مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي – د. أنطون جرجس

الرد على المشككين والمضللين في صحة ما قلناه عن مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي، حيث خرج البعض علينا عن جهل وعن عدم دراسة ليشكك في قولنا بأن ق. غريغوريوس اللاهوتي لم يقل بتقديم الفدية للآب، ويتهمنا بالتزويير، ولكننا سنبين لهم أنهم هم المزورين، والمضللين، ويرمون الباحثين بالباطل والكذب.

في الواقع، رفض ق. غريغوريوس اللاهوتي تقديم الابن كفدية للآب، وهذا سوف نقوم بإثباته من خلال نصوص ق. غريغوريوس اللاهوتي التي تحدثت عن مفهوم الفدية. ثم سنقوم بعرض آراء الأساتذة واللاهوتيين المعروفين على مستوى العالم التي تدعم طرحنا بخصوص مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي، ثم سنقدم تفسيرنا لهذا النص محل النقاش الذي تدعمه آراء الأساتذة اللاهوتيين المعروفين في العالم الأكاديمي، ولهم ثقل كبير في هذه الأمور.

يستخدمون نص ق. غريغوريوس اللاهوتي في عظته الفصحية الثانية رقم ٤٥ والتي تحدث فيها عن موضوع الفدية لمن قُدمت؟ وسوف أقوم بعرض ترجمتين مختلفتين لهذا النص أحدهما من ترجمة القس لوقا يوسف عن مجموعة الآباء اليونان باترولوجيا جريكا PG والترجمة الأخرى ترجمتي أنا لنفس النص من مجموعة آباء ما بعد نيقية السلسلة الثانية والمجلد السابع NPNF.

يناقش معلمنا ق. غريغوريوس اللاهوتي في عظته الفصحية الثانية موضوع الفدية كالتالي:

“والآن لنفحص حقيقة أخرى والتعليم اللذين أغفلهما الكثيرون، والتي بالنسبة إلىَّ تستحق فحصها بتوسع: إلى مَن أُعطي الدم الذي سُفك من أجلنا؟ ولأي شيء سُفك الدم العظيم والمعروف جيدًا، دم الإله ورئيس الكهنة والذبيحة في الوقت نفسه؟ لأننا نوجد تحت عبودية الشرير، ومبيعون بالخطيئة مقابل تمتعنا بالشر والرذيلة.

والآن، إن لم تكن الفدية لأجل مَن كان تحت العبودية، فإني أتساءل: لمَّن قُدمت؟ ولأي سبب؟ إذا قُدمت لأجل الشرير، فليبعد عني مثل هذا التجديف! إن كان اللص يأخذ فدية ليس من الله فقط، بل الله نفسه، ويأخذ أجرًا رفيعًا من أجل استبداده بالبشر حسب رغبته، فلأجل مَن يكون من العدل أن يشفق علينا؟ إن كان لأجل الآب، فسؤالي الأول هو: كيف؟ لأننا لم نكن مُقيدين من قِبله. وسؤالي الثاني هو: لأي سبب كان دم الوحيد الجنس مسرةً الآب*، الذي لم يقبل حتى إسحاق حينما كان أبوه يقدمه كذبيحة، بل بدّل الذبيحة واضعًا حملاً عوضًا عن الذبيحة العقلية؟

ومن ثم، فإنه من الواضح أن الآب يأخذ دون أن يسأل أو يلتمس، ولكن من أجل تدبير الخلاص، ولأنه كان يجب أن تتقدس الإنسانية بإنسانية الله، حتى يحررنا المسيح نفسه، ويقهر الشيطان الطاغية، ويجذبنا إلى نفسه بوساطة ابنه الذي دبر هذا كرامةً لأبيه الذي يعطي الابن كل شيء. لقد تحدثنا كثيرًا عن المسيح، وبقى أن نكرمه بالأكثر بصمتنا”. (تمت الترجمة من PG 36: 624- 663).

غريغوريوس اللاهوتي (قديس)، عظات القيامة (العظة الفصحية الثانية)، ترجمة: القس لوقا يوسف، مراجعة: الأنبا إرميا، (القاهرة: المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، ٢٠١٥)، عظة ٤٥: ٢٢،  ص ٣٨، ٣٩.

سأقوم بعرض ترجمتي الخاصة لنفس النص من مجموعة آباء ما بعد نيقية لمقارنة النص المترجم عن اليوناني والنص المترجم عن الإنجليزي للوصول إلى أفضل فهم لمعنى النص كالتالي:

“ينبغي أن نفحص الآن حقيقة أخرى، وتعليم يهمله أغلب الناس، ولكنه يستحق في رأيي البحث فيه. لمَّن قُدم هذا الدم المسفوك لأجلنا؟ ولماذا سُفك؟ أقصد الدم الثمين والمعروف جدًا لإلهنا ورئيس الكهنة والذبيحة. لقد قيدنا الشرير في العبودية، مباعين بالخطية، ومستمتعين في المقابل بالشر.

الآن، ما دامت الفدية تخص فقط مَن يستعبدنا، لذلك أتساءل لمَّن قُدمت هذه (الفدية)؟ ولأي سبب؟ إن كانت للشرير، فإنني أستنكر هذه الإساءة! إذ أن السارق يأخذ الفدية، لا فقط من الله، بل الفدية هي الله نفسه، ويمتلك هذا الثمن الغالي من أجل استبداده، الثمن المستحق الذي سعى من أجله لكي يحررنا تمامًا. ولكن إن كانت للآب، فأتساءل

أولاً: كيف؟ لأنه لم يكن هو الذي كنا تحت سطوته.

