لا توجد كتابة خارج قانون العهد الجديد قبل القرن الرابع الميلادي أكثر شهرة من كتاب الراعي لهرماس والذي لاحقا صار غير معروف في الشرق بينما استمر شائعا في الغرب في الترجمة اللاتينية خلال القرون الوسطى.
النص اليوناني لكتاب الراعي كان مجهولا في الأزمنة الحديثة حتى اكتشاف مجلد اثوس (Codex Athous) ونص كتاب الراعي محفوظ في أربع مخطوطات رئيسية وهي:
أولا مجلد اثوس ويعود للقرن الخامس عشر يتضمن كل النص تقريبا 95% اكتشفت أوراق هذا المجلد في عام 1855م. على جبل اثوس وصدرت له نسخة طبق الأصل نشرت عام 1907م. وكان يعتقد أن النص معاد ترجمته من اللغة اللاتينية إلا انه لاحقا وبعد اكتشاف النص اليوناني لكتاب الراعي بالمخطوطة السينائية والتي تعود للقرن الرابع الميلادي صار مجلد اثوس أحد نسخ النص الأصلي اليوناني.
ثانيا المخطوطة السينائية (Sinaiticus Codex) وتعود للقرن الرابع الميلادي وقد اكتشفها العالم تشيندورف في دير سانت كاترين في سيناء ويقع نص كتاب الراعي بعد رسالة برنابا عقب سفر الرؤيا أخر قانون العهد الجديد. ثالثا بردية ميتشجن 129 وتعود لمنتصف القرن الثالث الميلادي وقد نشرت في عام 1934م. وتتضمن أجزاء من كتاب الراعي مع بعض الفراغات. رابعا بردية بودمر 38 وتعود لأواخر القرن الرابع أو أوائل القرن الخامس والنص في البردية مرتبط بعمل سابق بعنوان رؤيا دوروثيوس وأيضا النص اليوناني في البردية أقرب للمخطوطة السينائية عنه من مجلد اثوس وقد نشرت البردية عام 1991م.
إضافة الى ما سبق فيوجد نص كتاب الراعي في واحد وعشرين قصاصة يونانية وترجمتين لاتينيتين تقترب أحداهما من مجلد اثوس وبعض قصاصات باللغة القبطية باللهجة الإخميمية والصعيدية تعود للقرن الرابع والخامس وقد اقتبس البابا اثناسيوس في عظته الفصحيّة الحادية عشر عام 339م. من كتاب الراعي (الفقرة الأولى من قسم الوصايا) “أول كل شيء لنؤمن أن الله واحد الذي خلق كل الأشياء ووضعها في نظام وجعل كل شئ من لا شيء الذي يحوي كل الأشياء لكنه نفسه غير محوى” هذا إضافة الى ترجمة أثيوبية تعود للقرن الرابع مما يشهد لانتشار شعبية كتاب الراعي في الكنيسة المبكرة.
ويتكون نص كتاب الراعي من ثلاثة أقسام وهي: خمسة رؤى واثنا عشر وصايا وعشرة تشبيهات والرؤية الخامسة من القسم الأول تمثل بالفعل مقدمة لقسم الوصايا الثاني. أقدم أب استخدم كتاب الراعي في الشرق هو كليمندس السكندري وأوريجانوس اقتباسا من الثلاثة أقسام وأقدم أب استخدم كتاب الراعي من الغرب هو ترتليان واقتبس من قسم الرؤى والوصايا وذلك حسب تقسيم المخطوطات اللاتينية مما يعني انه بنهاية القرن الثاني الميلادي كان نص كتاب الراعي منتشرا في مصر وشمال أفريقيا.
وتناول آباء الكنيسة كتاب الراعي بشكل إيجابي ماعدا ترتليان عارض بسبب اختلافه مع كتاب الراعي بخصوص تصالح الزوجين بعد ندم أحد الطرفين في حالة الزنا وقد دعاه ترتليان كتاب “محب الزناة” و “راعي الزناة” حيث يقول كتاب الراعي:
“فقلت له يا سيد اسمح لي ان أسألك بعض الأسئلة الأخرى فقال تكلم قلت إذا كان رجلا متزوجا امرأة مؤمنة في الرب ووجدها في مواضع زنا فهل يخطئ اذا استمر مقيما معها؟ فقال اذا كان بغير علم فلا يخطئ أما اذا كان الزوج يعرف خطيتها والزوجة غير تائبة لكن متمسكة بفجورها واستمر الزوج مقيما معها فقد صار مسئولا عن خطيتها وشريكا في زناها فقلت يا سيد ماذا يفعل الزوج اذا استمرت الزوجة في هذه الشهوة؟
قال ليطلقها وليبقى الزوج مقيما بمفرده ولكن بعد طلاق زوجته تزوج بأخرى فقد ارتكب الزنا هو أيضا فقلت اذا تابت الزوجة بعد طلاقها وأرادت أن تعود لزوجها ألا تعود؟ قال بالتأكيد فاذا لم يرجعها الزوج فقد اخطأ ويجلب خطية عظيمة على نفسه في الحقيقة الذي يخطئ ويتوب يجب أن يرد لكن بغير تكرار لانه يوجد توبة واحدة لعبيد الله ولأجل احتمالية توبتها فان الزوج لا يتزوج هذا النهج يخص الزوجة والزوج” وجدير بالذكر أن ترتليان رفض كتاب الراعي بعد صار تابعا للهرطقة المونتانية (Montanist).
هناك رفض آخر لكتاب الراعي يوجد في الكتاب الأبوكريفي القبطي رؤيا بطرس بمكتبة نجع حمادي الذي يدعو شخصا يسمى هرماس بانه “بكر الشرير” لكن سياق النص غامض ولا يهاجم كتاب الراعي مباشرة ولكن بسبب الأصل المصري لكتاب رؤيا بطرس والشعبية الهائلة لكتاب الراعي في مصر في القرون الأولى يجعل الارتباط وارد.
لا يوجد شك أن كتاب الراعي كانت له منزلة كبيرة في الكنيسة المبكرة فقد استخدم في الصلوات الكنسية الليتورجية في بعض الاماكن فنجد ان ايرينيئوس يقتبس من كتاب الراعي ويقدمه ككتاب مقدس (γραφη) إلا انه لم يكن الاقتباس الوحيد في سياق النص فالقديس ايرينيئوس يقتبس بهذا الترتيب من (الراعي وملاخي ثم من الرسول بولس ثم من كلام الرب يسوع في إنجيل متى) ونلاحظ انه لم يذكر اسم كتاب الراعي ولم يذكر اسمه صاحبه وغير واضح بالضبط كيفية تقدير قانونيته.
“Irenaeus’ quotation of Shepherd of Hermas in Adversus haereses introduces it as χραφή, ordinarily understood as scripture, but the order of references (Hermas, Malachi, Paul, Jesus) indicates a recognition of the text as authoritative, even if it is not clear exactly how he would value its authority.” – (Osiek, C., & Koester, H. Shepherd of Hermas)
أيضا كليمندس السكندري اقتبس بكثرة من نص الراعي وأشار إليه كإلهام إلهي إلا انه لم يذكر شيء عن مدي قانونيته وارتباطه بالأسفار القانونية.
Θείως τοίνυν ἡ δύναμις ἡ τῷ Ἑρμᾷ κατὰ ἀποκάλυψιν λαλοῦσα (“the power that spoke divinely to Hermas by revelation”)
أوريجانوس أيضا استخدم كتاب الراعي بحرية في سنواته المبكرة لكن قل ذلك بمرور الوقت ويرجع ذلك الى انتقاله من الإسكندرية الى قيصرية حيث لم يكن كتاب الراعي معروفا أو مقدرا كما أن أوريجانوس قد ربط بين هرماس صاحب كتاب الراعي وشخصية هرماس المذكور في رسالة رومية 16: 14.
توجد قائمة كتابية بالأسفار القانونية في المخطوطة الغربية كلارومنتانوس ثنائية اللغة (تعود للقرن السادس) تضع بين رسالة فليمون والعبرانيين قائمة لاتينية للاسفار الكتابية تنتهي برسالة برنابا والراعي لهرماس وأعمال بولس ورؤيا بطرس إلا انه يبدو أن هذه القائمة مستقلة تماما عن المخطوطة نفسها وربما تعود للقرن الثالث الميلادي.
القانون الموراتوري الشهير يأخذ اتجاه على النقيض ناحية صرف النظر عن القيمة القانونية للنص بينما يشير الى فائدة القراءة السرية الشخصية للكتاب وهنا يقترن رفض القانون الموراتوري لقراءة كتاب الراعي في الكنيسة مع استحسان قراءته سريا بصورة شخصية أما السبب المقرر لرفض القراءة العلنية أو الاستخدام الشعبي للنص هو انه كتب لاحقا بيد أخو الأسقف بيوس ويظهر للكتاب كونه جاء من حقبة أخرى وهكذا استمر الرفض القانوني واستمرت القراءة السرية للكتاب.
“coming from another era” – (Osiek, C., & Koester, H. Shepherd of Hermas)
ويعترف كل من يوسابيوس القيصري والقديس جيروم والبابا أثناسيوس بفائدة قراءة كتاب الراعي حيث يقول البابا أثناسيوس أن كتاب الراعي الأكثر فائدة (ὠφελιμωτάτη) بينما يعلن يوسابيوس إن كتاب الراعي ضروري (ἀναγκαιότατον) للبعض بالرغم من رفض الاخرين له. وربما تأثر يوسابيوس بربط أوريجانوس بين كتاب الراعي وشخصية هرماس المذكور في (رومية 16: 14).
يقول كل من يوسابيوس وأثناسيوس وجيروم إن كتاب الراعي مازال مستخدما في الصلوات الدينية بينما يضع روفينوز كتاب الراعي بين كتب الكنسية ولكن ليس بين الكتب القانونية لكي يقرأ ولكن ليس للاستخدام في المجادلات اللاهوتية.
“In the New Testament the little book which is called the Book of the Pastor of Hermas, [and that] which is called The Two Ways, or the Judgment of Peter; all of which they would have read in the Churches, but not appealed to for the confirmation of doctrine” – (Schaff, P. The Nicene and Post-Nicene Fathers Second Series Vol. III.)
وقد استمرت نسخ من كتاب الراعي منتشرة في مصر حتى القرن السادس الميلادي ثم انحسر الانتشار الشرقي حتى اكتشاف مجلد اثوس في القرن الخامس عشر بينما يبدو أن كتاب الراعي لم يختفي تماما في الغرب. وكانت الكتب المقدسة تنتشر متضمنة الكتب الأبوكريفية (أو المعروفة بالقانونية الثانية) مع الكتابات القانونية فنجد أن كتاب الراعي كونه كتاب أبوكريفي موضوع بين سفر طوبيا والمكابيين وفي حالة ثانية بعد سفر حكمة سليمان وفي حالة ثالثة بين المزامير والأمثال.
Antonio Carlini, “Tradizione testuale e prescrizione canoniche: Erma, Sesto, Origene,”
إن الإشارة الى مدينة روما نفسها ونهر التيبر والطريق الى روما هي مواضع محلية ولا يمكن التفسير بوضوح لماذا استخدمت هذه الأماكن إذا كان كتاب الراعي نسخ أول مرة في مكان أخر غير روما هناك أيضا العديد من التلميحات الى زراعة الكروم التي تتناسب مع وسط إيطاليا. الموضع الجغرافي الوحيد الذي لا يناسب وسط إيطاليا هو “اركاديا” والتي يجب أن ينظر إليها كأسطورة. فقد نشأ الكتاب إذن في روما وضواحيها فالكاتب متآلف مع بعض المناطق القروية وليس الحضرية فقط.
إن تاريخ كتابة الراعي يعتبر مسألة معقدة حيث يدور البحث في عدة محاور يتعلق بها تاريخ الكتابة وهي كما يلي: الشاهد المذكور في (رومية 16: 14) والذي يتحدث عن شخصية تعرف باسم هرماس. من المستحيل أن يكون هرماس هذا الذي عاش في النصف الثاني من القرن الأول وذكره الرسول بولس هو نفسه هرماس أخو بيوس أسقف روما الذي عاش في النصف الأول من القرن الثاني الميلادي.
وان ما قاله أوريجانوس بخصوص هرماس المذكور في (رومية 16: 14) ما هو إلا رأيه الخاص كمحاولة لوضع كتاب الراعي في مرحلة مبكرة قدر الإمكان كون أوريجانوس يعتبر الراعي مكتوب بإلهام إلهي. ولكن إذا كان يوسابيوس يعرف الهوية الموراتورية لكاتب الراعي وصلته بأخو بيوس كان سيدرك التضارب الزمني مع رأي أوريجانوس. هذا الصمت من جانب يوسابيوس يقوي فرضية تأخير القانون الموراتوري لما بعد يوسابيوس.
نقطة أخرى، القانون الموراتوري يؤرخ كتابة الراعي متأخرا في النصف الأول من القرن الثاني الى شخصية هرماس أخو بيوس والذي حسب يوسابيوس القيصري كان مشهورا في كنيسة روما في أربعينات القرن الثاني. وهنا تكمن المشكلة فالقانون الموراتوري يستخدم كنقطة انطلاق لتحديد تأريخ كتاب الراعي وشخصية هرماس تستخدم كنقطة انطلاق لتحديد تاريخ للقانون الموراتوري!!! أي أن البحث يدور في حلقة مفرغة فيما يعرف بالجدل الدائري.
ويفترض كرومبي (Crombie) إن هرماس واخوه بيوس كانا أحفاد هرماس المذكور في رسالة رومية وان الشعبية المبكرة لكتاب الراعي ترجع لهذه الهوية ولعدم وجود إجماع لي التأريخ فإن غالبية الدارسين يضعون زمن كتابة الراعي خلال النصف الأول من القرن الثاني.
وعليه فإن أفضل افتراض لتأريخ كتاب الراعي في الفترة الزمنية من نهاية القرن الأول حتى منتصف القرن الثاني الميلادي.
استخدم الرب يسوع مثل الخروف الضال الوارد في لوقا 15: 4 – 7 ومتى 18: 12 – 14. وهذا المثل يوازي في معناه الامثلة التي قالها الرب يسوع عن الابن الضال والدرهم المفقود والفرح مشترك برجوع المفقود. لوقا 15: 6 – 7 , 9 -10 , 23 – 24. 32. وقالت السيدة التي فقدت الدرهم حينما وجدته افرحن معي لأني وجدت الدرهم الذي اضعته.
فيسوع يترك القطيع لربح الخاطئ حتى لو كان المفقود واحد فقط. فهو يسعي لجذب الخطأة لملكوت الله. لكن كيف يترك الرب يسوع التسعة والتسعين بحسب سياق المثل وهنا يتغافل البعض ان هذا المثل لا يذكر جميع التفاصيل فيمكن ان يكون هناك كلاب حراسة ام مساعدين للراعي لرعي الرعية. فغالباً ما تحذف الامثلة التفاصيل باعتبارها مفهومه.
وفي المثل نجد استقبال الرب للخطأة التائبين وفي متى 18 استقبال الرب للأطفال. فهناك فرحة طبيعية للراعي في العثور على غنمه. هكذا الرب يسوع يفرح بالخطأة والاطفال ليكون معه في مملكته.
المتوازي لهذا المثل ما جاء في العهد القديم في حزقيال 34: 10 – 22
10 هكذا قال السيد الرب: هأنذا على الرعاة وأطلب غنمي من يدهم، وأكفهم عن رعي الغنم، ولا يرعى الرعاة أنفسهم بعد، فأخلص غنمي من أفواههم فلا تكون لهم مأكلا.11 لأنه هكذا قال السيد الرب: هأنذا أسأل عن غنمي وأفتقدها.12 كما يفتقد الراعي قطيعه يوم يكون في وسط غنمه المشتتة، هكذا أفتقد غنمي وأخلصها من جميع الأماكن التي تشتتت إليها في يوم الغيم والضباب.13 وأخرجها من الشعوب وأجمعها من الأراضي، وآتي بها إلى أرضها وأرعاها على جبال إسرائيل وفي الأودية وفي جميع مساكن الأرض.14 أرعاها في مرعى جيد، ويكون مراحها على جبال إسرائيل العالية. هنالك تربض في مراح حسن، وفي مرعى دسم يرعون على جبال إسرائيل.15 أنا أرعى غنمي وأربضها، يقول السيد الرب.16 وأطلب الضال، وأسترد المطرود، وأجبر الكسير، وأعصب الجريح، وأبيد السمين والقوي، وأرعاها بعدل.17 وأنتم يا غنمي، فهكذا قال السيد الرب: هأنذا أحكم بين شاة وشاة، بين كباش وتيوس.18 أهو صغير عندكم أن ترعوا المرعى الجيد، وبقية مراعيكم تدوسونها بأرجلكم، وأن تشربوا من المياه العميقة، والبقية تكدرونها بأقدامكم؟19 وغنمي ترعى من دوس أقدامكم، وتشرب من كدر أرجلكم!20 « لذلك هكذا قال السيد الرب لهم: هأنذا أحكم بين الشاة السمينة والشاة المهزولة.21 لأنكم بهزتم بالجنب والكتف، ونطحتم المريضة بقرونكم حتى شتتتموها إلى خارج.22 فأخلص غنمي فلا تكون من بعد غنيمة، وأحكم بين شاة وشاة.
يقول الرب انه سينقذ غنمه وسيبحث عن خرافه وسيجمع الخراف المشتتة فسيكون هو الراعي الصالح الباحث عن المفقودين.
من اللافت للنظر ان هذا الفصل صور الله ان عمله هو ان يسعي وراء الخراف الضالة ويسوع وضع نفسه في نفس التصور كباحث عن الخراف الضالة بحسب نص حزقيال 34: 16
فيسوع جاء ليطلب الضال وحقق هذا الامر نفسه حينما قال في لوقا 10: 19
10 لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويخلص ما قد هلك».
فعمل الله هو عمل الرب يسوع وعدم الفرح الذي طلبة الرب برجوع الخاطئ هو سيكون بمثابة عدم طاعة الرب. فالصورة النموذجية للراعي الصالح نجدها متشابهة تماما في العهد الجديد مع العهد القديم في كلاً من حزقيال 34: 10 – 22
وظيفة المسيح هو وظيفة الله الراعي في وصف حزقيال هو الراعي في امثال الرب يسوع المسيح هو يجعل المسيح مساوي لله. ومشابه لوصف العهد الجديد مثل انجيل يوحنا 10: 1 – 5
1 «الحق الحق أقول لكم: إن الذي لا يدخل من الباب إلى حظيرة الخراف، بل يطلع من موضع آخر، فذاك سارق ولص.2 وأما الذي يدخل من الباب فهو راعي الخراف.3 لهذا يفتح البواب، والخراف تسمع صوته، فيدعو خرافه الخاصة بأسماء ويخرجها.4 ومتى أخرج خرافه الخاصة يذهب أمامها، والخراف تتبعه، لأنها تعرف صوته.5 وأما الغريب فلا تتبعه بل تهرب منه، لأنها لا تعرف صوت الغرباء».
ويوحنا 10: 9 – 15
9 أنا هو الباب. إن دخل بي أحد فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى.10 السارق لا يأتي إلا ليسرق ويذبح ويهلك، وأما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل.11 أنا هو الراعي الصالح، والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف.12 وأما الذي هو أجير، وليس راعيا، الذي ليست الخراف له، فيرى الذئب مقبلا ويترك الخراف ويهرب، فيخطف الذئب الخراف ويبددها.13 والأجير يهرب لأنه أجير، ولا يبالي بالخراف.14 أما أنا فإني الراعي الصالح، وأعرف خاصتي وخاصتي تعرفني،
ونجد في زكريا 11 عن زيغان الرعاة
5 الذين يذبحهم مالكوهم ولا يأثمون، وبائعوهم يقولون: مبارك الرب! قد استغنيت. ورعاتهم لا يشفقون عليهم.6 لأني لا أشفق بعد على سكان الأرض، يقول الرب، بل هأنذا مسلم الإنسان، كل رجل ليد قريبه وليد ملكه، فيضربون الأرض ولا أنقذ من يدهم».
8 وأبدت الرعاة الثلاثة في شهر واحد، وضاقت نفسي بهم، وكرهتني أيضا نفسهم.
16 لأني هأنذا مقيم راعيا في الأرض لا يفتقد المنقطعين، ولا يطلب المنساق، ولا يجبر المنكسر، ولا يربي القائم. ولكن يأكل لحم السمان وينزع أظلافها».17 ويل للراعي الباطل التارك الغنم! السيف على ذراعه وعلى عينه اليمنى. ذراعه تيبس يبسا، وعينه اليمنى تكل كلولا!
فالرب هو الراعي الصالح لإسرائيل بحسب حزقيال 34: 11 – 22. زكريا 11: 7 – 10 ففي مثل الرب يسوع لا يدين الرعاة فقط الغير مخلصين لإسرائيل بل يصف نفسه انه الراعي الصالح. وهو وظيفة الله في العصر المسياني ويبدوا الي ان يسوع اشار لنفسه في كثير من الاحيان انه الراعي الصالح.
ويذكر انجيل مرقس 14
14:27 وقال لهم يسوع ان كلكم تشكون فيّ في هذه الليلة لأنه مكتوب اني اضرب الراعي فتتبدد الخراف
وايضا متى 26
31 حينئذ قال لهم يسوع: «كلكم تشكون فىّ في هذه الليلة، لأنه مكتوب: أني أضرب الراعي فتتبدد خراف الرعية.
فالرب يسوع نفسه عندما سياتي سيفصل بين الخراف والجداء بحسب ما جاء في متى 25
فهو الراعي الصالح وهو سيقوم بنفس دور الله في العهد القديم
وهو نفسه التشبيه الموصوف به الله في العهد القديم في حزقيال 34: 17
17 وأنتم يا غنمي، فهكذا قال السيد الرب: هأنذا أحكم بين شاة وشاة، بين كباش وتيوس.
فنجد تطابق بين وظيفة الله في العهد القديم والله في العهد الجديد واداء المهام فالبحث عن الغنم ورد في حزقيال 34: 11 – 13 ويخرجون الخراف الي اراضي خصبة للرعي.
فمسؤولية الراعي الحماية من الاعداء ومن افتراس الغنم بحسب حزقيال 34: 15 و22 ويسوع يصور نفسه انه الراعي بشكل متطابق مع حزقيال 34: 11 وبذلك يكون بشكل ضمنيا هو الله
JESUS’ IMPLICIT CLAIM TO DEITY IN HIS PARABLES PHILIP B. PAYNE KYOTO, JAPAN p 9. 10.11
1- 1. أراني الراعي صفصافة كانت تظلل سهولًا وجبالًا وقد اجتمع تحتها كل الذين دعوا باسم المسيح. 2. وكان ملاك الرب العظيم بقامته الفارعة يقف تحت الصفصافة وفي يده منجل كان يقطع به أغصانًا ويوزعها على الجموع الواقفة تحت ظلالها. وكانت الأغصان صغيرة لا تتجاوز طول الشبر. 3. بعد أن استلم الجميع أغصانهم وضع ملاك الرب المنجل جانبًا وظهرت الشجرة وكأنها لم تمس. 4. فقلت لنفسي متعجبًا: كيف بقيت الشجرة كما كانت وقد قطع منها هذا العدد الكبير من الأغصان؟ قال لي الراعي: رويدك لا تتعجب كيف بقيت الشجرة كما كانت بعد أن قطع منها ما قطع، بعد أن ترى سيفسر ذلك كل شيء. 5. الملاك الذي وزع الأغصان على الجميع سيستردها وسيدعي كل واحد ليرد الغصن الذي تسلمه حسب الترتيب الذي سلم إليه. 6. إن ملاك الرب سيأخذ هذه الأغصان وسيفحصها. سيسلمها البعض يابسة دون أن ينخرها السوس. 7. والبعض نفس يابسة. وسيضع هؤلاء وأولئك كل في مكانٍ يعينه لهم. 8. والبعض نصف يابسة ومشققة ولهؤلاء مكان خاص بهم. 9. والبعض نصف يابسة. 10. والبعض نصف خضراء مشققة ولهؤلاء موضع خاص بهم. 11. والبعض نصف يابسة ونصف خضراء ولهؤلاء مكان خاص. 12. والبعض خضراء بثلثيها والثلث الباقي يابس ولهؤلاء موضع خاص بهم. 13. والبعض خضراء كلها إلا قليل من طرفها. 14. والبعض يابسة كلها إلا القليل من طرفها المشقق ولهؤلاء مكان خاص بهم. 15. والبعض يابسة كلها إلا القليل من طرفها المخضر لهؤلاء مكان خاص بهم. 16. والبعض خضراء كلها كما تسلموها من الملاك وكان الملاك يفرح لذلك فرحًا عظيمًا ولهؤلاء مكان خاص بهم أيضًا. 17. والبعض خضراء كلها وقد أفرعت ولهؤلاء مكان خاص وكانت هذه الأغصان كأنها مثمرة وكانت تفرح الرجال الذين قدموا مثل هذه الأغصان اليانعة. إن منظرهم كان يبعث الفرح في الملاك والسرور العظيم في قلب الراعي.
2- 1. أمر الملاك أن تحمل كل الأكاليل فجيء بها وظهرت كأنها مصنوعة من أغصان النخيل وقد كان نصيب الذين قدموا أغصانهم اليانعة المثمرة أكاليل على رؤوسهم ودخولهم إلى البرج. 2. ونصيب الذين قدموا أغصانهم اليانعة بدون ثمر أرسلهم إلى البرج بعد ختمهم بخاتم. 3. الذين كانوا يرسلون إلى البرج كانوا يلبسون ثيابًا بيضاء كالثلج. 4. الذين سلموا أغصانهم خضراء كما استلموها ادخلوا إلى البرج بعد أن أعطاهم ثيابًا وختمًا. 5. قال الملاك للراعي: ها أنا ذاهب وعليك أن تختار لهم كل حسب استحقاقه ولا تدخل أحدًا قبل أن تفحص أغصانهم فحصًا دقيقًا. فتشهم تفتيشًا دقيقًا، لا تدع أحد يفلت منك. إذا قلت أحد فإني أحد فإني سأتحقق ذلك فوق المذبح. بعد أن تلفظ الملاك بهذه الكلمات غادر المكان. 6. عندما ذهب الملاك قال لي الراعي: لنأخذن الأغصان من الرجال جميعًا ولنزرعها في الأرض فلعل الحياة تعود إلى بعضها. 7. لأنها إذا غرست في الأرض حظيت بنوع من الرطوبة فإن الحياة تعود إلى أكثرها. علينا أن نسقيها. فمن دواعي سرورنا أن تعود الحياة إلى بعضها. أما إذا جازت الأمور عكس ما أتمنى فلن أتهم بالإهمال والتقصير. 8. أمرني الملاك بدعوة جميع البشر وفقًا لترتيبهم فدعوتهم فجاءوا جماعات جماعات يقدمون أغصانهم للراعي فأخذ الراعي الأغصان وغرسها مجموعات في الأرض وسقاها حتى غمرتها المياة. 9. ثم قال لي: هيا بنا وسنعودبعد أيام لفحص الأقسام كلها لأن الخالق يريد الحياة لكل من تسلم غصنًا من هذه الأغصان. أرجو أن تعود الحياة لكل غصن من الأغصان اليابسة التي غمرتها المياة
3- 1. قلت للراعي: قل لي يا سيد ماذا تمثل الصفصافة؟ إني مندهش وحائر كيف بقيت على حالها وقد قُطع منها ما قطع. 2. فقال لي: هذه الشجرة العظيمة التي تغطي السهول والجبال وكل الأرض هي ناموس الرب الذي أعطي لكل البشر. الناموس هذا هو ابن الله الذي أُعلن عنه في كل الأرض. أما الشعوب التي ستظل فهم الذين سمعوا البشارة وآمنوا بها عند إعلانها. أما الملاك العظيم المُمجد ميخائيل الذي له سلطان على الشعوب ويحكمهم فهو الذي يعطي الناموس ويضعه في قلوب المؤمنين. إنه يزور أولئك الذين أعطاهم هذا الناموس ليتأكد من محافظتهم عليه. 4. إنك ترى كل غصن من الأغصان التي أُعطيت لكل فرد، هذه الأغصان تمثل الناموس. انظر إن بعضها لا يصلح لأي شيء. بهذه الطريقة يتعرف الملاك على الذين لم يحافظوا على الناموس ويعرف المكان الذي يستحقونه. 5. قلت لماذا يا سيد أدخل الملاك البعض إلى البرج وترك لك الباقي؟ قال الرعي: لقد ترك لي الملاك كل الذين حادوا عن الناموس ويمكنهم أن يتوبوا، أما الذين حافظوا على الناموس وطبقوه فبقوا تحت مشيئته. 6. قلت من هم الذين نالوا الأكاليل ودخلوا البرج؟ قال الراعي: الذين صارعوا الشيطان وغلبوه. والذين تحملوا الموت من أجل الناموس هم الذين نالوا الأكاليل. 7. أما الذين جاءوا بأغصانهم خضراء مفرعة بدون ثمار هؤلاء طبقوا الناموس وتحملوا عذابات وإضطهادات ولم ينكروا المسيح. 8. الذين أعادوا أغصانهم كما تسلموها خضراء هم القديسون الأبرار، الذين عاشوا في نقاوة قلبية كلية وحافظوا بأمانة على ناموس السيد. ستعرف على الآخرين بعد أن نفحص الأغصان التي زرعتها في الأرض ورويتها.
4- 1. بعد أيام رجعنا إلى حيث كنا وجلس الراعي حيث كان يجلس الملاك ووقفت جانبه فقال لي: أئتزر وأعني فأتزرت مئزرًا نظيفًا مصنوعًا من كيس. 2. وعندما رآني مستعدًا لخدمته قال لي: أدع لي الرجال الذين غرست أغصانهم في الأرض بحسب ترتيب تسلمهم لأغصانهم فذهبت إلى السهل ودعوتهم فجاءوا مصطفين كل مع جماعته. 3. فقال لهم الراعي: فليقتلع كل واحد منكم غصنه وليحمله إليَّ. 4. وكان أول من حضر أولئك الذين يبست أغصانهم ولم تتكسر وقد سلم بعض هؤلاء أغصانهم وقد عادت إليها الخضرة والبعض الآخر سلمها يابسة أكلها السوس. فأقام الراعي أولئك الذين عادت الخضرة إلى أغصانهم في مكان، والذين بقيت أغصانهم يابسة وأكلها السوس في مكان آخر مع الذين قدموا إليه أغصانهم يابسة ومسكرة. 6. ثم جاء دور الذين كانت أغصانهم نصف خضراء ويابسة ومشققة. العدد الأكبر من هؤلاء عاد بأغصان كلها خضراء وغير مشققة أما العدد الباقي فعاد بها خضراء فيها براعم وفوق هذه البراعم ثمر تشبه أغصان الذين دخلوا إلى البرج مكللين والبعض الآخر سلمها يابسة ومتآكلة والبعض يابسة وغير متآكلة والبعض نصف يابسة ومشققة كما كانت سابقًا فوضع كل فئة في المكان اللائق بها ومنهم من أبقاهم في مجموعتهم ومنهم من نقلهم إلى مجموعة أخرى.
