التكوين بشكل حرفي استنتجوا أن عمر الأرض 6000 سنة فقط، ولذلك فهم يرفضون الاستنتاجات التي ذكرناها. موقف هؤلاء مفهوم من عدة جوانب، فهم يرفضون التفسير الفضفاض وتفريغ النصوص من محتواها. النصوص التي تصف حوادث تاريخية يجب أن تفسر رمزية فقط إذا ما تطلب ذلك.

ولكن هل سفر التكوين من هذا النوع؟ لا شك أن لغته شعرية. هل تعبر هذه النصوص عن هوية شعرية؟ (سيكون هناك الكثير لنقوله عن ذلك في الفصول القادمة). إنه ليس سؤالاً حديثاً، فطوال التاريخ ثار الجدل بين أنصار التفسير الحرفي وأنصار التفسير غير الحرفي. القديس أوغسطينوس Saint Augustine وهو أحد أعظم المفكرين الدينيين كان على وعي بخطورة تحوير النصوص الإنجيلية لتناسب الأطروحات العلمية، فكتب يقول في إشارة خاصة لسفر التكوين في الحقيقة، إن نصوصه غامضة وبعيدة عن متناول فهمنا، فنجد مقاطع في الكتاب المقدس يمكن تفسيرها بطريقة مختلفة دون الانحياز إلى الإيمان الذي تعلمناه. في مثل هذه الحالات، علينا أن لا نستعجل بتهور وأن نأخذ موقف حاسم باتجاه أو أخر، لأنه إذا حصل تطور في البحث عن الحقيقة وقلل من صحة هذا الموقف فإننا سوف نقع معه”.

في الفصول التالية سوف نركز على الجوانب العلمية المتعلقة بدراسة الحياة. سوف نتعرف على التعارضات المحتملة بين العلم والدين، على الأقل من وجهة معلقين معاصرين، ولكن سوف أقول بًنه إذا ما طبقنا نصيحة القديس أوغسطينوس حيث قدمت لنا بشكل جيد قبل الآلاف السنين من وجود أي سبب يدعونا لاعتذار من دارون، سوف نجد توافقاً مرضياً ومتسقاً وعميقاً بين وجهات النظر هذه.

 

إلى الفصل السابق: حرب وجهات النظر

إلى الفصل التالي: الحياة على الأرض من الميكروبات والإنسان

الإنفجار الكبير – الزمن والبيج بانج

الإنفجار الكبير – الزمن والبيج بانج

الإنفجار الكبير – الزمن والبيج بانج

الإنفجار الكبير – الزمن والبيج بانج

“العلم بلا دين أعرج، والدين بلا علم أعمى”

“ألبرت أينشتاين” Albert Einstein

 

حقائق “مزعجة”

كان العام 1916 ولم يكن “ألبرت أينشتاين” Albert Einstein  سعيداً بما قادته إليه حساباته. لأنه إن كانت نظريته في النسبية العامة General Relativity  صحيحية، فهي تعني أن الكون ليس أزليًا بل له بداية. وكانت حسابات “أينشتاين” تكشف فعليًا بداية محددة للزمن كله، وللمادة كلها، وللفضاء كله. وهو ما ضرب بعرض الحائط اعتقاده في استاتيكية (أي ثبات) الكون وأزليته.

وقد وصف “أينشتاين” اكتشافه فيما بعد بالاكتشاف “المزعج”، لأنه أراد للكون أن يكون ذاتي الوجود – لا يعتمد على أي مسبب خارجي – ولكن ظهر أن الكون هو أثر عملاق. والحقيقة أن “أينشتاين” ضاق جدًا بتداعيات النسبية العامة، وهى نظرية ثبتت دقتها بدرجة لخمسة أرقام عشرية (واحد من مائة الف)، حتى إنه أدخل ثابتًا كونيًا (أطلق عليه البعض من ذلك الحين “مُعامِل التصحيح” “fudge factor”) في معادلاته ليبيَن أن الكون استاتيكيًا

 وليتجنب فكرة البداية المحددة.

إلا أن معامل تصحيح “أينشتاين” لم يصحِّح طويلاً. ففي عام 1919 أجرى عالم الكون البريطاني “آرثر إدينتون” Arthur Eddington تجربة أثناء كسوف شمسي أكدت فعليًا صحة النسبية العامة، فالكون ليس استاتيكيًا بل له بداية. ولم يسعد “إدينتون” كما لم يسعد “أينشتاين” بالتداعيات. فقد كتب فيما بعد: “من الناحية الفلسفية، أرى أن وجود بداية لنظام الطبيعة الحالي فكرة مُنَفِّرة لي شخصيًا… أتمنى أن أعثر على ثغرة حقيقية”!

وفي سنة 1922 أثبت عالم الرياضيات الروسي “ألكسندر فريدمَن” Alexander Friedman  رسميًا أن معامل تصحيح “أينشتاين” خاطىء وفقًا لقواعد علم الجبر. (الغريب أن “أينشتاين” بكل نبوغه، في محاولاته للهروب من البداية’ قَسَمَ على صفر، وهو ما يعرف حتى تلاميذ المدارس أنه لا يجوز مطلقًا!) وفي الوقت نفسه اكتشف عالِم الفَلَك الهولندي “فيلِم دي سيتَر” Willem de Sitter  أن النسبية العامة تستلزم تمدد الكون. وسنة 1927 لاحظ عالم الفلك “إدوين هَبِل” Edwin Hubble  (الذي سُمِّي التلسكوب الفلكي “هَبِل” باسمه) تمدُّد الكون فعليًا.

فعندما نظر “هَبِل” من التلسكوب البالغ قطره 254 سنتيمترًا الكائن في “مرصد ماونت ويلسون” Mount Wilson Observatory بولاية كاليفورنيا، اكتشف “انزياحًا نحو الأحمر” “red shifty”  في الضوء في كل المجرات التي يمكن ملاحظتها، مما يعني أن تلك المجرات تتحرك بعيدًا عنا. أي أن النسبية العامة تأكَّدت مرة أخرى، ويبدو أن الكون يتمدد من نقطة معينة في الماضي السحيق.[1]

وسنة 1929 شدَّ “أينشتاين” الرِّحال إلى “ماونت ويلسون” لينظر في تلسكوب “هَبِل” بنفسه. وما رآه كان شيئًا لا يقبل الجدل. فالدليل المبني على الملاحظة بيَّن أن الكون يتمدَّد فعلاً كما تنبأَّتْ النسبية العامة.

والآن بعد أن انسحق ثابته الكون نهائيًا تحت وطأة الدليل المضاد، لم يتمكن “اينشتاين” منذ تلك اللحظة أن يدعم أمله في أزلية الكون. ومن ثم، وَصَفَ الثابت الكوني بأنه “أكبر خطأ محرج في حياتي”، وأعاد توجيه جهوده نحو العثور على سطح علبة لغز الحياة. وقال “أينشتاين” إني أريد “أن أعرف كيف خَلَقَ الله العالم. ولا تهمني هذه الظاهرة أو تلك، ولستُ مهتمًا بمدى هذا العنصر أو ذاك. ولكني أريد أن أعرف فِكرَه، أما الباقي تفاصيل”.

ورغم أن “أينشتاين” قال إنه يؤمن بوحدة الوجود (الله والكون واحد)، فتعليقاته التي يعترف فيها بالخلق والفكر الإلهي هي أقرب للإيمان بالإله الخالق الحافظ. ورغم ما تسببه نظريته في النسبية العامة من “إزعاج”، فهي تقف اليوم بوصفها من أقوى الأدلة على وجود إله خالق حافظ. والحقيقة أن النسبية العامة تؤيد واحدة من أقدم الحجج الرسمية على وجود الإله الخالق الحافظ، ألا وهي الحجة الكونية.

الحجة الكونية: بدايةُ نهايةِ الإلحاد

لا تخف من هذا الاسم الاصطلاحي: فكلمة “كوني” “cosmological” مشتقة من الكلمة اليونانية cosmos التي تعني “العالم” أو “الكون”. أي أن الحجة الكونية Argument  Cosmological  هي الحجة المبنية على بداية الكون. فإن كان للكون بداية، إذَن للكون مسبب. وفي القالب المنطقي تظهر الحجة هكذا:

  • كل ما لديه بداية له مسبِّب.
  • الكون له بداية.
  • إذَن الكون له مسبَّب.

وكما بينَّنا في الفصل السابق، لكي تكون الحجة صحيحة، لا بد أن تكون مقبولة منطقيًا، ولا بد أن تكون فرضياتها صحيحة. هذه الحجة مقبولة منطقيًا، ولكن هل المقدمات صحيحة؟ فلنلقِ نظرة على فرضياتها.

فرضية 1: كل ما له بداية له مسبَّب. هذا هو قانون السببية الذي يمثِّل المبدأ الأساسي للعلم. فلولا قانون السببية، لكان العلم مستحيلاً. وقد قال “فرانسيس بيكون” Francis Bacon (أبو العلم الحديث): ” المعرفة الحقيقية هي معرفة المسبِّبات. أي أن العلم هو بحث عن المسببات. وهذا ما يفعله العلماء؛ يحاولون أن يكتشفوا مسببات الأشياء.

وإن كنا قد لاحظنا أي شيء عن الكون، فما لاحظناه هو أن الأشياء لا تحدث بلا مسبب. فعندما يقود رَجُل سيارته في الطريق لا يمكن أن تظهر أمامه سيارة من مكان لا وجود له، بلا سائق، أو بلا مسبب. صحيح نحن نعلم أن الكثيرين من رجال الشرطة يسمعون ذلك، ولكنه ليس صحيحًا. فدائمًا ما يكون هناك سائق أو أي مسبب آخر وراء تلك السيارة التي ظهرت.

وحتى المتشكك العظيم “ديفيد هيوم” لم يقدر أن يذكر قانون السببية. وقد كتب: “لم أؤكد مطلقًا هذه الفرضية شديدة السخافة: أن شيئًا يمكن أن يحدث دون مسبب”.

