من هم الانبياء الأربعة الكبار ولهم اسفار بأسمائهم في العهد القديم؟

من هم الانبياء الأربعة الكبار ولهم اسفار بأسمائهم في العهد القديم؟

من هم الانبياء الأربعة الكبار ولهم اسفار بأسمائهم في العهد القديم؟

يُطلق لقب “الأنبياء الأربعة الكبار” على أربعة من أنبياء العهد القديم، لهم مكانة مرموقة في الديانة اليهودية والمسيحية، وتتميز نبوءاتهم بطولها وعمقها وتناولها لمصائر شعب إسرائيل والعلاقة بين الله والإنسان.

وهم:

  1. إشعياء: يُعدّ من أهم أنبياء العهد القديم، وله سفر نبوءات مشهور باسم “سفر إشعياء” عاصر ملوك مملكة يهوذا عوزيا وآحاز وحزقيا، ونادى بعودة الشعب إلى الله والتمسك بتعاليمه.
  2. إرميا: عاصر نبوءته انهيار مملكة يهودا على يد البابليين، ونادى بالعدالة والرحمة والعودة إلى الله. له سفر نبوءات مشهور باسم “سفر إرميا”.
  3. حزقيال: عاصر السبي البابلي، ونادى بوعده الله بإعادة بناء أورشليم وعودة شعب إسرائيل إلى أرضه. له سفر نبوءات مشهور باسم “سفر حزقيال”.
  4. دانيال: عاش في المنفى في بابل، ونادى بوعده إلهية بقيام مملكة يهودية جديدة. له سفر نبوءات مشهور باسم “سفر دانيال”.

من هم الانبياء الأربعة الكبار ولهم اسفار بأسمائهم في العهد القديم؟

ماذا قال اليهود عن أشعياء 53 والمسيح؟ صموئيل رولز – أدولف نيوبؤور – ترجمة: بيشوي طلعت

ماذا قال اليهود عن أشعياء 53 والمسيح؟ صموئيل رولز – أدولف نيوبؤور – ترجمة: بيشوي طلعت

ماذا قال اليهود عن أشعياء 53 والمسيح؟ صموئيل رولز – أدولف نيوبؤور – ترجمة: بيشوي طلعت

كلنا نعلم عزيزي القارئ ان الاصحاح الثالث والخمسون من كتاب اشعياء النبي نبوة واضحة جدا عن المسيح تكفيرا عن الخطايا على سبيل ما ذكر في النبوة.

 

لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولًا.” (إش 53: 4) وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا.” (إش 53: 5).

 

فالتفسير المسيحي لها انها عن صلب المسيح بلا شك ولكن يأتي السؤال الأهم هنا كيف فسرها اليهود أنفسهم؟ في الواقع يحاول اليهود بشتى الطرق التشويش على نبوات المسيح في العهد القديم عن طريق أساليب تفاسير ملتوية.

 

في الواقع، في العصور الوسطى وما بعدها، لعب إشعياء 53 دورًا رئيسيًا في كل من الدفاعيات والجدل اليهودي والمسيحي. ركز معظم هذا النقاش على ما إذا كان الخادم هو إسرائيل أم المسيح. لقد رأينا بالفعل أنه يمكن العثور على التفسير الذي يقول اسرائيل في أوقات سابقة جنبًا إلى جنب مع التفسير الذي يقول المسيح.

 

لكن في العصور الوسطى، جعل راشي وابن عزرا وديفيد كمحي (المعروف باسمه المختصر راداك) التفسير الذي يقول اسرائيل “سريع الانتشار” في القرن الحادي عشر وما تلاه اليوم هذا هو التفسير المعتاد داخل المجتمع اليهودي المتدين. يشير جويل رمباوم إلى هذا التحول في تركيز التفسير اليهودي[1].

 

ولكن امام تلك النبوة القوية جدا لم يستطع اليهود ان يلوا النص ويغيروا المقصد منه فهناك الكثير من اليهود فسروها على انها على المسيح المنتظر كما سوف نرى في النصوص الاتية من هذا المقال لذلك حتى لا تطيل المقدمة لنبدأ في عرض الإثبات.

 

أول شيء ترجوم يوناثان [2] يقول الترجوم:

هوذا عبدي المسيح ينجح. يكون عاليا وينمو ويكون قويا جدا: كما نظر إليه بيت إسرائيل في أيام كثيرة.

 

ثانيا التلمود [3] يقول:

المسيح ما اسمه؟ يقول الحاخامات هو اسمه، كما جاء في قوله: إن أمراضنا تحملها وآلامنا تحملها. لكننا حسبناه مجروحًا ومضروبًا من الله ومذللاً.

 

ثالثا المدراش [4] يقول:

الملك المسيا: تعال الى هنا اقترب الى العرش. ويأكلون من الخبز أي خبز الملكوت. واغمس لقمتك في الخل فهذا يشير إلى التأديبيات، كما يقال: ولكنه جرح من أجل تعدينا، مجروحًا من أجل آثامنا

 

ويقول في مكان آخر:

يشير إلى المسيا بن داود، كما هو مكتوب، انظروا الرجل الذي اسمه الفرع؛ حيث يفسر يوناثان، هوذا الرجل المسيح؛ فيقال: رجل أوجاع.

 

ويقول في اقتباس قوي:

أخرج القدوس روح المسيح وقال له. هل أنت على استعداد لأن تخلق وتخلص أبنائي بعد 6000 سنة؟ فقال انا. أجاب الله، إذا كان الأمر كذلك، فعليك أن تأخذ على نفسك التأديبات لتزيل إثمهم، كما هو مكتوب، حقاً أمراضنا حملها أجاب المسيح، سوف آخذهم بفرح.

6000 سنة من الخلق

وهنا نجد اقتباس خطير للمدراش يؤكد انه بعد 6000 سنة من الخلق أي إذا حسبنها حسب سجل انساب الكتاب المقدس يكون في يسوع المسيح الذي حمل أوجاعنا.

 

رابعا أسرار الحاخام سيمون بن يوهاي [5]:

سوف يموت إسيا بن أفرايم، وينوح عليه إسرائيل. وبعد ذلك سيعلن لهم القدوس المسيح ابن داود الذي سيرغب إسرائيل في رجمه قائلاً. انت تتكلم كذبا. لقد قُتل المسيح بالفعل، وليس هناك مسيح آخر يقوم وهكذا سيحتقرونه، كما هو مكتوب، محتقر من الناس.

 

خامسا يقول ابن عزرا [6]:

لكن الكثيرين قد شرحوا ذلك عن المسيح، لأن حاخاماتنا قالوا – أنه في اليوم الذي خرب فيه الحرم، المسيح المنتظر ولد.

 

ويقول الحاخام يعقوب بن روبن [7]:

ويتشفع في سبيل المذنبين. لديك في هذه الآيات، من الرسالة الأولى إلى الرسالة الأخيرة، دليل واضح وبراءة اختراع مثل ظهر اليوم على أن ما نؤكده بشأن مسيحنا لا جدال فيه؛ لا داعي إذن لقول المزيد، وشرح كيف تكشف كل آية منفصلة عن بعض الغموض في حياته، وتعلن بوضوح جميع الأعمال الرئيسية التي قام بها، أو كيف لم تسقط كلمة واحدة على أساس كل الشهادة التي قدمها النبي.

 

في الواقع يكفي ما قدم هنا من شهادة هناك المزيد ولكننا يكفي ما كتب وتحديدا شهادة ابن عزرا الذي قال ان كثير من الحاخامات فسروها على أنها تتكلم عن المسيح.

 

له المجد الدائم أمين.

 

المصدر المستخدم:

The Fifty-third chapter of Isaiah according to the Jewish interpreters by Neubauer, Adolf Driver, S. R. (Samuel Rolles), P. 1877.

 

[1] Joel E. Rembaum, “The Development of a Jewish Exegetical Tradition Regarding Isaiah 53,” Harvard Theological Review, July 1982, 292.

[2] يعد ترجوم يوناثان أحد أهم مصادرنا لفهم كيفية قراءة اليهود للكتاب المقدس العبري وتفسيره واستخدامه في أواخر العصور القديمة وفي الأجيال اللاحقة: تم الاستشهاد به على نطاق واسع في الأدب الحاخامي والمعلقين في العصور الوسطى (راشد، كيمحي، إلخ) واستمر في لعب دور في ليتورجيا الكنيس والدراسة.

من خلال دراسة مفصلة لمخطوطات القرون الوسطى الباقية من Targum Samuel والتي تم إنتاجها في وحول إيطاليا وفرنسا وألمانيا وإنجلترا، يشرح هذا الكتاب كيف ولماذا تغير نص ترجوم يوناثان بمرور الوقت. يستكشف علاقة هذه المخطوطات بالترجمات القديمة للكتاب المقدس العبري (مثل السبعينية، فولجاتا، بيشيتا).

The Transmission of Targum Jonathan in the West: A Study of Italian and Ashkenazi Manuscripts of the Targum to Samuel.

[3] اسم عبري معناه “تعليم”. يقسم هذا الكتاب إلى قسمين “المشنة” وهو الموضوع و”الجمارة” وهي التفسير. فالمشنة “التكرار” عبارة عن مجموعة من تقاليد اليهود المختلفة مع بعض الآيات من الكتاب المقدس. واليهود يزعمون بأن هذه التقاليد أعطيت لموسى حين كان على الجبل ثم تداولها هرون واليعازر ويشوع وسلموها للأنبياء، ثم انتقلت عن الأنبياء إلى أعضاء المجمع العظيم وخلفائهم حتى القرن الثاني بعد المسيح حينما جمعها الحاخام يهوذا وكتبها. ومن ثم صار هذا الشخص يعتبر عندهم جامعًا للمشنة والجمارة “التعليم” وهي مجموعة من المناظرات والتعاليم والتفاسير التي جرت في المدارس العالية بعد انتهاء المشنة.

والتفاسير المسطرة مع المشنة نوعان يعرف أولهما بلتمود أورشليم وقد كتب بين القرن الثالث والخامس والذين كتبوه هم حاخمو طبرية، ويعرف الثاني بتلمود بابل وقد كتب في القرن الخامس. والتلمود يساعدنا كثيرًا فينا كثيرًا في درس تعاليم المسيح فإنه يفسر بعض الإشارات والاستعارات الموجودة فيها، مثلًا غسل الأيدي وقال المسيح للفريسيين أنهم يبطلون كلام الله بتقليدهم (مر 7: 1 – 13) (راجع دائرة المعارف الكتابية –تلمود).

[4] هي سلسلة مجموعة من التعليقات القديمة على كل أجزاء التناخ بتنظيم وتقسيم مختلفين من مجموعة إلى أخرى فكل جزء من كتاب في المدراش يمكن أن يكون قصيرا جدا وبعضه يصل في القصر إلى كلمات قليلة أو جملة واحدة ويوجد بعض من أجزاء من المدراش في التلمود

https://www.dictionary.com/browse/midrash

[5] أسرار الحاخام سيمون بن يوهاي هي نهاية العالم اليهودية في منتصف القرن الثامن، والتي تقدم تفسيرًا يهوديًا مسيانيًا.

Nistarot (Secrets of) R. Shimon b. Yohai

[6] الحاخام إبراهيم بن مئير ابن عزرا (بالعبرية: אברהם בן מאיר אבן עזרא، يعرف أيضا فقط بابن عزرا وباللغات الأوروبية يعرف بأبنيزرا – Abenezra)، عاش ما بين 1092 م و1167 م وهو واحد من أكثر علماء اليهود وأدبائهم شهرة في العصور الوسطى.

[7] ان يعقوب بن روبن حاخامًا إسبانيًا ومُجادلًا من القرن الثاني عشر.

ماذا قال اليهود عن أشعياء 53 والمسيح؟ صموئيل رولز – أدولف نيوبؤور – ترجمة: بيشوي طلعت

هل نبوة أشعياء 53 عن المسيح ملفقة؟ الجزء الأول – توماس رفعت

هل نبوة أشعياء 53 عن المسيح ملفقة؟ الجزء الأول – توماس رفعت

هل نبوة أشعياء 53 عن المسيح ملفقة؟ الجزء الأول – توماس رفعت

الجزء الثاني: هل أشعياء 53 ملفق؟ – الجزء الثاني – توماس رفعت

يعتبر هذا الأصحاح من اهم الأصحاحات التي نعتمد عليها كمسيحيين كنبوءة عن آلام رب المجد وصلبه وموته وقيامته، ولأنه يضع جميع المعترضين في موضع إحراج، إذ هم لا يقدرون أن يتهموا أحد بتحريفه فمن يتهموه هل هم اليهود ام نحن المسيحيين؟

 

فان قالوا المسيحيين فكيف يكون هذا وهذا الأصحاح هو عند اليهود أصلا فكيف نحرف سفر يهودي، وهل كان اليهود سيرضون بهذا؟؟ وأيضًا هذا الأصحاح موجود فمخطوطات قديمة قبل المسيحية. وان قالوا اليهود فكيف اليهود يألفون اصحاح يساعد العقيدة المسيحية الذين هم لا يؤمنون بها أصلا.

لذلك لجا المعترضون إلى القول انه الأصحاح حقيقي وليس محرف ولكنه لا ينطبق على المسيح بل على شعب إسرائيل!!!، فهل يصمد ادعاهم أمّام صلابة هذا الأصحاح الذي كل كلمة تنطبق على الرب يسوع.

 

والان سنعرض اهم الاعتراضات التي قدمها المشككون

  1. هل مفسرين اليهود لم يقولوا أبدًا انه هذا الأصحاح عن المسيا.
  2. هل تعبير عبدي لا ينطبق على المسيح.
  3. هل تعبير ظلم فلم يفتح فاه لا تنطبق على المسيح.
  4. هل آية جعل قبره مع أشرار ومع الغنى لا تنطبق على المسيح.
  5. هل تعبير جعل نفسه ذبيحة أثم محرف.
  6. هل تعبير يرى نسلا تطول ايامه ينطبق على اليهود المسبيين.
  7. إثبات انه أشعياء 53 عن المسيح.

 

أولا: هل مفسرين اليهود لم يقولوا أبدًا انه هذا الأصحاح عن المسيا؟

يقول المعترض انه: الأصحاح يتحدث بنظرة شاملة مجازية مجسمة عن شعب إسرائيل، وسبيه، وذلته، ثم نجاته. وهذا هو مفهوم النص عند اليهود وهم أصحاب الكتاب الأصليين. فهل كلام المعترض صحيح وانه لم يفسر أحد اليهود هذا الأصحاح انه عن المسيا المنتظر.

 

الرد:

فالحقيقة هذا أكبر كذب، بل انه أقدم تفسير لهذا الأصحاح كان انه عن المسيا، أمّا التفسير انه عن شعب إسرائيل قد جاء حديثا

فمثلا التلمود البابلى

Babylonian Talmud: Tractate Sanhedrin: Folio 98a Verse 25 and 30

ما اسمه (اسم المسيح)

قال الحاخامات: اسمه العالم الأبرص كما هو مكتوب: أحزننا أحزاننا، وحمل أحزاننا، ومع ذلك فقد قدرنا له أبرص مغرمًا من الله ومصابًا.

https://halakhah.com/sanhedrin/sanhedrin_98.html

Midrash Rabbah on Chapter2 of book of Ruth: Page11

هل نبوة أشعياء 53 عن المسيح ملفقة؟ – توماس رفعت

وأيضًا في أحد التفاسير اليهود الأصحاح الثاني لراعوث عدد 14

راعوث 2: 14

قَالَ لَهَا بُوعَزُ: «عِنْدَ وَقْتِ الأَكْلِ تَقَدَّمِي إلى هَهُنَا وَكُلِي مِنَ الْخُبْزِ وَاغْمِسِي لُقْمَتَكِ فِي الْخَلِّ

هل نبوة أشعياء 53 عن المسيح ملفقة؟ – توماس رفعت

هذه التأويل يجعلها تعود إلى المسيا

تغمسي لقمتك في الخل تشير إلى الآمه حيث قيل (لكنه جرح بسبب معاصينا) (اش53: 5) وأخيرا أذكر قول الرابي موسى (1508-1600).

 

Our Rabbis with one voice accept and affirm the opinion that the prophet is speaking of the Messiah، and we shall ourselves also adhere to the same view.

حاخاماتنا بصوت واحد يقبلون ويؤكدون الرأي القائل بأن النبي يتحدث عن المسيا، وسنلتزم نحن أيضًا بنفس الرأي.

