هل تحققت نبوءات يعقوب عن أولاده؟ – ترجمة: مايكل عاطف
هل تحققت نبوءات يعقوب عن أولاده؟ – ترجمة: مايكل عاطف
هل تحققت نبوءات يعقوب عن أولاده؟ – ترجمة: مايكل عاطف
السؤال: هل تحققت نبوءات يعقوب عن أولاده؟
الجواب:
قبل موت يعقوب مباشرة، استدعي ابناءه الاثني عشر وقال: “وَدَعَا يَعْقُوبُ بَنِيهِ وَقَالَ: «اجْتَمِعُوا لأُنْبِئَكُمْ بِمَا يُصِيبُكُمْ فِي آخِرِ الأَيَّامِ.” (تك 49: 1). ثم يشير الاصحاح عدة نبوءات تنبأ بها يعقوب فيما يتعلق بالعديد من أبنائه.
نظرة مختصرة على كل نبؤه قالها وتحققت.
رأوبين: كان الابن البكر، لكنه تخلى عن حقه من خلال أفعاله الشريرة. ثم انتقل الحق إلى يوسف، الذي حصل على نصيب مزدوج باعتباره الابن الأكبر لزوجة يعقوب راحيل.
شمعون ولاوي: تم ذكر هذين الشقيقين معًا على أنهما عنيفان (شِمْعُونُ وَلاَوِي أَخَوَانِ، آلاَتُ ظُلْمٍ سُيُوفُهُمَا. فِي مَجْلِسِهِمَا لاَ تَدْخُلُ نَفْسِي. بِمَجْمَعِهِمَا لاَ تَتَّحِدُ كَرَامَتِي. لأَنَّهُمَا فِي غَضَبِهِمَا قَتَلاَ إِنْسَانًا، وَفِي رِضَاهُمَا عَرْقَبَا ثَوْرًا. مَلْعُونٌ غَضَبُهُمَا فَإِنَّهُ شَدِيدٌ، وَسَخَطُهُمَا فَإِنَّهُ قَاسٍ. أُقَسِّمُهُمَا فِي يَعْقُوبَ، وَأُفَرِّقُهُمَا فِي إِسْرَائِيلَ.). سيتم تقسيم أراضيهم. حدث هذا في وقت لاحق، حيث تم إعطاء شمعون عددًا قليلاً فقط من المدن في إسرائيل، وكان اللاويون هم السبط الكهنوتية التي لم يحصل على اي ميراث من الأرض.
يهوذا:
كان يهوذا مثل الأسد وسيكون زعيمًا للأسباط الأخرى، ” إِيَّاكَ يَحْمَدُ إِخْوَتُكَ، يَدُكَ عَلَى قَفَا أَعْدَائِكَ، يَسْجُدُ لَكَ بَنُو أَبِيكَ. يَهُوذَا جَرْوُ أَسَدٍ، مِنْ فَرِيسَةٍ صَعِدْتَ يَا ابْنِي، جَثَا وَرَبَضَ كَأَسَدٍ وَكَلَبْوَةٍ. مَنْ يُنْهِضُهُ؟ لاَ يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ شِيلُونُ وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ. رَابِطًا بِالْكَرْمَةِ جَحْشَهُ، وَبِالْجَفْنَةِ ابْنَ أَتَانِهِ، غَسَلَ بِالْخَمْرِ لِبَاسَهُ، وَبِدَمِ الْعِنَبِ ثَوْبَهُ. مُسْوَدُّ الْعَيْنَيْنِ مِنَ الْخَمْرِ، وَمُبْيَضُّ الأَسْنَانِ مِنَ اللَّبَنِ.” (تكوين 49: 8-12). اخرح سبط يهوذا في وقت لاحق مجموعة من الملوك، بدءًا بالملك داود، وبعد ذلك بكثير، حتى تجسد يسوع المسيح.
زَبُولُونُ:
سيمنح هذا الابن فيما بعد الأرض الواقعة بين البحر الأبيض المتوسط وبحر الجليل (زَبُولُونُ، عِنْدَ سَاحِلِ الْبَحْرِ يَسْكُنُ، وَهُوَ عِنْدَ سَاحِلِ السُّفُنِ، وَجَانِبُهُ عِنْدَ صَيْدُونَ تكوين 49:13). سيكون لزبولون أيضًا أرض تمتد إلى البحر في الملك الالفي المقبلة (حزقيال 48: 1-8، 23-27).
تذكر الآيات 16-18 أن دان سيصبح قاضيًا في إسرائيل. جاء شمشون، أحد أعظم القضاة، من هذا السبط. ومع ذلك، فإن العديد من قادة دان يعبدون الأصنام (كما في القضاة 18) ويجلبون دينونة الله.
تشير الآية 19 ببساطة إلى أن جاد سيكون فعالًا في الصراعات العسكرية. من الصعب ربط هذا بأي تحقيق مباشر بسبب إيجاز النبوة. وقد رأى البعض تحقيقًا لهذا التنبؤ في العدد الكبير من القوات التي خدمت الملك داود من قبيلة جاد (1 أخبار الأيام 12).
سيكون الابن الأصغر ليعقوب محاربًا، يخرج منه العديد من القادة العسكريين الإسرائيليين، مثل إيهود وشاول ويوناثان. سيشتهر سبطه بخصائص المحاربين (قضاة 5:14؛ 20:16؛ 1 أخبار 8:40).
تحقيق النبوءات – نبوات العهد القديم وتحقيقها في العهد الجديد
تحقيق النبوءات – نبوات العهد القديم وتحقيقها في العهد الجديد
يدعي العهد الجديد بالمطلق انه يحقق العهد القديم ويتمّمه وذلك على أساس قول السيد: “… موسى والأنبياء عني تكلّموا” (لوقا 27:24). وأيضاً استناداً إلى ما جاء على لسان أحباء الرب: “… وجدنا الذي ذكره موسى في الشريعة وذكره الأنبياء…” (يوحنا45:1). وأيضاً: “من بولس عبد المسيح يسوع دعاه الله ليكون رسولاً، واصطفاه ليبلغ بشارته، تلك البشارة التي سبق وعده بها على ألسنة أنبيائه في الكتب المقدسة، في شأن ابنه الذي ولد من ذرية داود…” (رومية 1:1-4). وأيضاً: “… فمنذ أيام يوحنا إلى اليوم ملكوت السماوات يؤخذ بالجهاد، والمجاهدون يختطفونه.
فجميع الأنبياء قد تنبأوا، وكذلك الشريعة، حتى يوحنا…” (متى 12:11-15)[1]. وأيضاً: “… كنت كل يوم أجلس في الهيكل أعلّم، فلم تمسكوني، وإنما حدث ذلك كلّه لتتم كتب الأنبياء…” (متى 56:26). وأيضاً: ” وإذا رجلان يكلّمانه، وهما موسى وإيليا، قد تراءيا في المجد، وأخذا يتكلمان عن رحيله الذي سيتم في أورشليم…” (لوقا 30:9-31). وأيضاً: “إن الله، بعدما كلّم أباءنا قديماً مرات كثيرة بلسان الأنبياء كلاماً مختلف الوسائل، كلمنا في هذه الأيام، وهي آخر الأيام بلسان ابنه الذي جعله وارثاً…” (عب 1:1-3). وأيضاً: “فإن المجد الذي كان أهلاً له يفوق مجد موسى بمقدار ما لباني البيت من فضل على البيت.
فكل بيت له بانٍ، وباني كل شيء هو الله. كان موسى أميناً لكونه خادماً يشهد على ما سوف يقال. أما المسيح فهو رب البيت لكونه إبناً ونحن بيته…” (عب 3:3-6). وأيضاً: (متى 1:1-17). وأيضاً: “أفنبطل بالإيمان عمل الشريعة؟ معاذ الله! بل نثبت الشريعة” (رومية 31:3). وأخيراً وليس آخراً: “ما جئت لأنقض بل لأتمم” (متى 17:5-18). وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن سفر أشعياء نفسه يؤلف في ذلته قفزة لا تستقر أبداً إلا في يسوع المسيح.
وكل هذا يأتي ليؤكد أن أسفار العهد القديم كلّها والنبوءات أيضاً، تصبح عديمة الجدوى والفائدة، ولا مبرر لها، إذا قرئت بغير أنوار يسوع المسيح في العهد الجديد، الأمر الذي نلاحظه بجلاء ووضوح في الليتورجيا الأرثوذكسية. من هنا، فالكتاب المقدس بعهديه هو تاريخ علاقة لا تنكسر بين الله والإنسان.
والتدبير الإلهي الرامي إلى خلاص الإنسان وتألهه، لا يتوقف عبر التاريخ رغم تبدّل الأمصار والأحوال. لهذا يستحيل بتر حلقات تاريخ الفداء، والفصل بينها، وذلك ببساطة لأن الرب قال: “ما جئت لأنقض بل لأتمم” (متى 17:5-18).
العهد القديم يُعدّ للعهد الجديد ليكتمل به. من هنا كام من البديهي أن يكون هناك وحدة لا تنفصم بين قديسي العهدين معاً، وذلك لأن للعهدين رباً واحداً وقدوساً واحداً (رومية الاصحاحان 8-9).
ووعي الكنيسة لوحدة العهدين، يقوم على تماسك حلقات تريخ الخلاص كما أسلفنا، بحيث أن محاولة ترمي إلى فصل العهدين، من شأنها أن تسيء للاثنين معاً، وذلك لأنها تقوم على بتر تاريخ العهد الإلهي مع الإنسان.
من هذه الزاوية أيضاًن لا يعود من غرابة البتة في أن نرى العهد الجديد يعتمد مقاطع من أشعياء مثل (متى 14:13-15)، (يوحنا 39:12-40). (أعمال 25-28-27)، (رومية 16:10)، (رومية 21:10)، وما هذا إلا غيض من فيض.
ويسوع، له المجد، اعتمد العهد القديم مرات ومرات كما يبدو لمن يطالع العهد الجديد، الأمر الذي يدعونا بشجاعة إلى اعتماده في قراءتنا الروحية وتفسيرنا له، إستناداً إلى شهادة الرب نفسه، والتي تأتي لتؤكد قدسية العهد القديم المطلقة.
ويبدو لمن يطالع العهد الجديد برويّة، أن يسوع، له المجد، يعتمد العهد القديم حرفياً أيضاً ليثبت سلطانه الروحي ككتاب موحى في صميم حياة الجماعة. إلا أننا نراه في الوقت نفسه يضفي على مضمون العهد القديم مسحة روحية، وكل ذلك لأن للعهد القديم قدسية في نظره. تُرى أين نجد مواقف الرب من العهد القديم؟ لنسمع:
“ناموسي جاء إلى يسوع يسأله ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟” (مرقس 19:10)، (مرقس8:7-9). ماذا كان جواب الرب؟ شرع الرب يلوم الفرسيين لتركهم الوصية. وعندما أُتهم بأنه نقض الناموس، قال: “كيف يقول الكتبة أن المسيح هو ابن داوود، بينما داود نفسه، وبوحي الروح القدس قال: “قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك موطئاً لقدميك…” (مرقس 36:12)، (متى 45:22). وكان داوود قد نطق بوحي الروح القدس، حسب شهادة العهد الجديد. وموسى وغيره من الأنبياء تكلموا بدورهم مدفوعين بالروح القدس: “وإذا رجلان يكلمانه، وهما موسى وإيليا قد تراءيا في المجد، وأخذا يتكلمان عن رحيله الذي سيتم في أورشليم” (لوقا 30:9-31).
إلا أننا من الناحية الثانية، نجد الرب يسوع ينطق من التفسير الحرفي للكتاب وذلك لينتقد مفهوم الفريسي للشريعة: “ثم قال لهم: السبت جعل من أجل الإنسان، لا الإنسان من أجل السبت. إذاً ابن الإنسان هو رب السبت أيضاً” (مرقس 27:2-28)، (مرقس 4:3). وفي موضع آخر نرى يسوع ينفي إمكانية الطلاق، فينتقد حرفية النص الكتابي، أو بالأحرى قبول المفهوم الحرفي للنص الكتابي (متى 31:5-34)، وهذا بدوره يحملنا إلى عالم التثنية (راجع تثنية 1:24) حيث نجد أن ما كتبه موسى، يتضمن مفهوماً أكثر قدماً ورد في (تك 24:2)، فلنسمعه: “… يترك الرجل أباه وأمه ويلازم امرأته فيصير الاثنان جسداً واحداً”.
بيد أننا نرى يسوع، في موضع آخر، في العظة على الجبل، ينأى عن التفسير الحرفي للناموس، فيقول: “قيل لكم، أما أنا فأقول لكم…” (متى 33:5-45).
وهذا كله يشير في النهاية إلى أن يسوع هو الذي يكمّل الناموس والأنبياء كما نسمع في الكنيسة: “أيها المسيح إلهنا، بما أنك أنت كمال الناموس والأنبياء. يا من أتممت كل التعبير الأبوي. أملأ قلوبنا فرحاً وسروراً كل حين…” (راجع خدمة القداس الإلهي افشين ما قبل الختم).
يسوع يعلن صراحة، وبسلطان، أن العهد القديم ناقص بدونه، رغم الإقرار بقدسيته: “لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس والأنبياء، ما جئت لأنقض، بل لأتمم…” (متى 17:5-19)، يعكس جملة من أمور خليق بنا التوقف عندها للتأمل فيها.
في موقف يسوع اقر إقراراً صريحاً أنه جاء ليتمم العهد القديم، لا ليلغيه. والإلغاء – كما يتبين – غير وارد. كذلك فإن كلام الرب يعني أن العهد القديم ناقص ويحتاج إلى تتمة، ويسوع هو من سوف يتممه ويكمّله. القارئ النبيه، لا بد أنه يدرك أن يسوع ليس هو فقط من يتمم العهد القديم، بل هو غاية العهد القديم أيضاً، وفيه تجد أقوال الأنبياء معناها: “ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الأسفار…” (لوقا 27:24)، (يوحنا 45:1).
هكذا فهمت الكنيسة – برسلها ورجالاتها وقديسيها ومجامعها وقوانينها – طبيعة العلاقة بين العهدين المتحدين صميمياً تحت اسم واحد: الكتاب المقدس.
