نظرة أورثوذوكسية لجماعة المتجددين – د. جورج عطية

نظرة أورثوذوكسية لجماعة المتجددين – د. جورج عطية

نظرة أورثوذوكسية لجماعة المتجددين – د. جورج عطية

خلال ما قرأناه سابقًا، نلاحظ كيف أنهم يعتبرون الإنسان بناءً على حَثٍّ معًّين كما فعل الواعظ، يصبح لديه شيء داخلي يجعله يشعر أنه قد تجدد، وعندما يقف الواعظ والقسيس ويطلب من يسوع أن يغفر له ويجدد حياته، حينها يحصل على التجديد والتبرير والخلاص، برأيهم هذه هي الولادة الجديدة.  لا أبالغ بهذا القول، أن كل الفئات من المتجددين تجمع على هذه الفكرة من أمثلتهم على ذلك، بولس الرسول حين رأى النور على طريق دمشق.

أوغسطين المغبوط الذي كان يحيى حياة غير مُنضبِطة وبعدها سمع صوتاً في حديقة حين كان يقرأ الكتاب المقدس وهو في ألمٍ، حينها عَزَمَ على تجديد حياته.  وسلي الميتودي الذي ذكرناه سابقاً . . .  الخ.  بالإجمال يعتقدون أنه في وقت مُعّين يتمّ التجديد للإنسان، لدرجة أن المتِجدّد عادةً يقول إنه حَصَلَ على التجدد والولادة الجديدة في اليوم المعين في الساعة المعينة، أي أنه يحدد الوقت الذي خَلُصَ فيه، لأن هذا الخلاص تم فقط بالإيمان بيسوع المسيح وهذا وحده كافٍ.

فالمسيح كما يقولون، دفع عنّا بالصليب ثمن خطايانا بدمه، لذا نحن لسنا محتاجين بعد ذلك لا للأعمال الصالحة ولا للأسرار ولا للكنيسة ولا لأي شي آخر، فقط أنت بالإيمان تَخلُص، مستندين بصورة خاصة على آية بولس الرسول: “بالنعمة أنتم مخلصون” (أفسس 2: 8) و” وذلك بالإيمان ليس منكم ” بدون أن يقرأوا تكملتها.

هناك أمثلة كثيرة من الكتاب المقدس عن أهمية الإيمان بيسوع المسيح بالذات، لأنه المدخل الوحيد للخلاص الفعلي لكن إن كان الإيمان هو المدخل للخلاص، أي إذا آمنا بيسوع المسيح، حينها تبدأ مسيرة خلاصنا، فهذا لا يعني أبداً أننا لسنا بحاجة من جهتنا أن نثبت في المسيح ونجاهد في كنيسته وأن نتقوى وننموا بالأسرار التي من خلالها تُعطى النعم الإلهية المقدسة والمؤلهة.

لأن التجديد والخلاص والتغيير بالحياة والتبرير والتقديس لا يمكن أن تصير دفعة واحدة ولمجرد شعور حصل لمرة واحدة وبمعزل عن كيسة المسيح التي أسسها هو نفسه وعن الأسرار التي أعطاها بدمه الكريم وبكل تأكيد فليس هذه القضية فقط ضلالهم الوحيد، بل هناك ضلالات كثيرة أخرى، لكننا سوف نكتفي في هذا الكتيب بمناقشة فهم هذه الجماعة لموضوع التجدد، لندرك كم هو مغلوط وخَطِرٌ على حياتنا المسيحية وعلى خلاصنا.

 

 

  1. ضرورة المعمودية للولادة الجديدة والخلاص: 

إنهم يعتمدون، في موضوع الولادة الجديدة، على كلمة للرب يسوع من خلال حديثه مع نيقوديموس: ” أجاب يسوع وقال له الحق الحق أقول لك إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر ان يرى ملكوت الله “(يوحنا 3: 3). إذاً هناك ولادة من فوق، ويتساءلون كيف تتم هذه الولادة الجديدة؟ والجواب عندهم هو حين يكشف الإنسان في لحظة معينة يسوع المسيح ويعرفه ويؤمن به

 في الإصحاح نفسه من إنجيل يوحنا يكمل الرب يسوع حديثه عن الولادة الجديدة فيقول “أجاب يسوع الحق الحق أقول لك إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر ان يدخل ملكوت الله ” (يوحنا 3: 5). يتجنب المتجددون عادةً قراءة هذه العبارة، وإذا ذكَّرهم بها أحد فإنهم يغيرون معناها الواضح فيقولون إن الولادة التي تحدث لا علاقة لها بالمعمودية.

وإذا تمت المعمودية لاحقاً فما هي إلا مجرد رمز وفريضة يقوم بها الإنسان ليس أكثر، كتعبير عن طاعته للرب يسوع الذي أوصى به، وكإعلان عن تجدُّده.  فإذا سألهم سائل لماذا لا تقرأون عبارة “من لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت السماوات ” كما هي؟ يأتون بآية من مكان آخر بأننا ” مولودون بالكلمة الإلهية ” ليضعوا مكان الماء والروح الكلمة الإلهية. هكذا يجتزئون الآيات من هن وهناك ليحوروا المعنى بحسب ما يناسبهم، وليس بحسب إعلان الرب الواضح والجازم.

غريب أمر هؤلاء الناس الذين يدعون أنهم إنجيلين ومتجددون، وهم يريدون أن يجددوا الناس بحسب أفكارهم وتخيلاتهم وليس بحسب الإنجيل. فلنسمع المزيد من كلمات الإنجيل عن المعمودية بالماء والروح وعن ضرورتها التي لا غنى عنها للتجديد والخلاص:

     أ.  يقول بولس الرسول في (أفسس 5: 25 – 27) “كما أحب المسيح أيضا الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها. لكي يقدسها مطهرا إياها بغسل الماء بالكلمة…..

” هنا عبارتا “بغسل الماء بالكلمة” متجاورتان فلا نستطيع الاستغناء عن أي منهما لأن كلتيهما ضروريتان للخلاص كما نرى بوضوح في (1 كورنثوس 6: 11) “لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا”

     ب. أيضا في (غلاطية 3: 26) “لأنكم جميعا ابناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع.  لان كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح “

     ج. كذلك في (تيطس 3: 5 – 7) “بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس. الذي أفاضه علينا بكثرة بيسوع المسيح مخلصنا. لكي نبرر بنعمته نصير ورثة حسب رجاء الحياة الأبدية  “

 

ولنسأل كيف قدس المسيح كنيسته وطهّرها؟ أليس بغسل

الماء بالكلمة، أي بكليهما معاً؟ وكيف تَقَدّس وتبَرّرَ أهل كورنثوس أليس لأنهم اغتسلوا باسم الرب يسوع وبروح إلهنا؟ وكيف لبسوا المسيح، أليس لأنه اعتمدوا؟ وكيف خلصنا الله برحمته، لكي نُبَرَّر بنعمته فنصير ورثة على رجاء الحياة الأبدية أليس بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس؟

أما بخصوص زمان الولادة الجديدة، فيمكن القول إن هناك ظرفاً معيناً في زمن معين يمكن أن يحصل لبعض الأشخاص يدفعهم باتجاه الولادة الجديدة، ولكن الولادة الروحية ذاتها لا يمكن أن تحدث إلا بالماء والروح أي المعمودية، تماماً كما حصل لبولس الذي بعد أن رأى نور الرب على طريق دمشق وسمع كلامه آمن واعتمد على يد حنانيا (أعمال 9: 18).