 

ثانيا: هل تعبير عبدي لا ينطبق على المسيح

 

يقوا المعترض:

بحسب الأصحاح فان الذي حمل الخطايا هو عبد من عباد الله (عبدي البار يبرر بمعرفته كثيرين وإثمهم هو يحملها)، وهذا يخالف عقيدة المسيحيون في الصلب والفداء، فهم يقولون انه الفادي هو الله لانه الوحيد القادر على حمل خطايا البشر، وبالتالي تمسكهم بهذا الأصحاح، سيلزمهم بان يكون الفادي الذي حمل الخطايا هو عبد الله وليس ابنا لله وهو ما ينسف التجسد والكفارة، وأيضًا لقب عبدي لم يطلق فقط إلا عن شعب إسرائيل فبالتالي هي نبوءة عن إسرائيل.

 

الرد

المعترض فالحقيقة لا يفهم حتى أساسيات العقيدة المسيحية، فنحن نؤمن انه المسيح هو الله بلاهوته، ولكنه له طبيعة إنسانية كاملة، فالمسيح عندما تجسد أخذ صورة العبد وطبيعته كامله، فعندما يتحدث الأصحاح عن العبد المتألم، فهو يتحدث عن المسيح الذي تألم بالطبيعة البشرية، ولكن حتى لاهوت المسيح ظاهر في ذلك الأصحاح وسنوضحها فيما بعد.

 

النبوءة

عبدي البار يبرر بمعرفته كثيرين وآثامهم هو يحملها.

 

التحقيق

الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ

 

ويأتي المعترض ويقول انه عبدي لم تستخدم إلا مع يعقوب ويعتمد على:

سفر أرميا 30: 10

أمّا أَنْتَ يَا عَبْدِي يَعْقُوبَ فَلاَ تَخَفْ يَقُولُ الرَّبُّ وَلاَ تَرْتَعِبْ يَا إسرائيل لأَنِّي هَئَنَذَا أُخَلِّصُكَ مِنْ بَعِيدٍ وَنَسْلَكَ مِنْ أَرْضِ سَبْيِهِ فَيَرْجِعُ يَعْقُوبُ وَيَطْمَئِنُّ وَيَسْتَرِيحُ وَلاَ مُزْعِجَ.

 

والحقيقة هذا خطا كبير لانه المعترض لم يقرا مثلا:

 سفر حزقيال 37: 24

وَدَاوُدُ عَبْدِي يَكُونُ مَلِكاً عَلَيْهِمْ، وَيَكُونُ لِجَمِيعِهِمْ رَاعٍ وَاحِدٌ

 

والمعروف انه داود الملك مات قبل حزقيال بكثير فمن هو المذكور في العدد وقيل عنه داود العبد. لنرى تفسير يهودي على ذلك الأصحاح:

Rabbi Dr Gidon Rothstein on Ezekiel chapter 37

هل نبوة أشعياء 53 عن المسيح ملفقة؟ – توماس رفعت

داود (يعني المسيا، من نسل الملك داود) سيحكم عليهم ويرعاهم. سيبقى الشعب وذريتهم آمنين في الأرض إلى الأبد.

 

ثالثا: هل تعبير ظلم فلم يفتح فاه لا تنطبق على المسيح

ان هذا النص لا ينطبق أيضًا عن المسيح فالمسيح لم يصمت كما يقول النص بل تكلم بحسب الانجيل فإن المسيح كان يصيح بأعلى صوته وهو على الصليب إلهي إلهي لماذا تركتني!! متى 27: 46 وكان قبل ذلك يصلي لله قائلاً: ((إن أمكن يا ابي فلتعبر عني هذه الكأس.)) متى 26: 39.

 

ان الادعاء بأن المسيح كان صامتاً لم يفتح فاه عندما واجه المحاكمة والتعذيب ادعاء مردود بقراءة الآتي من نصوص الأناجيل. لقد سأل بيلاطس يسوع: ((أنت ملك اليهود. أجابه يسوع.. مملكتى ليست من هذا العالم. يوحنا 18: 33 وعند مثوله أمّام رئيس الكهنة تكلم مع الحارس الذي ضربه إن كنت قد تكلمت ردياً فاشهد على الردى وإن حسنا فلماذا تضربني؟ يوحنا 18: 23 وبالتالي فالنص لا ينطبق على يسوع.

 

الرد

المعترض هنا يحاول إخفاء المواقف التي لها علاقة مباشرة بالنبوءة، ويذكر أمور أخرى ليس لها أي علاقة، لكن لو افترضنا جدلا انه النبوءه تعنى انه هذا الشخص لم يتكلم على الإطلاق، هل شعب إسرائيل أيضًا طيلة فترة السبي ال 160 عامًا لم يتكلم على الإطلاق، أهذا كلام معقول؟

 

لنقرا الآية جيدا (ظلم فتذلل ولم يفتح فاه) وهذا يعني انه لم يفتح فاه على الظلم فقط، فالحقيقة التي تنكشف لنا بوضوح أن المسيح كان صامتاً كما لم يعط جوابا، على أي تهمة واحدة، ولم يقل شيئا على أي شهادة زور قيلت عنه مثل هدم الهيكل، حينما حوكم في السنهدريم حينما تقدم شهود زور يتهمونه، واتهموه أمّام بيلاطسً، وأمّام هيرودس.

 

ولكن حينما جاء دور يسوع في الدفاع عن نفسه ضد هذا الظلم لم يقل شيئا، أمّا إجابات يسوع الأخرى مثال بيلاطس أو عندما رد على الحارس الذي ضربه (إن كنت قد تكلمت ردياً فاشهد على الردى) فهى لم تكن إجابات على تهمة أو شهادة زور وجهت عليه، وجدير بنا انه ولا واحده من تلك التصريحات قالها يسوع في محاكمة رسمية فكلام يسوع مع الحارس أثناء مثوله أمّام حنان حمى قيافا في منزله الذي كان عبارة عن مجرد تحقيق وسال فقط المسيح عن تعاليمه، ولم يصدر فيها أي حكم.

لكن في المحاكمة الرسمية أمّام السنهدريم، عندما اتهم بالزور وجاء دوره فالدفاع عن نفسه لم يعترض ولم يرد، ولكنه رد على السنهدريم عندما سألوه هل هو المسيح، لانها لم تكن تهمة بل هي حقيقته، فحكموا عليه بالموت ولم يعترض وكلامه مع بيلاطس (مملكتي ليست من هذا العالم) كانت محادثة خاصة في منزل بيلاطس وليست أمّام محكمة وشهود، ولكن عندما اتهمه اليهود أمّام بيلاطس لم يرد يسوع، وبالمثل هيرودس الذي رفض أن يحكم عليه بالموت، وأرجعه لبيلاطس فحكم هو بموته، ولم يرد يسوع على أي شهادة زور.

 

وبالمثل كلامه في البستان: ((إن أمكن يا ابي فلتعبر عني هذه الكأس)) كان في البستان وليست أمّام محاكمة رسمية قد تصدر عليه حكم بموت أو بسجن، والنبوءة تتكلم عن موقفين ذكرنا الأول، والان نرد على الثاني، تعبير وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أمّامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاه، والجازي هو الشخص الذي يجز فروة الخروف، والمسيح عندما جلد وجرح ثم (وَأَلْبَسُوهُ ثِيَابَهُ، وَمَضَوْا بِهِ لِلصَّلْبِ) فلابد انه تلك الجراح التصقت فبملابس المسيح، فأصبحت هذه الثياب في مناطق الجروح جزء من الجلد. عندما قام الجنود بنزع الثياب، فهم كما لو كانوا يقطعوا ويمزقوا ويسلخوا أجزاء من جلده، وقد انفتحت تلك الجراح مرة أخرى هذا يوضح الم الرب ولم يفتح فاه ويعترض ولم يقل شيئا.

 

النبوءة

ظُلِمَ أمّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاه

التحقيق

 

مجمع السنهدريم:

وَمَعَ أَنَّهُ جَاءَ شُهُودُ زُورٍ كَثِيرُونَ، لَمْ يَجِدُوا. وَلَكِنْ أَخِيراً تَقَدَّمَ شَاهِدَا زُورٍ وَقَالاَ: «هَذَا قَالَ: إِنِّي أَقْدِرُ أَنْ أَنْقُضَ هَيْكَلَ اللَّهِ، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَبْنِيهِ». فَقَامَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ وَقَالَ لَهُ: «أمّا تُجِيبُ بِشَيْءٍ؟ مَاذَا يَشْهَدُ بِهِ هَذَانِ عَلَيْكَ؟» وَأمّا يَسُوعُ فَكَانَ سَاكِتا (متى26: 60)

 

محاكمة بيلاطس:

فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: «أمّا تَسْمَعُ كَمْ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ؟» فَلَمْ يُجِبْهُ وَلاَ عَنْ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، حَتَّى تَعَجَّبَ الْوَالِي جِدّا (متى27: 14)

 

محاكمة هيرودس:

(وَسَأَلَهُ بِكَلاَمٍ كَثِيرٍ فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ. وَوَقَفَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ بِاشْتِدَاد)ٍ (لوقا 23: 9)

 

النبوءة:

وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أمّامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاه.

 

التحقيق:

وَلَمَّا أَتَوْا إلى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ جُلْجُثَةُ، وَهُوَ الْمُسَمَّى «مَوْضِعَ الْجُمْجُمَةِ» أَعْطَوْهُ خَلاًّ مَمْزُوجاً بِمَرَارَةٍ لِيَشْرَبَ. وَلَمَّا ذَاقَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَشْرَبَ. وَلَمَّا صَلَبُوهُ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ مُقْتَرِعِينَ عَلَيْهَا متى (27: 33)

 

رابعا: هل أيه جعل مع الأشرار قبره ومع الغنى عند موته لا تنطبق على المسيح.

 

يقول المعترض: (وَجُعِلَ مَعَ الأَشْرَارِ قَبْرُهُ وَمَعَ غَنِيٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ. عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ ظُلْماً وَلَمْ يَكُنْ فِي فَمِهِ غِشٌّ) (اش53: 10) انه لا يمكن أن ينطبق على المسيح، بل على شعب إسرائيل، حيث أن دفنهم في بابل كان مع الوثنيين، ولا يمكن حمله على المسيح المدفون وحده في بستان، في قبر جديد، لم يدفن فيه معه لا شرير ولا غني.

 

وقوله: ((على أنه لم يعمل ظلماً، ولم يكن في فمه غش)) هو كقوله عن البقية التقية من بني إسرائيل في سفر صفنيا 3: 13: ((بقية إسرائيل لا يفعلون إثماً، ولا يتكلمون بالكذب، ولا يوجد في أفواههم لسان غش)) وقيل هو حديث عن طهر أولئك الذين يعودون من السبي كما ((يقول الرب: لأني أصفح عن إثمهم، ولا أذكر خطيتهم بعد)) (إرمياء 31/ 34)

آباؤنا أخطؤوا، وليسوا بموجودين، ونحن نحمل آثامهم، عبيد حكموا علينا، ليس من يخلص من أيديهم، جلودنا اسودت من جري نيران الجوع)) (المراثي 5/7-10)

 

الرد

رغم تفسير المعترض لايه خطا وانه الاية لا تقول انه يدفن مع هذا العبد أشرار أو غنى، ولكن لو تماشينا جدلا مع كلامه انه الاشرارتعنى الوثنين الذين دفنوا مع اليهود، هل يقدر ان يقول المعترض من هو الرجل الغنى هذا الذي دفن مع جميع اليهود المسبيين، لان الآية قالت مجموعة أشرار وغنى واحد فقط فمن هو هذا الغنى الذي دفن مع جميع المسبيين، هل سيقدم المعترض نص كتابي؟

 

النبوءة انه القبر هو الذي جعل مع الأشرار وهم الحرس الروماني الذي حرسوا قبر المسيح وادعوا زورا انه التلاميذ أتوا وسرقوه بعد القيامة، وانه ذلك العبد جعل مع رجل غنى عند موته من هو الغنى إلا يوسف الرامي الذي انزل المسيح من على الصليب بعد موته وكفنه بعد انه طلبه من بيلاطس، فأذن له أي جعل بيلاطس جسد يسوع الميت مع يوسف الرامي.

 

النبوءة:

جعل مع الأشرار قبره.

التحقيق:

 اجْتَمَعَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيُّونَ إلى بِيلاَطُسَ قَائِلِينَ: «. فَمُرْ بِضَبْطِ الْقَبْرِ إلى الْيَوْمِ الثَّالِثِ، لِئَلا يَأْتِيَ تَلاَمِيذُهُ لَيْلاً وَيَسْرِقُوهُ،» فَقَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «عِنْدَكُمْ حُرَّاسٌ. اذْهَبُوا وَاضْبُطُوهُ كَمَا تَعْلَمُونَ (متى 27: 62-64)

النبوءة

مع غنى عند موته

التحقيق

وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ، جَاءَ رَجُلٌ غَنِيٌّ مِنَ الرَّامَةِ اسْمُهُ يُوسُفُ وَكَانَ هُوَ أيضًا تِلْمِيذاً لِيَسُوعَ. فَهَذَا تَقَدَّمَ إلى بِيلاَطُسَ وَطَلَبَ جَسَدَ يَسُوعَ. فَأَمَرَ بِيلاَطُسُ حِينَئِذٍ أَنْ يُعْطَى الْجَسَدُ. فَأَخَذَ يُوسُفُ الْجَسَدَ وَلَفَّهُ بِكَتَّانٍ نَقِيٍّ

النبوءة

يعمل ظلما ولم يكن في فمه غش

التحقيق

قَالَ لَهُمْ: «َهَا أَنَا قَدْ فَحَصْتُ قُدَّامَكُمْ وَلَمْ أَجِدْ فِي هَذَا الإِنْسَانِ عِلَّةً مِمَّا تَشْتَكُونَ بِهِ عَلَيْهِ. وَلاَ هِيرُودُسُ أيضًا (لو23: 12

 

خامسا: هل تعبير جعل نفسه ذبيحة أثم محرف

يقول المعترض: هذا النص إذا رجعنا إليه في النص العبري سنجد مفاجئة تجعل النص يستحيل ان ينطبق على يسوع حيث النص العبرى لهذا العدد

וַיהוָה חָפֵץ דַּכְּאוֹ، הֶחֱלִי–אִם-תָּשִׂים אָשָׁם נַפְשׁוֹ، יִרְאֶה זֶרַע יַאֲרִיךְ יָמִים; וְחֵפֶץ יְהוָה، בְּיָדוֹ יִצְלָח.

وترجمته:

أمّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالعاهات. إذا اعترف بذنبه يَرَى نَسْلاً تَطُولُ أَيَّامُهُ وَمَسَرَّةُ الرَّبِّ بِيَدِهِ تَنْجَحُ.

وهذه الجملة الشرطية غير موجودة في نسخة الكينج جيمس، ولكنها موجودة في الفاندايك مع تحريف في الترجمة، فالترجمة الصحيحة ينبغي أن تكون (إذا اعترف بذنبه)، بينما الفاندايك تقرأ النص كالتالي (إذا جعل نفسه ذبيحة إثم) وهي ترجمة خاطئة.

وهذا يعني أن الشخص الذي يتكلم عنه الأصحاح له ذنب يجب أن يعترف به وذلك كما جاء بالنص العبري، وأيضًا

أمّا الرب فسر أن يسحقه بالعاهات، وهل المسيح به عاهات

وهذا ينسف القول الذي يقول إن هذا الكلام ينطبق عن المسيح

الرد

المعترض لم ينتبه انه في طرح شبهته قد ناقض نفسه، لانه قال انه العبد المتألم لم يفعل ظلما ولم يكن في فمه غش، هي عن الجيل الباقي الصالح والتقى الذي لم يفعل أي ظلم، لكنه يحتمل ذنب آباؤه، فكيف يقول بعد ذلك انه العدد يقول إذا اعترف بذنبه وانه عليه ذنب؟؟ أليس ذلك تناقض في شبهه؟؟، قد يقول قائل هذا ذنب آباؤه. إذن لماذا لم يقل العدد ذنب أباءه، لنرى هل نسخه الملك جيمس حذفت الترجمة، ولماذا لم يعرضها المعترض حتى نتأكد، لنرى ترجمة جيمس، هذا الأصحاح صفحة 447

هل نبوة أشعياء 53 عن المسيح ملفقة؟ – توماس رفعت

 

 

وحسن الرب ان يسحقه. لديه، ضع [عليه] في حزن عندما تجعل نفسه تقدمةمن اجل الخطية يرى نسله ويطيل ايامه:

ولنر ترجمة اليهود أنفسهم ماذا كانت:

هل نبوة أشعياء 53 عن المسيح ملفقة؟ – توماس رفعت

وحسن الرب ان يسحقه بالمرض. ليرى ما إذا كانت نفسه ستقدم نفسها كتعويض، فيرى نسله، ويطيل أيامه، وأن ينجح قصد الرب بيده. لنرى تفسير الرابي راشي لتلك العبارة إذا جعل نفسه ذبيحة أثم.

