القفزات في نظرية التطور – وهل يمكن أن يكون أول طائر خرج من بيضة إحدى الزواحف؟

القفزات في نظرية التطور

هل وافق أصحاب التطور عن طريق القفزات على فكر داروين؟ وهل يمكن أن يكون أول طائر خرج من بيضة إحدى الزواحف؟

القفزات في نظرية التطور
هل وافق أصحاب التطور عن طريق القفزات على فكر داروين؟ وهل يمكن أن يكون أول طائر خرج من بيضة إحدى الزواحف؟

خامسًا: التطور على قفزات أو التوازن المتقطع:

ج: يرفض أصحاب هذا الرأي فكر داروين الذي قال أن التطور يحدث بشكل تدريجي وتراكمي، إنما قالوا أن التطور يتم بقفزات كبيرة ومتفرقة، ففي بداية السبعينيات أدرك “نايلز إلدردج” و”ستيفن غولد” أن سجل الحفريات لا يؤيد الداروينية الجديدة التي تنادي بالطفرة كأساس للتطور، بل أن هذا السجل يثبت أن الكائنات الحيَّة قد ظهرت فجأة بكامل تكوينها، ولذلك قدم هذان العالِمان نموذجًا جديدًا يعتمد على أن التطور لم يحدث نتيجة تراكم اختلافات صغيرة.

إنما حدث نتيجة تغيُّرات فجائية كبيرة، وزعم عالِم الحفريات الأوربي “شانيدولف” -الذي أتبع نفس النهج- أن أول طائر خرج من بيضة إحدى الزواحف كقفزة كبيرة وطفرة هائلة نتيجة مصادفة ضخمة في التركيب الجيني. وبلا شك أنه بهذا نقل الحقائق العلمية إلى قصص خيالية مثل قصة تحوُّل الضفادع إلى بشر أُمراء، وفي أحسن الأحوال نقول أنها محاولات فاشلة لسد الفجوة التي يكشفها سجل الحفريات(1).

ويقول هارون يحيى ” يكاد يكون من غير المعقول أن تجرى محاولة لتفسير فجوات الحفريات الموجودة في تطور الطيور عن طريق الإدعاء بأن الطائر قد خرج فجأة من بيضة إحدى الزواحف.. لا يمكن لأية طفرة أيا كانت أن تُحسّن المعلومات الوراثية أو تضيف إليها معلومات جديدة، ذلك أن الطفرات لا تؤدي سوى إلى إفساد المعلومات الوراثية، ومن ثمَ فإن الطفرات الهائلة التي تخيلها التوازن المتقطع لن ينتج عنها غير إضعاف وإتلاف هائل أي كبير في المعلومات الوراثية.. إن سيناريو التطور برمته ما هو إلاَّ قصة خيالية وخدعة تتعارض تمامًا مع العالم الواقعي، وقد أُستخدم هذا السيناريو لخداع العالم منذ مئة وأربعين سنة، وبفضل الاكتشافات العلمية الأخيرة أصبح من المستحيل – أخيرًا – الاستمرار في الدفاع عنه”(2).

_____

(1) راجع هارون يحيى – خديعة التطور ص 36.

(2) خديعة التطور ص 36، 37.

القفزات في نظرية التطور

هل وافق أصحاب التطور عن طريق القفزات على فكر داروين؟ وهل يمكن أن يكون أول طائر خرج من بيضة إحدى الزواحف؟

ما هي الفروض التي اعتمدت عليها نظرية التطور عن طريق الطفرة؟

ما هي الفروض التي اعتمدت عليها نظرية التطور عن طريق الطفرة؟

ما هي الفروض التي اعتمدت عليها نظرية التطور عن طريق الطفرة؟

ج: يمكن القول أن نظرية التطور في ضوء عمل الطفرات تعتمد على ثمانية فروض، يمكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات هي:

المجموعة الأولى: تتناول العمليات الأساسية في التطور وهي:

1- يمكن إحداث تغيير في الأنواع الحية إذا عزلنا الأفراد ذوي الصفات المرغوبة، وحصر التكاثر بينها، ويتناول هذا الفرض الذين يهتمون بتربية الحيوانات الداجنة مثل إنتاج أنواع من البقر تتميز بتكوين اللحم مثل أبقار شورتهورن في إنجلترا، وأخرى تتميز بإدرار اللبن مثل أبقار الفريزيان الهولندية.

2- استمرار التغيير في الأمور الظاهرية يؤدي في النهاية إلى تغيير في الأمور الجينية، فاختيار أفراد معينة وحصر التكاثر بينها يؤدي إلى تغيير في المعين الجيني.

3- دائما تحدث طفرات، سواء كانت الطفرة صبغية (كروموزومية) أم جينية. كما يمكن أن تحدث معمليا بواسطة الإشعاع.

4- الطبيعة تحكم الاختيار عند التكاثر، فمثلا كانت الفراشات البيضاء كثيرة التواجد في مدينة مانشستر، ولكن عندما صارت المدينة قلعة صناعية ظهرت الفراشات السوداء ليس نتيجة عادم الصناعات، ولكن لأن الفراشات السوداء استطاعت أن تتخفى من أعدائها بواسطة دخان العوادم، فسادت في البيئة، بينما أخذت الفراشات البيضاء في الاختفاء لأنها لم تستطع أن تتخفى من أعدائها.

المجموعة الثانية: تتناول أسلوب حدوث عمليات التطور:

5- إذا أدى التغيير إلى توافر صفات مميزة، فإنها تساعد الأنواع على التكيف.

6- التغيرات التكيفية تراكمية في طبيعتها، ففي خلال الأجيال المتعاقبة تبدأ الزيادة المتدرجة في الصفات الجديدة.

المجموعة الثالثة: تتناول نتائج عملية التطور

7- نتيجة العمليات المذكورة في المجموعتين الأولى والثانية تظهر أنواع جديدة، لا تقبل التناسل مع أفراد النوع الذي نشأت منه، وأخيرا يتوفر لها الانعزال الجيني أو الوراثي Genetic Isalation.

8- استغرقت عملية تكوين أنواع جديدة ما يزيد عن 500 مليون سنة، ولذلك يعجز العلم عن الدخول في مرحلة التجربة بهذا الشكل لطول الفترة الزمنية، ولكنه يكتفي بالبحث في الشواهد التي يؤيدها واقع ملموس(1).

_____

(1) راجع علم الأحياء للصف الثالث الثانوي سنة 1990 / 1991م ص 201 – 207.

ما هي الفروض التي اعتمدت عليها نظرية التطور عن طريق الطفرة؟

الانتخاب الطبيعي – ما هي تعليقاتك على نظرية داروين في “الانتخاب الطبيعي”؟

الانتخاب الطبيعي – ما هي تعليقاتك على نظرية داروين في “الانتخاب الطبيعي”؟

الانتخاب الطبيعي – ما هي تعليقاتك على نظرية داروين في “الانتخاب الطبيعي”؟

ج:

1- تعتبر نظرية ” الانتخاب الطبيعي ” صحيحة في نطاق معين، فمثلا في وقت المجاعات تعيش الكائنات الأقوى، وفي انتشار الأمراض تنجو الكائنات الأقوى، وكذلك في الهروب من الخطر، وإن كانت هناك عوامل أخرى تتحكم في الأمر، فالموت لا يصيب الأضعف دائما، بل قد يصيب القوي أحيانا، وعند اقتتال الحيوانات لا تكون النصرة دائما حليفة الأقوى، بل أن هناك عوامل أخرى تتحكم في الأمر مثل عامل الصدفة، والظروف والملابسات، ولذلك قد يتعرض الكائن الأصلح والأقوى كالإنسان للموت بينما يحيا الكائن الأضعف مثل الفيروسات، وهل ننسى أن بعوضة ضعيفة قضت على الإسكندر الأكبر؟! ولو كان البقاء للأقوى فقط، فلماذا انقرضت الزواحف القوية الضخمة مثل الديناصورات من الوجود؟!

ويقول د. حليم عطية سوريال ” ثبت أن الانتخاب الطبيعي كما تصوره داروين لا يسير على قاعدة منتظمة، وأن للصدفة عمل مهم في إنتقاء الأفراد التي تعيش، فليس البقاء للأصلح دائما، بل كثيرا ما يموت الأصلح ويبقى الضعيف”(1) فمع ضعف الميكروبات، وبساطة تركيبها، وصغرها وعدم رؤيتها بالعين المجردة، ولكنها طالما فتكت بالإنسان والحيوان، حقا إن التنازع من أجل البقاء قد يؤدي إلى ندرة النوع، ولكن لا يؤدي إلى انقراضه.

2- يؤدي الانتخاب الصناعي (التهجين) إلى أصناف مميزة فقد نجح التهجين في الوصول إلى أصناف جديدة من الماشية تدر علينا أكثر أو تعطي لحوما أكثر، ووصل الإنسان عن طريق التهجين إلى الحمام الهزاز وهلم جرا، ولكن لم يخرج الناتج الجديد عن نطاق النوع قط، ولم يتحول إلى نوع آخر، فمن المستحيل أن الحمام يتحول إلى صقور أو كناري، ولم يتحول الكلب إلى ذئب، ولا الحمل إلى كلب، فكل ما يحدث هو تغيرات جسمية ضئيلة وضعيفة. ويعترف داروين بفشله في الوصول إلى حالة واحدة قد تطور فيها نوع ما إلى نوع آخر، فيقول بيتيت ” لقد أحس داروين بالحاجة إلى البرهان البيولوجي اللازم لتدعيم نظريته هذه.

وكتب في كتابه {الحياة والخطابات} مجلد 3 ص 25 يقول {يوجد على الأرض ما يتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين من الأجناس. وهذه الملايين توفر حقلا خصيبا للملاحظة، لكن يجب أن نقرر اليوم أنه بالرغم من كل الجهود التي بذلها ذوو الخبرة في الملاحظة لم توجد حالة تغيير واحدة من نوع إلى نوع آخر، استطاعوا أن يسجلوها} غير أن داروين، في اعتداده برأيه، كان يتوقع أن مواصلة البحث سوف تمدهم بالدليل المنشود. وحتى اليوم لم يأت هذا الدليل.

والبروفسور “باتسون” وهو من أبرز علماء الأحياء في النصف الأول من القرن العشرين، ومن يؤمنون بنظرية التطور أعطانا في سنة 1922م خلاصة دقيقة للأبحاث العلمية في مدى نصف قرن، قال {إن المساعي المتواصلة التي بذلت في صبر وطول أناة لم تسفر عن دليل واحد يؤيد تطور الأنواع إلى أنوع أخرى. وكل طريق جديد وثقوا فيه أنه يوصلهم إلى دليل، إذ به طريق مسدود}

وقال هذا العالم الفذ نفسه {فنحن لم نستطع أن نرى يوما كيف يحصل التغير من نوع إلى نوع، أما التغير في ذات النوع الواحد (من حيث الشكل أو الحجم أو اللون) فهذا نشاهده كل يوم، لكننا لسنا نشاهد تغييرا في أصل النوع. فتغير النوع ذاته عن أصله لا يزال أمره غامضا كل الغموض، مع أنه جوهري بالنسبة لنظرية التطور، إذ هو متعلق بأصل الأنواع وطبيعتها}”(2)(3).

3- يعجز الانتخاب الطبيعية أن يهب الكائن عضوا جديدا، فلو تطورت اللافقاريات إلى فقاريات، فمن أين أتت بالهيكل العظمي؟! ولو أن الزواحف تطورت إلى الطيور، فمن أين أتت بالريش والجهاز الهضمي والتنفسي الخاص والدم الحار؟!! وكذلك الوضع بالنسبة للحيوانات غير الثديية لو تطورت لحيوانات ثديية، فمن أين لها بالأثداء؟! وأيضا الحيوانات غير المشيمية لو تطورت إلى حيوانات مشيمية وهلم جرا..

4- يعجز الدارونيون عن توضيح كيفية تكون الأعضاء النافعة من خلال التطور، فلو العين مرت بمراحل تطور فإنها تكون عديمة الفائدة طالما لم تصل بعد إلى مرحلة الكمال، وكذلك خرطوم الفيل مثلا لو تصورنا أنه عدة سنتيمترات فلا فائدة له في دفاع ولا هجوم، فيقول د. حليم عطية سوريال “لا يمكن لنظرية داروين أن تفسر كيفية تكوين بعض الأجزاء الحيوانية المفيدة عند بعض الحيوانات مثل خرطوم الفيل – وإذا كان الفيل نشأ عن حيوان ليس له خرطوم لا بد أن يكون اكتسب خرطومه دفعة واحدة وليس تدريجيا على رأي داروين إذ لا فائدة من الخرطوم في أدوار نشوءها الأولى عندما كان طولها مثلا سنتيمترات قليلة لأنها لا تكون من المميزات المفية،

وخرطوم الفيل واحد من أمثلة عديدة حيرت داروين وأنصاره المعاصرين له نذكر منها الأسماك الكهربائية المعروفة بالرعاد، والأسماك المنيرة التي تعيش في قاع المحيط، والحشرات السامة، والحشرات المقلدة التي يشبه لونها لون النباتات، وغيرها من الحيوانات التي لها مميزات خاصة. فإن جميع تلك المميزات لا بد أن تكون اكتسبت دفعة واحدة حتى تكون مفيدة”(4).

وقد رأى “أنكين قورور” التركي وهو من أنصار التطور أن جناحي الطائر إن لم يوجدا مكتملين فلا قيمة لهما، فيقول ” إن الخاصة المشتركة في العيون والأجنحة هي أنهما لا تؤديان وظائفهما إلا إذا أكتمل نموهما، وبعبارة أخرى، لا يمكن لعين نصف نامية أن ترى، ولا يمكن لطائر أجنحته نصف مكتملة أن يطير، وفيما يتعلق بالكيفية التي تكونت بها هذه الأعضاء، فإن الأمر مازال يمثل أحد أسرار الطبيعة التي تحتاج إلى توضيح”(5).

ويقول هارون يحيى ” لقد فرض تصميم الريش على شارلز داروين أيضا أن يمعن فيه النظر، كما كان الجمال المثالي لريش الطاووس سببا في إصابته بالغثيان (بنص كلماته) فقد قال في خطاب كتبه إلى آسا غراي في الثالث من أبريل 1860م: كلما تأملت العين (يقصد العين بتركيباتها المعقدة) انطفأت حماستي لنظريتي، ولكني تغلبت بمرور الزمن على هذه المشكلة. أما الآن فبعض التراكيب الموجودة في الطبيعة تسلب راحتي، مثلا أن منظر ريش الطاووس يجعلني سقيما!”(6)(7).

واعترف داروين أنه لو ثبت أن الأعضاء المعقدة لا يمكن أن تأتي عن طريق التطور فستنهار نظريته بالكامل، فقال ” إذا كان من الممكن إثبات وجود أي عضو جسدي مركب، ليس من المحتمل أنه قد تم تكوينه عن طريق تعديلات بسيطة عديدة ومتتالية، فإن ذلك من شأنه أن يجعل نظريتي تنهار تماما. ولكني لا أستطيع أن أكتشف أي حالة بهذا الشكل، ولا شك في أنه يوجد الكثير من الأعضاء الجسدية التي لا نعرف مراحلها الانتقالية”(8) وقال “فرانك سالزبوري” وهو من دعاة التطور “أن عضوا معقد التركيب مثل العين قد ظهر أكثر من مرة، في الحبار والفقاريات والمفصليات.. إن التفكير في هذا يصبني بالدوار”(9)(10).

ومن الأمور الطريفة أن إحدى الحشرات وهي الخنفساء القاذفة ترد على داروين، فهذه الخنفساء يبلغ طولها سنتيمتر واحد، وتعيش في أمريكا اللاتينية، والأمر العجيب أنها عندما تشعر بالخطر تفرز مادتي بيراوكسيد الهيدروجين، والهيدروكينون، ثم تدخل هاتين المادتين في غرفة داخل جسمها ليتفاعلا مع مادتين آخرتين، يقومان بدور العامل المساعد، وينتج عن هذا التفاعل سائل حارق يندفع من أنف هذه الخنفساء تجاه من يهاجمها فتصيبه بالعمى.

ويعلق الأستاذ ” هشام عبد الرءوف ” على مقال “روبرت مانيور” في مجلة فوكس البريطانية العلمية بشأن هذه الحشرة، فيقول ” ويعد هذا النظام الدفاعي المحكم والمتقن غاية الإتقان واحدا من معجزات عديد يحفل بها عالم الطبيعة، وبالنسبة للعديد من المتدينين المسيحيين فإن مصطلح المعجزة مناسب بشكل خاص، فهم يرون حياة ” الخنفساء القاذفة ” واحدة من أبرز الأمثلة على دور الإله في الخلق (هكذا يقول الكاتب روبرت مانيور) كما يرون منها دليلا لا يقبل الشك على خطأ نظرية النشوء والارتقاء لداروين.

ويتساءل الباحثون.. كيف يمكن أن يطور نظام دفاعي بكل هذا التعقيد والتطور لدى تلك الحشرة الصغيرة بشكل عشوائي، لو تأملنا في هذا النظام بشكل أكثر دقة لوجدنا أن أيا من مفرداته ليس له قيمة بشكل منفرد، بل تكسب قيمتها عندما تجتمع معا لتزود الخنفساء القاذفة بأداة فعالة للدفاع عن نفسها، ولا يمكن تفسير مثل هذا الأمر حسب نظرية البقاء للأصلح التي خرج علينا بها تشارلز داروين.. قال وليم بالي سنة 1802م ” إنه من غير المقنع على الإطلاق أن شيئا قد تطور بالصدفة ليصبح مناسبا للغرض الذي وجد من أجله.. كعين الإنسان مثلا، وهنا يصبح من المقنع القول بأن هناك قوة مرشدة وراء تكوين هذا العضو وهذه القوة ببساطة هي الله”(11).

5- عجز أصحاب نظرية الانتخاب الطبيعي في شرح وتوضيح كيف نشأت الأنواع الجديدة، فتارة يقولون أنها نشأت نتيجة التغيرات في البيئة والمناخ، وتارة يقولون أنها نشأت نتيجة التغير في الصفات، ومرة ثالثة يقولون أنها نشأت نتيجة استعمال عضو معين وإهمال عضو آخر، ويقول ” هنري م. موريس ” عن نظرية التطور ” تفرض هذه النظرية وجود شكل ابتدائي مكون من خلية حية واحدة من المرجح أن تكون قد نشأت بالصدفة نتيجة إتحاد بين مواد غير حية ظهرت مصادفة، ومن هذه الخلية نشأت بالتدريج النباتات واللافقاريات عديدة الخلية، ثم الأسماك، والحشرات، والحيوانات البرمائية، ثم الزواحف، ثم الطيور، والثدييات، وأخيرا الإنسان.. والآن لنتأمل بصدق هذا الرأي:

هل يمكن أن تحدث حياة من إتحاد مواد غير حية ثم مصادفة؟ واضح أن هناك خللا خطيرا في هذا الفرض.. ولكي يتغلب داروين على هذا الخلل، افترض بكل بساطة أن الحياة ظهرت في وقت ما في الماضي عندما تهيأت ” الظروف ” الملائمة، وهو فرض غير أمين، لأنه ما هو المقصود بالظروف؟ وإن كانت قد حدثت في الماضي، فما الذي يمنع حدوثها الآن؟! وكمحاولة لخلق مادة حية من مواد غير حية، تم إجراء آلاف التجارب بواسطة علماء من شتى أنحاء العالم وفي جميع التخصصات، ولكن دون جدوى أو نجاح”(12).

