هل العلم فعلاً قضى على وجود الله زي ما بيقول بعض أعلام الإلحاد زي ما هنشوف.. الفكرة الرئيسية في البوست دا مش إيجاد دلائل لوجود الله، بقدر ما الهدف معرفة إن العلم مش بيخوف، ومهواش سلاح الإلحاد، بل على العكس.. “في المحاكمات الجنائية يُطلَب من هيئة المحلفين أن تختار تفسيرًا للدلائل من شأنه أن يُكسبها أفضل معنى، سواءً أكانت مقدَّمة من النيابة أم من الدفاع. ولكنهم ليسوا مطالبين أن يجزموا بثبوت الاتهام أو البراءة لمجرد أنهم يعتقدون أنهم قادرون على الوصول إلى استنتاج قاطع “لا يرقى إليه أي شك معقول.”
والدفاعيات تكاد تسير بالطريقة نفسها. فلا يمكن لأيّ شخص أن يثبت وجود الله كما لو كان يثبت أن “الكل أكبر من الجزء.” ولكن يمكنه أن ينتبه إلى كل الدلائل التي تشير إلى وجود الله وما لها من قوة تراكمية. فقد لا يمكن إثبات وجود الله بالمعنى العقلاني الجامد للكلمة.
إلا أنه يمكن أن نجزم بكل صدق أن الإيمان بالله منطقي بشكل يسترعي الانتباه وأنه يعطى لما نراه في العالم وما نميزه في التاريخ وما نختبره في حياتنا معنى أعمق من ذلك الذي تعطيه البدائل الأخرى”. (الدفاعيات المجردة، 95).
بالكلمات دي بدأ أليستر ماكجراث وضع قائمة طويلة من الحُجج اللي يراها منطقية في موضوع وجود الله..
حقيقة لا يُمكن إيجاد برهان مادي يُجزم 100% بإن الله موجود، بالظبط زي ما مفيش أي برهان مادي يُجزم 100% بعدم وجود الله، لكن في حُجج منطقية من شأنها إنها تقودنا في طريق البحث.. إلاَّ إن الأهم من الكل هو العلاقة الشخصية بين المؤمن والله، دي اللي مبتخضعش لدلائل وحُجج ولا شيء لإن الاختبار يفوق كل أنواع المعرفة..
فقائمة الحُجج اللي استخدمها الفلاسفة على مرّ العصور لإثبات وجود الله هي طويلة جدًا، لكن، في نفس الوقت، مينفعش نعتبر إن الحُجج دي براهين بالمعنى الرياضي للكلمة.
فكلمة برهان بمعناها الدقيق مش بتنطبق غير على العلوم التجريبية، أي العلوم القابلة للتجربة زي علم الرياضيات، زي لما نبرهن على إن الكل أكبر من الجزء، أو إن 2+ 2 = 4..
لكن كمان لازم نفرق بين القابلية للبرهنة، وبين الحق، فمش كل موضوع غير قابل للبرهنة عليه بشكل مادي هو غير حقيقي، فدايمًا في قواعد علمية مقبولة بالرغم من إنها مش بتخضع للبرهنة المعملية (John Lucas, “Minds, Machines and Gödel,” Philosophy 36 (1961): 112-27.).
نفس الأمر قال بيه ريتشارد دوكينز نفسه في كتابه (The greatest Show on Earth)، قال إننا زي المُحققين اللي بيروحوا لمكان الحادث بعد حدوث الجريمة، وبالرغم من إن حدث الجريمة نفسه مش قدامهم، إلاَّ إنهم بيحاولوا يتوصلوا ليه من خلال الدلائل والإشارات الموجودة في المكان.. لكن الفرق إن دوكينز كان بيتكلم وقتها على اثبات التطور مش إثبات وجود الله..
1- العلم ميقدرش يحكم في موضوع وجود الله: دوكينز بيدَّعي إن وجود الله هي فرضية علمية ينبغي أن تخضع للبرهنة (The God Delusion, p. 31).
دوكينز هنا بيضع الله غير المحدود وغير المرئي في حفرة العلم، وبعد ما يقفل أو يردم الحفرة دي، بيدخل بمنظاره المعملي جوه الحفرة علشان يدور على الله، وبعدين يقول: “”شايفين، الحفرة فاضيه خالص، فالله مش موجود”!
لو كان العلم يقدر يثبت وجود الله, فما كان الله الله, بل كان موضوع إثبات أي شيء أقل وأدنى منه, في حين أن الله هو اللي بيسيطر علينا ويفوقنا ولا (يُقبَض) عليه (الأرشمندريت أندريه سكريما، مدخل إلى الكتاب المُقدس، ص 24).
نفس الكلام بيصيغه الفيلسوف الشهير هربرت إسبنسر، لما بيتكلم عن وجود حقائق تعلو عن قوانين الميكانيكا والكم، وبيقول: “أليس من المُمكن وجود نوع من الموجود يبلغ من سوه على العقل والإرادة، مبلغ سمو العقل والإرادة على الحركة الميكانيكية”؟ (إيميل بوترو، العلم والدين في الفلسفة المُعاصرة، ص 99).
دا غير إن الأكاديمية الأمريكية الوطنية للعلوم بتوافقنا الرأي عن وجود منهجين مُختلفين بين العلم والدين، لما بتقول: “العلمُ هو وسيلة للمعرفة عن العالم الطبيعي. وهو قاصر على تفسير العالم الطبيعي من خلال الأسباب الطبيعية. لذلك لا يمكن للعلم أن يقول أي شيء عما هو فوق طبيعي. فمسألة وجود الله أو عدم وجوده هي أمر يقف العلم تجاهه على الحياد”.
العلم وادلة وجود الله
2- معرفة الله من الخليقة: العالم كبلر اللي اتكلمنا عنه قبل كده، في واحد من كتبه قال: “أن كل ما أصبو إليه أن أدرك كنه الذات الإلهية. فأني أجد الله في الكون الخارجي مثلما أجده في داخلي أنا” (In Inge, Christian Mysticism, 298.). ومكتوب:
الفكرة الرئيسية في الحُجة دي هي إن المادة لا يُمكن أن توجد وتنتظم من ذاتها، بل يجب وجود شيء غير المادة خرجت عنه المادة، واللي يقدر ينتج شيء هو العقل، فالعقل هو ما وراء وجود المادة.
في كتاب “أهناك إله؟ Is There a God يَحاج الفيلسوف الأكسفوردي ريتشارد سوينبور، بشكل جيد، بإن الإيمان بالله يُمكن أن يُفحص بالمنطق
(Is There a God? (Oxford University press, 1996), p. 2).
فبيتكلم عن إن الرأي القائل بوجود الله يوصل بينا إلى توقُّع الأمور التي نلاحظها: “إن هنالك كوناً بالفعل، وأن قوانين علمية تشتغل في داخله، وأنه يضم كائنات بشرية ذات وعي وحس أخلاقي يتعذر محوه. وهو يحاج (أي الكون) بأن النظرية القائلة بعدم وجود الله لا تفضي بنا إلى أن نتوقع أيًا من هذه الأمور”.
وبناء عليه، فالإيمان بالله بيقدم مُلاءمة تجريبية، لإنه بيشرح ويعلل الأمور اللي بنشوفها على نحو أفضل من التفسيرات البديلة. الكلام دا مُمكن يكون أوضح لو أضفنا ليه نص سي اس لويس القائل:
“إني أؤمن بالله مثلما أصدق أن الشمس قد أشرقت ليس فقط لأني أراها، بل لأني بها أرى كل شيء آخر” (“Is Theology Poetry?” The Weight of Glory and Other Addresses (Harper Collins, 1980), p. 140).
فإله الكتاب المُقدس مش العامل اللي بيشغل التروس، مش جزء من الرواية، لكنه الروائي، ودا معناه إننا منقدرش نعثر عليه بقدراتنا الرياضية من استقصاء تجريبي، لكن ممكن نجد مفاتيح توصلنا لمعرفته من خلال اللي كتبه في الكون وفينا.
3- الانفجار العظيم، والعلة الأولى: “حتى الآن لا يوجد أي أحد لا يعتقد بأن الكون, بل الزمان نفسه له بداية في الانفجار العظيم” ستيفين هوكينج، عن كتابه:
(The Nature of Space and Time, The Isaac Newton Institute Series of Lectures (Princeton, N.J.: Princeton University Press, 1996,p.20).
العلماء قبل سنة 1920 كانوا بيعتقدوا إن الكون شيء ثابت، مش بيتحرك أو يتوسَّع، لكن لما طوَّر ألبرت أينشتاين نظريته عن النسبية عام 1915 وبدأ تطبيقها على الكون ككل، صُدم من اكتشافه بإنه مش هتسمح بوجود كون استاتيكي أو راكد، لازم – طبقًا لمُعادلاته – إن يكون الكون بيتحرك للداخل أو للخارج، مش ثابت السعة.
في العشرينيات طوَّر عالم الرياضيات الروسي ألكسندر فريدمان، وعالم الفالك البلجيكي جورج لوميتر نماذج مبنية على نظرية أينشتاين، وتنبأوا بإن الكون بيتمدد.. تمدد الكون بيعني من الجهة العكسية وجود انكماش للكون، وفي لحظة ما في الزمن الماضي السحيق كان الكون مُجرد “نُقطة” إنفجرت مكونة كل اللي بنشوفه من مجرات وكواكب..
وأول شخص يعطي تفسير قيِّم تجريبي عن الكون كان الفلكي فريد هويك، في سنة 1929 لاحظ إن الضوء الصادر من المجرات البعيدة بيبتعد ناحية الأحمر، يعني الضوء بيتحرك وبيبتعد عن الأرض، ودا معانه إن المجرة بتتحرك لجهة أبعد، وبالتالي فالكون نفسه “الفضاء الخارجي” بيوسع ومش ثابت.
من النقطة دي بدأ علماء اللاهوت يربطوها بوجود الخالق، وحُجتهم الأساسية هي إن الكون بيوصل في مرحلة من الزمن لكثافة لا مُتناهية، وهي كلمة مُرادفة للاشيء، لإن مفيش جسم له كثافة لا مُتناهية.. ودا بحسب تفسير الفلكي هويل نفسه بإن الكون كان ينكمش للاشيء (Fred Hoyle, Astronomy and Cosmology: A Modern Course (San Francisco: W. H. Freeman & Co., 1975), p. 658).
ودي واحدة من الحُجج اللي بيستخدمها المُتكلمين، أو الفلاسفة المُتدينيين عامة، وبيستخدمها بالأكثر المُدافع المسيحي وليام كريج، وهي باختصار: 1- لا يوجد شيء من لا شيء. 2- العالم موجود. 3- إذًا، فالعالم مخلوق ويوجد من خلقه.
تحميل كتاب مسعى البشرية الأزلي – الله لماذا؟ pdf الكاتب كارين أرمسترونغ
الاستكشاف الدقيق للدين جزء يلعب في الحياة البشرية، في الماضي والحاضر، من واحدة من أهم المعلقين على الدين في العمل اليوم.من التحرك من العصر الحجري القديم إلى الوقت الحاضر، كارين ارمسترونج تفاصيل أطوال كبيرة التي ذهبت البشرية من أجل لتجربة الواقع المقدس الذي دعا الله، برهمان، السكينة، الله، أو داو.
يركز أرمسترونج على التركيز على المسيحية، بما في ذلك اليهودية والإسلام والبوذية والهندوسية والروحانية الصينية، ويدرس الدافع المتضاءل نحو الدين في زمننا الخاص، عندما لا يريد عدد كبير من الناس أن يفعلوا شيئا مع الله أو يشككون في فعالية الإييمان. لماذا أصبح الله لا يصدق؟ ولماذا يفكر الملحدون والشيعة على حد سواء ويتحدثون عن الله بطريقة تنحرف بشكل عميق عن تفكير أسلافنا؟
يجيب أرمسترونغ على هذه الأسئلة بنفس عمق المعرفة وبصيرة العمق التي تميزت بها جميع كتبها المشهود لها، ويوضح كيف تغير وجه العالم المتغير بالضرورة أهمية الدين على المستويين المجتمعي والفردي. وهي تقدم حجة قوية ومقنعة للاستفادة من رؤى الماضي من أجل بناء الإيمان الذي يتطرق إلى احتياجات عصرنا المستقطب بشكل خطير.
لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 3 – لي ستروبل
لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 3 – لي ستروبل
لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 3 – لي ستروبل
مخاطر عالم مائي
بعدما اكتشفت مدى مساهمة القمر لنظام الأرض الداعم للحياة، قررت أنه آن أوان التركيز على كوكبنا نفسه. وقد درست ما يكفي في علم الجيولوجيا كي أعرف أن الأرض أكثر من مجرد صخرة دائرية غير مميزة، بل أن داخلها هو نظام معقد وديناميكي قطره 8000 ميل، ولها قلب صلب محاط بالحديد تحول إلى سائل بفعل الحرارة. وفي مركزها، حيث الضغط أكثر من ثلاثة ملايين مرة مما هو على سطح الكوكب، قد ترتفع درجات الحرارة إلى 9000 درجة فهرنهيت.
سألت جونزاليز: “ما هي بعض الظواهر على الأرض التي تسهم في قدرتها على تدعيم الحياة؟”
فقال: “دعنا أولاً نتحدث عن كتلة الأرض. يجب أن يحتوي الكوكب الأرضي على حد أدنى من الكتلة ليحتفظ بغلاف جوي. وتكون بحاجة إلى غلاف جوي للتبادل الحر لكيماويات الحياة، ولحماية السكان من الإشعاع الكوني. وأنت بحاجة أيضاً إلى غلاف جوي غني بالأوكسجين لتدعيم المخلوقات العاقلة كالإنسان. فالغلاف الجوي للأرض يحتوي على نسبة 20٪ من الأوكسجين؛ وهي النسبة الصحيحة تماماً كما يتضح”.
“وعلى الكوكب أن يكون حداً أدنى من الحجم كي يحفظ الحرارة التي بداخله من أن تفقد بسرعة. إن الحرارة الصادرة عن داخله الإشعاعي هي التي تنقل الحمل الحراري الخارجي المهم جداً داخل الأرض. ولو كانت الأرض أصغر حجماً، كالمريخ، ولبردت بسرعة شديدة، وفي الحقيقة، فإن المريخ ريد، وهو الآن ميت أساساً”.
“وماذا لو كانت كتلة الأرض أكبر؟”
“كلما ازداد حجم الكوكب، كلما ارتفعت جاذبية سطحه، وقل وضوح سطحه بين أحواض المحيط والجبال. فالصخور أسفل الجبال يمكنها تحمل ثقل كبير جداً قبل أن تنكس. وكلما ارتفعت جاذبية سطح كوكب، كلما ازداد سحب الجاذبية على الجبال، ويكون الميل نحو خلق سطح أملس”.
“تخيل لو أن كوكبنا كان سطحاً أملس. فالأرض تحتوي على قدر كبير من الماء في قشرتها. والسبب الوحيد في أننا لسنا عالم مائي حتى الآن هو وجود قارات وجبال تقوم عليها. وإذا استطعت أن تحول الأرض كلها إلى مكان أملس، سيكون الماء على عمق 2 كيلومتر. وسوف يكون العالم مائي، والعالم عالم ميت”.
أثارني هذا الأمر، فقلت: “إن كنت بحاجة إلى ماء من أجل الحياة، فلماذا لا تُعتبر وفرة الماء وفرة حياة؟”
فأجاب جونزاليز: “نحن نتمتع بالحياة على الأرض لأن لدينا سطح المحيطات المضاء بضوء الشمس والغني بالطاقة، والمملوء بالمواد الغذائية المعدنية. إن المد والتجوية* تجرف المواد الغذائية من القارات إلى الميحطات حيث تُغذى الكائنات الحية. أما في العالم المائي، فإن كثيراً من معادن الحياة الأساسية ستهبط إلى القاع. وهذه هي المشكلة الأساسية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن تركيز الملح في العالم المائي سيكون عالياً بقدر كبير. فالحياة يمكنها أن تسمح فقط بمستوى معين من الملوحة”.
“إن محيطاتنا وبحارنا مالحة، فكيف يمكن للأرض أن تنظم ذلك؟”
“لدينا مناطق مستنقعية على طول بعض الشواطئ. وبسبب ضحولتها، يأتي الماء من المحيط ويتبخر بسرعة، تاركاً الملح ورائه. ولهذا يكون لديك احتياطي ضخم من الملح متراكم على القارات، ومحتوى ملح المحيط يمكن التحكم فيه. ولكن في العالم المائي، فإن الملح الزائد سيتشرب الماء، ويترسب في القاع. وهذا ما يُنتج محلول ملح جيد النقع لا يدعم وجود حياة”.
قلت إن بعض العلماء وضعوا نظريات تقول بأن الحياة قد توجد داخل قمر المشتري المتجمد يوروبا، حيث يمكن وجود محيط نظري. وتساءلت: “يبدو أنك لا تعتقد بوجود حياة في بيئة كهذه”.
“كلا، لا أعتقد ذلك. ولا أعتقد أنها ستكون مكاناً قابلاً للسكنى. فلن توجد طريقة لتنظيم الملح، ولهذا لا أتخيل بالتأكيد وجود دولفين يسبح هناك”.
الجبال والقارات ضرورية للغاية إذاً لوجود كوكب مزدهر الحياة. ولكن من أين أتت؟ لقد تعلمت حديثاً أنها جزئياً نتاج عناصر إشعاعية واضحة والألواح التكتونية *– وهي مكونات ضرورية للغاية لأي كوكب لتدعيم مجال حيوي مزدهر.
محرك الأرض
قرر العلماء خلال العقود الأخيرة الأهمية القصوى للألواح التكتونية والتحرك القاري لتدعيم الحياة على الأرض[1]. فالتحرك القاري يشير إلى انتقال دستة أو أكثر من الألواح الكبيرة في يابسة الأرض؛ وهي الطبقة الخارجية الصلبة من الكوكب. ومن النتائج الحاسمة لهذه الألواح التكتونية تطور سلاسل الجبال التي خُلقت أساساً على فترات طويلة من الزمن بينما تتصادم الألواح وتلتوي.
يكتشف العلماء ان أهمية الألواح التكتونية من الصعب المبالغة فيها. فقد قال وورد وبراونلي في كتابهما “الأرض النادرة Rare Earth”[2] “إن الألواح التكتونية هي المتطلب المركزي للحياة على سطح كوكب”[3]. وأضافا أنه من المدهش “من بين كل الكواكب والأقمار في مجموعتنا الشمسية، فإن الألواح التكتونية موجودة فقط على الأرض”[4]. وفي الحقيقة فإن أي جسم سماوي سيحتاج إلى محيطات ماء كمطلب أساسي للألواح التكتونية، وذلك لتسهيل حركة الألواح.
وعندما سألت جونزاليز لماذا تعتبر الألواح التكتونية مهمة جداً، بدأ في وصف سلسلة غير محتملة من العمليات الطبيعية عالية التنسيق تركتني مندهشاً مرة أخرى لمدى تعديل كوكبنا حقاً.
قال: “إن الألواح التكتونية لا تساعد فقط على تنمية القارات والجبال – التي تمنع وجود عالم مائي، لكنها أيضاً تطرد ثاني أكسيد الكربون على الأرض؛ أي دورة الصخور. وهذا أمر ضروري لتنظيم البيئة من خلال توازن غازات الصوب الزجاجية، والحفاظ على درجة حرارة الكوكب في مستوى الحياة”.
وكما ترى، فإن غازات الصوب الزجاجية، مثل ثاني أكسيد الكربون، تمتص طاقة الأشعة تحت الحمراء، وتساعد على تدفئة الكوكب. وهذا يوضح مدى أهميتها الحاسمة. والمشكلة هي أن تركيزها في الغلاف الجوي يكون بحاجة إلى التنظيم بينما تسطع الشمس ببطء. وإلا لن تتمكن الأرض من تثبيت درجة حرارة سطحها، وهذا ما سيؤدي لكوارث.
“إن الألواح التكتونية تُدير كسورً من قشرة الأرض – بما فيها الحجر الجيري الذي يتكون من الكالسيوم وثاني أكسيد الكربون وذرات الأوكسجين – حتى تصل إلى غلاف الأرض. وهناك تطلق حرارة الكوكب الداخلية ثاني أكسيد الكربون الذي ينطلق حينها باستمرار إلى الغلاف الجوي من خلال البراكين. إنها عملية معقدة للغاية، لكن النتيجة النهائية تكون بمثابة ترموستات تحفظ توازن الصور الزجاجية ودرجة حرارة سطحنا تحت السيطرة.
“والذي يدفع الألواح التكتونية هي الحرارة الداخلية التي تتولد بالنظائر المشعة – بوتاسيوم 40، ويورانيوم 235، ويورانيوم 238، وثوريوم 232. هذه العناصر المتعمقة في باطن الأرض نتجت أصلاً في السوبرنوفا، وإنتاجها في المجرة يتناقص بمرور الزمن لأن معدل السوبرنوفا يتناقص بمرور الزمن. وهذا سيحد من إنتاج كواكب شبيهة بكوكب الأرض في المستقبل لأنها لن تولد حرارة داخلية كثيرة كما تفعل الأرض.
“وهذا التحلل الإشعاعي يساعد أيضاً في النقل الحراري للحديد السائل المحيط بقلب الأرض، والذي تنتج عنه ظاهرة مدهشة: خلق دينامو يولد بالفعل المجال المغناطيسي للكوكب. والمجال المغناطيسي مهم للحياة على الأرض لأنه يحمينا من الأشعة الكونية ذات الطاقة المنخفضة. وإن لم يكن لدينا ستاراً مغناطيسياً، لكان هناك إشعاع خطير أكثر يصل إلى الغلاف الجوي. وأيضاً فإن جزيئات الريح الشمسية ستتفاعل مباشرة مع الغلاف الأعلى، وبذلك تزيله، ولا سيما جزيئات الهيدروجين والأوكسجين من الماء. وستكون هذه أخبار سيئة لأن الماء سيُفقد بسرعة أكثر”.
