الوحدانية والأجزاء والانفصال – هل يفهم محمود داود شيئًا عن الثالوث؟ (9)
https://youtu.be/VAAC5qulobQ
الرد:
يحاول ميمو في هذا الفيديو أن ينافس ويتفوق على جهل معاذ فأظهر لنا بحق أنه أجهل منه، كيف؟
أولا: كرر لنا تشبيه طبيعة الله بأصابع اليد، وبهذا ساوى جهله بجهل معاذ، وحقق المطلوب الأول. راجع الرد السابق على معاذ هنا، حيث أن معاذ شابه الله بالقلم ورددنا على جهالاته. ثانيا: قال أن عدم الانفصال لا يعني الوحدانية إلا في حالة أن الأقانيم أجزاء، وبما أن الأقانيم ليسوا أجزاء فهذا لا يعني الوحدانية.
ما الخطأ في كلامه هذا؟
على مستوى المثال الذي ضربه، فميمو يفترض أن كلمة “جزء” تعني دوما وحتما “قطعة مفصولة”، بمعنى أنه لكي يطلق على شيء ما أنه “جزء” فهذا الشيء لابد وأن يكون “مفصولا” عن الأشياء الأخرى، وهو ضرب المثال بعقلة الأصبع، وقال أن هذه العقلة ليست جزء لأنها ليست مفصولة، وحرفيا قال “بعيد عن بعض” كما في الفيديو، والخطأ هنا أن كلمة “جزء” لا تشترط أصلا الانفصال. فنحن نقول “قطعة أرض” على الرغم من أن قطعة الأرض ليست منفصلة عن القطعة الموجودة بجانبها. وأيضا نقول “في جزء من عمري كنت أعمل كذا” والعمر لا ينفصل بعضه عن بعضه الآخر، ونقول “جزء من خبراتي هي كذا وكذا” دون ان يتم فصل الخبرات عن بعضها البعض، والأمثلة كثيرة جدا.
على مستوى المثال: من قال أن عدم الانفصال لا يعني الوحدانية؟ فكل “غير منقسم” هو متصل أو متحد بشكل أو بآخر مع الآخرين. فالجسم الواحد به أعضاء متصلة ببعضها بشكل أو بآخر؛ والروح والجسد متحدان في إنسان واحد، والغرف الكثيرة منزل واحد (وبالطبع هذه ليست أمثلة لوحدانية الثالوث الذي لا يعبر عنه). فعندما يقول لك المسيحي أن الثالوث لا ينفصل فهذا يعني أنه الثالوث جوهر واحد وطبيعة واحدة.
أما العقيدة الصحيحة فهي:
الله غير مدرك ولا متصور بعقلنا، ولذلك فكل الأمثلة، مهما كانت دقيقة، فهي أبعد ما تكون عن طبيعة الإله. الإله واحد في جوهره، أي لا يوجد جوهر آخر له صفة الألوهية، وعندما نتعمق داخل الجوهر الواحد هذا نجده ثلاثة أقانيم، متحدة لأنها طبيعة واحدة، وكل أقنوم له طبيعة الإله الواحد، وليس جزء من الإله أو صورة منه. فالآب هو الله نفسه، والابن هو الله نفسه والروح القدس هو الله نفسه.
ولا يمكن فهم طبيعة الله أو الاعتراض عليها، سواء الطبيعة الواحدةَ الجوهر أو الثالوثية الأقانيم بالمنطق البشري، لأن المنطق البشري محصور بالمخلوقات واستقراء لما يحدث في الخبرة البشرية للإنسان.
الوحدانية والأجزاء والانفصال – هل يفهم محمود داود شيئًا عن الثالوث؟ (9)
الوحدانية والأجزاء والانفصال – هل يفهم محمود داود شيئًا عن الثالوث؟ (9)
ليكونوا هم أيضاً واحد فينا مهرب ديدات الأخير ورطة أكبر
ليكونوا هم أيضاً واحد فينا مهرب ديدات الأخير ورطة أكبر
لقد وعدتك عزيزي القارئ بأنني سأعود للمهرب الأخير الذي هرب له ديدات، فبعد أن وضع السياق كتحدي، وأن لا نأتي بأي آيات خارج السياق، ووافقنا على ذلك لثقتنا في كلمة الإنجيل الإلهية..إلا أن ديدات ترك السياق كما قرأت سابقاً، بل وقفز فوق سياج اقتراحه، فذهب إلى الأصحاح 17، ليأتي بآية أخرى، خارج السياق ويستشهد بها، وكالعادة قبضنا عليه قافزاً السياج، رافضاً الدخول من الباب..وعلى كل الأحوال، فإن كل آية في إنجيلنا المقدس نفرح بها، لأنها تحمل الحق في ذاتها..
لقد أتى ديدات بالآية التالية (ليكون الجميع واحداً كما أنك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضاً واحد فينا..أنا فيهم وأنت في ليكونوا مُكَمَّلِين إلى واحد، وليعلم العالم أنك أرسلتني، وأحببتهم كما أحببتني) (يوحنا17: 21-23).
أولاً: ليكون الجميع واحداً:
دعني أولاً أشرح لك عزيزي القارئ، لماذا أتى ديدات بهذه الآية؟ (ليكون الجميع واحداً كما أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك، ليكونوا أيضاً واحداً فينا..)
أتى بها ليقول ها هم كل المؤمنين في الله، وبأن المسيح عندما قال (أنا في الآب والآب فيَّ)، لا يقصد هنا تَميّز معين، لأن كل المؤمنين أيضاً في الله..لم ينتبه ديدات أنه أمام آية لاهوتية من الطراز الأول، فيها يعلن المسيح عن طبيعته اللاهوتية المتحدة بالطبيعة الناسوتية..سأضع الآية، التي أتى بها ديدات مرة أخرى (ليكون الجميع واحداً كما أنك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا..)
السؤال: لماذا قال المسيح عن المؤمنين (ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا)، ولم يقل (ليكونوا هم أيضاً واحداً فيك)؟..نعم لماذا لم يقل عن المؤمنين أنهم واحد أيضاً في الآب، مثل المسيح تماماً؟ يعني بكلمات أخرى: ألم يقل المسيح للآب: (أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك)؟
فإذا كان المؤمنين مثل المسيح، لماذا لم يقل المسيح أيضاً عن المؤمنين (أنت أيها الآب فيهم وهم فيك)، هذا ما لا يمكن أبداً أن يقوله المسيح، والفرق كبير جداً، وقد فسره المسيح بنفسه في الآية التالية مباشرة، ولكن ديدات لا يريد أن يرى التفسير، أو هنا بالذات أقول، ربما لم يفهمه، لأن الأمر لاهوتي بحت، وصعب على غير المسيحي ملاحظته، خاصة إذا كان ديدات..
ثانياً: تفسير المسيح:
حينما قال المسيح (ليكون الجميع واحداً كما أنك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا..)، لم يترك الفهم مبهماً، بل شرحها فقال (أنا فيهم وأنت فيَّ، ليكونوا مُكَمَّلِين إلى واحد)..
لاحظ هنا عزيزي القارئ، فقد قال المسيح لأبيه السماوي (أنا فيهم وأنت فيَّ)، ولم يقل (أنت فيهم وفيَّ)..فالأمر رائع وجلل..فلقد قال المسيح لأبيه (أنا فيهم وأنت فيَّ)، لأن المسيح يجمع في طبيعته العجيبة الألوهية الكاملة، والناسوتية الكاملة، وبذلك فعندما يقول المسيح (أنا فيهم) فهو ببشريته فيهم..وحينما يقول (وأنت فيَّ)، فهو بلاهوته في الآب والآب فيه..فالمسيح هو حلقة الوصل الفريد، بين الآب والمؤمنين، فهو الذي قال عن نفسه (أنا هو الطريق والحق والحياة، ليس أحد يأتي إلى الآب، إلاَّ بي) (يوحنا 6:14)..وذلك
لأنه يشاركنا طبيعتنا البشرية، ولهذا فمن الطبيعي أن يكون هو فينا، لأنه من طبيعتنا البشرية..أما عندما يقول لأبيه السماوي (وأنت فيَّ)، فهنا يؤكد تفرده اللاهوتي، فهو واحد مع أبيه السماوي في الجوهر، ولهذا من الطبيعي أن يكون هو في أبيه، وأبيه فيه، لأنه واحد معه في جوهر الطبيعة الإلهية..
ثالثاُ: آيات للتذكير:
أترك للمهتمين في نهاية هذا الكتاب بعض الآيات للتذكير..وهي ليست كل الآيات التي نطق بها المسيح بذاته، كما أن هناك مئات الآيات التي شهد بها الوحي المقدس عنه..
1- الوجود السابق للمسيح وأزليته:
للمسيح وجود أزلي قبل تجسده، وإتحاده بالطبيعة البشرية..فقد قال (الحق الحق أقول لكم، قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن.) (يوحنا 58:8). كما أنه خاطب أبيه السماوي فقال (والآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك، بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم.) (يوحنا 5:17). وكذلك (أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني، يكونون معي حيث أكون أنا، لينظروا مجدي الذي أعطيتني، لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم.) (“يوحنا 24:17”).
2- مساوته للآب:
قال المسيح (أنا والآب واحد.) (يوحنا 30:10) وكذلك (..الذي رآني فقد رأى الآب، فكيف تقول أنت: أرنا الآب؟ ألست تؤمن أني أنا في الآب والآب فيَّ.) (يوحنا 14: 9 و10)..
أختم بكلام المسيح عن نفسه، بأنه حجر الزاوية، فقد قال للمعاندين (الحجر الذي رفضه البناؤون، هو قد صار رأس الزاوية. كل من يُسقط على ذلك الحجر: يترضض، ومن سقط هو عليه: يسحقه.) (لوقا 20: 17 و18)، ليتك لا تكن من بينهم..