لقد عاشت الكنيسة الأولى بالعهد القديم، ومنه اغتذت. من هنا أخذت الليتورجية الأرثوذكسية رؤيتها إلى العهدين، فكان تفسير الكتاب المقدس بالليتورجيا أمراً يأخذ العهدين معاً، على أن القديم ظلّ للجديد الآتي في ملئه وتماميته في يسوع المسيح.
وفي حياة يسوع تتم الكتب، الأمر الذي يدفعنا إلى الكلام عن تلازم العهدين ووحدتهما (أعمال 18:3-24)[2]، (لوقا 6:24-8). وهذا بديهي لأن سر المسيح يستقطب الأنبياء (لوقا 25:24)، (أعمال 30:2)، (رومية 2:1)، (1 بطرس 11:1)، (2 بطرس 19:1-21).
وعليه، يبدو بجلاء أن يسوع الرب هو في مركز دائرة النبوءات. فزكريا (لوقا 36:1)، ويوحنا المعمدان وسواهما، كانوا يتطلعون إلى يسوع بالحنين. وزاد السابق يوحنا عنصراً جديداً حيث شرع يرنو إلى الرب لا بالحنين فقط، بل بالبنان أيضاً (يوحنا 26:1).
قلت إن العهد الجديد يطفح بالاقتباسات التي تجعله مرمى العهد القديم وغايته. ويستطيع المتتبع لخدمة الألآم الخلاصية الطاهرة أن يتبين لنفسه كثرة الأدلة على ذلك. في خدمة الألآم كثيراً ما نسمع عبارة: “قد تم”. ما معنى هذه العبارة؟
عند “متى” ترد العبارة قرابة العشر مرات، حيث أنها ترد بالنسبة لميلاد الرب، وهربه إلى مصر، وشفاء المرضى، ودخوله إلى أورشليم، وفضة يهوذا، الأمر الذي يجعلنا ندرك أن العهد القديم موجّه نحو يسوع ويتم بيسوع.
ومع يوحنا نأتي إلى ذروة الاتمام حيث يقول: “ليتم الكتاب” (يوحنا 28:19). والجدير ذكره هنا ان الفعل المستعمل في السبيعينية هو # وليس #، أي أن صلب يسوع هو خاتمة وذروة كل نبوة. ولوقا أيضاً لا يستعمل هذا الفعل إلا في صدد الكلام عن الألآم[3] (لوقا 50:12)، (31:18)، (37:22). وفي الرسالة إلى العبرانيين نجد الفكرة نفسها (عبرانيين 1:2)، (عبرانيين 8:5-9). ويؤكد ذلك كاتب الرسالة إلى أهل كورنثوس حيث يقول: “لأن جميع مواعيد الله صارت فيه” (2 كور 2:1).
يبدو لمن يطالع الكتاب المقدس، وقد تيّقن من حتمية تلازم العهدين ووحدتهما، أن تتميم النبوات يتجلّى في صعد ثلاثة:
1-صعيد التشابه أو التماهي (resemblance identification)
2-صعيد التباين (difference between the two testaments)
3-السمو أو التخطي (transcendence)
1-التشابه أو التماهي:
الكلام عن تشابه بين النبوءة وتحقيقها، هو في العمق كلام عن مقاربة العهد القديم للعهد الجديد، وذلك لأن ما جاء على لسان الأنبياء، بالروح القدس، ها هو الآن يتحقق في شخص الرب. وهذه النظرة هي من الوضوح بحيث أنها تجلّت في الكنيسة، في دستور للإيمان صاغته من خلال رجالاتها المستنيرين والمتقدسين عبر المجمعين المسكونين: الأول والثاني. وما نزال حتى اليوم، وإلى نهاية العالم، نتلو هذا الدستور في صلواتنا المختلفة، وقداسنا الإلهي.
وليس في التشابه بين العهدين مشكلة البتة. إذ يستحيل الكلام عن النبوءات وتحقيقها في غياب وجوه الشبه العديدة والكثيرة بين العهدين، دون أن يعني ذلك إمكانية ضياع الاتجاهية الكتابية. وغياب الاتجاهية الواحدة بين العهدين، يدعو إلى تفكيك وحدة التاريخ المقدس، كما ويدعو إلى تكذيب الرب نفسه الذي قال: “موسى والأنبياء عني تكلّموا” (لوقا 27:24).
مثل هذا الاستنتاج يعني حتماً تفكيك العهد الجديد نفسه كونه يحتضن العهد القديم على نحو ما نرى في افتتاحية إنجيل متى، وافتتاحية الرسالة إلى العبرانيين. وينسحب هذا التفكيك على صور عديدة أخرى اكتفي بأحدها: تجلي الرب على جبل ثابور (متى 1:17-10)، (مرقس 1:9-10)، (لوقا 28:9-36). وهذا غيض من فيض.
التشابه قائم أصلاً في الكتاب الإلهي، لا سيما عندما يقترن اسم يسوع، باسم موسى، لنسمع: “لذلك أيها الأخوة القديسون المشتركون في الدعوة السماوية، تأملوا الرسول والحبر الذي نشهد له، أعني يسوع، فهو أمين لمن أقامه كما كان موسى أميناً لبيته أجمع. فإن المجد الذي كان أهلاً له، يفوق مجد موسى بمقدار ما لباني البيت من فضل على البيت. فكل بيت له بانٍ، وباني كل شيء هو الله. وقد كان موسى أميناً لبيته اجمع لكونه خادماً يشهد على ما سوف يقال. أما المسيح فهو رب البيت لكونه ابناً ونحن بيته إن احتفظنا بالثقة والفخر بالرجاء”. (عب 1:3-6).
ولا يُخفى على قارئ هذا المقطع إن التشابه والمقابلة، تستدعي في الوقت نفسه الفارق الكبير بين خادم البين (موسى)، وبانيه (يسوع المسيح).
كذلك، هنالك مقابلة أخرى كالتي بين الكهنوت القديم، والكهنوت المسيحي، لنسمع: “فإن كل حبر يؤخذ من بين الناس ويقام لدى الله من أجل الناس، لقرّب قرابين وذبائح كفّارة للخطايا. وبوسعه أيضاً أن يشفق على الجهال والضالين لأنه هو نفسه متسربل بالضعف، فعليه إذاً أن يقرّب كفارة لخطاياه هذا المقام إلا إذا دعاه الله كما دعا هارون. وكذلك المسيح لم ينتحل المجد ليجعل نفسه حبراً، بل تلقى هذا المجد من الذي قال له: “أنت ابني وأنا اليوم ولدتك. وقال له في مكان آخر: أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق. وهو الذي في أيام حياته البشرية رفع الدعاء والابتهال بصراخ شديد… ولما جعل كاملاً صار لجميع الذي يطيعونه علة خلاص أبدي لأن الله دعاه حبراً عل رتبة ملكي صادق” (عب 1:5-10).
وأيضاً هناك تقابل مماثل كالذي بين العبادة الأولى القديمة، وتلك النابعة من المسيح والمتصلة به (عب 1:9-14). إن هذه الأمثلة تكشف التقابل بين القديم والجديد، والشبه بينهما، بمعنى وحدة الهدف، ووحدة الاتجاهية، إلا أنها لا تقف عند حدّ التقابل. فبينما كان الهيكل الأول يهودي الطابع، فإن الهيكل الثاني، الذي يبنيه الرب، في جسده الطاهر، فيه يزدحم كل ملء الأمم، لنسمع:
“لأنه هكذا قال رب الجنود. هي مرة بعد قليل فأزلزل السماوات والأرض والبحر واليابسة. وأزلزل كل الأمم ويأتي مشتهى كل الأمم، فالملأ هذا البيت مجداً…” (حجاي 6:2-9). وأيضاً: “لي خراف ليست من هذه الحظيرة، ينبغي أن آتي بها…” (يوحنا 16:10).
كذلك ثمة صورة كتابية أخرى ترسّخ التقابل بين العهدين: سلّم يعقوب (التكوين) ومريم العذراء. عبور البحر الأحمر (الخروج)، والمعمودية (1 كورنثوس 1:10-4). يونان في بطن الحوت، ويسوع في القبر… وهذه الصور هي اقتباسات كتابية تعتمدها الكنيسة في لتورجيتها العامة وعبادتها، وكلّها تأتي لتؤكد التقابل والتشابه، لا بل الوحدة بين العهدين. إلا أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد بل يتعدّاه إلى التباين والاختلاف بين العهدين. لنتابع.
2-الاختلاف والتمايز بين العهدين:
تكلمنا في الفقرة السابقة عن وجوه الشبه والتقابل بين العهدين. أما الآن فسوف نتكلم عن وجه ثان هو الاختلاف والتمايز بين العهدين.
التمايز أو الاختلاف، بين العهدين، هو أمر واجب أيضاً، وذلك لأن الحقيقة المعلنة في العهد الجديد، لا يمكنها أولاً أن تختلف عن رسالة العهد القديم، كما ولا يمكنها ثانياً أن تكون مشابهة لها إلى حد التماهي (Identification).
التمايز يعني أن الاكتفاء بوجه الشبه لا يكفي. وهكذا فالتمايز، بهذا المعنى، هو ضرورة عند الكلام عن العهدين، لأن التشديد على التشابه، من شأنه أن يؤدي بنا إلى إمكانية الاكتفاء بالعهد القديم. فالو دار الكلام عن شبه فقط بين العهدين، لكان من الطبيعي أن ينتج عن ذلك عدم ضرورة لعهد جديد، بحجة أن التشبه يدعو منطقياً إلى الاكتفاء بالعهد الأول، أي العهد القديم.
التمايز بين العهدين واجب، لأن الاختلاف بين العهدين قائم. ومع ذلك ليس من تناقض بين الشبه والتمايز في مسألة العهدين ووحدتهما. وهكذا فالتشابه ضروري، والتمايز ضروري، والاختلاف أيضاً ضروري.
بيد أن هذا التمايز المذكور، ليس أمراً مطلقاً، فهو يتضمن وجوه شبه. ووجوه الشبه، في حد ذاتها تتضمن التمايز.
التقابل بين العهدين هو في حد ذاته دعوة إلى قيام التمايز (عب 1:3-6)، (عب 1:5-10)، (عب 1:9-14). والتشابه في ذاته، يجعل النبوءة وتحقيقها، في إطار من وحدة. ولكن لماذا التمايز؟
السبب بسيط: “ما جئت لأنقض بل لأتمم” (متى 17:5). هذا يعني أن اللاحق متميز عن السابق لكونه تتمة له. وأيضاً أن الرب جاء ليتمم ما سبق البدء به. لذا يستحيل أن يكون من بدأ بالأمر، غير الذي يأتي الآن ليتمّه. قابل هذا مع: “قيل لكم أما أنا فأقول لكم…”. إن عبارة “ما جئت لأنفض…”، تعني أن القديم ما يزال قائماً. أما عبارة “لأتمم” فتعني أن القديم ناقص. القديم ناقص ويكتمل بالجديد. من هذا نستدل أن وحدة الفكر الكتابي جلية، وتاريخ الخلاص واحد، إلا أن هذه الوحدة، وهذا التاريخ، يتحركان في تدرج وارتقاء إلى حين يأتي ملء الزمان، الذي سوف يكشف معنى الحياة (غلاطية 4).
وهذا الارتقاء المذكور يعبر عنه في الكتاب المقدس على نحو بديع في افتتاحية الرسالة إلى العبرانيين، فلنسمعها: “بمراحل كثيرة، وبطرق عديدة…”[4] (عب 1:1). وهكذا فالتمايز والتشابه، بين العهدين، ليسا على تناقض، لا بل هما أمران طبيعيان في هذا الارتقاء البديع من مرحلة الوعود إلى مرحلة التحقيق. الارتقاء هذا يكشف الاتجاهية الكتابية ويؤكدها إلا أن التمايز يدعو إلى رؤية الملء الآتي والذي فيه نأتي إلى صعيد جديد هو: التخطي.
3-التخطي transcendence:
التخطي لا يعني انعدام الصلة بين العهدين القديم والجديد، فالعهدان ينطويان على تشابه وتمايز وتخطّ بآن معاً. التخطي هو على انسجام مع العهد الأول، بمقدار ما بين خادم البيت وبانيه من فارق وانسجام (عب 1:1-4). التخطي هذا لا يعني التنكر للقديم بعد مجيء المسيح، ويسوع يؤكد ذلك بقوله: “لا تظنوا أني جئت لأبطل بل لأكمل…” (متى 17:5-19).
التخطي لا يدعو إلى إلغاء القديم، بل إلى رؤية الحب الإلهي الذي دخل تاريخنا منذ بدء وجودنا. يسوع، لا ينقض الشريعة بل يحترمها ويخضع لترتيباتها كما تبين في عيد دخوله إلى الهيكل (2 شباط). يسوع يسند الشريعة ولا يلغيها. أنه يرقى بها ليجعلها السبيل إلى الكمال: “…أما الذي يُكبّ على الشريعة الكاملة، شريعة الحرية، فيواظب عليها، شأن من يعمل، لا شأن من يسمع ثم ينسى، … بل عاملاً بالكلمة، فهذا يكون مضبوطاً في عمله”. (يعقوب 25:1). وأيضاً: “… كل ما تريدون أن يفعل الناس بكم… هذا هو الناموس والأنبياء” (متى 12:7). وأيضاً: “… بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كلّه والأنبياء” (متى 40:22).
لنسمع أيضاً: “متى جاء الكامل، أبطل الناقص” (1 كور 10:13)، الأمر الذي يعني أن التخطي يلغي التشابه والاختلاف معاً. إلا أن إبطال الناموس لا يعني إلغاءه: “… لأن من أحب غيره، فقد أكمل الناموس…” (رومية 8:13-9). وأيضاً: “… لأن كل الناموس في كلمة واحدة يكتمل: “تحب قريبك كنفسك” (غلا 14:5).