“والآن، هل تتذكر أنني قلب إن الألواح التكتونية تساعد على تنظيم درجة الحرارة الكونية بموازنة غازات الصوب الزجاجية؟ حسناً، هناك أيضاً ترموستات طبيعي آخر يسمى ألبيدو الأرض *The Earth’s albedo”. وكلمة albedo تشير إلى نسبة ضوء الشمس التي يعكسها كوكب. والأرض بها مجموعة غنية من مصادر ألبيدو – المحيطات، والقمم الجليدية القطبية، وأعماق القارات، بما فيها الصحاري – تساعد على تنظيم المناخ. وأي ضوء لا تعكسه الأرض يُمتص، وهذا معناه أن السطح يسخن”.
“وهذا يُنظم من خلال احدى الميكانيزمات الطبيعية للأرض. ومثال ذلك، بعض الطحالب البحرية تنتج كبريتات ثنائية المثيل dimethyl sulfide. وهذا يساعد على تكوين نواة تكثيف السحب؛ وهي جزيئات صغيرة في الغلاف الجوي الذي يمكن أن يتكثف حولها المياه لتكوين قطرات سحب”.
“وإن تعرض المحيط للدفء الشديد، سرعان ما تقوم هذه الطحالب بإعادة إنتاج وإطلاق المزيد من الكبريتات ثنائية المثيل، وهذا ما يؤدي إلى تركيز أكبر من CCN، ونسبة أعلى من الألبيدو للسحب البحرية الرمادية. وألبيدو السحب المرتفعة بدوره يبرد المحيط من أسفل، ومن هنا يقلل المعدل الذي تعيد به الطحالب إنتاجها. ولهذا يتيح ذلك ترموستات طبيعية”[5].
“ومن الجانب الآخر، يفتقد المريخ المحيطات، ولهذا لا يحتوي على محتوى الألبيدو هذا. إنه يحتوي فقط صحاري، وقمم جليدية صغيرة، وسحب رقيقة جداً وانفاقية. ولهذا فالمريخ أقل قدرة بكثير على ضبط الألبيدو الخاص به لأن مداره الخاص الأكثر انحرافاً يقربه من الشمس ثم يبعده عنها. وهذا أحد الأسباب في أنه يجتاز درجات حرارة أعلى من الأرض”.
الألواح العملاقة للصخر المتحول التي يُحتمل أنها توازن غازات الصوب، تحلل النظائر المشعة التي تعمل كفرن باطني داعم للحياة، مولد داخلي يولد مجالاً مغناطيسياً يُزيغ المخاطر الكونية، دوائر كهربية بالغة الدقة توحد بين الأحياء والأرصاد الجوية – كان عليّ التوقف والتأمل في العمليات المعقدة المتداخلة التي تدير بكل مهارة بيئة كوكبنا.
كان هذا كله مجرد البداية. علمت أن جونزاليز بإمكانه أن يستمر في حديثه عن ظواهر تعديل أخرى. ومن بينها العمليات الفيزيائية المعقدة التي نتجت عنها مواد خام قيمة استقرت قرب سطح الكوكب، وساهمت في تطورنا التكنولوجي. قال الجيولوجي جورج بريمهول من جامعة كاليفورنيا في بيركلي:
إن خلق المواد الخام ووجودها بالقرب من سطح الأرض هي نتاج ما هو أكثر من مجرد صدفة جيولوجية بسيطة. فوجود سلسلة من الأحداث الكيميائية والفيزيائية التي ظهرت في البيئة الصحيحة وفي السياق الصحيح، وقد تبعتها أحوال مناخية معينة بإمكانه أن يرفع هذه المستويات إلى تركيز عال، وهذا حاسم للغاية لتقدم الحضارة والتكنولوجيا[6].
عندما ربطت هذا كله مع الظروف “الاتفاقية” المتنوعة التي تتضمن موقعنا المتميز في الكون، لم تسعفني الكلمات لأصف إعجابي. فالاقتراح القائل بأن هذا كله مبني على الصدفة الاتفاقية أصبح سخيفاً بالنسبة لي. والعلامات الدالة على التصميم واضحة من أقصى نقطة في الطريق اللبني إلى قلب كوكبنا.
ومع ذلك كان هناك المزيد – بعد جديد تماماً من الأدلة يقترح أن هذا العالم المذهل قد خُلق – جزئياً – حتى يمكننا أن نباشر مغامرة اكتشافه.
قوة كسوف شمسي
تبدأ القصة بحب صريح للكسوف الشمسي والخسوف القمري اللذان ساعدا جيليرمو جونزاليز عندما كان صغيراً لقضاء دراسة طوال حياته لأسرار النجوم.
ولأنه كان مفتوناً بالكسوف الجزئي الذي شهده كأحد هواة الفلك، اشتاق جونزاليز أن يرى ذروة هذا كله: كسوف كلي للشمس، حيث يغطي القمر سطح الشمس. وأخيراً وجد فرصته في العام 1995. فعندما علم بأن كسوفاً للشمس سيحدث في 24 أكتوبر من هذا العام، رتب أحواله حتى يتمكن من أن يشهد الحدث في شمال الهند؛ وهي أحد الأماكن القليلة التي ستشهد الكسوف واضحاً تماماً.
قال لي: “هناك شيء يتعلق بالكسوف هو أن عالم الفلك المتمرس يمكن أن يكون واقفاً بجوار شخص من قرية بعيدة، وكلاهما ستدمع عيونهما. فكلاهما تنتابهما الرهبة. ففي المكان الذي أعددته لرؤية الكسوف، حالما انتهت المرحلة الكلي للكسوف، عندما كان يمكنك رؤية هالة الشمس الجميلة وهي مظلمة نسبياً، فقد هتف الناس تصفق تلقائياً كما لو كانوا يشاهدون عرضاً. لقد كان جميلاً للغاية”.
وقد صور جونزاليز الكسوف، وأجرى حسابات علمية. لكنه لم يكتفي بذلك. فذهنه لم يتمكن من تجاهل فكرة معينة: أن عمليات الكسوف والخسوف يمكن رؤيتها بوضوح من على الأرض أفضل من رؤيتها من على أي كوكب آخر في مجموعتنا الشمسية.
قال: “هناك التقاء مثير للخواص النادرة التي تسمح للناس على الأرض أن يشهدوا عمليات الكسوف الكلية للشمس. ولا يوجد قانون فيزيائي يحتم هذا. في الواقع، من بين الكواكب التسعة بأقمارها التي تزيد عن 63 قمراً في مجموعتنا الشمسية، فإن سطح الأرض هو أفضل مكان يتمكن فيه المشاهدون أن يشهدوا كسوفاً شمسياً كاملاً، وهذا ممكن فقط بالنسبة للمستقبل “القريب”[7].
“والأمر المدهش حقاً هو أن عمليات الكسوف الكامل ممكنة لأن الشمس أكبر من القمر 400 مرة، وهي أيضاً أبعد منه 400 مرة. وهذا التزامن العجيب هو الذي يخلق تماثلاً كاملاً. وبسبب هذا الوضع، ولأن الأرض هي أعمق كوكب ولها قمر، فإن المشاهدين على الأرض بإمكانهم تمييز جو الشمس وهالتها بالتفصيل أفضل من على أي كوكب آخر، وهذا يجعل رؤية عمليات الكسوف هذه ثرية علمياً”.
وقال: “ما أدهشني هو أن نفس مكان وزمان ظهور الكسوف الشمسي الكامل في كوننا يتطابق أيضاً مع نفس مكان وزمان وجود مشاهدين لرؤيتها”.
هذا “التزامن” كان رائعاً جداً بالنسبة لي حتى إنني طلبت منه أن يكرر عبارته الأخيرة قبل أن يواصل حديثه. وبعدما فعل ذلك، أضاف: “الأكثر من ذلك أن عمليات كسوف الشمس الكلية نتجت عنها اكتشافات علمية مهمة كان يمكن أن تكون صعبة إن لم تكن مستحيلة في أماكن أخرى حيث لا تحدث عمليات كسوف”.
“أية اكتشافات؟”
سأقدم لك ثلاثة أمثلة فقط. أولاً، ساعدتنا عمليات الكسوف الشمسية الكلية في معرفة طبيعة النجوم. فعندما استخدم الفلكيون منظار التحليل الطيفي، عرفوا كيف تنتج ألوان الطيف في الشمس، وقد ساعدتهم هذه البيانات فيما بعد في تحليل ألوان طيف النجوم البعيدة”.
“ثانياً، ساعد كسوف شمسي كلي في العام 1919 فريقين من علماء الفلك أن يؤكدوا حقيقة أن الجاذبية تثني الضوء، وكان هذا بمثابة تنبؤ لنظرية النسبية العام لأينشتين. وقد كان هذا الاختبار ممكناً فقط أثناء كسوف شمسي كلي، وأدى للقبول العام لنظرية أينشتين”.
“ثالثاً، قدمت عمليات الكسوف الشمسي الكلي سجلاً تاريخياً مكن علماء الفلك لحساب التغير في دوران الأرض على مدار آلاف السنوات الماضية. وقد ساعدنا هذا في وضع التقاويم القديمة على نظامنا التقويمي الحديث، وهو أمر مهم للغاية”.
أما ريتشاردز – الذي كان يصغي عن كثب – فقال: “الشيء الغامض هو أن نفس الظروف التي تعطينا كوكباً صالحاً للسكنى هي التي تجعل أيضاً من موقعنا هذا مكاناً مدهشاً جداً للقياس والاكتشاف العلمي. ولهذا يمكننا أن نقول بوجود صلة بين هذا القابلية للسكنى والقابلية للقياس”.
“إن الشكل المحدد للأرض والشمس والقمر لا يسمح فقط بعمليات الكسوف الكاملة، لكن نفس هذا الشكل حيوي أيضاً لتدعيم الحياة على الأرض. لقد ناقشنا حتى الآن كيف أن حجم وموقع القمر يُثبت ميلنا، ويزيد من مدّنا، وكيف أن حجم الشمس وبعدنا عنها تجعل أيضاً الحياة ههنا ممكنة”.
واستنتج قائلا ً: “إن فكرتنا الرئيسية هو عدم وجود سبب واضح يدعونا لافتراض أن نفس الخواص النادرة التي تسمح بوجودنا هي أيضاً التي تقدم أيضاً أفضل وضع نهائي لعمل اكتشافات عن العالم من حولنا. وفي الحقيقة، نعتقد أن الأحوال المهيأة للاكتشافات العلمية على الأرض معدلة تماماً حتى إنك ستكون بحاجة إلى قدر كبير من الإيمان كي ترجعها لمجرد الصدفة”.
القابلية للسكنى والقابلية للقياس
بدافع دراستهم لعمليات الكسوف الشمسي الكلي، بدأ جونزاليز وريتشاردز في بحث الالتقاء المذهل بين القابلية للسكنى والقابلية للقياس في أوضاع أخرى. وقدما مجموعة كبيرة من الأمثلة التي رفعت من دهشتهما.
قال جونزاليز: “على سبيل المثال، نحن لا نسكن فقط موقعاً في الطريق اللبني الذي تتصادف ملائمته للحياة، لكن موقعنا أيضاً يتيح لنا أفضل خطة كلية لعمل مجموعة متنوعة من الاكتشافات لعلماء الفلك وعلماء الكونيات. إن موقعنا بعيداً عن مركز المجرة، وفي المكان المستوي من القرص يعطينا أفضلية خاصة لملاحظة النجوم القريبة والبعيدة”.
“ونحن أيضاً في مكان ممتاز لكشف الإشعاع الخلفي الكوني الذي يمثل أهمية قصوى لأنه ساعدنا على إدراك أن كوننا كانت له بداية في الانفجار العظيم. والاشعاع الخلفي يحتوي على معلومات قيمة للغاية عن خواص الكون عندما كان عمره 300,000 عام. وليست هناك طريقة أخرى للحصول على هذه البيانات. وإن كنا في مكان آخر في المجرة، لأعيقت قدرتنا على اكتشافها بدرجة شديدة جداً”.
وقدم ريتشاردز توضيحات أخرى قائلاً: “إن القمر يُثبت ميل الأرض، وهذا ما يُعطينا مناخاً مهيأً للحياة، ويحافظ أيضاً على مستودعات كميات الجليد العميقة في المناطق القطبية. وهي المستودعات بمثابة بيانات قيمة للغاية بالنسبة للعلماء.
“بأخذ عينات من أعماق الجليد، يمكن للباحثين جمع بيانات ترجع إلى مئات الآلاف من السنين. فأعماق الجليد يمكن أن تخبرنا عن تاريخ سقوط الجليد، وعن درجات الحرارة، والرياح القريبة من المناطق القطبية، وكمية الغبار البركاني، والميثان، وثاني أكسيد الكربون الموجود بالغلاف الجوي, وتسجل دورة البقع الشمسية من خلال تنوعات في تركيز عنصر البيريليوم 10. وتسجل حتى الضعف المؤقت للمجال المغناطيس للأرض منذ 40 ألف سنة مضت. في العام 1979، تعرف العلماء على علاقة مؤقتة بين نتوءات النيترات في عينة جليدية من المحيط القطبي الجنوبي وبين سوبرنوفا قريب. وبأخذ عينات من مكان أكثر عمقاً، فمن الممكن فهرسة كل السوبرنوفا القريبة على مدار مئات الآلاف من السنين الماضية وبدون هذا لكان الأمر مستحيلاً”.
قال ريتشاردز إن مثالاً آخر للعلاقة الغريبة بين القابلية للسكنى والقابلية للقياس هو وضوح غلافنا الجوي. “إن عمليات أيض الكائنات الأرقى تتطلب ما بين 10٪ إلى 20٪ من الأوكسجين الموجود في الغلاف الجوي؛ وهي أيضاً الكمية المطلوبة لتسهيل الحريق، مما يسمح بتطوير التكنولوجيا”[8]. ولكن هذا يحدث كثيراً لدرجة أن بنية غلافنا الجوي تمنحه أيضاً الشفافية، التي ما كانت لتحصل عليها إن كانت غنية بالذرات التي تحتوي على الكربون كالميثان. والغلاف الجوي الشفاف يسمح بنمو علمي الفلك والكونيات”.
فقلت: “مهلاً، ألا يتسبب بخار الماء في غلافنا الجوي في إحداث غيوم قد تعطل علم الفلك؟ ولهذا السبب فإن وضع تلسكوب في الفضاء كان بمثابة إنجاز هائل”.
فقال جونزاليز: “في الواقع، يفضل الفلكيون غلافاً جوياً غائماً جزئياً أكثر من الغائم تماماً، وأو عاصف أو غباري على الدوام. علاوة على ذلك، لا نقصد أن كل حالة من القابلية للقياس مهيأة بصورة فريدة وشخصية على الأرض. فحجتنا تعتمد على ما يسمى بالتفاوض المهياً للأحوال المتنافسة”.
وهذا ما قاله هنري بتروسكي في كتابه “الاختراع بالتصميم Invention by Design”: “التصميم كله يشتمل على أهداف متصارعة ومن ثم اتفاق، وأفضل التصميمات ستكون دائماً تلك التي تخرج بأفضل اتفاق”[9]. وللخروج باكتشافات على مدى واسع من الفروع العلمية، لا يد أن تكون بيئتنا اتفاقاً جيداً لعوامل متنافسة، ونحن نجدها هكذا”.
هناك صلة مدهشة أخرى بين القابلية للسكنى والقابلية للقياس تتضمن الألواح التكتونية. فكما أوضح جونزاليز وريتشاردز سابقاً، فإن الألواح التكتونية أساسية لوجود كوكب قابل للحياة. وهناك نتاج لحركة هذه الألواح القشرية هو الزلازل، والتي بدورها زودت العلماء ببيانات بحثية كان يصعب الحصول عليها بطرق أخرى.
قال ريتشاردز: “قامت الآلاف من أجهزة قياس الزلازل على سطح الكوكب بقياس الزلازل عبر السنين. وفي العقود الأخيرة السابقة، تمكن العلماء من استخدام هذه البيانات لإنتاج خريطة ثلاثية الأبعاد عن بنية باطن الأرض”.
وقال إن الأحوال الاستثنائية التي تخلق بيئة ملائمة للحياة على الأرض كثيراً جداً ما تجعل كوكبنا مناسباً تماماً لرؤية وتحليل وفهم الكون.
وتساءل ريتشاردز: “هل هذه مجرد دعابة كونية؟ هل نحن مجرد محظوظين؟ أعتقد أن الحكمة تمتلك القدرة على تمييز الاختلاف بين مجرد الصدفة والنموذج ذي المعنى. فلدينا هنا ما هو أكثر بكثير من مجرد الصدفة. أكثر بكثير.
القياس المنطقي للحياة
قال جونزاليز وريتشاردز إنهما عندما كانا يحاولان تفسير وجود الحياة، واجها قياساً منطقاً trilemma [قياس منطقي له ثلاث حالات شرطية – المراجع]. الاحتمال الأول هو أن ضرورة طبيعية معينة، كقوانين الفيزياء، تقود بقوة إلى الحياة. ومؤيدو SETI – أي البحث عن ذكاء خارد الأرض – يروق لهم هذا الاحتمال. ومع ذلك فالكثير الكثير من الاكتشافات العلمية تُظهر كم انه من غير المحتمل تماماً ترتيب الشروط الصحيحة للحياة. ويستنتج علماء كثيرون أن الحياة الذكية، على حدها الأدنى، أكثر ندرة مما كنا نعتقد. وفي الحقيقة، قد تفرد بها الأرض فقط.
التفسير الممكن الثاني هو الصدفة: الحياة هي ضربة حظ. اخلق كواكب كافية تدور حول نجوم كافية، وسوف تؤكد الشواذ أن واحداً على الأقل ستكون به حياة. ويبدو أن وورد وبراونلي مؤلفا “الأرض النادرة” ينجذبان لهذا التفسير.
ولكن هناك احتمال ثالث: أن الحياة خلقت. فبعد دراسة كل الحالات النادرة الاستثنائية التي ساهمت في وجود الحياة على الأرض، ثم إضافة الطريقة المدهشة التي تفتح بها هذه الحالات باب الاكتشافات العلمية، وقد وافق جونزاليز وريتشاردز على هذا الاحتمال.
قال ريتشاردز: “أن تكتشف أن لدينا كوناً تكون فيه نفس الأماكن التي نجد فيها ملاحظين هي أيضاً أفضل الأماكن للملاحظة، فهذا مدهش. إني أرى التصميم، ليس فقط في ندرة الحياة في الكون، بل أيضاً في نموذج القابلية للسكنى والقابلية للقياس هذا.”
اتجهت نحو جونزاليز، وسألته: “ما استنتاجك؟”
فأجاب: “استنتاجي بصراحة هو أنا الكون قد صمم للملاحظين الذين يعيشون في أماكن يمكنهم فيها القيام باكتشافات علمية. وقد تكون هناك أغراض أخرى للكون، لكننا على الأقل نعرف أن الاكتشاف العلمي كان واحداً منها”.
فتداخل ريتشاردز قائلاً: “وهذا موجود في التقليد المسيحي. فقد آمن المسيحيون على الدوام بان الله يشهد عن وجوده من خلال كتاب الطبيعة والكتاب المقدس. وفي القرن التاسع عشر أغلق العلم كتاب الطبيعة بفعالية. ولكن الآن، فإن الاكتشافات العلمية الحديثة تفتحه من جديد”.
فتساءلت: “ولكن إن كان الكون قد صمم، ويمكننا استيعاب هذا، فلماذا هو بمثل هذا الاتساع؟ فهناك الكثير من الفراغ. أليس هذا مسرفاً وغير ضروري؟”
فأجاب ريتشاردز: “لأن الكون صمم للاكتشاف؛ فنحن نحتاج إلى ما نكتشفه. إن الكون واسع ونحن صغار، ولكن لدينا الوسيلة لذلك. وهذا هو الأمر المدهش. يمكننا رؤية الإشعاع الخلفي الذي جاء منذ أكثر من عشرة بلايين سنة ضوئية”.
وأضاف جونزاليز: “وبالإضافة إلى ذلك، كنا بحاجة إلى السوبرنوفا لبناء العناصر الثقيلة حتى يمكن أن تتطور الكواكب الحاملة للحياة. وهناك نوع خاص من السوبرنوفا مفيد للغاية “كشمعة معيارية”. وطراز a 1 من السوبرنوفا به “مضيئات مدرجة” حتى يمكننا استخدامها لتحديد المسافات وسبر غور تاريخ امتداد الكون. ومن جديد نرى العلاقة بين القابلية للسكنى والقابلية للقياس.
أبدى ريتشاردز ملاحظة شيقة أخرى، فقال: “ذات مرة اشتكى دارون أن اللقاح لا يمكن أن يكون قد صمم. وبعد ذلك قال: أنظر إلى الإتلاف! ملايين الملايين من الجزيئات تنتج، لكن القليل جداً منها تستخدم في نمو الزهور”.
“ومع ذلك، كان الذي لم يدركه هو أن اللقاح أحد أهم الأدوات التي لدينا في الاكتشافات العلمية في الماضي، جزئياً، لأنه يمكن معرفة تاريخه من خلال كربون 14. وعندما نجد اللقاح في رواسب البحيرات وعينات قلب الجليد، يمكننا أن نستخدمه في قياس مدرى عمر الطبقات المترسبة، وكيف كان المناخ القديم”.
“لقد نظر دارون إلى اللقاح من وجهة نظر بيولوجية فقط، وعندما ننظر إلى الصورة الكلية، سنجد أن له استخدام آخر لم يتوقعه أبداً. وربما ينطبق نفس الشيء في حالات كثيرة أخرى عبر الكون”.
