نظرة أورثوذوكسية لجماعة المتجددين – د. جورج عطية

نظرة أورثوذوكسية لجماعة المتجددين – د. جورج عطية

نظرة أورثوذوكسية لجماعة المتجددين – د. جورج عطية

خلال ما قرأناه سابقًا، نلاحظ كيف أنهم يعتبرون الإنسان بناءً على حَثٍّ معًّين كما فعل الواعظ، يصبح لديه شيء داخلي يجعله يشعر أنه قد تجدد، وعندما يقف الواعظ والقسيس ويطلب من يسوع أن يغفر له ويجدد حياته، حينها يحصل على التجديد والتبرير والخلاص، برأيهم هذه هي الولادة الجديدة.  لا أبالغ بهذا القول، أن كل الفئات من المتجددين تجمع على هذه الفكرة من أمثلتهم على ذلك، بولس الرسول حين رأى النور على طريق دمشق.

أوغسطين المغبوط الذي كان يحيى حياة غير مُنضبِطة وبعدها سمع صوتاً في حديقة حين كان يقرأ الكتاب المقدس وهو في ألمٍ، حينها عَزَمَ على تجديد حياته.  وسلي الميتودي الذي ذكرناه سابقاً . . .  الخ.  بالإجمال يعتقدون أنه في وقت مُعّين يتمّ التجديد للإنسان، لدرجة أن المتِجدّد عادةً يقول إنه حَصَلَ على التجدد والولادة الجديدة في اليوم المعين في الساعة المعينة، أي أنه يحدد الوقت الذي خَلُصَ فيه، لأن هذا الخلاص تم فقط بالإيمان بيسوع المسيح وهذا وحده كافٍ.

فالمسيح كما يقولون، دفع عنّا بالصليب ثمن خطايانا بدمه، لذا نحن لسنا محتاجين بعد ذلك لا للأعمال الصالحة ولا للأسرار ولا للكنيسة ولا لأي شي آخر، فقط أنت بالإيمان تَخلُص، مستندين بصورة خاصة على آية بولس الرسول: “بالنعمة أنتم مخلصون” (أفسس 2: 8) و” وذلك بالإيمان ليس منكم ” بدون أن يقرأوا تكملتها.

هناك أمثلة كثيرة من الكتاب المقدس عن أهمية الإيمان بيسوع المسيح بالذات، لأنه المدخل الوحيد للخلاص الفعلي لكن إن كان الإيمان هو المدخل للخلاص، أي إذا آمنا بيسوع المسيح، حينها تبدأ مسيرة خلاصنا، فهذا لا يعني أبداً أننا لسنا بحاجة من جهتنا أن نثبت في المسيح ونجاهد في كنيسته وأن نتقوى وننموا بالأسرار التي من خلالها تُعطى النعم الإلهية المقدسة والمؤلهة.

لأن التجديد والخلاص والتغيير بالحياة والتبرير والتقديس لا يمكن أن تصير دفعة واحدة ولمجرد شعور حصل لمرة واحدة وبمعزل عن كيسة المسيح التي أسسها هو نفسه وعن الأسرار التي أعطاها بدمه الكريم وبكل تأكيد فليس هذه القضية فقط ضلالهم الوحيد، بل هناك ضلالات كثيرة أخرى، لكننا سوف نكتفي في هذا الكتيب بمناقشة فهم هذه الجماعة لموضوع التجدد، لندرك كم هو مغلوط وخَطِرٌ على حياتنا المسيحية وعلى خلاصنا.

 

 

  1. ضرورة المعمودية للولادة الجديدة والخلاص: 

إنهم يعتمدون، في موضوع الولادة الجديدة، على كلمة للرب يسوع من خلال حديثه مع نيقوديموس: ” أجاب يسوع وقال له الحق الحق أقول لك إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر ان يرى ملكوت الله “(يوحنا 3: 3). إذاً هناك ولادة من فوق، ويتساءلون كيف تتم هذه الولادة الجديدة؟ والجواب عندهم هو حين يكشف الإنسان في لحظة معينة يسوع المسيح ويعرفه ويؤمن به

 في الإصحاح نفسه من إنجيل يوحنا يكمل الرب يسوع حديثه عن الولادة الجديدة فيقول “أجاب يسوع الحق الحق أقول لك إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر ان يدخل ملكوت الله ” (يوحنا 3: 5). يتجنب المتجددون عادةً قراءة هذه العبارة، وإذا ذكَّرهم بها أحد فإنهم يغيرون معناها الواضح فيقولون إن الولادة التي تحدث لا علاقة لها بالمعمودية.

وإذا تمت المعمودية لاحقاً فما هي إلا مجرد رمز وفريضة يقوم بها الإنسان ليس أكثر، كتعبير عن طاعته للرب يسوع الذي أوصى به، وكإعلان عن تجدُّده.  فإذا سألهم سائل لماذا لا تقرأون عبارة “من لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت السماوات ” كما هي؟ يأتون بآية من مكان آخر بأننا ” مولودون بالكلمة الإلهية ” ليضعوا مكان الماء والروح الكلمة الإلهية. هكذا يجتزئون الآيات من هن وهناك ليحوروا المعنى بحسب ما يناسبهم، وليس بحسب إعلان الرب الواضح والجازم.

غريب أمر هؤلاء الناس الذين يدعون أنهم إنجيلين ومتجددون، وهم يريدون أن يجددوا الناس بحسب أفكارهم وتخيلاتهم وليس بحسب الإنجيل. فلنسمع المزيد من كلمات الإنجيل عن المعمودية بالماء والروح وعن ضرورتها التي لا غنى عنها للتجديد والخلاص:

     أ.  يقول بولس الرسول في (أفسس 5: 25 – 27) “كما أحب المسيح أيضا الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها. لكي يقدسها مطهرا إياها بغسل الماء بالكلمة…..

” هنا عبارتا “بغسل الماء بالكلمة” متجاورتان فلا نستطيع الاستغناء عن أي منهما لأن كلتيهما ضروريتان للخلاص كما نرى بوضوح في (1 كورنثوس 6: 11) “لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا”

     ب. أيضا في (غلاطية 3: 26) “لأنكم جميعا ابناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع.  لان كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح “

     ج. كذلك في (تيطس 3: 5 – 7) “بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس. الذي أفاضه علينا بكثرة بيسوع المسيح مخلصنا. لكي نبرر بنعمته نصير ورثة حسب رجاء الحياة الأبدية  “

 

ولنسأل كيف قدس المسيح كنيسته وطهّرها؟ أليس بغسل

الماء بالكلمة، أي بكليهما معاً؟ وكيف تَقَدّس وتبَرّرَ أهل كورنثوس أليس لأنهم اغتسلوا باسم الرب يسوع وبروح إلهنا؟ وكيف لبسوا المسيح، أليس لأنه اعتمدوا؟ وكيف خلصنا الله برحمته، لكي نُبَرَّر بنعمته فنصير ورثة على رجاء الحياة الأبدية أليس بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس؟

أما بخصوص زمان الولادة الجديدة، فيمكن القول إن هناك ظرفاً معيناً في زمن معين يمكن أن يحصل لبعض الأشخاص يدفعهم باتجاه الولادة الجديدة، ولكن الولادة الروحية ذاتها لا يمكن أن تحدث إلا بالماء والروح أي المعمودية، تماماً كما حصل لبولس الذي بعد أن رأى نور الرب على طريق دمشق وسمع كلامه آمن واعتمد على يد حنانيا (أعمال 9: 18).

وكذلك في أعمال الرسل بالنسبة للجموع الذين نُخِسُت قلوبهم بعد سماعهم لأول مرة عظة بطرس الرسول عن صلب المسيح وقيامته وبأنه هو المُخلِّص فقالوا: ” ماذا نصنع أيها الرجال الأخوة؟  فقال لهم بطرس توبو وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس” (أعمال 2: 37 – 38).

إذاً هناك أولاً توبة، فمعمودية أي الولادة الجديدة، وبعدها ينالون عطية الروح القدس.  وهذا طبيعي جداً وواضح من معنى كلمة الولادة ذاته فالإنسان يولد ويتبع ولادته نُموٌّ، والنمو يتبعه رجولة وكمال.  بينما يفترض المتجددون أن الولادة التي تحصل في زمن معين تحوي في ذاتها كل شيء.

ليس هذا فقط ولكن، كما قرأتُ في كتبهم، هم لا يقبلون أن هناك نعمة يمكن أن تحل على المعمودية، النعمة بالنسبة لهم فقط تم عبر علاقة شخصية بين الإنسان والله والرب يسوع.  نحن نسأل: الذي يقدر أن يعطي نعمة عبر العلاقة الشخصية مع الإنسان، ألا يستطيع أن يعطي نعمة عبر ماء المعمودية وغيره؟ . . .   لماذا نُحِدُّ الله ونجعل عمله ضمن أُطر معينة؟

هل نحن أوجدنا المعمودية؟  أَم أن الرب يسوع نفسه قال: ” فأذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس ” (متى 28: 19)، ” من آمن واعتمد يخلص ” (مرقس 16: 16).  كيف يمكننا أن ننكر أن هناك الإيمان والمعمودية مع، وكلاهما ضروريان للخلاص والولادة الجديدة؟ 

 

 2 ضرورة مسحة الروح القدس والمناولة للنمو والثبات في المسيح والاتحاد معه:

في عبارة الرسول بطرس المذكورة أعلاه (أعمال 2: 37-38)، يأتي قبول أعمال الروح القدس مباشرةً بعد المعمودية، بمثابة الهدف من الإيمان والتوبة والمعمودية وغفران الخطايا.  لكن هذه العطية والموهبة هي التي تساعد أيضاً في الثبات والنمو في المسيح بعد الولادة الجديدة، وهي بالذات الموهبة التي أخذها الرسل بالعنصرة صارت تعطى للمؤمنين بعد المعمودية مباشرةً.

مثلاً فيليبس أحد الشمامسة السبعة، عندما ذهب إلى السامرة وعمد أهله، حلَّ الروح القدس عليهم مباشرةً بعد وضع أيادي الرسولين الذين أرسلهما الرسل الذين في أورشليم(1).  كرنيليوس قائد المئة الكثيرون كانوا عنده حلَّ عليهم الروح استثنائيا قبل المعمودية من أجل إزالة ريبة بطرس والذين معه من أهل الختان الذين لم يكونوا يتصورون أن وثنياً يمكن أن يحل الروح القدس عليه ويقبل المعمودية والخلاص.  عدا ذلك ففي الإنجيل يحل الروح القدس بعد المعمودية.

والغاية كما ذكرنا أعلاه من هذه الموهبة التي تسمى مسحة وميرون (2)، هي تنوير المؤمن المولود جديد ومساعدته على الثبات والنمو في المسيح: (1يوحنا2: 20و27) ” وأما أنتم فإن لكم مسحة من القدوس وتعلمون كل شيء”، “و الذي يثبتنا معكم في المسيح وقد  مسحنا هو الله الذي ختمنا أيض وجعل عربون روحه في قلوبنا” (2كورنثوس1: 21)، “بعد أن آمنتم ختمتم بروح الموعد القدوس الذي هو عربون ميراثنا لفداء المقتنى لمدح مجده ” (افسس1: 13-14).