5- 1. ثم جاء دور من كانت أغصانهم حضراء إلا أنها مشققة فلمسوها خضراء كلها واتخذوا مكانهم في الجماعة التي تشبههم وقد خرج الراعي فرحًا بهؤلاء الأشخاص الذين تحولوا وأمحت الشقوق من أغصانهم. 2. ثم تقدم أولئك الذين كانت أغصانهم نصف يابسة ونصف خضراء فقدم بعضهم أغصانهم خضراء كلها وبعضهم نصف يابسة وبعضهم يابسة كلها ومتآكلة والبعض الآخر خضراء كلها وقد نبتت فيها فروع جديدة فأرسلت كل فئة إلى المكان المعد لها. 3. ثم جاء دور من كانت أغصانهم خضراء بثلثيها ويابسة بثلثيها الآخر. الكثيرون سلموها نصف يابسة ومشققة وقليل منهم سلمها خضراء كلها فأرسل كل حسب استحقاقه إلى المكان اللائق به. 4. ثم جاء دور الذين كانت أغصانهم خضراء وقد نبتت فيها أغصان جديد وفوق هذه الأغصان ثمار. والبعض سلمها فقط خضراء فسر الراعي لأنه وجد هذه الأغصان على هذه الحال وذهب الرجال ليتحلوا المراكز التي تليق بهم.
6- 1. عندما أنهى الراعي فحص كل الأغصان قال لي: لقد أريتك هذه الشجرة المحبة للحياة أرأيت كم هم التائبون والمخلصون؟ قلت إني أرى يا سيد. قال الراعي: إن الله أعطى روح التوبة لمستحقيها حتى تدرك عظمة رحمته. 2. قلت: لمتاذا لم يتب الجميع؟ قال: إن الله يعطي روح التوبة للقلوب التي يجب أن تتنقى وتتطهر أما القلوب التي يملؤها الخبث فإن توبتها تكون توبة مرائية ولن يعطيها روح التوبة لئلا تهين اسمه. 3. قلت للراعي: قل لي يا سيد ماذا يمثل الذين سلموا إليك الأغصان وماذا تعني الأماكن التي خصصت لهم حتى إذا ما سمع الذين آمنوا والذين ختموا بالختم وشوهوا الختم ولم يحافظوا محافظة صحيحة يندمون عندما يعرفون ويأخذون منك الختم ويمجدون الله لأنه رأف بهم فأرسلك لتجدد روحهم. 4. قال: اسمه. يمثل الذين سلموا أغصانهم يابسة وقد أكلها السوس والعصاة الذين خانوا الكنيسة وشتموا الرب بخطاياهم وخجلوا من حمل اسمه. هؤلاء في النهاية سيهلكهم الله. انظر إنه لم يتب أحد من هؤلاء مع أنهم سمعوا الكلام الذي أمرتك أن تخاطبهم به وهؤلاء غادرتهم الحياة. 5. أما الذين سلموا أغصانهم يابسة ولم ينخرها السوس. هؤلاء يشبهون الأول. إنهم مراؤون يحملون تعاليم غريبة ويضللون عبيد الله وخصوصًا الخطأة. إنهم لا يتركونهم يتوبون ويعملون لإقناعهم بتعاليمهم البطالة السطحية مع أن مجال التوبة مفتوح أمام هؤلاء. 6. إنك ترى الكثيرين ممن تابوا بعد أن سمعوا كلام وصاياي وسيتوبون. أما الذين لم يقبلوا التوبة فهؤلاء قد خسروا حياتهم، وأما الذين تابوا فقد صاروا من الأبرار وصار مكانهم في الجدار الأول وبعضهم صعد إلى البرج. أرأيت أن الحياة في التوبة وأن الموت في عدم التوبة؟
7- 1. إليك ما يتعلق بالذين حملوا أغصانهم نصف يابسة وغير مشققة هؤلاء هم المترددون. هؤلاء لا هم بأحياء ولا بأموات. 2. أما الذين يحملون أغصانهم نصف يابسة ومشققة فهم المترددون والنمامون الذين لا يعرفوا سلامًا في قلوبهم ويكونون في صراع دائم مع نفوسهم إلا أنهم قد يتوبون. إن بعضهم قد تاب كما ترى وهناك رجاء بتوبة الآخرين. 3. الذين تابوا حصلوا على مكان في البرج والذين سيتوبون سيجدون لهم في جدرانه مكانًا. أما الذين لا يتوبون فموتًا يموتون. 4. الذين سلموا أغصانهم خضراءً مشققةً هم من المؤمنين الذين ستحاسدون على مراكز المجد الأولية. 5. لقد نقوا نفوسهم عندما سمعوا كلامي وصاروا من الصالحين وتابوا سريعًا وقد استوطنوا البرج. من عاد إلى روح الشقاق يطرد من البرج ويخسر حياته. 6. الحياة هي ميزة من يحفظ وصايا الله ولا تكون الحياة في الكراسي والمجد بل في الرجل الطويل الأناة المتواضع. في هؤلاء تقطن حياة الرب أما الموت فيقطن في قلب المحب لشقاقات والاثم.
8- 1. الذين سلموا أغصانهم نصف خضراء ونصف يابسة هم المنغمسون في المهام الدنيوية، الذين لا يلتصقون بالمقدسات لذلك ترى نصفهم يابسًا ونصفهم حيًا 2. لقد تاب العدد الأكبر منهم عندما سمعوا وصاياي فقبلوا جميعًا في البرج وتمرد قسم منهم ولم تعد توبتهم ممكنة لأنهم أهانوا بأعمالهم اسم الرب وأنكروه. إن جبنهم أفقدهم حياتهم. 3. وبقي قسم منهم مترددًا وبقي باب التوبة مفتوحًا أمامهم إذا بقي المجال للتوبة قائمًا. أما إذا تأخروا وتابوا تكون الجدران موطنهم، ويموتون إذا هم بقوا بدون توبة. 4. الذين سلموا أغصانهم خضراء بثلثيها الباقي فهم الذين أنكروا إيمانهم في حالات مختلفة. 5. كثير منهم تاب واستوطن البرج ومنهم من ترك الرب فخسروا الحياة كليًا، ومنهم من سقط في التردد والشك وهؤلاء يستطيعون أن يتوبوا بشرط أن يسرعوا تاركين شهواتهم، أما إذا استمروا فيها فالموت سيعمل فيهم.
9- 1. الذين سلموا أغصانهم يابسة بثلثيها وخضراء بثلثها الباقي هم الذين آمنوا وصاروا عظماءً وأغنياءً في الأمم وتكبروا وانتفخوا وتركوا الحقيقة ولم يلتصقوا بالقديسيين بل عاشوا مع الأمم واستعذبوا هذه الطريق إلا أنهم لم يحيدوا عن طريق الله وبقوا في الإيمان لا يعملون عمل الإيمان. 2. كثير منهم تاب وصار البرج موطنهم. 3. والبعض بقوا بين الأمم قانعين بالأباطيل وابتعدوا عن الله يعملون عمل الأمم ويفعلون أفعالهم واعتبروا من الأمم، البعض ترددوا لأنهم فقدوا الرجاء بالخلاص بسبب الأعمال التي عملوها والبعض ترددوا وسببوا الشقاقات فيما بينهم هؤلاء يمكنهم أن يتوبوا بشرط أن يسرعوا حتى يتمكنوا من دخول البرج أما إذا لم يتوبوا واستمروا في غيهم فالموت منهم قريب.
10- 1. الذين سلموا أغصانهم خضراء إلا أن أطرافهم يابسة هم المؤمنون الصالحون المُمجدون عند الله وأخطأوا بسبب رغبة بسيطة فيما بينهم فتابوا فور سماعهم كلامي فاستوطنوا البرج. 2. أولئك الذين ترددوا في توبتهم وسببوا شقاقات فالتوبة تبقى قائمة بالنسبة لهم لأنهم كانوا دائمًا صالحين. 3. الذين سلموا أغصانهم يابسة إلا من أطرافها هم المؤمنون الذين يعملون الاثم بيد أنهم لم يحيدوا عن طريق الرب وبقوا يفاخرون باسمه ويستقبلون عبيد الله في بيوتهم فرحين. 4. بعضهم تابوا عندما سمعوا صوت الرب وفعلوا كل فضيلة وعدالة وتألموا متلذذين لمعرفتهم الأعمال التي قاموا بها. البرج هو موطن هؤلاء.
11- 1. بعد أن أنهى الراعي تفسير معاني الأغصان كلها قال لي: أذهب وقل لجميع الخطاة أن توبوا ليحيوا في الله لأن الرب لرأفته بالجميع يوزع التوبة على الجميع حتى لو كان البعض لا يستحقونها بسبب أعمالهم فالله طويل الأناة يريد أن يحقق دعوة ابنه للخلاص. 2. قلت له: أرجو أن يتوب الجميع بعد سماعم ما سمعوا. إني واثق أن كل واحد سيخاف ويتوب بعد معرفته ووعيه ما عمل. 2. قلت له: أرجو أن يتوب الجميع بعد سماعهم ما سمعوا. إني واثق أن كل واحد سيخاف ويتوب بعد معرفته ووعيه ما عمل. 3. فأجابني الراعي: كل من يتوب قلبيًا وينقي ذاته من الخطايا التي سبق وأشرت إليها ويبتعد عن فعل الخطيئة ينال الشفاء من الرب ويحيا في الله إذا طبق وصاياه بدون تردد. أما الذين يضاعفون خطاياهم ويتسمرون في شهواتهم فسيحكم عليهم بالموت. 4. أما أنت فسر حسب الوصايا فتحيا لله وسيحيا أيضًا كل من عمل الصدق وسلك طريق الوصايا في الله. 5. هذا ما كشف لي عنه الراعي وقال أنه سيكشف لي ما تبقى.
المثل التاسع
1- 1. بعد أن كتبت وصايا وأمثال الراعي جاء ملاك التوبة وقال لي: أريد أن أريك كل ما أراك الروح القدس الذي خاطبك تحت شكل الكنيسة. هذا الروح هو ابن الله. 2. بما أنك كنت ضعيف الجسد لم يوح إليك بواسطة الملاك. ولكن عندما تقويت روحيًا وأصبحت مقتدرًا وباستطاعتك رؤية الملاك ظهر لك الملاك آنذاك وأراك البرج عن طريق الكنيسة التي ظهرت لك بشكل عذراء ذات هيئة بهية مؤثرة أما الآن فالروح يريك بواسطة الملاك ويوحي إليك. 3. لذلك يجب أن تتعلم مني كل هذه الأسرار بصورة دقيقة. اذا كان الملاك المعظم قد أرسلني لأسكن في بيتك فما ذلك إلا لتتأمل كل هذه الرؤى بصفاء روحي كامل لا بالخوف والرعب كما كنت تفعل سابقًا. 4. قادني الراعي إلى جبل أركاديا إلى جبل لولبي وأجلسني فوق القمة وأراني سهلًا عظيمًا تحيطه دائرة من اثنى عشر جيلًا ولكل جيل شكل خاص به. 5. كان الأول أسود والثاني عاريًا لا عشب فيه والثالث مليئًا بالأشواك والعليق. 6. والرابع نصف معشوشب وكانت رؤوس الأعشاب خضراء والقسم القريب من الجذور يابسًا وكانت الحرارة تيبس بعض الأعشاب 7. والخامس معشبًا ووعرًا، والسادس مليئًا بالحفر، بعضها صغير وبعضها كبير، وكان في الحفر عشب لم يكن نضرًا بل ذابلًا. 8. والسابع مليئًا بالأعشاب والنضرة وكان بهيًا وأنواع الحيوانات ترعى فيه والأعشاب تزداد نضارة كلما رعته. والثامن مليئًا بالينابيع ومخلوقات الله على مختلف أنواعها تشرب منها. 9. والتاسع بدون ماء مقفرًا وفيه زحافات مميتة تفسد البشر. والعاشر فيه أشجار كبيرة وكانت قطعان الأغنام تستظل تحت ظلالها. 10. والحادي عشر مغطى بغابة كثيفة من الأشجار المثمرة من مختلف الأنواع. يكفي أن ترى هذه الأشجار حتى تشتهي أن تأكل منها. والثاني عشر جبلًا أبيض ومنظره يبعث إلى النفس السرور والعذوبة.
2- 1. أراني الراعي أيضًا صخرة بيضاء كانت تقوم مرتفعة في وسط السهل وكانت الصخرة أعلى من الجبال ومربعة تستطيع أن تسع كل العالم 2. كانت الصخرة قديمة وبابها محفور في أحد جوانبها وقد ظهر لي الباب محفورًا حفرًا حديثًا. كانت الصخرة أكثر لمعانًا من الشمس حتى أن أشعتها أثارت إعجابي. 3. كانت حول الباب اثنتا عشرة عذراء. أربعة منهم، وهي أجملهم، كن يقمن عند الزوايا أما الباقيات فكن يقفن بين كل زاويتين، اثنتين اثنتين. 4. وكن يلبسن لباسًا من الكتاب ويأتزرن مآزر جميلة وكانت أكتفهم اليمنى عارية كأنها أُعدت لحمل شيء ما وكن يقفن مستعدات فرحات. 5. بعد أن أراني كل هذا استولى عليَّ عجب صامت، فالمشهد كان مثيرًا ورائعًا وقد استولت على داخلي حيرة أمام رؤيتي للعذارى النعمات اللواتي وقفن بنعومتهن وقفة رجولية كأنهم يتهيأن ليحملن السماء كلها. 6. فقال الراعي: ماذا خطر ببالك ولماذا تحتار وتفكر أفكارًا مزعجة؟ لا تزعج نفسك بأمور لا تستطيع فهمها. اسأل الرب فيعطيك الوعي وتدرك كل ما ليس بامكانك إدراكه. 7. إنك لا ترى ما يقع وراء ظهرك بل إنك ترى فقط ما هو أمامك. لا تعذب نفسك حاول فقط أن تفهم ما تراه ودع الباقي جانبًا. سأفسر لك كل ما تبقى
3- 1. رأيت ستة رجال مقبلين بقاماتهم الطويلة ومشيتهم الرصينة وهيئتهم المتشابهة وقد استدعوا عددًا من الناس وهؤلاء أيضًا كانوا طوال القامة مشرقي الطلعة أقوياء وقد أمرهم الستة أن يبنوا فوق الصخرة وفوق الباب برجًا وكان ضجيج الرجال الذين جاءوا لبناء البرج ضجيجًا عظيمًا وكانوا يركضون هنا وهناك حول الباب. 2. وكانت العذارى اللواتي حول الباب يقلن للرجال أن اسرعوا في بناء البرج وكن يمددن أيديهم كأنهم يردن أن يستلمن شيئًا. 3. أما الرجال الستة فقد أمروا الباقين أن يقتلعوا من الأعماق خجرًا ويذهبوا به لبناء البرج فاقتلعوا عشرة أحجار مربعة براقة غير منحوتة. 4. كما أمروا العذارى اللواتي كن حول الباب أن يستلموا كل الحجارة المعدة لبناء البرج ويحملوها ويدخلوها من الباب ويسلموها إلى الرجال الذين أوكل إليهم أمر بناء البرج. 5. استلمت العذارى الحجارة العشرة التي استخرجت من أعماق البحر وتساندن جميعًا وتعاون على حمل الحجارة حجرًا حجرًا.
4- 1. حافظت العذارى وهن ينقلن الحجارة على الترتيب الذي كن فيه حول الباب. العذارى اللواتي كن عند زوايا الباب حملن الزوايا أما الباقيات فكن في الوسط حسب ترتيبهن السابق حول الباب وهكذا نقلن الحجارة كلها إلى داخل البرج كما أمرن وسلمنها للبنائين وكان البناؤون يبنون بالحجارة التي كانت تسلم لهم. 2. وكان بناء البرج يتم فوق الصخرة وفوق الباب وقد غطت الحجارة كلها بتلاحمها كل الصخرة التي صارت أساسًا للبرج وقد حملت الصخرة والبرج والباب. 3. بعد الحجار العشرة استخرج من الأعماق خمسة وعشرون حجرًا دخلت في البناء ودخلت إلى البرج كما دخلت الأحجار الأول. ثم استخرج خمسة وثلاثون ضمت أيضًا إلى البناء ثم استخرج أربعون واستخدمت في بناء البرج. لقد أصبح أساس البرج مؤلفا من أربعة صفوفٍ. 4. توقف استخراج الحجارة من الأعماق وتوقف البناؤون قليلًا عن البناء. ثم أمر الرجال الستة جموع الفعلة بجل الحجارة للبناء من الجبال. 5. فانطلقوا يحملون حجارة مختلفة الألوان وكانوا ينحتونها ويقدمونها إلى العذارى وهؤلاء كن ينقلنها داخل البرج عن طريق الباب ويسلمنها إلى البنائين. وعندما أخذت الحجارة ذات الألوان المختلفة مكانها في البرج تشابهت كلها وصارت بيضاء وفقدت ألوانها المختلفة وتنوعها وسط هذا الانسجام. 6. إلا أن بعض الحجارة التي نقلها الفعلة فورًا إلى البنائين بقيت كما كانت خالية من أي لمعان. الحجارة التي لم تدخلها العذارى من الباب شوهت تناسق البرج. 7. وعندما رأى الرجال الستة ما أحدثته هذه الحجارة من تشويه أمروا برفعها من البرج وبارجاعها إلى المكان الذي أخذت منه. 8. وقالوا للفعلة الذين ينقلون الحجارة لا تحملوا أنتم الحجارة للبنائين بل القوها عند البرج والعذارى هن اللواتي سينقلن ذلك للبنائين لأنها إذا لم تنقل إلى داخل البرج على أيدي العذارى عن طريق الباب فإنها لن تغير لونها. لا تتعبوا باطلًا.
5- 1. في ذلك اليوم توقف البناء. قبل أن ينتهي البرج لا بد من العودة إلى البناء الذي توقف. أمر الرجال الستة الفعلة بالانسحاب ليستريحوا قليلًا أما العذارى فقد أمرهم الرجال أن يبقوا في مكانهن. وقد بدا لي أن بقاء العذارى في مكانهن كان لحماية البرج. 2. عندما انسحب الفعلة من العمل قلت للراعي: لماذا لم ينهِ الفعلة البرج؟ فأجابني الراعي: إنهم لا يستطيعون اتمامه ما دام سيده لم يأتِ بعد لفحص البناء ولطرح كل حجر لا يراه صالحًا، فالبرج يبني وفق ارادته. 3. قلت للراعي: أريد أن أعرف ما يعنيه هذا البرج والصخرة والباب والجبال والعذارى والحجارة التي استخرجت من أعماق المياه ولم تنحت بل أدخلت كما هي. 4. لماذا وضعت الأحجار العشر في الأساس ثم الخمس والعشرون ثم الخمس والثلاثون فالأربعون؟ ماذا تمثل هذه الحجارة التي وضعت في البناء ثم أُعيدت إلى حيث كانت؟ أرجوك يا سيد أن تفسر لي كل ذلك فتريحني. 5. إذا لم يكن البطل يثيرك فإنك سعرف كل شيء. بعد أيام سنعود إلى هنا وسترى الحوادث التي سيكون مسرحها البرج وستدرك معنى كل هذه الرموز ادراكًا كاملًا. 6. بعد أيام قليلة عدنا إلى المكان ذاته حيث كنّا جالسين فقال لي الراعي: هيا بنا لنذهب إلى البرج لأن سيده سيأتي لفحصه ولم يكن هناك غير العذارى. 7. سألهن الراعي إذا كانت سيد البرج قد أتى فأجبن إنه على وشك القدوم لفحص البناء.
6- 1. بعد مُضي وقت قليل رأيت جمعًا من الرجال يتقدمون وكان وسطهم رجل كان طوله يفوق علو البرج. 2. وكان الرجال الستة الذين كانوا في البرج يرافقونه منهم عن اليمين ومنهم عن اليسار مع عمال البرج وكان عدد من الرجال العظام يحيطون به. أما العذارى اللواتي كُن عند الباب فقد أسرعن للقائه فقبلنه وأخذن يسرن بالقرب منه. وهو يطول حول البرج. 3. ففحصه حجرًا حجرًا. وكان يحمل عصى يضرب فيها كل حجر من أحجار البرج. 4. وكانت بعض الأحجار تظهر سوداء تحت ضربات العُصي ومشققة وبعضها لا سوداء ولا بيضاء وبعضها مبتور وبعضها مضلعة لا تشابه الحجارة الأخرى وبعضها ملخطة غير صالحة للبناء. 5. فأمر السيد أن تنزع هذه الحجارة من البرج وتوضع تحت أقدام البرج وأن يؤتى بحجارة معدة لتحل محل الحجارة المنزوعة. 6. لم يأمر أن يؤتى بالحجارة من الجبل بل من سهل قريب. 7. فانشق السهل وظهرت حجارة براقة مربعة وكان بعضها مستديرًا. جيء بكل الحجارة التي كانت في ذلك السهل وحملتها العذارى. 8. وقد نحتت الحجارة المربعة ووضعت في المكان الذي نزعت منه الحجارة المرفوضة، أما الحجارة المستديرة فلم توضع في البناء لأنها كانت صلدة وصعبة والنحت ويحتاج نحتها وقتًا طويلًا بل وضعت عند أقام البرج لتنحت فيما بعد وتوضع في البناء وكان شديدة اللمعان.
7- 1. بعد أن أتم الرجل العظيم وسيد كل البرج كل هذا استدعى الراعي وسلمه كل الحجارة الكائنة تحت أقدام البرج وقال له. 2. نق هذه الحجرة تنقية جيدة وأضفها إلى البرج. أما التي لا توافق فالقها بعيدًا عنه. 3. أمر الراعي ثم ترك المكان مع من جاء معه وبقيت العذارى حول الباب لتحميه. 4. قلت للراعي: كيف يمكن أن تصلح هذه الحجارة للبناء بعد أن أُلقيت كحجارة غير صالحة؟ فأجابني: أترى هذه الحجارة؟ قلت: نعم يا سيد. قال: إني سأنحتها وسأدخلها في البناء وستنسجم كليًا مع حجارة البرج. 5. قلت كيف يمكن لهذه الحجارة بعد صقلها أن تملأ مكانًا كالمكان السابق؟ أجاب: الحجارة التي نجدها صغيرة نضعها في الجدار الداخلي أما الحجارة الكبيرة فتوضع في الجدار الخارجي فتمسك بالحجارة الداخلية 6. بعد هذا الجواب تابع الراعي وقال: هيا بنا وسنعود إلى هنا بعد يومين لتنقية الحجارة لوضعها في البرج لأن كل جوار البرج يجب أن ينظف خوفًا من أن يأتي السيد فجأة فيجده وسخًا فيغضب وفي هذه الحالة لن تدخل هذه الحجارة إلى البرج وسأكون مُقصرًا في نظر المعلم. 7. بعد يومين رجعنا إلى البرج فقال لي الراعي: لنفحص كل الأحجار ولنرَ الصالح منها للبناء. قلت: فلنفحص يا سيد.
8- 1. ابتدأنا بفحص الأحجار السوداء فوجدناها كما كانت عندما نزعت من البرج فأمر الراعي أن تبعد وتوضح في مكان على حدة. 2. ثم فحص الحجارة المغبرة فنحت عددًا كبيرًا منها وأمر العذارى فحملتها إلى داخل الجدران أما ما تبقى فأمر أن توضع مع الحجارة السوداء لأنها كانت سوداء. 3. ثم فحص الحجارة المشققة فنحت أكثرها وأمر العذارى بادخالها إلى البرج وقد وضعت في القسم الخارجي منه لأنها كانت سليمة. أما ما تبقى فد كانت صعبة النحت لكثرة ما يها من الشقوق فاعتبرت غير صالحة للبناء. 4. ثم ما فيها من الشقوق فاعتبرت غير صالحة للبناء. 4. ثم جاء دور الحجارة المبتورة فوجد أن الكثير منها كان قد اسود وبعضها قد تشقق فأمر أن توضح في المكان الذين وضعت فيه الحجارة المرفوضة. أما ما تبقى فقد نقلتها العذارى، بعد أن نقاها الراعي إلى البناء الداخلي من جدران البرج لأنها لم تكن صلدة. 5. ثم فحص الراعي الحجارة نصف البيضاء ونصف السوداء فوجد أن القسم الأكبر منها قد أسود كله فأمر بوضعها مع الأحجار المرفوضة. أما ما تبقى فقد حملته العذارى بأيديهن ووضعنه في داخل البرج لأنه كان كله أبيض، وضعنه في الجدران الخارجية لأن الحجارة كانت سليمة تستطيع أن تمسك بالحجارة التي في الوسط ولم تبتر واحدة منها. 6. ثم فحص الراعي الحجارة القاسية الصلدة. القليل منها وضع مع الحجارة المرفوضة لعدم امكان نحتها بسبب قساوتها الشديدة والبعض نحت ووضع بأيدي العذارى داخل البرج لأنها كانت ضعيفة. 7. ثم فحص الراعي الحجارة الملطخة فرفض القسم القليل منها لأنها اسودت أما ما تبقى فكان يلمع ولم يصب بأذى وقد وضعت في القسم الخارجي من البرج بسبب متانتها.
9- 1. ثم أخذ الراعي يفحص الحجارة البيضاء الكروية وقال لي: ماذا يجب أن نفعل بهذه الحجارة؟ قلت: إني لي أن أعرف يا سيد. قال: ألا تعرف شيئًا؟ 2. قلت أنا لست بنحات للحجارة وأجهل هذا الفن جهلًا تامًا. ألا ترى أن هذه الحجارة مستديرة جدًا وسيقطع منها الكثير إذا أردنا جعلها غير مستديرة؟ ضروري جدًا أن يكون بعضها في البناء. 3. قلت: لماذا تتعب نفسك أيها السيد؟ إذا كان ضروري أن يكون بعضها في البناء فاختر للبناء الحجارة اللامعة. فأختار الصالح منها فأخذتهن العذارى ووضعنها في القسم الخارجي من البرج. 4. وما تبقى حمل إلى السهل حيث كانت أولًا ووضعت كاحتياط ولم ترفض وقد قال الراعي: ينقص البرج شيء والسيد يريد أن تدخل الحجارة إلى البرج للمعانها الخارق. 5. فدعيت اثنتا عشرة امرأة من الجميلات الخلق لابسات ألبسة سوداء عاريات الأكتاف محلولات الشعور وقد شعرن أنهن متوحشات فأمرهن الراعي أن يحملن الأحجار المرفوضة من البرج ويرجعنها إلى الجبل من حيث قطعت. 6. وبعد أن رفعت كل الأحجار من حول البرج ولم يبقَ شيء قط قال الراعي: هيا بنا لنطوف حول البرج لنرى إذا كان هناك أي نقص. فطفت معه حول البرج. 7. عندما رأينا روعة البناء امتلأ الراعي سرورًا. في الواقع كان منظر البرج رائعًا يملأ النفس برغبة سكناه، كان كأنه حجر واحد لا ترى فيه شقًا فكأنه قطع من صخرة واحدة أو كأنه الصخرة ذاتها.
10- 1. كنت أسير معه وكان السرور يملأني. قال الراعي: اذهب واحمل لي كلسًا وأصدافًا لكي تستبدل الحجارة المشوهة في البناء، فمن الضروري أن يكون محيط البرج في لحمة كاملة. 2. ففعلت كما أمرني وحملت له ما أراد فقال لي الراعي: أعني حتى ننهي العمل سريعًا. فسدّ الراعي الثقوب في البرج ورتب أشكال الحجارة الموضوعة في البناء ثم أمر بتنظيف ما حول البرج. 3. فأخذت العذارى مكانس وكنسوا كل ما حول البرج من أوساخ وغسلوه بالماء فصار المكان لماعًا. 4. فقال لي الراعي: لقد صار الآن كل شيء نظيفًا. إذا جاء المعلم ليفتش البرج فإنه لن على شيء يدعو إلى التوبيخ. 5. عندما انتهى من كلامه أراد أن يرحل فأمسكته بجرابه واستحلفته بالرب ليفسر لي ما رأيته. فقال لي: إني مشغول الآن وسأفسر لك ذلك فيما بعد. انتظر عودتي. 6. قلت له: ما هو عملي يا سيد هنا؟ إني وحيد. قال: إنك لست وحدك ما دامت العذارى هنا. قلت: عرفهن بي على الأقل. فدعاهن الراعي وقال لهن إني اسلمكن هذا الرجل كأمانة حتى عودتي. 7. بعد أن قال هذا ذهب وبقيت وحيدًا مع العذارى. سرت العذارى بي وأظهرن كل لطفٍ، خصوصًا العذارى الأربع الكبريات.
11- 1. قالت لي العذارى: إن الراعي لن يعود اليوم إلى هنا. قلت: ماذا سأفعل. انتظر حتى المساء لأنه سيعود ليتفاهم معك وإذا لم يأتِ فستبقى معنا حتى عودته. 2. قلت: إني سأنتظره حتى المساء فإذا لم يعد فإني سأذهب إلى بيتي لأعود في اليوم الثاني. إنك أمانة في ايدينا، إنك لا تستطيع أن تغادر المكان. 3. أين سأبقى؟ ستبقى معنا لا كزوج بل كأخ. سنقطن معك لأننا نحبك كثيرًا. استولى علي الخجر عندما سمعت بأنهن سيقطن معي. 4. اخذت الأولى منهن تغمرني بقبلاتها. عندما رأت الباقيات ما فعلته الأولى اخذن هن بدورهن يغمرنني بقبلاتهن ويطوفن بي حول البرج ويداعبنني. 5. شعرت أن الشباب قد عاودني فاشتركت معهن بالعابهن فرقص البعض وشدا البعض وعزف البعض الآخر وكنت أنا صامتًا أدور معهن حول البرج وأشاركهن أفراحهن. 6. عندما أقبل المساء أحببت أن أعود إلى بيتي فلم يتركنني واحتفظن بي فبقيت ونمت تحت أقدام البرج. 7. فرشت العذارى أوشحة من كتان وجعلتني في وسطهن ولم يفعلن شيئًا غير الصلاة وكنت أصلي معهن بدون انقطاع ولم أكن بأقل منهن صلاة وقد فرحت العذارى إذ رأونني أصلي. بقيت هناك مع العذارى حتى اليوم الثاني وحتى الساعة الثانية. 8. ثم حضر الراعي وقال للعذارى: ألم تسئن إليه بشيء؟ فقلن: اسأله. فقلت: كنت مسرورًا ببقائي معهن. ماذا كان عشاؤك؟ تعشيت يا سيد طوال الليل من كلام الرب. فقال أعاملتك العذارى معاملة صالحة؟ قلت: نعم يا سيد 9. قال من أين تريد أن ابدأ لأفسر لك. قلت: فسر لي الأمور حسب سؤالاتي. قال إني سأوضح لك كل ما تريده ولن أخفي عنك شيئًا.
12- 1. قل لي أولًا ما معنى الصخرة والباب؟ قال الراعي: إن الصخرة والباب هما ابن الله. قلت: كيف ذلك يا سيد فالصخرة قديمة والباب جديد؟ قال: اسمع وافهم أيها الفاقد الفهم. 2. إن ابن الله هو قبل كل الخليقة وكام مستشار ابيه في عمل الخليقة لذلك هو عتيق. قلت لماذا أرى الباب جديدًا؟. 3. لأن ابن الله ظهر في الأيام الأخيرة من انتهاء العالم وقد عمل ليدخل معه إلى الملكوت السماوي الذين يخلصون. 4. قال الراعي: ألاحظت كيف أن الحجارة التي دخلت من الباب قد قبلت في البناء بينما رفضت كل الحجارة التي لم تدخل منه حيث أتت. قلت: نعم يا سيد. قال الراعي: لن يدخل إلى الملكوت السماوي إلا الذين حملوا اسم ابنه. 5. أيمكنك أن تدخل إلى مدينة مسورة لها مدخل واحد من مدخل آخر؟ قلت: لا. قال الراعي: لا يمكن لأحد أن يدخل إلى الملكوت السماوي إلا من الباب الذي هو يسوع المسيح ابن الله الحبيب. 6. أرأيت الجماعة التي تشتغل في بناء البرج؟ قلت: نعم يا سيد. قال: هؤلاء الفعلة هم الملائكة المجيدون. رُفع البرج على أيديهم، الباب هو ابن الله، إنه المدخل الوحيد للرب. لا أحد يدخل إليه إلا بابنه. 7. أرأيت الرجال الستة وبينهم هذا الرجل المحاط بالمجد بقامته الفارعة الذين طاف بالبناء ورفض بعض الحجارة؟ قلت: نعم يا سيد. 8. قال: هذا الرجل المتوشح بالمجد هو ابن الله. أما الستة الآخرون فهم الملائكة المجيدون الذين يشكلون حاشيته من عن اليمين ومن عن اليسار. بدونه لا يقترب ملاك واحد من الله. ولن يدخل أحد إلى الملكوت السماوي إلا اذا حمل اسمه.
