علم الابائيات باترولوجي 2 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف
علم الابائيات باترولوجي 2 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف
علم الابائيات باترولوجي 2- جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف
علم الابائيات باترولوجي 2- جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسفعلم الابائيات باترولوجي 2- جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف
هي عبارة عن ثلاثة رسوم جدارية (فريسكات)؛ في الأعلى القديس ثيؤفيلوس السكندري وفي الأسفل القديسان باسيليوس الكبير وأثناسيوس الرسولي. وهذه الفريسكات هي ضمن المجموعة التي تزين الكنيسة الأثرية بالدير الأحمر بسوهاج والموزعة ما بين الحائط البحري والحائط القبلي.
وتتنوع الرسوم الجدارية بالدير في الموضوعات التي تصورها ما بين الملائكة والإنجيليين وشخصيات توراتية بالإضافة إلى آباء الجيل الرهباني الأول والأساقفة البارزين في الكنيسة في القرون الأولى للمسيحية. وتغطي اللوحات حوالي ثمانين بالمئة من الجدران تقريبا.
أما عن كنيسة الدير الأحمر الأثرية، فهي بازليكا كانت تمثل قلب المجتمع الرهباني في مركز من أهم مراكز النسك والتي تتمثل في ثلاثة أديرة: ديران منها للرجال وآخر للنساء. وقد تأسس الدير الأحمر علي يد الأنبا بيشاي في منتصف القرن الرابع، وأصبح فيما بعد تابعا للدير الأبيض تحت قيادة الأنبا بيجول مؤسس الدير الأبيض، وفي الخطوة الأخيرة قاد الأنبا شنودة هذه الأديرة الثلاثة ما يقرب من ثمانين عاما.
ومن الجدير بالذكر أن تاريخ هذه الجداريات لاحق على بناء الكنيسة، ولم تتم في مرحلة زمنية واحدة بل استمر تصميمها من القرن السادس الميلادي إلى القرن الثامن الميلادي. وقد تم حجبها لقرون عديدة (من القرون الوسطى إلى نهاية القرن العشرين) حيث كانت مغطاة بطبقة متراكمة من الأدخنة والغبار.
مقدمة الأنبا مقار أسقف الشرقية ومدينة العاشر من رمضان
باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمین
لماذا الآباء؟ ألا يكفي الكتاب المقدس وحده؟ ماذا يمكن أن يقدم فكر آباء القرون الأولى لكنيسة القرن الحادي والعشرين؟ كيف تتلاقى الأفكار مع بعد المسافات الزمنية والبيئية؟
قبل أن نجيب عن هذه الأسئلة لا بد أن نقرر أن الكنيسة واحدة في كل زمان ومكان، تحمل سمات المسيح المتألم والمصلوب والقائم من بين الأموات لأنه هو حمل الله الذي رفع خطيئة العالم، وأرسلنا لنحمل نور الإنجيل للخليقة كلها.
وهذه هي رسالة الكنيسة، أن تكون نورا للعالم تدعو الكل للخلاص باسم الفادي القدوس، تدعو الكل للتوبة وغفران الخطايا، تدعو الكل للمحبة التي هي رباط الكمال. وهذه هي مسئولية كل إنسان في كل مكان وزمان، بدأت منذ الرسل في سفر الأعمال، وهو السفر الذي لم ينته حتى الآن، بل هو مستمر مسجلا أعمال الكنيسة حتى المجيء الثاني. وهكذا تتلاحم الأجيال وتتلاقى الأفكار وتتشابه الآلام، فالكنيسة المتألمة في كل زمان تتمثل بعريسها الذي حمل الصليب، ولبس إكليل الشوك، وقام ليقيمنا معه ويجلسنا معه في السماويات.
هنا نرى الآباء الذين ساروا خلف الرسل ككواكب مضيئة تنير لنا مسيرتنا في دروب هذا العالم ومشاكله. قد تختلف البيئات ولكن فكر الإنسان مازال يحمل عطشه الدائم إلى الله خالقه وهذا ما يقدمه لنا الآباء: حياتهم مع الله، خبرتهم ومعرفتهم وعشرتهم الحية التي هي أثمن من الذهب وكل كنوز الأرض. ويقدم لنا الآباء لنا ثلاثة أمور هامة: حياة ليتورجية، وتعاليم كتابية وسلوكيات مسيحية.
الحياة الليتورجية
لقد ترك لنا الآباء تراثا ثمينا من صلوات للمعمودية والإفخارستيا كما كانت تمارس منذ الرسل، وكيف كانت توضع الأيادي للكهنوت وإرساليات الخدمة وعمل الروح في الكنيسة وتنظيماتها.
التعاليم الكتابية
إن الآباء هم الذين فسروا الكتاب المقدس، كل كلمة وكل آية، وشرحوا لنا المسيحية وإيمانها الثمين الذي سلم مرة للقديسين، وعقيدتها الناصعة التي حفظوها بدمائهم.
السلوكيات المسيحية
الآباء أيضا هم الذين شرحوا لنا كيف يكون سلوك الإنسان المسيحي نورا في وسط ظلمة هذا العالم، كيف عاشوا الإنجيل في زمانهم وكيف نعيشه الآن، نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور.
الرب يبارك هذا العمل ويكمل كل نقص فيه ويعوض كل من له تعب في إعداده وإخراجه بهذه الصورة المشرفة، بصلوات أبينا البابا أنبا تواضروس الثاني وشريكه في الخدمة الرسولية أبينا الأسقف أنبا إيسيذوروس أسقف ورئيس دير البرموس، ولفادينا وربنا يسوع المسيح كل المجد والكرامة مع أبيه الصالح والروح القدس أمين.