إذاً هناك آيات عديدة تؤكد على موضوع المسحة التي تتم كما تتممها كنيستنا بناءً على تسليم الرسل، إذ لم يكن من الممكن أن يذهب الرسول والأسقف إلى كل معمد ليعطيه المسحة، لهذا أصبحت تتم عبر الميرون الذي يقيمه الأساقفة بصلوات معينة.  نلاحظ أن هناك في الكنيسة ثلاث أسرار ومواهب كانت ولا تزال تعطى للمُعمَّد: المعمودية والميرون والمناولة، تماماً كما كانت تصنع الكنيسة الأولى فيعطى عبرها من الله إمكانية الولادة والنمو والثبات في المسيح والاتحاد معه.

فالمناولة هي التي تعطينا بالإضافة إلى الثبات في المسيح (1) والحياة الأبدية (2)، الوحدة الحقيقية فيما بين المؤمنين وبينهم وبين المسيح.  فعبر المناولة خاصة تصبح الكنيسة كنيسة.  يسأل الرسول بولس في (كو الاولى 10: 15 – 17) ” كأس البركة التي نباركها أليست شركة دم المسيح.  الخبز الذي نكسره أليس هو شركة جسد المسيح.

فأننا نحن الكثيرين خبز واحد، جسد واحد، لأننا جميعا نشترك في الخبز الواحد”. ما يصنع الكنيسة إذاً هو المعمودية والميرون والمناولة، والكنيسة كلها تنمو معاً باتجاه الحياة والكمال في المسيح والوحدة معه. لا ينمو أحد بمفرده، أي كل واحد بعلاقة شخصية منعزلة مع الرب، بل في الكنيسة نفسها ككل.

أعطيكم مثلاً واحداً علماً أنه هناك الكثير من الأمثلة لتأكيد هذا الموضوع: “جسد واحد وروح واحد، كما دعيتم أيضاً في رجاء دعوتكم الواحد، رب واحد، إيمان واحد معمودية واحدة . . ..  ولكن لكل واحد منا أعطيت النعمة حسب قياس هبة المسيح وهو أعطى البعض أن يكونوا رسل والبعض أنبياء والبعض مبشرين والبعض رعاة ومعلمين لأجل تكميل القديسين لعمل الخدمة لبنيان جسد المسيح إلى ان ننتهي جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله إلى إنسان كامل إلى قامة ملء المسيح . . .  بل صادقين في المحبة ننمو في كل شيء الى ذاك الذي هو الرأس المسيح، الذي منه كل الجسد مركبا مع ومقترنا بمؤازرة كل مفصل حسب عمل على قياس كل جزء يحصل نمو الجسد لبنيانه في المحبة (افسس 4: 4-16).

لاحظوا اننا جميعنا ننمو مع، في الكنيسة التي أسسها الرب يسوع كجسد واحد، بروح الله الموجود في الكنيسة بالمعمودية وأيضا بهذه الأسرار المكملة لها التي أعطانا أيها الرب يسوع التي لا يمكن أن نخلص ونثبت بدونها.

 

 

  1. ضرورة الأعمال والجهاد الروحي للحصول على الخلاص والحياة الأبدية:

يرفض المتجددون أيضاً الأعمال وأهميته، إذ بنظرهم، طالما هناك إيمان فليس هناك حاجة بعد إلى أعمال لنيل الخلاص ويتابعون بزعمهم أنه إذا قام الإنسان بأعمال (أي أعمال حسنة)، فهي تأتي بشكل تلقائي نتيجة للإيمان ولكن لا يد له في الموضوع.

وكأن الله جعل الإنسان صفراً على اليسار وليس له اي دور في عملية خلاصه. فلنسأل الكتاب المقدس والذي هو مرجعهم الوحيد، هل صحيح أنه ممكن للإنسان أن يخلص ويحصل على الحياة الأبدية دون أن يقوم بالأعمال الصالحة؟ سوف أكتفي بأمثلة قليلة:

@ عندما سأل الشاب الغني الرب يسوع: ” ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟ “، أجابه يسوع: “أنت تعرف الوصايا….  فقال هذه حفظتها منذ حداثتي، ماذا يعوزني بعد؟ “، قال له يسوع: ” اتبعني ….  ” (متى 19: 16 – 22).

لم يذكر يسوع هنا الإيمان بل فقط حفظ الوصايا والجهاد من أجل الكمال.  لماذا؟ لأن الإيمان بالمسيح متضمن بديهياً في حفظ وصاياه واتباعه، ولأنه يريد أن يشدد على دور الأعمال الحاسم في عملية الخلاص، لأن ” ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات، بل الذي يعمل مشيئة أبي الذي في السماوات” (متى 7: 21)

وكذلك ” أما الذي عمل وعلم فهذا يدعى عظيماً في ملكوت السماوات ” (متى 5: 19) دينونتنا نحن بناءً على ماذا ستكون؟، لنسمع ما يقوله الرب يسوع: “تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم، لأني جعت فأطعمتموني، عطشت فسقيتموني.  كنت غريباً فآويتموني. . ..  الخ ” (متى 25: 34 – 36).

وكذلك: ” اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته، لأني جعت فلم تطعموني.  عطشت فلم تسقوني.  كنت غريباً فلم تأووني . . .  الخ ” (متى 25: 41- 42) هنا المسيح سيدين بحسب ماذا؟ . . .  بحسب الإيمان أم بحسب الأعمال؟ . . .  الدينونة طبعاً بناءً على الأعمال(3) وبالتالي فلا خلاص دون أعمال.

 

@ يعقوب الرسول في رسالته وخاصة في الإصحاح الثاني يتكلم بتشديد على دور الأعمال وأهميتها ضرورتها للخلاص

فيقول في (يعقوب 2: 14)” ما المنفعة يا أخوتي إن قال أحد أن له إيمان ولكن ليس له أعمال.  هل يقدر الإيمان أن يخلصه؟ “، وفي النهاية يقول: ” الإيمان بدون أعمال ميت ” (يعقوب 2: 20)

 

@ إنجيل يوحنا مليء بالآيات التي تتحدث عن ضرورة حفظ الوصايا والثبات في يسوع وفي محبته: ” إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي “(يوحنا 24، 23، 14: 21)، (يوحنا 15: 4-17) . . .  الخ

وبالإجمال ففي كل صفحة من الكتاب المقدس تحريض على عمل مشيئة الله ووصاياه وإتمام الفضائل، وعن ارتباط لا يتجزّأ للإيمان والأعمال والمحبة، وكما يعِّبر بولس الرسول:” الإيمان العامل بمحبة “(غلاطية 5: 6).  أما عند المتجددين فخلاص الإنسان يتم بطريقة سطحية خفيفة، مجرد مشاعر وتخيلات لتجدد يظن أنه حصل في لحظات، ثم يستمر هكذا تلقائي، إذ لا توجد بعد حاجة لأية أعمال وأي دور للإنسان من أي نوعٍ كان.

لا بل هم يرفضون علناً الجهاد الروحي تحت شعار أن الإنسان يخلص بالإيمان وحده فلماذا يحتاج بعدُ إلى شيء آخر؟  وأكثر من ذلك هم يؤكدون بوصفهم متجددين أنهم يعرفون بوصفهم متجددين أنهم يعرفون منذ الآن أنهم مخلصون ولا يمكن لأي وضع كان أن يؤثر على هذا الواقع.

 

ولكن السؤال المهم: هل يتفق كلام الكتاب المقدس مع هذا الادعاء؟  سوفا أُعطي بعض الأمثلة لأؤكد أن الإنسان بحسب الإنجيل، مدعو قبل كل شيء إلى أن يجاهد جهاداً مُراً ليَخلُص.  لنأخذ بعين الاعتبار أولاً كلمة المسيح المصلوب المحورية: ” من أراد أن يتبعني فليحمل صليبه كل يوم ويتبعني، لأن من ينكر ذاته يخلصه ومن يهلك ذاته من أجلي يجدها “(متى16: 24-25).

أليست هذه دعوة لجهاد شاقٍّ ضد الأنانية والخطيئة يطال كل الحياة؟ المعمودية ذاتها بوصفها بداية الحياة الجديدة أليست هي دعوة كذلك لصلب ودفن الإنسان العتيق لكي يُبطل جسم الخطيئة -بحسب بولس الرسول- لأنه ” إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضاً بقيامته “(رومية6: 3-14).

دعوة المسيح المحورية لحمل الصليب وراءه وإنكار الذات، يشدد عليها في كل الأناجيل (متى10: 38-39)، (مرقس8: 34-35)، (لوقا9: 23-24 و14: 27)، (يوحنا12: 25-26) . . .، ولكن المتجددين لا يذكرونها قط في كتبهم وأحاديثهم.  لماذا؟ أليس لأنها تدحضها جذرياً ادعاءاتهم؟ . . .  بولس نفسه كيف عاش؟، يقول في رسالته إلى أهل (غلاطية 2: 20): ” مع المسيح صُلبت لكي أحي، لا أن، بل المسيح يحيا في”.

لماذا لبولس الحياة في المسيح؟ ألانه آمن فقط أم لأنه مع المسيح صُلب!؟، ويتابع في رسالته نفسها (5: 25):” ولكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات. إن كنا نعيش بالروح فلنسلك أيضاً بحسب الروح ” وبماذا أوصى؟: ” لم تقاوموا بعد حتى الموت مجاهدين ضد الخطيئة “(عبرانيين12: 4)، ” البسوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تثبتوا ضد مكائد إبليس “(أفسس6: 11)،” فاشترك أنت في احتمال المشقات كجندي صالح ليسوع المسيح . . .  وأيضاً إن كان أحد يجاهد لا يكلل إن لم يجاهد قانونياً” (2تيموثاوس2: 5) . . ..  الخ

 

أما بخصوص معرفة الإنسان أنه مخلص والتي يدعيها المتجددون فماذا يقول بولس الرسول بشأنها؟:

@ ” أيها الإخوة ان صدف إنسان فاخذ في زلة ما فأصلحوا أنتم الروحانيين مثل هذا بروح الوداعة ناظرا الى نفسك لئلا تجرب أنت أيضا”(غلا\ية6: 1) إذاً هناك خوف من أن يسقط المؤمن

@ ” من يظن انه قائم فلينظر ان لا يسقط ” (1كورنثوس 10: 12)

@ من أجمل وأعظم الآيات في هذا الشأن ما يقوله القديس بولس:” ألستم تعلمون ان الذين يركضون في الميدان جميعهم يركضون ولكن واحدا يأخذ الجعالة هكذا اركضوا لكي تنالوا وكل من يجاهد يضبط نفسه في كل شيء أما اولئك فلكي يأخذوا اكليلا يفنى واما نحن فإكليلا لا يفنى  اذا انا اركض هكذا كانه ليس عن غير يقين هكذا اضارب كأني لا أضرب الهواء  بل اقمع جسدي واستعبده حتى بعدما كرزت للآخرين لا اصير أنا نفسي مرفوضا  ” (1كورنثوس 9:24-27 ) (4)

تصوروا أن القديس بولس نفسه رغم كل أيمانه وجهاده كان دائماً في حالة ضبط وجهاد لدرجة أنه بعد أن كرز للآخرين كان يخاف أن يصير هو نفسه مرفوضاً.  كيف يتفق هذا مع ادعاء المتجدد بأنه هو مخلص سلفاً؟، ولكن متى عرف بولس نفسه أنه مخلص أليس في آخر لحظة من حياته بعد أن أعلمه الرب بذلك وبعد أن أكمل السعي؟: “قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان، وأخيرا قد وضع لي اكليل البر الذي يهبه الله في ذلك اليوم “(2تيموثاوس4: 7-8).  إذاً أُعطي إكليل البر لبولس بناءً على جهاده الحقيقي طوال عمره.