مجموعة من المخلوقات المدللة
رجعت بالكرسي إلى الوراء كما لو كنت قد أكلت وجبة شهية. وهذا ما حدث فعلاً بشكل ما. فقد قدم لي جونزاليز وريتشاردز مأدبة فاخرة – حقيقية وراء أخرى، ودليل يتبعه دليل، واكتشاف بعده آخر، مما أدى في النهاية لاستنتاج مذهل. وفيما كنت جالساً محاولاً استيعاب البيانات، تحول ذهني إلى كتاب “الله والفلكيون God and the Astronomers”، والذي كنت أقرأه في الطائرة قبل لقائنا.
وفي أحد الفصول، يصف جون أوكيفي كيف أنه ذهب إلى المدرسة في سن الرابعة عشرة، وبدأ الدخول في مجادلات مع زملائه عن الله. وقد حولته هذه المواجهات إلى الفلك؛ وهو مجال كان العلماء يبدأون فيه اكتشاف أدلة جديدة ومثيرة عن إمكانية وجود خالق.
وبعد حصوله على درجات علمية من جامعتي هارفارد وشيكاغو، واصل أوكيفي المسيرة ليصبح فلكياً مشهوراً وأحد رواد أبحاث الفضاء. وقد دعاه الراحل يوجين شوميكر “الأب الروحي للجيولوجيا الفلكية” وقد حصل على الكثير من الشهادات الفخرية، بما فيها أعلى وسام من مركز جودارد للطيران الفضائي Goddard Space Flight Center، وهو معروف باكتشافات مذهلة كثيرة في بحثه العلمي في وكالة ناسا NASA[10].
وقد كانت اكتشافات الفلك هي التي دعمت إيمان أوكيفي بالله. ففي احدى المرات أجرى بعض الحسابات لتقدير احتمال الأحوال الصحيحة لوجود الحياة في مكان آخر. واستنتج أنه إن كانت افتراضاته صحيحة، فبناءً على الاحتمالات الرياضية، “فإن كوكباً واحداً في الكون توجد فيه حياة ذكية. ونحن نعرف كوكباً واحداً، وهو الأرض، ولكن ليس مؤكداّ أن هناك كواكب أخرى كثيرة، وربما لا توجد كواكب أخرى”[11].
قال اوكيفي إنه لن يواجه أية مشكلة لاهوتية لو كانت هناك حضارات أخرى بالفعل. وهذا هو موقف كثير من المسيحيين[12]. فمن المؤكد أن الله كان بإمكانه خلق كواكب أخرى مأهولة بالحياة لا يكشفها الكتاب المقدس. لكن عدم الاحتمالية المطلقة بأن تكون التزامنات هي التي تعاونت على خلق الحياة على الأرض قادت أوكيفي لهذا الاستنتاج:
نحن – بالمقاييس الفلكية – مجموعة مخلوقات مرفهة مدللة، والادعاء الداروني بأننا الذين فعلنا ذلك بأنفسنا ادعاء سخيف كمجهود شجاع لطفل يقف على قدميه ويرفض يد أمه. فإن لم يكن الكون قد صنع بأقصى مستوى من الدقة، لما كنا قد أتينا إلى الوجود. ورؤيتي هي أن هذه الظروف تشير إلى أن الكون قد خلق من أجل الإنسان كي يعيش فيه[13].
ومن أجل الإنسانية كي تستكشف. إن اكتشافات جونزاليز وريتشاردز أن الكون قد صمم للاكتشاف قد أضافت قوياً للدليل المؤيد لوجود خالق. وبصراحة، فإن تحليلهما يشكل معنى.
فإن كان الله قد بنى موطناً مدهشاً لخليقته بكل الدقة، والعناية، والحب، والدهشة، سيكون من الطبيعي بالنسبة له أن يريد منهم أن يستكشفوه، ويقيسوه، ويتحروه، ويقدروه، ويكون مصدر وحي لهم، وفوق كل هذا، والأهم، أن يجدوه من خلاله.
* تأثير العوامل الجوية في ألوان الأشياء المعرضة لها من حيث التركيب أو الشكل.
* التكتونية Tectonics هي علم تشكل الصخور.
[1] Ibid., 5-6.
[2] Quoted in Peter D. Ward and Donald Brownlee, Rare Earth, 266.
[3] Ibid., 220. For an Excellent discussion of the importance of plate tectonics, 191-220.
[4] Ibid.
* مصطلح ألبيدو يشير إلى انكسار الضوء الذي يعكسه جسم أو سطح. ويستخدم عموماً في الفيزياء لوصف الخواص العاكسة للكواكب أو الأقمار أو الكويكبات. فالأسطح البيضاء بها ألبيدو قريبة من ا والأسطح السوداء بها ألبيدو قريبة من صفر.
[5] See: R. J. Charlson, J. E. Loverloek, M. O. Andres, and S. G. Warren, “Oceanic Phytoplankton, atmospheric sulfur, cloud albedo and climate,” Nature 326 (1987); and R. J. Charlson et al., “Reshaping the Theory of cloud formation,” Science 293 (2001).
[6] “The Genesis of Ores,” Scientific American, May, 1991.
[7] Gonzaler noted that one of Sturn’s moons, Prometheus, comes close, but it’s shaped like a potato and results n eclipses that last less than a second.
[8] See Michael J. Denton, Nature’s destiny, 117.
[9] Henry petroski, Invention by Design (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1996), 30.
[10] See: www.geocities.com/CapeCanaveral/Campus/4764/OKeefeObitEOS. pdf (accessed June 1, 2003).
[11] John A. O’keefe, “The Theological Impact of the New Cosmology” in: Robert Jastrow, God and the Astronomers (New York: W. W. Norton, 1992), 122.
[12] Astronomer Hugh Ross Makes an Interesting related observation. He cites seven reasons to believe why it’s lidely that micro-organisms form Earth have ended up on Mars. Based on “the transportability and survivability of Earth’s life forms,” he said that “there are many reasons to believe that millions of Earth’s minute creatures have been deposited on the surface of Mars and other solar system planets.” He said Mars’s inhospitable environment would make germination of such life unlikely, and “thus <adult> organisms should be quite rare on Mars.” He added: “The discovery of microbial life and creatures perhaps as large as nematodes on Mars – a discovery we can expect as technology continres to advance – will probably be touted as proof of naturalistic evolution, when in truth it proves nothing of the kind. It will prove something, However, about the amazing vitality of what God created.” See Hugh Ross, The Creator and the Cosmos (Colorado Springs: Navpress,1993), 144-46.
[13] John A. O’Keefe, “The Theological Impact of the New Cosmology,” In Robert Jastrow, God and the Astronomes, 118 (emphases added).
لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 3 – لي ستروبل
لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 2 – لي ستروبل
لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 2 – لي ستروبل
لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 2 – لي ستروبل
العيش في المنطقة الآمنة
قادني تفسير جونزاليز للتساؤل عن مدى ملائمة أماكن أخرى لاستضافة حياة ذكية. كنت أعرف أن هناك ثلاثة أنواع أساسية من المجرات في كوننا. أولاً، هناك المجرات اللولبية مثل مجرتنا الطريق اللبني. وهذه يسودها نتوء كروي وطبق له “أذرع لولبية” تمتد للخارج من النواة بطريقة لولبية في شكل دولاب هوائي سماوي. ثانياً، هناك المجرات البيضاوية التي لها شكل البيضة. وثالثاً، هناك المجرات البيضاوية التي لها شكل البيضة. وثالثاً، هناك المجرات الشاذة التي تبدو غير منظمة ومشوهة. طلبت من جونزاليز تقييم الإمكانية الحاملة للحياة لكل منها.
فقال بنغمة احترافية: “إن نوعية مجرتنا تدعو بالتأكيد للإقامة لأنه يتيح مناطق آمنة. والأرض موجودة في منطقة آمنة، ولهذا تمكنت الحياة من الازدهار هنا”.
“كما ترى، فإن للمجرات درجات متنوعة من تكوين النجوم؛ حيث تتحد غازات ما بين النجوم لتكوين النجوم، والمجموعات النجمية، ونجوم ضخمة تنفجر كسوبرنوفا. والأماكن التي ينشط فيها تكوني النجوم خطرة للغاية حيث نتفجر فيها السوبرنوفا بمعدل مرتفع نوعاً. وفي مجرتنا، فإن تلك الأماكن الخطرة تقع أساساً في الأذرع اللولبية، حيث توجد أيضاً سحب جزيئية عملاقة خطرة. ومن حسن حظنا – رغم كل هذا – أننا موجودين في أمان بين الذراعين اللولبيين برج القوس وفرساوس”.
“علاوة على ذلك، فنحن بعيدون جداً عن نواة المجرة التي تعتبر أيضاً مكان خطر. ونحن نعلم الآن بوجود ثقب أسود هائل في مركز مجرتنا. في الواقع، فإن تلسكوب هابل الفضائي اكتشف أن كل مجرة كبيرة قريبة تقريباً بها ثقب أسود عملاق في نواتها. وصدقني، هذه أشياء خطرة للغاية!”
“إن معظم الثقوب السوداء – في أي وقت محدد – غير نشطة ولكن حتى اقترب منها أي شيء أو سقط فيها، فإنه يتمزق بقوى المد الشديدة. تنطلق طاقة هائلة – أشعة جاما، وأشعة X، وإشعاع جزيئي – وأي شيء في داخل المجرة سيتعرض لمستويات مرتفعة من الإشعاع. وهذا أمر خطير جداً لأشكال الحياة. كما أن مركز المجرة هو خطير أيضاً لأن هناك المزيد من السوبرنوفا تتفجر في المنطقة”.
“أمر آخر هو أن تركيب مجرة لولبية يتغير بينما تخرج من المركز. ووفرة العناصر الثقيلة يكون أكثر نحو المركز، لأنه في هذا المكان كان تكوين النجوم أكثر نشاطاً عبر تاريخ المجرة. وهكذا تمكنت من طهي الهيدروجين والهيليوم إلى عناصر ثقيلة بسرعة أكثر، في حين أنه في القرص الخارجي للمجرة، كان تكوين النجوم يتم ببطء أكثر عبر السنين، ولهذا فإن وفرة العناصر الثقيلة ليست في نفس الارتفاع. ومن هنا، فالمناطق الخارجية للقرص أقل احتمالاً لاستضافة كواكب من طراز كوكب الأرض”.
“والآن، اربط هذا كله معاً – المنطقة الداخلية للمجرة أكثر خطورة من الإشعاع والتهديدات الأخرى: والجزء الخارجي من المجرة لن يتمكن من تكوين كواكب ككوكب الأرض لأن العناصر الثقيلة ليس متوافرة بشكل كاف، وأنا لم أذكر حتى كيف أن القرص الرقيق لمجرتنا يساعد شمسنا في البقاء في مدارها الدائري المناسب. فإن مداراً منحرفاً تماماً كان من الممكن أن يجعلها تعبر الأذرع اللولبية لتذهب إلى المناطق الداخلية الخطرة من المجرة، ولكن لأنها دائرية فإنها تبقى في المنطقة الآمنة”.
ثم أضاف بنبرة انتصار نوعاً ما: “وهذا كله يعمل معاً لخلق منطقة آمنة ضيقة يمكن وجود كواكب داعمة للحياة فيها”.
فحص النجوم بحثاً عن حياة
فجأة، كانت الأرض تبدو خاصة بشكل رائع، وقد استقرت كما لو أنها شظية من الفضاء تمنحها سماء آمنة من أي تهديد آخر في مجرة الطريق اللبني. ولكن ماذا عن الأنواع الأخرى من المجرات؟ هل من الممكن أيضاً أنها تقدم جيران خاليين من التهديد بالنسبة للكواكب المأهولة؟
سألت جونزاليز: “ماذا عن المجرات البيضاوية؟ هل لديها إمكانية استضافة حياة؟”
فأوضح قائلاً: “إن المجرات البيضاوية تبدو غير متبلورة ولها شكل بيضاوي، ونجومها لها مدارات عشوائية جداً كالنحل الذي يستعمر خلية. ومشكلة الحياة في هذه المجرات هي أن النجوم تزور كل منطقة، وهذا يعني أنها تزور بالضرورة المناطق الداخلية الكثيفة الخطرة، حيث قد يكون ثقب أسود نشيطاً. وعلى أي الأحوال، يقل احتمال أن تجد كواكب مثل الأرض في المجرات البيضاوية لأن معظمها يفتقد العناصر الثقيلة الضرورية لتكوينها”.
كانت هذه نقطة هامة، لأنني كنت أعلم أن معظم المجرات تقع في تصنيف المجرات البيضاوية.
واستطرد جونزاليز: “معظم المجرات البيضاوية أقل كتلة وإضاءة من مجرتنا. فمجرتنا هي أعلى المجرات كتلة وإضاءة بنسبة 1٪ أو 2٪. وكلما كانت المجرة أكبر كلما أمكن احتوائها على عناصر ثقيلة، لأن جاذبيتها الأقوى يمكنها جذب كمية أكبر من الهيدورجين والهيليوم، وتدوير ليناء عناصر ثقيلة. أما في المجرات منخفضة الكتلة، والتي تكون الغالبية العظمى، فيمكنك أن تجد مجرات بأكملها دون أن تجد فيها كوكباً واحداً يشبه كوكب الأرض. فليس لديها ما يكفي من العناصر الثقيلة لبناء الأرض. تماماً كمجموعة كروية – يمكنك أن تجد مجموعة كروية كاملة بمئات الآلاف من النجوم، ومع ذلك لا تكون أرضاً واحدة.
“إذا نظرت إلى أعمق الصور التقطها تلسكوب هابل الفضائي، فإنها توضح آلاف المجرات عندما كان الكون وليداً حقاً. وقد علق الناس: “يا للدهشة، انظروا إلى كل تلك المجرات! وإني أتساءل كيف تنظر إلينا حضارات كثيرة؟ في تلك الصورة، سأقول صفراً. آلاف وآلاف وآلاف من المجرات، ولكن لا أرض واحدة، لأن العناصر الأثقل لم تبن بعد ما هو كافي”.
فقاطع ريتشاردز الحوار: “بالطبع نحن لا ننظر إلى هذه المجرات كما هي موجودة الآن، لكننا ننظر إلى الماضي، 9 بليون سنة مضت مثلاً. من الممكن أن تكون بعض تلك المجرات موجودة الآن في نفس حالة الطريق اللبني. ولا نعلم هذا على وجه اليقين”.
وأضاف جونزاليز: “ولكن هذا كان في الماضي حين كانت خطرة للغاية، لأنها كانت فترة النجوم الزائفة، وانطلاق السوبرنوفا، والثقوب السوداء. وحتى إن كانت لديك مناطق قليلة في المجرة كانت فيها عناصر ثقيلة كافية لبناء كوكباً كالأرض، لكانت قد أضاءت بقوة شديدة لا تسمح بوجود حياة”.
بتقرير أن المجرات البيضاوية مواقع غير محتملة لإنشاء حضارات، اتجهت لتصنيف آخر من المجرات يدعى المجرات الشاذة. وتساءلت: “ما مدى إمكانية وجود حياة فيها؟”
“كالمجرات البيضاوية، لا تتيح أيضاً مكاناً آمناً. في الواقع هي أسوء حالاً. فهي مشوهة وممزقة، وقد انطلقت من السوبرنوفا من خلالها. وليست هناك أماكن آمنة تنفجر فيها سوبرنوفا أقل كما هو الحال في الأذرع اللولبية لمجرتنا.
“ما زال علماء الفلك يكتشفون تهديدات جديدة للحياة. فمثلاً، نحن نتعلم أكثر عن انفجارات أشعة جاما، والتي هي أقوى من السوبرنوفا. فإن اقترب إليك أحدها، لانطفأت الأضواء. ولهذا فاحتمالية وجود حضارات في أماكن أخرى تتضاءل بينما نعرف التهديدات الجديدة التي لم نكن نعرفها من قبل.”
سألته: “ما رأيك إذا عن موقع الأرض في الكون؟”
فقال جونزاليز: “بمصطلحات القابلية للحياة، أعتقد أننا في أفضل مكان ممكن. وهذا لأن موقعنا يتيح القوالب البنائية الكافية لنشأة أرض. بينما يتيح مستوى أقل من التهديدات للحياة. وبصراحة لا يمكنني ان أعطيك مثالاً عن مكان آخر في المجرة صالح للحياة مثل موقعنا. أحياناً ما يقول الناس إنه بإمكانك أن تكون في أي جزء من أية مجرة. حسناً، لقد درست المناطق الأخرى – الأذرع اللولبية، ومراكز المجرات، والمجموعات الكروية، وحافة الأقراص – وبغض النظر عن مواقعها، وجدت أنها لا تصلح للحياة. لا أعتقد بوجود أي مكان أفضل مما نحن فيه الآن”.
فقلت: “هذا يدعو للسخرية. إنه عكس المبدأ الكوبرنيكي”.
فاتفق ريتشاردز قائلاً: “لقد كانت دعاية المبدأ الكوبرنيكي هي أن مسيرة العلم الطويلة أظهرت كم أن حالتنا مألوفة وعادية. لكن الميل في الاتجاه المعاكس. فكلما تجمع التهديدات التي نكتشفها في معظم الأماكن في الكون، وتقارنها بالطرق العديدة التي نبدو فيها في ستر من الأمان، كلما يبدو موقعنا فريداً”.
وقال جونزاليز: “وأشهر مثال هو مجموعتنا الشمسية. فمن حين إلى آخر اعتقد العلماء بوجود حضارات على كل جسم تقريباً من مجموعتنا الشمسية – القمر والمريخ والمشتري”.
“بنى بيرسيفال لاويل مرصده الفلكي الخاص في أريزونا للعثور على هذه الحضارة على المريخ. واقتبس بالفعل من كوبرنيكوس لتبرير اعتقاده بأننا لا يمكن أن نكون الحضارة الوحيدة. والآن غيروا موقفهم لحد القول بأنه ربما يكون هناك تراب طيني بين سطحي المريخ ويوروبا. وحتى هذا الأمر مشكوك فيه جداً. وهكذا اضطروا للتراجع”.
وأشار ريتشاردز: “غالباً ما يصف المبدأ الكوبرنيكي خواصاً غير مهمة. فمن يهتم حقاً ما إذا كنا في مركز المجرة؟ فهذا غير متعلق بالموضوع! أما المهم حقاً فهو ما إذا كنا في المكان الأكثر تناسباً للحياة. وهذا تماماً المكان الذي توجد فيه الأرض”.
الكواكب التي تدور حول النجوم الأخرى
خلال الأعوام القليلة الماضية، تمكن علماء الفلك أخيراً من اكتشاف كواكب تدور حول نجوم أخرى، وكان هذا تأكيد رئيسي لما كان سابقاً فكر شائع. فتساءلت: “ألا يؤكد هذا عدم وجود شيء متميز عن نظامنا العادي ذي الكواكب التسعة؟”
فقال جونزاليز: “سأعترف أن هذا يوضح أن مجموعتنا الشمسية ليست متفردة إن كانت بها كواكب تدور حول نجم. ولكن قبل اكتشاف أول كوكب يدور حول نجم يشبه الشمس في العام 1995، كان التوقع هو أن علماء الفلك سيكتشفون كواكب غازية عملاقة في مدارات دائرية واسعة تشبه المشتري إلى حد كبير. فالمشتري يدور حول الشمس في 12 سنة في مدار دائري تقريباً، بعيداً عن الكواكب الأرضية – عطارد، والزهرة، والأرض، والمريخ”.
“ومع ذلك، نكتشف أن الكواكب التي تدور حول نجوم أخرى تختلف تماماً عن المشتري. فهي تدور على مدى كامل من المسافات، من مجرد كسر بسيط من الوحدة الفلكية – التي هي المسافة بين الأرض والشمس – إلى وحدات فلكية كثيرة. ومعظم مداراتها بيضاوية إلى حد كبير، وقليل جداً منها دائرية. وهذه المدارات غير الدائرية أدهشت علماء الفلك بشدة. فبسبب أنها أيدت المبدأ الكوبرنيكي بقوة، فقد توقعوا أن الأنظمة الكوكبية الأخرى ستكون مثل كوكبنا. وهذا التوقع انهار تماماً”.
فسألت: “وما خطأ مدار بيضاوي لتلك الأنواع من الكواكب؟”
فرد جونزاليز: “إنه يفرض مشكلة ملائمة الإقامة بالنسبة لأية كواكب أرضية في نظامها، لأنه يجعلها أقل احتمالاً لأن تكون بها مدارات دائرية مستقرة. فمثلاً، مدار الأرض هو دورة كاملة تقريباً. وكوكب بكتلة الأرض سيكون حساساً لأي من الكواكب الغازية العملاقة إن كانت لها مدارات منحرفة أكثر. إن مدار الكوكب الشبيه بالأرض سيتأثر، فيجعله أقل دوراناً، ومن هنا يُعرض الكوكب لتنوعات خطرة في درجة حرارة السطح”.
فقلت: “إذاً، إن كان للمشتري مداراً أكثر بيضاوية، فلن يتمكن كوكب الأرض من الاحتفاظ بمدار في نفس مستوى الدائرية ويتمتع بدرجة الحرارة الثابتة وبالمناخ المتوقع الذي يصاحب ذلك”.
فقال: “هذا صحيح. في الواقع، حتى التنوعات الصغيرة في مدارنا الدائري تقريباً يمكنها إنتاج عصور جليدية، لأن درجة الحرارة تتغير على سطح الكوكب. وعلينا أن نحتفظ بمدار دائري بقدر المستطاع لكي نحتفظ بدرجة حرارة ثابتة نسبياً. وهذا ممكن فقط لأن مدار المشتري ليس بيضاوياً جداً، ولهذا فهو لا يهدد بتشويه مدارنا الدائري”.