الناموس إذاً لا يُلغى بل يأتي إلى كماله في المحبة التي يحياها المؤمن. وهذا يعني أن التخطي لا يزيل التشابه ولا يلغي الاختلاف. فلو أن مجيء الكامل يستتبع بطلان الشريعة، عندما لا يعود من معنى لقول الرب: “ما جئت لأنقض بل لأتمم”. التخطي لا يلغي التشابه. لو ألغي القديم بورود الجديد لماذا نجد موسى وإيليا مع يسوع؟
هذا يأتي ليؤكد أن إله الأنبياء هو إله الإعلان الكتابي وإله إسرائيل. أنه إله التاريخ في ماضيه وحاضره ومستقبله: “إن يسوع المسيح هو أمس واليوم وإلى منتهى الدهور” (عب 8:13). يسوع يُدرك في التاريخ، لأنه تجسّد، لكنه يتعذّر احتواؤه واستنفاذ ملئه. إنه في التاريخ، في صميمه، لكنه فوقه بآن معاً. وهكذا فدور الأنبياء يكمن في دعوة الناس إلى المسيح:
الأنبياء ووحدة الفكر الكتابي:
الأنبياء لا يتقوقعون في إطارهم التاريخي. إنهم منذ أن كانوا، إنفتاح مشرق على الحياة، وحنين دائم للركون في المسيح، وهذا ما يؤكده الرب حرفياً إذ يقول: “ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما ما يختص به في كل الأسفار” (لوقا 27:24)، ويؤكده يوحنا (يوحنا 45:1) أيضاً.
النبي يكشف الأحداث. في الأنبياء شيء من شخصية مؤرخ. ولكن ما يكشفه النبي في الحدث قد لا يوافقه عليه أحد. وهكذا من البديهي أن يكون النبي بالنسبة للكثيرين من أبناء زمانه كاذباً كبيراً. بيد أن الأزمنة اللاحقة ستأتي لتؤكد وتثبت صحة نبوءته وصدق كلماته، فيتعرى الناس وتعتلن ضحالة أفكارهم وهشاشة رؤياهم وقلّة إيمانهم بالله الحي.
ومع كبير دورهم، فالأنبياء لم يعرفوا في زمانهم النجاح الدائم والكامل، لم يبرعوا أمام معاصريهم. وأحدهم لم ينل حظوة لدى سامعيه ومشاهديه.
الأنبياء بالنسبة لمعاصريهم، هم رجال الفشل والإخفاق. الخيبات والمرارات تتالت عليهم، دون أن يلينوا أو تنثني عزيمتهم وقناعتهم.
والواقع إن حالهم كان دائماً كحال ربهم الذي قال: “… ليس عبد أفضل من سيده، إن كانوا اضطهدوني فسوف يضطهدونكم أنتم أيضاً”. وأيضاً” “يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة…”.
إن كلمات الأنبياء تزعج المتقاعسين، لهذا يقوم الناس على الأنبياء لإسكاتهم (عاموس 11:2) (إشعياء 10:30-11)، (مرقس 4:6).
كثيراً ما يرفض السامعون دعوة الأنبياء، فيبدو النبي على هامش الحياة وحثالة بين الناس لا قيمة لدوره ولرسالته. لهذا فالأنبياء كانوا في ذاكرة الناس رمز الإخفاق (مرقس 2:4)، (اعمال 26:28)، (إشعياء 8:6). لكن رغم المرارة والتعب بقيت العيون النبوية شاخصة إلى النبي الآتي (تثنية 15:18)، (يو 25:4-26). ومع يوحنا المعمدان ندرك ن الآتي قد أتى والمنشود قد حلّ بيننا، وإن الانتظار زال لتحل المعاينة والمشاهدة. هنا يتبادر إلى الذهن سؤال: هل ضل المحدّقون في الآتي والمرتجى؟ هل نستطيع أن نتكلّم عن إمكانية ضلال عند الأنبياء؟
إذا تكلمنا عن إمكانية ضلال عند الأنبياء، فهذا يفتح علينا إمكانية تمزيق وحدة الفكر الكتابي. وإذا كانت الدعوة النبوية قابلة للبطلان، فوحدة التاريخ المقدس قابلة للطعن أيضاً. السؤال الكبير، وذلك لأن ضلال الأنبياء الملهمين وإمكانية إنحراف رؤياهم، من شأنها أن تؤول إلى كلام عن غياب وحدة تاريخ الخلاص.
ويدعونا هذا، إن قبلنا به، إلى الكلام عن عدم إتصال حميم بين العهدين. هنا يمكننا أن نصوغ السؤال نفسه على نحو آخر: هل النبوة الكتابية أصلية؟
نعم، إنها أصلية، فالنبي لم يتكلم من نفسه (تثنية 20:18). يسوع ينبهنا من الأنبياء الكذبة، وبالتالي فهو يقر بالأنبياء الحقيقيين. لا بل أن يهبنا المقياس لمعرفتهم وتمييزهم: “من ثمارهم تعرفونهم” (متى 15:7). ولكن أين تكمن أصالة الأنبياء؟
أنها في دعوتهم الناس إلى الإله الحقيقي رغم تلاحق الخيبات والفشل. الأنبياء على يقين من تلاحم الكلمة النبوية بالحقيقة المنشودة والمعلنة، وإلا لماذا غيرتهم وحرارتهم؟ ترى كيف تثبت الحقيقة المنشودة ويتم التحقيق من مجيئها؟
الحقيقة النبوية تنكشف بحكم الحال في الزمن الآتي. من هنا فالأنبياء كانوا عاجزين عن إثبات جدوى دعوتهم. ولهذا قسيت قلوب الكثيرين. لكن يسوع يقولها قوية جداً إلى توما: “لأنك رأيتني آمنت، طوبى للذين لم يروا وآمنوا” (يوحنا 29:20).
الحقيقة النبوية المنشودة والمعلنة بأن تأتي متدرجة عبر الزمن (عب 1:1). لكن الأمر في النهاية مرهون بجماعة تمتلك التمييز. كان في كل الأزمان عيون تبصر وآذان تسمع وقلوب تميز. ولكن مع هذا تبقى المفارقة قائمة.
في القرن الثامن قبل الميلاد، قدم إشعياء وميخا صورة لمصيرين مختلفين سيحلان بأورشليم. فأشعياء رأى أن سكنى الرب في صهيون هي ضمانة لها وحماية للتقاليد المتصلة برسوخ أورشليم. أما ميخا فرأى لأورشليم الدمار (12:3)، (6:1). ترى ماذا تقول أحداث التاريخ بالنسبة للمفارقات؟ هل نقدر أن نجعل النبوءات معياراً للسببية التاريخية؟
أن ما يقول النبي هو حقيقة ديناميكية ترتبط بإطاره الزمني أولاً. أما من جهة الأزمنة الآتية، فلا بد لهذه الحقيقة أن تأخذ شكلاً من التكيف، فالنشاط النبوي ملازم لحركة التاريخ إلا أن النبوة هي في تجاوز للتاريخ. الدعوة النبوية لا تتوازى مع السببية التاريخية وذلك لأن السببية ترى ما سوف يحدث على أساس من معطيات وتحليل. أما النبوة فلا تقوم على السببية. إنها رؤيا ومشاهدة وسببية. إنها قراءة للتاريخ القائم، من فوقه ومن داخله بآن معاً. وما معنى القول إن الحقيقة النبوية تتكيّف؟ هل يعني هذا أن الحقيقة قابلة للتعديل والصيرورة؟
يسوع هو أمس واليوم وإلى منتهي الدهور (عب 13). بيد أن الكلام عنه يأتي عبر قوالب الزمان المنطوق عنه فيها. أدوات التبشير تتغير. أما لب البشارة فعديم التحول. إن عبارة “المسيح قام” مثلاً ستبقى المعادلة المتكررة حتى انقضاء العالم. إنها أبداً الاجترار الجميل، لأنها قيام الدهر الآتي فينا بالإيمان.
لقد أدرك الملهمون أن أقوال الأنبياء تحققت (1 مل 13:12)، (2 مل 10:10). ولكن كيف يكون الكلام عن تحقيقها، والمسيح لم يكن قد جاء بعد؟
الروح القدس هو الذي سيجعلك تراها محققة قبل الأوان، فتحيا نجاز الأمور قبل حلولها. الكنيسة رأت في يسوع محقق الأنبياء (1 كور 3:1-5). والإنجيليين على يقين من أن حياة يسوع هي تحقيق للكتب النوبية (متى 21:4). متى بيقين تام تكلّم عن ثلاثين من الفضة تحقيقاً لقول زكريا (12:11). ويبقى السؤال: كيف السبيل إلى أن النبوات وتحقيقها أمران متوافقان لا ينفصلان؟
لوقا يؤمن أن الكتب لا يفهمها إلا من فتح الرب عيون قلوبهم (لوقا 25:24-35). ترى من الفائدة من مطالعة الأنبياء بدون نور يفتح العينين؟ ما قيمة الانتظار وأنت في حضرة الآتي؟
لقد تكلّم الأنبياء عن السيد (لوقا 27:24). والنصوص النبوية ضرورية لفهم سر المسيح لا بعين العقل بل بعين الإيمان. المسيحيون الأوائل أرادوا أن يتعرفوا على المسيح، فطالعوا الأنبياء.
[1] يوحنا المعمدان السابق هو آخر أنبياء العهد القديم وهمزة الوصل بين ذلك العهد والعهد الجديد. وقد مهد الطريق ليسوع المسيح (مرقس 1:1)
“فأتم الله ما أنبأ من ذي قبل بلسان جميع الأنبياء، وهو أن مسيحه سوف يتألم…” (أعمال 18:3-24).[2]
راجع العهد الجديد اليوناني. [3]
[4] In many and various ways God spoke of old to our fathers by the prophets…..
تحقيق النبوءات – نبوات العهد القديم وتحقيقها في العهد الجديد
“أما أنتِ يا بيت لحم أفراته وأنتِ صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا فمنك يَخرج لي الذي يكون مُتسلطاً على إسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل” ميخا 5: 2.
كنا قد درسنا من قبل العديد من النبوات التي تُشير إلى الطبيعة اللاهوتية، جنباً إلى جنب مع الطبيعة الناسوتية للمسيا. ونبوة ميخا 5: 2 التي نحن بصددها الآن، هي أيضاً تشير إلى كلنا الطبيعتين في المسيا. ميخا النبي كما هو معروف كان معاصراً لإشعياء النبي، وتنبأوا في نفس الوقت، ولكن في أماكن مختلفة من اليهودية (أي المملكة الجنوبية).
إشعياء النبي يُعلن أن المسيا سيُولد من عذراء، ويُكمل ميخا النبي فيُحدد مكان هذا الميلاد على وجه التحديد. سوف لا يُولد المسيا في أورشليم كما كان يتوقع بعض اليهود، بل في بيت لحم.
وقد لمخ إشعياء النبي من بعيد وبطريقة غير مباشرة عن ميلاد المسيا في بيت لحم، “يخرج قضيب من جذع يسّى” إشعياء 11: 1. كان يُمكن لإشعياء أن يذكر مباشرة أن المسيا سيأتي من جذع داود، ولكن ذكر اسم أبيه يسّى، على أساس أن اسم يسّى مقرون دائماً ببيت لحم “فقال الرب لصموئيل… تعال أُرسلك إلى يسّى البيتلحمي لأني قد رأيت لي في بنيه ملكاً “صموئيل الأول 16: 1 – “فأجاب واحد من الغلمان وقال هوذا قد رأيت ابناً ليسّى البيتلحمي يُحسن الضرب وهو جبار بأس” صموئيل الأول 16: 17.
لكن في نبوة ميخا، أصبح واضحاً الآن وبشكل مباشر، أن المسيا سيُولد في بيت لحم. وتحديداً يذكر ميخا النبي “بيت لحم أفراته، هي بيت لحم اليهودية، في مملكة يهوذا الجنوبية والتي تقع إلى الجنوب من أورشليم (حوالي 9 كم تقريباً).
وكما أشار ميخا النبي إلى طبيعة المسيا الناسوتية، بولادته في بيت لحم، هكذا أشار إلى طبيعته اللاهوتية بقوله “ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل”. والذي يقرأ هذا التعبير في اللغة العبرية، يجد أن هذا التعبير من أقوى المصطلحات العبرية المستعملة للحديث عن أزلية الله في الأسفار المقدسة، وتُستعمل لله فقط على الوجه المطلق. ففي سفر المزامير نجد مثلاً “من قبل أن تُولد الجبال أو أبدأت الأرض والمسكونة منذ الأزل إلى الأبد أنت الله” مزمور 90: 1. وما قيل بحق عن الله الآب، قيل أيضاً وبحق في الله الأبن، الذي سيُولد في بيت لحم “ومخارجه منذ القديم. منذ أيام الأزل” ميخا 5: 2 – ” الرب قناني أوّل طريقه من قبل أعماله منذ القديم. منذ الأزل” أمثال 8: 22 -23.
إذا، من نبوة ميخا، نرى أن المسيا سيكون إنساناً – يولد في مكان محدد هو بيت لحم – وهو أيضاً إله، لأنه منذ الأزل، كونه كلمة الله.
دخول المسيا أورشليم
“ابتهجي جداً يا ابنة صهيون اهتفي يا بنت أورشليم. هوذا ملكُك يأتي إليك هو عادل ومنصور وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان. وأقطع المركبة من أفرايم والفرس من أورشليم وتُقطع قوس الحرب. ويتكلم بالسلام للأمم وسلطانه من البحر إلى البحر ومن النهر إلى أقاصي الأرض” زكريا 9: 9-10.
إذا قرأنا بإمعان الأصحاح التاسع من سفر زكريا، من العدد 1 حتى 8، نستطيع أن نفهم بسهولة خلفية وضع النبوة الخاصة بدخول المسيا إلى أورشليم في هذا المكان بالذات. ففي الآيات من 1-8 نقرأ عن نبوة لملك غريب يقتحم ويغزو أورشليم وبلاد مجاورة، وهذه النبوة تحققت في الإسكندر الأكبر.
لكن في العدد 9 بالمقارنة مع هذا الملك الأممي المُقتحم، نجد إشارة واضحة لمجيء ملك يهودي. وبذلك أراد زكريا النبي أن يُبشر شعب إسرائيل بأخبار مفرحة “ابتهجي.. اهتفي …” لأنه “هوذا ملكُكِ” أي ملك إسرائيل، يأتي … ليس “ضدك” بل “إليك”. ينبغي أن تفرح أورشليم لأن ملكها ليس كالإسكندر الأكبر ولكنه:
– عادل: هو يتصف بالعدل والبر، إشارة إلى ما جاء عنه في إرميا 23: 5-6 “يُجري حقاً وعدلاً في الأرض”. بعكس الإسكندر الأكبر الذي كان جائراً وظالماً، وقد مات في غيبوبة وهو مخموراً.
