ما بين الخرافات والإيمان الحي والصراع القائم على التحزب أنا لبولس وأنا لأبولس
ما بين الخرافات والإيمان الحي والصراع القائم على التحزب أنا لبولس وأنا لأبولس
[ لماذا ارتجت الأمم وتفكر (وتلهج) الشعوب في الباطل. قام ملوك الأرض (ملوك الأرض يثورون) وتآمر الرؤساء معاً على الرب وعلى مسيحه قائلين. لنقطع قيودهما ولنطرح عنا ربطهما (نيرهما) ] (مزمور 2: 1 – 3)
في واقعنا العملي المُعاش، نرى شوائب كثيرة دخيلة على الإيمان الحي المُسلم منذ عصر الرسل والآباء القديسين الذين عاشوا في بساطة عمق الإيمان الحي العامل بالمحبة، فمنذ القرون الأولى والكنيسة تُجاهد الجهاد الحسن بالنعمة المُعطاة لها في خضم الصراعات التي ورطها فيها بعض الداخلين إلى الإيمان المسيحي، إذ أن بعض الذين آمنوا كانوا من خلفية يهودية تؤمن بنوال الخلاص والحياة الأبدية بواسطة الأعمال الصالحة التي يلزم لتتميمها الطقس الناموسي، وبدون الناموس يستحيل الخلاص مهما ما كان الإيمان صحيحاً، والبعض الآخر كان من بيئة فكرية فلسفية يعشق كلام الحكمة الإنسانية المُقنع حسب المنطق أو حسب الخلفيات الفلسفية المتنوعة التي انحدر منها، وتعلَّم فيها عن الإله….
ونرى أن الكثير من هؤلاء الفريقين – قبل أن تقوم الكنيسة بتعليمهم – حملوا معهم أفكارهم القديمة البالية إلى بيئتهم المسيحية الجديدة، وحاول البعض أن يجعلوا المسيحية ديانة عقلية يحترمها علية القوم، وأصبح الخطر الذي تمثله الاتجاهات الناموسية أو الاتجاهات الفلسفية التي انحرفت بالبعض عن المسار المسيحي الأصيل يشكل تهديداً حقيقياً في داخل الكنيسة ليفسد أذهان الكثيرين عن البساطة التي في المسيح: [ ولكنني أخاف أنه كما خدعت الحية حواء بمكرها هكذا تفسد أذهانكم عن البساطة التي في المسيح ] (2كورنثوس 11: 3).
ونرى على صعيد آخر موازٍ لهذا، هو أن بعض القادة الغيورين قد بالغوا في غيرتهم على الإيمان وصاغوا بعض التفاسير والشروحات الخاصة لتصحيح شرور حقيقة تصوروا وجودها داخل الكنيسة، وقد تمكنوا من جذب العديدين لإتباع أفكارهم حتى أنتهى الأمر بتوليد هرطقات متنوعة والتي بدورها أحدثت انشقاقات داخل الكنيسة أفرزت بعض الشيع الجديدة داخل كل منها….
ولا تتعجبوا يا إخوتي فبالرغم من أن هذا هو الذي نعرفه من جهة التاريخ، فلا زال يتكرر في كل زمان بل وإلى هذا اليوم، لأن ما حولنا لم يُستحدث بل يضرب جذوره في الماضي، لأن إلى اليوم لم يُستحدث شيء، فلازال أمر تهويد الكنيسة موجود عند البعض بدون دراية منهم لأنهم لازالوا يتمسكون بالناموس الطقسي وحرفه، وآخرين يريدون يفلسفوا الإيمان فيتمسكون بكلام الإنسانية المقنع، وآخرين غيورين يدافعون بقوة وشراسه حتى أنهم – بدون دراية – يشوهون الأسفار المقدسة بالتفسيرات الغريبة عن روح الإلهام والحق وذلك لكي يقفوا ضد الأفكار التي يرونها غير صحيحة، حتى أصبحوا منحازين لأفكار أو أُناس على حساب الإعلان الإلهي نفسه، فيخرجون تفسيرات مشوشة ومشوهة حسب قناعتهم أو دراستهم التي درسوها لكي يدافعوا عن الحق فوقعوا هم أنفسهم ضد الحق دون أن يدروا !!!