وكذلك في أعمال الرسل بالنسبة للجموع الذين نُخِسُت قلوبهم بعد سماعهم لأول مرة عظة بطرس الرسول عن صلب المسيح وقيامته وبأنه هو المُخلِّص فقالوا: ” ماذا نصنع أيها الرجال الأخوة؟  فقال لهم بطرس توبو وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس” (أعمال 2: 37 – 38).

إذاً هناك أولاً توبة، فمعمودية أي الولادة الجديدة، وبعدها ينالون عطية الروح القدس.  وهذا طبيعي جداً وواضح من معنى كلمة الولادة ذاته فالإنسان يولد ويتبع ولادته نُموٌّ، والنمو يتبعه رجولة وكمال.  بينما يفترض المتجددون أن الولادة التي تحصل في زمن معين تحوي في ذاتها كل شيء.

ليس هذا فقط ولكن، كما قرأتُ في كتبهم، هم لا يقبلون أن هناك نعمة يمكن أن تحل على المعمودية، النعمة بالنسبة لهم فقط تم عبر علاقة شخصية بين الإنسان والله والرب يسوع.  نحن نسأل: الذي يقدر أن يعطي نعمة عبر العلاقة الشخصية مع الإنسان، ألا يستطيع أن يعطي نعمة عبر ماء المعمودية وغيره؟ . . .   لماذا نُحِدُّ الله ونجعل عمله ضمن أُطر معينة؟

هل نحن أوجدنا المعمودية؟  أَم أن الرب يسوع نفسه قال: ” فأذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس ” (متى 28: 19)، ” من آمن واعتمد يخلص ” (مرقس 16: 16).  كيف يمكننا أن ننكر أن هناك الإيمان والمعمودية مع، وكلاهما ضروريان للخلاص والولادة الجديدة؟ 

 

 2 ضرورة مسحة الروح القدس والمناولة للنمو والثبات في المسيح والاتحاد معه:

في عبارة الرسول بطرس المذكورة أعلاه (أعمال 2: 37-38)، يأتي قبول أعمال الروح القدس مباشرةً بعد المعمودية، بمثابة الهدف من الإيمان والتوبة والمعمودية وغفران الخطايا.  لكن هذه العطية والموهبة هي التي تساعد أيضاً في الثبات والنمو في المسيح بعد الولادة الجديدة، وهي بالذات الموهبة التي أخذها الرسل بالعنصرة صارت تعطى للمؤمنين بعد المعمودية مباشرةً.

مثلاً فيليبس أحد الشمامسة السبعة، عندما ذهب إلى السامرة وعمد أهله، حلَّ الروح القدس عليهم مباشرةً بعد وضع أيادي الرسولين الذين أرسلهما الرسل الذين في أورشليم(1).  كرنيليوس قائد المئة الكثيرون كانوا عنده حلَّ عليهم الروح استثنائيا قبل المعمودية من أجل إزالة ريبة بطرس والذين معه من أهل الختان الذين لم يكونوا يتصورون أن وثنياً يمكن أن يحل الروح القدس عليه ويقبل المعمودية والخلاص.  عدا ذلك ففي الإنجيل يحل الروح القدس بعد المعمودية.

والغاية كما ذكرنا أعلاه من هذه الموهبة التي تسمى مسحة وميرون (2)، هي تنوير المؤمن المولود جديد ومساعدته على الثبات والنمو في المسيح: (1يوحنا2: 20و27) ” وأما أنتم فإن لكم مسحة من القدوس وتعلمون كل شيء”، “و الذي يثبتنا معكم في المسيح وقد  مسحنا هو الله الذي ختمنا أيض وجعل عربون روحه في قلوبنا” (2كورنثوس1: 21)، “بعد أن آمنتم ختمتم بروح الموعد القدوس الذي هو عربون ميراثنا لفداء المقتنى لمدح مجده ” (افسس1: 13-14).

إذاً هناك آيات عديدة تؤكد على موضوع المسحة التي تتم كما تتممها كنيستنا بناءً على تسليم الرسل، إذ لم يكن من الممكن أن يذهب الرسول والأسقف إلى كل معمد ليعطيه المسحة، لهذا أصبحت تتم عبر الميرون الذي يقيمه الأساقفة بصلوات معينة.  نلاحظ أن هناك في الكنيسة ثلاث أسرار ومواهب كانت ولا تزال تعطى للمُعمَّد: المعمودية والميرون والمناولة، تماماً كما كانت تصنع الكنيسة الأولى فيعطى عبرها من الله إمكانية الولادة والنمو والثبات في المسيح والاتحاد معه.

فالمناولة هي التي تعطينا بالإضافة إلى الثبات في المسيح (1) والحياة الأبدية (2)، الوحدة الحقيقية فيما بين المؤمنين وبينهم وبين المسيح.  فعبر المناولة خاصة تصبح الكنيسة كنيسة.  يسأل الرسول بولس في (كو الاولى 10: 15 – 17) ” كأس البركة التي نباركها أليست شركة دم المسيح.  الخبز الذي نكسره أليس هو شركة جسد المسيح.

فأننا نحن الكثيرين خبز واحد، جسد واحد، لأننا جميعا نشترك في الخبز الواحد”. ما يصنع الكنيسة إذاً هو المعمودية والميرون والمناولة، والكنيسة كلها تنمو معاً باتجاه الحياة والكمال في المسيح والوحدة معه. لا ينمو أحد بمفرده، أي كل واحد بعلاقة شخصية منعزلة مع الرب، بل في الكنيسة نفسها ككل.