13- 1. سألت الراعي وقلت: ماذا يمثل البرج أجابني الراعي وقال: البرج هو الكنيسة. 2. قلت: والنسوة؟ قال: إنهم الأرواح المقدسة. لا يمكن لأحد أن يقبل في الملكوت السماوي إلا إذا البسته من ثيابهن الخاصة. إذا أخذت اسم ابن الله فقط بدون أن تقبل من أيدي العذارى ثوبهن فانك لا تستفيد شيئًا لأن العذارى هن فضائل ابن الله. إذا حملت اسم ابن الله بدون أن تكون لديك فضيلته فعبثًا تحمل هذا الاسم. 3. إن الحجارة التي رأيتها ترمى جانبًا هي البشر الذين حملوا اسمه بدون أن يلبسوا ثياب العذارى. قلت: ما هو هذا الثوب؟ قال: إن اسماءهن هي الأثواب فمن حمل اسم المسيح حمل اسماء هؤلاء العذارى لأن ابن الله يحملها بنفسه. 4. كل الحجارة التي قجمتها أيدي العذارى ودخلت في البناء وبقيت فيه تمثل البشر المتشحين بفضيلة العذارى. 5. إنك ترى البرج يشكل وحدة مع الصخرة كذلك أولئك الذين آمنوا بالرب بابنه ولسوا لباس العذارى يشكلون روحًا واحدًا وجسدًا واحدًا. كل الذين يحملون اسماء العذارى سيسكنون البرج. 6. قلت: لماذا رفضت الأحجار مع أنها أدخلت بأيدي العذارى من الباب قبل أن توضع في جدران البرج؟ ما دمت تريد أن تعرف كل شيء وتدقق في كل شيء فأصغ لما سأقوله لك عن الحجارة المرفوقة. 7. تمثل هذه الحجارة البشر الذين قبلوا اسم الله وفضائل العذارى وقد جلبت لهم هذه الأرواح القوة والتصقت بعبيد الله وصارت معهم روحًا واحدًا وجسدًا واحدًا وثوبًا واحدًا وتحدوهم العواطف ذاتها ويفعلون العدل. 8. إلا أنهم وقعوا في مغريات بعض النسوة الجميلات كاللواتي رأيتهن يلبسن السواد محلولات الشعور ومكشوفات الأكتاف. لقد انجذبوا بهن وصاروا معهًا جسدًا واحدًا. 9. فطردوا من بيت الله بعد أن خلعوا ثياب فضيلة العذارى والتصقوا بهؤلاء النسوة أما الذين لم يقعوا بأحابيلهن ظلوا في بيت الله. هذا هو تفسير الحجارة المرفوضة.
14- 1. قلت للراعي: لو تاب هؤلاء البشر وتحرروا من أهوائهن وتركوا هؤلاء النسوة واستوحوا العذارى وفعلوا فعلهن أيدخلهن بيت الله؟ 2. قال الراعي: نعم. إنهم يستطيعون إذا كفروا بأفعال هؤلاء النسوة وعادوا إلى أعمال وروح العذارى، لذلك ترى أن العمل في البرج قد توقف مفسحًا المجال لهؤلاء ليتوبوا ويدخلوا في بناء البرج. أما اذا أهملوا ذلك فإن غيرهم سيأتي ليحل محلهم وسيكون نصيبهم الرفض النهائي. 3. عندما سمعت هذه الكلمة شكرت الله لأنه أشفق على كل من حمل اسم ابن الله وأرسل لنا ملاك التوبة بعد أن أخطأنا وجدد روحنا ومنحنا الحياة بعد أن فقدنا كل رجاء. 4. قلت للراعي: اشرح لي يا سيد لماذا لم يبن البرج على سطح الأرض بل فوق الصخرة وفوق الباب؟ قال الراعي: ألا زلت جاهلًا فاقد الفهم؟ قلت: إني بحاجة لأن اسألك كل شيء لأني لا أستطيع أن أعي كل هذه الأشياء بمفردي. إن الأمور هذه عظيمة جدًا وممجدة وصعبة الفهم على البشر. 5. قال: إن الأمور هذه عظيمة جدًا وممجدة وصعبة الفهم على البشر. 5. قال لي الراعي: إن اسم ابن الله عظيم لا حد له ويضبط الكل إذا كان ابن الله يضبط الخليقة فماذا تقول عن الذين يحملون اسمه ويلكون حسب وصاياه؟ 6. أرأيت من يحمل؟ إنه يحمل كل الذين يحملون اسمه هو أساس لهم ويحملهم بعذوبة لأنهم لا يخجلون من حمل اسمه.
15- 1. قلت: عرفني يا سيد باسماء العذارى وباسماء النسوة اللواتي يلبسن السواد. قال: إليك ذلك. 2. العذارى الواقفات عند زوايا الباب هن الأولى الإيمان والثانية العفة والثالثة القوة والرابعة طول الآناة. أما اسماء الواقفات بينهن فهن الأولى البساطة والثانية البراءة والثالثة النقاوة والرابعة الصفاء والخامسة الحقيقة والسادسة الفطنة والسابعة التصافي والثامنة المحبة. من حمل هذه الأسماء مع اسم ابن الله يمكنه أن يدخل إلى الملكوت السماوي. 3. إليك أسماء النسوة المتشحات بالسواد. أربعة منهن أكثر قوة من الأخريات. الأولى الكفر والثانية المجون والثالثة التمرد والرابعة الضلال أما الأخريات فهن الغم والخبث والفجور والغضب والكذب والجهل والاغتياب والحقد. من حمل هذه الاسماء من عبيد الله يرى الله إلا أنه لا يدخل الملكوت السماوي. 4. قلت: وما تكون الحجارة التي اقتلعت من قاع اليم واندمجت بالبناء؟ أجاب. الحجارة العشرة الأولى التي وضعت في الأساس هي الجيل الأول، والخمسة والعشرون هي الجيل الثاني من الأبرار والصديقين، أما الخمسة والثلاثون فهم أنبياء الله وخدامه، والأربعون هم الرسول والمبشرون بابن الله والمعلمون. 5. قلت: لماذا يا سيد سلم العذارى هذه الحجارة للبناء وأدخلتها الباب؟ 6. أجاب وقال: لأن هؤلاء هم أول من حمل هذه الأرواح ولم ينفصوا ولا تخلوا عنها. بل بقيت حتى الممات. لو لم تكن هذه الأرواح معهم لكانوا غير جديرين بالدخول إلى البناء.
16- 1. قلت: أريد أن اسألك أمورًا أخرى. قال: ماذا تريد؟ قلت: لماذا أخرجت هذه الحجارة من الأعماق لتوضع في جدران البرج، ما دام الرجال الذين تمثلهم هذه الحجارة كانوا يحملوا في ذواتهم هذه الأرواح؟ 2. أجابني: كان عليهم أن يخرجوا من الماء لينالوا الحياة ولم يكن بامكانهم أن يدخلوا إلى ملكوت السماوات قبل أن يطرحوا الطبيعة الميتة لوجودهم الأول. 3. مع أن هؤلاء البشر كانوا أمواتًا قبلوا ختم ابن الله ودخلوا الملكوت. وقد سبق وقال لي الراعي: الذين لا يحملون اسم ابن الله هم أموات إلا أنهم عندما ينالون الختم يخلعون عنهم الموت ويلبسون الحياة. 4. الختم هو ماء المعمودية. ننحدر أمواتًا إلى الماء ونصعد أحياءً. هؤلاء سمعوا بالختم فاختتموا لكي يدخلوا إلى الملكوت. 5. قلت: لماذا يا سيد صعدت الأربعون حجرًا من الأعماق كالأحجار السابقة؟ مع العلم أن البشر الذين كانت ترمز إليهم قد نالوا الختم؟ قال: إليك السبب. الرسل والمعلمون بعد أن بشروا بابن الله وبالايمان به ورقدوا بالايمان بابن الله وبقوته بشروا أيضًا به أولئك الذين سبقوهم إلى القبر وأعطوهم ختم البشارة. 6. أُنزلوا معهم إلى الماء وصعدوا معهم. نزلوا أحياء وصعدوا أحياء. إذا بالرسل والمعلمين اخذت الأموات الحياة وعرفوا ابن الله. 7. لهذا بعد أن صعدوا معهم أخذوا مكانهم مثلهم في البناء ودخلوا مثلهم إليه بدون صقل أو نحت لأنهم كانوا ينامون في العدالة والنقاوة الكبرى ولم يكن ينقصهم غير هذا الختم. أفهمت هذا التفسير؟ قلت: نعم يا سيد
17- 1. قلت: كلمني يا سيد عن الجبال. لماذا تختلف في الشكل والألوان؟ قال الراي: إن عدد هذه الجبال اثنا عشر وتمثل اثني عشر سبطًا يقطنون كل العالم وقد بُشر هؤلاء بابن الله على أيدي الرسل. 2. قلت: قل لي يا سيد لماذا هذا الاختلاف في الشكل واللون؟ قال: الاسباط هذه التي تقطن هذه الجبال تمثل اثنتي عشرة أمة مختلفة في التفكير والمشاعر ما رأيته في الجبال من اختلاف في الشكل واللون ينطبق تمامًا على اختلاف هذه الأمم بالعقل والتفكير إني سأرشح لك واقع كل أمة من الأمم. 3. قلت فسر لي يا سيد كيف اصبحت الحجارة المقتلعة من هذه الجبال المختلفة الشكل واللون ذات لون واحد عندما بنيت في البرج شبيهة بلون الأحجار المستخرجة من أعماق البحر؟ . 4. أجاب الراعي وقال: لأن كل الشعوب التي تقطن تحت السماء بعد أن سمعت بالبشارة وآمنت حملت اسم ابن الله وعندما ختمت بالختم صارت جميعها بفكرٍ واحدٍ وعقل واحدٍ وإيمانٍ واحدٍ ومحبة واحدة وحملت مع اسم ابن الله روح العذارى لذلك صار البرج بلون واحد مشمع كالشمس. 5. إلا أن البعض دنسوا ذواتهم بعد أن دخلوا البرج لذلك طردوا من عائلة الصديقين وعادوا إلى ما كانوا عليه سابقًا لا بل عاد بعضهم إلى حالة دون الحالة التي كانوا فيها.
18- 1. قلت: كيف يمكن أن يصبحوا دون ما كانوا عليه بعد أن عرفوا الله؟ قال الراعي: إن الذين لا يعرفون الله ويفعلون الشر فهو مجبر على تحاشي الشر وعلى فعل الخير. 2. فما رأيك في إنسانٍ مجبرٍ على فعل الخير ويفعل الشر؟ ألا يكون أكثر إجرامًا من الذين يجهلون الله؟ إذا كان الذين لا يعرفون الله يحكم عليهم بالموت إذا هم أخطأوا، ألا يكون عقاب الذين يعرفون الله، إذا هم أخطأوا، مضاعفًا وموتهم أبديًا؟ بهذه الطريقة تتطهر كنيسة الله. 3. أنك رأ]ت الحجارة التي نزعت من البرج وسلمت إلى الأرواح الخبيثة وطرحت خارجًا. الحجارة التي تنقت صارت واحدًا مع البرج. وهكذا كنيسة الله تصبح واحدة عندما تتنقى من الشرار الخبثاء والمرائين والمشككين. 4. بعد طرد الأشرار تصبح الكنيسة جسدًا واحدًا وقلبًا واحدًا وروحًا واحدًا وإيمانًا واحدًا. حينئذ يتهلل الله فرحًا بين شعبه النقي. 5. قلت: إن هذا لعظيم يا سيد أرجو أن تشرح لي روح ونوع الحياة التي يمثلها كل جبل حتى تتمجد كل نفس وتمجد الله الذي تسمعه وتعظم اسمه. قال الراعي: إليك ما تريد.
19- 1. المؤمنون الذين جاؤا من الجبل الأول الأسود هم العصاة الذين شتموا الله وخانوا عبيده ولا توبة لهم ونصيبهم هو الموت لذلك هم سود. 2. المؤمنون الذين جاؤا من الجبل العاري الثاني هم المراؤون ومعلمو الخبث، يشبهون الأول ولا عدالة يفعلون، وكما كان جبلهم عاقرًا لا ثمر فيه كذلك هم لا ثمر فيهم وإن كانوا يحملون اسم ابن الله. إنهم فارغون من الإيمان، فارغون من ثمار الحقيقة. إذا تابوا التوبة الحقيقية السريعة التي تنتظرهم يخلصون، أما إذا تأخروا فإنهم سيموتون مع من ماتوا. 3. قلت: لماذا يستطيع هؤلاء أن يتوبوا، أما الآخرون فلا ما دام سلوكهم متشابه؟ أجابني لأنهم لم يشتموا الله ولم يضللوا عبيده. إنهم عملوا حسب رغباتهم وادينوا بحسب هذه الرغبات وعلموا الناس وفقًا لرغبات الآخرين لذلك سيدانون ويمكنهم أن يتوبوا لأنهم لم يكونوا خونة ولا شتمة.
20- 1. من الجبل الثالث المليء بالأشواك والمزالق أتى هؤلاء المؤمنون الذين تراهم. بعضهم ثر وبعضهم صاحب أعمالٍ. المزالق تمثل الأغنياء والأشواك تمثل أصحاب الأعمال المتشابكة. 2. هؤلاء لا يخالطون قط عبيد الله أما الأغنياء فيخالطون قليلًا خوفًا من أن يطلب منهم شيء. لا يدخل أحد من هذه النوعية إلى الملكوت السماوي. 4. إلا أنهم يستطيعون أن يتوبوا إذا أرادوا، فإذا تابوا وفعلوا الخير يحيون في الله وإذا لم يتوبوا فسيسلمون إلى النسوة المتشحات بالسواد ليميتوهم.
21- 1. أما الذين جاءوا من الجبل الرابع المكسو بالأعشاب اليابسة عند جذورها من لفح الشمس فيمثلون المتقلبين الذين وضعوا اسم المسيح على شفاههم دون قلوبهم. 2. لذلك لبثت جذورهم لا قوة لها، بقيت كلماتهم حية وماتت أفعالهم. هؤلاء لا هم أحياء ولا هم أموات. إنهم يشبهون المشككين الذين أعشابهم ليست خضراء وليست يابسة وهم لا يحيون ولا يموتون. 3. فكما أن الأعشاب تيبس عندما تلفحها الشمس كذلك المشككون عندما يصابون بالأحزان يذبحون للأوثان ويخجلون من اسم الرب. 4. وإذا أسرعوا وتابوا يمكنهم أن يحيوا أما إذا رفضوا فإنهم سيكونون فريسة لهؤلاء النسوة ينزعن منهم حياتهم.
22- 1. الذين أتوا من الجبل الخامس الوعر حيث الأعشاب الخضراء هم الذين آمنوا إلا أنهم يثرثرون ويعجبون بأنفسهم ويحاولون معرفة كل شيء وهم لا يعون شيئًا. 2. لأن الحكمة قد نأت عنهم بسبب ثرثرتهم وغزاهم الجهل، يمتدحون أنفسهم لحكمتهم ويجعلون نفوسهم فوق الآخريين يعلمونهم وهم الجاهلون. 3. لقد كانوا فارغين فاغتروا. الثرثرة شيطان مخيف أوقعهم في بطلانهم. طرح الكثيرون خارجًا إلا أن بعضهم تاب فأدركوا جنونهم وخضعوا لمن هم أسمى منهم إدراكًا ووعيًا. 4. يستطيع بعضهم أن يتوبوا لأنهم لم يكونوا خبثاء بل جهلاء فإذا تابوا يحيون في الله أما إذا رفضوا فيسقطون مع النسوة اللواتي سببن ضياعهم.
23- 1. ها هم أيضًا المؤمنون الذين جاءوا من الجبل ذي الشقوق الكبيرة والصغيرة حيث نبتت بعض الأعشاب التي ذبلت. 2. الذين يمثلون الشقوق الصغيرة هم الذين يقفون وجهًا لوجه فذبل إيمانهم من كثرة تراشقهم بالكلام الكثير فمنهم من تاب ومنهم من سيتوب عندما يسمعون كلامي. 3. أما الذين يمثلون الشقوق الكبيرة فسيصيرون أكثر خبثًا وسيتراشقون بالتهمات. هؤلاء طرحوا من البرج ورفضوا ويصعب أن يحيوا في الله. 4. فالله الذي بيده السلطان لا يحقد على الذين يعترفون بخطاياهم بل يرحمهم. إنه ليس كالبشر الخطأة الذين يذكرون سيئات الآخرين ويحقدون كأن في يدهم الحياة والموت. 5. إني أقول لكم أنا ملاك التوبة: تخلوا جميعكم عما أنتم عليه وتوبوا فالله يشفيكم من خطاياكم السابقة بشرط أن تتخلصوا من الشيطان وإلا فإنكم ستسلمون بواسطته إلى الموت.
24- 1. ها هم أيضًا المؤمنون الذين أتوا من الجبل السابع حيث الأعشاب الخضراء والنقاوة تملأه الحيوانات وطيور السماء على أنواعها تجدها غذاءها في الأعشاب التي تزداد نموًا كلما رعيت. 2. كانوا دائمًا بسطاءً أبرياءً سعداءً لا يمرمرون بعضهم بعضًا، بالعكس إنهم دائمًا مسرورون يلبسون روح العذارى المقدس ومملؤون بالرحمة نحو الآخرين، يعطون الجميع من عرق جبينهم ودون تردد أو تذمر. 3. وقد رأى الله بساطتهم ووداعتهم الطفوليةـ فأنمى عمل أيديهم وجعلهم يُسرّون به. 4. فإني أقول لكم أنا ملاك التوبة إن أبقوا كما أنتم ولن تفقدوا نمو أعمالكم لأن الله بعد أن امتحنكم سجلكم معنا أنتم وذريتكم وستسكنون مع ابن الله. لقد حصلتهم على قسم من روحه.
25- 1. المؤمنون الذين أتوا من الجبل الثامن حيث الينابيع الكثيرة وحيث كل الخليقة ترتوي من هذه الينابيع. 2. يمثلون الرسل والمعلمين والمبشرين في كل العالم الذين يعظون بكلمة الله ببراءة وشرف دون أن تمر بخاطرهم فكرة شريرة بل يسلكون دائمًا بالعدل والحق كما أخذوا الروح القدس. إن هؤلاء يشتركون في موكب الملائكة.
26- 1. المؤمنون الذين أتوا من الجبل التاسع المليء بالزحافات والوحوش الضارية المفترسة للبشر. 2. هم الخدمة الذين خانوا الأمانة وسرقوا أموال الأرامل واليتامى وخدمتهم كانت لصالح نفوسهم. إذا استمروا مثابرين على تحقيق رغباتهم فإنهم يموتون لا رجاء لهم في الحياة. أما إذا عادوا عن غيهم وخدموا بإخلاص يمكنهم أن يحيوا. 3. أما الذين علاهم الصدأ فهم الذين أنكروا الرب ولم يعودوا إليه بل تحجروا وصاروا قفرًا وابتعدوا عن عبيد الله وراحوا في تيههم يتوغلون فأضاغوا نفوسهم. 4. إنهم كالكرمة المتروكة بدون سياج تموت من قلة العناية يخنقها الشوك وتفقد كل قيمتها عند سيدها. 5. هكذا هؤلاء إنهم لا يصلحون لأي شيء، إلا أن المجال مفتوح أمامهم ليتوبوا شرط ألا يكون قد كفروا بالله في قلوبهم. 6. أما إذا كان هناك من نكر الله في قلبه فلا أدري إذا كان يمكنه أن يعود إلى الحياة. أنا لا أتكلم عن الأيام المستقبلة، إني اتكلم عن الماضي. هؤلاء يمكنهم أن يعودوا إذا هم تابوا وتنكروا لحياتهم الماضية. من ينكر الله لا يستطيع أن يخلص بعد الآن. من أراد أن يتوب عليه أن يفعل ذلك قبل أن ينتهي بناء البرج وإلا فإن النسوة سيقضين عليه. 7. هؤلاء هم الوحوش التي ترى في الجبل. إنهم مخادعون نمامون. فكما أن الوحوش تأكل بعضها كذلك هؤلاء يفترسون بعضهم بعضًا بالنميمة التي ترعى في داخلهم. . يمكن أن يتوب هؤلاء كما تاب بعضهم. أما إذا لم يتوبوا فسيصيبهم من النسوة كما أصاب الآخرين، الموت والدمار.
27- 1. المؤمنون الذين جاءوا من الجبل العاشر حيث تعلوا الأشجار التي تستظلها الخراف. 2. يمثلون الأساقفة ورجال الضيافة الذين يقبلون بفرح وابتهاج ضيوفهم خدام الله. هؤلاء الأساقفة جعلوا خدمتهم ملجأ الغرباء والأرامل وسلكوا حياة مقدسة. 3. هؤلاء سيظللهم الله دائمًا وهم ممجدون عنده ومجلسهم مع الملائكة إذا هم ثابروا على خدمته.
28- 1. المؤمنون الذين أتوا من الجبل الحادي عشر وقد غطتهم الأشجار يحملون الأثمار المختلفة. 2. هم البشر الذين تحملوا من أجل المسيح وكرسوا كل ما قلبهم من الغنى والعواطف من أجل الآخرين حتى التضحية. 3. قلت: لماذا تمتاز بعض الأشجار بثمارها مع أنها تحمل جميعها الثمر ذاته؟ اصغ، قال الراعي: الذين تألموا من أجل اسم ابن الله تمجدوا أمام الرب وأمحت خطاياهم لأنهم تألموا من أجل ابنه. تسأل لماذا هذه الفروقات المختلفة في الثمار التي ترمز إلى حياتهم. 4. إليك السبب. من تقدم إلى القاضي وخضع لاستجواب مرير وثابر على إيمانه ولم ينكر الله بل حمل الآلام من اجل ابنه يحظى عند الرب بمجد عظيم. هناك من يتردد في قبول الآلام من أجل ابنه، وقد تردد البعض ولم يقبلوا أن يتألموا إلا بعد أن عاشوا حياة التردد وسألوا نفوسهم مرارًا وتكرارًا وانتهوا أخيرًا إلى الثبات في إيمانهم. هؤلاء حملوا ثمار إيمانهم إلا أن هذه الثمار كانت أقل رونقًا وجمالًا من ثمار الذين ما ترددوا قط. أي خاطر نكراني يمر في قلب الإنسان يعتبر خطيئة. 5. فأنتم يا من خطر ببالكم هذا الخاطر حاولوا أن تبعدوه عنكم لئلا يتأصل في قلوبكم. إنه يجعلكم أمواتًا بالنسبة لله. عليكم أنتم الذين تألمتم من أجل المسيح أن تقوموا بأعمال خيرية لأنه أهّلكم لأن تتألموا من أجله وأعطاكم موهبة شفاء خطاياكم. 6. اعتبروا أنفسكم سعداء وثقوا بأنكم قمتم بعمل عظيم بتألمكم من أجل الله. أيهبكم الله الحياة ولا تفكرون به؟ إن ثقل خطاياكم يكفي لسحقكم ولولا تألمكم من أجل اسمه لمتم. 7. إني أكلم الذين يعرفون إذا كان يجب أن يؤمنوا بالله أو أن ينكروه. إذا أردتم أن تبقوا بعيدين عن السجون فآمنوا أن لكم معلمًا. 8. إذا كانت الأمم تعاقب العبيد الذين أنكروا تعاليمها فما قولكم بالرب. ابعدوا عن قلوبكم كل تردد لكي تحبوا الله.
29- 1. المؤمنون الذين جاءوا من الجبل الثاني عشر الأبيض يشبهون الأطفال الذين لا يعرفون شيئًا عن الشر ولا عن الخبث وقد احتفظوا بوداعة الطفولة طوال حياتهم. 2. هؤلاء سيقطنون بكل تأكيد الملكوت السماوي لأنهم ما شذوا قط عن تعاليم الله بل حافظوا عليها وعلى وداعة طفولتهم وبراءتها. 3. إنكم أنتم الذين سلكتم هذا الطريق وكنتم كالأطفال ستتمتعون بالمجد العظيم. الأطفال جميعهم ممجدون أمام الله وهم الأول في عينه. إنكم سعداء أنتم الذين ابتعدتم عن الشر لتلبسوا لباس البراءة. إنكم أنتم أول من يحيا بالله. 4. عندما أنهى الراعي ما ترمز إليه الجبال سألته: فسر لي يا سيد معنى الحجارة التي اقتلعت من السهل وحلت محل الحجارة التي طرحت من البرج، حدثني عن الحجارة المستديرة التي قبلت في البناء والتي لا تزال مستديرة.
30- 1. قال: سأشرح لك كل هذه الأمور. الحجارة التي اقتلعت من السهل وحلت محل الحجارة التي طرحت من البرج هي من أساس الجبل الأبيض. 2. المؤمنون الذين جاءوا من هذا الجبل كلهم أبرياء ومعلم البناء وضع في البناء الحجارة المستخرجة من جذور هذا الجبل. كان يعرف أن الحجارة ستبقى على نقاوتها حتى بعد دخولها في البناء وستحافظ على بياضها الناصع ولن يتحول منها حجر فيسود. 3. فلو قدر له أن يضيف إلى البناء أحجارًا مستخرجة من الجبال الأخرى لكان عليه أن يفحص البرج مرة ثانية وينقيه. كل هؤلاء البشر كانوا جميعًا ناصعي البياض، الذين اعتنقوا الإيمان والذين سيعتنقونه لأنهم جميعًا من طينة واحدة. إنها طينة سعيدة لبراءتها. 4. إليك لماذا وجدت مستديرة. إنها تمثل البشر الأثرياء الذين أغبرت أعين إيمانهم دون أن يتركوا الله ولم يخرج من فمهم كلام بطال بل الكلام الموحي بمحبة العدالة والحقيقة. 5. عرف الله إمكانات هؤلاء في عمل الخير لذلك سحق غناهم، لا كله، وترك الباقي ليفعلوا هم الخيرات المفروضة عليهم. هؤلاء يعيشون من أجل الله لأنهم من طينة جيدة لهذا نحتت الحجارة التي ترمز إليهم ثم وضعت في جدران البرج.
31- 1. أما الحجارة الأخرى التي بقيت مستديرة ولم تدخل في البناء فتمثل البشر الذين لم يحصلوا على الختم فأُعيدوا من حيث أُخذوا. كانت الحجارة المستديرة أكثر مما يلزم. على هؤلاء أن يطرحوا ملذات العالم الناتجة عن غناهم البطال وبهذه الطريقة فقط يمكنهم أن يكونوا من أبناء الملكوت وأن يدخلوه. أنهم من طينة باركها الله. 2. ولن يهلك أحد من هذه الطينة. وإذا كان قد هفا أحدهم فإنه سيعود عاجلًا إلى الرب. 3. أنا هو ملاك التوبة. إني أحترمكم لأنكم أبرياء كالأطفال، إن حظكم ثمين عند الله. 4. أنصحكم بأن تبقوا، أنتم الذين قبلتم الختم، على بساطتكم وأن تنسوا الإهانات ولا تتشبثوا في خبثكم وفي حمل مشاعر الشتائم والسباب والحقد المر وأن تكونوا جميعًا بروح واحدة وتبتعدوا عن روح الفرقة البغيض الذي يرهقكم وهكذا تسرون راعي القطيع. 5. رؤية الخراف أصحاء مخلصي يسره كثيرًا، يا لتعاسة الرعاة إذا ضل البعض. 6. ماذا لو ضل الرعاة. ماذا يجيبون عن ضلالة الرعية؟ أيدعون أنهم كانوا ضحية عنمهم؟ لا أحد يصدقهم، فمن غير المعقول أن تسيء الأغنام إلى رعاتها. إن قصاصهم سيكون قاسيًا. أنا راع أيضًا وعليَّ أن أقدم عنكم حسابًا.
32- 1. اشفوا قبل أن يتم بناء البرج. 2. الله يقطن في الرجال المحبين للسلام لأن السلام عزيزٌ عنده، إنه يقف بعيدًا جدًا عن المخاصمين والأشرار. وأُعيدوا إليه أرواحكم كما أخذتموها نقية خالية من كل دنس. 3. ألا نمطر الخياط بالباب إذا أسلمناه ثوبًا جديدًا فأعاده إلينا ممزقًا. أنقبل أن نستلمه منه؟ ألا نقول له إنا سلمناك ثوبًا جديدًا فكيف تعيد إلينا ثوبًا ممزقًا؟ أيصلح لشيء بعد أن تمزق؟ 4. هذا حالنا مع الله. لقد سلمنا روحًا نقية أنعيدها إليه ملطخة مدنسة. ما هو موقفه منّا؟ ألا يحكم علينا بالموت بسبب ذلك؟ 5. قلت: لا شك أنه سيعاقب كل من امتلأ قلبه بالحقد. قال الراعي: لا تدوسوا إذا غفرانه تحت أقدامكم عليكم أن تشكروه وأن تصبروا وأن تتوبوا فأنتم بحاجة إلى التوبة.
33- 1. كل ما كُتب كتبته أنا الراعي ملاك التوبة وفسرته لخدام الله فإذا آمنتم وأصغيتم إلى كلامي وعلمتم به، إذا قومتم طرقكم تنالون الحياة. أما إذا ثابرتم على شروركم ومشاعركم فلن يعيش أحد منكم. علي أن أقول لكم ذلك. لقد تم كل شيء الآن. 2. قال لي الراعي: هل سألتني عن كل شيء؟ قلت نعم يا سيد، قال: لماذا لا تسألني عن الحجارة التي ملأنا حفرها وقومنا شكلها عندما كانت في البناء؟ قلت: نسيت ياسيد. 3. قال: اصغ لما سأقوله لك عن هذه الحجارة. إنها تمثل البشر الذين تابوا توبة قلبية بعد أن سمعوا كلامي. عندما رأى المخلص أن توبتهم كانت جديدة وصادقة أمر أن تمحى خطاياهم الماضية. أما أشكال هذه الحجارة الناقصة فمثل مظاهر خطاياهم وقد سويت ولن تظهر بعد إن أمحت الخطايا.
المثل العاشر
1- 1. عندما انتهيت من كتابة هذا الكتاب جاء الملاك الذي أسلمني إلى الراعي وجلس فوق السرير ووقف الراعي من عن يمينه ثم دعاني وقال لي: 2. أسلمتك وأسلمت بيتك إلى هذا الراعي حتى تحتمي به. قلت: نعم يا سيد. قال: إذا كنت تريد في الواقع أن تحتمي به فيقيك من كل الضربات والمعاملات السيئة، وان تفلح في أعمالك الصالحة وفي فضيلة العدل فسر حسب أوامره التي أعطاها لتتمكن من التغلب على كل شيء. 3. إذا طبقت أوامره فكل رغبة تخضع لإرادتك وتتحكم بكل لذة من ملذات العالم وسيكون نصيبك الفلاح في كل عمل تقوم به. احتضن تواضعه وكماله وقل للجميع عن الشرف والكرامة التي عند الرب له وعن قدرته في الخدمة عن رئاسته لقوة عظيمة. له أعطي سلطان المغفرة. ألا يظهر لك أنه قوي؟ إنكم تحتقرون كماله ولطفه الذي يظهره لكم.