كما يعلق ” هنري م. موريس ” أيضا على عجز نظرية التطور في تفسير كيفية حدوث التطور، فيقول ” لقد عجزت (نظرية التطور) عن إيجاد الدليل الكافي على كيفية حدوث التطور، وقد افترضت تفسيرات عديدة عن طريق عدد كبير من الباحثين والدارسين، ورغم ذلك فإن ميكانيكية عملية التطور لازالت غامضة كما كانت منذ مئات السنين. بل ويقرر علماء البيولوجيا المعاصرين جهلهم التام بهذا الجزء من النظرية”(13).

6- إن سادت ظاهرة ” الانتخاب الطبيعي ” في مكان يشح فيه الطعام، أو يكثر فيه الأعداء، فإنها لا تسود في مكان آمن يتوافر فيه الطعام بكثرة، كما ذكرنا أيضا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. وقد ركز داروين على فكرة الصراع من أجل البقاء، وتغافل أن الحياة في الأصل ليست تطاحن وصراع وقتال بقدر ما هي تعاون وتآزر وتحالف بين الكائنات الحية، فالإنسان والحيوان يتغذيان على ما تنتجه الأرض من نباتات، أو على بعض الكائنات الحية. ثم يموت الإنسان والحيوان ويعودون للتربة، وهكذا تستمر دورة الحياة بين التربة والنبات والحيوان والإنسان، ولا غنى عن أي منهم، وهناك أنواع كثيرة من التحالف بين الكائنات الحية، فالبكتريا التي تعيش على العقد الجذرية لنبات الفول وتتغذى منه، تفيده إذ تثبت المواد الأزوتية من الجو.

وفي شمال السودان يعيش طائر يعرف ” بالسقد ” يظل واقفا يقظا على رأس التمساح، فإذا لاح في الأفق فريسة أو عدو يصيح فيوقظ التمساح من سباته، ومقابل هذا عندما يفترس التمساح فريسته يفتح فاه لهذا الطائر الصديق فيتغذى على بقايا الطعام العالقة بأسنان التمساح، فيلتقطها ببراعة فائقة، حتى أنه ينظف تماما أسنان التمساح، وهكذا يستمر التعاون بينهما.

فالأصل في الحياة هو التعاون والتواصل، ولكن التطوريين يصورون الحياة على أنها صراع دائم وحرب شعواء، ويعطون التبرير للأقوياء للقضاء على الضعفاء، ويشجعون التمييز العنصري، ويرون أن القوة فوق الحق، والقسوة فوق الرحمة.. حقا إن هؤلاء التطوريون لا يتعلمون من الطبيعة التي تتضافر فيها العناصر من تربة وماء وهواء لإنتاج الغذاء للإنسان والحيوان، ولم يتعلموا من الطبيعة التي تجمع الكائنات الضعيفة مع القوية، فنرى الأسماك الصغيرة بجوار أسماك القرش والحوت، والعصافير بجوار النسور، والنمل بجوار الفهد، والتوازن البيئي يستمر ويسود،

فرغم افتراس الأسود للغزلان فإن الأخيرة لم تختف من على مسرح الحياة، ورغم توالد الذئاب بنسبة أكبر بكثير من توالد الحملان، لكن مازالت أعداد الحملان تفوق جدا أعداد الذئاب، وما أجمل القول أن ” المشاهدات الطبيعية لا ترينا -كما يظن الفكر التطوري- قيام البيئة أو الظروف المناخية برمي الأحياء الضعيفة خارج النوع،

ولا قيام الأحياء القوية بامتلاك حق الحياة وإبادة الضعفاء، لذا فالأصوات المنعكسة في سماء الوجود ليست عبارة عن جلجلة أصوات الأقوياء، وأنين أصوات الضعفاء وهي تموت. ومع أننا يمكننا العثور على أمثلة من هذا الأمر في التاريخ الإنساني من حين لآخر، إلا أنه عندما يسود الحق نرى ظواهر الرحمة والشفقة من الأغنياء نحو الفقراء والضعفاء، ونرى الشكر من الفقراء للأغنياء، هكذا كان ديدن التاريخ حتى يومنا الحالي”.

7- يعجز ” الانتخاب الطبيعة ” عن توضيح نظام الملائمة والموائمة الذي نجده سائدا في الطبيعة في الكائنات، مثل توافق الحشرات مع النباتات في نقل حبوب اللقاح، والتعاون بين أنواع من البكتريا والحيوان.

8- قول داروين عن الانتقاء الجنسي بأن الإناث يفضلن الذكور الأقوى، مع أن هذا لا يحدث دائما، فهناك عناصر أخرى تتحكم في الأمر مثل عنصر الصدفة، والارتباط، أكثر من الاعتماد على عنصر التفضيل فقط.

9- القول بالاصطباغ الصناعي كدليل على أدلة التطور يعتبر مغالطة وخداع كبير، لأنه سواء سادت الفراشات ذات اللون الأبيض أو الأسود، فإن هذا الموضوع بعيد كل البعد عن التطور، لأن الفراشات ظلت كما هي فراشات، لم تتحول إلى نوع آخر، ولم يستجد عليها عضوا جديدا، فالانتقاء الطبيعي لم يحول نجمة البحر إلى سمكة، ولا السمكة إلى ضفدعة، ولا الضفدعة إلى تمساح، ولا التمساح إلى طائر، ولا الطائر إلى حيوان ثديي، ولا الحيوان الثديي إلى إنسان.

10- مازالت بعض الكائنات الأولية الضعيفة، كما هي لم تتطور ولم تتغير منذ وجودها على الأرض، وهذا ثابت من الحفريات القديمة، ومن أمثلة هذه الكائنات الأميبا، والطحالب الزرقاء، والإسفنجيات، والرخويات، ويقول دكتور كمال شرقاوي غزالي ” فمثلا بكتيريا الإشيريشيا كولاي Escherchia Coli دلت الأحافير على أنها قد بقيت على ما كانت عليه منذ 250 مليون سنة، فلماذا لم تتطور؟ والطحالب الزرقاء وجدت منذ نحو بليون سنة على الأقل، وهي موجودة حتى الآن وكما كانت منذ ذلك التاريخ، ومومياء الطائر المصري ” أبو منجل ” لا تدل على حدوث أي تطور في أبي منجل اليوم عن أبي منجل منذ سبعة آلاف سنة”(14).

وقد أدرك داروين هذه الحقيقة فعلل ذلك بأن بعض الكائنات مثل الديدان الأرضية ليست في حاجة للتطور، فيقول ” قد يثور اعتراض على أنه إذا كانت جميع الكائنات العضوية تميل بهذا الشكل لأن ترتفع في الميزان (أي تنشد التطور) فكيف تسنى أن عددا كبيرا من الأشكال الدنيئة مازال موجود في جميع أنحاء العالم، وكيف تسنى أنه يوجد في كل طائفة كبرى بعض من الأشكال الأكثر ارتفاعا في مستوى التكوين عن أشكال أخرى؟ وكيف أن الأشكال الأكثر ارتفاعا في مستوى التكوين في كل مكان، لم تحل وتبيد الأشكال الأقل تكوينا..؟

في نظريتنا فإن استمرار تواجد الكائنات الدقيقة لا يشكل أي صعوبة، وذلك لأن الانتقاء الطبيعي، أو البقاء للأصلح، لا يتضمن بالضرورة نشوءا ارتقائيا.. وقد يثور تساؤل عن الميزة التي قد يكتسبها.. أحد أشباه الحيوانات النقاعية، أو دودة معوية، أو حتى دودة أرضية، من أن تكون على مستوى عال من التكوين. وإذا لم تكن هناك ميزة، فإن هذه الأشكال سوف يتم تركها بواسطة الانتقاء الطبيعي، بدون تحسين، أو سوف تتحسن بشكل طفيف، وقد تبقى لعهود بدون نهاية على حالتها المتدنية الحالية.. ولكن لكي نفترض أن معظم الأشكال الدنيئة الموجودة حاليا لم تتقدم ولو بشكل بسيط منذ بزوغ فجر التاريخ، فإنه سوف يكون افتراضا متسرعا”(15).

ورغم محاولة داروين تبرير الموقف، لكن يظل السؤال قائما، وهو إن كان التطوريون يعتقدون أن أصل الحياة كلها الأميبا وحيدة الخلية التي تطورت وتنوعت، فلماذا مازالت هناك أنواعا من الأميبا Amoeba مازالت كما هي لم تتطور بعد؟! وإن كانت الأميبا تطورت حتى وصلت إلى مرحلة الإنسان، فلماذا يستكثر داروين على الدودة الأرضية أن تتطور فتصير حصانا مثلا؟!

11- أثبتت الحفريات أن الكائنات الحية منذ وجودها على الأرض لم تشوش ولم تختلط ببعضها، فكل كائن حافظ على جنسه، وتحقق القول الإلهي ” فأخرجت الأرض عشبا وبقلا يبذر بذرا كجنسه وشجرا يعمل ثمرا بذره فيه كجنسه” (تك 1: 13).. ” وكل طائر ذي جناح كجنسه” (تك 1: 21).. ” فعمل الله وحوش الأرض كأجناسها والبهائم كأجناسها وجميع دبابات الأرض كأجناسها” (تك 1: 25) أما الإنسان فقد جبل على صورة الله ومثاله ” وقال لهم أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض” (تك 1: 28).

12- قال الدارونيون أن الخلية الأولى استغرقت عدة ملايين من السنين حتى تطورت وظهر منها كائنات متنوعة، بينما كانت الأرض منذ ربع مليون سنة عبارة عن كتلة غازية ملتهبة لا تسمح قط بوجود الحياة عليها.

حقا لو عرف داروين قوانين الوراثة التي اكتشفت بعده، لتخلى عن نظريته وهو هادئ ومطمئن البال.

_____

(1) تصدع مذهب داروين والإثبات العلمي لعقدية الخلق ص 94.

(2) فضح الهرطقات ص 85.

(3) أورده برسوم ميخائيل – حقائق كتابية جـ 1 ص 154، 155.

(4) تصدع مذهب داروين والإثبات العلمي لعقيدة الخلق ص 94، 95.

(5) أورده هارون يحيى – خديعة التطور ص 55.

(6) Norman Macbeth Darwin Retried P 101.

(7) المرجع العربي السابق ص 60.

(8) أصل الأنواع ص 99.

(9) Frank Salisbury, Doubts About the Modern Synthetic Theory of Evolution , P 338.

(10) أورده هارون يحيى – خديعة التطور ص 193.

(11) مجلة العلم عدد 345 – يونيو 2005م ص 32، 33.

(12) ترجمة نظير عريان ميلاد – الكتاب المقدس ونظريات العلم الحديث ص 60، 61.

(13) المرجع السابق ص 63.

(14) التطور بين الضلال وممارسة حق النقد ص 53.

(15) أصل الأنواع ص 217، 218.

الانتخاب الطبيعي – ما هي تعليقاتك على نظرية داروين في “الانتخاب الطبيعي”؟

هل يمكن إلقاء الضوء على نشأة داروين، ورحلته، ومؤلفاته؟

هل يمكن إلقاء الضوء على نشأة داروين، ورحلته، ومؤلفاته؟

هل يمكن إلقاء الضوء على نشأة داروين، ورحلته، ومؤلفاته؟

ثانيا: داروين (1809 – 1882م) والانتخاب الطبيعي

ج: ولد شارلز روبرت داروين Charles Robert Darwin في 12 فبراير 1809م من أب طبيب وأم من أسرة غنية، فهو الابن الثاني من الزوجة الثانية ” سوزان ودجوود ” Syzan Wedgewood التي كانت تشجعه على البحث رغم أنها توفيت وهو في الثامنة من عمره، وفي أحد الأيام كانت قد أعطته زهرة وأخبرته أنه يستطيع أن يعرف صفة النبات بالنظر إلى داخله، وكان جده دكتور ” أراسموس داروين ” Erasmus Darwin الطبيب المشهور يؤيد أفكار التطور التي إعتنقها ” دي ميل ” De Mille والتي تعتبر مقدمة لظهور مذهب ” دي لامارك ” وقد أصدر د. أراسموس داروين كتابا بعنوان ” أسماء الحيوانات”.

أمضى شارلز سبع سنوات في مدرسة ” شروزبوي ” حيث إقتصر التعلم على الحفظ عن ظهر قلب فكره الدراسة، واتهمه مدرسوه بأنه بليد الذهن، فانصرف إلى الرياضة واقتناص الفئران، وكان شارلز داروين شغوفا بإجراء التجارب الكيميائية مع شقيقه الأكبر حتى أطلق عليه زملاؤه لقب ” السيد غاز ” Mr. Gas كما كان شغوفا بالأدب ولاسيما بكتابات ” شكسبير” و”والترسكوت ” و” بيرون ” وحتى سن السادسة عشر لم يكن وضعه يبشر بنجاح، فقد كان يهوى الصيد ومطاردة الكلاب، وجمع عينات الأصداف والأحياء البحرية والحشرات والطيور، ووجد فرصته لممارسة هواياته في مزرعة أخواله.

ثم ألحقه والده مع أخيه بكلية الطب جامعة أدنبرة باسكتلندا ليخلفاه مهنة الطب، ولكن ما أن رأى شارلز غرف العمليات وجثث الموتى حتى كره الكلية.. تصادق شالز داروين مع ” كولد ستريم ” Cold Stream و” جرانت ” Grant، وقد صار الاثنان من علماء الحيوان، وتعرف أيضا شارلز على عالم الطيور ” ماك جلفاري ” Mac Galvery، و” أوزوبون ” Ozobun الذي كان مغرما بدراسة الطيور، وكان يرسمها في صورها المختلفة، وبعد سنتين أرسله والده إلى كامبريدج Cambridge في أكتوبر 1827م ليدرس اللاهوت، ويحصل على مؤهلا يؤهله لأن يكون أحد رجال الدين، وبعد ثلاث سنوات حصل شارلز على المؤهل إكراما لوالده، بينما لم يكف عن ممارسة هوايته المفضلة في الصيد ودراسة التاريخ الطبيعي،

وأثناء دراسته في كامبريدج التحق بشعبة النبات لحبه في الرحلات العلمية المرحة التي كان يقوم بها أستاذه المحبوب ” جون هنسلو ” وقد تصادق داروين مع عالم النباتات المشهور هذا، حتى عرف داروين بالشاب الذي يمشي مع البروفسور هنسلو، وقرأ داروين في السنة الأخيرة من دراسة اللاهوت كتاب ” إسكندر فون همبولت ” عن رحلاته لأمريكا الجنوبية خلال المدة 1799 – 1804م، فحفزه هذا على السفر والرحلات، كما قرأ كتاب ” مقدمة الفلسفة الطبيعية ” لصاحبة السير ” جون هرشل ” فحفزه على دراسة التاريخ الطبيعي وعلم طبقات الأرض.

ويرى دكتور كمال شرقاوي غزالي رئيس قسم العلوم البيولوجية والجيولوجية بكلية التربية جامعة الإسكندرية أن داروين كان عبئا على أسرته، فقد بدأ في دراسة الجيولوجيا بعد أن قرأ كتاب ” مبادئ الجيولوجية ” للجيولوجي الاسكتلندي ” تشارلز لايل ” Charles Lyell وأعجب بسهولة أسلوبه، ووصف داروين نفسه بأنه أصبح جيولوجيا، لكنه ما لبث أن سئم الجيولوجيا فتركه واصفا إياه بأنه علم فاتر وممل، وعندما التحق بكلية الطب بأدنبرة أخفق في دراسته وتركها بعد عامين، وبعد أن أمضى ثلاث سنوات في دراسة علم اللاهوت في كمبردج قال إن وقته قد ضاع هباءا وإنه معرض للضياع، فاتجه لممارسة الرياضة مع مجموعة من الشباب، ولكنه هجرها إلى الموسيقى، وعندما فشل في التمييز بين نغمة وأخرى هجرها أيضا، حتى إنه أحس أنه قد فشل في جميع الميادين(3).

رحلة داروين: زكى ” جون هنسلو ” تلميذه داروين ليصحب السفينة الحربية الصغيرة ” إتش. إم. إس. بيجل ” H. M. S. Peagle بقيادة القبطان ” متزوري ” وأقلعت السفينة من ميناء ” ديفون بورت ” يوم 27 ديسمبر 1831م إلى جنوب المحيط الأطلنطي والمحيط الهادي لمدة خمس سنوات، وهي تحمل على متنها داروين كباحث بدون راتب، وعندما رست السفينة في ميناء برايا Praia في 16 يناير 1833 رأى داروين لأول مرة أشجار التمر الهندي والموز والنخيل، ولاحظ داروين أن هناك طبقة من طبقات الأرض بيضاء ترتفع مئات الأمتار وتمتد عدة أميال، ووجد بها بعض الأصداف البحرية التي تشبه الأصداف الموجودة في بحر تلك المنطقة،

فتأكد داروين أن هذه الطبقة كانت في يوم ما غارقة في قاع البحر، وبذلك قال أن البيئة المحيطة هي في حالة تغير مستمر، وقطعت السفينة الرحلة إلى البرازيل، وداروين يجمع الحيوانات وعظامها والنباتات البحرية ويدرسها، بالإضافة إلى ما شحنه إلى إنجلترا من عظام ونماذج ليدرسها على مهل.

وعند مجاري الأنهار في الأرجنتين أكتشف حفرية الحيوان المنقرض ” توكسودون ” Toxodon الذي يصل حجمه إلى حجم الفيل، وله أسنان كأسنان الخرتيت، وأذنين وعينين وأنف كفرس البحر، فقال أن هذه إثباتات أن هذا الحيوان المنقرض كان يعيش في الماء، وعندما وصلت السفينة إلى ميناء ” تيراويل فويجو ” قرب القطب الجنوبي رأى بعض البشر الذين يسيرون عراة في مياه شديدة البرودة، فقال لا بد أن هؤلاء البشر قد ذودوا باستعداد بيولوجي لتحمل عذاب هذا الماء البارد.

وعندما وصل داروين إلى جزر جلاباجوس Galapagas الست المعزولة عن قارات العالم، والتي تقع على بعد نحو 1200 كم من شواطئ الأكوادور بأمريكا الجنوبية رأى أنوعا ضخمة من السحالي يصل وزن بعضها إلى مائة كيلوجرام، فسجل في مذكراته وصفا دقيقا لتلك السحالي والطيور وفي 2 أكتوبر 1836م انتهت رحلة السفينة بيجل، وعاد داروين إلى وطنه وقد بلغ عمره سبعة وعشرون عاما(2).

كما شاهد داروين بهذه الجزر بعض النباتات القليلة، وعندما تساءل بينه وبين نفسه: كيف نبتت هذه النباتات في هذه البيئة المالحة؟ ومن أين أتت؟ ثم أخذ بعض البذور من هذه النباتات ووضعها في ماء مالح بارد ثم زرعها فوجدها تنمو طبيعيا، فعلم أن هذه البذور قد جاءت إلى هذا المكان المنقطع عن طريق أمواج المحيط، فمن السهل أن تنتشر النباتات عبر البحار بعدة طرق مختلفة، فقد تحمل الأمواج البذار أو أفرع الأشجار اليابسة المحملة بالبذار، كما ذكرنا أيضا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. 

ورغم أنها تمضي أياما طويلة في المياه المالحة ولكن عدد كبير منها يمكنه أن ينبت بعد ذلك، وأجرى داروين مع السيد ” بيركلي ” Mr. Berkley بعض التجارب فوجد 64 صنفا من إجمالي 87 صنفا يمكنها أن تنبت بعد غمرها في المياه المالحة لمدة 28 يوما، بل أن القليل منها أنبت بعد غمره في المياه المالحة لمدة 137 يوما، ولوحظ أن ثمار البندق اليانعة تغوص في المياه المالحة، بينما التي تعرضت للجفاف فإنها تستطيع أن تطفو على الأمواج لمدة 90 يوما، ثم تنبت بعد هذا..