مقدمة الناشر
يقول القديس أثناسيوس الرسولي في رسالته الأولى إلى سيرابيون (۱: ۲۸): “دعونا ننظر إلى تقليد الكنيسة الجامعة وتعليمها وإيمانها، الذي هو من البداية، والذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء وعلى هذا الأساس تأسست الكنيسة، ومن يسقط منه فلن يكون مسيحيا ولا ينبغي أن يدعى كذلك فيما بعد: إذن الإيمان هو واحد، وهو الذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وسلم للآباء.
وهذا الإيمان هو الأساس الذي قام الآباء بحفظه وصياغته وشرحه ليسلموه لمن بعدهم نقيا كما تسلموه. واعتمادا على نفس هذا الأساس الصحيح تم تفسير الكتاب المقدس ووضع الصلوات الليتورجية بل وكل خبرة الحياة الجديدة في المسيح، لأن سلامة الإيمان (الأساس) هي التي تؤدي إلى حياة تقوية صحيحة (البناء)، وصحة الحياة التقوية هي التي تحفظ سلامة الإيمان.
ونحن لا نحتاج إلى وضع أو تحديد أساس جديد في كل جيل، لأن الأساس واحد وهو المسلم مرة للقديسين. والله لا يتعامل مع الكنيسة كأفراد منفصلين فيبدأ مع كل واحد منهم من نقطة البداية من جديد، ولكنه يتعامل مع الكنيسة كجسد واحد متصل، ويحملنا مسئولية تسليم ما قد وهبه لنا من جيل إلى جيل.
وهذا ما عبر عنه القديس بولس بقوله: “وما سمعته مني بشهود كثيرين أودعه أناسًا أمناء يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضا” (٢ تي ٢: ٢). ولهذا فإن أرثوذكسية الكنيسة تتجلي في التمسك الدائم بالتسليم الآبائي، لكي يكون للكنيسة إيمان واحد متواصل عبر العصور. فكتابات الآباء لها أهمية عظمى في تأصيل معرفتنا لشرح العقيدة وتفسير الكتاب المقدس والنصوص الليتورجية، وخبرة الحياة الروحية كلها.
ولكن تمسكنا بالفكر الآبائي الأصيل، لا يعني أن نجنح نحو الجمود وعدم الإبداع، لأن التسليم هو كيان حي متنام ومتجدد، وهو مزيج من الأصالة والإبداع في آن واحد. أصالة مبدعة وإبداع أصيل. فنحن مطالبون بأن نكون أمناء نحو أساسنا الواحد الصحيح الذي حفظه وشرحه لنا الآباء، ولكننا وفي نفس الوقت مطالبون بأن نكون مبدعين في التطبيق ومجددين في تقديم ذلك الأساس نفسه للجيل المعاصر.
وهذا بالتحديد هو ما كان الآباء أنفسهم يقومون به، فهم لم يكونوا جامدين مكررين لما سبقوهم وحسب، ولكنهم كانوا بالفعل مواكبين لعصرهم رغم أمانتهم الثابتة للأساس الحي الذي استلموه ممن قبلهم. ويسمى العلم الذي يهتم بدراسة تاريخ الكتاب المسيحيين في العصور الأولى وكتاباتهم ب “علم الآبائيات” أو “علم آباء الكنيسة” (باترولوجي).
ونظرًا لأهمية هذا التخصص في مجال نشر الفكر الآبائي، حرص مركز باناريون للتراث الآبائي أن يقدم للقارئ سلسلته الثالثة وهي:
دراسات عن آباء الكنيسة في العصور الأولى
السلسلة التي تتناول سير الآباء والأحداث التاريخية والكنسية في عصرهم، كما تتناول أيضا كتاباتهم، وتعاليمهم اللاهوتية. والمجلد الذي بين يديك أيها القارئ الحبيب، هو المجلد الأول من مجموعة “علم الآبائيات باترولوجي” لمؤلفها جوهانس كواستن.
وتقع هذه المجموعة تحت تصنيف الكتب المسمى “ينبغي اقتناؤها”. فبرغم صدور كتب أخرى متنوعة ولاحقة عن “علم الآبائيات” إلا أن مجموعة كواستن تظل هي اللبنة الأولى والضرورية لكل باحث ومهتم بهذا الفرع من المعرفة.
وبينما تأتي الكتب الأخرى التي تعالج نفس الموضوع في شكل مجلد واحد بسبب منهجها الانتقائي في العرض، جاءت مجموعة كواستن في أربع مجلدات لما تميزت به من شرح واف لكتابات الآباء ومنهجهم اللاهوتي، حتى قيل عنها إنها “المرجع الأشمل لمن يريد البدء في دراسة الأدب المسيحي المبكر”.
وهكذا لن يتمكن فريقان من القراء على الأقل من أن يستغنيا عن مجموعة كواستن: الفريق الأول وهو الذي يريد أن يحصل على معرفة أساسية شاملة عن الآبائيات أكثر من مجرد المقدمات التي تعرضها الكتب الأخرى، والفريق الثاني هو الذي يريد أن ينال معرفة أولية عن الآبائيات تؤهله للدخول إلى دراسات أكثر تقدما.
وقد تفضل مشكورا نيافة أنبا مقار أسقف الشرقية ومدينة العاشر من رمضان بترجمة هذا المجلد الأول قبل سيامته أسقفا، وقد تمت مراجعة الترجمة على النسخة الإنجليزية، وإضافة الحواشي والفهرس الموضوعي في نهاية الكتاب لتعظم فائدة القارئ.
وسنوالي ترجمة ونشر بقية مجلدات مجموعة كواستن “علم الآبائيات. باترولوجي” في المستقبل القريب بمشيئة الرب.
نسأل الله أن يبارك في هذا العمل وللثالوث القدوس المجد والإكرام والسجود الآن وإلى الأبد آمين.
[1] شرح أيقونات الغلاف من إعداد الأستاذ مايكل حلمي راغب الباحث في القبطيات.
