اكليمندس الأسكندرى 150 ـ 215م د. موريس تاوضروس

اكليمندس الأسكندرى 150 ـ 215م د. موريس تاوضروس

اكليمندس الأسكندرى 150 ـ 215م د. موريس تاوضروس

اكليمندس الأسكندرى (150 ـ 215م) د. موريس تاوضروس

تحدثنا فى العددين السابقين عن: البيئة الثقافية للقديس اكليمندس الأسكندرى، وأهم مؤلفاته فى مواجهة الفكر الغنوسى: 1ـ نصائح إلى اليونانيين. وسوف نتكلّم فى هذه العدد عن الكتابين الثانى والثالث: المربى، والمتفرقات.

 

كتاب المتفرقات (تابع):

        الكتاب الرابع (تابع):

          + يشير اكليمندس أن الإنجيل يحقق لنا حياة الكمال والسلوك الكامل (21:4). ويتحقق هذا الكمال للجسد والروح فيتقدس الإنسان كله ” فالغنوسية (المعرفة الحقيقية للمسيحية) ليست مجرد معرفة نظرية لكنها دخول إلى كمال المسيح، دخول من الناموس إلى السيد المسيح مكمل الناموس” (21:4)[1]. ” لقد كانت أهم قضية تشغل بال اكليمندس هى تلك التي اختار أن يسميها “الغنوسية الحقيقية” ورأى أن محبة الله هى العلامة المميزة للغنوسية المسيحية.

والإنسان بواسطة معرفته الغنوسية يمكن أن يفتح الطريق إلى السماء ويشارك الملائكة حول عرش الله، بل قد ذهب إلى القول بأن الغنوسي الحقيقي يصبح مثل الله، عندما يسترجع صورة الله التي فقدها في جنة عدن، فالمعرفة تعطي الخلاص (22:4 ـ لورمر ص52).

          + وفي هذا الكتاب الرابع يتحدث اكليمندس أيضًا عن الفنون البشرية والمعرفة الإلهية ويبيّن أنها جميعها من الله، ” والكتاب المقدس يسمي كل علم دنيوي وكل فن باسم واحد هو الحكمة.

إن الإبداع في الفنون وضروب المهارة هى من الله، ويتضح هذا من العبارة التالية: ” وكلّم الرب موسى قائلاً: انظر قد دعوت بصلئيل بن أورى بن حور من سبط يهوذا باسمه وملآنة من روح الله بالحكمة والفهم والمعرفة وكل صنعة لاختراع مخترعات ليعمل في الذهب والفضة والنحاس والأسمانجوني والأرجوان والقُرمز ونفس الحجارة للترصيع، ونجارة الخشب ليعمل في كل صنعة ويستشهد بما جاء في سفر الخروج ” وتكلم جميع حكماء القلوب الذين ملئتهم روح حكمة أن يصنعوا ثياب هرون لتقديسه ليكهن لي” (خر3:28).

إن حكماء القلب يتميزون بصفات طبيعية خاصة بهم والذين يظهرون أنفسهم مستحقين للحكمة ينالون من “الحكمة العظمى” نصيبًا مضاعفًا من روح الحكمة[2].

 

الكتاب الخامس

          + ليس هناك معرفة بدون إيمان، ولا إيمان بدون معرفة، هكذا أيضًا ليس هناك أب بدون ابن.

          + يرى اكليمندس أن الذبيحة المقدمة لله هى التجرد من الجسد ومن أهوائه، فهذه هى التقوى الحقيقية. وهكذا فإن الفلسفة دُعيت بحق على لسان سقراط بأنها ممارسة الموت. ويرى أننا لا نستطيع أن نصل إلى الحقيقة عن طريق استخدام الحواس، فالوصول إلى معرفة حقيقة الأشياء يتم عن طريق استخدام العقل المجرد، وليس عن طريق استخدام البصر أو الحواس الأخرى، فهذا هو منهج مَنْ يتبع الفلسفة الحقيقية. إن الفلاسفة وصلوا إلى هذه الحقيقة عن طريق موسى.

وعن طريق التحليل يمكن أن نصل إلى التأمل، فنتقدم بالتحليل إلى الفكرة الأولى، فنجرد الجسد من خصائصه الطبيعية. فإذا خلّصنا أجسادنا بكل ما يرتبط بها من أبعاد العمق والاتساع والطول. وألقينا بأنفسنا في بحر المسيح الزاخر وتقدمنا بالطهارة في هذا الاتساع غير المحدود، فإننا بذلك نستطيع أن نصل إلى معرفة الله القدير.

