المسيح في الفكر الغنوسي – القمص عبد المسيح بسيط

المسيح في الفكر الغنوسي – القمص عبد المسيح بسيط

المسيح في الفكر الغنوسي – القمص عبد المسيح بسيط

المسيح في الفكر الغنوسي – القمص عبد المسيح بسيط

  المسيح في الفكر الغنوسي يعتمد بالدرجة الأولى على الفكر الدوسيتي، فما هو الفكر الدوسيتي؟ والفكر الدوسيتي جاء من التعبير ” dokesis ” و ” dokeo ” والذي يعني ” يبدو “، ” يظهر “، ” يُرى “، ويعني الخيالي phantastic . فقد آمنوا أن المسيح كان مجرد خيال وشبح (phantom)، وأنه أحد الآلهة العلوية وقد نزل على الأرض في جسد خيالي وليس فيزيائي، مادي، حقيقي، أنه روح إلهي ليس له لحم ولا دم ولا عظام، لأنه لم يكن من الممكن، من وجهة نظرهم، أن يتخذ جسدا من المادة التي هي شر في نظرهم !

لذا قالوا أنه نزل في صورة وشبه إنسان وهيئة بشر دون أن يكون كذلك، جاء في شكل إنسان دون أن يكون له مكونات الإنسان من لحم ودم وعظام، جاء في ” شبه جسد ” و ” هيئة الإنسان “، وقالوا أنه لم يكن يجوع أو يعطش أو ينام، ولم يكن في حاجة للأكل أو الشرب … الخ وأنه كان يأكل ويشرب وينام متظاهرا بذلك تحت هيئة بشرية غير حقيقية. وشبهوا جسده بالنور أو شعاع الشمس، فأن النور وشعاع الشمس يمكن لهما أن يخترقا لوحا من الزجاج دون أن يكسرا هذا اللوح “. كان مجرد خيال(12).

  وجاء في أحد كتبهم والذي يسمى بـ ” أعمال يوحنا “(13)، أن المسيح عندما كان يسير على الأرض لم يكن يترك أثرا لأقدامه وعندما كان يوحنا يحاول الإمساك به كانت يده تخترق جسده بلا أي مقاومة حيث لم يكن له جسد حقيقي. وكانت طبيعة جسده متغيرة عند اللمس، فتارة يكون ليناً وأخرى جامداً ومرة يكون خالياً تماماً. كان بالنسبة لهم مجرد شبح وحياته على الأرض خيال. وكان يظهر بأشكال متعددة ويغير شكله كما يشاء وقتما يشاء !! أي كان روحاً إلهياً وليس إنساناً فيزيقياً(14).

+ وقال بعضهم أنه اتخذ جسدا نفسيا Psychic، عقليا، وليس ماديا.

+ وقال بعض آخر أنه اتخذ جسداً نجمياً Sidereal.

+ وقال آخرون أنه اتخذ جسدا ولكنه لم يولد حقيقة من امرأة(15).

  وجميعهم لم يقبلوا فكرة أنه تألم ومات حقيقة، بل قالوا أنه بدا وكأنه يتألم وظهر في الجلجثة كمجرد رؤيا. وقد أشار إليهم القديس أغناطيوس الإنطاكي (35 – 107) تلميذ القديس بطرس الرسول وحذر المؤمنين من أفكارهم الوثنية قائلا: ” إذا كان يسوع المسيح – كما زعم الملحدون الذين بلا إله – لم يتألم إلا في الظاهر، وهم أنفسهم ليسو سوى خيالات (بلا وجود حقيقي) فلماذا أنا مكبل بالحديد “(16)،  ” وهو إنما أحتمل الآلام لأجلنا لكي ننال الخلاص، تألم حقا وقام حقا، وآلامه لم تكن خيالا، كما أدعى بعض غير المؤمنيين، الذين ليسوا سوى خيالات “(17)، ” لو أن ربنا صنع ما صنعه

في الخيال لا غير لكانت قيودي أيضا خيالا “(18).

(4) كما كان لهذه الجماعات، أيضا، اعتقادات أخرى في المسيح، فقالوا أن المسيح الإله نزل على يسوع الإنسان وقت العماد وفارقه على الصليب، وقالوا أيضا أن المسيح الإله والحكمة الإله نزلا على يسوع واتحدا به وفارقاه أيضا عند الصليب !! أي أن الذي صلب، من وجهة نظرهم هو المسيح الإنسان وليس المسيح الإله !!! وهؤلاء يؤمنون أن المسيح هو في ذاته كيان إنساني، كانت نفسه عبارة عن كيان إلهي وليست مجرد شرارة إلهية داخله، بل كيانا إلهياً خاصاً، جاء من أعلى وسكن مؤقتاً في يسوع الناصري ليكشف من خلاله الحقائق الضرورية لأتباعه المقربين(18).

(12) Irenaseus Ag. Her. 1:24.

(13) See NT Apocrypha  Vol. 2.

(14) Robert Jonse Heresies & Schisms In Early Church .

(15) Catholic Enc. Docetism.

(16) رسالته إلى ترالس 10 : 1.

(17) رسالته إلى أزمير (سميرنا) 2.

(18) السابق 4 : 2.

(18) ) Christianity Turned on Its Head: The Alternative Vision Of The Gospel Of Judas. P.88.

المسيح في الفكر الغنوسي – القمص عبد المسيح بسيط

الغنوسية والفكر الغنوسي – القمص عبد المسيح بسيط

الغنوسية والفكر الغنوسي – القمص عبد المسيح بسيط

الغنوسية والفكر الغنوسي – القمص عبد المسيح بسيط

الغنوسية والفكر الغنوسي – القمص عبد المسيح بسيط

الغنوسية ” gnosis ” وتعني ” حب المعرفة ” ومنها ” Gnostic – غنوسي – محب المعرفة “. وهي عبارة عن مدارس وشيع عديدة كانت تؤمن بمجموعات عديدة من الآلهة، وهذا ما نجده واضحاً في هذا الإنجيل المنحول(3). وكانت أفكارهم ثيوصوفية سرية غامضة جداً نتيجة لخلطها لأفكار عديدة من فلسفات وديانات عديدة. وهي في الأصل حركة وثنية امتزجت بأفكار مسيحية وترجع جذورها إلى ما قبل المسيحية بعدة قرون.

وكان أتباعها يخلطون بين الفكر الإغريقي – الهيلينتسي – والمصري القديم مع التقاليد الكلدانية والبابلية والفارسية (خاصة الزردشتية التي أسسها الحكيم الفارسي ذردشت (630-553 ق م) وكذلك اليهودية، خاصة فكر جماعة الأسينيين (الأتقياء) وما جاء في كتابهم ” الحرب بين أبناء النور وأبناء الظلام “، والفلسفات والأسرار والديانات الثيوصوفية(4).

وذلك إلى جانب ما سمي بالأفلاطونية الحديثة، التي كانت منتشرة في دول حوض البحر المتوسط في القرن الأول. وكان الفيلسوف اليهودي فيلو من أكثر مناصريها، فقد أعتقد أن الله غير مدرك ولا يتصل بالمادة، وأن هناك قوة سامية ” اللوجوس ” التي خلقت العالم المادي، وهو كلمة الله أو عقل الله “. وأن البشر يصارعون من أجل التحرر من سجن الجسد، وانه يمكن إعادة التجسد (التناسخ – أي تعود الروح في أجساد أخرى أكثر من مرة – Reincarnation) لأولئك الذين لم يتحرروا بالموت. بل ويرى بعض العلماء أن كل أصول الغنوسية موجودة عند أفلاطون (5) لذا يقول العلامة ترتليان ” أنا أسف من كل قلبي لأن أفلاطون صار منطلق كل الهراطقة “(6).

وكانت الفرق الغنوسية تنظر للمادة على أنها شر! وآمنت بمجموعة كبيرة من الآلهة، فقالت أنه في البدء كان الإله السامي غير المعروف وغير المدرك الذي هو روح مطلق، ولم تكن هناك المادة، هذا الإله السامي والصالح أخرج، انبثق منه، أخرج من ذاته، عدداً من القوات الروحية ذات الأنظمة المختلفة التي أسموها بالأيونات (Aeons)، قالت أكثر فرقهم أنه بثق من ذاته 365 أيونا وكل أيون بثق من ذاته 365 أيوناً وهكذا إلى ما لا نهاية!! هذه القوات المنبثقة من الإله السامي كان لها أنظمة مختلفة وأسماء مختلفة وتصنيفات وأوصاف مختلفة (7).

وتكون هذه الأيونات مع الإله السامي البليروما (Pleroma)، أو الملء الكامل، دائرة الملء الإلهي. وأن هذا الإله السامي الذي أخرج العالم الروحي من ذاته لم يخلق شيئاً، فهو ليس خالق الكون المادي، بل الذي خلق الكون المادي إله أقل من الإله السامي غير المدرك. وقد بثق، الإله السامي، من ذاته الابن، الوحيد الجنس، ثم مجموعة من الأيونات (العوالم الروحية = الحكام الروحيين = آلهة + سماوات روحية وعوالم روحية).

ومن هذه الأيونات قامت الحكمة، صوفيا (Sophia)، التي بثقت، أخرجت، من ذاتها كائناً واعياً، هو الذي خلق المادة والعوالم الفيزيقية، وخلق كل شيء على صورته، هذا الكائن لم يعرف شيئاً عن أصوله فتصور أنه الإله الوحيد والمطلق، ثم أتخذ الجوهر الإلهي الموجود وشكله في أشكال عديدة، لذا يدعى أيضا بالديميورج (Demiurge)، الصانع ونصف الخالق. فالخليقة مكونة من نصف روحي لا يعرفه هذا الديميورج، نصف الخالق، ولا حكامه (8).

ومن هنا فقد آمنوا أن الإنسان مكون من عنصرين عنصر إلهي المنبثق من الجوهر الإلهي للإله السامي ويشيرون إليه رمزيا بالشرارة الإلهية، وعنصر مادي طبيعي فاني. ويقولون أن البشرية بصفة عامة تجهل الشرارة الإلهية التي بداخلها بسبب الإله الخالق الشرير وارخوناته (حكامه). وعند الموت تتحرر الشرارة الإلهية بالمعرفة، ولكن أن لم يكن هناك عمل جوهري من المعرفة تندفع الروح، أو هذه الشرارة الإلهية، عائدة في أجساد أخرى داخل الآلام وعبودية العالم (9).