ليكونوا هم أيضاً واحد فينا مهرب ديدات الأخير ورطة أكبر
ألوهية المسيح و اللوغوس – الأخ وحيد يرد على جهالات الشيخ ديدات
ألوهية المسيح و اللوغوس – الأخ وحيد يرد على جهالات الشيخ ديدات
ألوهية المسيح و اللوغوس – الأخ وحيد يرد على جهالات الشيخ ديدات
نناقش الآن جزئية هامة تختص بـ ألوهية المسيح، وذلك من خلال حوار وهمي فبركه ديدات مع قس مسيحي. اختار له ديدات الكلام الذي يقوله في كل الموضوعات التي يدعي ديدات أنه ناقشه فيها. وعجز القس عن الرد… وكم كانت (السيناريوهات) التي يصنعها ديدات في كل موضع. كاشفة للتلفيق الذي يدركه أي مسيحي. له القليل من المعرفة في كتابه المقدس… ولكن لا بأس فربما هذه (السيناريوهات) هي أفضل وأقصر طريق للربح السريع.
في ص 84 وتحت عنوان (في البدء) كتب ديدات بأنه سأل د. موريس القادم من كندا مرة ثانية، وقال ديدات له (أين قال عيسى: “أنا الله؟” أو “أنا مساوٍ لله؟” أو “أعبدوني؟”. وتنفس السيد موريس بعمق، وحاول أن يجيب، فاقتبس من الأصحاح الأول ليوحنا “فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ.“).
أنا الله – سؤالك والإجابة المسيحية عليه
أجيب هنا على سؤال ديدات الذي أعتقد خاطئاً أننا لا نستطيع الإجابة عليه. أو نجد له رداً في كتابنا المقدس… وكالعادة فديدات دائماً يفشل في تقديراته….
يسأل ويقول (أين قال عيسى: “أنا الله؟” أو “أنا مساوٍ لله؟” أو “أعبدوني؟”) وأقدم الإجابة المسيحية ومن كتابنا المقدس كالتالي:
الفهم اللاهوتي للمساواة بين الأقانيم: قبل أن أجيب على هذا السؤال التقليدي. أود أن أشرح مصطلح كتابي. من الناحية اللاهوتية فأوضح أنه لا يوجد أي فرق بين لفظ (أنا الله) أو (أنا والآب واحد) أو (أنا مساو لله) لأنه لا يوجد من يُعادل الله ولا من يماثله أو يساويه. إلا الله ذاته، ولا أجد كتاباً في الوجود يشرح هذه الحقيقة أفضل من الكتاب المقدس. وذلك في آيات كثيرة وواضحة. وعلى سبيل المثال قول الوحي المقدس («فَبِمَنْ تُشَبِّهُونَنِي فَأُسَاوِيهِ؟» يَقُولُ الْقُدُّوسُ) (إشعياء 40: 25) وقوله أيضاً (بِمَنْ تُشَبِّهُونَنِي وَتُسَوُّونَنِي وَتُمَثِّلُونَنِي لِنَتَشَابَهَ؟) (إشعياء 46: 5) وأيضاً (فَبِمَنْ تُشَبِّهُونَ اللهَ، وَأَيَّ شَبَهٍ تُعَادِلُونَ بِهِ؟) (إشعياء 40: 18). أي أنه لا يوجد من يُساوي الله أو يعادله غير الله ذاته…
والآيات الدالة على ألوهية الله المطلقة. وسلطانه المتفرد على خليقته. وأنه من خلق السماء وما بها والأرض وما عليها. وأنه من خلق كل ما يرى وما لا يرى…. هي آيات كثيرة يقوم عليها الكتاب المقدس كله…
وإذا كان لا يوجد من هو مساو لله غير ذاته… وأيضاً إذ لا يوجد فرق بين (أنا الله) أو (أنا والآب واحد) أو (أنا مساوٍ لله). لأن المساوي لله هو الله ذاته… بناء على ذلك، من يقول: أنه مساو لله، بمعنى أنه الله وقد أظهر نفسه للبشر. بطريقة يحتملونها ليتعاملوا معه. فإما أن يكون صادقاً صدقاً مطلقاً، وإما أن يكون كاذباً كذباً مطلقاً… ولكن إن قام بأعمال أثبت فيها سلطانه الألوهي المطلق على خليقته فأطاعته، فهذا يعني أنه صادق صدقاً مطلقاً… وقد قالها المسيح عن نفسه، وأثبت بأعماله أنه في الآب والآب فيه. أي أنه كلمته العقلي الناطق… بل وجعل المسيح أعماله هي حُجة برهان طبيعته الألوهية… وأكد المسيح له كل المجد هذه الحقيقة فقال (اَلأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا بِاسْمِ أَبِي هِيَ تَشْهَدُ لِي) (يوحنا 10: 25)، وقال أيضاً (إِنْ كُنْتُ لَسْتُ أَعْمَلُ أَعْمَالَ أَبِي فَلاَ تُؤْمِنُوا بِي. وَلكِنْ إِنْ كُنْتُ أَعْمَلُ، فَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِي فَآمِنُوا بِالأَعْمَالِ، لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا أَنَّ الآبَ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ) (يوحنا 10: 37-38)، وأيضاً (صَدِّقُونِي أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ، وَإِلاَّ فَصَدِّقُونِي لِسَبَبِ الأَعْمَالِ نَفْسِهَا) (يوحنا 14: 11)، وأيضاً (وَأَمَّا أَنَا فَلِي شَهَادَةٌ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا، لأَنَّ الأَعْمَالَ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ لأُكَمِّلَهَا، هذِهِ الأَعْمَالُ بِعَيْنِهَا الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَنِي) (يوحنا 5: 36).
إنه المسيح والمسيح فقط من أعلن سلطان لاهوته من خلال أعماله الألوهية الواضحة، مؤكداً أنه الله المتجسد، لكل من يريد أن يؤمن…
معنى كلمة (الآب): كلمة (الآب) بالمدة وليس (الأب) بالهمزة. كما ينطقها خطأ غير المسيحيين، إنها كلمة استخدمها اليهود خاصة المتأخرون منهم للدلالة على ذات الله… أي أن كلمة (الآب) تعني ذات الله أو الله ذاته….
أنا الله: والآن لنعود إلى سؤال ديدات القائل (أين قال عيسى: “أنا الله؟” أو “أنا مساو لله؟” أو “أعبدوني؟“).
من يقرأ ولا يفهم، فهذه مشكلة يجب أن يجد لها حلاً… لأنه في كل مرة أعلن فيها المسيح أنه في الآب، والآب فيه. أو أنه والآب واحد… هذا الإعلان عن لاهوته وغيره، سبب صلب المسيح. فاليهود صلبوه لأنه أعلن عن ألوهيته وأنه واحد مع الآب في جوهر طبيعته اللاهوتية… فإذا كان اليهود فهموا أن المسيح يؤله نفسه. فهذا يعني بالضرورة، أن المسيح شهد عن ألوهيته، وقال – بلغة اليهود الدينية وثقافتهم – أنا الله. وإلا: كيف فهموا أنه يؤله نفسه. إن لم ينطق بها المسيح أكثر من مرة وفي أكثر من موقف؟
وأترك هنا بعض مما قاله المسيح، ليؤكد طبيعته اللاهوتية. فقد قال على مسمع من الجميع، معاندين ومريدين (أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ) (يوحنا 10: 30)، كما أنه وبخ تلاميذه لعدم إدراكهم لطبيعته الألوهية، وذلك حينما قال له أحدهم وهو فيلبس («يَا سَيِّدُ، أَرِنَا الآبَ وَكَفَانَا». 9قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: أَرِنَا الآبَ؟ 10أَلَسْتَ تُؤْمِنُ أَنِّي أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ؟) (يوحنا 14: 8-10).
وكي لا يترك مجال للمدلسين الذين يقولون إنه مجاز، أغلق المسيح أفواههم، وتركهم بلا عذر فقال: (الْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ. صَدِّقُونِي أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ، وَإِلاَّ فَصَدِّقُونِي لِسَبَبِ الأَعْمَالِ نَفْسِهَا) (يوحنا 10-11). الآب الحال في، تعبير لاهوتي مفهوم وواضح، ومن لا يريد الحياة الأبدية، فهذا شأنه…
وعن أزليته قال المسيح له المجد (الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ) (يوحنا 8: 58).
هذه آيات مباشرة أعلن من خلالها المسيح ألوهيته بصورة واضحة. كاشفاً عن طبيعته دون خوف أو دبلوماسية كما يحاول ديدات دائماً أن يفبرك الأمور…
والسؤال الذي يفرض نفسه هو: من في هذا الوجود المدرك لدينا، او حتى في السماء، مهما كان شأنه. يستطيع أن يقول ما قاله المسيح ونسبه لنفسه؟ مهما كان السباق الذي يريد أن يتبعه ليصل إلى نتيجة ما مهما كانت؟ّ! بكلمات أخرى، كيف يقول المسيح (أنا والله واحد؟!) (الذي يراني يرى الله؟) (أنا في الله والله في؟!) (قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن؟!) (الآب الحال فيَّ). كيق يقول كل هذه التعبيرات، ولا يكون يقصد معناها؟ وكيف فهم اليهود معناها. إن لم يكن يقصدها؟ ولماذا لم يتراجع عن فهمهم لها، بل أكده في مجمعهم فحكموا عليه بالصلب؟
السؤال: ما الذي فهمه اليهود؟ لنسمع الحق الإلهي في الإنجيل المقدس (فَمِنْ أَجْلِ هذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ، بَلْ قَالَ أَيْضًا إِنَّ اللهَ أَبُوهُ، مُعَادِلاً نَفْسَهُ بِاللهِ) (يوحنا 5: 18).