احتمال الضربات الموجهة للأرض
بينما كنا نناقش نظام مجموعتنا الشمسية، أردت التعمق في عوامل “محلية” أخرى تجعل من كوننا صالحاً للسكنى. فتساءلت: “ماذا في مجموعتنا الشمسية يسهم بالحياة على الأرض؟”
فقال جونزاليز: “مقدار مذهل. فعلى التوالي يتعلم علماء الفلك كيف أن الكواكب الأخرى تناقض قابلية الأرض للمعيشة. فمثلاً، أوضح جورج ويزريل من معهد كارنيجي في العام 1994 أن المشتري – الذي هو أكبر من كتلة الأرض بمقدار 300 مرة – هو بمثابة درع يحمينا من تأثيرات مذنبات قريبة جداً. فهو يُزيغ المذنبات حقاً ويُبعد كثيراً منها من القدوم إلى داخل المجموعة الشمسية، حيث يمكنها الاصطدام بالأرض مما يؤدي بعواقب تقضي على الحياة”.
“وقد اتضح هذا بطريقة بديعة باصطدام المذنب Shoemaker Levy بالمشتري في يوليو من العام 1994. فقد تجنب هذا المذنب بقوة الجذب الهائلة التي لكوكب المشتري، وتحطم إلى أجزاء، كان كل منها تضرب المشتري. وحتى كوكب زحل وأورانوس يشتركان في هذا النوع من اصطياد المذنبات”.
“وبالإضافة إلى ذلك، فالكواكب الأخرى في مجموعتنا الشمسية الداخلية تحمينا من أن نُقذف بكويكبات من الحزام الكويكبي. فالكويكبات تقع في أغلبها بين مداري المريخ والمشتري. وخطنا الدفاعي الأول هو المريخ لأنه يقع على طرف حزام الكويكبات. فهو يتحمل عنا ضربات كثيرة. وهكذا يفعل كوكب الزهرة. أن كنت تريد أن تعرف شيئاً عن الأشياء التي قد تضرب الأرض، فانظر إلى سطح القمر. فالقمر، لسوء الحظ، به منطقة سطحية صغيرة للغاية حتى أنها لا يمكنها أن تقدم حماية كثيرة، لكنه سجل جيد”.
فتساءلت: “ماذا عن موقع الأرض في المجموعة الشمسية. وإلى أي مدى يسهم هذا في قابليتها للسكنى؟”
“هناك فكرة صاغها البيولوجيون الفلكيون تسمى بالمنطقة المأهولة حول النجوم Circumstellar Habitable Zone. وهي المنطقة التي حول نجم حيث يمكنك أن تجد الماء السائل على سطح كوكب أرضي. وهذا تقرره كمية الضوء التي تحصل عليها من النجم المضيف”.
“وليس بإمكانك أن تكون قريباً للغاية، وإلا لتبخرت كمية كبيرة من المياه في الغلاف الجوي، وسببت أثراً حاسماً كأثر الصوبة الزجاجية. ونحن نعتقد أن هذا ربما يكون قد حدث لكوكب الزهرة. لكن إن ابتعدت بعيداً جداً، سيصبح الجو بارداً للغاية. فالماء وثاني أكسيد الكربون يتجمدان، وسرعان ما يكون لديك في النهاية جليداً”.
“النقطة الأساسية هي أنه بينما تبتعد عن الشمس، عليك بتزويد محتوى ثاني أكسيد الكربون للغلاف الجوي للكوكب. وهذا ضروري لصد إشعاع الشمس والاحتفاظ بالماء السائل. والمشكلة هي أنه لن يكون هناك أوكسجين كاف لوجود كائنات حية شبيهة بالثديات. فهو موجود فقط في الطرف الداخلي للمنطقة المأهولة حول النجوم؛ حيث يمكن أن يكون لديك قدر منخفض كافي من ثاني أكسيد الكربون مع قدر مرتفع كاف من الأوكسجين لتدعيم الحياة الحيوانية المعقدة. وهذا هو المكان الذي نعيش فيه”.
فتساءلت: “ماذا يحدث لو أن بعد الأرض عن الشمس قد تحرك ب 5٪ مثلاً من أية ناحية؟”
فأتاني رده السريع: “كارثة. فالحياة الحيوانية ستصبح مستحيلة. ومنطقة الحياة الحيوانية في المجموعة الشمسية أضيق مما يتصور معظم الناس”.
وأضاف ريشاردز: “ولهذا السبب تحتاج مداراً دائرياً كمدار الأرض. فأنت لا تريد فقط أن تكون في المنطقة المأهولة حول النجوم قليلاً من القوت، بل باستمرار. ولن يفيدك أبداً وجود ماء سائل لمدة أربعة أشهر ثم يتجمد الكوكب كله مرة ثانية”.
شمسنا فائقة الإنجاز
من الواضح أن مفتاح استمرار الحياة على الأرض هو الشمس التي يمدنا انصهارها النووي – الذي يحدث في مركزها عند درجة حرارة 27 مليون درجة / فهرنهيت – بالدفء والطاقة الدائمة من بعد 93 مليون ميل. ومنذ أن كسوفاً شمسياً وأنا طفل، وقمت بحماية عيني بعناية بملاحظة الظاهرة من خلال صورة في صندوق كرتوني، انجذبت بقوة نحو هذا الكائن الناري الضخم، والذي تصل كتلته إلى 300,000 مرة أكبر من الأرض.
ومع ذلك، كان يقال لي دائماً إن الشمس ليس متفردة في شيء. يقول نص بصراحة: “الشمس نجم عادي ثابت”[1]. وإذا كانت الشمس فعلاً نجم متوسط جداً، ونموذجي جداً، وغير مميز أبداً، فالتضمين المنطقي سيكون أن كثيراً من الكواكب الشبيهة بالأرض الحاملة للحياة لا بد أن تدور حول كثير من الشموس المشابهة عبر الكون.
فقلت لجونزاليز: “يعرف الفلكيون اليوم عن النجوم أكثر من معرفتهم عندما كنت صغيراً. هل ما زال الإجماع على أن الشمس مجرد نجم عادي؟”
فأجاب جونزاليز: “كلا على الإطلاق. فمؤخراً بدأت بعض كتب الفلك الحديثة تقول إن الشمس نجم غير عادي بعد كل هذا. وعلى سبيل المثال، فهي بين نسبة الـ 10٪ من أضخم النجوم في المجرة. وفي الواقع، إن اخترت نجماً بعشوائية، فمن المحتمل أن تختار نجماً أقل حجماً بكثير من الشمس، وعادة ما ستختار نجوم قزمية حمراء، والتي تكوّن حوالي 80٪ من النجوم. وحوالي 8٪ إلى 9٪ تسمى بأقزام G ومعظمها أصغر من الشمس. أما الشمس فهي نجم قزمي أصفر، وتقنياً لها طراز طيفي يسمى G2.
كان تعليقة عن الأقزام الحمراء قد أثار فضولي، فتساءلت: “بما أن النجوم القزمية تسود الكون، فدعنا نتحدث عنها قليلاً. هل هي موصلة لدرجة أن تكون كواكب حاملة للحياة تدور حولها؟”
فقال جونزاليز: “لا أعتقد ذلك”.
“لما لا؟”
“لأسباب عديدة. أولاً، الأقزام الحمراء تقذف معظم إشعاعها في الجزء الأحمر من الطيف، مما يجعل البناء الضوئي أقل كفاءة. وللعمل جيداً، فإن البناء الضوئي يتطلب ضوءً أزرق وأحمر. لكن مشكلة أكبر هي أنك بينما تقلل من كتلة نجم فسوف تقلل أيضاً قوة إضاءته. وعلى الكوكب أن يدور حول هذا النوع من النجوم بقرب أكثر للحصول على حرارة كافية للحفاظ بالماء السائل على سطحه”.
“والمشكلة هي أن قوة المد بين النجم والكوكب تزداد قوة كلما اقتربت منه، ولهذا يهدئ الكوكب من دورانه إلى أن يصل إلى ما يسمى بالحالة المغلقة من ناحية المد. وهذا يعنى أنه يقدم دائماً نفس الوجه نحو النجم. وهذا أمر سيء للغاية لأنه يتسبب في اختلافات كبيرة في درجة الحرارة بين الجانب المضيء والجانب غير المضيء. فالجانب المضيء سيكون جافاً وساخناً بدرجة كبيرة، بينما الجانب غير المضيء سيكون متجمداً وبارداً. وهناك مشكلة أخرى – أن الأقزام الحمراء لها توهجات”.
“لكن الشمس لها توهجات أيضاً”.
“هذا صحيح وشدة التوهجات على الأقزام الحمراء تماثل تقريباً شدة التوهجات على شمسنا. والفرق هو أن الأقزام الحمراء ككل تُطلق ضوءً أقل بكثير، ولهذا فإنها أقل إضاءة بكثير. وهذا معناه بمقارنتها بإضاءة النجم أن نتاج التوهج أعلى”.
فرفعت يدي معارضاً: “لم تفهم ما أقصده”.
فرتب جونزاليز كلماته: “حسناً، دعني أصل إلى النقطة الرئيسية. بالنسبة لهذا النوع من النجوم، فإن التوهجات تتسبب في تنويع إضاءة النجم الكلية. في الواقع، يُطلق عليها علماء الفلك “النجوم المتوهجة”، ويلاحظونها وهي تصير أكثر توهجاً للحظات ثم أكثر خفوتاً من جديد. ونحن لا نهتم كثيراً بالتوهجات الشمسية لشمسنا لأن الشمس مضيئة جداً حتى أن التوهجات تكون مجرد ومضات. وبالكاد يمكنك ملاحظتها”.
وقال ريتشاردز: “وتذكر أننا على بعد 93 مليون ميل من الشمس. فمع قزم أحمر، على كوكبك أن يكون أكثر قرباً من النجم”.
فقال جونزاليز: “هذا صحيح. فزيادة الإضاءة سوف تحدث زيادات في درجة الحرارة على سطح الكوكب السيار. لكن السيء بنفس القدر هو الإشعاع الجزيئي المتزايد الذي سينتج عن التوهجات. فعلى الأرض نحصل على تأثير معتدل جداً يُسمى بمصطلح الريح الشمالي. فعندما يكون هناك توهج على الشمس، فإن الجزيئات تصل أخيراً إلى الأرض، وتدخل المجال المغناطيسي للقطبين الشمالي والجنوبي، ونرى مطلع الريح الشمالي في هيئة هذه الأضواء الجميلة في نصف الكرة الشمالي”.
“ومع ذلك، فإن الإشعاع الجزيئي له تأثير في إزالة درجة الحرارة بسرعة، وبذلك زيادة مستويات الإشعاع على السطح، لكن الأهم هو تدمير طبقة الأوزون التي نحتاج إليها لحمايتنا من الإشعاع. وهذه كله سيكون مميتاً لأية حياة على كوكب قريب من قزم أحمر”.
“وهناك مشكلة أخرى بالنسبة للأقزام الحمراء: إنها لا تنتج أشعة فوق البنفسجية كثيرة؛ والتي نحتاج إليها لبناء الأوكسجين في الغلاف الجوي. ويعتقد العلماء أن الأوكسجين في الغلاف الجوي للأرض تكوّن أولاً من الإشعاع فوق البنفسجي الذي حلل الماء إلى أوكسجين وهيدروجين. وقد سُمح للأوكسجين أن يُبنى في الغلاف الجوي، بينما تسر الهيدروجين في الفضاء لأنه أخف وزناً. لكنك تحصل على قدر قليل من الضوء الأزرق من قزم أحمر، ولهذا فإن هذه الظاهرة لا تقع بهذه السرعة، ولن تحصل على بناء الأوكسجين الذي نحتاجه لتدعيم الحياة”.
“ولحسن الحظ، فإن شمسنا ليست هي الكتلة الصحيحة لوحدها، لكنها تُصدر أيضاً الألوان الصحيحة – مزيجاً متوازناً من الأحمر والأزرق. وفي الواقع، لو كنا ندور حول نجم له كتلة أكبر، اسمه قزم F، لكان هناك إشعاع أزرق أكثر يبني الأكسجين وطبقة الأوزون بطريقة أسرع. ولكن أية مقاطعة سريعة لطبقة الأوزون ستعرض الكوكب لفيضان فوري من الإشعاع فوق البنفسجي الشديد، وهذا ما سيكون مدمراً للحياة”.
“وكذلك النجوم التي لها كتلة أكبر لا تعيش طويلاً، وهذه هي المشكلة الكبرى. فحتى النجوم التي لها كتلة أكبر من الشمس تعيش بضعة بلايين فقط من السنين. ومن المتوقع أن شمسنا تظل لحوالي عشرة بلايين سنة في مسارها الرئيسي، وتقوم بحرق الهيدروجين بطريقة ثابتة، في حين أن النجوم الأكبر بمقدار 10٪ من الكتلة لها معدل حياة أقل على نفس المسار. وبينما هي في نفس المسار، تغير إضاءتها بصورة أسرع. وكل شيء في دروة حياتها يحدث بطريقة أسرع”.
“هل هناك أي شيء آخر يجعل شمسنا غير عادية؟”
“نعم، فالشمس غنية بالمعادن؛ أي أنها تتمتع برصيد أعلى من العناصر الثقيلة مقارنة بنجوم أخرى في عمرها في هذا القطاع من المجرة. وكما يتضح، فإن معدنية الشمس ربما تكون قريبة من الموارد الذهبية لبناء كواكب أرضية مأهولة في حجم الأرض”.
“والشمس أكثر استقراراً بدرجة كبيرة من أكثر النجوم المشابهة. فنتاج ضوئها يتنوع فقط بمقدار 0,1٪ في دورة كاملة، والتي قد تصل إلى 11 عاماً. وهذا ما يمنع المناخ المتطرف يهاجم الأرض”.
“وأمر آخر هو أن مدار الشمس أكثر دائرية في المجرة من أي نجم آخر في عمرها. وهذا يساعد على حفظنا في الأذرع اللولبية الخطرة للمجرة. فإن كان مدار الشمس أكثر مركزية، فمن الممكن أن نتعرض للمخاطر المتعلقة بالمجرة التي ذكرتها سابقاً، مثل انفجارات السوبرنوفا”.
أدركت بعد تعليقات جونزاليز أنني أتطلع إلى سماء الليل المرصعة بالنجوم كما في الماضي. فقد اعتدت على رؤية النجوم كما لو كان يمكن استبدالها؛ وهذا مصطلح قانوني يُفيد بأن واحداً جيداً تماماً كآخر. لكني أفهم الآن لماذا تستبعد الغالبية العظمى من النجوم أوتوماتيكياً باعتبارها قادرة على تدعيم كواكب حاملة للحياة.
على النجم الذي يتمتع بالخواص غير العادية لشمسنا – الكتلة الصحيحة، والضوء الصحيح، والمسافة الصحيحة، والمدار الصحيح، والمجرة الصحيحة، والموقع الصحيح – أن يغذي كائنات حية على كوكب سيار. وهذا ما يجعل شمسنا وكوكبنا نادراً حقاً.
ومثلما انبهرت بالشمس، نظرت في اندهاش أيضاً إلى الجسم السماوي السائد الآخر في سماواتنا؛ أي القمر. وبدافع الفضول لمعرفة ما إذا كان هذا القمر الصخري الجاف يساهم بأي شيء لكوكبه المضيف – بغض النظر عن وحي الشعراء والرومانسيين – انتقلت لتحويل مناقشاتنا لقضايا خاصة بالقمر.
قمرنا الداعم للحياة
منذ قرون مضت كان من المعتقد أن المساحات الصغيرة المظلمة على سطح القمر – المناطق المنخفضة التي غمرتها الحمم البركانية البازلتية – بمثابة محيطات تتيح الماء المانح للحياة لسكانه غير المرئيين. وعُرفت باسم maria؛ وهو الاسم اللاتيني لكلمة “بحار”[2]. واستمر الاسم حتى الآن، فما زلنا مثلاً نشير إلى Mare Tranquilitatis، أي بحر الهدوء.
تطلع يوهان كبلر – فلكي القرن السابع عشر الذي قاوم الثورة الكوبرنيكية – إلى القمر، واعتقد أنه ميز كهوفاً كان مأهولة بسكان القمر. حتى أنه كتب كتاباً تخيل فيه ما عسى أن تكون حياتهم[3]. وبعد قرن من الزمان، اعتقد وليم هيرشل الذي اكتسب شهرة باكتشافه كوكب أورانوس أنه اكتشف مدناً، وطرقاً عامة، وأهرامات على سطح القمر.
ومع نمو المعرفة العلمية، تبددت أحلام وجود حضارات قمرية. واتفق الجميع أن القمر لا يمكنه تدعيم حياة. ومع ذلك، فإن الاكتشافات المدهشة في السنوات الأخيرة أظهرت أن العكس هو الصحيح: إن القمر بالفعل يدعم الحياة – أي حياتنا! فالأدلة العلمية تؤكد كيف أن هذا القمر الجاف منعدم الهواء يسهم بالفعل بطرق غير متوقعة في خلق بيئة مزدهرة مستقرة على الأرض على بُعد ربع مليون ميل.
وعندما سألت جوانزاليز كيف يساعد القمر في تدعيم الحياة على كوكبنا، كان أول ما ذكره هو اكتشاف يعود إلى العام 1993.
قال: “كان هناك اكتشاف ملحوظ بأن القمر يُثبت حقاً ميل محور الأرض. وهذا الميل مسؤول عن الفصول. فأثناء الصيف، في نصف الكرة الشمالي يتجه محور القطب الشمالي أكثر نحو الشمس. وبعد ستة أشهر، عندما تكون الأرض على الجانب الآخر من الشمس، يتجه القطب الجنوبي أكثر نحو الشمس. وعندما تكون ميل الأرض عند درجة 23,5، فهذا يمنحنا فصول معتدلة. ومن هنا فإن استقرار مناخنا يُعزى للقمر”.
“وماذا يحدث لو لم يكن القمر موجوداً؟”
“لتأرجح ميلنا بإفراط كبير، ونتجت انحرافات مناخية رئيسية. وإن وصل ميلنا إلى 90 درجة تقريباً، لتعرض القطب الشمالي للشمس لمدة ستة أشهر بينما يظل القطب الجنوبي في ظلام، ثم يحدث العكس. وبدلاً من ذلك، يتغير بحوالي درجة ونصف فقط؛ وهو تغير طفيف، لأن الجاذبية الناتجة عن مدار القمر تحفظه متزناً”.
واستطرد قائلاً: “إن الحجم الكبير للقمر مقارنة بكوكبه المضيف فريد من نوعه في المجموعة الشمسية الداخلية. فعطارد والزهرة ليس بهما أقمار. أما المريخ فبه قمران صغيران – مجرد كويكبات مجتذبة على الأرجح – ولا يقومان بأي دور في تثبيت محور المريخ. فمحور المريخ قريب حالياً من محور الأرض، ولكن هذا حدث بمجرد الصدفة. فهو يتنوع بالفعل على مدى كبير. وفي الواقع كل هذه الكواكب الثلاثة بها تنوعات فوضوية في ميلانها”.
“ويسهم القمر أيضاً بدور حاسم آخر؛ وهو أن يُزيد مدناً. فالقمر يُسهم بنسبة 60٪، والشمس تسهم بنسبة الـ 40٪ الباقية. والمد له دور مهم بدفع المواد الغذائية من القارات إلى المحيطات، وهذا ما يجعلها أكثر غنى بالمواد الغذائية مما يمكن أن تكون. وقد اكتشف العلماء منذ بضعة سنين أن المد القمري يساعد أيضاً على استمرار دورات المحيط واسعة المدى. وهذا مهم لأن المحيطات تحمل الكثير من الحرارة، وهذا ضروري للحفاظ على درجة الحرارة لدوائر العرض الأعلى معتدلة نسبياً”.
“ماذا يحدث لو كان القمر أكبر حجماً مما هو عليه؟”
“لو كان أكثر كتلة وفي نفس المكان، لكان المد قوياً للغاية، مما يخلق صعاب خطيرة. وكما ترى أن القمر يهدئ من دوران الأرض. فالمد يجذب الأرض ويبطئها قليلاً، وفي نفس الوقت يتحرك في مداره. ويمكننا بالفعل قياس ذلك. فرواد الفضاء تركوا مرايا على القمر، وكان الفلكيون يُسلطون تجاهها أجهزة ليزر منذ أوائل السبعينات. وقد أكدوا ان القمر يتحرك في مداره بمقدار 3,82 سم سنوياً”.
“وإن كان القمر أكثر كتلة، لأبطأ الأرض بدرجة أكبر. لصارت هذه مشكلة، لأنه لو طال النهار، لكانت لديك اختلافات كبيرة في درجة الحرارة بين النهار والليل”.
أكد جميس كاستنج – أستاذ في علم الأرض والمناخ في جامعة ولاية بنسلفانيا – أن “استقرار مناخ الأرض يعتمد بقدر كبير على وجود القمر”. وقال إنه بدون القمر، فإن ميل الأرض من الممكن أن “يتنوع عشوائياً من درجة صفر إلى 85 على مدى زمني من عشرات الملايين من السنين” مما يُحدث نتائج مدمرة”.
“بالنسبة لي، كان الأمر مدهشاً أن القمر “يتصادف” أن يكون بالحجم الصحيح وفي المكان الصحيح كي يسهم في خلق بيئة مناسبة للحياة على الأرض. ومرة أخرى كانت تتراكم المزيد من “التزامنات” التي كانت تجعل من الأصعب تصديق أن مجرد الصدفة يمكن أن تكون مسؤولة عن وجود مجالنا الحيوي الداعم للحياة.
لكن كاستنج قدم ملاحظة أخرى مذهلة تضيف احتمالية مثيرة أخرى إلى الظروف الاستثنائية الحالية. قال: “من المعتقد عامة الآن أن القمر قد تكون نتيجة اصطدام عرضي بجسم في حجم كوكب المريخ أثناء المراحل التالية لتكوين الأرض. وإن كانت مثل هذه التصادمات التي تنشئ قمراً نادرة…. من الممكن أن تكون الكواكب المأهولة نادرة أيضاً هكذا”.