أعطيكم مثلاً واحداً علماً أنه هناك الكثير من الأمثلة لتأكيد هذا الموضوع: “جسد واحد وروح واحد، كما دعيتم أيضاً في رجاء دعوتكم الواحد، رب واحد، إيمان واحد معمودية واحدة . . ..  ولكن لكل واحد منا أعطيت النعمة حسب قياس هبة المسيح وهو أعطى البعض أن يكونوا رسل والبعض أنبياء والبعض مبشرين والبعض رعاة ومعلمين لأجل تكميل القديسين لعمل الخدمة لبنيان جسد المسيح إلى ان ننتهي جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله إلى إنسان كامل إلى قامة ملء المسيح . . .  بل صادقين في المحبة ننمو في كل شيء الى ذاك الذي هو الرأس المسيح، الذي منه كل الجسد مركبا مع ومقترنا بمؤازرة كل مفصل حسب عمل على قياس كل جزء يحصل نمو الجسد لبنيانه في المحبة (افسس 4: 4-16).

لاحظوا اننا جميعنا ننمو مع، في الكنيسة التي أسسها الرب يسوع كجسد واحد، بروح الله الموجود في الكنيسة بالمعمودية وأيضا بهذه الأسرار المكملة لها التي أعطانا أيها الرب يسوع التي لا يمكن أن نخلص ونثبت بدونها.

 

 

  1. ضرورة الأعمال والجهاد الروحي للحصول على الخلاص والحياة الأبدية:

يرفض المتجددون أيضاً الأعمال وأهميته، إذ بنظرهم، طالما هناك إيمان فليس هناك حاجة بعد إلى أعمال لنيل الخلاص ويتابعون بزعمهم أنه إذا قام الإنسان بأعمال (أي أعمال حسنة)، فهي تأتي بشكل تلقائي نتيجة للإيمان ولكن لا يد له في الموضوع.

وكأن الله جعل الإنسان صفراً على اليسار وليس له اي دور في عملية خلاصه. فلنسأل الكتاب المقدس والذي هو مرجعهم الوحيد، هل صحيح أنه ممكن للإنسان أن يخلص ويحصل على الحياة الأبدية دون أن يقوم بالأعمال الصالحة؟ سوف أكتفي بأمثلة قليلة:

@ عندما سأل الشاب الغني الرب يسوع: ” ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟ “، أجابه يسوع: “أنت تعرف الوصايا….  فقال هذه حفظتها منذ حداثتي، ماذا يعوزني بعد؟ “، قال له يسوع: ” اتبعني ….  ” (متى 19: 16 – 22).

لم يذكر يسوع هنا الإيمان بل فقط حفظ الوصايا والجهاد من أجل الكمال.  لماذا؟ لأن الإيمان بالمسيح متضمن بديهياً في حفظ وصاياه واتباعه، ولأنه يريد أن يشدد على دور الأعمال الحاسم في عملية الخلاص، لأن ” ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات، بل الذي يعمل مشيئة أبي الذي في السماوات” (متى 7: 21)

وكذلك ” أما الذي عمل وعلم فهذا يدعى عظيماً في ملكوت السماوات ” (متى 5: 19) دينونتنا نحن بناءً على ماذا ستكون؟، لنسمع ما يقوله الرب يسوع: “تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم، لأني جعت فأطعمتموني، عطشت فسقيتموني.  كنت غريباً فآويتموني. . ..  الخ ” (متى 25: 34 – 36).

وكذلك: ” اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته، لأني جعت فلم تطعموني.  عطشت فلم تسقوني.  كنت غريباً فلم تأووني . . .  الخ ” (متى 25: 41- 42) هنا المسيح سيدين بحسب ماذا؟ . . .  بحسب الإيمان أم بحسب الأعمال؟ . . .  الدينونة طبعاً بناءً على الأعمال(3) وبالتالي فلا خلاص دون أعمال.

 

@ يعقوب الرسول في رسالته وخاصة في الإصحاح الثاني يتكلم بتشديد على دور الأعمال وأهميتها ضرورتها للخلاص

فيقول في (يعقوب 2: 14)” ما المنفعة يا أخوتي إن قال أحد أن له إيمان ولكن ليس له أعمال.  هل يقدر الإيمان أن يخلصه؟ “، وفي النهاية يقول: ” الإيمان بدون أعمال ميت ” (يعقوب 2: 20)

 

@ إنجيل يوحنا مليء بالآيات التي تتحدث عن ضرورة حفظ الوصايا والثبات في يسوع وفي محبته: ” إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي “(يوحنا 24، 23، 14: 21)، (يوحنا 15: 4-17) . . .  الخ

وبالإجمال ففي كل صفحة من الكتاب المقدس تحريض على عمل مشيئة الله ووصاياه وإتمام الفضائل، وعن ارتباط لا يتجزّأ للإيمان والأعمال والمحبة، وكما يعِّبر بولس الرسول:” الإيمان العامل بمحبة “(غلاطية 5: 6).  أما عند المتجددين فخلاص الإنسان يتم بطريقة سطحية خفيفة، مجرد مشاعر وتخيلات لتجدد يظن أنه حصل في لحظات، ثم يستمر هكذا تلقائي، إذ لا توجد بعد حاجة لأية أعمال وأي دور للإنسان من أي نوعٍ كان.

لا بل هم يرفضون علناً الجهاد الروحي تحت شعار أن الإنسان يخلص بالإيمان وحده فلماذا يحتاج بعدُ إلى شيء آخر؟  وأكثر من ذلك هم يؤكدون بوصفهم متجددين أنهم يعرفون بوصفهم متجددين أنهم يعرفون منذ الآن أنهم مخلصون ولا يمكن لأي وضع كان أن يؤثر على هذا الواقع.

 

ولكن السؤال المهم: هل يتفق كلام الكتاب المقدس مع هذا الادعاء؟  سوفا أُعطي بعض الأمثلة لأؤكد أن الإنسان بحسب الإنجيل، مدعو قبل كل شيء إلى أن يجاهد جهاداً مُراً ليَخلُص.  لنأخذ بعين الاعتبار أولاً كلمة المسيح المصلوب المحورية: ” من أراد أن يتبعني فليحمل صليبه كل يوم ويتبعني، لأن من ينكر ذاته يخلصه ومن يهلك ذاته من أجلي يجدها “(متى16: 24-25).

أليست هذه دعوة لجهاد شاقٍّ ضد الأنانية والخطيئة يطال كل الحياة؟ المعمودية ذاتها بوصفها بداية الحياة الجديدة أليست هي دعوة كذلك لصلب ودفن الإنسان العتيق لكي يُبطل جسم الخطيئة -بحسب بولس الرسول- لأنه ” إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضاً بقيامته “(رومية6: 3-14).

دعوة المسيح المحورية لحمل الصليب وراءه وإنكار الذات، يشدد عليها في كل الأناجيل (متى10: 38-39)، (مرقس8: 34-35)، (لوقا9: 23-24 و14: 27)، (يوحنا12: 25-26) . . .، ولكن المتجددين لا يذكرونها قط في كتبهم وأحاديثهم.  لماذا؟ أليس لأنها تدحضها جذرياً ادعاءاتهم؟ . . .  بولس نفسه كيف عاش؟، يقول في رسالته إلى أهل (غلاطية 2: 20): ” مع المسيح صُلبت لكي أحي، لا أن، بل المسيح يحيا في”.