وبين هذا وذاك يوجد من هو يجهل الحياة المسيحية بكاملها ويعيش في وسط الكنيسة كمتعصب ينحاز لأهل الثقة وليس لمن لهم شركة مع الله ذو خبرة حياة مقدسة شريفة، لهم المعرفة الحقيقية التي تضبط حياة الشركة الصحيحة مع الله والقديسين في النور…
وهكذا ظلت الخلافات قائمة والانشقاقات تزداد تعمق يوماً بعد يوم ونفس ذات المشكلة التي واجهها القديس بولس الرسول هي عينها قائمة اليوم:
[ ولكنني أطلب إليكم أيها الإخوة باسم ربنا يسوع المسيح أن تقولوا جميعكم قولاً واحداً ولا يكون بينكم انشقاقات، بل كونوا كاملين في فكرٍ واحد ورأي واحد. لأني أُخبرت عنكم يا إخوتي من أهل خلوي أن بينكم خصومات. فأنا أعني هذا أن كل واحد منكم يقول أنا لبولس وأنا لأبلوس وأنا لصفا وأنا للمسيح. هل انقسم المسيح !! ألعل بولس صُلب لأجلكم !! أم باسم بولس اعتمدتم !!؛ أشكر الله إني لم أُعمد أحداً منكم إلا كريسبس وغايُس. حتى لا يقول أحد إني عمدت باسمي. وعمدت أيضاً بيت استفانوس، عدا ذلك لستُ أعلم هل عمدت أحداً آخر. لأن المسيح لم يُرسلني لأُعمد بل لأُبشر لا بحكمة كلام لئلا يتعطل صليب المسيح. فأن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة وأما عندنا نحن المخلصين فهي قوة الله. لأنه مكتوب سأُبيد حكمة الحُكماء وأرفض فهم الفُهماء. أين الحكيم!! أين الكاتب!! أين مُباحث هذا الدهر!! ألم يُجهِّل الله حكمة هذا العالم. لأنه إذ كان العالم في حكمة الله لم يعرف الله بالحكمة، استحسن الله أن يُخلِّص المؤمنين بجهالة الكرازة. لأن اليهود يسألون آية واليونانيين يطلبون حكمة. ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوباً لليهود عثرة ولليونانيين جهالة. وأما للمدعوين يهوداً ويونانيين فبالمسيح قوة الله وحكمة الله. لأن جهالة الله أحكم من الناس، وضعف الله أقوى من الناس. فانظروا دعوتكم أيها الإخوة: أن ليس كثيرون حكماء حسب الجسد، ليس كثيرون أقوياء، ليس كثيرون شرفاء. بل اختار الله جُهال العالم ليخزي الحُكماء واختار الله ضُعفاء العالم ليخزي الأقوياء. واختار الله أدنياء العالم والمُزدرى وغير الموجود ليبطل الموجود. لكي لا يفتخر كل ذي جسد أمامه. ومنه أنتم بالمسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله وبراً وقداسة وفداء. حتى كما هو مكتوب من افتخر فليفتخر بالرب ] (1كورنثوس 1: 10 – 31)
ليفهم القارئ ولا أحد يستعفي نفسه، بل علينا جميعاً بلا استثناء أن نفحص ضمائرنا في ضوء كلمة الله الكاشفة للقلب، فلنجتهد ولو لمرة أن نُنقي أنفسنا ونسعى لغسل ضمائرنا أمام الله الحي من كل نية غير سليمة، لأن ستظل كلمة الله سيف نار مسلول أمام أعيننا تفصل في نياتنا وضمائرنا، وقول الرب سيظل عبر الزمان واضح كشمس النهار: [ من ليس معي فهو عليَّ ومن لا يُجمع معي فهو يُفرق ] (متى 12: 30)، فانتبهوا لمشيئته: [ ولي خراف أُخر ليست من هذه الحظيرة ينبغي أن آتي بتلك أيضاً فتسمع صوتي وتكون رعية واحدة وراعٍ واحد ] (يوحنا 10: 16)، [ ليكون الجميع واحداً كما إنك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا ليؤمن العالم أنك أرسلتني ] (يوحنا 17: 21)
ولننتبه لقول الرسول: [ أن كان أحد يُعلِّم تعليماً آخر ولا يوافق كلمات ربنا يسوع المسيح الصحيحة (حسب الإنجيل الذي فيه الإعلان الإلهي) والتعليم الذي هو حسب التقوى (إني أتعجب إنكم تنتقلون هكذا سريعاً عن الذي دعاكم بنعمة المسيح إلى إنجيل آخر. ليس هو آخر، غير أنه يوجد قوم يزعجونكم ويُريدون أن يحولوا إنجيل المسيح. ولكن إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم فليكن أناثيما (محروم أو مقطوع من الحياة الأبدية). كما سبقنا فقلنا أقول الآن أيضاً أن كان أحد يبشركم في غير ما قبلتم فليكن أناثيما. أفأستعطف الآن الناس أم الله أم أطلب أن أُرضي الناس، فلو كنت بعد أُرضي الناس لم أكن عبداً للمسيح – غلاطية 1: 6 – 10). فقد تصلف وهو لا يفهم شيئا بل هو متعلل بمباحثات ومماحكات (معارك) الكلام التي منها يحصل الحسد والخصام والافتراء والظنون الردية. ومُنازعات أُناس فاسدي الذهن وعادمي الحق يظنون ان التقوى تجارة، تجنب مثل هؤلاء. وأما التقوى مع القناعة فهي تجارة عظيمة. لأننا لم ندخل العالم بشيء وواضح إننا لا نقدر أن نخرج منه بشيء. فأن كان لنا قوت وكسوة فلنكتف بهما. وأما الذين يريدون أن يكونوا أغنياء (يسعون للغنى عن طريق الخدمة) فيسقطون في تجربة وفخ وشهوات كثيرة غبية ومُضرة تغرق الناس في العطب والهلاك. لأن محبة المال أصل لكل الشرور الذي إذ ابتغاه قوم ضلوا عن الإيمان وطعنوا أنفسهم بأوجاع كثيرة. ] (1تيموثاوس 6: 3 – 10)
أحذروا يا إخوتي من معارك الكلام وروح الجدل الذي أصاب هذا الجيل في مقتل، واحذروا من أن تشتتوا رعية الله، واحذروا من أن تقسموا الكنيسة، واحذروا من التحزب ورفض كل من يؤمن بالمسيح الرب، لأن من يحب الوالد يحب المولود منه أيضاً، ومن يسعى للوشاية ويجتهد أن يعزل أخاه ويلقيه خارجاً ويقطعه من شركة الكنيسة، فهو قاتل نفس يتحدى رأس الجسد، واصبح هو المحروم والمرفوض من مسيح الحياة لأن كل قاتل نفس لا يرث الحياة الأبدية: [ كل من يبغض أخاه فهو قاتل نفس وأنتم تعلمون أن كل قاتل نفس ليس له حياة أبدية ثابتة فيه ] (1يوحنا 3: 15)
كلمة رسولية في الختام:
[ احترزوا إذاً لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة (نُظاراً – الناظر من فوق) لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه، لأني أعلم هذا أنه بعد ذهابي سيدخل بينكم ذئاب خاطفة لا تشفق على الرعية ] (أعمال 20: 28 و29)
[ ارعوا رعية الله التي بينكم نُظاراً (أساقفة) لا عن اضطرار بل بالاختيار، ولا لربح قبيح بل بنشاط، ولا كمن يسود على الأنصبة بل صائرين أمثلة للرعية ] (1بطرس 5: 3)
ما بين الخرافات والإيمان الحي والصراع القائم على التحزب أنا لبولس وأنا لأبولس
الرد على: أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئاً» (يو 5: 30)
الرد على: أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئاً» (يو 5: 30)
الرد على: أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئاً» (يو 5: 30)
يقول المعترض كيف يقول المسيح انا لا اقدر ان افعل من نفسي شيئ وهو اله؟!