وثانيًا، على أي أساس يسُر الآب دم ابنه الوحيد، الذي لم يقبل حتى بإسحاق عندما قدمه أبوه، بل استبدله بذبيحةٍ، واضعًا كبشًا عوضًا عن الذبيحة البشرية*؟ أليس من الواضح قبول الآب له، ولكنه لم يطلبه، ولم يحتاجه، بل من أجل التجسُّد، ومن أجل أن البشرية ينبغي أن تتطهر ببشرية الله، لكي ما يخلصنا لنفسه، ويغلب الطاغية، ويجتذبنا إلى نفسه بوساطة ابنه، الذي دبر ذلك كرامةً للآب، الذي من الواضح أنه يطيعه في كل شيء؟ وهكذا قد تحدثنا كثيرًا عن المسيح، وأعظم ما يمكننا قوله هو إكرامه في صمت”.

Gregory of Nazianzus (St.), The Second oration on Easter (NPNF 2- 07), Trans. By Charles Gordon & James Edward, Edit. By Philip Schaff, (Michigan, CCEL, Grand Rapids, 1819- 1893), Or. 45: 22, p. 847, 848.

للأسف الشديد يُحرّف البعض معنى نص الفدية الذي للقديس غريغوريوس اللاهوتي بذهنية وعقلية لاهوت العصر الوسيط، واللاهوت المدرسي، والبروتستانتي، ليجعله مناسبًا لقناعاته المغلوطة والخاطئة عن تدبير الخلاص، حيث يرى أن العقوبة من الآب، والآب يأخذ الابن ليعاقبه فديةً بدلاً عنا وعن عقوبة خطايانا، وهذا ضلال وبهتان، وبعيد كل البعد عن المعنى المقصود في النص.

حيث يرفض النزينزي تقديم الابن كفدية للآب، لأن الآب لم يأسرنا ولم يسبينا، ولا يمكن أن يُسر برؤية دم ابنه الوحيد مسفوكًا، كأنه إله سادي يتلذذ ويُسر ويستمتع بسفك دماء ابنه الوحيد، يا لضلال! ويا لفداحة! ويا لسادية! هؤلاء الذين لا يقبلون ذلك على أبنائهم، ويقبلونه ببساطة على الآب أن يصنعه في ابنه لكي يستمتع بسفك دمائه، واحسرتاه! إنهم فقدوا عقولهم، وعميت أبصارهم، وأظهروا طبائعهم غير الآدمية.

سأقوم بعرض نصوص أخرى عن الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي للوقوف على أفضل تصور لمفهوم الفدية عنده، حيث يتحدث في عظة رقم ١٤ عن محبة الفقراء بخصوص تقديم الابن نفسه كفدية من أجل حياة العالم، ويعدد بعد ذلك بركات هذه الفدية وسر الخلاص الجديد من الحصول على طريق الحياة، والقضاء على الموت، وإكليل النصرة على الذي هزمنا، وعطايا الشركة في الروح القدس قائلاً:

“لقد أظهر الرحمة نحونا بطرق عظمى، وفوق كل شيء، بإعطاءنا الناموس والأنبياء، وحتى قبلهما بإعطاءنا ناموس الطبيعة غير المكتوب، معيارًا للحكم على جميع أعمالنا، يفحصنا، وينصحنا، ويدربنا، وأخيرًا، قد أعطى نفسه فديةً من أجل حياة العالم. وقد أنعم علينا بالرسل، والإنجيليين، والمعلمين، والرعاة، والأطباء، والعلامات المذهلة، طريقًا يقود إلى الحياة، والقضاء على الموت، وإكليل النصرة على مَن هزمنا، وعهدًا في الظل، وظلاً في الحقيقة، وعطايا جعلتنا نشترك في الروح القدس، سر الخلاص الجديد”.

Brian E. Daley, Gregory of Nazianzus (The early Church Fathers), Edit. By Carol Harrison, (London, New York: Routledge, 2006), Or. 14: 27, p. 90, 91.

ويناقش ق. غريغوريوس اللاهوتي موضوع الفدية في قصيدة لاهوتية له، حيث يرفض تقديم الابن كفدية للشيطان، كما يستنكر أيضًا تقديم الابن كفدية للآب، لأن الآب لم يأسرنا أو يسبينا، أو يضعنا في الأسر، ويتعجب ق. غريغوريوس كيف يمكن أن يتم سبي ماسح المسيح (أي الله) ووضعه في الأسر، ويقول إننا نقبل بهذه النماذج المقبولة في عالم السماويات، أي يمكننا قبول هذه كرموز ونماذج للأمور المقبولة في السماويات قائلاً:

“لذا أتساءل: لمَّن سُفك دم الإله؟ إن كان للشرير – فيا للأسف! أن يُقدم دم المسيح للشرير! ولكن إن قلت لله – كيف يمكن أن يكون هذا، في حين أننا كنا مستعبدين لآخر (غير الله)؟ فالفدية تخص مَن يحتجز الأسرى دائمًا. أ يمكن أن يكون هذا حقًا، أن يُقدم ذبيحةً لله لكي ما ينتزعنا الله نفسه بعيدًا عن سلطان مَن يأسرنا، ويأخذ المساوي لمَّن أنزل المسيح؟ لأنه لا يمكن أن يؤخذ ماسح هذا المسيح في الأسر. وهذا هو ما نعتقده. ولكننا نقبل بالنماذج المقبولة في السماويات”.