لماذا لبولس الحياة في المسيح؟ ألانه آمن فقط أم لأنه مع المسيح صُلب!؟، ويتابع في رسالته نفسها (5: 25):” ولكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات. إن كنا نعيش بالروح فلنسلك أيضاً بحسب الروح ” وبماذا أوصى؟: ” لم تقاوموا بعد حتى الموت مجاهدين ضد الخطيئة “(عبرانيين12: 4)، ” البسوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تثبتوا ضد مكائد إبليس “(أفسس6: 11)،” فاشترك أنت في احتمال المشقات كجندي صالح ليسوع المسيح . . .  وأيضاً إن كان أحد يجاهد لا يكلل إن لم يجاهد قانونياً” (2تيموثاوس2: 5) . . ..  الخ

 

أما بخصوص معرفة الإنسان أنه مخلص والتي يدعيها المتجددون فماذا يقول بولس الرسول بشأنها؟:

@ ” أيها الإخوة ان صدف إنسان فاخذ في زلة ما فأصلحوا أنتم الروحانيين مثل هذا بروح الوداعة ناظرا الى نفسك لئلا تجرب أنت أيضا”(غلا\ية6: 1) إذاً هناك خوف من أن يسقط المؤمن

@ ” من يظن انه قائم فلينظر ان لا يسقط ” (1كورنثوس 10: 12)

@ من أجمل وأعظم الآيات في هذا الشأن ما يقوله القديس بولس:” ألستم تعلمون ان الذين يركضون في الميدان جميعهم يركضون ولكن واحدا يأخذ الجعالة هكذا اركضوا لكي تنالوا وكل من يجاهد يضبط نفسه في كل شيء أما اولئك فلكي يأخذوا اكليلا يفنى واما نحن فإكليلا لا يفنى  اذا انا اركض هكذا كانه ليس عن غير يقين هكذا اضارب كأني لا أضرب الهواء  بل اقمع جسدي واستعبده حتى بعدما كرزت للآخرين لا اصير أنا نفسي مرفوضا  ” (1كورنثوس 9:24-27 ) (4)

تصوروا أن القديس بولس نفسه رغم كل أيمانه وجهاده كان دائماً في حالة ضبط وجهاد لدرجة أنه بعد أن كرز للآخرين كان يخاف أن يصير هو نفسه مرفوضاً.  كيف يتفق هذا مع ادعاء المتجدد بأنه هو مخلص سلفاً؟، ولكن متى عرف بولس نفسه أنه مخلص أليس في آخر لحظة من حياته بعد أن أعلمه الرب بذلك وبعد أن أكمل السعي؟: “قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان، وأخيرا قد وضع لي اكليل البر الذي يهبه الله في ذلك اليوم “(2تيموثاوس4: 7-8).  إذاً أُعطي إكليل البر لبولس بناءً على جهاده الحقيقي طوال عمره.

للأسف أعود وأقول إن كل هذا مرفوض من قبل هؤلاء المتجددين المتطفلين على حياة الخلاص الحقيقية، وكأن الطريق الصعبة التي أشار إليها المسيح حتى يشفي طبيعتان ويجددنا حق ويعطينا نعمة الروح الحقيقية، يضعها المتجددون جانب ويتكلون على شعور نفسي يتحرك لديهم بطريقة ما وينتهي الموضوع عند هذا الحد.  بينما الرب يسوع يقول بكل وضوح:” ادخلوا من الباب الضيق، لأنه واسع الباب ورحب الطريق الذي يؤدي إلى الهلاك، وكثيرون هم الذين يدخلون منه.

ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة وقليلون هم الذين يجدونه ” (متى7: 13-14) أما عن الغلبة النهائية فكيف يمكن أن تتحقق بدون صبر وثبات حتى المنتهى؟:

@” ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص” (متى24:13)

@ “وهم غلبوه بدم الخروف وبكلمة شهادتهم ولم يحبوا حياتهم حتى الموت ” رؤية 12: 11

@ ” تمسك بما عندك لئلا يأخذ أحد إكليلك ” رؤية 3: 11

@ “من يغلب فسأعطيه أن يجلس معي في عرشي كما غلبت أنا أيض وجلست مع أبي في عرشه ” رؤية 3: 21

هنا لابد من أن أقول لكل المسيحيين أن فكرة الولادة الجديدة والتجدد والتبرير والتقديس هي واقع حقيقي في الكتاب المقدس، يمكن أن يحياه فعلاً أي مسيحي، إنما في كنيسة المسيح وبحسب وصايا الرب، وليس بحسب أوهام المتجددين.  وقد عاشه القديسون ويعيشونه عيشاً حقيقي، وحصلوا ويحصلون على ثمار الروح من خلال نعمة الله وإيمانهم وجهادهم.

لكن عندما يأتينا أُناس مثل المتجددين ومن يحذى حذوهم، ويتجرؤون الدخول ويصطادون من أبنائنا تحت شعارات براقة، فهذا علامة بأنه، وإن يكن التعليم الحقيقي وطريق الحياة الحقيقية في تسليم كنيستين وحياته، إلا أنه، وللأسف، قسم ٌكبير منا لا يحيا إيمانه، أي أن البعض منا مسيحيون بالاسم بدون إيمان حقيقي وجهاد.  لهذا ينطبق عليهم ما جاء في (رومية2: 24):” يجدفون على اسم الله بسببكم”، أي بسببنا نحن المنتمين إلى الكنيسة الحقيقية، ولكننا لسنا أعضاء فعليين فيه، وليس لدينا ثمار.

فلو كان عندنا ثمار الروح في حياتنا لما أقدم أُناس من مثل هذه الفئات التي ذكرناه والتي تستحق الشفقة، وتحتاج هي إلى التبشير، على تبشير خراف المسيح دعوة الله هي أولاً إلى أبناء الكنيسة الحقيقية بأن يتوبوا فعل ويحيوا بإيمانهم ويحملوا صليبهم ويتبعوا المسيح. حينها “لا يمكن أن تخفى مدينة واقعة على جبل ولا أن يوضع سراج تحت المكيال بل على المنارة فيضيء لجميع الذين في البيت “(متى5: 14).

الرب يسوع ينتظر منّ، نحن الأرثوذكسيين، ليس فقط أن ننجح بحماية أولادنا من الانحراف وراء البدع، بل أن نصبح جميعاً من المؤمنين المجاهدين الحاصلين على الحياة، فيضيء نورنا هكذا قدام الناس كي يروا أعمالنا الحسنة فيمجدوا أبانا الذي في السماوات (5).