ومعرفتنا بالله لا تجىء عن معرفة ما هو عليه، بل بمعرفة ما ليس هو. إن الشكل والحركة والوقوف والعرش والمكان واليد اليمين أم اليد اليسرى، يجب أن لا تدرك هذه جميعها على أنها تختص بالآب، على الرغم من أنها مكتوبة. إن العلة الأولى لا توجد في مكان، ولكنها فوق كل مكان وكل زمان وكل تصور.

          ويمضي اكليمندس ليؤكد أن معرفة الله لا تتم إلاّ عن طريق الله بواسطة ابنه وهكذا أكد لنا سليمان الحكيم ” ليس لي فهم إنسان ولم أتعلم الحكمة ولم أعرف معرفة القدوس” (أم2:30). إن الفطنة (الحكمة) الإلهية يتكلم عنها سليمان فيقول ” هى شجرة حياة لممسكيها والمتمسك بها مغبوط” (أم18:3).

ثم إن القديس اكليمندس ” أعطى اهتمامًا بالحب كمصدر للغنوسية، فإنها عليه تتأسس. الله حب يعرفه الذين يحبونه.. لهذا يلزمنا أن ندخل إلى معرفته خلال الحب الإلهي، فنتأمل الشبه بالشبه. نعرف إله الحب بممارسة الحب، ممارسة الحياة السماوية”[3].

 

الكتاب السادس

+ يؤكد القديس اكليمندس في الكتاب السادس أن الفهم الصحيح ليس هو اكتشاف بشري، وأن ما وصل إليه اليونانيون من فهم، ليس هو نتاج الفهم البشري بل هو من عند الله. إن المسيح هو الذي يهب المعرفة الحقيقية ويعطينا إدراك الأمور الماضية والحاضرة والمستقبلة. إنه يهب لنا الغنوسية الحقيقية من خلال الكتاب المقدس.

          + الغنوسي الحقيقى يدرك ما يبدو للآخر أنه غير مدرك، فليس شئ غير مدرك لدى ابن الله وليس شئ لا يمكن تعلمه. الذي تألم فينا لا يخفي شيئًا من المعرفة اللازمة لتهذيبنا” (8:6)[4].

          + وهناك أمور ثلاثة في قدرة الغنوسى الحقيقى: معرفة الأشياء. ثانيًا: ينفذ ما تقترحه الكلمة. ثالثًا: القدرة على تقبل الأسرار المخفية في الحق.

          + واعتمد اكليمندس على سفر الحكمة في تأكيد أهمية المعرفة. جاء في سفر الحكمة ” الحكمة براقة لا تذبل. يراها الذين يحبونها بسهولة ويجدها الذين يلتمسونها. وتسبق وتتجلى بالنسبة للذين يشتهون معرفتها. “ من بكر إليها فما تعب بل وجدها عند مداخل كائنة” (حك12:6ـ15). ويلّق على هذه العبارة قائلاً: ” أظن أن الحكيم يعلم بأن التعليم الحقيقي هو الرغبة في المعرفة، والتدريب العملي للتعليم ينجم عن محبة المعرفة” (15:6)[5].

          + ويرى القديس اكليمندس أن الغنوسى الحقيقي لا يخضع لآلام النفس فيقول: “يخضع الغنوسى فقط للمؤثرات الخاصة بالحفاظ على الجسد مثل الجوع والعطش وما أشبه ذلك.. إذ تحدث عن هذه المؤثرات بطريقة متعقلة تكون صالحة، لكن الشخص الكامل لا يقبل مؤثرات أخرى إضافية، فلا يقدر أن يمارس الجسارة (كألم نفسي) إذ لا يواجه شئ بخوف ولا يرى في الحياة ما يرغب، ولا يستطيع أمر أن ينزع عنه محبته لله..

ولا يغضب (ألم نفسي آخر) إذ يرى في الله أنه دائم الحب له، وأنه (هو) دائم الاتجاه نحو الله وحده فلا يبغض أحدًا من خليقة الله، ولا يعود يحسد، لأنه ليس في عوز إلى شئ من الأمور اللازمة لتجعله شخصًا ممتازًا وصالحًا، وبالتبعية لا يحب أحدًا بالمفهوم العام للعاطفة، إنما يحب الخالق في خليقته .. ولا يرغب بشغف أن تبتلعه الأمور الجميلة، إذ هو يملك جمال الحب” (9:6)[6].