إذن، لقد فهم أهل الكتاب قصد المسيح، بأنه يعادل نفسه بالله… وهنا يقفز سؤال مهم: كيف يؤكد المسيح بنفسه، معادلته لذات الله. إن لم يكن هو الله بذاته. في طبيعتنا البشرية؟
إذن سؤال ديدات. أين قال المسيح أنا الله؟ يكشف عن جهله الكبير بأبجديات الكتاب المقدس الذي يدعي أنه يفهمه أو يأخذ أدلته منه، وهو أبعد ما يكون عن أي دليل…
على من يدعي أنه يعرف مصادرنا، عليه أن يستخدمها، لا أن يؤلف في عقيدتنا… كما أني سأعود بنعمة الرب لشرح هذه الآيات أكثر من وقته…
اعبدوني: بقية السؤال الساذج:( أين قال عيسى… “اعبدوني؟”). أجيب فأسأل: هل قبل المسيح سجود العبادة له. أم رفضه؟ نقرأ في سفر الرؤيا، عن يوحنا الحبيب، لما رهب منظر الملاك الذي ظهر له. فقال يوحنا (فَخَرَرْتُ أَمَامَ رِجْلَيْهِ لأَسْجُدَ لَهُ، فَقَالَ لِيَ: «انْظُرْ! لاَ تَفْعَلْ! أَنَا عَبْدٌ مَعَكَ وَمَعَ إِخْوَتِكَ الَّذِينَ عِنْدَهُمْ شَهَادَةُ يَسُوعَ. اسْجُدْ ِللهِ! فَإِنَّ شَهَادَةَ يَسُوعَ هِيَ رُوحُ النُّبُوَّةِ») (رؤيا 19: 10). بينما قبل المسيح سجود العبادة المقرن بطبيعته اللاهوتية، دون أي اعتراض منه. فمثلاً حينما طرد اليهود المولود أعمى. الذي خلق المسيح له مقلتين لعينيه. وقابله المسيح في الخارج. سأله المسيح سؤالاً مرتبط بألوهيته هكذا («أَتُؤْمِنُ بِابْنِ اللهِ؟» 36أَجَابَ ذَاكَ وَقَالَ: «مَنْ هُوَ يَا سَيِّدُ لأُومِنَ بِهِ؟» 37فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «قَدْ رَأَيْتَهُ، وَالَّذِي يَتَكَلَّمُ مَعَكَ هُوَ هُوَ!». فَقَالَ: «أُومِنُ يَا سَيِّدُ!». وَسَجَدَ لَهُ) (يوحنا 9: 35-38). مراجعة ما تحته خط، يقدم المعنى المطلوب، فالمسيح يسأله عن إيمانه بابن الله. وهو يستخدم تعبير “ابن الله” هنا في بعده اللاهوتي، مقترناً بالإيمان. فكانت إجابة المولود أعمى. بالقول: أومن، وبالفعل: السجود للمسيح، ورد فعل المسيح، أنه قّبِلَ سجوده ولم يرفضه. لأنه مستحق أن نسجد له. فهو الله المتجسد.
وقد قبل المسيح سجود العبادة من كثيرين في الكتاب المقدس. ولم يرفضه ولم يقل لهم ما قاله الملاك ليوحنا: لماذا تعبدوني وتسجدون لي، اسجدوا لله… لم يقل هذا وإنما قبل سجود عبادتهم له.
وأفرّق هنا بين سجود العبادة وسجود الإكرام. لأنهم سجدوا له كإله. وليس كمعلم يُكرمونه… وشهد إنجيلنا المقدس بهذا الحق الإلهي، كما سبق وأشرنا في المولود أعمى. وكذلك (وَالَّذِينَ فِي السَّفِينَةِ جَاءُوا وَسَجَدُوا لَهُ قَائِلِينَ: «بِالْحَقِيقَةِ أَنْتَ ابْنُ اللهِ!») (متى 14: 33) وتعبير “ابن الله” يعادل “الله“. أي أنهم يسجدون له وفي قلوبهم وعلى ألسنتهم شهادة حية بأنه: “ابن الله“. أي الله في الثقافة الدينية اليهودية. ومع ذلك لم يرفض المسيح هذا السجود، ولا هذه الشهادة الحية.
كذلك أم ابني زبدي، تقدمت إليه ساجدة ضارعة مع ابنيها، طالبة منه أمراً سماوياً لا يعطيه غير الله فقط، فقال الوحي المقدس عنها (حِينَئِذٍ تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ أُمُّ ابْنَيْ زَبْدِي مَعَ ابْنَيْهَا، وَسَجَدَتْ وَطَلَبَتْ مِنْهُ شَيْئًا) (متى 20: 20). قبل المسيح سجودها.
وبعد القيامة قال الوحي المقدس عن المريمتين (وَفِيمَا هُمَا مُنْطَلِقَتَانِ لِتُخْبِرَا تَلاَمِيذَهُ إِذَا يَسُوعُ لاَقَاهُمَا وَقَالَ: «سَلاَمٌ لَكُمَا». فَتَقَدَّمَتَا وَأَمْسَكَتَا بِقَدَمَيْهِ وَسَجَدَتَا لَهُ) (متى 28: 9). قبل المسيح سجودهن أيضاً.
وعلى صعيد آخر، فحتى الشياطين سجدت للمسيح. وخرت عند رجليه، تسترحمه. وهذا هو الأمر الذي تفرد به المسيح على مدار التاريخ البشري كله ودون سواه… وهذا أحد الذين كان بهم روح شيطان (فَلَمَّا رَأَى يَسُوعَ مِنْ بَعِيدٍ رَكَضَ وَسَجَدَ لَهُ) (مرقص 5: 6 ولوقا 8: 28). وقال الوحي المقدس أيضاً عن سجود الشياطين للمسيح (وَالأَرْوَاحُ النَّجِسَةُ حِينَمَا نَظَرَتْهُ خَرَّتْ لَهُ وَصَرَخَتْ قَائِلَةً: «إِنَّكَ أَنْتَ ابْنُ اللهِ!») (مرقص 3: 11). ولا يخفى علينا هنا، ارتباط السجود والتضرع مقترناً بتعبير “ابن الله“… أي أنه سجود العبادة… قبله المسيح أيضاً.
وتبدو قائمة الذين سجدوا للمسيح، سجود عبادة، وقبل المسيح سجودهم، قائمة طويلة، وما قدمناه منها. كافياً للإجابة على السؤال الساذج … أين قال عيسى: اعبدوني؟ فها هو المسيح له كل المجد، يقبل العبادة الحية، من كل الذين سجدوا له، من الناس أو من الشياطين دون أن يمنعهم أو يرفض عبادتهم، خاصة وهو الذي صرح من قبل فقال (لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ) (متى 4: 10 ولوقا 4: 8). فكونه يرضى بعبادة الكائنات العاقلة له، والتي تدرك هذه الحقيقة، فهذا لا يعني إلا أنه الله الظاهر في الجسد البشري. ولو كان هو غير ذلك، لوبخ كل هؤلاء وغيرهم على عبادتهم وسجودهم له، وأمرهم بالسجود لله فقط.
في البدء
أولاً: إجابة المناظر الوهمي لديدات
بعد أن سأل ديدات مناظره الوهمي، السؤال السابق الساذج الذي أجبنا عليه. والذي كان على مسيحي يسميه ديدات “عالم في المسيحية” أن يجيب عليه بكل سهولة. غير أن ديدات اختار لمناظره إجابة لا تعتبر الرد المباشر على سؤاله. وهي الإجابة التي وضعها ديدات في كتابه تحت عنوان “في البدء” ص 84 (وتنفس السيد، موريس بعمق، وحاول أن يجيب، فاقتبس من الأصحاح الأول ليوحنا: “فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ “)
غرائب تستحق الملاحقة: كما سبق وأشرت، فالقارئ المسيحي يكتشف فبركة ديدات للحوار، لأن هذه ليس من كلمات المسيح. وبالتالي فيه ليست إجابة على سؤال ديدات الساذج. فقد كان سؤال ديدات (أين قال المسيح؟) وهذه الآية هي من شهادة الوحي المقدس عن المسيح على لسان القديس يوحنا الإنجيلي. ولا أستغرب أن يجيب المحاور على سؤال لم يسأله ديدات، ولا أستغرب أن ديدات يقبل إجابة ليست على سؤاله… فلم يقل له: أنا لم أسأل عن الذين قالوا عن المسيح. وإنما أسأل: أين قال المسيح عن نفسه؟ لا أستغرب لأن الفبركة ظاهرة في كل ما يتناوله ديدات. وهو بدون الخداع، لا يعرف أن يكتب أي شيء.
2. في سياق (سيناريوهات) ديدات: يلفت النظر ديدات “بالسيناريوهات” الغريبة التي حاول أن يُقنع بها نفسه أولاً، ثم ينفثها للقارئ، وهو يصور له، كيف أنه – ديدات – يصول ويجول. بينما منُاظرها لحائر يتنفس بعمق، ولا يقدر مجابهة أسئلة ديدات الساذجة. التي تكشف بقوة عن جهله الكبير بالكتاب المقدس…
اللوغوس: أقترب الآن من قدس أقداس التجسد الإلهي، من اللوغوس الكلمة السرمدي… حيث الآية التي رد بها مناظر ديدات الوهمي، في غير مكانها المباشر… فنشرح بعض من سناها، حتى يتقدس الفكر والقلب، ونصل إلى الحق الإلهي المقدم في الإنجيل المقدس… فقد جاء بالوحي الإلهي (فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ) (يوحنا 1: 1).
وهذه الآية كما وردت في اليونانية، اللغة التي كُتب بها الإنجيل. تُقراً هكذا (في البدء كان اللوغوس، واللوغوس كان عند الله، وكان اللوغوس الله) واللوغوس يعني العقل الناطق. والنطق العاقل. إذن فهي تقرأ (في البدء كان العقل، والعقل كان عند الله، وكان العقل الله). فهنا يتكلم عن العقل الألوهي. ولهذا لم ترد في الترجمة العربية بمعنى، الكلمة الملفوظة، أي لم تكن الترجمة هكذا (في البدء كانت الكلمة)، وإنما (في البدء كان الكلمة). فالكلمة هنا هو نطق الله السرمدي. أي أن الكلمة هو أزلي أبدي بأزلية الله وأبديته. فلم يكن الله في وقت من الأوقات بلا كلمة، فالمسيح هو ثروة الكلام الإلهي…
ثم يقول الوحي الإلهي (وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا)، أي أن عقل الله حل واتحد بطبيعة بشرية، وهكذا دخل المسيح إلى دائرتنا البشرية، من خلال طبيعتنا البشرية، ففيه كل ملء اللاهوت. هذه الآيات تكشف عن طبيعة المسيح. وأنه الكلمة الألوهي السرمدي. الذي خيم بيننا وكانت خيمته: طبيعتنا البشرية… هذا هو إيمان الكنيسة منذ فجرها الأول…
وللتبسيط تضعها في هذا الإطار النموذجي:
المسيح هو: كلمة الله.
وكلمة الله، هو: نطق الله.