– منصور: الكلمة أصلها العبري، تعني حرفياً “مانح أو مُقدّم الخلاص”. إذاً، المسيا سيأتي ومعه هبة الخلاص. بعكس الإسكندر الأكبر الذي جاء ومعه الخراب والدمار والموت.
– وديعاً متواضعاً: وديعاً وتعني أنه يحمل مشاعر الرقة واللطف – متواضعاً تعني بعده عن مظاهر القسوة والعناد. فالمسيا “ظلم ولم يفتح فاه”، “راكباً على حمار وعلى جحش ابن أتان”. أما الإسكندر الأكبر، فقد أتى ومعه العنف والقوة والاضطهاد وراكباً على جواده الأبيض…. وفي الأناجيل الأربعة، عندما ذكرت حادثة دخول السيد المسيح إلى أورشليم راكباً على أتان وعلى جحش ابن أتان – أردف السيد المسيح يقول “…. تجدان جحشاً مربوطاً لم يجلس عليه أحد من الناس قط” لوقا 19: 30.
هنا نفهم أن الجحش غير مُروّض. وبالتالي، نقول إن حتى هذا الحيوان غير المُروّض – هذه الخليقة غير العاقلة، عرفت خالقها. فبدلاً من أن يُلقيه الحمار من على ظهره، خضع له. ألا يذكر شعب إسرائيل قول الرب على لسان إشعياء النبي “الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه. أمّا إسرائيل فلا يعرف. شعبي لا يفهم” إشعياء1: 3.
ماذا قال الرابيون عن هذه النبوة:
في بعض النبوات الواردة في العهد القديم، قد نلاحظ أن في النبوة الواحدة إشارة إلى المجيء الأول للمسيح والمجيء الثاني – معاً – دون إعطاء علامة مميزة تفصل بين الحديث المُدمج. من هذه النبوات ما جاء في نبوة زكريا 9: 9-10. والتي نحن بصددها الآن.
ففي الآية التاسعة، نجد الإشارة إلى المجيء الأول للمسيا، في صورة متواضعة، ثم بعدها مباشرة في الآية العاشرة، تُدمج إشارة إلى مجيئه الثاني. فنبوة زكريا تحمل خطين من النبوات المسيانية – جنباً إلى جنب – الأول، المسيا المتواضع الوديع، ثم في الآية التي تليها، نراه ملكاً يمتد سلطانه ليشمل الأرض كلها.
حاول بعض الرابيين، التوفيق بين النبوتين – حسب وجهة نظرهم القاصرة والمتسرعة أنهما متناقضتان – فجاء تفسيرهم بوجود مسيحيين مختلفين: المسيا الأول سيُدعى ابن يوسف، وهو متواضع وفقير ومهان ومُتألم، ثم يتبعه مسيا آخر يأتي، سيدعى ابن داود، وهو المسيا الملك المنتصر.
ولو قرأ هؤلاء الرابيون التلمود بإمعان، لوجدوا خطأ رأيهم. حيث نقرأ في التلمود الآتي:
1 – في التلمود Talmud في قسم السنهدرين Sanhedrin 98b – 99a نقرأ التالي […. رابي هيلليل Rabbi Hillel قال: إن شعب إسرائيل لا يمكن أن يتوقع مجيء مسيا الآن، لأنهم أبادوه في أيام حزقيا. إنّ هذا خطأ فادح! أما الردّ المُفحم هو: متى عاش حزقيّا؟ أليس في أيام الهيكل الأول! لكن زكريا كان في أيام الهيكل الثاني، وهو يتنبأ الآن قائلاً “ابتهجي جداً…. “زكريا 9: 9].
2 – في التلمود Talmud في قسم السنهدرين Sangedrin 98a نقرأ التالي
[…. رابي يوسف بن ليفي Rabbi Joseph ben Levi في تفسيره لنبوة زكريا عن المسيا يقول: لقد كُتب عن المسيا القول “كُنت أرى في رُؤى الليل وإذا مع سحاب السماء مثل ابن انسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه” دانيال 7: 13. ولكن في وضع آخر كُتب عنه “هوذا ملكك يأتي إليك هو عادل … وديع وراكباً على حمار وعلى جحش ابن أنان” زكريا 9: 9. والحلّ هو: لو شعب إسرائيل كان باراً، فسوف يأتي المسيا على سحاب السماء، أما إذا كان خاطئاً، فسوف يأتي المسيا وديعاً وراكباً على جحش ابن أتان].
3 – أيضاً في كتاب “Pesikta Rabbati”* في العظة رقم 53 (Piska 53) نقرأ الآتي [….أما ما جاء في زكريا 9: 9 بخصوص المسيا الوديع… فهو وديع لأنه ظُلم طوال هذه السنين في السحن، أما خطاه إسرائيل فأنكروه ورفضوه. من سمات المسيا، الشخص المقدس – مُبارك هو – إنه سيحفظك ويفديك].
هذه النوعية من أقوال الرابيين، تشرح مبدأ الاتجاهين للنبوة المسيانية الواحدة، وقرروا أن كل اتجاه من الاتجاهين في النبوة سيتم، لكن لم يقروا بمبدأ وجود مسيحيين اثنين.
نظرة العهد الجديد واضحة جداً بهذا الخصوص. فالعهد الجديد يُعلم بأن المسيا هو شخص واحد، ولكن سيأتي مرتين: المرة الأولى – يتألم ويُصلب ويموت ثم يقوم – وهذا المجيء قد تم بالفعل… أما المرة الثانية – فسيأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات، وهذا لم يتم بعد.
ثمن المثمن -الراعي الصالح
” افتح أبوابك يا لبنان، فتأكل النار أرزك. ولول يا سرو، لأن الأرز سقط لأن الأعزاء قد خربوا. ولول يا بلّوط باشان، لأن الوعر المنيع قد هبط. صوت ولولة الرعاة لأن فخرهم خرب. صوت زمجرة الأشبال، لأن كبرياء الأردن خربت. هكذا قال الرب إلهي: ارع غنم الذبح الذين يذبحهم مالكوهم ولا يأثمون وبائعوهم يقولون مبارك الرب قد استغنيت. ورعاتهم لا يشفقون عليهم. لأني لا أُشفق بعد على سكان الأرض، يقول الرب، بل هأنذا مُسلّم الإنسان كل رجل ليد قريبه وليد ملكه فيضربون الأرض ولا أنقذ من يدهم.
فرعيت غنم الذبح. لكنهم أَذَلُ الغنم. وأخذت لنفسي عصوين، فسميّتُ الواحدة نِعمة وسميّتُ الأخرى حِبَالاً ورعيت الغنم. وأَبدتُ الرعاة الثلاثة في شهر واحدٍ، وضاقت نفسي بهم وكرهتني أيضا نفسهم. فقُلتُ: لا أرعاكم. من يَمُت فليمُت، ومن يُبدْ فليُبدْ والبقية فليأكل بعضها لحم بعض. فأخذت عصاي نعمة وقصفتها لأنقض عهدي الذي قطعته مع كل الأسباط.
فنُقض في ذلك اليوم وهكذا عَلِمَ أَذَلُ الغنم المنتظرون لي أنها كلمة الرب. فقُلتُ لهم: إن حَسُنَ في أعينكم فأعطوني أُجرتي وإلا فامتنعوا. فوزنوا أُجرتي ثلاثين من الفضة. فقال لي الرب: ألقها إلى الفخاري الثمن الكريم الذي ثمنوني به. فأخذتُ الثلاثين من الفضة وألقيتها إلى الفخاري في بيت الرب. ثم قصفتُ عصاي الأخرى حِبَالاً لأنقض الإخاء بين يهوذا وإسرائيل.
فقال لي الرب: خُذ لنفسك بعد أدوات راعٍ أحمق. لأني هأنذا مُقيم راعياً في الأرض لا يفتقد المنقطعين ولا يطلب المنساق ولا يُجبر المنكسر ولا يُربي القائم ولكن يأكل لحم السمان وينزع أظلافها.
ويل للراعي الباطل التارك الغنم. السيف على ذراعه وعلى عينه اليمنى. ذراعه تَيبس يبساً وعينه اليمنى تكلُ كلولاً”
سفر زكريا: الأصحاح الحادي عشر
الأصحاح الحادي عشر كله من سفر زكريا، يتعلّق بالمجيء الأول للمسيا، والأحداث التي صاحبته. يمكن تقسيم الأصحاح إلى ثالثة أجزاء:
– الآيات من 1: 3، تصف التدمير الكلي لأرض إسرائيل من الشمال إلى الجنوب. وهذا تحقق بالفعل إثر اندلاع ثورتين ضد الرومان: الثورة الأولى بدأت في سنة 68 ميلادية، والثورة الثانية بدأت في سنة 132 ميلادية.
– الآيات من 4: 14، تصف رفض المسيا في مجيئه الأول، كراعٍ صالح لشعب إسرائيل، ثم تصف الآيات الخراب العظيم الذي حدث في سنة 70 ميلادية عقب اندلاع الثورة الأولى.
– الآيات من 15: 17، تصف اختيار راعٍ أحمق، يقود إلى الخراب الثاني الذي حدث في سنة 135 ميلادية، عقب اندلاع الثورة الثانية.
1 – وصف خراب الهيكل
في مواضع كثيرة يُشار إلى الهيكل ب “أرز لبنان” أو “بيت الأرز”: “كما كلّم الرب داود أبي قائلاً إن ابنك الذي أجعله مكانك على كرسيّك هو يبني البيت لاسمي. والآن فأمُر أن يقطعوا لي أرزاً من لبنان ويكون عبيدي مع عبيدك وأجرة عبيدك أُعطيك إياها حسب ما تقول” ملوك الأول 5: 5-6 – “وأرسل حيرام إلى سليمان قائلاً. قد سمعت ما أَرسلت به إليّ.
أنا أفعل كل مسرتك في خشب الأرز وخشب السرو…. فكان حيرام يُعطي سليمان خشب أرز وخشب سرو حسب كل مسرته… لبناء البيت” ملوك أول 5: 8-18 (راجع أيضاً 2صم 7:2/ 1ملوك 6:18/ 7:3-11/ 1ملوك 4: 33/ 1ملوك 10: 11). النبوة تقول “افتح أبوابك يا لبنان فتأكل النار أرزك. ولول يا سرو لأن الأرز قد سقط” واضح أنه يتكلم عن حرق وهدم الهيكل، المصنوع من خشب الأرز والسرو. وهي إشارة غير مباشرة لخراب الهيكل والذي ظل العمل فيه حتى زمن نبوءة زكريا.
وقول النبوة “صوت ولولة الرعاة لأن فخرهم خرب”، فهو يتحدث عن رعاة شعب إسرائيل أي القادة اليهود، الذين بدمار الهيكل والمدينة سيتحول فخرهم إلى صوت ولولة ونواح.
وبقية الأصحاح يتحدث عن سببين لهذا الدمار والخراب: الأول، بسبب رفضهم للراعي الصالح – المسيا – وحقدهم عليه، وهذا قاد إلى الخراب الذي تم بحرق وهدم الهيكل وكل المدينة في سنة 70 ميلادية. الثاني، بسبب قبولهم للراعي الأحمق، وهذا قاد إلى الخراب الرهيب الذي حدث سنة 135 ميلادية.
2 – الله أوكل إلى زكريا بعمل خاص
” قال الرب إلهي ارع غنم الذبح الذين يذبحهم مالكوهم ….. ورعاتهم لا يشفقون عليهم… لكنهم أَذَلّ الغنم”. تحدثنا هذه الآيات عن أمر قد يبدو غريباً، ولكن كان عبارة عن وصف تفصيلي لما هو عتيد أن يحدث مع السيد المسيح في مجيئه الأول: فقد كلّف الله زكريا النبي بمهمّة يقوم بها، ليست في الأصل من عمله… بل كرسالة يريد الله أن يوصلّها إلى هذا الشعب العنيد: هو أن يقوم بدور المسيا في مجيئه الأول، فالمسيا يرمز إليه في هذه النبوة بالراعي الذي يقود ويُطعم الخراف أي شعب إسرائيل. والدقة المُذهلة التي كبت بها زكريا بوحي الروح القدس، في قوله “يذبحهم مالكوهم ولا يأثمون” هو إشارة للرومان… أما “رعاتهم لا يشفقون عليهم” هو إشارة إلى القادة اليهود الذين تركوا الرعية ولم يشفقوا عليهم.
“فرعيت غنم الذبح” يقصد شعب إسرائيل… ثم نرى في الآية 5، 6 أن الله تخلّى عنهم، وقرر أن يُسلّمهم إلى يد ملكهم “هأنذا مُسلّمُ الإنسان كل رجلٍ ليد قريبه وليد ملكه فيضربون الأرض ولا أُنقذ من يدهم”. قد يتبادر إلى ذهن البعض، أن هناك مشكلة بخصوص التعبير “ليد ملكه”، حيث أنه أثناء الاحتلال الروماني، لم يكن لإسرائيل ملكاً حقيقياً من نسل داود.
ونجد الإجابة على هذه المشكلة في العهد الجديد، فعندما وقف الرب يسوع – الراعي الحقيقي والملك الحقيقي – أثناء محاكمته أمام بيلاطس البنطي، قائلاً لهم “أأصلب ملككم” صرخوا كلهم قائلين “ليس لنا ملك إلاّ قيصر” يوحنا 19: 15. بما أنهم رفضوا المسيا كملك عليهم وأقروا بأن قيصر وحده هو ملكهم، أسلمهم الله إلى مشورتهم، فقد حكموا على أنفسهم ” من فمك أدينك أيها العبد الشرير” لوقا 19: 22.
وجلبوا على أنفسهم دينونة الله العادلة، وتمت النبوة، إذ في أثناء تدمير وخراب الهيكل وأورشليم سنة 70 ميلادية، قبل الرومان ما يقرب من 1،100،000يهودي، وحوالي 97،000 أُخذوا كعبيد (حسب بعض المراجع).
“فرعيت غنم الذبح. لكنهم أَذَلّ الغنم”، هنا ينفذ زكريا النبي، النهمة التي أوكلها إليه الله. فنجده يرعى غنم الذبح، ولكن بصفة خاصة “أُذُلُ الغنم” أي أضعفها، وحسب بعض الترجومات “المعوزة والمحتاجة”. وهذا تعبير شائع عند الأنبياء ويُشير عادة إلى البقية البارة من شعب إسرائيل. فبينما في كل العصور والأزمنة في تاريخ إسرائيل، الكل زاغوا وفسدوا، إلاّ أن بقية صغيرة بينهم ظلت محافظة على برّها بالإيمان.. وأطلق عليها “بقية إسرائيل”.