Rashi on Isaiah 53

هل نبوة أشعياء 53 عن المسيح ملفقة؟ – توماس رفعت

هذه الكلمة אָשָׁם هي تعبير عن فدية يمكن يعطيها شخص لآخر ضده عندما يخطئ للتحرير من الخطأ، مثال على ذلك الذي ذكر مع الفلسطينيين

(صموئيل الاول6: 3)

(إِذَا أَرْسَلْتُمْ تَابُوتَ إِلَهِ إسرائيل فَلاَ تُرْسِلُوهُ فَارِغاً، بَلْ رُدُّوا لَهُ قُرْبَانَ إِثْمٍ)

أذن النص غير محرف، وهذا يثبت انه العبد المتألم في هذا الأصحاح قدم نفسه قربان أثم، أو ذبيحة أثم وهذا ينطبق على السيد المسيح

أمّا في آية “فسر أن يسحقه بالعاهات”، فالمعترض نسى أننا نتكلم عما أصاب المسيح فقط في يوم صلبه وآلامه فقط، حيث أن المسيح جلد بسياط عنيفة، وتهرى جسده، ووضع عل راسه إكليل الشوك بل وثقبت يداه ورجلاه فهذه كل جراحات عنيفة، والعاهة هي إصابة شخص بجرح خطير أذن لا اعتراض على هذه النبوءة بل لنرى تحقيقها أيضًا.

 

النبوءة:

أمّا الرب فسر أن يسحقه بالعاهات

التحقيق:

فَحِينَئِذٍ أَخَذَ بِيلاَطُسُ يَسُوعَ وَجَلَدَهُ. وَضَفَرَ الْعَسْكَرُ إِكْلِيلاً مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَى رَأْسِهِ، فَخَرَجَ بِيلاَطُسُ أيضًا خَارِجاً وَقَالَ لَهُمْ: «هَا أَنَا أُخْرِجُهُ إِلَيْكُمْ لِتَعْلَمُوا أَنِّي لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً وَاحِدَةً». فَخَرَجَ يَسُوعُ خَارِجاً وَهُوَ حَامِلٌ إِكْلِيلَ الشَّوْكِ وَثَوْبَ الأُرْجُوانِ. فَقَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «هُوَذَا الإِنْسَانُ!». يوحنا 19: 1-5

هَذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ لوقا 19: 22

 

سادسا: هل تعبير يرى نسلا تطول ايامه ينطبق على اليهود المسبيين

يقول المعترض: نلاحظ بأن العدد العاشر بحسب النص العبري من الأصحاح يتحدث عن عبد قد وعد بأن ستكون له ذرية فعلية أو حقيقية، ذلك لأن عبارة النص العبري هي هكذا:

וַיהוָה חָפֵץ דַּכְּאוֹ، הֶחֱלִי–אִם-תָּשִׂים אָשָׁם נַפְשׁוֹ، יִרְאֶה זֶרַע יַאֲרִיךְ יָמִים; וְחֵפֶץ יְהוָה، בְּיָדוֹ יִצְלָח.

وهي تترجم انجليزيا هكذا

he shall see children، he shall prolong his days                                  

وهذا النص يثير مشكلة كبيرة للكنيسة بسبب أن المسيح عليه السلام لم تكن له أي ذرية من صلبه، ذلك لأن الكلمة العبرية zerahأو zer’a أي الذرية الواردة في هذا العدد لا تشير إلا للذرية التي هي من صلب الرجل أو من نسله الحقيقي، وأيضًا تطول أيامه وهذا ما يثير أيضًا مشكلة كبيرة للكنيسة ذلك لانه هذا التعبير יַאֲרִיךְ יָמִים اراخ ياميم وكأمثلة من الكتاب المقدس وردت فيها هذا التعبير الذي لا يدل على الخلود انظر -على سبيل المثال- تثنية 17: 20 و25: 15 والأمثال 28: 16 وسفر الجامعة 8: 13.

 

أمّا التعبير العبري للحياة الأبدية الخالدة فهو (haye’i olam) انظر دانيال 12 لا يعني حياة خالدة أبدية لا نهاية لها ولكنه يعني حياة فانية ستصل إلى نهايتها على الأرض، ومن جهة أخرى كيف سيتم إطالة عمر شخص من المفترض انه ابن الله الأزلي؟ كنتيجة على ذلك كله فإن انطباق هذه الآية على المسيح هو أمر مستحيل بحسب الفكر اللاهوتي المسيحي للمسيح.

وبعض الآيات مثل:

تثنية 11: 21

لِتَكْثُرَ أَيَّامُكَ وَأَيَّامُ أَوْلادِكَ عَلى الأَرْضِ التِي أَقْسَمَ الرَّبُّ لآِبَائِكَ أَنْ يُعْطِيَهُمْ إِيَّاهَا

تثنية 28: 11

وَيَزِيدُكَ الرَّبُّ خَيْراً فِي ثَمَرَةِ بَطْنِكَ وَثَمَرَةِ بَهَائِمِكَ وَثَمَرَةِ أَرْضِكَ عَلى الأَرْضِ التِي حَلفَ الرَّبُّ لآِبَائِكَ أَنْ يُعْطِيَكَ

تثنية 30: 5

5وَيَأْتِي بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إلى الأَرْضِ التِي امْتَلكَهَا آبَاؤُكَ فَتَمْتَلِكُهَا وَيُحْسِنُ إِليْكَ وَيُكَثِّرُكَ أَكْثَرَ مِنْ آبَائِكَ

 الرد

الحقيقة المعترض غير أمين فهذه أيضًا لانه قاموس سترونج ترجم تلك الكلمة بمعانى كثيرة

H2233 זרע zera‛

From H2232; seed; figuratively fruit، plant، sowing time، posterity: – X carnally، child، fruitful، seed (-time)، sowing-time.

هي كلمة من مصدر زرا اي زرع وهي تعني بذره مجازيا وأيضًا ثمره ونبات ووقت الزراعة: الأجيال القادمة، جسد، طفل، مثمر، بذور، وقت البذور

ويتابع قاموس استرونج

1c) semen virile1d) offspring، descendants، posterity، children1e) of moral quality1e1), a practitioner of righteousness (figuratively)

البذر البذور… النسل أحفاد أجيال قادمه أطفال، أنواع أخلاقية (أي أبناء بنفس الخلق وليس بالجسد) أي يمارس البر بمعنى مجازي.

هل نبوة أشعياء 53 عن المسيح ملفقة؟ – توماس رفعت

وهذا موقع أخر يؤكد انه له معنى مجتمع يتبع اخلاق معينة

Abarim Publications’ online Biblical Hebrew Dictionary

عزرا (9: 2)

لأَنَّهُمُ اتَّخَذُوا مِنْ بَنَاتِهِمْ لأَنْفُسِهِمْ وَلِبَنِيهِمْ وَاخْتَلَطَ الزَّرْعُ الْمُقَدَّسُ بِشُعُوبِ الأَرَاضِي

 

وكلمة زرع هي نفس الكلمة العبرية وهي تشير إلى شعب إسرائيل أو مجتمع يتبع الله أخلاقيا

وأيضًا لو نظر المعترض لذلك العدد في:

أشعياء 57: 3

أمّا أَنْتُمْ أَوْلاَدُ الْمَعْصِيَةِ نَسْلُ الْكَذِبِ

فهل الكذب أيضًا يلد ذرية ام هي عن مجتمع يتبع الكذب وترجمت بذرة وأيضًا اليهود ترجموا نسلا في أصحاح 53 أيضًا بذرة مفرد وليس أطفالا.

وأيضًا تعبير تطول أيامه المعترض غير أمين لانه يأتي بكل الأمثلة عليها ولم يأتي بكل معاني الفعل ومشتقات الفعل تطول

فعل تطول قما قال هو יַאֲרִיךְ اراخ ياميم لنرى معنى هذا الفعل ومشتقاته

من قاموس استرونج العبرى

[H748] (‘arak/aw-rak’) a primitive root; to be (causative، make) long (literally or figuratively):– defer، draw out، lengthen، (be، become، make، pro-)long، + (out-، over-)live، tarry (long).

 

طويل (حرفيًا أو مجازيًا) يؤجل، يستخرج، يطيل، (كن، يصبح، يصنع، مؤيد، طويل،+ (خارج، مفرط) يعيش طويلا. أي يعيش بإفراط وبذلك لها معنى أبدية ولكن لو نظر المعترض إلى الاسم المشتق من ذلك الفعل، لأن كل فعل له اسم مثال شرب شراب

الاسم هو אֹרֶךְ ونطقه اوريخ لنرى معنى هذا الاسم في قاموس سترونج

from 748; length:–+ forever، length، long. see H748

وكما رأينا من معانيها إلى الأبد، إذن له معنى ان تطول أيام الشخص إلى الأبد، هذا الاسم استخدم بمعنى الأبدية في الكتاب المقدس وكان معه أيضًا الكلمة العبرية ياميم أي طول الأيام واستخدمت بمعنى الأبدية.

 

مزمور 23: 6

إِنَّمَا خَيْرٌ وَرَحْمَةٌ يَتْبَعَانِنِي كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي وَأَسْكُنُ فِي بَيْتِ الرَّبِّ إلى مَدَى الأَيَّام

ومدى الأيام لا شك انه تعنى أبدية.

 

مزمور 93: 5

بِبَيْتِكَ تَلِيقُ الْقَدَاسَةُ يَا رَبُّ إلى طُولِ الأَيَّامِ

فبيت الرب فالنصين يعني السماء والملكوت أيضًا غير الهيكل حيث انه داود قال سأسكن في بيت الرب إلى الأبد، ولكن لنرى ترجمات اليهود

هذا مزمور 23: 6

هذا الحرف الذي قبل الفعل هو حرف جر يعني إلى أو ل

 

مزمور 93: 5

ولنضع الان اشعياء 53: 10 محل النقاش

وهذا منطوق النص حرفيا، وأيضًا الآية تتكلم عن بقاء ناسوت المسيح إلى الأبد فناسوت المسيح ليس أزلي كلاهوته، لكن المسيح تجسد في ملئ الزمان، وصلب وقام ومجده وسيبقى به إلى الأبد إذن تطول أيام ناسوت السيد المسيح.

 

النبوءة:

يرى نسلا.

التحقيق:

لِتَرْعُوا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِه (أع 20: 18)

 

النبوءة:

تطول أيامه.

التحقيق:

لاَ تَخَفْ، أَنَا هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ، 18وَالْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْتاً وَهَا أَنَا حَيٌّ إلى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ. وَلِي مَفَاتِيحُ الْهَاوِيَةِ وَالْمَوْتِ رؤ1: 18)

 

سابعا: إثبات انه أشعياء 53 عن المسيح

كما ذكر المعترضون انه الأصحاح يتكلم عن الناجين الصالحين من شعب إسرائيل حيث ذكروا انه عدد (آثامهم هو يحملها) تدل على حملهم خطايا أباءهم كنوع من العقوبة وذكروا مراثي ارميا 5: 7-10، ولكن لنسال سؤال ما نوع حمل الخطايا في هذا الأصحاح لننظر أخر أيه في ذلك الأصحاح (وَهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ) أذن حمل الخطايا هنا كنوع من الشفاعة أو العبد المتألم حمل خطايا وشفع أيضًا لكن المعترض غفل عما ورد في سفر أشعياء 59: 15-16.

 

وَصَارَ الصِّدْقُ مَعْدُوماً وَالْحَائِدُ عَنِ الشَّرِّ يُسْلَبُ. فَرَأَى الرَّبُّ وَسَاءَ فِي عَيْنَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ عَدْلٌ. فَرَأَى أَنَّهُ لَيْسَ إِنْسَانٌ وَتَحَيَّرَ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ شَفِيعٌ

اشعياء يقول انه الله لم يجد أي إنسان يشفع من أجل عدم وجود عدل

لذلك ماذا هو الحل الذي قدمه الرب لنكمل أشعياء 59: 16

فَخَلَّصَتْ ذِرَاعُهُ لِنَفْسِهِ وَبِرُّهُ هُوَ عَضَدَه

ذراع الرب فقط هي التي استطاعت أن تشفع ولا أي إنسان مثل إسرائيل

 

ولنرى أيضًا ما قيل قبل أصحاح 53 مباشرة في أشعياء 52: 10

قَدْ شَمَّرَ الرَّبُّ عَنْ ذِرَاعِ قُدْسِهِ أمّامَ عُيُونِ كُلِّ الأُمَمِ فَتَرَى كُلُّ أَطْرَافِ الأَرْضِ خَلاَصَ إِلَهِنَا

 

أذن ذراع الرب التي شمرها يهوه في العهد القديم هي المخلصة، وأيضًا لا شفاعة إلا لذراع الرب، والعبد المتألم في أشعياء 53 هو أيضًا شفع في المذنبين، وسنجد مفاجأة لو نظرنا أول أيه في أشعياء 53

مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟

أذن ذراع الرب هي نفسها العبد المتألم هو الذي شفع في المذنبين ولا أي إنسان أخر يقدر على ذلك، وذراع الرب هي قوة الله أي المسيح.

 

بل لو أكملنا أشعياء 59

فَخَلَّصَتْ ذِرَاعُهُ لِنَفْسِهِ وَبِرُّهُ هُوَ عَضَدَهُ. فَلَبِسَ الْبِرَّ كَدِرْعٍ وَخُوذَةَ الْخَلاَصِ عَلَى رَأْسِهِ. وَلَبِسَ ثِيَابَ الاِنْتِقَامِ كَلِبَاسٍ وَاكْتَسَى بِالْغَيْرَةِ كَرِدَاءٍ. حَسَبَ الأَعْمَالِ هَكَذَا يُجَازِي مُبْغِضِيهِ سَخَطاً وَأَعْدَاءَهُ عِقَاباً. جَزَاءً يُجَازِي الْجَزَائِرَ. فَيَخَافُونَ مِنَ الْمَغْرِبِ اسْمَ الرَّبِّ وَمِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ مَجْدَهُ. عِنْدَمَا يَأْتِي الْعَدُوُّ كَنَهْرٍ فَنَفْخَةُ الرَّبِّ تَدْفَعُهُ! وَيَأْتِي الْفَادِي إلى صِهْيَوْنَ وَإِلَى التَّائِبِينَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ فِي يَعْقُوبَ يَقُولُ الرَّبُّ

أذن الفادي هذا أو الشفيع هو ذراع الرب أو العبد المتألم كما أشعياء 53:

 

النبوءة:

من صدق خبرنا ولمن استعلنت ذراع الرب

التحقيق:

وَلَكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوباً: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً! وَأمّا لِلْمَدْعُوِّينَ: يَهُوداً وَيُونَانِيِّينَ فَبِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ (1 كو1: 24)

 

النبوءة:

شفع في المذنبين

التحقيق:

فَقَالَ يَسُوعُ: يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ (لوقا23: 34)

وهنا المسيح شفع في صالبيه وحمل خطاياهم

لذلك لا يجرؤ الشيطان وأعوانه أن يصمدوا أمّام صلابة هذا الأصحاح العظيم الذي قال عنه الرب يسوع نفسه.

لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ فِيَّ أيضًا هَذَا الْمَكْتُوبُ: وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ. لأَنَّ مَا هُوَ مِنْ جِهَتِي لَهُ انْقِضَاءٌ (لو37:22)

 

سلام ونعمة المسيح أذكرونى في صلواتكم

هل نبوة أشعياء 53 عن المسيح ملفقة؟ – توماس رفعت

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

 

نبوات المسيح في سفر أشعياء – الجزء الثاني

نبوات المسيح في سفر أشعياء – الجزء الثاني

نبوات المسيح في سفر أشعياء

 

هذا هو الجزء الثاني، لقراءة الجزء الأول برجاء الضغط هنا

سادساً: رفض المسيا المدعو من الله 

” الرب من البطن دعاني. من أحشاء أمي ذكر اسمي… أما أنا فقلت عبثاً تعبت باطلاً وفارغاً أفنيت قدرتي. لكن حقي عند الرب وعملي عند إلهي” إشعياء 49: 1-4.

أولاً: المدعو من الله.

“الرب من البطن دعاني. من أحشاء أمي ذكر اسمي” هذه كلمات المسيا نفسه. وقد وضعها الله على قم إشعياء النبي، لينطق بها نبوياً. وهذه النبوة تتناغم مع نبوة الميلاد العذراوي “هوذا العذراء…. وتدعو اسمه عمانوئيل” إشعياء 7: 14.

ونحن هنا أمام إشارة عن أم وليس أب. وهذا قد تحقق في السيد المسيح، عندما ظهر الملاك ليوسف في حلم في وقت حمل العذراء، وقال له “لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس. فستلد ابناً وتدعو اسمه يسوع. لأنه يُخلص شعبه من خطاياهم. وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا” متى 1: 20 23. (لاحظ قوله “من أحشاء امي”).