Poemata Dogmatica, I, VIII, 65- 69, Migne XXXVII, 470.

ونستعرض نص آخر للقديس غريغوريوس اللاهوتي يتحدث فيه عن مفهوم الفدية، حيث يرى أن الفدية والمصالحة تتمثل في استردادنا لحريتنا بأخذ الابن لشكل العبد، وارتفاعنا بنزوله، وتمجيدنا بإهانته، وخلاصنا بموته، وانتشالنا من محنة الخطية بقيامته كالتالي:

“لقد أخذ شكل العبد لكي ما نسترد حريتنا، نزل لكي ما نرتفع، جُرب لكي ما ننتصر، أُهين لكي ما يُمجِّد، مات لكي ما يخلص، قام لكي ما يجتذبنا إلى نفسه، نحن الذين كنا راقدين في محنة الخطية. أعطى الجميع، وقدم الجميع، لمَّن أسلم ذاته فديةً ومصالحةً لأجلنا”.

Oliver B. Langworthy, Gregory of Nazianzus’s Soteriological Pneumatology, (Germany, Tunmbingen: Mohr Siebeck, 2019), Or. 1. 5. SC 247, 78, p. 53.

سوف أستعرض الآن آراء الأساتذة الأشهر في العالم الذين قرأوا وفسروا نص الفدية للقديس غريغوريوس اللاهوتي بلغته اليونانية، وكيف إنهم لم يروا أن ق. غريغوريوس اللاهوتي يتحدث عن تقديم الابن كفدية للآب. ونصيحة للأخوة المشككين والمضللين، لا يمكننا أن نقرأ نصوص الآباء ونفسرها بقناعاتنا المسبقة وبحسب أهوائنا الشخصية، بل لا بد من الرجوع إلى المتخصصين والأساتذة في علم الآباء وتاريخ العقائد لنتأكد هل فهمنا للنص صحيح وعليه إجماع أكاديمي من أشهر الأساتذة في هذا المجال أم لا؟ حتى لا نضل أنفسنا ونضل الآخرين بخزعبلات وتأويلات شخصية خاصة بنا لنصوص الآباء.

يتحدث البروفيسور جوستاف ألين Gustave Aùlen وهو أسقف ولاهوتي سويدي لوثري (بروتستانتي)، وصاحب أشهر كتاب عن عقيدة الفداء والخلاص باسم “كريستوس فيكتور” عن مفهوم الفدية عند ق غريغوريوس اللاهوتي، حيث يؤكد ألين أن ق. غريغوريوس اللاهوتي يرفض تقديم الابن كفدية للآب قائلاً:

“في النهاية، يرفض ق. غريغوريوس النزينزي فكرة الفدية تمامًا، ولا يسمح بدفع الفدية سواء للشيطان، ولا حتى لله، لأننا لم نكن، كما يقول، مأسورين ومستعبدين لله”.

Gustave Aùlen, Christus Victor: An Historical Study of The Three Main Types of The Idea of Atonement, Trans. By A. G. Hebert, Forwarded by Jeroslav Pelikan, (London: S. P. C. K., 1975), P. 50.

ويتحدث البروفيسور جون كيلي John Kelly أستاذ تاريخ العقيدة بجامعة أكسفورد بإنجلترا عن مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي، ويوضح رفض ق. غريغوريوس اللاهوتي لفكرة تقديم الابن كفدية للآب كالتالي:

“استمر ق. غريغوريوس (النزينزي) في إثبات أن دم المسيح لم يكن فديةً مدفوعةً، بالمعنى الدقيق للكلمة، لله الآب أيضًا، لأنه لا يُعقل أنه قد استمتع بدم ابنه الوحيد. بل على العكس، حقيقة قبول الآب لها، لم يكن بسبب أنه قد طالب بها، أو أحتاج إليها، بل بسبب أنه كان يليق في تدبير الخلاص أن يتم استعادة التقديس للطبيعة البشرية من خلال البشرية (الناسوت) التي أتخذها الله. أما بالنسبة إلى إبليس، فقد هُزِم بالقوة”.

  1. N. D. Kelly, The Early Christian Doctorines, (London: Adam & Charles Black, 1968), p. 383, 384.

ويتحدث البروفيسور هستنجس راشدال Hasings Rashdall أستاذ تاريخ العقيدة المعروف عن مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي، ويؤكد على أن ق. غريغوريوس اللاهوتي يرفض مفهوم الفدية على الإطلاق سواء للشيطان أو للآب، ويستعرض أسباب ق. غريغوريوس اللاهوتي في ذلك قائلاً:

“ولكن يرفض [ق. غريغوريوس] أن تكون فدية على الإطلاق في الخطبة المخصصة تحديدًا لعقيدة الخلاص: لأنه من المستهجن الاعتقاد بأن السارق يمكنه أن يأخذ الله نفسه كثمن مدفوع لأجلنا، لذلك يتساءل: إن كانت مدفوعة للآب.

فأولاً، قد يتساءل المرء: كيف؟ لأنه لم يكن [الآب] هو الذي احتجزنا كسجناء.