[1] Gunter D. Roth, Stars and Planets (New York: Sterling, 1998), 89.
[2]Pam Spence, General editor, The Universe Revealed (Cambridge: Cambridge University Press, 1999), 40.
[3]David Koerner and Simon LeVay, Here Be Dragons (Oxford: Oxford University Press,2000), 5.
لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 2 – لي ستروبل
لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 1 – لي ستروبل
لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 1 – لي ستروبل
لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 1 – لي ستروبل
جاي ويسلي ريتشاردز الطويل الأشقر، الذي يرتدي بليزر قوات بحرية، فيلسوف في جمعية Ivy League التعليمية يتحدث بطلقات متسارعة في حماسة شديدة. أما جيليرمو جونزاليز، الذي كان يرتدي قميصاً قصير الأكمام، وشعره قصير، فلكي موسوعي يتحدث بنغمات محترفة في موضوعات مثل اتجاهات الوفرة الكيميائية بين نجوم توري Chemical Abundance Trends among RV Tauri Stars”.
اشتركا معاً في تأليف كتاب “الكوكب المميز The Privileged Planet”، الذي يقدم أدلة مذهلة تشير لوجود مصمم للأرض – وعلى الأقل لقصد واضح للبشرية.
جونزاليز معروف شعبياً باسم “فتى النجوم”. بعد تخرجه مع مرتبة الشرف بدرجات علمية في الفلك والفيزياء من جامعة أريزونا، حصل فيما بعد على درجة الماجستير والدكتوراه في الفلك من جامعة واشنطن في سياتل. والآن يعمل أستاذاً مساعداً في جامعة ولاية أيوا. ويتمركز بحثه حول النجوم الكتلية المنخفضة والمتوسطة، والنظريات عن تطور النجوم والكواكب.
إنه عالم مؤثر مصقول الثقافة قضى ساعات لا حصر لها في البحث من خلال التليسكوبات في مرصد Cerro Tololo الفلكي الدولي، على ارتفاع 6600 قدم في تشيلي، وفي أربعة مواقع أخرى. وهو خبير في تحليل المعلومات الضوئية والطيفية. وكعضو في الاتحاد الفلكي الدولي، والزمالة العلمية الأمريكية، فإن جونزاليز المتباعد عن الأضواء والجذاب رأى عشرات من مقالاته منشورة في الصحف التقنية، ومصورة على أغلفة مجلات شهيرة مثل Scientific American.
أما ريتشاردز الأكاديمي المبدع الذي يتمتع بشخصية صادقة متباعدة عن الأضواء، فيحمل ثلاث درجات علمية متقدمة في الفلسفة واللاهوت، بما فيها دكتوراه من معهد برنستون اللاهوتي. وقام بتأليف كتاب الإله الجامح The Untamed God، وبتحرير أو المساهمة في كتب مثل الدفاعيات التي لا يمكن الدفاع عنها Unapologetic Apologetics، وعلامات الذكاء Signs of Intelligence، وهل نحن ماكينات روحية؟ Are we Spiritual Machines?، وظهرت مقالاته في مطبوعات تتراوح من Perspectives on Science and Christian Faith إلى Washington إلى Princeton Theological Review. وبصفته نائب رئيس معهد Discovery، يعتبر ريتشارد نجماً ساطعاً في حركة التصميم الذكي المتنامية.
كان كل منا بيده مشروب دافئ، وقد تقابلنا في جناح الضيافة في المطار، حيث جلس ريتشاردز وجونزاليز أمامي على مائدة مؤتمرات جرانيتية تحت أضواء فلورسنت في غرفة بسيطة خالية من الديكور. وفيما كنت مستعداً للانطلاق، سمحت لهم جاهداً أن يستقرا في مكانيهما قبل إثارة سؤالي الأول.
مبدأ كوبرنيكوس
التفت ناحية ريتشاردز، وبدأت قائلاً: “لقد تعلمت في المدرسة أن كوكبنا ليس استثنائياً، وأننا ندور حول نجم نموذجي في جزء متوسط وأرضي من الكون، وأنه ليس هناك أمراً خاصاً أو خارقاً بالنسبة للأرض. أليست هذه وجهة نظر معظم العلماء الآن؟”
فأجابني ريتشاردز: “بلى، وهذا ما يُسمى بمبدأ التوسط Principle of Mediocrity أو مبدأ كوبرنيكوس Copernican Principle. افتح أي كتاب فلك تمهيدي، وسترى ذلك مكرراً مراراً لدرجة افتراض أنه ليس هناك شيئاً متميزاً بخصوص موقفنا، أو موقعنا في الكون، أو السمات الخاصة للأرض، أو النظام الشمسي، أو البشر أنفسهم.
فقاطعته قائلاً: “ولكن أليس هذا مناسباً بعض الشيء؟”
فقال: “نعم بالطبع. فنحن لا يجب أن ندعي أن الأرض، أو نظامنا الشمسي، أو شمسنا فريدة بكل طريقة ممكنة. فلن نكون قادرين أن نمارس العلم إن كان كل مكان في الكون له قانون جاذبية مختلف أو لو كانت الذرات لها كتلة مختلفة. فهذا جيد”.
فسألته: “إذاً من أين تأتي المشكلة؟”
“المشكلة هي أن مبداً كوبرنيكوس قد اتخذ شكلاً ميتافيزيقياً أكبر من حجمه، وهو يقول أساساً بأن حالتنا الميتافيزيقية في نفس عدم أهمية موقعنا الفلكي. وبمعنى آخر، نحن لسنا هنا من أجل غرض معين، ولسنا مميزين بأية طريقة، ولا نشغل مكاناً متميزاً في الكون”.
فقاطعته من جديد: “أليس حقيقة أن اكتشاف كوبرنيكوس – أن الشمس لا تدور حول الأرض، بل أن الأرض هي التي تدور حول الشمس – قد حط تماماً من قدر البشرية؟”
فهز ريتشارد رأسه ضجراً كما لو كان قد سمع هذا التعليق مرات، وقال: “لنعد إلى البداية”. ثم وقف، وخلع معطفه، وألقاه فوق كرسي غير مشغول. وفيما استعاد جلسته، واصل كلامه.
“القصة هي أن القدماء– أرسطو، وبطليموس، ومسيحيو القرون الوسطى – اعتقدوا جميعاً أننا كنا في مركز الكون، أي على عرش الكون، وهو أهم مكان يدور حوله كل شيء. ثم جاء كوبرنيكوس وكبلر وقالا إنه يمكنهما تفسير حركة الكواكب بطريقة أفضل بافتراض أن الشمس هي التي في المركز، وأن الكواكب – بما فيها الأرض – تدور حولها. وبهذا نكون قد ابتعدنا عن المركز، وانتقلنا من موقع امتيازنا”.
“كانت هذه بداية مسيرة طويلة للعلم استمرت في التقليل من قدرنا. وفيما بعد قرر العلماء أن الشمس ليس هي مركز الكون، وأننا لسنا في مركز المجرة، وأن الكون نفسه في النهاية ليس له مركز، لأن العلماء اعتقدوا في القرن التاسع عشر أنه لامتناه وأبدي. وبإمكانك أن ترى كيف أن هذا الاتجاه قد ساعدنا في أن نرى أنفسنا أقل فأقل أهمية، وأننا أقل فأقل في مركز الأشياء”.
“ولهذا جاءت الثورة الكوبرنيكية لتمثل الصراع بين العلم والدين. فالخرافة الدينية أبقت على القول بأن الأرض والجنس البشري هما في مركز الكون، مادياً وميتافيزيقياً، لكن العلم الحديث أثبت بطلان هذا”.
“وتجرد البشر من حسهم الزائف بتفردهم وأهميتهم. وبينما استمرت الجماعة الدينية في اصرارها بوجود شيء ما متفرد، وخاص، وله قصد وهدف يتعلق بوجودنا، يحتفظ العلماء بالقول بأن العالم المادي موجود بأكمله، وأن الصدفة والقانون الطبيعية الموضوعي وحده يمكنه تفسير وجوده”.
كنت أتابع ذلك في اتفاق تام. فتقدير ريتشارد كان متناغماً تماماً مع ما تعلمته بالمدرسة. لكنه حينها أضاف القرار الحاسم.
قال وابتسامة خفيفة تتراقص على جانب فمه: “المشكلة هي أن هذا الوصف التاريخي ببساطة وصف زائف”.
فقال: “اقرأ بطليموس، وجاليليو، وكوبرنيكوس، وكبلر. اقرأ دانتي. ستجد في الكوميديا الإلهية Divine Comedy لدانتي ان سطح الأرض مكان متوسط. وقد كان هذا صحيحاً في علم الكونيات الأرسطي الذي تم صبغه بالرؤية المسيحية في العصور الوسطى. فبالنسبة لأرسطو، كان العالم مصنوعاً من الهواء، والأرض، والنار، الماء. والأرض هي الأثقل، ولهذا من الطبيعي أن تسقط إلى القاع”.
“ولهذا لم تكن الأرض في مركز الكون، لأنها كانت في قاعه. وكان هذا نوع من الحوض الكوني. كانت هي المكان الذي تتحلل فيه الأشياء وتموت. كل شيء فوق القمر كان مصنوع من نوع مختلف من المادة – الخلاصة – والله سكن في الغلاف السماوي خارج الغلاف الجوي للنجوم. والإنسان كان في مكان متوسط”.
ثم قال جونزاليز: “ثم عكس دانتي هذه المستويات بينما تسير في الطريق الآخر نحو الجحيم”.
فاستطرد ريتشاردز قائلاً: “تماماً. كانت هناك تسعة مستويات تصعد إلى الله وتقترب من الكمال، ثم تسعة مستويات تقترب من الفساد المطلق نحو الجحيم. وهكذا، في علم كونيات العصور الوسطى، فإن ما نسميه بمركز الكون هو عرش الشيطان. وهذه نقطة مهمة للغاية. فإن تخيلت أن مركز الكون هو عرش الشيطان، وأن الأرض ذاتها هي الحوض الكوني، عندئذ لن يكون هذا هو الشكل الذي عرفنا من خلاله أن مركز الكون قبل كوبرنيكوس كان هو البقعة المتميزة”.
وأضاف جونزاليز: “بعد ذلك أعادت حركة التنوير سرد القصة بالقول بأن الكنيسة، بسبب غرورها، وضعت البشر في المركز”.
فأومأ ريتشاردز قائلاً: “وهذه هي المفارقة. فحركة التنوير هي التي جعلت الإنسان هو مقياس كل شيء. وعندما تفكر في الأمر بجدية، ستجد أن اللاهوت المسيحي لم يضع الإنسان في المركز على الإطلاق. فنحن لدينا دور مهم جداً لنلعبه في هذه الدراما الكونية، ومن أهميته أن الله قد تجسد. ولكن لم تكن القضية أبداً أن كل شيء قد خُلق خصيصاً من أجلنا”.
منذ عدة قرون، قال أوغسطينوس إن الله لم يخلق العالم “من أجل الإنسان” أو بسبب إلزام ما، بل “لأنه أراد”[1]. في الكوميديا الإلهية يتعلم القارئ أن المعنى الفعلي لكوننا موجودين في المركز كان مجرد تحيز. ففي الواقع نكتشف أن كل شيء قد تم ترتيبه حتى يكون الله في المركز الميتافيزيقي؛ أي في المكان ذي الأهمية القصوى.
“وبدلاً من تشويه صورة الأرض، رأى كوبرنيكوس، وجاليليو، وكبلر أن نظامهم الجديد يرفع من شأنها. فمثلاً، يقرض جاليليو الشعر في كيف أن الأرض، كالكواكب الأخرى، تعكس مجد الشمس، وليس فيما بعد حوضاً كونياً[2]. ولهذا ففي التحول من علم كونيات العصور الوسطى إلى رؤية عصر النهضة، ارتقى هذه المنظور الجديد بالإنسان نوعاً ما”.
وقد توصل باحثون تاريخيون آخرون إلى نفس الاستنتاج. فقال أحدهم: “إن النظام الكوبرنيكي، أبعد من أن يكون قد قلل من شأن الإنسان، إلا أنه حطم رؤية أرسطو عن الأرض كحوض كوني، وإن كان قد فعل شيئاً، فإنه ارتقى بالبشرية. فجعل الأرض كوكباً وجسماً سماوياً، شّرف كوبرنيكوس حقاً من قدرها”[3].
لكن شيئاً لم يُضف لي، فتساءلت: “ألم تضطهد الكنيسة كوبرنيكوس، وجاليليو، وجيوردانو برونو لرؤيتهم بأن الأرض كانت تدور حول الشمس؟”
فقال ريتشاردز: “أولاً، يقول البعض إن كوبرنيكوس قد اضطهد، لكن التاريخ يظهر عكس ذلك. في الحقيقة لقد مات بطريقة طبيعية في نفس العام الذي نُشرت فيه أفكاره. أما عن جاليليو، فلا يمكن تحجيم قضيته إلى صراع بسيط بين الحقيقة العلمية والخرافة الدينية. فقد أصر على أن الكنيسة تُقر بآرائه فوراً بدلاً من السماح لها بنوال القبول تدريجياً، وسخر من البابا. إلخ. نعم، لقد وجه له تعنيف رسمي، لكن الكنيسة واصلت منحه معاشه حتى نهاية حياته”.
في الواقع، قال المؤرخ وليم شي: “كانت إدانة جاليليو نتيجة التفاعل المعقد لظروف سياسية معاكسة، وطموحات سياسية، وكبرياء جريحة”[4]. كما لاحظ الباحث التاريخي فيليب سامبسون أن جاليليو بنفسه كان مقتنعاً بأن “السبب الرئيسي” لمتاعبه هو أنه قد “سخر من قداسة” – البابا أربان الثامن – في رسالة العام 1632[5]. أما بالنسبة لمعاقبته، فقد أوضحها ألفريد نورث وايتهد هكذا: “اجتاز جاليليو احتجازاً إنسانياً وتأنيباً مهذباً قبل أن يرقد في سلام على فراشه”[6].
واستطرد ريتشاردز: “أما حالة برونو فكانت محزنة للغاية. فقد أعدم في روما في العام 1600. وبالتأكيد تعد هذه لطخة في تاريخ الكنيسة. ومرة أخرى، كانت هذه قضية معقدة. فآراؤه الكوبرنيكية كانت عرضية. فقد دافع عن مذهب وحدة الوجود، وأعدم بالفعل لآرائه الهرطقية حول الثالوث، والتجسد، وتعاليم أخرى لا علاقة لها بالكوبرنيكية.
“والآن، إليك الفكرة التي أورد تقديمها: إن كنت تريد تطوير المبدأ الكوبرنيكي، فمن المهم جداً أن تجعله يبدو وكأنه متأصلاً في المسيرة التاريخية للعلم. ولكن عندما تنظر حقاً إلى البيانات، فهي ببساطة غير حقيقة. أما مؤلفو كتب الفلك يواصلون تكرار الأسطورة، كأسطورة الأرض مسطحة بينما كان يعتقد أنها كروية. وهذه فكرة خاطئة أيضاً”.
فأضاف جونزاليز: “كان الدارسون يعرفون في ذلك الوقت أنها كروية. فحتى اليونانيون القدامى عرفوا أنها كروية”.
وقال ريتشاردز: “لقد عرفوا ذلك لمدة ألف عام أو أكثر”.
كنت أعلم أنهم على حق في ذلك. فقد قال ديفيد ليندبيرج – الأستاذ السابق في تاريخ العلوم، والمدير الحالي لمعهد البحث في العلوم الإنسانية في جامعة ويسكونسن – في لقاء حديث:
هناك [خرافة] واضحة؛ وهي أنه قبل كولومبس، اعتقد الأوربيون بالإجماع تقريباً بأن الأرض مسطحة – وهو اعتقاد يُزعم أنه مأخوذ عن عبارات كتابية، ومدعم بكنيسة العصور الوسطى. وهذه الأسطورة يبدو أن لها أصل في القرن الثامن عشر، وقد درسها وبسطها واشنطن ايرفنج، الذي ابتدع دليلاً بصورة فاضحة في تاريخه عن كولومبوس الواقع في أربعة مجلدات…. والحقيقة أنه من المستحيل تقريباً أن تجد شخصاً متعلماً بعد أرسطو يشك في أن الأرض كروية. في العصور الوسطى، كان لا يمكنك التخرج من أي نظام تعليمي، مدرسة كاتدرائية أو جامعة، دون أن تكون لديك فكرة واضحة عن كروية الأرض، وحتى قطرها التقريبي”[7].
والآن، بالإضافة إلى تسفيه أسطورة الأرض المسطحة، كان ريتشاردز وجونزاليز يؤكدان أن المبدأ الكوبرنيكي كان مبنياً على تاريخ خاطئ أيضاً.
استطرد ريتشاردز قائلاً: “ولهذا فإن جيليرمو وأنا بدأنا في مشروع لتوثيق ما إذا كان هناك طرق مهمة تكون فيها الأرض خاصة أو استثنائية. ولعمل هذا كان علينا أن نوضح أن مثل هذه المسيرة التاريخية الطويلة للعلم التي توضح أننا لسنا مهمين لا وجود لها. وكان علينا أن نوضح أن التاريخ مخطئ، وأن ما نفعله يقف في التقليد الجيد للعلم، والذي يقول: “هيا نكتشف ماذا يُشبه العالم بأقصى إمكانياتنا”.
“وماذا وجدتما؟”
فتبادل ريتشاردز وجونزاليز النظرات، وبدأ ريتشاردز: “حسناً، لقد تبع العلماء بشكل عام المبدأ الكوبرنيكي بالقول بأن كوكبنا كوكب عادي، وأن الحياة تتكاثر بلا شك في الكون. وأضاف وهو يومئ لرفيقه باستكمال الحوار: “ومع ذلك، فنحن نعتقد أن الدليل هو عكس ذلك تماماً”.
فواصل جونزاليز: “لقد وجدنا أن موقعنا في الكون، وفي مجرتنا، وفي مجموعتنا الشمسية، وأمور أخرى كحجم ودوران الأرض، وكتلة القمر والشمس، إلخ – أي مدى متكامل من العوامل – تتعاون معاً بطريقة مدهشة كي تجعل من الأرض كوكباً صالحاً للإقامة. والأبعد من هذا هو أننا وجدنا أيضاً أن نفس الشروط التي تسمح بالحياة الذكية على الأرض هو التي تجعلها أيضاً مهيأة لاستطلاع وتحليل الكون”.
وأضاف ريتشاردز: “ونحن لا نعتبر هذا حادثاً. ففي الواقع، نحن نثير تساؤل ما إذا كان الكون قد صمم للاستكشاف أم لا.”
المقادير المكونة للحياة
على هذا الأساس، انطلقت لمناقشة أحد الاتجاهات الرئيسية للعلماء الذين يقبلون المبدأ الكوبرنيكي. قلت: “إنهم يعتقدون أنك إن وجدت مكاناً في أية بقعة في الكون يبقى فيه الماء سائلاً لفترة طويلة من الوقت، فسوف تتطور الحياة، على الأرض. أعتقد أنكما لا تتفقان على ذلك”.
فقال جونزاليز: “كلا؛ لا أوافق. حقيقي أنه كي تكون لديك حياة تحتاج ماء – الذي هو المذيب الكوني – كي تحدث التفاعلات، كما هو الحال مع الكربون الذي هو بمثابة الذرة الأساسية لجزيئات الحياة البنائية الناقلة للحياة. لكنك ستكون بحاجة لأشياء أخرى كثيرة. فالبشر يحتاجون 26 عنصراً أساسياً؛ والبكتريا تحتاج حوالي 16 عنصراً. وأشكال الحياة المتوسطة تقع بين هذين الرقمين. والمشكلة هي أنه ولا حتى أي جسم كوكبي سيكون هو مصدر كل هذه المقادير الكيميائية في الأشكال والكميات الضرورية”.
فقاطعت الحديث لتوضيح أن كُتاب الخيال العلمي تمكنوا من تأمل الحياة خارج كوكب الأرض المبنية بصورة مختلفة تماماً، وعلى سبيل المثال، مخلوقات معتمدة على السيلكون بدلاً من الكربون.
كان جونزاليز يهز رأسه مُبدياً رفضه حتى قبل أن أنهي سؤالي، أصر قائلاً: “هذا لا ينفع. فالكيماء أحد مجالات العلم المفهومة جيداً. ونحن نعلم أنه لا يمكنك الحصول على ذرات معينة، وتلصقها معاً برقم كاف وتعقيد كاف كي تعطيك جزيئات كبيرة كما يفعل الكربون. ولا يمكنك تجنب ذلك. كما لا يمكنك الحصول على أنواع أخرى من السوائل لإذابة أنواع مختلفة من الكيماويات كما يمكنك بالماء. وهناك ست خواص مختلفة لكل من الماء والكربون مناسبة للحياة. ولا شيء آخر يقترب من هذا فالسليكون يفشل عن الوصول إلى الكربون.
“ولسوء الحظ، يرى الناس أنه من السهل خلق الحياة. فهم يعتقدون أن وجود الماء السائل أمر كاف، لأنهم يرون أن الحياة مجرد ظاهرة ثانوية مصاحبة – مجرد قطعة من الطين تنمو على قطعة جامدة من الجرانيت. وفي الواقع، فإن جيولوجيا وبيولوجيا الأرض تتفاعل بقوة معاً. ولا يمكنك أن تتصور الأرض كشيء مستقل عن عمليات الكوكب الجيوفيزيائية والجوية. إنها تتفاعل جميعاً بطريقة وثيقة للغاية. ولهذا فأنت لست بحاجة فقط إلى الكيميائيات اللازمة للحياة، بل أيضاً إلى بيئة كونية معدلة لوجود حياة”.