للأسف أعود وأقول إن كل هذا مرفوض من قبل هؤلاء المتجددين المتطفلين على حياة الخلاص الحقيقية، وكأن الطريق الصعبة التي أشار إليها المسيح حتى يشفي طبيعتان ويجددنا حق ويعطينا نعمة الروح الحقيقية، يضعها المتجددون جانب ويتكلون على شعور نفسي يتحرك لديهم بطريقة ما وينتهي الموضوع عند هذا الحد.  بينما الرب يسوع يقول بكل وضوح:” ادخلوا من الباب الضيق، لأنه واسع الباب ورحب الطريق الذي يؤدي إلى الهلاك، وكثيرون هم الذين يدخلون منه.

ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة وقليلون هم الذين يجدونه ” (متى7: 13-14) أما عن الغلبة النهائية فكيف يمكن أن تتحقق بدون صبر وثبات حتى المنتهى؟:

@” ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص” (متى24:13)

@ “وهم غلبوه بدم الخروف وبكلمة شهادتهم ولم يحبوا حياتهم حتى الموت ” رؤية 12: 11

@ ” تمسك بما عندك لئلا يأخذ أحد إكليلك ” رؤية 3: 11

@ “من يغلب فسأعطيه أن يجلس معي في عرشي كما غلبت أنا أيض وجلست مع أبي في عرشه ” رؤية 3: 21

هنا لابد من أن أقول لكل المسيحيين أن فكرة الولادة الجديدة والتجدد والتبرير والتقديس هي واقع حقيقي في الكتاب المقدس، يمكن أن يحياه فعلاً أي مسيحي، إنما في كنيسة المسيح وبحسب وصايا الرب، وليس بحسب أوهام المتجددين.  وقد عاشه القديسون ويعيشونه عيشاً حقيقي، وحصلوا ويحصلون على ثمار الروح من خلال نعمة الله وإيمانهم وجهادهم.

لكن عندما يأتينا أُناس مثل المتجددين ومن يحذى حذوهم، ويتجرؤون الدخول ويصطادون من أبنائنا تحت شعارات براقة، فهذا علامة بأنه، وإن يكن التعليم الحقيقي وطريق الحياة الحقيقية في تسليم كنيستين وحياته، إلا أنه، وللأسف، قسم ٌكبير منا لا يحيا إيمانه، أي أن البعض منا مسيحيون بالاسم بدون إيمان حقيقي وجهاد.  لهذا ينطبق عليهم ما جاء في (رومية2: 24):” يجدفون على اسم الله بسببكم”، أي بسببنا نحن المنتمين إلى الكنيسة الحقيقية، ولكننا لسنا أعضاء فعليين فيه، وليس لدينا ثمار.

فلو كان عندنا ثمار الروح في حياتنا لما أقدم أُناس من مثل هذه الفئات التي ذكرناه والتي تستحق الشفقة، وتحتاج هي إلى التبشير، على تبشير خراف المسيح دعوة الله هي أولاً إلى أبناء الكنيسة الحقيقية بأن يتوبوا فعل ويحيوا بإيمانهم ويحملوا صليبهم ويتبعوا المسيح. حينها “لا يمكن أن تخفى مدينة واقعة على جبل ولا أن يوضع سراج تحت المكيال بل على المنارة فيضيء لجميع الذين في البيت “(متى5: 14).

الرب يسوع ينتظر منّ، نحن الأرثوذكسيين، ليس فقط أن ننجح بحماية أولادنا من الانحراف وراء البدع، بل أن نصبح جميعاً من المؤمنين المجاهدين الحاصلين على الحياة، فيضيء نورنا هكذا قدام الناس كي يروا أعمالنا الحسنة فيمجدوا أبانا الذي في السماوات (5).

وفي الواقع فالبشارة الأعظم ستحصل إذا كان إيماننا يُعرف من خلال أعمالنا ومحبتنا وتعاليمنا، وعندها لابد أن يسأل الآخرون عن سبب الحياة والرجاء الذين عندنا أخيراً أختم بوصية الرسول بولس لنا جميعاً ” واطلب إليكم أيها الأخوة أن تلاحظوا الذين يصنعون الشقاقات والعثرات خلافا للتعليم الذي تعلمتموه واعرضوا عنهم لان مثل هؤلاء لا يخدمون ربنا يسوع المسيح بل بطونهم وبالكلام الطيب والاقوال الحسنة يخدعون قلوب السلماء. . ..  نعمة ربنا يسوع المسيح مع جميعكم أمين ” (رومية16: 17-24).

 

(1) (أنظر أعمال 14، 8: 12-17)

(2) سميت هذه الموهبة وهذا السر مسحة وميرون (طيب)، لأنه عندما ازداد عدد المؤمنين وأصبح متعذراً على الرسل وخلفائهم أن يطوفوا في كل مكان لكي يضعوا أيديهم على المتعمدين، رأى الرسل تحت إرشاد الروح القدس أن يستبدلوا وضع الأيدي بالمسيح بالميرون الذي تقدس بصلاتهم، كما كان يسمح الملوك والأنبياء في العهد القديم بمزيج من الطيوب وزيت الزيتون (خروج 30: 12- 33)

(3)  للتأكد أنظر مثلاً (رومية 2: 6): “الذي سيجازي كل واحد حسب أعماله”. و(رؤية 20: 12-13): “ويدين الأموات. . ..  بحسب أعمالهم”.  و: (متى 16: 27)، (كورنثوس الثانية 5: 20) . . . . . .  الخ

(4)  انظر أيضاً (تيموثاوس الثانية 2: 11-12) وغيرها كثير . . …

(5)  انظر (متى 5: 16)

نظرة أورثوذوكسية لجماعة المتجددين – د. جورج عطية

كتاب إله جدتي PDF – مركزية الله في الألم والخلاص – داني برماوي

كتاب إله جدتي PDF – مركزية الله في الألم والخلاص – داني برماوي

كتاب إله جدتي PDF – مركزية الله في الألم والخلاص – داني برماوي

كتاب إله جدتي PDF – مركزية الله في الألم والخلاص – داني برماوي

يمكنك أن تقرأ في الكتاب حول: سيادة الله المطلقة، سماح الله بالألم، الإرادة الحرة، التقديس، غاية الناموس، وغيرها من الموضوعات.

تحميل الكتاب PDF

مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري – د. أنطون جرجس

استكمالاً لما قد بدأناه من سلسلة مقالات لتوضيح مفهوم الفدية عند آباء الكنيسة ردًا على المشككين والجهلاء من البعض، نستعرض الآن مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري.

وأود التنويه في البداية أن نصوص ق. كيرلس عن موضوع الفدية كثيرة ومتنوعة ومتعددة الجوانب في مفاهيمه حول موضوع الفدية، ولكن السمة الغالبة عند ق. كيرلس في موضوع الفدية هي أن الفدية هي موت المسيح للقضاء على الموت والفساد، وليس كما يدَّعي البعض عن جهل أنها تسديد لعقوبة الموت من الآب على البشرية، فالابن لم يكن في موضع المعاقب من الآب لأجل البشر.

كما أن الموت هو نتيجة سقوط الإنسان وتعديه، وليس الله هو علة الموت، أو يميت البشر، لأن الله حياة وليس موت. فالموت ليس أحد صفات جوهر الثالوث القدوس منذ الأزل، بل دخل الموت إلى العالم بحسد إبليس وبالخطية. الله لا يميت أحدًا، ولا يعاقب أحدًا بالموت، فالله لا يسره موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا، فهلاك الأحياء لا يسره كما نقرأ في الكتاب المقدس، ونصلي في الليتورجية، وفي الأجبية.

فعل الإماتة لم يكن في الله منذ الأزل، ولم يمارس الله صفة الموت أو الإماتة بين أقانيمه الثلاثة منذ الأزل، فلم نر الآب يميت الابن، والعكس صحيح، لم نر الابن يميت الآب، وهكذا لم نر الروح القدس روح الحياة، يمارس فعل الإماتة مع الأقنومين الأخرين، فهذا تجديف على الله! حاشا! الله الثالوث هو الحياة ومصدر وينبوع الحياة، ولم يكن في أي وقت من الأوقات موت أو ينبوع ومصدر الموت.

فلم يقل المسيح أبدًا في الإنجيل أنا هو الموت، ناسبًا صفة الموت أو الإماتة لنفسه، بل قال أنا هو القيامة والحياة، وأنا هو الطريق والحق والحياة. لذا إدعاء البعض عن جهل أن الله يُعاقب البشر بالموت هو محض تجديف على الله!

 

ننتقل إل مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري، حيث يؤكد ق. كيرلس – مثلما أكد الآباء السابقين عليه – على تقديم المسيح جسده كفدية للموت كالتالي:

“لذا كان من الضروري أن يقدم ابن الآب الحي جسده الخاص للموت كفدية* عن حياة كل البشر، لكي عن طريق جسده المتحد بالكلمة يمهد الطريق لأجسادنا المائتة حتى تستطيع أيضًا أن تنتصر على رباطات الموت”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج ٢، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، تعليق على (يو ١٨: ٧- ٩)، ص ٤٢٥.

ونجد هنا ق. كيرلس الإسكندري يتبع الآباء السابقين عليه في التأكيد على تقديم المسيح الفدية للموت كالتالي.

حيث يشير ق. أثناسيوس إلى تقديم المسيح الفدية للموت كالتالي:

“فإن مجيء المخلص متجسدًا، قد صار فديةً* للموت وخلاصًا لكل الخليقة”.

أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل ق. أثناسيوس (الرسالة إلى أدلفيوس المعترف)، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. صموئيل كامل، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، الفصل ٦، ص ٢٩.

ويتحدث ق. باسيليوس الكبير أيضًا عن تقديم المسيح الفدية للموت في الليتورچية البيزنطية الخاصة به قائلاً:

“فطهّرنا بالماء وقدّسنا بالروح القدس، وبذل نفسه فديةً* للموت الذي كان مستوليًا علينا ارقاءً تحت الخطية”.