وأعتقد بعضهم بالثنائية (Dualism) الإلهية أي بوجود إلهين متساويين في القوة في هذا الكون؟ إله الخير، الذي خلق كل الكائنات الروحية السمائية، وإله الشر الذي خلق العالم وكل الأشياء المادية!! وربطوا بين إله الشر وإله العهد القديم!! وقالوا أن المعركة بين الخير والشر هي معركة بين مملكة النور ضد مملكة الظلمة!!

وأعتقد بعضهم أن إله الخير خلق الروح وقد وضعها إله الشر في مستوى أدني في سجن الجسد المادي الشرير. وهكذا فأن هدف البشرية هو الهروب من سجن الجسد المادي الشرير والعودة إلى اللاهوت أو التوحد مع إله الخير!! وقد فهموا خطأ قول القديس بولس بالروح ” إذا أن كنتم قد متم مع المسيح عن أركان العالم فلماذا كأنكم عائشون في العالم تفرض عليكم فرائض لا تمسّ ولا تذق ولا تجس. التي هي جميعها للفناء في الاستعمال حسب وصايا وتعاليم الناس. التي لها حكاية حكمة بعبادة نافلة وتواضع وقهر الجسد ليس بقيمة ما من جهة إشباع البشرية ” (كو20:2-23).

وتكمل أسطورة الخلق الغنوسية، وذلك من خلال ما جاء في كتبهم الأبوكريفية، والمكتشفة في نجع حمادي سنة 1947م، وما كتبه آباء الكنيسة في القرون الثلاثة الأولى، وخاصة ما كتبه معاصرهم القديس إيريناؤس أسقف ليون سنة 180م. والتي أخذوها كلية، كما يقول العلماء، من أسطورة الخلق Timaeus لأفلاطون مع مزجها بما جاء في سفر التكوين.

وتتحدث عن المسيح (أو الممسوح)؛ والذي تصفه بالكائن الميتافيزيقي، الآتي من عالم ما وراء الطبيعة وظهر في هيئة إنسان أو شكل جسد نجمي أو أثيري ولم يتخذ الجسد المادي لأنه شر، وقال عدد قليل منهم أن المسيح إله نزل من السماء وتوحد مع يسوع الناصري. وعن وجود ما يسمى بالمنيرين الأربعة؛ هارموزيل (Harmozel) وأورويائيل (Oroieal) وداوإيثاي (Daueithai) وإيليليث (Eleleth).

وهم أيونات وكائنات روحية. وكعوالم روحية فهم الأماكن التي تقطنها النماذج الرئيسية (Geradama) أو آداماس، أي آدم السمائي؛ شيث الذي هو النموذج السمائي لابن آدم؛ الذرية السمائية لشيث ونماذج الكنيسة الغنوسية. ثم تتحدث، أسطورة الخلق، عن خليقة الكون المادي؛ بعد اكتمال انبثاق الكون الروحي ولكي تستمر الخليقة فوق كل حدود الوجود الروحي وجد الصانع، (الديميورج -Demiurge ). ثم يقولون أنه، صانع العالم، ويسمونه أيضاً يالدابوس، ويقولون أنه صنع كوناً مركباً من أيونات (عوالم) مادية، أي كواكب ونجوم وسلاطين وقوات وأرواح وملائكة … الخ.

هذا الصانع للكون الذي يصفونه بأنه منقوص بالجهل والأنانية شعر بجاذبية طبيعية تجاه العوالم الروحية، ويقولون أن هذه الجاذبية أيضاً أختبرها كجهل وأنانية ورغبة شهوانية لامتلاك اللاهوت ليفسده(10). ووصفوا يالدابوس هذا وأتباعه من السمائيين ” الحكام” بأنهم متملكون ومتعجرفون يحاولون السيادة على كل الأمور البشرية، وتقودهم رغبتهم للسيادة لخلق الشهوة الجنسية وقيد القدر (سيطرة النجوم) التي عن طريقها يريدون استعباد البشرية.

وتصف خليقة آدم وحواء وأبنائهم بقولها أن الحكمة التي كانت تؤيدها الأيونات العليا للكون الروحي لتستعيد القوة المسروقة التي صارت مشتتة بعد خليقة آدم في الأجيال المتعاقبة, التي استعبدها نسل يلدابوث بخلق المقدر وروح الخداع البغيض. وتقول الأسطورة أن قوة اللاهوت المسروقة والمشتتة استقرت في نسل شيث ابن آدم إلى هذا اليوم.

وبحسب فكر هؤلاء الغنوسيين يصل الفصل النهائي للدراما عندما يُرسل المخلص السمائي، بل وتصل هذه الدراما غايتها في المجيء النهائي للمخلص، المسيح، في شكل إنسان وأن كان يظهر في أشكال كثيرة، بدون تفصيلات تاريخية. ” ليوقظ ” الإنسانية وليحرر نفوس البشر من المقدر ومن رباطات (عبودية) الجسد بالمعرفة، وهؤلاء المحررون هم الغنوسيون، محبو المعرفة. ويقولون أن كل نفس تستجيب وتكسب معرفة تتحرر من الجسد, أو أنها تهرب وتعود إلى الحق أو تصبح متجسدة في جسد آخر؛ خاص ” عقاب أبدى ” محفوظ للمرتدين عن الفرقة.

كما يؤمنون بأن الخلاص لا يتم إلا بالمعرفة والتي يسمونها بالمعرفة المؤدية للخلاص، وهذه المعرفة تعني ثلاثة أمور؛ (1) معرفة الإله الحقيقي غير المدرك ولا اسم له، (2) ومعرفة أن الإله الذي خلق العالم ليس هو الإله الحقيقي بل أنه إله أقل وشرير، (3) ومعرفة أن الإنسان، أو بمعنى أدق الغنوسي، المحب للمعرفة، ليس من هذا العالم بل أنه أصلا شرارة إلهية وطنه هو العالم الروحي الذي جاء منه ولابد أن يعود إليه، ويرى معظم الغنوسيين أنهم محبوسون هنا في هذا العالم في أجسادهم المادية التي وضعهم فيها الإله الخالق.

ويرون أن هذه المعرفة لا تتم إلا عن طريق المسيح الذي يقدم هذه المعرفة السرية من فوق ويكشفها لأتباعه المقربين، والذي يرى إنجيل يهوذا المنحول أن يهوذا وحده من دون التلاميذ هو الذي كان مقربا من المسيح وأنه هو وحدة الذي كان مستحقا لنوال هذه المعرفة ومن بعده الغنوسيون محبو المعرفة، أما بقية البشر ومنهم بقية تلاميذ المسيح ورسله وجميع المسيحيين من غير الغنوسيين فليسو مستحقين ولا مؤهلين لهذه المعرفة، فهم من جيل غير الجيل المقدس الذي استحق يهوذا أن يكون منه (11)!!

وكان الغنوسيون يرفضون بصورة مطلقة نقدهم لأنهم كانوا يؤمنون أنهم، وهم وحدهم دون بقية الخلق، الذين لديهم المعرفة الحقيقية التي كشفها لهم المسيح لأنهم، هم وحدهم، الذين كانوا مؤهلين لذلك. وقد كشف آباء الكنيسة كذب ادعاءاتهم وخرافاتهم وهرطقاتهم وأكاذيبهم وفكرهم الوثني.

 

(3) منحول أي مزيف ومنسوب زورا لمن هو منسوب إليه. وعندما نقول إنجيل يهوذا المنحول أي المزيف والمنسوب زرواً ليهوذا.

(4) See Pre-Christian Gnosticism Edwin M. Yamac chi pp. 21-27 & The Secret Books of the Egy. Gmo. Jeam Doresse.

(5) A Comprehensive Study of Heretical Beliefs Spaning 2000 Years History (From 33-200AD ) .

(6) Tertullian A Treatise On The Soul.

(7) A Comprehensive Study of Heretical Beliefs Spaning 2000 Years History (From 33-200AD).

(8) The Gnostic World View , A Brief Summary of Gnosticism.

(9) Ibid.

(10) See Reality do Rules , 89,18.

(11) Christianity Turned on Its Head: The Alternative Vision Of The Gospel Of Judas. P.85.

الغنوسية والفكر الغنوسي – القمص عبد المسيح بسيط

تطابق إنجيل يهوذا مع فكر جماعة السيزيان والفكر الغنوسي بصفة عامة – القمص عبد المسيح بسيط

تطابق إنجيل يهوذا مع فكر جماعة السيزيان والفكر الغنوسي بصفة عامة – القمص عبد المسيح بسيط

تطابق إنجيل يهوذا مع فكر جماعة السيزيان والفكر الغنوسي بصفة عامة – القمص عبد المسيح بسيط

تطابق إنجيل يهوذا مع فكر جماعة السيزيان والفكر الغنوسي بصفة عامة – القمص عبد المسيح بسيط

بعد قراءة ما بيناه أعلاه وعند النظرة الأولى لما جاء في إنجيل يهوذا المنحول يتضح لنا على الفور فكره الأسطوري الخرافي الذي يعبر عن فكر هذه الجماعات الغنوسية الهرطوقية، حيث يقول:

(أ) في تعليم يسوع ليهوذا عن الكون والروح والمولود الذاتي:

قال يسوع: ” [تعال]: حتى أعلمك [أسرار] لم يرها أحد قط، لأنه يوجد عالم عظيم ولا حد له، الذي لم ير وجوده جيل من الملائكة قط [ الذي فيه] يوجد [روح] عظيم غير مرئي “.

الذي لم تره عين ملاك قط.

ولم يدركه فكر قلب قط.

ولم يدع بأي اسم قط.

” وظهرت سحابة منيرة هناك، فقال: ” ليأت ملاك إلى الوجود في حضوري “.

” وانبثق من السحابة ملاك عظيم، الروح الإلهي المنير المولود الذاتي. وبسببه، جاء إلى الوجود أربع ملائكة أخري من سحابة أخرى. وصاروا حاضرين للمولود الذاتي الملائكي. فقال المولود الذاتي: ليأت [… ] إلى الوجود [… ]، وجاء إلى الوجود [… ]. و [خلق] هو المنير الأول ليحكم عليه. وقال ” ليأت ملائكة إلى الوجود لتخدم[ه]، وجاء إلى الوجود ربوات لا تعد. وقال هو ليأت أيون منير إلى الوجود، وجاء (الأيون المنير) إلى الوجود. وخلق المنير الثاني ليحكم عليه، ليقدم خدمة مع ربوات الملائكة غير المحصاة. وهكذا خلق بقية الأيونات المنيرة. وجعلهم يحكمون عليهم. وخلق لهم ربوات من الملائكة بلا عدد لتساعدهم.