2– 1. قلت اسأل الراعي إذا كنت قد اسألت إليه أو خنته طوال مكوثه في بيتي. قال الملاك: إني أعرف أنك لم تفعل شيئًا ولن تفعل ما يخالف وصاياه ولهذا أقول لك ذلك حتى تبقى عفيفًا. لقد كلمني عنك كلامًا حسنًا وعليك أن تنقل للآخرين هذا الكلام فيفكر الذين يفكرون بالتوبة ما تفكره أنت وينقل لي عنهم ما نقله عنك وأنا سأنقل ذلك إلى الله. 3. أرجو ن يتوب كل من أخطأ سابقًا فور سماعه لكلامي فينال الحياة. 4. ثابر على هذه الخدمة ومارسها. الذين يطبقون وصاياه يهربون من الحياة ويسلكون من طريقًا مخالفًا لطريقته ويسلمون أنفسهم للموت.
3– 1. لقد أرسلت العذارى ليقمن معك لأني رأيت أنهن يملن إليك. إنهم سيساعدنك لتتمكن من المحافة على الوصايا محافظة جيدة فحفظ الوصايا لا يتم بدونهن. أرى أن العذارى مسرورات بوجودهن عندك وإني أنصحهن بألا يتركن بيتك. 2. إن بيتك نظيف وهن يحببن البيوت النظيفة لأنهم نقيات طاهرات وظوتهن عظيمة عند الله. إذا استمر بيتك على نظافته بقين عندك أما إذا تلطخ فلا شك أنهن سيتركنه. 3. قلت: أرجو يا سيد أن اعجبهن فيبقين في بيتي إلى الأبد. فكما أن من أعطيتني لم يتذمر ولم ينزعج مني كذلك العذارى فلن يتذمر قط. 4. قال الملاك للراعي: أرى أن عبد الله هذا يريد أن يحيا وأن يحافظ على هذه الوصايا وأن يبقى العذارى في بيت نظيف نقي. 5. بعد أن قال الملاك هذا أسلمني أيضًا إلى الراعي ودعا العذارى وقال لهن: إني أوصيكن به وببيته. فقبلت العذارى مسرورات.
4– 1. قال لي الملاك: قم برسالتك حق القيام وأذع على الناس عظائم الله وستلقى استحقاقك من جراء خدمتك. من يتبع وصاياك يتمتع بحياة ووجود مغبوط. أما الذين يهملونها فأنهم لا ينالون الحياة وسيشقون في حياتهم. 2. قل للجميع بأن يستمروا في فعل الخير ولا يترددوا أو يتراجعوا. خير لهم أن يفعلوا أفعالًا صالحة. إني أقول إن الإنسان يجب أن ينتزع نزعًا من الشقاء. من احتاج في يومه يشعر بعذاب شديد. 3. من انتزع نفسًا من العذاب يوقظ في داخله عالمًا من السرور. ألم الغارقين في عذاب الفاقة يفوق الأنين الذي يصعد السجين المثقل بسلاسل الحديد. الكثيرون ينقادون إلى الموت لعدم امكانهم تحمل الفاقة والشقاء. إذا رأيت إنسانًا غارقًا في البؤس ولم تنقذه فإنك ترتكب خطيئة كبيرة وتكون مسؤولًا عن موته. أفعلوا الخير أنتم الذين أعطاكم الله خيراته ولا تترددوا خوفًا من أن ينتهي بناء البرج. بناء البرج توقف بسببكم. إذا لم تسرعوا في عمل الخير فسيتم بناء البرج وستبقون أنتم خارجًا. 5. بعد أن كلمني هذا الكلام نهض الملاك واقفًا من عن السرير واصطحب الراعي والعذارى وانسحب ووعدني بأن يعيد إليَّ الراعي والعذارى ليقطن معي في بيتي.
قال الراعي: إنكم يا عبيد الله تعرفون أنكم تقطنون أرضًا غريبةًا وأن وطنكم بعيدًا جدًا وليس ههنا. لماذا تقتنون الحقول الواسعة والعمارات الكبيرة والقصور والأبنية والبيوت ما دمتم تعرفون أن المدينة التي ستستوطنونها ليست هنا. 2. من يهيء نفسه لهذه الحياة يصعب عليه أن يعود إلى مدينته الحقيقية. 3. ألا تعرف أيها الشاك الشقي الجاهل أن الأشياء التي هنا كلها غريبة عنك وأن غيرك يتسلط عليها؟ سيقول لك سيد هذه المدينة لا أريدك أن تكون من مواطني مدينتي. أخرج ما دمت لا تدين بنواميسي. 4. ماذا تفعل أيها المالك للحقول الواسعة والعمارات الكبيرة والثروة الضخمة بحقولك وعماراتك وثروتك إذا طردك سيد المدينة. سيقول لك سيد المدينة بحق، إن مدينتي هي لك إذا حافظت على شريعتي أما إذا رفضت فإن أبوابها مقفلة في وجهك. 5. ماذا ستفعل يا صاحب الناموس الإلهي، أتنكر ناموسك الحقيقي لتتبع ناموس المدينة هنا؟ احذر لئلا يقودك تنكرك لناموسك الحقيقي فأبواب مدينتك الحقيقية ستكون موصدة في وجهك. 6. احذر أن تقتني أكثر مما أنت بحاجة إليه وأنت في أرض غريبة وكن مستعدًا للساعة التي سيطردك فيها سيد البلاد لعدم طاعتك لشريعة مملكته وحتى إذا ما ذهبت إلى مدينتك تكون فرح القلب لا تأسف على شيء. 7. انتبهوا يا معشر عبيد الله، أنتم يا من جعلتم الله في قلوبكم وأتممتم أعمال الله متذكرين وصاياه. 8. اشتروا الأرواح المعذبة بدلًا من الأبنية، زوروا الأرامل والأيتام ولا تحتقروهم. هذه هي الأرض التي يجب أن تصرفوا من أجلها أموالكم والكنوز التي أعطاها الرب لكم 9. لم يعطك الله الثروة إلا لتنفقوها في هذا السبيل. الأفضل لكم أن تشتروا الحقول والعمارات والممتلكات التي ستجدونها عند رحيلكم إلى وطنكم الحقيقي. 10. هذا هو الغني الجميل المقدس الذي لا يسبب لا الغم ولا الأحزان. انه لا يسبب إلا الفرح. لا يغرنكم غني الوثنيين. انه غني يسبب لكم الويلات ويحمل اليكم المصائب 11. اجمعوا الثروة التي تناسبكم، الثروة التي تهب لكم الغني. تجنبوا الاغتصاب واحذروا أن تشتهوا شيئًا يخص الآخرين. شر هو اشتهاء ما للغير. أعمل عملك فتخلص.
المثل الثاني
بينما كنت أتمشى باتجاه الحقل الذي يخصني رأيت كرمة ودردارة. وبينما كنت أفكر بهذه الأشجار وبثمارها ظهر الراعي وقال لي: أية أفكار توحيها إليك هذه الكرمة وهذه الدردارة؟ قلت إني أفكر يا سيدي كيف تنسجمان معًا. 2. قال: إنها موجودتان ههنا لتكونا مثلًا لعبيد الله. قلت وأي مثل تستطيعان أن تقدماه؟ قال: أترى الكرمة وشجرة الدردار؟ قلت: نعم إني أراهما. 3. قال: هذه الكرمة تثمر أما الدردارة فلا، إنها لا تصلح إلا الخشب. الكرمة إذا بقيت ممددة على الأرض ولا تتسلق أغصان الدردارة فثمرها يبقى قليلًا وما تحمله إذا بقي ممددًا فوق الثرى يهترئ. إلا أن أغصان الكرمة إذا تسلقت أغصان الدردارة فثمرها يكون من صنع الكرمة والدردارة معًا. 4. أرأيت أن الدردارة لا تعطي ثمرًا أقل من ثمر الكرمة. قلت: كيف يمكن أن تعطي شجرة الدردار ثمرًا كالتي تعطيه الكرمة. قال: لأن الكرمة التي تعلو شجرة الدردار تعطي ثمرًا جيدًا وكثيرًا، أما إذا تركت فوق الأرض فإنها تعطي ثمرًا قليلًا ومهترئًا. هذا المثل ينطبق على خدام الله وعلى الفقير والغني. 5. قلت كيف ذلك، عرفني يا سيدي، قال انتبه الغني يملك ثروة كبيرة إلا أنه فقير في خدمة لأن أمواله تستنزف كل تفكيره وأوقاته. الاعتراف بالخطأ والصلاة لا يشغلان الكثير من وقته ويكونان غالبًا مختصرين لا قوة فيهما ليرفعاه إلى الله. أما ذا التصق الغني بالفقير وأعطاه ما يحتاج إليه، فعطيته له باستطاعتها أن تحقق له أجره عند الله. صلاة الفقير واعترافه بخطاياه زاخران بالغنى لصلاته قوة عظيمة عند الله. 6. يعطي الغني للفقير كل شيء وبدون تردد، أما الفقير الذي يعطيه الغني فإنه يعطيه شكر الله عما أعطاه. هكذا يضاعف الغني اهتمامه بالفقير ليبقى في شركة دائمة مع حياته لعلمه أن صلاة الفير غنية ومقبولة عند الله. 7. الغني والفقير يتمان عملًا واحدًا، هذا بالصلاة، وهي ثروته التي اخذها من الرب ويقدمها للرب مختارًا، وذاك بماله الذي أعطاه الرب ليعطي المحتاج بدون تردد وهكذا يتم عملًا عظيمًا يرضي الله لأنه استعمل ثروته بتعقل وروية واستخدمها لصالح الإنسان وحقق إرادة الرب. 8. شجرة الدردار تظهر لأعين الناس شجرة غير مثمرة لكنهم لا يعرفون أن شجرة الدردار، في حالة الجفاف، تهب الماء للكرمة وتضاعف ثمارها. وكذلك الفقراء فإنهم بصلواتهم لله من أجل الأغنياء يعطون ثروتهم ملء قامتها، كما أن الأغنياء باعطائهم للفقراء يحققون كمال رغبات نفوسهم. 9. وهكذا يصير الإثنان شركاء في عمل العدل. من فعل ذلك لا يتركه الله بل يكتب اسمه في أسفار الحياة. 10. طوبى للذين يعرفون ويعون ان الله هو الذي يعطي الثروة. مثل هذا الإحساس يجعله يتم عملًا مفيدًا.
المثل الثالث
لقد أراني الراعي عددًا من الأشجار العارية فخلتها يابسة لتشابهها ثم قال لي: أترى هذه الأشجار قلت نعم يا سيدي. فجاوبني قائلًا: الأشجار التي تراها هي مواطنو هذا العالم. 2. قلت: لماذا يا سيدي هي يابسة ومتشابهة؟ قال: لأن الصديقين والخطاة لا يظهرون كل على حقيقته بل جميعهم يتشابهون في هذا الدهر. هذا الجيل هو جيل الشتاء للصديقين ولا يتميزون عن الخطأة الذين يعيشون بينهم. 3. تفقد الأشجار في الشتاء أوراقها وتصبح متشابهة كليًا ويصعب التمييز بين الأشجار الميتة والأشجار الحية وهكذا لا يمكن التفريق في هذا الجيل بين الصديقين والخطأة وجميعهم يتساوون.
المثل الرابع
ثم أراني عددًا آخر من الأشجار بعضها مغطى بالأوراق وبعضها يابس وقال: أترى هذه الأشجار؟ قلت: نعم يا سيدي إني أراها فمنها المورق ومنها اليابس. 2. قال لي: الأشجار المورقة هي الصديقون المؤهلون لسكنى الجيل الآتي. والجيل الآتي هو الصيف للصديقين والشتاء للخطأة. عندما تشرق رحمة الرب سيظهر الذين يعملون لله. 3. كما أن ثمار الأشجار تظهر في الصيف وكل شجرة تعرف ثمارها، كذلك الصديقون المثقلون بأوراق ظليلة سيعرفون من ثمارهم. 4. أما الوثنيون والخطأة الذين ترمز إليهم الأشجار اليابسة فإنهم سيظهرون في الجيل الآتي عاقرين يابسين وسيلقون في النار ويحرقون لأن أعمالهم كانت شريرة. 5. فكن أنت مثمرًا حتى تعرف في الجيل الآتي من ثمارك. إياك والأعمال المتعددة لأن الذين ينهمكون في أعمالٍ كثيرة يخطئون وتصرفهم أعمالهم عن خدمة الله. 6. أيستطيع مثل هذا الإنسان المنهمك بأشغاله الكثيرة أن يخدم الرب؟ الذين يخدمون الرب ينالون سؤلهم أما الذين لا يخدمونه فلا. 7. إذا انحصر الإنسان في عملٍ واحدٍ يمكنه أن يخدم الرب لأن روحه تبقى بإتجاه الله ولها حريتها في خدمته. 8. إذا فعلت كذلك فإنك تستطيع أن تحمل ثمارًا للجيل الآتي ومن فعل كذلك فإنه يثمر.
المثل الخامس
1- 1. كنت صائمًا، وكنت فوق جبل وكنت أقدم شكري لله، من أجل الأفعال التي فعلها من أجلي، فرأيت الراعي يجلس إلى جانبي وقد بادرني قائلًا: لماذا بكرت وأتيت إلى هنا؟ قلت: لأني أحترس. 2. قال: ماذا تعني؟ قلت: إني صائمُ يا سيد. قال: وما هذا الصيام الذي تصومه؟ قلت: إني أصوم يا سيد حسب طريقتي. 3. قال: إنك لا تعرف أن تصوم الصوم الذي يرضي الرب، والصوم الذي تصومه لا يرضي الله ولا يفيدك. قلت: لماذا يا سيد؟ قال: الصوم الذي تصومه ليس بصومٍ، إني سأعلمك معنى الصيام الكامل المقبول لدى الرب. 4. انتبه إن الله لا يريد صيامًا بطالًا كهذا الصوم وإنك لا تفعل شيئًا عادلًا إذا صمت كما تصوم. 5. صُم للرب هذا الصوم. لا تصنع الشر واعمل بقلبٍ نقي وحافظ على وصايا الله وسِر حسب أوامره ولا تدخلن إلى قلبك رغبنة شريرة وآمن بالله. فإذا فعلت ذلك وخشيت الله تكون قد صمت صيامًا عظيمًا مقبولًا عند الله.
2- 1. إليك مثل أسوقه لك عن الصوم. 2. كان لإنسان حقل وعبيد وقد زرع قسمًا منه كرمًا واختار له عبدًا أمينًا يحترمه ولما دعاه قال له: خذ هذا الحقل الذي غرسته وسيجه حتى أعود ولا تفعل غير ذلك حافظ على وصيتي فتحيا حياة سعيدة في بيتي. ثم سافر سيد الحقل إلى مكانٍ بعيدٍ. 3. فأخذ العبد بعد سفر سيده بتسييج الحقل وعندما أنهى عمله رأى أن الحقل مليء بالأشواك. 4. ففكر في نفسه وقال: ها أنا قد أتممت العمل كما أمرني سيدي فلماذا لا أفلح الكرم وأنقيه من الأعشاب ليصبح جميل المنظر وتزداد ثماره؟ وبالفعل فلح العبد الكرم واقتلع منه الأشواك الخبيثة فصار الكرم جميلًا خاليًا من الأعشاب التي كانت تعيق نموه. 5. بعد مضي وقت طويل عاد سيد الحقل وذهب لزيارة أرضه فوجد أن الكرم لم يكن مسيجًا فقط بل ومفلوحًا فلاحة حسنة ومنقى من الأعشاب المضرة والدوالي مليئة بالعناقيد، فدهق من عمل عبده واعجب. 6. فاستدعى ابنه الحبيب ووريثه وكل المستشارين أصدقائه وأخبرهم بالأمر الذي أمر عبده به والأفعال التي رأى عبده قد فعلها بعد عودته فهنأ هؤلاء العبد على الشهادة التي نالها من سيده. 7. وقال لهم السيد: لقد وعدت هذا العبد بحريته إذا أتم أوامري إلا أنه لم يتمم أوامري فحسب بل عمل أكثر بكثير مما أمرته به لذلك فسأجعله، مكافأة على أعماله، شريكًا مساويًا لابني يرث معه لأنه يملك تفكيرًا صائبًا وقد حقق هذا التفكير ولم يهمله. 8. وقد وافق ابن السيد على فكرة والده بجعل العبد شريكًا مساويًا في الارث. 9. وبعد أيام قليلة صنع سيده عشاء وأرسل له الكثير من الأطعمة فلم يحتفظ العبد إلا بما احتاجه ووزع الباقي على رفقائه العبيد. 10. فقبل هؤلاء الأطعمة شاكرين وصلوا من أجله وطلبوا أن تزداد حظوة هذا العبد عند سيده. 11. عندما علم السيد بما فعل فرح فرحًا عظيمًا ودعا أصدقاءه وابنه وابلغهم ما فعله العبد وكيف تصرف بالأطعمة التي أرسلها له. فوافقوا على تصميمه بجعل العبد وريثًا مساويًا لابنه.
3- 1. قلت: إني لا أفهم يا سيدي هذه الأمثلة ولا أعيها فأرجو أن تفسرها لي. 2. قال سأشرح لك كل ما قلته لك. حافظ على وصايا الله لتصير مقبولًا عنده ومستحقًا لتكون من المسجلين في سجل حافظي وصاياه. 2. فإذا فعلت حسنة علاوة على أوامر الله فإنك تحقق مجدًا عظيمًا وتكون ممجدًا عند الله حيث تدعى لتكون. إذا حافظت على وصاياه وأضفت إليها أعمالًا صالحة بتطبيقك لها فإنك تحقق لنفسك الغبطة. 4. قلت: يا سيدي إني أطبق تعاليمك وأسير بموجبها لأنك أنت معي. قال: نعم، إني سأكون معك بسبب رغبتك الصادقة في العمل الصالح وسأكون مع جميع الذين تحركهم الإرادة الخيرة. 5. إن صومك جيد ما دمت تحافظ على وصايا الله. انتبه كيف يجب أن تطبق الصوم. 6. قبل كل شيء احذر من أن يحرك الكلام الشرير الرغبة الخبيثة ونقِّ ذاتك من بطلان هذا العالم إذا اتبعت هذه الوصايا فصومك يكون كاملًا. 7. إليك ما يجب أن تفعله بعد أن تتم ما هو مكتوب ولا تأكل غير الخبز والماء في اليوم الذي تصومه واجمع في ذلك اليوم المال الذي وفرته بسبب صيامك واعطه إلى محتاجيه من الفقراء والأرامل. هكذا تحرم نفسك من شيء يستفيد منه الآخرون فيعيشون ويطلبون لك. 8. إذا صمت كما أقول لك فتضحيتك تصبح مقبولة عند الله فأتم هذا العمل الصالح المرغوب عند الله. 9. هذا ما يجب أن تفعله وتطبقه أنت وأولادك وكل بيتك حتى تكفل الغبطة لنفسك. مغبوطون هم أولئلك الذين يسمعون ويطبقون هذه الوصايا. إنهم يرون صلاتهم ترفع إلى الله.
4- 1. رجوته بحرارة ليفسر مثل الحقل والسيد والكرم والسياج والأعشاب التي اقتلعت من الأرض وابن السيد وأصدقاءه. لقد أدركت أن هذا الأمور كانت كلها رموزًا. 2. فأجبني وقال: إنك ملحاح في سؤالك. عليك أن لا تسأل حتى ولا سؤال واحد. إني أعرف ما الذي تحتاج إلى تفسيره. قلت له: ما فائدة ما تريني يا سيدي إذا كنت لا تفسره لي فأنا لا أدرك ولا أعي ما ترينيه. لو كلمتني بالأمثال دون أن تحللها. وتفسرها فسماعي لها باطل. 3. فأجابني وقال لي كل عبد لله يضح الله في قلبه يهبه الله الوعي اذا طلب منه ذلك. بهذا الوعي يستطيع أن يدرك كل الأمثال ويحللها ويعي كل كلمة يقولها الله، حتى لو كانت رمزًا. أما السقماء والكسالى فإنهم يترددون في الطلب من الله. 4. إن الله كثير الرحمة لذلك يعطي من يطلب منه باستمرار فلماذا لا تطلب أنت الموشح بقوة الملاك المقدس الذي أعطاك موهبة الصلاة ولست بكسولٍ. الفهم من الرب؟ إنه سيهبك ذلك. 5. قلت له: إني أوجه صلاتي لك أيها السيد وأطلب منك أنت لأنك معي دائمًا ولأنك أريتني كل هذه الرؤى وقلت لي هذه الأقوال. لو كنت قد سمعت هذه الامور ورأيتها بدونك لطلبت من الله أن يعطيني موهبة فهمها.
5- 1. إنك لبقٌ ولجوج في سؤالك لتفسير هذه الرموز. وإني لمحقق رغبتك الملحة وسأفسر لك مثل الحقل وما يتبعه ليصير ذلك معروفًا عند الجميع. فأصغ إلى ما سأقوله لك. 2. الحقل هو العالم وسيد الحقل هو خالق الكل ومجهزه ومقويه، أما الابن فهو الروح القدس، وأما العبد فهو ابن الله، وأما الكروم فهي فهم البشر الذي غرسهم. 3. الأسيجة هم الملائكة القديسون الذين يسهرون على شعبه، أما الأعشاب الخبيثة التي اقتلعت من الحقل فهي آثام عبيد الله وأما الأطعمة التي أرسلها الله من مائدة العشاء فهي الوصايا التي أعطاها الله لشعبه بابنه. وأما الأصدقاء المستشارون فهم الملائكة القديسون الذين خلقوا أولًا. وهجرة السيد هي الزمن المتبقي لحضوره. 4. قلت له: يا سيدي كل شيء عظيم وممجد. أيمكنني أنا أن أعي ذلك؟ لا يوجد إنسان مهما بلغ من الوعي أن يعي كل هذه الأمور لذلك أرجوك أن تفسر ما أطلبه منك. 5. قال: تعلّم إذا كنت ترغبلماذا ظهر ابن الله في المثل كعبد؟
6- 1. قال لي الراعي: انتبه إن ابن الله لم يظهر بشكل عبد بل ظهر متشحًا بقدرة عظيمة وسلطان عظيمٍ. قلت: كيغ؟ إني لا أستطيع أن أفهم ذلك. 2. أجابني: إن الله الذي غرس كرمه، أي عندما خلق شعبه أوكل أمره لابنه والابن جعل الملائكة لحمايتهم وهو الذي نقى شعب الله من خطاياهم وقد تعب كثيرًا لأن كل كرمة تحتاج إلى تعب شديد لفلاحتها وتنقيتها. 3. هو الذي نقى خطايا البشر وأرشدهم إلى سبيل الحياة وأعطاهم الناموس الذي تسلمه من أبيه 4. أرأيت كيف أنه سيد البشر وأن أباه أعطاه كل سلطان؟ قلت لك أن السيد قد استشار ابنه والملائكة القديسيين بشأن اشتراك العبد بالميراث. إليك ما يعني ذلك. 5. الروح القدس الذي كان قبل الخليقة الذي خلق كل الخليقة ألبسه اللباس الذي أراده. وهذا الجسد الذي لبسه الروح القدس خدم الروح بكرامه وسلك نقيًا طاهرًا دون أن يسبب له أي دنس 6. وبمسلكه النقي هذا وتعبه من الروح وبتعاونه معه في كل الأمور ماشاه بقوة وشجاعة أراد أن يجعله شريكًا لروحه المقدس. إن مسلك الجسد أعجب الله لأنه لم يتدنس في هذه الأرض وهو يحمل الروح. 7. ولقد استشار الابن والملائكة والممجدين ليعطي هذا الجسد الذي خدم الروح بأمانه كلية مكانًا يستريح فيه لا يبقى اخلاصه بدون مكافأة. كل جسد سكنه الروح وخدمه بخلاص ينال المكافأة بشرط أن يبقى نقيًا طاهرًا خاليًا من كل دنسٍ 8. هذا هو تفسير المثل.
7- 1. لقد أبهجني هذا التفسير يا سيد. قال الراعي: انبته، احفظ جسدك نقيًا بلا دنسٍ حتى ينال شهادة الروح القدس القاطن فيه. 2. احذر أن تأتيك الفكرة بأن جسدك فانٍ ومعد للدمار ولا تفسح المجال لتدنيسه لأنك إذا دنست جسدك دنست روحك وإذا دنست روحك فلن تحيا. 3. قلت ما هو نصيب من فعل ما يدنس جسده قبل سماعه لهذه الكلمات؟ أيمكنه أن يخلص؟ الله هو الذي يشفي الخطايا الحاصلة عن جهلٍ. 4. انتبه الآن. الله الغفور يغفر لك خطاياك السابقة بشرط أن يبقى جسدك الآن بدون دنسٍ. أن ترى الاتصال الوثيق بين الجسد والروح. إنك إذا دنست الجسد دنست الروح فاحفظهم نقيين حتى تحيا لله.
المثل السادس
1- 1. بينما كنت جالسًا في بيتي أمجد الله لكل ما رأيت وأتأمل الوصايا لصلاحها وقوتها وبهائها ومجدها ولمكانتها بتخليص نفس الإنسان قلت في نفسي: إني سأكون من المغبطين إذا سلكت طريقي حسب هذه الوصايا 2. وبينما كنت أفكر بمثل هذه الأمور رأيت الراعي فجأة يجلس إلى جانبي ويقول لي: لماذا التردد حول الوصايا التي أعطيتك. إنها وصايا ممتازة. دع عنك الشكوك واجعل الإيمان بالله وشاحك وسر وفقًا لهذا الإيمان فأنا الذي يعطيك القوة. 3. الذين يحبون أن يتوبوا تنفعهم الوصايا وغير نافعة لمن لا يريد أن يتوب. 4. القوا أيها التائبون خبث هذا الجيل الذي يسحق نفوسكم والبسوا فضيلة العدل فبلبسكم لها تحافظون على الوصايا ولن تقترفوا خطايا جديدة، وبتجنبكم لكل خطية جديدة تتخلصون من كل خطاياكم الماضية. ولتكن وصاياي قاعدة لسلوككم فتحيون لله. أنا الذي كلمتكم بهذا. 5. بعد أن كلمني هذا الكلام قال لي: فلنذهب إلى الحقل لأريك رعاة الأغنام. قلت له: هيا بنا. فأتينا إلى سهل فأراني راعيًا شابًا يلبس لبسًا أصفر. 6. وكان يرعى قطيعًا كبيرًا. كان القطيع يحيا حياة شهوه ويقفز متهللًا من مكان إلى مكانٍ. وكان الراعي راضيًا كليًا عن تصرف قطيعه وكان وجهه يشع فرحًا وكان يتنقل بين القطيع وقد رأيت أيضًا حرافًا أخرى في نفس المكان تلهو ولكنها لا تتهلل. .
2- 1. قال الراعي: أترى هذا الراعي؟ قلت: نعم يا سيدي. قال: هذا مملاك الشهوة والخداع. إنه يفسد أرواح عبيد الله ويصرفها عن الحقيقة إلى الشهوة الخبيثة حيث تضيع. 2. تنسى وصايا الله الحي وتسلك طريق الشهوات الخداعة البطالة فيضلها الملاك ويقود بضعها إلى الموت والبعض الآخر إلى الفساد. 3. قلت: لا أفهم يا سيدي ما يعني البعض إلى الموت والبعض إلى الفساد. قال انتبه إن الخراف التي تراها تقفز فرحة هي البشر الذين انفصلوا عن الله نهائيًا وتركوا نفوسهم في أيدي شهوات هذا العالم ولا مجال لتوبتهم وعودتهم إلى الحياة لأنهم أضافوا إلى خطاياهم القديمة خطايا جديدة وأهانوا اسم الله. الموت هو نصيب هؤلاء 4. أما الخراف التي تقفز بغير فرح وترعى في نفس المكان فهم البشر الذين غرقوا في الشهوات العالمية ولم يهينوا اسم الله. هؤلاء قد أُصيبوا بفساد منعهم من رؤية الحقيقة وبقي فيهم رجاء التوبة وهي السبيل الوحيد لعودتهم إلى الحياة. 5. الفساد لا ينفي رجاء العودة إلى الحياة، أما الموت فهو الهلاك الأزلي. 5. ابتعدنا قليلًا فأراني راعيًا طويل القامة متوحش الهيئة يلبس عباءة بيضاء من جلد الماعز وعلى كتفيه جرابًا وفي يده عصى ثقيلة معقدة وسوط كبير ولقد أخافتني نظرته القاسية. كانت هذه هيئته. 6. هذا الراعي كان يستلم من يد الراعي الشاب الخراف التي كانت غارقة في الشهوة دون تهلل وكان يضعها في مكان منحضر تملأه الأشواك والعليق. وكانت الخراف تعجز فلا تسطيع أن تتحرر من العليق الذي تمسك بها. 7. وكانت ترعى هناك معذبة جدًا وكان الراعي يضربها بقسوة ويسوقها من مكان إلى مكان دون أن يترك لها المجال للراحة.
3- 1. عندما رأيت الخراف تتعذب تحت لسعات السياط حزنت للعذاب الذي تتعذبه. 2. فقلت للراعي الذي كان يكلمني: يا سيد من يكون هذا الراعي العاتي المتوحش الذي لا تعرف الشفقة سبيلًا إلى قلبه؟ قال: إنه ملاك العقاب. إنه من الملائكة العادلين مكلف بالعقاب. 3. إنه يستلم البشر الذين ضلوا طريق الله وغرقوا في الشهوات والملذات العالمية ليعذبهم حسب خطاياهم ويعاقبهم عقوبات مخيفة متنوعة. 4. قلت: أريد أن أعرف يا سيد مقياس العقوبات الصارمة المتنوعة. قال: إن العذابات والقصاصات المتنوعة حياتية أي تتم في الحياة، يعاقب البعض بالحرمان والبعض بالخسارة والبعض بالأمراض المختلفة والبعض بالتشاؤم التي يكيلها الأشرار لهم والبعض بعدم الاستقرار والبعض بالمعاملة السيئة. 5. كثيرون هم المترددون الذين يحاولون أن يقوموا بأعمال مختلفة فلا ينجحون فينسبون عدم نجاحهم إلى الحظ ويحملون الله مسئولية خيبتهم. 6. وعندما يصابون بالآلام الكثيرة تصير لهم آلامهم مدرسة لثقافتهم فيتقون في الإيمان ويصرفون بقية أيامهم يخدمون الله بقلب نقي وإذا ما تابوا فإن الأعمال الماضية التي ارتكبوها تأتيهم إلى ذاكرتهم ويعرفون أنها هي التي سببت ما أصابهم وما نالوه من عقاب عادل من الله. وينجحون في كل المحاولات التي يقدمون عليها دون أن يمسهم ضرر.