 

باسيليوس الكبير (قديس)، الأفخولوجي الكبير (ليتورجية ق. باسيليوس)، ترجمة: الأسقف رافائيل هواويني، (لبنان: بيرثوث وقلفاط، ١٩٥٥)، ص ١٤٢.

وهذا ما يؤكده أيضًا ق. كيرلس الأورشليمي أن المسيح قدم جسده كطُعم للموت قائلاً:

“لذلك صار جسده طُعمًا للموت*، وإذ صار موضع أمل للوحش [الشيطان] أن يقبض على المخلص، قبض المخلص عليه. لأنه ‘يبلع الموت إلى الأبد، ويمسح السيد المسيح الدموع عن كل الوجوه’ (إش ٢٥: ٨)”.

تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس كيرلس الأورشليمي (حياته – مقالاته لطالبي العماد – الأسرار)، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس اسبورتنج، ٢٠٠٦)، المقالة ١٢: ١٥، ص ١٧٢.

نعود مرة أخرى إلى مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري، حيث يؤكد ق. كيرلس على تقديم المسيح جسده كفدية لحياتنا جميعًا كالتالي:

“وعندما قدّم جسده كفدية لحياتنا جميعًا”.

 

كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ١٥٣، ص ٧٥٠.

ويؤكد ق. كيرلس على تقديم المسيح ذاته فديةً للجميع كالتالي:

“لأنه هكذا خلص المسيح الكل باذلاً ذاته فديةً للصغير والكبير، للحكيم وغير الحكيم، وللغني والفقير، ولليهودي واليوناني”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير سفر يونان، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، تعليق على (يون ٤: ١٠- ١١)، ص ٤٧.

ويؤكد ق. كيرلس أيضًا على تقديم المسيح للفدية نفسه لأجل نفوسنا، وجسده لأجل أجسادنا كعطية ثمينة لأجلنا كالتالى:

“لقد أعطانا حقًا عطية ثمينة، جسده لأجل جسدنا، ونفسه فديةً* لأجل نفوسنا، ورغم ذلك قام، إذ إنه كإله بطبيعته هو الحياة ذاتها”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول تأنس الابن الوحيد، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٢)، الفصل ٧، ص ٧٧.

وهكذا يؤكد ق. كيرلس أن الفدية لأجل الجميع لإماتة الموت وإقامة طبيعة الإنسان الساقطة كالتالي:

“(يقول الرب): إني أموت من أجل الجميع لكي أُحيي بذاتي الجميع، وقد جعلت جسدي فديةً* لأجل الجميع، لأن الموت سيموت بموتي، ومعي سوف تقوم ثانيةً طبيعة الإنسان الساقطة”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج ١، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدرسات الآبائية، ٢٠١٥)، ٤: ٢، تعليق على (يو ٦: ٥١)، ص ٤٠٣.

وهذا ما يؤكده ق. كيرلس أن المسيح أعطى جسده فديةً لأجلنا كالتالي:

“إذًا، فقد افتُدينا، طالما أنه أعطى جسده لأجلنا فديةً*، فإذا أعتقدنا أنه إنسان عادي، كيف يكون دمه كافيًا لحياة الكل؟ بينما لو أعتقدنا أنه هو الله بالجسد الأكثر جدراةً من الجميع، سيكون فداء كل العالم بدمه كافيًا للدَّين، وهذا صحيح جدًا”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٩)، الرسالة التوضيحية الأولى، ص ١٦٢.

ويؤكد ق. كيرلس على أن المسيح افتدانا من إبليس الذي كان يأسرنا، وليس الآب. فلم يتحدث ق. كيرلس أبدًا عن أننا كنا مأسورين عند الآب، وتوجب دفع الفدية لديه ليطلقنا من الأسر، بل يؤكد ق. كيرلس مرارًا وتكرارًا – مثله مثل جميع الآباء- على أننا كنا مأسورين عند الشيطان قائلاً:

“ويعلن بالأثنين التالي: طالما أنه افتدانا* ربنا يسوع المسيح من مصر وأشور أي من استبداد أولئك الذين أسرونا (وهؤلاء هم الأشرار والشياطين الدنسة)، نقلنا إلى أرض مليئة بالأشجار والثمار، أي الكنيسة”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح سفر زكريا، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدرسات الآبائية، ٢٠١٧)، الفصل ٧٣، تعليق على (زك ١٠: ١٠)، ص ١٥٢.

ويؤكد ق. كيرلس أيضًا أننا كنا مأسورين عند الشيطان وليس عند الآب قائلاً:

“وكانوا أسرى وفي قبضة الشيطان*، وذلك لأنهم قاوموا الله، لأجل هذا رُفضوا وفقدوا كل العناية السماوية”.

المرجع السابق، الفصل ٢، تعليق على (زك ١: ١- ٢)، ص ١٨.

وهكذا يؤكد ق. كيرلس على أن المسيح قام بأسر الشياطين – الذين كنا مأسورين عندهم، وليس عند الآب – باذلاً دمه لأجلنا لإبعاد الموت، وإبطال الهلاك، ومنح الحياة لنا كالتالي:

“نفس الأمر أيضًا، ربنا يسوع المسيح الذي انتصر على جميع الشياطين النجسين، وقام بأسرهم باذلاً دمه* لأجلنا، هكذا أبعد الموت، وأبطل الهلاك، وجعلنا خاصته، إذ لا نحيا بعد حياتنا، بل حياته؛ لأنه لو لم يمت لأجلنا لما خلُصنا، ولو لم يُحسب من بين الأموات، لما انهدمت حصون مملكة الموت”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر الخروج، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٨)، المقالة ٢، ص ١٦٣.

ويؤكد ق. كيرلس أيضًا على أن المسيح افتدانا من الموت ومن يدي الهاوية، إذ قدم ذاته فديةً للموت كالتالي:

“لأنه افتدانا* من يدي الهاوية، أي من بطش الموت، وأن موت المسيح يُدرك كطريقة للفداء*. لأنه تعرض لأجلنا للموت فوق الصليب، وانتصر على الرؤساء والسلاطين مسمرًا عليه الصك الذي علينا (أنظر كو ٢: ١٤، ١٥) […] يسوع المسيح الذي مات لأجلنا، أو الأفضل ‘الذي بذل نفسه فديةً* لأجل الجميع، الشهادة في أوقاتها الخاصة’ (١تي ٢: ٦)، الأكثر استحقاقًا من الكل، بواسطته وبه* صرنا أغنياء (أنظر ١كو ١: ٥)، لكي نرجع ثانيةً إلى عدم الفساد”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير سفر هوشع، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، تعليق على (هو ١٣: ١٤)، ص ٣١٤، ٣١٥.

ويؤكد ق. كيرلس على أن الآب نفسه هو الذي  بذل وقدّم ابنه كفدية وثمن لأجل خلاصنا كالتالي:

“وإنه حق وقد تم التيقن من الحقائق ذاتها أن الآب بذل ابنه لأجل خلاصنا. وبالتالي، كما يقول بولس: ‘قد اشتُريتم بثمن* فمجّدوا الله’ (١كو ٦: ٢٠)، فنحن لسنا ملكًا لذواتنا. ويقول أيضًا: ‘وهو مات لأجل الجميع كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم، بل للذي مات لأجلهم وقام”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر الخروج، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٨)، المقالة ٢، ص ١٦١، ١٦٢.

كما يؤكد ق. كيرلس على دفع الفدية من أجل الإنسان لكي ما يحيا، لأن الله لم يُسر بهلاك الإنسان مثلما يحدث مع الشياطين قائلاً:

“فلا يُسر بأن يحدث للإنسان كما يحدث للشياطين الدنسة التي هلكت (أنظر مت ٨: ٢٨- ٣٤)، فأمر بأن تُدفع الفدية* لأجله [أي للإنسان]، ونحن نعترف بأننا مديونون له بحياتنا. […] بينما الفدية الحقيقية المقدمة عن الجميع هي المسيح، الذي بواسطته انتصرنا على الموت، لأنه قدم ذاته لأجلنا”.

المرجع السابق، ص ١٦٥، ١٦٦.

لذلك، إن كان الآب هو مقدِّم الابن وباذله لأجل خلاصنا، فكيف يكون الآب هو نفسه المقدِّم للفدية والمقدَّم إليه الفدية، هل الآب يقدم ابنه فديةً لنفسه؟ هل هذا معقول؟ لو لم يكن مفهوم تقديم الابن الفدية للآب له مفهوم آخر عند ق. كيرلس، غير مفهوم لاهوت العصر الوسيط، ومفهوم الإبدال العقابي البروتستانتي، الذي ينسبه البعض عن جهل ودون وعي خطاءً للأرثوذكسية ولتعاليم آباء الكنيسة الشرقيين عامةً، وق. كيرلس الإسكندري خاصةً. هذا ما يوضحه ق. كيرلس كالتالي:

“والمسيح قدم نفسه رائحة طيبة لله، لكي يقدمنا نحن بواسطة نفسه وفي ذاته لله الآب، وهكذا يلاشي العداوة الناشئة من عصيان آدم، ويُبطل الخطية التي استعبدتنا جميعًا، لأننا نحن الذين كنا نصرخ منذ زمن طويل قائلين: ‘التفت إليَّ وارحمني’ (مز ٢٥: ١٦)”.

كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ٣، ص ٤٦.

أخيرًا، نستنتج أحبائي أن الفدية تم تقديمها للموت من أجل تطويق الموت والقضاء عليه نهائيًا ليقدم المسيح للآب الجنس البشري جنسًا مقدسًا، وطاهرًا، وحيًا، فيه وبه.

مفهوم الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري – د. أنطون جرجس

تصحيح مفهوم ناتج عن التعليم بالبدلية العقابية – د. أنطون جرجس

تصحيح مفهوم ناتج عن التعليم بالبدلية العقابية – د. أنطون جرجس

تصحيح مفهوم ناتج عن التعليم بالبدلية العقابية – د. أنطون جرجس

أحد نتائج التعليم بالبدلية العقابية هو الادعاء بأنه كانت هناك خصومة بين الآب والبشرية المتمثلة في ناسوت المسيح المتألم على الصليب.

هذا يصور أن اللاهوت قد كان في خصومة مع ناسوت المسيح في المسيح الواحد، طالما الآب كان في خصومة مع ناسوت المسيح الذي أتحد به لاهوت الكلمة في التجسد. وهذا للأسف أحد نتائج التعليم بالبدلية العقابية.

يرد ق. أثناسيوس على ذلك رافضًا ترك الآب للناسوت، أو أن هناك خصومة بين الآب وناسوت المسيح قائلاً:

“لذلك لا يمكن أن يُترك الرب من الآب، وهو كائن دائمًا في الآب قبل أن يتكلم وأثناء نطقه بهذه الصرخة”

(ضد الآريوسيين ٣: ٢٩: ٥٦)

يرد على ذلك ق. يوحنا ذهبي الفم داحضًا فكرة وجود عداوة بين الله والناسوت كالتالي:

“يقول: إيلي إيلي لما شبقتني (مت٢٧: ٤٦) حتى يروا أن السيد كان يكرم أباه حتى الرمق الأخير، وأنه لم يكن عدوًا لله”

(عظة على انجيل متى ٨٨: ١).