والحقيقة أن إنكار قانون السببية يعني إنكار العقلانية، لأن عملية التفكير العقلاني نفسها تتطلب منا أن نجمع معًا الأفكار (المسببات) التي تؤدي إلى النتائج (الآثار). فإن قال لك أحد إنه لا يؤمن بقانون السببية، تسأله: “ما السبب الذي وصل بك إلى هذه النتيجة؟”

وبما أن قانون السببية ثابت ومؤكَّد ولا يمكن إنكاره، إذَن الفرضية رقم 1 صحيحة. ماذا عن الفرضية رقم 2؟ هل للكون بداية؟ إن لم يكن كذلك، إذَن لا حاجة لمسبِّب. ولكن إن كان كذلك، إذَن لا بد أن يكون للكون مسبب.

حتى زمن “أينشتاين” تقريبًا، كان الملحدون مستكينين للاعتقاد بأن الكون أزلي، ومن ثم لا يحتاج لمسبب. ولكن منذ ذلك الحين، اكتُشِفَت خمسة فروع من الأدلة العلمية تُثْبِت بما لا يقبل الشك المنطقي أن الكون له بداية بالفعل. وتلك البداية هي ما يُطلِق عليه العلماء حاليًا “الانفجار الكبير”  “The Big Bang”. وأدلة الأنفجار الكبير يمكن تذكرها بسهولة بكلمة SURGE.[2]

في البدء كان الإنفجار الكبير

كل عدة سنوات أو نحو ذلك، تنشر كبرى المجلات الإخبارية، مثل مجلة “تايم” “Time”  ومجلة “نيوزويك” “Newsweek”  وغيرهما، موضوع غلاف عن أصل الكون ومصيره. ومن الأسئلة التي تبحثها هذه المقالات: “متى بدأ الكون؟” “ومتى سينتهي؟” ولكن فكرة أن الكون له بداية وأنه سيموت في النهاية لا تُطرح للمناقشة في هذه الموضوعات. لماذا؟ لأن العلماء اليوم يعلمون أنه لا بد من وجود بداية ونهاية للكون بناءً على واحد من أكثر القوانين الطبيعية المؤكَّدة ألا وهو القانون الثاني في الديناميكا الحرارية.

القانون الثاني في الديناميكا الحرارية (S)

القانون الثاني في الديناميكا الحرارية Second Law of Thermodynamics هو ما سنشير إليه بحرف S في كلمة SURGE. والديناميكا الحرارية هي العلم الذي يدرس المادة والطاقة، ومن الأشياء التي ينص عليها القانون الثاني أن الكون يفقد الطاقة القابلة للاستخدام. فكل لحظة يتناقص مقدار الطاقة القابلة للاستخدام في الكون، مما يؤدي بالعلماء إلى النتيجة الواضحة من أنه يومًا ما كل الطاقة ستنفذ والكون سيموت. فالكون مثل السيارة المنطلقة على الطريق، لا بد أن تفرغ من البنزين.

تقول: “وَلَوْ! كيف يُثْبِت ذلك بداية الكون؟” لتنظر إلى الأمر هكذا: القانون الأول في الديناميكا الحرارية يقول إن أجمالي كمية الطاقة في الكون ثابت.[3] أي أن الكون لا يملك إلا مقدارًا محددًا من الطاقة (مثل سيارتك التي لا تملك إلا مقدارًا محدودًا من الوقود). والآن، إن كانت سيارتك بها مقدار محدود من الوقود (القانون الأول)، وكلما تسير تستهلك الوقود باستمرار (القانون الثاني)، فهل يمكن لسيارتك أن تتحرك الآن لو كنت قد أدرتها منذ الأزل؟ لا، بالطبع لا.

كان وقودها سينتهي. وهكذا لو كان الكون يعمل منذ الأزل، لكان الآن قد فقد كل طاقته. ولكنه مازال يعمل. إذَن لا بد أنه بدأ في وقت ما في الماضي المحدود. أي أن الكون ليس أزليًا، ولكن له بداية.

يمكنك أيضًا أن تتخيل الكون مثل كشاف كهربائي. إن تركت الكشاف الكهربائي مضاء طوال الليل، فكيف ستكون قوة الضوء في الصباح؟ سيكون خافتًا لأن البطاريات استهلكت معظم طاقتها. إن الكون مثل كشاف كهربائي يخفت ضوءه. وهو لا يملك إلا قدرًا محدَّدًا من الطاقة المتبقية المتاحة للاستهلاك. ولكن بما أن بطارية الكون مازال فيها قدر من الطاقة (لم تَمُتْ تمامًا)، إذَن يستحيل أن يكون أزليًا. بل لابد أن له بداية لأنه لو كان أزليًا لكانت البطارية قد فرغت تمامًا من الطاقة.

ويُعرف القانون الثاني أيضًا باسم قانون الإنثروبي Law of Entropy وهو عبارة عن طريقة معقَّدة للتعبير عن ميل الطبيعة لإشاعة حالة من الفوضى. أي أن الأشياء تتهالك بمرور الزمن. فسيارتك تتهالك، وبيتك يتهالك، وجسمك يتهالك. (الحقيقة أن القانون الثاني هو السبب في أننا عندما نشيخ نمشي على ثلاثة بعد أن كنا نمشي على اثنتين!) ولكن إن كان النظام يقل في الكون، فمِن أين أتى النظام الأصلي؟ عالم الفلك “روبرت جاسترو” Robert Jastrow يُشَبِّه الكون بساعة تُدار يدويًا. إن كانت هذه الساعة تعمل، لا بد أن شخصًا أدارها.

وهذا الجانب أيضًا في القانون الثاني يعَرِّفنا أن الكون له بداية. فبما أنه ما زال شيء من النظام متبقيًا عندنا، تمامًا كما أنه عندنا قدر من الطاقة القابلة للاستخدام، إذَن لا يمكن أن يكون الكون أزليًا، لأنه إن كان كذلك لكُّنا الآن قد وصلنا إلى فوضى كاملة (إنتروبي).

منذ عدة سنوات، دعاني (“أنا نورم”) أحد الطلاب الذين يشاركون في خدمة مسيحية في إحدى جامعات رابطة أيفي ليج Ivy League لأتحدث هناك عن موضوع مشابه. وفي المحاضرة التي قدمتها للطلاب كان موضوعي الأساسي ما كتبناه هنا، ولكن بمزيد من التفاصيل الكثيرة. وبعد المحاضرة طلب مني الطالب الذي دعاني أن أتناول الغداء معه ومع الأستاذ الذي يُدَرِّسه الفيزياء.

وعندما جلسنا للأكل، أوضح الأستاذ أنه متشكك في حجتي التي مفادها أن القانون الثاني يستلزم بداية للكون. وقال إنه يؤمن بالفلسفة المادية التي تقول إنه لا يوجد إلا المادة، وإنها موجودة منذ الأزل.

فسألته: “إن كانت المادة أزلية، فماذا تفعل بالقانون الثاني؟”

أجاب: “لكل قاعدة استثناء. وهذا هو استثنائي”.

كان يمكنني أن أسأله إن كان هذا الافتراض علميًا. فهذا الكلام ليس علميًا، بل قد يكون متناقضًا ويفند نفسه. فهو يفند نفسه إن سالت: “هل القاعدة التي تقول “لكل قاعدة استثناء” لها استثناءات؟” إن كان لها إي استثناء، فقد يكون القانون الثاني استثناء من القانون الذي يقول إن كل قاعدة لها استثناءات.

ولكني لم أتخذ هذا النهج لأني لم أُرِدْ أن أحرجه. ولكني وضعت القانون الثاني جانبًا بشكل مؤقت وقررت أن أسأله عن المادية.

فسالته: “إن كانت كل الأشياء مادية، إذَن ما هي النظرية العلمية؟ فمهما كان، النظريات عن كل الأشياء المادية ليست مادية، فالنظرية لا تتكون من جزيئات”.

ودون أن يتردد لحظة واحدة، أجاب بِرَدّ عبقري قائلاً: “النظرية سِحْر”.

فكررت ما قال لأني لم أصدق أذني: “سحر؟ على أي أساس تقول ذلك؟”

فأجاب مسرعًا: “الإيمان”.

ففكرت في نفسي: “الإيمان بالسحر؟ لست أصدق أذني! إن كان الإيمان بالسحر أفضل ما يمكن لدعاة الفلسفة المادية تقديمه، إذَن لست أملك الإيمان الكافي لاعتناق المادية!”

وعندما استرجعتُ الموقف بدا لي أن هذا الأستاذ عاش لحظة وجيزة من الصدق التام؛ فقد عرف أنه لا يستطيع الرد على الأدلة الكاسحة التي تؤيد القانون الثاني. ولذلك، اعترف أن موقفه لا يقوم على أي دليل أو منطق سليم. وبذلك، قَدَّم مثالاً آخر على رفض الإرادة أن تُصَدِّق ما يقبله العقل باعتباره الحق، وهو أيضًا مثال يبيِّن أن موقف الملحد يقوم على إيمان مَحض.

لقد أصاب الأستاذ في شيء واحد، ألا وهو أن عنده إيمانًا. والحقيقة أنه كان يحتاجُ قفزة إيمانية حتى يتجاهل إراديًا أكثر القوانين المؤكَّدة في الطبيعة برمتها. وقد وصف “آرثر إدينتون” القانون الثاني منذ أكثر من ثمانين عامًا قائلاً:

القانون الذي يقول بزيادة الأنتروبي، وهو القانون الثاني في الديناميكا الحرارية، أظن أنه يحتل المكانة العليا بين قوانين الطبيعة. فإن أخبرك أحدهم أن نظريتك المفضلة عن الكون تتعارض مع معادلات “ماكسويل” Maxwell، يمكن ان تُنَّحي معادلات “ماكسويل” جانبًا.

وإن وُجدَت متعارضة مع الملاحظة، لا يهم، فالتجارب أحيانًا ما تفسد الأمور. ولكن أن وُجِدَت نظريتك متعارضة مع القانون الثاني في الديناميكا الحرارية فلا أستطيع أن أعطيك أي أمل، لأنه ليس أمامها إلا أن تهوي إلى أعماق الخزي.

وبما أني أدركت أن البرفسور لم يكن مهتمًا بقبول الحق، لم أسأله أي أسئلة أخرى محرجة. ولكن لأننا لم نتمكن من تجاهل تأثير القانون الثاني على أجسامنا، “طَلَب كلانا الحلوى بعد الغداء. ولم يُرِدْ أي منا أن ينكر أننا نحتاج أن نعوض الطاقة التي فقدناها لتونا!