أثار هذا موضوعاً ذا صلة. فالعلماء كانوا يحلمون بجعل كوكباً كالمريخ يشبه كوكب الأرض، وذلك بتغيير بيئته لخلق كوكب يكون أكثر تلاءماً لاستقرار البشر. تساءلت: “هل سيكون هذا الأمر صعباً للغاية؟”
فقال: “بالطبع؛ فمن المجال المغناطيسي إلى التكتونية (عملية التشويه التي تغير شكل قشرة الأرض محدثة القارات والجبال) إلى دورة ثاني أكسيد الكربون – فإن الحياة المستمرة تتوقف على مجموعة من التفاعلات المعقدة للغاية مع الكوكب”.
وأضاف ريتشاردز: “يعتقد الناس عامة أنهم كما يزرعون بذرة وتنمو يكون من السهل أن تخلق البيئة الصحيحة للحياة، لكن هذا أمر مضلل. ومثال جيد على هذا هو المحيط الحيوي المحكم الذي أنشأه بالبعض في أريزونا منذ عدة سنوات مضت. فقد تصوروا أنه من السهل نسبياً أن تخلق بيئة مستقلة صالحة للحياة، لكن الوقت أعاقهم في محاولة تحقيق ذلك”.
فأشرت قائلاً: “لكن الحياة يمكنها أيضاً أن توجد في ظروف صعبة للغاية. فمثلاً، هناك أشكال من الحياة تعيش في فتحتات ساخنة في أعماق البحر. ولا يبدو أنها تحتاج الأوكسجين أو أي دعم آخر من البيئة المحيطة”.
فقال جونزاليز: “بالعكس؛ فالأشياء الوحيدة الموجودة في هذه الأعماق ولا تحتاج للأوكسجين هي بعض الكائنات المجهرية التي تتنفس الميثان. لكن الكائنات الأكبر التي تحتاج إلى تنظمي أيضها* هي التي تتنفس الأوكسجين. فالأوكسجين يأتي من الحياة التي على السطح والطحالب البحرية. ويختلط الأوكسجين مع المحيط وينتقل إلى المياه العميقة. لهذا فإن هذه الكائنات مرتبطة جداً بالسطح وبالنظام البيئي الكامل للكوكب”.
فيما اندهش بعض الكتاب بموضوع العلاقات البيولوجية، والكيميائية، والفيزيائية المتبادلة المعدلة، ذهبوا لتشبيه مجالنا الحيوي بـ “كائن حي فائق” يعيش حقاً. في الواقع، فإن فرضية Gaia التوحيدية لجميس لافلوك تسعى لتأليه كوكبنا. ومع ذلك، قال جونزاليز وريتشاردز إنه ليس ضرورياً المبالغة إلى هذا الحد.
قال ريتشاردز: “رغم هذه التداخلات المذهلة، ليس هناك ما يدعو أي شخص كي يرى الأرض ذاتها ككائن حي، ولا سيما إلهاً أو إلهة”.
ثم انتقل إلى صورة مألوفة تماماً بالنسبة لمن يرون علامات التصميم في آلية الأرض المعقدة المترابطة. وقال: “هذا يشبه تأليه ساعة بسبب خواصها المدهشة بدلاً من النظر إلى صانع الساعة نفسه”.
عالم 13M المعادي
قبلت فكرة أن أنواعاً فقط من البيئية الكونية يمكنها أن تستضيف الحياة ومن الناحية الأخرى، فالكون بتريليونات النجوم وبأجسام أرضية لا حصر لها تدور حولها. وبالتأكيد فإن الشواذ الرياضية تتحيز لنجوم كثيرة تنتج مواطن شبيهة بالأرض – وهذه نقطة تقف ضد فكرة أن الأرض هي متفردة ومن ثم مصممة.
ولكن بينما ترى عيناي غير المدربة كل نجم كما لو كانت له إمكانية متساوية كي يرأس نظام شمسي حامل لحضارة، سرعان ما تعلمت شيئاً مختلفاً بينما واصلت الأسئلة الخاصة بالشروط الضرورية لازدهار الحياة.
التفت إلى جونزاليز، وقلت: “عندما ننظر إلى بلايين النجوم التي تُشكل مجرة الطريق اللبني، ألا يمكننا أن نفترض منطقياً أن الكواكب التي تزدحم بالحياة تغطي كل المكان؟”
فقال بوضوح: “كلا، ليس هذا هو الافتراض المنطقي المبني على الأدلة. فبالاشتراك مع دون براونلي وبيتر وورد من جامعة واشنطن، طورت مفهوماً اسمه منطقة المجرة المأهولة Galactic Habitable Zone؛ وهي منطقة في المجرة يمكن أن تكون فيها كواكب مأهولة. وهكذا لا يمكنك أن تشكل كوكباً مأهولاً في أي مكان؛ فهناك قدر كبير من معوقات الحياة بينما تنتقل من مكان إلى آخر”.
استرجع ذهني الماضي عندما أرسل دريك وساجان رسالتهما الاشعاعية إلى مجموعة النجوم التي تسمى بالمجموعة الكونية 13M. كانت نظريتهما تقول إنه بإرسال تحيتهما عبر مكان مكدس بالنجوم، ستكون هناك فرصة أكبر لالتقاطها بواسطة حضارة ذكية. وعندما سألت جونزاليز عن رأيه في هذه التجربة، كان رده ينم عن عدم الاهتمام.
قال: “المشكلة هي أنه إن كانت احتمالية وجود حياة على أي نجم هي صفر، ستبقى الاحتمالية بالنسبة لكل النجوم صفراً”.
“صفر؟ هناك أكثر من ربع مليون نجم في هذه المجموعة الكونية. ألا تعتقد أن أياً منها يحوي كواكب بها حياة؟”
فأصر قائلاً: “المجموعة الكونية من أسوء الأماكن في المجرة بأكملها التي نتوقع وجود أية حياة فيها”.
“لماذا؟”
“لسببين. أولاً، إن المجموعات الكونية من بين أقدم الأشياء في مجرتنا. وبسبب قدمها العتيق، فإن نجومها لديها وفرة منخفضة جداً من العناصر الثقيلة – الكربون، والنيتروجين، والأوكسجين، والفوسفور، والكالسيوم، إلخ. وبدلاً من ذلك، فإنها مكونة عن آخرها غالباً من الهيدروجين والهيليوم. وبخلاف ذلك، فإن الأرض مكونة من الحديد، والأوكسجين، والماغنيسيوم، والسيليكون. ثم يأتي الكبريت”.
“وكما ترى، فإن الانفجار العظيم قد أنتج أساساً الهيدروجين والهيليوم. وهما الغازان اللذان صنعت منهما أكثر النجوم المبكرة. أما العناصر الأثقل فقد تركبت – أو طُهوت إن شئت – داخل النجوم. وأخيراً، عندما انفجرت هذه النجوم كسوبرنوفا، قذفت هذه العناصر إلى وسط ما بين النجوم. ثم اندمجت في نجوم أخرى طُهوت بها عناصر ثقيلة كثيرة. ثم قُذفت مراراً، وكانت النجوم تحتوي على كميات متزايدة باستمرار من هذه “المعادن” أو العناصر الأثقل”.
“والآن تحتاج هذه العناصر كي تبني أخيراً كواكب أرضية كالأرض. فلأن النجوم القديمة جداً في المجموعات الكونية قد تكونت مبكراً جداً حتى أنها تتكون خصيصاً من الهيدروجين والهيليوم، لن تكون هناك كواكب أخرى تصاحبها. ربما سيكون هناك غبار، أو حبوب او صخور ضخمة، وهذا كل شيء. لن تجد كواكب في حجم الأرض”.
“والمشكلة الثانية هي أن المجموعات الكونية مكتظة تماماً بالنجوم حتى إنها لا تسمح بوجود مدارات ثابتة حولها. والقوة الجاذبية للنجوم ستخلق مدارات بيضاوية تصل بكوكب افتراضي إلى بوردة وحرارة قصوى، وهذا ما سيخلق موقفاً مانعاً للحياة”.
كان تقريره يشكل معنى، لكنه أثارني للتساؤل لماذا ضيع دريك وساجان – الفلكيان المعروفان – وقتهما في محاولة الاتصال بنجوم 13M؟ فهز جونزاليس رأسه عندما سألته هذه السؤال.
قال: “إنه لأمر مدهش حقاً أن يعتقدا بوجود أية فرصة بوجود حضارة تتلقى رسالتهما في مجموعة كونية. كان يجب أن تكون معرفتهما أفضل! بصراحة، أعتقد أنهما خدعا بثقتهما الكاملة في المبدأ الكوبرنيكي الميتافيزيقي – القائل بأن الحياة كانت موجودة في كل مكان في المجرة – حتى أنهما تغاضيا عن الحقائق”.
[1] Quoted in Hans Blumenberg, The Geneses of the Copernican Revolution, Translated by Robert M. Wallace (Cambridge, Mass: MIT Press, 1987), xv.
[2] Galileo Galilei, Sidereus Nuncius, Quoted in Dennis Danielson, The Book of the Cosmos (Cambridge: Perseus, Helix, 2000), 150.
[3] Philip J. Sampson, Six Modern Myths (Downers Grove, III.: InterVarsity, 2000), 33 (emphases added).
[4] William R. Shea, “Galileo and the Church” in: David C. Lindberg asn Ronald L Numbers, editors, God and Nature (Berkeley: University of California Press, 1986, 132.
[5] Philip J. Sampson, Six Modern Myths, 38, citing Jerome J. Langford, Galileo, Science and the Church (Ann Arbor: University of Michigan Press, 1971), 134.
[6] N. Whiehead, Science and the Modem World Cmbridge: Cambridge University Press, 1946), 2, quoted in Philip J. Sampson, Six Modern Myths, 38.
[7]”Natural Adversaries?” Christian History, 76 (Volume XXI, No, 4), 44.
* الأيض هو العمليات المتصلة ببناء البروتوبلازم؛ ولا سيما الكيميائية في الخلايا الحية.
لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 1 – لي ستروبل
البرهان العظيم لوجود الله بنظرية الانفجار العظيم – ترجمة جان كرياكوس
البرهان العظيم لوجود الله بنظرية الانفجار العظيم – ترجمة جان كرياكوس
البرهان العظيم لوجود الله بنظرية الانفجار العظيم – ترجمة جان كرياكوس
اشراف فريق اللاهوت الدفاعي
الجدال التالي يدور حول منطقية الايمان بوجود اله عظيم كما يدعي الكتاب المقدس في المسيحية.
يؤكد علم الكون الحديث ان الكون له بداية، وطبقا للعالم البارز Stephen Hawking ” يعتقد الأن معظم الناس ان الكون و الزمن لهما بداية، و هي وقت حدوث الانفجار العظيم” (1). بمعني اخر، انه قبل الانفجار العظيم لم يكن يوجد شيء علي الاطلاق. و بالطبع اذا لم يكن يوجد شيء، فحتما لم يكن يوجد ما قد يتسبب في وجود شيء. و هكذا تكون محاولة اثبات انه قد يتكون شيء من دون سبب تعتبر بمثابة أمر عبثي و غير منطقي ولا معني ، فأساس قواعد المنطق الرئيسية تقول انه لا يمكن ان تحدث ظاهرة دون مسبب لها. فيمكننا القول بأن لا احد بأي مجال سواء في الفيزياء او ما هو ابعد من ذلك، قد اعلن عن ظاهرة دون ذكر سببها.
ربما حاول Peter Atkins محاولة عبثية لشرح هذا، لاثبات ايمانه الالحادي، فناقش ان الكون لا يحتاج لمسبب طالما ان اصله يتكون من تموجات في مقدار الفراغ. و لكن من المعروف ان الفلاسفة و العلماء اعلنوا ان هذه تعد فكرة عبثية نظرا للكم الكبير للعالم. بعد كل هذا، قد يتسأل احد عن سبب هذه التموجات؟ ما هو الموقف الذي ادي لمقدار الفراغ؟ لابد ان تكون الاجابة عثيرة، و لكنها تظل انه اذا كان هناك زمن حين لم يكن يوجد اي شيء، فسوف يظل لا شيء. يتأمل الفيلسوف William Lane Craig قائلا “اعتقاد انه يمكن ان يظهر شيء للوجود بطريقة فجائية دون سبب، تعتبر ابعد من الاعتقاد في السحر. فعلي الاقل في السحر يوجد الساحر و القبعة”(2).
من الواضح ان ذلك يدل علي انه كان لابد من وجود شيء ما يتسبب في وجود الكون. و بما اننا نعرف انه توجد بداية للكون، فسوف يتبع هذا كل الاشياء المكونة التي تسبب في وجودها مسبب سابق. يشرح الفيلسوف Richard Swinburne ذلك قائلا ” هناك نوعان من التفاسير المسببة: التفسير العلمي بالمصطلحات القانونية و الحالات الأولية و التفسير الشخصي بمصطلحات العملاء و ارادتهم… و هكذا لا يوجد تفسير علمي للحالة الاولي للكون، لانه لم يكن يوجد شيء قبله، و هكذا لا يمكن ان نعدها ضمن المصطلحات القانونية التي تعمل علي الحالات الأولية. يمكن فقط عدها ضمن مصطلحات العميل و ارادته، التفسير الشخصي”(3).
يبدو هذا منطقيا لآنه لم يعرض احد علي الاطلاق تركيبة تكونت من ذاتها، فلابد ان يوجد عامل عرضي تسبب في تكوينها. و بما ان هذا متفق مع خبرة كل البشرية، منما يجعل برهان الاثبات يقع علي عاتق المتشكك، ليوضح كيف يمكن ان يتكون مركب من دون سبب، يتسأل Craig “اذا كان من الممكن ان يتكون شيء من دون سبب، لماذا لا نري ذلك يحدث طوال الوقت؟ لا.
ان خبراتنا اليومية و البرهان العلمي يؤكدان افتراضنا الأول – اذا بداء شيئا في التكون، حتما يكون هناك سببا”(4). هذا يحتم ان سبب وجود الكون لابد ان يكون غير مادي (بما انه قد خلق الكون المادي)، غير محدود (بما انه قد خلق المحدود)، ذاتي الوجود و غير مبرر (بما انه قد خلق كل ما هو موجود)، سرمدي (بما انه قد خلق الزمن)، ذو قوة خارقة (بما انه قد خلق الكون بما فيه بأكمله). نحن نستطيع ان نعرض ذلك من خلال مناقشة استنتاجية تعرف ب Kalam Cosmological Argument او مناقشة دراسة الكون:
كل ما هو بدأ في الموجود له مسبب.
الكون له بداية وجود.
اذن، الكون له مسبب.
نستطيع الان اضافة استنتاج رابع:
المسبب يجب ان يكون غير محدود، سرمدي، غير مادي، غير مبرر، و قوته خارقة.
اذا اتبعنا هذه النتيجة، فسوف نصل الي الله، و تحديدا الاله المذكور بالكتاب المقدس المسيحي. و يلخص Craig ما سبق، “ان مناقشة دراسة الكون توضح انه من المنطقي ان تؤمن بوجود الله”(5).
المراجع:
Hawking, S. & Penrose, R. 1996. The Nature of Space and Time. P. 20
The Kalam Cosmological Argument. 2015.
Richard Swinburne quoted by William Lane Craig & J.P. in Moreland in Blackwell Companion to Natural Theology. 2012. P. 192-3
Craig, W. Transcript: The Kalam Cosmological Argument.
لماذا أنا هنا ؟ أزمة الغاية والمعنى، كيف نمتحن فكرة وجود الله؟
لماذا أنا هنا ؟ أزمة الغاية والمعنى، كيف نمتحن فكرة وجود الله؟
لماذا أنا هنا ؟ أزمة الغاية والمعنى، كيف نمتحن فكرة وجود الله؟
“الموت هو الإحصاء الأقصى، حيث يموت واحدٌ من كلِّ واحد”.
الكاتب المسرحيُّ جورج برناد شو
“إنّ حقيقة وجود إلَه يُضفي معنًى على الحياة ذاتُ جاذبَّية أكبر بكثير مَّما لمعرفة المرء أنَّه من دونه يمكنه أن يفعل الشرَّ بغير أن يلقى عقابًا. ولكنْ ليس من خِيار، ومن هنا تبدأ المرارة. فإذ يواجه الإنسانَ هذا الشرُّ، وهذا الموتُ، يصرخ من أعماق نفسه طالبًا الإنصاف”
ألبير كامو (“الثائر”)
قد يُشكِّك بعضٌ في حقِّي بأن أعلِّم عن الإيمان، لأن فكري فيه لم يكن لطيفًا كلَّ حين. فلمَّا كنتُ رياضيًّا في كُليَّة من كليّات الغرب الأوسط في أميركا، كان من شأني أن أستمتع بالمرح الذي يأتينا نحنُ الفُرسانَ بين حينٍ وآخر من السخرية بالنماذج الدينيَّة في حَرَم الكليَّة. وفي ما بعد، عندما كنتُ طالبًا متخرِّجًا في علوم الأحياء، طربتُ يومَ وصلَت إحدى المجلَّات الدينيَّة إلى مكتب طالبٍ آخر. فقد هيّأت تلك المناسبة فرصةً مؤاتية لنا نحن طلَّابَ العلوم في بضعة اختصاصات كي نتلاقى في سبيل فضح سذاجة أولئك الذين يكتبون في مثل تلك المنشورات.
تشويهات شخصيَّة للإيمان
في أثناء دراستي الجامعيَّة قبل التخرُّج وبعدَه بقليلٍ في مجال العلوم الطبيعيَّة، كنتُ ساخرًا بشأن الإيمان والمتديِّنين. وقد نظرتُ إلى الإيمان باعتباره معاكسًا للعقلانيَّة وذريعةً للافتقار إلى المعرفة الصُّلبة. أمَّا العلم، على نقيض ذلك، فيتناول الحقيقة الموضوعيَّة في العالَم الواقعيّ. فالإيمان الدينيُّ لم يكن حقيقة، بل كان تفضيلًا شخصيًّا ورأيًا ذاتيًّا. وكان الإيمان الأقوى هو ذاك الذي يعتنقه المؤمن ويتمسَّك به بغير بيِّنات واقعيَّة، بل بالحقيقة على رُغم البيِّنات المُثبِتة للعكس!
ثُمَّ إنِّني تصوَّرت الإيمان على نحوٍ مشوَّه باعتباره عاطفة. فقد كان أشبه بغطاء أمان للأقلِّ علمًا ولغير الواثقين. وهؤلاء الأشخاص استخدموا الإيمان لإنشاء ثقةٍ زائفة. غير أنَّني اشتبهتُ بكونه وهمًا. وفي الواقع أنَّني اعتقدت أنَّه لا يكاد ينطوي على أيِّ جوهر. أمَّا تصوُّري المشوَّه الثالث، فقد كشف مُعظَم واقعي. ذلك أنَّني شعرتُ بأنَّ الإيمان كان عُكّازًا للضعفاء. ووافقني في ذلك زملائي في دراسة العلوم. فلا بأسَ إذا ساعد الإيمانُ أولئك الذين يعجزون عن مواجهة الحياة. أمّا أنا، فقد كان لسان حالي: “أنا ناجح جدًا من دونه، فشُكرًا!”
ولكنَّ هذه النظرة لمتكن وافيةً كليًّا. فهي كانت غير مُرضية، ولم توفِّر لي الأجوبة في صراعي مع قضايا الحياة ذات الشأن. ومثلي مثل غيري، صارعتُ أسئلةً ومخاوف تتعلَّق بالموت، ومشاعرَ بالذنْب الشخصيّ، ووعيًا لافتقارٍ مُطلق إلى المعنى. وقد كتب اللاهوتيُّ المُعاصِر كلارك ﭙِنُّك ما يصحُّ في وصف ما شعرتُ به آنذاك:
إنَّنا نختبر فقدانًا للمعنى في أيَّامنا. فبحسب الفلسفة الإنسانيَّة مثلاً، يأتي الإنسان إلى العالَم مجرَّدًا من أيَّة قيمة أو معنى أو وجهة متأصِّلة فيه، مستقلاًّ بذاته كليًّا. وليس من نظام هادفٍ أوسعَ تُسهِم فيه حياتُه. كما ليس له أيَّة قيمة أو أهميَّة لم يُنشئها هو لنفسه. وهو مُضطرٌّ منطقيًّا إلى التعاطُف مع مكبث إذ قال: “الحياة حكاية يتلوها أبله، ملأى بالضجَّة والجلبة، تنمُّ عن لا شيء”1.
لماذا أنا على كوكب الأرض؟ أيُّ شأنٍ وقيمة لحياتي؟ منذ عدَّة سنين، طرحَت فرقة البيتلز الموسيقيَّة، التي كان ظهورها حدثًا لافتًا، سؤالاً مماثلاً:
“إنَّه إنسانُ لامكانٍ واقعيٌّ،
جالسٌ في أرض اللامكان الخاصّةِ به،
راسمًا كلَّ خططه اللامكانيَّة لأجل لا أحد.
ليس له وجهةُ نظر،
ولا يدري إلى أين هو ذاهب…
أليس هو مثلك ومثلي بعضَ الشيء؟2
وقد عبَّر الروائيُّ الروسيُّ تولستوي عن ذلك على هذا النحو: “لأيِّ شيءٍ الحياة؟ ألأموت؟ ألأقتل نفسي حالاً؟ لا، أنا خائف. ألأنتظر الموت حتَّى يأتي؟ إنَّني أخاف ذلك أكثرَ بعد. إذًا ينبغي أن أعيش ولكنْ لأجل ماذا؟ أفي سبيلِ أن أموت؟ ثُمَّ لا أقدر أَن أُفلِت من تلك الدائرة”3. أسئلةٌ من هذا القبيل حملتني على إعادة النظر في طبيعية الإيمان. وقد وصلتُ إلى حيث أدركت أنَّ منظوري كان في الواقع صورة كاريكاتوريَّة، أو تشويهًا هزليًا، ولم يكن هو الأمرَ الحقيقيّ.