يرد أيضًا ق. غريغوريوس اللاهوتي على ذلك رافضًا أية خصومة بين الآب وناسوت المسيح المتألم على الصليب:

” إنه لم يُترك، لم يتركه أبوه، ولا تركته ألوهته، كما ظن البعض، وكأنها تفارق مَن يتألم لخوفها من الموت – ومَن الذي أكرهه على الولادة الأرضية أولاً، أو على الارتفاع على الصليب”.

(الخطاب اللاهوتي ٣٠: ٥).

يرد ق. كيرلس داحضًا التعليم بأن يكون هناك خصومة أو انفصال بين الآب وناسوت المسيح قائلاً:

“وقد أظهره الله الآب متجسدًا ومنظورًا وشبيهًا بنا للرسل القديسين، عندما صرخ قائلاً: “هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. له اسمعوا” (مت١٧: ٥) فهل انتبهت إذًا إلى أنه لم “يقل هذا الجسد”، بل “هذا هو ابني”، وذلك حتى لا نعتبره مجزءًا ومنفصلاً الواحد عن الآخر، بل هو – تدبيريًا- واحد بالاتحاد […] فالله الآب يشهد – بطريقة فريدة خاصة- على أن المتجسد الذي أخذ شكل العبد هو ابنه الحقيقي، وكيف لا يكون؟”

(حوار حول تأنس الابن الوحيد : ٨).

تصحيح مفهوم ناتج عن التعليم بالبدلية العقابية – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية في تعاليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية في تعاليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية في تعاليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

 

لقد استخدم السيد المسيح تعبير “فدية” عن نفسه، حيث يقول:

 (مت 20 اية 28) “كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ”

كما استخدمه بولس الرسول عن المسيح ليوضح عمل الفداء الذي قام به المسيح كالتالي:

 (١تي ٢ :٦) “الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً لأَجْلِ الْجَمِيعِ، الشَّهَادَةُ فِي أَوْقَاتِهَا الْخَاصَّةِ”.

ولكن يتتبع البروفيسور راشدال فكرة الفدية وأصولها في العهد القديم ويقول التالي:

“نجد تعبير الفدية في [الأَخُ لَنْ يَفْدِيَ الإِنْسَانَ فِدَاءً، وَلاَ يُعْطِيَ اللهَ كَفَّارَةً عَنْهُ]. (المزامير7:49) وفي [إِنْ وُجِدَ عِنْدَهُ مُرْسَلٌ، وَسِيطٌ وَاحِدٌ مِنْ أَلْفٍ لِيُعْلِنَ لِلإِنْسَانِ اسْتِقَامَتَهُ، يَتَرَاَءَفُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: أُطْلِقُهُ عَنِ الْهُبُوطِ إِلَى الْحُفْرَةِ، قَدْ وَجَدْتُ فِدْيَةً].  (أيوب24-23:33) وفي [«مِنْ يَدِ الْهَاوِيَةِ أَفْدِيهِمْ. مِنَ الْمَوْتِ أُخَلِّصُهُمْ. أَيْنَ أَوْبَاؤُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ شَوْكَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟ تَخْتَفِي النَّدَامَةُ عَنْ عَيْنَيَّ»]. (هوشع14:13). كما يأتي تعبير λύτρον في النص السبعيني بصيغة الجمع τά λύτρα ١٧ مرة من أصل ٢٠ مرة، وتعادل الكلمات العبرية التالية:

 

١. فدية kopher (الأصل kaphar, kipper) كما في (خر٢١: ٣٠، ٣٠: ١٢) حيث يتم شرحها عادةً في اللغة العربية بمعنى ‘غطاء’ أو عطية استرضائية، ولكن المعنى الأصلي على الأرجح أكثر موجود في اللغتين البابلية والآشورية. حيث استخدام فعل “تسديد الدين” من خلال فعل طقسي تعبدي، وكذلك في اللغة السريانية “تسديد الدين”.

كما يشير درايفر Driver (Art. Expiation in Encycl. Of Religion & ethics) إلى أنه فكرة ‘التطهير’ في اللغة العبرية صاحبت الكلمة مبكرًا، لذلك الفكرة هي عن التطهير بالحري وليس عن ‘الاسترضاء’. ولا يكون الله أبدًا موضوع أو هدف ‘kipper’ أو ίλάσκομαι كما في النص السبعيني، لأنها حالة ثابتة عند الكُتاب الوثنيين.

 

٢. فداء g’ullah (الأصل ga’al أي “إزالة المطالبة بالدعوى” وكذلك “تبرئة” أو “استرداد”) وهو فعل أو حق الاسترداد، والخلاص والتعويض من أجل حقل أو عبد كما في (لا٢٥: ٢٤)، والتسديد مصنوع من أجل الخلاص أو تسديد الدين كما في  (لا٢٥: ٢٦، ٥١).

 

٣.فدية pidhyon, p’dhuyium (الأصل padhah) كما في (خر٢١: ٣٠) و (عد٣: ٤٨، ٥١) عن الثمن المدفوع كفدية.

 

٤.الربح أو الثمن أو المهر m’hir (فعل غير مستخدم) كما في (إش٤٥: ١٣)، وإن استخدمه ربنا، فالمعنى المحتمل أكثر يبدو أنه kopher أي كفارة بالشكل الآرامي. وإن كانت الكلمة تعود إلى البشير أو إلى التقليد، فلا نحتاج للاعتقاد بالمقابل الآرامي. يمكن تخليص فكرة λύτρον بسهولة من الفكرة العامة للفداء άπολύτρωσις.

حيث قد افتدى الله إسرائيل أي اشتراه، وهكذا جعله خاصته، وهي فكرة منتشرة في العهد القديم، وتحولت في العهد الجديد إلى إسرائيل الروحي كما في (أف١: ١٤؛ أع٢٠: ٢٨). وبالتالي، لا تحتاج الفكرة لإعطاء إجابة على سؤال لمَن دُفعت الفدية؟ ولا حتى إجابة محددة بعينها على سؤال مما تم خلاص شعب الله: الفكرة الرئيسية هي أنهم تم شرائهم لله، أي للملكوت، والخلاص، والسعادة الأبدية.

ولا توجد كلمة λύτρον عند ق. بولس، بالرغم من أن لدينا كلمة άπολύτρωσις عدة مرات، والفكرة موجودة في (١كو٦: ٢٠، ٧: ٢٣): “اشتريتم بثمن”. الكلمة التي قالها المسيح عن نفسه كفدية موجودة في (١تي٢: ٦)، حيث القراءة الصحيحة هي άντίλυτρον. يعلق M. Riviére في كتابه (Le Dogme de la Rédemption, p. 49) أنه “في العهد الجديد – وعادةً أكثر عند الآباء أيضًا- نجد فقط حرف الجر άντί عند تسميتها بكلمة ‘فدية’.

حيث أنه من الملاحظ إنه يُقال أحيانًا عن الله أنه ‘فدية’ λυτροϋν لشعبه بمعنى ‘يحرر’ أو ‘يخلص’ في آيات لا يوجد بها أي نوع من دفع الثمن أو المقابل كما في (خر٦: ٦) ga’al و (تث٢١: ٨) padhah وكذلك في (إر١٨: ٢٣؛ مز٧٨: ٣٨)، حيث تستخدم كلمة kipper عن فعل الله، وسوف تمثل كلمة “يطهر بعيدًا” الفكرة، حيث يترجم درايفر Driver الكلمة ‘يطهر’، بينما تقترب الفكرة عند ليرت  Leart من pardon أي الغفران أو الصفح.

الفكرة الرئيسية المفترضة من تعبير ‘فدية’ هي فكرة الثمن المدفوع من أجل تأمين المنافع للآخر- أو على وجه التحديد، الثمن المدفوع لتأمين الحياة أو الحرية”.

Hastings, Rashdul, Idea of atonement in christian theology, (London: MACMILLAN & CO., 1919), P. 32& 33 n. 3.

 

أما عن مفهوم الفدية عند الآباء ينقسم الآباء فيه إلى ٣ آراء:

١.الرأي الأول:

 يقول بأن الفدية قدمها الابن إلى الآب ونجد هذا الرأي عند كل من التالي:

ق. أثناسيوس، حيث يقول:

“وعندما أراد الآب أن تُقدم الفدية لأجل الجميع، وأن تُعطى النعمة الكل، عندئذ مثلما أرتدى هارون الجبة أخذ الكلمة جسدًا من الأرض متخذًا له من مريم الجسد كما من أرض بكر حتى إذ يكون له – كرئيس كهنة – شيء يقدمه، فهو يقدم ذاته للآب ويطهرنا جميعًا من الخطايا بدم نفسه ويقيمنا من بين الأموات” (ضد الآريوسيين ١: ١١: ٤١).

ويتفق مع هذا الرأي أيضًا ق. كيرلس الأورشليمي حيث يقول:

“وإذ كان فينحاس عندما زادت غيرته ذبح فاعل الشر، فرد سخط الرب، فهل يسوع الذي لم يذبح غيره، بل بذل نفسه فدية ليرد السخط الذي كان من جهة الجنس البشري؟”. (العظات للموعوظين ١٣: ٣).

٢.الرأي الثاني:

يقول بأن الفدية قدمها المسيح للشيطان وهذا يقول به مجموعة من الآباء كالتالي:

ق.ايرينيؤس حيث يقول:

“وهو الذي فدانا بطريقة تناسب العقل، أعطى نفسه كفدية لأولئك الذين واقعوا في الأسر. وحيث أن الارتداد (إبليس) طغى علينا ظلمًا، رغم أننا بالطبيعة ملك الإله كلي القدرة، فإن الارتداد (إبليس) جعلنا غرباء عن الله ضد الطبيعة، إذ جعلنا تلاميذه، فإن كلمة الله القوي في كل شيء، وليس ناقصًا من جهة عدله قام ضد ذلك الارتداد بطريقة عادلة، وأفتدى خاصته منه لا بوسائل عنيقة، مثلما تسلط الارتداد علينا في البداية، حينما انتزع بدون شبع ما لم يكن له.

بل عن طريق الإقناع كما يليق بإله المشورة، الذي لا يتعامل بوسائل عنيفة ليحصل على ما يريد، حتى أنه لا تنتهك العدالة من ناحية، ولا يهلك صنعة يدي الله من ناحية أخرى، وحيث إن الرب قد فدانا بدمه هكذا، باذلاً نفسه عن نفوسنا وجسده عن أجسادنا”.

(ضد الهرطقات ٥: ١: ١).