علم الابائيات باترولوجي 1 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف
علم الابائيات باترولوجي – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف
علم الابائيات باترولوجي 1 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف
علم الابائيات باترولوجي – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسفعلم الابائيات باترولوجي – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف
هي عبارة عن ثلاثة رسوم جدارية (فريسكات)؛ في الأعلى القديس ثيؤفيلوس السكندري وفي الأسفل القديسان باسيليوس الكبير وأثناسيوس الرسولي. وهذه الفريسكات هي ضمن المجموعة التي تزين الكنيسة الأثرية بالدير الأحمر بسوهاج والموزعة ما بين الحائط البحري والحائط القبلي.
وتتنوع الرسوم الجدارية بالدير في الموضوعات التي تصورها ما بين الملائكة والإنجيليين وشخصيات توراتية بالإضافة إلى آباء الجيل الرهباني الأول والأساقفة البارزين في الكنيسة في القرون الأولى للمسيحية. وتغطي اللوحات حوالي ثمانين بالمئة من الجدران تقريبا.
أما عن كنيسة الدير الأحمر الأثرية، فهي بازليكا كانت تمثل قلب المجتمع الرهباني في مركز من أهم مراكز النسك والتي تتمثل في ثلاثة أديرة: ديران منها للرجال وآخر للنساء. وقد تأسس الدير الأحمر علي يد الأنبا بيشاي في منتصف القرن الرابع، وأصبح فيما بعد تابعا للدير الأبيض تحت قيادة الأنبا بيجول مؤسس الدير الأبيض، وفي الخطوة الأخيرة قاد الأنبا شنودة هذه الأديرة الثلاثة ما يقرب من ثمانين عاما.
ومن الجدير بالذكر أن تاريخ هذه الجداريات لاحق على بناء الكنيسة، ولم تتم في مرحلة زمنية واحدة بل استمر تصميمها من القرن السادس الميلادي إلى القرن الثامن الميلادي. وقد تم حجبها لقرون عديدة (من القرون الوسطى إلى نهاية القرن العشرين) حيث كانت مغطاة بطبقة متراكمة من الأدخنة والغبار.
مقدمة الأنبا مقار أسقف الشرقية ومدينة العاشر من رمضان
باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمین
لماذا الآباء؟ ألا يكفي الكتاب المقدس وحده؟ ماذا يمكن أن يقدم فكر آباء القرون الأولى لكنيسة القرن الحادي والعشرين؟ كيف تتلاقى الأفكار مع بعد المسافات الزمنية والبيئية؟
قبل أن نجيب عن هذه الأسئلة لا بد أن نقرر أن الكنيسة واحدة في كل زمان ومكان، تحمل سمات المسيح المتألم والمصلوب والقائم من بين الأموات لأنه هو حمل الله الذي رفع خطيئة العالم، وأرسلنا لنحمل نور الإنجيل للخليقة كلها.
وهذه هي رسالة الكنيسة، أن تكون نورا للعالم تدعو الكل للخلاص باسم الفادي القدوس، تدعو الكل للتوبة وغفران الخطايا، تدعو الكل للمحبة التي هي رباط الكمال. وهذه هي مسئولية كل إنسان في كل مكان وزمان، بدأت منذ الرسل في سفر الأعمال، وهو السفر الذي لم ينته حتى الآن، بل هو مستمر مسجلا أعمال الكنيسة حتى المجيء الثاني. وهكذا تتلاحم الأجيال وتتلاقى الأفكار وتتشابه الآلام، فالكنيسة المتألمة في كل زمان تتمثل بعريسها الذي حمل الصليب، ولبس إكليل الشوك، وقام ليقيمنا معه ويجلسنا معه في السماويات.
هنا نرى الآباء الذين ساروا خلف الرسل ككواكب مضيئة تنير لنا مسيرتنا في دروب هذا العالم ومشاكله. قد تختلف البيئات ولكن فكر الإنسان مازال يحمل عطشه الدائم إلى الله خالقه وهذا ما يقدمه لنا الآباء: حياتهم مع الله، خبرتهم ومعرفتهم وعشرتهم الحية التي هي أثمن من الذهب وكل كنوز الأرض. ويقدم لنا الآباء لنا ثلاثة أمور هامة: حياة ليتورجية، وتعاليم كتابية وسلوكيات مسيحية.
الحياة الليتورجية
لقد ترك لنا الآباء تراثا ثمينا من صلوات للمعمودية والإفخارستيا كما كانت تمارس منذ الرسل، وكيف كانت توضع الأيادي للكهنوت وإرساليات الخدمة وعمل الروح في الكنيسة وتنظيماتها.
التعاليم الكتابية
إن الآباء هم الذين فسروا الكتاب المقدس، كل كلمة وكل آية، وشرحوا لنا المسيحية وإيمانها الثمين الذي سلم مرة للقديسين، وعقيدتها الناصعة التي حفظوها بدمائهم.
السلوكيات المسيحية
الآباء أيضا هم الذين شرحوا لنا كيف يكون سلوك الإنسان المسيحي نورا في وسط ظلمة هذا العالم، كيف عاشوا الإنجيل في زمانهم وكيف نعيشه الآن، نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور.
الرب يبارك هذا العمل ويكمل كل نقص فيه ويعوض كل من له تعب في إعداده وإخراجه بهذه الصورة المشرفة، بصلوات أبينا البابا أنبا تواضروس الثاني وشريكه في الخدمة الرسولية أبينا الأسقف أنبا إيسيذوروس أسقف ورئيس دير البرموس، ولفادينا وربنا يسوع المسيح كل المجد والكرامة مع أبيه الصالح والروح القدس أمين.
مقدمة الناشر
يقول القديس أثناسيوس الرسولي في رسالته الأولى إلى سيرابيون (۱: ۲۸): “دعونا ننظر إلى تقليد الكنيسة الجامعة وتعليمها وإيمانها، الذي هو من البداية، والذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء وعلى هذا الأساس تأسست الكنيسة، ومن يسقط منه فلن يكون مسيحيا ولا ينبغي أن يدعى كذلك فيما بعد: إذن الإيمان هو واحد، وهو الذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وسلم للآباء.