ثانياً: رفضه

“أما أنا فقلت عبثاً تعبت باطلاً وفارغاً أفنيت قدرتي. لكن حقي عند الرب وعملي عند إلهي”. هنا نبوة عن حزن المسيا وما سيتكبده من مقاومة ورفض. هذا المسيا المدعو من الله، الكامل الذي بلا عيب، سيرفضونه لأنهم ابغضوه بلا سبب…. ويظهر كما لو كان المسيا تعب باطلاً ولم يجن ثمراً لعمله، فقساوة اليهود حصلت جزئياً لكي يدخل الأمم، ثم بعد ذلك تدخل البقية الباقية من شعب إسرائيل… لكن المسيا لا ييأس على الإطلاق ويحتفظ برجائه “لكن حقي عند الرب وعمل عند إلهي”.

ومن العهد الجديد نشاهد منظراً واقعياً في حياة السيد المسيح، الذي يمكننا أن نجد فيه تحقيق هذه النبوة، ففي بستان جثسيماني نسمعه يقول “حينئذ جاء معهم يسوع إلى ضيعة يُقال لها جثسيماني قال للتلاميذ اجلسوا ههنا حتى أمضي وأُصلي هناك. ثم أخذ معه بطرس وابني زبدي وابتدأ يحزن ويكتئب. فقال لهم نفسي حزينة جداً حتى الموت” متى 26: 36-38.

لقد أُرسل إلى شعب إسرائيل، وبشّر بينهم ثلاث سنوات ونصف: وعظهم – شفى أمراضهم – أقام موتاهم – أشبعهم ….. إلخ، وأعلن لهم عن نفسه إنه هو المسيا، ومع ذلك رفضته الأمة اليهودية وبشدة، وانطبق عليهم القول “إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله” يوحنا 1: 11.

ما زال المسيح مرفوضاً

حتى وقتنا هذا، ما زال الرب يسوع مرفوضاً – كمسيا – عند شعب إسرائيل، ويقولون: لو أن يسوع الذي جاء هو بالفعل المسيا الحقيقي، لكان كل أجدادنا في أيامه قد قبله. إشعياء النبي يقول بكل وضوح، أن المسيا سيُرفض أولاً (هذا ما سبق وشرحناه). والرفض هو إعلان صريح، كونه أحد أسباب التصديق بمسيانيته. بمعنى آخر، رفض الأمة اليهودية للرب يسوع، يُقيم الدليل حقيقة، أنه هو المسيا، لأن النبوات قالت بذلك.

كان غاية هذا الرفض، هو أن الله يُحضر الخلاص للأمم… أي إلى أن يدخل ملء الأمم، وإلى زمن محدد. يذكر الرسول يولس هذه الحقيقة، مستشهداً بإشعياء 65: 1-2، قائلاً: “ثم إشعياء يتجاسر ويقول وُجدت من الذين لم يطلبوني وصرت ظاهراً للذين لم يسألوا عنى. أمّا من جهة إسرائيل فيقول طول النهار بسطت يديّ إلى شعب معاند ومقاوم” رومية 10: 20-21. ويذكر سفر أعمال الرسل، نفس هذا الرفض على لسان يعقوب الرسول قائلاً “سمعان (بطرس) قد أخبر كيف افتقد الله أولاً الامم ليأخذ منهم شعباً على اسمه.

وهذا توافقه أقوال الأنبياء كما هو مكتوب، سأرجع بعد هذا وأبني أيضاً خيمة داود الساقطة” إعمال الرسل 15: 13-16. أيضاً، بولس وبرنابا قالا “فجاهر بولس وبرنابا وقالا كان يجب أن تُكلَّموا أنتم أولاً بكلمة الله ولكن إذ دفعتموها عنكم وحكمتم أنكم غير مستحقين للحياة الأبدية هوذا نتوجه للأمم ” أعمال الرسل 13: 46.

هذا الرفض سيستمر حتى تكمل الكنيسة عددياً من جهة الأمم… عند هذه النقطة، سيتعامل الله مرة أخرى مع شعب إسرائيل، وتدخل البقية إلى حظيرة الكنيسة، كما ذكر بولس الرسول ذلك في رسالة رومية “أن القساوة قد حصلت جزئياً لإسرائيل إلى أن يدخل ملء الامم. وهكذا سيخلص جميع إسرائيل” رومية11: 25-26.

سابعاً: آلام المسيا وموته

” السيد الرب فتح لي أُذناً وأنا لم أُعاند. إلى الوراء لم أرتد. بذلت ظهري للضاربين وخدّيّ للناتفين. وجهي لم أستر عن العار والبصق” إشعياء 50: 5-6.

“هوذا عبدي يعقل يتعالى يرتقي ويتسامى جداً. كما اندهش منك كثيرون. كان منظره كذا مُفسداً أكثر من الرجل وصورته أكثر من بني آدم” إشعياء 52: 13-14.

” من صدّق خبرنا ولمن استعلنت ذراع الرب. نبت قدامة كفرخٍ وكعرقٍ من أرض يابسة لا صورة له ولا جمال فننظر إليه ولا منظر فنشتهيه. محتقر ومخذول من الناس رجل أوجاع ومختبر الحزن وكمستر عنه وجوهنا محتقر فلم نعتد به.

لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها ونحن حسبناه مُصاباً مضروباً من الله ومذلولاً. وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا. تأديب سلامنا عليه وبحبره شُفينا. كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحدٍ إلى طريقه والرب وضع عليه إثم جميعنا. ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه كشاة تُساق إلى الذبح وكنعجة صامتةٍ أمام جازيها فلم يفتح فاه.

أما الرب فسُرّ بأن يسحقه بالحزن. إن جعل نفسه ذبيحة إثم. يرى نسلاً تطول أيامه ومسرة الرب بيده تنجح. من تعب نفسه يرى ويشبع. وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين وآثامهم هو يحملها. لذلك أقسم له بين الأعزاء ومع العظماء يقسم غنيمة من أجل أنه سكب للموت نفسه وأُحصي مع أثمة وهو حمل خطية كثيرين وشفع فيم المذنبين” إشعياء 53: 1-12.

ليس غريباً أن نسمع من الرابيين، حتى اليوم، قولهم: أن هذه الآيات من سفر إشعياء لا تتكلم عن المسيا، بل عن آلام شعب إسرائيل من جراء ظُلم شعوب الأمم الوثنية لهم. ويذهبون بعيداً، لدرجة أنهم يقولون: أن هذا التفسير هو مطابق لنظرة التقليد اليهودي القديم. عند هذه النقطة، هم يعتمدون كلية على جهل سامعيهم بما ورد في الكتابات اليهودية القديمة مثل: التلمود Talmud – المشناه Mishnah – الجمارا Gemara – المدراش Midrash، بكافة أنواعها. في حين أن أغلب كتب التراث والتقليد اليهودي القديم تُصرّح بعكس ذلك…

أول من نادى بالقول، بأن هذه النبوات من سفر إشعياء، تخص شعب إسرائيل وليس المسيا – هو رابي راشي RaSHi، في حوالي سنة 1050 ميلادية. كل الرابيين ما عدا راشي -بلا استثناء – يرون أن هذه المقاطع من سفر إشعياء تصف آلام المسيا كشخص فردي. وعندما اقترح راشي، أن إشعياء يتكلم عن شعب إسرائيل، أطلق شرارة جدال عنيف مع الرابيين المعاصرين له. أشهر هؤلاء هو الرابي رامبام RaMBam (يُطلق عليه أحياناُ ميموندس Maimonides)، قرر أن راشي كان على خطأ فادح في اقتراحه هذا، الذي هو ضد ما ورد في كتب التقليد اليهودي القديم.

وعندما بدأ اللاهوتيون المسيحيون، في استخدام هذه المقاطع من سفر إشعياء، كنبوة عن المسيا في كتاباتهم، وجد عدد كبير من الرابيين في اقتراح راشي طريقة جذابة لمقاومة التعاليم المسيحية. وبعد أن بحثت في كُتب الصلوات المستعملة في المجامع اليهودية، اكتشفت ظاهرة عجيبة هي: أن هذه المقاطع من سفر إشعياء لا تُقرأ على الإطلاق في المجامع اليهودية على الشعب – سواء في السبوت أو في الأعياد – وأن القراءات المنتظمة التي تُقرأ على الشعب تقفز من إشعياء 52: 12 إلى إشعياء 54، … طبعاً الآن عرفنا السبب.

في حديثنا عن إشعياء 49، قلنا إن المسيا سيُرفض أولاً من الأمة اليهودية ولكن في وقت ما سيقبلونه. هنا في إشعياء 52: 13-15 \ إشعياء 53: 1-12، نجد بعض الآيات تتحدث بعودة اليهود إلى الله وقبولهم للرب يسوع – كمسيا – والذي ما زال في حكم المستقبل.

عندها سيعترف القادة اليهود بإخفاقهم في التعرّف على المسيح في مجيئه الأول، ويندمون، ولسان حالهم يقول: محتقر فلم نعتد به – لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها ونحن حسبناه مصاباً مضروباً من الله – وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا – تأديب سلامنا عليه – وبحبره شفينا. هذا هو اعتراف قادة اليهود، عندما يؤنون بالرب يسوع في الوقت المحدد… سيستعملون نفس آيات إشعياء في اعترافهم.

والمدقق في إشعياء 52، 53 سيجد أن وصف آلام المسيا، لم تُسجّل على أساس أنها حدث في الماضي وما زال يحدث في الحاضر، ولكن على أنها تُشير إلى حدث سيتم في زمن المستقبل. بمعنى آخر، نقول إن إشعياء 52، 53 يُخبر عن شيئين:

أ – وصف آلام المسيا، كحدث سيتم في المستقبل …. بعد زمن غي مُعلن.

ب – اعتراف قادة الشعب اليهودي، بما فعلوه بالسيد المسيح – المسيا الحقيقي – ثم قبوله فيما بعد.

فكيف إذاً، يقول راشي RaSHiK، أن ما ورد في إشعياء 52، 53 هو وصف لآلام شعب إسرائيل على يد الأمم الوثنية. هذا ما سنشرحه الآن بالتفصيل.

1 – الجلد – اللطم – البصق

“الرب فتح لي أُذناُ وأنا لم أُعاند. إلى الوراء لم أرتد. بذلت ظهري للضاربين وخدي للناتفين. وجهي لم أستر عن العار والبصق” إشعياء 50: 5-6.

من هذه الآيات يتضح أن المسيا يعلم مُسبّقاً ما سيأتي عليه من آلام، فالمتحدث هنا هو المسيا نفسه، وليس إشعياء الذي يسرد ما سيحدث للمسيا. ورغم علم المسيا بما سيأتي عليه من قادة اليهود، إلا أنه لا يخاف من مواجهة هذه الآلام أو يهرب منها “وأنا لم أعاند. إلى الوراء لم أرتد. وجهي لم أستر عن العار”. وهذا ما تم بالضبط وتحقق في السيد المسيح، فعندما أتت الساعة، تقدم الرب يسوع بإرادته وحده وسلّم نفسه إلى مُعذبيه… حتى قبل الصليب، لم يكن يقابل ثورة القادة اليهود وحقدهم عليه بأي نوع من العنف … حتى في أثناء محاكمته الدينية والمدنية، لم يفتح فاه…  فنقرأ في العهد الجديد:

– “وأخذ الاثني عشر وقال لهم ها نحن صاعدون إلى أورشليم وسيتم كل ما هو مكتوب بالأنبياء عن ابن الإنسان، لأنه يُسلّم إلى الأمم ويُستهزأ به ويُشتم ويُتفل عليه ويجلدونه…. ” لوقا 18: 31.

– “ولما قال هذا لطم يسوع واحد من الخدام… ” يوحنا 18: 22.

– ” والرجال الذين كانوا ضابطين يسوع كانوا يستهزئون به وهم يجلدونه. وغطّوه وكانوا يضربون وجهه ويسألونه قائلين تنبأ من هو الذي ضربك” لوقا 22: 63- 64.

– ” فابتدأ قوم يبصقون عليه ويغطون وجهه ويلكمونه ويقولون له تنبأ. وكان الخدام يلطمونه” مرقس 14: 65.

– ” حينئذ أطلق لهم باراباس. وأما يسوع فجلده وأسلمه ليُصلب” متى 27: 26.

2 – أصبح منظره مشوهاً

“هوذا عبدي يعقل ويتعالى ويرتقي ويتسامى جداً. كما اندهش منك كثيرون. كان منظره كذا مُفسَداً أكثر من الرجل وصورته أكثر من بني آدم” إشعياء 52: 13-14.

“هوذا عبدي”: الله نفسه هو الذي يتحدث عن المسيا كعبد. وقد ربط إشعياء قول الرب هذا، بما قاله سابقاَ في إشعياء 42: 1 “هوذا عبدي الذي أعضده. مختاري الذي سُرّت به نفسي. وضعت روحي عليه ليخرج الحق للأمم”. وهنا نسأل لماذا ذكر الله القول “هوذا عبدي” مرة أخرى وبالذات قبل وصف الآلام التي ستكبدها المسيا؟ وللإجابة نقول:

أ – الله يريد أن يقول بأن الشخص الذي قلت عنه من قبل، بأني أعضدّه – مختاري – سُرّت به نفسي – وضعت روحي عليه: هو هو نفس هذا الشخص الذي سيتألم. هو إنسان وإله في نفس الوقت، حسب القصد الإلهي الأزلي لخلاص البشر (تكلمنا سابقاً عن هذا في شرح إشعياء 11: 1-2)

ب – في وصفه لآلام المسيا، يتكلم عن آلم جسدية ستقود أخيراً إلى الموت “جعل نفسه ذبيحة إثم – سكب للموت نفسه – أُحصي مع أثمة” إشعياء 53: 10-12. فكيف يقول رابي راشي، أن هذه الآلام تصف شعب إسرائيل… هل يُقر راشي أن شعب إسرائيل تألم ومات.

أما عن قوله “كان منظره كذا مفسداً”، فهو يصف بدقة متناهية منظر وجه الرب يسوع بعد أن تخضب بالدم واختلط بتراب الأرض، عندما سقط تحت حمل الصليب أكثر من مرة في طريق الآلام. أضف إلى ذلك كدمات الوجه النابجة من لطمه ولكمه، والأشواك المدببة التي انغرست في جبينه الطاهر وهي تُدمي. فكان فعلاً منظره مُفسداً…

3 – من أجل آثامنا

“من صدّق خبرنا ولمن استعلنت ذراع الرب. نبت قدامة كفرخٍ وكعرقٍ من أرض يابسة لا صورة له ولا جمال فننظر إليه ولا منظر فنشتهيه. محتقر ومخذول من الناس رجل أوجاع ومختبر الحزن وكمستر عنه وجوهنا محتقر فلم نعتد به. لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها ونحن حسبناه مُصاباً مضروباً من الله ومذلولاً. وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا. تأديب سلامنا عليه وبحبره شُفينا. كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحدٍ إلى طريقه والرب وضع عليه إثم جميعنا” إشعياء 53: 1-6.

الآية الأولى من إشعياء 53 تبيّن عدم إيمان شعب إسرائيل بالمسيا، وسوف لا يصدقون بشارة المسيح لهم… بالرغم من أن آلام المسيا هي من أجلهم إلا أنهم سوف يرفضونه، ويعتبرون أن هذا الشخص إنسان مضروب من الله…

من جهة أخرى، إن سبب عدم إيمان شعب إسرائيل به كمسيا، هو: كيف يرون المسيا، ملكهم المنتظر – ابن داود- المفروض أن يأتي في مجد عظيم ويجلس على عرش أبيه، يرونه بهذا المنظر “لا صورة له ولا جمال – محتقر ومخذول من الناس” وهذا ما سجّله لنا العهد الجديد: السيد المسيح وُلد فقيراً، في قرية صغيرة – عاش فقيراً كنجار مع يوسف – تربى في مدينة الناصرة، تلك المدينة المحتقرة من الناس – كان بلا مأوى يرتاح فيه – علاوة على اتضاعه الشديد ووداعته وتسامحه – أيضاً منظره وقت الصليب… كل ذلك جعلهم يعثرون فيه ويحتقرونه. وقد ورد في الأناجيل العديد من الآيات بخصوص ذلك. نذكر منها التالي:

– ” أليس هذا ابن النجار … فمن أين لهذا هذه كلها. فكانوا يعثرون به” متى 13: 55-57.

– ” قال يسوع للجموع كأنه على لصٍ خرجتم بسيوف وعصي” متى 26: 55.

-” إن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به” متى 27: 42.