تمدد الكون (U) The Universe Is Expanding

إن النظريات العلمية الجيدة هي التي تستطيع أن تتنبأ بالظواهر التي لم تخضع للملاحظة بعد. فكما رأينا النسبية العامة تنبأت بأن الكون يتمدد. ولكن العلماء لم يؤكدوا أن الكون يتمدد وأنه يتمدد من نقطة واحدة إلا بعد أكثر من عشر سنوات عندما نظر أسطورة علم الفلك “إدوين هَبِل” في تلسكوبه. (منذ عام 1913 كان عالم الفلك “فستو ملفين سليفَر” Festo Melvin Slipher  على وشك أن يكتشف تمدد الكون، ولكن “هَبِل” هو من وَضَع أجزاء الصورة معًا حتى اكتملت في أواخر العشرينيات). وهذا الكون المتمدد هو الفرع الثاني من الأدلة العلمية على بداية الكون.

كيف يُثْبِت تمدُّد الكون أن له بداية؟ فكِّر فيها هكذا: تَخيَّل أننا نشاهد تسجيلاً بالفيديو لتاريخ الكون ولكن بالعكس، سنرى أن كل مادة الكون تنهار حتى تصل إلى نقطة، ليست في حجم كرة السلة، ولا في حجم كرة الجولف، ولا حتى في حجم رأس الدبوس، ولكنها رياضيًا ومنطقيًا نقطة عبارة عن لا شيء (لا مكان، ولا زمان، ولا مادة). أي أنه كان هناك عدم ثم، انفجار، صار هناك شيء، انفجر الكون كله إلى الوجود! وهو ما شاعت تسميته طبعًا باسم “الانفجار الكبير”.

ومهم أن نفهم أن الكون لا يتمدد في فضاء فارغ، ولكن الفضاء نفسه يتمدد، فلم يكن هناك فضاء قبل الانفجار الكبير. ومهم أيضًا أن نفهم أن الكون لم ينبثق من مادة موجودة، ولكن من لا شيء، فقبل الانفجار الكبير لم يكن هناك مادة. بل الحقيقة أنه من الناحية الزمنية لم يكن هناك “قبل” الانفجار الكبير لأنه بدون الزمن ليس هناك “قبل”، ولم يكن هناك زمن حتى حدوث الانفجار الكبير.[4]

وهذه الحقائق تسبِّب الكثير من الاضطراب للملحدين، كما حدث في ليلة مطيرة في ولاية جورجيا من شهر نيسان/أبريل سنة 1998. في تلك الليلة حضرتُ (أنا “فرانك”) مناظرة في مدينة “أتلانتا” حول سؤال: “هلِ الله موجود؟” وقد اتخذ “وليم لين كريج” William Lane Craig المؤقف المؤيّد، واتخذ “بيترآتكينز” Peter Atkins الموقف المعارض.

وكانت المناظرة حيوية جدًا، بل فكاهية أحيانًا، وهو ما كان يرجع جزئيًا لحَكَم المناظرة “وليم ف. بَكلي” الابن Jr. William F. Buckley (لم يُخفِ “بَكلي” انحيازه لموقف “كريج” المؤيِّد لله، فبعد أن قدَّم “كريج” ومؤهلاته المبهرة، بدأ تقديم “آتكينز” بتعبير فكاهي، فقال: “ومعنا الدكتور “بيتر آتكينز” في صف الشيطان!”).

وكانت الحجة الكونية واحدة من الحجج الخمس التي طرحها “كريج” لإثبات وجودِ الله مؤيَّدةً بدليل الانفجار الكبير الذي تناولناه هنا. وقد أشار إلى أن الكون: كل الزمان، وكل المادة، وكل المكان انفجر من لا شيء، وهي حقيقة اعترف بها “آتكينز” في كتابه وأكدها ثانية فيما بعد تلك المناظرة.

بما أن “كريج” تحدَّث أولاً فقد أخبر الحضور عن محاولة “آتكينز” أن يفسر الكون من منظور إلحادي قائلاً: “يبذل الدكتور “آتكينز” قصارى جهده في كتابه “مراجعة الخليقة” The Creation Revisited ليفسِّر كيفية ظهور الكون إلى الوجود، بلا مسبب ومن العدم. ولكنه في النهاية يجد نفسه وقد سقط في التناقض. فهو ]يكتب[: “والآن نعود بالزمن إلى ما قبل لحظة الخلق عندما لم يكن هناك زمان، وحيث لم يكن هناك مكان”. وفي هذا الزمان الذي قبل الزمان يتخيل ترابًا من النقاط الرياضية التي تتحرك في دوامات وتتصل مرارًا وتكرارًا وأخيرًا عن طريق المحاولة والخطأ تشكل كوننا بزمانه ومكانه.

ثم أشار “كريج” إلى أن موقف “آتكينز” ليس نظرية علمية ولكنه في الواقع ميتافيزيقا شعبية متناقضة. وهو ميتافيزيقا شعبية لأنها تفسير مُفَبرَك، فليس هناك دليل علمي على الإطلاق يؤيده. وهو متناقض لأنه يفترض الزمان والمكان قبل أن يكون هناك زمان ومكان.

وحيث أن “كريج” لم يحصل على فرصة ليتحاور مع “آتكينز” مباشرةً حول هذه النقطة وقفت أنا وكذلك “رافي زكراياس” في صف الأسئلة قرب نهاية المناظرة لنسأل “آتكينز” عن موقفه. ولكن للأسف الوقت انتهى قبل أن يتمكن أيٌّ منا من طرح سؤاله. لذلك ذهبنا إلى “آتكينز” على انفراد بعد المناظرة.

وبدأ “رافي” الحديث قائلاً: “دكتور “آتكينز”، إنك تعترف أن الكون انفجر من لا شيء، ولكن تفسيرك لبدايته يتلاعب بمعنى “اللاشيء”. وذلك لأن النقاط الرياضية التي تتحرك في دوامات ليست لا شيء. ولكنها شيء. كيف تبرر ذلك؟”

وبدلاً من أن يرد “آتكينز” على هذه القضية استسلم حرفيًا للقانون الثاني من الديناميكا الحرارية، وقال: “الحقيقة أنا متعَب جدًا ولا يمكنني أن أجيب عن المزيد من الأسئلة الآن”.

أي أن انخفاض طاقته أثبت أن القانون الثاني سارٍ. والحقيقة ان “آتكينز” لم يكن لديه فعليًا أي شيء يقوله.

وفقاً للأدلة الكونية الحديثة، لم يكن هناك فعليًا أي شيْ انبثق منه الكون. ولكن عندما حاول “آتكينز” أن يقدم تفسيرًا إلحاديًا لذلك لم يبدأ باللاشيء، بل بنقاط رياضية وزمان. وبالطبع لا يستطيع المرء على أي حال أن يتخيل كيف يمكن لمجرد نقاط رياضية وزمان أن يُسَبِّبا الكون. إلا أننا أردنا أن نؤكد أن الملحدين أمثال “آتكينز” عليهم أن يجدوا طريقة ليفسروا كيفية بدء الكون من لا شيء أصلاً.

ما هو اللاشيء؟ قدَّم أرسطو تعريفًا جيدًا حين قال: اللاشيء هو ما تحلم به الصخور! إن اللاشيء الذي نشأ منه الكون ليس “نقاطًا رياضية” كما يرجح “آتكينز”، ولا “طاقة إيجابية وسلبية” كما كتب ذات مرة إسحاق أزيموف” Isaac Asimov ، وهو أيضًا ملحد. اللاشيء هو حرفيًا لا شيء، إنه ما تحلم به الصخور.

وقد وصف الكاتب البريطاني “أنتوني كني”  Anthony Kenny بأمانة المأزق الذي يجد نفسه فيه بصفته ملحدًا في ضوء الأدلة على الانفجار الكبير. فكتب: “وفقًا لنظرية الانفجار الكبير، كل مادة الكون ظهرت في الوجود في وقت معين في الماضي السحيق. ومؤيد هذه النظرية، على الأقل إن كان ملحدًا، لا بد أن يؤمن أن مادة الكون أتت من لا شيء وبواسطة لا شيء”.

الإشعاع المنبعث من الانفجار الكبير (R ) Radiation from the Big Bang

الفرع الثالث من الأدلة العلمية على أن للكون بداية اكتُشِفَ بالصدفة سنة 1965. وكان ذلك عندما التقط كلٌّ من “آرنو بنزياس” Arno Penzias وزميله “روبرت ويلسون” Robert Wilson  إشعاعًا غريبًا على هوائي “مَعامل بل” Bell Labs” في “هولمدل” Holmdel بولاية نيو جيرسي. وحتى عندما أدارا الهوائي في كل الاتجاهات ظل هذا الإشعاع الغامض موجودًا. وفي البداية ظنًا أنه يمكن أن يكون نتيجة تراكم فضلات الحمام المعشش من شاطيء نيو جيرسي على الهوائي. فطلبا إبعاد الحمام وإزالة فضلاته. ولكنهما عندما دخلا ثانية وجدا أن الإشعاع ظل باقيًا، وظل يأتي من كل الاتجاهات.

وما رصده “بنزياس” وزميله “ويلسون” أصبح من أكثر الاكتشافات المدهشة في القرن الماضي، حتى إنه كان سببًا في فوزهما بجائزة نوبل. لقد اكتشف عالِما “مَعامل بل” الشعاع التابع لانفجار كرة النار الكبير!.

وهذا الشعاع التابع للانفجار الذي يُعرف اصطلاحًا باسم إشعاع الخلفية الكونية cosmic background radiation هو فعليًا عبارة عن ضوء وحرارة من الانفجار الأصلي. إلا أن هذا الضوء لم يعُد منظورًا لأن طوله الموجي تَمَدَّد بفعل التمدُّد الكوني حتى وصل إلى أطوال موجية أقصر قليلاً من الموجات الصادرة من فرن الميكروويف. ولكننا مازلنا قادرين على رصد الحرارة المنبعثة.