          + وفي الكتاب السادس يتحدث عن المسيح الكلمة. وفيما يشير لوريمر: .. تعتبر عقيدة المسيح الكلمة واحدة من مميزات فكر اكليمندس. فالمسيح هو المعلّم الحقيقي الذي يعطى الناس “الكلمة” التي تقودهم إلى الحرية من الخطية وإلى البر والخلود. والكلمة (المسيح) هو فوق عالم البشر وفي عالم البشر، فهو سماوي بل هو الله نفسه وليس أقل من الله أو تابعًا له. فبالكلمة يخلق الله ويحكم ويعلن.

والله في ذاته بعيد جدًا ولا يمكن الوصول إليه، ولكن في “الكلمة” قريب ويحيا في كل كائن. إن الكلمة اتخذ له جسدًا وظهر في يسوع المسيح ليعلّم الناس بأكثر وضوح وإقناع وبواسطة المثال الذي يعطيه في حياته. يؤثر في الناس لكي يختاروا طريق الحياة بدلاً من الموت” ص53، 54.

          + وبالنسبة لموقف اكليمندس من الكتاب المقدس ” فقد كتب اكليمندس يقول إن الكتاب المقدس نافع لكل مسيحي ولكن لا يعرف عمقه أو حقائقه بالكامل إلاّ المسيحي العارف. ولكي يفهم المعنى الأعمق للكتب المقدسة عليه أن يستخدم كل علوم الفلسفة والأخلاق وعلم النفس والطبيعة وما وراء الطبيعة. فبهذه الوسائل يستطيع المسيحي العارف أن “يستخرج من الكتاب المقدس كل المعرفة، يعرف الماضي والحاضر والمستقبل ويصل إلى كل هذه” (6:6) ص54.

 

الكتاب السابع

          + الغنوسى الحقيقي لا يكتفي بالإصغاء إلى كلمات الكتاب المقدس، ولكنه يذهب إلى ما وراء الكلمات وإلى ما يستتر خلفها من حقائق وأعمال يلتزم بها.

          + تسعى الغنوسية الحقيقية إلى بلوغ معرفة الله وإلى رؤيته وامتلاكه. والمعرفة لا تنحصر في مجالها النظري فقط ولكنها حياة وممارسة تتطلع نحو الحياة السماوية الفائقة متشبهة بالله.

          ويتصف الغنوسى الحقيقي بالصفات التالية:

          1 ـ التقوى ” الغنوسى إنسان تقي يهتم أولاً بخلاص نفسه، وبعد ذلك بقريبه حتى يكون الكل صالحًا جدًا. فإن الابن يُفرح أباه الصالح بظهوره صالحًا على شبه أبيه.. إن في مقدورنا أن نؤمن وأن نطيع”، “الغنوسى من كل ناحية يشهد للحق بالعمل والكلام، إذ يسلك باستقامة في كل شئ، بالكلام والعمل والفكر أيضًا.. الغنوسى وحده بالحق هو تقي وعادل ويخاف الله ” (9:7).

          2 ـ يتمم إرادة الله “يتذوق الغنوسى إرادة الله فلا ينصت للمكتوب (الشريعة المكتوبة) بأذيته إنما بنفسه (11:7). وخلال هذه الطاعة المملوءة حبًا لإرادة الله يظهر كصديق لله وابنًا لله: الغنوسى كمحب للحق الواحد الحقيقي يكون إنسانًا كاملاً صديقًا لله ويحسب ابنًا ” (11:7).

          3 ـ لا يخشى الموت: الغنوسى بحق لا يضطرب من شئ ما.. لا يخشى الموت إذ له الضمير الصالح وتهيأ لمعاينة القوات (السمائية) (13:7).

          4 ـ رجل الصلاة ” حياته كلها صلاة وحديث مستمر مع الله.. صلاته هى شكر من أجل الماضي والحاضر والمستقبل الذي يراه بالإيمان حاضرًا (11:7).

 

الكتاب الثامن

          + الكتاب الثامن مفقود، يشير إليه اكليمندس في ختام الجزء السابع من المتفرقات ولكنه يصدر في مجموعة “آباء ما قبل نيقية” ككتاب مستقل بعنوان “الكتاب الثامن”. ولم يبق من هذا الكتاب إلاّ شذرة واحدة هى جزء من رسالة في المنطق. ويشير يوسابيوس إلى كتاب “ستروماتا” فيقول ” إن جميع مؤلفات اكليمندس الثمانية المسماة “ستروماتا” لازالت محفوظة عندنا، وقد سماها هو بنفسه تيطس فلافيوس اكليمندس “ستروماتا”.