وهذا الإيمان هو الأساس الذي قام الآباء بحفظه وصياغته وشرحه ليسلموه لمن بعدهم نقيا كما تسلموه. واعتمادا على نفس هذا الأساس الصحيح تم تفسير الكتاب المقدس ووضع الصلوات الليتورجية بل وكل خبرة الحياة الجديدة في المسيح، لأن سلامة الإيمان (الأساس) هي التي تؤدي إلى حياة تقوية صحيحة (البناء)، وصحة الحياة التقوية هي التي تحفظ سلامة الإيمان.
ونحن لا نحتاج إلى وضع أو تحديد أساس جديد في كل جيل، لأن الأساس واحد وهو المسلم مرة للقديسين. والله لا يتعامل مع الكنيسة كأفراد منفصلين فيبدأ مع كل واحد منهم من نقطة البداية من جديد، ولكنه يتعامل مع الكنيسة كجسد واحد متصل، ويحملنا مسئولية تسليم ما قد وهبه لنا من جيل إلى جيل.
وهذا ما عبر عنه القديس بولس بقوله: “وما سمعته مني بشهود كثيرين أودعه أناسًا أمناء يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضا” (٢ تي ٢: ٢). ولهذا فإن أرثوذكسية الكنيسة تتجلي في التمسك الدائم بالتسليم الآبائي، لكي يكون للكنيسة إيمان واحد متواصل عبر العصور. فكتابات الآباء لها أهمية عظمى في تأصيل معرفتنا لشرح العقيدة وتفسير الكتاب المقدس والنصوص الليتورجية، وخبرة الحياة الروحية كلها.
ولكن تمسكنا بالفكر الآبائي الأصيل، لا يعني أن نجنح نحو الجمود وعدم الإبداع، لأن التسليم هو كيان حي متنام ومتجدد، وهو مزيج من الأصالة والإبداع في آن واحد. أصالة مبدعة وإبداع أصيل. فنحن مطالبون بأن نكون أمناء نحو أساسنا الواحد الصحيح الذي حفظه وشرحه لنا الآباء، ولكننا وفي نفس الوقت مطالبون بأن نكون مبدعين في التطبيق ومجددين في تقديم ذلك الأساس نفسه للجيل المعاصر.
وهذا بالتحديد هو ما كان الآباء أنفسهم يقومون به، فهم لم يكونوا جامدين مكررين لما سبقوهم وحسب، ولكنهم كانوا بالفعل مواكبين لعصرهم رغم أمانتهم الثابتة للأساس الحي الذي استلموه ممن قبلهم. ويسمى العلم الذي يهتم بدراسة تاريخ الكتاب المسيحيين في العصور الأولى وكتاباتهم ب “علم الآبائيات” أو “علم آباء الكنيسة” (باترولوجي).
ونظرًا لأهمية هذا التخصص في مجال نشر الفكر الآبائي، حرص مركز باناريون للتراث الآبائي أن يقدم للقارئ سلسلته الثالثة وهي:
دراسات عن آباء الكنيسة في العصور الأولى
السلسلة التي تتناول سير الآباء والأحداث التاريخية والكنسية في عصرهم، كما تتناول أيضا كتاباتهم، وتعاليمهم اللاهوتية. والمجلد الذي بين يديك أيها القارئ الحبيب، هو المجلد الأول من مجموعة “علم الآبائيات باترولوجي” لمؤلفها جوهانس كواستن.
وتقع هذه المجموعة تحت تصنيف الكتب المسمى “ينبغي اقتناؤها”. فبرغم صدور كتب أخرى متنوعة ولاحقة عن “علم الآبائيات” إلا أن مجموعة كواستن تظل هي اللبنة الأولى والضرورية لكل باحث ومهتم بهذا الفرع من المعرفة.
وبينما تأتي الكتب الأخرى التي تعالج نفس الموضوع في شكل مجلد واحد بسبب منهجها الانتقائي في العرض، جاءت مجموعة كواستن في أربع مجلدات لما تميزت به من شرح واف لكتابات الآباء ومنهجهم اللاهوتي، حتى قيل عنها إنها “المرجع الأشمل لمن يريد البدء في دراسة الأدب المسيحي المبكر”.
وهكذا لن يتمكن فريقان من القراء على الأقل من أن يستغنيا عن مجموعة كواستن: الفريق الأول وهو الذي يريد أن يحصل على معرفة أساسية شاملة عن الآبائيات أكثر من مجرد المقدمات التي تعرضها الكتب الأخرى، والفريق الثاني هو الذي يريد أن ينال معرفة أولية عن الآبائيات تؤهله للدخول إلى دراسات أكثر تقدما.
وقد تفضل مشكورا نيافة أنبا مقار أسقف الشرقية ومدينة العاشر من رمضان بترجمة هذا المجلد الأول قبل سيامته أسقفا، وقد تمت مراجعة الترجمة على النسخة الإنجليزية، وإضافة الحواشي والفهرس الموضوعي في نهاية الكتاب لتعظم فائدة القارئ.
وسنوالي ترجمة ونشر بقية مجلدات مجموعة كواستن “علم الآبائيات. باترولوجي” في المستقبل القريب بمشيئة الرب.
نسأل الله أن يبارك في هذا العمل وللثالوث القدوس المجد والإكرام والسجود الآن وإلى الأبد آمين.
[1] شرح أيقونات الغلاف من إعداد الأستاذ مايكل حلمي راغب الباحث في القبطيات.