4- 1. قلت له: أشرح لي يا سيدي ما يأتي. قال الراعي: قل ما تريد. هل هناك شيء تريد أن تعرفه بعد؟ قلت: أريد أن أعرف إذا كانت مدة العقاب متساوية مع مدة اللذة التي يقضيها الإنسان في الحياة. قال: مدة اللذة تساويها نقطة العقاب. 2. قلت: إن مدة العقاب قصيرة إذن. العذاب يجب أن يكون سبعة أضعاف للذين يعيشون في النسيان بعيدين عن الله. 3. قال لي: أيها الجاهل إنك لا تعرف قوة العقوبات. لو كنت تدركها لما سألتني هذا السؤال. إليك قوة كليهما. 4. ساعة هي مدة الشهوة والضلال أما ساعة العقوبة فتساوي ثلاثين يومًا. إذا قضى الإنسان يومًا في الملذات والضلال فاليوم يقابله سنة كاملة في العقوبات. أرأيت أن أيام اللذة قصيرة وأيام العقاب طويلة ؟
5- 1. قلت: لم أدرك تمامًا ما قلته لي عن مدة اللذة والضلال من جهة والعقوبات من جهة أخرى. أرجو أن تفسر لي ذلك بإيضاح. 2. قال: انك لا تزال تغرق في جهلك ولا تريد أن تنقي قلبك وتخدم الله. أحذر لئلا يجدك كمال الزمن جاهدًا. انتبه ما دمت تريد أن تعي ذلك. 3. الإنسان الذي يغرق في ملذاته ويشرد في ضلاله يومًا واحدًا ويفعل ما يريده ويلبس الجهل ولا يعرف ماذا يفعل، إنه ينسى في الغد ما فعله في الأمس لأن اللذة والتنعم لا ذكريات لهما لأن الجهل هو الذي سببها بعكس العقوبات والآلام. ذكراها تبقى سنين طويلة حتى لو كان العذاب يومًا واحدًا. ذكرى العقوبات والآلام طويلة. 4. الإنسان الذي يتعذب مدة سنة لابد له أن يتذكر اللذة التي مر بها والضلال الذي وقع فيه وهنا يعرف أن اللذة العابرة هي التي سببت له هذه الآلام الطويلة. كل إنسان يغرق في لذة الشهوات يخضع في مثل هذه العقوبات لأنه يسلم نفسه للموت في الوقت الذي يملك فيه على الحياة. 5. قلت: يا سيد، ما هي الملذات الضارة؟ قال: كل عمل يقوم به الإنسان على أساس الشهوة هو مضر. فالغضوب يحقق لذته بتحقيق غضبه وكذلك النمام والسكير والكذاب والطماع والنهاب. هؤلاء يتنعمون بشهوة تحقيق شهواتهم. 6. كل هذه الشهوات مضرة لعبيد الله وبسببها يتألم المتعذبون المعاقبون. 7. هناك ملذة تخلص الإنسان. الذين يعملون الخير يشعرون بلذة فعلهم وهذه اللذة تكون مفيدة لعبيد الله وتمنح الحياة لمن يتمتع بها. أما الشهوات المضرة التي تكلمنا عنها فلا تجلب إلا المحن والعقاب وتقود إلى الموت إذا استمر صاحبها بعيدًا عن التوبة.
المثل السابع
بعد أيام قليلة رأيت الراعي في السهل حيث كنت قد رأيت الرعاة الآخرين فخاطبني وقال لي: ماذا تريد؟ فأجبته وقلت له: يا سيدي جئتك راجيًا أن يخرج الملاك الديان من بيتي لأنه يعذبني جدًا. قال: يجب أن تتعذب فالملاك العظيم يريد أن يجربك قلت: هل فعلت شرًا حتى أسلمني هذا إلى الملاك؟. 2. قال: إن خطاياك كثيرة ولكنها لا تستحق أن تُسلم بسببها إلى هذا الملاك إلا أن بيتك قد اجترح الخطايا والآثام الكبرى التي مرمرت الملاك العظيم لذلك أمر أن تتعذب ليتوب أهل بيتك ويتنقوا ومتى تنقوا الملاك هذا سيبعد عنك. 3. ما هو ذنبي إذا كان أهل بيتي قد مرمروا الملاك العظيم؟ قال: لا يمكن أن يتألم أولئك إذا لم يروا رب البيت متألمًا. فالملاك يتضطرهم بواسطتك إلى الآلام. أما إذا انتفى عنك الألم فإنهم يشعرون أن المهم قد زال. 4. قلت: ها إن أهل بيتي أيها الملاك قد تابوا من كل قلوبهم. قال: إني أعرف أنهم تابوا من كل قلوبهم لكن أتعتقد أن خطايا التائبين تغفر فورًا؟ على التائب أن يفرض الآلام على نفسه وأن يكون متواضعًا في أعماله وأن يتحمل آلامًا متعددة فإذا تحمل بصبر العذاب الذي يصيبه فخالق الكون يرأف به ويشفيه من كل شروره. 5. لأنه يعرف مكنونات القلوب وينظر إليه ويتفخص نقاوته من صالحك أن تتعذب أنت وأهل بيتك. لماذا كثرة الكلام؟ أمر الملاك الذي أوكل أمرك إليه أن تتألم. عليك أن تشكر الله لأنه بآلامك هذه نبهك وعلمك. 6. قلت: كن أيها الملاك معي دائمًا لكي أستطيع أن أحمل آلامي. قال: إني معك دائمًا وسأطلب من الملاك الديان أن يخفف أحزانك. لابد لك أن تحزن قليلًا لكن ستعود أنت وبيتك إلى الاطمئنان بشرط أن تبقى متواضًعا وتعمل بنقاوة قلب للرب أنت وأهل بيتك. سِر حسب الوصايا التي أوصيتك لتبقى توبتك قوية ونقية. 7. فإذا حافظت على ذلك أنت وأهل بيتك أبتعد عنك كل ألم كما يبتعد عن كل السالكين وفقًا لهذه الوصايا.
كتاب الراعي لهرماس – كتابات الآباء الرسوليون – بحث
كتاب الراعي لهرماس – كتابات الآباء الرسوليون – بحث
كتاب الراعي لهرماس – كتابات الآباء الرسوليون – بحث
محتوى كتاب الراعي لهرماس
لقد تميز كتاب «الراعي» بعمقه الروحي، وبسعة المواضيع التي طرحها، عن باقي المؤلفات الأخرى التي وصلتنا من القرن الثاني المسيحي. فهو يحتوي على خمس رؤى واثنتي عشرة وصية وعشرة أمثال ضمّت جميع الإرشادات والتوجيهات والتعاليم التي تلقّاها من الامرأة، التي تمثل الكنيسة، ومن الراعي، الذي يمثل الملاك المرسل إليه من الله.
كل ذلك ضمن وحدة الموضوع ووحدة العقيدة. أمّا الرؤى فهي تحدد الغاية التي من أجلها كتب الكتاب، وأمّا الوصايا والأمثال فهي توسيع وشرح لما جاء في الرؤى. والغاية الأخيرة للكتاب هي الدعوة إلى التوبة والتجدّد الروحي. وهذه التوبة على هرماس نفسه أن يبدأ بها أولاً، ثم عليه أيضاً أن يبشّر بها أفراد عائلته والكنيسة والمؤمنين ورجال الدين أنفسهم. إنها دعوة لتهيئة النفس قبل عودة المسيح المنتظر.
أ/ الرؤى في كتاب الراعي لهرماس:
يبدأ كتاب «الراعي» بخمس رؤى تأخذ طابع الوحي، وهي تذكرّنا برؤى حزقبال النبي وبرؤيا القديس يوحنا الرسول، وهذا ما يحرّك القارئ ويجعله مشدوداً إلى ما جاء فيها وما هو منتظر من الذي يقرأها. وبعد أن يخبرنا هرماس عن الأحداث التي حصلت له وهو في طريقه إلى «كوماس»، وعن الدعوة إلى التوبة، تتراءى له الكنيسة بشكل امرأة مسنّة أعطته كتاباً لينقله على نسختين وتحذرّه من أن أبناءه قد اخطأوا ضد الله وجدّفوا على السيد، وأن امرأته قد أخطأت بنميمتها، الأمر الذي يستدعي توبة عميقة ليغفر الله لهم خطاياهم.
ثم تتراءى له الامرأة، في الرؤيا الثالثة، وتجلسه عن شمالها لأن اليمين هو محفوظ للذين تألموا وماتوا في سبيل الله، وتريه برجاً مبنياً على الماء، بواسطة الملائكة، بحجارة من قلب الأرض، متراصّة في ما بينها، طالبةً منه أن يحافظ على السلام، وأن يساعد المحتاجين، وأن يشدّد على رؤساء الكنيسة بأن يتحاشوا النزاعات المميتة، وبأن يحافظوا على التعاليم السماوية ويعملوا بها.
وبعد عشرين يوماً، وهو في طريقه إلى «كوماس»، جلس يصلي ويطلب من الله أن يفهمه معنى هذه الرؤى. وإذ هو في هذه الحال شاهد وحشاً كبيراً مخيفاً يخرج من الأرض، فابتدأ بالبكاء وبالصلاة حتى ظهرت له المرأة من جديد وهي في ثياب بيضاء ناصعة، وشدّدت عزيمته وقالت له: إن الوحش ينذر بغضب كبير لا خلاص منه إلا بالتوبة والارتداد إلى الله والمثابرة في حياة طاهرة وبالثقة التامة به تعالى.
وأمّا الرؤيا الخامسة، التي حصلت وهو في بيته، فلقد ظهر له رجل يلبس ثياب راعٍ، وعلى كتفيه جراب وفي يده عصى، يمثل ملاك التوبة الذي أتى ليذكره بالرؤى السابقة ويملي عليه الوصايا والأمثال. من هنا تسمية الكتاب باسم «الراعي».
ب/ الوصايا في كتاب الراعي لهرماس:
الوصايا تشدّد على واجبات الإنسان نحو الله ونحو القريب ونحو الذات. وأسا هذه الواجبات هو الإيمان بإله واحد، خالق كل شيء، والعودة إلى الفضيلة كوسيلة خلاصية. فلإيمان، ومخافة الله، والامتناع عن الشر، التي تتحدث عنها الوصية الأولى، هي الفضائل الثلاث التي تعطي القوة وتشدّد عزيمة الإنسان في مسيرته نحو الله. والوصية الثانية تفرض البساطة والبرارة في العيش، وتمنع النميمة والحقد، وتؤكد على أعمال الرحمة لجميع البشر.
والوصية الثالثة تأمر بأعمال المحبة وبعيش الحقيقة وبالهروب من الخداع والكذب. والوصية الرابعة تشدّد على الطهارة وتفرض التعامل الشريف في الحياة، الأمر الذي دفع بهرماس إلى طرح بعض الأسئلة عن الزواج والزنى والتوبة. والوصية الخامسة تدور حول العدل والفطنة لكي يبقى الروح القدس في داخلنا ونطرد الشيطان من حياتنا اليومية، هذا الشيطان الذي يحاول، بجميع الوسائل، أن يبعدنا عن الله ويحتل قلبنا بدل أن يكون هذا القلب هيكل الروح القدس نفسه. وفي الوصايا اللاحقة يتحدث عن وجود ملاكين عند الإنسان: ملاك الخير وملاك الشر.
فعلى الإنسان أن يتّبع إرشادات ملاك الخير، وأمّا التجارب التي هي من وحي ملاك الشر فعليه أن يبعدها عنه ويرفضها كليّا. وهذا يعود إلى مدى تعمقه بإيمانه وبمحبة الله. وأمّا بالنسبة إلى الخوف فهناك خوفان: خوف الله الذي يبني ويقدّس وخوف الشيطان الذي يهلك. كذلك بالنسبة إلى الامتناع عن أعمال الشر، فالخير هو ضمانة الخلاص، أمّا الشر فهو طريق الهلاك.
الوصية التاسع تشدّد على الابتعاد عن الشك والتردد في طلب الله بحجّة أن الخطيئة تبعد عن الحق. فتنقية القلب هي السبيل إلى عدم الشك، ولبوس الإيمان هو القوة بالذات لأنه يأتي من الله ويبعد الشيطان وأحابيله عن قلب الإنسان.
الوصية العاشرة تتحدث عن الحزن الذي هو أخ الشك والغضب. هذا الحزن هو أشرّ الأرواح وأكثرها قساوة وإفساداً للإنسان. إنه يطرد الروح القدس ويسبّب الغضب للذين ينجرّون وراء أباطيل الدنيا. فتنقية القلب من الحزن المميت تحيي الإنسان في الله. وتعطيه نقاوة ومحبة له تعالى، كاملة في الفرح، ومتجددة في النقاوة.
الوصية الحادية عشرة تذكّر بأن أقوياء الإيمان هم المتشحون بأثواب الحقيقة، البعيدون عن الشيطان الذي يملأ الإنسان بروحه الشريرة ويجعله عرضةً للاستماع إلى الأنبياء الكذبة وإلى عبادة الأوثان الفارغة من الحقيقة.
أمّا الوصية الثانية عشرة والأخيرة فتأمر بالابتعاد عن الرغبات الشريرة والوحشية التي تستهلك الإنسان بقسوة وتسلمه للموت. ثم تشدّد على الابتعاد عن رغبة المرأة الغريبة وعن الثروات والتنعم بالباطل والسكر وكل شهوة الملذات الصبيانية، وتفرض ممارسة الفضيلة والعدل والمسلك الحسن في الحق وفي خوف الله، وفي الوداعة التي هي ميزة الإنسان الصالح.
وينهي «الراعي» وصاياه الاثنتي عشرة بقوله: «إنك تعرف هذه الوصايا فاسلك وفقاً لها وعلّم الآخرين أن يسلكوا كذلك، واطلب أن تكون توبتهم طوال حياتهم نقية خالصة. أتم هذه الخدمة التي ألقيها عليك بجدٍّ، وإذا ما عملت جاهداً فإنك تقوم بعمل عظيم وستجد نعمة عند أولئك الذين سيتوبون وسيثقون بكلامك، وإني سأكون معك وسأجبرهم على الاعتقاد بك» (الوصية الثانية عشرة، 3، 3).
ج/ الأمثال في كتاب الراعي لهرماس:
هذا القسم الأخير من «الراعي» له الطابع الرؤيوي كما القسم الأول من الكتاب، مرتكزاً على بعض الأمثال التي وردت في الإنجيل المقدس. فالصور التي يعطيها تشدّد على نقاط أساسية وجوهرية في العقيدة المسيحية. ففي المثلين الأولين يتكلم «الراعي» عن المقتنيات والأملاك التي هي بحوزة المؤمنين، وعن طريقة استعمالها الحسن في هذه الدنيا.
وبما أنه ليس للإنسان مدينة أرضية ثابتة، فعليه أن لا يعلّق قلبه بثروات الأرض لأن هذه الثروات أعطيت من الله لتكون في خدمة المحتاجين. وبهذا المعنى يقول: «لماذا تقتنون الحقول الواسعة والعمارات الكبيرة والقصور والأبنية والبيوت ما دمتم تعرفون أن المدينة التي ستستوطنوها ليست هنا؟» (المثل الأول، 1). فالغني يملك ثروة كبيرة إلا أنه فقير في خدمة الله لأن أمواله تستنزف كل تفكيره وأوقاته. أما إذا التصق الغني بالفقير وأعطاه ما يحتاج إليه، فعطيته له باستطاعتها أن تحقق له أجره عند الله.
صلاة الفقير واعترافه بخطاياه زاخران بالغنى، ولصلاته قوة عظيمة عند الله. وعلى الغني أن يعطي الفقير كل شيء وبدون تردد لأن الفقير الذي يعطيه الغني فإنه يعطيه شكر الله عمّا أعطاه. وهكذا إذا ضاعف الغني اهتمامه بالفقير، وبقي في شركة دائمة مع حياته، فإن صلاة الفقير تساعده ليكون مقبولاً عند الله.
الغني والفقير يتمّان عملاً واحداً، هذا بالصلاة، وهي ثروته التي أخذها من الرب ويقدمها للرب مختاراً، وذاك بماله الذي أعطاه الرب ليعطي المحتاج بدون تردد. وهكذا يتم عملاً عظيماً يرضي الله لأنه استعمل ثروته بتعقّل وروية واستخدمها لصالح الإنسان وحقق إرادة الرب.
ثم ينتقل «الراعي» إلى شرح التصوّف المسيحي في المثل الخامس، مشدّداً على الصوم ودوره الخلاصي، فيقول: «الصوم الذي تصومه ليس بصوم، إني سأعلمك معنى الصيام الكامل المقبول لدى الله. انتبه أن الله لا يريد صياماً بطالاً كهذا الصوم وإنك لا تفعل شيئاً عادلاً إذا صمت كما تصوم. صم للرب هذا الصوم: لا تصنع الشر واعمل بقلب نقي وحافظ على وصايا الله وسر حسب أوامره ولا تدخلن إلى قلبك رغبة شريرة وآمن بالله.
فإذا فعلت ذلك وخشيت الله تكون قد صمت صياماً عظيماً مقبولاً عند الله» (المثل الخامس، 1، 3-4). فالمحافظة إذاً على الوصايا، والقيام بالأعمال الحسنة التي ترضي الله، وتطبيق تعاليم الله، ومساعدة الفقراء والأرامل، والبعد عن الكلام الشرير والرغبة الخبيثة، والمحافظة على الشريعة والناموس… جميع هذه تكون أفضل من الصوم، لا بل هي جوهر الديانة المسيحية.
في المثل السادس يرى هرماس راعيين مع قطيعيهما، يمثلان ملاك الشهوة وملاك العقاب. الأول يفسد أرواح عبيد الله ويصرفها عن الحقيقة إلى الشهوة الخبيثة حيث تضيع فتنسى وصايا الله الحي وتسلك طريق الشهوات الخداعة البطالة، منقادة إلى الفساد والموت، والثاني يستلم البشر الذين ضلوا طريق الله وغرقوا في الشهوات والملذات العالمية ليعذبهم حسب خطاياهم ويعاقبهم عقوبات مخيفة متنوعة.
فكل إنسان يغرق في لذة الشهوات يخضع لعقوبات عديدة لأنه يسلم نفسه للموت في الوقت الذي يملك فيه على الحياة. لذلك نرى أن الذين يعملون الخير يشعرون بلذة فعلهم، وهذه اللذة تكون مفيدة وتمنحهم الحياة، أما الذين يتّبعون الشهوات المضرّة فإنهم يجلبون عليهم المحن والعقاب الذي يقود إلى الموت الأبدي.
وفي المثل السابع يطلب هرماس من «الراعي» أن يبعد عن بيته ملاك العقاب. غير أن الراعي يقول له: «إن خطاياك كثيرة ولكنها لا تستحق أن تسلم بسببها إلى هذا الملاك إلا أن بيتك قد اجترح الخطايا والآثام الكبرى التي مرمرت الملاك العظيم، لذلك أمر أن تتعذّب ليتوب أهل بيتك ويتنقوا… ولا يمكن أن يتألم أولئك إذا لم يروا رب البيت متألماً. فالملاك يضطرهم بواسطتك إلى الألم. أمّا إذا انتفى عنك الألم فإنهم يشعرون أن المهم قد زال» (المثل السابع، 2-4).
وفي المثلين الثامن والتاسع تظهر الكنيسة بصورة صفصافة وبرج. ففي الصفصافة المتشعبة ينال كل مؤمن غصناً يمثله، فإذا كان الغصن فارغاً فهذا يعني أن المؤمن في حياة روحية نامية وعلى اتصال عميق بالله، أمّا إذا كان الغصن ذابلاً فيدل على حالة المؤمن النفسية التي تشوبها الأخطاء والنقائص، وهذا يعني أن كل إنسان سينال جزاءه أو عقابه حسب الحالة التي يكون عليها الغصن الذي يمثله.
أمّا الخطأة الخاضعون للتوبة فإذا عملوا بها نجواـ وإذا لم يعملوا هلكوا. وأمّا بالنسبة إلى البرج فإن حياتهم لله وعملوا الخير وكانوا مثالاً صالحاً في هذه الدنيا، غير أن الأشرار فلقد أبعدوا عن المساهمة في هذا البناء الذي يجب أن يكون كاملاً على صورة الكمال الذي رسمه المسيح لكنيسته.
أخيراً يبقى المثل العاشر الذي هو بمثابة خلاصة يشدّد فيها الملاك على هرماس لكي يتوب عن خطاياه هو وأهل بيته. كذلك يأمره الملاك بأن يعلن للجميع وسيلة خلاصهم، هذا الخلاص الذي لا يتم إلا بالتوبة، وبالتوبة الحقيقية، طالما أن البرج يُبنى. ولكن إذا لم يتب الجميع قبل نهاية بناء البرج، فإن التوبة بعد نهاية البناء لا تنفع مطلقاً.
وينهي الملاك كلامه قائلاً لهرماس: «قم برسالتك حق قيام وأذع على الناس عظائم الله، وستلقى استحقاقك من جرّاء خدمتك. من يتبع وصاياك يتمتع بحياة ووجود مغبوط. أما الذين يهملونها فإنهم لا ينالون الحياة وسيشقون في حياتهم» (المثل العاشر، 4، 1).
خلاصة تعليم كتاب الراعي لهرماس
أ: الثالوث الأقدس وسر التجسد في كتاب الراعي لهرماس:
إن المطلع على كتاب «الراعي» يلحظ بوضوح أنه كتاب توجيهي، همّه معالجة الأمراض التي ضربت الكنيسة، لا محاولة رفض البدع التي كانت سائدة إلى حد ما، ولا محاولة عرضٍ لاهوتي للعقيدة المسيحية ولشؤون الإيمان، رغم أننا تجد فيه تأكيداً واضحاً على وحدة الله وعلى الخلق من العدم (المثل الخامس، 5، 2؛ المثل السابع، 4). لذلك نراه غير قاطع في تحديده للثالوث الأقدس ولسرّ التجسد.
فكره غامض, ولغته غير واضحة. ولذلك أيضاً حاول كثيرون من اللاهوتيين والمؤرخين، من خلال مؤلفاتهم، التأكيد على أرثوذكسيته، مثل «جاكمان» (Jackman)، و «فريبل» (Freppel)، و «هارناك» (Harnack)، وغيرهم من اللاهوتيين الذين رأوا ثبات العقيدة فيه رغم الغموض الذي فرضته لغة الرؤى والوصايا والأمثال.
وباختصار، فإن لغته تشكو من عدم الوضوح، بيد أن عقيدته لا غبار عليها. والمثال على ذلك هو هذا المقطع الثاني من المثل الخامس الذي نورده هنا لنرى علاقة الآب والابن بالعبد. يقول «الراعي»: «كان لإنسان حقل وعبيد وقد زرع قسماً منه كرماً واختار له عبداً أميناً يحترمه.
ولمّا دعاه قال له: خذ هذا الحقل الذي غرسته وسيّجه حتى أعود ولا تفعل غير ذلك. حافظ على وصيتي فتحيا حياة سعيدة في بيتي. ثم سافر سيد الحقل إلى مكان بعيد. فأخذ العبد بعد سفر سيده بتسييج الحقل، وعندما أنهى عمله رأى أن الحقل مليء بالأشواك.
ففكر في نفسه وقال: ها إني قد أتممت العمل كما أمرني سيدي، فلماذا لا أفلح الكرم وأنقّيه من الأعشاب ليصبح جميل المنظر وتزادا ثماره؟ وبالفعل فلح العبد الكرم واقتلع منه كل الأشواك فصار الكرم جميلاً خالياً من الأعشاب التي كانت تعيق نموّه. بعد مضي وقت طويل عاد سيد الحقل وذهب لزيارة أرضه فوجد أن الكرم لم يكن مسيّجاً فقط، بل ومفلوحاً فلاحة حسنة ومنقى من الأعشاب المضرّة، والدوالي مليئة بالعناقيد، فدهش من عمل عبده وأعجب.
فاستدعى ابنه الحبيب ووريثه وكل المستشارين أصدقائه وأخبرهم بالأمر الذي أمر به وبالأفعال التي رأى عبده قد فعلها بعد عودته فهنأ هؤلاء العبد على الشهادة التي نالها من سيده. وقال لهم السيد: لقد وعدت هذا العبد بحريته إذا أتّم أوامري إلا أنه لم يتمّم أوامري فحسب بل عمل أكثر بكثير ممّا أمرته به، لذلك سأجعله، مكافأة على أعماله، شريكاً مساوياً لابني يرث معه لأنه يملك تفكيراً صائباً وقد حقق هذا التفكير ولم يهمله» (المثل الخامس، 2، 1-7).
في هذا النص نرى ثلاثة أشخاص: السيد والابن والعبد. فمن هم هؤلاء الثلاثة في نظر «الراعي»؟. الحقل يمثل ، أولاً، العالم، والسيد هو الله خالق كل شيء، وابن السيد هو الروح القدس، والعبد، الذي حرّره السيد، وقد أصبح أيضاً ابن الله لأنه اقتلع، من الكنيسة، التي هي الحقل، الشرور والخطايا بواسطة أعماله وآلامه وعذاباته. وهذا هو عمل الخلاص. ولكن الملفت للنظر أن «الراعي» لا يذكر مطلقاً اسم «المسيح» «يسوع» و«كلمة الله»، وحتى أنه لا يفرّق بين البنوّة الإلهية والروح القدس.
أمّا بالنسبة إلى سر التجسد، فالمقطع السادس من المثل الخامس يذكره كالتالي: «انتبه أن ابن الله لم يظهر بشكل عبد بل ظهر متشحاً بقدرة عظيمة وسلطان عظيم. قلت: كيف؟ إني لا استطيع أن أفهم ذلك. أجابني: إن الله الذي غرس كرمه، أي عندما خلق شعبه أوكل أمره لابنه والابن جعل الملائكة لحمايتهم وهو الذي نقّىشعب الله من خطاياهم وقد تعب كثيراً لأن كل كرمة تحتاج إلى تعب شديد لفلاحتها وتنقيتها.
هو الذي نقى خطايا البشر وأرشدهم إلى سبيل الحياة وأعطاهم الناموس الذي تسلّمه من أبيه. أرأيت كيف أنه سيد البشر وأن أباه أعطاه كل سلطان؟ قلت لك إن السيد قد استشار ابنه والملائكة القديسين بشأن اشتراك العبد بالميراث. إليك مل يعني ذلك.
الروح القدس كان قبل الخليقة، البسه اللباس الذي أراده. وهذا الجسد الذي لبسه الروح القدس خدم الروح بكرامة وسلك نقياً طاهراً دون أن يسبب له أي دنس. وبمسلكه النقي هذا وتعبه مع الروح وبتعاونه معه في كل الأمور ماشاه بقوة وشجاعة وأراد أن يجعله شريكاً لروحه المقدس. إن مسلك الجسد أعجب الله لأنه لم يتدنس في هذه الأرض وهو يحمل الروح. ولقد استشار الابن والملائكة الممجدين ليعطي لهذا الجسد الذي خدم الروح بأمانة كلية مكاناً يستريح فيه لا يبقى إخلاصه بدون مكافأة.
كل جسد سكنه الروح وخدمه بإخلاص ينال المكافأة بشرط أن يبقى نقياً طاهراً خالياً من كل دنس» (المثل الخامس، 6، 1-7). ويعلق اللاهوتي «باردنهيفر» على هذا النص قائلاً: «ماذا بإمكاننا أن نستنتج من ذلك سوى أن التجسد وحده هو الذي أوضح لنا الفارق بين الروح القدس وابن الله.
فإن ابن الله والروح القدس، لم يكونا سوى واحد قبل التجسد» (باردنهيفر: آباء الكنيسة، الترجمة الفرنسية، باريس 1898، الجزء الأول، ص94). وبمعنى آخر، فإن فكرة الثالوث، في نظر «باردنهيفر»، لم توضح كلياً إلا بعد التجسد، وبالتالي بعد أن تمجّدت إنسانية المخلّص بارتفاعها إلى مستوى الآب والروح القدس.
يذكر «الراعي» مراراً أن هناك ملاكاً هو، في الدرجة، أعلى من الملائكة الستة الكبار الذين يشكلون مجلس استشارة الله، وهذا الملاك يدعوه مرّة «المحترم» ومرّة أخرى «القديس» ومرّة ثالثة «الممجّد»، ولقد رأى فيه البعض «المسيح» (الرؤيا الخامسة، 2؛ الوصية الخامسة، 1، 7؛ المثل الخامس، 4، 4؛ 7، 1، 5). ولن هرماس يسمّيه «ميخائيل» (المثل السابع، 3،3). فهل هذا يعني أنه لا يفرّق بين ابن الله ورئيس الملائكة ميخائيل؟ ربما الأمر كذلك لأن «الراعي» يعتبر أن مهمة الاثنين هي إياها غالب الأحيان.
فهما (أعني ابن الله والملاك ميخائيل) مقلّدين بقوة الله نفسها بالنسبة إلى سلطتهما على شعب الله (المثل الخامس، 6؛ المثل الثامن، 3،3)، وهما اللذين يعلنان عن مصير المؤمنين (المثل الثامن، 3،3؛ المثل التاسع، 5، 2-7؛ 6، 3-6؛ 10، 4)، وهما اللذين يوكلان أمر الخطأة إلى ملاك التوبة لإصلاحهم (المثل الثامن، 2، 5؛ 4، 3؛ المثل التاسع، 7، 1-2). ولكن هذا التشابه بالرسالة وبالحالة لا يعني، حقيقة، أن الشخصين هما واحد.
فالملاك ميخائيل يسميه دائماً ملاكاً، بينما ابن الله ليس وحسب سيد الشعب (المثل الخامس، 5، 6، 4)، بل هو أيضاً سيد البرج ومالكه وربّه. إنه مطلق السلطة عليه (المثل التاسع، 5، 2، 6، 7؛ 7، 1). وبينما الملاك ميخائيل يضع الشريعة في قلب المؤمنين، يذكر «الراعي» أن هذه الشريعة هي «ابن الله» بذاته.
إذاً، رغم الغموض في مفردات «الراعي»، فإن التأكيد على سر الثالوث الأقدس وسر التجسد هو واضح جدا، وأن هرماس كان واعياً إلى هذا الأمر، لذلك شدّد على دور الآب والابن والروح القدس، وخصوصاً على دور الابن بعد التجسد. وإذا أردنا أن نفسر هذا الغموض، فربما الفكرة الوحيدة التي تعبّر عن ذلك هي أن اللغة الرؤيوية هي التي جعلتنا لا نرى الأمور بوضوح كما في التحديدات اللاهوتية التي نجدها عند آباء الكنيسة الذين كان همّهم توضيح الأمور بكل دقة ووعي.
ب/ الملائكة:
بالنسبة إلى الملائكة، فإن هرماس لا يتكلم عن طبيعتهم وهويتهم، ولكنه يشدّد على عددهم الكبير وعلى المهمات العديدة التي يأمرهم الله للقيام بها. وهو يقسمهم إلى قسمين: الملائكة القديسون الذين يسهرون على شعب الله وهم مستشاروه، أعني رؤساء الملائكة، والملائكة المرؤوسون الذين أوكل إليهم أمر الكنيسة (المثل الخامس، 5، 3).
هؤلاء الملائكة يبنون البرج الروحي بإدارة رؤساء الملائكة الممجدين (المثل التاسع، 6، 2). ورؤساء الملائكة يشكّلون مجلس الاستشارة لله ويسهرون على عبيده لكي يعملوا حسب إرادته ليرثوا الملكوت السماوي الذي هو مكافأة للصلّاح والمؤمنين (المثل الخامس، 6، 4-7).
أمّا مهمات الملائكة فهي: الحثّ على التوبة، والسهر على الإنسان لكي يعيش بخوف الله. وكما أن هناك الملاك الحارس (ملاك العدل) الذي يرشد إلى الخير، كذلك هناك الشيطان (ملاك الظلم) الذي يسعى لإبعاد الإنسان عنه تعالى: «هدف هذه الوصية تثقيفك في الإيمان ونمّوك في أعمال ملاك العدل. إنك إذا طبقت أعماله تحيا في الله.