وفي هذا المؤلف لم يتحدث بتوسع عن الأسفار الإلهية فحسب، بل اقتبس أيضًا من الكتاب اليونانيين كل ما رآه نافعًا، وشرح آراء لكثيرين يونانيين وبرابرة. وقد فَنَّد أيضًا التعاليم الكاذبة التي نادى بها زعماء الهراطقة. وعلاوة على هذا راجع جزءًا كبيرًا من التاريخ، مقدمًا إلينا عينات من مختلف التعاليم. أما ما تبقى فإنه يمتزج به آراء الفلاسفة”. ولعله لهذا السبب أطلق على مؤلفه ذلك اللقب المناسب “ستروماتا” (يوسابيوس 3:6، 4، 5).

 

[1] المرجع السابق ص79.

[2] انظر: موسوعة المتنيح الأنبا غريغوريوس ـ الدراسات الفلسفية 2004 ص 241ـ242.

[3] القمص تادرس يعقوب ص 79.

[4] القمص تادرس يعقوب، ص78ـ81.

[5] القمص تادرس يعقوب، ص78ـ81.

[6] القمص تادرس يعقوب، ص78ـ81.

اكليمندس الأسكندرى 150 ـ 215م د. موريس تاوضروس

اللاهوت فى فكر القديس اكليمندس السكندرى

اللاهوت فى فكر القديس اكليمندس السكندري

اللاهوت فى فكر القديس اكليمندس السكندرى

 
( 150 – 215م )
 
القديس إكليمنضُس السكندري

وُجِدت نظرِة القديس إكليمنضُس الأسكندري بوجه خاص في الكتاب الخامِس من ” المُتفرقات أو ما يُسمَّى بالبديعيات “ ( Stromata ) ، حيث أعطى إيماناً ورجاءاً في إدراك الذهن للأمور غير المنظورة ، والتي لا تستطيع الحواس أن تُدرِكها .

تحدَّث إكليمنضُس بدقة عن الله الذي لا يمكن الحديث عنه ، فهو بلا شكل ولا اسم وكل ما لُقِبَ به من أسماء مثل الواحِد ، الصَّالِح ، العقل ، الابن ، الله الخالِق ، أو الرب … كلها أسماء فقيرة لا يمكنها أن تصِف الأبدي ، لأنَّ أي اسم ينزل إلى عالم الأمور المحدودة العادية ، وهذه الأسماء أُعطِيَت لنا من أجل قصورنا حتى نقدِر أن نُدرِك سُلطان قُدرته .
الله فوق كل لغة ، لهذا إنما نتحدَّث عنه من خلال الرموز ، ولا يمكن معرفة الله بدون

عمل نِعمِته ، فالمعرفة هِبة إلهية فوق حدود الفِكر المنطقي .. والله الغير معروف يصير معروفاً خلال اللوغوس ، فمن يرفُض نعمة الله ويتجاهل اللوغوس يبقى الله بالنسبة له غير معروف ..

فاللوغوس هو سِر المعرفة الإلهية ، هو معرِفتنا وفِردوسنا الروحي ، هو مُخلِّصنا الذي فيه نُزرع بعد أن نُقِلنا من الحياة العتيقة إلى التربة الصَّالِحة ، الرب نفسه هو معرِفتنا لنتأصَّل فيه ونتحرَّر لندخل الحياة الجديدة .

ويتحدَّث القديس إكليمنضُس السكندري عن نوعين من الثيولوچيا : ” ثيولوچيا الأوثان “ و ” اللاهوت الحقيقي أو الصحيح “ ، ويقع لاهوت الأوثان بين نقيضين ، الالحاد والخُرافة ، فالالحاد هو الجهل بالله الحقيقي ، والخُرافة هي توقير الآلهة الزائِفة بدلاً من الله الواحد (1) .

فالمُلحِد يُؤمِن بعدم وجود إله ، والشخص الذي يتبع الخُرافات السخيفة يخشى الشياطين ويعتبِر كثير من الأشياء آلهة : الخشب ، الشمس ، الحجارة ، والروح (2) .

وثيولوچيا الأوثان (3) هي في الواقِع انتقال من الحق يسحب الإنسان ليهبِط به من السماء إلى الهاوية (4) .

لذلك يُميِّز القديس إكليمنضُس الأسكندري سبعة أنواع للاهوت الصنميات :

(1) ثيولوچيا النجوم أي الشمس ( الهنود ) ، والقمر ( الفرجيون ) .