اولا هل يوجد اله يقول هذا نعم الهنا القدوس فالله لا يقدر ان يفعل خطية فهل هذا عجز من الله؟ اذا لنفهم كلام الكتاب المقدس الذي لا مثيل له كتاب الله الوحيد
اذا لنتامل الايات والاصحاح الذي اقتتف منه صاحب الشبهة الاية الرائعة التي تثبت لاهوت الرب يسوع
نجد الرب يسوع المسيح له كل المجد ياكل علي علاقة وثيقة مع الآب كما قال أنا والآب واحد
ففى نفس الإصحاح نجد المسيح يقول الآيات التالية:
17 فأجابهم يسوع: أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل
18 فمن أجل هذا كان اليهوديطلبون أكثر أن يقتلوه،لأنه لم ينقض السبت فقط، بل قال أيضا إن الله أبوه، معادلا نفسه بالله
19 فأجاب يسوع وقال لهم : الحق الحق أقول لكم: لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئا إلا ما ينظر الآبيعمل. لأن مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك
20 لأنالآب يحب الابن ويريه جميع ما هو يعمله، وسيريه أعمالا أعظم من هذه لتتعجبوا أنتم
21 لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحيي، كذلك الابن أيضا يحيي من يشاء
22 لأن الآب لا يدين أحدا، بل قد أعطى كل الدينونة للابن
23 لكي يكرم الجميع الابن كمايكرمون الآب. من لا يكرم الابن لا يكرم الآب الذي أرسله
لنري صورة توضيحية للاصحاح ثم نستطرد في الشرح نستنتج من الجزء الاول من الاصحاح امر هام جدا أن مهما عمل الآب فهذا يفعله الأبن أيضاً
حتي اليهود لما سمعو الكلام دة قامو ليقتلوة لانهم فهمين العلاقة بين الآب والابن والمساواه في الجوهر وفهمو ان الرب يسوع عادل وساوى نفسه بالله الآب
فلماذا همّ اليهود بقتله ؟
ونجد في الاية رقم 21 امر هام لنتاملها اولا
لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحيي، كذلك الابن أيضا يحيي من يشاء
زي مالآب ايضا مبيقيم الاموات الابن بيحي الي بيريدة دة سلطان مطلق مبارك اسم الهنا القدوس
فى هذه الآيات إتضحت منظومة العلاقة الوثيقة فى العمل بين أقنوم الآب والأبن لأن لاهوت الآبحال فى جسد المسيح الأبن فما يفعله الآب يفعله الأبن أيضاً لأن المشيئة الإلهية واحدة ليتمجد الآب بالأبن لذلك هو أكد على أن من يطلب شيىءبإسمه فهذا يفعله لأنه واحد فى المشيئة مع الآب فكما يفعل الآب يفعل الأبن أيضاً وكما أن الآب يحيى موتى كذلك الأبنأيضاًومن يطلب شيئاًبإسم يسوع فيُلبى رب المجد طلبه لأنه واحد فى المشيئة الإلهية معا لآب
نروح بقي للتفاسير
تفسير القمص انطونيوس فكري
آية (30): “أنا لا اقدر أن افعل من نفسي شيئاً كما اسمع أدين ودينونتي عادلة لأني لا اطلب مشيئتي بل مشيئة الآب الذي أرسلني.”
هذه الآية وصلة بين ما سبق الذي تحدث فيه يسوع عن مساواته مع الآب وبين بقية الإصحاح الذي يتكلم فيه عن الشهادة له. المسيح هنا لأول مرة يقول أنا. فظهر بوضوح أنه يقصد نفسه بكل ما سبق كما أسمع أدين= تعنى إستحالة الإنفصال بين الأقنومين في الرأي أو العمل وتشير للإتفاق التام. هي إشارة لمعرفة تامة لفكر الآب لذلك يقول دينونتي عادلة= فهو لا يطلب شيئاً لنفسه. ما دام هناك تساوي مطلق فهذه تشير أن لهما إرادة واحدة فالآب يريد والإبن ينفذ ويعلن لنا أي يستعلن إرادة الآب، فهو وحدهُ الذي يعرف مشيئة الآب. ولا توجد خليقة ما مهما كانت تستطيع أن ترى الله وتسمعه وتعرفه وتعرف إرادته إلاّ الإبن الذي هو من طبيعة الآب، لذلك فهذه الآية تشير لطبيعة المسيح الإلهية (يو18:1). لا أطلب مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني= مشيئة الإبن أن يعمل مشيئة الذي أرسله (يو34:4) ومشيئة الآب نجدها في (يو39:6،40) وبهذا نرى أن مشيئة الآب والإبن في إنسجام تام ووحدة، فمشيئة الله أن الجميع يخلصون. هذه الآية تكرار للآية (19) ولكن هنا يوضح أن الإبن في آية (19) هو يسوع نفسه، لذلك يقول هنا “أنا” وهو لا يعمل شيئاً بدون شركة مع الآب. فالنبوة فيها إتصال الآب بالإبن.