فبالرغم من أن المسيا يأتي من أجل كل إسرائيل، إلاّ أنّه يظهر كما لو أنه جاء تحديداً من أجل البقية المؤمنة. وتحقيق هذا نراه جلياً في إنجيل متى، حيث يقول “ولما رأى الجموع تحنن عليهم إذ كانوا منزعجين ومطروحين كغنم لا راعي لها” متى 9: 36.
وقد استعمل زكريا النبي في عمله عصوين، “فسَميّتُ الواحدة نعمة وسَميّتُ الأخرى حِبالاً”: العصا التي سُميّت “نعمة” هي من أجل الحماية وقيادة الغنم، أما العصا المسماة “حِبالاً” هي لحفظ الغنم مع بعضهم البعض، وصيانة وحدتهم. أثناء رعاية الغنم واجه زكريا مقاومة من ثلاثة رعاة “وأَبدتُ الرعاة الثلاثة في شهر واحدٍ وضاقت نفسي بهم وكرهتني أيضاً نفسهم”: هذا الأمر قد تحقق بدقة متناهية في أيام السيد المسيح أثناء خدمته بين شعب إسرائيل، إذ واجه ثلاثة رعاة، قاوموه بشدة، وهم: الكتبة والفريسيون والصدوقيون… هذه الفئات الثلاث كانوا هم قادة إسرائيل أثناء كرازة السيد المسيح.
وكانت إحدى مهام السيد المسيح التبشيرية، هي هدم تعاليم هذه الفئات الثلاث. من هنا نشأ حقد وكراهية في قلوبهم عليه، وانطبق قول زكريا “وضاقت نفسي بهم وكرهتني أيضاً نفسهم”، فنقرأ في إنجيل متى الآتي “ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تغلقون ملكوت السموات قدام الناس فلا تدخلون أنتم ولا تدعون الداخلين يدخلون. ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تأكلون بيوت الأرامل.
ولعلة تطيلون صلواتكم…. الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون لأنكم … أيها الجهال والعميان…” متى 23 (رجاء قراءة الأصحاح كله). وقد ظهر قمة العداء الشديد الذي في قلب هؤلاء القادة نحو الرب يسوع، عندما تآمروا عليه لإدانته وإصدار حكم بالصلب وإعطاء رشوة ليهوذا الإسخريوطي ليسلّمه لهم.
“فقلت لا أرعاكم” هنا نقرأ عن انقطاع مُفاجئ لرعاية وإطعام الغنم. هذا ما عبّر عنه السيد المسيح نفسه قائلاً “فأجاب وقال لهم جيل شرير وفاسق يطلب آية (معجزة) ولا تُعطى له آية إلا آية يونان النبي… رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه لأنهم تابوا بمناداة يونان. وهوذا أعظم من يونان ههنا. ملكة التيمن… فتصير أواخر ذلك الإنسان أشرّ من أوائله. هكذا يكون أيضاً لهذا الجيل الشرير” متى 12: 38-40. قول السيد المسيح “جيل فاسق وشرير” يقصد به شعب إسرائيل في ذلك الوقت. وقوله “هكذا يكون أيضاً لهذا الجيل الشرير” يقصد وقوع شعب إسرائيل تحت دينونة الخراب المحتوم، والذي سيقع سنة 70م. من جهة أخرى، كان الرب يسوع قبل رفضه العلني من الكتبة والفريسيين، دائماً يُعلن عن نفسه بوضوح بأنه المسيا المكتوب عنه… لكن بعد رفضه، لم يُعلن عن نفسه مرة أخرى بهذا، وكان يمنع تلاميذه والأشخاص الذين شفاهم عن أن يكشفوا مسيانيته… أيضاً، قبل رفضه أجرى الرب يسوع العديد من المعجزات والآيات لكل الناس في المدن والقرى ويُطعم الجموع، لكن بعد رفضه، لم يجر أية معجزات أو أشفيه إلا للذين أعلنوا إيمانهم به شخصياً. وهذا يوضح قول زكريا النبي فجأة “فقلت لا أراعاكم”.
“فأخذت عصاي نعمة وقصفتها لأنقض عهدي الذي قطعته مع كل الأسباط. فنُقض في ذلك اليوم. وهكذا عَلِمَ أَذَلُّ الغنم المنتظرون لي أنها كلمة الرب”. بعد التوقف عن رعاية الغنم، أخذ زكريا العصا المسماة “نعمة” وكسرها، وهنا إشارة إلى نزع الحماية عن شعب إسرائيل وتركهم فريسة لإعدائهم. وهذا ما نطق به رب المجد يسوع عند اقترابه من المدينة “وفيما هو يقترب نظر إلى المدينة وبكى عليها قائلاً إنكِ لو علمتِ أنتِ أيضاً حتى في يومك هذا ما هو لسلامك.
ولكن الآن قد اُخفي عن عينيك. فإنه ستأتي أيام ويُحيط بك أعداؤك بمترسة ويُحدقُون بك ويحاصرونك من كل جهة. ويهدمونكِ وينيكِ فيكِ ولا يتركون فيك حجراً على حجرٍ لأنك لم تعرفي زمان افتقادك” لوقا 19: 41-44… “ويقعون بفم السيف ويُسبون إلى جميع الأمم. وتكون أورشليم مدوسة من الأمم” لوقا 21: 24.
من الآيات السابقة، يتضح كيف تخلّى الله عن حماية شعب إسرائيل، وهذا ما أشار إليه الوحي الإلهي في النبوة بقصف زكريا لعصاه “نعمة”. أما عن قوله “وهكذا عَلِمَ اَذَلُ الغنم… أنها كلمة الرب”، قلنا من قبل أن “أذل الغنم” هم البقية المؤمنة من شعب إسرائيل… وتتمثل في التلاميذ والذين تبعوا الرب يسوع. هؤلاء سيروا كسر عصا النعمة، ككلمة الرب ويفهموا مغزى ذلك.
وفعلاً عندما شاهد التلاميذ والمسيحيون متاريس الرومان تُنصب، والجيوش تتدفق لمحاصرة المدينة، هربوا كقول الرب يسوع لهم من قبل “ومتى رأيتم أورشليم محاطة بجيوش فحينئذ اعلموا أنه قد اقترب خرابها. حينئذ ليهرب الذين في اليهودية إلى الجبال. الذين في وسطها فليفروا خارجاً والذين في الكور فلا يدخلوها. لأن هذه أيام انتقام ليتم كل ما هو مكتوب” لوقا 21: 20-22. وهذا ما أشارت إليه النبوة “وهكذا عَلِمَ اَذَلُ الغنم… أنها كلمة الرب”.
3 – ثمن الراعي الصالح
“فقُلتُ لهم: إن حَسُنَ في أعينكم فأعطوني أُجرتي وإلا فامتنعوا. فوزنوا أُجرتي ثلاثين من الفضة. فقال لي الرب: ألقها إلى الفخاري الثمن الكريم الذي ثمنوني به. فأخذتُ الثلاثين من الفضة وألقيتها إلى الفخاري في بيت الرب”.
تقدّم الراعي الصالح إلى قادة إسرائيل وطلب أجرته… أن يدفعوا بحسب ما يظنوا إنه مستحق. فوزنوا أجرته ثلاثين من الفضة (شاقل Shekel). ويحسب ناموس موسى، فإن ثلاثين من الفضة، كانت قيمة الفدية التي تدفع عوضاً عن العبد الميت “إن نطح الثور عبداً أو أمة يعطي سيده ثلاثين شاقل فضة والثور يُرجم” خروج 21: 32.
أي أن قيمة عمل الراعي الصالح، قدر بمساواته بالعبد الميت. كونهم يدفعون ثلاثين من الفضة، كان أكثر إهانة له، من أن لا يدفعوا على الإطلاق. وهنا أريد أن أذكر نقطة في غاية الأهمية، وهي: إنه زكريا النبي الذي دفع له الثلاثين من الفضة، ثم أجرته كراعٍ… ولكن من هو المهان فعلاً في هذا التقدير؟
هل هو زكريا أم الله نفسه؟؟ للإجابة نُورد الآية مرة أخرى “فقال لي الرب (يهوه) ألقيها إلى الفخاري الثمن الكريم الذي ثمنوني به” الذي يتكلم هنا هو، الرب يهوه “فقال لي يهوه” الذي هو الراعي الصالح. هو الرب، الذي عمله مُحتقر ومرذول ومزدرى به، لدرجة أنه قدر بثلاثين من الفضة فقط، ثم يعود هو نفسه فيقول “الثمن الكريم الذي ثمنوني به”.
وبهذا يكون واضحاً أن زكريا النبي مجردّ ممثل يلعب دوراً في مهمة نبوية، وأن هذا الدور يُتممه الرب نفسه. لأن المتكلم هو الرب، وليس زكريا. إذاً، المسيا الراعي الصالح هو الرب “يهوه”. وأن هذا الثمن هو ثمن الرب.
أمر الرب زكريا بأن يأخذ الثلاثين من الفضة ويُلقيها إلى الفخاري، ففي الحال أطاع زكريا النبي القول “فأخذت الثلاثين من الفضة وألقيتها إلى الفخاري في بيت الرب” وهذا ما تم بكل دقة، إذ عندما أخذ يهوذا الإسخريوطي من قادة اليهود الثلاثين من الفضة، كي يُسلمهم الرب يسوع “حينئذ ذهب واحد من الاثني عشر الذي يدعى يهوذا الإسخريوطي إلى رؤساء الكهنة وقال ماذا تريدون أن تُعطوني وأنا أسلمه إليكم. فجعلوا له ثلاثين من الفضة” متى 26: 14-15.
لكن لما ندم طرح الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ. قائلاً قد أخطأت إذ سلمت دماً بريئاً. فقالوا ماذا علينا. أنت أبصر. فطرح الفضة في الهيكل وانصرف ثم مضى وخنق نفسه. فاخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا لا يحل أن نلقيها في الخزانة لأنها ثمن دم. فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري” متى 27: 3- 10. يمكن القول، بأن الثلاثين من الفضة التي دفعت ليهوذا، بواسطة رؤساء الكهنة، قد أخذت من خزانة الهيكل، حيث كانت تحفظ بعض الأموال لشراء الذبائح. ودون أن يعلموا – رؤساء الكهنة – بما هم يفعلون، اشتروا ذبيحة، هي المسيح، آخر ذبيحة عن الخطية.
4 – الراعي الكاذب – الأحمق
“فقال لي الرب: خُذ لنفسك بعد أدوات راعٍ أحمق….. لا يفتقد المنقطعين ولا يطلب المنساق ولا يُجبر المنكسر ولا يُربي القائم ولكن يأكل لحم السمان وينزع أظلافها. ويل للراعي الباطل التارك الغنم. السيف على ذراعه وعلى عينه اليمنى. ذراعه تَيبس يبساً وعينه اليُمنى تكلُ كلولاً”
عندما رفض شعب إسرائيل، الراعي الصالح – المسيا- الذي جاء ليرعاهم ويقودهم ويُطعمهم، نراهم يقبلون راعياً كاذباً واحمقاً بدلاً منه. ففي نهاية الأصحاح، يُخبرنا زكريا النبي بأنه سيلعب دوراً ثانياً، ليس كراعٍ صالح كما في السابق، ولكن في هذه المرة سيُمثل دور راعٍ أحمق كاذب، سيجلب الأذى والضرر للغنم.
كيف تحققت هذه النبوة؟ كانت النكبة التي مُني بها اليهود المتطلعون لتحرير بلادهم، في سنة 70 ميلادية، كفيلة أن تجعلهم بلا قوة ولا حراك، بل وبلا أي تفكير أو أمل في القيام بمحاولة من نفس النوع مدة لا تقل عن خمسين عاماً. وظل اليهود غير قادرين على عمل أن ثورة طاول هذه المدة. ولكن لم يستطع الشعب اليهودي أن يعيش هذه السكنية إزاء تصرفات أباطرة الرومان، مثل هادريان الذي تدخل في شؤونهم الدينية، هذا بالإضافة إلى محاولة هادريان مسخ يهودية مدينة أورشليم بأن أسماها “آيلا كابيتولينا” وقام بمشروع بناء هيكل كبير فيها للإله زيوس ولتعمير المدينة المخرّبة.
وقد كان قيام اليهود بثورتهم الجديدة والأخيرة أمراً مفاجئاً ومدهشاً، إذ في فترة وجيزة كانت اليهودية كلها تحمل السلاح بطريقة غير مترقبة. لأن نداء الواجب العنصري والديني عند اليهود كان في الواقع شديداً وكفيلاً أن يؤدي إلى أي ثورة في أي وقت. وكان اعتمادهم دائماً أبداً ليس على كمية السلاح ولا عدد المحاربين، بل على رجاء معونة يهوه وإيماناً بمجيء المسيا في لحظات الحرب الحاسمة ليقود ويعطي النصرة. في حين أنهم يعلمون جيداً ما تنبأ به زكريا النبي عنهم، إذ برفضهم المسيا الراعي الحقيقي، أسلمهم الرب إلى راعي كاذب أحمق (الرومان) لكي “يأكل لحم السمان (من الغنم) وينزع أظلافها” زكريا 11: 16.
وفي هذه الثورة بالذات برز عنصر الاعتقاد بمجيء المسيا وظهوره في شخص يُدعى سمعان باركوكبا Simon bar Cohoba (الذي معناه ابن الكوكب)، ودعي من اليهود “المسيا رئيس اليهود”، فكان سبباً في تتحمس كافة اليهود بجميع طبقاتهم وأحزابهم. ومما زاد في تضليل الشعب ورفع حماسهم إلى درجة الجنون، أن رابي عقيبة Rabbi Akiba، أكبر المعلمين الدينيين في اليهودية تولى إعلان وتقديم سمعان باركوكبا للشعب بصفته هو “المسيا المنتظر”، “رجاء إسرائيل” وزاد على ذلك أن أعلنوا بدء ملكوت المسيا، وصكوا نقوداً عليها “سمعان رئيس اليهود”، “لأجل تحرير إسرائيل”، “لأجل تحرير أورشليم”.