(ب) آداماس والمنيرون:

” وكان آداماس في السحابة المنيرة الأولى التي لم يرها ملاك قط بين كل أولئك الذين يدعون ” إله “. هو [… ] الذي [… ] الصورة [… ] وعلى صورة [هذا] الملاك. وعمل [الجيل] الغير فاسد لشيث يظهر [… ] الأثنا عشر [… ] الأربعة وعشرون [… ]. وعمل اثنان وسبعون منيراً يظهرون في الجيل غير الفاسد بحسب إرادة الروح. والاثنان وسبعون منيراً أنفسهم عملوا ثلاثمائة وستون منيراً ظهروا في الجيل الغير الفاسد، بحسب إرادة الروح، وأن عددهم يجب أن يكون خمسة لكل منهم.

ويشكل الأثنا عشر أيوناً والداً للأثنى عشر منيراً، مع ست سموات لكل أيون، لدرجة أنه يوجد اثنان وسبعون سماء لأثنين وسبعين منيراً، ولكل منها سبع طبقات من الجلد [بأجمالي] ثلاثمائة وستين [جلد … ]. وهناك أعطيت سلطة وجمهور [عظيم] من الملائكة [بلا عدد] للمجد والتوقير، [وبعد ذلك أيضاً] أرواح عذراء، لمجد [وتوقير] كل الأيونات والسموات وجلدها.

(ج) العالم والفوضى والعالم السفلي:

“وجموع هؤلاء الفانين تدعى العالم – هذا هو الهلاك الروحي – بواسطة الآب والاثنين والسبعين منيراً الذين مع المولود الذاتي وأيوناته الاثنين والسبعين. وفيه ظهر الإنسان الأول بقواته غير الفاسدة. والأيون الذي ظهر مع جيله، الأيون الذي فيه سحابة المعرفة والملاك، يدعي إيل [… ] أيون [… ] بعد ذلك[… ] قال: ” ليأت اثنا عشر ملاكاً إلى الوجود ليحكموا على الفوضى [والعالم السفلي] “. وأنظر: ” من السحابة ظهر [ملاك] أضاء وجهه بالنيران, وتلوث ظهوره بالدماء. وكان اسمه هو ” نبرو – Nebro” الذي يعني المتمرد, ودعاه أحرون ” يالدابوث – Yaldabaoth” وجاء ملاك أخر من السحابة هو سكالاس (Skalas)، وهكذا خلق نبرو ستة ملائكة – وأيضاً سكالاس (Skalas) – ليكونوا مساعدين, وهؤلاء أنتجوا اثني عشر ملاكاً في السموات, وكل واحد منهم تسلم نصيباً في السموات.

(د) الحكام والملائكة:

” وتكلم الأثنا عشر حاكماً مع الاثني عشر ملاكاً:دع كل منكم [… ] ودعهم [… ] جيل [سطر واحد مفقود … ] ملائكة “.

الأول هو شيث, الذي يدعى المسيح. 

و[الثاني] هو هارماثوث Harmathoth, الذي هو [… ].

و[الثالث] هو جليلا Galila.

والرابع هو يوبيل Yobel.

والخامس هو آدونايوس Adonaios.

وهؤلاء الخمسة هم الذين يحكمون على العالم الأسفل، وأول الكل على الفوضى.

(ر) خلق البشرية:

وبعدها قال سكالاس (Skalas) لملائكته: لنخلق كائناً بشرياً على شكل وعلى صورة, فشكلوا آدم وزوجته حواء، التي تدعى في السحاب زوي ” Zoe- الحياة “. لأنه بهذا الاسم تبحث كل الأجيال عن الإنسان, وكل منهم يدعو المرأة بهذه الأسماء, والآن لم يأمر [… ] سكالاس (Skalas) … وقال [الحاكم] لآدم: ” سوف تعيش طويلاً مع أطفالك “.

وهنا يستخدم الكاتب الغنوسي للإنجيل المنحول معظم الأفكار التي وردت في الأسطورة الغنوسية بشكل عام، وأسطورة جماعة السيزيان بشكل خاص، ونلحظ هنا بصورة واضحة الحديث عن باربيلو Barbelo الذي يمثل في الفكر الغنوسي الانبثاق الأول من الإله السامي غير المدرك وغير المعروف وغير المرئي في روايات الخلق، خاصة الخاصة بجماعة الشيثيين، السيزيان Sethians. هذا الباربيلو يوصف بالإله المخنث أو المزدوج الجنس والإنسان الأول، ويوصف في كتاب ” يوحنا الأبوكريفي ” الغنوسي بقوله: ” هذا هو الفكر الأول، صورته، صارت رحم كل شيء، لأنها هي التي تسبقهم جميعاً، الأم – الأب، الرجل الأول (أنثروبوس – Anthropos – الإنسان)، الروح القدس، المذكر الثلاثي، القوي الثلاثي، ذو الاسم الثلاثي المخنث، والأيون الأبدي بين غير المرئيين، والأول الذي أتي “.

كما يتكلم الكتاب عن الأيونات والتي هي سلسلة لا تحصى من الانبثاقات المختلفة التي انبثقت من الإله غير المدرك أو الروح العظيم أو الأيون الكامل أو بيثوس Bythos، العمق، والبرو أرشي، أي الموجود قبل البدء.

ويصور آدم أو آداماس كمخلوق ليس من الله بل عن طريق الملائكة، وخاصة سكالاس وعن بقية الملائكة التي خلقت العالم ويذكر أسماء ” نبرو – Nebro” الذي يعني المتمرد, ودعاه أحرون ” يالدابوث – Yaldabaoth”، وسكالاس (Skalas)، الشرير الخالق الذي خلق آدم والبشرية: ” وبعدها قال سكالاس (Skalas) لملائكته: لنخلق كائناً بشرياً على شكل وعلى صورة, فشكلوا آدم وزوجته حواء، التي تدعى في السحاب زوي ” Zoe- الحياة “. ويعني اسم ” سكالاس ” الأحمق ” وهو اسم غنوسي كما يقول العالم الألماني كالوس سكلنج Klaus Schilling ” والشيطان مدعو أيضاً Saclas (أحمق) مصطلح يوجد غالباً في الأدب الغنوسي للديميورج (الصانع)، إله العهد القديم “.

تطابق إنجيل يهوذا مع فكر جماعة السيزيان والفكر الغنوسي بصفة عامة – القمص عبد المسيح بسيط

هل كتب يهوذا هذا الكتاب الأبوكريفي المنسوب له؟ – القمص عبد المسيح بسيط

هل كتب يهوذا هذا الكتاب الأبوكريفي المنسوب له؟ – القمص عبد المسيح بسيط

هل كتب يهوذا هذا الكتاب الأبوكريفي المنسوب له؟ – القمص عبد المسيح بسيط

هل كتب يهوذا هذا الكتاب الأبوكريفي المنسوب له؟ – القمص عبد المسيح بسيط

  أجمع العلماء ومن درسوا هذا الكتاب الأبوكريفي المنحول على أن هذا الكتاب، الموجود بأيدينا الآن، أو الذي تكلم عنه القديس إيريناؤس، لم يكتب قبل سنة 150م، أي بعد موت يهوذا بحوالي 120 سنة، فقد مات يهوذا بحسب ما ذكرت الأناجيل القانونية الموحى بها في نفس الليلة التي قُبض فيها على المسيح، أو في نفس اليوم الذي صلب فيه المسيح، كما يلمح إنجيل يهوذا المنحول نفسه لذلك، حيث يقول: ” ولكنك ستحزن كثيراً، لأن آخر سيحل محلك “، وهنا تلميح لاختيار متياس الرسول عوضا عنه بعد موته (أع1 :26)، ويقول أيضاً: ” ستكون أنت الثالث عشر, وستكون ملعوناً من الأجيال الأخرى “، إشارة إلى كونه الخائن الذي باع المسيح وموته، وأنه لن يعيش ليدافع عن نفسه. بل وجاء في ما نشر من مقتطفات مستقلة: ” في الحقيقة فالإنسان الذي يحملني، هل هو أنت يا يهوذا؟ ستضحي. الآن الكل … ازددت وجسدك الأرضي مات واحترق نجمك ويكون قلبك “.

  كما كُتب بعد انتقال جميع تلاميذ المسيح من العالم بعشرات السنين علماً بأن الأناجيل الأربعة الموحى بها كتب ثلاثة منها (متى ومرقس ولوقا) فيما بين سنة 50 و62 م والرابع (يوحنا) حوالي سنة 95م. أما هذا الكتاب المكتشف باللغة القبطية، والذي يرجع لنهاية القرن الثالث الميلادي أو بداية الرابع، فلا يعرف العلماء، ولا يوجد دليل يؤكد، أنه كان هو نفسه الذي تكلم عنه القديس إيريناؤس أم لا، أم أنه نسخة مطولة عنه!! لا يوجد دليل على الإطلاق. فلا توجد له إلا مخطوطة واحدة على عكس الأناجيل القانونية التي يوجد منها آلاف المخطوطات، سواء الجزئية أو الكاملة.

وفي كل الأحوال فمن المستحيل، كما يجمع العلماء، أن يكون يهوذا هو كاتبه أو أي أحد له صلة به على الإطلاق!! إنما هو نتاج فكر جماعة من جماعات الغنوسية التي انتشرت فيما بين القرن الثاني الميلادي والقرن الخامس واندثرت بعد ذلك بسبب فكرها وعقائدها وصعوبة فهمها!!