الآيات (19-23) نرى فيها تسلسل لطيف جداً. ففي آية (19) نرى الإبن يعمل ما يعمله الآب. وفي آية (20) يشرح لماذا فيقول لأن الآب يحب الإبن. ثم يقول وسيريه أعمالاً أعظم. وفي آية (21) يقول لأن الابن يحيي. إذاً إقامة الأموات هي الأعمال الأعظم. والإبن سيحيي من يشاء لأنه له الدينونة آية (22) ولكن ما معنى يريه جميع ما هو يعمله.. وسيريه.. وكما أسمع أدين (آية30).
نرى في آية (19) التساوي المطلق بين الآب والإبن= مهما عمل ذاك فهذا يعمله الإبن كذلك. والسبب في آية (20) هو المحبة. فالله محبة، ينبع محبة. والإبن هو المحبوب (أف6:1). والروح القدس هو روح المحبة. هي وحدة أساسها المحبة. وبسبب هذه الوحدة والمحبة، فالإبن يعمل كل ما يعمله الآب، وله كل ما للآب ويريه جميع ما هو يعمله= يريه تعني المعرفة الكاملة بما يريد الآب. فلا يعرف الآب إلا الإبن ولا أحد يعرف الإبن إلاّ الآب (لو22:10). هي معرفة التطابق الناشئ عن الوحدة. ولكن داخل المشورة الثالوثية لكل أقنوم عمله. فالآب يريد. والإبن ينفذ. فالآب يريد أن الجميع يخلصون، والإبن يقدم التجسد والفداء. الآب يريد أن يعطي حياة للبشر، وهذا ما يعمله الإبن والآب خلق العالم بالإبن، ويفعل كل الأشياء بالإبن، فالإبن به كان كل شئ. بل الإبن سيقوم بتجميع البشر في جسده ليقدم الخضوع للآب، ويعطي البشر حياة فهو له حياة في ذاته. بل هو الوحيد الذي بجسده أطاع كل الوصايا. والمسيح له أعمال هذه قال عنها أن الآب أراه إياها أو يريه إياها. وله أقوال وتعاليم ودينونة قال عنها أنه سمعها من الآب. وبنفس المفهوم يقال هذا عن الروح القدس “كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية” (يو13:16). فهي معرفة التطابق الناشئ عن المعرفة نتيجة الوحدة، الوحدة التي في طبيعة الله بالمحبة. والآب يريد والإبن يَعْمَلْ ويُعَلِّمْ. والروح القدس يُخْبِرْ.
وبهذا المفهوم فالمسيح يقول لهم.. وإن شقيت في السبت فأنا لم أخالف وصايا الآب. وكيف أخالفها إن كان هناك هذه الوحدة وهذا الحب.
وإذا قال المسيح يريها فهو يقصد الأعمال التي يعملها الآن. وإذا قال سيريه فهو يقصد الأعمال التي سيعملها في المستقبل كإقامة أموات، بل قيامته هو شخصياً. وإذا قال رأيت فهذا إشارة لسابق وجوده قبل التجسد.
وقول السيد المسيح هنا أنه يحيي من يشاء فهذا إشارة لأنه هو يهوه، فهذه مقدرة الله فقط (تث29:32+ 2مل7:5+ 1صم6:2). وهذا ما يفهمه اليهود الذين يكلمهم المسيح. ويعلن المسيح أيضاً بوضوح أنه يهوه إذ هو الديان، وكان يغفر الخطايا. هو ينقلهم بالتدريج ليفهموا من هو.
وإذا فهموا من هو فيكرموه كما يكرموا الآب آية (23). ومن يرفضه ولا يؤمن به أو لا يكرمه فمصيره الدينونة آية (24).
في هذه الآيات نرى العلاقة بين الآب والإبن :
1) فهما مشيئة واحدة: فالإبن لا يقدر أن تكون له إرادة منفصلة في العمل عن إرادة أبيه.
2) غير منفصلين: فالإبن ينظر كل ما للآب ويسمع كل ما عند الآب (وهكذا الروح القدس).
3) نفس القدرة: كل ما يفعله الآب يفعله الآبن.
4) الحب يربط بينهما: فالإبن يعرف كل أسرار الآب.
5) كل ما للآب هو للإبن: فالإبن يحيي من يشاء وهذا عمل الآب. وهذه عبارة لم تقال عن إيليا أو غيره حين أقاموا أموات.
6) الإبن هو الديان: وهذا عمل الآب “أديان الأرض كلها..” (تك25:18).
7) لهما نفس الكرامة: فكما يكرمون الآب عليهم أن يكرموا الإبن أيضاً.
إذاً هما متساويان.