ثانيًا، كيف يمكن أن يُعقل أن الآب يُسر ويستمتع بدم الابن الوحيد، وهو الذي رفض إسحاق، عندما قدمه والده، بل وضع كبشًا عوضًا عن الذبيحة العقلية. وبالتالي، يتضح أنه إذا قَبِل الآب دم ابنه، فليس لأنه قد طالب به، أو كان في حاجة إليه، بل بسبب تدبير الخلاص، وبسبب حاجة الإنسان إلى التقديس بما كان إنسانيًا في الله لكي ما يخلصنا في ذاته، منتصرًا على الطاغية بالقوة، ولكي ما يرجعنا إلى ذاته بوساطة ابنه، الذي قد صنع كل شيء من أجل مجد الآب، الذي يبدو واضحًا أنه قد خضع له في كل شيء

.Oration 45, 22, Migne 36. 654.

Hastings Rashdall, The Idea of Atonement in Christian Theology, (London: MacMillian & Co., 1919), p. 309, 310.

سوف استكمل في بوستات قادمة باقي الردود على المشككين والمضللين في النقاط التي أثاروها ضد مقالاتي لإظهار تزييفهم، وتحريفهم، وجهلهم، بمعاني نصوص الآباء كما قالها الآباء، وفهمها الشراح من الأساتذة والباحثين المرموقين على مستوى العالم.

يُتبع

مفهوم الفدية عند ق. غريغوريوس اللاهوتي – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير – د. أنطون جرجس

مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير – د. أنطون جرجس

نستكمل معًا أحبائي سلسلة الرد على الجهلاء، والمزورين، والمشككين في فهمنا لفكر الآباء عن موضوع الفدية عامةً، وبالخصوص ق. باسيليوس محل نقاشنا في هذه المقالة.

لا بد من التنويه أولاً أن موضوع الفدية هو نوع من مجاز الحروب والمعارك والأسر، استخدمه الكتاب المقدس ليشرح به أمور روحية تشبه الحرب والأسر، ولكنها للأسف غير منظورة، فهي حرب روحية بين الله وملائكته والبشر وبين أجناد الشر الروحية في السماويات.

لذا لجأ الآباء إلى تفسير موضوع الفدية من خلال التقليد والكتاب المقدس، وكان في فكرهم أنه ما دام الشيطان هو الذي يأسر أرواح البشر في الجحيم قبل مجيء وتجسد وخلاص المسيح، فلا بد أنه هو المسيطر عليهم بإرادتهم لأنهم أرادوا الاستمتاع بالشر والخطية تحت سلطانه، لذا منطقيًا البشر مأسورين تحت عبودية إبليس، ولا بد من فك أسرهم من إبليس، ويتطلب هذا دفع الفدية لفك سبي هؤلاء المأسورين تحت إبليس.

وهذا المجاز الحربي كان منتشر بين أوساط التدين الشعبي، كما نرى هذه الأيام، وفي نفس الوقت يتحدث الكتاب المقدس عن تقديم المسيح نفسه كذبيحة كفارية لله، لذا كان ق. باسيليوس الكبير يتأرجح ما بين منطقية تقديم الفدية للشيطان لأنه هو الذي يأسر البشر، وليس الله هو الذي يأسر البشر، وفي نفس الوقت، تقديم المسيح نفسه كذبيحة كفارية لله عن البشر باعتباره الإله المتأنس القادر على خلاص البشرية.

للأسف يتهمني المزورين بأنني مَن أحذف وأقتطع من نفسي النصوص لهدف ما في فكري، ولكنني سأتغاضى عن ذلك الهراء، ولكنني أراهم هم الذين يقتطعون أجزاء كاملة عند مناقشتهم لموضوع الفدية عند ق. باسيليوس الكبير، حيث لم يذكروا الجزء الخاص بتقديم الفدية للشيطان عند باسيليوس، وذكروا فقط الجزء الذي يخدم مصلحتهم وأهوائهم الشريرة. لذا سأعرض النص كاملاً على الرغم من طول الفقرة، لكي يتضح إلى القارئ العزيز مدى كذب وتدليس هؤلاء، وصدق عرضنا لموضوع الفدية عند ق. باسيليوس الكبير.

يتحدث ق. باسيليوس الكبير في عظته على مز ٤٨ أو ٤٩ في العظة رقم ١٩ عن تقديم الفدية للشيطان وتقديم المسيح ذبيحة كفارية لله كالتالي:

“اسمعوا أنتم محتاجون إلى الفداء لكي تربحوا حريتكم التي فقدتموها، لأنكم هُزمتم من عنف الشيطان* الذي بعدما جعلكم تحت سلطانه، لن يترككم تتحرروا من استبداده السابق، قبل أن يقتنع بفدية كبيرة ذات قيمة ترضيه*، ويريد أن يقاضيكم بها. إذًا، يجب ألا تكون الفدية مساوية للأسرى*، بل أن تكون مختلفة كثيرًا بحسب القياس، طالما أنه يكون مزمعًا بإرادته أن يحرر الأسرى*.

إن الأخ لا يستطيع أن يحرركم أو يفديكم، ولا يوجد إنسان قادر أن يُقنِع الشيطان* بأن يفك أسر مَن قبض عليه قبلاً من سلطانه*، وذلك بسبب خطايا الإنسان الخاصة، فلا يستطيع أن يقدم ذبيحة كفارية لله. […] فلينصت إلى حقيقة الأمر كله أن كل نفس إنسانية قد خضعت لنير العبودية لعدونا المشترك*، وبعدما فقدت الحرية التي وهبها لها الخالق، تصبح أسيرة الخطية*.

إن كل أسير يحتاج فدية لأجل تحريره*. ولا يقدر أحد أن يفدي نفسه، لأن الفادي لا بد أن يكون أسمى بكثير من الذي هو بالفعل أسير وعبد. لكن على وجه العموم، لا يوجد إنسان له سلطان بالنسبة لله، حتى أن يطلب غفرانًا للخاطئ، لأنه هو نفسه تحت دينونة الخطية، أو تحت حكم الخطية، لأن الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله، متبررين مجانًا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح”.

باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير سفر المزامير ج٢، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢١)، عظة على مز ٤٩، ص ٩٣- ٩٥.

سوف أستعرض الآن آراء الأساتذة والباحثين المعتبرين في العالم كله عن مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير للوقوف على أفضل تصور لمفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير، حيث يعرض هؤلاء الأساتذة الكبار آراء ومفاهيم الأب بكل حيادية وموضوعية، وسوف نجد أن طرحهم يتفق مع طرحنا السابق وطرحنا في هذا المقال لمفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير، الذي كان يفسر موت المسيح متأرجحًا ما بين فرضيتي تقديم المسيح الفدية للشيطان بصورة تقليدية ومنطقية، وتقديم المسيح ذبيحة كفارية لله بصورة كتابية فيما يلي.

يتحدث البروفيسور موزلي Mozley أستاذ تاريخ العقيدة في جامعة كامبريدج بإنكلترا عن مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير باعتبارها ثمن فوري مدفوع للشيطان الذي أسر البشر عنده لأنهم كانوا عاجزين عن إيفاء ما أراده الله كالتالي:

“يربط (باسيليوس) في موضع آخر معنى محدد أكثر بموت المسيح، مفسرًا إياه في أحد عظاته بأنه ثمن مدفوع فوريًا لإبليس*، الذي كان يأسر البشر، وكفارة έξίλασμα عن جميع البشر، لأنهم كانوا عاجزين عن إيفاء ما أراده الله”.

K. Mozley, The Doctrine of The Atonement, (New York: Charles Scribner’s Sons, 1916), p. 109.

ويعلق البروفيسور موزلي في حاشية رقم ٣ على طرحه السابق هذا مؤكدًا على تأرجح فكر ق. باسيليوس ما بين فكر الشيطان وفكر الله قائلاً:

“حيث الانتقال من فكر الشيطان إلى فكر الله يتم بصورة متأرجحة. لأنه يعتمد على المنطق في نقطته الأولى (الفدية للشيطان)، وعلى الكتاب المقدس في نقطته الثانية (ذبيحة كفارية لله). ولكنه لا يتوصل إلى أنها تمثل نظرية حقيقية”

Ibid, n. 3.

ويشرح البروفيسور جون كيلي John Kelly أستاذ تاريخ العقيدة بجامعة اكسفورد مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير أنها كانت مدفوعة للشيطان كالتالي:

“لقد لاقت نفس النظرية تمامًا عن حق الشيطان في إبقاء البشرية تحت العبودية حتى يُمنح تعويضًا مناسبًا، دعمًا مع أخيه الأكبر باسيليوس [المقصود غريغوريوس النيسي الأخ الأصغر للقديس باسيليوس الكبير]. حيث علم (باسيليوس) بخضوع جميع البشر لسلطان رئيس هذا العالم، ولكن المسيح هو وحده القادر على أن ينادي (راجع يو ١٤: ٣٠) بأنه ليس له فيَّ شيء. ومن ثم فإن الفدية ضرورية، إن كان سيتم تحريرهم، ولا يمكن أن تشمل أي إنسان عادي.

لأنه من الصعب إقناع الشيطان بتسليم أسراه عن طريق القبول بمجرد إنسان عادي، لأن مثل هذا الإنسان يحتاج في جميع الأحوال فداءً عن نفسه. ولكن ما نحتاجه هو شخص يفوق الطبيعة البشرية – في الواقع، نحتاج يسوع المسيح الإله-الإنسان. وهكذا نلاحظ أن صور غريغوريوس الغريبة عن الطعم والخطاف (الصنارة) غائبة هنا، ولا يبدو أن باسيليوس يركز على هذه النظرية. ولكنه يتأرجح في نفس السياق بين تفسير موت المسيح على أنه فدية مدفوعة للشيطان وذبيحة مقدمة لله”.

N. D. Kelly, The Early Christian Doctrines, (London: Adam & Charles Black, 1968), p. 382, 383.

يشرح البروفيسور هستنجس راشدال Hastings Rashdall مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير موضحًا أن ق. باسيليوس نادى بتقديم المسيح الفدية للشيطان كلغة معتادة في ذلك العصر بين الأوساط الشعبية لتفسير طبيعة وماهية موت المسيح كالتالي:

“وهناك فقرات يتحدث (باسيليوس) فيها بالطريقة المعتادة عن الحيلة التي تم خداع الشيطان بها لتطويقه بموت المسيح، والبحث عن القضاء عليه. وبالتالي، يقبل باسيليوس اللغة التقليدية دون دفاع أو تفسير، ولكن التركيز على حقوق الشيطان أقل من التركيز على القيمة العليا أو الجدارة لمَّن عُرض عليه كفدية.

إن الفدية ليست أكثر من مجرد وسيلة للتعبير عن ضرورة موت المسيح من أجل مغفرة الخطايا، والتي اعترف بها باسيليوس بشكل رسمي مثله مثل الآباء اليونانيين الآخرين، على الرغم من رغبتهم العامة في جعل الخلاص يعتمد على التجسد ككل.

فيبدو واضحًا أن الطريقة العرضية التي يتطرق بها هؤلاء الكُتاب إلى فكرة دفع الفدية للشيطان، قد لعبت دورًا أكثر في التدين الشعبي اكثر منه في اذهان المتعلمين. لأنها (الفدية) تنتمي إلى التقليد المقبول عامةً، وربما لمجرد أنها كانت مقبولة بالإجماع، لم تكن موضوعًا قابلاً للنقاش، أو أساسًا للتفكير”.