أثناء أحداث الصلب وما قبلها، لم يفهم شعب إسرائيل أن آلام المسيح هذه هي من أجلهم – ومن أجل العالم كله – لكن اعتبروها لعنة من الله على هذا الشخص “ونحن حسبناه مضروباً من الله ومذلولاً” …. أما حين يؤمنون بالمسيح، في الوقت المعيّن، سيقولون نفس ذلك الكلام، لكن أسفاً وإعتذاراً.

قبل إيمانهم به يقولون: لا صورة له ولا جمال فننظر إليه – رجل أوجاع ومختبر الحزن – محتقر فلم نعتد به.

لكن بعد إيمانهم به سيقولون آسفين: أحزاننا حملها – أوجاعنا تحملها – مجروح لأجل معاصينا – مسحوق من أجل آثامنا – الرب وضع عليه إثم جميعنا – هذه الأمة اليهودية، التي كانت سابقاً تكره وتحتقر هذا الشخص المتألم، الآن فهموا إنه تألم نيابة عنهم… اعتقدوا أنه تألم من أجل خطاياه هو، ولكن الآن أدركوا حقيقة أنه تألم من أجلهم هم ومن أجل خطاياهم.

والسؤال الذي نوجهه إلى RaSHi هو: كيف يتألم شعب إسرائيل من أجل شعب إسرائيل؟! يبدو أن السؤال غير منطقي، لكن عدم المنطقية هذه ناشئة من قوله هو: أن هذه الآلام الواردة في إشعياء 52، 53 هي آلام شعب إسرائيل على يد الأمم الأخرى. 

ما معنى أن يقول شعب إسرائيل الذي يتألم: أحزاننا حملها – أوجاعنا تحملها – الرب وضع عليه إثم جميعنا… إلخ. مَنْ هو الذي وضع عليه الرب إثم الشعب!!! مَنْ حمل أحزان مَنْ!! مَنْ جُرح من أجل مَنْ!! مَنْ سُحق من أجل مَنْ!! واضح أن اقتراح راشي غير منطقي.

قواعد اللغة العبرية وتفسير راشي

في قواعد اللغة العبرية – كما في باقي اللغات – يُوجد مُفرد ويُوجد جمع. المفرد، يُستخدم في الحديث عن شخص واحد فقط. أما الجمع فيستخدم في الحديث عن مجموعة أشخاص. فإذا وجدت في جملة واحدة كل من المفرد والجمع معاُ، فهذا يعني أن الحديث مُوجه إلى فئتين: شخص (مفرد) + مجموعة أشخاص (جمع).

في إشعياء 52، 53، نجد شخصاً مخاطباً بالمفرد ومجموعة أشخاص تُخاطب بالجمع، في نفس الآية: فعلى سبيل المثال:

المفرد في: لا صورة له ولا جمال – رجل أوجاع – كمستر عنه وجوهنا – فلم نعتد به – حسبناه مصاباً – مضروباً من الله – تأديب سلامنا عليه – الرب وضع عليه إثم جميعنا – جعل نفسه ذبيحة – سكب للموت نفسه.

الجمع في: فنشتهيه – كمستر عنه وجوهنا – لم نعتد به – أحزاننا – أوجاعنا – نحن حسبناه – معاصينا – آثامنا – تأديب سلامنا عليه – شفينا – كلنا كغنم ضللنا – إثم جميعنا.

وليلاحظ القارئ العزيز: في كل الآيات الواردة في إشعياء 52، 53 أن كل مفرد يعقبه جمع وكل جمع يعقبه مفرد. بناء على ذلك، فإن الشخص المشار إليه بالمفرد هو المسيا أما الأشخاص المشار إليهم بالجمع، فهم شعب إسرائيل أو قادة اليهود، هل يُخفى على راشي والذين يرددون أقواله، هذه الحقيقة!!

4 – لم يفتح فاه

 “ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه كشاة تُساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه” إشعياء 53: 7.

في الأناجيل الأربعة، لا توجد أية إشارة لدفاع المسيح عن نفسه في أثناء محاكمته المدنية أو الدينية، بل تُركّز الأناجيل على صمته. فعلى سبيل المثال نقرأ التالي:

– ” فقام رئيس الكهنة وقال له أما تجيب بشيء. ماذا يشهد به هذان عليك. وأما يسوع فكان ساكتاً” متى 26: 62.

– ” وبينما كان رؤساء الكهنة والشيوخ يشتكون عليه لم يُجب بشيء. فقال له بيلاطس أما تسمع كم يشهدون عليك. فلم يجبه ولا عن كلمة واحدة حتى تعجًب الوالي جداً” متى 27: 12- 14.

– ” وأما هيرودس فلما رأى يسوع فرح جداً لأنه كان يُريد من زمان طويل أن يراه لسماعه عنه أشياء كثيرة وترجّى أن يرى آية تُصنع منه. وسأله بكلامٍ كثير فلم يُجبه بشيء” لوقا 23: 8- 9.

في كل تاريخ شعب إسرائيل المُسجل في العهد القديم أو في كتب التاريخ لم نقرأ قط أن شعب إسرائيل ظلم أو تألم، وصمت ولم يفتح فاه…. هذه الحقيقة معروفة جيداً عن هذا الشعب… صعب جداً على هذا الشعب أن يسكت أو يصمت تجاه ظُلم أو اضطهاد. ولا نجد أبداً في العهد القديم – في كل أسفاره – أن شعب إسرائيل سكت ولو مرة واحدة على أية مضايقات لاقاها من شعوب أخرى.

حتى في التاريخ الحديث لهذا الشعب، لم نسمع أبداً أنهم سكتوا تجاه أية آلام أو متاعب جاءت عليهم من الخارج.. بل على العكس يردوا الصاع صاعين … ويكتبوا مئات الكتب التي تصف حالتهم ومتاعبهم، ويملأوا الجرائد بالمقالات. وأكبر شاهد على ذلك، هو الوضع الحالي لإسرائيل في المنطقة.. أين صمتهم!! أين القول: ظُلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه.

إذاً، هذه النبوة – الصمت تجاه الآلام – لا يمكن بأي حال أن تنطبق على شعب إسرائيل، ولا في القديم ولا في الحديث. إنها بالتحديد شخص المسيا.

5 – موت المسيا وموت إسرائيل

” من الضغطة ومن الدينونة أًخذ. وفي جيله من كان يظن أنه قُطع من أرض الأحياء. أنه ضُرب من أجل ذنب شعبي. وجُعل مع الأشرار قبره ومع غني عند موته. على أنه لم يعمل ظلماً ولم يكن في فمه غش ” إشعياء 53: 8- 9

لقد جاز المسيح الآلام واحتملها إلى النهاية، ومن هول هذه الآلام والعذابات، أدت به إلى الموت. كذلك، استعمل إشعياء النبي التعبير ” قُطع من أرض الأحياء” ليشير إلى أن موته لم يكن عادياً – كأي ميتة أخرى – بل عن طريق صدور حكم قضائي بالإدانة إنه مستحق الموت، وقد تم تنفيذ هذا الحكم بميتة بشعة. وقد أكد ذلك فأردف يقول ” ضُرب من أجل ذنب شعبي”.

من جهة أخرى، كان موته بناء على محاكمة قانونية، مظهرها الخارجي هو قادة اليهود والرومان… أما واقعها الفعلي، فهو قضاء إلهي عادل، ليس من أجل خطاياه هو أو لذنبٍ عمله، ولكن ” من أجل ذنب شعبي”…. فهو أي المسيا “لم يعمل ظلماً ولم يكن في فمه غش”، ولكن ” من أجل ذنب شعبي”، والشعب هنا يُقصد به شعب إسرائيل.

أما الآية التاسعة، فتخبرنا عن دفن المسيا. فقد حُكم عليه كمجرم مستحق الموت، ولذا فمن المتوقع له أن يُعطى قبر وسط المجرمين “وجُعل مع الأشرار قبره”. رغم ذلك، الله يتدخل ….. كيف؟ لقد قرر القادة اليهود أن يُدفن في قبور الأشرار والمجرمين، لأنه يُعتبر في نظرهم مجرماً، لكن الله يُقرر أن يدفن مع الشرفاء “ومع غني عند موته”.

هذا ما تم بالفعل عند موت السيد المسيح، وبعد أن أنزلوه عن الصليب، نقرأ في إنجيل متى “ولما كان المساء جاء رجل غني من الرامة اسمه يوسف. وكان هو أيضاً تلميذاً ليسوع. فهذا تقدم إلى بيلاطس وطلب جسد يسوع. فأمر بيلاطس حينئذ أن يُعطى الجسد. فأخذ يوسف الجسد ولفه بكتان نقي. ووضعه في قبره الجديد الذي كان قد نحته في الصخرة” متى 27: 57-60.

والسؤال الموجّه إلى راشي وأتباعه هو: أين هو قبر شعب إسرائيل الذي مات!!

6 – ذبيحة إثم

“أما الرب فسرّ أن يسحقه بالحزن. إن جعل نفسه ذبيحة إثم” إشعياء53: 10.

هذه الآية تكشف عن تدبير الله الأزلي لخطة الخلاص. فلا اليهود ولا الرومان لهم أي دور في خطة الخلاص، بل على العكس كانت نياتهم شريرة إزاء صلب المسيح، هي التخلّص منه. مشيئة الله سُرّت لأن تسحقه بالحزن، والمسيا ذاته “جعل نفسه ذبيحة إثم”. الوحيد القادر لتقديم الخلاص للعالم، هو الله. فلم يكن موت المسيح مصادفة، ولا هو عمل يُجبر عليه بالقوة بتاتاً، ولكن هو جزء من خطة شاملة وضعها الله لخلاص البشر.

أما عن التعبير “ذبيحة إثم”، فله خلفية كتابية ذات معنى عميق… هذه الخلفية تعتمد على مبدأ كتابي هو: لا توجد مغفرة لخطية بدون سفك دم. وكأجراء مؤقت، وُضع نظام الذبائح الحيوانية، لكن هذه الذبائح كانت فقط تغطي الخطية ولا تمحوها. كذلك فإن دم هذه الحيوانات لم يقو إلا على طهارة الجسد فقط “لأنه إن كان دم ثيران وتيوس ورماد عجلة مرشوش على المنجسين يقدس إلى طهارة الجسد. فكم بالحري يكون دم المسيح الذي بروح أزلي قدّم نفسه لله بلا عيب يُطهرّ ضمائركم من أعمال ميتة” عبرانيين 9: 13- 14.

إن دم الحيوانات لا يُقدس إلى طهارة الجسد فقط، ومن أجل هذا كانت عودة الجسد إلى النجاسة تحتاج إلى إعادة سفك دم ذبائح جديدة متكررة. وكان هذا التكرار الممل يُشير إلى عجز واضح وقصور عن تكميل الطهارة وتقديس الضمير وإعادة سلامة النفس، ونقاوتها… فكان تكرارها إشارة وكناية عن ضرورة مجيء ذبيحة كاملة، تُكمل ما عجزت عنه هذه الذبائح “دم المسيح الذي بروح أزلي…”.

لأن الطهارة الحقيقية ليست في طهارة الجسد فقط، بل طهارة الضمير والقلب أيضاً. وسفك الدم الإلهي هو الذي يقود إلى طهارة الجسد والنفس والروح. ولذلك أشار الوحي الإلهي له بالقول “إن جعل نفسه ذبيحة إثم… حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين”.

من جهة أخرى، كانت الذبيحة سابقاً، تُقدم حيوانية، على كونها غير قابلة للخطية والتعدي، ولذلك أمكن أن تُوضع بديلاً عن الخاطئ المعترف بخطيته. أي أن براءتها من الخطية براءة كاملة، جعل موتها معتبراً فدية أو ذبيحة حقيقية. وعدم قابليتها للخطية، إشارة إلى السيد المسيح الذي لم يُخطئ قط، لذا قيل عنه “على أنه لم يعمل ظلماً ولم يكن في فمه غش” – ” لم أجد فيه علّة للموت” لوقا 23: 22.

من ذلك نفهم أن كل هذه الذبائح الدموية، كانت مؤقتة وتحمل إشارات ورموز لحمل الله الذي بلا عيب، الذي يحمل خطية العالم كله “حمل خطية كثيرين”. لقد قال رب المجد بفمه الطاهر “من منكم يبكتني على خطية” يوحنا 8: 46.

حتى ذبائح “يوم الكفارة”، التي كانت تُقدم من أجل رئيس الكهنة نفسه، والكهنة والشعب، للتكفير عن خطاياهم التي عملوها طوال السنة.. حتى هذه أيضاً، غير كافية، بدليل تكرارها كل سنة. كل ذلك لتبين أنها وقتية والغرض منها انتظار يوم الكفارة الحقيقي…

إلى ذبيحة المسيح الكاملة والتي قُدمت مرة واحدة، وقادرة على محو الخطية تماماُ – مهما كانت – وعلى مدى الدهور، بل أيضاً تُقدس الجسد والنفس والروح. يقول يوحنا الحبيب في رسالته “ودم يسوع المسيح ابنه يُطهرنا من كل خطية” يوحنا الأولي 1:7 – “يسوع المسيح وهو كفارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضاً” يوحنا الأولى 2: 2

والسؤال الذي لم يُجب عليه راشي حتى الآن: كيف قدّم شعب إسرائيل نفسه ذبيحة إثم عن شعب إسرائيل!!

7 – قيامته

“يرى نسلاً تطول أيامه ومسرّة الرب بيده تنجح. من تعب نفسه يرى ويشبع. وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين… لذلك أقسم له بين الأعزاء ومع العظماء يقسم غنيمة ” إشعياء 53: 10-12.

تُعلن النبوة صراحة قيامة المسيا، والدليل على ذلك هو: إذ كيف بعد أن يقول “جعل مع الأشرار قبره ومع غني عند موته… جعل نفسه ذبيحة إثم” يقول بعدها مباشرة “يرى نسلاً تطول أيامه ومسرّة الرب بيده تنجح”. لقد مات المسيا، فكيف يستطيع أن يرى هذا النسل الروحي؟ ويؤكد أيضاً بقوله “تطول أيامه”. كل هذا يشرح بوضوح حدث القيامة. وعندما يعلن إشارة واضحة أنه سيقوم من الأموات. بعد القيامة سيرى المسيا نجاح هدف إرساليته “مسرة الرب بيده تنجح”.

وقد التقط بولس الرسول هذه النبوة، وعبرّ عنها بالروح القدس، قائلاً “ناظرين إلى رئيس الإيمان ومُكمّلِهِ يسوع الذي من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهيناً بالخزي فجلس في يمين عرش الله” عبرانيين 12: 2. فالمسيا يُدرك جيداً أن بموته كذبيحة إثم، سيبرر كثيرين “وعبدي البار بمعرفته يُبرر كثيرين”.

مما سبق يتبيّن

من إشعياء 52، 53، يتضح لنا أن هذه النبوات تُشير إلى المسيا، وليس شعب إسرائيل. يمكننا أن نوجز الأسباب في النقاط التالية:

1 – في تفسيرات كل الرابيين القدامى – باستثناء RaSHi – كان الاتجاه العام، هو أن هذه النبوات تخص المسيا كشخص.

2 – استعمال الضمائر في صيغة المفرد ثم يعقبها الضمائر في صيغة الجمع مباشرة، والعكس في نفس الآية.

3 – على مدى الأصحاحين، المسيا يُصور على أنه شخص مفرد، وليس شعب. كما لا نجد مجاز أو صفة بارزة تُشير إلى شعب إسرائيل.

4 – آلام المسيا، هي آلام تطوعية (بإرادته وحده)، أيضاً صمت المسيا تجاه هذه الآلام…. هاتان الحقيقتان، لم تتحققا على الإطلاق في شعب إسرائيل: لا في الماضي ولا في الحاضر، وحتى يومنا هذا.

5 – المسيا سيموت من أجل “ذنب شعبي”. ومعروف أن شعب إشعياء النبي هو الشعب اليهودي. إذاً، هناك تمايز بين المسيا وشعب إسرائيل. إذ كيف يموت الشعب اليهودي من أجل ذنب الشعب اليهودي.

6 – المسيا تألم ومات وهو بريء وخالٍ من أي ذنب أو خطية “لم يعمل ظلماً ولم يكن في فمه غش”. لكن شعب إسرائيل، وإن تألم أو عانى. فهو يتألم من أجل خطاياه “كلنا كغنم ضللنا. ملنا كل واحد عن طريقه” – “ربيت بنين ونشأتهم أما هم فعصوا عليّ… تركوا الرب استهانوا بقدوس إسرائيل ارتدوا إلى الوراء. على م تُضربون بعد. تزدادون زيغاناُ. كل الرأس مريض وكل القلب سقيم” إشعياء 1: 1-8.

7 – آلام المسيا وموته كانت نيابة وبديلاً عن آخرين… بينما شعب إسرائيل لم يتألم نيابة عن الأمم الأخرى، بل مجازاً نقول عن طريق الأمم الأخرى.