ونطق الله، هو: عقله الناطق، وليست مجرد كلمة ملفوظة.
وعقل الله، هو: الله ذاته.
وحيث أن المسيح هو: كلمة الله، فالمسيح هو الله المتجسد…
ومن يريد أن يفهم، زمن له عقل للفهم، فليفهم، ومن ليس له، فليصلي ليعطي الله له فهماُ ليفهم…
ثانياً: أدلة المسيح اللوغوس اللاهوتية من ذات الآيات والسياق
يجب على من يدعي البحث، خاصة وأنه يزعم استخدام مصادرنا، أن يتابع سياق الآيات التي يأخذ منها كلامه. ليتأكد من حقيقة ما يبحث، إن كان هذا يهمه… فمثلاً: في سياق الآيات (فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ)، فهل يوجد ما يؤكد حقيقة أن المسيح. هو كلمة الله الأزلي، أي عقله ونطقه؟ لنرى:
المسيح الكلمة الخالق: الدليل الأول نجده بعد هذه الآية (فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ) مباشرة، وفي ذات السياق، يتكلم الوحي الإلهي عن طبيعة اللوغوس الكلمة، بأنه الله الخالق، فلماذا لم يأخذ ديدات هذه الآيات؟ إنها تصعقه فلا يستطيع الاقتراب منها… وهذا هو السياق (فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ. هذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللهِ. كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ. فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ) (يوحنا 1: 1-4). الكلام واضح، فكل شيء خُلق بكلمة الله المسيح، كل شيء تم خلقه بالمسيح عقل الله، ولهذا قال: فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ…. فالحياة هو الله الأصل والمنبع. فهو الذي أعطى الحياة لكل كائن حي، ولا ننسى ما قاله المسيح عن نفسه (أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ…) (يوحنا 14: 6). فالمسيح هو مصدر الحياة، إنه الكلمة الخالق…
كلمة الله العاقل، له اسم: أما الدليل الثاني، وفي ذات السياق أيضاً، ومن ذات الآيات فهو يتكلم عن هذا الكلمة العاقل فيقول عنه (وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل، بَلْ مِنَ اللهِ). لاحظ إنه يتكلم عن كلمة عاقل ومُشخَّص وله اسم، هذا الكلمة العاقل يقبله الناس ويؤمنون به. ويعطيهم حياة جديدة. ليكونوا بسلطان أولاداً لله. أين ديدات من إنجيلنا المقدس؟ لقد أهلك نفسه بنفسه…
اتحاد كلمة الله العاقل بطبيعة بشرية كاملة: أما الدليل الثالث، ومن ذات الآيات والسياق… فإن هذا الكلمة العاقل اتخذ ناسوتاً كاملاً، أي طبيعة بشرية كاملة – روح ونفس وجسد بشرين – واتحد بها، فيقول الوحي المقدس عنه (وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا) (يوحنا 1: 14). فإن كانت هذه الآيات في نفس الأصحاح والسياق، فلماذا تركها ديدات؟ هل يعرفها وتركها؟ هذا يعني أنه يرتعب منها ويهرب، وبالتالي فهو غير أمين ومدلس… أم أنه لا يعرفها؟ فهذا يعني أنه جاهل بألف باء الإنجيل… والحقيقة التي أعرفها مما قرأت لديدات… هو الاثنين معاً. فهو مدلس وجاهل بالكتاب المقدس… فهو يهمل كل الحقائق ويؤلف كما يحلو له. ويقول: هذا إنجيلكم! والإنجيل منه بريء.
4. الكلمة أزلي: أما الدلي الرابع، وفي ذات السياق والآيات، نجده في شهادة يوحنا المعمدان عن المسيح الكلمة اللوغوس، عقل الله الأزلي. فيشهد المعمدان عنه وينادي قائلاً (هذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ: إِنَّ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي صَارَ قُدَّامِي، لأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي) (يوحنا 1: 15 و30).
بالتأكيد كان قبله لأنه هو عقل الله الأزلي، فهو الكلمة السرمدي، أي أن له وجود سابق أزلي. قبل أن يأتي إلى عالمنا في المسيح يسوع، ويولد بيننا في بيت لحم…
المسيح الكلمة يعطي النعمة والحق: والدليل الخامس، أيضاً من ذات السياق… حيث يواصل الوحي المقدس كلامه عن الكلمة اللوغوس فيقول (وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعًا أَخَذْنَا، وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ. لأَنَّ النَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ، أَمَّا النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ فَبِيَسُوعَ الْمَسِيحِ صَارَا) (يوحنا 1: 16 و17). يصل إلى الحقيقة الرائعة. بأن عقل الله الناطق الكلمة اللوغوس، الذي أخذ جسداً وحل بيننا، أي يسوع المسيح، قدم للعالم النعمة والحق، نعمة الخلاص والحياة الأبدية بالحق الألوهي الذي هو السيد المسيح، هذا هو إيماننا ومن قلب الإنجيل المقدس، بل ومن ذات الأصحاح الذي اختار ديدات منه، الآيات التي وضعها على فهم مناظره الوهمي…. ديدات يؤلف، ويقول: هذا إيمانكم. وإيماننا منه بريء.
طبيعة المسيح اللاهوتية: وهذا الدليل القوي السادس. وهو واضح وجلي، بحيث لا يترك مجالاً للمدلسين… ففي ذات السياق والآيات، يعطي الوحي الإلهي دلالة خاصة عن المسيح كلمة الله. افردنا لها هذه المساحة الصغيرة هنا، حيث يقول (اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ). (يوحنا 1: 18).
وهنا يعلن الوحي الإلهي طبيعة المسيح، فهو من ذات طبيعة الله وجوهره، ولهذا فمن الطبيعي أن يكون مركزه (حضن الآب)، وهو تعبير عن مكان الكلمة وطبيعته، في حضن الذات الألوهي، ولا يمكن أن يوجد في حضن الآب أي شيء أو أي شخص غيره هو فقط، فهذا مجال الذات الألوهي، إنه الله، فكيف يوجد فيه غيره؟ فمن قلب الإنجيل، حسم الوحي الإلهي، بهذا الإعلان عن طبيعة المسيح، حسم هروب المدلسين، وأبطل حججهم، وأبكم أفواههم، ومن يصرخ، فلن يسمع غير صدى صوته…
بين المسيح والملائكة: بينما نجد ابن الله اللوغوس في مكانه الطبيعي في حضن الآب. فهو الله طالما مكانه الطبيعي في حضن الآب… ولهذا حينما يقول الوحي المقدس (اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ) نجد هنا دلالة واضحة على أن الابن أو العقل. هو ابن وحيد وفريد لا مثيل له، فالله ليس لديه أكثر من عقل، فهو ابن وحيد أي عقل واحد لله، لا شريك له ولا مثيل يعادله، هذا هو الحق الألوهي، ومنطقه في الوحي الإلهي بأن يكون عقل الله من ذات طبيعة وجوهر الله.
كما أرجو أن نلاحظ الفرق الكبير، فبينما الملائكة مخلوقة بالكلمة، وهي كائنات خاضعة خاشعة أمام الله، كما قال الوحي الإلهي (الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا وَخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَارٍ) (العبرانيين 1: 7) نجد المسيح في حضن الذات الألوهي… ولا يستحق أي مخلوق مهما علا شأنه في السماء أو على الأرض، لا يستحق أن يوجد في الذات الألوهي، لأنه بذلك يكون مساوياً للجوهر الإلهي، مشاركاً ذات طبيعة الإلهية، أي سيكون إلهاً آخر، وأما المسيح فهو عقل الله، أي الله ذاته، وليس إلهاً آخراً…
وهذه الآية المباركة تدخل بنا إلى مداخل السماء، وتكشف لنا عن حقائق إلهية فائقة، وأسرار سماوية رائعة، فالابن أو اللوغوس هو إذن عقل الله، وحيث أن عقل الله أزلي بأزلية الله، أي لم يكن هناك وقت من الأوقات كان فيه الله بلا عقل… إذن فالعقل الإلهي هو سرمدي في سرمدية الله. أي أزلي أبدي، وحيث أن عقل الله وهو الله ذاته، لهذا نستطيع أن نقول عن المسيح: بأنه الله الظاهر في الجسد البشري.
المسيح الكلمة المخَبِّر: وحيث أن عقل الله هو الكلمة نطق الله العاقل، لذلك فهو أداة الكلام والنطق الإلهي، وبالتالي مكتوب عنه أنه الوحيد الذي أعطى خبراً كاملاً عن الله، فقال الوحي المقدس في ذات الآيات والسياق المقدس (اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ)، أي هو المتكلم في الذات الألوهي، ويعطي الخبر الكامل عن الله، أي لما أراد الله أن يعلن عن ذاته، ويكشف حقيقة حبه للبشر، تكلم من خلال عقله الذي هو المسيح اللوغوس الكلمة، وبذلك أعلن للبشرية أجل وأعظم خبر عن الله… أن الله محبة. هذا ما كنا نحتاجه، لنحياه هنا، ونكمله في الحياة الأبدية…
فبعد أن هيأ الله ذهن البشرية، من خلال الأنبياء وكلامه الموحى لهم في العهد القديم، ختم كلامه في رسالة حية، حملها عقله الإلهي الابن الكلمة تجسد بشراً. ليعلن للناس أعظم الأخبار جميعها عن الله، وبصورة عملية خلاصية، حيث تكلم إلى البشرية بعقله ذاته الذي اتخذ طبيعة بشرية كاملة… وهكذا قال الوحي المقدس (اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ) (عبرانين 1: 1 و2)
أما بالنسبة للخبر الإلهي بأنه المحبة المطلقة، فقد أكد صدق خبره، حينما تجلّى هذا الحب الإلهي للعالم كله على الصليب المجيد… فعلى الصليب تجلت قوة المسيح ومحبته ورحمته… تجلت في الصليب محبة الله الذي تجسد ومات ناسوتياً على الصليب، أي مات بالجسد البشري نيابة عن البشرية كلها، وتجلت قوته حيث قام من الموت منتصراً على سلطان الموت، بقدرته الإلهية وسلطانه المطلق، معطياً قوة القيامة من الموت الأبدي. لكل تابعيه المؤمنين بشخصه وطبيعته، وجوهر لاهوته ورسالته الخلاصية للعالم كله.