تفسير القمص تادرس يعقوب ملطي
“الحق الحق أقول لكمإن من يسمع كلمتي ويؤمن بالذي أرسلني،
فله حياةأبدية،
ولا يأتي إلى دينونة،
بل قد انتقل من الموت إلى الحياة”. [24]
تعاليمه، أي إنجيل خلاصه، هي بذار الحياة الأبدية الغالبة للموت أبديًا، متى زُرعت في القلب ترفع المؤمن فوق الموت الأبدي والدينونة في يوم الرب العظيم. لن يدخل مدينة الموت التي تحبس النفوس التي حرمت نفسها من مصدر الحياة. إنما تعبر النفس إلى إمبراطورية الحياة، ينال المؤمن مواطنة جديدة، عوض بلدة الموت يتمتع بالمواطنة السماوية ليحيا فيها أبديًا في مجدٍ سماويٍ وينطق بلغةٍ سماويةٍ.
إن كانت الحياة الأبدية لا ترتبط بالزمن، فإن عربون هذه العطية يُقدم في الحياة الحاضرة، لننمو فيها حتى تتمتع بكمالها في الحياة العتيدة.
v إنه لم يقل: “إن من يسمع كلمتي ويؤمن بي” (بدلاً من يؤمن بالذي أرسلني)… لأنه إن كان بعد صنع ربوات المعجزات لفترة طويلة تشككوا فيه عندما تكلم في فترة لاحقة بهذه الطريقة “إن كان أحد يحفظ كلمتي فلن يرى الموت إلى الأبد” (يو 8: 51)، وقالوا له: “قد مات إبراهيم والأنبياء، وأنت تقول إن كان أحد يحفظ كلتمي فلن يذوق الموت إلي الأبد؟” (يو 8: 52)، فلكي لا يصيروا هنا في غضب شديد، انظروا ماذا يقول؟
“إن من يسمع كلمتي، ويؤمن بالذي أرسلني، فله حياةأبدية” [24]. لهذا القول أثره غير القليل في قبول مقاله، عندما يتعلمون أن من يسمعونه يؤمنون أيضًا بالآب، فإنهم إذ يقبلون هذا بسهولة، يمكنهم أن يقبلوا بقية المقال بسهولة. حديثه بطريقة متواضعة ساهمت وقدمتهم إلي الأمور العلوية. فإنه بعد قوله “له حياة أبدية” أضاف: “ولا يأتي إلي دينونة، بل يكون قد انتقل من الموت إلي الحياة ” [24][620].
v بهذين الأمرين جعل مقاله يُقبل بسهولة. أولاً لأن الآب هو الذي نؤمن به، وبعد ذلك الذي يؤمن يتمتع ببركاتٍ كثيرة. عدم الآتيان إلى دينونة يعني عدم العقوبة، إذ لا يتحدث هنا عن الموت، بل الموت الأبدي، وأيضًا عن الحياة بلا موت[621].
القديس يوحنا الذهبي الفم
v إذ يحب البشر أن يعيشوا على هذه الأرض وُعدت لهم الحياة، وإذ يخشون الموت جدًا وُعدوا بالحياة الأبدية.
ماذا تحبون؟ أن تعيشوا. ستنالون هذا.
ماذا تخشون؟ أن تموتوا. ستكون لكم حياة أبدية…
لنحب الحياة الأبدية، بهذا نعرف كيف يلزمنا أن نجاهد كثيرًا من أجل الحياة الأبدية[622]
القديس أغسطينوس
v ليس سلطان الابن يزيد، بل معرفتنا عن هذا السلطان هي التي تزيد. وليس ما نتعلمه يضيف إلى كيانه شيئًا، وإنما يضيف إلى نفعنا حتى أننا بمعرفتنا للابن ننال حياة أبدية. هكذا في معرفتنا لابن الله ليست كرامة له، بل فائدتنا هي المعنية[623].
القديس أمبروسيوس
v إن الروح رغم اتحادها مع اللّه فهي لا تشعر بملء السعادة بطريقةٍ مطلقة. إنما كلما تمتعت بجماله زاد اشتياقها إليه.
إن كلمات العريس روح وحياة (يو 24:5)، وكل من التصق بالروح يصير روحًا. كل من التصق بالحياة ينتقل من الموت إلى الحياة كما قال الرب.
هكذا فالروح البكر تشتاق دائمًا للدنو من نبع الحياة الروحية. النبع هو فم العريس الذي تخرج منه كلمات الحياة الأبدية. إنه يملأ الفم الذي يقترب منه مثل داود النبي الذي اجتذب روحًا خلال فمه (مز 131:118).
لما كان لزامًا على الشخص الذي يشرب من النبع أن يضع فمه على فم النبع، وحيث أن الرب ذاته هو النبع كما يقول: “إن عطش أحد فليقبل إليّ ويشرب” (يو 37:7)؛ لذلك فإن الأرواح العطشانة تشتهي إن تضع فمها على الفم الذي ينبع بالحياة ويقول: “ليقبلني بقبلات فمه” (نش 2:1).
من يهب الجميع الحياة، ويريد إن الجميع يخلصون، يشتهي أن يتمتع كل واحد بنصيب من هذه القبلات، لأنها تطهر من كل دنس[624].
القديس غريغوريوس النيسي
“الحق الحق أقول لكم إنه تأتي ساعة وهي الآن،
حين يسمع الأموات صوت ابن الله،
والسامعون يحيون”. [25]
يميز البعض بين “كلمة” السيد المسيح [24] وصوته [25]، فكلمته هي إنجيل خلاصه حيث يجد المؤمن خلال الصليب الحياة الجديدة عوض الموت، ويتمتع بالحرية عوض العبودية، إذ يقول السيد “كلمتي روح وحياة” أما صوته فهو كائن في كلمته، حيث تستعذب العروس صوت عريسها، فيمتلئ قلبها بنشوة الحب وتتحسس حنانه الإلهي ولن تقبل عنه بديلاً: “خرافي تسمع صوتي” (يو 10: 27).