Hastings Rashdall, The Idea of Atonement in The Christian Theology, (London: MacMillian & Co., Limited, 1919), p. 311.

مفهوم الفدية عند ق. باسيليوس الكبير – د. أنطون جرجس

كتاب كيف أفكر؟ أفكارك دواء شاف أو سم زعاف PDF – كاسبر ماكلوود – ليندا لانج

كتاب كيف أفكر؟ أفكارك دواء شاف أو سم زعاف PDF – كاسبر ماكلوود – ليندا لانج

كتاب كيف أفكر؟ أفكارك دواء شام أو سم زعاف PDF – كاسبر ماكلوود – ليندا لانج

كتاب كيف أفكر؟ أفكارك دواء شاف أو سم زعاف PDF – كاسبر ماكلوود – ليندا لانج

 

محتويات الكتاب:

مقدمة الدار 

تنويه 

تمهيد 

مقدمة 

الفصل الاول: افكارنا و القلب 

الفصل الثاني: الفسيولوجي (علم وظائف الاعضاء) الخاص بنا

الفصل الثالث: تشريح لاحدى الافكار 

الفصل الرابع: كيف تصبح الافكار افكارا 

الفصل الخامس: فهم وظيفة المخ 

الفصل السادس: تحطيم لانماط التفكير 

الفصل السابع: دوافغ القلب 

الفصل الثامن: معرفة الحق تحررك 

 الفصل التاسع: كيف اتخيل؟

الفصل العاشر: الاستعداد للنصرة 

الفصل الحادي عشر: كيف يسبب القلب المنكسر امرض؟

الفصل الثاني عشر: رسالة الخلاص 

الفصل الثالث عشر: صلاة من اجل حياة فكرية متجددة 

المراجع

تحميل الكتاب PDF

كتاب لاهوت المشورة المسيحية PDF أكثر من مجرد عقيدة الفداء – جان أدامس (ت: سامح عزمي)

كتاب لاهوت المشورة المسيحية PDF أكثر من مجرد عقيدة الفداء – جان أدامس (ت: سامح عزمي)

كتاب لاهوت المشورة المسيحية PDF أكثر من مجرد عقيدة الفداء – جان أدامس (ت: سامح عزمي)

كتاب لاهوت المشورة المسيحية PDF أكثر من مجرد عقيدة الفداء – جان أدامس (ت: سامح عزمي)

تحميل الكتاب PDF

 

  1. تصدير
  2. مقدمة
  3. الحاجة إلى اللاهوت في المشورة.
  4. اللاهوت والمشورة.
  5. المشورة والإعلان الخاص عقيدة الكتاب المقدس.
  6. المشورة والبيئة الأساسية للإنسان عقيدة الله.
  7. اسم الله والمشورة: عقيدة الله بقية.
  8. المشورة والصلاة عقيدة الله بقية.
  9. المشورة والثالوث: عقيدة الله بقية.
  10. المشورة وحياة البشر: عقيدة الإنسان.
  11. المشورة وخطية البشر عقيدة الإنسان بقية.
  12. المشورة والعادة عقيدة الإنسان بقية.
  13. كيف تؤثر الخطية على الفكر عقيدة الإنسان بقية.
  14. أكثر من مجرد عقيدة الفداء: عقيدة الخلاص.
  15. الغفران في المشورة عقيدة الخلاص بقية.
  16. المشورة وجدة الحياة عقيدة التقديس.
  17. المشورة وثمر الروح عقيدة التقديس بقية.
  18. المشورة والاستئصال الجذري عقيدة التقديس بقية.
  19. المشورة ومثابرة القديسين عقيدة التقديس بقية.
  20. المشورة والألم عقيدة التقديس بقية.
  21. المشورة والكنيسة: عقيدة الكنيسة.
  22. تقديم المشورة لحديثي الإيمان عقيدة الكنيسة بقية.
  23. المشورة والتأديب الكنسي: عقيدة الكنيسة، بقية.
  24. المشورة وأعمال الرحمة: عقيدة الكنيسة، بقية.
  25. المشورة والموت، والاحتضار: عقيدة المستقبل.
  26. المشورة والدينونة: عقيدة المستقبل بقية
  27. الخاتمة

الملحق ماذا تفعل عند تقديم المشورة لغير المؤمن.

كتاب لاهوت المشورة المسيحية PDF أكثر من مجرد عقيدة الفداء – جان أدامس (ت: سامح عزمي)

كتاب مفهوم الخلاص عن طريق الإتحاد بالله – الأب وديد المقاري PDF

كتاب مفهوم الخلاص عن طريق الإتحاد بالله – الأب وديد المقاري PDF

كتاب مفهوم الخلاص عن طريق الإتحاد بالله – الأب وديد المقاري PDF

كتاب مفهوم الخلاص عن طريق الإتحاد بالله – الأب وديد المقاري PDF

تحميل الكتاب PDF

كتاب الكرازة الرسولية – القديس إيرينيوس (مع دراسة عن حياته) PDF مركز دراسات الآباء

كتاب الكرازة الرسولية – القديس إيرينيوس (مع دراسة عن حياته) PDF مركز دراسات الآباء

كتاب الكرازة الرسولية – القديس إيرينيوس (مع دراسة عن حياته) PDF مركز دراسات الآباء