إغناطيوس الإنطاكي – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة
إغناطيوس الإنطاكي – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة
إغناطيوس الإنطاكي – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة
إغناطيوس هو الأسقف الثاني على إنطاكية، وهو رجل ذو شخصية فريدة حُكم عليه في عهد تراجان (98-117م) بأن يقدم للوحوش المفترسة، فتم ترحيله من سوريا إلى روما لكي يستشهد هناك. وفي طريقه إلى المدينة الخالدة، كتب القديس إغناطيوس سبع رسائل هي الذكرى الوحيدة الباقية لنا عن الآلام الشديدة التي جازها.
كُتبت خمس من هذه الرسائل إلى الجماعات المسيحية في مدن أفسس ومغنسيا وتراليا وفيلادليفيا وسميرنا (أزمير)، وهي المدن التي كانت قد أرسلت مندوبين عنها لتحيته عندما كان في طريقه إلى روما. وهناك أيضاً رسالة أخرى موجهة إلى الأسقف بوليكاريوس أسقف سميرنا، أما أهم تلك الرسائل جميعاً فيه تلك الموجهة إلى الجماعة المسيحية في المدينة التي كان يقصدها، مدينة روما.
والرسائل التي قُصد توجيهها إلى أفسس ومغنسيا وتراليا، تم تدوينها في مدينة سميرنا، وهو يشكر فيها الجماعات المسيحية في تلك المدن على ما أظهروه ببراهين كثيرة من شفقة عليه بسبب ما هو مزمع أن يواجهه، ثم يحثهم على طاعة الرؤساء الكنسيين ويحذرهم من التعاليم الغريبة التي للهراطقة.
ومن نفس المدينة، أرسل إغناطيوس تحياته الحارة إلى أعضاء كنيسة روما، راجياً إياهم ألا يتخذوا أي خطوة تحول دون تحقيق رغبته الشديدة، وهي أن يموت من أجل المسيح، لأن الموت بالنسبة له ما كان إلا بداية الحياة الحقيقية: “كم هو مجيد أن أكون شمساً تغرب عن العالم نحو الرب حتى أشرق في حضوره” (رومية 2: 2). “أخاف أن يضرني حبكم، لأني لن أجد فرصة أخرى لملاقاة الرب. فأنا حنطة الرب ويجب أن أطحن بأسنان الوحوش الضارية حتى أصير خبزاً نقياً للمسيح” (رومية 1: 2، 2: 1، 4: 1).
أما رسائل إغناطيوس إلى شركائه في الإيمان في كل من فيلادليفيا وسميرنا، بالإضافة إلى رسالته لبوليكاريوس، فأرسلت من تراوس، لأنه كان قد نما إلى علم إغناطيوس، عندما كان هناك، أن الاضطهاد قد توقف في إنطاكية، ومن ثم أرسل إلى المسيحيين في فيلادليفيا، وسميرنا، وأيضاً إلى أسقف سميرنا “بوليكاريوس” ليحثهم على أن يرسلوا رُسلاً إلى أنطاكية لتهنئة الإخوة هناك.
وتُشبه هذه الرسائل بشدة تلك التي كان إغناطيوس قد أرسلها من سميرنا، وذلك من حيص الموضوعات التي تتناولها، فهي تحمل رجاءً حاراً من أجل وحدة الإيمان ووحدة الذبيحة، وتحث قراءها على الارتباط الوثيق بالأسقف المعين لرعايتهم. أما الرسالة إلى بوليكاريوس فتتضمن، إضافة إلى ما سبق، تعليمات خاصة بخدمة الأسقف؛ فهو يسدي إليه بعض النصائح مثل: “قف ثابتاً مثل السنديان تحت المطرقة، الرياضي العظيم هو الذي يتلقى الضربات ولكنه يغلب” (بوليكاريوس 3: 1).
وتلقي هذه الرسائل بالضوء على الحالة الداخلية للجماعات المسيحية المبكرة، وهي أيضاً تعطينا لمحة عما يدور في قلب هذا الأسقف الشهيد العظيم، وترسل نحونا نسمة من الغيرة الروحية، تلك التي تمتلك كياننا وتُشعل في قلوبنا نارها. ولغة إغناطيوس روحية وشديدة الأصالة، تبعد عن الزخارف الكلامية والتكلف الأدبي وروحه تحمل غيرة لا تضاهى وحماسة تحلق في مستوى يعلو أساليب التعبير المعتادة وتتخطاه. وأخيراً، فإن تلك الرسائل ذات أهمية تفوق الوصف في تاريخ العقيدة.
التعاليم اللاهوتية عند القديس إغناطيوس
إن عقيدة “التدبير الإلهي في الكون” هو محور التعاليم اللاهوتية عند إغناطيوس. فلقد أراد الله أن يخلص العالم والبشرية من طغيان رئيس هذا العالم، لذا أعد البشرية للخلاص في اليهودية، مستخدماً الأنبياء كأداة؛ الذين قد تحقق لهم كل ما كانوا ينتظرونه في المسيح: “يسوع المسيح هو معلمنا الوحيد. إنه هو الذي تتلمذ له الأنبياء في الروح، وهو الذي كانوا ينتظرونه كمعلم لهم. (مغنسيا 9: 1-2).
التعاليم الخريستولوجية عند إغناطيوس واضحة جداً، سواء فيما يختص بلاهوت المسيح أو ناسوته: “هناك طبيب واحد، جسدي وروحي، مولود وغير مولود الله قد صار إنساناً، وحياة حقيقة في الموت نبعت من العذراء ومن الله تألم قبلاً، وهو الآن عصيّ عن الألم، يسوع المسيح ربنا” (أفسس 7: 2). ويقول أيضاً: “إنه بالحقيقة من نسل داود حسب الجسد وابن الله بمشيئة الله[1] وقوته؛ ولد حقاً من عذراء، واعتمد من يوحنا لكي يكمل كل بر” (سميرنا 1: 1).
والمسيح لا زمان له وغير منظور . “ترجى ذاك الذي لا زمان له، غير المنظور الذي لأجلنا صار منظوراً، غير المتألم الذي صار معرضاً للألم إكراماً لنا، الذي لأجلنا احتمل كل شيء” (بوليكاريوس 3: 2).