استغاث حاكم اليهودية بالإمبراطور هادريان، وجاءت النجدة تلو النجدة، لتواجه هذه الثورة العارمة المنتشرة في البلاد كلها. وفي ظرف ثلاث سنوات (132- 135 م) سلّم اليهود نهائياً، لما وجدوا أن العمليات الحربية أكثر مما كانوا يتوقعوا. وبذلك دُمرت أورشليم مرة أخرى سنة 135 ميلادية وسُوّيت بالأرض، وقُتل أكثر من نصف مليون يهودي، هذا بخلاف من مات بالجوع والوبأ. فلما انكسر اليهود في ثورتهم ضد الرومان بقيادة “سمعان باركوكبا” أي ابن الكوكب، سموّه اليهود “سمعان باركوزيبا” أي ابن الكذب.
طعن المسيا
“وأفيض على بيت داود وعلى سكان أورشليم روح النعمة والتضرعات فينظرون اليّ الذي طعنوه وينوحون عليه كنائح على وحيدٍ له ويكونوا في مرارة عليه كمن هو في مرارةْ على بكره” زكريا 12: 10.
بعض الشراح فسروا هذه الآية، كونها نبوة عن المجيء الثاني للمسيا. البعض الآخر، قالوا إن النبوة تشتمل على المجيئين: القادة اليهود سيرفضون المسيا في مجيئه الأول، ولكن عند مجيئه الثاني، سيندمون على رفضهم، ويترجون الله عودته. والواضح من هذه النبوة، هو أن زكريا النبي، يصف الأسى والحزن الذي سيلحق قادة اليهود – يوماً ما – بسبب قتلهم المسيا في مجيئه الأول.
تُوجد ثلاث نقاط هامة في هذه النبوة:
1 – التأكيد على رفض قادة اليهود للمسيا.
2 – يُخبرنا زكريا النبي، أن موت المسيا لم يكن طبيعياً، بل ناتجاً عن عمل إجرامي عنيف وهذا يتضح من القول “طعنوه”.
3 – المتحدث في النبوة هو “الرب نفسه” وليس زكريا، بدليل قوله “وأفيض على بيت داود” ثم يقول هو نفسه “فينظرون إليّ الذي طعنوه”، وهذا واضح جداً في اللغة العبرية “אלי = إ ل ي” أي أن الذي طُعن هو الرب نفسه. بناء على ذلك يكون المسيا هو نفسه “الرب يهوه”.
وقد تمت هذه النبوة، عندما طعن أحد الجنود الرومان الرب يسوع في جنبه، وقد سجّل يوحنا الحبيب ذلك بقوله “لكن واحداً من العسكر طعن جنبه بحربة وللوقت خرج دماء. والذي عاين شهد وشهادته حق… وأيضاً يقول كتاب آخر سينظرون إليّ الذي طعنوه” يوحنا 19: 33-37.
ساد في فترة ما قبل التلمود، تفسيران لهذه النبوة: التفسير الأول، يقول إن النبوة تخص المسيا ابن يوسف…. أما التفسير الثاني، يقول إن شعب إسرائيل سينوح من أجل طلب قتل الميول الشريرة التي فيهم. وعندما جاء التلمود حسم الموقف، وأعلن صراحة بأن النبوة تخص المسيا…. فنقرأ في التلمود الآتي [لماذا هذا النوح في زمان المسيا؟ يُوجد تفسيران مختلفان لكل من رابي دوسا Rabbi Dosa، والحكيم رعبنان Sages Rabanan: الرأي الأول، هو أنهم يوحون على المسيا ابن يوسف الذي قُتل، الآخر، أنهم ينوحون لطلب قبل ميولهم الشريرة.
إنه مقبول جداً يحسي ما شرحناه أن سبب النوح هو قتل المسيا. وهذا يتفق تماماً مع ما جاء في زكريا النبي 12: 10. لو أن النوح يتعلق بقتل ميولهم الشريرة، ينبغي أن نسأل: هل هذه مناسبة للنوح؟ ولا أيضاً مناسبة للفرح؟ فلماذا إذا سيبكون….] Talmud, Succah 52a.
الراعي الصالح
“فيقول له ما هذه الجروح في يديك. فيقول هي التي جُرحت بها في بيت أحبائي. أستيقظ يا سيف على راعيّ وعلى رجل رفقتي يقول رب الجنود” زكريا 13: 6- 7.
الراعي الصالح المذكور في هذه النبوة، هو نفس الراعي الصالح المذكور في سفر زكريا 11: 4-13. كما أن هذه النبوة، تكشف عن كون أن المسيا سيكون “إلهاً وإنساناً”. بالنسبة للطبيعة البشرية للمسيا واضحة في قوله”…. وعلى رجل ….”، أما بالنسبة إلى الطبيعة اللاهوتية، فللأسف الترجمة العربية، لا تُعطي المعنى الدقيق الوافي والمقصود به مثلما يُعطي النص العبري… فكلمة “رجل رفقتي” كما جاءت في النص العبري هي:
“גבר עמיתי = ج ب ر ع م ي ت ي” وهي تعني في العبرية حرفياً “رجل – مساوٍ لي” أو “رجل – معادل لي”. من هنا يتبين لنا أن الترجمة العربية عاجزة عن إعطاء المعنى المقصود. لذا، بعد العودة إلى الأصل العبري للآية، ينبغي أن تُترجم “….. على راعيّ وعلى الرجل – مساوٍ لي يقول رب الجنود”. بناء على ذلك، يكون المسيا هو الله، لأن المتحدث في الآية “رب الجنود”.
من جهة أخرى، فإن النبوة تُبين أن موت المسيا سوف لا يكون موتاً طبيعياً بل نتيجة آلام يُعانيها من أقرب الناس إليه، من بني جنسه، أي شعب اليهود، وهذا يظهر من القول “فيقول هي التي جُرحت بها في بيت أحبائي”. وقد تمت هذه النبوة، عندما سمروا الرب يسوع بالمسامير على الصليب “ولما مضوا به إلى الموضع الي يُدعى جمجمة صلبوه هناك” لوقا 23: 33 – “انظروا يديّ ورجليّ إني أنا هو …. ” لوقا 24: 39 – “فقال لهم (توما) إن لم أُبصر في يديه أثر المسامير وأضع إصبعي في أثر المسامير وأضع يدي في جنبه لا أُومن… ثم قال لتوما هاتِ إصبعك إلى هنا وأبصر يديّ وهاتِ يدك وضعها في جنبي ولا تكن غي مؤمن بل مؤمناً. أجاب توما وقال له ربّي وإلهي” يوحنا 20: 24 – 29.
كذلك، تذكر النبوة أن موت المسيا سيعقبه تشتت اليهود، حسب قوله “اضرب الراعي فتتشتت الغنم وأرد يدي على الصغار” زكريا 13: 7. أما الراعي فقد ضُرب حوالي سنة 30 ميلادية (احداث الصلب)، والرعية تبددت في سنة 70 ميلادية، عندما تشتت اليهود خارج أورشليم. أمّا عن قوله “وأردّ يدي على الصغار” فهو يقصد التلاميذ والذين آمنوا به من عامة الشعب “لا تخف أيها القطيع الصغير….” لوقا 12: 32.
ملاك لتهيئة الطريق
“هأنذا أُرسل ملاكي فيهيئ الطريق أمامي ويأتي بغتة إلى هيكله السيد الذي تطلبونه وملاك العهد الذي تُسرّون به هوذا يأتي قال رب الجنود” ملاخي 3: 1.
تُوجد في أسفار العهد القديم إشارتان تتحدثان عن “السابق” الذي يُهيئ الطريق لمجيء المسيا: الأولى، في سفر إشعياء “صوت صارخ في البرية أعدوا طريق الرب. قوّموا في القفر سبيلاً لإلهنا. كل وطاءٍ يرتفع وكل جبلٍ وأكمه ينخفض ويصير المعوجّ مستقيماً والعراقيب سهلاً. فيعلن مجد الرب ويراه كل بشرٍ جميعاً لأن فم الرب تكلم” إشعياء 40 :3-5. أما الإشارة الثانية، فهي في نبوة ملاخي التي ندرسها الآن.
بعض الشرّاح قالوا أن هذا “السابق” هو إيليا النبي، بحسب تفسيرهم لما جاء في سفر ملاخي 4: 5-6، حيث يقول “هأنذا أُرسل إليكم إيليا النبي قبل مجيء يوم الرب العظيم والمخوف، فيردّ قلب الآباء على الأبناء وقلب الأبناء على آبائهم”. ورغم ذلك لم تذكر نبوة إشعياء ولا نبوة ملاخي 3:1، اسم هذا “السابق”…. لكن الذي كشف عن اسمه هو العهد الجديد، وهو يوحنا المعمدان.
حيث جاء في إنجيل متى الآتي “….. ابتدأ يسوع يقول للجموع عن يوحنا. ماذا خرجتم إلى البرية لتنظروا. أقصبه تحركها الريح. لكن ماذا خرجتم لتنظروا. إنساناً لابساً ثياباً ناعمة. هوذا الذين يلبسون الثياب الناعمة هم في بيوت الملوك. لكن ماذا خرجتم لتنظروا. أنبياّ. نعم أقول لكم وأفضل من نبيّ. فإن هذا هو الذي كُتب عنه ها أنا أُرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك.
الحق أقول لكم لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان. ولكن الأصغر في ملكوت السموات أعظم منه. ومن أيام يوحنا المعمدان إلى الآن ملكوت السموات يُغصب والغاصبون يختطفونه. لأنّ جميع الأنبياء والناموس إلى يوحنا تنبأوا. وإن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي. من له أُذنان للسمع فليسمع” متى 11: 7-14.
ملاخي النبي هو آخر أنبياء العهد القديم، والنبوات التي نطق بها تُعتبر آخر إعلانات الله للبشرية في العهد القديم، ولمدة حوالي 400 سنة حتى جاء المسيا في حوالي سنة 4 ق.م. على أن الاسم “ملاخي” تعني بالعبرية “رسولي” أو ملاكي”. “מלאכי = م ل أ خ ي”. والصوت النبوي القادم الذي سيُسمع في إسرائيل بعد 400 سنة من ملاخي، سيكون صوت “ملاكي – رسولي – ملاخي”، إنه يوحنا المعمدان…. هل لهذا مغزى مُعيّن!!!
بقية النبوة تُعلن عن دخول الرب المسيا إلى الهيكل المقدس “ويأتي بغتة إلى هيكله السيد الذي تطلبونه”. هذا هو الهيكل الثاني، الذي أعاد بناءه زوربابل، وجدده ووسعه هيرودس الكبير. إلى هذا الهيكل، جاء الرب يسوع في مناسبتين منفصلتين، من أجل تطهيره من الباعة والصيارفة (راجع يوحنا 2: 13-22، متى 21: 12-13). ما يهمنا في قوله “إلى هيكله” أي أن هذا الهيكل يخص المسيا، أو بحسب النص العبري “صاحبه”. وعندما طهره الرب يسوع، فقد مارس ألوهيته وسلطانه لأنه هو صاحب الحق الكامل فيه.
* Pesikta Rabbati: هو كتاب عظات تُقرأ في الأعياد. وهي عبارة عن تعليقات روحية للعديد من الرابيين، على قراءات التوراة التي تقرأ في مناسبات الأعياد.
نبوات المسيح في سفر المزامير – القمص روفائيل البرموسي
نبوات المسيح في سفر المزامير – القمص روفائيل البرموسي
المزامير تأخذ مكانها لدى اليهود، نظراً للأهمية الخاصة التي تتعلّق بمجيء المسيا لديهم، وإمكانية استكشاف شخصية هذا المسيا من خلالها. هذا ولقد استشهد السيد المسيح وتلاميذه بالمزامير كثيراً في عملهم التبشيري، فعلى سبيل المثال، يقول السيد المسيح لتلاميذه بعد القيامة “وَقَالَ لَهُمْ: «هذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ: أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ».” لوقا 24: 44. ولو دققنا البحث في أسفار العهد الجديد، وتتبعنا الإقتباسات المأخوذة من سفر المزامير لاندهشنا.
فنجد أن العهد الجديد يقتبس 224 مقطع من بين 103 مزمور، هذه المقاطع تحتوي على 280 آية من مختلف المزامير. ومن هذه الآيات حوالي 50 آية تختص بآلام وموت وقيامة الرب يسوع، والبشارة بالإنجيل للأمم. أما بقية الاقتباسات فيه تعليمية وللعزاء الداخلي وتقوية الإيمان.
التقليد ينسب 73 مزمور من جملة الـ150 مزمور إلى الملك داود. وفي كتابات الرابيين، المسيا يُشار إليه ك “ابن داود” لهذا السبب، فإنه في أن موضع من سفر المزامير فيه وصف للبركات التي ستأتي على بيت داود، يعتبرها الرابيون نبوة عن المسيا. لدرجة أن المعاني الجميلة في المزمور 45، التي يصف فيها داود النبي علاقة العريس بعروسه – روحياً – وافتتانه الشديد بها، يعتبرها الرابيون صورة سرّية لعلاقة المسيا بشعب إسرائيل، واعتبروا المزمور كله مزمور مسياني.
وعندما رأت الكنيسة حب المسيح لكنيسته، اعتبرت علاقة المسيح بالكنيسة كعلاقة العريس بعروسه، وعلى ذلك يكون مزمور 45 كله يتحدث عن حب المسيح العريس للكنيسة عروسه (راجع يو 3: 29/ متى 22/ متى 25/ 2كو 11: 2/ رؤ 19: 7).
أيضاً وجد اليهود في مزامير خاصة سموها مزامير النواح، والتي فيها رجل الله البار والتقي، يتألم من بُغض الشعب له، إشارة إلى المسيا ابن يوسف.. حتى آلام المخاض التي وردت في بعض المزامير، قالوا أنها آلام من أجل مملكة المسيا. وفي مدراش على سفر المزامير، يرى راشي רש”י RaSHI، أن مزمور 21، يتحدث عن المسيا الملك، خاصة الآية 1-4-7، أما الترجوم فيضيف إليهم الآية الثامنة “يَا رَبُّ، بِقُوَّتِكَ يَفْرَحُ الْمَلِكُ، وَبِخَلاَصِكَ كَيْفَ لاَ يَبْتَهِجُ جِدًّا! … وَضَعْتَ عَلَى رَأْسِهِ تَاجًا مِنْ إِبْرِيزٍ. حَيَاةً سَأَلَكَ فَأَعْطَيْتَهُ. طُولَ الأَيَّامِ إِلَى الدَّهْرِ وَالأَبَدِ. عَظِيمٌ مَجْدُهُ بِخَلاَصِكَ، جَلاَلاً وَبَهَاءً تَضَعُ عَلَيْهِ…..تُصِيبُ يَدُكَ جَمِيعَ أَعْدَائِكَ. يَمِينُكَ تُصِيبُ كُلَّ مُبْغِضِيكَ.” مزمور 21.