8 – بآلام المسيا وبموته، قدّم التبرير والخلاص، لهؤلاء الذين يؤمنون به ويقبلونه. بينما شعب إسرائيل لم يفعل هذا للأمم الأخرى.

9 – المسيا مات ودفن وقبره موجود، لكن شعب إسرائيل ما زال حياً يُرزق.

10- المسيا قام بعد موته، ولكن إن كان شعب إسرائيل ما زال حياً، فإنهم لا يحتاجون إلى قيامة.

نبوات المسيح في سفر أشعياء – الجزء الثاني

نبوات المسيح في سفر أشعياء – الجزء الأول

نبوات المسيح في سفر أشعياء – الجزء الأول

نبوات المسيح في سفر أشعياء – الجزء الأول

لقراءة الجزء الثاني برجاء الضغط هنا

تُعتبر الأصحاحات من 7 إلى 12 من سفر أشعياء، وحدة فريدة من نوعها. ولذا، يُشار إليها أحياناً ب “كتاب عمانوئيل”… حيث أن الاسم “عمانوئيل” يظهر ثلاث مرات فيها:

  • “ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل” إشعياء 7: 14
  • “يفيض ويعبر. يبلغ العنق ويكون بسط جناحيه ملء عرض بلادك يا عمانوئيل” إشعياء 8: 8
  • “تشاوروا مشورة فتبطل. تكلموا كلمة فلا تقوم. لأن الله معنا” إشعياء 8: 10

وعادة في الأسفار المقدسة، عندما يُسمي الوالدان أولادهم، فإن الاسم يُظهر ما يعتقد به أو يفكّر فيه الوالدان… الله أيضاً، عندما يُعطي الاسم مُسبقاً – كما في هذه الآيات – فالاسم يُظهر الطبيعة الفائقة للمولود…

فالاسم “عمانوئيل” تفسيره “الله معنا”، فشخصية المولود ستكون، الله معنا.

أولاً: عذراء تحبل وتلد

“ولكن يعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل إشعياء 7: 14

في دراستنا لنبوة سفر التكوين 3: 15، عرفنا أن المسيا سيأتي من نسل المرأة والآن جاء دور إشعياء النبي، ليحدثنا عن تفاصيل أكثر وضوحاً من ذي قبل، عن ميلاد هذا المسيا من العذراء، أي من نسل المرأة. وربما تكون هذه النبوة من أكثر النبوات التي أثارت جدلاً بين الرابيين وعلماء اليهود، ولذا تطلب الأمر تحليل النبوة لغوياً وبكل دقة. ولقد انقسم المفسرون لهذه النبوة لثلاث فئات في تنازع شديد لإثبات صحة تفسيره وهم: الرابيون القدامى – الرابيون الحداثي – علماء اللاهوت المسيحيين. ونطاق الجدال يدور في سؤالين:

1- ماذا يُقصد بقول إشعياء “يعطيكم السيد نفسه آية”؟ …. وفي نفس الأصحاح – وقبل هذه الآية مباشرة – نقرأ “ثم عاد الرب فكلّم آحاز قائلاً أطلب لنفسك آية من الرب إلهك” إشعياء 7: 10… فالسؤال المطروح على مائدة النقاش هو: كيف تكون هذه النبوة تخص ميلاد طفلاً بعد حوالي 700 سنة من النطق بها، في حين أن الكلام موجّه إلى الملك آحاز؟ مع العلم بأن العهد الجديد استشهد بهذه الآية، على أنها تخص السيد المسيح “لكي يتم ما قيل من قبل الرب بالنبي القائل…” متى 1: 22.

2 – الكلمة العبرية “عَلْمَه”، هل تعني حقيقة “عذراء” أم ببساطة فتاة صغيرة لم تتزوج؟

الإجابة على السؤالين

في إشعياء 7: 10، نحد الحديث يتوجه مباشرة إلى الملك آحاز، قائلاً “اطلب لنفسك آية”…. وكلمة “آية” حسب النص العبري تعني “معجزة”. ولذا فإن البعض من المفسرين، أخذوا هذه النبوة كمثال للنبوات التي تتحقق مرتين. فمن وجهة نظرهم، أن بعض النبوات يمكن أن تتحقق أكثر من مرة… وقالوا إن هذه النبوة – طبقاً لذلك – هي “آية” أو “معجزة” للملك آحاز، وفي نفس الوقت “آية” أو “معجزة” لميلاد المسيح.

ومبدأ تحقيق النبوة مرتين، لا تقبله الكنيسة على الإطلاق، سواء في نبوة إشعياء هذه أو في أي نبوة أخرى. ولو أن هذا المبدأ سليم، فلا حاجة لنا حقيقة لميلاد من عذراء على الإطلاق. وسنثبت خطأ هذا الرأي.

يوجد مبدأ آخر، بخصوص تفسير العهد القديم وهو: “إشارتان”. هذا المبدأ، يعتبر أن المقطع الواحد من الأصحاح، يتعامل مع شخص ما، في زمن ما، عن حدث ما… ثم يتبعه مباشرة، مقطع آخر من نفس الأصحاح، يتعامل مع شخص مختلف، ومكان مختلف – دون – أن يضع فاصلاً واضحاً بين المقطعين، ودون أن يعطي علامة إنه يُوجد تفاوتاً زمنياً بين المقطعين. وهذا المبدأ نتقابل معه كثيراً في الأسفار المقدسة.

إذاً، مبدأ “إشارتان” يعتبر أن جزء واحد من الأصحاح، قد يحتوي على نبوتين، كلٍ منها له التحقيق الخاص بها. وسنشرح ذلك فيما بعد عند تفسير إشعياء من العدد 13-17، والذي يحتوي فعلاً على نبوتين منفصلتين، وكلٍ منها لها مغزى مختلف، ولها تحقيق خاص بها في زمن مختلف.

أما عن كلمة “عَلْمَا”

بالطبع، الجدال كبير، يدور حول المعنى الدقيق للكلمة العبرية “عَلْمَا”، والتي تُرجمت هنا بالعربية “عذراء”. تُوجد في اللغة العبرية ثلاث كلمات للتعبير عن فتاة صغيرة، والتي يُمكن لإشعياء استخدامها، وهي:        

1 –   “נערה  نَ عَ ر ا” وتقرأ بالتشكيل Naa rah

 وهي تعني “فتاة صغيرة” ويمكن أن تشير إلى، فتاة عذراء נערה، مثل ما جاء في ملوك الأول 1: 2 “فقال له (لداود) عبيده ليفتشوا لسيدنا الملك على فتاة عذراء  فلتقف أمام الملك…” ويُمكن أ، تشير إلى فتاة غير عذراء كما جاء في راعوث 2: 6 “فأجاب الغلام المُوكّل على الحصادين وقال هي فتاة נערה موآبيه قد رجعت مع نعمى من بلاد موآب”. ونحن نعلم أن راعوث كانت متزوجة.

2 – “בתולה  ب ت و ل ا”

أُصطلح على استخدام الكلمة العبرية “بتولا”، للتعبير على وجه التحديد عن “عذراء”. وإنه لمن المُقنع أن يستخدم إشعياء هذه الكلمة، إذا هو حقيقة يقصد “عذراء”…. إن الكلمة تُستخدم – بالفعل – عادة للتعبير عن “عذراء”، ولكن ليس دائماً. فعلى سبيل المثال:

– “نُوحي يا أرض كعروس مؤتزرة بمسح من أجل بعلِ صباها” يوئيل 1: 8 فهي استخدمت هنا لتشير إلى فتاة مات عنها رجلها (أرملة).

– “وكانت (رفقة) الفتاة (بتولا) حسنة المنظر جداً وعذراء (عَلْمَا) لم يعرفها رجل” تكوين 24: 16. وحيث أن الكلمة ليس دائماً تعبّر عن عذراء، لذا استخدم أو أضاف قائلاً “لم يعرفها رجل” كي يوضح ماذا يقصد.

– ” فوجدوا من سكان يابيش جلعاد أربع مئة فتاة (بتولا) عذراي لم يعرفن رجلاً” قضاة 21: 12. هنا أيضاً أضاف “لم يعرفن رجلاً” ليعطي المعنى الدقيق.

3 –  “עלמה ع ل م ا”

هذه الكلمة تُستخدم للتعبير عن “فتاة صغيرة عذراء، هذه الكلمة – أيضاً – لم ترد ولو مرة واحدة للتعبير عن فتاة متزوجة، في الأسفار المقدسة. وهي تعني “عذراء” على وجه الإطلاق. فعلى سبيل المثال:

  1. ” فها أنا واقف على عين الماء وليكن أن الفتاة (عَلْمَا) التي تخرج لتستقي وأقول لها.. ” تكوين 24: 43 – بالمقارنة مع “وكانت الفتاة (بتولا) حسنة المنظر جداً وعذراء (عَلْمَا) لم يعرفها رجل” تكوين 24: 16. في الآية الأولى (43)، لم يتطلب الأمر إلى إضافات توضيحية، حيث أن الكلمة بمفردها – فقط – كافية لتعني “عذراء”. علاوة على ذلك، استخدمها من أجل رفقة التي كانت على نحو بيّن عذراء قبل زواجها بإسحق.
  2. ” فقالت لها ابنة فرعون اذهبي. فذهبت الفتاة (عَلْمَا) ودعت أم الولد” خروج 2: 8. هنا يشير إلى مريم أخت موسى، التي كانت وقتئذ عذراء، ولذا استخدم الكلمة (عَلْمَا).
  3. ” من قدام المغنون من وراء ضاربو الأوتار في الوسط فتيات (عَلْمَا) ضاربات الدفوف” مزمور 68: 25. هنا يشير إلى الموكب الملوكي الذي يسير فيه العذارى. وحيث أن الملك في هذا المزمور هو الله نفسه، اقتضي الأمر أن يكون السائرات في الموكب عذارى صِرُف…. إذ أنه عادة يشار إلى الطهارة والنقاء بالعذارى.
  4. “اسمك دهن مهراق. لذلك أحبتك العذارى” نشيج الأناشيد 1: 3 هنا الحديث عن الطهارة في الزواج، لذلك استخدم أيضاً (عَلْمَا).
  5. “هُنّ ستون ملكة وثمانون سُرّية وعذارى (عَلْمَا) بلا عدد” نشيد الأناشيد 6: 8 لقد استخدم الكلمة (عَلْمَا) للمقارنة مع الزوجات والسراري، وهن على نحو بين غير عذارى.
  6. “ثلاثة عجيبة فوقي وأربعة لا أعرفها. طريق نسرٍ في السموات وطريق حيّة على الصخر وطريق سفينة في قلب البحر وطريق رجل بفتاة (عَلْمَا)” أمثال 30: 18-19 هنا الكلمة التي استخدمت (عَلْمَا) للمقارنة مع الزانيات في الآية 20.
  7. “ها العذراء (عَلْمَا) تحبل وتلد ….” إشعياء 7: 14.

حيث أن الآيات الست السابقة، استعمل الكلمة العبرية (عَلْمَا) وتعنى عذراء على وجه الإطلاق، ما السبب في جعل إشعياء 7: 14، حالة خاصة في حين أنه استخدم أيضاً نفس الكلمة (عَلْمَا).

بقدر ما اهتم الكتاب اليهود القدامى بكل النبوات المسيانية، وجادلوا كثيراً فيها، إلا أنهم لم يقدموا حجة ضد نبوة ميلاد المسيا من عذراء، حسب ما ورد في إشعياء 7: 14. فالترجمة السبعينية، وهي ترجمة يونانية للعهد القديم من العبرية – وقد تمت ما بين سنة 250 ق.م: 200 ق.م – أي ما قبل 200 سنة من بدء الجدال بخصوص أن الرب يسوع هو المسيا، وأن اليهود الذين قاموا بالترجمة عاشوا في وقت أقرب ما يكون لزمن إشعياء منه لنا… إلا أنهم قد ترجموا الكلمة العبرية (عَلْمَا) إلى “بارثينوس” اليونانية، والتي يعرفها الكل بلا جدال أنها تعنى عذراء لم تعرف رجلاً.

إذاً، لم يكن لديهم أي شك في أن الحدث الفريد الذي وعد به الله على أنه “آية”، هو معجزة عذراء تحمل بطفلٍ وتظل عذراء. وإن كان الأمر عكس ذلك، فأين هي إذاً المعجزة؟!

آية لبيت داود

“فقال اسمعوا يا بيت داود. هل هو قليل عليكم…” إشعياء 7: 13-14 يقول بعض الرابيين، أن الحديث في الأصحاح السابع كله من سفر إشعياء يخص الملك آحاز… وهذه مغالطة كبرى. فإذا أمعنا النظر، في صيغة المخاطب في كل من الآيات (10- 11)، نجدها موجهة بصيغي المفرد، أي موجهة إلى آحاز، …. أما صيغة المخاطب في كل من الآيات (12-13-14)، نجدها موجهة بصيغة الجمع، إي إلى بيت داود. فإشعياء ينتقل في العدد 13 من مخاطبة آحاز الملك بصيغة المفرد إلى مخاطبة كل بيت داود بصيغة الجمع…

لتوضيح ذلك نورد الآيات:

أ – مخاطبة آحاز الملك (في صيغة المفرد):

  • “لأن آرام تآمرت عليك بشّرٍ….” آية 5
  • “اطلب لنفسك آية من الرب إلهك” آية 11
  • “تُخلى الأرض التي أنت خاش من ملكيها” آية 16

ب – مخاطبة بيت داود (في صيغة الجمع):

  • “فقال اسمعوا يا بيت داود. هل هو قليل عليكم أن …” آية 13
  • ” ولكن يعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء….” آية 14

إذاُ، ليس الحديث كله مُوجه إلى الملك آحاز، كما يقول البعض، في تجاهل واضح لقواعد اللغة العبرية… فإنه يوجد أيضاً حديثاً موجهاً لبيت داود. ولا يُمكن لباحث في الأسفار المقدسة أن تمر مثل تلك الأمور من بين يديه. فالنبوة، الخاصة بميلاد السيد المسيح من عذراء، وردت في الحديث الموجه إلى بيت داود.

كل ما في الأمر، أن هناك آية للملك آحاز (معجزة)، وآية أخرى لبيت داود (معجزة).

حرف الـ”ה” يلفظ “ها”

فحرف الـ”ה” في قوله “ה-עלמה” أي “ها العذراء” (ها علما): عندما تقرأ في اللغة العبرية، فهي تُلفت الانتباه. إذ تُشير إلى حدث في المستقبل. فمتى أُستخدم حرف الإشارة “ה ها” مع اسم الفاعل، في اللغة العبرية، فإنه عادة يدّل على حدث يقع في المستقبل… ففي الآية (14)، يكون المعنى: ليس فقط الميلاد الذي سيحدث في زمن المستقبل، بل أيضاً الحمل. لذا، فالآية لا تُشير إلى امرأة حامل ستعطى ولداً.. بل امرأة ستحبل وستلد في زمن المستقبل، لكن إشعياء كان يراه بعين النبوة أمامه.

ملحوظة أخرى، أود أن أُلفت إليها نظر القارئ، هي: إن الآية تقول “ها العذراء” مُعّرفة بأداة التعريف “أل”، ولا تقول “ها عذراء” في صيغة النكرة. وبحسب قواعد اللغة العبرية، فعند استخدام أداة التعريف “أل” ينبغي على القارئ أن يبحث عن علاقة ذلك بسياق الحديث الذي ورد قبله مباشرة، ليتعّرف على هذا الشخص المُعّرف بأداة التعريف. أما في هذه النبوة التي ندرسها، فلا نجد أي إشارة عن أي عذراء، يتحدث عنها الأصحاح.

وعند انقطاع العلاقة بين اسم الفاعل المُعرف بأداة التعريف، والحديث الذي يسبقه، يضع علماء اللغة العبرية، مبدأ آخر هو مبدأ “البحث في حدث تاريخي سابق” للتعرّف على هذه الشخصية. بمعنى: البحث عن حدث مماثل، لهذه الشخصية التي يُراد التعرف عليها: يكون قد حدث من قبل ويكون شائعاً بين الناس – أين يُوجد في الأسفار المقدسة – أو في التقليد اليهودي القديم … أن عذراء تلد طفلاً!!

المرجع الوحيد لإمكانية ذلك، هو ما أشارت إليه نبوة سفر التكوين 3: 15 – على نحو مخالف لما هو معتاد كتابياً – فإن المسيا سيأتي من نسل المرأة، لماذا؟ لأنه ليس له أباً بحسب الجسد… سوف يُحمل به ويولد من عذراء، بالروح القدس… أما متى يُلد هذا الطفل، فيمكن أن نستشفّه من النبوة نفسها: إذ أن وعود الله لبيت داود الذي من نسل يهوذا، لا يُمكن أن تُنزع أو تفقد هويتها، حي تُولد عذراء، وتلد ابناً.