وفي الواقع فالبشارة الأعظم ستحصل إذا كان إيماننا يُعرف من خلال أعمالنا ومحبتنا وتعاليمنا، وعندها لابد أن يسأل الآخرون عن سبب الحياة والرجاء الذين عندنا أخيراً أختم بوصية الرسول بولس لنا جميعاً ” واطلب إليكم أيها الأخوة أن تلاحظوا الذين يصنعون الشقاقات والعثرات خلافا للتعليم الذي تعلمتموه واعرضوا عنهم لان مثل هؤلاء لا يخدمون ربنا يسوع المسيح بل بطونهم وبالكلام الطيب والاقوال الحسنة يخدعون قلوب السلماء. . ..  نعمة ربنا يسوع المسيح مع جميعكم أمين ” (رومية16: 17-24).

 

(1) (أنظر أعمال 14، 8: 12-17)

(2) سميت هذه الموهبة وهذا السر مسحة وميرون (طيب)، لأنه عندما ازداد عدد المؤمنين وأصبح متعذراً على الرسل وخلفائهم أن يطوفوا في كل مكان لكي يضعوا أيديهم على المتعمدين، رأى الرسل تحت إرشاد الروح القدس أن يستبدلوا وضع الأيدي بالمسيح بالميرون الذي تقدس بصلاتهم، كما كان يسمح الملوك والأنبياء في العهد القديم بمزيج من الطيوب وزيت الزيتون (خروج 30: 12- 33)

(3)  للتأكد أنظر مثلاً (رومية 2: 6): “الذي سيجازي كل واحد حسب أعماله”. و(رؤية 20: 12-13): “ويدين الأموات. . ..  بحسب أعمالهم”.  و: (متى 16: 27)، (كورنثوس الثانية 5: 20) . . . . . .  الخ

(4)  انظر أيضاً (تيموثاوس الثانية 2: 11-12) وغيرها كثير . . …

(5)  انظر (متى 5: 16)

نظرة أورثوذوكسية لجماعة المتجددين – د. جورج عطية

شهادة الروح القدس في التجديد لمصداقية الكتاب المقدس

شهادة الروح القدس في التجديد لمصداقية الكتاب المقدس

شهادة الروح القدس في التجديد لمصداقية الكتاب المقدس

شهادة الروح القدس في التجديد لمصداقية الكتاب المقدس

يعنى تعليقي الأخير بسبب إيمان بعض القوم، من دون سواهم، بشهادة الكتاب المقدس عن نفسه. لماذا أومن أنا بهذا فيما اعتبر “رودولف بلتمان” أن الكتاب المقدس أسطورة؟ فلقد كان على علم مثلي بما يعلمه الكتاب المقدس. إجابتي عن هذا سأصوغها بأرق الكلمات: لأني مسيحي متجدد، لكنه لم يكن كذلك. ولئن كان الدليل التاريخي ودليل علم الآثار يكتسبان في نظري أهمية بالغة إذ يؤكدان لي بالكامل مصداقية الكتاب المقدس، فيما يشكلان سبب إرباك عظيم لغير المؤمنين، فإن اقتناعي بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله، لا ترتكز بشكل نهائي على دلائل كهذه.

ذلك لأن ثقتي بالأسفار المقدسة تنبع من الروح القدس الذي شهد في قلبي عند تجديدي بنعمته لمصداقية كلمة الله التي أخبرت بها. أنا لست أصرح هنا بأي شيء لم يصر إلى المحاججة فيه مرات عدة من قبل. لكني فقط أبسط بشيء من التفصيل الأسلوب الدفاعي الذي يتماشى مع تعليم الكتاب المقدس نفسه، ومع الإيمان المصلح، ومع معايير “وستمنستر”. دعوني أوضح كيف أني بقولي هذا، لست أتكلم بمعزل عن شهادة الكنيسة المصلحة. “جون كلفن” في كتابه Institutes of Christian Religion (“ملخص مبادئ الديانة المسيحي”)، 5-4. 7. 1 يكتب (الكلمات بخط مائل للتركيز).

من الممكن تثبيت موثوقية العقيدة إلى حين اقتناعنا، بما لا يرقى إليه أي شك، بأن الله هو واضعها. لذا، فإن أعلى برهان على صحة الأسفار المقدسة، ينبثق على العموم من حقيقة كون الله يتكلم فيها شخصياً. فلا الأنبياء ولا الرسل يتباهون بحذاقتهم ولا بأي شيء آخر من شأنه أن يرد لهم الفضل فيما ينطقون به؛ ولا هم يستندون في ذلك إلى براهين عقلانية، لكنهم يعلنون بالحري اسم الله القدوس، حتى من خلاله يمكن للعالم بأسره أن يأتي إلى طاعته.

والآن، علينا الحرص بألا يدعو باسم الرب بإهمال أو بشكل مغلوط، ليس بموجب الرأي المعقول وحسب، بل على أساس الحق الواضح. إن أردنا تأمين السبيل الأفضل والأمثل لضمائرنا – حتى لا تعود تضطرب باستمرار بفعل عدم استقرار الشك أو التقلقل، وحتى لا تعود تحتار أيضاً أمام أتفه المماحكات وأصغرها – علينا أن نبحث عن اقتناعنا في مكان أعلى من المنطق أو الأحكام أو التخمينات البشرية، أي في شهادة الروح القدس السرية. صحيح أنه في حال أردنا الاستناد إلى الحجج، قد نعرض أموراً عدة من شأنها أن تبرهن بسهولة – في حال وجود الله في السماء – أن كلاً من الناموس، والأنبياء، والإنجيل صادرة عنه.

حقاً، يقوم أناس مثقفون جداً وأصحاب قدرات هائلة للحكم على الأمور، يقومون للمقاومة والاعتراض، مسخرين كل إمكاناتهم الذهنية في هذا النقاش. لكنهم، ما لم يصبحوا متقسين إلى حد الوقاحة الميؤوس منها، سينتزع منهم الإقرار التالي: كونهم يرون إشارات واضحة إلى الله المتكلم في الأسفار المقدسة. يتضح من هذا أن تعليم الأسفار المقدسة هو من السماء. وسنرى بعد قليل أن الأسفار المقدسة جميعها تفوق بأشواط جميع الكتابات الأخرى. أجل، إن كنا ننظر إليها بعيون نقية وإحساس مستقيم، فستتجلى أمامنا فوراً عظمة الله، قاهرة فينا رفضنا الجريء، ومرغمة إيانا على الطاعة.