يشير الكتاب المقدس إلى ثلاثة أنواع من الموت: الموت الطبيعي أو الجسدي، والموت الروحي، والموت الأبدي. الأول يتحقق بانفصال النفس عن الجسد، والثاني بانفصال النفس عن الله، والثالث بانفصال النفس والجسد معًا عن الله في العالم الآخر. مقابل هذا توجد ثلاثة أنواع من الحياة: الحياة الطبيعية التي في هذا العالم، حيث يعمل الجسد مع النفس في وحدة، والحياة الروحية حيث تتمتع النفس بالوحدة مع الله الذي يقودها بروحه القدوس، والحياة الأبدية حيث يشترك الجسد مع النفس في المجد السماوي في حضن الآب.
بمجيء السيد المسيح حلت الساعة لتقوم النفس من موتها، أو انفصالها عن الله مصدر حياتها، فتتمتع بالحياة الجديدة هنا.هذه الحياة الجديدة تهيئ المؤمن لمجيء السيد المسيح الثاني حيث يقوم الأموات لتشترك الأجساد مع النفوس في الحياة الأبدية المجيدة. هذا يتحقق بأمر السيد المسيح، حيث يسمع الأموات صوته.
في مجيئه الأول يتكلم في النفس فيقيمها من الموت، وفي مجيئه الأخير يأمر فيقوم الأموات. ليتنا نسمع دومًا صوته الموجه شخصيًا إلينا: “لعازر هلم خارجًا”. ففي كل عبادتنا، بل مع كل نسمة من نسمات حياتنا يلزمنا أن نميل بآذاننا إليه لنسمع صوته العذب المحيي لنفوسنا.
vتتحقق القيامة الآن، ويعبر الناس من الموت إلى الحياة، من الموت بعدم الإيمان إلى الحياة بالإيمان، من الموت بالبطلان إلى الحياة بالحق، من الموت بالشر إلى الحياة بالبرّ. لذلك توجد قيامة للأموات[625].
v الذين يؤمنون ويطيعون يحيون. قبل أن يؤمنوا ويطيعوا كانوا راقدين أمواتا. كانوا يسيرون وهم أموات. ماذا ينتفعون بسيرهم وهم أموات؟ ومع ذلك إن مات أحدهم الموت الجسدي، فيجرون يهيئون القبر ويكفنوه ويحملوه ويدفنوه؛ الموتى يدفنون الميت. وقد قيل عنهم: “دع الموتى يدفنون موتاهم” (مت ٨: ٢٢).
مثل هؤلاء الموتى أقيموا بكلمة الله ليعيشوا في الإيمان. الذين كانوا موتى في عدم إيمان أقيموا بالكلمة. عن هذه الساعة يقول الرب: “ستأتي الساعة وقد جاءت الآن”. بكلمته يقيم هؤلاء الذين كانوا موتى في عدم الإيمان. عنهم يقول الرسول: “قم أيها النائم، وارتفع عن الموتى، فالمسيح يعطيه النور” (أف ٥: ١٤). هذه هي قيامة القلوب. هذه هي قيامة الإنسان الداخلي، هذه هي قيامة النفس.
لكن ليست هذه هي القيامة الوحيدة، إذ تبقى قيامة الجسد أيضًا. من قام ثانية في النفس سيقوم أيضًا في الجسد لتطويبه في الجسد. وأما من لم يقم أولاً في النفس فسيقوم في الجسد للعنته… إذ نتطلع إلى الرب أنه ختم علينا بهذه القيامة للنفوس التي يجب علينا جميعًا أن نسرع إليها، وأن نجاهد لنعيش فيها، وأن نثابر حتى النهاية. بقي له أن يختم علينا بقيامة الأجساد أيضًا التي ستكون في نهاية العالم. الآن فلتسمع كيف ختم بهذه أيضًا.
عندما قال: “الحق الحق أقول لكم أنه تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات”، أي غير المؤمنين، “صوت ابن الله”، أي الإنجيل، “والسامعون”، أي المطيعون “يحيون”[٢٥]، أي يتبررون، ولا يعودوا بعد غير مؤمنين. عندما أقول أنه قال هذا بقدر ما يرانا أننا محتاجون إلى التعلم عن قيامة الجسد أيضًا، ولا نُترك هكذا لذلك أكمل قوله: “لأنه كما أن الآب له حياة في ذاته كذلك أعطى الابن أيضًا أن تكون له حياة في ذاته”. هذه تشير إلى قيامة النفوس، إلى إحياء النفوس. عندئذ أضاف: “وأعطاه سلطانًا أن يدين أيضًا لأنه ابن الإنسان”[٢٧][626].
v من أي مصدر يحيون؟ من الحياة. من أية حياة؟ من المسيح… يقول: “أنا هو الطريق والحق والحياة” (يو 14: 6).
أتريد أن تسير؟ أنا هو الطريق. أتود ألا تُخدع؟ “أنا هو الحق”. أتريد ألا تموت؟ “أنا هو الحياة”.
هذا ما يقوله مخلصك لك… البشر الذين ماتوا يقومون؛ إنهم يعبرون إلى الحياة، إذ يسمعون صوت ابن اللَّه يحيون. فيه يحيون، إذ يثابرون في الإيمان به. لأن الابن له الحياة؛ حيث له الحياة حتى أن الذين يؤمنون به يحيون[627].