العلامة أوريجينوس حيث يقول:

“فإذا كنا قد اُشترينا بثمن، كما يؤكد بولس الرسول، فبلا شك فإننا اُشتُرينا من شخص كنا عبيدًا له، وقد طالب أيضًا بالثمن الذي أراده، لكيما يحرر من سلطانه مَن هم في قبضته. الآن كان إبليس هو مَن يمسكنا، الذي أُُخذنا له بسبّب خطايانا. لذلك فقد طالب بدم المسيح كثمن له. وبالتالي متى قُدم دم المسيح الذي كان ثمينًا جدًا، بحيث يكفي وحده لفداء الكل”. (تفسير رومية ٢: ١٣: ٢٩).

ق.باسيليوس الكبير حيث يقول:

“فطهرنا بالماء وقدسنا بالروح القدس وبذل نفسه فديةً للموت الذي كان مستوليًا (إبليس مَن له سلطان الموت بحسب عب ٢) علينا ارقاءً تحت الخطية، وانحدر بالصليب إلى الجحيم ليمتلئ الكل منه، فحلّ أوجاع الموت وقام في اليوم الثالث”. (ليتورجية ق. باسيليوس بحسب الطقس البيزنطيّ/ الافخولجي الكبير ص ١٤٢).

ق.غريغوريوس النيسي حيث يقول:

“وبالتالي نظر العدو هذه القوة فيه (أي في المسيح) ورأى فيه أيضًا الفرصة من أجل التقدم، وفي المبادلة بحسب قيمة ما يحتويه، ولهذا السبب أختاره (أي إبليس) كفدية لهؤلاء القابعين في سجن الموت”. (العظة التعليمية الكبرى: ٢٣).

كما يؤيد ق.أوغسطينوس فكرة دفع الفدية للشيطان، حيث يقول:

 “لأن دم المسيح في هذا الفداء، قد أُعطي ثمنًا لأجلنا بموافقة وقبول إبليس الذي لم يكن مُستغنيًا، بل مُقيدًا لكي ما يطلقنا من قيوده”. (الثالوث ١٣: ١٥: ١٩).

ويقول في موضع آخر في نفس السياق:

“لأن ثمننا الذي عرضه عليه على صليبه يشبه مصيدة فأر، وكطُعم موضوع عليها بدمه”. (عظة١٣٠: ٢، عظة ١٣٤: ٦).

ولقد كان مِن مؤيدي تقديم الفدية للشيطان من الآباء اللاتين أيضًا ق. أمبروسيوس وق. جيروم.

ويؤيد البابا لاون الكبير فكرة تقديم الفدية للشيطان كالتالي:

“أصر اللص عديم الضمير والسارق الجشع على الهجوم عليه (أي المسيح) ، مَن ليس له فيه شيء يخصه، وتخطى بتنفيذ الحكم العام على الخطية الأصلية القيد الذي أوثقه (أي إبليس) به، وطالب بمعاقبة الإثم ممَن لم يجد فيه أي ذنب، وبالتالي، تم إبطال المواعيد المؤذية للصك المميت، وتم إلغاء الدين كله من خلال ظلم الثمن الفاحش”. (عظة ٢٢: ٣، ٤).

 ويؤيد البابا غريغوريوس الكبير نفس الفكرة قائلاً:

” خدعه الرب مثل عصفور، عندما أظهر أمامه في الآلام ابنه الوحيد كطُعم، ولكنه أخفى حبل المشنقة”. (الأخلاق ٣٣: ١٥ على “أي ٤٠: ٢٤”).

٣.الرأي الثالث:

 يرفض فكرة تقديم المسيح الفدية لإبليس ويعتبر الفدية هي القضاء على الفساد والموت والالتفاف عليهما، وهذا نجده عند كلٌّ من:

ق.غريغوريوس اللاهوتي حيث يقول:

“والآن إن لم تكن الفدية لأجل مَن كان تحت العبودية، فإني أتساءل: لمَن قُدمت؟ ولأيّ سبب؟ إذا قُدمت للشرير، فليُبعد عني مثل هذا التجديف! إن كان اللص يأخذ فدية لا من الله فقط، بل الله نفسه، ويأخذ أجرًا عظيمًا لاستبداده بالبشر حسب رغبته”. (العظة الفصحية الثانية رقم ٤٥).

كما يرفض في نفس العظة تقديم الفدية للآب أيضًا حيث يقول:

“أما إذا كان قد دفع للآب، فأنا اتساءل أولاً: كيف؟ لأن الآب لم يمسكنا كرهينة. لماذا سُر الآب بدم ابنه الوحيد، وهو الذي لم يقبل إسحق حين قدمه إبراهيم ذبيحة محرقة كاملة، بل بدّل الذبيحة بكبش؟ أليس الأمر واضحًا، أن الآب قد قبِل الذبيحة ليس لأنه طلبها أو كان في إحتياج لها، ولكن لأجل تدبيره: لأن الإنسان لابد أن يُقدس بإنسانية الله؛ والله نفسه يجب أن يخلصنا بأن يغلب المستبد بقوته هو، وأن يردنا إليه بواسطة الابن الذي يفعل هذا كله لمجد الله الذي أطاعه في كل شيء” (العظة الفصحية الثانية رقم ٤٥).

*وهنا نجد النزينزي يؤكد فكرة تقديس البشرية بإنسانية المسيح وانتصار المسيح على إبليس بقوة قيامته ونصرته على مَن بيده سلطان الموت أيّ إبليس.

ق.كيرلس الاسكندري رفض أيضًا تقديم المسيح الفدية لإبليس وللآب حيث يقول:

“لقد أعطانا حقًا عطية ثمينة، جسده لأجل جسدنا ونفسه فديةً لأجل نفوسنا، ورغم ذلك قام إذ إنه كإله بطبيعته هو الحياة ذاتها” (حوار حول تأنس الابن الوحيد: ٧). وهنا يؤكد ق. كيرلس على نفس مفهوم ق. غريعوريوس اللاهوتي أن يعطينا الحياة والنصرة على الفساد والموت بموته وقيامته.

الأب يوحنا الدمشقي رفض أيضًا تقديم المسيح الفدية للشيطان حيث يقول عن المسيح:

“إنه قدم ذاته فديةً عنا، وبذلك يحلنا من الحكم علينا ولكن حاشا أن يكون دم الرب قد تقرّب للطاغية (إبليس)” (المائة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي ٣: ٧١: ٢٧). ويؤكد الدمشقي أيضًا على أن الفدية هي حل قيود الإنسان من حكم الموت والفساد الذي جلبه على ذاته بالعصيان والخطية.

مفهوم الفدية في تعاليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

البدلية العقابية تحت المجهر – د. انطون جرجس

البدلية العقابية تحت المجهر – د. انطون جرجس

البدلية العقابية تحت المجهر – د. انطون جرجس

بحث حول موضوع البدلية العقابية ومفاهيم تدبير الخلاص

البدلية العقابية تحت الجهر – د. انطون جرجس

اختلاف مفاهيم اللاهوت اليوناني واللاتيني في تدبير الخلاص – د. أنطون جرجس

اختلاف مفاهيم اللاهوت اليوناني واللاتيني في تدبير الخلاص – د. أنطون جرجس

اختلاف مفاهيم اللاهوت اليوناني واللاتيني في تدبير الخلاص – د. أنطون جرجس

يتحدث البروفيسور المعروف لويس بيركهوف (لاهوتي بروتستانتي) عن الاختلاف بين اللاهوتين الشرقي اليوناني والغربي اللاتيني في عقيدة الكفارة وعمل المسيح على الصليب، حيث يقول التالي:

في اللاهوت الآبائي اللاتيني:

على الرغم من أن تعليم عمل المسيح في اللاهوت الآبائي اللاتيني لديه نقاط عديدة مشتركة مع تعليم اللاهوت اليوناني المبكر، ولكن حتى في هذه الفترة المبكرة، تبدأ اختلافات مهمة في الظهور*. حيث يبدأ النوع اللاتيني المختلف من اللاهوت مع ترتليان*. حيث يتبنى إلى حد ما نظرية إيرينيؤس الانجماع الكلي، ولكنه يتصور التجسد على أنه يؤثر على الجنس البشري بالأساس من خلال الإرشاد والمثال.

ولكن تتراجع هذه الفكرة كلها بشكل أو بآخر إلى الخلفية. حيث يركز كثير جدًا أكثر من إيرينيؤس على الأهمية المحورية لموت المسيح على الصليب*، معتبرًا إياه نقطة الذروة والنهاية الحقيقية لإرسالية المسيح. لا يمكن القول بأنه ذهب بعيدًا عن إيرينيؤس في الصياغة المحددة لعقيدة موت المسيح. ولكن تقع أهميته الحقيقية في حقيقة أنه أدخل استعمال مصطلحات قانونية عديدة إلى اللاهوت*، مثل: ‘ذنب’، و ‘ترضية’، و ‘استحقاق’، وما إلى ذلك، التي تم توجيهها لتلعب دورًا كبيرًا في التطور اللاهوتي لعقيدة عمل المسيح*.

ومع ذلك، يجدر ملاحظة أنه مازال لم يطبق تلك المصطلحات على عمل المسيح الكفاري، بل على التوبة والأعمال الصالحة التي ينبغي أن تتبع الخطايا المرتكبة بعد المعمودية. كما وضع الأساس لتطور عقيدة التوبة في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية”.

ثم يستطرد قائلاً في نفس السياق متحدثًا عن عقيدة الكفارة عند أوغسطينوس أبو اللاهوت اللاتيني، موضحًا الاختلاف بين اللاهوت اليوناني واللاهوت الأوغسطيني بشأن عقيدة الكفارة والفداء، حيث يقول التالي:

“نشعر بشكل طبيعي بالميل إلى اعتبار أن أوغسطينوس، الأب الكنسي الأعظم في الغرب، قد أضاف بشكل كبير، سواء على المستويين الجوهري والشكلي، إلى عقيدة عمل المسيح. ولكن ليست تلك هي القضية، بل تقع إنجازاته في موضع آخر. حيث يقدم آراء متنوعة، جامعًا في ذاته التطور السابق.

كما توجد فكرة تأله الطبيعة البشرية بالتجسد، ولكن بطريقة أخلاقية فقط*، ويوجد أيضًا مفهوم أن الشيطان لديه حق على الإنسان، ولكن تم استكماله، عن طريق فكرة أن حق الشيطان تم إبطاله بموت المسيح. ولكن فيما يُعتبر بأنه خط تفكيره الأساسي، يُعتبر أوغسطينوس بعيدًا جدًا عن اللاهوت اليوناني*.

حيث كل من افتراضاته واستنتاجاته مختلفة*. فالأفكار الرئيسة هي أفكار الخطية الأصلية، والتبرير بالنعمة، والمصالحة بذبيحة المسيح. حيث يفرض* النوع الغربي الجديد من الفكر نفسه، ونجد أنفسنا ندور في دائرة الأفكار البولسية. حيث يتم النظر إلى الإنسان على أنه موضوع الغضب الإلهي*، وذبيحة المسيح كتهدئة لهذا الغضب*، وكمصالحة للإنسان مع الله*.