هل كتب يهوذا هذا الكتاب الأبوكريفي المنسوب له؟ – القمص عبد المسيح بسيط

ما جاء في الكتب الغنوسية وما جاء في إنجيل يهوذا – القمص عبد المسيح بسيط

ما جاء في الكتب الغنوسية وما جاء في إنجيل يهوذا – القمص عبد المسيح بسيط 

ما جاء في الكتب الغنوسية وما جاء في إنجيل يهوذا – القمص عبد المسيح بسيط

ما جاء في الكتب الغنوسية وما جاء في إنجيل يهوذا – القمص عبد المسيح بسيط

  عند قراءة إنجيل يهوذا المنحول، الأبوكريفي، للمرة الأولى يكتشف الدارس، خاصة الدارس للفكر الغنوسي ومكتبة نجع حمادى، بسهولة أنه كتاب هرطوقي غنوسي يخلط بين القليل من الفكر المسيحي والكثير من الفكر الوثني السابق للمسيحية والمعاصر لها، وهذا الخلط لم يكن له أي وجود قبل منتصف القرن الثاني الميلادي ويتماثل تماما مع ما سبق أن قاله عنهم القديس إيريناؤس سنة 180م ومع ما جاء في بقية كتب مكتبة نجع حمادي والتي تضم حوالي 52 كتاباً، منها خمسة تسمى أناجيل وهي؛ إنجيل توما (يرجع زمن كتابته لسنة 150م) وإنجيل الحقيقة (يرجع لسنة 150م) وإنجيل المصريين (يرجع لسنة 180) وإنجيل مريم المجدلية (يرجع لسنة 200م) وإنجيل فيلبس (يرجع لسنة 300م)، وبعضها يسمى بأعمال الرسل مثل أعمال يوحنا، وبعضها يسمى رؤيا مثل رؤيا بطرس. وجميعها مترجمة إلى القبطية وترجع إلى ما بين 350 و400م.

هذا إلى جانب إنجيل يهوذا الذي أُعلن عن اكتشافه في 6 إبريل سنة 2006م. وفي معظمها تقدم فكرها عن المسيح، خاصة ما بعد الصلب والقيامة، وخلق العوالم الروحية والمادية، من وجهة غنوسية وثنية، ولا تقدم أعمال المسيح أو تعاليمه ومعجزاته، أو لمحات من سيرة حياته، بل تقدم أفكاراً وفلسفات وحوارات لا تمت لأسلوب المسيح البسيط السهل بأي صلة، بل هي حوارات فلسفية لاهوتية تقدم فكر كتابها الغنوسيين الوثني.

ولم يكتبها أحد من تلاميذ المسيح أو خلفائهم بل كتبها مفكرو وقادة الهراطقة بعد سنة  150م، أي بعد انتقال رسل المسيح وتلاميذه وخلفائهم من العالم. ورفضتها الكنيسة في حينها، بل وانحصرت داخل دوائر الهراطقة أنفسهم لأنهم اعتبروها كتبا سرية مكتوبة للخاصة فقط وليسن للعامة!! وقد اعتمدت أساساً على فكر الأناجيل القانونية الموحى بها ولكنها كانت في جوهرها غنوسية فلسفية وخليطاً بين عدة ديانات وفلسفات مصرية هيلينية ذردشتية وثنية. ومن أهم سمات هذه الكتب:

(1) تزعم أن المسيح أعطى تلاميذه تعاليم سرية خاصة بهم وحدهم يتعلمها ويعرفها فقط الخاصة من الناس، بل وقد أعطاها بشكل سري وخاص لواحد أو بعض تلاميذه، وعلى سبيل المثال يقول إنجيل توما: ” هذه الأقوال السرية التي تكلم بها يسوع الحي “!! وهذا ما يقوله أيضاً إنجيل مريم المجدلية: ” قال بطرس لمريم, أختاه نعلم أن المخلص احبك أكثر من أي  امرأة أخرى. قولي لنا كلمات المخلص التي تذكرينها وتعرفينها, ولم نسمعها من قبل. أجابت مريم وقالت, ما هو مخفي عنكم سأطالب به من أجلكم.

وبدأت تقول لهم هذه الكلمات: أنا, رأيت الرب في رؤيا وقلت له، يا رب لقد رأيتك اليوم  في رؤيا, فرد قائلا لي، مباركة أنت لأنك لم ترتعشي لرؤيتي. لأنه حيث  يكون العقل يكون الكنز “. وهكذا يقول أيضاً إنجيل يهوذا: ” الرواية السرية للإعلان الذي تكلم به يسوع في حديث مع يهوذا الإسخريوطي خلال ثلاثة  أيام من الأسبوع قبل أن يحتفل بالفصح “!! ويقول أن المسيح قال ليهوذا أيضاً: ” تعال بعيدا عن الآخرين وسأخبرك بأسرار الملكوت. فمن الممكن لك أن تصل إلى ذلك “.

  وهذا عكس تعليم المسيح الحقيقي الذي قاله لتلاميذه: ” الذي أقوله لكم في الظلمة قولوه في النور. والذي تسمعونه في الأذن نادوا به على السطوح ” (مت10 :27)، لذلك كل ما قلتموه في الظلمة يسمع في النور وما كلمتم به الأذن في المخادع ينادى به على السطوح ” (لو12 :3). وقال لرئيس الكهنة عندما سأله عن تعليمه: ” أنا كلمت العالم علانية. أنا علّمت كل حين في المجمع وفي الهيكل حيث يجتمع اليهود دائما.وفي الخفاء لم أتكلم بشيء. لماذا تسألني أنا. اسأل الذين قد سمعوا ماذا كلمتهم. هوذا هؤلاء يعرفون ماذا قلت أنا ” (يو18 :20و21). لم يكن للمسيح أي تعليم سري، بل كان علانية لجميع الناس في كل العالم والأمم، وليس لفئة خاصة ” الله الذي يريد أن جميع الناس يخلصون والى معرفة الحق يقبلون ” (1تي2 :3و4).

(2) كما تصور المسيح ككائن روحاني وتتكلم عنه كلاهوت فقط وأنه ظهر فجأة على الأرض بدون أي تفصيلات تخص الميلاد أو التجسد … الخ؛ وأنه  كان يظهر في أشكال متنوعة وليس في شكل واحد وأنه فقط كما يقول إنجيل فيلبس: ” يسوع أخذهم كلهم خلسة، لأنه لم يظهر لهم كما هو بالحقيقة، لكن بالأحرى بالطريقة التي بها يقدرون أن يروه. لقد اظهر ذاته لهم جميعا: اظهر ذاته كعظيم للعظيم. كصغير للصغير. اظهر ذاته كملاك للملائكة، وللبشر كانسان. بسبب هذا خبئت كلمته ذاتها عن كل احد. البعض بالفعل رأوه، معتقدين أنهم رأوا ذاتهم، لكن عندما ظهر لتلاميذه على الجبل في مجد، لم يكن صغيرا.

لقد أصبح عظيما لكنه جعل تلاميذه عظماء، حتى يكونوا قادرين أن يروه في عظمته “. ويقول كتابهم يوحنا السري أو الأبوكريفي المنحول ” وانفتحت السماء وكل الخليقة التي تحت السماء ظهرت وأهتز العالم، وكنت خائفاً، ونظرت ورأيت في النور شاب وقف إلى جواري، وبينما نظرت إليه صار مثل رجل عجوز،. ثم غير مظهره (ثانية) وأصبح مثل خادم، ولم يكن هناك تعدد أمامي ولكن كان هناك مظهر ذو أشكال متعددة في النور والأشكال ظهرت خلال كل منها  وكان المظهر له ثلاثة أشكال “. وهكذا في رؤيا بولس الأبوكريفية المنحولة، وكتاب الحديث الثاني لشيث العظيم، وما يسمى برؤيا بطرس الأبوكريفية المنحولة. ونفس الفكرة ذاتها نجدها في إنجيل يهوذا حيث يقول: ” عندما ظهر يسوع على الأرض عمل معجزات وعجائب عظيمة لخلاص البشرية … وغالباً لم يظهر لتلاميذه كما هو، ولكنه وُجد بينهم كطفل “.

  وهذا عكس الإنجيل الموحى به بالروح القدس بأوجهه الأربعة التي نرى فيه المسيح في لحظات الحبل به من الروح القدس ومن مريم العذراء وختانه وتجواله بين الناس ” الذي جال يصنع خيرا ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس لان الله كان معه ” (أع10 :38)، ويسير بنا حتى القبض عليه وصلبه وموته وقيامته وصعوده.

(3) تنادي بفكر خليط بين المسيحية والديانات والفلسفات الوثنية فتقول  بوجود (أ) إله سامي غير مدرك ولا معروف وإله اقل هو الذي خلق العالم المادي أسموه بالديميورج وقال بعضها أنه يهوه إله اليهود، وذلك إلى جانب  العديد من الآلهة الأخرى والملائكة التي تقوم بعمل الخلق. (ب) الروح خيرة، وقالوا أنها شرارة إلهية داخل الإنسان، والمادة شر، (ج) أن روح  الإنسان مسجونة في الجسد المادي الشرير وستخرج من هذا السجن عند الموت، (د) لا يوجد قيامة للجسد الذي يفنى عند خروج الروح منه ولا يعود. 

ويقول إنجيل يهوذا الأبوكريفي المنحول بنفس الفكر عن الروح: ” قال يهوذا ليسوع: ” وهل تموت الروح الإنسانية؟ “. قال يسوع: ” لهذا  السبب أمر الله ميخائيل أن يعطي البشر أرواحاً كإعارة, ليقدموا خدمة، ولكن الواحد العظيم أمر جبرائيل أن يمنح أرواحاً للجيل العظيم دون حاكم عليها – هذا هو الروح والنفس “. وأيضاً ” الروح [التي] بداخلك تسكن في هذا [الجسد] بين أجيال  الملائكة ولكن الله سبب المعرفة لتعطى لآدم وأولئك الذين معه,حتى لا يحكم عليهم ملوك الفوضى والعالم السفلي “.

  وهذا عكس الكتاب المقدس الذي ينادي بإله واحد ” الإله الذي خلق العالم وكل ما فيه هذا إذ هو رب السماء والأرض لا يسكن في هياكل مصنوعة بالأيادي. ولا يخدم بأيادي الناس كأنه محتاج إلى شيء. إذ هو يعطي الجميع حياة ونفسا وكل شيء.

وصنع من دم واحد كل امة من الناس يسكنون على كل وجه الأرض وحتم بالأوقات المعينة وبحدود مسكنهم ” (أع17 :24-26). هذا الإله الواحد خلق كل شيء بكلمته ” لكن لنا اله واحد الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن له. ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به ” (1كو8 :6)، ” الله خالق الجميع بيسوع المسيح ” (أف3 :9)، كلمته وصورة جوهره؛ ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند الله. كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان. فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس ” (يو1 :1-4)، ” الذي هو صورة الله غير المنظور بكر كل خليقة. فانه فيه خلق الكل ما في السموات وما على الأرض ما يرى وما لا يرى سواء كان عروشا أم سيادات أم رياسات أم سلاطين.الكل به وله قد خلق. الذي هو قبل كل شيء وفيه يقوم  الكل ” (كو1 :15-17).