كن واثقاً أن أعمال ملاك الظلم هي خاطئة وبتجنّبك لها تعيش لله» (الوصية السادسة، 2، 10). لذلك، على الإنسان أن يبعد عنه ملاك الظلم لكي لا يعيقه عن حفظ الوصايا ويمنع عنه الخلاص الذي يرجوه من الله. ولكن، رغم كل محاولات الشيطان (ملاك الظلم) ضد خدّام الله، فإن ملاك التوبة يسيطر عليه ويبعده عنهم: «عودوا أيها الذين يسلكون طريق الشيطان القاسية الوعرة ولا تخشوه لأنه ضعيف لا قوة له.
سأكون أنا ملاك التوبة معكم وأنا الذي سأسوده. الشيطان يثير المخاوف، إلا أن خوفه فارغ كليّاً. لا تخافوه فيبتعد عنكم» (الوصية الثانية عشرة، 4، 6-7). وهكذا، عندما يخذل هذا الشيطان أمام القلوب المليئة بالإيمان يفتش عن القلوب الفارغة ليسكن فيها: «كذلك الشيطان يجرّب عبيد الله، فمن كانت قلوبهم مليئة بالإيمان وقفوا بوجهه بقوة فارتدّ عنهم خائباً لأن قلوبهم مملوءة. لذلك يفتش عن القلب الذي يجد فيه فراغاً ليملأه فيدخله ويوجهه وفقاً لإرادته» (الوصية الثانية عشرة، 5، 4).
ج/ الكنيسة في كتاب الراعي لهرماس:
هرماس ليس واضحاً في كتاب «الراعي» عندما يتكلم عن تنظيم الكنيسة، لكنه يذكّر بدور الأسقف والشيوخ والمتقدّمين فيها عندما تطلب منه المرأة إعطاء الكتيّب إلى «كليمنضوس» لإرساله إلى المدن التي في الخارج: «اكتب كتيّبين، كتيّب إلى كليمنضوس وكتيّب إلى غرابتي. ويسمح لكليمنضوس أن يرسل ذلك إلى المدن التي في الخارج، وعلى غرابتي أن تنصح الأرامل والفقراء.
أمّا أنت فعليك أن تقرأ ذلك في هذه المدينة على الشيوخ ومتقدّمي الكنيسة» (الرؤيا الثانية، 4، 3). كذلك نراه يؤكد على أن الرسل والأساقفة والمعلمين والشمامسة هم الحجارة المربعة البيضاء في البرج الذي يمثل الكنيسة: «إليك ما تعنيه الحجارة التي دخلت البناء. الحجارة المربعة البيضاء المتشابهة كليّاً تمثل الرسل والأساقفة والمعلمين والشمامسة الذين سلكوا طريق الرب المقدس ورعوا وعلموا وخدموا بإخلاص وطهارة مختاري الله.
بعضهم مات وبعضهم لا يزال على قيد الحياة وكانوا دائماً على وفاق فيما بينهم، يسودهم السلام ويطيعون بعضهم بعضاً. لذلك تراهم في هذا البرج حجارة متلاحمة كليّاً وفي اتّساق عظيم» (الرؤيا الثالثة، 5، 1). وبعد ذلك نراه يشدّد على التفاهم بين أعضاء الكنيسة، وعلى عدم الشقاق، وعلى الثبات في الإيمان والمحبة: «أقول هذا الآن لمتقدّمي الكنيسة ولمتصدّري المجالس.
لا تكونوا كبائعي السموم الذين يحفظون سمومهم في علب، وعلبكم هي قلوبكم بأحقادكم وخبثكم. إنكم قساة عتاة لا تريدون أن تنقوا قلوبكم وتحققوا الدمج الكليّ لحكمتكم بنقاوة قلوبكم فتنالوا رحمة الملك العظيم. احذروا يا أبنائي أن تفقدكم شقاقاتكم حياتكم. كيف تريدون أنتم المختارين أن تنقوا أولئك الذين لا نقاوة فيهم؟ نقوا نفوسكم أولاً وتسالموا فيما بينكم حتى إذا ما وقفتم أمام الآب، أقف أنا بثبات أمامه لأقدم له مسردة الحساب عن جميعكم» (الرؤيا الثالثة، 9، 7-10).
وفي زمن كانت المواهب النبوية تزوّر، والأنبياء الكذبة يحاولون استغلال المؤمنين، نجده يشدّد على النبي الحقيقي الذي يُعرف من استقامة سيرته، ومن تواضعه، ومن حياته الروحية الصوفية، ومن رصانته وفطنته، ومن إعلانه الحقيقة أمام الجميع دون خوف ولا تراجع، ومن التزامه بكلام الرب الذي يوحيه إليه بواسطة الروح القدس: «قلت: كيف نميّز بين النبي الكاذب والنبي غير الكاذب؟
قال: من حياة المرء نستطيع أن نميّز النبي الكاذب والنبي الحقيقى. من كان فيه روح الله، فروح الله يأتي من فوق، يكون لطيفاً متواضعاً يهرب من الشر ومن الرغبات البطّالة ويجعل نفسه دون هذا الجيل.
لا يجيب على سؤال ولا يتكلم إلا علانية. الروح القدس لا يعطي وزناً لرغبات البشر ولا يتكلم إلا عندما يريد الله منه. عندما يدخل الإنسان الذي فيه روح الله إلى نجلس الصالحين المؤمنين بالله، يصلي المجلس فتتحرك روح النبوّة فيه ويملآه ويتكلم بملء إيمانه أمام الجميع كما يأمره الرب. بهذا نعرف النبوة الحقيقية من النبوة الكاذبة، ومن قوتها نعرف الألوهة الموحية» (الوصية الحادية عشرة، 7-10).
وباختصار، فإن الذي يشدّد عليه هرماس هو كنيسة القديسين الموحّدين بالله. ولقد حاول لمرّتين أن يشبهها بالبرج المبني على الماء، تلميحاً إلى شفافية العماد: هذا البرج الذي يضم القديسين الذين مات بعضهم وبقي البعض الآخر على هذه الأرض. فهم الحجارة المنتقاة البيضاء التي تمثل الرسل والأساقفة والمعلمين والشمامسة الذي عاشوا في القداسة وسلكوا طريق الرب ورعوا وعلموا وخدموا، بإخلاص وطهارة، مختاري الله (الرؤيا الثالثة). ومرّة ثانية (المثل التاسع) نرى البرج مبنياً على صخرة صلدة صامدة هي المسيح، باب الكنيسة.
والحجارة التي يُبنى فيها هذا البرج هي المعمّدون والخطأة والصديقون، وذلك لأن البناء يجب أن نبعد عنه كل حجر لا يجمّله ونسلمه إلى ملاك التوبة لكي يعيده إلى البرارة التي يريدها الله من مختاريه. وهذا الملاك هو وحده الذي يحم إذا كان المؤمنون قد أصبحوا أهلاً للبناء أم لا، بحيث أن الكنيسة يجب أن لا تضم إليها إلا الحجارة المصقولة البيضاء، أعني النفوس التي لها الفكر نفسه والعاطفة نفسها والإيمان نفسه والمحبة نفسها.
وهكذا، فعندما تصبح النفوس جميعها كاملة بالله تكون الكنيسة كاملة هي أيضاً، وتكون قد قامت بالمهمات الملقاة على عاتقها لخلاص البشرية جمعاء.
د/ العماد والحياة المسيحية في كتاب الراعي لهرماس:
يقول هرماس: «أريد أن أسألك أموراً أخرى. قال: ماذا تريد؟ قلت: لماذا أخرجت هذه الحجارة من الأعماق لتوضع في جدران البرج، ما دام الرجال الذين تمثلهم هذه الحجارة كانوا يحملون في ذواتهم هذه الأرواح؟ أجابني: كان عليهم أن يخرجوا من الماء لينالوا الحياة، ولم يكن بإمكانهم أن يدخلوا إلى الملكوت قبل أن يطرحوا الطبيعة الميتة لوجودهم الأول.
مع أن هؤلاء البشر كانوا أمواتاً فقبلوا ختم ابن الله ودخلوا الملكوت. وقد سبق وقال لي الراعي: الذين لا يحملون اسم ابن الله هم أموات، إلا أنهم عندما ينالون الختم يخلعون عنهم الموت ويلبسون الحياة. الختم هو ماء المعمودية. ننحدر أمواتاً إلى الماء ونصعد أحياء. هؤلاء سمعوا بالختم فاختتموا لكي يدخلوا إلى الملكوت» (المثل التاسع، 16، 1-4).
هذا النص يؤكد لنا على أن سر العماد يغفر جميع الخطايا السابقة، وهو ضروري ليصبح الإنسان في شراكة الكنيسة، وليساهم في بناء البرج المقدس. غير أنه من الضروري أيضاً أن يبقى الإنسان، بعد العماد، بدون خطيئة لأنه لا يجوز لمن غفرت خطاياه أن يخطئ من جديد. وبهذا المعنى يجيب «الراعي» هرماس عندما سأله: «أيمكنني يا سيدي أن أسألك سؤالاً آخر؟ قال: قل. قلت: سمعت بعض المعلمين يقولون إنه لا توبة إلا التوبة التي نلناها بعد المعمودية حيث نلنا مغفرة الخطايا. قال: صحيح ما سمعت وهذه هي الحقيقة بعينها.
لا يجوز لمن غفر له أن يخطئ، عليه أن يبقى في النقاوة» (الوصية الرابعة، 3، 1-2). فالعماد يمنح المعمّد قداسة ويجعله هيكل الروح القدس، شرط أن يحافظ على جسده نقياً، بلا دنس: «انتبه، احفظ جسدك نقياً بلا دنس حتى ينال شعادة الروح القدس القاطن فيه. احذر أن تأتيك الفكرة بأن جسدك فان ومعد للدمار، ولا تفسح المجال لتدنيسه لأنك إذا دنّست جسدك دنّست روحك، وإذا دنّست روحك فلن تحيا.
قلت: ما هو نصيب من فعل ما يدنس جسده قبل سماعه لهذه الكلمات؟ أيمكنه أن يخلص؟ اله هو الذي يشفي الخطايا الحاصلة عن جهل. انتبه الآن. الله الغفور يغفر لك خطاياك السابقة بشرط أن يبقى جسدك الآن بدون دنس. أنت ترى الاتصال الوثيق بين الجسد والروح. إنك إذا دنّست الجسد دنّست الروح، فإحفظهما نقيّين حتى تحيا لله» (المثل الخامس، 7، 1-4).
وأمّا عن الحياة المسيحية، فالإيمان ومخافة الله، وخصوصاً العفّة، هي الفضائل الأساسية للخلاص: «إليك ما تعنيه الأولى ذات الأيدي القوية. إنها تسمّى الإيمان. وبه يخلص مختاروا الله. والثانية المزنّرة ذات الهيئة الرجولية تسمّى العفّة، إنها ابنة الإيمان، ومن يتبعها تصبح حياته مغبطة لأنها تبعد كل الأفعال الشريرة. ومن يبتعد عن العمل الشرير يرث الحياة الأبدية» (الرؤيا الثالثة، 8، 3-4).
والعفّة، في نظر «الراعي»، تعني الامتناع عن كل الشرور وعمل الخير. والشرور التي يجب الامتناع عنها هي: الزنى، والفسق، والسكر، والكبرياء، والكذب، والشتم، والخبث، والرياء، والمكر، والسرقة، والغش، وشهادة الزور، والبخل، والشهوات غير المرتبة. وأن يكون الإنسان عفيفاً، فذلك يعني أن يعيش إيمانه بخوف الله، وأن يعيش المحبة والعدل والحقيقة والصبر، وأن يساعد الأرامل واليتامى والفقراء، ويكون مضيفاً للغرباء. هذه جميعها مفروضة على المسيحي ليكون مخلصاً، أو بالأحرى عليه أن يطبّق إيمانه بأعمال الخير وبالبعد عن جميع الشرور.
وفي حالة البرارة، التي ينالها الإنسان، من مجرّد قبوله سر العماد، يحصل على استحقاقات كثيرة إذا ما حفظ الوصايا، وتبع المشورات، وعاش الفضائل البطولية التي تحقق له مكافأة خاص من الله. إنه بذلك ينتقل من العبودية إلى البنوّة، والله يتبنّاه ويجعله وارثاً وشريكاً: «حافظ على وصايا الله لتصير مقبولاً عنده ومستحقاً لتكون من المسجلين في سجل حافظي وصاياه.
فإذا فعلت حسنة، علاوة على أوامر الله، فإنك تحقق مجداً عظيماً، وتكون ممجّداً عند الله حيث تدعى لتكون. إذا حافظت على وصاياه وأضفت إليها أعمالاً صالحةً بتطبيقك لها فإنك تحقق لنفسك الغبطة» (المثل الخامس، 3، 2-4).
وردّاً على هرماس الذي اعتبر أن إتباع الوصايا هو أمر صعب جداً يقول «الراعي»: ليس هناك من صعوبة إذا أراد الإنسان ذلك: «قلت: يا سيدي، إن هذه الوصايا عظيمة وصالحة وممجّدة ويمكنها أن تفرح القلب، قلب الإنسان الذي يستطيع أن يحافظ عليه. لكني لا أعتقد أن هناك من يستطيع أن يحافظ عليها لأنها صارمة جداً. أجابني قائلاً: إذا اعتقدت أنك تستطيع أن تحافظ فستحافظ ولن تكون صارمة بالنسبة لك.
أما إذا أهملتها ولم تحافظ عليها واعتقدت أنه يصعب على البشر أن يحافظوا عليها فلن تخلص لا أنت ولا أهل بيتك. بقولك إنك لا تستطيع أن تحافظ على الوصايا تدين نفسك وتحكم عليها حكماً قاطعاً» (الوصية الثانية عشرة، 3، 4-6). وعندما لفت هرماس «الراعي» إلى أن الشيطان يحارب الإنسان ويمنعه من إتباع الوصايا أجابه قائلاً: «قلت: أن الإنسان، يا سيدي، مستعد ليحافظ على وصايا الله ويطيعها، إلا أن الشيطان قاس ويتغلّب على الإنسان.
قال: إنه لا يستطيع أن يتغلّب على عبيد الله الذين يؤمنون من أعماق قلوبهم. الشيطان يجيد الصراع لكنه لا يغلب إذا صمدتم في وجهه بل يندحر ويهرب خجلاً. الأشخاص الفارغون هم الذين يخافون الشيطان كقوي» (الوصية الثانية عشرة، 5، 1-2).
وهكذا، باختصار، فإن العماد، بعد أن يغفر الخطايا، يعطي الإنسان قوة ليحارب الشيطان ولينتصر عليه، وليعيش بخوف الله، بعيداً عن كل الشرور، محققاً خلاصه الأبدي، شرط أن لا يعود إلى الخطيئة ثانية.
هـ/ التوبة والخلاص الأبدي في كتاب الراعي لهرماس:
السؤال المطروح الآن هو التالي: كيف بإمكاننا أن نحافظ على وسم العماد، ونعيش العفة في الحقيقة، ونصل إلى الكمال الذي دعانا إليه الله، والضعف البشري يجعلنا عرضةً للسقوط في الخطيئة كل لحظة؟ وهل المسيحي الذي يسقط، من جديد، في الخطيئة، بإمكانه أن يخلص؟ هناك رأيان متناقضان في ذلك: رأي الغنوصيين المتساهلين، ورأي المتشددين المبالغين. فالغنوصيين يعتبرون أن كل خطيئة مقترفة، بعد العماد، غير مهمة بحيث أنهم لا يتركون عبيد الله يتوبون توبة حقيقية.
وهذا ما يذكرّ به «الراعي» في المثل الثامن، 6، 5، قائلاً: «أمّا الذين سلموا أغصانهم يابسة ولم ينخرها السوس، هؤلاء يشبهون الأول. ‘نهم مراؤون، يحملون تعاليم غريبة ويضللون عبيد الله، وخصوصاً الخطأة. إنهم لا يتركونهم يتوبون ويعملون لإقناعهم بتعاليمهم البطالة السطحية، مع أن مجال التوبة مفتوح أمام هؤلاء». وأما المتشدّدون المبالغون، فلقد بشرّوا بتقشّف متطرّف، وفرضوا تصوفاً كاملاً في الحياة المسيحية، وعفة مطلقة في كل شيء.
ولكن هرماس طالب بحلّ إنساني إذ قبل بإمكانية مغفرة الخطايا بعد العماد، وبالتالي بالعودة إلى حالة البرارة بعد التوبة. وبهذا المعنى يقول: «بعد أن أنهى الراعي تفسير معاني الأغصان كلها قال لي: اذهب وقل لجميع الخطأة أن توبوا ليحيوا في الله لأن الرب، لرأفته بالجميع، يوزع التوبة على الجميع حتى لو كان البعض لا يستحقونها بسبب أعمالهم فالله طويل الأناة يريد أن يحقق دعوة ابنه للخلاص» (المثل الثامن، 11، 1).
وفي موضع آخر يقول: «المعمودية تغفر الخطايا، والمخلص وضع التوبة للذين آمنوا قبل هذه الأيام لأنه هو العارف خفايا القلوب والمالئ الكل رأى الضعف البشري ورأى أحابيل الشيطان والشباك التي يحاول أن يوقع فيها خليقته، لذا تحنن برحمته وأوجد التوبة وأعطيت لي سلطتها» (الوصية الرابعة، 3، 4-6).
إذاً، الله وحده يشفي الخاطئ. ولكن كيف؟ بواسطة التوبة (Metanoia). فبمقابل الإرادة الإلهية التي تريد خلاص المعمّدين، وبمقابل رحمة الله المستعد دائماً لغفران الخطايا وللشفاء منها، على الخاطئ أن يتجاوب بتوبة نصوح وعميقة. وهنا، كما يؤكد هرماس، التوبة لا تعني سر التوبة بالمفهوم الكنسي القانوني، ولكن المقصود هي فضيلة التوبة وممارستها، أعني تغيير حالة النفس، أو بالأحرى تجديد داخلي، خلقي ومسلكي، وحتى تجديد بالأفكار وبالعواطف والعادات على شكل ارتداد أو انقلاب داخلي.
بهذا المعنى يقول: «إني أعطي الوعي للتائبين لأني أنا لهم. ألا تعتقد أن عملية التوبة هي عملية إدراك؟ إن التوبة هي عملية حكمة عظيمة. إن الخاطئ يتعقّل عندما يدرك أنه فعل شراً أمام الله، فيذكر العمل الشرير الذي صعد إلى قلبه ويتوب ويمتنع عن عمل الشر، وليس هذا فقط بل يفعل الخير ويضع نفسه ويعذبها لأنها أخطأت. أرأيت أن التوبة هي عملية إدراك عظيمة؟» (الوصية الرابعة، 2، 2).
هذه التوبة تطبّق على جميع الخطايا دون تمييز، وحتى على الخطايا المحفوظة مثل الكفر والزنى والقتل (الوصية الرابعة، 1، 7؛ المثل التاسع، 26، 5). فالامرأة الزانية، مثلاً، على زوجها أن يقبلها إذا تابت بعد أن تعترف بخطيئتها، والكفرة كذلك إذا لم يكن كفرانهم إلا بالكلام وحسب، وليس بارتداد القلب إلى الشر. وهذه التوبة، إذا كانت تطال جميع الخطايا، لكنها لا تطال جميع الخطأة.
إنها تطال المسيحيين القدامى وليس المسيحيين الذين تعمّدوا أو الذين سيتعمّدون. فالمسيحي الذي يسقط في الخطيئة بعد العماد يُبعد عن الجماعة ويكون في حالة انفصال عن الكنيسة. والكنيسة تفرض عليه كفّارات عديدة لأنها تعتبر أن العماد أدخله في جماعة القديسين وعليه أن يبقى قوياً، ولا يخطأ، بنعمة الله التي تسهر عليه.
من هنا، فالتوبة يجب أن تكون مخلصة وصادقة، والله يعطي حينئذٍ الغفران الكامل، الذي هو نعمة خاصة، للذين طهّروا نفوسهم وقلوبهم، بينما الخبثاء والكفرة المتمسكون بكفرهم يرفضهم ويبعدهم عن البرج الذي هو كنيسته. وبهذا المعنى يقول هرماس «عندما أنهى الراعي فحص كل الأغصان قال لي: لقد أريتك هذه الشجرة المحبة للحياة. أرأيت كم هم التائبون والمخلصون؟ قلت: إني أرى يا سيد.
قال الراعي: إن الله أعطى روح التوبة لمستحقيها حتى تدرك عظمة رحمته. قلت: لماذا لم يتب الجميع؟ قال: إن الله يعطي روح التوبة للقلوب التي يجب أن تتنقّى وتتطّهر، أما القلوب التي يملؤها الخبث فإن توبتها تكون توبة مرائية، ولن يعطيها روح التوبة لئلا تهين اسمه» (المثل الثامن، 6، 1-2).
وباختصار، فالكنيسة يجب أن تكون جماعة القديسين، وهي تؤمن وتعتقد أنه بإمكان كل مسيحي أن يحافظ على براءة العماد دون خطيئة، رغم أنها أيضاً تعرف مدى الضعف البشري. لذلك تقدّم للخاطئ وسيلة خلاص بعد هذا العماد إذا أخطأ من جديد، ولكن لمرّة واحدة. وبذلك يكون سر التوبة القانوني معطى بعد عيش روح التوبة الحقيقية. كل ذلك لأن رحمة الله وغفرانه هما المحرك الأساسي في قلب جماعة المسيح التي هي كنيسته على الأرض.
و/ الزواج في كتاب الراعي لهرماس:
بالنسبة إلى الزواج المسيحي، فإن عدم فسخه يؤكد عليه هرماس مراراً في كتاب «الراعي»، وحتى في حالة الزنى، كما أن الزواج الثاني بعد موت أحد الشريكين هو مسموح، بعكس ما بشّر به المتزمّتون في بعض البدع. ونعرض هنا الصعوبات والمشاكل التي طرحها هرماس والتي أجاب عليها «الراعي» بوضوح:
أولاً: هل يخطئ الزوج الذي يعيش مع امرأته الزانية؟ يجيب الراعي: كلا إذا كان يجهل ذلك. وأمّا إذا عرف بزناها وبقي معها فإنه كمن يشاركها بذلك: «قلت: اسمح لي يا سيدي أن أوجّه لك بعض الأسئلة. قال: قل. فقلت: يا سيدي، إذا كان لرجل زوجة وكان يعتقد أنها مخلصة ثم تبيّن له أنها تزني أيخطئ إن استمر عائشاً معها؟ أجاب: إذا عاش معها وكان لا يدري بأنها تخطئ فإنه لا يخطئ، أمّا إذا اكتشف أنها تزني ورفضت أن تتوب وثابر على العيش معها فإنه يخطئ ويشترك معها في الزنى.
قلت: ماذا يجب أن يفعل الزوج إذاً؟ أجاب: عليه أن يتركها وأن يعيش وحيداً، أمّا إذا تزوج ثانية بعد ترك زوجته فإنه يزني» (الوصية الرابعة، 1، 4-6).
ثانياً: إذا ندمت الإمرأة الزانية، بعد أن يكون تركها زوجها، فهل يعود إليها ويقبلها؟ يجيب الراعي: نعم يجب أن يقبلها إذا تابت، وإلا ارتكب خطيئة، وعليه تحمّل المسؤولية: «قلت: وإذا تابت المرأة بعد تركه لها، وأرادت أن تعود إلى زوجها، ألا يجب أن يقبلها؟ قال: لا شك.
قلت: وإذا رفض قبولها؟ قال: إنه يرتكب خطيئة ويتحمّل مسؤولية كبرى لأنه يجب أن يقبل التائب لمرّة واحدة لا لأكثر، لذلك لا يجوز لرجل أن يتزوج مرة أخرى، وكذلك المرأة» (الوصية الرابعة، 1، 7-8).
ثالثاً: وهل ما هو متوجب على الرجل بالنسبة لامرأته هو نفسه متوجب على المرأة؟ يجيب الراعي: الأمر نفسه يطبق على الرجل الذي يزني كما على المرأة: «لا يزني المرء إذا دنس جسده فقط، بل إذا تصرّف كما تتصرّف الأمم أيضاً. إذا ثابر أحدهم على ذلك ولم يقبل أن يتوب فابتعد عنه ولا تعاشره، وإلا تكون شريكاً في خطيئته. لذلك يمنع الرجل والمرأة من الزواج الثاني لأن المنع يفسح المجال للتوبة.
قال: إني لا أسهل مثل هذه الأعمال. هدفي هو منع الخاطئ عن الخطيئة. من أخطأ سابقاً فهناك من يستطيع شفاءه. يشفيه المالك القدرة لفعل كل شيء» (الوصية الرابعة، 1، 9-11).
رابعاً: أمّا إذا مات أحد الزوجين، فهل يخطئ الزوج الحيّ إذا تزوج مرة ثانية؟ يجيب الراعي: كلا، لكن يحوز على شرف عظيم ويكرّم المخلص إذا حافظ على عفته: «ثم سألته قائلاً: ما دمت يا سيدي قد احتملت أسئلتي فاسمح لي أن أسألك هذه المرة أيضاً. لو فرضنا يا سيدي أن الزوجة قد توفيت أو بالعكس، أيجوز لأحدهما أن يتزوج؟ وهل يخطئ إذا فعل ذلك؟ قال: كلا لا يخطئ، ولكن إذا بقي بدون زواج فإنه يحوز على شرف عظيم ويكرّم المخلص.
حافظ إذاً على العفة والشرف فتحيا في الله. حافظ من الآن على كل ما قلته وسأقوله لك. حافظ على ذلك من تاريخ استلامي لك ودخولي إلى بيتك. إذا حفظت وصاياي فخطاياك السابقة تغفر لك، لا بل كل خطايا الآخرين تغفر لهم إذا حافظوا على هذه الوصايا وسلكوا طريق العفة» (الوصية الرابعة، 4، 1-4).
وهكذا، باختصار، فإن الزاني تغفر خطيئته لمرة واحدة، والزواج الثاني بعد موت أحد الشريكين ليس خطأً، لكن الحفاظ على العفة هو شرف عظيم وتكريم للمخلص.
الخلاصة
من كل ما تقدّم يمكننا اختصار تعليم هرماس في «الراعي» بأنه تعليم أدبي، أخلاقي، روحي. فالهمّ الأساسي الذي كان يشغل المؤلف هو حثّ المؤمنين على العيش بالتزام وبإخلاص للعقيدة التي اعتنقوها في زمن كانت فيه الكنيسة تتنفس الصعداء بعد الاضطهادات التي توالت وقبل الاضطهادات التي ستلي، بحيث أن الرخاء القليل الذي حصلت عليه جعل الكثيرين من أبنائها يفترون في إيمانهم، ويصبحون منهمكين بشؤونهم الزمنية، الأمر الذي تطلّب تذكيراً بجوهر الروح المسيحية.
فالمسيحي الحقيقي ليس ذلك الذي حفظ الوصايا وحسب، بل أيضاً ذلك الذي يقوم بأعمال صالحة ليحقق لنفسه الغبطة. وبهذا المعنى يقول في المثل الخامس: «فإذا فعلت حسنة علاوة على أوامر الله فإنك تحقق مجداً عظيماً وتكون ممجداً عند الله حيث تدعى لتكون. وإذا حافظت على وصاياه وأضفت إليها أعمالاً صالحةً بتطبيقك لها فإنك تحقق لنفسك الغبطة» (المثل الخامس، 3، 3).
غير أن هرماس لم يكن ذلك اللاهوتي البارع، على حدّ قول اللاهوتي «باردي» (Bardy) في كتابه «لاهوت الكنيسة من القديس كليمنضوس الروماني إلى القديس ايريناوس»، باريس 1945، ص 141. لذلك نراه في حيرة كبرى عندما يتكلم عن التجسّد. فاسم «يسوع» مثلاً، واسم «المسيح» لا يأتي على ذكرهما إلا قليلاً.
هو يتكلم عن ابن الله، أو عن الابن الحبيب، ولكن ابن الله هذا يتطابق. والروح القدس. وبهذا المعنى يقول: «الحقل هو العالم، وسيد الحقل هو خالق الكل ومجهزّه ومقوّيه، وأمّا الابن فهو الروح القدس، وأما العبد فهو ابن الله» (المثل الخامس، 5، 1). كذلك نراه أيضاً يجعل من الملاك ميخائيل، الملاك العظيم والممجّد، ابن الله ورئيس الملائكة.
في حالة كهذه، ماذا يمكننا القول عن كتاب لاهوته غير واضح؟ الجواب هو التالي:
أولاً: إن الالتباس بين «ابن الله» و«الروح القدس» كان منتشراً في ذلك العصر. وهذا ما بيّنه اللاهوتي «جان دانييلو» (Jean Danielou) في كتابه «تاريخ المعتقدات المسيحية قبل مجمع نيقيا»، تورنه – باريس، 1958 – 1961. فالعقيدة لم تحدّد كليّاً إلا في ذلك المجمع.
ثانياً: إن اللاهوتيين كانوا غارقين في التفاسير أكثر منه في التحديدات. وهرماس كان من هؤلاء الذين كانوا يشدّدون على الحياة الأخلاقية والمسلكية أكثر منه على التحديدات اللاهوتية. وبهذا المعنى يقول اللاهوتي «جولي» (Joly) في مقدمته لكتاب «الراعي»: «إنه الكاتب الأخلاقي الذي يلفت الانتباه. فهرماس أراد أن يكون كاتباً أخلاقياً، ولم يؤكد مرة واحدة على أنه لاهوتي بحصر المعنى» (هرماس: الراعي، المقدمة، 33).
من هنا يمكننا استنتاج ما يلي: إن الجهد الإنساني، في نظر هرماس، يجب أن يشدّد على الحفاظ على روح الله الموجود فينا. ومخافة الله، التي يتكلم عنها دائماً، هي مفتاح ذلك. والمحافظة على الوصايا لا تكفي، بل علينا أن نضيف إليها أعمالاً صالحةً. فالأعمال الصالحة هي واجبة وضرورية للخلاص كما الالتزام بالتعليم الإلهي. وكل عمل لا يكون خاضعاً لإرادة الله هو عمل ناقص، وربما يحمل إلينا العقاب بدل الجزاء الحسن.
لذلك، على المسيحي أن يسير بخطى الله وبوحيه كما تعلّم الكتب المقدسة، وكما تعلّم الكنيسة الجامعة التي تجسّد تعليمه وتسهر عليه، خدمة للنفوس، وتمجيداً لله. وكل ما جاء في الرؤى والوصايا والأمثال شاهد على ذلك.
كتاب الراعي لهرماس – كتابات الآباء الرسوليون – بحث
يسوع المسيح له أسماء الله وألقابه، فهل تؤمن بلاهوته؟
يسوع المسيح له أسماء الله وألقابه، فهل تؤمن بلاهوته؟
إن اقوى دليل على ألوهية المسيح هو ما أثار سخط معاصريه أنفسهم. فقد اتخذ لنفسه كل الأسماء والألقاب التي ينسبها العهد القديم لله، وسمح للآخرين ايضاً أن يدعوه بنفس الأسماء والألقاب. وعندما أطلق يسوع على نفسه الأسماء الخاصة بالذات الإلهية، غضب رؤساء اليهود لدرجة أنهم حاولوا قتله بتهمة التجديف. ولم يكن للسلطات اليهودية أي شك فيما رمى إليه المسيح؛ فقد فهموا أن هذا المعلِّم الجليلي يدّعي أنه الله العلي. ويمكن للمرء أن يعترض هنا قائلاً بأن اتخاذ يسوع لهذه الألقاب الإلهية لم يجعله واحداً مع الله او الله نفسه.