كما أنه يمكن لبعض البذور أن تنتقل بواسطة الطيور المهاجرة، وذلك بأن تلتصق بأرجلها أو منقارها، أو قد تكون في حوصلتها وتتعرض للموت نتيجة الرحلة الشاقة، وقد لا تتعرض هذه البذار للهضم وتنزل مع زرق الطيور ويمكنها أن تنبت(1).

مؤلفات داروين: أخذ داروين يدرس الملاحظات التي دونها أثناء الرحلة، ولم يكن بعد قد إقتنع أن الكائنات الحية هي كائنات متحولة إلا بعض مضي سنتين أو ثلاث، ولم تكتمل نظرية ” نشأة الأنواع الحية ” في عقل داروين إلا سنة 1844م. ثم ظل طيلة خمسة عشر عاما يجمع الحقائق العلمية التي تؤيد نظريته قبل نشرها لأول مرة في 24 نوفبمر 1859م، وكان داروين قد نشر عدة كتب قبل هذا التاريخ، وأخرى بعد هذا التاريخ، وهي:

1- كتابا عن الجزر البركانية سنة 1844م.

2- صحيفة البحوث العلمية في رحلة بيجل سنة 1845م.

3- كتابا عن المريجيات إلى الحيوانات النباتية كالأسفنج سنة 1846م.

4- ” إخصاب الزهور ” مقال مهم سنة 1857م.

5- وسائل التخصيب المختلفة للسحلبيات بواسطة الحشرات سنة 1862م.

6- النباتات المفترسة سنة 1875م.

7- النباتات المتسلقة سنة 1875م.

8- تأثير التهجين والإخصاب الذاتي في المملكة النباتية سنة 1876م.

9- الأشكال المختلفة للزهور في النباتات التابعة كنوع واحد سنة 1877م.

10- القدرة على الحركة في النباتات سنة 1880م.

11- التعبير عن الانفعالات.

12- تكوين الفطريات بفعل الديدان.

أما أهم الكتب التي ألفها داروين وأثارت ضجة كبيرة، فهي كتاب ” أصل الأنواع ” الذي ظهرت طبعته الأولى التي تقع في 490 صفحة في 24 نوفمبر 1859م، حيث طبع منه 1250 نسخة نفذت في نفس اليوم الذي طرحت فيه، ومازال يعاد طبع الكتاب بلغات عديدة حتى اليوم، وكتاب ” نشأة الإنسان ” الذي طبع سنة 1871م.

وكان قد أصيب داروين بمرض غريب سنة 1834م في ميناء ” فلباريزو ” ورغم أنه برأ منه إلا أنه ترك آثاره على جسده، فكانت تعاوده نوبات من دورات متعاقبة من الغثيان والشعور بالألم والتعاسة، وفي سنة 1839م تزوج داروين، وفي سنة 1842 م ترك لندن إلى مقاطعة ” كنت ” حيث اشترى منزلا ومزرعة واستمر في دراساته وتأليف كتبه.

_____

(1) راجع أصل الأنواع ص 595 – 603.

(2) راجع مقدمة سمير حنا صادق لكتاب أصل الأنواع – ترجمة مجدي محمود المليجي ص 17 – 20.

(3) راجع التطور بين الضلال وممارسة حق النقد ص 20، 21، 71.

هل يمكن إلقاء الضوء على نشأة داروين، ورحلته، ومؤلفاته؟

الكائنات الحية من الجماد – هل يمكن أن تأتي الكائنات الحيَّة من الجماد؟

الكائنات الحية من الجماد – هل يمكن أن تأتي الكائنات الحيَّة من الجماد؟

الكائنات الحية من الجماد – هل يمكن أن تأتي الكائنات الحيَّة من الجماد؟

4- الكائنات الحية لا تأتي إلا من كائنات حية

ج: لقد أخطأ الذين ظنوا أن الكائنات الحية – مثل البكتيريا التي تظهر على الخبز، أو الديدان التي تظهر في الجبن أو اللحوم، أو الديدان التي تظهر في الأرض الرطبة – تأتي من غير كائنات حية، وقد أوضح ” باستير ” هذه الحقيقة عندما أستخدم أسلوب التعقيم، ولو أن الحياة نشأت من التوالد الذاتي، فلماذا لا يحدث مثل هذا التوالد الآن؟ لماذا لا نرى مادة حية تخرج من الجماد..؟!

هل أصيبت القوى الطبيعية بالعقم فلم تعد قادرة على إيجاد كائنات حية من الجماد..؟! هل تغيرت نواميس الطبيعة للأضعف؟! ويقول د. حليم عطية سوريال ” ولكن تجارب العلامة ” باستير ” صدمت نظرية التوالد الذاتي صدمة قاتلة، فإن ذلك الباحث العبقري ” باستير ” اكتشف أعظم ناموس حيوي وهو أن الكائنات الحية لا يمكن أن تأتي إلا من كائنات حية مثلها، وهذا الناموس يسري على أصغر الميكروبات كما يسري على الحيوانات الكبيرة، وغني عن البيان أن هذه القاعدة قبلت بالإجماع، ولم يسع المكابرون سوى التسليم بها..

وعلى ذلك نرى أنه كان يجب أن لا يكون مجال للتكلم عن التوالد الذاتي بعد باستير، ولكن عقلية الماديين غريبة مدهشة لا تقبل التسليم بالواقع.. يناقضون أنفسهم تناقضا بينا ويخلقون لأنفسهم مشاكل لا يمكنهم حلها لأن قبولهم نظرية التوالد الذاتي يضع أمامهم معضلات أعظم من معضلة الاعتقاد بالخلق الخاص، ويمكننا أن نشير إلى بعض تلك المعضلات:

(أولا) إنهم يعترفون أن التوالد الذاتي لا يحدث الآن.. فإن كان التوالد الذاتي لا يحدث الآن ألا يحق لنا أن نسأل ما الذي جعل قوة الطبيعة والمادة تشيخ وتهرم – ما لها عقمت وعجزت عن خلق كائنات حية من الجمادات كما فعلت سابقا؟ إذا نواميس الطبيعة متغيرة متقلبة لا تثبت على حال فإذا قالوا بذلك يواجهون مشكلة أخرى، لأن القول بعدم ثبات نواميس الطبيعة يترتب عليه انهيار العلم كله.

(ثانيا) إنهم يقولون أن أول الكائنات الحية أعني التي نشأت بالتوالد الذاتي كانت صغيرة جدا وعلى غاية البساطة.. وتولدت منها المخلوقات الكبيرة، وهذا القول لا يتفق مع الحقائق العلمية لأن المخلوقات الحية مهما كانت صغيرة الحجم لا يعتبرها العلم بسيطة لأن البساطة لا تتفق مع مميزات الحياة، لأنه بين أصغر خلية حيوانية أو نباتية وبين المواد الغير عضوية الجمادية هوة عميقة لا يمكننا أن نتصور عبورها.. إن الخلايا الحية مهما صغر حجمها فهي عالم في ذاتها.. لها جميع مميزات الحياة الجوهرية الأساسية، فإنها تأخذ المواد الغذائية التي تصلح لها من الوسط الذي تعيش فيه وتهضمها كما نهضم طعامنا بواسطة عصارات متشابهة.

وبعد هضمها تنبذ فضلات الطعام بطرق غاية في الدقة، وبعد ذلك تستخدم الطعام المهضوم لنفس الأغراض التي يستعمل فيها عند الحيوانات الكبيرة، فإنها تخلق منه مادة برتوبلازمية تشبه المادة المكون منها جسمها وتعوض بذلك المواد التي استهلكت في العمليات الحيوية.. على أن أروع وأبدع ما تشاهده في تلك المخلوقات الصغيرة هو عملية التوالد بالانقسام.. لأنها تنقسم بعملية غاية في الدقة إلى نصفين متساويين تمام المساواة يصير كل منهما فردا مشابها تمام المشابهة لوالده.. ولقد قال الأستاذ ولسن بصدد هذه الحقائق أن تقدم العلم قد وسع الهوة التي بين الكائنات الحية ذوات الخلية الواحدة وبين المواد الغير عضوية”(1).

وقد قام عالم الكيمياء ” لافوازييه ” Lavoisier في القرن التاسع عشر بتقسيم المواد الكيميائية إلى مجموعتين أحدهما لا يستطيع أن يصنعها إلا الأحياء من إنسان وحيوان ونبات، وأتفق على تسميتها بالكيمياء العضوية، والثانية هي المواد الكيميائية التي تنتشر في الطبيعة من تربة وماء

ثم اكتشف ” فوهلر ” Wahler سنة 1828م أنه يمكن تحضير البول معمليا، لذلك قالوا أن الكيمياء العضوية هي التي يدخل في تركيبها الكربون، وذرات الكربون لها قدرة فذة على الإتحاد بغيرها من العناصر، حتى وصلت مركبات الكربون إلى أكثر من ربع مليون مركب، ولا أحد يستطيع أن يدعي أن المواد غير الحية يمكن أن تجتمع معا لتكوين حياة، لأن الحياة لا تولد إلا من حياة، ولم ينجح للآن أي إنسان في تكوين خلية حية بالجمع بين المواد غير الحية!! وهذا ما يقر به علماء التطور أنفسهم.

أما القول بأن الحياة وجدت من تلقاء ذاتها فإنه يشبه القول بأن هذا المبنى وجد من ذاته بالصدفة بكل ما فيه من تجهيزات كهربائية وصحية ودهانات ونجارة وأثاث.. إلخ ومن يقدر أن يتصور أن الصدفة تدخلت في قطع الأشجار وتصنيعها أبوابا وشبابيك وأثاثات فاخرة بدون تدخل يد إنسان، والصدفة تدخلت أيضا فاختارت المواد التي يصنع منها السيراميك ووصلت به إلى هذه الدرجة من الجودة بدون تدخل إنسان.. إلخ ومع كل هذا فإن إمكانية وجود مبنى ضخم بكل ما يحويه من تحف وأثاث وأجهزة بمجرد الصدفة لهو أهون من وجود خلية حية واحدة!!

_____

(1) تصدع مذهب داروين والإثبات العلمي لعقيدة الخلق ص 71 – 77.

الكائنات الحية من الجماد – هل يمكن أن تأتي الكائنات الحيَّة من الجماد؟

هل الحياة مجرد تفاعلات كيميائية؟ وما هي مظاهر الحياة؟

هل الحياة مجرد تفاعلات كيميائية؟ وما هي مظاهر الحياة؟

هل الحياة مجرد تفاعلات كيميائية؟ وما هي مظاهر الحياة؟

3- الحياة ليست مجرد تركيب كيميائي

ليست الحياة مجرد تركيبا كيميائيا، والمظهر الكيميائي واحد من ثلاث مظاهر للحياة، والمظهران الآخران هما المظهر التشريحي والمظهر الفسيولوجي، ويقول د. حليم عطية سوريال ” أما القول بأن الحياة نشأت تدريجيا من المواد.. تمشيا مع ناموس النشوء والارتقاء على نحو ما ذكره الأستاذ شيفر في خطبته بالمجمع العلمي البريطاني سنة 1912م فلا يقبله العقل بتاتا، ويكفي لدحضه أن نذكر أن الحياة ليست مركبا كيميائيا، وأن لها ثلاثة مظاهر، وهو المظهر الكيميائي والمظهر التشريحي، والمظهر الفسيولوجي. أما المظهر الكيميائي فقد أشرنا إليه ويمكن فهمه إذا منعنا عن الكائن الحي عنصرا واحدا من العناصر التي يتركب منها فإنه ينهار بنيان حياته لا محالة.

ومن الوجهة التشريحية يلاحظ أن أجزاء الكائن الحي مرتبطة ببعضها ارتباطا في غاية الدقة والترتيب وحتى الخلية البسيطة ترينا أن أجزاءها ليست مبعثرة في داخلها خبط عشواء بل نرى أجزاءها الدقيقة وضعت بعناية فائقة في مواضع مخصوصة كعجلات وأتراس الساعة كذلك من الوجهة الفسيولوجية نرى أنه مع تعدد وظائف الحياة واختلافاتها، اتفاقا لغاية مخصوصة هي حفظ الحياة وحفظ النوع..

وتعدد مظاهر الحياة يبين استحالة توصل الإنسان إلى تكوين مخلوقات حية، ولا عبرة بالقول أن بعض الكيماويين توصل إلى صنع مواد عضوية مثل التي تصنعها البروتوبلازما وكان يجب على الذين يحاولون أن يصنعوا خلية حية أن يلموا بأسرار الحياة وأسرار البرتوبلازم التي مازالوا يجهلون عنها أكثر مما يعلمون. وهب أنهم توصلوا إلى صنع مادة كيماوية تشبه البروتوبلازما فهل تعتبر هذه خطوة نحو صنع كائن حي؟! وهل الكائن الحي مجرد مركب كيماوي؟! من ذلك يتضح أن محاولة صنع كائن حي هي إضاعة للوقت ومقضى عليه بالفشل”(1).

فمن جهة المظهر الكيميائي نجد الخلية تتركب من البروتوبلازم (وهو عبارة عن سيتوبلازم ونواة) واشتقت كلمة البروتوبلازم من البروتين، لأن البروتين هو الذي يكون البروتوبلازم، وتتكون مادة البروتين من خمس عناصر (كربون – أيدروجين – أكسجين – نيتروجين – كبريت) لا يمكن الاستغناء عن عنصر منها، ويقول د. ” فرانك اللن”.. ” أن البروتين الذي يدخل في تركيب الخلية الحية نباتية أو حيوانية يحتوي على خمسة عناصر الكربون والأيدروجين والنيتروجين والأكسحين والكبريت، ويبلغ عدد الذرات في الجزيء البروتيني الواحد 40 ألف ذرة، ولما كان عدد العناصر في الطبيعة نحو 103 عنصر، فإن احتمال اجتماع هذه العناصر الخمسة في كل هذه الأعداد ضئيلا جدا لدرجة المستحيل”.

ومن جهة المظهر التشريحي فالخلايا تختلف بحسب وظيفتها، فالخلايا العصبية تختلف عن العضلية، والاثنتان تختلفان عن خلايا عضلة القلب، وخلايا الدم تختلف عن كل ما سبق وهلم جرا.. وجميعها تعمل في انسجام تام، فالخلية الواحدة لا توجد قط في حالة فوضى وتبعثر، إنما توجد في غاية من النظام والدقة، وأيضا تختلف أجهزة الإنسان وأعضائه، ولكن كلها تعمل في انسجام تام في منتهى الدقة والبراعة.

ويقول ” كريسي موريسون ” في مقاله ” كيف بدأت الحياة؟”.. ” ونحن بوصفنا كائنات بشرية يتكون كل منا من أمم منتظمة من بلايين فوق بلايين من أمثال تلك الخلايا، وكل خلية فينا كأنها مواطن صالح يؤدي نصيبه الكامل من الخدمة الخالصة، كأنه في ذكاء.. ففي أي مخلوق حي يجب أن تكيف نفسها لتكون جزءا من اللحم أو تضحي بنفسها كجزء من الجلد الذي لا يلبث أن يبلى..

وهذه الخلية ترغم كل نسلها على أن يؤدي الخدمات وأن يتبع دون انحراف.. أن مئات الآلاف من الخلايا تبدو كأنها مدفوعة لأن تفعل الشيء الصواب، في الوقت الصواب، وفي المكان الصواب، والحق أنها طائعة.. بيد أنك قد تقول الآن، ولكن كل هذا لا يفسر لنا كيف بدأت الحياة، أو كيف جاءت إلى هذه الأرض، والكاتب لا يعرف كيف إلا أن يكون هناك خالق قد أوجدها”(2).

أما المظهر الفسيولوجي فيتجلى في أنه رغم اختلاف الوظائف الحيوية لخلايا وأعضاء وأجهزة الإنسان، إلا أنها لا تتعارض قط، إنما تتكامل معا لحفظ حياة النوع من الأحياء.

_____

(1) تصدع مذهب داروين ص 80 – 83.

(2) أورده برسوم ميخائيل – حقائق كتابية جـ 1 ص 213.

 

هل الحياة مجرد تفاعلات كيميائية؟ وما هي مظاهر الحياة؟

هل استطاع العلماء للآن التوصل إلى المادة الحية؟

هل استطاع العلماء للآن التوصل إلى المادة الحية؟

هل استطاع العلماء للآن التوصل إلى المادة الحية؟

2- فشل المحاولات للوصول للمادة الحية

لم يتمكن العلماء رغم كثرة التجارب التي أجروها من التوصل للمادة الحية، وجميع نظريات التوالد الذاتي فشلت في تفسير كيفية تكون الجزئيات الحية، فيقول د. أنور عبد العليم ” لم يتوصل أحد من العلماء حتى اليوم إلى تكوين جزئيات حية أو شيئا قريبا منها على الإطلاق، كما أن ثمة فراغات في هيكل نظرية نشأة الحياة لا بد من ملئها حتى تكتمل الصورة، وذلك الأمر لا ينكره العلماء المعاصرون أنفسهم الذين وضعوا أسس النظرية بل هم يسلمون به”(1).

وقال ” الكسندر ايفانوفيتش أوبارين ” A. I. Oparin أستاذ الكيمياء الحيوية بمعهد باخ بموسكو وعضو أكاديمية العلوم في المؤتمر الدولي الأول لعلوم البحار بنيويورك سنة 1959م والذي حضره مئات العلماء لبحث نشأة الحياة ” أن جميع المحاولات التي أجريت لتوليد الحياة من المواد غير العضوية سواء تحت ظروف طبيعية أو في المعمل قد باءت بالفشل”(2) كما قال “اسكندر أوبارين” أيضا (وهو أحد دعاة التطور) في كتابه ” أصل الحياة ” سنة 1936م ” لسوء الحظ، مازال أصل الخلية سؤالا يشكل -في الواقع- أكثر نقطة مظلمة في نظرية التطور بأكملها”(3)(4).

وقال الأستاذ ” كلاوس دوز ” رئيس معهد الكيمياء الحيوية بجامعة جوهانز جوتنبيرج ” لقد أدت أكثر من ثلاثين سنة من إجراء التجارب عن أصل الحياة في مجالات التطور الكيميائي والجزيئي إلى الوصول إلى إدراك أفضل لضخامة مشكلة أصل الحياة على الأرض بدلا من حلها، وفي الوقت الحالي فإن المناقشات الدائرة حول نظريات وتجارب أساسية في هذا المجال إما أن تنتهي إلى طريق مسدود أو إلى اعتراف بالجهل(5)(6).

ويقول الكيميائي الجيولوجي ” جيفري باد”.. ” ونحن نترك القرن العشرين اليوم، نواجه أكبر مشكلة لم يتم حلها استمرت معنا منذ دخولنا القرن العشرين، ألا وهي: كيف بدأت الحياة على الأرض”(7)(8).

إن العلم لا يدرك ماهية الروح، ولا يدرك سر الحياة، كل ما يدركه العلم هو مظاهر الحياة من تغذية ونمو وحركة وتنفس وانفعالات، وتكاثر.. إلخ، ويقول ” جون ألدر”.. ” عندما يموت الكائن الحي، فإننا لا نرى شيئا يخرج من جسده المنظور، ولكننا نعرف أنه مات أو فقد الحياة. إن جسده هو هو في مظهره بعد مضي ساعة على موته، كما كان قبل موته، ولكننا نعرف أن الحياة قد فارقته. فإن كانت الحياة موجودة ولو أنها غير منظورة، فلا غرابة على الإطلاق إن كان مصدرها موجودا ولو كان غير منظور، فالعقل والعلم ينتهيان من جهة الحياة إلى الله كأصلها ومنشئها”(9)(10) وقد سبق ” جورج ” ابن ” تشالز داروين ” وقال ” إن سر الحياة سيظل كما هو.. لا يسبر غوره”(11).