لم يطور أوغسطينوس هذه الأفكار إلى نظام كامل، حيث تقع أقواله بعيدًا بقليل عن نظرية أنسلم المترابطة تمامًا عن الكفارة. حيث لم يميز بصورة حادة بين الجانب القضائي والتجديدي للفداء”.

Louis Berkhof, The History of the Christian Doctrines, (Michigan, 1949), the doctrine of the atonement or the work of christ, p. 125-129.

ويتضح من هنا اتفاق رأي البروفيسور لويس بيركهوف مع غيره من أساتذة العقائد المسيحية أن عقيدة الكفارة والفداء بجانبها القانوني والقضائي في اللاهوت الغربي اللاتيني تختلف تمام الاختلاف عن الجانب الشفائي والتأليهي في اللاهوت الشرقي اليوناني.

اختلاف مفاهيم اللاهوت اليوناني واللاتيني في تدبير الخلاص – د. أنطون جرجس

اختلاف مفاهيم اللاهوت الشرقي والغربي في تدبير الخلاص – د. أنطون جرجس

اختلاف مفاهيم اللاهوت الشرقي والغربي في تدبير الخلاص – د. أنطون جرجس

اختلاف مفاهيم اللاهوت الشرقي والغربي في تدبير الخلاص – د. أنطون جرجس

يعلق البروفيسور نورمان بويل ويليامز N. P. Williams (لاهوتي بروتستانتي) أستاذ اللاهوت بجامعة دورهام بإنجلترا، وصاحب الكتاب الأهم عن تاريخ عقيدة السقوط والخطية الأصلية بعنوان “أفكار السقوط والخطية الأصلية”، على مفهوم الفداء والخطية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي والآباء اليونانيين كالقديس أثناسيوس وغريغوريوس النيسى التالي:

“نحتاج فقط للإشارة، دون التعليق على ذلك، إلى حقيقة أن مفهوم الفداء يبدو من المفترض هنا (عند ق. غريغوريوس اللاهوتي)، كما في كتابات أثناسيوس وغريغوريوس النيسى، هو مفهوم الاتحاد باللوغوس المتجسد*، و ‘التأله’ النهائي من خلال الاستقبال السرائري له في الإفخارستيا*.

ولكنه لم يُذكر ذلك في الواقع صراحةً، بل إنه من الصعب علينا، إن لم يكن مستحيلاً، رؤية كيف يمكن لاتخاذ اللوغوس للنوس (العقل) البشري أن يكون له الأثر الخلاصي على نوس الجنس البشري بوجه عام، إلا إذا تصورنا اكتمال ‘الإنجماع الكلي’ الأخير لجنسنا في المسيح عن طريق الاندماج السرائري لأفراده الضالين والخطاة فيه (أي في المسيح).

بل يمكن القول في الواقع بأن الشفاء والتقديس بواسطة الأسرار يمثل الغاية التي تقود إليها بشكل طبيعي الطريقة الطبية* لتصور ‘الميل الفطري للخطية’ التي يفضلها الفكر اليوناني*، تمامًا كما أن الغفران والتبرير القانونيين هما الغاية التي يفترضها المفهوم القضائي الأكثر ملائمةً للعقلية اللاتينية*”.

  1. P. Williams, Ideas of the fall and of original sin: A Historical and Critical Study, (London, New York & Toronto: Longsmans, Green & Co., 1929), p. 292.

اختلاف مفاهيم اللاهوت الشرقي والغربي في تدبير الخلاص – د. أنطون جرجس

تدبير الخلاص بين آباء الكنيسة وتوما الأكويني – د. أنطون جرجس

تدبير الخلاص بين آباء الكنيسة وتوما الأكويني – د. أنطون جرجس

تدبير الخلاص بين آباء الكنيسة وتوما الأكويني – د. أنطون جرجس

 

كانت تراودني من فترة فكرة كتابة هذا المقال من أجل توضيح الفرق الهائل في المفاهيم الخاصة بتدبير الخلاص بين آباء الكنيسة ولاهوت العصر الوسيط وبالخصوص اللاهوت المدرسي، الذي خير من يمثله هو الأب توما الأكويني، الذي قرأته له كثيرًا، وهكذا وجدت اختلافات تكاد تكون جذرية بين مفاهيم تدبير الخلاص بين آباء الكنيسة وتوما الأكويني ممثلاً عن اللاهوت المدرسي في العصر الوسيط. لذا قررت أن أعرض نقاط الاختلاف بين الطرحين في هذا المقال.

سأبدأ بعرض أفكار توما الأكويني عن تدبير الخلاص، ثم سأقوم بعرض أفكار آباء الكنيسة، عاقدًا مقارنة بين الطرحين، من أجل إظهار الاختلافات الجذرية بين الطرحين الآبائي والأكويني.

 

يتحدث الأكويني أولاً عن آلام المسيح كترضية واستحقاق عن البشر، مقارنًا بين القدرة على الفعل وممارسة الفعل ذاته، حيث يقول التالي:

“لذا، من الواضح، كما نرى من هذه المناقشة، أخذ المسيح بعض نقائصنا في نفسه، ليس عن اضطرار، بل من أجل غرض محدد (أي من أجل خلاصنا). ولكن كل قوة، وكل عادة، أو قدرة معينة فهم من أجل فعل كنهايتهم. لذا القدرة على المعاناة لم تكف للترضية أو الاستحقاق بمعزل عن المعاناة الفعلية. حيث يُدعى الشخص صالحًا أو شريرًا، ليس لأنه قادر على ممارسة الأعمال الصالحة أو الشريرة، بل لأنه يمارسها، ويتم تقديم المدح أو اللوم كما ينبغي لا من أجل القدرة على العمل، بل لممارسة العمل”.

Aquinas, Thomas, Shorter Summa, Trans. By Cyril Vollert, (Manchester, New Hanpshire: Sophia Institue Press, 1993), p. 227- 228, 289.

يستطرد الأكويني في شرحه لسر الفداء من خلال مبدأ إيفاء مطالب خطايانا وخطية آدم الأب الأول، حيث يقول التالي:

“وبالتبعية، من أجل خلاصنا، لم يكن المسيح يقصد ببساطة أن يجعل قابليتنا للألم نصيبًا له، بل أراد حقًا أن يتألم لكي ما يوفي مطالب خطايانا. احتمل لأجلنا هذه الآلام التي نستحق أن نتألم بها نتيجة خطية أبينا الأول. وأول هذه الآلام هو الموت، الذي تؤول إليه جميع الآلام البشرية الأخرى كما إلى تعبيرهم النهائي. ‘لأن أجرة الخطية هي موت’ كما يقول الرسول في (رو٦: ٢٣)”.

Ibid.

كما يتحدث الأكويني عن البدلية العقابية في سياق شرحه لتدبير الخلاص كالتالي:

“ووفقًا لذلك، أراد المسيح أن يخضع للموت من أجل خطايانا، لذا في اتخاذه لنفسه من دون أي خطأ خاص به العقوبة الموجهة ضدنا، كي ما يحررنا من الموت المحكوم به علينا، بالطريقة التي سوف يصير بها كل شخص حرًا من دين العقوبة، إن أخذ شخص آخر على عاتقه أن يدفع العقوبة له”.

Ibid.

كما يتحدث الأكويني عن موت المسيح كمجرد نموذج ومثال لنا على الفضيلة الكاملة، وليس عن وجودنا الكياني في المسيح كما سنرى عند آباء الكنيسة كالتالي:

“كما أراد المسيح أيضًا أن يموت كي ما يكون موته مثالاً للفضيلة الكاملة لنا. لقد أعطى مثالاً للحب ‘لأنه ليس حب أعظم من هذا، أن يضع الإنسان ذاته لأجل أحبائه’ (يو١٥: ١٣). وكلما تكون الآلام كثيرة وبشعة، التي لا يرفض المرء أن يتحملها لأجل رفيقه، يظهر حبه على نحو مدهش”.

Ibid.

نلخص في نقاط بسيطة تعليم الأكويني عن سر الفداء، أولاً، فكرة القدرة على المعاناة وممارسة المعاناة الفعلية كترضية من أجل البشر، ثانيًا، فكرة إيفاء مطالب خطايا البشر وخطية آدم الأصلية، ثالثًا، فكرة الإبدال العقابي النيابي شخص يتم معاقبته عوضًا عن شخص آخر، رابعًا، آلام المسيح وموته مجرد نموذج ومثال لنا على الفضيلة الكاملة لكي نتمثل بها فقط.

نجد تعارض هذه الأفكار التي طرحها الأكويني مع تعاليم آباء الكنيسة السابقين عليه، وسوف نقوم باستعراض أفكارهم بشأن تدبير الخلاص كما فهموه.

نجد آباء الكنيسة يتحدثون عن وجودنا الكياني في المسيح أثناء تدبيره وعمله الخلاصي على العكس من نظرية البديل الذي يقوم بكل شيء من أجل البشر بمعزل عنهم.

 نبدأ بالقديس أثناسيوس الذي يتحدث عن وجودنا الكياني في المسيح عند موته كالتالي:

“كما أننا في المسيح متنا جميعًا بموته، هكذا في المسيح نفسه نرتفع أيضًا، إذ نقوم من الأموات ونصعد إلى السماوات”.

(ضد الاريوسيين ١: ١٤)

   كما يتحدث ق. أثناسيوس عن موت الجميع في المسيح مؤكدًا على وحدة الجنس البشري في المسيح آدم الجديد، حيث يقول التالي:

“لكي إذا كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يبطل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفذ في جسد الرب، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر”.

(تجسد الكلمة ٨: ٤)

يتحدث ق. كيرلس في نفس السياق مؤكدًا على فكرة وجودنا الكياني في المسيح أثناء صلبه كالتالي:

“ونحن قد صُلبنا معه لما صُلب جسده الذي كانت فيه كل طبيعتنا”.

(تفسير رومية ٦: ٦)

    وهذا ما يؤكده ق. كيرلس في موضع آخر داحضًا فكرة البديل، ومؤكدًا على فكرة شركتنا مع المسيح بالطبيعة في عمله الخلاصي، حيث يقول:

“ومن أجل منفعتنا يقول إن الكلمة سكن فينا، لكي يرفع الحجاب عن السر العميق، لأننا نحن جميعًا في المسيح، والجماعة المشتركة في الطبيعة الإنسانية ارتفعت إلى شخصه، وهو ما جعله يُدعى ‘آدم الأخير’ (١كو١٥: ٤٥) واهبًا بغنى للطبيعة الإنسانية المشتركة كل ما يخص الفرح والمجد”.