أزمة الغاية والمعنى
تحديد المشكلة: يتيمٌ مُتناهٍ
قد يساعدنا في هذه النقطة مَثَلٌ إيضاحيّ. تصوَّرْ معي أنْ لا شيءَ موجود: أنَّ الكون كلَّه قد تلاشى. ونحنُ أيضًا لم نعُد موجودين. فالآن، لنتصوَّرْ أنَّ شيئًا من التُّربة يظهر في هذا الفراغ. وقد يُفضِّل بعضُهم أن يدعو ذلك موادَّ كيماويَّة، أو جدولَ العناصر الدَّوري. وللإشارة إلى أنَّ تلك التُّربة محدودة، سنضعها داخل مُثلَّث. فما هي الغاية من هذه التُّربة؟ إنَّ كلَّ جوابٍ عن هذا السؤال يفترض وجود شيءٍ آخر. مثلاً أنَّ الُّتربة هي لزرع النباتات، أو أساسٌ لغرس الأشجار أو إنشاء المباني. ولكنْ لا وجود لأيِّ نبات أو بناء، بل مجرَّد تُربة. فإن كانت التربة بالحقيقة هي الشيءَ الوحيد الموجود، لا يمكن إثباتُ الغاية منها.
وفي سبيل حلِّ إشكاليَّة التُّربة، تصوَّر ظهور العشب فجأةً على سطح التربة في عالَمِنا الخياليّ. فالأن باتت للتربة غاية: أن تكون منبتًا للعشب. ولكن ما القولُ في العشب؟ في عالَمٍ قوامُه التربة والعشب فقط، ما الغايةُ من العشب؟ قد يقول بعضٌ منَّا بسرعة: “الغولف!” ولكنْ ليس من لاعبي غولف. وقد يرتئي آخرون أنَّه للأكل أو للجمال أو للاستمتاع بنعومته تحت الأقدام. ولكنْ لا وجود لأيُّ كائنٍ يأكل أو ينظر أو يستطيع التمتُّع بنزهةٍ على العشب الكثيف. فإنَّ العُشب يقوم وحده مع التُّربة4.
وعلى سبيل التخيير، يمكن أن تُضفى على العُشب غايةٌ في إطار عالمٍ يشتمل على أبقار. فالعشب متوافر الآن ليُتاح للأبقار أن تأكل وتعيش. ولكنْ ماذا عسانا نقول بشأن الغاية من الأبقار؟ ألِتَسميد العشب؟ ألإنتاج الحليب؟ إنَّما لماذا أو لِمَن؟ في عالمٍ متناهٍ، قد تموت الأبقار الفَردة كي تُفسِح في المجال لأبقارٍ أكثر. غير أنَّ ذلك يوحي أنَّ الغاية الوحيدة من موت الأبقار التي لا غاية لها هي إخلاء مكانٍ لمزيد من الأبقار التي لا غاية لها. إنَّ هذا جوابٌ غير مُرضٍ يُبقينا تمامًا في النقطة التي منها انطلقنا. ما هي الغاية؟
وما زال جزءٌ من المشكلة حتَّى هذا الحدّ أنّه لا وجود لمخلوقات عاقلة. فالكائنات الشخصيَّة وحدها، صاحبةُ القدرة العقليَّة والإرادة والعاطفة، من شأنها أن تكون مَعنيَّة بإضفاء معنًى على هذا الكوكب الخياليّ. إذ إنَّ التُربة والعشب والأبقار لا تطلب غايةً ولا تُميِّزها. فماذا يكون لو أنَّ كائناتٍ بشريَّة، قادرةً على التفكير العقلانيِّ وحائزةً لتقدير الِقَيم الجماليَّة، ظهرت داخل المُثلَّث؟ ما دام الجنس البشريُّ الآن في مكانه، يصبح المثلَّث كلُّه كاملاً. فالتربة موجودة حتَّى يتسنَّى للعشب أن يطلع. والعشب يلقى غايةً في توفير المأكل للأبقار. ثمَّ إنَّ التربة والعشب والأبقار متواجدةٌ حتَّى يكون للجنس البشريِّ معنًى وغاية.
ولكنْ ما هي الغاية؟ لماذا يوجد الناس فعلاً في هذا العالم الخياليّ؟ إنَّ الإنسان، في حالته المُتناهية ومنظوره المحدود، يكون أفضل جواب يستطيع الإتيان به هو “لكي ينقب التربة” و”يجزَّ العشب” و”يجلب البقرة”! أليس من شىءٍ بعد؟ ذلك هو مأزِق تولستوي: “لأيَّ شيءٍ الحياة؟ ألِأموت؟”
أهذا العالَم الخياليُّ مختلفٌ في شيء عن عالمنا الفعليّ؟ لا! إنَّ هذا هو عالمُناً الحاليُّ، حيثُ المادَّةُ اللاحيَّة (التربة) والمُتعضِّيات النباتيَّة والحيوانيَّة، والكائناتُ البشريَّة. فالمُثلَّث المُتناهي هو بالحقيقة كُرَةٌ على سطحها كائناتٌ حيَّة، هي الكائناتُ الحيَّة الوحيدة المُكتشَفة حتَّى الآن في الكون كلِّه. ومن المؤكَّد أنَّه لم تُعرَف أيَّة حياةٍ عاقلة أُخرى. فنحن وحدنا كليًّا في الفضاء. وإن كان المُثلَّث المُتناهي هو كلَّ ما هو موجودٌ حقًّا، فعندئذٍ تكون جميع الكائنات الحيَّة، بما فيها البشر، مجموعة أيتام كونيِّين. وقد أحسن ﭙِنُّك في إبراز المشكلة:
هل يشعر كلُّ إنسان في الحقيقة بهذا التَّوق إلى المعنى…؟ كيف يُفسَّر وجود أولئك الذين لا يبدو أنَّهم يطرحون هذا السؤال؟… لدى كثيرين افتراضاتٌ غير معقَّدة بشأن المعنى، وهم يَقبلون قسطًا كبيرًا على البديهة. وإذا كانت الحياة مُقبِلةً عليهم، فربَّما تكون لديهم جملةُ أهداف شخصيَّة – في عملهم أو زواجهم – تؤتيهم إشباعًا كافيًا بحيث تبدو مسألة المعنى الأعمق نائيةً قليلاً. ولكنَّ المؤسف أنَّ لحقائق الحياة سبيلاً للتراكُم على شخصٍ ضحل الافتراضات. فإنَّ شيئًا ما يكاد يُوافيهم دائمًا ليُصدِّع الحلم ويُثير قضيَّة المعنى في وجوههم، شيئًا قد يتَّخذ شكل مرض أو تضخُّم ماليٍّ أو فقدانِ عزيز. إذا يتوافرُ كلُّ نوع من الأخطار التي تتهدَّد معنى حياتنا، سواءُ كان على الصعيد الداخليِّ أو على الصعيد الخارجيّ، ممّا يمكن أن يتآمر على تدميرها إذا كانت تفتقر إلى الأساس المتين5.
إيضاح المشكلة: مرض عُضال
هذا الإفتقار إلى الغاية والمعنى الأسمَيين توضَّح لي مؤخَّرًا في حديث جرى بيني وبين صديقٍ التقيتُه في اجتماع ضمَّ زملاء الدراسة القدامى. فلمَّا سألته: “ماذا تفعل الآن؟” أجاب إجابةً مطوَّلة، فحواها “إنَّني أعمل”. ثمَّ سألته عن سبب امتهانه ذلك العمل، فأجاب: “لأنَّه يؤتيني دخلاً جيِّدًا”. وسألته: “ولكنْ لماذا المال مهمٌّ جدًا في نظرك؟” فأجاب: “لأنَّ عليَّ أن أعيش!” فيما مضى يُعدِّد أقساط بيته وسيّارته، وتكاليف تعلُّمه وحاجاته الترفيهيَّة.
ثمَّ جاء الامتحان الحاسم في سؤالي: “لماذا تعيش؟” وبعد هُنيهةٍ قال ساخرًا بغير تروِّ: “أظنُّ لكي أعمل”. لقد دار دورةً كاملة: فقوام حياته الذهابُ إلى العمل وقبضُ أُجرةٍ يصرفها. وهذا يستلزم النهوض مجدَّدًا في الصباح كي يقبض أُجرة أُخرى ليصرفها. وسوف تستمرُّ الحال على هذا المنوال إلى أن يأتيَ صباحٌ لا يعود فيه يحضر إلى عمله! فلم يخطر في بال الكثيرين قطُّ أنَّ حياتهم ينبغي أن تُناط بحقيقةٍ عُظمى كي تكونَ ذات شأنٍ أسمى، ما داموا ذات يومٍ لن يعودوا يحضرون إلى العمل. ولو أُتيح لصديقي بعد وفاته أن يُلقيَ نظرة استرجاعيَّة على حياته، لسأل على الأرجح: “ماذا كانت غايةُ حياتي على كلِّ حال؟”
لمَّا كنتُ في مرحلة الدراسة الثانويَّة وأوائل المرحلة الجامعيَّة، خُضتُ حينًا صراعًا مع قرارٍ يخصُّ اختيارَ مهنة مستقبلي. وقد شعرتُ حدسًا بأنِّي أُريد لحياتي أن يُحسَب لها حساب. وتركَّزَت معظم النصائح التي تلقَّيتُها على الناحية الاقتصاديَّة، حيث يُتاح لي أن أكسب دخلاً معتبَرًا. لكنَّني شعرتُ بأنَّ الحياة في نهاية المطاف لا بدَّ أن تكون لها قيمةٌ تتعدَّى انتظار المرتَّب. وإلَّا – بحسب إيضاح المُثلَّث – فما كنتُ أفضل حالاً من التُربة والعشب والبقرة. وفي ذلك الحين من شبابي، لم أدرِ سبيل الخروج من هذا المأزق.
تصوُّر حلّ:
دعوى وجود الله
بدا لي آنذاك أنَّه بين الذين عرفتُهم كان المتديِّنون هم الوحيدين الذين لديهم شيءٌ من الشعور بالاطمئنان حيال هذا المأزق. وقد كانت ردَّة فعلهم: “دُن، إنَّ الله هو الحلُّ الوحيد”. فإنَّهم آمنوا بأنَّ لحياتهم قيمةً أبديَّة لأنَّ إلهًا غير مُتناهٍ وذا شخصيَّة أوضح لهم مِن أين جاؤوا، ولماذا هُم هنا، وإلى أين يذهبون بعد الوفاة. ولكنْ لمَّا سألتُهم كيف عرفوا أنَّ الله موجود، اكتفوا بإجابتي بأنَّه ينبغي لي أن أومن من دونَ تساؤل. وكان من شأن ذلك فقط أن يُعزِّز رأيي أنَّ أهل الإيمان والدِّين معارضون للعقلانيَّة حقًّا. فلم تُقدَّم أيَّة أسباب منطقيَّة وبدا أنَّ البرهان ليست له أدنى علاقة بالإيمان.
تفكيرٌ رَغبيّ أم حقيقة موضوعيَّة؟
وقعتُ مؤخَّرًا على مَثَل حديثٍ يوضح الصِّراع الذي خبرتُه في مقتبل عمري:
ذات مرَّة وصل مستكشِفان إلى فُرجة في غابة. وكانت تلك الفُرجة ملأى بكثيرٍ من الأزهار والأعشاب. فقال أحدُ المُستكشِفَين: “لا بدَّ أنَّ بُستانيًّا ما تعهَّد هذه المرجة”. وأجابه الآخر: “ليس من بُستانيّ”. ثمَّ نصبا خيمتهما وتناوبا الحراسة. فلم يُرَ أيُّ بستانيٍّ قطّ. “ولكنْ لعلَّه بستانيٌّ غير مرئيّ”. وهكذا أقاما سياجًا شائكًا، وكهرباه، وأطلقا كلاباً دَمُومة للمطاردة… ولكنْ لم يسمعا أيَّة زعقة توحي بأنَّ مُتطفِّلاً صعقه التيّار. كما لم يُحرِّكِ الشريط الشائك قطُّ لينمَّ عن وجود مُتسلِّقٍ غير منظور. ولم تنبح الكلاب الدَّمُومة قطُّ على سبيل الإنذار. إلَّا أنَّ المؤمن، رغم ذلك كلِّه، لم يقتنع. “غير أنَّ هنالك بُستانيًّا غير منظور وغير متأثِّر بصعقات التيّار الكهربائيّ، بُستانيًّا يأتي في الخفاء كي يعتنيَ بالبستان الذي يحبُّه” وفي الأخير ييأس الشكّاك، ويقول: “ولكنْ ماذا يبقى من تأكيدك الأصليّ؟ فيمَ يختلف تمامًا ما تدعوه بُستانيًّا غير مرئيّ وغير ملموس ومُوهِمًا دائمًا أبدًا عن بستانيٍّ مُتوهَّم، بل أيضًا عن عدم وجود بستانيٍّ على الإطلاق؟”6
من البديهيِّ أنَّ المُلحِد الدكتور أنثوني “فلو” يريد منّا أن نُحدِّد البستانيَّ على أنَّه الله والبستانَ على أنَّه العالَم. فإذا كان الله (الدائرة) غير منظور وغير ملموس ومُوهِمًا دائمًا أبدًا بالنسبة إلينا نحنُ في العالم (المُثلَّث)، فكيف يتأكَّد لنا أنَّ الله ليس مجرَّد حصيلةٍ أفرزها خيالُنا؟ وإن كان الدكتور “فلو” على حقّ في زعمه أنَّ الله غير موجود، فعندئذٍ لا يكون لنا نحن البشر مصدرٌ مُطلق نتعلَّم منه أين جئنا، ولماذا نحن هنا، وما هو مصيرنا النهائيّ. بعبارةٍ أُخرى، ما كُنَّا لنعرف أنَّ لحياتنا غايةً ومعنًى أسمى من وجودنا في الُمثلَّث المُتناهي (من المهد إلى اللحد). كما يكون من شأننا أن نتلاشى بالموت.
ولكنْ لماذا أفترِض هنا أنَّه ينبغي أن يكون لنا غايةٌ ومعنى مُطلَقان؟ ماذا لو كانتِ الحياة في المثلث عظيمة ولم نشعر بأيَّة حاجة إلى أيِّ شيء آخر؟ الجوابُ أنَّنا نستكشف الإمكان فحسب. فليس مهمًّا بالحقيقة أن يشعر المرء – أو لا يشعر – بوجوب وجود غاية ومعنى أسمَيين. إنَّما ينبغي لنا بالحريِّ أن نسأل: “إذا كان لنا بالحقيقة غايةٌ قُصوى الآن وما وراء القبر على السواء، أفلا ينبغي لنا أن نعرف؟” من شأن الذهن المنفتح أن يرغب في معرفة الحقيقة (بصرف النظر عن شعورنا بوجوب ذلك) ولا سيَّما إذا كان مقرَّ مصيرنا الأبديِّ يتوقَّف على كيفيَّة تجاوبُنا في هذه الحياة.
إنَّ ما ننظر فيه هو إمكانيَّة وجود الدائرة قبل المُثلَّث، وكونُ الدائرة لامتناهيةً وشخصيَّة. طبعًا، ليس من شأن الدائرة المُتوهَّمة (الله) أن تنفع. ومجرَّد الرغبة في وجود إِلَهٍ لا تجعله موجودًا. فكيف لنا أن نعرف أنَّ الله موجودٌ حقًّا، وليس مجرَّد فكرة وهميَّة أوجدها توقُ الإنسانِ الرغبيُّ؟
استراتيجيا ممكنٌ فحصُها
كان الجوابُ عندي بسيطًا: إذا كان إلهٌ حقيقيٌّ موجودًا، فالطريقة الواحدة التي بها أعرف ذلك يقينًا هي أن يصير منظورًا وملموسًا، يمكن أن يُرى ويُسمع ويُلمس. فقد أردتُ أن أراه في واقع التاريخ على كوكب الأرض. ومن شأن ذلك أيضًا أن يردَّ اعتراض المُلحِد “فلو” من جهة الله. وتاليًا، بتُّ أُدرك أنَّ مجرى التفكير هذا كان مؤاتيًا. وها أنا أراه الآن من زاوية إيضاح المثلَّث: أهو أمرٌ ممكنٌ التصوُّر أنَّ الدائرة (الله) قد تصير مرئيَّة وملموسة داخل المثلَّث (العالم المُتناهي) حيث التربة والعشب والبقر والبشر؟
مزيتان جوهريتان من مزايا الله
لقد زوَّدني التحليلُ عبر السنين منذ صراعي الأصليّ بمزيدٍ من التبصُّر. وطالما وجدتُ عونًا خاصًّا في ما كتبه الفيلسوفُ واللاهوتيُّ الراحل فرنسيس شايفر. فهو حاجَّ بأنَّه لا يفي بالغرض أيُّ إلَه. ذلك أنَّ إلهًا يستطيع حلَّ مشكلة الغاية والمعنى، ومن ثمَّ يشرح طبيعة الإنسان الشخصيَّة، ينبغي أن يحوز مزايا معيَّنة، اثنتانِ منها حاسمتان على وجه الخصوص.7
1- ينبغي أن يكون الله لامتناهيًا
إنَّ إلهًا لامتناهيًا وأزليًّا هو بالتحديد إله كامل ومثاليٌّ كليًّا ولا ينقصه شيء، ومن الواجب أن ينوجد هذا الإله قبل المُثلَّث المُتناهي وخارجَه. أو يمكن أن أسأل بحقّ: “ما هي غاية الله؟” فإنَّ كون الله لامتناهيًا يجعل سؤالاً كهذا عن الله عديم المعنى، بما أنَّه لا يعتمد على أيِّ شيءٍ آخر سوى ذاته. ولم لم تكن الغاية متأصِّلة في كينونته، لما كان لامُتناهيًا. وبالمثل، لو كان الله مُتناهيًا، ما كان نافعًا في حلِّ مشكلة الغاية والمعنى لنا نحن داخل المُثلِّث، لأنَّه هو أيضًا يكون إذ ذاك جزءًا من المشكلة. ثُمَّ إنَّه يكون غير قادر على خلق المُثلَّث وتركيزه في الفضاء بالدرجة الأولى.
2- ينبغي أن يكون الله شخصيًّا
الكائنات الشخصيَّة تتواصل أو تتفاهم، وتُنشئ علائق، وتقدر أن تحبُ. ولها قدرة فكريَّة أو عقليَّة وإرادة وعواطف. وليست مثل الريح أو النار أو شعاع الرادار. فليس في وسع أيٍّ من هذه أن يردَّ صدى أيَّة عاطفة.
وعليه، فإنَّ “القوَّة” غير الشخصيَّة في “حروب النجوم” الشهيرة لن تُجديَ أبدًا أن تكون إلهًا. إنَّه أمرٌ ممكن التصوُّر أن تتخيَّل قوَّةً (إلهًا) تضرب كلَّ شخصٍ فوق الأرض على رأسه كلَّ يوم عند الظُّهر. إذ ذاك نعرف جميعًا أنَّ شيئًا ما موجودٌ حقًّا، ويُحتمل أن يكون كلٌّ منّا مُبرمجًا كي “ينحني سريعًا” كلّ يومٍ عند الظُّهر. وربَّما نكون مُبرمَجين مثل كلب باﭬلوڤ. ولكن لن يسعنا أن نفهم لماذا نُضرَب (أهي “تربيةُ محبّة” أم “صُفعة معاقبة”؟) ولا كيف نُلطِّف من أفعال تلك القوَّة. ولا بدَّ أن تدعو الضرورة إلى نوع من أنواع التواصل العقلانيِّ المحدَّد والموضِّح. ونحن نعلم أنّ الكائنات الشخصيَّة وحدها قادرة على ذلك. والكائن الشخصيُّ القادر على هذا النوع من التواصُل والمحبَّة يستطيع أن يوطِّد بينه وبيننا علاقةً ما. غير أنَّ الحال ليست على هذا المنوال في مفهومً عن الله يعدُّه “روحًا كونيًّا لا شخصيًّا”. فالإله الذي هو “شخصٌ” لا “شيءٌ” وحده يستطيع أن يدخل المُثلَّث ويُتيح لنا أن نراه ونلمسه ونعرفه حقًّا.
ديانات العالَم تحت المجهر
في جميع أنحاء المُثلَّث المُتناهي، أي عالمنا، ناسٌ يزعمون أنَّهم يعرفون أنَّ إلَهًا مّا موجود. ولكنَّهم لا يتَّفقون أبدًا على حقيقته أو طبيعته. فبقلمٍ عريض، يمكن تصنيف جميع الديانات بحسب نظرتها في مزيَّتَي الله الجوهريَّتين المحدَّدتَين آنِفًا. وعليه، فهي تندرج في ثلاثة أبوابٍ أساسيَّة.
الفكر الشرقيُّ
تُقِرُّ أديانٌ مثل البوذيَّة والهندوسيَّة بأنَّ الله لامُتناهٍ حقًّا. فالله هو مصدر جميع الموجودات وحافظُها ومُعيلُها. غير أنَّ الإلَه الشرقيَّ ليس كائنًا شخصيًّا. بل تقول تلك الأديان إنَّ كلَّ شيء هو الله، وإنَّ الله هو كلُّ شيء. هذا هو أساس تعليم “العصر الجديد” بأنَّ البشر سماويُّون لأنَّهم جزءٌ من “الكلّ”. ولكنْ في الفكر الشرقيِّ عن الله، لا وجود لشخصٍ: فليس من قدرة عقلانيَّة، ولا عاطفة ولا محبَّة، ولا تواصُل. وليس من شخصٍ ينبغي للمرء أن يعرفه. فالله حضورٌ كونيٌّ لا شخصيٌّ، لا شخصٌ يُرى أو يُسمع أو يُلمس. إنَّ الله لا مُتناهٍ، غير أنَّه لا شخصيٌّ، لا شخصٌ يُرى أو يُسمع أو يُلمس. إنَّ الله لا مُتناهٍ، غير أنَّه لا شخصيٌّ، مثله مثل الرِّيح.