وفي الوقت نفسه هاجم إغناطيوس البدعة المعروفة باسم “الدوستية”[2] (الخيالية) التي أنكرت طبيعة المسيح البشرية، خاصة فيما يتعلق بآلامه: “لكن إن قال أحد، مثل بعض الملحدين غير المؤمنين، إن آلامه كانت خيالية (وهم الخياليون حقاً) فلماذا أنا إذاً في سلاسل؟ لماذا أصلي حتى أصارع الوحوش؟ سأموت إذاً عبثاً! ستكون شهادتي، في آخر الأمر، مجرد كذبة عن الرب! تجنبوا هذه الأغصان البرية التي لا تحمل سوى ثمر مميت، تلك التي إن ذاقها أحد يحكم عليه بالموت الكلي” (تراليا 1: 10، 11).
“إنهم يجتنبون الصلاة والاشتراك في الإفخارستيا، لأنهم لا يعترفون بأن الإفخارستيا هي جسد مخلصنا يسوع المسيح، الجسد الذي تألم من أجل خطايانا، والذي أقامه الآب من الأموات برأفات محبته. وهكذا يهلك هؤلاء الذين في مجادلاتهم يشككون في عطية الله. الأفضل لهم أن يقتنوا المحبة حتى يكون لهم نصيب في القيامة. إذاً، من الأفضل أن نتجنب مثل هؤلاء القوم ولا نتحدث عنهم سواء سراً أو علانية، ولندرس كتابات الأنبياء جيداً، خاصة الأناجيل تلك التي نرى فيها الآلام واضحة والقيامة ظاهرة بكمالها”. (سميرنا 7).
وبعد أخذ كل ما يلزم في الاعتبار، يمكننا أن نقول إن الأساس الذي قامت عليه التعاليم الخرستولوجية للقديس إغناطيوس هو التعاليم اللاهوتية عند القديس بولس، لكنها تأثرت أيضاً بتعاليم القديس يوحنا اللاهوتي الذي أثراها.
سُميت الكنيسة في رسائل القديس إغناطيوس بـ “مكان الذبيحة” (أفسس 5: 2؛ تراليا 7: 2؛ فيلادلفيا 4) ويبدو أن مفهوم الإفخارستيا باعتبارها الذبيحة التي تقدمها الكنيسة هو سبب هذه التسمية، خاصة وأن الإفخارستيا قد سُميت في الديداخي “الذبيحة”. ولقد دعا إغناطيوس الإفخارستيا “دواء الخلود، وترياق عدم الموت، والحياة الأبدية في المسيح” (أفسس 20: 2)، وهو ينصح قائلاً: “إذاً، احرصوا على الاشتراك في إفخارستيا واحدة؛ لأن جسد ربنا يسوع المسيح واحد، وواحد هو الكأس الذي وحدنا بدمه، كما أن هناك أسقفاً يساعده القساوسة والشمامسة شركائي في الخدمة”. (فيلبي 4).
كما أن الاقتباس التالي واضح بما لا يدع مجلاً للخطأ في فهم المعنى المقصود: “الإفخارستيا هي جسد مخلصنا يسوع المسيح، الجسد الذي تألم لأجل خطايانا، والذي أقامه الآب من الأموات برأفات محبته”. (سميرنا 7: 1).
كان إغناطيوس هو أول من استخدم مصطلح “الكنيسة الجامعة[3]” (سميرنا 8: 2) ويعني به المؤمنين كلهم بشكل جماعي: “حيث يظهر الأسقف هناك تجتمع الرعية، تماماً كما أنه حيث يكون يسوع المسيح هناك تكون الكنيسة الجامعة” (سميرنا 8: 2).
وندرك من رسائل إغناطيوس الصورة الحية لكرامة الرئاسات الكهنوتية والمكانة الممنوحة للأسقف في وسط رعيته. ولا يذكر القديس إغناطيوس أي شيء عن الأنبياء الذين كانوا لا يزالون ينتقلون من كنيسة إلى أخرى مدفوعين من الروح القدس كما وصفوا في الديداخي، بل كان هناك أساقفة ذوو سلطة يرعون جماعات. ونحن لا نرى في الصورة سوى الأسقف الذي يحيط به كهنته وشمامسته. ويترأس الأسقف كممثل لله، ويشكل الكهنة مجمع الرسل، ويقوم الشمامسة بخدمات المسيح: “إني أنصحكم بأن تجتهدوا لتفعلوا كل شيء في اتفاق إلهي، برئاسة الأسقف القائم مقام الله، والكهنة يعملون كمجمع الرسل، أما الشمامسة – وهو الأقرب إلى قلبي – فمؤتمنون على خدمة يسوع المسيح” (مغنيسيا 6: 1).
إن الفكرة القائلة بأن الأسقف يمثل حضور المسيح تكسب وظيفته كرامة وسمواً غير عادي حتى أن سلطان الأسقف صغير السن يصبح أمرً لا يمكن التشكيك فيه: “ولكن بالنسبة لكم أيضاً، يجب ألا تستغلوا له كل احترام لكونه يمثل سلطة الله الآب، وقد عرفت أن قساوستكم يفعلون هذا عينه، إنهم لا يطلبون أن يربحوا شيئاً من وراء حداثة سنه؛ لا، بل إنهم حكماء في الله ولهذا يخضعون له، أو بالأحرى ليس له، بل لأبي ربنا يسوع المسيح، أسقف البشر جميعهم.” (مغنيسيا 3: 1).