غير أن الذين يجتهدون لإنشاء إيمان راسخ بالأسفار المقدسة من طريق الشجار، إنما يتحركون بذلك في الاتجاه المعاكس. أما من جهتي، ومع كوني لست بارعاً جداً في المهارات أو الفصاحة، لو كنت أصارع مع الأكثر مكراً بين المحتقرين الله الذي يسعون ليظهروا بمظهر البراعة والدهاء في احتقارهم للأسفار المقدسة وذمها، كلي ثقة بأنه لن يكون من الصعب عليّ إسكات أصواتهم الصاخبة. وإن كان يلزمني القيام بعمل مفيد يدحض اعتراضاتهم التافهة. لن أبذل جهداً كبيراً لكسر ما يتباهون به تحت شكل تمتمة في أماكنهم المستترة. وحتى لو برأ أي كان كلمة الله المقدسة من شر كلام الإنسان، لن يتمكن فوراً من طبع على قلوبهم ذلك التأكيد الذي تستلزمه التقوى.

وبما أن الدين يرتكز في نظر غير المؤمنين على الرأي الشخصي وحده، هم يرغبون ويطالبون ببرهان عقلاني على كون موسى والأنبياء قد تكلموا بوحي من الله، وذلك حرصاً منهم على عدم الإيمان بأي شيء عن حماقة أو بشكل سطحي. لكني أجيب عن هذا بالقول: تسمو شهادة الروح القدس على كل منطق. وكما أن الله يجدر به وحده أن يشهد عن نفسه في كلمته، فهذه الكلمة أيضاً لن تحظى بقبول في قلوب البشر قبل ختمها بشهادة الروح القدس الداخلية.

إذاً، الروح نفسه الذي تكلم بواسطة أفواه الأنبياء، عليه أن يخترق إلى داخل قلوبنا لإقناعنا بأنهم أعلنوا بكل أمانة ما كان الله قد أمرهم به… ينزعج بعض القوم الطيبين عندما لا يكون هناك برهان واضح جاهز للرد على الفجار والذين لم ينالوا قصاصهم بعد، الذين يتمتمون ضد كلمة الله. هذا، وكأن الروح القدس لا يسمى كلاً من “الختم” والعربون” [2كورنثوس 1: 22] لتثبيت إيمان الأتقياء. فإلى أن ينير أذهانهم، سوف يبقون يترنحون في وسط العديد من الشكوك.

لنثبت إذاً النقطتان التاليتان: الذين علمهم الروح القدس في دواخلهم، هم الذين يستندون إلى الأسفار المقدسة، وكون الأسفار المقدسة تصادق على نفسها بنفسها. لذا، ليس من الحق إخضاعها للبرهان والمنطق. والتأكيد الذي تستحقه منا، إنما تحصل عليه بواسطة شهادة الروح. فمع أنها تكتسب احتراماً عندنا بحد ذاتها بفضل عظمتها، فتأثيرها الجدي فينا لا يحصل إلا لدى ختمها على قلوبنا بالروح القدس.

لذا، وبعد أن ينيرنا بقوته، نؤمن لا بموجب حكمنا نحن، ولا بموجب أي شخص آخر، أن الأسفار المقدسة هي من الله. وهكذا، نؤكد فوق كل حكم بشري، وبيقين كامل، (وكأننا نحدق في عظمة الله نفسه) بأنها انسابت إلينا من فم الله نفسه بواسطة خدمة الناس. لا نطلب براهين، أو علامة على الصدق لكي يستند إليها حكمنا، لكننا نخضع حكمتنا وفطنتنا لها، كما لشيء يفوق بكثير أي تخمين! هذا نفعله، لا كأناس اعتادوا على التمسك بشيء مجهول، من شأنه إزعاجهم لدى تفحصه في العمق، لكن مع كامل إدراكنا بأننا نمسك بالحق الذي لا يقهر!

ولا نقدم على ذلك كأولئك القوم البؤساء الذين اعتادوا على استعباد أذهانهم للخرافات؛ لكننا نشعر بأن قوة جلاله الإلهي، بلا شك، هي التي تعيش وتتنفس هناك. بهذه القوة، نحن ننجذب ونمتلئ غيرة، بكامل علمنا وإرادتنا، لإطاعته، وذلك بأكثر حيوية وبأكثر فعالية من مجرد أي إرادة أو معرفة بشريين!

…. هذا إذاً اقتناع لا يستلزم أية موجبات منطقية، لكنها معرفة من الصنف الذي يتفق معها أفضل منطق – حيث يركن الذهن ويطمئن فعلاً باستمرار وبأكثر رسوخاً مما على أي من أمور المنطق، إن إحساساً كهذا، لا يولد فينا إلا بإعلان سماوي. لست أتحدث سوى عما يختبره مؤمن كهذا في داخله – هذا مع كون كلماتي تعجز كثيراً عن تقديم شرح عادل للمسألة.

…. دعونا نعرف إذاً أن الإيمان الحق وحده هو ما يختمه الروح القدس في قلوبنا. حقاً، القارئ البسيط والقابل للتعلم هو الذي يكتفي بهذا السبب الواحد. كان إشعياء قد وعد جميع أبناء الكنيسة المتجددة بأنهم سيكونون “تلاميذ الرب” [إشعياء 54: 13؛ راجع أيضاً يوحنا 6: 45]. فالله يعتبر مختاريه وحدهم أهلاً للفوز بهذا الامتياز الفريد، هؤلاء الذين يميزهم عن الجنس البشري ككل.

حقاً، ما هي بداية العقيدة المسيحية سوى التوق الشديد للإصغاء إلى صوت الله بسرعة؟ …. يحذر إشعياء من عدم الإيمان بالتعليم النبوي، ليس فقط لدى الغرباء بل أيضاً عند اليهود الذين أرادوا أن يحسبوا من جملة أعضاء بن الله. وهو في الوقت عينه، يضيف السبب وراء ذلك: “من صدق خبرنا، ولمن استعلنت ذراع الرب؟” [إشعياء 53: 1]. إذاً، حيثما ننزعج من القلة القليلة من المؤمنين، ليتبادر إلى الذهن نقيض ذلك، بما أن الذين أعطي لهم، باستطاعتهم وحدهم إدراك أسرار ملكوت الله [متى 13: 11].

بالإتفاق مع كلمات “كالفن” هذه، أصرت الكنيسة المصلحة على ما يلي بكلمات “اعتراف الإيمان وستمنستر” I. 4 و5 (العبارات بالخط المائل للتركيز):

لا تعتمد سلطة الأسفار المقدسة، والتي تحتم ضرورة الإيمان بها وإطاعتها، على شهادة أي إنسان أو كنيسة، بل تعتمد بالكامل على الله (الذي هو الحق بعينه) مؤلفها؛ من هنا ضرورة قبولها بما أنها كلمة الله.