وحتى لو فرضنا جدلا أن الإنسان نجح في تصنيع خلية حية، فسيظل السؤال: ومن الذي خلق العناصر التي كونت هذه الخلية؟ وحتى لو فرضنا المستحيل أن العلماء نجحوا في تكوين جسم إنسان، فمن أين لهم بالروح سر الحياة..؟

لقد نجح العالم الروسي الملحد ” اسكندر أوبارين ” في تكوين يشبه إلى حد كبير البروتوبلازم، ولكنه فشل في أن يجعل هذا التجمع يقوم بالوظائف الحيوية التي تقوم بها الخلية الحية، وأيضا فشل الإنسان تماما في التغلب على قضية الموت وحفظ الحياة، حتى عندما أعلن عالم روسي أنه اخترع جهازا كهربائيا يعيد للغدد البشرية حيويتها، أعترف في نفس الكتاب قائلا ” أن الموت هو الصعوبة الوحيدة التي أعيت حيل العلم وأثبطت همم العلماء، وهو العدو الوحيد الذي لا يستطيع الإنسان قهره أو صده”(12)(13) كما أن الاستنساخ لا يعني أبدا قدرة الإنسان على خلق الحياة، لأن النعجة دوللي مثلا لم يتم استنساخها من مجرد مواد كيميائية، بل من خلية حية.

_____

(1) قصة الحياة ونشأتها على الأرض ص 153.

(2) المرجع السابق ص 112.

(3) Alexander I , Oparin , Origint of Life , P. 196.

(4) أورده هارون يحيى – خديعة التطور ص 106.

(5) Klaus Dose , the Origin of Life: More Questions than Answer – Jnterdis ciplimary Science Revieus , Vol 13 , No. 4 , 1988 , P. 348.

(6) المرجع قبل السابق ص 106.

(7) Jeffery Bada , Earth , P. 40.

(8) المرجع قبل السابق ص 106.

(9) الإيمان بالله ص 23.

(10) أورده برسوم ميخائيل – حقائق كتابية جـ 1 ص 58.

(11) المرجع السابق ص 48.

(12) أسرار الحياة ص 112.

(13) نيافة الأنبا بولا أسقف الغربية – الكتاب المقدس والعلم ص 35.

هل استطاع العلماء للآن التوصل إلى المادة الحية؟

هل يمكن للصدفة أن تكون خلية حية أو جزئ بروتين واحد؟

هل يمكن للصدفة أن تكون خلية حية أو جزئ بروتين واحد؟

هل يمكن للصدفة أن تكون خلية حية أو جزئ بروتين واحد؟

ج:

من كثرة تعقد الخلية قال ” فرد هويل ” عالم الرياضيات والفلك الإنجليزي، وهو من دعاة التطور ” أن احتمال ظهور الحياة العليا بهذه الطريقة يقارن بفرصة قيام إعصار جارف، يمر بساحة خردة، بتجميع طائرة بوينج طراز 747 من المواد الموجودة في الساحة”(1)(2).

وتتكون الخلية من مئات الآلاف من الجزئيات البروتينية المعقدة، بالإضافة إلى الأحماض النووية، والكربوهيدرات، والدهون، والفيتامينات، والكيماويات الأخرى في تصميم فائق للطبيعة، فإن كان يصعب الحديث عن الخلية الحية فدعنا يا صديقي نتحدث عن جزئ البروتين الواحد، ونرى هل يمكن أن يتكون بمجرد الصدفة؟!

يتكون جزئ البروتين من خمسة عناصر هي الكربون والأيدروجين والنيتروجين والأكسجين والكبريت، ويوجد في الطبيعة أكثر من مائة عنصر، فتصور كم يكون احتمال اجتماع هذه العناصر الخمسة فقط معا، دون أن ينقص عنصر معين من العناصر الخمسة، ودون أن يزيد عليها عنصرا سادسا، وحتى لو اجتمعت هذه العناصر الخمسة فلابد أن تجتمع بنسب معينة لتكون جزئ البروتين (الذي يتكون من 40 ألف ذرة)؟!!

ويقول هارون يحيى أن ” البروتينات هي عبارة عن جزئيات عملاقة تتكون من وحدات أصغر تسمى الأحماض الأمينية، تنتظم في تتابع معين بكميات وتركيبات محددة.. وتتكون أبسط هذه البروتينات من خمسين حمضا أمينيا، ولكن بعضها يتكون من آلاف الأحماض الأمينية، وتتجسد النقطة الحاسمة من أن غياب حمض أميني واحد من الأحماض الموجود في البروتين، أو إضافته، أو استبداله، يحول البروتين إلى كومة جزيئية عديمة الفائدة، ويجب أن يحتل كل حمض أميني المكان الصحيح والترتيب الصحيح، ويعتري اليأس نظرية التطور – التي تدعي أن الحياة قد ظهرت نتيجة صدفة – في مواجهة هذا الترتيب، لأن إعجازه أكبر من أن يفسر بواسطة الصدفة”(3).

وباستخدام نظرية الاحتمالات نجد أن جزئ البروتين متوسط الحجم يتكون من 288 حمضا أمينيا، مرتبة ترتيبا معينا، فاحتمال تكوينه فرصة واحدة من 10 300 أي فرصة واحدة من رقم = 1 ويمينه 300 صفرا. أما بقية التركيبات فإما تكون عديمة الفائدة أو ضارة بالحياة. وبما أن النسبة – في عالم الرياضيات – التي تصل إلى 1 من 10 50 = صفر، إذا فرصة تكون هذا الجزئ من البروتين أكثر من مستحيلة، وإن كان الوضع هكذا مع جزئ البروتين الذي يتكون من 288 حمضا أمينيا، فما بالك بالجزئ الذي يتكون من آلاف الأحماض؟!!.

ولذلك عندما أحتسب ” تشالز يوجين ” العالم السويسري نسبة إحتمال تكوين جزئ البروتين بمجرد الصدفة وجده نسبة 1: 10 160 أي فرصة واحدة من رقم = 10 ويمينه 160 صفرا، ويعلق نيافة الأنبا بولا أسقف طنطا وأستاذ مادة العلم والدين بالإكليريكيات على هذا الرقم قائلا ” وهو رقم لا يمكن النطق به أو التعبير عنه بكلمات، بل وجد بالدراسة أن كمية المادة التي تلزم لحدوث هذا التفاعل بالمصادفة – حيث ينتج جزئ واحد – أكبر من أن يتسع لها هذا الكون بلايين المرات. بل ويتطلب تكوين هذا الجزئ على سطح الأرض وحدها عن طريق المصادفة بلايين لا تحصى من السنوات قدرها العالم السويسري (تشالز يوجين) بأنها عشرة مضروبة في نفسها 243 مرة من السنوات 10 2430.

وحتى لو تجمعت كل هذه الذرات بالنسبة المطلوبة فهذا لا يعني تكوين جزئ البروتين.. لأن البروتين له الكثير من الأشكال والتي تختلف عن بعضها في نوعية وشكل ترتيب الذرات فيها، مما ينتج عن ذلك أنواعا كثيرة من البروتين، منها ما هو نافع، ومنها ما هو شديد السمية. ولقد حصر العالم الإنجليزي ” ج. ب. ليثز B. Leathes الطرق التي يمكن بها أن تتألف الذرات في أحد الجزئيات البسيطة من البروتينات فوجد أن عددها يبلغ (4810) وعلى ذلك فإنه من المحال عقليا أن تصنع الصدفة جزيئا بروتينينا واحدا”(4).

ويقول ” هارولد بلوم ” وهو من أنصار التطور ” أن التكوين العفوي لبوليببتيد Polypeptide في حجم أصغر البروتينات المعروفة أمر يفوق كل الاحتمالات”(5) وكثير من علماء التطور يعلمون أن ” احتمال تكوين البروتين C (Cytochrome) الضروري للحياة عن طريق الصدفة هو احتمال ضعيف جدا يعادل كتابة قرد لتاريخ الإنسانية كلها على آلة كاتبة دون أي أخطاء!!”(6).

حقا أن جزئ البروتين يمثل انسجاما لا يسبر أغواره، فمن المستحيل أن يكون قد تكون بمجرد الصدفة، بينما يزعم التطوريون أن ملايين البروتينات تكونت بطريق الصدفة، وتجمعت لتكون خلايا بالصدفة أيضا, بينما لو رأى أحدهم ثلاثة أحجار بناء صفت الواحد فوق الآخر، وحاولت إقناعه أن الصدفة هي التي جمعت الأحجار بهذه الصورة لا يصدق.

ويقول دكتور “مايكل بيهي” عالم الكيمياء الحيوية الأمريكي وهو من مؤيدي نظرية ” التصميم الذكي ” intelligent design ” على مدى الأربعين سنة الماضية أكتشف علم الكيمياء الحيوية الحديث أسرار الخلية، وقد استلزم ذلك من عشرات الآلاف من الأشخاص تكريس أفضل سنوات حياتهم في العمل الممل داخل المختبرات.. وقد تجسدت نتيجة كل هذه الجهود المتراكمة لدراسة الخلية (ودراسة الحياة عند المستوى الجزيئي) في صرخة عالية، واضحة وحادة تقول: التصميم المبدع!

وكانت هذه النتيجة من الوضوح والأهمية بمكان بحيث كان من المفترض أن تصنف ضمن أعظم الإنجازات في تاريخ العلم، ولكن -بدلا من ذلك- أحاط صمت غريب ينم عن الارتباك بالتعقيد الصارخ للخلية.. ولكن لماذا لا يتوق المجتمع العلمي إلى قبول هذا الاكتشاف المذهل..؟ تكمن الورطة هنا في أن قبول فكرة التصميم الذكي المبدع، يؤدي حتما إلى التسليم بوجود الله”(7)(8).

ولئلا يرجع أحد ويقول أن بلايين السنين كفيلة بتخطي هذا المستحيل، يقول “وليم ستوكس ” في كتابة ” أساسيات تاريخ الأرض”.. ” أن هذه الصدفة من الصغر بمكان بحيث لا يمكن أن تتكون البروتينات خلال بلايين السنين وعلى بلايين الكواكب التي يكسو كل منها غطاء من المحلول المائي المركز الذي يحتوي على الأحماض الأمينية الضرورية”(9)(10).

وقام ” روبرت شابيرو ” أستاذ الكيمياء بجامعة نيويورك وأحد خبراء الحمض النووي، بحساب احتمال التكوين العرضي لألفى نوع من أنواع البروتينات الموجودة في بكتيريا واحدة (يوجد مئتا ألف نوع من البروتينات في الخلية البشرية!) فجاءت نتيجة الحساب 1 من 400010- أي رقم 10 أس أربعة آلاف – وهذا رقم هائل لا يمكن تخيله”(11) وعقب على هذا ” تشاندر ويكرا ماسنغي ” أستاذ الرياضيات التطبيقية والفلك بالكلية الجامعية في كارديف ويلز قائلا ” تتجسد احتمالية التكوين العضوي للحياة من مادة غير حية من احتمال واحد ضمن احتمالات عدد مكون من الرقم 1 وبعده 4000 صفر. وإذا لم تكن بدايات الحياة عشوائية فلابد أنها قد نتجت عن عقل هادف”(12).

ويقول نيافة الأنبا بولا أسقف طنطا ” بل وإن اجتمعت جزيئات البروتينات وفق الطرق المختلفة التي ذكرت، فكيف تتلاقى الجزيئات المتشابهة لتكون نسيجا واحدا, وكيف تتجاور معا بالطريقة والشكل الذي يعطينا شكل الأنسجة حيث يتميز كل منها بشكل مختلف عن الآخر. بل وكيف للأعضاء أن تتجمع لتكون لنا جهازا من أجهزة الإنسان وهكذا..!! بل وإن وجدت كل هذه، فسنجد أنفسنا أمام مواد كيماوية, وإن كان لها شكلا إلا أنها بلا حياة, ولا تحل فيها الحياة إلا عندما يحل فيها ذلك السر العجيب الذي لا ندري عن كنهه شيئا”(13).

_____

(1) Hoyle on Evolution, Nature, Vo I، P 105.

(2) أورده هارون يحيى – خديعة التطور ص 109.

(3) خديعة التطور ص 110.

(4) الكتاب المقدس والعلم – أيام الخلق ص 31، 32.

(5) أورده هارون يحيى – خديعة التطور ص 111.

(6) المرجع السابق ص 172.

(7) Michael j.Behe، Darvrin’s Black Bax, pp. 232-233.

(8) أورده هارون يحيى – خديعة التطور ص 26.

(9) W.R.Bird،The Origin of Species Revisited،p.305.

(10) المرجع السابق ص 112.

(11) أورده هارون يحيى – خديعة التطور ص 112.

(12) المرجع السابق ص 113.

(13) الكتاب المقدس والعلم – أيام الخلق ص 32.

هل يمكن للصدفة أن تكون خلية حية أو جزئ بروتين واحد؟

هل فعلا عاش كلاً من نوح وآدم أكثر من 900 سنة؟ ولماذا لا نعيش الآن كل هذه السنوات؟ ترجمة: مينا خليل

هل فعلا عاش كلاً من نوح وآدم أكثر من 900 سنة؟ ولماذا لا نعيش الآن كل هذه السنوات؟ ترجمة مينا خليل

هل فعلا عاش كلاً من نوح وآدم أكثر من 900 سنة؟ ولماذا لا نعيش الآن كل هذه السنوات؟ ترجمة مينا خليل

هل فعلا عاش كلاً من نوح وآدم أكثر من 900 سنة؟ ولماذا لا نعيش الآن كل هذه السنوات؟ ترجمة: مينا خليل

 

يعلم الكتاب المقدس بطريقة مبسطه أن الآباء الأوائل في الغالب عاشوا ما يقرب من الف سنة بل وقد انجبوا أطفالا عندما كانوا في عمر أكثر من بعض المئات من السنين.

“عاش متوشالح 900 سنة لكن هذه القصص التي من الممكن أن تقرأها في الكتاب المقدس ليست بالضرورة كذلك. ” هذا ما قاله المؤلف جورج جيرشون.

والعديد من الناس تجد الصعوبة بان تصدق أن متوشالح عاش حوالي 969 عام على اي حال من الأحوال فان الكتاب المقدس يعلم بطريقة مبسطه أن الآباء الأوائل البطاركة في الغالب عاشوا ما يقرب من الف سنة بل وقد انجبوا أطفالا عندما كانوا في عمر أكثر من بعض المئات من السنين!

نفس هذه المقولات عن طول حياة الإنسان قد وجدت في الأدب الدنيوي. العديد من الحضارات القديمة مثل البابلية واليونانية والرومان والهنود والصين ولكن اذا اختصرنا حياة الإنسان لألف سنة فهو امر محزن عندما نؤمن أن الله قد خلقنا في البداية لنحيا للابد.

كما ذكر في الكتاب المقدس أن الله خلق أول زوجين في البشرية ادم وحواء من غير خطية واعطى لهم القدرة على أن يعيشوا للابد اعطى الله الإنسان الأول كل ما يحتاجه لكي يحيا إلى الأبد بالصحة والسعادة الأبدية في جنه عدن ولكنه حظرهم بان لا يأكلوا من ثمار شجرة معرفة الخير والشر والا يموتوا. حقيقي سيموت كل من يأتي من بعدهم (سفر التكوين 2 : 16-17) وعندما جاء الشيطان لكي يخدع حواء كي لا تطيع هذه الوصية نجحت في الخداع ومن ثم ادم لم يطع بكل إرادته (سفر التكوين 3)

فعقولهم وأجسامهم قد تغيرت بشدة. ليس فقط قد أصبحوا عرضة للموت ولكن أول طفل لهم ” قايين ” أصبح أول قاتل في البشرية. بالحقيقة أجرة الخطية هي الموت. جسديا وروحيا. انه من الواقع الحكيم أن يستعرض الكتاب المقدس في صفحات قليلة فقط ما حدث من بدء الخليقة إلى السقوط في الخطية.

لأننا لسنا مستحقين لمحبه الله الذي قد وعد وأرسل المسيح لكي يخلصنا من خطايانا والموت. أنظر (سفر التكوين 3: 15 أشعياء 25: 8 المزامير 49: 14-15 يوحنا 5 -13).

ولمدة 1500 سنة بعد الخليقة عاش الإنسان حياة طويله نسبيه حيث كان معظمهم معاصرين للإنسان الأول ادم أو لشخص كان يعرفه. الآباء البطاركة العشرة الأوائل (باستثناء أخنوخ) كانوا قبل الطوفان وعاشوا متوسط 912 سنة.

لامك مات الأصغر بينهم 777

متوشالح عاش الأطول 969

 

انظر جدول 1

جدول 1 الآباء من ادم حتى نوح

المرجع الكتابي

العمر

الآباء

 

التكوين 5 :4

930

ادم

1

التكوين 5 :8

912

شيت

2

التكوين 5 :11

905

انوش

3

التكوين 5 :14

910

قينان

4

التكوين 5 :17

895

مهللئيل

5

التكوين 5 :20

962

يارد

6

التكوين 5 :23

365 ثم اختفى

أخنوخ

7

التكوين 5 : 27

969

متوشالح

8

التكوين 5 : 31

777

لامك

9

التكوين 9 : 29

950

نوح

10

 

وخلال الألف سنة التالية للطوفان بدا الكتاب المقدس بتسجيل انخفاض رهيب بطول حياة الآباء البطاركة الأولين من أول نوح الذي عاش 950 سنة حتى إبراهيم الذي عاش 175 سنة.

في الحقيقة موسى كان كبير السن بطريقة غير معتادة في زمنه 120 سنة لان هذا يعكس إيجاز الحياة:

ولقد كتبه في الكتاب المقدس ” أيام سنينا هي سبعون سنة، وان كانت مع القوة فثمانون سنة، وافخرها تعب وبلية، لأنها تقرض سريعا فنطير. ” (مز 90 : 10).

 

جدول 2 أعمار الآباء البطاركة من نوح إلى إبراهيم

المرجع الكتابي

العمر

الاباء

 

التكوين 11 : 10 , 11

600

سام

11

التكوين 11 : 12 , 13

438

ارفكشاد

12

التكوين 11 : 14 , 15

433

شالح

13

التكوين 11 : 16 , 17

464

عابر

14

التكوين 11 : 18 , 19

239

فالج

15

التكوين 11 : 20 , 21

239

رعو

16

التكوين 11 : 22 , 23

230

سروج

17

التكوين 11 : 24 , 25

140

ناحور

18

التكوين 11 : 32

205

تارح

19

التكوين 25 : 7

175

إبراهيم

20

 

بعض من الدلائل الخارجية التي تدعم الكتاب المقدس في أن طول حياة الإنسان في سفر التكوين الأول قد وجدت في قائمه ملك السومريين هذه القائمة ذكرت أيضًا الطوفان وأعطت طول عمر الملوك قبل الطوفان يوجد العديد من التطابق بين قائمه ملك السومريين وأحداث سفر التكوين مثل حادثه الطوفان.

الأرقام قد تكون متوازية بين ما قبل الطوفان أعمار البطاركة وبين أعمار الملوك القدماء ويوجد نقص محسوس في مدة حياة الناس بعد الطوفان.

وقد استنتج احد المؤلفين عن هذا الموضوع أنه من غير المحتمل بشدة أن يكون الكتاب المقدس أحداثه قد اشتقت من السومريين وعندما ننظر الاختلاف بينهم نجد انه ملحوظ تمامًا التفوق الرهيب في سفر التكوين أن يسجل بشكل دقيق الأرقام الدقيقة وإتمام الأحداث والمبادئ الأخلاقية والقيم الروحية.

انه من الأكثر احتمال أن يكون قائمه ملك السومريين قد كُتبت باستخدام المعلومات والأرقام من سفر التكوين . ومن الواضح انه اذا استخدم شخص سفر التكوين فان الشخص الذي كتب هذه القائمة يؤمن أن هذه التسجيلات التي وردت في سفر التكوين حقيقة تاريخية وتحتوي على معلومات دقيقة.