والأسقف – قبل كل شيء – هو معلم المؤمنين والمسؤول عنهم، ومعنى أن يكون المسيحي في شركة معه هو أن يكون محصناً ضد الخطأ والهرطقة (تراليا 6؛ فيلادلفيا 3)، وذلك لأن الأسقف دائماً ما يحض رعيته على السلام والوحدة اللذين لا يمكن الوصول إليهما إلا بالتضامن مع الرئاسة الدينية: “لذلك يجب أن تعملوا في اتفاق مع فكر الأسقف؛ وهذا هو ما تفعلونه. وبكل تأكيد ينطبق هذا الكلام على جماعة قساوستكم، هؤلاء الجديرون باسم القسوسية والجديرون بالله، لأنهم متناغمون مع الأسقف تماماً كتناغم الأوتار مع القيثارة، ولهذا السبب تنطبق من سيمفونية تناغمكم ومحبتكم ترانيم التسبيح ليسوع المسيح. لكن، ينبغي عليكم – أيها العلمانيون – أن تشكلوا أنتم أيضاً جوقة تسبيح، وذلك حتى إنه بانضمامكم إلى تلك السيمفونية بتناغمكم معاً، وحصولكم على مفتاح موسيقاكم من الله باتحادكم، يمكن لكم في صوت واحد من خلال يسوع المسيح أن ترنموا للآب، وهكذا سيسمعكم وسيميز فيكم ألحان ابنه بسبب صلاح حياتكم. لذلك، يجب عليكم أن تستمروا في وحدتكم التي لا عيب فيها، حتى يكون لكم في كل وقت نصيب في الله” (أفسس 4، ACW).
والأسقف – بحسب إغناطيوس – هو أيضاً رئيس الكهنة المسؤول عن إقامة الليتورجيا وهو موزع أسرار الله، فلا يمكن أن يُحتفل بالمعمودية أو مائدة الأغابي أو الإفخارستيا بدونه: “ليس مسموحاً بدون إذن الأسقف أن تتم معمودية أو تقام مائدة أغابي؛ لكن الأمر الذي يقره الأسقف، مهما يكن، هو مقبول من الله، وهكذا يكون كل شيء تفعلونه محصناً من الأخطار وشرعياً”. (سميرنا 8: 2). “لا يصنع أحد شيئاً متعلقاً بالكنيسة بعيداً عن الأسقف. ولنعتبر الاحتفال الإفخارستي الذي يقيمه الأسقف أو من ينوب عنه هو وحده الشرعي”. (سميرنا 8: 1).
وبالمثل، يجب أن تُبرم عقود الزواج أمامه: “بالنسبة لهؤلاء الذين من الجنسين ويفكرون في الزواج، سيكون من اللائق أن يدخلا في هذا الاتحاد بمباركة الأسقف؛ وهكذا يكون زواجهم مقبولاً أمام الرب وليس إشباعاً لشهوة ما”. (بوليكاريوس 5: 2).
إن شرح القديس إغناطيوس للزواج والبتولية يُظهر تأثير القديس بولس عليه، فالزواج عنده يمثل الاتحاد بين المسيح وعروسه الكنيسة: “أخبر أخواتي أن يحببن الرب وأن يكتفين بأزواجهن جسدياً وروحياً. وبالمثل، أنصح إخوتي في اسم يسوع المسيح أن يحبوا زوجاتهم مثلما أحب الرب الكنيسة” (بوليكاريوس 5: 1).
ولكنه أيضاً ينصح بالبتولية: “إذا كان إنسان يستطيع أن يظل بتولاً لإكرام جسد الرب، فليهرب دائماً من التفاخر.” (بوليكاريوس 5: 2).
حينما يقارن المرء افتتاحيات الرسائل الموجهة إلى الجماعات المسيحية في آسيا الصغرى مع التحيات التي وجهها إغناطيوس إلى كنيسة روما، لن يبادره أي شك في كون إغناطيوس يضع كنيسة روما في مكانة أعلى من الكنائس الأخرى، ولا يمكن أن نكون قد بالغنا في فهم دلالة هذه التحيات؛ فهي بمثابة أقدم اعتراف بأولوية كنيسة روما نملكه بقلم كاتب كنسي غير روماني[4]: “من إغناطيوس المدعو أيضاً حامل الله إلى الكنيسة التي وجدت رحمة في العظمة الفائقة التي لله الآب العلي، وفي يسوع المسيح ابنه الوحيد؛ الكنيسة التي بإرادته – ذاك الذي بإرادته صار كل شيء – صار محبوبة ومستنيرة بإيمان ومحبة يسوع المسيح إلهنا؛ المترئسة أيضاً في عاصمة بلاد الرومان، تلك اللائقة بالله، واللائق بها الفخر، واللائق بها الحبور، واللائق بها المديح، واللائق بها القداسة، والمترئسة في المحبة، والحافظة لشريعة المسيح، والحاملة لاسم الآب، أحييها باسم يسوع المسيح ابن الآب. وأتمنى الفرح الذي لا ينقطع في يسوع المسيح إلهنا لهؤلاء الذين هم متحدون في الجسد والروح بكل وصاياه الذين برباطة جأش يتمتعون بملء نعمة الله، هؤلاء الأنقياء من كل صبغة غريبة” (ACW) ومن ضمن ألقاب المديح التي أسبغها إغناطيوس الأنطاكي على كنيسة روما لقب محدد استرعى انتباه الدارسين، وهو “المترئسة في المحبة” ، لكنهم منقسمون جداً حول ما يعنيه هذا اللقب، فقد رأي أ. هارناك (A. Harnack) في هذه العبارة مجرد اعتراف يحمل عرفاناً بالجميل بسبب المحبة الفائقة التي كان المسيحيون الرومانيون يُظهرونها. فوفقاً لرأيه، لُقبت كنيسة روما بلقب “المترئسة في المحبة” لأنها كانت أكثر الكنائس إحساناً وكرماً واستعداداً لتقديم يد العون، ولهذا السبب صارت حامية وراعية المحبة. غير أنه لا يمكن للمرء أن يتجاهل