قد نتحرك نحن [المسيحيين] ونتأثر بشهادة الكنيسة حتى نولي الأسفار المقدسة احتراماً عظيماً. كما أن البعد السماوي لمضمونها، مع فعالية العقيدة، وجلالة الأسلوب، ومحتوى كل الأجزاء، ونطاق الكل (بحيث يعطي كل المجد لله)، واكتشافها بالكامل للسبيل الأوحد لخلاص الإنسان، وميزاتها العديدة الأخرى التي لا تضاهي، وكمالها الكلي، كل هذه تشكل حججاً تتبرهن في ضوئها على أنها كلمة الله. لكن، وبالرغم من هذا كله، فإن اقتناعنا بالكامل بحقها المعصوم وبسلطتها الإلهية، مصدره الروح القدس في الداخل، بحيث يشهد بواسطة الكلمة ومعها في قلوبنا.

لنلاحظ جيداً ما لم أصرح به هنا بواسطة أي من الاقتباسين من “كالفن” أو “اعتراف الإيمان وستمنستر”:

† لست أقول إن على المسيحيين عدم تكليف نفوسهم عناء المحاججة، مع الذين لديهم معهم بعض القواسم المشتركة كشهود يهوه الذين يؤمنون بشغف نظيرهم، بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله. عليهم السعي بالحري لإظهار لمعشر شهود يهوه من خلال الأسفار المقدسة، سلطتنا المشتركة. أن يسوع هو إلهي، وأنه أحد أقانيم اللاهوت، وكيف أنه صنع فداء كاملاً للمختارين.

† لست أقول إن على المسيحيين الاكتفاء بتجاهل الدليل التاريخي لمصداقية الكتاب المقدس. مع أني أود تذكير كل واحد بأن المقدمات المنطقية المبنية على الدليل التاريخ، وفي أفضل حالتها، مجرد محتملة، لا يمكنها على نحو صحيح إنتاج خلاصات كونية.

† لست أقول إن المسيحيين لا يلزمهم المحاججة لأجل مصداقية الأسفار المقدسة. ولكون يسوع المسيح هو حقاً المسيا، وذلك بالاستناد إلى مئات النبوات الكتابية التي تمت فعلاً. وأنا سأقدم على هذا بالتحديد في الفصل الخامس، في سياق حديثي عن ولادة يسوع العذراوية. فالنبوة المتممة تشكل في اعتقادي مثالاً جوهرياً على “اتفاق كل أجزاء” الأسفار المقدسة. أنا أقصد هنا تماسك الأسفار المقدسة بحيث إن ظل العهد القديم يعطي مكاناً لمادة العهد الجديد.

ونبوة العهد القديم تثمر تحت شكل تتميم في العهد الجديد، والرمز في العهد القديم، يجد له المرموز إليه في العهد الجديد. يكتسب حبقوق 2: 2، 3 أهمية بالغة في هذا السياق، من جراء ما يعلمنا إياه بشأن طبيعية النبوة الكتابية:

فأجابني الرب وقال:

“اكتب الرؤيا [حازن]

وانقشها على الألواح

لكي يركض قارئها

لأن الرؤيا [حازن] بعد إلى الميعاد،

وفي النهاية تتكلم

ولا تكذب

إن توانت فانتظرها

لأنها ستأتي إتياناً ولا تتأخر.

أول شيء يجب أن نلاحظه هنا هو كون النبوة الحقة هي إعلان. فمضمون حبقوق 2، يشار إليه مرتين بواسطة اللفظة [حازن] التي تعني حرفياً “رؤيا”. هذا يعني أن الأنبياء الحقيقيين لم يكونوا ببساطة مفكرين سياسيين من الصنف النادر، وأصحاب الفطنة العميقة والمدارك الحدسية بالفطرة في الشؤون الوطنية أو العالمية. لكنهم كانوا بالحري أناساً تكملوا على قدر ما “كان يسوقهم الروح القدس”.

ثانياً، بوسعنا التأكد من أن التنبؤ قد يشمل أحداث المستقبل، بما أن الله يصرح بأن “الرؤيا بعد إلى الميعاد”، وبأنها “في النهاية تتكلم”، وأن ما تتنبأ به “سيأتي”. ثالثاً، يعلن الوحي الإلهي أن الرؤيا سوف تتم بشكل أكيد: فالله يعلن أن النبوة “لا تكذب” بل “ستأتي إتياناً”. باختصار، ما كان الله يتنبأ به “سيأتي”.

ثالثاً، يعلن الوحي الإلهي أن الرؤيا سوف تتم بشكل أكيد: فالله يعلن أن النبوة “لا تكذب” بل “ستأتي إتياناً”. وباختصار، ما كان الله يتنبأ به، سيتم بكل تأكيد. لقد أعلن الله نفسه في إشعياء 41: 22، 23، 25، 27؛ 42: 8، 9؛ 43: 11، 12؛ 44: 7، 8، 24-28؛ 45: 18-21؛ 46: 10، 11؛ 48: 3-7 أن فارقاً واحداً يميزه عن سائر الآلهة المزيفة لهذا العالم، هو قدرته المنزهة عن الخطأ للتنبؤ عن المستقبل ومن ثم تتميم نبواته، رابعاً، طلب من النبي أن “يكتب الرؤيا وينقشها على الألواح”.

من الواضح، أن النبوة الكتابية ظهرت تحت شكل مادي من خلال الأسفار المقدسة (وفي هذه القرينة المباشرة، تشير الرؤيا إلى المعلومات التي أعطاها الله للنبي في حبقوق 2). خامساً وأخيراً، إن ظاهرة تدوينها ضمن الأسفار المقدسة، تضمن حفظها، ما يمكن “قارئ (كور) الألواح من الركض لإعلان رسالته للآخرين.

أما بالنسبة إلى يسوع فكان يحمل كل هذا العدد من الشارات النبوية الدالة على هويته خلال خدمته على الأرض حتى لم يكن متوقعاً من “أي معلم في إسرائيل” أن يفوته رؤية ذلك. سأذكر ستاً فقط من جملة الثلاث مئة واثنتين وثلاثين نبوة مميزة في العهد القديم، يعتبر “كانن هـ. ب. لدن” أنها تمت في شخص المسيح[1].

كان قد ولد من عذراء (إشعياء 7: 14)، في بيت لحم (ميخا 5: 2)، أتم خدمته في الجليل (إشعياء 9: 1)، صلب (المزمور 22: 16)، وتمم بموته إشعياء 53[2]، ثم قام في الجسد بعد موته في اليوم الثالث (المزمور 16: 10). إذاً علينا بكل تأكيد حث الناقد وغير المؤمن العادي على أخذ بعين الاعتبار النبوة المتممة كدليل قوي وخارق للطبيعة، على كون الكتاب المقدس هو كلمة الله.