هل فعلا عاش كلاً من نوح وآدم أكثر من 900 سنة؟ ولماذا لا نعيش الآن كل هذه السنوات؟ ترجمة مينا خليل

أن الإنسان يعيش اليوم حوالي 120 سنة على الأكثر، ومتوسط عمر الفرد حوالي 70 إلى 80 سنة بالمثل كما كان في وقت كتابه المزمور 90 منذ حوالي 3400 . وهذا الانخفاض بهذا الشكل الرهيب في حياة الإنسان بعد الطوفان يدل على أن شيء ما قد تغير في وقت الطوفان أو بعد قليل منه وهذا كان السبب المسؤول عن هذا الانخفاض.

يوضح الرسم البياني ان هذا النقص يحدث بأسلوب متسارع (على الأساس “أسي “، “لوغاريتمي”). ومثل هذا الانخفاض كان يسمى ” بمعدل الإنحلال الطبيعي” ولان هذا السلوك له أمثلة في الطبيعة.

على سبيل المثال عند رسم خط الإنحلال عندما يتعرض الكائنات الحيه إلى ماده سامه قاتله أو إشعاع. ولأنه من المؤكد أن الناس الذين عاشوا حول وقت الطوفان لم يكونوا على معرفه بهذا “الإنحلال الطبيعي” فمن غير الوارد أن تكون هذه التواريخ مصنعه أو غير حقيقية.

تظهر تسجيلات الحفريات في عصر ما قبل الطوفان إن معظم الأرض كانت من البيئة الاستوائية المدارية ولكن بعد الطوفان والوضح أن طبيعة هذه البيئة قد تغيرت في العصر الثلجي الذي غطي حوالي 30 بالمئة من الأرض. وهذا التغير البيئي قد يكون السبب الذي اثر على طول حياة الإنسان.

 

الأسباب البيولوجية للشيخوخة (تقدم العمر) ما هو السبب في تقدم العمر(الشيخوخة) في أجسادنا؟

بالرغم من أن ميكانيكية التقدم في العمر (ومحاوله منع الشيخوخة) من أهم المواضيع التي شغلت الأبحاث في البيولوجيا الطبية. ولان ما زال لا يوجد هناك إجابة حتمية على هذا السؤال. في بدايات القرن الماضي كان المتعارف عليه أن التقدم في السن لا يشمل بشكل مباشر في الخلايا الحيه في أجسادنا ولكنه يحدث بسبب ظاهرة من خارج الخلية.

كان المعترف به أن خلايانا الحية الطبيعية ستنمو وتزدهر وتنقسم إلى أجل غير مسمى إذا اهتم بها بطريقة صحيحة خارج أجسادنا. ولكن في عام 1961 قد اثبت خطأ هذه النظرية ليناردو هايفلك الذي اخذ خلايا خارج الجسم ووضعها في وعاء زجاجي يحتوي على كل المواد الغذائية التي تحتاجها، وقد اكتشف أن هذه الخلايا قد ماتت بطريقة طبيعية بعد حوالي 50 انقساما، وهذا يوضح أن حتى خلايا أجسامنا هي معرضة للموت بعيدا عن أي تأثيرات من أجسامنا.

 

العوامل الوراثية

كل من مدة طول الحياة والشيخوخة قد تتأثر من العوامل الوراثية وهي عمليات متداخلة وفريدة حوالي 20 إلى 30 % من العوامل التي تؤثر على طول مدة الحياة معروف على أنها وراثيه ومتوارث للفرد. فطول مدة عمر الفرد تختلف من شخص إلى أخر بيننا يلعب عامل تقدم السن دورة وهناك أيضًا الكثير من العوامل التي تدخل في الحسابات.

 

الطفرات وعنق الزجاجة لعلم الوراثة

الطفرات هو أي تغيير يحدث في تسلسل الحمض النووي وكل الطفرات المعروفة تسبب فقد في المعلومات، والنسبة التي تحدث بها كل أنواع هذه الطفرات في جيل واحد مقترح بانها أكثر من 1000. فنحن نورث بعض الطفرات من الوالدين وأيضا نطور هذه الطفرات على طريقتنا الخاصة. وبالطريقة المتتابعة نحن نعطي جزء من هذه الطفرات إلى أطفالنا لذلك فهي متوارثه. فان من الممكن تصور أن رقم كبير جدا من الطفرات قد حدث بين ادم وموسى لزم أن يظهر في كل حياة شخص.

عنق الزجاجة في الوراثة (أو تعداد السكان) تحدث عندما نسبة كبيره من السكان تموت أو نسبة كبيره تصبح منعزلة. مثل هذا قد حدث في عصر نوح والطوفان عندنا نقص التعداد السكان للبشرية إلى ثمانية أشخاص (سفر التكوين 6 – 9) وعنق زجاجه أخرى صغير قد حدث بعد الانقسام في برج بابل (البلبلة) سفر التكوين 11. هذه الأحداث يجب أن تسببت بطريقة رئيسية تقلص في التنوع الوراثي.

لكل (جين) هناك اثنين أو أكثر من نسخه تسمي “الآليات”، وهي طريقة متناظرة مثل اللون الأحمر(الجين) وله درجات مختلفة الأحمر الفاتح أو الداكن (الآليات). وتستطيع الطفرات في الآليات الجيدة أن تغطي على الطفرات في الآليات السيئة. لكن مع التعداد السكاني الصغير يكون التنوع أصعب في الآليات وهذا يكون صعب في التحقق وتكون الطفرات في الآليات المتغيرة تأثير أكبر.

وبالرغم من أن نوح عاش 950 سنة فان أبوه لامك عاش فقط 777 ولكن ليس معلوم اذا كان قد مات بسبب السن. مع ملاحظه أننا لا نعرف كم سنة عاشت زوجه نوح ولكن ابن نوح سام قد عاش 600 سنة فقط مع الأخذ في الاعتبار أن أطول عمر قد سجل لشخص قد ولد بعد الطوفان كان لعابر الذي عاش 464 سنة. ما يبدو عليه أن كلا من الطفرات وعنق زجاجة علم الجينات له التأثير الكبير على التقدم في السن وطول مدة الحياة.

 

أمثلة على العوامل الوراثية والتأثير على مدة الحياة والتقدم بالسن

على الرغم من أن العديد من العوامل الوراثية قد تؤثر على عوامل التقدم بالسن وطول فترة الحياة إلا أن تفاصيل هذه العملية تظل كلغز. مظاهر التقدم في السن قد تزيد بسبب عوامل الداخلية (كعوامل تلف الحمض النووي) وعوامل خارجية مثل (الإصابة بالأمراض التي تسببها البكتيريا) وقد تتضاعف بسبب نقص الصيانة والتصليح وضعف الأنظمة الدفاعية في الجسم.

على سبيل المثال نظام تصليح الحمض النووي يحمي الجينوم في كل الحمض النووي من التغير (حدوث الطفرات). ولكن هناك خلل (مرض) في الوظائف الجينية يسمى بـ “جفاف الجلد المصطبغ” ويحدث هذا الخلل بسبب نقص في إصلاح الحمض النووي بسبب الطفرات، وهو الذي في الوضع الطبيعي يصلح الطفرات وبسبب الأشعة فوق البنفسجية، فإن الأشخاص المصابون بهذا المرض يجب أن يقللوا تعرضهم لأشعة الشمس.

أن السطح الخارجي للجلد والشفتين يبين أعراض الشيخوخة المبكرة وبينما هذا المثال واضح جدا في أن طفرات تقلل من رفع كفاءة الصيانة في الأنظمة الدفاعية سوف تؤدي إلى سرعة الشيخوخة وقصر مدة الحياة.

التيلوميرات وهو تكرار مقطع طويل للحمض النووي في نهاية كل الكروموسومات في الإنسان. قد تستطيع أن تلعب دور مهم جدا في عمليه الشيخوخة. مع كل انقسام يحدث للخلية هذه التيلوميرات يحدث لها نقص في الطول وذلك لعدم استطاعة الإنزيمات أن تنسخ الحمض النووي بطريقة ميكانيكيه مع التحكم في الجودة.

الخلايا القديمة تكون قد جمعت العديد من التغيرات (الطفرات) في الحمض النووي عندنا تستمر في الانقسام وقد يسبب هذا أمراض مثل السرطانات. فمعظم خلايا الجسم لا تستطيع أن تنقسم إلى ما لا نهاية أو إلى أجل غير مسمى. وهذا يؤدي إلى الشيخوخة ومن ثم الموت لذا التيلوميرات كانت مهمة في تحديد فترة حياة الخلية والذي يؤدي إلى بشكل مباشر إلى الشيخوخة.

انه من الصعب على علم الوراثة التحديد الدقيق لمدة الحياة أو طولها، فبالرغم من أن هناك جينات تحدد بانها تصاحب الأشخاص الذين يعيشون سنين طويله، ولكن السبب الرئيسي في طول فترة الحياة غير معروف.

دراسات علم الوراثة للأشخاص الذين يعيشوا أكثر من مائة عام قد أتت بالعديد من الاحتمالات للأشخاص المرشحين لطول العمر والجينات المسببة لذلك.

أمثلة على ذلك:

أن هناك جين مسمى (ابو لين وبروتين APOE) البروتين الشحمي وهو مهم في تنظيم ويحتوي على بعض التيلوميرات الموجودة بشكل عام في جينات الناس المعمرين فوق المئة. وهذا أيضًا صحيح لبعض التيلوميرات مثل المشابهة للأنسولين وحفظ معامل معدل النمو ((IGF1 ومهمته هي في تكاثر أو موت الخلايا.

وفوق الأكسيد دسميوتزيس (SOD) وهو المسؤول عن تكسير العوامل المؤدية إلى تلف الحمض النووي. وهذه التيلوميرات المصاحبة لهؤلاء الأشخاص الذين يعيشون فوق المائة تعكس كيفيه إصلاح الجينات للفرد على مدي الحياة منذ حوالي 6000 سنة. وأيضا تظهر مدى تأثير التيلوميرات حيث أن أطول فترة يستطيع إنسان أن يعيشها في يومنا هذا هي 120 سنة.

 

التطور وعلم الوراثة في مدة الحياة والشيخوخة

تواجه نظرية التطور صعوبات لشرح مدة الحياة والشيخوخة. حيث وان الشيخوخة لابد من حدوثها. والجينات قد تختار على أساس كيف تكون نافعة للأفراد في التكاثر وإعادة الإنتاج في السن الصغير(مدة الضمان) وهو الزمن اللازم لكي يحقق الداروينيون غرضهم في مدة الحياة مع شروط حدوث تكرار الإنتاج التكاثر بنجاح لكي تستمر الأجيال مع أن نفس الجينات قد تكون مؤذية بوجه عام مما يؤدي الشيخوخة ثم الموت. فمشكله التطور هي أن الجينات المسؤولة عن إطالة الحياة مختارة. لكي تتعامل مع ما يبدو بانقسام الخلية.

بعض من يؤمن بنظريه التطور اقترح أن الاختيار في الجينات المسببة لا طاله العمر تخدم غرض الأشخاص الذين يعيشون لمدة أطول من أن يهتموا بذريتهم وهو المعروف بـ ” تأثير الجدة”. المشكلة أن أي نظرية مرنة لكي تعطي تفسير لكل شيء أنها ليست نظرية جيد على الإطلاق.

الجينات المختصة بالشيخوخة وطول فترة العمر قد تتأثر بشكل مباشر بسبب من الطفرات أو غير المباشر من عنق الزجاجة في علم الوراثة. الطب الحديث وجلسات العلاج لمكافحة الشيخوخة قد تسبب في بطئ العملية وقد تمد فترة الحياة ولكنها لن تصل إلى القيمة العظمى.

موت يسوع المسيح وانتصاره على الموت كان هو الوعد بالحياة الأبدية لكل من يؤمن به. (رساله روميه 6 :23 10: 9)

 

العوامل الفسيولوجية

بمعنى آخر، إن معظم المواد التي يتكون منها الجسم لا تستمر بالتقدم في السن خلال حياتنا. فالعديد من أجزاء الجسم باستمرار تتكون من جديد. خلايا البشرة التي تغطي كل سطح الجلد على سبيل المثال لا تتقدم بالعمر. فخلال شهر واحد، خلايا جديده تتكون باستمرار من انقسام الخلية وتتعمق في البشرة بيننا الخلايا القديمة تسقط. والخلايا المكونة للأمعاء تغير نفسها وتتجدد مرة كل أربعه أيام. كرات الدم الحمراء تتبدل بالكامل مره كل 90 يوم وكرات الدم البيضاء تتبدل مره كل أسبوع.

وحتى الخلايا التي لا تنقسم أو نادرا ما تنقسم مثل خلايا عضلات القلب وخلايا المخ فهي لها دورة في الحياة الجزء بالجزء.  ويوجد ما يعتقد به أن اقدم الأجهزة في الجسم يظل حوالي عشر سنين فقط ويتجدد. شكرا لدورة حياة الخلية وتبديلها.

معظم الأعضاء التي في جسم الشخص الذي بلغ من العمر 90 عام ربما لا تكون اقدم من نفس الأجهزة لطفل. لذلك، يمكن أن نقول أننا أجسادنا في الحقيقة لا تتقدم في العمر.

إنها تشبه قصه تسمى ” فأس الجد ” كان لشخص لديه فأس قديم معلق بجانب مكان إشعال النار والذي يزعم انه قد توارثه في عائلته منذ أكثر من خمس أجيال. وعندما سأله احدهم كم عمر هذا الفأس؟

لم يكن متأكد وقال أن جد جد جد جد جده قد اشتري هذا الفأس منذ حوالي 300 عام. أيضًا كان يعرف انه عبر هذه السنين هذا الفأس قد غيروا له رأسه برؤوس جديده في سته مرات وغيره أيضًا مقبضه حوالي 12 مره. أجسامنا تشبه ” فاس الجد” فهي باستمرار تتجدد مثل الراس والمقبض. وبهذا المنطق فنحن لا نتقدم في العمر. ومع ذلك فهل من الممكن لاي احد أن يتقدم في العمر ويموت رغم أن الجسم يصلح نفسه باستمرار ويجدد أجزاءه؟

 

عند هذه النقطة من الممكن أن نريد أن نسأل: لماذا مات متوشالح وهو صغير؟

كيف بالحقيقة يستطيع أي شخص إن يتقدم في السن ويموت اذا كان الجسم باستمرار يصلح نفسه ويجدد أعضاء؟ بالتأكيد حتى سياراتنا ونحن نستطيع أن نفعل لها ذلك ولكننا لا نتوقع أن تستمر للابد.

جزء من الإجابة يكمن في انه بعض الأجزاء من أجسامنا تفشل في التصليح وتجديد نفسها، مثل خلايا عضلات القلب المهمة على سبيل المثال تفشل في التكاثر وإبدال ذاتها بعد الولادة. (وبالرغم من أن كل خلايا العضلات تستطيع أن تكبر في الحجم) ولكن عضله القلب اذا انقطع عنها تدفق الدم خلال الأزمة القلبية يؤدي إلى موت دائم لهذا الجزء من القلب.

 

معظم الخلايا العصبية في المخ (مع خلايا العين والأذن) تفشل في التكاثر وتصليح ذاتها بعد الولادة وحتى نهاية الحياة. نحن نفقد الف خليه من الخلايا العصبية في كل دقيقة من جهاز العصبي. ولا نستطيع إبدالهم مع التقدم في السن لذلك يسبب هذا فقدان في القدرة على السمع والنظر والشم والتذوق . . . . . . . أم. . . . . . . . . . وشيء أخر لا استطيع أن أتذكر.

 

النقطة المهمة، أن العلم لا يعطي أملًا في حياة أبدية أوحتى في إطالة العمر بشكل ملحوظ. إنه حتى ولو وجده علاج للأمراض الثلاثة العظمى المسببة للموت (مثل السرطان والأزمات وأمراض شرايين القلب) فان المحتمل إن طالت مدة الحياة لن تطول بالقدر الذي يجعل هؤلاء الناس يعيشون إلى المنتهى. وهؤلاء الناس الذين يعيشون لمدة أطول سوف يتقدمون مع ضعف جسدي مع العمر وأجزاء مهمة من أجسامهم سوف تتدهور حالتها.

لذا يمكن أن نستنتج أن كلمه الله وليس العلم له الحل الكامل لمشكلة الشيخوخة والموت. هذا الحل هو ” وإنما أظهرت الآن بظهور مخلصنا يسوع المسيح، الذي ابطل الموت وأنار الحياة والخلود بواسطة الإنجيل” (2 تيموثاوس 1 : 10)

هل فعلا عاش كلاً من نوح وآدم أكثر من 900 سنة؟ ولماذا لا نعيش الآن كل هذه السنوات؟ ترجمة: مينا خليل

المرجع:

Did People Like Adam and Noah Really Live Over 900 Years of Age? by Dr. Georgia Purdom and Dr. David Menton

دروس من الجينوم البشري – فرانسيس كولينز

دروس من الجينوم البشري – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

دروس من الجينوم البشري – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

فك رموز كتاب تعليمات الإله دروس من الجينوم البشري – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

كتاب لغة الإله PDF – فرانسيس كولينز – للتحميل

فك رموز كتاب تعليمات الإله دروس من الجينوم البشري

عندما كنت زميل أبحاث في مجال علم الوراثة في جامعة ييل في وقت مبكر من ثمانينات القرن الماضي، كان تحديد تسلسل عدة مئات من شيفرة الحمض النووي مهمة شاقة. الوسائل كانت صعبة، وتتطلب العديد من الخطوات التحضيرية، وكانت تتطلب أيضاً استخدام كواشف خطرة باهظة الثمن مثل المواد الكيميائية المشعة، ودليل لصب المواد الهلامية التي كانت دائما ما تعاني من فقاعات وعيوب أخرى. التفاصيل غير مهمة؛ النقطة المهمة هنا أن العمل استغرق وقتا طويلاً جداً وكثير من محاولات التجربة والخطأ، فقط لفرز بضع مئات من حروف الحمض النووي البشري.

على الرغم من كل هذه الصعوبات، إلا أن أول ورقة بحثية قمت بنشرها كانت عن علم الوراثة البشرية على أساس تسلسل الحمض النووي. لقد كنت أبحث في إنتاج نوع واحد فقط من البروتين، وهو الموجود في كريات الدم الحمراء للجنين البشري في رحم الأم، والذي عادة ما يختفي بعد الولادة عندما يصبح الطفل قادراً على التنفس بواسطة رئتيه. البروتين يسمى الهيموغلوبين الجنيني.

الهيموغلوبين هو البروتين الذي يسمح لخلايا الدم الحمراء بتوفير الأكسجين من الرئتين إلى جميع أنحاء الجسم. يستخدم البشر وبعض القردة نوع خاص من الهيموجلوبين قبل الولادة يساعد على استخراج الأكسجين من دم الأم لتغذية الجنين أثناء نموه خلال السنة الأولى من عمر الإنسان، ويتناقص هذا الهيموغلوبين الجنيني تدريجياً، ويقوم البالغين بإنتاج نوع أخر بدلاً من ذلك. ولكن في الأسرة الجامايكية التي كنت أقوم بإجراء التجارب عليها استمرت كميات كبيرة من الهيموغلوبين الجنيني في الظهور في مرحلة البلوغ.

سبب “استمرار الهيموغلوبين الجنيني الوراثي” كان من مثيراً للاهتمام، لأنه إذا تعرفنا على كيفية تحفيز إنتاجه لغرض معين عند أي شخص، فإننا نستطيع تقليل كثير من سلبيات فقر الدم المنجلي. يكفي 20% من الهيموغلوبين الجنيني في خلايا الدم الحمراء من شخص يعاني من مرض فقر الدم المنجلي للتخلص من المشاكل الصحية المؤلمة وتفاقم الأذى الذي يلحق بالأعضاء.