ومنذ سنة 1948 تنبأ ثلاثة علماء أن الانفجار الكبير، إن كان حقيقيًا، فلا بد أن يوجد إشعاع كهذا. ولكن لسببٍ ما، لم يحاول أحد ان يرصده قبل أن يتعثر فيه “بنزياس” وزميله “ويلسون” بالصدفة بعد ما يقرب من عشرين عامًا. وعندما تأكد الاكتشاف أسكت كل الاقتراحات التي تُلِحّ على أن يكون في حالة أزلية ثابتة. وهو ما عَبَّرَ عنه عالم الفلك اللاأدري “روبرت جاسترو” بهذه الكلمات:

لم يُكتَشَف لإشعاع كرة النار إلا الانفجار الكبير. والفيصل الذي أقنع تقريبًا آخر توما شكاك هو أن الإشعاع الذي اكتشفه “بنزياس” و”ويلسون” له نفس نمط الأطوال الموجية المتوقَّعة للضوء والحرارة الناتجين عن انفجار ضخم. وقد حاول مؤيدو نظرية الحالة الثابتة steady state theory  محاولات مستميتة أن يجدوا تفسيرًا بديلاً. ولكنهم فشلوا. وفي الوقت الحالي، نظرية الانفجار الكبير تقف بلا منافس.

والواقع أن اكتشاف إشعاع كرة النار أحرق أي أمل في الحالة الثابتة. إلا أنه لم يكن آخِر الاكتشافات. وفيما يلي مزيد من أدلة الانفجار الكبير. والحقيقة أنه لو كان عِلم الكون مبارة كرة قدم أمريكية، لَطُلِب من المؤمنين بالانفجار الكبير أن “يقفزوا” فوق لاعبي الفريق المنافس مع ظهور هذا الاكتشاف التالي.

بذور المجرة العظيمة (G) Great Galaxy Seeds

بعد اكتشاف تمدُّد الكون الذي تنبأت به النظريات، والإشعاع التابع للانفجار الكبير، وَجَّهَ العلماء انتباههم لتنبوء آخر من شأنه تأكيد الانفجار الكبير. فإن كان الانفجار الكبير قد حدث بالفعل، رأى العلماء أنه لابد أن نرى تنوعات طفيفة (أو حركات موجية دائرية صغيرة) في درجة حرارة الإشعاع الخلفي الكوني الذي اكتشفه “بنزياس” و”ويلسون”. وهذه الحركات الموجية الدائرية من درجة الحرارة مَكَّنَت المادة من التجمع بفعل الجاذبية في هيئة مجرات. وإن وُجِدَت، ستُشَكِّل الفرع الرابع من الأدلة العلمية على بداية الكون.

وسنة 1989 تَكَثَّف البحث عن هذه الحركات الموجية عندما أطلقت ناسا القمر الصناعي الذي تعادل قيمته 200 مليون دولار، والذي اختير له اسم مناسب جدًا هو “مستكشف الخلفية الكونية” Cosmic Background Explorer  واختصاره “كوب” COBE. وقد تَمَّكَن “كوب” بما حمله من أجهزة شديدة الحساسية أن يرى ما إذا كانت هذه الحركات الموجية الدائرية الصغيرة موجودة بالفعل في الإشعاع الخلفي ومدى دقتها.

وعندما أعلن عالم الفلك “جورج سموت” George Smoot، قائد المشروع، نتائجَ “كوب” سنة 1992 نشرت صحف العالم وصفَه الصادم. فقد قال: “إن كنتَ متدينًا، فالأمر يشبه النظر إلى الله”. ولم يكن “مايكل ترنر” Michael Turner عالم الفيزياء الفلكية بجامعة شيكاغو أقل حماسًا، إذ زعم قائلاً: “إن قيمة هذا ]الاكتشاف[ أعظم من أن توصف.

لقد وجدوا قدس أقداس الكونيات”. وقد اتفق معهما أيضًا “ستيفن هوكينج” عالم الفلك بجامعة  كامبريدج، ووصف النتائج بأنها “أهم اكتشاف في القرن، إن لم يكن في التاريخ كله”. فما الذي اكتشفه “كوب” حتى يستحق كل هذه الأوصاف الرنانة؟

إن “كوب” لم يجد الحركات الموجية الدائرية فحسب، ولكن العلماء ذُهِلوا من دقتها. فالحركات الموجية تُبَيِّن أن انفجار الكون وتمدُّده ضُبِطَا بدقة تتيح إنتاج المادة بكمية تكفي لتَجَمُّعها معًا بما يسمح بتكوين المجرات، ولكنها لا تكفي لتجعل الكون ينهار مرة أخرى على نفسه. ولو حدث تغيير طفيف بأي شكل من الشكال لن يكون أيُّ منَّا حتى يخبر به. وفي الحقيقة الحركات الموجية الدائرية الصغيرة في منتهى الدقة (تصل دقتها إلى جزء من مائة ألف) حتى إن “سموت” أطلق عليها “آثار آلةِ خلق الكون”، ووَصَفَها أيضًا بأنها ” بصمات الخالق”.

ولكن هذه الحركات الموجية الدائرية لدرجة الحرارة ليست مجرد نقط على رسم بياني لأحد العلماء في مكانٍ ما. ولكن “كوب” التقط صورًا تحت الحمراء للحركات الموجية. تَذَكَّر أن ملاحظة الفضاء هي في الواقع ملاحظة للماضي، نظرًا لطول الزمن الذي يستغرقه الضوء القادم من أجسام بعيدة جدًا حتى يصل إلينا. لذا، صور “كوب” هي فعليًا صور من الماضي. أي أن الصور تحت الحمراء التي التقطها “كوب” تشير إلى وجود مادة من الكون الأولي تُشَكِّل في النهاية المجرات والعناقيد المجرِّية.

وقد أطلق “سموت” على هذه المادة “بذور” المجرات كما توجد اليوم (يمكن الاطلاع على هذه الصور على الموقع الإليكتروني للقمر “كوب”: http://imbda.gsfc.nasa.gov)). وهذه “البذور” هي أكبر بِنَى تم رصدها على الإطلاق، وأكبرها يمتد بعرض ثُلث الكون المعروف. وهو ما يعادل 10 مليار سنة ضوئية أو 95 مليار تريليون (95 يتبعها 21 صفر) كيلومتر.

والأن تستطيع أن تفهم سبب الأوصاف المهيبة التي أطلقها بعض العلماء على الاكتشاف. إنه شيء آخر تنبّأت به نظرية الانفجار الكبير، والآن تم اكتشافه، وكان ذلك الشيء عظيم الكِبرَ وشديد الدقة حتى إنه أحدث انفجارًا كبيرًا عند العلماء!

نظرية أينشتاين في النسبية العامة (E) Einstein’s Theory of General Relativity

حرف E  في كلمة SURGE  يشير إلى “أينشتاين” Einstein. وتمثِّل نظريته في النسبية العامة الفرع الخامس في الأدلة العلمية على بداية الكون، وكان اكتشافها بداية النهاية لفكرة أزلية الكون. والنظرية نفسها التي تم التحقُّق من دقتها للرقم العشري الخامس (أي بنسبة واحد من مائة ألف)، تستلزم بداية محددة للزمن، والمكان، والمادة. وهي تبين أن الزمان، والمكان، والمادة ملازِمة لبعضها البعض. أي أنها علاقة تكافيلية، لا يمكن أن يوجد عنصر واحد دون العنصرين الآخَرين.

ومن نظرية النسبية العامة، تنبأ العلماء بتمدد الكون، والشعاع المنبعث عقب الانفجار، وبذور المجرة العظيمة التي ضُبِطَت بدقة تسمح للكون أن يتخد شكله الحالي، ثم اكتشفوا كل هذه الحقائق. أضف هذه الاكتشافات إلى القانون الثاني في الديناميكا الحرارية. وبذلك تتكون لدينا خمسة فروع من الأدلة العلمية القوية على أن الكون له بداية. بداية، إن جاز لنا التعبير، أتت في انفجار كبير أشرنا إلى أدلته بلفظ SURGE.

الله وعلماء الفلك

إذَن الكون له بداية. ماذا يعني ذلك لمسألة وجوِد الله؟ العالِم الذي يشغل حاليًا كرسي “إدوين هَبِل” في “مرصد ماونت ويلسون” يخبرنا ببعض الأمور عن هذا الموضوع. واسمه “روبرت جاسترو”، وهو عالم فلك اقتبسنا من أقواله في هذا الفصل. وهو مدير “مرصد ماونت ويلسون”، ومؤسس “معهد جودار لدراسات الفضاء التابع لناسا” NASA’s Goddard Institute of Space Studies.

ومن الواضح أن مؤهلاته لا تشوبها شائبة. وهو ما جعل لكتابه “الله وعلماء الفلك” God and the Astronomers تأثيرًا كبيرًا على من يبحثون في تداعيات الانفجار الكبير، أي من يطرحون سؤال: “هل الانفجار الكبير يشير إلى الله؟”

ويكشف “جاسترو” في افتتاحية الفصل الول أنه لا يتبنى أي آراء دينية يود إقناع القارئ بها. فهو يقول: “عندما يكتب عالِم فَلَك عنِ الله، يفترض زملاؤه إما أنه شاخ وخَرِف، أو أنه أصيب بالجنون. ولكني أرجو أن يُفْهَم من البداية أني لاأدري في الأمور الدينية”.

في ضوء لاأدرية “جاستو”، تظهر أقواله التي تتعلق بالإيمان بالله الخالق أكثر إثارةً. فبعد أن شرح بعض أدلة الانفجار الكبير التي استعرضناها توًا، كتب: “يمكننا الآن أن نرى أن الأدلة الفلكية تؤدي إلى منظور كتابي[5] لأصل العالم. ورغم اختلاف تفاصيل الرواية الفلكية عن الرواية الكتابية الواردة في سفر التكوين؛ فالعناصر الأساسية في الروايتين واحدة: سلسلة الأحداث التي تؤدي إلى ظهور الإنسان بدأت بداية مفاجئة واضحة في لحظة محدَّدة في الزمن، في ومضة من الضوء والطاقة”.