ثُمَّ إنَّ إلَهًا لاشخصيًّا لا يوفِّر أساسًا للمسائل الخُلقيَّة المتعلِّقة بالخير والشرّ. ففي الهندوسيَّة قوَّةٌ خيِّرة وقوَّةٌ شرِّيرة على السواء. ولكنْ بما أنَّ “الكلُّ واحد” فلا شيءَ صائبٌ أو خاطىءٌ بصورة مُطلَقة.
كذلك أيضًا لا تُجيب الهندوسيَّة عن السؤال: “كيف يمكن أن أكون شخصيًّا؟ ومن أين يأتي وعيُ الذات والإدراك الذاتيُّ والشخصانيَّة جميعًا؟” من شأن الهندوسيِّ أن يُجيب: “إنَّ معرفة الله بصفته لاشخصيًّا تقتضي أن ننكر شخصانيَّتنا الذاتيَّة أو تتجاوزها”. وإنشادُ “أُمْ… أُم” هو مسعى حالة وعيٍ مُحوَّلة في محاولةٍ للنجاة عمدًا من شخصانيَّتنا بُغية معرفة الله، أي أن نصير واحدًا نحن والكون اللاشخصيّ.
الفكر الغربيّ
كانت لدى الإغريق وشعوب الشمال فكرةٌ مختلفة. فأيُّ مَن قرأ أساطيرهم يعلم أنَّ آلهتهم كائناتٌ شخصيَّة جدًّا وقابلة أن تُعرَف. ذلك أنَّ لها شخصيَّات واضحة الملامح. إنَّما المأزق في كون هذه الآلهة تُعاني مشاكل تفوق ما يعانيه البشر. فهي ليست لامُتناهية. إذ تحارب وتشتهي وتحسد، ممَّا يُبيِّن أنَّها مُتناهية وغير كافية أو وافية في ذواتها. إنَّها لا تستطيع توفير الغاية والمعنى المُطلقَين.
ثلاثة استثناءات
تُرى، ماذا نفعل؟ للشرق أديانٌ تزعم أنَّ إلهًا لامُتناهيًا موجود، ولكنَّه ليس شخصيًا (لا عقل له ولا إرادة ولا عاطفة). يجب أن أومن بوجود إلَهٍ كهذا، ولكنْ من داخل المثلَّث المُتناهي الذي أنا موجودٌ فيه لا سبيل لديَّ كي أعرف إلَهًا كهذا أو أُنشئ علاقةً به. وللغرب أديانٌ تقول بوجود آلهة شخصيَّة قابلة أن تُعرَف ولكنَّها غير وافية أو كافية. فالآلهة الغربيُّون ليسوا مُتناهين ولا يمكنهم أن يوفِّروا حلاًّ للغاية والمعنى المطلَقين، أي كيف وصلنا هُنا، ولماذا نحن هنا، وما هو مصيرنا النهائيّ؟ إنَّما هنالك ثلاث ديانات تذهب إلى أنَّ إلهها لامُتناهٍ وشخصيٌّ في آنٍ واحد. فاليهوديَّة والمسيحيَّة والإسلام جميعًا تُعلِّم أنَّ الله هو على السواءِ الخالقُ اللامُتناهي وكائنٌ شخصيٌّ ذو قدرة عاقلة وإرادة وعاطفة، وممكنٌ أن يُعرف.
الفرق الحاسم
بماذا يُجيب كلٌّ من هذه الأديان عن السؤال: “ماذا يُدريني أنَّ إلهك موجودٌ حقًّا؟”
من شأن اليهوديَّة أن تقول إنَّ الله أعلن ذاته للنبيّ موسى بالتواصُل اللفظيِّ كما هو مُفصَّل في الأسفار الخمسة الأولى من كتاب العهد القديم. ومثل هذه الرسالة المحدَّدة لا يمكن أن تصدر إلاَّ عن كائنٍ شخصيٍّ عاقل. ثُمَّ إنَّ إلَه التَّوارة يقول في هذه الكتابات إنَّه أزليٌّ كما هو خالقُ الكونِ غيرُ المتناهي. وعليه، يؤمن اليهود أنَّ إلههم لا مُتناهٍ وشخصيٌ.
ومن شأن الإسلام أن يقول مثل ذلك أيضًا، ما عدا كونَ الرسالة الخاصَّة عندهم كما يُبيِّنها القُرأن جاءت على يد محمَّد. وعلى ما يبدو بين الكتابَين من تعارُض، يذهب كلا النبيَّين إلى أنَّه تلقَّى رسالته من الله. وهكذا، فقد يقول قومٌ إنَّ كلتا الرسالتين ليست من عند الله، ويقينًا ليست من عند الإلَه عينه لأنَّ من شأن ذلك أن يُوهِم بأنَّ الله مرتبك! ومن شأن المُلحِد، الدكتور “فلو”، على الأرجح، أن يظلَّ يعترض بأنَّ نظير هذا الإلَه اللامرئيَّ والمُوهِم يمكن أن يكون من اختراع البشر.
إنَّما كيف يمكن أن يجيب المسيحيُّون عن السؤال نفسه؟ إنَّ المسيحيَّة وحدها تتخطَّى اعتقاد وجود الله ومخاطبتِه البشر برسالة محددَّة إلى القول بأنَّ الله اللامُتناهيَ والشخصيَّ جاء إلى الأرض ظاهرًا في هيئة إنسان بشخص يسوع المسيح. بكلماتٍ أُخري: إنَّ مَن في الدائرة (الله) جاء إلى داخل المُثلَّث (العالم) حيثُ بات ممكنًا أن يُرى ويُسمَع ويُلمَسْ. فعند المسيحيِّين أنَّ الله لم يبق لامرئيًّا وغيرَ ملموس. والمسيحيَّة وحدها تذهب إلى أنَّ مؤسَّسها هو الله متجسِّدًا، لا مجرَّد نبيٍّ أو قدِّيس. ولأنَّ الله صار كائنًا بشريًّا وعاش على الأرض أكثر من ثلاثين سنة، فهو يوفِّر لكلِّ إنسان فرصة فريدة كي يمتحن هذ الفرق الحاسم، أعني كي يفحص الجواب المسيحيِّ عن كيفيَّة معرفتنا أنَّ الله موجود حقًّا.
فيسوع الميسح إمَّا هو الله وإمَّا ليس الله، كما يعتقد المسيحيُّون أنَّه هو. وليس عليك أن تُصدِّق هذه المقولة تصديقًا أعمى. ففي وسعك أن تُحقِّق في هذا الشخص بالمنطق والعقل اللذَين ينسحبان على باقي الدراسات التاريخيَّة تمامًا. إنَّ هذه دعوى قابلة للفحص حقاً.
شروط النظر المنطقيِّ في دعوى كون المسيح هو الله
وددتُ لو أنَّ سبيلي الخاصَّ في البحث عن الله كان واضحًا لي هكذا في حينه. إلاَّ أنَّني همتُ على وجهي بين كُتب العلوم والفلسفة والدِّين، محاولاً أن أشقَّ طريقي وحيدًا. وفي الأخير اهتديتُ حقًّا، بالاختبار الشخصيّ، إلى الطريق المرسوم هنا. فللقارىء الذي يُسائل نفسه الآن عن إمكان الاهتداء إلى الله، أقول إنِّي أعتقد أنَّ في وسعي أن أوفِّر عليك مقدارًا كبيرًا من الوقت والخيبة. إنَّ أمامك رجاءً وابتهاجًا! فالمسيحيَّة تقول بأنَّ الله قد جعل نفسه قابلاً أن يُعرف في العالم الطبيعيِّ الخاضع للعقل والبيِّنات. والدعوى بأنَّ خالقَ العالَمِ الشخصيَّ اللامُتناهي قد صار إنسانًا في شخص يسوع الناصريِّ هي دعوى قابلة للفحص. وللقيام بذلك، لا بدَّ من استيفاء ثلاثة شروط.
وثيقة تاريخيَّة موثوقة من القرن الأوَّل
يتوضَّح الشرط الأوَّل حالاً. لقد حصلت الزيارة من قِبَل الله منذ نحو ألفَي سنة. فكيف يستطيع أيُّ امرئٍ اليوم أن يتيقَّن بأنَّها حصلت فعلاً وأنَّ يسوع كان شخصاً حقيقيًّا من أشخاص التاريخ؟ في سبيل فحص هذه الدعوى المسيحيَّة، لا بدَّ من وجود وثائق مكتوبة تخصُّ يسوع. والوثائق الوحيدة المعروفة، المُفضَّلة على نحوٍ كاف لهذا الفحص، هي كتابات العهد الجديد. وقد كانت نظرتي في ذلك الحين أنَّ سجلَّات الإنجيل كما رواه متَّى ومرقس ولوقا ويوحنَّا تنطوي على قصصٍ خُرافيَّة أعاد كتابتها المُترجِمون وشوَّهوها على مرِّ العصور، بحيث لم يبقَ من التاريخ الأصيل إلَّا النَّزر اليسير. وفي الواقع أنَّ مقالةً خاصًّة ظهرت في مجلَّة “تايم” زعمت أنَّ 82% بالمئة ممَّا تنسبه الأناجيل الأربعة إلى سيرة حياة يسوع وتعالميه هي أساطير8 . بعبارة أُخرى، لم أومن بأنَّ الكتاب المقدَّس صحيح. وقد كان ذلك شعوري مع أنَّي لم أنظر قطُّ في البِّينات الأدبيَّة المتعلِّقة بصدقيَّة كتاب العهد الجديد أو بموثوقيَّته التاريخيَّة.
وعليه، فإنَّ أوَّل شرط لفحص الدعوى بأنَّ المسيح كان هو الله ظاهرًا في جسمٍ بشريٍّ يتمثَّل في الحاجة إلى سجلٍّ تاريخيٍّ موثوق من القرن الأوَّل عن يسوع المسيح. وإلاَّ، فكيف يستطيع أيُّ امرئٍ أن يكوِّن بصورةٍ منطقيَّة قناعةً مباشرة بشأن يسوع، إن لم يكن في حوزته مصادرُ كتبها شهود عيان؟ فالمبحث الأوَّل إذًا هو أن نُحدِّد كون كتاب العهد الجديد مصدرًا موثوقًا به في تاريخ القرن الأوَّل.
منهجُ برهان
ثانيًا، ينبغي في أيِّ مبحثٍ عقلانيّ أن تتوافر وسيلةٌ ما لجمع الحقائق أو الوقائع. أضِف أنَّه لا بدَّ من وجود اتِّفاقٍ ما على ما من شأنه أن يُشكِّل برهانًا وافيًا على صحَّة الدعوى بأنَّ يسوع المسيح هو الله. ومن الواضح أنَّ المنهج العلميَّ هو المنهج الأمثل في ملاحظة العالم الطبيعيّ. إلَّا أنَّه يستلزم أن يكون الاختبار قابلاً للتكرار في بيئةٍ مضبوطة حتَّى تتيسَّر ملاحظتُه. فالتاريخ لا يمكن تكراره ولا يُسلِس قياده للمنهج العلميّ. ومثله أيضًا الجمالُ والقِيَم الجماليَّة وجمهرةٌ من الأمور الأُخرى. فكيف تُبرهِن شيئًا هو حادثةٌ حصلت مرَّةً واحدة؟ لقد تعوَّدنا قبول منهج برهان آخر للأحداث التاريخيَّة. وذلك هو المنهج القانونيُّ المُتَّبع في نظام محاكمنا لدى قُضاتها ومُحلَّفيها. فأيَّة قضيَّة إثبات يستعرضها الإدِّعاء والدفاع كلاهما بشأن الدعوى المنظور فيها. ثمَّ يعمد قاضٍ أو مُحلَّفون إلى رَوز البيِّنات للتوصُّل إلى حُكم أو قرار منطقيّ بشأن المسألة.
هذه المقاربة العقلانيَّة لجمع المُعطيات ورَوز صحَّتها هي السبيل إلى مقارنة البيِّنات المتعلِّقة بكتاب العهد الجديد وشخص يسوع المسيح. وبما أنَّ العهد الجديد يؤكِّد أنَّه وثيقة تاريخيَّة كتبها شهود عيان، فلا بدَّ أن يكون الشرط الثاني للنظر في ما يذهب إليه هو استخدامَ المنهج القانونيّ. وستكون، أيُّها القارئ، أنت القاضيَ والحَكَم معًا في إصدار حُكمٍ مؤسَّس على البيِّنات.
شكٌّ صادق
إذا كان الإيمان بالله ينبغي أن يتجاوز كونه مؤسّسًا على المشاعر ومُتناقضُا للعقلانيَّة، فلا بدَّ من أن يتقبَّل فحص المقولات الواردة في الكتاب المقدَّس بأستخدام المنهج القانونيّ. بهذه الوسيلة يتيسَّر إنعام النظر في دعوى المسيحيَّة بأنَّ يسوع كان هو الله متجسِّدًا. ولكنَّ شرطًا ثالثًا ينبغي أن يكون في محلِّه أيضًا: أنَّ عليك، أنت القارىء، أن تكون صادقًا وموضوعيًّا حيال البيِّنات. ولنا في القصِّة الفكاهيَّة التالية عن ذلك الشكوكيِّ غير الشريف ايضاحٌ لسبب كون هذا الشرط ضروريًّا.
بدأ رجُل، على غير توقُّع، يقول لأهله وجيرانه وزملائه إنَّه مَيْت. ولمَّا اصطحبته زوجتُه إلى مُحلِّل نفسانيّ في الجوار، كلَّفه هذا مهمَّة البحث في الكتب المدرسيَّة الطبِّيَّة والمجلّات الصحِّيَّة حتَّي يكوَّن لديه اقتناعٌ راسخ بشأن السؤال: “هل ينزف الموتى؟” وبعد أسابيع من المطالعة، عاد بحُكمٍ مُفادُه أنَّ البيِّنات دامغة على أنَّ الموتى لا ينزفون. فابتسم المحلِّل النفسانيُّ وأمسك بدبُّوس كان قد به لأجل هذه اللحظة بعينها. ثمَّ وخز إصبع الرجل بلا هوادة، وانتظر استجابته. فحدَّق الرجل إلى الدَّم المتقطِّر من إصبعه، وشحب وجهُه وصاح: “إنَّ الموتى ينزفون فعلاً!”
لقد كان ذلك الرجُل شُكوكيًّاً غير شريف. وكثيرون يطلبون أجوبةً عن أسئلتهم بشأن الإيمان، أجوبةً مؤسَّسةً على الوقائع والبيِّنات. فمن المهمِّ على السواء أنَّ تكون استجابتهم حيال تلك الأجوبة والبيِّنات استجابًة صادقة. ذلك أنَّ استخدام المنهج القانونيِّ للنظر في دعوى صيرورة الله متجسِّدًا في هيئة إنسان ظهر على كوكب الأرض يكون استخدامًا عقيمًا إذا كان موقف المرء هو هذا: لا تربكْني بالوقائع، فقد كوَّنتُ فكرتي فعلاً”.
للتركيز والبحث
هل يمكنك أن تُقيم رابطًا بينك وبين أيِّ واحد من التصوُّرات المشوَّهة بشأن الإيمان، على حدِّ ما ذُكر في هذا الفصل؟ كيف كان للصُّوَر المشوَّهة والعيِّنات السيِّئة من المتديِّنين تأثيرٌ في مواقفك تجاه الإيمان وانطباعاتك الشخصيَّة عنه؟
أيَّة عوامل، عقلانيَّة أو خلافَها، قد تدفع بعض الناس إلى عدم الإيمان بالله؟
حين يكون كلُّ شيء على ما يُرام عند الناس، أيَّة أنواعٍ من الأُمور يُحدِّدون باعتبارها تُلبِّي حاجتهم إلى الغاية والمعنى؟
يذهب اليهود والمسلمون إلى أنَّهم يعرفون الله من طريق رسالات بلَّغها للأنبياء، فيما يقول المسيحيُّون بأنَّهم يعرفون الله لأنَّه سار على الأرض أيضًا في هيئة إنسان. لماذا الفرقُ في هاتين النظرتين مهمٌّ في ما يتعلَّق بفحص حقيقة وجود الله؟
أيُ الأمرَين يمكن أن يُعتمَد في محكمة قضائيَّة: رواية شاهد عيان أو إشاعة؟ ولماذا؟ كيف أتبرز أهميَّة ذلك بالنسبة إلى الشرط الأوَّل المحدَّد بأنَّه ضروريٌّ للنظر قانونيًّا في دعوى كون المسيح هو الله؟
هل توافق على أنَّ صحَّة الإيمان المسيحيِّ يمكن النظر فيها منطقيًّاً؟ لماذا نعم، أو لماذا لا؟
هل يمكن أن تكون صالحًا بدون الله؟ ترجمة د. عادل زكري
هل يمكن أن تكون صالحًا بدون الله؟ ترجمة د. عادل زكري
دعنا نكتشف.
مذهل جدًا، لقد وجدتها، برهان دامغ بأنك تستطيع أن تكون صالحًا بدون الإيمان في الله.
لكن انتظر، السؤال ليس: “هل تستطيع أن تكون صالحًا بدون الإيمان بالله؟”، بل السؤال هو: “هل يمكن أن تكون صالحًا بدون الله؟”
كما ترى هذه هي المشكلة إذا لم يوجد الله فماذا يتبقى كأساس موضوعي للخير والشر أو للصواب والخطأ إذا لم يوجد الله، فلا وجود للقيم الأخلاقية المطلقة وإليك الأسباب:
بدون مرجعية مطلقة فليس هناك وسيلة تجعلنا نقول إن شيئًا ما لأعلى أو أسفل، إن طبيعة الله توفر مرجعية للقيم الأخلاقية فهي المعيار الذي تقاس كل الأفعال والقرارات بالمقارنة به لكن إذا لم يوجد الله، فلا وجود لمرجعية مطلقة، وسيتبقى لنا وجهة نظر شخصية، وهي ليست أكثر صوبًا من أي وجهة نظر شخص آخر، هذه المنظومة الأخلاقية ذات طابع شخصي وليست موضوعية، مثل تفضيل الفراولة في الآيس كريم، التفضيل يرجع إلى الشخص وليس في الموضوع، وبالتالي لا تنطبق على الأشخاص الآخرين.
نفس الشيء المنظومة الأخلاقية الشخصية، تنطبق فقط على الشخص وغير صحيحة وغير ملزمة لأي شخص آخر، وبالتالي في عالم بدون الله لا يمكن أن يوجد الشر ولا الخير، لا شيء غير لامبالاة عمياء ومثيرة للشفقة.
عبّر الله عن طبيعته الأخلاقية في وصايا، وهذا يمثل أساسًا للالتزامات الأخلاقية، على سبيل المثال المحبة كصفة جوهرية في الله يُعبّر عنها في وصية “أحبب قريبك كنفسك”، هذه الوصية تمثل أساسًا يمكننا أن نؤكد من خلال الصلاح المطلق والسخاء والتضحية والمساواة ونستطيع أن ندين الجشع والإيذاء والعنصرية كشر مطلق
وهذا يثير إشكالية هل الشيء يعتبر صالحًا لأن الله يريده أم أن الله يريد شيئًا لأن هذا الشيء صالح؟
الإجابة: لا هذا ولا تلك، لكن الله يريد شيئًا لأن الله صالح فهو يمثل الله معيارًا للقيم الأخلاقية كما يمثل العرض الموسيقي المباشر معيارًا لتسجيل دقة الأداء، فكلما اقترب صوت التسجيل إلى الصوت الأصلي كان أفضل نفس الشيء كلما اقترب التصرف الأخلاقي، وتطابق مع طبيعة الله كان أفضل لكن إذا كان الإلحاد صحيحًا، فليس هناك معيار مطلق وبالتالي لا يمكن أن توجد التزامات أو واجبات أخلاقية، فمَن أو ما الذي يفرض علينا مثل هذه الفروض؟ لا أحد، تذكر بالنسبة للملحد البشر هم نتائج الصدفة الطبيعية، وحيوانات بدرجة عالية من التطور، لكن الحيوانات ليس لديها التزامات أخلاقية تجاه بعضها البعض، فعندما تأكل القطة فأرًا فهي لا تفعل أي شيء خطأ من الناحية الأخلاقية، القطة تتصرف بطبيعتها كقطة، وإذا لم يوجد الله، يجب أن ننظر للسلوك الإنساني بنفس الطريقة ولا ننظر لأي تصرف على أنه صحيح أو خطأ أخلاقيًا لكن المشكلة أن الجيد والسيء والصواب والخطأ موجود بالفعل وكما أن خبرتنا الحسيّة تقنعنا إن العالم المادي هو حقيقي فعلاً فإن خبرتنا الأخلاقية تقنعنا أن القيم الأخلاقية حقيقية فعلاً، ففي كل مرة تقول: هذا ليس عدلاً، هذا خطأ، هذا ظلم، فأنت تثبت اعتقادك بوجود أخلاقيات مطلقة، فالتحرش بالأطفال، التمييز العنصري، والإرهاب كلها خاطئة بالنسبة للجميع ودائمًا، هل هذا مجرد تفضيل شخصي أم رأي؟ لا، المرء الذي يقول أنه من المقبول أخلاقيًا أن يُغتصب الأطفال الصغار، هو مخطئ بنفس الدرجة التي يخطئ بها من يقول أن 2+ 2= 5، هذا يؤدي بنا إلى الحجة الأخلاقية لإثبات وجود الله، إذا لم يوجد الله فلا وجود للقيم والالتزامات الأخلاقية، لكن القيم والالتزامات الأخلاقية موجودة بالفعل، إذن، الله موجود.
يفشل الإلحاد في تفسير الحقيقة الأخلاقية التي يختبرها كل واحد فينا كل يوم، في الواقع فإن وجود المنظومة الأخلاقية المطلقة تشير مباشرة إلى وجود الله.