† لست أقول إن على المسيحيين عدم الاكتراث بالمحاججة مع غير المؤمنين. حقاً، أنا أصريت في الفصل الأول على ضرورة بقائنا على استعداد لمجاوبة غير المؤمن عن سبب الرجاء الذي فينا. وهذا ما سأفعله أنا في الفصول الأربعة التالية.

† لست أقول إن على المسيحيين عدم الاكتراث بإظهار لغير المؤمنين تناقضاتهم حقاً، سبق لي أن أصريت في الملحق أ للفصل الثاني على ضرورة مجاوبة “الجاهل حسب حماقته لئلا يكون حكيماً في عيني نفسه” (أمثال 26: 5). على المسيحيين إظهار لغير المؤمنين عجزهم عن العيش بشكل متسق ومتناغم بموجب نظرتهم الخاصة إلى العالم وإلى الحياة.

وأخيراً…

† لست أقول إن كل ما على المسيحيين فعله حيال اعتراضات المنتقدين، هو حثهم على قراءة الكتاب المقدس. بل على المسيحيين بذل كل ما بوسعهم لنزع اعتراضاتهم من خلال تفسير النص الكتابي بكل اهتمام، ومن خلال الإجابة عن اسئلتهم. لكن، بما أن الكتاب المقدس يحمل بحد ذاته سماته ومؤشراته الإلهية، سأحث المنتقدين على قراءة الكتاب المقدس فيما أصلي ملتمساً من الروح القدس أن يشهد لمصداقية الأسفار المقدسة في ذهن المنتقد.

[1] احتمالات تتميمها جميعها في شخص واحد، في ضوء الرياضيات، هي واحد على أربعة وثمانين يليها سبعة وتسعين صفراً! يعد هذا بالطبع سبباً قوياً، بشكل لا يصدق، لإعلام غير المؤمن عن النبوة الكتابية.

[2] يكفي أن تتأمل في هذه النبوة: القراءة بانتباه من قبل التلميذ المتجرد وغير المنحاز تظهر أولاً، كيف أن عبد الرب المذكور في النشيد الرابع الخاص بالعبد، هو إلهي (راجع “ذراع الرب”، 53: 1). كما أنه شخصية بشرية (52: 14؛ 53: 2، 3). وهو بريء، إذ هو حقاً متألم لم يقترف خطيئة (53: 4، 5، 8 د، 9: ج و د، 12د). وهو يتألم طوعاً (53: 7أ)، كما أنه متألم مطيع، ومتواضع، ويعاني بصمت (53: 7).

ثانياً، ينبع تألمه من محبته للخطاة، بمن فيهم قاتلوه الذين يصرفوا بجهل (53: 4 ج و د، 12). الله بمحبته عينه، وهو يتمم الإرادة والقصد الإلهيين (53: 10). وهو يعالج الخطيئة من جميع أوجهها (راجع اللفظة “خطيئة” بمعنى أفعال محددة من إخطاء الهدف، 53: 12: “معاصي” أي أفعال تمرد إرادية، 53: 5: “آثام” بمعنى الشر الأدبي، 53: 5). آلامه بديلية (53: 4أ وب، 5: أ و ب، 6 ج، 8، 9 د، 10ب، 11د، 12هـ). وهي بطبيعتها فدائية وروحية (53: 5ج و د، 11د).

وتنتهي بموته (54: 8أ، ج ود، 10أ، 12ج). يؤدي هذا إلى دفنه مع غني (53: 9، 10)، هذه الحالة التي تقوده إلى قيامته (53: 10ب-د، 11). إنها تدفع الضالين الذين هو مات لأجلهم إلى الاعتراف والتوبة (53: 4-6)، وأخيراً بعمله الفدائي من خلال تتميمه للخطة الإلهية حيث يحتل التألم، والتذلل، والموت مكانة مركزية، يمهد الطريق أمام حياة مثمرة ومنتصرة حتى آخر الأزمنة (53: 10 ج و د، 11 أ و ب، 12 أ و ب).

العثور على شخص كهذا، كما يصفه هذا النشيد وحده، يعني عثورك على العبد/ المسيا. ولدى تطبيق هذا النص على يسوع الناصري، نجد أن عليه وحده تنطبق مستلزمات تفاصيل هذا النشيد النبوي. تأتي المعلومات التالية من العهد الجديد لتدعم هذا التوكيد بكل وضوح.

أولاً، كان يسوع شخصاً بشرياص من الزاوية التاريخية، ولد باتضاع (متى 2: 1؛ لوقا 2: 1، 2)، لكنه كان أيضاً إلهياً (رومية 9: 5؛ تيطس 2: 13؛ عبرانيين 1: 8؛ 2بطرس 1: 1؛ يوحنا 1: 1، 18؛ 20: 28؛ 1يوحنا 5: 20).

ثانياً، كان إنساناً بريئاً (يوحنا 8: 46). ثالثاً، كان محط احتقار ورفض الناس، وجرى قتله ظلماً كمجرم (لوقا 23: 13-15).

رابعاً، تألم طوعاً (يوحنا 10: 17، 18؛ غلاطية 2: 20).

خامساً، كان متألماً مطيعاً، متواضعاً، وصامتاً (متى 27: 12، 14؛ فيلبي 2: 8؛ 1بطرس 2: 23). سادساً، تألم بدافع محبته للآخرين (لوقا 23: 34). سابعاً، تألم لكي يتمم خطة الله وإرادته (أفسس 3: 11)؛

ثامناً، تألم كبديل عن شعبه (1بطرس 2: 24). تاسعاً، تألم لتأمين تدخل في التاريخ، له طابع فدائي، من أجل تبرير الشرير من خطيئته (1كورنثوس 1: 30؛ 1بطرس 1: 18، 19).

عاشراً، تألم إلى حد الموت (متى 26: 59). البند الحادي عشر، موته أدى إلى القيامة (1كورنثوس 15: 4)؛ البند الثاني عشر، بعد قيامته من الأموات، صعد إلى السماء، وهو الآن مرفع جداً عن يمين الله (فيلبي 2: 9-11). وهكذا نجد كيف أن حياة يسوع توافق وحدها متطلبات تفاصيل النشيد. وليس بوسع أحد أن يكتب بشكل صحيح اسماً آخر سوى اسم يسوع تحت الوصف الحرفي لهذا النشيد. أفصح يسوع عن هذا في لوقا 22: 37 (راجع أيضاً أعمال 8: 35، 36). وسأتكلم أنا عن هذا بأكثر إسهاب في الفصل الخامس.

شهادة الروح القدس في التجديد لمصداقية الكتاب المقدس

Exit mobile version