يقول المدراش معلقاً على هذا المزمور [… هذا هو المسيا، ابن داود، الذين سيظهر في آخر الأيام. رابي تنحوما רבי תנחומא Rabbi Tanhuma يقول: المسيا الملك سيأتي ويُعطي العالم ست وصايا فقط، مثل الوصية الخاصة بعيد المظال واستعمال سعف النخيل والتمائم، ….. لكن كل إسرائيل سيتعلّم التوارة… لماذا؟ لأن كل الأمم ستطلبه]. بعد ذلك مباشرة يسأل هذا المدراش قائلاً [… من هو هذا الملك؟… الله لا يُتوج ملكاً من لحمٍ ودمٍ، ولكن القدوس – مبارك هو – سيُعطي تاجه للمسيا الملك، لأن قيل عنه “وَضَعْتَ عَلَى رَأْسِهِ تَاجًا مِنْ إِبْرِيزٍ.” … كذلك الله لا يُلبس ملكاً أرضياً ثوبه الذي من برفير، ولكن القدوس – مبارك هو – يُلبسه للمسيا الملك، لأنه قيل “جَلاَلاً وَبَهَاءً تَضَعُ عَلَيْهِ” . وسيدعو المسيا باسمه، لأنه قيل عنه “وهذا هو اسمه الرب برنا” ] Midrash Tehilim מדרש תהלים.
وفي مدراش على سفر الخروج، يقول [… لم يأخذ موسى من الله سوى عصا “فأخذ موسى عصا الله في يده” خروج 17: 9.. أما المسيا الملك… فالقدوس – مبارك هو – سيضع تاجه على رأس المسيا الملك، في حين أن الله لا يُتوّج ملكاً أرضياً بتاجه] Midrash Shemoth 8 מדרש שמות ח. أما الترجوم فيُعلق في الهامش على المزمور قائلاً [المسيا الملك سيتكل على الرب من أجل هذا سوف لا يتزعزع. وتاجه الذي وضع على رأسه، وثوب البهاء والجلال الذي وضع عليه…. يبقى ولا يزول].
وفي مدراش آخر على سفر المزامير، يقول في تعليقه على المزمور 16[هؤلاء الذين يؤمنون بالمسيا الآتي، يوماً ما سيُمجدون بهاء حضور الله ولا يتألمون، من أجل قداسته، كما هو مكتوب “أَمَامَكَ شِبَعُ سُرُورٍ. فِي يَمِينِكَ نِعَمٌ إِلَى الأَبَدِ.” آية 11.سيسأل شعب إسرائيل: متى ستُخلّصنا؟ سيُحيب: عندما تعانون من هول الظلم والاضطهاد، عندئذ سأخلصكم، كما هو مكتوب “وَيُجْمَعُ بَنُو يَهُوذَا وَبَنُو إِسْرَائِيلَ مَعًا وَيَجْعَلُونَ لأَنْفُسِهِمْ رَأْسًا وَاحِدًا” هوشع 1: 11… وقال “لأَنَّ أَنْفُسَنَا مُنْحَنِيَةٌ إِلَى التُّرَابِ. لَصِقَتْ فِي الأَرْضِ بُطُونُنَا. قُمْ عَوْنًا لَنَا وَافْدِنَا مِنْ أَجْلِ رَحْمَتِكَ.” مزمور 44: 25-26. وكما تتفتح الزهرة ونكشف قلبها إلى أعلى، هكذا معكم يا شعب إسرائيل، عندما تتوبون أمامي وترجع قلوبكم إلى أعلى كالزهرة، في هذه اللحظة سأُرسل المسيا إليكم، لأنه قال “أَكُونُ لإِسْرَائِيلَ كَالنَّدَى. يُزْهِرُ كَالسَّوْسَنِ” هوشع 14: 5].
وفي مدراش يُعلّق على مزمور 44 […. “لأَنَّ أَنْفُسَنَا مُنْحَنِيَةٌ إِلَى التُّرَابِ. لَصِقَتْ فِي الأَرْضِ بُطُونُنَا” مزمور 44: 25… هذه نبوة عن شخص ما سيأتي، ربما يكون المسيا. رابي حنينا רבי חנינא Rabbi Hanniah أيضاً قال: أن الرب يُحدِر إلى الموت ثم يُعيد إلى الحياة…. يُحدر إلى القبر ويُقيم…. هل هوالمسيا ابن يوسف. وبنفس هذه الطريقة سيُحدرنا الرب إلى أسفل تحت أقدام الأمم حتى إلى القبر، لكن في الحال سيُقيمنا، كما هو مكتوب” يُحدر إلى القبر ويقيم”] Sanhedrin 97a – בבלי, סנהדרין צ”ז א. وتُوجد صورة مشابهة في التلمود ولتفسير بعض المزامير التي تتحدث عن خلاص إسرائيل في آخر الأزمنة، من عمق آلامهم. هذا وقد اعتبر العديد من الرابيين أن هذه المزامير تُعد تاريخاً هاماً يُسجل أحداثاُ مستقبلية تخص شعب إسرائيل عندما يأتي المسيا.
وفي مدراش على مزمور 72 يقول […. “اَلَّلهُمَّ، أَعْطِ أَحْكَامَكَ لِلْمَلِكِ، وَبِرَّكَ لابْنِ الْمَلِكِ…..يَكُونُ اسْمُهُ إِلَى الدَّهْرِ. قُدَّامَ الشَّمْسِ يَمْتَدُّ اسْمُهُ” مزمور 72: 1، 17… مبارك ومُمجد هو المسيا الملك، ويكون اسمه ينّون ינון Yinnon الذي معناه ليته يخرج، لأن كُتِب عنه “وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى، وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ” إشعياء 11: 1. هذا الذي من قبل أن يُخلق العالم…] Mikraoth Gedoloth מקראות גדולות.
ويُشير راشي רש”י RASHI، إلى نفس هذا المزمور في تفسيره لنبة ميخا 5: 5، حيث يقول [إن المتسلّط على إسرائيل، والذي سيُولد في بيت لحم، أصوله منذ القديم منذ أيام الأزل، هو المسيا ابن داود، وكما يقول مزمور 118 “هو الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ”. ومخارجه منذ الدهر، لأنه قبل أن تكون الشمس، اسمه ينّون Yinnon] מקראות גדולות Mikraoth Gedoloth. ويقول رابي دافيد كمحي רד”ק Rabbi David Qimhi في تعليقه على مزمور 78 [بدون المسيا لا يوجد تفسير صحيح للأسفار المقدسة.
فعندما يقول داود الملك “أفتح بمثل فمي” فهو يُشير إلى المسيا، من أجل هذا سُمّي داود. وسيكون هو معلّم الشعوب، كما قيل عنه في إشعياء “هَلُمَّ نَصْعَدْ إِلَى جَبَلِ الرَّبِّ، إِلَى بَيْتِ إِلهِ يَعْقُوبَ، فَيُعَلِّمَنَا مِنْ طُرُقِهِ وَنَسْلُكَ فِي سُبُلِهِ». لأَنَّهُ مِنْ صِهْيَوْنَ تَخْرُجُ الشَّرِيعَةُ، وَمِنْ أُورُشَلِيمَ كَلِمَةُ الرَّبِّ. فَيَقْضِي بَيْنَ الأُمَمِ ” إشعياء 2: 3-4].
المزمور الثاني كله ، يتكلّم عن المجيء الأول للمسيا، وما يُصاحبه من أحداث، يحصرها في الآيات من 7 حتى 12. إنها تعلن بصراحة وقل كل شيء أن هذه الآيات تخص فقط المسيا ولا تخص داود النبي. فبينما داود كان ملكاً عظيماً، لكن لم يعطه الله السلطان على كل شعوب الأرض ” اسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ الأُمَمَ مِيرَاثًا لَكَ…” ولا يُملك داود إلى أقاصي الأرض “وَأَقَاصِيَ الأَرْضِ مُلْكًا لَكَ”. ويعتبر الرابيون أن المزمور الثاني كله مزموراً مسيانياً، فعلى سبيل المثال:
1 –تلمود بابل:Babulonian Talmud, Sukka 52a، يقول [معلمونا الكبار Rabbis، قالوا: القدوس – مبارك هو – سيقول للمسيا ابن داود (ليت يُظهر نفسه قريباً، في أيامنا هذه) اسألني أي شيء وأنا أُعطيه لك، كما قيل إني “ِإنِّي أُخْبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ الرَّبِّ: قَالَ لِي: «أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ. اسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ الأُمَمَ مِيرَاثًا لَكَ” مزمور 2: 7-8… إنه المسيا الملك] Soncino Talmud Edition
2 –مدراش رباه على سفر التكوين: Midrash Genesis Rabbah 44: 8 يقول [رابي يوناثان Rabbi Yonathan قال: ثلاثة أشخاص طُلب منهم أن يسألوا، هم: سليمان – آحاز – المسيا الملك. سليمان “فِي جِبْعُونَ تَرَاءَى الرَّبُّ لِسُلَيْمَانَ فِي حُلْمٍ لَيْلاً، وَقَالَ اللهُ: «اسْأَلْ مَاذَا أُعْطِيكَ».” ملوك الأول 3: 5 – آحاز “ثُمَّ عَادَ الرَّبُّ فَكَلَّمَ آحَازَ قَائِلاً: «اُطْلُبْ لِنَفْسِكَ آيَةً مِنَ الرَّبِّ إِلهِكَ. عَمِّقْ طَلَبَكَ أَوْ رَفِّعْهُ إِلَى فَوْق».” إشعياء 7: 11 – المسيا الملك “اسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ الأُمَمَ مِيرَاثًا لَكَ” مزمور 2: 8 Soncino Midrash Rabbah – Vol.1, P.365- 366
3 –رابي إليعازر Rabbi Eliezer (من القرن التاسع)، يقول [كل الأمم والشعوب سيجمعون معاً ويقاومون المسيا الملك – ابن داود – كما قيل “قَامَ مُلُوكُ الأَرْضِ، وَتَآمَرَ الرُّؤَسَاءُ مَعًا عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ” مزمور 2: 2 Prike de – Rav Eliezer, Section 28, Vol.2, P.123
4 –راشي RaSHI (القرن الحادي عشر)، يقول […. فسّر الرابيون الكبار Rabbis أمور هذا المزمور كونها إشارة إلى المسيا الملك، ولكن أنا بحسب رأي أرى أن المعنى العام يمكن أن ينطبق على داود الملك نفسه] A Manual of Christian – Evidences for Jewish People (London: Vol.2. P.122 – 123) – Cited in Lukym Willians. يتبين لنا من هذا القول – بصورة غير مباشرة – أ، راشي يعترف بأن رأيه مخالفاً لرأي أغلب العلماء من الرابيين.
5 –مدراش على المزامير (من القرن الحادي عشر)، يقول […. “أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ” مزمور 2: 7، رابي حُنا Rabbi Huna يقول: الآلام قُسّمت إلى ثلاثة أجزاء: جزء أخذه البطاركة ابراهيم وإسحق ويعقوب، وأجيال البشرية من بعدهم. جزء آخر، أخذه الجيل الذي عاش في أيام إضطهاد هادريان. والجزء الأخير سيأخذه المسيا الرب. عندما يحين الوقت، القدوس – مبارك هو – سيقول: سأخلق المسيا، خليقة جديدة. كما تقول الأسفار عنه “أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ”.
هذا معناه، أنه في يوم الخلاص العظيم، الله سيخلق المسيا… أما عن قوله “اسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ الأُمَمَ مِيرَاثًا لَكَ، وَأَقَاصِيَ الأَرْضِ مُلْكًا لَكَ.”…. فالله سيقول للمسيا: لو سألتني أن تخضع كل أمم الأرض لك، فسأعطيهم ميراثاً لك. وإن طلبت أن يمتد سلطانك على الأرض كلها، دفعتها ليدك] Midrash on Psalms, Translator: Willians G. Brande (Yale University Press, 1987, vol.1 – P.41 -44).
6 –رابي موشي بن ميمون (الشهير ب Maimonides – القرن الحادي عشر)، يقول [الأنبياء والأبراء تاقوا مدة طويلة إلى أيام المسيا، وتمنوا أن يكون مجيئه على الأبواب، كي يجمعهم معه، وينعموا بالبر الملوكي والعدل، وتسود الحكمة الحسنة. لأن الله قال له “أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ” ] Manimonkeds Introduction to SangedrinK Vol.2 – Chapter 10, P.122(London:1919)
7 –رابي دافيد كمحي Rabbi David Kimchi (القرن الثالث عشر)، يقول [هناك من يفسّر هذا الجزء “قَامَ مُلُوكُ الأَرْضِ، وَتَآمَرَ الرُّؤَسَاءُ مَعًا عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ” عن جوج وماجوج، أما “مسيحه” فهو المسيا الملك. أما عن قوله “قبلوا الابن” فلكي يخضعوا للمسيا. هذا هو تفسير معلمينا الكبار Rabbis، مبارك هو ذكرهم] Midrash on Psalms – Rich Robinson , Vol2, P.121 – (London).
8 –كتاب Yalkut (القرن الثالث عشر)، تعليقه على هذا المزمور يُشابه إلى حد كبير مدراش على سفر المزامير، حيث ورد في الكتاب الآتي […”إِنِّي أُخْبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ الرَّبِّ: قَالَ لِي: «أَنْتَ ابْنِي”. رابي حُنا Rabbi Huna قال بالنيابة عن رابي عيدي Rabbi Idi، قُسّمت الآلام إلى ثلاثة أقسام، واحدة منها من نصيب المسيا الملك، عندما تأتي ساعته، فالقدوس – مبارك هو – سيقول: ها أنا أصنع عهداً جديداً معه، ولهذا قال له “أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ”. أما قوله “تُحَطِّمُهُمْ بِقَضِيبٍ مِنْ حَدِيدٍ” الآية 9 فهذا هو المسيا ابن يوسف] “Yalkut”, Section 621 A.Lukym Willians – Vol2, P.122 (London).