(4) تنادي بأن الخلاص بالمعرفة، معرفة الإنسان للإله السامي غير المدرك ومعرفة الإنسان لنفسه كروح خيرة، شرارة إلهية، مسجونة في جسد مادي شرير، يقول إنجيل الحقيقية: ” الذي لديه المعرفة يعرف من أين أتي وإلى أين يذهب “. ويصور كتاب تعليم سلافينوس المسيح كالمعلم الذي يعلم الخلاص بالاستنارة المعرفية: ” الذهن هو المرشد، ولكن العقل هو المعلم، فهما سيخرجانك من الدمار والأخطار … أضيء عقلك … النور هو المصباح داخلك “. ويقول إنجيل يهوذا: أن المسيح كشف لتلاميذه الكثير من المعرفة: “ دعُا تلاميذه الأثنى عشر. وبدأ الحديث معهم عن أسرار ما وراء العالم وما سيحدث في النهاية “، ولكنه كشفها أكثر ليهوذا لأنه، كما يزعم هذا الكتاب المزيف كان هو الأقدر منهم على ذلك، وقال له: ” [تعال]: حتى  أعلمك [أسرار] لم يرها أحد قط “!!

  وهذا تعليم صوفي فلسفي معقد يتنافى مع تعليم المسيح البسيط الذي كان يقدمه بأمثال بسيطة: ” هذا كله كلم به يسوع الجموع بأمثال. وبدون مثل لم يكن يكلمهم ” (مت20 :28)، ” كان الجميع يشهدون له ويتعجبون من كلمات النعمة الخارجة من فمه ” (لو4 :22).

(5) وتصور المسيح كمعلم غنوسي جاء فقط ليعلم تعاليم غنوسية صوفية سرية!! يقول إنجيل توما (قول 13): ” قال يسوع لتلاميذه: قارنوا لي. وقولوا  لي من أشبه. قال له سمعان بطرس. أنت كملاك صالح. قال له متى أنت كرجل حكيم متفهم. قال له توما: سيدي, لن أجهد فمي لأقول لك من تشبه. قال يسوع, أنا لست سيدك, لأنك سكرت، أنت سكرت من الينبوع  الفوار الذي أرقته. وأخذه, وذهب به جانبا, وقال له ثلاث كلمات. وعندما رجع توما إلى أصحابه, سألوه ماذا قال لك يسوع؟ قال توما لهم: لو أخبرتكم بواحدة من كلماته التي قالها لي, فستحملون حجارة وترمونني بها. وستخرج نار من الحجارة وتحرقكم “.

ويقول في إنجيل يهوذا: ” فقالوا: ” يا معلم, أنت […] ابن إلهنا “. قال لهم يسوع: ” كيف تعرفونني؟ الحق [أنا] أقول لكم, ليس من بينكم جيل من الناس سيعرفني … وعندما سمع تلاميذه ذلك بدءوا يغضبون ويحنقون وبدءوا يجدفون عليه في قلوبهم. ولما رأى يسوع قلة [معرفتهم، قال] لهم: ” لماذا أدت بكم هذه الإثارة إلى الغضب؟ إلهكم الذي بداخلكم و […] هو من دفعكم إلى  الغضب [داخل] نفوسكم “. أنه يتكلم عن مسيح غامض جاء من عالم أسطوري غير مدرك!!

  وهذا لا يتفق لا مع مسيح الإنجيل الموحى به بالروح القدس الذي يقول؛ ” تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم. تعلموا مني. لأني وديع ومتواضع القلب. فتجدوا راحة لنفوسكم ” (مت11 :28و29). ولا مع مسيح التاريخ، الذي ولد وعاش ومات وقام. ولا وجود لمثله لا في كتب آباء الكنيسة ولا في أي كتب غير هذه الكتب الغنوسية الهرطوقية.

(6) يصف تلاميذ المسيح، عدا يهوذا، بأنهم يعبدون إله أخر أقل من الإله  غير المدرك الذي جاء منه أو الذي أرسل المسيح، وأنهم لم يعرفوا الإله  الحقيقي غير المدرك الذي لم يعرفه إلا يهوذا فقط!!  ” فأجاب وقال لهم: ” أنا لا اضحك منكم, < فأنتم > لا تفعلون ذلك لأنكم تريدون, ولكن لأنه بذلك سُيمجد إلهكم “. فقالوا: ” يا معلم, أنت […] ابن إلهنا “.

قال لهم يسوع: ” كيف تعرفونني؟ الحق [أنا] أقول لكم, ليس بينكم جيل من الناس سيعرفني “.

  وعندما سمع تلاميذه ذلك بدأوا يغضبون ويحنقون وبدأوا يجدفون عليه في قلوبهم. ولما رأى يسوع قلة [معرفتهم، قال] لهم: ” لماذا أدت بكم هذه الإثارة إلى الغضب؟ إلهكم الذي بداخلكم و […] هو من دفعكم إلى  الغضب [داخل] نفوسكم. فليأت أي واحد منكم [قوى بما يكفى] بين الكائنات  البشرية، ليخرج الإنسان الكامل ويقف أمام وجهي “.

  فقالوا جميعا: ” نحن نملك القوة “.

  لكن أرواحهم لم تجرؤ على الوقوف [أمامه] فيما عدا يهوذا الإسخريوطي, الذي كان قادراً على الوقوف أمامه, لكنه لم يقدر أن ينظر إليه في عينيه فأدار وجه بعيدا.

  [وقال] له يهوذا: ” أنا اعرف من أنت ومن أين أتيت, أنت من العالم الخالد لباربيلو Barbelo وأنا لست مستحقاً بان انطق باسم ذلك الذي أرسلك “.

  كما وصف التلاميذ، عدا يهوذا، بالجهل وعدم المعرفة وتضليل من  يسيرون خلفهم:

  ” قال لهم يسوع: ” هؤلاء الذين رأيتموهم يتسلمون التقدمات عند المذبح – هؤلاء هم انتم. هذا هو الإله الذي تخدمونه … انظروا لقد قبل الله تقدماتكم من أيدي كاهن ” – هذا هو خادم الخطية, لكن الرب, رب الكون، هو الذي يوصي: ” في اليوم الأخير سيعيشون في العار “.

  كما يقول أنهم لم يفهموا تعليم المسيح ولا إنجيله الحقيقي ولم يكن لديهم المعرفة الحقيقية التي كانت عند يهوذا الذي يزعم أنه وحده الذي عرف حقيقية الإله الحقيقي ومن ثم فقد كشف له المسيح، وحده، أسرار الملكوت:

  ” ولمعرفته أن يهوذا كان يتأمل في شيء ما كان مرتفعاً، قال له يسوع: ” تعالَ بعيدا عن الآخرين وسأخبرك بأسرار الملكوت. فمن الممكن لك أن تصل إلى ذلك “!!

  وهذا عكس ما جاء في الإنجيل الموحى به بالروح القدس وبقية العهد الجديد، فقد كشف الرب يسوع المسيح لتلاميذه كل ما يحتاجونه للكرازة بالإنجيل في العالم أجمع، كما كشف لهم أسرار ملكوت السموات: ” فأجاب وقال لهم لأنه قد أعطي لكم أن تعرفوا أسرار ملكوت السموات ” (مت13 :11)، وشرح لهم كل ما سبق أن تنبأ به عنه أنبياء العهد القديم: ” وقال لهم هذا هو الكلام الذي كلمتكم به وأنا بعد معكم انه لا بد أن يتم جميع ما هو مكتوب عني في ناموس موسى والأنبياء والمزامير حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب. وقال لهم هكذا هو مكتوب وهكذا كان ينبغي أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات في اليوم الثالث.

وان يكرز باسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم مبتدأ من أورشليم. وانتم شهود لذلك ” (لو24 :44-48). وبعد قيامته يقول الكتاب: ” الذين أراهم أيضا نفسه حيّا ببراهين كثيرة بعدما تألم وهو يظهر لهم أربعين يوما ويتكلم عن الأمور المختصة بملكوت الله ” (أع1 :3). وأعدهم ليكونوا له شهودا: ” ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي. وتشهدون انتم أيضا لأنكم معي من الابتداء ” (يو14 :26و27)، ” وتكونون لي شهودا في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة والى أقصى الأرض ” (أع1 :8).

(7) وهنا يستخدم كاتب هذا الكتاب الأبوكريفي اسم الإله باربيلو Barbelo  الذي يمثل في الفكر الغنوسي الانبثاق الأول من الإله السامي غير المدرك وغير المعروف وغير المرئي في روايات الخلق، خاصة الخاصة بجماعة السيزيان Sethians (الشيثيين) وهي الفرقة التالية بعد القاينيين الذي يرى العلماء أن كاتب هذا الكتاب الأبوكريفي متأثر بأفكارها. هذا الباربيلو يوصف بالإله المخنث أو المزدوج الجنس والإنسان الأول، ويوصف في كتاب يوحنا الأبوكريفي الغنوسي بقوله: ” هذا هو الفكر الأول، صورته، صارت رحم كل شيء، لأنها هي التي تسبقهم جميعاً، الأم – الأب، الرجل الأول (أنثروبوس – الإنسان)، الروح القدس، المذكر الثلاثي، القوي الثلاثي، ذو الاسم الثلاثي المخنث، والأيون الأبدي بين غير المرئيين، والأول الذي أتي “. كما يوصف بالأم.

  وهذا الفكر الوثني لا مثيل له في المسيحية ولا يتفق مع عقيدة الله الواحد. بل يرجع للفكر الوثني الذي يؤمن بتعدد الآلهة!!

(8) ومثل معظم الأساطير الغنوسية الوثنية تكلم هذا الكتاب الأبوكريفي المنحول عن الروح العظيم الغير المرئي الذي انبثق منه كل وجود، وعن الإله الموجود الذاتي، وعن الأيونات: ” قال يسوع: ” [تعال]: حتى أعلمك [أسرار] لم يرها أحد قط، لأنه يوجد عالم عظيم ولا حد له، الذي لم ير وجوده جيل من الملائكة قط [ الذي فيه] يوجد [روح] عظيم غير مرئي “.