والأدلة المذهلة على الانفجار الكبير وتوافقها مع الرواية الكتابية في سفر التكوين دفعا “جاسترو” أن يقول في حوار أُجري معه: “يرى علماء الفلك اليوم أنهم وضعوا أنفسهم في مزنق؛ لأنهم أثبتوا بطُرُقِهم العلمية أن العالم بدأ فجأة بفِعْلِ خَلْقٍ يمْكِنك أن تعزي له كل بذور كل نجم، وكل كوكب، وكل كائن حي في هذا الكون وعلى الأرض. وقد وجدوا أن كل هذا حدث نتاجًا لقوى لا يمكنهم حتى أن يحلموا باكتشافها…إني أعتقد أن وجود ما أُطْلِقُ عليه، أنا أو غيري، قوى فوق طبيعية عاملة أصبح الآن حقيقة ثابتة علميًا”.

وإذ يثير “جاسترو” فكرة فوق الطبيعي، يردد الخلاصة التي توصل إليها “آرثر إدينتون” الذي عاصر “أينشتاين”. فكما ذكرنا فيما سبق، أنه رغم أن “إدينتون” وجدها فكرة “منفِّرة”، فقد اعترف أن “البداية يبدو أنها تطرح صعوبات مستعصية إلا إذا اتفقنا أن ننظر إليها بصفتها فوق طبيعية على نحو صريح”.

ولكن لماذا يعترف “جاسترو” وكذلك “إدينتون” بوجود قوى “فوق طبيعية” عاملة؟ ما المانع أن يكون الكون نتاجَ قوى طبيعية؟ لأن هؤلاء العلماء يعلمون، مثلما يعلم أي شخص آخر، أن القوى الطبيعية، بل الطبيعة برمتها، خُلِقَت في الانفجار الكبير. أي أن الانفجار الكبير كان نقطة البداية للكون المادي كله. فالزمان والمكان والمادة أتت إلى الوجود عند تلك النقطة. وقبل الانفجار الكبير لم يكن هناك عالم طبيعي ولا قانون طبيعي.

وبما أن المسبِّب لا يمكن أن يَعْقُب الأثر، إذَن القوى الطبيعية لا يمكن أن تفسِّر الانفجار الكبير. ومن ثم لا بد من وجود شيء خارج الطبيعة يقوم بهذه الوظيفة. وهذا هو بالظبط ما يعنيه تعبير فوق طبيعي.

و”روبرت ويلسون” و”آرنو بنزياس”، مكتشِفا الشعاع التابع للانفجار، لم يكونا من معلمي الكتاب المقدس المتحمسين له. بل كان كلاهما في البداية يؤمن بنظرية الحالة الثابتة. ولكنهما نظرًا لتزايد الأدلة، غيَّرا موقفهما واعترفا بحقائق تتفق مع الكتاب المقدس. ويعترف “بنزياس” قائلاً: “لقد اتضح أن نظرية الحالة الثابتة في منتهى البشاعة حتى إن الناس لفظوها. وأسهل وسيلة لتوفيق الملاحظات على أقل عدد من المعايير تتمثل في تأكيد أن الكون خُلِقَ من لا شيء، في لحظة، وأنه مازال يتمدد”.

وقد قال “ويلسون” الذي درس على يد “فْرِد هويل” Fred Hoyle (الذي روَّج لنظرية الحالة الثابتة ونشرها على نطاق واسع سنة 1984): “لقد أُعجِبْتُ بنظرية الحالة الثابتة من الناحية الفلسفية. ولكن واضح أنه كان لا بد أن أتخلى عنها”. وعندما سأله الكاتب العلمي “فْرِد هيرِن” Fred Heeren عما إذا كانت أدلة الانفجار الكبير تشير إلى وجود خالق، أجاب “ويلسون” قائلاً: “مؤكد أن شيئًا ما أطلق هذه العملية برمتها.

ومؤكد، إن كنتَ متدينًا، أنه لا يمكنني أن أجد نظرية أفضل منها عن أصل الكون تتناسب مع سفر التكوين”. وقد أكد “جورج سموت” تقييم “ويلسون” حينما قال: “لا شك أن هناك تشابهًا بين الانفجار الكبير بصفته حدثًا والفكرة المسيحية المختصة بالخلق من عدم”.

“الإمبراطورية تعيد الضربات”[6] (ولكنها تتلاشى)

ما قول الملحدين في ذلك؟ لقد رأينا ما في تفسيرات “آتكينز” و”إسحق أزيموف” من قصور، فهي تنطلق من شيء وليس من عدم فعلي. فهل هناك أي تفسيرات إلحادية أخرى مقبولة منطقيًا؟ لم نرَ للملحدين تفسيرات مقبولة حتى اللآن. فقد خرجوا بنظريات أخرى، ولكنها جميعًا مشوبة بأخطاء فادحة. فلنلق نظرة سريعة على القليل منها.

نظرية الارتداد الكوني The Cosmic Rebound Theory: ترجِّح هذه النظرية أن الكون كان يتمدَّد وينكمش منذ الأزل. وهو ما يساعد مؤيديها على الهروب من البداية المحدَّدة. ولكن هذه النظرية محاطة بمشكلات عديدة، مما أدى إلى رفضها.

وأول هذه المشكلات وأوضحها هو عدم توافر دليل على وجود عدد لانهائي من الانفجارات (فمهما كان النظرية ليست نظرية الانفجار، الانفجار، الانفجار، الانفجار…الكبير!) بل يظهر أن الكون انفجر مرة واحدة من العدم، وليس مرارًا من مادة موجودة.

ثانيًا، الكون لا يحوي مادة كافية لسحب كل الأشياء معًا مرة أخرى. فيبدو أن الكون محكوم بشكل يجعله يستمر في التمدد إلى ما لانهاية. وهو ما أكَّده سنة 2003 “تشارلز بِنِت” Charles Bennett أحد علماء “مركز جودارد لرحلات الفضاء التابع لناسا” NASA’s Goddard Space Flight Center. فبعد أن فحص قراءات من أحدث مسبار فضائي لوكالة ناسا قال: “الكون سيستمر في التمدد إلى الأبد. فهو لن يرتد على نفسه وينهار محدثًا دويًا عظيمًا” والحقيقة أن علماء الفلك يكتشفون حاليًا أن سرعة تمدّد الكون تتزايد بالفعل، مما يستبعد أيضًا احتمالية الانهيار.

ثالثًا، حتى وإن كانت هناك مادة كافية لجعل الكون ينكمش ثم “ينفجر” ثانيةً، فنظرية الارتداد الكوني تتناقض مع القانون الثاني في الديناميكا الحرارية لأن النظرية تفترض، خطأً، أنه لن يُفقَد أي قدر من الطاقة في كل انكماش وانفجار. إن الكون الذي “ينفجر” مرارًا كثيرة لا بد أن يضعف ويتلاشى كما تضعف الكرة الساقطة. فلو كان الكون يتمدد وينكمش منذ الأزل، لكان قد تلاشى.

وأخيرًا، كان من المستحيل أن نصل إلى يومنا هذا لو كان الكون يتمدد وينكمش منذ الأزل. فحدوث عدد لانهائي من الانفجارات الكبيرة هو استحالة حقيقية (وسوف نتناول ذلك بالتفصيل بعد بضع صفحات). وحتى لو كان هناك عدد نهائي من الانفجارات، فالنظرية لا تستطيع أن تشرح ما سَبَّبَ أول انفجار. فلم يكن هناك شيئ “ينفجر” قبل الانفجار الأول!

الزمن التخيلي Imaginary Time:

أما المحاولات الإلحادية الأخرى التي تحاول تفسير كيفية انفجار الكون إلى الوجود من عدم هي أيضًا محاولات معيبة. فمثلاً في محاولةً لتجنب بداية محددة للكون، طرح “ستيفن هوكينج” Stephen Hawking نظرية تستخدم “الزمن التخيلي”. ويمكننا نحن أيضًا أن نسميها “نظرية تخيلية” لأن “هوكينج” نفسه يعترف أن نظريته “مجرد مقترح ]ميتافيزيقي[” لا يستطيع أن يفسِّر ما حدث في الزمن الحقيقي.

فهو يعترف أنه “في الزمن الحقيقي الكون له بداية…والواقع أن “هوكينج” يرى أن “الجميع تقريبًا اليوم يؤمنون أن الكون والزمن نفسه بدآ في الانفجار الكبير”. ومن ثم، باعتراف “هوكينج” نفسه، نظريته التخيلية تتلاشى عندما تُطَبَّق على العالم الحقيقي. فالزمن التخيلي محض خيال.

انعدام اليقين Uncertainty:

نظرًا لقوة الأدلة على بداية الكون، فإن بعض الملحدين يشكَّكون في الفرضية المنطقية الأولى في الحجة الكونية، ألا وهي قانون السببية. إلا أن هذا التشكيك يمثّل خطورة كبيرة على الملحدين الذين عادة ما يفخرون بأنهم أبطال العقل والعلم. وكما اشرنا آنفًا، قانون السببية هو أساس العلم برمته. فالعلم هو بحث عن المسببات. فإن دَمَّرتَ قانون السببية، دَمَّرتَ العلم نفسه.

ولكن الملحدون يحاولون التشكيك في قانون السببية باللجوء إلى الفيزياء الكمية، وتحديدًا مبدأ عدم اليقين عند هايزنبرج Heisenberg’s Uncertainty Principle. ويصف هذا المبدأ عجزنا عن التنبوء في آن واحد بموقع وسرعة الجسميات الموجودة في الذرة subatomic particles (أي الإلكترونيات). والملحدون هنا مقتنعون بأنه: إن كانت السببية غير ضرورية في عالم الذرة الداخلي، إذَن ربما سببية الكون برمته غير ضرورية أيضًا.

ولكن من حسن حظ العلم ان هذه المحاولة الإلحادية للتشكيك في قانون السببية تبوء بالفشل. لماذا؟ لأنها تخلط بين السببية وإمكانية التنبوء. فمبدأ عدم اليقين عند هايزنبرج لا يُثبت أن حركة الإلكترونات بلا مسبب، ولكنه يصف فقط عجزنا عن التنبؤء بموقعها وسرعتها في وقت بعينه، فعدم قدرتنا على التنبوء بشيء لا يعني أن هذا الشيء بلا مسبب.