” أَنْتَ ابْنِي….قَبِّلُوا الابْنَ “
من بين الاسماء التي أُعطيت للمسيا لقب (ابن الله). وهذا اللقب طُبق على المسيا في هذا المزمور مرتين:
هذا المسيا، الذي يجلس ملكاً على أورشليم، وملكه يمتد إلى أقاصي المسكونة، هو فريد من نوعه، إنه ابن الله، وهذا اللقب يختلف كل الاختلاف عن التعبير (أبناء الله) التي تُعبر إما عن الملائكة أو أبناء الله من البشر بالمعنى الروحي… الفرق هو: أن التعبير (ابن الله) في صيغة المُفرد، تُستعمل دائماً – وفقط – للتعبير عن المسيا. أما التعبير أبناء الله فهي دائماً تأتي في صيغة الجمع لتعبّر عن الملائكة أو أبناء الله من البشر، وهي لا تأتي أبداً في صيغة المفرد.
ومن جهة أخرى، فالمتكلم هنا هو الابن (المسيا)، حيث يقول “قَالَ (الله) لِي: أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ” … إن الجزء الأول من هذه الآية يُشير إلى بنوة المسيح الأزلية، بنوته في اللاهوت أزلياً قبل الزمان “أَنْتَ ابْنِي”، بينما الجزء الثاني “أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ” فهو يُشير إلى ولادته من العذراء مريم في ملء الزمان (غلاطية 4: 4)… وإلا لجاء الترتيب عكسياً وقال “أنا اليوم ولدتك. فأنت ابني”.
وكلمة الابن التي وردت في هذا المزمور مرتين، فقد استخدم الوحي الإلهي كلمتين مختلفتين، وكليهما بمعنى الابن:
في الآية 7 “أَنْتَ ابْنِي” أُستعملت الكلمة العبرية “בן ب ن” مثل: يشوع بن نون – داود بن يسّى… إلخ
في الآية 12 “قَبِّلُوا الابْنَ ” أُستعملت الكلمة الآرمية “בר ب ر” مثل يوسف بار سابا (أي يوسف ابن سابا) أعمال 1: 12 – يهوذا بار سابا (أي يهوذا ابن سابا) أعمال 15: 21- بارنابا (أي ابن الوعظ) أع 11 :22 – بار يشوع (أي ابن يشوع) أعمال 13: 6-8
والشيء الجميل أن التعبير الأول “أَنْتَ ابْنِي” وردت بالعبرية، لأن المسيح في مجيئه الأول وُلد تحت الناموس وجاء أساساً ليفتدي الذين هم تحت الناموس أي اليهود. أما في المرة الثانية “قَبِّلُوا الابْنَ” يرد اللفظ الآرامي الشائع بين الأمم، لأن المطلوب الآن من كل الشر – يهوداً وأمماً – أن يقبّلوا الابن، أي يتصالحوا مع الله الابن يسوع المسيح. ويُمكن القول أيضاً إن المرنم استخدم اللغة العبرية، لغة الوحي في الحديث عن البنوة في اللاهوت، بينما استخدم المرنم اللغة الآرامية، لغة الأمم للتعبير عن البنوة. كما سيراها العالم عندما يظهر المسيح بالجسد.
ونُلاحظ أن هذه الآية “أَنْتَ ابْنِي”، لا تُعلّم بأن الله جعل المسيا ابنه، ولا تقول إنه صار ابناً عندما تجسد… حاشا! فهو الابن الأزلي. ولقد اقتبس بولس الرسول هذه الآية ثلاث مرات، للتعبير عن شخص الرب يسوع:
وهنا يبين بولس الرسول، بكل وضوح، سمو السيد المسيح وتفوقه عن الملائكة. نعم أي ملاك قيل له بصيغة المفرد “أنت ابني”!! وهذا من أقوى الأدلة على مساواة الابن للآب.
كذلك قول المزمور “أَمَّا أَنَا فَقَدْ مَسَحْتُ مَلِكِي عَلَى صِهْيَوْنَ جَبَلِ قُدْسِي.” الآية 6 بمعنى أقمت أو عيّنت…. لاحظ الفرق بين القولين: لكن لا يقول – قط – إنه قد عيّن ابنه أو أقام ابنه، ذلك لأنه هو الابن الأزلي… إن التعبير (الملك) يوضح لنا ما هو المسيح، بينما التعبير (الابن) يُوضح لنا من هو المسيح في ذاته. الأولى تحدثنا عن مجده الوظيفي كملك، اما الثانية فتحدثنا عن مجده الشخصي كابن.
ونلاحظ أن المسيح دُعي ليكون رئيس كهنة (عبرانيين 5: 4)، والله جعله “رَأْسًا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ” أفسس 1: 22، هذه كلها وغيرها أمجاد وظيفية للمسيح، لكننا لا نجد ولا مرة أن الله دعاه ليكون ابنه، أو أنه جعله ابناً له. فما أريد أن أُوصله إلى القارئ العزيز، أن البنوة ليست وظيفة. من كل ما سبق نخلُص إلى أنه كما أن الآب هو أزلي، فهكذا الابن الوحيد هو الابن من الأزل.
تفسير الرابيين لكلمة “ابن”
“قَبِّلُوا الابْنَ”، بعض الرابيين، اعترضوا على الكلمة الآرمية ” בר بَ ر”، والتي تُترجم إلى العربية ابن، وقالوا أنها لا تعني ابن. وحجتهم في ذلك تعتمد على نقطتين:
1 – يقولون لماذا كل المزمور كُتب باللغة العبرية، ما عدا هذه الكلمة كُتبت بالآرامية.
2 – كلمة “בר” تعني نقاوة أو طهارة أكثر مما تعني ابن، حيث يُمكن أن تكون الكلمة عبرية وليست آرامية.
وللرد على هذين الادعائين، نقول:
1 – الترجمة السبعينية: Septuagint
تمت هذه الترجمة في عهد بطليموس فيلادلفوس ( 285- 246 ق.م.)، فقد تُرجمت الأسفار المقدسة للعهد القديم من اللغة الأصلية العبرية إلى اللغة اليونانية… أي كانت قبل ظهور السيد المسيح بحوالي 300 سنة. وقد ترجم علماء اليهود بالاجماع هذا المزمور “قَبِّلُوا الابْنَ” واعتمدت الترجمة باليونانية هكذا، ومنها تمت الترجمة بكل اللغات: ففي العربي: قَبِّلُوا الابْنَ – وفي الإنجليزية “Kiss the son” – وفي الألمانية “KuBt dem Sohn “. فليس لهؤلاء الرابيين أية حجة في أن يتهموا بأن هذه الترجمة هي من عندياتهم… أين كانوا هؤلاء الرافضون طوال هذه القرون.
2 – رابي ابن عزرا: Rabbi Ibn Ezra ראב”ע (القرن الثاني عشر):
يقول [… أنا أرفض قبول إمكانية أن تكون كلمة בר تعني نقاوة أو طهارة، ولكن أميل إلى الترجمة التي اعتمدها مُعلمونا الكبار Rabbis، على كونها تعني الابن.. وهذا يتفق مع سياق الحديث، حيث أنها تعود على الشخص الممسوح المذكور في الآية الثانية، والابن المذكور في الآية السابقة أنت ابني] J. SarachekK “The Doctrine of the Messiah in Mediebal
Jewish Literature” (New York: Harmon Perss, 1968).
3 – رابي دافيد كمحي: Rabbi David Kimchi (القرن الثالث عشر):
يقول [الكلمة בר هي شائعة الاستعمال بين الشعب اليهودي، رغم أنها آرامية، إلا أنها على قدم المساواة مع الكلمة (בן ب ن) وكليهما بمعنى ابن. وذلك كما ورد في سفر الأمثال “مَاذَا يَا ابْنِي؟ ثُمَّ مَاذَا يَا ابْنَ رَحِمِي؟ ثُمَّ مَاذَا يَا ابْنَ نُذُورِي؟” أمثال 31: 2. وعلى ذلك فالقراءة قبّلوا الابن يكون معناها مقبولاً، إذ يُقصد بها: قبّلوا الابن الذي دعاه الله ابن في قوله (أنت ابني)، أما الفعل قبّلوا فينبغي أن يُشرح على خلفية العادة الشائعة، في تقبيل العبيد ليد سادتهم أو التلميذ ليد مُعلمه.
لكن إذا أخذنا القراءة بمعنى نقاوة فهذا يعني: ماذا ينبغي أن أفعل معك؟ لأني نقي ، وليس فيّ جور أو ظلم حتى تأتي وتقاومني، ولكن هذا نصيبك أن تُقبلني وتعترف بأني الملك بقضاء إلهي. ولكن المعنى الأول أوقع]: “The Book of Psalms” A New Translation with Introductions (Grand Rapids: Zondervan, 1975) P.119 -120
4 – ترجمة Isaac Lesser: (القرن التاسع عشر):
ترجم Isaac Lesser 24 سفراً من أسفار العهد القديم، مع هوامش…. تُعتبر ترجمته من أدق الترجمات التي اعتمدها كبار علماء اليهود في هذا القرن. وفي هوامشه استعان بالمفسرين المعتبرين أعمدة تفسير العهد القديم لعلماء يهود. وكانت تعتبر معيار يُقاس عليها أي ترجمة أخرى منذ 1845 ميلادية، حتى ظهرت ترجمة أخرى سنة 1917 ميلادية. وفي مقدمة الترجمة التي وضعها Isaac Lesser كتبت دار النشر التي تولت إعادة طباعة الترجمة: (Now York Hebrew Publishing Company): Leeser’s Translation Was The standard American Jish translation from 1845 until the Jewish Publication Society translation of 1917.
هذا ولقد ترجم Leeser، الآية 12 من المزمور الثاني قبلّوا الابن Kiss the son
5 – بروفيسور Willen A. Van Gemeren، أستاذ العهد القديم:
(Professor of old Testament and Chairman, Dept. of O.T. studies Reformed Theological Seminary)
يقول [أنا أنحاز للترجمة التقليدية (الابن)… فمن سياق الحدث في المزمور (الخضوع للرب وللشخص الممسوح)، فإن الرأي بأن الترجمة “قَبِّلُوا الابْنَ لِئَلاَّ ….” هي أكثر واقعية في إنسجام المعنى، مما لو تُرجمت (نقي). ويبدو ا، المرنم قد استخدم الكلمة الآرامية בר بَ ر عمداً كونها موجهة مباشرة إلى الأمم الأجنبية الأخرى. هذا بالإضافة إلى أن استعمال المرنم בר (وتنطق bar penK، أي كلمة الابن بالآرامية + كلمة خشية أو لئلا) ليتفادى عدم انسجام النغم الشعري، لو قال בן (وتنطق ben pen أي كلمة الابن بالعبرية + كلمة خشية أو لئلا)]، “In the Expositor’s Bible Commentary” Frank E. Gaebelein, Vol.5 (Grand Rapids: Zondervan, 1991),p.72.
6 – كتاب “Zohar“:
يقول […. إنه الابن، الذي كُتب عنه “قَبِّلُوا الابْنَ”، “أنت ابني” و”الراعي الصالح”. وقد قال من أجله “قَبِّلُوا الابْنَ” لأنك أنت هو حاكم المسكونة، رأس إسرائيل، سيد الملائكة المُرسلة، ابن العلي، ابن القدوس والمبارك والمجد العظيم Shechinah].
الأسئلة الأربعة الأُول، هي أسئلة تُطرح لمجرد جذب الانتباه والتأثير في النفوس، لا ابتغاء الحصول على إجابة. وإجابة هذه الأسئلة واضحة، حيث أن الله وحده هو القادر لإنجاز هذه الأشياء. السؤال الخامس، سهل أيضاً، حيث أن اسم الله قد كُشف للناس في أسفار موسى، وقبل أن يُكتب سفر الأمثال بفترة طويلة. اسم الله هو “يهوه יהוה ي ه و ه” ومعناه “أنا هو الكائن والذي كان – أنا هو”.
حيث جاء في سفر الخروج “فَقَالَ مُوسَى للهِ: «هَا أَنَا آتِي إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَقُولُ لَهُمْ: إِلهُ آبَائِكُمْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. فَإِذَا قَالُوا لِي: مَا اسْمُهُ؟ فَمَاذَا أَقُولُ لَهُمْ؟» فَقَالَ اللهُ لِمُوسَى: «أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ». وَقَالَ: «هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَهْيَهْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ». وَقَالَ اللهُ أَيْضًا لِمُوسَى: «هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: يَهْوَهْ إِلهُ آبَائِكُمْ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. هذَا اسْمِي إِلَى الأَبَدِ وَهذَا ذِكْرِي إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ. ” خروج 3: 13-15. (راجع رؤيا 1: 4-8/ 4: 8/ 11: 17/ 16: 5). وفي الترجمات الحديثة سواء العربية أو الإنجليزية تُرجمت “يهوه” ب “الرب”، “Lord”.
أما السؤال السادس، والذي هو في الحقيقة عسير على اليهود في هذا العصر أن يعرفوا الإجابة عليه “ما اسم ابنه؟”. هذا ولقد أخبرتنا الأسفار المقدسة في العهد القديم مسبقاً أن لله ابناً. وقد ورد ذلك صراحة مرتين، في المزمور الثاني، وفي هذه النبوة من سفر الأمثال. وقد تعرّفنا على أسماء عديدة للمسيا، كنا قد درسناها من قبل في العديد من النبوات مثل : عمانوئيل – الرب برّنا – الغصن – … إلخ.
هذا وقد كشف لنا العهد الجديد صراحة عن اسم ابن الله، وهو يسوع “وتدعو اسمه يسوع. لأنه يُخلص شعبه من خطاياهم” متى 1: 21. وقد جاهر بطرس الرسول باسمه قائلاً: “يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ، الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمُ، الَّذِي أَقَامَهُ اللهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، بِذَاكَ وَقَفَ هذَا أَمَامَكُمْ صَحِيحًا. هذَا هُوَ: الْحَجَرُ الَّذِي احْتَقَرْتُمُوهُ أَيُّهَا الْبَنَّاؤُونَ، الَّذِي صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ. وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ”. أعمال 4: 10-12.
نبوات المسيح في سفر المزامير – القمص روفائيل البرموسي