الذي لم تره عين ملاك قط. ولم يدركه فكر قلب قط. ولم يدع بأي اسم قط “. وتحدث عن إله أخر هو المولود الذاتي ” الروح الإلهي المنير المولود الذاتي “، خالق المنيرين الأربعة والأيونات المنيرة وبقية الأيونات!! والأيونات ومفردها أيون وتعني في اليونانية ” فترة الوجود ” أو ” الحياة ” ويعني في أساطير الخلق عند معظم الجماعات الغنوسية، كما هنا في إنجيل يهوذا، انبثاق من الإله غير المدرك أو من المولود الذاتي،  وتمثل هذه الأيونات سلسلة لا تحصى من الانبثاقات المختلفة التي انبثقت من الإله غير المدرك أو الروح العظيم أو الأيون الكامل أو بيثوس Bythos، العمق، والبرو أرشي، أي الموجود قبل البدء.

  وهذا يختلف عن الفكر المسيحي وكل من يؤمن بإله واحد، فنحن هنا أمام عدد من الآلهة والأيونات الروحية لا حصر لها وتختلف عن فكر الكتاب  المقدس والذي يقول ” الرب إلهنا رب واحد. فتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك ” (تث6 :4و5).

(9) كما يصور هذا الكتاب الأبوكريفي آدم أو آداماس كمخلوق ليس من الله بل عن طريق الإله سكالاس وملائكته الذين خلقوا البشرية والعالم ” من  السحابة ظهر [ملاك] أضاء وجهه بالنيران, وتلوث ظهوره بالدماء. وكان اسمه هو ” نبرو –  Nebro” الذي يعني المتمرد, ودعاه أحرون ” يالدابوث –  Yaldabaoth” وجاء ملاك أخر من السحابة هو سكالاس (Skalas)، وهكذا خلق نبرو ستة ملائكة – وأيضاً سكالاس (Skalas) – ليكونوا مساعدين, وهؤلاء أنتجوا اثني عشر ملاكاً في السموات, وكل واحد منهم تسلم نصيباً في السموات “. وعن سكالاس الشرير الخالق، يقول: ” وبعدها قال سكالاس (Skalas) لملائكته: لنخلق كائناً بشرياً على شكل وعلى صورة, فشكلوا آدم وزوجته حواء، التي تدعى في السحاب زوي ”  Zoe– الحياة “. ويعني اسم ” سكالاس ” الأحمق وهو اسم غنوسي كما يقول العالم الألماني كالوس سكلنج Klaus Schilling  ” والشيطان مدعو أيضاً Saclas (أحمق) مصطلح يوجد غالباً في الأدب الغنوسي للديميورج (الصانع)، إله العهد القديم “. وهذا بالطبع عكس الكتاب الذي يقول أن الله خلق الكون بكلمته.

(10) وبرغم أن هذا الكتاب المنحول أتفق مع الأناجيل القانونية الأربعة على حقيقة تسليم يهوذا سيده لليهود مقابل المال، كقوله ” فأجابهم يهوذا كما  أرادوا منه واستلم بعض المال وأسلمه لهم “، وصلبه وموته بالجسد المادي فدية عن البشرية، إلا أنه يختلف عنها في حقيقة جوهرية هي أن الأناجيل القانونية ترى فيما عمله يهوذا، برغم علم الرب السابق به، خيانة، وهذا الكتاب المنحول يرى في ذلك قمة التضحية فقد قام بهذا العمل بناء على تكليف المخلص له وقبله برغم العار الذي سيلحق به!!

وهذا لا يتفق مع شخص المسيح وسموه فقد كان عمله الفدائي بموته على الصليب وقيامته محتوماً ولم يكن في حاجة لشخص يسلمه لليهود ليسلموه بدورهم للرومان، فقد حاولوا قتله أكثر من مرة برجمه أو بإلقائه من على الجبل ومع ذلك لم يستطيعا أن يمسوه، وكان في إمكانه أن يترك نفسه أو يسلم نفسه لهم دون الحاجة إلى يهوذا أو غيره كما عبر هو نفسه قائلاً: ” أن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه. ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الإنسان. كان خيرا لذلك الرجل لو لم يولد ” (مت26 :24). 

(11) كما لا يمكن أن تسمى كتب الغنوسية الستة المسماة بالأناجيل بهذا الاسم لأنها لا تحمل أي سمات للإنجيل. فهي لا تحوي شيئاً لا عن ميلاد المسيح  أو لمحات من حياته ولا أعماله ولا موته أو قيامته، وأن كانت تلمح لها باعتبار أن ذلك موجود في الأناجيل القانونية التي أعترف بها هؤلاء الهراطقة أيضاً، سواء جزئياً أو كلياً، باعتبارها أناجيل العامة وأن كتبهم هي أناجيل الخاصة، كما يقول القديس إيريناؤس: ” الأرض التي تقف عليها هذه  الأناجيل أرض صلبة حتى أن الهراطقة أنفسهم يشهدون لها ويبدأون من هذه الوثائق وكل منهم يسعى لتأييد عقيدته الخاصة منها “(1).

  ولذا لم يقتبس منها أحد من آباء الكنيسة في القرون الأولى وما بعدها على الإطلاق، بل رفضوها لأنهم كانوا يعرفون جيدا مصدرها ومن أنتجها من الهراطقة، كما قال القديس إيريناؤس (170م) ” أن الهراطقة الماركونيين أصدروا عددا لا يحصى من الكتابات الأبوكريفية والمزورة والتي زيفوها بأنفسهم ليذهلوا عقول الحمقى(2). وقال عن تلفيق جماعة القاينيين لإنجيل يهوذا: ” ولذا فقد لفقوا تاريخا مزيفاً أسموه إنجيل يهوذا “. وقال العلامة أوريجانوس (185 – 253م)؛ ” الكنيسة لديها أربعة أناجيل والهراطقة لديهم الكثير جداً “.

4 – عقائد قادة الفرق الغنوسية واتفاقها مع إنجيل يهوذا:

   ولكي ندرس أفكار قادة هذه الفرق الغنوسية ونفهم ما كانوا يقولونه، ونفهم أيضاً ما جاء في إنجيل يهوذا الأبوكريفي المنحول الذي خرج من أحد فرقهم، كما كتب عنهم القديس إيريناؤس سنة 180م، والذي ثبت صحة كل ما قاله عنهم وعن أفكارهم، خاصة بعد اكتشاف مكتبة نجع حمادي ودراسة نصوصها، نقدم هنا ملخصاً لأفكارهم مع عرض ما كتبه عنهم وعن آلهتهم العديدة وسلاسلها المعقدة!!

(1) عقيدة ساتورنينوس (Saturninus) في خلق الكون:

كما شرحها القديس إيريناؤس. ونلخصها كالآتي:

(1) الآب (غير المدرك وغير المرئي).

(2) الممسوح (أو المسيح).

(3) القوات الفائقة.

(4) سبعة ملائكة خلقوا العالم، من بينهم إله اليهود (صباؤوت).

(5) ملائكة أخرى ورؤساء ملائكة وسلطات وقوات.

(6) الشيطان.

(7) أرواح شريرة.

(8) أول كائن بشري (آدم – آداماس).

(9) سلالة بشرية شريرة.

(11) سلالة بشرية خيرة تملك شرارة الحياة بداخلها.

يقول القديس إيريناؤس ” ومن هؤلاء جاء ساتورنينوس … وأشار إلى آب واحد (مفرد) غير مدرك من الكل خلق الملائكة ورؤساء الملائكة والقوات والسلاطين. أما العالم وكل ما فيه فقد خلقته جماعة معينة من سبعة ملائكة. وعلاوة على ذلك فقد خُلق الكائن البشري (الإنسان) بواسطة الملائكة استجابة لظهور صورة مضيئة انبثقت من حضرة القوة الفائقة (المطلقة). وعندما لم يستطع (هؤلاء الملائكة)، كما يقول، كبح ذلك حيث تراجعوا في الحال فحذروا أحدهم الآخر قائلين ” لنصنع الإنسان على صورتنا كشبهنا “. وعندما أتخذ شكلا لم يكن قادرا على أن يقف منتصباً  لعدم مقدرة الملائكة أن يعطوه القوة ولكنه انطوى على الأرض مثل الدودة. ثم أشفقت عليه القوة الفائقة لأنه جاء إلى الوجود على شبهها، وأرسلت له (هذه القوة) شرارة الحياة، التي أنهضت الكائن البشري وجعلته حياً.

ثم يقول، وبعد نهاية (حياة الإنسان)، ترجع شرارة الحياة هذه إلى العناصر المثيلة لها (مجال الخلود) وتنحل العناصر الأخرى التي جاءت منها إلى الوجود.

ثم أدعى أن المخلص الذي لا جنس له (بلا ميلاد) غير مادي (بلا جسد) ولا شكل له ظهر (افتراضا) ككائن بشري في المظهر فقط. وقال أن إله اليهود هو أحد الملائكة. وبسبب أن كل القوات أرادت أن تبيد أبيه (الآب)، فقد جاء المسيح ليدمر إله اليهود وليخلص الذين يؤمنون به، أي الذين فيهم شرارة الحياة. هذا الهرطوقي كان أول من قال أن الملائكة خلقوا سلالتين من البشر، واحدة شريرة والأخرى صالحة (ربما يقصد ذرية قايين وذرية شيث). ولأن الأرواح الشريرة كانت تساعد الأشرار فقد جاء المخلص ليدمر البشر الأشرار والأرواح الشريرة وليخلص الصالحين.

 قارن ذلك مع نص إنجيل يهوذا الفقرات (3 إلى 5 من المشهد الثالث).

(2) عقيدة باسيليدس (Basilides) في خلق الكون:

  يقول القديس إيريناؤس أن باسيليدس طور عقيدة خلق الكون كالآتي: فقال ” أن العقل (ناوس – Nous) كان هو بكر الآب غير المولود (الذي لم يولد). والذي منه ولد اللوجوس (Logos)، ومن اللوجوس (Logos)  فرونيسيس (Phronesis)، ومن فرونيسيس (Phronesis) صوفيا (الحكمة Sophia) وديناميس (القوة – Dynamis)، ومن صوفيا (الحكمة – Sophia) وديناميس (القوة – Dynamis) خُلقت القوات والسلاطين  والملائكة. الذين يدعونهم الأول، وبواسطتهم خُلقت السماء الأولى.