(2) ثيولوچيا ثِمار الأرض ، الأثينيون يُؤلِّهون الحِنطة ويدعونها ( ديو Deo ) ( Δηω ) ، وأهل طِيبة المصريون يُؤلِّهون الخمر ويُسمونه ( ديونيسوس Dionysos ) .

(3) ثيولوچيا أُجرِة الشر أو ثيولوچيا القَدَر والمصير ( مثل إرينيس Erinyes وإيومنيدس Eumanidesوألاستورس Alastores ) .

(4) ثيولوچيا العاطِفة البشرية ( الخوف ، الفرح ، الفشل ، الرجاء ) .
هذه اللاهوتيات تقود إلى الثيولوچيا البشرية . ( دايك Dike وكلوتو Clotho ولاخيسيس Lachesisوأثروبوس Athropos وإيمارمين Emiarmene وإكسو

(1) Auxo وثالو Thalo أو الأثينيون Atticists ) .

(2) اُسطورِة الاثنى عشر إلهاً : اُسطورِة هيسود Hesiod وهومر Homer و….. إلخ .

(3) ثيولوچيا صانِع الخير ( ديوسقوري وهيراقلس وإسكلابيوس ) ، ويُميِّز إكليمنضُس بعضاً من هذه الثيولوچيات بأنها ” ثيولوچيات الغطرسة “ (5) ( هبريس Hybris ) .

أمَّا اللاهوتيون المسئولون عن هذه اللاهوتيات فهم قُدامى الشُّعراء الإغريق ، ويذكُر إكليمنضُس العلاَّمة من بينهم :

أورفيوس Orpheus
( اُسطوري )
وبيندار
( 518 – 438 ق . م )
وهومير
( القرن الثَّامِن ق . م )
وهسيود
( الثَّامِن ق . م )
ولينوس Linos
( اُسطوري )
وموسايوس
( السَّادِس ق . م )
وفرسيدس
( تقريباً 456 ق . م )

وإن كان إكليمنضُس يعتبِر عمل هؤلاء اللاهوتيين تمهيداً للاَّهوت المسيحي إلاَّ أنه ينتقده على وجه الاجمال بل ويعتبره خُرافة لا تُوقِر الله . ويُحاجِج إكليمنضُس مُؤكِداً أنَّ اللاهوتيات الوثنية تحوي عناصِر الحق ويُدلِّل على ذلك بالإشارة إلى كِتابات كليانثس وفيثاغورث وهسيود وكِتابات أوريبوس ( 484 – 406 ق . م ) وسوفوكليس ( 496 – 406 ق . م ) وأورفيوس …

ويُشير إلى أنَّ الحق دائِماً مستور وراء الرموز والاستعارات وعلى الإنسان أن يتعمق فيما وراءها ليكتشفه ، أمَّا عن أصل هذه الحقائِق في اللاهوتيات الوثنية ، فإنَّ إكليمنضُس لا يشُك في أنه الكتاب المُقدس ! ( بمعنى أنَّ الحق

فقط في هذه اللاهوتيات هو المُستمد من الكتاب المُقدس ) وأنَّ اللاهوتيين الإغريق قد سرقوا فِعلاً الكثير من الحقائِق من اليهود .

وهذا الرأي من المُحتمل أن يكون إكليمنضُس قد استقاه من دوائِر اليهود وأعمالِهِم الدِفاعية ضد اليونانيين ، وقد كان هناك فيلسوف فيثاغورثي هو نوينيوس ( القرن الثَّاني الميلادي ) يعرِف الكثير عن هذه الدفاعيات اليهودية ، ويُؤكِد أنَّ أفلاطون ليس إلاَّ موسى يكتب باليونانية القديمة !! واعتبر أنَّ المسيح هو نهايِة كل فلسفة ونُبوة ، وقد جاء ليسترجِع الحكمة الحقيقية ، لأنَّ الإيمان يفوق المعرِفة وهو مقياسها .

ويُؤكِد القديس إكليمنضُس على مصدرين كِتابِيين للحق أو اللاهوت الحقيقي :

· لاهوت الأنبياء .

· ولاهوت موسى ، الذي هو أساسها كلها .

ويُقسِّم القديس إكليمنضُس الثيولوچيا الموسوية إلى أربعة أجزاء :

(1) التاريخية .

(2) والشرعية ( الأخلاقية ) .

(3) والليتورچية الكهنوتية .