وبذلك هذا يقتضي أن هذا الطفل يُولد قبل تدمير الهيكل الذي يحفظ سجلات الأنساب، وقبل أن تفقد الأسباط هويتها وتختلط، وقبل أن ينتهي دور بيت داود في الملوكية… كل ذلك، يجعلنا نقول إن المسيا يُولد قبل سنة 70 ميلادية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون بعد هذا التاريخ.

إذا، ما هي الآية التي لآحاز الملك

“ثم عاد الرب فكلّم آحاز قائلاً. اطلب لنفسك آية من الرب إلهك” إشعياء 7: 10 بعد أن وصلنا إلى نتيجة مفادها أن إشعياء 7: 12-14، هي نبوة تخص ميلاد السيد المسيح من عذراء.. ماذا عن آحاز؟؟ فإن حدثاً يقع بعد 700 سنة، أن عذراء تحبل وتلد طفلاً – بالنسبة لآحاز – قليل الأهمية. لكن الذي يخص آحاز، نجده وبصورة دقيقة في الآيات من 15-17، حيث نقرأ “…. لأنه قبل أن يعرف الصبي أن يرفض الشر ويختار الخير تُخلى الأرض التي أنت خاشٍ من ملكيها…”

ماذا يُقصد بهذا القول؟ وأين هي المعجزة التي تخص آحاز الملك، فقط؟ معنى هذه الآية هو: قبل أن يكبر ابن إشعياء بالقدر الذي يجعله قادراً على التمييز بين الخير والشر، فإن ملك إسرائيل وملك آرام ينكسرا، ويزول تهديدهما. وهذا قد تحقق بالفعل بعد ثلاث سنوات. ونلاحظ هنا أن إشعياء النبي يستعمل مرة أخرى، أداة التعريف “أل” في قوله “الصبي”.

فهذه المرة نجد أنه يُشير إلى “صبي آخر”: هو ابن إشعياء، وذلك عملاً بالمبدأ الذي أشرنا إليه سابقاً… وهو أن نبحث في علاقة اسم الفاعل المعًرف “بأل” بسياق الحديث الذي ورد قبله مباشرة، نجد أن في الآية 3، يقول الرب لإشعياء “فقال الرب لإشعياء اخرج لملاقاة آحاز أنت وشآر ياشوب ابنك”. إذاً، الشخص المعّرف ب “أل” في قوله “الصبي” هو شآر ياشوب، ابن إشعياء.

حيث يُوجد حديث عنه فيما قبله وفي نفس الأصحاح… إذاً، لا يمكن أن يكون “الصبي: الذي يتحدث عنه في الآية 16، هو نفس الطفل الذي ستلده العذراء في الآية 14.

لكن لماذا أمر الرب أن يأخذ إشعياء ابنه شآر ياشوب معه، …. وللإجابة على هذا السؤال نقول: إن الملك آحاز، ملك يهوذا (المملكة الجنوبية)، كان خائفاً، وواقعاً تحت تهديد بالهجوم من كل من ملك آرام وملك إسرائيل (المملكة الشمالية). هذا التهديد ليس موجهاً له هو شخصياً فقط، بل إلى كل بيت داود أيضاً. فأراد الله أن يُخبر الملك آحاز – بواسطة إشعياء – أن يحتفظ بهدوئه وسلامه ولا يخاف منهما. وهذا هو السبب في لماذا أعطى الله معجزتين، هو لضمان وعد الله بالأمان والطمأنينة:

  • ” المعجزة أو الآية الأولى” في العددين 13-14: أي اعتداء لسحق بيت داود لا ينجح حتى يُولد الطفل من العذراء، أي المسيا، عمانوئيل.
  • ” المعجزة أو الآية الثانية” في العددين 15-16: وهي خاصة لآحاز، فإن الله يعده بأن الاعتداء عليه من ملك آرام وملك إسرائيل، لا يُكتب له النجاح، وقبل أن يصل ابن إشعياء – شآر ياشوب – إلى سن يجعله يُميّز بين الخير والشر، هذان الملكان العدوان ينكسران. وهذا هو السبب الذي جعل الرب يوصي إشعياء بأن يأخذ ابنه معه.

ثانياً: عمانوئيل

עמנואל

ع م ن و إِ ل

لقد كان رجاء كل أم يهودية، أن يكون طفلها، عليه يقوم مستقبل شعب إسرائيل. مع آلام المخاض تأتي الأفكار المعزية “ربما تتم في طفلي كل وعود الرب للأمة. ربما يكون طفلي هو المسيا”. ففي الأزمنة القديمة، كانت النساء تحمل البُشرى بميلاد الطفل الجديد، من بيت لآخر.

وفي نبوات إشعياء، نقرأ عن طفل فريد من نوعه وفي ميلاده. نبوة عن ابن ليس له شبيه من قبل ولا من بعد، في العالم. ففي الأصحاحات 7:10 من إشعياء، نجد إشارات متكررة لميلاد طفل سوف يُحدث تغييراً في تاريخ إسرائيل. ومن عادة الوالدين أن ينتظروا وصول المولود لمعرفة جنسه ولتحديد اسمه. أما الرب يسوع فقد أُعطي العديد من الأسماء قبل ميلاده، وكانت تسبق الإعلان عنه عبارة “ويُدعى اسمه…” ولذا يقول هو عن نفسه على لسان إشعياء النبي “الرب من البطن دعاني.

من أحشاء أمي ذكر اسمي” إشعياء 49: 1 والحقيقة أن اسماء الرب يسوع تُشبه دهنة الزيت التي استخدمها الكهنة في العهد القديم، فهي مركّبة من عدة أنواع من الطيب. فعادة ما يكون الاسم مرادفاً لطبيعة الشخص المولود، وله مدلوله الهام. ولهذا فالأسماء التي أُعطيت للسيد المسيح بالنبوة تستحق اهتمامنا.

توقيت الاسم “عمانوئيل”

في وسط مخاوف الحروب، بسبب ورود أخبار باتفاق رصين ملك آرام مع فقح بن رمليا ملك إسرائيل، لمحاربة آحاز ملك يهوذا، يتقدّم إشعياء النبي لآحاز الملك المرتعب والمرتجف “كرجفان شجر الوعر” إشعياء 7: 2، ليسلمه رسالة لم يفهمها ولم يصدقها، بل من العسير لأي مفسر أن يفهمها إلا إذا وضع في الحسبان أن إشعياء نبي، فهو حينما يضع حلولاً فهي ليست لزمن ما ولا تنحصر في شخص، ولكن على مستوى الله وفكره وتدبيره.

قال إشعياء لآحاز الملك “احترز واهدأ. لا تخف ولا يضعف قلبك” إشعياء 7: 4. ولكن لم يؤمن آحاز بوعد الله هذا، فماذا يكون ردّ الله على فم نبيه إشعياء؟ … إن وعدي ببقاء يهوذا وأورشليم وسلامة الملك، هو وعد أبدي قائم على أساس محبتي لداود الذي كان قلبه حسب قلبي، والوعد هو “متى كملت أيامك لتذهب مع آبائك أني أقيم بعدك نسلك الذي يكون من بنيك وأثبت مملكته” أخبار الأيام الأول 17: 11.

حتى لو لم يُصدق آحاز، فسيبقى الرب أميناً على وعده ليُتممه بنفسه على مستوى المعجزة. معجزة لآحاز، تُطمئنه، ومعجزة “عمانوئيل” أي “الله معنا”. ويعود الله ويكمّل خطة خلاصه بواسطة هذا الابن الذي يملك إلى الأبد على كرسي داود أبيه “وأنا أثبت كرسيّه إلى الأبد” أخبار الأيام الأول 17: 12.

لذا يُريد الله أن يقول: إلى أن يتم ميلاد “عمانوئيل”، كل المؤامرات والحروب ضد بيت داود يُحكم عليها بالفشل “ويكون بسط جناحيه ملء عرض بلادك يا عمانوئيل… تشاوروا مشورة فتبطُل. تكلموا كلمة فلا تقوم. لأن الله معنا” إشعياء 8: 8-10. من هذا نُدرك كيف يضع الله الحلول للمآزق الزمنية التي بها يكشف عن قدرته السرمدية، على بقاء أمانته لوعده.

معنى عمانوئيل

نبوة إشعياء تُعلن صراحة أن اسم “عمانوئيل” معناه “الله معنا”. ولكن ماذا يعنى هذا بالنسبة لنا كنيسة العهد الجديد: هذا الاسم يوضّح حقيقتين مهمتين، وهما ألوهية المسيح وصحبته للإنسان، فهو الله الظاهر في الجسد – وهو الذي وعدنا قائلاً “ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر” متى 28: 20. فإن تلد العذراء فهذه معجزة، ولكن أن يُدعى المولود منها عمانوئيل فهذه معجزة المعجزات.

إنها مبادرة من الله، تكشف حبه لكي يأتي إلينا يطلب القُربى منا والصلح والتودد ويبقى معنا بقاء أبدياً. “فعمانوئيل” أي “الله معنا” لم يعد اسماً ولقباً للرب يسوع المسيح المولود من العذراء، ولكنه كيان حققه تحقيقاً ثاباُ أبدياُ بأخذه جسداً لنفسه من العذراء. وعندما أخذ هذا الجسد صار فينا، بل صار لنا، كما أدخلنا في كيانه فصرنا وكأننا من لحمه وعظامه.

فلكي يحقق الله اسمه “عمانوئيل” الله معنا، تجسّد الابن ثم فدانا وخلصنا وصالحنا، فأعطانا التبني، حتى صيرنا بنين لله، لنقف أمامه قديسين بلا لوم. وكانت طلبته إلى الآب “أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أكون أنا لينظروا مجدي الذي أعطيتني لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم” يوحنا 17: 24.

فعمانوئيل لم يكتف بأن يحقق “الله معنا” بل أراد أيضاً أن نكون نحن أيضاً معه!!! مما يكشف السّر المخفي في عمانوئيل، فالله صار معنا لهدفٍ واحدٍ أن نكون نحن معه. وما هو معنى الفداء والخلاص كله الذي كلّف الآب بذل ابنه المحبوب للموت على الصليب؟ أليس لنكون بالنهاية معه. فإن صرنا مع الله من القلب، صار الله معنا في القلب، فعلى قدر محبتنا للمسيح يتوقف أن يكون الله معنا.

في العهد القديم كان لله مسكن مع شعبه… الآن بالمسيح أصبح الناس مسكناً له. هو لنا وهو معنا.

ثالثاً: لاهوت هذا الابن

” لأنه يُولد لنا ولد ونُعطى ابناً وتكون الرياسة على كتفه ويُدعى اسمه عجيباً مُشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام” إشعياء 9: 6-7

الآيتان اللتان سنناقضهما هنا تبحثان في تحديد طبيعة المسيح: الطبيعة اللاهوتية والطبيعة الناسوتية.

1 – الطبيعة الناسوتية

“لأنه يولد لنا ولد” إشعياء 9: 6. في هذا الجزء من الآية، يؤكد إشعياء على الطبيعة البشرية للمسيا. إشعياء النبي يرى طفلاً، يُعطى من الله وتكون ولادته بين العالم البشري، وتحديداً العالم اليهودي. واستعماله اسلوب التعبير “يولد لنا” في العهد القديم، إشارة أن الطفل هو عطية خاصة من الله. وأغلب العلماء اليهود، قالوا إن هذا الطفل، هو المسيا المشار إليه في المزمور “الرب قال لي أنت ابني، أنا اليوم ولدتك” مزمور 2: 7.

2 – الطبيعة اللاهوتية

“ويُدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام” إشعياء 9: 6-7، في هذه الآية، هذا الابن يُعطى أربعة أسماء، كل اسم يتكون من جزئين. وفي اللغة العبرية لا تستعمل هذه الأسماء إلا للحديث عن الله، فقط.

“عجيباً مشيراً”

     פלא   پ  لِ  ا  –  יועץ  ي  و  ع  تص

في بعض الترجمات تُوضع “فاصلة،” بين الكلمتين، لتجعلهما اسمين منفصلين. والكلمة “عجيب”، لها منشأ خاص، فلكي يُدرك معناها تقترن عادة مع كلمة “مشيراً”. والجدير بالذكر، أن هناك بعض الكلمات في اللغة العبرية، تُستخدم فقط للحديث عن الله، ولا تُستعمل أبداً للإنسان. فعلى سبيل المثال: “يخلق ברא ب ر ا” هذه الكلمة تُستخدم في ما يبدعه الله من خلق، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تُستخدم لما يعمله الإنسان. كلمة أخرى مثل “פלא پ ل ا” تُترجم في العربية “عجيب”. في اللغة العربية “عجيب” يُمكن أن تُطلق على أشياء عديدة، ولكن في اللغة العبرية، تُستخدم على وجه خاص ومتفرّد في الحديث عن اللاهوت.

“إلها قديراً”

   אל גבור  أ  ل   ج  ب  و  ر

هذه أيضاً، في اللغة العبري لا تُستخدم إلا للحديث عن اللاهوت، ومعناها الجبار أو “القادر على كل شيء”.

“أباً أبدياً”

    אבי עד أ  ب  ي    ع  د

حرفياً تعني “أب الأبدية”. الابن الذي سيُولد، سيكون أب الأبدية، أي أنه هو مصدر الحياة الأبدية. وهذا المصطلح – أيضاً – لا يُستعمل إلا للحديث عن الله.

علاوة على ذلك، هذه الأسماء الأربعة، نجدها في أماكن أخرى من سفر إشعياء، وفي كل مرة تستعمل للحديث عن الله فقط، وليس للإنسان، فمثلاً:

– “عجيباً مشيراً”: هذا الاسم نجده في إشعياء 25: 1 “يا رب أنت إلهي أُعظمك. أحمد اسمك لأنك صنعت عجباً. ومقاصدك منذ القديم”. في الأصل العبري “مقاصدك” حرفياً تعني “مشوراتك”. وفي إشعياء 28: 29 “هذا أيضاً خرج من قبل رب الجنود. عجيب الرأي (المشورة). عظيم الفهم”. وفي إشعياء 11: 1 “…. روح المشورة والقوة….”.

– “إلهاً قديراً”: هذا الاسم نجده في إشعياء 10: 21 “ترجع البقية بقية يعقوب إلى الله القدير”. عندما نضع هذه الآية بجوار إشعياء 9: 6 “…. إلهاً قديراً” يتضح جلياً أن هذا الابن – المسيا – هو إله أيضاً.

– “أباً أبدياً”: هذا الاسم نجده في إشعياء 63: 16 “أنت يا رب أبونا ولينا منذ الأبد اسمك”. وهو نفس الاسم في إشعياء 9: 6. ولا يُستخدم إلى لله فقط.

– “رئيس السلام”: שר שלום س ر    ش ل و م 

هذا هو الاسم الوحيد من الأربعة، الذي يُستخدم للإنسان ولله.

ونجد هذا الاسم أيضاً في إشعياء 26: 3 “ذو الرأي المُمكّن تحفظه سالماً لأنه عليك متوكل”. ونجد في هذه الآية – حسب اللغة العبرية _ أن الفاعل والمفعول به هو الله نفسه. أيضاً في إشعياء 26: 12 “يا رب تجعل لنا سلاماً لأنك كل أعمالنا صنعتها لنا” نلاحظ أن عمل السلام يُنسب إلى الله. وأحياناً كما قلنا سابقاً، يُستعمل هذا المصطلح للإنسان أيضاً. لكن إذا دققنا الملاحظة في سفر إشعياء – رغم ذلك – نجد أن عمل السلام، هو عمل الله فقط (لكن ليس الآن مجال هذا البحث).

أخيراً يمكننا أن نلخص النبوة السابقة في التالي:

  1. الابن الذي يعطينا الله إياه، هو إنسان وإله معاً…. إبناً أبدياً.
  2. هذا الابن – المسيا – سيأتي من بيت داود … بيتاً أبدياً.
  3. هذا الابن – المسيا – يجلس إلى الأبد على كرسي داود… مملكة وعرشاً أبدياً.
  4. هذا الابن، يتحقق فيه العهد الذي أقامه الله مع داود: بيت أبدي – مملكة أبدية – عرشاً أبدياً – ابناً أبدياً.

 

رابعاً: جذع يسّى

“ويخرج قضيب من جذع يسّى وينبت غصن من أصوله. ويحلّ عليه روح الرب روح الحكمة والفهم والمشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب” إشعياء 11: 1-2.