ثم تشكلت قوات أخرى منبثقة من هذه وخلقت سماء أخرى شبيهة بالأولى؛ وبنفس الطريقة، عندما تشكلت قوات أخرى بالانبثاق عنهم ومتماثلين مع الذين فوقهم تماماً، شكلوا هم أيضاً سماء ثالثة، ثم من هذه المجموعة الثالثة، في ترتيب أدنى، كان هناك تتابع رابع لهذه القوات وهكذا، على نفس المثال أعلنوا أن هناك الكثير والكثير من القوات والملائكة، وثلاثمائة وخمس وستين سماءً، تشكلت !! أي أن عدد السموات على عدد أيام السنة !!

وقد شكل (خلق) هؤلاء الملائكة الذين يحتلون السماء السفلى، أي المرئية لنا كل شيء في هذا العالم. وجعلوا لكل منهم حصة على الأرض وعلى الأمم التي عليها. وكان رئيس هؤلاء (الملائكة)، كما زعموا، هو إله اليهود، ولأنه أراد أن يخضع كل الأمم لشعبه، أي اليهود، فقد قاومه كل الرؤساء الآخرين وواجهوه. وكانت كل الأمم الأخرى في عداوة مع أمته. ولكن الآب غير المولود (الذي لم بولد) ولا اسم له أدرك أنهم يجب أن يدمروا، أرسل مولوده الأول العقل (ناوس – Nous)، الذي يسمى المسيح، ليخلص الذين يؤمنون به من قوة أولئك الذين خلقوا العالم “.

قارن الفقرة الأخيرة مع قول إنجيل يهوذا الفقرات 6و7 عن خلق الملائكة  لآدم والكون المادي!!

  ويقول عن المسيح: ” وظهر على الأرض كإنسان، لأمم هذه القوات وصنع معجزات … كان قوة غير مادية، وعقل Nous الآب غير المولود (الذي لم يولد). وكان يغير مظهره كما يشاء “. وهذا يتطابق مع قول إنجيل يهوذا: ” عندما ظهر يسوع على الأرض عمل معجزات وعجائب عظيمة لخلاص البشرية …وغالباً لم يظهر لتلاميذه كما هو، ولكنه وُجد بينهم كطفل “.

(3) عقيدة كاربوكريتس (Carpocrates) في خلق الكون:

  ويقول القديس إيريناؤس ” يقول كاربوكريتس وأتباعه أن العالم والأشياء التي فيه خلقتها الملائكة الأقل بدرجة عظيمة من الآب غير المولود (الذي لم يولد). وقالوا أيضا أن يسوع هو ابن يوسف، وكان مثل البشر الآخرين باستثناء أنه يختلف عنهم في الاعتبارات التالية، فقد كانت نفسه نقية وراسخة، وقد تذكر بدقة تلك الأشياء التي شاهدها داخل مجال الآب غير المولود (الذي لم يولد). وعلى هذا الاعتبار فقد نزلت عليه قوة من الآب التي بواسطتها يمكن أن يهرب من خالقي العالم. ويقولون أنه بعدما مر من خلالهم جميعاً وبقي في نقطة حراً، صعد ثانية إليه وإلى القوات التي بنفس الطريقة احتضنت مثل هذه الأمور لنفسها “.

  ولا نجد فرقاً كبيراً بين ما قاله كاربوكريتس وما جاء في إنجيل يهوذا فنفس الأفكار هي هي واحدة في جوهرها ومحتواها!!

(4) عقيدة ماركيون (Marcion

  والذي نادى بأن إله الناموس والأنبياء هو خالق الشرور الذي يبتهج بالحرب … ولكن يسوع أشتق من الآب الذي هو فوق الإله الذي خلق  العالم، وجاء إلى اليهودية في زمن بيلاطس البنطي الحاكم الذي كان وكيلا لطيباريوس قيصر وظهر في شكل إنسان لأولئك الذين في اليهودية لاغياً الناموس والأنبياء وكل أعمال ذلك الإله الذي خلق العالم، والذي يدعوه أيضا بخالق الكون. وبتر الإنجيل الذي بحسب لوقا، وأزال كل ما كتب فيما يختص بسلسلة نسب الرب، ووضع جانباً كماً كبيراًَ من تعليم الرب الذي فيه يسجل أن الرب يعترف بأن خالق الكون هو أبوه. ” وأزال من رسائل بولس الرسول كل ما يختص بكون الله هو خالق العالم وأنه أبو الرب يسوع المسيح. كما أزال الكتابات النبوية التي اقتبسها للإعلان عن مجيء الرب مقدماً.

وعلم أن الخلاص يمكن أن تحصل عليه تلك النفوس التي تعلمت هذه العقيدة فقط … وقال أن قايين ومن هم على شاكلته والسدوميين والمصريين وآخرين غيرهم، بل وكل الأمم التي سلكت كل أنواع البغض، خلصت بواسطة الرب في نزوله إلى الهاوية وفي جريهم إليه ورحبوا به في مملكتهم. ولكن الحية التي كانت في ماركيون أعلنت أن هابيل وأخنوخ ونوح والرجال الأبرار الآخرين الذين جاءوا من البطريرك إبراهيم، مع كل الأنبياء وأولئك الذين أرضوا الله لم يشاركوا في الخلاص، حيث يقول لأن هؤلاء الناس علموا أن إلههم كان يجربهم بثبات، لذا فالآن شكوا في لأنه كان يجربهم، ولم يسرعوا إلى يسوع، ولم يؤمنوا بإعلانه، ولذا فقد أعلن أن  نفوسهم ستبقى في الهاوية “.

  وما قاله مركيون يتفق في نصه وجوهره مع معظم ما جاء في إنجيل يهوذا، وخاصة حديث ماركيون عن قايين والسدوميين والمصريين … الخ

  وهكذا يتبين لنا كيف أن إنجيل يهوذا الهرطوقي الغنوسي الأبوكريفي المنحول خرج من دوائر هؤلاء الهراطقة ولم يخرج من داخل الكنيسة والتسليم الرسولي المسلم مرة للقديسين، من المسيح إلى رسله، رسل المسيح وتلاميذه، إلى خلفائهم وخلفاء خلفائهم في تسلسل رسولي عبر الأجيال.

(1) Ag. Haer. 3:11,8.

(2) Against Her. 32.

ما جاء في الكتب الغنوسية وما جاء في إنجيل يهوذا – القمص عبد المسيح بسيط 

اكليمندس الأسكندرى 150 ـ 215م د. موريس تاوضروس

اكليمندس الأسكندرى 150 ـ 215م د. موريس تاوضروس

اكليمندس الأسكندرى 150 ـ 215م د. موريس تاوضروس

اكليمندس الأسكندرى (150 ـ 215م) د. موريس تاوضروس

تحدثنا فى العددين السابقين عن: البيئة الثقافية للقديس اكليمندس الأسكندرى، وأهم مؤلفاته فى مواجهة الفكر الغنوسى: 1ـ نصائح إلى اليونانيين. وسوف نتكلّم فى هذه العدد عن الكتابين الثانى والثالث: المربى، والمتفرقات.

 

كتاب المتفرقات (تابع):

        الكتاب الرابع (تابع):

          + يشير اكليمندس أن الإنجيل يحقق لنا حياة الكمال والسلوك الكامل (21:4). ويتحقق هذا الكمال للجسد والروح فيتقدس الإنسان كله ” فالغنوسية (المعرفة الحقيقية للمسيحية) ليست مجرد معرفة نظرية لكنها دخول إلى كمال المسيح، دخول من الناموس إلى السيد المسيح مكمل الناموس” (21:4)[1]. ” لقد كانت أهم قضية تشغل بال اكليمندس هى تلك التي اختار أن يسميها “الغنوسية الحقيقية” ورأى أن محبة الله هى العلامة المميزة للغنوسية المسيحية.

والإنسان بواسطة معرفته الغنوسية يمكن أن يفتح الطريق إلى السماء ويشارك الملائكة حول عرش الله، بل قد ذهب إلى القول بأن الغنوسي الحقيقي يصبح مثل الله، عندما يسترجع صورة الله التي فقدها في جنة عدن، فالمعرفة تعطي الخلاص (22:4 ـ لورمر ص52).

          + وفي هذا الكتاب الرابع يتحدث اكليمندس أيضًا عن الفنون البشرية والمعرفة الإلهية ويبيّن أنها جميعها من الله، ” والكتاب المقدس يسمي كل علم دنيوي وكل فن باسم واحد هو الحكمة.

إن الإبداع في الفنون وضروب المهارة هى من الله، ويتضح هذا من العبارة التالية: ” وكلّم الرب موسى قائلاً: انظر قد دعوت بصلئيل بن أورى بن حور من سبط يهوذا باسمه وملآنة من روح الله بالحكمة والفهم والمعرفة وكل صنعة لاختراع مخترعات ليعمل في الذهب والفضة والنحاس والأسمانجوني والأرجوان والقُرمز ونفس الحجارة للترصيع، ونجارة الخشب ليعمل في كل صنعة ويستشهد بما جاء في سفر الخروج ” وتكلم جميع حكماء القلوب الذين ملئتهم روح حكمة أن يصنعوا ثياب هرون لتقديسه ليكهن لي” (خر3:28).

إن حكماء القلب يتميزون بصفات طبيعية خاصة بهم والذين يظهرون أنفسهم مستحقين للحكمة ينالون من “الحكمة العظمى” نصيبًا مضاعفًا من روح الحكمة[2].

 

الكتاب الخامس

          + ليس هناك معرفة بدون إيمان، ولا إيمان بدون معرفة، هكذا أيضًا ليس هناك أب بدون ابن.

          + يرى اكليمندس أن الذبيحة المقدمة لله هى التجرد من الجسد ومن أهوائه، فهذه هى التقوى الحقيقية. وهكذا فإن الفلسفة دُعيت بحق على لسان سقراط بأنها ممارسة الموت. ويرى أننا لا نستطيع أن نصل إلى الحقيقة عن طريق استخدام الحواس، فالوصول إلى معرفة حقيقة الأشياء يتم عن طريق استخدام العقل المجرد، وليس عن طريق استخدام البصر أو الحواس الأخرى، فهذا هو منهج مَنْ يتبع الفلسفة الحقيقية. إن الفلاسفة وصلوا إلى هذه الحقيقة عن طريق موسى.