(4) وأخيراً اللاهوتية .

والتي تُسمَّى ( Έποπτεια ) ( بحسب أفلاطون ) و( Θεολογική Φιλοσοφία ) ( أرِسطو ) ، ومن الواضِح تماماً أنَّ إكليمنضُس قد استعار هذه التصنيفة الرُباعية من ڤيلو جوداوس أحد المصادِر الأولية على ما يبدو ، ويربُط إكليمنضُس تصنيفِة ڤيلو اليهودي بتقسيمِة أفلاطون الثُّلاثية التي ذَكَرَها ديوجينيس ليرتيوس ( أي الفيزيائيات والأخلاقيات والجَدَلِيات ) في القرن الثَّالِث الميلادي ، ويربُط إكليمنضُس النوعين الأولين لثيولوچيا ڤيلو بالنوع الأوَّل لأفلاطون والنوعين الأخريين بالترتيب .

ومن الواضِح أنَّ أهمها جميعاً أو الجزء الأخير الذي يرتبِط بالرؤية الموسوية لله ، والمُشابِه للجدلية الأفلاطونية الحقيقية والميتافيزيقا الأرسطوطالية ، لكن إكليمنضُس يتعمق

أكثر من هذه التعريفات الثَّلاثة ويُعيد تعريفها بربطها كلها باستعلان السِر في المسيح .

إذن فاللاهوت الحقيقي والنهائي هو اللاهوت الذي أعطاه وكشفه لنا المُخلِّص .

أمَّا الجزء اللاهوتي للتقليد الموسوي فهو ليس مجرد التعليم النَّبوي لموسى بل الاستعلان الكامِل لهذه النُّبوة المُعطى في المسيح يسوع ، وبالنسبة للأكليمنضُس فإنَّ اللاهوت هو الذي علَّمه لنا ابن الله .

وهذا التأكيد على تمركُز اللاهوت حول شخص المسيح سِمة تُميِّز القديس إكليمنضُس ، ومن الناحية التاريخية ( أي بالمفهوم الإصطلاحي التقني ) فإنَّ إكليمنضُس السكندري هو أوِّل من أدخل هذا الفارِق المُميَز الذي يُميِّز اللاهوت المسيحي عن غيره تماماً ، فقد ربط الثيولوچيا بالكريستولوچيا ( طبيعِة المسيح ) دون أن ينبِذ تماماً اتصالات الثيولوچيا بالكوزمولوچيا والكوزموچونيا وتدبير الخليقة ، والعنصر الجديد هنا هو الطبيعة المِعطاءة الانعامية للحق اللاهوتي وارتباطه الوثيق والصميمي وتحقيقه وكماله النهائي في شخص المسيح .

ونستطيع أن نقول أنَّ الكلمة اللوغوس هو قطب الدائِرة في لاهوت القديس إكليمنضُس النظري ، فالكلمة خالِق العالم كاشِف سِر الله في العهد القديم وفي فلسفة اليونان هو ليس جِنساً ولا نوعاً ولا عدداً ولا عرضاً ، إنه أبو عموم الأشياء ، الذي لا يبحث فيه عن تركيب ، العقل الإلهي مُعلِّم العالم ومُعطي الشرائِع مُخلِّص البشر … وهذه الرؤى اللاهوتية للقديس إكليمنضُس قد أخذها وطوَّرها لاحِقه العلاَّمة أوريجانوس ، الذي يُعتبر منهجه نقطة البدء للأبعاد والركائِز الثيولوچية الواضِحة والدقيقة للآباء النيقاويين بدءاً بالبابا أثناسيوس الرسولي وانتهاءً بالآباء الكبادوك .

دعا القديس إكليمنضُس في كِتابه ” نُصح الوثنيين Protrepticus “ ، البشرية كلها لقبول السيِّد المسيح قائِلاً :

” اسمعوا أيها البعيدين ، ويا أيها القريبين ، فإنَّ اللوغوس ليس مخفياً عن أحد ، إنه النور العامالذي يُضِئ للكل ، لم يعُد في العالم ظُلمة ، لنُسرِع إلى خلاصنا ولنُسرِع إلى تجديدنا “ (6) .
ميَّز القديس إكليمنضُس بين اللوغوس الإلهي كهادي Protrepticus ، وكمُربِّي وكمُعلِّم

، فهو الهادي الذي يدعو الناس للخلاص ، وهو اللوغوس المُربِّي Paedagogus الذي يحِث المؤمنين على الحياة الأفضل ويشفيهم من آلامهم مُمارِساً عمله الروحي فيهم ، وهو اللوغوس المُعلِّم (7) الذي يُعلِّم الأُسُس العامة ويشرحها مُفسِراً الرمزية لأنه المرموز إليه مُشتهى الأجيال .