لن أنسى أبدا ذلك اليوم، عندما كشفت محاولتي لفهم تسلسل الحمض النووي عن وجود القاعدة G بدلا من القاعدة C في حالة معينة لأحد الجينات مما أدى إلى إنتاج الهيموغلوبين الجنيني. تغير هذا الحرف الوحيد كشف أنه هو المسؤول عن توقف البرنامج الحيوي عند البالغين. شعرت بسعادة غامرة ولكنني كنت منهكاً، لقد استغرق ذلك مني ثمانية عشر شهراً من الجهد المتعب الاكتشاف حرف واحد متغير في شفرة الحمض النووي البشري.

لقد أثار دهشتي أنني علمت بعد ذلك بثلاث سنوات أن بعض العلماء أصحاب الرؤية الثاقبة قد بدأ بمناقشة إمكانية تحديد تسلسل الحمض النووي لكامل الجينوم البشري، والتي تشير التقديرات إلى أن طوله يصل إلى نحو 3 مليارات زوج من القواعد. وهذا هدف بالتأكيد لا يمكن أن أحققه خلال حياتي.

كنا نعرف نسبياُ القليل حول ما يحتويه الجينوم. لم يكن أحد قد شاهد واقعية القواعد الكيميائية للجينات البشرية تحت المجهر (لقد كانت صغيرة جداً). لقد تم التعرف على بضعة مئات من الجينات، وكانت التوقعات حول العدد الكلي للجينات محل الاختلاف كبير. بل حتى تعريف الجين كان محل اختلاف. اهتزت التعريفات البسيطة التي تعتبر أن الجين يشكل امتداداً لحمض نووي يحمل رموزاً لبروتين معين بعد اكتشاف أن مناطق تشفير البروتين في الجينات يتم التأثير عليها من شرائح في الحمض النووي تسمى انترونات.

اعتماداً على الطريقة التي تقسم مناطق الترميز في نسخة الحمض النووي الريبي، يمكن لجين واحد في بعض الأحيان أن يرمز لعدة بروتينات ذات صلة. وعلاوة على ذلك، كما يمكن أن يركز إلى أماكن في الحمض النووي بين الجينات التي لا يبدو أن مهمة محددة؛ حتى أن البعض كان يشير إلى هذه الأماكن بـ “نفاية الحمض النووي”، على الرغم من القول بأن جزء من الحمض النووي “نفاية” هو نوع من الغطرسة نظراً لجهلنا بذلك.

على الرغم من كل هذه الشكوك، لم يكن هناك شك في أهمية تسلسل الجينوم الكامل. يختبئ بين ثنايا كتيب التعليمات الكثيرة قائمة بالعناصر اللازمة لحياة الإنسان، ونحن نفتقر إلى معرفة عنها وليس باستطاعتنا التعامل معها بشكل فعال. بالنسبة لي كطبيب، تعتبر إمكانية فتح صفحات أكثر الكتيبات الطبية فعالية (الجينوم) أمراً مثير للغاية.

كمبتدئ في الأوساط الأكاديمية وقليل الدراية بالحقائق العملية لهذه المشروع الجريء، انضممت إلى المؤيدين للشروع ببرنامج منظم للتعرف على تسلسل الجينوم البشري، والذي سرعان ما أصبح يعرف باسم مشروع الجينوم البشري. في السنوات اللاحقة ازداد شوقي بشكل كبير لرؤية الجينوم البشري. ومن خلال قيادتي لمختبر بحثي وليد مكون من طلبة الماجستير والدكتوراه الجادين، قررت أن أبحث في أسس أمراض معينة استعصت على العلاج. وأكثر مرض كنت أود التعرف على أسسه هو مرض التليف الكيسي cystic fibrosis الذي يعد أكثر الأمراض الوراثية المميتة في دول شمال أوربا.

هذا المرض عادة ما يكتشف في الطفال حديثي الولادة الذين لا تزيد أوزانهم، والذين يعانون بشكل مستمر من التهابات الجهاز التنفسي. وبعد جمع معلومات من أمهات هؤلاء الأطفال اللاتي كن يقلن إنهن يشعرن بمذاق مالح عند تقبيل أطفالهن، توصل الأطباء إلى تشخيص يشير إلى وجود تركيز عالي من الكلوريد في عرق هؤلاء الأطفال. كنا نعرف أيضا أن لدى مرضى التليف الكيسي إفرازات سميكة ولزجة في الرئتين والبنكرياس، ولكن لم يكن لدينا أية فكرة عن الجين المحتمل المسبب لذلك.

لقد تعرفت لأول مرة على مرض التليف الكيسي عندما كنت طبيباً متدرباً في أواخر السبعينات. في الخمسينات كان الأطفال المصابين بالمرض نادراً ما يظلون على قيد الحياة لسن العاشرة. ومع التطور الذي حصل في التعامل مع أعراض المرض واستبدال الأنزيمات في البنكرياس وعلاج التهابات الرئة والتقدم في مجال التغذية والعلاج الطبيعي تمكن المصابين بالمرض في السبعينات من الوصول إلى مرحلة الجامعة والزواج والعمل.

ولكن على المدى البعيد كانت فرص الشفاء من المرض قائمة. من دون فهم أساسي للخلل الجيني المسبب للمرض كان الباحثون يبدون وكأنهم يتحسسون طريقهم في الظلام. كل ما نعرفه أنه من بين الثلاثة ملايين حرف من شيفرة الحمض النووي هناك حرف واحد تحرك من مكانه.

العثور على هذا الخطأ أمر خارج عن القدرة، ولكن الشيء الأخر الذي نعرفه عن مرض التليف الكيسي هو أنه يتخذ النمط المتنحي في الوراثة. لفهم ذلك، من المهم أن نعرف أن كل جين في أجسامنا له نسختين، الأولى نأخذها من الأب والأخرى نأخذها من الأم. في الأمراض المتنحية مثل التليف الكيسي يصاب الطفل بالمرض فقط إذا كانت كلتا نسختي الجين تالفة.

لكي يحدث ذلك، يجب أن يكون كلا الوالدين حاملا لنسخة تالفة، ولذلك فإن الأفراد الذين يحملون نسخة سليمة وأخرى تالفة لا يشعرون بذلك، هذه الناقلات بشكل عام علم وضعهم (حوالي واحد من كل ثلاثين شخص من أصول شمال أوروبية يكون حامل التليف الكيسي، ومعظمهم ليس لديهم تاريخ عائلي للمرض).

سمح الأساس الجيني لتليف الكيسي بعملية تجسس للحمض النووي مثيرة للانتباه: حتى من دون معرفة أي شيء عن الجين المسؤول، يمكن للباحثين تتبع عملية توريث مئات من جزيئات الحمض النووي من جينوم جميع الأسر ذات الأقرباء المتعددين المصابين بالتليف الكيسي، بحيث عبر هذه العملية يمكن توقع جزيئات الحمض النووي المصابة بالتليف الكيسي وتلك غير المصابة. هذه الجزيئات يجب أن تكون بالضرورة قريبة من جين التليف الكيسي.

بالتأكيد لا يمكننا قراءة الثلاثة ملايين زوج من الأحرف، ولكن بإمكاننا تسليط الضوء على بضعة ملايين منها هنا، وبضعة ملايين هناك، لنرى ما إذا كان لها علاقة بالمرض. كان علينا أن نقوم بذلك مئات ومئات المرات، ولكن الجينوم هو مجموعة محدودة من المعلومات، وإذا أبقينا عليها كذلك فسنكون واثقين من تحديد الجوار المطلوب.

لقد تم التوصل إلى ذلك مما أثار سرور العلماء والعوائل معا وكان ذلك في عام 1985، وتم الكشف عن أن جين التليف الكيسي موجود في مكان ما بين مليوني قاعدة من أزواج الحمض النووي الموجودة في الكروموسوم السابع. ولكن الجانب الأصعب للموضوع للتو بدأ. ولتقريب تصور مدى صعوبة المهمة أشبه ذلك بالبحث عن مصباح تالف في سرداب أحد البيوت في الولايات المتحدة.

كانت الدراسات العائلية بداية ممتازة لأنها مكنتنا من تحديد الولاية والمدينة. ولكن ما زلنا كأننا ننظر من ارتفاع 2000 قدم، وهو ما يعني أن بحثنا قد لا يقود إلى شيء. ما كان مطلوباً هو البحث في البيوت بيتاً بيتاً والبحث بين المصابيح التالفة مصباحاً مصباحاً.

 لا يوجد لدينا حتى الآن خريطة للمنطقة نسير عليها. الكروموسوم رقم 7 مثل بقية الجينات لم يكن معروفة في عام 1985. ولإكمال التشبيه، أقول إنه لم يكن لدينا خريطة لشوارع البلدات والقرى، ولا دليل للمباني ولا أي مؤشر لمخازن مصابيح الإنارة. لقد كان العمل قاسي جداً. اخترعت أنا وزملائي في الفريق طريقة تسمى “قفز الكروموسوم”، وهي الطريقة التي سمحت لنا بالتحرك عبر 2000000 قاعدة من الأزواج المستهدفة على شكل قفزات، بدلا من الزحف البطيء على الطريقة التقليدية. وساعدنا ذلك في تفتيش المنازل على شكل دفعات بدلاً من تفتيشها بيتاً بيتاً.

ولكن التحدي لا يزال كبيراً جداً، بحيث اعتقد كثيرون في الحقل العلمي أن هذا النهج غير عملي، وأنه لن يصل مطلقاً لفهم أي مرض بشري. في عام 1987، واجهنا نقصاً في التمويل وكثير من الإحباط، وقام مختبرنا بتوحيد جهوده مع مختبر Chee Tsui وهو باحث مميز حاصل على الدكتوراه في مستشفى لعلاج الأطفال في تورنتو. اندماج المختبرين منحنا طاقة جديدة. البحث كان أشبه بالقصص البوليسية، فنحن نعرف أنه سيتم الكشف عن الغموض في الصفحة الأخيرة، ولكننا لا نعلم كم سيستغرق من الوقت للوصول إليها.

كانت هناك مؤشرات، وكانت هناك أيضا فجوات غامضة. بعد أن تشعر بالأمل لثالث أو رابع مرة لإمكانية الوصول إلى النتيجة تفاجأ باليوم التالي بتلاشي هذا الأمل لظهور بيانات جديدة، ولذلك توقفنا عن التفاؤل بالوصول إلى أي شيء. وجدنا من الصعوبة أن نشرح لزملائنا عدم قدرتنا على العثور على الجين أو التوقف عن البحث. ولكي أبين صعوبة المهمة بطريقة تشبيهية ذهبت إلى مزرعة في ولاية ميتشغان ليتم التقاط صورة لي وأن أمسك بإبرة وأنا جالس فوق كومة من القش.

ولكن في ليلة ممطرة من شهر مايو 1989، جاء الجواب في نهاية المطاف. بدأ جهاز الفاكس الخاص بمختبري ومختبر تشي الذي وضعناه في سكن الطلاب بجامعة ييل حيث كنا نعقد اجتماعاً هناك، بدأ بإرسال بيانات عن العمل الذي قمنا به في الأيام السابقة، حيث تبين بشكل لا لبس فيه أن حذف ثلاثة حروف فقط من شفرة الحمض النووي في الجزء الخاص بتشفير البروتين في الجين الذي لم يكن معروفة من قبل هو سبب التليف الكيسي في معظم المرضى.

بعد فترة وجيزة، كنا وآخرون قادرين على إظهار أن هذه الطفرة بالإضافة إلى أخطاء برمجية في الجين نفسه، أصبحت تسمى CFTR، هي المسؤولة عن جميع حالات هذا المرض. من خلال ذلك تمكنا أن نبين أن العثور على المصباح التالف الذي يسبب المرض يتم من خلال الاقتراب بشكل متواصل من مكان الكروموسوم. لقد كانت لحظة عظيمة. لقد كان الطريق طويلاً وشاقاً، ولكن ارتفعت درجة التفاؤل بأن البحث للوصول إلى علاج المرض أصبح في متناول اليد.

في التجمع اللاحق لألاف من الباحثين في مرض التليف الكيسي وعوائل المرضى والعاملين بالعيادات كتبت نص أغنية للاحتفال باكتشاف الجين. دائما ما تساعدني الموسيقى في التعبير عن أشياء لا أستطيع التعبير عنها بالكلمات. وعلى الرغم من مستواي في عزف الغيتار متوسط إلا أنني شعرت بسعادة عظيمة في تلك الدقائق عندما كان جميع الحضور يرددون كلمات الأغنية بصوت عال. هذه التجربة كانت أقرب للروح منها للعلم. لم أستطع منع دموعي وأنا أرى هذه الشخصيات المميزة تنهض من مقاعدها وتغني مع فرقة الإنشاد:

تجرأ على الحلم تجرأ على الحلم

كل أخوتنا وأخواتنا يتنفسون الحرية

بدون خوف وقلوبنا لا تهتز

حتى تنتهي قصص التليف الكيسي

تبين أن الخطوة التالية أصعب مما كنا نتوقع، وأن قصة مرض التليف الكيسي لم تنته بعد. ومع ذلك فإن اكتشاف الجين كان في الحقيقة أمراً ممتعاً، وبدأ فصل جديد من البحث في المرض التحقيق نصر كامل عليه. إذا أردنا حساب تكلفة 24 فريق عالمي حول العالم يعمل لاكتشاف الجين، فإن ذلك سوف يكون عشر سنوات من الجهد وخمسين مليون دولار لاكتشاف جين واحد المرض واحد. فضلاً عن أن التليف الكيسي كان من الأمراض السهلة لأنه كان من الأمراض الشائعة تقريباً التي تتبع بدقة قوانین مندل الوراثية.

كيف لنا أن نتصور التوسع في العمل لاكتشاف مئات جينات الأمراض النادرة التي تحتاج للكشف عنها بشكل عاجل. والأكثر تحدياً، كيف يمكننا تصور تطبيق نفس الطريقة على أمراض مثل مرض السكري، وانفصام الشخصية، وأمراض القلب، والسرطانات الشائعة، وغيرها من الأمراض التي نعلم أن عوامل الوراثة فيها تلعب دورا مهما، في حين أن الأدلة تشير إلى تأثير عدة جينات في الموضوع، وكل من هذه الجينات لا يلعب دوراً حاسماً في المرض.

في هذه الحالة علينا أن نبحث عن عشرات المصابيح التالفة، وبعضها قد لا يكون تالفاً تماماً، بل قد يكون قد خفتت إضاءته عما يجب أن يكون عليه. إذا كان لنا نأمل بالمضي في ظروف أكثر صعوبة فإنه يجب علينا الحصول على معلومات مفصلة ودقيقة عن كل زاوية وركن في الجينوم البشري. نحتاج لخريطة مفصلة لكل بيت في البلد.

تصاعد الجدل بحدة أواخر 1980 حول الحكمة من المشروع، ففي حين أن معظم العلماء يتفقون على أن المعلومات في الواقع مفيدة، ولكن ضخامة المشروع تجعله يبدو بعيد المنال تقريباً. زيادة على ذلك، أصبح من المعلوم أن جزءًا صغيراً من الجينوم يتبع برمجة البروتين، في حين أن تطبيق ذلك على بقية الأجزاء محل نقاش. أحد العلماء المعروفين جيدا كتب يقول: “أن تسلسل الجينوم قد يكون مفيدا بنفس فائدة ترجمة الأعمال الكاملة لشكسبير إلى اللغة المسمارية، ولكن ليس بالإمكان تفسيرها”. وكتب أخر “ليس من العقل أن يخوض علماء الوراثة في بحر من الهراء للوصول إلى حذاء جاف في جزيرة صغيرة”.

أغلب المخاوف من المشروع تستند إلى فكرة أن التكلفة المحتملة لمثل هذا المشروع قد تسحب التمويل من مشاريع حيوية أخرى. أفضل رد على هذه المخاوف هو في تكبير الكعكة، والبحث عن تمويل جديد للمشروع. تم ذلك في الولايات المتحدة من خلال تعيين مدير جديد للمشروع هو جيم واتسون Jim Watson الباحث المشارك في اكتشاف الحمض النووي الحلزوني المزدوج. كان واتسن في ذلك الوقت النجم الذي لا يضاهي في علم الأحياء، وقد استطاع إقناع الكونغرس للمضي في المغامرة الجديدة.

أشرف جيم واتسون خلال العامين الأولين باقتدار على مشروع الجينوم البشري في أمريكا، وأنشأ مراكز الجينوم ووظف مجموعة من أفضل وألمع علماء الجيل الحالي للعمل في المشروع. ولكن الشكوك حول المشروع ظلت كما هي، وخاصة فيما يتعلق بقدرة المشروع على إنجاز شيء خلال مدته المقدرة بخمسة عشر سنة، وخاصة أن التكنولوجيا المطلوبة لم يكن قد تم ابتكارها.

وحدثت أزمة في عام 1992 عندما ترك واتسن منصبه فجاءةً على أثر خلاف علني مع مدير المراكز الصحية حول جدوى تسجيل براءات الاختراع الخاصة بجزيئات الحمض النووي (والتي كان واتسن معارضاً لها بشدة).

تبع ذلك بحث مكثف لاختيار مدير جديد للمشروع. ولم يكن أحد أكثر مني دهشة عندما توجهت الأنظار لي. عطفاً على كوني كنت مستمتعاً بالوقت الذي كنت أقود فيه مركز الجينوم بجامعة ميتشغان، ولم أكن أتخيل أن أصبح موظفاً فدرالياً، ولذلك أعربت في البداية عن عدم رغبتي بذلك، ولكن في الأخير تم اتخاذ القرار باختياري. لقد كان هناك مشروع واحد للجينوم. سوف يكون مشروع واحد للجينوم في التاريخ، وإذا نجح ستكون تبعاته في الطب غير مسبوقة.

كمؤمن بالله، سألت نفسي ما إذا كانت هذه اللحظة هي من ضمن اللحظات حيث طلب مني أن ألعب دوراً أكبر في مشروع سوف يكون له دور كبير في فهم أنفسنا؟ في هذه اللحظة سنحت الفرصة لقراءة لغة الله، ولفهم تفاصيل الطريقة التي جاء بها البشر إلى الوجود. هل أستطيع أن أهرب من ذلك؟ لقد كنت دائما أشكك في الذين يقولون إنهم أصغوا إلى رغبة الإله في حالات مشابهة، ولكن الأهمية القصوى لهذه المغامرة والتبعات المحتملة على علاقة الجنس البشري بالخالق جعلت من الصعب تجاهل ذلك.

وعندما قمت بزيارة لابنتي في ولاية نورث كارولاينا، أمضيت فترة بعد الظهر في الصلاة في كنيسة صغيرة داعياً الله أن يرشدني للقرار الصحيح. في الحقيقة لم أسمع الله يتكلم، ولم أمر بهذه التجربة. ولكن في هذه الساعات شعرت بأن السكينة حلت داخلي، وبعد عدة أيام قبلت بالعرض المقدم لي. العشر السنوات التالية كانت عبارة عن سلسلة من الخبرات. الأهداف الرئيسية لمشروع الجينوم البشري كانت طموحة جداً، ولكننا وضعنا أهدافاً مرحلية وألزمنا أنفسنا تحقيقها.