والحقيقة أن واضعي نظريات الكم يعترفون أنه قد لا نستطيع التنبوء بسرعة الإلكترونات وموقعها في آن، لأن محاولتنا لملاحظتها هي السبب في تحركاتها التي لا يمكن التنبوء بها! فكما يضع مربي النحل رأسه في خلية النحل، علينا أن نستثيرها حتى نلاحظها. ومن ثم قد تكون الحركة الحادثة هي عبارة عن عالِم يرى رموشه في الميكروسكوب.

وفي النهاية يتضح أنه ليست هناك نظرية إلحادية تُفَنِّد أيًا من فرضيات الحجة الكونية بكفاءة. فللكون بداية، ومن ثم يحتاج إلى مسبب.

ديانة العلم

فلماذا إذَن لا يقبل كل العلماء هذه النتيجة بدلاً من أن يحاولوا تجنب الحقائق ومضامينها بتفسيرات معيبة وغير مقبولة منطقيًا؟ وتعليقات “جاسترو” ثاقبة في هذا الصدد أيضًا (تَذكَّر أن “جاسترو” لاأدري). فهو يقول:

اللاهوتيون عمومًا سعداء بالبرهان على بداية الكون، ولكن الغريب أن الفلكيين متضايقون. وردود أفعالهم تُعَبِّر تعبيرًا مثيرًا عن استجابة العقل العلمي، الذي يُفتَرَض أنه عقل موضوعي جدًا، عندما تؤدّي الأدلة التي كشفها العلم نفسه إلى صدام مع بنود الإيمان في مهنتنا. وينتهي المطاف بالعالِم إلى أن يتصرف كما نفعل جميعًا عندما تصطدم معتقداتنا بالأدلة. فإما أننا ننزعج، أو نتظاهر بعدم وجود صدام، أو نخفيه بعبارات لا معنى لها.

والعبارات التي رأينا “آتكينز” و”أزيموف” يستخدمانها لتفسير بداية الكون مثل “النقاط الرياضية”، و”الطاقة الأيجابية والسلبية” على الترتيب تبدو لنا بالتأكيد بلا معنى. وهي في الواقع لا تفسِّر شيئًا.

أما بخصوص مشاعر “أينشتاين” “المزعجة” تجاه النسبية العامة وتمدد الكون، يقول “جاسترو”: “إنها لغة عاطفية غريبة لا تناسب مناقشة الصيغ الرياضية. ولكني أظن أن فكرة البداية الزمنية ضايقت “أينشتاين” لما لها من مضامين لاهوتية”.

إن الجميع يعلمون أن المؤمنين بالله الخالق لديهم معتقدات لاهوتية. ولكن الحقيقة المهملة غالبًا هي أن العلماء الملحدين والمؤمنين بوحدة الوجود لديهم أيضًا معتقدات لاهوتية. وكما أشرنا آنفًا، يُطْلِق “جاسترو” على بعض هذه المعتقدات “بنود الإيمان في مهنتنا” وهو يؤكد أن بعض هذه المعتقدات تشكل “الديانة العلمية”. فهو يكتب قائلاً:

هناك نوع من الديانة العلمية…كل أثر لا بد أن يكون له مسبب، فليس هناك مسبب أولي…ولكن هذا الإيمان الديني عند العالِم يتأذى باكتشاف أن العالَم له بداية شروطها تُبطل قوانين الفيزياء المعروفة، وأنه نتاجُ قوى أو ظروف لا يمكننا اكتشافها. وعندما يحدثُ ذلك يفقد العالم السيطرة. ولو فَحَصَ مضامين هذه الاكتشافات فحصًا حقيقيًا، لأُصيب بصدمة. وكالعادة عندما يواجه العقل صدمة يكون رد فعله أنه يتجاهل مضامينها، وهو ما يُعرف في العلم باسم “رفض توقع النتائج المتضمنّة”، أو التهوين من أصل العالَم بتسميته الانفجار الكبير، وكأن الكون لعبة نارية.

وسواء كان العلماء مصدومين أم لا، عليهم أن يدركوا ما تنطوي عليه أدلة الانفجار الكبير من مضامين. فقد لا تعجبهم الأدلة أو مضامينها، إلا أن هذا لا يغير الحقائق. وحيث إن الأدلة تبين أن الزمان والمكان والمادة خُلِقَت في الانفجار الكبير، فالخلاصة العلمية الأكثر احتمالاً هي أن الكون سُبِّبَ بفعل شيء خارج الزمان والمكان والمادة (أي مسبب أزلي). وعندما يقصر العلماء عن مواجهة تلك الخلاصة بإخفائها “بعبارات لا معنى لها” أو “برفض توقع النتائج المتضمنة”، يبدو أنهم ببساطة يرفضون قبول الحقائق والخلاصات الأكثر منطقية المترتبة عليها. وهو رفض إرادي، لا عقلي. فالأدلة موضوعية، ولكن العلماء الذين لا يصدقونها غير موضوعيين.

ماذا لو كانت نظرية الانفجار الكبير خاطئة؟

لقد استعرضنا حتى الآن أدلة علمية متينة ( (SURGEعلى حقيقة بداية الكون. ولكن هَبْ أن العلماء استيقظوا ذات يوم واكتشفوا أن كل حساباتهم خاطئة، وأنه لم يكن هناك انفجار كبير. ولكننا إن أخذنا في الاعتبار الأدلة العديدة المتنوعة وقدرة النظرية على التنبوء تنبؤات صحيحة بكمً كبير من الظواهر القابلة للملاحظة، يصبح رفض نظرية الانفجار الكبير أمرًا مستبعدًا تمامًا.

وهو ما يعترف به حتى الملحدين أنفسهم. فمثلاً “فيكتور ستنجر” Victor Stenger، وهو فيزيائي كان يُدَرِّس في “جامعة هاواي” University of Hawaii كتب أن “الكون انفجر من العدم”. واعترف “ستنجر” مؤخَّرًا أن الانفجار الكبير يبدو دائمًا أكثر احتمالاً. وقد قال: “علينا أن نترك المجال مفتوحًا لاحتمالية خطأ ]الانفجار الكبير[، لكننا…كل سنة نكتشف أن البيانات الفلكية المتراكمة تزداد توافقًا على الأقل مع الصورة العامة للانفجار الكبير”.

والواقع أنه في سنة 2003 ظهرت المزيد من الأدلة على صحة الانفجار الكبير. فالقمر الصناعي المسمى “مسبار ويلكينسون لقياس اختلاف الراديوية” (WMAP Wilkinson Microwave Anisotropy Probe) التابع لناسا أكد اكتشافات سابقة “كوب” وأنتج صورًا أوضح خمسًا وثلاثين مرة من صور “كوب” للحركات الموجية الدائرية لإشعاع الخلفية الكونية.

والحقيقة أن ملاحظات الفضاء تؤيِّد، يومًا بعد يوم، المنظور الإيماني حتى إن “جورج ويل” George Will يعلق عليها قائلاً: “الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية”Union American Civil Liberties ، أو “أناس من أجل النهج الأمريكي” people for the American Way، أو غيرهما من الفصائل العلمانية المُحِبَّة للتقاضي سترفع دعاوي قضائية قريبًا على ناسا متهمة إياها بأن تلسكوب هَبِل الفضائي ينحاز لذوي الميول الدينية بما يخالف الدستور”.

ومع ذلك دعونا نلعب دور محامي الشيطان للحظات. فلنفترض أنه في نقطة ما في المستقبل اعتُبِرَت نظرية الانفجار الكبير خاطئة. فهل هذا سيعني أن الكون أزلي؟ لا، لعدة أسباب.

أولاً، القانون الثاني في الديناميكا الحرارية (المشار إليه بحرف S  في كلمة SURGE) يؤيّد الانفجار الكبير ولكنه لا يعتمد عليه. فحقيقة أن الكون يستنفذ الطاقة القابلة للاستخدام ويتجه نحو حالة من الفوضى هي حقيقة لا جدال عليها. وهو ما عبَّر عنه “إدينتون” قائلاً إن القانون الثاني “يحتل المكانة العليا بين قوانين الطبيعة”. فهو قانون صحيح حتى إن لم يكن الانفجار الكبير صحيحًا.

ثانيًا، ينطبق هذا الكلام نفسه على نظرية “أينشتاين” في النسبية العامة (المشار إليها بحرف  E في كلمة SURGE). فهذه النظرية، التي تم التحقق منها جيدًا بالملاحظة، تستلزم وجود بداية للمكان، والمادة، والزمان سواء أكان كل هذا قد بدأ بانفجار أم لا.

ثالثًا، هناك أيضًا أدلة علمية جيولوجية تؤكّد أن للكون بداية. وكما دَرَسَ الكثير منا في مادة الكيمياء في المدرسة الثانوية، العناصر المشعة تضمحل بمرور الوقت متحولة إلى عناصر أخرى. فمثلاً اليورانيوم المشع يتحول في النهاية إلى رصاص. وهو ما يعني أنه لو كانت كل ذرات اليورانيوم أزلية، لكانت قد تحولت جميعها إلى رصاص، ولكن ذلك لم يحدث. إذَن لا يمكن أن تكون الأرض أزلية.

أخيرًا، هناك فرع فلسفي من الأدلة على بداية الكون. وهذا الفرع من الدلة منطقي جدًا، على نحو لا يمَكِّننا من التملص منه، حتى إن البعض يعتبرونه أقوى الحجج جميعًا. ويطلق عليه الحجة الكونية من علم الكلام Kalam Cosmological Argument، وهي تقول:

  1. العدد اللانهائي من الأيام لا نهاية له.
  2. ولكن اليومَ هو اليومُ النهائي في التاريخ (التاريخ باعتباره مجموعة من كل الأيام).
  3. إذَن لم يكن هناك عدد لانهائي من الأيام قبل اليوم (أي أن الزمان له بداية).

ولفهم هذه الحجة، انظر الخط الزمني أدناه، وهو مقسَّم إلى أجزاء تمثل أيامًا (شكل 3-1). وكلما تتحرك يسارًا، تتجه تاريخيًا إلى الماضي. والآن تخيَّل لِلَحظة أن هذا الخط يمتد يسارًا إلى ما لانهاية، بحيث لا ترى إن كانت له بداية أصلاً. ولكنك عندما تنظر إلى اليمين ترى نهاية الخط لأن آخر جزء في الخط يمثل اليوم. والغَدّ لم يأتِ بعد، ولكنه عندما يأتي سنضيف جزءًا آخر (أي يومًا) على الطرف الأيمن من الخط.