كتاب الكرازة الرسولية – القديس إيرينيوس (مع دراسة عن حياته) PDF مركز دراسات الآباء

تحميل الكتاب PDF

كتاب منظورات الخلاص تكامل ام تناقض؟ PDF جون كيلي – كاليستوس وير

كتاب منظورات الخلاص تكامل ام تناقض؟ PDF جون كيلي – كاليستوس وير

كتاب منظورات الخلاص تكامل ام تناقض؟ PDF جون كيلي – كاليستوس وير

كتاب منظورات الخلاص تكامل ام تناقض؟ PDF جون كيلي – كاليستوس وير

تحميل الكتاب PDF

كتاب الخلاص – في المفهوم الأرثوذكسي – البابا شنودة الثالث PDF

كتاب الخلاص – في المفهوم الأرثوذكسي – البابا شنودة الثالث PDF

كتاب الخلاص – في المفهوم الأرثوذكسي – البابا شنودة الثالث PDF

كتاب الخلاص – في المفهوم الأرثوذكسي – البابا شنودة الثالث PDF

تحميل الكتاب PDF

قصد الدهور – مفهوم الخلاص بكونه اتحادًا بين الله والبشرية

قصد الدهور – مفهوم الخلاص بكونه اتحادًا بين الله والبشرية

قصد الدهور – مفهوم الخلاص بكونه اتحادًا بين الله والبشرية

قصد الدهور – مفهوم الخلاص بكونه اتحادًا بين الله والبشرية

تحميل الكتاب

كتاب أعجوبة نقل جبل المقطم PDF – قراءة جديدة في مخطوط سير البيعة المقدسة – شريف رمزي

سقوط الإنسان وحاجته للصليب – دانيال كامبل (من الجنة إلى الفردوس)

سقوط الإنسان وحاجته للصليب – دانيال كامبل (من الجنة إلى الفردوس)

سقوط الإنسان وحاجته للصليب – دانيال كامبل (من الجنة إلى الفردوس)

سقوط الإنسان وحاجته للصليب – دانيال كامبل (من الجنة إلى الفردوس)

بينما ليس كثيرين الناس يعرفون قصه سقوط الإنسان ولا معظمهم يستطيع أن يفهم هذه القصة ولكن نستطيع أن نستنتج أن هناك شيء غير سليم في هذا العالم. التقط الجرائد وافتح الكمبيوتر انظر في هاتفك المحمول وانظر الى علمنا فهو يمتلئ بكل أنواع الدمار والتخريب.

ويندهش الطلاب عندما يدرسوا العهد القديم ويجدوا أن عالمنا لا يوجد اختلاف بينه وبين الكتاب المقدس. إلا كان ينبغي أن يوجد هناك فرق بين ما نقراه في الصحف وبين ما ورد في الكتاب المقدس… بالتأكيد لا فان الكتاب المقدس يخبرنا عن قصه تاريخ الخلاص وهي القصة التي يحتاجها الإنسان لكي يخلص.

وعندما نكرر الدراسة في دروس الكتاب المقدس ” فان الخطية تلد الخطية ” ونستطيع أن نرى للتو قصه الخروج من عدن وان الجنس البشري قد فقد التحكم وهو يدور في دائرة من الفوضى. قايين قتل أخاه هابيل. طوفان نوح جلب الدمار. برج بابل عمل الانقسام. أبو الآباء إبراهيم لديه أولاد وأحفاد وأحفاد أحفاد والان يحاربون بعضهم البعض.

يوسف أنقذ عائلته من المجاعة في مصر ولكن قومه انتهى بهم الأمر الى العبودية في ارض مصر بواسطة فرعون جديد. موسى يحرر شعب إسرائيل من مصر ويقودهم الى الخروج بعد عشر ضربات ويشق البحر الأحمر ولكنهم بعد ذلك يعبدوا العجل الذهبي. يرفض الإسرائيليون دخول ارض الموعد وبدلا من ذلك يكون تائهين في البرية لمده 40 سنه وفي هذه الفترة ابتعدوا عن الله بعد الأخرة.

حتى عندما دخل الإسرائيليون ارض الموعد لم يعيشوا بشكل مختلف بقية الأرض بل رفضوا ملك الله عليهم والذي أدى الى أقامه مملكة داود وحتى بعد ذلك أعظم الملوك وهو الملك داود يسقط في خطية الزنا والقتل.

تنقسم مملكة داود الى مملكتين المملكة الشمالية والتي سوف تذهب الى السبي على يد الأشوريين في عام 722 قبل الميلاد والمملكة الجنوبية مملكة يهوذا سوف تذهب الى السبي على يد البابليين في عام 586 قبل الميلاد مع تدمير اورشليم والهيكل.

ثم يرجع اليهود من السبي ولكن لم ترجع الأمور كما في السابق فهم يعيشوا تحت حكم أجنبي وهذا يقود الى ثوره المكابيين ضد اليونانيين والتي استمرت قرن ونصف من الزمان قبل مجيء المسيح. قرات كل هذه الأحداث العهد القديم قد يعطي التفكير بانه لا خروج من هذه الدوامة حيث أن الخطية قد دخلت العالم. ونري انه لم توجد خطية لم يتم ممارستها من عباده الأوثان والتضحية بالأطفال كممارسات دينه الزنا وقتل الفقراء كله هذه مارسها شعب الله كما شعب الأمم.