لقد كانت هناك لحظات من الإحباط الشديد عندما كنا نعول في التجارب الأولى على طرق تبدو واعدة ثم تبين أنها فاشلة عند تطبيقها على نطاق أوسع. كانت تنشأ بعض الاحتكاكات بين أعضاء الفريق، وكان من واجبي أن أعمل كوسيط لحلها. بعض المختبرات لم تف بوعودها وكان لابد من استبعادها، وكان اللوم يقع على مدراء هذه المختبرات. ولكن كان هناك أيضا لحظات من الانتصار، عندما كنا نصل إلى مبتغانا، وعندما بدأت الأفكار الطبية تتراكم. وفي عام 1996، كنا قد بدأنا تجارب على مستوى واسع على تسلسل الجينوم البشري باستخدام عملية كانت معقدة من الناحية الفنية ومكلفة في الوقت الذي كنا نعمل فيه على جين التليف الكيسي.

في لحظة حاسمة، قررنا نحن المسؤولين على الناحية الإعلامية للمشروع جعل الوصول إلى بيانات المشروع متاحة للجميع شرطاً للمشاركة فيه، واتفقنا على أن لا براءات الاختراع من أي نوع سيتم تقديمها لتسلسل الحمض النووي. لم نكن نملك تبرير ولو ليوم واحد في عدم إتاحة الفرصة للباحثين في جميع أنحاء العالم، الذين يهدفون إلى فهم مشاكل طبية مهمة، أن لا يكون لهم إمكانية الوصول الحر والمفتوح للبيانات التي يتم إنتاجها.

السنوات الثلاثة التالية كانت مثمرة، ومع بدء عام 1999 كنا جاهزين لتسريع العمل. ولكن لاحت بالأفق مشكلة جديدة. لم يكن التعرف على تسلسل الجينوم دفعة واحدة مشجعاً من الناحية التجارية، ولكن قيمة المعلومات التي أصبحت متوفرة بدت أكثر وضوحاً، وبدأت تكلفة التسلسل تنخفض، ولكن المشكلة التي واجهت مشروع الجينوم البشري كانت مع الشركة الخاصة. أعلن کریغ فنتر Craig Venter وهو رئيس الشركة التي سميت فيما بعد Celera أنه سوف يقوم بعملية واسعة لتسلسل الجينوم البشري، وأنه سوف يسجل براءة الاختراع للعديد من الجينات، وسيودع نسخة من التسلسل في قاعدة بيانات للمشتركين مقابل رسوم مرتفعة للاطلاع عليها.

لقد كانت فكرة أن يصبح تسلسل الجينوم البشري ملكية خاصة فكرة مزعجة للغاية. كان التخوف الأكبر منذ بدء طرح الأسئلة ما إذا كان من الحكمة الاستمرار في إنفاق أموال دافعي الضرائب في المشروع، في حين أن من الأفضل أن ينفذه القطاع الخاص – على الرغم من فريق شركة سيليرا لم يوفر أية بيانات حقيقية، وكما أن المنهجية التي أتبعها لم يكن من المرجح أن تصل إلى التسلسل الدقيق. ومع ذلك استمرت الآلة الإعلامية لشركة سيليرا بالادعاء بتحقيق منجزات، وللإيحاء بأن المشروع العام بطيء وبيروقراطي.

وبالنظر إلى أن مشروع الجينوم البشري يجري العمل به في بعض أرقى الجامعات في العالم، من قبل بعض من أكثر العلماء إبداعاً وتخصصاً على سطح الأرض فإنه كان من الصعب القبول بهذه الادعاءات. ومع ذلك، فإن الصحافة تحب الجدل. لقد كتبت الكثير من المقالات عن السباق للوصول إلى تسلسل الجينوم البشري، وعن يخت فنتر ودراجتي النارية. ما هذا الهراء. ما كان يجهله غالبية المراقبين أن النقاش لم يكن حول من ينجز العمل بطريقة أسرع وأرخص. على عكس ذلك، كان صراع المبادئ، هل سيكون الجينوم البشري والذي هو أرث مشترك سلعة تجارية أم فائدة عامة؟

لم يدخر فريق عملي أي جهد. كانت مختبراتنا العشرين الموجودة في ستة بلدان تعمل على مدار الساعة. وخلال 18 شهراً وبعد إنتاج الآلاف الأزواج كل ثانية طوال 24 ساعة وطوال أيام الأسبوع، أصبح 90% من تسلسل الجينوم البشري في متناول اليد. واستمرت البيانات في الوصول طوال الأربع وعشرين ساعة. ومن جانبها أنتجت شركة سيليرا قدرة كبيرة من البيانات، ولكن هذه البيانات ظلت في قواعد البيانات الخاصة بها بعيدة عن متناول الناس.

وعندما أدركت سليرا أنها يمكن أن تستفيد من البيانات العامة توقفت عند نصف كمية الإنتاج الذي كانت تخطط له. وفي النهاية انتقل أكثر من نصف إنتاج سيليرا ليصبح جزءًا من البيانات المتاحة للجميع.

الاهتمام بالسباق أصبح غير لائق، وهدد بتشويه أهمية الهدف. وفي أواخر عام 2000، وعندما كنا وشركة سيليرا على وشك الإعلان عن التوصل إلى نسخة أولية من الجينوم البشري طلبت من صديق مشترك لي ولفنتر أن يرتب لنا لقاءً سرياً. وعلى طاولة من البيتزا وكؤوس البيرة في منزل الصديق المشترك ناقشت مع فنتر القيام بإعلان مشترك عن التوصل لهذا الإنجاز.

وهذا ما حصل بالفعل، وكما أوضحت في الصفحات الأولى من هذا الكتاب، وجدت نفسي واقفاً بجانب رئيس الولايات المتحدة في الغرفة الشرقية من البيت الأبيض يوم 26 يونيو عام 2000، معلنا أنه تم التوصل إلى أول نسخة من كتيب تعليمات الإنسان، وأنه تم الكشف عن لغة الإله.

على مدى السنوات الثلاث التالية، كان لي شرف الاستمرار في قيادة المشروع العام لصقل نسخة التسلسل هذه، وسد الفجوات المتبقية، والارتفاع بدقة المعلومات إلى أعلى مستوى، والاستمرار في إيداع كافة البيانات في قواعد البيانات العامة بشكل يومي. في نيسان من عام 2003، وهو شهر الذكرى الخمسين لنشر واتسون وكريك بحثهم عن الحلزون المزدوج، أعلنا عن الانتهاء من جميع أهداف مشروع الجينوم البشري. كمدير للمشروع، كنت فخورة جداً بالإنجاز الذي حققه أكثر من ألفي عالم، وهو الإنجاز الذي أعتقد أنه سوف ينظر إليه بعد ألف سنة على أنه أحد المنجزات الهامة للبشرية.

وفي الاحتفال الذي تلى نجاح المشروع والذي قامت بتنظيمه مؤسسة تعنى بدعم عوائل المرضى المصابين بأمراض وراثية، قمت بإعادة كتابة الأغنية الشعبية المعروفة ” All the Good People” لتلائم المناسبة، وشارك الجميع بالإنشاد:

هذه الأغنية لجميع الناس الجيدين

جميع الناس الجيدين الأعضاء في هذه العائلة

هذه الأغنية لجميع الناس الجيدين

جمعينا نشترك في خيط واحد

قمت بكتابة نص مشابه عن الظروف التي كانت تمر بها العديد من عوائل المرضى أثناء معاناتهم أو معاناة أطفالهم. هذه الأغنية لأولئك الذين يعانون،

قوتكم وروحكم أثرت في الجميع

استمراركم يمنحنا العزيمة

لأن شجاعتكم تساعدنا على الصمود

وأخيرا أضفت فقرة عن الجينوم

إنه كتيب التعليمات، وسجل التاريخ

وهو كتاب الطب، إنه جميع ذلك

إنه من الناس وإلى الناس

أنه ملكك وملكي

بالنسبة لي كشخص مؤمن كان لاكتشاف الجينوم البشري أهمية إضافية. هذا الكتيب الذي كتب بلغة الحمض النووي بالطريقة التي تحدث فيها الله لإيجاد الحياة. لقد شعرت بالسعادة الغامرة وأنا أقرأ هذا الكتاب الذي هو أهم الكتب الحياتية. نعم، لقد كتب بطريقة يصعب علينا فهمها، وسوف يتطلب فهم أوامرها عقود أو ربما قرون، ولكننا عبرنا الجسر إلى الضفة الأخرى.

مفاجآت من القراءة الأولى للجينوم

لقد كتبت كتب كثيرة عن مشروع الجينوم البشري، وربما أقوم أنا أيضا بتأليف كتاب عن ذلك. وبالطبع ليس هدف هذا الكتاب الغوص في هذه التجربة المميزة، وإنما الهدف هو تسليط الضوء على طرق الفهم الجديدة يمكنها التوفيق بين العلم والدين. وفي هذا المجال، من المشوق التدقيق بالجينوم البشري ومقارنته مع جينوم كائنات أخرى تم تحديد الجينوم لها. عندما نتأمل في الحجم الهائل للجينوم البشري المكون من 3,1 بليون حرف لبرمجة الحمض النووي موزعة على 24 کروموسوم تظهر لنا العديد من المفاجآت.

إحدى هذه المفاجآت هي الكمية القليلة من الجينوم المستخدمة لتشفير البروتين. وعلى الرغم من محدودية طرقنا التجريبية والحسابية فإن هناك ما بين 20000-25000 من الجينات المشفرة البروتين في الجينوم البشري. تصل كمية الحمض النووي المستخدمة في تشفير البروتين إلى 1,5٪ من الكمية الكلية. وبعد عقد من الزمن على توقع اكتشاف ما لا يقل عن 100000 جين سوف يصاب البعض منا بالدهشة من اكتشاف أن الله كتب قصص قصيرة عن الجنس البشري. وهذا بالخصوص سبب للدهشة في إطار حقيقة أن الجين المسؤول عن الكائنات الأخرى مثل الديدان والذباب والنباتات البسيطة له نفس الحجم تقريبا، أي ما يقرب من 20000.

اعتبر بعض المراقبين ذلك فرصة للهجوم على تعقيد الإنسان. هل خدعنا أنفسنا بشأن الوضعية الخاصة لنا في مملكة الحيوانات؟ حسنا، ليس الأمر كذلك، فالقصة ليست كلها مجرد عدد جينات. بكل الاعتبارات، التعقيد الحيوي للبشر أكبر بكثير من الديدان التي تحتوي على 959 خلية، على الرغم من أن عدد الجينات في الحالتين متشابه، وأيضا لعدم وجود كائن أخر تم تحديد تسلسله الجيني. تعقيد تكويننا لا يأتي من عدد حزم التعليمات فحسب، وإنما في طريقة توظيفها. ولعل أجزاءنا قد تعلمت على منهجية العمليات المتعددة Multitask.

لفهم الأمر بطريقة أخرى دعوني استخدم تشبيها لغوية. معدل الكلمات التي يعرفها الشخص المتعلم الناطق باللغة الإنجليزية هو 20000 كلمة. وهذه الكلمات تستخدم في تكوين نصوص مبسطة (مثل كتيب تعليمات السيارة)، أو في أعمال أدبية أكثر تعقيداً مثل James Joyce ‘ s Ulysses. بنفس المعنى، تحتاج الديدان والحشرات والأسماك والطيور إلى عدد 20000 من الجينات لتمارس نشاطها، مع أنها تستخدم هذه المصادر بطريقة أقل تطوراً مما نقوم به.

الميزة الأخرى الملفتة للجينوم البشري تأتي من المقارنة بين مختلف أعضاء النوع البشري. على مستوى الحمض النووي، نجد أن 99٪ من البشر متطابقين. وهذا التشابه ينطبق على أي شخصين في العالم نريد مقارنتهما. ولذلك فالحمض النووي للبشر هو عضو في عائلة واحدة. هذا التمايز الوراثي البسيط يميزنا عن بقية الكائنات على الأرض، حيث التفاوت بينها في الحمض النووي يصل إلى 10 أو ربما 15 ضعف التفاوت الموجود في الحمض النووي البشري. إذا أرسل كائن غريب إلى الأرض لفحص أشكال الحياة فإنه سيجد العديد من الأمور الملفتة للنظر عن الجنس البشري، ولكن بالتأكيد فإن أبرز هذه الأمور سوف يكون في التفاوت البسيط بين أفراد الجنس البشري.

ينظر علماء الوراثة السكانية الذين يختصون باستخدام أدوات الحسابية لإعادة بناء التجمعات السكانية في التاريخ من حيوانات ونباتات، أو البكتيريا، إلى هذه الحقائق عن الجينوم البشري ويستدلون على أنها تشير إلى أن جميع أفراد جنسنا البشري متحدرين من مجموعة مشتركة من المؤسسين، مكونة من ما يقرب من عشرة الآلاف شخص، عاشوا قبل حوالي 100-150 ألف سنة. هذه المعلومات تتناسب تماماً مع السجل الأحفوري، وهو ما يشير إلى أن الموطن الأصلي لهؤلاء المؤسسين كان شرق أفريقيا.

نتيجة أخرى مثيرة للاهتمام العميق ظهرت بعد دراسة جينومات متعددة، ألا وهي القدرة على القيام بمقارنات تفصيلية بين تسلسل الحمض النووي الخاص بنا مع تلك الموجودة في الكائنات الحية الأخرى. باستخدام الكمبيوتر، يستطيع الشخص أخذ مقطع من الحمض النووي الخاص بالإنسان وتقييم ما أذا كان يتشابه مع تسلسل الحمض النووي لكائنات أخرى. إذا أخذنا القسم الخاص بالتشفير في الجين البشري (وهو القسم الخاص بالتعليمات الموجودة بالبروتين) وأجرينا أبحاثاً عليه، فإننا سوف نجد تشابهاً كبيراً مع جينوم بقية الكائنات. بعض الجينات قابل للتمييز، ولكنه لا يتطابق مع الموجود في الأسماك.

البعض الأخر سوف يكون فيه تشابه بين الجينوم البشري وبين كائنات أكثر بساطة مثل ذباب الفاكهة والديدان. وفي بعض الحالات الصادمة قد يصل التشابه إلى جينات الخميرة، بل وحتى إلى البكتيريا.

على الطرف الأخر، إذا أخذنا جزء من الحمض النووي الموجودة بين الجينات فإن إمكانية العثور على تسلسل مشابه في جينوم كائنات مختلفة عنا كثيرة تقل. بالطبع هذه الإمكانية لا تختفي تماماً، فبمساعدة الكمبيوتر يمكن مقارنة هذا الجينوم مع جينوم بقية الثدييات، وتقريباً جميع هذه الكائنات بما فيها الكائنات غير الثدية ينتظم فيها الحمض النووي بشكل جميل.

الشكل التالي يوضح نسب النجاح في العثور على تشابه حسب الأنواع المختلفة. ماذا يعني كل ذلك؟ على مستويين، يمثل ذلك تأييداً قوياً لنظرية داروين في التطور، تأييد لفكرة أننا جئنا من أسلاف مشتركين من خلال عملية انتخاب طبيعي بطريقة عشوائية متغيرة. النتيجة مبينة في الشكل 5.1.

احتمالية وجود تشابه مع الحمض النووي لكائنات أخرى

 جدول 5,1: احتمالية وجود تشابه مع الحمض النووي لكائنات أخرى.

 

تسلسل الجين

الحمض النووي بين الجينات

الشمبانزي

100٪

98٪

الكلب

99٪

52٪

الفأر

99٪

40٪

الدجاج

75٪

ذباب الفاكهة

60٪

الديدان

35٪

 

ضع في اعتبارك أن هذا التحليل لا يستخدم أي معلومات من السجل الأحفوري أو من الملاحظات التشريحية لأشكال الحياة الحالية. ومع ذلك تتشابه الاستنتاجات المستخلصة من الدراسات المقارنة لعلم التشريح، وكلاهما من الكائنات الحية الموجودة والبقايا المتحجرة.

ثانياً، داخل الجينوم، يمكن لنظرية داروين توقع الطفرات التي لا تؤثر على الوظيفة التي يقوم بها العضو (وهي تلك المناطق التي تقع في نفايات الحمض النووي) سوف تتراكم بشكل مستمر مع مرور الوقت. ومع ذلك، فمن المتوقع حدوث طفرات في منطقة ترميز الجينات مع أنها أقل حدوثاً، لأن معظم هذه الطفرات سوف تكون ضارة، وفي حالات نادرة توفر هذه الطفرات ميزة انتقائية ويتم المحافظة عليها خلال عملية التطور. هذا هو بالضبط ما لوحظ.

الظاهرة الأخيرة هذه تنطبق حتى في التفاصيل الدقيقة المناطق ترميز الجينات. لعلك تتذكر مما مر في الفصل السابق أن الشفرة الوراثية تتناقص: على سبيل المثال، GAA وGAA كلاهما رمز الحمض الجلوتاميك. وهذا يعني أنه من الممكن لبعض الطفرات في منطقة الترميز أن تكون “صامتة”، حيث لا يتم تبديل الأحماض الأمينية المشفرة من خلال التغيير.

عندما نقارن الحمض النووي للكائنات المتقاربة نجد أن الاختلافات الصامتة أكثر شيوعاً في مناطق التشفير من المناطق التي يتغير فيها الحمض الأميني. وهذا بالضبط ما توقعته نظرية داروين. إذا كان هناك من يقول إن هذه الجينومات قد تم خلقها بفعل كائن بكيفية خاصة، فلماذا ظهرت هذه الخاصية؟

 

داروين والحمض النووي

لم يكن داروين واثقاً تماماً من نظرية التطور. وهذا ما يفسر السنوات الخمس والعشرين التي فصلت بين تطويره لهذه الفكرة وبين نشره لكتاب “أصل الأنواع”. لابد أن داروين تمنى أن يعود ملايين السنين ليتابع كل الأحداث التي توقعتها نظريته. بالطبع لا يستطيع أن يفعل ذلك، ولا نحن كذلك. ولكن ما كان لداروين أن يكون أكثر اقتناعاً بنظريته مثل هذه الأيام التي توصلنا بها إلى دراسة الحمض النووي لعدة كائنات.

في منتصف القرن التاسع عشر لم يكن داروين قادراً على معرفة ما يمكن أن تكون عليه آلية التطور عبر الانتخاب الطبيعي. يمكننا الآن أن نرى التفاوت الذي افترضه داروين وذلك في التطور الذي يحدث في الحمض النووي بشكل طبيعي. هذه التفاوت يمكن أن يحدث بمعدل خطأ واحد في كل 100 مليون زوج في كل جيل (وبما أننا جميعا لدينا 3 بلايين زوج من هذه الأزواج من الأب وأخرى من الأم، فإن لدى كل واحد منا 60 زوج تقريباً قابل للطفرة لم تكن موجودة لا في الأب ولا في الأم).

معظم هذه الطفرات تحدث في أجزاء الجينوم غير الرئيسية وبالتالي فهي قليلة أو عديمة التأثير. أما تلك الأجزاء التي تقع في المناطق الأكثر أهمية للجينوم فإن الطفرات تكون ضارة بشكل عام، لأنها تقلل من اللياقة الإنتاجية. لكن في حالات نادرة، تظهر طفرة من قبيل المصادفة بحيث يمكن أن تحدث درجة طفيفة من الميزة الانتقائية. وعندها ترتفع احتمالية انتقال هذا النوع من التشفير الجديد للحمض النووي إلى النسل المستقبلي.

على مدى فترة طويلة جداً من الزمن، يمكن لمثل هذه الأحداث النادرة المفيدة أن تنتشر على نطاق واسع في جميع أفراد هذه الأنواع، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى تغييرات كبيرة في الوظيفة البيولوجية. في بعض الحالات، يلاحظ العلماء التطور في الفعل، والآن أصبح لدينا الأدوات اللازمة لتتبع مثل هذه الأحداث. بعض منتقدي النظرية الداروينية مثل من يقول إنه لا يوجد دليل على “التطور الكبير” (أي، التغيير الكبير في الأنواع) في السجل الأحفوري، وإنما هب مجرد “تطورات أو طفرات صغيرة” (التغيير التدريجي في إطار الأنواع).