أولاً: جذع يسّى

الآية الأولى من النبوة، تؤكد على طبيعة المسيح المتواضع، فهي تصوّر شجرة قُطعت، ولم يبق منها سوى جذع شبه ميّت. ثم فجأة يبرز غصن وينمو بالقرب من الأرض، وفي آخر الأمر يحمل ثمرة. وجدير بالانتباه أن هذه النبوة بالذات لم يُذكر فيها اسم داود، ولكن يذكر اسم أبيه، يسّى. فداود عادة يرتبط اسمه بالملوكية – حيث السلطان والغنى.

والدارس للعهد القديم، لا يغيب عن باله، أن داود في شبابه عاش في بيت يسّى، فقير المنشأ في بيت لحم التي لها مهابة واحترام: “فقل الرب لصموئيل حتى متى تنوح على شاول وأنا قد رفضته عن أن يملك على إسرائيل. املأ قرنك دُهناً وتعال أُرسلك إلى يسّى البيتلحمي لأني قد رأيت لي في بنيه ملكاً… فعل صموئيل كما تكلم الرب وجاء إلى بيت لحم” صموئيل الأول 16: 1-4 -“وداود هو ابن ذلك الرجل الأفراتي من بيت لحم الذي اسمه يسّى… وأما داود فكان يذهب ويرجع من عند شاول ليرعى غنم أبيه في بيت لحم” صموئيل الأول 17: 12-15.

نفهم من كل هذا …. ومن قول الرب “من جذع يسّى، أي أن المسيا ابن داود، لا يظهر حتى يرجع بيت داود متواضعاً بسيطاً، كما كان في أيام يسّى.. أكثر من كونه الملك العظيم الخارج من بيت داود. بالتالي، النبوة تُؤكد بشكل واضح، على المسيا المتواضع البسيط في وقت ميلاده.

ونلاحظ – في نفس الوقت – أن ذلك المسيا المتواضع البسيط، هو هو الملك، وهذا يتضح من المصطلح العبري “قضيب” وهو صولجان الملك، رمز الملوكية “يخرج قضيب (رمز الملوكية) من جذع يسّى (رمز التواضع والفقر) ….” إشعياء 11: 1. وقول إشعياء في النبوة “من جذع يسّى”، فبالرغم من أن الغصن ينبت قريب من الأرض، من الجذع، لكن ليس بدون ثمر… أخيراً سيُصبح هذا الغصن شجرة مثمرة هي بحق له.

ثانياً “الغصن נצר  ن. تص. ر”

هذه النبوة كتبها إشعياء النبي قبل مجيء المسيح بحوالي 700 سنة… وقد اتفقت تفسيرات كل الرابيين، على أنها تخص المسيا. ومن هذه النبوة نكتشف حقيقتين:

– النبوة حددت بوضوح: أن أحد أجداد المسيا هو يسّى، من أجل هذا قال “جذع يسّى”. وقوله “يسّى” ينبّه ذهننا للتو إلى “بيت لحم”. والجذع الذي هو قريب من الأرض، يُشير إلى الأصل أو مكان الولادة.

– أما الكلمة العبرية “netzer” ومعناها “غصن”. بهذا حددت النبوة المكان الذي سيعيش فيه المسيا. كان يمكن لإشعياء النبي أن يستخدم كلمة عبرية أخرى لها نفس المعنى “غصن” وهي كلمة “צמח – تص. م. ح – Tsemah”، لكن لم يستعملها. بالرغم من أن إشعياء نفسه قد استخدمها في مكان آخر في حديثه عن المسيا، فمثلاً: “في ذلك اليوم يكون غصن Tsemah للرب بهاءً ومجداً وثمر الأرض وزينة للناجين من إسرائيل” إشعياء 4: 2.

كذلك أيضاً إرميا النبي استعمل كلمة Tsemah ولم يستعمل كلمة netzer، في قوله “ها أيام تأتي يقول الرب وأقيم لدود غصن Tsemah برّ فيملك مَلِكٌ فينجح ويجري حقاً وعدلاً في الأرض” إرميا 23: 5 – “في ذلك الزمان أُنبت لدود غصن Tsemah البرّ فيجري عدلاً وبراً في الأرض” إرميا 33: 15 – كذلك زكريا النبي استعمل نفس الكلمة العبرية، في قوله “لأني هأنذا آتي بعبدي الغصن Tsemah” زكريا 3: 8.

مما لا شك فيه أن هناك سبباً خاصاً جعل إشعياء النبي يستعمل الكلمة “נצר netzer” بدلاً من الكلمة “צמח Tsemah” ، هنا نكتشف دقة الوحي الإلهي …. على لسان إشعياء النبي الذي نطق بوحي من الروح القدس. فنقرأ في إنجيل متى: “وأتي وسكن في مدينة يُقال لها ناصرة، لكل يتم ما قيل بالأنبياء إنه سيدعى ناصرياً” متى 2: 23. حيث أن كلمة “ناصرة” נצרת هي عبارة عن الكلمة נצר غصن + ת تاء التأنيث في اللغة العبرية.

وهذا معناه أن المسيا “الغصن netzer”، سيسكن مدينة “الناصرة natzeret”. والعجيب أن إشعياء جمع بين مكان الميلاد – بيت لحم – ممثلة في كلمة “جذع يسّى” وبين مكان الذي ينشأ فيه – الناصرة- ممثلة في كلمة “ينبت غصن” (ملحوظة: الكلمة العبرية “ينبت ” لها نفس جذور الكلمة العبرية “ينشأ”)

ثالثاً: يحلّ عيه روح الرب

في الآية الثانية من نفس النبوة، نرى أن هذا المسيا الذي ينبت من جذع يسّى، يمتلئ من الروح القدس، ذو الشُعب السبع. ولوصف الامتلاء بالروح القدس استخدم المفسر اليهودي، تشبيه المنارة الذهبية سباعية الشُعب. ونلاحظ أن المُصطلح “روح الرب” يُذكر مرة واحدة، يتبعها ثلاث مرات “روح ال…”، وكل واحدة منها تقترن بصفتين مميزتين: للتوضيح نورد الآية بالطريقة التالية:

روح الرب: روح الحكمة والفهم

             روح المشورة والقوة

             روح المعرفة ومخافة الله

وفي هوامش أغلب الترجومات اليهودية القديمة نجد مكتوب الآتي: إذا اقترنت هذه الصفات الثلاث: الحكمة – المشورة – المعرفة، مع المصطلح “روح الرب”، فهذا يُشير إلى دلالة لاهوتية. وقد احتار الرابيون في تفسير هذه الدلالة، فحسب مفهوم للمسيا لا يمكن أن يحمل صفة لاهوتية، ولذلك لم يعطوا تفسيراً واضحاً: لماذا ذكر إشعياء هذا عن المسيا.

وهنا نرى الوحي الإلهي، على لسان إشعياء النبي، يجمع في هذه النبوة بين المسيح المتواضع والفقير، في ناسوته (في قوله جذع يسّى)، ولاهوته (في قوله روح الرب…. روح الحكمة – المشورة – المعرفة).

وإذا ربطنا بين ثلاث آيات وردت في كل من العهد القديم والعهد الجديد، نجد أنفسنا أمام سمفونية إلهية رائعة، فيها من التعزية والفرح ما ينعش النفس والقلب، وهي:

-“ويحلّ عليه روح الرب. روح الحكمة والفهم. روح المشورة والقوة. روح المعرفة ومخافة الرب” إشعياء 11: 2.

– ” روح السيد الرب عليّ لأن الرب مسحني لأبشر المساكين….” إشعياء 61: 1-3.

-“فدفع إليه سفر إشعياء النبي. ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوباً فيه روح الرب عليّ لأنه مسحني…” لوقا 4: 16-21.

هذا هو المسيح – المسيا – الذي يمتلئ من الروح القدس، هو ابن الله. وقد شهد له يوحنا المعمدان قائلاً: ” وفي غد نظر يوحنا يسوع مقبلاً إليه فقال هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم… وأنا لم أكن أعرفه. لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي الذي ترى الروح نازلاً ومستقراً عليه فهذا هو الذي يُعمد بالروح القدس. وأنا قد رأيت وشهدت أن هذا هو ابن الله” يوحنا 1: 29-34.

تحقيق النبوة في حياة السيد المسيح

1- وُلد السيد المسيح من بيت داود.

2 – وُلد في بيت لحم، موطن يسّى.

3 – ولد في فقر شديد: وهذا ما نلمسه في تقديم العذراء ذبيحة حسب شريعة موسى بعد أيام التطهير، قدمت زوج يمام أو فرخي حمام “ولما تمت أيام تطهيرها حسب شريعة موسى صعدوا به إلى أورشليم ليقدموه للرب. كما هو مكتوب في ناموس الرب إن كل ذكر فاتح رحم يُدعى قدوساً للرب. ولكي يقدموا ذبيحة كما قيل في ناموس الرب زوج يمام أو فرخي حمام” لوقا 2: 22-24.

(حسب ما ورد في سفر اللاويين 12: 1-8، عندما تكتمل الأم أيام تطهيرها بعد الولادة، تُقدم خروف ابن سنة كمحرقة وفرخ حمامة أو يمامة ذبيحة خطية، ولككن يستثنى من ذلك العائلات الفقيرة والمعدمة، قد سمُح لهم بتقديم يمامتين أو فرخي حمام الواحد محرقة، والآخر ذبيحة خطية). وبما أن مريم ويوسف كلاهما من نسل داود، إذا موضوع فقر بيت داود أصبح واضحاً (كما شرحنا من قبل).

4 – أما حلول الروح القدس على المسيح، فيوحنا المعمدان يشهد مرة أخرى للمسيح قائلاً:

“الذي يأتي من فوق هو فوق الجميع. والذي من الأرض هو أرضي ومن الأرض يتكلم. الذي يأتي من السماء هو فوق الجميع. وما رآه وسمعه به يشهد وشهادته ليس أحد يقبلها. من قبل شهادته فقد ختم أن الله صادق. لأن الذي أرسله الله يتكلم بكلام الله. لأنه ليس بكيل يُعطى الله الروح” يوحنا 3: 31-34. هنا الروح القدس ينطق على لسان يوحنا المعمدان، بأن السيد المسيح ليس إنساناً عادياً، بل من السماء جاء، وإنه مملوء من الروح القدس بلا قياس.

ومن المعرف أن الرقم “7” له مدلول الكمال في الأسفار المقدسة، فطبيعة الروح القدس ذات الشُعب السبع (الواردة في هذه النبوة)، هو مرادف للكلمة ” ليس بكيل” الواردة في يوحنا 3: 34. وهذا أيضاً ينسجم مع ما جاء في سفر الرؤيا: 

  • “نعمة لكم وسلام من الكائن والذي كان والذي يأتي ومن السبعة الأرواح التي أمام عرشه” رؤيا 1: 4.
  • ” واكتب إلى ملاك الكنيسة التي في ساردس. هذا يقول الذي له سبعة أرواح الله” رؤيا 3: 1.
  • “خروف قائم كأنه مذبوح له سبعة قرون وسبع أعين هي سبعة أرواح الله” رؤيا 5: 6.

خامساً: مختاري الذي سُرّت به نفسي

“هوذا عبدي الذي أعضده مختاري الذي سُرّت به نفسي. وضعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم. لا يصيح ولا يرفع ولا يُسمع في الشارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة خامدة لا يُطفئ. إلى الأمان يُخرج الحق. لا يكلّ ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض وتنتظر الجزائر شريعته… وأجعلك عهداً للشعب ونوراً للأمم. لتفتح عيون العُمي لتخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن الجالسين في الظلمة” إشعياء 42: 1-7.

1 – شخصية المسيا

من الألقاب التي أطلقت على المسيا، لقب “عبد”. هذا اللقب المسياني نجده على مدى الأصحاحات 42 حتى 62 من سفر إشعياء. ويُمكن تقسيم نبوة إشعياء 42: 1-7 إلى أربعة أقسام، كل منها يُركز على وجه مختلف من شخصية المسيا.

أ – “هوذا عبدي”: اتفق أغلب المفسرين اليهود، أن المسيا سيكون إنساناً ليس أكثر، ولذا لقب “العبد” مناسب له. هذا وقد استخدم مرقس الرسول هذا اللقب كثيراً في انجيله. فكل كاتب من كتاب الأناجيل الأربعة، كتب لفئة معينة وسلّط الضوء على وجه مختلف من حياة السيد المسيح. فالقديس مرقس ركّز على المسيح كعبد الرب الذي تنبأ عنه الأنبياء أي المسيح ابن الإنسان.

ب – “مختاري الذي سرّت به نفسي”: من أجل أنه سيتمم مشيئة الآب. وهنا يتبادر إلى ذهننا قول متى الرسول “وصوت من السماء قائلاً هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت” متى 3: 17 – ” لكي يتم ما قيل بإشعياء النبي القائل. هوذا فتاي الذي اخترته. حبيبي الي سُرّت به نفسي. أضع روحي عليه فيخبر الأمم بالحق. لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع أحد في الشوارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف.

وفتيلة مدخنة لا يُطفئ. حتى يُخرج الحق إلى النصرة. وعلى اسمه يكون رجاء الأمم” متى 12: 17-21 -” وفيما هو يتكلم إذا سحابة نيرة ظللتهم وصوت من السحابة قائلاً هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. له اسمعوا” متى 17: 5.

ج – “وضعت روحي عليه”: أي ممسوح بالروح القدس، ولذا سُمي: مشيّا أو مسيا. وهنا ربط بين طبيعته الناسوتية (عبدي)، وطبيعته اللاهوتية (وضعت روحي عليه…) راجع النبوة السابقة.

د – “يُخرج الحق للأمم”: كان وما زال اليهود يعتقدون أن المسيا سيأتي للشعب اليهودي فقط. ولكن توجد نبوات لا حصر لها تثبت أن المسيا سيأتي للأمم كما لليهود، منها هذه النبوة. وسوف يُقدم المسيا عملاً هاماً للكل، مثل: يخرج الحق للأمم -نوراً للأمم – يفتح عيون العمي – يُخرج من الحبس المأسورين بالخطية – يحررهم من بيت السجن، الذي في سلطان أبليس أي الموت…)

أغلب الرابيين، بصرف النظر عن راشي RaSHi، رأوا هذه الآية من إشعياء، نبوة مسيانية، فمثلاً:

  • ترجوم بسيدو يوناثان Targum Peseudo – Jonathan، يقول [ها هو عبدي المسيا، سأقرّبه إليّ، مختاري الذي يتبارك به شعبي].
  • رابي ديفيد كيمي Rabbi David Qimhi، يقول [هوذا عبدي، أي إنه المسيا الملك، الذي سيكون مباركاً من الرب ويعمل أعمالاً خارقة…]

2 – أسلوب حياته

ويسرد إشعياء سلوك المسيا الذي سيتبعه في تعامله مع الآخرين، قائلاً “لا يصيح ولا يرفع ولا يُسمع في الشارع صوته…” سيكون المسيح وديعاً مسالماً – رحيماً عطوفاً – واضحاً وصريحاً. أما القصبة المرضوضة والفتيلة المدخنة، فيقصد بها هنا: المساكين بالروح والمسحوقين والذين بلا رجاء، هؤلاء لا ييأس المسيا منهم قط، بل هم شغله الشاغل ويسعى ليعطيهم الراحة والأمل والرجاء، إن كان بالشفاء أو بالوعظ والعزاء. هؤلاء سيعتني بهم المسيا جداً.

ويقدم لهم كل عطفه وحبه وخدمته، كبصيص نور في القلب… سينفخ فيهم من روحه ليضيئوا.

3 – نجاحه في إرساليته

“لا يكلّ ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض وتنتظر الجزائر شريعته”، وهي تحمل نبرة القوة والتصميم، لكن بلا عنف في معاملاته مع الناس… رغم ذلك سيتدخل المسيا بصورة خفية لتنحية القوة الغاشمة – إبليس وجنوده – التي تقاوم الحق… قوة وعنف على سلطان الظلمة. ثم ستظهر النصرة على الموت الذي دخل إلى العالم بحسد إبليس، في صليبه وقيامته. وهكذا وبنفس القوة الخفية سينفخ المسيا في أولاد النعمة ليؤدوا الرسالة التي سلمها بقيامته لتلاميذه ثم الآتين بعدهم وإلى جيل الأجيال.

4 – عمله التبشيري

“أجعلك عهداُ للشعب (اليهود) ونوراً للأمم”. بمعنى أن المسيا سيكون الشخص الذي سيحقق وعود عهد الله مع شعب إسرائيل… وفي نفس الوقت سيحمل نور الخلاص للشعوب الوثنية. أي أن المسيا سيكون للعالم كله. “هكذا أحب الله العالم…” يوحنا 3: 16 – “وهو كفارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضاً” رسالة يوحنا الأولى 2: 1.

نبوات المسيح في سفر أشعياء – الجزء الأول

Exit mobile version