وعن طريق التحليل يمكن أن نصل إلى التأمل، فنتقدم بالتحليل إلى الفكرة الأولى، فنجرد الجسد من خصائصه الطبيعية. فإذا خلّصنا أجسادنا بكل ما يرتبط بها من أبعاد العمق والاتساع والطول. وألقينا بأنفسنا في بحر المسيح الزاخر وتقدمنا بالطهارة في هذا الاتساع غير المحدود، فإننا بذلك نستطيع أن نصل إلى معرفة الله القدير.

ومعرفتنا بالله لا تجىء عن معرفة ما هو عليه، بل بمعرفة ما ليس هو. إن الشكل والحركة والوقوف والعرش والمكان واليد اليمين أم اليد اليسرى، يجب أن لا تدرك هذه جميعها على أنها تختص بالآب، على الرغم من أنها مكتوبة. إن العلة الأولى لا توجد في مكان، ولكنها فوق كل مكان وكل زمان وكل تصور.

          ويمضي اكليمندس ليؤكد أن معرفة الله لا تتم إلاّ عن طريق الله بواسطة ابنه وهكذا أكد لنا سليمان الحكيم ” ليس لي فهم إنسان ولم أتعلم الحكمة ولم أعرف معرفة القدوس” (أم2:30). إن الفطنة (الحكمة) الإلهية يتكلم عنها سليمان فيقول ” هى شجرة حياة لممسكيها والمتمسك بها مغبوط” (أم18:3).

ثم إن القديس اكليمندس ” أعطى اهتمامًا بالحب كمصدر للغنوسية، فإنها عليه تتأسس. الله حب يعرفه الذين يحبونه.. لهذا يلزمنا أن ندخل إلى معرفته خلال الحب الإلهي، فنتأمل الشبه بالشبه. نعرف إله الحب بممارسة الحب، ممارسة الحياة السماوية”[3].

 

الكتاب السادس

+ يؤكد القديس اكليمندس في الكتاب السادس أن الفهم الصحيح ليس هو اكتشاف بشري، وأن ما وصل إليه اليونانيون من فهم، ليس هو نتاج الفهم البشري بل هو من عند الله. إن المسيح هو الذي يهب المعرفة الحقيقية ويعطينا إدراك الأمور الماضية والحاضرة والمستقبلة. إنه يهب لنا الغنوسية الحقيقية من خلال الكتاب المقدس.

          + الغنوسي الحقيقى يدرك ما يبدو للآخر أنه غير مدرك، فليس شئ غير مدرك لدى ابن الله وليس شئ لا يمكن تعلمه. الذي تألم فينا لا يخفي شيئًا من المعرفة اللازمة لتهذيبنا” (8:6)[4].

          + وهناك أمور ثلاثة في قدرة الغنوسى الحقيقى: معرفة الأشياء. ثانيًا: ينفذ ما تقترحه الكلمة. ثالثًا: القدرة على تقبل الأسرار المخفية في الحق.

          + واعتمد اكليمندس على سفر الحكمة في تأكيد أهمية المعرفة. جاء في سفر الحكمة ” الحكمة براقة لا تذبل. يراها الذين يحبونها بسهولة ويجدها الذين يلتمسونها. وتسبق وتتجلى بالنسبة للذين يشتهون معرفتها. “ من بكر إليها فما تعب بل وجدها عند مداخل كائنة” (حك12:6ـ15). ويلّق على هذه العبارة قائلاً: ” أظن أن الحكيم يعلم بأن التعليم الحقيقي هو الرغبة في المعرفة، والتدريب العملي للتعليم ينجم عن محبة المعرفة” (15:6)[5].

          + ويرى القديس اكليمندس أن الغنوسى الحقيقي لا يخضع لآلام النفس فيقول: “يخضع الغنوسى فقط للمؤثرات الخاصة بالحفاظ على الجسد مثل الجوع والعطش وما أشبه ذلك.. إذ تحدث عن هذه المؤثرات بطريقة متعقلة تكون صالحة، لكن الشخص الكامل لا يقبل مؤثرات أخرى إضافية، فلا يقدر أن يمارس الجسارة (كألم نفسي) إذ لا يواجه شئ بخوف ولا يرى في الحياة ما يرغب، ولا يستطيع أمر أن ينزع عنه محبته لله..

ولا يغضب (ألم نفسي آخر) إذ يرى في الله أنه دائم الحب له، وأنه (هو) دائم الاتجاه نحو الله وحده فلا يبغض أحدًا من خليقة الله، ولا يعود يحسد، لأنه ليس في عوز إلى شئ من الأمور اللازمة لتجعله شخصًا ممتازًا وصالحًا، وبالتبعية لا يحب أحدًا بالمفهوم العام للعاطفة، إنما يحب الخالق في خليقته .. ولا يرغب بشغف أن تبتلعه الأمور الجميلة، إذ هو يملك جمال الحب” (9:6)[6].

          + وفي الكتاب السادس يتحدث عن المسيح الكلمة. وفيما يشير لوريمر: .. تعتبر عقيدة المسيح الكلمة واحدة من مميزات فكر اكليمندس. فالمسيح هو المعلّم الحقيقي الذي يعطى الناس “الكلمة” التي تقودهم إلى الحرية من الخطية وإلى البر والخلود. والكلمة (المسيح) هو فوق عالم البشر وفي عالم البشر، فهو سماوي بل هو الله نفسه وليس أقل من الله أو تابعًا له. فبالكلمة يخلق الله ويحكم ويعلن.

والله في ذاته بعيد جدًا ولا يمكن الوصول إليه، ولكن في “الكلمة” قريب ويحيا في كل كائن. إن الكلمة اتخذ له جسدًا وظهر في يسوع المسيح ليعلّم الناس بأكثر وضوح وإقناع وبواسطة المثال الذي يعطيه في حياته. يؤثر في الناس لكي يختاروا طريق الحياة بدلاً من الموت” ص53، 54.

          + وبالنسبة لموقف اكليمندس من الكتاب المقدس ” فقد كتب اكليمندس يقول إن الكتاب المقدس نافع لكل مسيحي ولكن لا يعرف عمقه أو حقائقه بالكامل إلاّ المسيحي العارف. ولكي يفهم المعنى الأعمق للكتب المقدسة عليه أن يستخدم كل علوم الفلسفة والأخلاق وعلم النفس والطبيعة وما وراء الطبيعة. فبهذه الوسائل يستطيع المسيحي العارف أن “يستخرج من الكتاب المقدس كل المعرفة، يعرف الماضي والحاضر والمستقبل ويصل إلى كل هذه” (6:6) ص54.

 

الكتاب السابع

          + الغنوسى الحقيقي لا يكتفي بالإصغاء إلى كلمات الكتاب المقدس، ولكنه يذهب إلى ما وراء الكلمات وإلى ما يستتر خلفها من حقائق وأعمال يلتزم بها.

          + تسعى الغنوسية الحقيقية إلى بلوغ معرفة الله وإلى رؤيته وامتلاكه. والمعرفة لا تنحصر في مجالها النظري فقط ولكنها حياة وممارسة تتطلع نحو الحياة السماوية الفائقة متشبهة بالله.

          ويتصف الغنوسى الحقيقي بالصفات التالية:

          1 ـ التقوى ” الغنوسى إنسان تقي يهتم أولاً بخلاص نفسه، وبعد ذلك بقريبه حتى يكون الكل صالحًا جدًا. فإن الابن يُفرح أباه الصالح بظهوره صالحًا على شبه أبيه.. إن في مقدورنا أن نؤمن وأن نطيع”، “الغنوسى من كل ناحية يشهد للحق بالعمل والكلام، إذ يسلك باستقامة في كل شئ، بالكلام والعمل والفكر أيضًا.. الغنوسى وحده بالحق هو تقي وعادل ويخاف الله ” (9:7).

          2 ـ يتمم إرادة الله “يتذوق الغنوسى إرادة الله فلا ينصت للمكتوب (الشريعة المكتوبة) بأذيته إنما بنفسه (11:7). وخلال هذه الطاعة المملوءة حبًا لإرادة الله يظهر كصديق لله وابنًا لله: الغنوسى كمحب للحق الواحد الحقيقي يكون إنسانًا كاملاً صديقًا لله ويحسب ابنًا ” (11:7).

          3 ـ لا يخشى الموت: الغنوسى بحق لا يضطرب من شئ ما.. لا يخشى الموت إذ له الضمير الصالح وتهيأ لمعاينة القوات (السمائية) (13:7).

          4 ـ رجل الصلاة ” حياته كلها صلاة وحديث مستمر مع الله.. صلاته هى شكر من أجل الماضي والحاضر والمستقبل الذي يراه بالإيمان حاضرًا (11:7).

 

الكتاب الثامن

          + الكتاب الثامن مفقود، يشير إليه اكليمندس في ختام الجزء السابع من المتفرقات ولكنه يصدر في مجموعة “آباء ما قبل نيقية” ككتاب مستقل بعنوان “الكتاب الثامن”. ولم يبق من هذا الكتاب إلاّ شذرة واحدة هى جزء من رسالة في المنطق. ويشير يوسابيوس إلى كتاب “ستروماتا” فيقول ” إن جميع مؤلفات اكليمندس الثمانية المسماة “ستروماتا” لازالت محفوظة عندنا، وقد سماها هو بنفسه تيطس فلافيوس اكليمندس “ستروماتا”.

وفي هذا المؤلف لم يتحدث بتوسع عن الأسفار الإلهية فحسب، بل اقتبس أيضًا من الكتاب اليونانيين كل ما رآه نافعًا، وشرح آراء لكثيرين يونانيين وبرابرة. وقد فَنَّد أيضًا التعاليم الكاذبة التي نادى بها زعماء الهراطقة. وعلاوة على هذا راجع جزءًا كبيرًا من التاريخ، مقدمًا إلينا عينات من مختلف التعاليم. أما ما تبقى فإنه يمتزج به آراء الفلاسفة”. ولعله لهذا السبب أطلق على مؤلفه ذلك اللقب المناسب “ستروماتا” (يوسابيوس 3:6، 4، 5).

 

[1] المرجع السابق ص79.

[2] انظر: موسوعة المتنيح الأنبا غريغوريوس ـ الدراسات الفلسفية 2004 ص 241ـ242.

[3] القمص تادرس يعقوب ص 79.

[4] القمص تادرس يعقوب، ص78ـ81.

[5] القمص تادرس يعقوب، ص78ـ81.

[6] القمص تادرس يعقوب، ص78ـ81.

اكليمندس الأسكندرى 150 ـ 215م د. موريس تاوضروس

Exit mobile version