وبحسب كلمات القديس نفسه فاللوغوس ” المُرشِد السماوي “ يُدعى الهادي عندما يدعو البشرية للخلاص .. لكنه إذ يعمل كطبيب أو مُربِّي يصير اسمه المُربِّي . فإنَّ النَّفْس المريضة تحتاج إلى مُربِّي يشفي آلامها . ثم تحتاج إلى المُعلِّم الذي يُعطيها الإدراك ( إعلان اللوغوس ) . هكذا إذ يُريد اللوغوس خلاصنا خطوة فخطوة يستخدِم وسيلة مُمتازة ، إنه في البِداية يُهدي ، ثم يُصلِح ، وأخيراً يُعلِّم (8) .

وبالرغم من أنَّ البعض يرى أنَّ إكليمنضُس كان مُتأثِراً بالأفلاطونية الحديثة ( new – Platonism ) ، إلاَّ أنه وجَّه دعوة للوثنيين أن يتحوَّلوا ويهتدوا خلال انصاتهم إلى اللوغوس الذي يُدعى (Protrepticus ) السيِّد الوحيد الذي لا يدعونا فقط لنبذ الوثنية ، وإنما لنأخذ أيضاً استنارة روحية فعَّالة .

تركَّز لاهوت إكليمنضُس حول التعليم المسيحي ، فيرى في الله الكلمة ( اللوغوس ) مُعلِّماً أوَّلاً وقبل كل شئ ، مُعتبِراً أنَّ الله يعمل معنا كما نفعل نحن بأولادنا ، إنه كلمة الحق ، كلمة عدم الفساد ، طارِد الموت ، يبني هيكل الله في الناس ، فيأخذهم الله مسكناً له ، فالمريض يحتاج إلى مُخلِّص ، والضَّال إلى مُرشِد ، والأعمى يحتاج إلى من يقوده إلى النور ، والعِطَاش إلى الينبوع الحي الذي من يشرب منه لا يعطش أبداً ، والموتى إلى الحياة ، والخِراف إلى راعي ، والأبناء إلى مُعلِّم ، تحتاج البشرية كلها إلى المسيح (9) .

وعلى هذا الأساس دُعِيَ اللوغوس المُخلِّص ، ابن الله الذي بلا خطية ولا عيب .

رأى إكليمنضُس أبو الفلسفة المسيحية الإسكندرانية أنَّ اليونانيين قد استعادوا الكثير من العهد القديم ، مُشيراً إلى أنَّ أفلاطون انتحل آراء موسى والأنبياء ، لذلك علَّمنا أنَّ الغنوسية الحقيقية وحياة الكمال ليست مجرد معرفة نظرية لكنها دخول إلى كمال المسيح ، دخول من الناموس إلى السيِّد المسيح مُكمِّل الناموس .

حقاً لقد كان إكليمنضُس مُهتماً بشغف بكل الفلسفات والديانات السِّرِّية والغوامِض القديمة ، حتى وهو يُفنِّدها ، وكان يرى في المسيحية ليس أنها فلسفة ، بل حقيقة وقُوَّة سِرِية تُغيِّر وتُعلِّي كل كيان الإنسان ، وبحماس بالِغ كان إكليمنضُس يُخاطِب قارِئه البعيد عن الإيمان ، ليُصغِ السمع للأنشودة الجديدة التي ألَّفها وأنشدها ” أوفيوس الجديد “ ، أي ” الكلمة “ المُشرِق من صهيون ، إنَّ الحقي النسبي الذي تحتويه مقالات الفلاسِفة أمر معروف …

أمَّا المعرِفة الكامِلة غير المشكوك فيها فهي موجودة فقط في الأنبياء ، وفوق الكل في اللوغوس ( الكلمة ) الذي يقود إلى الحق كل الحق .

قال إكليمنضُس إنَّ اليونانيين مديونون للعبرانيين في قصة ” طيماوس “ ، وجماعِة الفلاسِفة مُدانون لأنهم ألَّهوا الكون بدلاً من البحث عن خالِق الكون ، وقد كانوا مُحتاجين إلى من يُخبِرهم أنَّ :

” المشيئة الخاصة لله كانت أن يخلِق الكون ، لأنَّ الله وحده صنعه ، فهو الإله الواجِب الوجود بذاته ، وبِفِعْل مشيئته خلق الكون ، إذ شاء فأتت الأشياء للوجود “ .