في دراستنا السابقة رأينا الاستعمالات المتعددة للكلمات الجمع: سواء أسماء أو أفعال أو صفات، في الحديث عن الله، كلها تُشير إلى أن هنالك أقانيم في الجوهر الواحد لله وبالتالي تشير إلى الثالوث القدوس . ودارسنا العديد من الآيات التي فيها أسماء الله، تنطبق على شخصين أو أقنومين، متميزين، لكن متساويين في الألوهية أو الجوهر.
والسؤال الذي يبرز الآن: كم أقنوم في الجوهر الواحد الله؟ عندما نقرأ بإمعان في أسفار العهد القديم باللغة العبرية، نرى أن هنالك ثلاثة أقانيم – ثلاثة فقط في الجوهر الواحد لله، وهم الله الآب – الله الأبن – الله الروح القدس، وهم إله واحد. في النص العبري للعهد القديم نجد: الرب يهوه – ملاك يهوه – روح الله، وسندرس الكل تباعاً:
1 الرب يهوه: יהוה
توجد العديد من الآيات في الأسفار المقدسة للعهد القديم، التي تُشير إلى الأقنوم الأول من الثالوث القدوس في الإله الواحد. واستعمال “الرب يهوه” مألوف جداً ومتكرر. وأننا لا نحتاج إلى تخصيص مساحة أخرى لسرد الآيات التي تُشير لذلك، فلقد درسنا في الفصول السابقة العديد من النبوات
تصلح كنموذج لها. وأقنوم “الرب يهوه” هو ما نُعبر عنه نحن كمسيحيين بـ “أقنوم الله الآب”.
2 ملاك يهوه Malach YHVH
الأقنوم الثاني في الجوهر الإلهي، هو ما يُعبر عنه العهد القديم بـ “ملاك يهوه”. أما في العهد الجديد، فيلقب بـ “أقنوم الله الابن”. “ملاك يهوه” هو اسم شخصي متميز خاص، ولم يرد مرة واحد في كل أسفار العهد القديم في صيغة الجمع، بل دائماً في صيغة المفرد. وهذا الاسم مُتميزاً عن الملائكة الأخرى، فلا نجد على مدى العهد القديم كله من التكوين حتى ملاخي، التعبيرات الآتية: “الملائكة يهوه” أو “الملائكة الله” (فيها أداة التعريف “أل” + ملائكة في الجمع)، بل نجد ثلاثة تعبيرات –فقط لا غير – وهي:
أ – ملاك يهوه Malach YHVH، دائماً مفرد.
ب – ملاك الله Malach Ha-Elohim، دائماً مفرد مع أداة التعريف “أل”.
جـ – ملائكة الله Malachei Elohim، دائماً جمع ولا يُستعمل معها أبداً أداة التعريف “أل”.
إذا أمعناً النظر في كل آيات العهد القديم، على ضوء التعبيرات الثلاثة السابقة، نجد الآتي: التعبير الثالث (جـ)، يُستعمل بوجه عام للحديث عن الملائكة الاعتيادية (فهي دائماً جمع ولا يستعمل معها أبداً أداة التعريف “أل” فنقول الملائكة الله … هذا لا نجده على الإطلاق في العهد القديم كله). أما التعبير الأول (أ) والتعبير الثاني (ب)، كلاهما يُستخدمان للتعبير عن شخص متميز وفريد … هو اسم شخصي. فعلي سبيل المثال:
قضاة 20:6-21 “فَقَالَ لَهُ مَلاَكُ اللهِ: «خُذِ اللَّحْمَ وَالْفَطِيرَ وَضَعْهُمَا عَلَى تِلْكَ الصَّخْرَةِ وَاسْكُبِ الْمَرَقَ». فَفَعَلَ كَذلِكَ. فَمَدَّ مَلاَكُ الرَّبِّ (ملاك يهوه) طَرَفَ الْعُكَّازِ الَّذِي بِيَدِهِ وَمَسَّ اللَّحْمَ وَالْفَطِيرَ، فَصَعِدَتْ نَارٌ مِنَ الصَّخْرَةِ وَأَكَلَتِ اللَّحْمَ وَالْفَطِيرَ. وَذَهَبَ مَلاَكُ الرَّبِّ (ملاك يهوه) عَنْ عَيْنَيْهِ”. ففي الآية 20 دعاه “ملاك الله” وفي الآية 21 دعاه “ملاك يهوه”. وإذا راجعنا قليلاً بعض الآيات في نفس الأصحاح، نجد أن الشخص الذي دُعى “ملاك الله” و”ملاك يهوه” هو الله (يهوه) نفسه: ففي الأعداد 12، 14، 16-18 نقرأ الآتي: “فَظَهَرَ لَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ (ملاك يهوه) وَقَالَ لَهُ: «الرَّبُّ مَعَكَ يَا جَبَّارَ الْبَأْسِ». … فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الرَّبُّ وَقَالَ: «اذْهَبْ بِقُوَّتِكَ هذِهِ وَخَلِّصْ إِسْرَائِيلَ مِنْ كَفِّ مِدْيَانَ. أَمَا أَرْسَلْتُكَ؟» … فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «إِنِّي أَكُونُ مَعَكَ، وَسَتَضْرِبُ الْمِدْيَانِيِّينَ كَرَجُل وَاحِدٍ».”
قضاة 3:13، 9، 17 ” فَتَرَاءَى مَلاَكُ الرَّبِّ (ملاك يهوه) لِلْمَرْأَةِ …. فَسَمِعَ اللهُ لِصَوْتِ مَنُوحَ، فَجَاءَ مَلاَكُ اللهِ أَيْضًا إِلَى الْمَرْأَةِ وَهِيَ جَالِسَةٌ فِي الْحَقْلِ،…. فَقَالَ مَنُوحُ لِمَلاَكِ الرَّبِّ: «مَا اسْمُكَ حَتَّى إِذَا جَاءَ كَلاَمُكَ نُكْرِمُكَ؟» فَقَالَ لَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ (ملاك يهوه): «لِمَاذَا تَسْأَلُ عَنِ اسْمِي وَهُوَ عَجِيبٌ؟». “. فبينما دعاه في الآية 3 “ملاك يهوه” دعاه أيضاً في الآية 9 “ملاك الله“. من جهة أخرى، لقد سأل منوح “ملاك يهوه” ما هو أسمك؟ … فأجابه: لماذا تسأل عن اسمي وهو عجيب. فمن هذه الإجابة يمكننا أن نفهم أن “ملاك يهوه” شخص متميز، وفريد. وقد أثبتنا في دراستنا لنبوات إشعياء أن أحد أسماء المسيا، (عجيب). وبذلك يكون “ملاك يهوه” هو الأقنوم الثاني في الثالوث القدوس.
ملاك الرب أو ملاك يهوه أو ملاك الله هو الرب نفسه “يهوه”
هناك عشرات الآيات في العهد القديم، تثبت بلا جدال، أن “ملاك يهوه” هو الله نفسه “يهوه“. ففي الواقع، في كل موضع يظهر فيه حديث عن “ملاك يهوه“، نجده يُشير إلى كل من: ملاك يهوه، ويهوه نفسه. فعلى سبيل المثال:
تكوين 7:16-14 ” فَوَجَدَهَا مَلاَكُ الرَّبِّ (ملاك يهوه) عَلَى عَيْنِ الْمَاءِ فِي الْبَرِّيَّةِ، عَلَى الْعَيْنِ الَّتِي فِي طَرِيقِ شُورَ. وَقَالَ: «يَا هَاجَرُ جَارِيَةَ سَارَايَ، مِنْ أَيْنَ أَتَيْتِ؟ وَإِلَى أَيْنَ تَذْهَبِينَ؟». فَقَالَتْ: «أَنَا هَارِبَةٌ مِنْ وَجْهِ مَوْلاَتِي سَارَايَ». فَقَالَ لَهَا مَلاَكُ الرَّبِّ (ملاك يهوه): «ارْجِعِي إِلَى مَوْلاَتِكِ وَاخْضَعِي تَحْتَ يَدَيْهَا» …. فَدَعَتِ اسْمَ الرَّبِّ (اسم يهوه) الَّذِي تَكَلَّمَ مَعَهَا: «أَنْتَ إِيلُ رُئِي». لأَنَّهَا قَالَتْ: «أَههُنَا أَيْضًا رَأَيْتُ بَعْدَ رُؤْيَةٍ؟» “. توجد هنا أربع إشارات لـ “ملاك يهوه” في الأعداد 7 ، 9 ، 10 ، 11، ولكن في الآية 13 نجده هو الرب نفسه “يهوه” – ولذا دعت المكان ” أَنْتَ إِيلُ رُئِي – أنت الله الذي يُرى“.
تكوين 9:22-16 ” فَلَمَّا أَتَيَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ اللهُ، بَنَى هُنَاكَ إِبْرَاهِيمُ الْمَذْبَحَ وَرَتَّبَ الْحَطَبَ وَرَبَطَ إِسْحَاقَ ابْنَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ فَوْقَ الْحَطَبِ ثُمَّ مَدَّ إِبْرَاهِيمُ يَدَهُ وَأَخَذَ السِّكِّينَ لِيَذْبَحَ ابْنَهُ. فَنَادَاهُ مَلاَكُ الرَّبِّ (ملاك يهوه) مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ: «إِبْرَاهِيمُ! إِبْرَاهِيمُ!». فَقَالَ: «هأَنَذَا» فَقَالَ: «لاَ تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الْغُلاَمِ وَلاَ تَفْعَلْ بِهِ شَيْئًا، لأَنِّي الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ اللهَ، فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي» …. وَقَالَ: «بِذَاتِي أَقْسَمْتُ يَقُولُ الرَّبُّ (يهوه) ، أَنِّي مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ فَعَلْتَ هذَا الأَمْرَ، وَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، أُبَارِكُكَ مُبَارَكَةً، وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ تَكْثِيرًا كَنُجُومِ السَّمَاءِ وَكَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ… مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِي». “. في الآية 11 ، 15 يدعوه “ملاك يهوه” …ولتلاحظ بعض التعابير لا يقولها إلا الله وحده مثل: لم تمسك ابنك وحيدك عني – بذاتي أقسمت يقول “يهوه” – أباركك مباركة وأكثر نسلك. كل هذه التعابير المختصة بالله وحده، نطق بها “ملاك يهوه” نفسه. إذاً، لا جدال أن “ملاك يهوه” أو “ملاك الرب” هو الله “يهوه” نفسه.