كفقد يكون لعدة أشخاص نفس الاسم أو اللقب. وقد يكون ((فوزي)) مثلاً رجلاً وزوجاً وصديقاً ومساعداً لمدير المبيعات في نفس الوقت، غير أن بعض الأسماء والألقاب مقصورة على شخص واحد فقط. فمثلاً لا يمكن أن يكون هناك في نفس الوقت إلا رئيس واحد للولايات المتحدة الأمريكية. وهناك كثير من الأسماء والألقاب التي يطلقها الكتاب المقدس على يسوع من النوع الذي لا يحق إلا لشخص واحد ان يدعيه لنفسه-وهو الله.
يهوه
اتخذ يسوع لنفسه اسماً من أسماء الله يوفِّره اليهود أكثر من غيره، ويعتبرونه مقدساً لدرجة لا يجرؤ معها اليهودي على النطق به. ألا وهو يهوه. والاسم “أهيه” ليس نفس الاسم “يهوه” غير أنه مشتق من صيغة الفعل “يكون” الذي يشتق منه ايضاً اسم “يهوه” في خروج 3: 15، وهكذا فإن لقب “أهيه” الذي أهيه الذي كشفه الله لموسى تعبير أشمل عن كينونته الأبدية، اختُّصِر في العدد 15 إلى الاسم الإلهي “يهوه”. وفي الترجمة السبعينية، وهي الترجمة اليونانية للعهد القديم العبري. تُرجم أول استخدام لتعبير أتيه في خروج 3: 14 إلى ego eimi. كانت اللغة اليونانية هي لغة الحديث في زمن يسوع وهي اللغة التي كُتب بها العهد الجديد.
وقد كشف الله لشعبه معنى هذا الاسم في الأصحاح الثالث من الخروج؛ فعندما سأل موسى الله بأي اسم يدعوه أجاب الرب “أهيه الذي أهيه”. وقال: “هكذا تقول لبني إسرائيل أهيه الذي ارسلني اليكم” (خروج 3 :13، 14). وهكذا فقد كانت الصيغة التوكيدية لأهيه ego eimi في اللغة اليونانية في زمن يسوع معادلة لكلمة يهوه العبرية. واعتماداً على السياق فإنها يمكن أن تكون طريقة توكيدية لقول” أنا هو”(كما في يوحنا 9: 9). او يمكن أن تكون أسم لله نفسه. أهيه الأبدي.
استخدم يسوع تعبير ego eimi عدة مرات عن نفسه بطريقة لا تليق إلا بالله. وأوضح مثال لذلك هو عندما قال اليهود ليسوع “ليس لك خمسون سنة بعد. أفرأيت إبراهيم؟ ” قال يسوع لهم” الحق الحق اقول لكم. قبل أن يكون إبراهيم “انا كائن” ego eimi. فرفعوا حجارة ليرجموه (يوحنا 8: 57، 59).
لقد سعى اليهود إلى قتله لأنهم فهموا ادعاءه الألوهية، فالعهد القديم كان واضحاً في هذا الأمر. إذ كان عقاب التجديف هو الرجم حتى الموت (لاويين 24: 16).
أتخذ يسوع لنفسه هذا اللقب في مواضع أخرى، فقد صرّح في موضع سابق من نفس الأصحاح “إن لم تؤمنوا أني أنا هو ego eimi تموتون في خطاياكم” (يوحنا 8: 24). ولا تظهر كلمة هو في النص اليوناني، حيث جاءت كالتالي؛ “إن لم تؤمنوا أني انا تموتون في خطاياكم”. كما قال لليهود: “متى رفعتم أبن الإنسان. فحينئذ تفهمون أني أنا هو ego eimi” ومرة أخرى فإن النص اليوناني الأصلي لا يحتوي على كلمة هو.
لقد أكد يسوع باستمرار ألوهيته. فعندما جاء حراس الهيكل مع الجنود الرومانيين ليقبضوا عليه في الليلة السابقة لصلبه سألهم يسوع “من تطلبون؟ أجابوه يسوع الناصري. فقال لهم يسوع أنا هو ego eimi… فلما قال لهم إني أنا هو رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض” (يوحنا 18: 14، 16). إذ لم يتمكنوا من الصمود أمام قوة تصريحه عن نفسه. وقوة شخصه.
لم يجد كُتّاب العهد الجديد الذين اقتنعوا بأن يسوع المسيح هو الله أية مشكلة في أن ينسبوا ليسوع كل فقرات العهد القديم التي تشير إلى يهوه.
ففي بداية أنجيله يستشهد مرقس بإشارة إشعياء إلى الله “صوت صارخ في البرية أعدوا طريق الرب (يهوه) قوّموا في القفر سبيلاً لإلهنا” (اشعياء 40: 3). ولقد فسر مرقس هذه الفقرة على أنها نبوءة تحققت في يوحنا المعمذان الذي يُعّد الطريق ليسوع (مرقس1: 2-4: قارن مع يوحنا1: 23).
كما استشهد بولس بيوئيل 2: 32 “ويكون أن كل مَنْ يدعو بإسم الرب ينجو.” وطبّق بولس هذا القول على الرب يسوع عندما قال “لأن كل مَنْ يدعو باسم الرب يخلص” (رومية 10: 13).
كذلك استشهد بطرس بنفس العدد في أعمال 2: 21 “ويكون كل مَنْ يدعو باسم الرب يخلُص”. ثم عندما سأله الناس ماذا ينبغي أن يفعلوا حتى يخلُصوا وأجابهم: “توبوا وليعتمد كل واحد منكم على أسم يسوع المسيح” (أعمال 2: 38). فبعد أن ذكر بطرس أن الدعوة باسم الرب (أي الاعتماد عليه) شرط لازم تُسبق للخلاص. قال لهم إنه عليهم أن يعتمدوا باسم يسوع المسيح. ولو لن يكن بطرس يعتبر أن يسوع المسيح هو الله. لتوقعنا منه أن يعتمدوا بأسم يهوه. وهو الأمر الذي يتمشى مع الإيمان اليهودي. والممارسات اليهودية.
وما يفوق حقيقة إعطاء التلاميذ هذه الصفة ليسوع أهمية هو أن أعداءه أدركوا أنه يقول إنه الله. ومن المعروف أن شاهد الإدعاء هو دائماً دليل قوي في آية محكمة. فمثلاً قال يسوع:
“أنا والآب واحد. فتناول اليهود أيضاً حجارة ليرجموه. أجابهم يسوع: أعمالاً كثيرة حسنة أريتكم من عند أبي. بسبب أي منها ترجمونني؟ أجابه اليهود قائلين: لسنا نرجمك لأجل عمل حسن بل لأجل تجديف، فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهاً (الله)” (يوحنا ١٠: ٣٠-٣٣)
لم يساور قادة اليهود أي شك في أن يسوع جعل نفسه الله. ولم يجعل نفسه أقل من ذلك. وهكذا فإن الاتهام الرئيسي الذي ركّز عليه أعداؤه لم يكن حول هُويته التي ادعاها لنفسه، أي الوهيته.
الله
الكلمة اليونانية المستخدمة مئات المرات في العهد الجديد للدلالة على الله هي كلمة” ثيوس” (وهي تقابل إلوهيم العبرية في العهد القديم). ويدعى يسوع بهذا الاسم تمييزاً له عن الآلهة الزائفة في عدة مواضع.
وتناقض النظرة الكتابية اليهودية / المسيحية لله الواحد النظرة الهندوسية والبوذية. فالهندوسية تنظر إلى ذات الإنسان الحقيقية على أنها واحدة مع الحقيقة المطلقة. وليست هناك مشكلة بالنسبة لمعظم رجال الدين الهندوسي في أن يقولوا” أنا الله”، وفي تعليم الآلاف من تابعيهم يقولون نفس الشيء. ومن الواضح أن الإنسان الذي يعتقد أنه داخلياً الله بالفعل، لا يحتاج إلى أن يطلب الله بالمعنى المسيحي لهذه الكلمة، ولا إلى قبول مخلِّص شخصي. وهذا لا ينطبق على العهد الجديد قي إطاره اليهودي التوحيدي الذي يرسم خطوطاً واضحة فاصلة بين الله وخليقته. فمن الناحية الحضارية الثقافية، ما كان يمكن أن يُدعى يسوع باسم الله ما لم يكن معتبراً” الله الوحيد”(تثنية ٦: ٤)؛ لأنه لا توجد آلهة أخرى بحسب الاعتقاد اليهودي.
كتب سي. إس. لويس:
” تقول إحدى محاولات إنكار لاهوت المسيح بأن يسوع لم يقل في حقيقة الأمر كل هذه الأشياء عن نفسه، لكن أتباعه بالغوا في القصة، وهكذا تطورت الأسطورة بأنه أطلق هذه التصريحات. ويصعب علينا تصديق هذا التفسير لأن كل أتباعه كانوا يهوداً، أي إنهم انتموا للأمة التي تؤمن إيماناً مطلقاً -أكثر من أية أمة أخرى -بأنه ليس هناك إلا إله واحد وبأنه لا يمكن أن يوجد إله آخر. ومن الغريب جداً أن تظهر مثل هذه البدعة الشنيعة بين آخر شعب من بين كل الشعوب يُحتمل فيه ارتكاب مثل هذا الخطأ. بل على العكس من ذلك، فإنه يتكون لدينا الانطباع، ونحن نقرأ الإنجيل، أنه لم يكن من أتباعه المباشرين أو حتى كُتّاب العهد الجديد من اعتنق هذه العقيدة بسهولة مطلقة. “
الله يقف دائماً منفصلاً عن خليقته فليس البشر امتداداً لله. وفيما يلي أحد عشرة مثالاً لمواضع في العهد الجديد يُدعى فيها يسوع” الله”.
(١) في الإصحاح الأول من الرسالة إلى العبرانيين عدد ٨ الذي يُظهر تفوق المسيح على الملائكة والأنبياء، تقول كلمة الله:” وأما عن الابن (يقول الله) كرسيك يا الله (ثيوس) إلى دهر الدهور”. إن هذا الشاهد الكتابي يستشهد استشهاداً مباشراً بمزمور ٤٥: ٦-٧ حيث يخاطب الله” الآب “الله” الابن”، وهي ترجمة صحيحة للنص اليوناني.
(٢) دعا بطرس المسيح” الله”(ثيوس)، حيث كتب” سمعان بطرس عبد يسوع المسيح ورسوله إلى الذين نالوا معنا إيماناً ثميناً مساوياً لنا ببر إلهنا (ثيوس) والمخلص (الذي هو مخلصنا) يسوع المسيح” (٢بطرس ١: ١). واسم يسوع المسيح مُستخدم هنا لغوياً كبدل من الله والمخلص حسب النص اليوناني (ويمكن استخدام البدل في اللغة اليونانية كشرح لاسم سابق أو كمساوٍ له). وذلك بحسب قاعدة Granville Sharpe في اليونانية. أما حرف العطف” و”(Kai في اليونانية) فيربط الاسمين بدون أي أنفصام؛ وهذا يعني أن البدل (الكلمة التي تعطي اسماً جديداً للأسم السابق) يسوع المسيح يعود بالضرورة على كل من “الله”و”المخلص” أي إن يسوع المسيح هو إلهنا ومخلّصنا.
ويؤكد المتخصصون في قواعد اللغة اليونانية أن شخصاً واحداً فقط هو المقصود يقوله إلهنا و”المخلص” لا شخصين. يقول “واينر شميدل”في كتابه قواعد اللغة اليونانية (ص 158): تفرض القواعد فرضاً أن المقصود هو شخص واحد فقط. ويصرّح “أي. تي. روبرستون” في مؤلفه “صورة لفظية في العهد الجديد” (المجلد السادس ص 147) “شخص واحد لا شخصان.” (قارن هذا مع ما يقوله “مولتون” في مؤلفه “قواعد العهد الجديد” المجلد الثالث ص 181. و”دانا وماني”في كتابهما “دليل قواعد اللغة اليونانية” ص 147). فهم يتفقون جميعاً بأن يسوع المسيح هو الله والمخّلص. أي الله المخلصّ.
(3) أستخدم بولس نفس قاعدة Granville Sharpe عندما طلب من تيطس أن ينتظر ظهور مجد الله العظيم ومُخلّصنا يسوع المسيح (تيطس 2: 13).
(4) قال توما الذي شك في قيامة يسوع “إن لم أبصر في يديه أثر المسامير… وأضع يدي في جنبه، لا أومن” (يوحنا 20: 25). وعندما ظهر يسوع لتوما قال له: “هات اصبعك إلى هنا وأبصر يدّي، وهات يدك وضعها في جنبي، ولا تكن غير مؤمن بل مؤمناً”. أجاب توما وقال له: “ربي وإلهي”(يوحنا 20: 27 ،28). ليس هناك شك في أن كلمات توما كانت موجهة إلى يسوع. وقد استخدم توما كلا اللقبين للعبير عن فهمه لألوهية المسيح وربوبيته. لم يوّبخ يسوع توما على تجديف قام به. وإنما قبِل اللقبين الدالين على ألوهيته. (عدد 29)
(5) يقول أعمال 2: 36 “الله جعل يسوع… رباً ومسيحاً” ويعَزّز العدد 39 عن الله على أنه الرب إلهنا. ويتتي أعمال 10: 36 هذه النقطة فيقول إن “يسوع المسيح هذا هو رب الكل”.
(٦) يشير أعمال ١٦: ٣١، ٣٤ إلى الإيمان بالرب يسوع والإيمان بالله.
(٧) تقول رؤيا ٧: ١٠-١٢، ١٧” وهم يصرخون بصوت عظيم قائلين”: الخلاص لإلهنا الجالس على العرش وللخروف، وجميع الملائكة كانوا واقفين حول العرش، والشيوخ والحيوانات الأربعة وخروا أمام العرش على وجوههم وسجدوا لله قائلين: آمين! البركة والمجد والحكمة والشكر والكرامة والقدرة والقوة لإلهنا إلى أبد الآبدين. آمين… لأن الخروف الذي في وسط العرش يرعاهم ويقتادهم إلى ينابيع ماء حية (ماء الحياة) ويمسح الله كل دمعة من عيونهم”. لاحظ في العدد العاشر أن الله هو الذي يجلس على العرش، وأن الخروف يسوع هو الذي يجلس وسط العرش في العدد ١٧. فمٓن هو الذي في وسط العرش؟ فإذا قلنا إن يسوع يجلس في وسط العرش مع إنكارنا لألوهيته فإن معنى هذا إننا نُجرد الله من مكانه الأبدي في السماء، وهو ادعاء لا يمكن الدفاع عنه.
(٨) يتحدث أعمال الرسل ١٨: ٢٥ عن طريق الرب، وهو نفس الطريق الموجود في العدد ٢٦ الذي يليه. غير أن الكلمة المستخدمة في العدد ٢٦ في الأصل اليوناني هي” الله”.
(٩) هناك اسم آخر للمسيح المنتظر وهو عمانوئيل (إشعياء ٧: ١٤)، المترجم حرفياً إلى” الله معنا”. وينسب هذا اللقب بكل وضوح في متى ١: ٢٣ إلى يسوع” هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً، ويُدعى اسمه عمانوئيل الذي تفسيره:” الله معنا”.
(١٠) يقول إشعياء ٩: ٦” لأنه يولد لنا ونعطى ابناً، وتكون الرياسة على كتفه، ويدعى اسمه عجيباً مشيراً، إلهاً قديراً (الله القدير)، أباً أبدياٌ، رئيس السلام”. تشير هذه النبوءة المختصة بيسوع -المسيّا-إلى أن أحد أسمائه سوف يكون (الله القدير)، وفي العبرية El Gibbor وهو نفس التعبير المستخدم عن يهوه في إشعياء ١٠: ٢١. ما نقصده هو أن الروح القدس ميّز يسوع بمثل هذه الأسماء؛ ولو لم يكن مقصوداً لهذه الأسماء أن تعبّر عن طبيعة الطفل المولود لكان ذلك خداعاً. وتعبير” يدعى اسمه”معناه أن هذه هي طبيعته وهذا هو شخصه، لأن هذا ما يعنيه اسمه دون أن يكون للطفل المولود الطبيعة التي يدل عليها هذا الاسم.
يقول” هيربيرت سي. ليوبولد”: هذه هي الطبيعة التي سوف يتمتع بها الطفل المولود، فهو يُدعى بهذه الأسماء لأنه في حقيقة الأمر يتمتع بنفس الطبيعة التي يدل عليها اسمه. ” فلو لم يكن يسوع هو الله القدير، لن يكون هو” مشيراً عجيباً “أو ” رئيس السلام”، ولو لم تكن هذه كلها تنطبق عليه فلماذا يُدعى بها أصلاً؟ لماذا يخبرنا عن معنى الاسم لو لم تكن له علاقة به؟ لكن المسيا المنتظر، كما توضح بقية نصوص سفر إشعياء والعهد الجديد،” مشير عجيب ورئيس السلام”(إشعياء ٤٢، ٤٩؛ قارن زكريا ٩: ٩، ١٠؛ ميخا ٥: ٤). وهو أيضاً الله القدير كما يبرهن العهد الجديد (يوحنا ١: ١، تيطس ٢: ١٣).
(١١) يقول يوحنا ١: ١، ١٤ “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله (ثيوس) والكلمة صار جسداً وحل بيننا”. لا توجد فقرة أكثر شيوعاً في الإستخدام، أو أكثر إثارة للجدل حول ألوهية المسيح من يوحنا ١: ١، ولا شك في أن الكلمة تشير إلى يسوع؛ لأن العدد ١٤ يقول ” والكلمة صار جسداً وحل بيننا”. لذلك إذا أخذنا العددين ١، ١٤ كما هما، فإنهما يعلّمان ألوهية المسيح ويصرّحان بأن الكلمة كان عند الله، وأن الله صار جسداً.
إذا أنكر المرء لاهوت المسيح بعد قراءتنا لهذين العددين فسوف يكون مضطراً لترجمة يوحنا ١:١ ترجمة خاطئة أو محاولة إعادة تفسيرها. وإحدى هذه الطرق الخاطئة في ترجمتها هي القول، وكان الكلمة” إلهاً” بدلاً من” وكان الكلمة الله”. ومشكلة هذه الترجمة أن النص اليوناني لا يجيز هنا مطلقاً استخدام الله كنكرة في هذا السياق.
يشير” بروس ميتسجر”. أحد دارسي اللغة اليونانية، إلى بحث علمي كتبه الدكتور” إيرنست كادمن كولويل”من جامعة شيكاغو. كتب كولويل يقول:
” الخبر المرفوع يأخذ “الـ” التعريف في اليونانية عندما يتبع الفعل، ولا يأخذ “ال” التعريف عندما يسبق الفعل (في الأصل اليوناني تستخدم الكلمة مبتدأ وتسبق الفعل ثم يأتي لفظ الله خبراً) “والكلمة الله” بدلاً من الترجمة العربية “وكان الكلمة الله”. والعدد الأول من انجيل يوحنا هو أحد الأعداد الكثيرة التي تنطبق عليها تلك القاعدة، وتدل على أن الخبر (الله) اسم مُعرّف حتى بدون استخدام ال التعريف، وغياب ال التعريف قبل كلمة “ثيوس” لا يجعل الخبر نكرة أو صفة عندما يسبق الفعل، وهو لا يكون نكرة إلا عندما يحتم السياق ذلك. لكن السياق هنا لا يدع مجالاً لذلك في الإنجيل بحسب يوحنا، لأن مثل هذا التصريح عن لاهوت المسيح لا يمكن أن يُعتبر غريباً عن روح إنجيل يوحنا الذي يصل إلى قمته باعتراف توما بألوهية المسيح وربوبيته. “
ويقول ” ف. ف. بروس” وهو خبير في لغات الكتاب المقدس، إن ترجمة عبارة” وكان الكلمة الله “في الإنجليزية مثلا باستخدام The خطأ مخيف في الترجمة لأن حذف ال التعريف أمر شائع مع الأسماء التي تأتي في تركيب خبري.
وهكذا فإن يوحنا ١: ١ من أوضح الأعداد في العهد الجديد التي تُعبّر عن لاهوت المسيح المطلق، ولقد ناقش هذا التركيب عدد كبير من عظام علماء اللغة اليونانية والكتاب المقدس. ويمكننا إعادة صياغة هذا العدد كما يلي:” قبل أن يوجد أي شيء كان الكلمة موجوداً أصلاً، وكان يتمتع بعلاقة وثيقة مع الله (الآب)، كان الكلمة كل ما كأنه الله. “
يقول” ف. ف. بروس “إن التركيز ينصب على أن الكلمة” كان الله نفسه”.
يسأل بعض الناس أحياناً كيف يمكن أن يكون يسوع هو ” الله” و” عند الله “في نفس الوقت. والجواب موجود في مفهوم الثالوث: إله واحد في ثلاثة أقانيم أبدية. لقد كان” الكلمة “المذكور في يوحنا ١: ١ مع الأقنومين الآخرين من أقانيم الثالوث، وهو الله نفسه بطبيعته.
هناك مجموعة كبيرة تُعرف باسم ” الطريق الدولي” تقول بأن يسوع هو الكلمة بمعنى أنه كان تعبيراً عن الله، كما تُعبر كلماتنا عن أنفسنا. ولا تؤمن هذه المجموعة بأن يسوع الكلمة بمعنى أنه الله. ودعماً لوجهة نظرهن قالوا بأن يوحنا ١: ١-١٨ تتكلم أساساً عن الله وليس عن يسوع؛ لأنها إن كانت تتكلم عن يسوع، فسوف تنسب له صفات لا يجوز أن تكون إلا لله. وهكذا، وبقدر الإمكان فإنهم يحاولون إخراج يسوع من دائرة الضوء زاعمين أن الاصحاح الأول من يوحنا هو عن الله.
غير أن هناك نقائص ومشاكل كثيرة في تفسيرهم هذا. أولاً: لو كان المُتحدث عنه بضمير الغائب “هو” في الأصحاح الأول من يوحنا هو الله وليس يسوع، يصبح كل الأصحاح الأول بلا معنى؛ لأن هدف إنجيل يوحنا هو أن يؤمن البشر بيسوع.
يقول يوحنا في العدد الرئيسي من أنجيله: “وأما هذه فقد كُتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح أبن الله، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه” (يوحنا 20: 31). ولهذا يبدو منطقياً أن ترتبط مقدمة إنجيل يوحنا بالهدف الذي قصد إليه.
ثانياً: كل ما تتحدث عنه الأعداد الثمانية عشر الأولى من إنجيل يوحنا ينسب ليسوع في أماكن أخرى من الإنجيل أو في فقرات العهد الجديد. فيما يلي بعض الأمثلة:
الأصحاح الأول
فقرات موازية
العددان 3، 10: خلق يسوع العالم
كان له دور رئيسي في خلق العالم (عبرانيين 1:1، 2، 8-13؛ كولوسي 1: 16-18
العدد 4:
قال يسوع إنه هو؛” القيامة والحياة” “الطريق والحق والحياة” (يوحنا 6: 35، 48، 51؛ 11: 25؛ 14: 16). ويقول يوحنا 20: 31 إنه يمكن للبشر أن يحصلوا على الحياة بالإيمان بيسوع.
الأصحاح الأول
فقرات موازية
العدد 12:” وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنون باسمه”
ضح يوحنا في إنجيله أنه على الناس أن يؤمنوا بيسوع (يوحنا 3: 16-18؛ 5: 24؛ 12: 44؛ 20: 31 … إلخ)
ويسوع يمنح الحياة الأبدية (يوحنا 10: 28)
العددان 4، 9 كان هو” نور الناس”و” النور الحقيقي”
قال يسوع إنه” نور العالم” (يوحنا 8: 12 ؛ 9: 5)
العدد 10″ كان في العالم”
مَنْ؟ من المنطقي أن يشير هذا العدد إلى يسوع. فالتوكيد يتركز على مجيء يسوع إلى العالم. (يوحنا 3: 17؛ 6: 23… الخ)
العدد 11″ إلى خاصته جاء، وخاصته لم تقبله”
رفض اليهود يسوع، لا الله كما فهموا الله (يوحنا 3: 32).
لقد إعتقدوا أنهم برفضهم ليسوع يحققون إرادة الله.
الألف والياء .. الأول والآخر
هذان التعبيران” الألف والياء” يقدمان وصفاً جميلاً لله يبعث على الخشوع. فالله كان موجوداً قبل وقت طويل جداً من وجود النجوم في السماء ووجود عالمنا، وهو أزلي أبدي. يقول تكوين ١: ١” في البدء … الله”. والله وحده يستحق لقبي الألف (الأول) والياء (الآخر).
وهكذا فإن هذين الإسمين يعبِّران عن طبيعة الله الأبدية، إنه مصدر كل الخليقة وهدفها، ولا يستطيع إي كائن مخلوق أن يدّعي أنه الأول وأنه الآخر وأنه سابق كل ما هو موجود. لذلك يُدعى كل من يسوع والله “الألف والياء، الأول والآخر” في الكتاب المقدس.
الله
يسوع
إشعياء 41: 4″ أنا الرب (يهوه) الأول ومع الآخِرين أنا هو”.
رؤيا 1: 17، 18″ أنا هو الأول (بروتوس) والآخر (إسكاتوس)، والحي وكنت ميتاً، وها أنا حي إلى أبد الآبدين”.
إشعياء 48: 12″ أنا هو. أنا الأول والآخر”.
رؤيا 2: 8″ وإلى ملاك كنيسة سميرنا. هذا يقوله الأول والآخر، الذي كان ميتاً فعاش”.
رؤيا 1: 8″ أنا الألف والياء، البداية والنهاية يقول الرب الكائن والذي كان والذي يأتي، القادر على كل شيء”.
رؤيا 22: 12-16″ وها أنا آتي سريعاً …انا الألف والياء، البداية والنهاية، الأول والآخر … أنا يسوع، أرسلت ملاكي لأشهد لكم بهذه الأمور. ..”.
لا يمكن التقليل من أهمية الفقرات السابقة من سفر الرؤيا ودلالاتها. فهي بعض من أقوى الأمثلة وأوضحها لتصريحات المسيح بألوهيته. إذ لا يمكن أن يكون هناك أوّلان وآخران أو بدايتان ونهايتان.
الرب
يستخدم الكتاب المقدس بعديه القديم والجديد لقب” الرب”بحرية للإشارة لله وليسوع المسيح. والكلمة التي يستخدمها العهد القديم لتشير إلى الرب هي أدوناي، بينما تستخدم الترجمة السبعينية والعهد الجديد كلمة” أدوناي”و” كيريوس”للإشارة إلى الله.
استخدم العهد الجديد كلمة” كيريوس”بمعنيين .. معنى شائع عام، وآخر مقدَّس. كان الاستخدام الشائع تحية إحترام تعني” سيدي” أو” سيد”، أما المعنى المقدس فكان يفيد الألوهية. ومن الواضح أن بعض فقرات العهد الجديد تستخدم كلمة” رب”كتعبير يدل على تبجيل يسوع، كما في يوحنا ٤: ١١” قالت له المرأة: يا سيد، لا دلو لك والبئر عميقة، فمن أين لك الماء الحي؟ “. ولأن المسيحيين الأوائل كانوا يؤمنون بإله واحد (كاليهود)، كان استخدامهم لكلمة” رب”بالمعنى المقدس في مخاطبة يسوع دليلاً قوياً على إعتقادهم بأن المسيح هو الله. يقول” هوج”و” فاين”في كتابتهما حول رسالتي بولس إلى أهل تسالونيكي:
” نرى الدلالة الكاملة لربط يسوع مع الله بلقب واحد هو” الرب”عندما ندرك أن هؤلاء الرجال كانوا ينتمون إلى الأمة الوحيدة الموحدة في العالم. وكان ربط اليهودي للخالق بشخص مخلوق مهما بلغ تعظيمه له، أمراً مستحيلاً على الرغم من أنه كان أمراً ممكناً بالنسبة لشخص وثني. “
وكان الرومانيون الذين عبدوا الإمبراطور كإله يُحيّون بعضهم بعضاً بقولهم:” قيصر رب”. لذلك كان أحد أسباب اضطهاد الرومان للمسيحيين الأوائل واليهود هو رفضهم تقديم هذا النوع من الإجلال للإمبراطور. وتوضح هذه الممارسة الدلالة او الأهمية التي ينطوي عليها استخدام المسيحية لتعبير” يسوع رب”أي رب بمعنى” الله”.
هناك عدة أمثلة واضحة يُشار فيها إلى يسوع بكلمة” رب”بالمعنى المقدَّس. كتب بولس قائلاً:” وليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلا بالروح القدس” (١كورنثوس ١٢: ٣). قد يعترض البعض فيقولون:” أنا أؤمن أن يسوع هو ربي، ولكني بالتأكيد لا أعتقد أنه الله.” والسؤال المهم هو ما المقصود بكلمة رب؟ ويستطيع أي شخص أن يتفوه بعبارة “يسوع رب”، كما يقولها بعضهم بمعنى أن يسوع “سيد”، لكن ليس هذا هو ما قصده بولس! فهناك عدة دلائل تشير إلى أن بولس يتحدث عن ألوهية يسوع.
(١) بدأ بولس الإصحاح الثاني عشر بالتحدث عن المواهب الروحية، وحقيقة أن أهل كورنثوس كانوا منقادين سابقاً إلى عبادة الأوثان كآلهة. ويظهر بولس الفرق الشاسع بين هذه الآلهة الزائفة (العددان ١، ٢). وبين يسوع عندما يقول إنه لا يمكن لمن يتكلم بالروح القدس أن يقول أنا يسوع أناثيما (أي ملعون) ولا يستطيع أحد أن يعترف بأن يسوع رب إلا بالروح القدس، وهو بذلك يقصد أن يسوع الرب هو الله الحقيقي المستحق العبادة.
(٢) تعامل بولس في العدد ٣ مع الروح القدس ويسوع والله على أسس متساوية. كما تُظهر الأعداد ٤-٦ الأمور التالية:
العدد ٤: فأنواع مواهب، ولكن الروح واحد.
العدد ٥: وأنواع خِدم موجودة، ولكن الرب واحد (أي يسوع كما في العدد الأول)؛
العدد ٦: وأنواع أعمال موجودة، ولكن الله واحد. فإذا لم يكن المسيح هو الله، فلماذا يُعامل على قدم المساواة معه في العدد الخامس؟ كما يتحدث العددان الحادي عشر والثامن عشر عن الروح القدس والله على أنهما متساويان.
لو أننا سألنا شخصاً ينكر ألوهية المسيح عما إذا كان” يصلي إلى الرب” أم لا، فإنه سيسأل” مَنْ الذي تقصده؟ “وهذا هو محور الموضوع. فنحن نجد في الكتاب المقدس أن الله ويسوع يُدعيان الرب. والجواب الذي يحتمل أن نحصل عليه هو” أنا أصلي إلى الله، لكني لا أؤمن بالصلاة ليسوع”. وجواباً على مثل هذا القول، فإن هناك خمسة أمثلة في العهد الجديد تُقدَّم فيها الصلاة ليسوع في السماء كالرب (أو ابن الله).
(١) في أعمال ٧: ٥٩، ٦٠ دعا استفانوس يسوع رباً. صلّى أثناء رجمه فقال ” أيها الرب يسوع، اقبل روحي. “وهذا يشير إلى إيمانه بأن يسوع أكثر من مجرد إنسان، وأنه قادر إلى درجة تكفي لقبول روحه، ثم جثا على ركبتيه وصرخ بصوت عظيم قائلاً:” يارب، لا تُقِم لهم هذه الخطية”ومن المعروف أنه لا يمكن ليهودي يوناني تقي أن يصلي لأي شخص أقل من الله.
(٢) كتب بولس الرسول في ١كورنثوس ١: ٢ إلى” المقدَّسين… الذين يَدْعون باسم ربنا يسوع المسيح في كل مكان، لهم ولنا (أي ربهم وربنا) “.