ورأى إكليمنضُس أنَّ ” الفلسفة كانت ضرورية لليونانيين لإدراك البِّر ، كإعداد لأولئِك الذينَ سوف يجدون الإيمان الحقيقي “ ، وقد فسَّر ذلك على أنه من عنايِة الله الذي هو ” كنز الصَّالِحات “ ، قائِلاً : ” إنَّ الفلسفة كانت هي المُربِّي الذي أعد الفِكْر اليوناني لقبول المسيح مثلما أعد الناموس اليهود للإيمان بالمسيح “ (10) .

حذَّر القديس إكليمنضُس من التفكير في الله بطريقة مادِّية جِسدانية ، لأنه فوق المكان والزمان ، فوق كل المفهومات الزمنية ، لذلك نجده يرسِم طريق معرِفة الله ، تلك التي يبدأها بالتطهير من الخطية والأهواء ثم الابتعاد عن حرفية التفكير في الله لتأتي مرحلِة الرؤيوية بالنعمة الإلهية وحدها فوق حدود القياسات والصِيَغ ، حيث الاتحاد مع اللوغوس المولود من الآب ، الذي هو سِر المعرفة اللاهوتية ، الذي كل من يتجاهله يبقى الله بالنسبة له غير معروف .

ونُجمِل نظام القديس إكليمنضُس اللاهوتي الذي يقوم على شخص اللوغوس ، فما يُريده اللوغوس يصير حقيقة اسمها العالم ، إنه خالِقه وأساس وجوده المُطلق ، مصدر النور والحياة بلا بِداية ولا نِهاية ، لا يخضع للزمن ، ولا يمكن البرهنة عليه ، ولا يمكن أن يكون

موضوع معرِفة ، لأنه هو الحكمة والمعرِفة والحق ، الاعلان العقلي للآب وخِتم مجده الذي يُعلِّمنا الحق ، صورِة الله وفِكره ووجهه ونوره الذي به نُعايِن النور ، شمس البِّر الذي يقود مركبته ويُشرِق على كل البشر لينتزِع الهالِك رافِعاً إياه إلى السماويات ، غارِساً المائِت في الخلود ، مُحوِّلاً الأرض إلى سماء ، الزَّارِع الإلهي الذي أعطانا ميراث الآب ..

ويعتبِر العلماء أنَّ إكليمنضُس هو أوِّل لاهوتي مسيحي يُثبِت وجود الله وقُدرته من خلال العقل ، وعن وحدانية الله يقول : ” من يُؤمِن بآلهة كثيرة وليس بالله الواحِد الحقيقي يُشبِه اللقيط الذي لا يعرِف أباه الواحِد الحقيقي “ ، ومن أبرز سِمات القديس هو حديثه عن الله كصالِح ومُحِب البشر لا عن اللاهوت النظري ، فنجده يتحدَّث عن الله كُلي الصَّلاح ، الذي في حُبُّه احتضن كل البشرية بلا تمييز ، كشافي للمرضى ومُرشِد للتائهين وقائِد للعُميان وينبوع للعِطاش ومُقيم للأموات وراعي للخراف .

ربط القديس إكليمنضُس بين الثيولوچيا والإكلسيولوچي ، عندما قال :

وكما أنه لا يوجد إلاَّ إله أب واحِد وكلمة واحِد وروح واحِد ، فإنه لا يوجد سِوَى كنيسة واحدة التي تُعرِّفنا وتُغذِّينا بلبن الكلمة الإلهي ( الثيولوچيا ) …

اعتبر القديس أنَّ الكنيسة عروس المُعلِّم وأُمُّه هي المدرسة التي يُعلِّم فيها المسيح ، وهنا تتضِح صِلةالثيولوچيا بالأكلسيولوچي ( اللاهوت بالكنيسة ) .

———————————————————————————-

مراجِع الفصل

1) Protreptikos, II, 25, 2.

2) Stromateis, VII, 1, 4, 3.

3) Protreptikos, VII, 74, 3.

4) Ibid. II, 27, 1.

5) Ibid. IV, 60, 1 – 61.

6) Protrepticus 9.

7) Obsorn, p. 5.

8) Paedagogus 1: 1.

9) Paed. 2: 9.

10) A.N.F. vol, II, P. 305.

 

اللاهوت فى فكر القديس اكليمندس السكندرى

Exit mobile version