تكوين 11:31-13 ” وَقَالَ لِي مَلاَكُ اللهِ فِي الْحُلْمِ: يَا يَعْقُوبُ. فَقُلْتُ: هأَنَذَا.فَقَالَ: ارْفَعْ عَيْنَيْكَ وَانْظُرْ. جَمِيعُ الْفُحُولِ الصَّاعِدَةِ عَلَى الْغَنَمِ مُخَطَّطَةٌ وَرَقْطَاءُ وَمُنَمَّرَةٌ، لأَنِّي قَدْ رَأَيْتُ كُلَّ مَا يَصْنَعُ بِكَ لاَبَانُ. أَنَا إِلهُ بَيْتِ إِيلَ حَيْثُ مَسَحْتَ عَمُودًا، حَيْثُ نَذَرْتَ لِي نَذْرًا. “. الآية (11) كما هو واضح أن الذي ظهر ليعقوب في الحلم هو “ملاك الله“. وعندما يتكلم مع يعقوب في الحلم، في الآية 13 يقول عن نفسه “أنا إله بيت إيل“، ويقول أيضاً “نذرت لي نذراً“. إذا وضعنا هذه الآيات بجوار ما جاء في الإصحاح 28 من التكوين بخصوص سلم يعقوب ” وَرَأَى حُلْمًا، وَإِذَا سُلَّمٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الأَرْضِ وَرَأْسُهَا يَمَسُّ السَّمَاءَ، وَهُوَذَا مَلاَئِكَةُ اللهِ صَاعِدَةٌ وَنَازِلَةٌ عَلَيْهَا. وَهُوَذَا الرَّبُّ وَاقِفٌ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «أَنَا الرَّبُّ إِلهُ إِبْرَاهِيمَ أَبِيكَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ. الأَرْضُ الَّتِي أَنْتَ مُضْطَجِعٌ عَلَيْهَا أُعْطِيهَا لَكَ وَلِنَسْلِكَ…. وَهَا أَنَا مَعَكَ، وَأَحْفَظُكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ، وَأَرُدُّكَ إِلَى هذِهِ الأَرْضِ … فَاسْتَيْقَظَ يَعْقُوبُ مِنْ نَوْمِهِ وَقَالَ: «حَقًّا إِنَّ الرَّبَّ فِي هذَا الْمَكَانِ وَأَنَا لَمْ أَعْلَمْ!». وَخَافَ وَقَالَ: «مَا أَرْهَبَ هذَا الْمَكَانَ! مَا هذَا إِلاَّ بَيْتُ اللهِ، وَهذَا بَابُ السَّمَاءِ» … وَدَعَا اسْمَ ذلِكَ الْمَكَانِ «بَيْتَ إِيلَ» ” تكوين 12:28 – 19. وبوضع تكوين 11:31 – 13 بجوار تكوين 13:28 – 19، نجد الآتي:
أ – لاحظ التمييز بين القول “هوذا ملائكة الله” تك 12:28 فهي جمع وبدون أداة التعريف “أل” للتعبير عن الملائكة الاعتيادية… وبين القول “ملاك الله” الواردة في تكوين 11:31 فهي تخص الأقنوم الثاني في الثالوث “أقنوم الابن” حيث أنها مفردة بالإضافة إلى أداة التعريف “أل”. Malach Ha – Elohim
ب – في تكوين 11:31 يقول “أَنَا إِلهُ بَيْتِ إِيلَ” من هو ” إِلهُ بَيْتِ إِيلَ“، الإجابة نجدها في تكوين 16:28 – 18 ” حَقًّا إِنَّ الرَّبَّ فِي هذَا الْمَكَانِ… مَا هذَا إِلاَّ بَيْتُ اللهِ… وَدَعَا اسْمَ ذلِكَ الْمَكَانِ «بَيْتَ إِيلَ» (أي بيت الله). إذاً، إله هو الله “يهوه” والذي قال عنه في تكوين 31 إنه “ملاك يهوه“. “فملاك يهوه” هو “يهوه” نفسه.
د – خروج 2:3 – 6 “وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ بِلَهِيبِ نَارٍ مِنْ وَسَطِ عُلَّيْقَةٍ. فَنَظَرَ وَإِذَا الْعُلَّيْقَةُ تَتَوَقَّدُ بِالنَّارِ، وَالْعُلَّيْقَةُ لَمْ تَكُنْ تَحْتَرِقُ. فَقَالَ مُوسَى: «أَمِيلُ الآنَ لأَنْظُرَ هذَا الْمَنْظَرَ الْعَظِيمَ. لِمَاذَا لاَ تَحْتَرِقُ الْعُلَّيْقَةُ؟». فَلَمَّا رَأَى الرَّبُّ أَنَّهُ مَالَ لِيَنْظُرَ، نَادَاهُ اللهُ مِنْ وَسَطِ الْعُلَّيْقَةِ وَقَالَ: «مُوسَى، مُوسَى!». فَقَالَ: «هأَنَذَا». فَقَالَ: «لاَ تَقْتَرِبْ إِلَى ههُنَا. اخْلَعْ حِذَاءَكَ مِنْ رِجْلَيْكَ، لأَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ». ثُمَّ قَالَ: «أَنَا إِلهُ أَبِيكَ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ». فَغَطَّى مُوسَى وَجْهَهُ لأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى اللهِ.”. في الآية 2 يقول عنه إنه “ملاك يهوه” الذي ظهر لموسى بلهيب نار من وسط العليقة، ولكن في الآية 4 يقول “ناداه الله من وسط العليقة“. ثم هو نفسه يقول “أنا إله أبيك…”. إذاً، “ملاك الرب ” أو “ملاك يهوه” هو الله نفسه.
هـ -قضاة 1:2 “وَصَعِدَ مَلاَكُ الرَّبِّ مِنَ الْجِلْجَالِ إِلَى بُوكِيمَ وَقَالَ: «قَدْ أَصْعَدْتُكُمْ مِنْ مِصْرَ وَأَتَيْتُ بِكُمْ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَقْسَمْتُ لآبَائِكُمْ، وَقُلْتُ: لاَ أَنْكُثُ عَهْدِي مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ. “. في هذه الآية “ملاك يهوه” ينسب إلى نفسه أنه أخرج شعب إسرائيل من مصر، وأنه قطع عهداً مع هذا الشعب. بالمقارنة مع ما جاء في خروج 3:19 – 5 “وَأَمَّا مُوسَى فَصَعِدَ إِلَى اللهِ. فَنَادَاهُ الرَّبُّ مِنَ الْجَبَلِ قَائِلاً: «هكَذَا تَقُولُ لِبَيْتِ يَعْقُوبَ، وَتُخْبِرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ. أَنْتُمْ رَأَيْتُمْ مَا صَنَعْتُ بِالْمِصْرِيِّينَ. وَأَنَا حَمَلْتُكُمْ عَلَى أَجْنِحَةِ النُّسُورِ وَجِئْتُ بِكُمْ إِلَيَّ. فَالآنَ إِنْ سَمِعْتُمْ لِصَوْتِي، وَحَفِظْتُمْ عَهْدِي تَكُونُونَ لِي خَاصَّةً مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ.”. واضح أن الذي أخرج شعب إسرائيل من مصر هو الله، وهو الذي قطع العهد معهم. بجمع الآيتين معاً، يكون أن ملاك الرب هو الله.
” فَتَرَاءَى مَلاَكُ الرَّبِّ لِلْمَرْأَةِ وَقَالَ لَهَا… فَسَمِعَ اللهُ لِصَوْتِ مَنُوحَ، فَجَاءَ مَلاَكُ اللهِ أَيْضًا إِلَى الْمَرْأَةِ وَهِيَ جَالِسَةٌ فِي الْحَقْلِ… فَقَالَ مَلاَكُ الرَّبِّ لِمَنُوحَ :… فَقَالَ مَنُوحُ لِمَلاَكِ الرَّبِّ… فَقَالَ مَلاَكُ الرَّبِّ لِمَنُوحَ… فَقَالَ مَنُوحُ لامْرَأَتِهِ: «نَمُوتُ مَوْتًا لأَنَّنَا قَدْ رَأَيْنَا اللهَ» “. تسع مرات في هذا المقطع يشير إلى “ملاك الرب” في الآيات 3، 9، 13، 15، 16، 17، 18، 20، 21 ولكن بعد ذلك، في الآية 22 يقول عنه منوح “رأينا الله“…. ثم أن “ملاك الرب” أسمه “عجيب“،פלא ف ل أ، (تكلمنا عن ذلك من قبل).
(ملحوظة: مناقشة موضوع “ملاك الرب” في سفر القضاة، يختفي تماماً في التاريخ اليهودي القديم، وكتب التراث).