القديس أغسطينوس
v أعرفت هنا سيادة المسيح وسلطانه المطلق غير المنطوق به؟ فكما سيكون في القيامة هكذا يقول “الآن”. لذلك عندما نسمع صوته يأمرنا أن نقوم، إذ يقول الرسول: “عندما يأمر الله يقوم الأموات” (راجع 1 تس 4: 16)[628].
القديس يوحنا الذهبي الفم
“لأنه كما أن الآب له حياة في ذاته، كذلكأُعطى الابن أيضًا أن تكون له حياة في ذاته”. [26]
يتحدث ربنا يسوع هنا بكونه المسيا الذي يخلص العالم ويهبه الحياة.
v “أُعطي” بسبب الوحدة معه. أُعطي لا لكي تؤخذ منه، بل لكي يتمجد في الابن. لقد أُعطى لا لكي يقوم الآب بحراستها، بل لكي تكون ملكًا للابن[629].
v لا تظن أنها هبة مجانية للنعمة، إذ هي سرّ ميلاده. إذ لا يوجد أي اختلاف في الحياة بين الآب والابن، كيف يمكنك أن تظن أن الآب وحده له الخلود وليس للابن[630]؟
القديس أمبروسيوس
v أنظر، أنت تقول وتعترف أن الآب يعطى الحياة للابن لكي تكون له الحياة في ذاته، وذلك كما أن الآب له الحياة في ذاته، فلا يكون الآب في حاجة والابن أيضًا ليس في حاجة. كما أن الآب هو الحياة هكذا الابن هو الحياة، وكلاهما يتحدان في حياة واحدة وليس حياتين، لماذا يُقال أن الآب يعطي الحياة للابن؟ ليس كما لو كان الابن بدون حياة ونال الحياة، لأنه لو كان الأمر هكذا لما كانت له الحياة في ذاته[631].
v ماذا إذن قوله “أعطي الابن أن تكون له حياة في ذاته”؟ أقول باختصار أنه ولد الابن… كأنه يقول: “الآب الذي هو الحياة في ذاته قد ولد الابن الذي هو الحياة في ذاته. يمكن فهم كلمة “أعطي”dedit بمعنى “ولد”[632].
v ماذا يعني له الحياة في ذاته؟ لا يحتاج إلى الحياة من آخر، بل هو نفسه فيض من الحياة، منه ينال الغير – الذين يؤمنون به – الحياة… لقد أُعطي أن تكون له الحياة في ذاته، لمن أعطي؟ لكلمته، لذاك الذي هو “في البدء كان الكلمة، وكان الكلمة عند اللَّه”[633].
القديس أغسطينوس
v ألا ترون أن هذا يعلن عن الشبه الكامل إلا في نقطة واحدة، هي أن الواحد هو أب والآخر هو ابن؟ فإن تعبير “أعطي” لمجرد إبراز هذا التمايز أما البقية كلها فمتساوية ومتشابهة تماما. واضح إن الابن يفعل كل شيء بسلطان وقوة مثل الآب، وأنه لا يستمد القوة من مصدر آخر، إذ له الحياة في ذاته مثلما للآب[634].
القديس يوحنا الذهبي الفم
“وأعطاه سلطانًا أن يدين أيضًا، لأنه ابن الإنسان”. [27]
يرى القديس أمبروسيوس أن السيد المسيح قَبِلَ أن ينال السلطان أن يدين “لأنه ابن الإنسان” أما بكونه ابن الله فهو الديان، إذ هو واحد مع الآب[635].
يقول القديس أغسطينوس أنه هو “ابن الله في ذاته” [٢٥] كان يلزم (بحبه) أن يصير ابن الإنسان حين أخذنا فيه، أو أخذ طبيعتنا.
إنه إذ يقيم الموتى نراه ابن الله واهب الحياة والقيامة، وإذ يدين يتجلى أمامنا عمله الخلاصي الذي بدونه لن نتبرر، فنراه وقد حمل طبيعتنا وصار ابن الإنسان الذي مات وقام ووهبنا برَّه. يراه الأشرار أيضًا ابن الإنسان الذي صلبوه ورذلوه وطعنوه.
بقوله: “وأعطاه أن يدين أيضا لأنه ابن الإنسان” يوجه أنظارهم نحو نبوة دانيال النبي عنه: “كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتي وجاء إلي القديم الأيام، فقربوه قدامه، فأعطي سلطانًا ومجدًا وملكوتًا لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة، سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض” (دا 7: 13-14).
v سيكون الديان هنا ابن الإنسان، سيكون ذلك الشكل هو الذي يدين، وقد كان تحت الحكم.
اسمعوا وافهموا ما قاله النبي بالفعل: “سينظرون إلى من طعنوه” (زك ١٢: ١٠؛ يو ١٩: ٣٧) (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). سينظرون ذات الشكل عينه الذي طعنوه بحربة. يجلس كديان ذاك الذي وقف أمام كرسي القضاء. سيحكم على المجرمين الحقيقيين، ذاك الذي جعلوه مجرمًا باطلاً. سيأتي بنفسه بذات الشكل.