(تفسير يوحنا ١: ٩ على آية يو ١: ١٤)

ويؤكد أيضًا ق. غريغوريوس اللاهوتي على نفس الفكرة حول وجودنا الكياني في المسيح في تدبيره الخلاصي، مؤكدًا على المبادلة الخلاصية الشفائية بيننا وبين المسيح، حيث يقول التالي:

“بالأمس صُلبت مع المسيح، واليوم أتمجد معه، بالأمس مت معه، واليوم نلت الحياة به، بالأمس دُفنت معه، واليوم أقوم معه…. وكما تشبه المسيح بنا، فلنتشبه نحن أيضًا به، صار إنسانًا لكي يؤلهنا، قَبِلَ كل ما هو قابل للفساد حتى يهبنا الأسمى، صار فقيرًا حتى نغتني نحن بفقره، أخذ شكل العبد كي نسترد حريتنا، أتضع كي يرفعنا، جاز التجربة كي نغلب نحن به، أُهين ليمجدنا، مات ليخلصنا، صعد إلى السماء ليجذبنا إلى نفسه، نحن الذين سقطنا في وهدة الخطية”.

(العظة الفصحية الأولى PG 35: 396-407)

ونفس الشيء نجده عند ق. غريغوريوس النيسي الذي يتحدث عن المبادلة الشفائية والتأله بالنعمة في المسيح، داحضًا فكرة البديل العقابي التي رأيناها عند الأكويني، كالتالي:

“ولم يترك الخطية واللعنة والضعف بلا شفاء، بل قد ‘ابتُلع المائت من الحياة’، ولقد ‘كان مصلوبًا في ضعف، ولكنه حي في قوة’، وتحولت اللعنة إلى بركة. حيث امتزج كل شيء ضعيف ومائت في طبيعتنا مع الألوهية، وصار ما تكونه الألوهية”.

(الرسالة إلى البابا ثيؤفيلوس السكندري ضد الأبوليناريين)

   يتحدث النيسي أيضًا في موضع آخر مؤكدًا وجودنا الكياني في المسيح أثناء عمله الخلاصي،والمبادلة الخلاصية بيننا وبينه، وكيف آله اللاهوت كياننا البشري فيه بالنعمة كالتالي:

“لأنه حتى إن كانت طريقة حضور الله فينا ليست هي نفسها كتلك الحالة السابقة، إلا أننا نعترف أن وجوده فينا الآن وآنئذاك هو متساوي. فالآن هو يختلط بنا، باعتباره حافظ الطبيعة في الوجود، ومن ثم قد اختلط بكياننا حتى من خلال شركة اللاهوت يصير كياننا متألهًا، منعتقًا من الموت، ومتحررًا من طغيان الخصم. لأن عودته من الموت صارت بداية عودة جنسنا من الفناء إلى الحياة غير المائتة”.

(العظة التعليمية الكبيرة ٣: ٢٥: ٢)

هكذا في الأخير أحبائي يتضح لنا اختلاف المفاهيم حول سر تدبير الخلاص بين توما الأكويني ممثلاً عن اللاهوت المدرسي في العصر الوسيط، وبين آباء الكنيسة الذين يرونا في تدبير الخلاص مبادلة خلاصية شفائية وليست عقابية، والذين يؤكدون على وجودنا الكياني في المسيح أثناء تدبيره الخلاصي، وإنه ليس مجرد مثال على فضيلة البذل والحب وكأنه منفصل عنا، بل نحن ندخل ونتحد معه في عمق السر الإلهي العجيب الذي صنعه لأجلنا. لم يكن المسيح مجرد ترضية أو إيفاء لدين خطية آدم وخطايانا كما يعلم البعض في أيامنا، بل هو متحد بنا وبطبيعتنا ليؤلهنا ويؤله طبيعتنا فيه، ويبدل الموت بالحياة، والظلمة بالنور، والغلبة بالنصرة، واللعنة بالبركة، والضعف بالقوة.

تدبير الخلاص بين آباء الكنيسة وتوما الأكويني – د. أنطون جرجس

بك أم بابنك نلنا الخلاص؟ – د. أندرو يوسف

بك أم بابنك نلنا الخلاص؟ – د. أندرو يوسف

بك أم بابنك نلنا الخلاص؟ – د. أندرو يوسف

الخلاص هو عطية وحياة الثالوث المُقدمة للبشرية:

+ الآب يُخلص العالم بإرسالية الابن ليصير واحدًا منا كي نصير نحن واحدًا معه. 

+ الابن يُخلص العالم باتخاذه جسدًا بشريًا مُحيى بنفس عاقلة من العذراء مريم والدة الإله وعمل الروح القدس، وبصيرورته إنسانًا مر بكل متاعب الحياة الإنسانية “فيما تألم مجربًا يقدر أن يُعين المجربين” (عبرانيين ٢: ١٨)، وبآلامه الشافية المحيية، وبقيامته من بين الأموات أعطانا عطية القيامة والخلود وعدم الفساد وسائر الأدوية المؤدية إلى الحياة.

+ الروح القدس يُخلص العالم بإرساليته من قِبَل الابن لُيذكرنا بكل ما قاله لنا الابن (يوحنا ١٤: ٢٦)، وبحلوله في كل واحد منا كهيكل لله (١ كورنثوس ٣: ١٦) مُعينًا كل شخص لقبول هدية الخلاص والتبني بالاعتراف بيسوع المسيح كرب (١ كورنثوس ١٢: ٣) وبعمله السرائري يثنى لنا أن نثبت في المسيح وهو فينا (يوحنا ١٥: ٤) كأغصان في الكرمة الحقيقية (يوحنا ١٥: ١). 

+ الكنيسة تُخلص العالم كونها امتداد لوجود السيد المسيح على الأرض بعد صعوده إذ أنها جسده وعروسه، وكونها مستودع العقيدة والتقليد والأسرار، وكون أمومتها تعكس أمومة والدة الإله. فإن ولدت العذراء الكلمة بالجسد من رحمها البتولي، كذلك نحن، جسد الكنيسة، نولد كأبناء لله أبانا من رحم الكنيسة أمنا، أي جُرن معموديتها.

على المستوى العملي، يتحقق خلاص الشخص بقبوله عطية الخلاص في شركة جماعة المؤمنين السرائرية. يقول ق. بولس الرسول: “إذًا يا أحبائي… تمموا خلاصكم بخوف ورعدة، لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل المسرة” (فيلبي ٢: ١٢-١٣). إذن هو يعمل ونحن نعمل: “العامل فيكم (أي الله)… أن تعملوا (نحن)” لأجل تحقيق الخلاص. ومن هنا تثّبت مفهوم الخلاص الأرثوذكسي على قاعدة العمل المشترك بين الله والإنسان أو ما يُعرف بالسنرچيا.

على المستوى الأسري، يقول ق. بولس الرسول عن الأم أنها “ستخلص بولادة الأولاد” (١ تيموثاوس ٢: ١٥).

على المستوى الاجتماعي، يتحقق الخلاص مع الأخر كقول ق. أنطونيوس العظيم: “إن حياتنا وموتنا مع أخينا. إن ربحنا أخانا، ربحنا الله. وإن خسرنا أخانا، خسرنا الله”.

على المستوى الكنسي والكرازي، لا يُفصل الأسقف أو الكاهن كلمة الحق باستقامة بمعزل عن الروح القدس المُذكر إيانا بكل كلمة الحق التي أعلنها الكلمة المتجسد وحافظ التسلسل الرسولي والتقليد الكنسي.

بناء عليه، الله هو مخلص الإنسان بشكل أساسي ولا يليق أن يُقال إن هناك مخلص أخر معه بالمعنى الحرفي أو المطلق (والنص الليتورجي يقول “بك نُلنا الخلاص” وليس أنت المخلصة أو ما شابه).

إن كان الخلاص إعادة خلق، بحسب تعبير ق. أثناسيوس الرسولي، في كتابه “تجسد الكلمة”، إذن فقط الخالق هو من يستطيع أن يُعيد عملية الخلق من جديد لتجديد طبيعتنا. فحين قرر في ملء الزمان أن يصير واحدًا منا ليعيد خلقتنا، لم يُحقق هذا بمعزل عن الإنسان بل صار واحدًا مننا بواسطة امرأة من طبيعتنا، أي مريم ابنة يواقيم. فجُعل من دور والدة الإله، الأم-العذراء، الأمومي دورًا خلاصيًا—بمعنى أنها جعلت الخلاص بتجسد الكلمة ممكنًا—بإعطائها كل عجينة البشرية لطفلها الإلهي الذي كان قبلاً إلهاً فقط لكن بواسطتها صار الإله-الإنسان أو الإله المتجسد.

على وجه العموم، ينبغي التمييز في الأمور اللاهوتية بين ما هو مُطلق وما هو نسبي. قال السيد المسيح “أنا هو نور العالم” (يوحنا ٨: ١٢) لكنه لم ينأى عن دعوتنا “أنتم نور العالم” (متى ٥: ١٤)، وقال كذلك “أنا هو الراعي الصالح” (يوحنا ١٠: ١١) لكنه لم يستكنف من أن يُقال عن الأساقفة أنهم يرعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه (أعمال الرسل ٢٠: ٢٨).

فهو النور الحقيقي ونحن نستمد النور منه ونعكسه للأخر فيروا أعمالنا فيمجدوا أبانا الذي في السموات وبهذا نصير سببًا في خلاص الأخرين إن قبلوا ذات الإيمان الذي صيرنا نورًا العالم. هذه الحقيقة دفعت المطران المتنيح باولص غريغوريوس في كتابه “الحضور الإنساني: الروحانية الإيكولوچية وزمن الروح” ليقول بشيء من المجاز: “الإنسان في المسيح مخلص للعالم: يعيده [أي العالم] لله ليمتلئ حقًا بمجده”.

كذلك المسيح هو الراعي الحقيقي وأسقف نفوسنا (١ بطرس ٢: ٢٥)، ولكنه وهب نعمة الكهنوت على البعض كي يصيروا أساقفة ورعاة وكهنة خدامًا للكلمة.

فإن كان لأخوتنا وأبائنا وأمهاتنا دورًا في إتمام خلاصنا بخوف ورعدة، كم بالحري دور تلك التي تشكل بواسطتها إنسانية الكلمة المتجسد؟ وإن كنا نؤمن بما نصلي في أوشية الإنجيل بحسب طقس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية عينها أن “المسيح هو حياتنا كلنا وخلاصنا كلنا ورجاؤنا كلنا وشفاؤنا كلنا وقيامتنا كلنا”، فكيف نناله—أي المسيح، خلاصنا—بمعزل عمن بواسطتها صار واحدًا مننا؟

في النهاية، أذكرك بكلمات ق. بولس الرسول حين قال “الذي جعلنا كفاة لأن نكون خدام عهد جديد. لا الحرف بل الروح. لأن الحرف يقتل ولكن الروح يحيي.” (2 كو 3: 6). حتى إن وُجدت مصطلحات أخرى خاطئة يستحيل فهمها بشكل أرثوذكسي، ينبغي أن تُضبط بطريقة ومنهج رعوي يضع بعين الاعتبار صدى هذا التصحيح على خلاص النفوس (خصوصًا تلك غير المتمرسة في الأمور اللاهوتية).

بك أم بابنك نلنا الخلاص؟ – د. أندرو يوسف

Exit mobile version