وحدانية جوهر الله
يقول الرب على لسان إشعياء النبي ” أَنَا الرَّبُّ (يهوه) هذَا اسْمِي، وَمَجْدِي لاَ أُعْطِيهِ لآخَرَ، وَلاَ تَسْبِيحِي لِلْمَنْحُوتَاتِ. ” إشعياء 8:42. عندما نقابل هذه الحقيقة الثابتة مع ما جاء في خروج 20:23 – 23 ” هَا أَنَا مُرْسِلٌ مَلاَكًا أَمَامَ وَجْهِكَ لِيَحْفَظَكَ فِي الطَّرِيقِ، وَلِيَجِيءَ بِكَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَعْدَدْتُهُ.اِحْتَرِزْ مِنْهُ وَاسْمَعْ لِصَوْتِهِ وَلاَ تَتَمَرَّدْ عَلَيْهِ، لأَنَّهُ لاَ يَصْفَحُ عَنْ ذُنُوبِكُمْ، لأَنَّ اسْمِي فِيهِ. وَلكِنْ إِنْ سَمِعْتَ لِصَوْتِهِ وَفَعَلْتَ كُلَّ مَا أَتَكَلَّمُ بِهِ، أُعَادِي أَعْدَاءَكَ، وَأُضَايِقُ مُضَايِقِيكَ.”. يمكننا أن نفهم بسهولة الطبيعة المتميزة لـ “ملاك يهوه“، في خروج 20:23 -23 الله نفسه هو الذي يتكلم. بذلك يكون “ملاك يهوه” هو نفسه “الله“، حيث أن الله نفسه يقول ” وَمَجْدِي لاَ أُعْطِيهِ لآخَرَ “. والقديس أثناسيوس الرسولي يعلق على هذه الآية بقوله (تشترك الأقانيم الثلاثة بالجوهر الإلهي، ومن ثم إرادة واحدة وذات واحدة وطبيعة واحدة. أي أن لكل من الآب والابن والروح القدس ما للآخر من الألقاب والصفات الإلهية، وذلك لأن الطبيعة واحدة، خلواً من تفصيل وتقسيم)
نعود مرة أخرى إلى خروج 20:23 – 23 “هَا أَنَا مُرْسِلٌ مَلاَكًا أَمَامَ وَجْهِكَ…” في الآية 20 يقول الله أن هذا الملاك سيقود شعب إسرائيل طوال فترة الخروج من مصر حتى يأتوا إلى الأرض التي وعد بها، وهذا يتوافق مع ما جاء في قضاة 1:2 (شرحنا من قبل). في الآية 21 أعطى الله العديد من الأوامر لموسى: احترز منه – اسمع لصوته – لا تتمرد عليه. هذا الملاك ينبغي أن يُطاع طاعة مطلقة. لماذا؟ يقول الله “لأن اسمي فيه“. هذا الملاك من نوع خاص جداً ليس ملاكاً اعتيادياً، وذلك لأسباب عديدة.
1 – “لا يصفح عن ذنوبكم” الآية 21 أي عنده القوة والسلطان لغفران الخطايا، وهذا حق من اختصاص الله وحده.
2 – “اسمي فيه” الآية 21 إن الاسم هو “يهوه”. هذا الاسم دُعى به الله وحده. وبما أن هذا الملاك أُعطى هذا الاسم، فهو إذاً الله نفسه. وفي النص العبري يتضح جداً الفرق بين “اسمي فيه” و “اسمي عليه” فجاءت في النص العبري “اسمي فيه” للدلالة القوية أنه هو نفسه الله.
3 – هناك بركات لطاعته: “إن سمعت لصوته وفعلت كل ما أتكلم به أعادي أعداءك، وأضايق مضايقيك“. في النص العبري يتضح بقوة المعنى الحقيقي للآية، أكثر من اللغة العربية: فالضمير في كلمته “صوته” يعود على الملاك، ثم الضمير في كلمة “ما أتكلم به” يعود على الله… إذاً صوت هذا الملاك هو صوت الله نفسه.
4 – هذا الملاك، هو ملاك الخروج 31:32 – 35 عن الاستخفاف بالتحذيرات، وما حدث لهم ” فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى الرَّبِّ، وَقَالَ: «آهِ، قَدْ أَخْطَأَ هذَا الشَّعْبُ خَطِيَّةً عَظِيمَةً وَصَنَعُوا لأَنْفُسِهِمْ آلِهَةً مِنْ ذَهَبٍ.32 وَالآنَ إِنْ غَفَرْتَ خَطِيَّتَهُمْ، وَإِلاَّ فَامْحُنِي مِنْ كِتَابِكَ الَّذِي كَتَبْتَ». “.
ثم يعود الكتاب ويتكلم مرة أخرى عن “ملاك يهوه” الذي صارع معه يعقوب حتى طلوع الفجر (تكوين 24:32 – 30)، في سفر هوشع 3:12 – 5 فيقول ” فِي الْبَطْنِ قَبَضَ بِعَقِبِ أَخِيهِ، وَبِقُوَّتِهِ جَاهَدَ مَعَ اللهِ. جَاهَدَ مَعَ الْمَلاَكِ وَغَلَبَ. بَكَى وَاسْتَرْحَمَهُ. وَجَدَهُ فِي بَيْتِ إِيلَ وَهُنَاكَ تَكَلَّمَ مَعَنَا. وَالرَّبُّ إِلهُ الْجُنُودِ يَهْوَهُ اسْمُهُ.”. هنا نلاحظ:
قال أولاً “جاهد مع الله” ثم يقول بعدها “جاهد مع الملاك“.
الملاك الذي صارع معه يعقوب في تكوين 24:32 – 30، يقول عنه يعقوب “لأني نظرت الله وجهاً لوجه“. وبذلك يكون الملاك الذي صارع معه يعقوب هو “الله نفسه“.
في تكوين 32:24 – 30، سأل يعقوب الملاك عن اسمه، ولما عرف إنه الرب، دعا المكان الذي ظهر له فيه “فنيئيل” ومعناه “رأيت الله“. هنا في هوشع 3:12 – 5 أسم الله هو “يهوه” أي الاسم الخاص بالله. بمعني أن له الحروف الأربعة المقدسة “יהוה” التي لله نفسه. وهذا يؤكد أن “ملاك الرب” هو الأقنوم الثاني في الثالوث القدوس.
روح الله القدوس
لا نستطيع أن نرود كل الآيات التي وردت في العهد القديم التي تتحدث عن روح الله القدوس للتعبير عن الله نفسه، لأنها كثيرة جداً… وإلا سنحتاج إلى كتاب خاص. ولكن اكتفي بذكر بعضها… وأقنوم الروح القدوس، واضح جداً في أسفار العهد القديم، وهو الأقنوم الثالث في الثالوث القدوس، وينطق بالعبرية “Kodesh Ruach Ha” أو يطلق عليه مباشرة “روح الله”.
من الآيات السابقة، نرى أن الروح القدس له صفات شخصية تُشير إلى الألوهية مثل: الإرادة – المشيئة – الخلق – الغفران …. إلخ. ولذا فالروح القدس هو الله.
آيات من العهد القديم تورد الأقانيم الثلاثة معاً
في أسفار العهد القديم نتقابل مع آيات عديدة، يأتي فيها ذِكر الثلاثة أقانيم معاً. وتُظهر بوضوح أن هذه الأقانيم متساوية في الجوهر، أو قل هي جوهر واحد للإله الواحد الحقيقين فعلى سبيل المثال:
إشعياء 1:42 ” «هُوَذَا عَبْدِي الَّذِي أَعْضُدُهُ، مُخْتَارِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. وَضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْرِجُ الْحَقَّ لِلأُمَمِ. “. هنا نلاحظ، أن المتكلم هو الله الآب، ويظهر في القول “عبدي” أي عبدي أنا، “مختاري” أي مختاري أنا، “سرت به نفسي” أي أنا سررت به. أما الأقنوم الثاني، فهو: العبد – المختار – الذي يخرج الحق للأمم. أما الأقنوم الثالث، فهو الروح القدس، ويظهر في القول “وضعت روحي عليه“. إذاً، هنا نتقابل مع الثالوث القدوس في آية واحدة.
إشعياء 12:48 – 16 ” «اِسْمَعْ لِي يَا يَعْقُوبُ، وَإِسْرَائِيلُ الَّذِي دَعَوْتُهُ: أَنَا هُوَ. أَنَا الأَوَّلُ وَأَنَا الآخِرُ،13 وَيَدِي أَسَّسَتِ الأَرْضَ، وَيَمِينِي نَشَرَتِ السَّمَاوَاتِ. أَنَا أَدْعُوهُنَّ فَيَقِفْنَ مَعًا. اِجْتَمِعُوا كُلُّكُمْ وَاسْمَعُوا. مَنْ مِنْهُمْ أَخْبَرَ بِهذِهِ؟ قَدْ أَحَبَّهُ الرَّبُّ. يَصْنَعُ مَسَرَّتَهُ بِبَابِلَ، وَيَكُونُ ذِرَاعُهُ عَلَى الْكَلْدَانِيِّينَ. أَنَا أَنَا تَكَلَّمْتُ وَدَعَوْتُهُ. أَتَيْتُ بِهِ فَيَنْجَحُ طَرِيقُهُ. تَقَدَّمُوا إِلَيَّ. اسْمَعُوا هذَا: لَمْ أَتَكَلَّمْ مِنَ الْبَدْءِ فِي الْخَفَاءِ. مُنْذُ وُجُودِهِ أَنَا هُنَاكَ» وَالآنَ السَّيِّدُ الرَّبُّ أَرْسَلَنـِــيوَرُوحُهُ. “. في الآية 12، المتحدث هو الله، الذي خلق السماوات والأرض، ومازال هو الله “أنا هو” أي أقنوم الآب الأقنوم الأول. في الآية 16، نجد شخص آخر يقول إنه مرسل من قِبل الرب “يهوه“، فالشخص المرسل هو الأقنوم الثاني. وفي نفس الآية 16، نجد أن الأقنوم الثاني مرسل من قِبل الرب “وروحه القدوس“، هنا يظهر الأقنوم الثالث. أما الآية 16 بمفردها ففيها يظهر الثالوث القدوس معاً بشكل واضح “أنا هناك (الأبن) والآن السيد الرب (الاب) أرسلني وروحه (الروح القدس)“…. في آية واحدة.
إشعياء 1:61 ” رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِــي…”. هنا يظهر – أيضاً – الثالوث القدوس معاً في آية واحدة. فالمتكلم هو المسيا “الأقنوم الثاني – الأبن” أي الممسوح. أما الذي مسحه، فهو أقنوم الآب الأقنوم الأول ، في قوله “الرب مسحني”. وروح السيد عليه وهو الأقنوم الثالث
إشعياء 7:63 – 14 ” إِحْسَانَاتِ الرَّبِّ أَذْكُرُ، تَسَابِيحَ الرَّبِّ، حَسَبَ كُلِّ مَا كَافَأَنَا بِهِ الرَّبُّ... في فِي كُلِّ ضِيقِهِمْ تَضَايَقَ، وَمَلاَكُ حَضْرَتِهِ خَلَّصَهُمْ…. وَلكِنَّهُمْ تَمَرَّدُوا وَأَحْزَنُوا رُوحَ قُدْسِهِ “. في هذه الآيات يذكر إشعياء النبي إحسانات الله التي صنعها مع شعب إسرائيل في الخروج وفي البرية…إلخ. وهنا يذكر إشعياء ثلاثة أشخاص (ثلاثة أقانيم) متميزين، لكنهم جميعاً هم الله نفسه:
أ – في الآية 7: يذكر “الرب يهوه” الذي صنع إحسانات كثيرة مع الشعب (أقنوم الآب).