لقد رأينا تغيراً في شكل منقار العصفور على مر الزمن، ولكن كما يقولون، ذلك يعتمد على تغير مصادر الغذاء، لكننا لم نر أنواع جديدة من العصافير تظهر.

ينظر إلى هذا التغير على نحو متزايد على كونه تغيراً مصطنعاً. فمثلا، تسعى مجموعة من الباحثين في جامعة ستانفورد بشكل حثيث في محاولة لفهم التنوع الكبير في الدروع الواقية للبدن في سمكة ذات الشوكة fish Stickleback والتي تعيش في المياه المالحة، وعادة ما يكون لها صف من 36 صفيحة مدرعة تمتد من الرأس إلى الذيل، ولكن في الجزء الذي يعيش في المياه العذبة في العديد من أنحاء العالم، حيث تقل الحيوانات المفترسة تفقد معظم هذه الأسماك الدروع الواقية.

يبدو أن الأسماك ذات الشركة التي تعيش في المياه العذبة وصلت إلى وضعها الحالي بدءًا من قبل 10-20 ألف سنة بعد ذوبان الأنهار الجليدية على نطاق واسع في نهاية العصر الجليدي الأخير. المتابعة الدقيقة لجينومات لهذه الأسماك التي تعيش في المياه العذبة مكن من التعرف على جين معين EDA، وهو الجين الذي تغير بشكل مستمر في حالات الأسماك التي تعيش في المياه العذبة، مما أدى إلى فقدان الصفائح لديها.

المثير أن الإنسان لديه أيضا جين EDA والتطور في هذا الجين أدى إلى خلل في الشعر والأسنان والغدة العرقية والعظام. ليس من الصعب أن نرى كيف أنه يمكن تعميم الاختلاف بين الأسماك التي تعيش في المياه المالحة وتلك التي تعيش في المياه العذبة تعميمه على جميع أنواع الأسماك. لذلك يبدو التمييز بين التطور الكبير والتطور الصغير تعسفياً إلى حد ما؛ فالتغييرات الكبيرة التي تنتج في الأنواع الجديدة هي نتيجة لتغيرات تدريجية على شكل خطوات أصغر.

يمكن ملاحظة التطور في تجاربنا اليومية وذلك في التغير السريع للفيروسات والبكتريا والطفيليات المسببة للأمراض، والتي يمكن أن تتسبب في حدوث مشاكل صحية عامة. لقد أصبت بالملاريا في أفريقيا الوسطى في عام 1989 رغم تناولي لعقار prophylaxis المضاد للملاريا. أدت التغيرات الطبيعية التي تحدث عشوائيا في الجينوم الطفيلي الملاريا، نتيجة للانتخاب الطبيعي السنوات طويلة من الاستخدام المكثف للالكلوروكين في مناطق من العالم، في نهاية المطاف إلى ظهور المرض الذي أصبح مقاوما للدواء، وبالتالي أصبح قادرة على الانتشار بسرعة.

وبالمثل فإن التطور السريع في فيروس HIV قد تسبب في تحدي كبير لتطوير لقاح مضاد له، وهو السبب الرئيسي في الانتكاس الكلي للذين يتم معالجتهم بالأدوية ضد مرض الإيدز. وهناك مثال أخر يعرفه عامة، الناس، ويتمثل في المخاوف من حدوث وباء نتيجة لانتشار إنفلونزا من سلالة H5N1 من فيروس أنفلونزا الطيور استناداً إلى وجود احتمال كبير في أن السلالة الحالية، قد تكون مدمرة كما هو الحال بالفعل بالنسبة إلى الدجاج وقليل من البشر المخالطين لها، إذ أنها سوف تتطور إلى شكل يمكن أن ينتشر بسهولة من شخص إلى آخر. يمكن القول إنه ليس علم الأحياء فقط يصبح من الصعب فهمه من دون نظرية التطور، بل حتى علم الطب يصبح صعب الفهم.

ماذا يعني ذلك بالنسبة لتطور الإنسان؟

تطبيق علم الوراثة على الأسماك الشوكية شيء، ولكن ماذا عنا نحن البشر؟ منذ زمن داروين تحمس الكثيرون في أنحاء متفرقة من العالم لفهم كيف تحدث الإيحاءات الخاصة بالأحياء والتطور الذي يجعل من الممكن أن لهذه الإيحاءات أن تنطبق على جنس معين من الحيوانات، ألا وهو الإنسان. أدت دراسة الجينوم إلى الاستنتاج بشكل قاطع أننا نحن البشر نشترك مع بقية الكائنات في سلف مشترك.

ويتضح بعض من تلك الأدلة في الجدول 5,1 حيث يتشابه الجينوم البشري مع غيره من الكائنات. هذا الدليل لوحده لا يعد بالتأكيد برهاناً على وجود سلف مشترك، فمن وجهة النظر التي تؤمن بالخلق هذا التشابه يدل على أن الإله استخدم مبادئ هذا التصميم الناجح مرات ومرات. كما سنرى فيما بعد، أنه وعلى الرغم من أن مناقشة طفرات «صامتة» في مناطق تشفير البروتين قد طغت على النقاش، إلا أن الدراسة المفصلة للجينوم جعلت من الصعب الدفاع عن هذا التفسير، ليس فقط بالنسبة الكل الكائنات الحية الأخرى، وإنما أيضا بالنسبة لنا.

وكمثال أول، دعونا نلقي نظرة على مقارنة بين الجينومات البشرية والفأر، وكلاهما تم تحديدها بدقة عالية. الحجم الكلي لكلا الجينومات متقارب، ومكان تخزين شفرة البروتين في الجين متشابه بشكل ملحوظ. لكن العلامات الواضحة الأخرى التي تدل على سلف مشترك تظهر بسرعة عندما ينظر المرء في التفاصيل. على سبيل المثال، ترتيب الجينات في الإنسان والفأر بشكل عام يمتد على طول الحمض النووي.

ولذلك، فإذا وجدت ترتيب الجينات في الإنسان على النحو التالي  A,B,Cفإن من المرجح أن أجد ترتيب الجينات في الفأر بنفس الترتيب، وإن كانت الفراغات الموجودة فيما بينها قد تختلف بعض الشيء (الشكل 5.2).

في بعض الحالات، هذه العلاقة تمتد لمسافات كبيرة تقريباً، لتشمل كل الجينات على الكروموسوم البشري رقم 17، وعلى سبيل المثال، هو نفس الجين الذي تم العثور عليه في الكروموسوم رقم 11 في الفأر.

بينما يمكن لشخص أن يقول إن ترتيب الجينات أمر بالغ الأهمية من أجل القيام بوظيفتها بشكل صحيح، وبالتالي فإن المصمم قد حافظ على هذا الترتيب في خلقه لهذا الكائن الخاص، إلا أنه لا يوجد دليل في الفهم الحالي للبيولوجيا الجزيئية يدل على أننا نحتاج لتطبيق هذا الإجراء على مسافات طويلة في الكروموسوم. هناك أدلة أخرى مقنعة على وجود سلف مشترك أتت من دراسة العناصر القديمة المتكررة (AREs).

 

الشكل 5,2: مقارنة بين تركيب الجينات في الإنسان والفأر

هذه العناصر تنشأ من قفزات جينية قادرة على نسخ وإدخال نفسها في مواقع مختلفة من الجينوم من دون أن يكون لها أي دور وظيفي.

يحتوي جينوم الثدييات على العناصر المتكررة، وما يقرب من 45٪ من الجينوم البشري مكون من هذه الجزيئات الهامشية. عندما نقارن أقسام الجينوم البشري مع أقسام جينوم الفأر سوف نجد أن هذه الأجسام في العادة موجودة في نفس المواقع في الحالتين (الشكل 5,2). ربما فقد بعض هذه الجزئيات موقعه في هذا الكائن أو غيره، ولكن الكثير ظل في الموقع الذي ورثه عن أسلافه وظل يحمله منذ ذلك الحين.

قد يجادل أحدهم بالقول إن الخالق هو من وضع هذه العناصر في هذا المكان لسبب مقنع، وأن التقليل من شأن هذه العناصر عطفاً على جهلنا الحالي يعتبر أمرا مضلاً. وفي الحقيقة، أن جزءًا صغيراً منها يلعب أدواراً تنظيمية، ولكن بعض الأمثلة لا تتوافق إطلاقاً مع ذلك. وفي الغالب تلحق عملية التبديل الضرر بالقفزة الجينية. تنتشر هذه الأجسام في جميع أجزاء الجينوم البشري وجينوم الفأر، ولكن لا يبدو أن لها أي دور وظيفي. وفي كثير من الحالات يمكن ملاحظة مثل هذه الأجسام ميتة في كل من الجينوم البشري وجينوم الفأر (الشكل 5,2).

ما لم يكن أحد يريد أن يأخذ دور الإله الذي وضع هذه الأجسام في مكانها الدقيق هذا وافتراض إنه يريد أن يضللنا، فإن النتيجة هي أن الإنسان والفأر يشتركان في سلف واحد. هذا النوع من المعلومات عن الجينوم تشكل تحدياً كبيراً للذين يعتقدون أن جميع الكائنات خلقت من العدم. تموضع الإنسان في شجرة الحياة التطورية يتوثق بمقارنة الإنسان مع أقرب الكائنات إليه وهو القرد. لقد تم الكشف عن تسلسل جينوم القرد، وتبين أنه متطابق بدرجة 96٪ على مستوى الحمض النووي.

وهناك مثال آخر لهذا العلاقة الوثيقة ينبع من فحص تشريح کروموسومات البشر والشمبانزي. الكروموسومات هي الشكل الظاهر من الحمض النووي للجينوم، وهي تظهر في المجهر الضوئي في وقت انقسام الخلية. يحتوي كل کروموسوم على مئات الجينات. الشكل 5,3 يوضح المقارنة بين کروموسومات البشر وكروموسومات الشمبانزي. الإنسان لديه 23 زوج من الكروموسومات، بينما الشمبانزي لديه 24 زوج من الكروموسومات.

يبدو أن الاختلاف في زوج من الكروموسومات بين الإنسان والشمبانزي يعود إلى انصهار اثنين من الكروموسومات البشرية مما كون الكروموسوم رقم 2. فرضية الانصهار يدعمها أنه تبين من دراسة الغوريلا وإنسان الغاب أن لكليهما 24 زوجا من الكروموسومات مشابهة جدا للشمبانزي.

في الآونة الأخيرة، ومع التحديد الكامل لتسلسل الجينوم البشري، أصبح من الممكن أن نحدد الموقع الدقيق الذي حدث فيه انصهار هذه الكروموسومات. التسلسل الموجود وطول الكروموسوم رقم 2 ملفت للنظر. دون الحصول على معلومات إضافية، دعوني أقول إن تسلسلاً خاصاً حدث على حافة الكروموسومات الرئيسية. وهذا التسلسل لا يحدث في العادة. وإنما يحدث عندما نتوقع وجود طفرات، وبالتحديد في الكرموسوم رقم 2. الانصهار الذي حدث أثناء تطورنا من قرد ترك بصمة الحمض النووي في المكان نفسه.

إنه من الصعب فهم هذه الملاحظة من دون افتراض سلف مشترك. هناك حجة أخرى تؤيد وجود سلف مشترك بين الإنسان والشمبانزي من ملاحظة غريبة تسمى “الجين المستعار”. تلك هي الجينات التي لديها ما يقرب من جميع خصائص حزمة تعليمات الحمض النووي الوظيفية، ولكنها من جانب أو أكثر تعاني من مواطن الخلل التي تحول نصها إلى كلام غامض. عندما نقارن بين الشمبانزي والإنسان، يظهر في بعض الأحيان جينات يبدو أنها تعمل وظيفية في نوع ما، ولكنها لا تعمل في أنواع أخرى، وذلك يتطلب حصول طفرات ضارة.

تعرض الجين البشري المعروف باسم 12-caspase على سبيل المثال للعديد من الضربات، ومع ذلك نجده في موقع متشابه نسبية في الشمبانزي. يعمل جين الشمبانزي 12-caspase بشكل جيد، كما هو الحال مع بقية الثدييات بما فيها الفأر. إذا كان البشر وجدوا عبر عملية خلق خاصة من قبل القوة الخارقة فلماذا أتعب الإله نفسه بإدخال جين غير فعال في هذا الموقع؟

يمكننا أيضاً أن نبدأ الآن شرح التفاصيل الدقيقة من الناحية الميكانيكية لنا ولأقرب الكائنات لنا، والبعض من هذه الكائنات قد تلعب دوراً حاسماً بالنسبة للإنسانية. في مثال على ذلك، يوجد جين لبروتين عضلات الفك (MYH16) يبدو أنه قد تحول إلى جين مزيف في البشر. ومع ذلك لا يزال هذا الجين يلعب دوراً هاماً في تطوير وقوة عضلات الفك في الكائنات الأخرى. من الممكن أن يكون تطور الفك الأضعف سمح لجمجمتنا أن تتوسع نحو الأعلى، وتستوعب المخ. من الواضح أن هذا نوع من التخمين، وبطبيعة الحال فإن التغيرات الجينية الأخرى مسؤولة بالضرورة عن كبر القشرة الخارجية للدماغ والتي تمثل عنصراً رئيسياً في الفرق بين البشر والشمبانزي.

وفي مثال أخر، يوجد حاليا اهتمام كبير بجين يسمى FOXP2 لاحتمال أن يكون له دور في عملية تطور اللغة عند الإنسان. بدأت قصة هذا الجين بعد التعرف على عائلة في بريطانيا عانى ثلاثة أجيال منها من صعوبات في النطق. كان هؤلاء يعانون من صعوبة في ترتيب الكلمات وفقا لقواعد النحو أو صعوبة في فهم تركيب الجملة المركبة أو في تحريك عضلات أفواههم ووجوههم ومراكز النطق لإخراج أصوات معينة. في مختبر التجسس الوراثي، وجد أن أفراد هذه العائلة يعانون من خلل في أحد حروف شيفرة الحمض النووي لهذا الجين الموجود في الكروموسوم رقم 7.

هذا يظهر حقيقة أن خطأ بسيط في شيفرة الجين قد تتسبب في قصور لغوي شديد دون أن يكون هناك تأثير آخر، وهذا كان مثيرة للدهشة. ازدادت الدهشة عندما تم الكشف عن أن تسلسل الجين FOXP موجود بشكل لافت في كل الثدييات تقريباً. والاستثناء المثير كان الإنسان، حيث وجد أن تغييرين مؤثرين طرأ على منطقة التشفير في الجين قبل ما يزيد على الألاف السنين على أقرب تقدير. هذه الفرضية دفعت للاعتقاد أن هذه التغيرات التي طرأت على الجين أثرت بشكل ما على تطور اللغة لدى البشر.

في هذه اللحظة، قد يشعر الماديين الملحدين بالفرحة. إذا كان الإنسان وجد من خلال التطور والانتخاب الطبيعي، فلماذا نحتاج إلى الإله ليشرح لنا كيف تكونا؟ هنا أجيب بالقول نعم نحتاج الإله. مقارنة تسلسل كل من الإنسان والشمبانزي لا تجيب على السؤال ماذا يعني أن نكون بشر. إعفاء الإله من مسؤولية الخلق الخاص لا يعني عزله عن أن يكون مصدر في كون الإنسان كائن مميز بالنسبة للكون ككل. هذه الآلية تدلنا نوعا ما على الطريقة التي يتصرف بها.

التطور: حقيقة أم نظرية؟

الأمثلة التي ذكرت هنا من دراسة الجينوم، بالإضافة إلى غيرها من الأمثلة يمكن أن تملأ مئات الكتب وتوفر نوع من الدعم الجزئي النظرية التطور، والتي استطاعت إقناع غالبية علماء الأحياء بأن إطار عمل داروين المبني على التغير والانتقاء الطبيعي مما لا شك فيه صحيح. في الواقع، بالنسبة لأولئك الذين عملوا مثلي في مجال علم الوراثة، يكاد يكون من المستحيل تصور الربط بين كميات هائلة من البيانات الآتية من دراسات الجينوم من دون الاستناد إلى أسس نظرية داروين. وكما قال عالم الأحياء ثيودوسيوس دوبجانسکی Theodosius Dobzhansky في أوائل القرن العشرين “لا شيء في علم الأحياء له معنى إلا على أساس التطور”.

في المقابل من الواضح أن نظرية التطور كانت مصدر عدم ارتياح للمجتمع الديني خلال المئة والخمسين سنة الماضية، ولا يبدو أن هناك أي علامات للتراجع عن هذا الرفض. ولهذا فإننا ننصح المؤمنين بالله بمراجعة الحجم الهائل من المعلومات التي تؤكد على وجهة النظر القائلة بوجود علاقة بين جميع الكائنات الحية بما فيها البشر. وعطفا على قوة الأدلة المقدمة فإنه من المحير جداً أن قدراً قليلاً من القبول لدى الرأي العام قد تحقق في الولايات المتحدة. ولعل جزء من المشكلة يعود إلى سوء فهم لمعنى مصطلح “نظرية”. النقاد مغرمون فقط بالإشارة إلى أن التطور مجرد نظرية، وهي العبارة التي تربك العلماء التي يستخدمون كلمة “نظرية” بعدة معاني.

قاموس Funk & Wagnalls يقدم تعريفين مختلفين لكلمة “نظرية”: (1) وجهة نظر تخمينية أو حدسية لبعض الأشياء؛ (2) المبادئ الأساسية التي يقوم عليها العلم، والفن، وما إلى ذلك: مثل نظرية الموسيقى، نظرية المعادلات”. المعنى الثاني هو الذي يستخدمه العلماء عندما يتحدثون عن نظرية التطور، بالضبط كما يفعلون عندما يتحدثون عن نظرية التطور ونظرية الجرثومة للأمراض المعدية. في هذا السياق، لا تقصد كلمة “نظرية” أن تحمل معنى عدم التحديد، ولذلك فإن العلماء يستخدمون كلمة “فرضية” للأغراض العلمية.

أما في الاستخدام اليومي فإن كلمة “نظرية” تفهم في إطار العلاقة السببية كما هو مذكور في التعريف الأول في معجم & Funk Wagnalls مثل قول أحدهم: “ليندا لديها نظرية بأن بتلر هو من فعل ذلك”. إن من المؤسف جداً أن لغتنا تفتقر إلى الدقة اللازمة للتمييز في مثل هذه الحالات، كما هو واضح من أن الاختلاف البسيط لمعنى كلمة جعل الأمور أسوأ في حوار مثير للجدل بين العلم والإيمان حول كيفية ارتباط الكائنات الحية.

إذا كان التطور حقيقة، فهل بقي شيء للإله؟ كتب آرثر بيكوك Arthur Peacock، وهو عالم بريطاني في البيولوجيا الجزيئية وأصبح في وقت لاحق كاهن الكنيسة الأنغليكانية كتب بشكل مسهب حول التفاعل بين علم الأحياء والإيمان، وقد نشر مؤخرا كتاباً بعنوان التطور: صديق الإيمان المتنكر؟ The Disguised Friend of Faith؟ العنوان الجميل للكتاب يمثل تناولا جديداً للموضوع، ولكن هل هذا سوف يعلن وقف إطلاق النار بين وجهتي النظر غير المتوافقتين؟

أو هل إن عرضنا الآن الحجج التي تؤيد إمكانية وجود الله من جهة، والبيانات المتعلقة بأصل الكون والحياة على الأرض من جهة أخرى، يستطيع التوصل إلى تركيب توافقي سعيد؟

إلى الفصل السابق: أصل الكون

إلى الفصل التالي: أخلاقيات ممارسة العلم والطب

دروس من الجينوم البشري – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

Exit mobile version