الإنفجار الكبير – الزمن والبيج بانج

ولنشرح  الآن كيف يُثْبت ذلك أن الزمان له بداية: بما أنه من المؤكَّد أن الخط ينتهي على اليمين، فلا يمكن أن يكون الخط الزمني لانهائيًا لأن اللانهائي ليس له نهاية. علاوة على ذلك، لا يمكنك أن تضيف أي شيء إلى اللانهائي، ولكننا غدًا سنضيف يومًا آخر إلى خطنا الزمني. إذَن لا نستطيع أن ننكر أن خطنا الزمني محدود.

ولننظر إلى هذه الحجة من زاوية مختلفة. لو كان هناك عدد لانهائي من الأيام قبل اليوم، إذَن اليوم لن يأتي أبدًا. ولكنه أتى! إذَن لا بد أنه لم يكن هناك إلا عدد نهائي من الأيام قبل اليوم. أي أننا حتى وإن كنا لا نستطيع أن نرى بداية الخط عندما ننظر يسارًا فنحن نعلم أنه لابد أن يكون قد بدأ عند نقطةٍ ما، لأنه لا بد أن تنقضي مدة نهائية من الزمن حتى يأتي هذا اليوم الحاضر. فلا يمكن لعدد لانهائي من الأيام أن ينقضي. إذَن لا بد أن الزمان له بداية.

وقد يقول البعض إن الأعداد اللانهائية موجودة، فما المانع أن يكون هناك عدد لانهائي من الأيام؟ لأن هناك فرقًا بين سلسلة لانهائية مجردّة وسلسلة محسوسة. فالأولى نظريةٌ بحتة، والثانية فعلية. فمن الناحية الرياضية يمكننا أن ندرك عددًا لانهائيًا من الأيام، ولكن من الناحية الفعلية يستحيل أن نَعُدّ أو نعيش عددًا لانهائيًا من الأيام. يمكنك أن تدرك عددًا لانهائيًا من النقاط الرياضية بين طرفي رف من رفوف المكتبة، ولكنك لا تستطيع أن تضع بينهما عددًا لانهائيًا من الكتب.

وهذا هو الفرق بين المجرد والمحسوس. فالأرقام مجردة. أما الأيام محسوسة. (وبالمناسبة ينسحب هذا الكلام على إجابتنا المذكورة آنفًا عن سبب استحالة وجود عدد لانهائي من الانفجارات في تاريخ الكون. فمن المستحيل وجود عدد لانهائي من الأحداث الفعلية).

إن ما نقصده هنا هو ان الكون، سواء أكان الانفجار الكبير صحيحًا أم لا، له بداية. أي أن الحجة الكونية صحيحة لأن فرضيتييّ الحجة كلتيهما صحيحتان: كل ما يأتي للوجود له مسبِّبن والكون اتى للوجود. بما أن الكون له بداية،لا بد ان له بادئ.

مَنْ صَنَعَ الله؟

في ضوء كل الأدلة على وجود بداية للكون المحدود بالزمكان Space-time universe، لا بد أن يكون البادئ خارجَ كونِ الزمكان. وعندما نقترح أن الله هو البادئ، ينبري الملحدون يسألون السؤال القديم قِدَم التاريخ: “إذَن مَنْ صَنَعَ الله؟ إن كان كل شيء يحتاج لمسبب، فالله أيضًا يحتاج لمسبب!”

كما رأينا قانون السببية هو أساس العلم. فالعلم بحث عن المسببات، وذلك البحث يقوم على ملاحظتنا التي تبين دائمًا أن كل ما له بداية له مسبب. والحقيقة أن سؤال “مَنْ صَنَعَ الله؟” يشير إلى احترامنا لقانون السببية. فإنه من المُسَلَّم به أن كل شيء تقريبًا يحتاج لمسبب.

فلماذا إذَن لا يحتاجُ الله لمسبب؟ لأن قناعات الملحد تسيء فهم قانون السببية. فقانون السببية لا يقول إن كل شيء يحتاج لمسبب. ولكنه يقول إن كل شيء يأتي إلى الوجود يحتاج لمسبب. والله لم يأتِ إلى الوجود. فالله لم يصنعه أحد. إنه غير مصنوع. والله بصفته كائنًا أزليًا لا بداية له، إذَن فهو لا يحتاج لمسبّب.

إلا أن الملحد سيَحتَجّ قائلً: “ولكن مهلاً، إن كان عندك إله أزاي، إذَن يمكن أن يكون عندي كون أزلي! وإن كان الكون أزليًا، إذَن لا يكون له مسبب”. نعم، من الممكن منطقيًا أن يكون الكون أزليًا ومن ثم لا يكون له مسبب. والواقع أن هذا الاحتمال هو واحد من اثنين: إما أن الكون أزلي، أو شيء خارج الكون هو الأزلي. (بما أنه لا شك أن شيئًا ما يوجد اليوم، إذَن لا بد أن شيئًا آخر وُجِدَ أزلاً. وليس أمامنا إلا خياران: الكون، أو شيء سبَّبَ الكون).

ولكن المشكلة التي تواجه الملحد هي أنه رغم أنه ممكن من الناحية المنطقية أن يكون الكون أزليًا، يبدو أنه ليس ممكنًا من الناحية الواقعية. وذلك لأن كل الأدلة العلمية والفلسفية)  (SURGE، واضمحلال النشاط الإشعاعي، والحجة الكونية من علم الكلام) تخبرنا أن الكون يستحيل أن يكون أزليًاز وعليه، باستبعاد أحد الخيارين، ليس أمامنا إلا الخيار الآخر: شيء خارج الكون هو الأزلي.

وعندما تنتبه للأمر جديًا، لا تجد إلا احتمالين لأي شيء موجود: إما أنه (1) موجود أزلاً ومن ثم لا مسبب له، أو (2) له بداية وقد سبَّبَه شيء آخر (لا يمكن أن يكون سبَّبَ نفسه، لأنه في هذه الحالة لا بد أن يكون موجودًا من الأصل حتى يسبّب أي شيء). ووفقًا للأدلة الهائلة، الكون له بداية، إذَن لا بد أن شيئًا آخر سبَّبَه، شيء خارجه. لاحظ أن هذا الاستنتاج يتوافق مع الأديان التي تؤمن بالله الخالق، ولكنه لا يقوم على تلك الأديان، بل يقوم على منطق سليم ودليل صلب.

فما صفات هذا المسبب الأولي؟ قد يظن المرء أنه لا بد أن يعتمد على الكتاب المقدس أو غيره مما يطلق عليه وحي ديني للإجابة عن ذلك السؤال، ولكننا لا نحتاج هنا أيضًا لأي نص مقدس حتى نستنتج صفات ذلك المسبب الأولي. فقد أصاب “أينشتاين” حين قال: “العلم بلا دين أعرج، والدين بلا علم أعمى”. العلم يؤكد الدين ويُطَعِّمه بالمعارف، وهو ما تفعله الحجة الكونية مثلاً. اي أنه يمكننا أن نكتشف بعض سمات المسبب الأولي من الأدلة التي تناولناها في هذا الفصل فحسب. ومن تلك الأدلة فقط نعرف أن المسبب الأولي لا بد أن يكون:

  • ذاتي الوجود، سرمدي غير محدود بزمان، غير محدود بمكان، غير مادي (بما أن المسبب الأولي خلق الزمان، والمكان، والمادة، إذَن لا بد أن يكون المسبب الأولي خارج الزمان، والمكان، والمادة). أي أنه غير محدود أو لانهائي.
  • قويًا بشكل يفوق الخيال، مادام قادرًا على خلق الكون برمته من العدم.
  • ذكيًا ذكاءً فائقًا، مادام قادرًا على تصميم الكون بهذه الدقة المذهلة (سنرى المزيد في هذا الموضوع في الفصل القادم).
  • شخص، مادام قادرًا أن يختار أن يُحَوِّل حالة العدم إلى كون من الزمان والمكان والمادة (القوة اللاشخصية لا تقدر على الاختيار).

سمات المسبب الأولي هذه هي بالضبط السمات التي ينسبها المؤمنون بالله الخالق إلى الله. ونكرِّر إن هذه السمات لا تقوم على ديانة شخصٍ ما أو على خبرة ذاتية. ولكنها مأخوذة من الأدلة العلمية التي استعرضناها توًا، وهي تساعدنا على رؤية جزء جوهري من سطح علبة هذا اللغز الذي نسميه الحياة.

الخلاصة: إن لم يكنِ الله موجودًا، فلماذا يوجد شيء بدلاً من العدم؟

منذ سنوات ناظرتُ (“أنا نورم”) أحد الملحدين في “جامعة ميامي” University of Miami حول سؤال “هلِ الله موجود؟” وبعد أن قَدَّمتُ الكثير من الأدلة التي استعرضناها في هذا الفصل، أتيحت لي الفرصة أن اسأل خصمي بعض السئلة. وأليك ما سألت:

” سيدي، عندي لك بعض الأسئلة: أولاً “إن لم يكنِ الله موجودًا، لماذا أصلاً يوجد شيء بدلاً من العدم؟” ثم سألته بضعة أسئلة أخرى معتقدًا أنه سيجيب عنها بالترتيب.

عادة عندما تناظر شخصًا تحاول أن تقنع الجمهور. ولكنك لا تتوقع أن تجعل خصمك يعترف بأنه مخطئ. فقد استثمر الكثير والكثير في الموقف الذي يتبناه، ومعظم المناظرين لا تسمح لهم كبرياؤهم أن يعترفوا بالخطأ. ولكن هذا الرجل كان مختلفًا. فقد فاجأني بالقول: “السؤال الأول سؤال وجيه. إنه حقًا سؤال وجيه”. ودون أن يضيف أي تعليق آخر انتقل إلى إجابة سؤالي الثاني.