هذا تراه أيضًا في الإنجيل عندما ذهب إلى السماء أمام أعين تلاميذه، وقفوا ونظروا وتكلم الصوت الملائكي: “أيها الرجال الجليليون ما بالكم واقفين… إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقًا إلى السماء” (أع ١:١١)…
انظروا الآن على أي أساس كان هذا ينبغي أن يحدث وبحق إن الذين يلزم أن يدانوا يروا الديان. فإن الذين يدانون هم صالحون وأشرار معًا. “ولكن طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله” (مت ٥: ٨). بقي أنه في الدينونة يعلن شكل العبد للصالحين والأشرار، ويحفظ شكل الله للصالحين وحدهم[636].
v أي شيء سيناله الصالحون؟… لقد قلت أننا هناك سنكون بصحة سليمة، في أمان أحياء بلا بلايا، بلا جوع ولا عطش، بلا عيب، دون فقدان لأعيننا. هذا ما قلته ولكن ما سيكون لنا أعظم لم أقله: إننا سنرى الله الآب، فإن هذا الأمر عظيم هكذا إذا ما قورنت به كل بقية الأمور تحسب أمامه كلا شيء…
هل سيرى الشرير الله أيضًا هذا الذي قال عنه إشعياء: “ليطرد الشرير فلا يرى مجد الله” (إش ٥٦: ١٠LXX)؟… لذلك فإنه سيعلن نفسه للكل، للصالحين والأشرار، ولكن يحتفظ بنفسه للذين يحبونه… بعد قيامة الجسد عندما يُطرد الشرير فلا يرى مجد الله؛ فإنه “إذ أظهر نكون مثله لأننا سنراه كما هو” (١ يو ٣: ٢)، هذه هي الحياة الأبدية[637]
v كيف إذن لا يأتي الآب نفسه؟ ذلك بكونه لا يكون منظورًا في الدينونة، “سينظرون إلى الذي طعنوه”. الشكل الذي ظهر أمام القاضي، سيكون هو الديان. ذاك الشكل الذين حوكم سيدين. لقد حُوكم ظلمًا، سيدين بالعدل. سيأتي في شكل العبد، وهكذا سيظهر. لأنه كيف يظهر شكل اللَّه للأبرار والظالمين؟ لو أن الدينونة ستكون بين الأبرار وحدهم يظهر لهم شكل اللَّه. ولكن لأن الدينونة هي للأبرار والظالمين، ولا يُسمح للظالمين أن يروا اللَّه، لأنه “طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعينون اللَّه” (مت 5: 8)[638].
v هناك سيكون فصل (بين الأبرار والأشرار) ولكن ليس كما هو الآن. الآن نحن منفصلون ليس من جهة المكان، بل حسب السمات والرغبات والإيمان والرجاء والمحبة. الآن نعيش معًا، نعيش مع الأشرار، وإن كانت حياة الكل ليست واحدة. في السرّ نحن متمايزون، سرّا نحن مفصولون، كالقمح في البيدر، وليس كالقمح في المخزن. في الحقل القمح مفصول ومختلط، مفصول لأنه مختلف عن التبن، ومختلط لأنه لم يُغربل بعد. بعد ذلك سيحدث فصل عام… فالذين صنعوا الصالحات سيعيشون مع ملائكة اللَّه، والذين صنعوا السيئات يتعذّبون مع إبليس وجنوده…
بعد الدينونة سيعبر شكل العبد… وسيقود الجسد بكونه الرأس، ويسلم المُلك للَّه (1 كو 15: 24). عندئذ يظهر شكل اللَّه علانية، هذا الذي لم يكن ممكنًا للأشرار أن يروه، وإنما يرون شكل العبد…
سيعلن نفسه، كما وعد للذين يحبونه. إذ يقول: “من يحبني يحفظ وصاياي؛ والذي يحبني يحبه أبي، وأنا أحبه، وأُظهر له ذاتي” (يو 14: 21)[639].
القديس أغسطينوس
“لا تتعجبوا من هذا،
فإنه تأتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته”. [28]
عند قيامة السيد المسيح لم يُسمع صوت ما، لأنه قام بقوته وسلطانه. أما عند إقامتنا في اليوم الأخير فيُسمع صوت المسيح الذي له سلطان أن يقيم الموتى. كما تُسمع أصوات أبواق الملائكة التي تعلن مجيء صاحب السلطان.
v كل الذين يسمعون يحيون، لأن كل الذين يطيعون يحيون…
فإنه حقًا كل الفرق التي تتعهد ببث أية عقيدة دينية في الناس يسمحون بالاعتقاد بقيامة الأذهان، وإلا يُقال لهم: إن كانت النفس لا تقوم، فلماذا تتحدثون معي؟… لكن يوجد كثيرون ينكرون قيامة الجسد، ويؤكدون أن القيامة قد تمت فعلاً بالإيمان. مثل هؤلاء الذين يقاوموهم الرسول قائلاً:
“من بينهم هيمينايس وفيليتس اللذين زاغا عن الحق، قائلين أن القيامة قد صارت، فيقلبان إيمان قوم” (2 تي 2: 17-18). يقولون أن القيامة قد تمت فعلاً بطريقة لا نتوقع بها قيامة أخرى، ويلومون الذين يترجون قيامة الجسد، كما لو أن القيامة الموعود بها قد تحققت في عمل الإيمان، أي في الذهن[640].
القديس أغسطينوس
“فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة،
والذين عملوا السيآت إلى قيامة الدينونة”. [29]
“أنا لا اقدر أنأفعل من نفسي شيئًا،
كماأسمعأدين،
ودينونتي عادلة،
لأني لاأطلب مشيئتي بل مشيئة الآب الذيأرسلني”. [30]
v كأن المسيح يقول هنا: “إنكم لم تبصروا فيّ فعلاً غريبًا مخالفًا، ولا عملاً لا يريده أبي”.