(٣) وتحدث بولس الرسول في ٢كورنثوس ١٢: ٨، ٩ عن شوكة في الجسد فقال” من جهة هذا تضرعت إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقني. فقال لي” تكفيك نعمتي، لأن قوتي في الضعف تُكمَل، فبكل سرور أفتخر بالحري في ضعفاتي لكي تحل عليّ قوة المسيح”.
(٤) ونقرأ في رسالة يوحنا الأولى ٥: ١٣-١٥” كتبت هذا إليكم، أنتم المؤمنين باسم ابن الله، لكي تعلموا أن لكم حياة أبدية، ولكي تؤمنوا باسم ابن الله. وهذه هي الثقة التي لنا عنده: أنه إن طلبنا شيئاً حسب مشيئته يسمع لنا. وإن كنا نعلم أنه مهما طلبنا يسمع لنا، نعلم أن لنا الطلبات التي طلبناها منه”. إن كل الضمائر الموصوله والمستترة (وهي ضمائر غير مستترة باللغة اليونانية الإصلية) تشير إلى ابن الله (عدد ١٣).
(٥) قال سيمون في أعمال ٨: ٢٤ ” اطلبا (صليا) إلى الرب…” (يذكر العدد ١٦ أن يسوع هو “الرب”).
لقد أكد بطرس وبولس أن يسوع هو” رب الكل”(أعمال ١٠: ٣٦؛ رومية ١٠: ١٢)، كما قال بولس: “لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد” (١كورنثوس ٢: ٨). مَنْ هو رب المجد؟ يخبرنا مزمور ٢٤: ١٠” رب الجنود هو ملك المجد”(انظر أيضاً مزمور ٩٦: ٧، ٨).
كما دعا بولس يسوع رباً في ٢كورنثوس ٤: ٤، ٥ فقال” إله هذا الدهر (الشيطان) قد أعمى أذهان غير المؤمنين، لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله. فإننا لسنا نكرز بأنفسنا، بل بالمسيح يسوع رباً، ولكن بأنفسنا عبداً لكم من أجل يسوع”. وهكذا فإن المسيح الذي هو صورة الله، رب.
وقد استخدم بولس نفس اللغة والمجاز الذين استخدمهما إشعياء في العهد القديم عن يهوه ليُطبقهما على المسيح.
الله
يسوع
” … أنا الله وليس آخر … لي تجثو كل ركبة، يحلف كل لسان” (إشعياء ٤٥: ٢٢-٢٤)
” لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممَن في السماء ومَن على الأرض ومَن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب المجد الله الآب” (فيليبي ٢: ١٠، ١١)
ولم يكن بولس الفريسي والعالِم بالعهد القديم ليستخدم هذا التماثل أو التطابق صدفة. أشار يسوع إلى نفسهِ على أنه” رب السبت”وهي إشارة إلى نفسه كخالق للسبت. قال الله في خروج ٣١: ١٣، ١٧ “سبوتي تحفظونها. لأنه علامة بيني وبينكم… بيني وبين بني إسرائيل علامة إلى الأبد”. لقد نظر اليهودي إلى يهوه على أنه بادئ السبت (خالقه) وربه. وعندما وبّخ بعض الفريسيين يسوع لأنه سمح لتلاميذه بأن يقطفوا السنابل في السبت-كاسرين بذلك الناموس لأنهم عملوا في هذا اليوم المقدس-قال لهم يسوع إنه لا بأس بذلك لأنه” رب السبت” (متى ١٢: ٨). يقول “سي. إس. لويس. “:
” نجد هنا ملاحظة أخرى غريبة: توجد في كل ديانة شعائر غير مريحة مثل الصيام. فيأتي هذا الإنسان يوماً ما ليقول:” ليس مم الضروري أن يصوم أحد ما دمت هنا. “فمَنْ هو هذا الإنسان الذي يقول إن مجرد حضورة يعلّق كل القوانين العادية؟ مَن هو الشخص الذي يستطيع فجأة أن يُعلن للمدرسة أنَّ بإمكان الهيئة التدريسية والطلاب أن يأخذوا عطلة لنصف يوم؟ “
لقد اعتبر اليهود الذين سمعوا كلامه هذا تجديفاً، ثم دخل يسوع في نفس يوم السبت إلى مجمعهم مؤكداً مرة أخرى نقطة العمل يوم السبت والذي تمثل في شفائه لرجل ذي يد يابسة، مما زاد من حنقهم عليه. لأن هذا العمل كان بمثابة كسر للسبت حسب فهمهم له. كذلك عندما صرّح بأن له سلطاناً لا يمكن أن يكون إلا لله، زاد سخطهم عليه وحاولوا قتله (متى ١٢: ١٤).
نعود فنقول بأنه لا يمكن أن يوجد إلا إله واحد حسب تثنية ٦: ٤، ومرقس ١٢: ٢٩.
المخلّص
لقد صرح إله العهد القديم بشكل حاسم بأنه وحدة المخلّص” أنا أنا الرب (يهوه) وليس غيري مخلّص”(إشعياء ٤٣: ١١)، غير أن الكتاب المقدس يوضح أن يسوع هو أيضاً مخلّص.
يسوع
متى ١: ٢١” وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم”.
يوحنا 1: 29 ” وفي الغد نظر يسوع… فقال، هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم”.
يوحنا ٤: ٤٢” هذا هو بالحقيقة المسيح مخلّص العالم”.
عبرانيين ٥: ٩” صار لجميع الذين يُطيعونه سبب خلاص أبدي”.
لوقا ٢: ١١” إنه وُلد لكم اليوم في مدينة داود مخلص. هو المسيح الرب”.
طلب بولس من تيطس أن ينتظر” الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومُخلصنا يسوع المسيح”(تيطس ٢: ١٣). والسياق العام لهذا العدد هام، لأنه كان قد ذُكر قبل ثلاثة أعداد أن الله هو المُخلّص” مخلصنا الله”(عدد ١٠). ويقول في تيطس ٣: ٤” مخلصنا الله”وفي العدد ٦ “يسوع المسيح مُخلصنا”. فهو يستخدم في اثني عشر عدداً كلمتي المسيح والله بشكل تبادلي بحيث يمكن أن تحل الأولى محل الثانية.
الملك
” الملك”لقب يُعبر عن جلالة الله. كتب داود صاحب المزامير” لأن الرب إله عظيم”ملك كبير على كل الآلهة”(مزمور ٩٥: ٣). وقال الله” أنا الرب قدوسكم… ملككم”(إشعياء ٤٣: ١٥). يتحدث الكتاب المقدس أكثر من ثلاثين مرة في أسفار المزامير، وإشعياء، وأرميا، ودانيال، وزكريا، وملاخي عن الله بوصفة الملك أو ” الملك العظيم” أو” ملك إسرائيل”.
وعلى الرغم من أن مصطلح الملك لقب بشري غالباً، فإن العهد الجديد لا يتحدث عن المسيح كملك بنفس المعنى الذي يتحدث فيه العهد القديم عن الله فحسب، لكن يسوع يُدعى أيضاً” ملك الملوك”. إذ نقرأ في رؤيا ١٧: ١٤” …والخروف يغلبهم، لأنه رب الأرباب وملك الملوك”. وستكون الكلمات التالية مكتوبة علو فخذ يسوع عند مجيئه الثاني” ملك الملوك ورب الأرباب”(رؤيا ١٩: ١٦). ويُشار إلى الرب يهوه في العهد القديم على أنه” إله الآلهة ورب الأرباب”(تثنية ١٠: ١٧).
كذلك هناك أهمية خاصة لتيموثاوس الأولى ٦: ١٤-١٦ تقول” …إلى ظهور ربنا يسوع المسيح، الذي سيُبينه في أوقاته المبارك العزيز الوحيد؛ ملك الملوك ورب الأرباب، الذي وحده له عدم الموت (الأبدية) ساكناً في نور لا يُدنى منه، الذي لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه، الذي له الكرامة والقدرة الأبدية، آمين. “
يمكن أن يشير” ملك الملوك ورب الأرباب”إلى المسيح أو الله. فإذا كانت تتحدث عن المسيح في حالته الممجدة (رؤيا ١: ١٢-١٨)، فقوله” العزيز (صاحب السيادة) الوحيد وملك الملوك ورب الأرباب، والذي له وحده عدم الموت (الأبدية) وساكناً في نور لا يدنى منه” يصبح كله القاباً تدل على ألوهيته. وإن كانت هذه الفقرة تتحدث عن الله فمعنى ذلك أن كلاً من المسيح والله يشتركان في اللقبين المتطابقان” ملك الملوك ورب الأرباب”كما تبين الفقرات الأخرى التي أشرنا إليها (رؤيا ١٧: ١٤ مثلاً) وفي كلتا الحالتين فهي تقدم دليلاً على ألوهية المسيح.
الديّان
لم يترك العهد القديم مجالاً للشك بأن الله هو ديّان كل نفوس الناس. ” يدعو السماوات من فوق و الأرض إلى مداينة شعبه… لأن الله هو الديّان”(مزمور ٥٠: ٤، ٦). وهناك إشارات كثيرة إلى يهوه كديّان (تكوين ١٨: ٢٥؛ مزمور ٩٦: ١٣؛ عبرانيين ١٢: ٢٣، ٢٤؛ بطرس ١: ١٧). غير أننا نجد في العهد الجديد أن الله الآب أعطى” كل الدينونة للابن”(يوحنا ٥: ٢٢). ويوضح لنا العدد ٢٣ سبب إعطاء الله كل الدينونة للابن” لكي يُكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب، من لا يُكرم الابن لا يُكرم الآب الذي ارسله”. هل الآب مُكرم بوصفه الله؟ بالطبع. إذاً يجب أن يُكرم الابن بنفس الطريقة.
يوحنا ٥: ٧-٣٠ واحدة من أقوى الفقرات في كل الكتاب المقدس التي تؤكد ألوهية المسيح. ويسوع هو” العتيد أن يدين الأحياء والأموات ” (٢تيموثاوس ٤: ١). وسوف يمثُل كل المؤمنين أمام” كرسي المسيح ” (٢كورنثوس ٥: ١٠). وتتحدث رومية ١٤: ١٠ عن أن الوقوف أمام كرسي المسيح هو إعطاء حساب عن أنفسنا لله نفسه. كما أن يهوه والمسيح كليهما يفحصان قلوب المؤمنين” أنا هو الفاحص الكلى والقلوب ” (رؤيا ٢: ٢٣؛ إرميا ١٧: ١٠). وهكذا يتضح لنا أن يسوع ويهوه ديان واحد.
النور
يستخدم تعبير” النور” غالباً للإشارة بشكل مجازي لله وحضوره أو إعلانه .. فالله هو” النور”، و”النور الأبدي”، “ونور الأمم”، والسراج”، وهو الذي يُضيء الظلمة (مزمور ٢٧: ١؛ إشعياء ٤٢: ٦؛ ٦٠: ١٩، ٢٠؛ صموئيل ٢٢: ٢٩).
قدم يسوع تصريحاً قوياً عن نفسه بأنه النور، لا مجرد شخص يشير إلى النور. إذ قال:” أنا هو (ego eimi) نور العالم. من يتبعني فلا يمشي في الظلمة، بل يكون له نور الحياة”( يوحنا ٨: ١٢). وقال أيضاً مُشيراً إلى نفسه:” وهذه هي الدينونة، أن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور”. (يوحنا ٩: ٥). كما وصفه الرسول يوحنا بأنه” نور الناس”و” النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان ” (يوحنا ١: ٤، ٩)، فكما أن الله هو النور الأبدي فيسوع هو أيضاً كذلك (إشعياء ٦٠: ١٩، ٢٠؛ رؤيا ٢١: ٢٣؛ ٢٢: ٥).
الصخرة
كلمة ” الصخرة ” يمكن أن تعني أشياء كثيرة. لكن عندما تصبح اسماً لله فإنها ترمز إلى تعزية الله لنا، وثباته وصلابته وقوته. لقد ترك موسى قبيل موته لأبناء أمته ترنيمة تذكرهم بطبيعة الله وبما فعله من أجلهم. استخدم في هذه الترنيمة اسمين لله هما: يهوه والصخرة ” إني باسم الرب أنادي. أعطوا عظمة لالهنا. هو الصخر الكامل صنيعته !” (تثنية ٣٢: ٣، ٤؛ انظر تثنية ٣٢: ١٥، ١٨، ٣٠، ٣١). وقد دعا داود صاحب المزامير الله إلهي و ” صخرة خلاصي” (مزمور ٨٩: ٢٦؛ ٩٥: ١)، كما قدَّم داود له العبادة كصخرة له “الرب صخرتي” و “صخرة اسرائيل” (٢صموئيل ٢٢: ٢، ٣، ٤٧؛ ٢٣: ٣). ونجد في ٢صموئيل ٢٢: ٣٢ سؤالاً استنكارياً:” لأنه مَن هو إلى آله غير الرب ومَن هو صخرة غير إلهنا ؟”
وفي العهد الجديد يعطى يسوع لقب ” الصخرة”. فقد أشار بولس إلى بني إسرائيل في البرية مع موسى فقال ” وجميعهم أكلوا طعاماً واحداً روحياً، وجميعهم شربوا شراباً واحداً روحياً. لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم، والصخرة كانت المسيح “(١كورنثوس ١٠: ٣، ٤؛ انظر خروج ١٧: ٦؛ نحميا ٩: ١٥). كان بولس يشير رمزياً هنا إلى بني إسرائيل الذين يقوتهم الله -فكان يهوه يعطيهم المَن من السماء (العدد ٣)، وكان المسيح يعطيهم الشراب (العدد ٤). فمن الواضح إذاً أن بولس كان يؤمن بأن المسيح هو يهوه.
كما تحدّث بولس عن يسوع بوصفه” صخرة عثرة”( رومية ٩: ٣٣). وأشار له بطرس على أنه” حجر حي”، و” حجر صدمة”، و” صخرة عثرة”، و ” حجر مختار”، و”حجر زاوية كريم”، و”الحجر الذي رفضه البناؤون”.
الفادي
تعني كلمة الفادي الشخص الذي يُعيد شراء شيء. وعندما كان الجنس البشري مفلساً روحياً وعاجزاً عن تخليص نفسه، بذل الله عن طيب خاطر حسب علمه السابق (أعمال ٢٣: ٢) ابنه من أجل فداء الجميع، فاتحاً الباب لأي شخص للمصالحة مع الله. تقول كلمة الله ” عنده فديً كثير” ( مزمور ١٣٠: ٧، ٨)، وإنه “الفادي” (إشعياء ٤٨: ١٧؛ ٥٤: ٥؛ ٦٣: ٩)، وهو الذي يفدي من “الحفرة” حياتنا (مزمور ١٠٣: ٤)، ولا يمكن أن يأتي الفداء النهائي من الخطية إلا من الله.
يسوع المسيح هو فادينا من الخطية” لنا فيه الفداء بدمه غفران الخطايا”(أفسس ١: ٧). فيسوع هو الذي اشترى لنا فداءاً أبدياً (عبرانيين ٩: ١٢). كما طلب بولس من شيوخ أفسس أن يرعوا” كنيسة الله التي اقتناها “(اشتراها وافتداها) بدمه” (أعمال ٢٠: ٢٨). ولا يمكن أن يشير هذا إلا إلى موت المسيح على الصليب. فيسوع هو الله الابن فادينا.
الرب برنا
تنبأ العهد القديم، نظراً لحاجة البشرية للبر وعجزنا عن الوصول إلى مستوى القداسة الذي يطالبنا الله به (رومية ٣: ٢٣)، بأن يهوه سوف يقيم يوماً” غصن بر “من أصل داود يكون اسمه” الرب برنا “( إرميا ٢٣: ٦؛ ٣٣: ١٥، ١٦). وهذا الغصن حسب تعليم العهد القديم هو المسيا المنتظر أو المسيح (قارن مع لوقا ١: ٣٢). وهكذا فإن أحد أسماء يسوع هو الرب (يهوه) برنا. ويقول لنا إشعياء ٤٥: ٢٤ إنه ليس أي بر إلا في يهوه الرب” إنما بالرب البر”.
الزوج العريس
أحد الجوانب الجميلة للقب” الزوج “عندما يستخدم للدلالة على الله. هو أنه يذكرنا بأن الله يحبنا ويشتاق إلى أن يملأ الفراغ والوحدة الموجودين في قلوب الناس -كما يفعل الزوج المحب ليسدد احتياجات زوجته (والعكس صحيح أيضاً). ذكر إشعياء بنو إسرائيل بقوله:” لأن بعلك (زوجك) هو صانعك”( إشعياء ٥٤: ٥). وفي سفر هوشع نجد أن الله يقارن محبته لإسرائيل بمحبة زوج أمين لزوجة غير مخلصة. لقد أعطى الله وعداً بأنه على الرغم من أن الدينونة قادمة. فإن إسرائيل سوف يدعو الله مرة أخرى” رَجُلي ” ( هوشع ٢: ١٦)- أي زوجي أو عريسي.
وكما ينظر العهد القديم إلى الله كزوج لإسرائيل، فإن العهد الجديد يرى في يسوع زوج (عريس) الكنيسة. قال يسوع إن تلاميذه كانوا محقّون في عدم الصوم لأن” العريس “معهم (مرقس ٢: ١٨؛ ١٩). ويطلب المسيح في متى ٢٥: ١ من العذارى (الكنيسة) أن ينتظروا العريس أي المسيح نفسه. ويقول بولس في ٢كورنثوس ١١: ٢ إن الكنيسة مخطوبة للزواج من المسيح. ويشير يوحنا في رؤيا ٢١: ٢، ٩ إلى الكنيسة بوصفها عروس مهيأة لرجلها والعروس امرأة الخروف. والعروس الجديدة هي أورشليم السماوية. وهكذا فإن المسيح، مثل الله، هو الزوج الإلهي.
الراعي
” الراعي “مصطلح جميل يشير إلى الله في رعايته للبشر. ولقد رنم داود قائلاً: ” الرب راعيّ فلا يعوزني شيء ” ( مزمور ٢٣: ١)، ويقول في مزمور ٨٠: ١: “يا راعي إسرائيل، اصغ الي يا قائد يوسف كالضأن”. ويشير تكوين ٤٩: ٢٤ إلى الله” الراعي صخر إسرائيل”، كما خصص حزقيال اصحاحاً كاملاً للتحدث عن الله كراعٍ لبيت اسرائيل الضال ” غنم مرعاه “(حزقيال ٣٤).
وعلى الرغم من أن استخدام كلمة الراعي لا يبرهن على الوهية المسيح، فقد دعي بطرس وبولس المسيح” رئيس الرعاة “” وراعي الخراف العظيم “” وراعي نفوسكم وأسقفها ” (١بطرس ٥: ٤؛ عبرانيين ١٣: ٢٠؛ ١بطرس ٢: ٢٥). كما أن يسوع دعا نفسه راعياً مؤكداً أنه ” لراعي الصالح ” ( يوحنا ١٠: ١١)، وأنه الراعي “الوحيد” (يوحنا ١٠: ١٦).
الخالق
يقول أول عدد في الكتاب المقدس: ” في البدء خلق الله السموات والأرض” (تكوين ١: ١)؛ فالله يُعرف بوضوح على أنه الخالق. وقول أي شيء آخر مختلف عن هذا كان يعتبر تجديفاً بالنسبة لليهود. يقول الكتاب المقدس مرة تلو الأخرى على أن الله هو الذي خلق العالم (أيوب ٣٣: ٤؛ مزمور ٩٥: ٥، ٦؛ ١.٢: ٢٥، ٢٦؛ الجامعة ١٢: ١؛ إشعياء ٤٠: ٢٨). يؤكد العهد الجديد ألوهية المسيح بالتحدث عنه كخالق:
” هذا كان في البدء عند الله. كل شيء به كان، وبغيرة لم يكن شيء مما كان… كان في العالم وكُوَّن العالم به. ولم يعرفه العالم ” ( يوحنا ١: ٢، ٣، ١٠).
ومن الواضح أن هذه الفقرة تتحدث عن يسوع، ولقد عبّر بولس عن نفس الفكرة:
” فأنه فيه خُلق الكل، ما في السموات وما على الأرض، ما يُرى وما لا يُرى، سواء كان عروشاً أم سياداتً أم رياسات أم سلاطين. الكل به وله قد خُلق. الذي هو قبل كل شيء، وفيه يقوم الكل” ( كولوسي ١: ١٦-١٨).
يشير النص إلى أن بولس يتحدث عن يسوع، والضمائر المستخدمة تشير إلى شخص واحد. وتتحدث الفقرة عن شخص واحد به خُلقت كل الأشياء. إنه رأس الكنيسة، وهو ” البداءة” (موجود منذ البدء وبادئ كل شيء) و”بكر من الأموات”. ولقد جمع يسوع كل هذه الأمور، وذلك بحسب أفسس ٥: ٢٣؛ يوحنا ١: ١؛ كورنثوس ١٥: ٢٠.
ولقد أكد كاتب الرسالة إلى العبرانيين على نفس النقطة بقوله” الله… كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه. الذي جعله وارثاً لكل شيء. الذي به أيضاً عمل العالمين ” (عبرانيين ١: ١، ٢). وفي نفس الاصحاح الذي يخاطب الابن في العدد الثامن يقول:” وانت يا رب (يسوع) في البدء أسست الأرض. والسموات هي عمل يديك ” (عبرانيين ١: ١٠).
يقول لويس سبيري شيفر:
” عملية الخلق في حد ذاتها أمر لا يمكن مقارنته بأي شيء آخر، فعندما خلق الله الأشياء المادية، دعاها إلى الوجود من العدم. وهذا التصريح لهو بعيد كل البعد عن فكرة إن لا شيء أنتج شيئاً. فمن الواضح أنه لا يمكن أن ينتج أي شيء من العدم واللاشيء”.
فالكتاب المقدس يقول بأن كل شيء قد ظهر الى الوجود من موارد الله اللانهائية. فالله هو مصدر كل ما هو موجود. لقد تسببت إرادة الله الذاتية الحرة في خلق العالم المادي، كما هو مذكور في رومية ١٠: ٢٦ ” لأن منه وبه كل الأشياء، له المجد إلى الأبد آمين”. يقول هذا العدد بأن الخلق عمل الله، فلا يعزى إلى غيره، لكن في كولوسي ١: ١٦، ١٧ يؤكد -مستخدماً نفس التعبيرات العامة- أن كل الأشياء قد خُلقت بالمسيح وله، وأنه موجود قبل كل الأشياء، وبه خُلقت كل الأشياء.”
مُعطي الحياة
لقد كانت أروع لحظات الخلق تلك التي خلق فيها الله الإنسان، إذ يقول الكتاب” ونفخ في أنفه نسمة حياة “( تكوين ٢: ٧). ويقول الله في تثنية ٣٢: ٣٩، بعد تصريحه” أنا هو وليس إله معي”، بإنه هو الذي يعطي الحياة ” أُحيي ” ( قارن مع مزمور ٣٦: ٩).
قال يسوع: ” لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحيي، كذلك الابن أيضاً يُحيي مَن يشاء ” (يوحنا ٥: ٢١). قال يسوع قبيل إحيائه لعازر من بين الأموات: “أنا هو القيامة والحياة” (يوحنا ١١: ٢٥). كما أنه ذهب إلى حد قال معه إنه مُعطي الحياة الأبدية. ” أنا والآب واحد ” (يوحنا ١٠: ٢٨-٣٠). قال يسوع بأن الكتب (مشيراً إلى العهد القديم) تشهد له: “… تشهد لي، ولا تريدون أن تأتوا إليّ لتكون لكم حياة” (يوحنا ٥: ٣٩، ٤٠).
غافر الخطايا
الله هو غافر الإثم والمعصية والخطية (خروج ٣٤: ٧، انظر أيضاً نحميا ٩: ١٧؛ مزمور ٨٦: ٥؛ ١٣٠: ٤؛ إشعياء ٥٥: ٧؛ إرميا ٣١: ٣٤؛ دانيال ٩: ٩؛ يونان ٤: ٢)، ويسوع ابن الله يستطيع أن يغفر الخطية. يقول الرسول بولس في رسالته إلى أهل كولوسي ٢: ١٣؛ ٣: ١٣ إن يسوع هو الذي يغفر الخطايا. وقال يسوع لبولس إنه يجب عليه أن يؤمن به لينال غفران الخطايا (أعمال ٢٦: ١٨).
كذلك جاء إليه بعض الأشخاص طالبين الشفاء لصديق مفلوج لهم (مرقس ٢: ١-١٢). ولما لم يستطيعوا الدخول إلى البيت الذي كان يسوع يُعلّم فيه، ثقبوا السقف ودلّوا صديقهم المفلوج. قدّر يسوع إيمانهم وتأثر به، لذلك قال للمفلوج: ” يا بني مغفورة لك خطاياك”.
كان تفكير بعض الأشخاص الموجودين: شيئاً مثل: ” يا للغطرسة ووقاحة الافتراض! “كيف يمكن ليسوع أن يعرف خطايا الرجل المفلوج؟ وكيف يمكن أن يقدم الغفران كما لو كانت الخطايا التي ارتكبها هذا الشخص موجهة ضده كما هي ضد الله؟ كيف يغفرها وكأن لديه سلطاناً على هذا، كان جواب يسوع واضحاً. فهو لم يكن متغطرساً، وانما كان يقول الصدق، وها هو الدليل: ” لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطاناً على الأرض أن يغفر الخطايا… قم واحمل سريرك واذهب إلى بيتك”. وهذا ما حصل. فدهشوا جميعاً ومجدوا الله!
كتب” أ. ت. روبرتسون “عالم اللغة اليونانية، معلقاً على (مرقس ٢: ٧): ” لقد اعتقد هؤلاء أن افتراض يسوع لهذا الامتياز أو الحق المقصور على الله وحده هو تجديف، وكان منطقهم صحيحاً. لكن العيب الوحيد هو استبعادهم إمكانية أن يكون ليسوع علاقة معينة مع الله تبرر تصريحه، وهكذا فإن الصراع هنا يدور حول قدرة يسوع على إثبات ألوهيته. لقد أدرك يسوع أنه مارس امتيازاً مقصوراً على الله بغفرانه خطايا الرجل المفلوج، فقام بشفائه مُقدماً تبريراً كافياً لادعائه. “
يقول ” روبرت ألان كول ” في تعليقه على هذه الفقرة من إنجيل مرقس، بأنه يمكن النظر إليها من عدة زوايا، لكنها تلتقي جميعاً لتعطي معنى واحداً وهو في شرحه للفقرة يعيد صياغتها:
” هناك طريقتان للنظر إلى هذه الفقرة، وأسلوبا التفسير مثمران (لهما معنى) لأننا إذا تابعناهما إلى مداهما فسيتداخلان ويصبحان خطأ واحداً. يقول الخط الأول: هل تقولون إن الله وحده هو القادر على غفران الخطايا؟ لكني أريد أن أثبت لكم أن أمامكم إنسانا يملك نفس القوة. وبهذا المنطق يقود الكتبة المفكرين إلى المعادلة والربط بين يسوع الإنسان والله. “
يؤكد ” جوش ماكدويل” أحد مؤلفي هذا الكتاب، في محاضرة له حول الغفران:
” لقد أزعجني مفهوم الغفران مدة طويلة من الزمن، لأنني لم أفهمه. كنت يوماً أعطي محاضرة لطلاب الفلسفة، ووجّه إليَّ أحد الطلبة سؤالاً حول لاهوت المسيح، فاستشهدت بالأعداد السابقة من الأصحاح الثاني من مرقس. عندما شكك أحد الطلبة في صحة الاستنتاج الذي توصلت إليه بأن غفران المسيح للرجل يُثبت ألوهيته، وذلك بأن قال إنه في إمكانه أن يسامح شخصاً دون أن يكون ذلك إثباتاً أنه يدّعي الألوهية.
عندما فكرت فيها قاله الطالب الجامعي، عرفت السبب الذي جعل القادة الدينيين يثورون بهذه الحدة على يسوع. أجل، يستطيع المرء أن يقول: “اسامحك”، ولكن لا يمكن أن يقول ذلك إلا الشخص الذي وُجهت إليه الإساءة. فإذا أخطأت ضدي، بإمكاني أن اقول لك: “أسامحك”، لكن هذا لم يكن ينطبق على يسوع. فلقد أخطأ المفلوج ضد الله الآب، ثم جاء يسوع بسلطانه الخاص ليقول له مغفورة لك خطاياك. من المؤكد أننا نستطيع أن نغفر الإساءات الموجهة ضدنا، لكن لا يستطيع أحد بأي حال من الأحوال أن يغفر الخطايا المرتكبة ضد الله إلا الله وحده، وهذا ما قاله يسوع. “
لقد كان سلطان يسوع على مغفرة الخطايا مثالاً مذهلاً لممارسة امتياز يخص الله وحده.
الرب شافيك
يقول الرب يهوه في خروج ١٥: ٢٦: ” أنا الرب شافيك”. على الرغم من أن الله أعطى موهبة الشفاء لعدة أشخاص عبر العصور، فإن أحداً لم يدع قط أنه يشفي بسلطانه الشخصي كما فعل يسوع. وقد آمن التلاميذ الأوائل بذلك السلطان، وشفوا أشخاصاً وأخرجوا شياطين باسم يسوع (متى ١٠: ١؛ مرقس ٩: ٣٨؛ لوقا ١٠: ١٧). أصاب هذا الأمر أعداءه بالذعر (يوحنا ٩: ٢٤). فمَن هو الشخص العاقل الذي يمكن أن يقول إنه كان يشفي ويخرج الشياطين باسمه (سلطانه) الخاص؟ فهذا يكون بمثابة نزع المجد الذي يخص الله وحده.
قال يسوع إن له سلطاناً على القوى الشيطانية لأن هذا جزء من قدرته الشفائية (متى ١٢: ٢٢-٢٩)، وهي حقيقة أقرت بها الشياطين المهزومة معترفة بأنه ” قدوس الله “و” ابن الله”(مرقس ١: ٢٤؛ ٥: ٧؛ لوقا ٤: ٣٤). وقد اتفقت الكنيسة الأولى وعلّمت بأن كل الملائكة والرياسات والقوات خاضعة له (١بطرس ٣: ٢٢). وعندما تقابل بطرس في أعمال ٩: ٣٤ مع رجل مفلوج، دعا الرجل باسمه وقال له: ” يا اينياس، يشفيك يسوع المسيح “فشفاه فعلاً. وهنا نجد أن يسوع الموجود في السماء يعمل عمل الشفاء-تماماً مثل الله.
وهكذا يتكلم الكتاب المقدس بصوت قوي ونبرة عالية. لقد اتخذ يسوع لنفسه أسماءً وألقاباً لا يمكن أن تنطبق بحق إلا على الله، وبهذه الأسماء والألقاب دعاه آخرون: يهوه والله، والألف والياء، والأول والآخر، والرب، والُخلص، والملك، والديّان، والفادي، والرب برنا. يشترك يسوع مع الله في ألقاب مثل” النور”، و ” الصخرة “، و ” الزوج “(العريس)، و ” الراعي”، و ” الخالق”، و ” معطي الحياة”، و “غافر الخطايا”، و “الشافي”.
طالما يسوع هو الله، فهو يحمل -بالإضافة إلى ألقاب الله وأسمائه -صفاتاً لا يمكن أن تكون إلا لله وحده. فهل حَمَل هذه الصفات؟ وهل يُعلِّم الكتاب المقدس ذلك؟
يسوع المسيح له أسماء الله وألقابه، فهل تؤمن بلاهوته؟