فبعد أن سمع هذا المُناظر الأدلة على وجودِ الله بدأ يشك في معتقداته. بل إنه حضر اجتماع متابعة عقب المناظرة وعبَّر عن أنه يشك في الإلحاد. لقد بدأ إيمانه بالإلحاد يهتز بالفعل.

“أن لم يكنِ الله موجودًا، فلماذا اصلاً يوجد شيء بدلاً من العدم؟” سؤال علينا جميعًا أن نجيبه. وفي ضوء الأدلة ليس أمامنا إلا خياران: إما أنه لا أحدَ خلق شيئًا من العدم، أو أن شخصًا ما خلق شيئًا من العدم. أيّ المنظورين أكثر منطقية؟ العدم خلق شيئًا؟ لا. حتى “جولي أندروز” Julie Andrews  عرفت الإجابة عندما غنَّت قائلة: ” لا شيء يأتي من العدم. لا شيء أبدًا أتى من العدم!” وإن كنت لا تستطيع أن تصدق أن العدم سبَّبَ شيئًا، إذَن أنت لا تملك الإيمان الكافي للإلحاد!

إن المنظور الأكثر منطقية هو الله. وهو مارجحه “روبرت جاسترو” عندما ختم كتابه “الله وعلماء الفلك” بهذه الكلمات الكلاسيكية: “بالنسبة للعالِم الذي عاش على إيمانه بقوة العقل، تنتهي القصة كحُلْم مزعج. لقد تسلق جبال الجهل، وكان على وشك أن يغزو أعلى قممها، وبينما يجذب جسمه على آخر صخرة، يصادف مجموعة من اللاهوتيين يحيّونه وقد جلسوا هناك منذ قرون”.

 

[1] كل المجرات تتجه بعيداً عنا‘ ولكن هذا لا يعني أننا في مركز الكون. ولكي ترسم صورة في ذهنك لهذه الفكرة، تَخَيل بالونة عليها نقط سوداء. وعندما تنفخ البلونة، تنفصل كل النقط عن بعضها البعض سواء أكانت قريبة من المركز ام لا. والنقط التي على جانبي البلونة (الأبعد عن بعضها البعض) تنفصل أسرع من النقط المتجاورة. والحقيقة أن “هَبِل” اكتشف علاقة طردية بين المسافة والسرعة، أظهرت أن مجرة تبعد عنا ضعف المسافة التي تبعدها مجرة أخرى، تسير عنا بمقدار ضعف السرعة. وهو ما عُرِف باسم “قانون هَبِل”.

 تعني زيادة مفاجئة، أو ارتفاع مفاجئ، أو تدفق قوي مفاجئ. (المترجمة)surge الطريف أن كلمة [2]  

[3]  ربما أنك سمعت القانون الأول في الديناميكا الحرارية مصاغًا على هذا النحو: “الطاقة لا تُخلق ولا تُدَمَّر” أو الطاقة لا تفنى ولا تَّستحدث من عدم”. هذه عبارة فلسفية، وليست ملاحظة تجريبية. فكيف لنا أن نعرف أن الطاقة لم تُخلَق لم تستحدث من عدم)؟

لم يكم هناك ملاحظون ليتحققوا من هذا الأفتراض. ولكن التعريف الأدق للقانون الأول بقدر ما تتيحه الملاحظة هو أن “إجمالي كمية الطاقة في الكون (اي الطاقة القابلة للاستخدام وغير القابلة للاستخدام) تظل ثابتة”. لذلك بينما تُستهلك الطاقة القابلة للاستخدام، تتحول إلى طاقة غير قابلة للاستخدام، ولكن مجموع الاثنتين يبقى كما هو. كل ما يتغير هو نسبة الطاقة القابلة للاستخدام إلى الطاقة غير القابلة للاستخدام.

[4]  كلمات مثل “يسبق” و”قبل” عادة ما تنطوي على زمن. ولكننا لا نقصدها بذلك المعنى، لأنه لم يكن هناك زمن “قبل” الانفجار الكبير. لأنه يستحيل أن يكون هناك زمن قبل بدء الزمن. فما الذي يمكن أن يوجد إذَن قبل الزمن؟ الإجابة بمنتهى البساطة هي: الأزلي! أي المسبب الأزلي الذي أوجد الزمان، والمكان، والمادة.

[5]  كلمة “كتابّي” في الفهم المسيحي تعني: وفقًا للكتاب المقدس. (المترجمة)

[6]  الإشارة إلى الجزء الخامس من فيلم “حرب النجوم” Star Wars ، وعنوانه بالإنجليزية The Empire Strikes Back. (المترجمة)

الإنفجار الكبير – الزمن والبيج بانج

البرهان العظيم لوجود الله بنظرية الانفجار العظيم – ترجمة جان كرياكوس

البرهان العظيم لوجود الله بنظرية الانفجار العظيم – ترجمة جان كرياكوس

البرهان العظيم لوجود الله بنظرية الانفجار العظيم – ترجمة جان كرياكوس

البرهان العظيم لوجود الله بنظرية الانفجار العظيم – ترجمة جان كرياكوس

اشراف فريق اللاهوت الدفاعي

الجدال التالي يدور حول منطقية الايمان بوجود اله عظيم كما يدعي الكتاب المقدس في المسيحية.

يؤكد علم الكون الحديث ان الكون له بداية، وطبقا للعالم البارز Stephen Hawking ” يعتقد الأن معظم الناس ان الكون و الزمن لهما بداية، و هي وقت حدوث الانفجار العظيم” (1). بمعني اخر، انه قبل الانفجار العظيم لم يكن يوجد شيء علي الاطلاق. و بالطبع اذا لم يكن يوجد شيء،  فحتما لم يكن يوجد ما قد يتسبب في وجود شيء. و هكذا تكون محاولة اثبات انه قد يتكون شيء من دون سبب تعتبر بمثابة أمر عبثي و غير منطقي ولا معني ، فأساس قواعد المنطق الرئيسية تقول انه لا يمكن ان تحدث ظاهرة دون مسبب لها. فيمكننا القول بأن لا احد بأي مجال سواء في الفيزياء او ما هو ابعد من ذلك، قد اعلن عن ظاهرة دون ذكر سببها.

ربما حاول Peter Atkins محاولة عبثية لشرح هذا، لاثبات ايمانه الالحادي، فناقش ان الكون لا يحتاج لمسبب طالما ان اصله يتكون من تموجات في مقدار الفراغ. و لكن من المعروف ان الفلاسفة و العلماء اعلنوا ان هذه تعد فكرة عبثية نظرا للكم الكبير للعالم. بعد كل هذا، قد يتسأل احد عن سبب هذه التموجات؟ ما هو الموقف الذي ادي لمقدار الفراغ؟ لابد ان تكون الاجابة عثيرة، و لكنها تظل انه اذا كان هناك زمن حين لم يكن يوجد اي شيء، فسوف يظل لا شيء. يتأمل الفيلسوف William Lane Craig قائلا “اعتقاد انه يمكن ان يظهر شيء للوجود بطريقة فجائية دون سبب، تعتبر ابعد من الاعتقاد في السحر. فعلي الاقل في السحر يوجد الساحر و القبعة”(2).

من الواضح ان ذلك يدل علي انه كان لابد من وجود شيء ما يتسبب في وجود الكون. و بما اننا نعرف انه توجد بداية للكون، فسوف يتبع هذا كل الاشياء المكونة التي تسبب في وجودها مسبب سابق. يشرح الفيلسوف Richard Swinburne ذلك قائلا ” هناك نوعان من التفاسير المسببة: التفسير العلمي بالمصطلحات القانونية و الحالات الأولية و التفسير الشخصي بمصطلحات العملاء و ارادتهم… و هكذا لا يوجد تفسير علمي للحالة الاولي للكون، لانه لم يكن يوجد شيء قبله، و هكذا لا يمكن ان نعدها ضمن المصطلحات القانونية التي تعمل علي الحالات الأولية. يمكن فقط عدها ضمن مصطلحات العميل و ارادته، التفسير الشخصي”(3).

يبدو هذا منطقيا لآنه لم يعرض احد علي الاطلاق تركيبة تكونت من ذاتها، فلابد ان يوجد عامل عرضي تسبب في تكوينها. و بما ان هذا متفق مع خبرة كل البشرية، منما يجعل برهان الاثبات يقع علي عاتق المتشكك، ليوضح كيف يمكن ان يتكون مركب من دون سبب، يتسأل Craig “اذا كان من الممكن ان يتكون شيء من دون سبب، لماذا لا نري ذلك يحدث طوال الوقت؟ لا.

ان خبراتنا اليومية و البرهان العلمي يؤكدان افتراضنا الأول – اذا بداء شيئا في التكون، حتما يكون هناك سببا”(4). هذا يحتم ان سبب وجود الكون لابد ان يكون غير مادي (بما انه قد خلق الكون المادي)، غير محدود (بما انه قد خلق المحدود)، ذاتي الوجود و غير مبرر (بما انه قد خلق كل ما هو موجود)، سرمدي (بما انه قد خلق الزمن)، ذو قوة خارقة (بما انه قد خلق الكون بما فيه بأكمله). نحن نستطيع ان نعرض ذلك من خلال مناقشة استنتاجية تعرف ب Kalam Cosmological Argument او مناقشة دراسة الكون:

  1. كل ما هو بدأ في الموجود له مسبب.

  2. الكون له بداية وجود.

  3. اذن، الكون له مسبب.

نستطيع الان اضافة استنتاج رابع:

  1. المسبب يجب ان يكون غير محدود، سرمدي، غير مادي، غير مبرر، و قوته خارقة.

اذا اتبعنا هذه النتيجة، فسوف نصل الي الله، و تحديدا الاله المذكور بالكتاب المقدس المسيحي. و يلخص Craig ما سبق، “ان مناقشة دراسة الكون توضح انه من المنطقي ان تؤمن بوجود الله”(5).

المراجع:

  1. Hawking, S. & Penrose, R. 1996. The Nature of Space and Time. P. 20

  2. The Kalam Cosmological Argument. 2015.

  3. Richard Swinburne quoted by William Lane Craig & J.P. in Moreland in Blackwell Companion to Natural Theology. 2012. P. 192-3

  4. Craig, W. Transcript: The Kalam Cosmological Argument.

  5. Craig, W. Ibid.

Exit mobile version