سقوط الإنسان وحاجته للصليب – دانيال كامبل (من الجنة إلى الفردوس)

ولكن: لماذا لا يوجد حل لسقوط الإنسان في العهد القديم؟

هل الأجيال القادمة بعد ادم ستعيش بلا خطية ام ستسقط عاجلًا ام آجلًا لنفرض أن هناك شخص عاش مئة سنة بلا خطية وشخص آخر مئتين هل سيعيشون للأبد بدون أي فعل خطية؟ هل من يستطيع أن يوقف نزيف الخطية ام أن جميع الأجيال ستسقط والله استبق الأحداث من خلال ادم؟

وبالتدقيق لان الخطية هي مواجهه الى شخص الله نفسه فلا يستطيع الإنسان أن يقدم التوبة وحده. وبعد ذلك كيف ستتمكن كل الخليقة من استرضاء عدل الله. وكيف المحدود سيتمكن من تطبيق العدل في ميزان حكم اللامحدود؟ والبشرية مستنزفة بالخطية.

عندما يسقط الإنسان في الخطية فهو يوجه ثمنها الى الله وهذا الثمن لا يمكن دفعه لأننا بالفعل مديونون لله بكل شيء. لأنه خلقنا ولكن الآن مديون له. كما كلنا أخطأنا في ادم “فان كنا مكان ادم لنستحق الموت “عندما أخطأ أدم ضد الله ورفض طاعته بالإضافة الى خطايا الشخصية التي نرتكبها.

بهذا قد رفضنا حياه الله الموهوبة لنا بالنعمة التي هي فوق الطبيعة وأصبحنا في دين له. انه مثل مدمن القمار الذي يستمر في خسارة المال عن طريق مضاعفه الرهان فيستمر في خسارة المزيد والمزيد من المال. الإنسان لا يستطيع أن يكفر عن خطاياه ولا عن خطايا الاخرين وبهذا يكون قد غرس في الوحل ولا مكان يستطيع الفرار له بل ينغمس أكثر وأكثر.

لذا وصف بولس الرسول أن زمن العهد القديم هو زمن العبودية وهنا كان يحتاج الإنسان لمخلص لان هناك شيئا يحتاج الخلاص منه.

هل يوجد أي رجاء في العهد القديم وهل تاريخ قصه الخلاص هي مجرد قصه طويله من الإحباط والتعدي على الله. ونشكر الله لان هنا يأتي الوعد بالخلاص من الله هذا الوعد الذي اعطي لإبراهيم بالبركة التي تتبارك بها كل نسل قبائل أهل الأرض وهذا الوعد الذي اعطى لداود بان ملكه سيستمر الى الأبد. وعد الله شعبه إذا رجعوا الى سوف يعطيهم قلب جديد روح جديده عهد جديد راعي جديد وخلقه جديدة.

نعم العهد القديم ممتلئ بالغضب كل شر يستطيع أن يرتكبه إنسان ولكن هناك خيط جميل وهو الوعد بالخلاص فلا نرى فقط في العهد القديم الهمجية ولكن حب الله العجيب الذي يبحث عن استعاده الإنسان الى النعمة والتوبة عن الخطية. وبالرغم من طول الانتظار وعد الله لكنه لم يأتي الى ثمر في العهد القديم ولكن كان يستطيع الشخص أن يرتاح بانه يعلم كان هذا الوعد سوف يتم. الله أمين لوعده. وبالطبع ‏ فان الخلاص لم يتم بالطريقة أو في الوقت الذي كان يتوقعه الجميع ولكنه تم بالفعل.

هذا أنا ورده في رسالة العبرانيين 11: 13: في الإيمان مات هؤلاء أجمعون، وهم لم ينالوا المواعيد، بل من بعيد نظروها وصدقوها وحيوها، وأقروا بأنهم غرباء ونزلاء على الأرض

الله لم يعد فقط بالخلاص ولكنه برهن انه صادق في وعوده فكان يكفي على الإنسان أن يؤمن بالله الذي وهب الخلاص ويستريح لان الذي وعد قادر أن ينفذ. وهناك أيضا وعد الحرية قد أتى قبل عهد الآباء والملوك والأنبياء عندما نقرا سفر التكوين الأصحاح 3: 15 واضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها. هو يسحق راسك، وأنت تسحقين عقبه»

هنا وعد واضح وصريح بان السيد المسيح يسحق راس الحية وفي الثقافات القديمة فان هذا رمز السلطان والنصرة وعندما نرى كل هذا معاُ نلاحظ رحمه الله على غير محدودة وعظم الله غير المحدود فان عدله ورحمته غير محدودين. ونرى في هذا الموقف من سفر التكوين في عز ارتكاب الإنسان الخطية ضد الله فساد طبيعة الإنسان فان الله وعد بالخلاص.

الله يبشر بإنجيل المسيح مصلوبا ويعطي البركة لآدم الله رحيم جدا لا يريدنا أن نهلك بالخطية ولا يريده أن تكون للخطية الكلمة الأخيرة. ولكن الطريقة التي تم بها الخلاص بإرسال ادم الثاني القدوس الكلمة المتجسد نفسه سوف يصبح إنسانا ويقبل الموت في أبشع طريقه ويدفن ويقدم ذاته فداءً لغفران الخطايا حتى لكل من صلبه وينتصر على الموت. انه عجيبًا، كم أحببنا الله حتى يموت على الصليب ومهما حاولت لتكتب للرحمة مثل هذه لم تجدها.

From Paradise then to Paradise now Daniel Campbell

سقوط الإنسان وحاجته للصليب – دانيال كامبل (من الجنة إلى الفردوس)

Exit mobile version