ب – في الآية 9: يذكر “ملاك حضرته” الذي خلصهم (راجع خروج 20:23 – 23)، وهو (أقنوم الأبن).
ج – الآية 10: يذكر “روح قدسه” الذي أحزنه شعب إسرائيل، وهو الأقنوم الثالث
فبالرغم من أن الله في كل أسفار العهد القديم يُعلن عن نفسه أنه هو الذي أخرج شعب إسرائيل من أرض العبودية… نجد في إشعياء 7:63 – 14 أن الثلاثة أشخاص ينسب إليهم ذلك. هنا – رغم ذلك – هذا لا يتعارض أبداً مع وحدانية الله، حيث أن الثلاثة الأقانيم، هم جوهر واحد للإله الوحد. هذه هي عقيدة الثالوث القدوس، التي يُهاجمها اليهود بشدة، رغم أننا أثبتناها من العهد القديم – وهم يعتبرون أن ملكيته هو من حقهم هم وحدهم – علاوة على عشرات الآيات التي تبرهن على ذلك التي لم نستطع ذكرها تخفيفاً على القارئ العزيز (بنعمة المسيح، قيد الإعداد: بحث موسع عن الثالوث القدوس في العهد القديم).
الثالوث القدوس هو: الله الآب – الله الأبن (المسيا) – الله الروح القدس…، وبما أننا قد أوردنا نبوات عديدة تشير إلى ألوهية المسيا. إذاً، على ضوء الثالوث القدس، نخرج بنتيجة مفادها، أن المسيا هو أحد أقانيم هذا الثالوث… أقنوم الكلمة (الابن) الذي تجسد في ملء الزمان من أجل خلاص العالم كله.
الكلمه والروح القدس (الخريستولوجي والبنفماتولوجي) الخلط بين الاقنومين
الكلمه والروح القدس (الخريستولوجي و البنفماتولوجي) الخلط بين الاقنومين
اكليمندس السكندري كمثال كان يخلط بين الكلمه والروح حينما يتحدث عن إلهام الانبياء او الوحي[1]
فنجده يقول: الذي ملأ كل شئ بظهوراته المُقدسه الكلية القدرة، سواء في الخلق او في الخلاص او في عمل الخير او في الشرائع او في النبوات او في تعاليمه [2].
– بينما في مواضع أُخري يقول: أنه الروح القدس الإقنوم الثالث، فم السيد، الذي كلمنا بواسطة الأنبياءو الرسل[3].
– إنهم (الانبياء) كانوا اداة الصوت الالهي. لذلك فإن الكتب المُقدسه هي … من وحي الروح القدس[4].
و يقول الراعي هرماس: [ وجميع الذين يدخلون إلى البرج يلبسون ثياباً بيضاء كالثلج[5] لأنهم قد لبسوا اسم ابن الله[6].
اللباس الذي يلبسه المعمَّدون هو الروح القدس[7]، الذي ينعم به على المعمَّد ويتحتَّم حفظه سليماً لا يُمس[8]. وجميع الذين يقبلون الختم يصير لهم معرفة واحدة وفكر واحد ويكون لجميعهم إيمان واحد ومحبة واحدة[9]. ]
و نري هذا ايضاً في كتابات ثيؤفيلوس الانطاكي: هذا الكلمه إذاً، بما أنهُ روح الله وحكمته وقدرته فقد نزل في قلب الانبياء وبواستطهم أعلن كل ما ينبئ عن خلق العالم وجميع المخلوقات[10].
و يتسائل العالم الابائي د/ جورج رحمه قائلاً: هل يعتبر القديس ثيؤفيلوس ان المسيح والروح القدس هما واحد ؟ بالطبع لا، لان الحكمه بالنسبة إليه هي غير الكلمه، رغم ان الامر ليس واضحاً تماماً من خلال تعابيره اللاهوتيه. ولكن ليس بإمكاننا إتهامه بذلك، لانه لم يكن هو يفكر بذلك، والبرهان هو انه اول من اورد كلمة ثالوث في كتاباته في التاريخ المسيحي.
و هنا تجدر الإشارة ان القديس ايرينئوس نفسه يتكلم بعض الاحيان وكاننا نفهم من كلامه ان الحكمه والروح القدس هما واحد، وبوضوح كلي اكثر من وضوح القديس ثيؤفيلوس[11].
فيقول ايرينيئوس: كما أنه يمنح الإنسان أن يكون على صورة الله. والروح أيضًا يُظهر الكلمة، لذلك تنبأ الأنبياء عن ابن الله. والكلمة أيضًا متحد بالروح. لذلك فهو يفسر كتب الأنبياء ويُدخل الإنسان إلى الآب “[12].
و نرى في كتابات ما قبل نيقيه هذا الخلط ليس لانهم لا يميزون بين اقنوم اللوغوس واقنوم الروح القدس بل التفرقه واضحه في كتاباتهم بما لا يدع مجالاً للشك (كما رأينا)، ولكن سبب تسمية الكلمه احياناً بأنه روح يرجع إلي:
لان طبيعة الله هي روحيه او ان الله روح فالآب روح والإبن روح والروح القدس روح، وذلك من جهة الطبيعه لا من جهة الامتزاج بين الاقانيم المتمايزه.
و لان اباء ما قبل نيقيه لم يكن لديهم صياغات مدده لعقيدة الثالوث كما نمتلك نحن الآن تلك الصياغات المجمعيه مثل ( طبيعه – إقنوم – جوهر …. ) فكانوا يستخدمون تلك الالفاظ ولكن تختلف معانيها من اب إلي آخر حسب الثقافه والبيئه المُحيطه والتعاليم التي استلمها مِن مَن سبقوه وايضاً الفكره التي بسببها كتب الرساله او الهرطقه التي كان يرد عليها، فعند القراءه لهوئلاء الاباء يجب ان نضع في الإعتبار المعاييز التاريخيه للكتابه لكي نستطيع الوصولل إلي الفهم الصحيح للنص.
لان الاقانيم رغم تمايزهم، لكنهم متداخلون في العمل والإراده لانهم واحد في الجوهر والطبيعه فنحن لا نفصل الاقانيم ولا يوجد عمل يعمله اقنوم بمفرده منفصلاً عن الإقنومين الآخرين، فالوحي هو عمل الله الثالوث، والفداء هو عمل الله الثالوث. ولكن التمايز فقط يأتي من الدور الفعال بشكل واضح لاحد الإقانيم دون إنفصال عن الاقنومين الآخرين.
ربما يتضح هذا عند شرح هيبوليتس الروماني (وهو ايضاً ممن يُتهمون بهذه البدعه) حينما يقول: إن الانبياء يظهرون دائماً مؤيدين بروح النبوة ومكرمين من جهة الإبن الكلمه ذاته ، وإن إلهامهم ينبع من قوة الآب[13].
فواضح من كلماته إن الثالوث يشترك في كل عمل، والوحي الإلهي هو من عمل الثالوث ولذلك يمكن ان يُذكر اي إقنوم على أنهُ هو العامل والفاعل، وفي ذات الوقت لا ينفصل عنه الإقنومين الآخرين في العمل، حتي وإن لم يكتب ذلك في كل فقرة من كتاباته.
و في ذلك يقول القديس امبرسيوس: من يذكر اسم احد الاقانيم فقد ذكر الثالوث، فإذا ذكرت اسم المسيح فأنت ضمناً تشير إلي الله الآب الذي به الإبن قد مُسح، والابن نفسه الذي مُسح، والروح القدس الذي تمت به المسحه… وإذا تكلمت عن الروح فأنت تذكر الآب الذي منه ينبثق الروح، وتذكر ايضاً الإبن لأنه روح الإبن[14].
و يقول القديس كيرلس عمود الدين: إن التجديد في الحقيقه هو من عمل الثالوث القدوس، حتي وإن أظهرنا أننا ننسب لكل إقنوم على حده عملاً مما يحدث لنا أو للخليقه، ولكن علينا ان نؤمن أن كل شئ هو من الآب خلال الإبن في الروح القدس[15].
و مثالاً على ان تعاليم هؤلاء الاباء مبنيه على الكتاب المُقدس وليست إختراعات او إجتهادات بشريه، فنجد مثلاً على ذلك في القداسه: بحسب الكتاب من هو الإقنوم المُختص بتقديسنا؟ والاجابه هي أن التقديس هو من عمل الثالوث القدوس، وإن كان يُنسب على وجه الخصوص للروح القدس؛ فالروح القدس هو روح القداسة وواهبها، والابن هو الذي يُرسل المُقَدِس، والآب هو الذي يريد تقديسنا مُرسِلاً ابنه الحبيب إلينا بغية هذا الهدف. لهذا ينسب الكتاب عمل التقديس للآب كقول السيد المسيح نفسه: “قدسهم في حقك، كلامك هو حق” (يو7:17 )، كما يُنسَب للابن كقول الرسول: “ومنه أنتم بالمسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله وبرًا وقداسة وفداء.” (1كو 1: 30 )، ويُنسب أيضاَ للروح القدس: “وأما نحن فينبغي لنا أن نشكر الله كل حين لأجلكم أيها الاخوة المحبوبون من الرب أن الله اختاركم من البدء للخلاص بتقديس الروح وتصديق الحق (2تس2: 13).
[1]estcott , study of the gospels, p. 435
[2]خطاب إلي اليونانيين 11، 112
[3]خطاب إلي اليونانيين 9 ، والمربي، 1، 1، 6
[4]الخطاب إلي اليونانيين 9
[5]herm., 8, 2.
[6]Ibid., 9,13; 9,16.
[7]Ibid., 9,24.
[8]Ibid., 9,32.
[9]Ibid., 9,17.
[10]الي اتوليكوس 2 ، 10
[11]موسوعة عظماء المسيحيه في التاريخ ج4 ص 176
[12]الكرازه الرسوليه، فقره 5
[13]de antichr . 2
[14] عن الروح القدس 1: 12: 44
الكلمه والروح القدس (الخريستولوجي و البنفماتولوجي) الخلط بين الاقنومين