حقيقة كون اللقب قد جاء ذكره في التحيات مرتين بدون أي تغير واضح في المعنى، وقد ذكره إغناطيوس في المرة الأولى على النحو التالي: “المترئسة أيضاً في عاصمة بلاد الرومان” ، وهنا تصبح فكرة الرئاسة الكنسية لا مفر منها[5]، ويصبح تفسير هارناك غير قابل للتطبيق. أما الدليل على هذا هو أن العبارة الاصطلاحية اليونانية نفسها المستخدمة هنا لم تستخدم في أي مكان آخر في رسائل إغناطيوس إلا في (مغنيسيا 6: 1، 2)، وهي تشير، بلا أدنى خطأ من جانبنا، إلى ممارسة الأسقف والقساوسة والشمامسة لوظيفة الإشراف. كما أن هناك مشكلة أصعب فيما يتعلق بالمعنى المقصود من كلمة “المحبة” ، فمن يقرأ رسائل إغناطيوس سرعان ما سيدرك أن كلمة مُستخدمة فيها بعدة معاني. ولقد قدم (F. X. Funk) حلاً اعتمد فيه على حقيقة كون إغناطيوس قد قام في أحيان عدة (مثلاً في: فيلادلفيا 11: 2؛ سميرنا 12: 1؛ تراليا 13: 1؛ رومية 9: 3) بجعل المصطلح “المحبة” مرادفاً للكنائس التي وجه إليها رسائله، ولكنه قام بتغير العبارة في الرسالة إلى كنيسة روما إلى: “مترئسة على رباط المحبة” بحيث تكون عبارة “رباط المحبة” مجرد طريقة أخرى لقول “الكنيسة الجامعة”. ولكن الأبحاث اللاحقة التي قام بها كل من (J. Thiele) و(A. Ehrhard) أثبتت أنه من المستبعد أن تكون هذه هي الترجمة الصحيحة وذلك مع أخذ سياق واتجاه فكر إغناطيوس في الاعتبار. أضف إلى ذلك أن الترجمات اللاتينية القديمة، والسريانية، والأرمنية لرسائل إغناطيوس لا تدعم مثل هذه الصياغة. أما الاقتراح الذي قدمه (J. Thiele) فهو الأكثر أقناعاً، وهو يقوم على إعطاء الكلمة المذكورة في هذه الفقرة معنى أوسع وأعمق، وفهم كلمة “المحبة” باعتبارها تعني كلية الحياة الخارقة للعادة التي يضرمها المسيح في قلوبنا بحبه، وهكذا يكون إغناطيوس قد عزا إلى كنيسة روما – بالعبارة القائلة: “المترئسة في المحبة” – السلطة ليكون لها دور الإرشاد والقيادة في هذا الأمر الذي يشكل جوهر المسيحية، وكذلك في النظام الجديد الذي أدخلته إلى العالم محبة المسيح الإلهية للبشر. لكن، وبعيداً عن تلك المشكلة الممثلة في هذا المُصطلح الصعب، تُظهر رسالة إغناطيوس إلى كنيسة روما في مُجملها – متخطية أي اعتراضات – أن إغناطيوس قد اعترف بالمكانة المُشرفة الممنوحة لكنيسة روما باعتباره أمراً تستحقه، وأن هذه المكانة المُشرفة ليس مؤسسة على مدى ما يتركه إحسانها من تأثير، بل على كونها حقاً أصيلاً أن تكون لها الأولية في الكنيسة الجامعة، وهذا ما تؤكده هذه العبارة الواردة في التحيات التي تقول: “المترئسة أيضاً في عاصمة بلاد الرومان”؛ وأيضاً عبارة “بل علمتم الآخرين” (روما 3: 1)؛ ومرة ثالثة بالطلب الذي قدمه إغناطيوس الأنطاكي لأعضاء كنيسة روما في رسالته إليهم بأن يقفوا إلى جانب كنيسة سوريا كما كان للمسيح أن يفعل وكما يجدر بالأسقف أن يعمل: “اذكروا في صلواتكم الكنيسة في سوريا تلك التي ليس لها إلا الله ليرعاها بدلاً مني. فلن يكون لها أسقف سوى يسوع المسيح ومحبتكم” (فصل 9: 1) وأيضاً من الأمور ذات المغزى، هو أن إغناطيوس بالرغم من أنه في كل رسائله يحض المؤمنين على الوحدة والتناغم إلا أنه لا يفعل ذلك في رسالته إلى كنيسة روما، وذلك لأن سلطانها ممنوح لها من مقدمي الرسولين بطرس وبولس: “إني لا آمركم كبطرس وبولس؛ إنهما رسولان أما أنا فمدان” (روما 4: 3). وهذه الشهادة أيضاً تجعل من إغناطيوس شاهداً مهماً على إقامة بطرس وبولس المؤقتة في روما.
المنهج السرائري (المستيكي) للقديس إغناطيوس
ومثلما تجمع التعاليم الخريستولوجية للقديس إغناطيوس بين التعليم اللاهوتي للقديس بولس والتعليم اللاهوتي للقديس يوحنا، هكذا أيضاً تأثر مذهبه المستيكي بكليهما، فهو يربط بين تعليم بولس عن الاتحاد بالمسيح وتعليم القديس يوحنا عن الحياة في المسيح. وهنا تظهر فكرة القديس إغناطيوس المحببة لديه وهي فكرة “الاقتداء بالمسيح”.
1 – الاقتداء بالمسيح
ربما لم يتحدث كاتب في العصور المسيحية المبكرة عن “الاقتداء بالمسيح” بمثل هذه الفصاحة التي تحدث بها القديس إغناطيوس. فإذا أردنا أن نحيا حياة في المسيح وفي الله لا بد أن نتبنى المبادئ والفضائل التي لله وللمسيح: “لا يستطيع الجسداني أن يحيا حياة روحية، ولا يستطيع الروحاني أن يحيا حياة جسدانية، فلا يمكن للإيمان أن يمارس أفعال الكفر، ولا يمكن للكفر أن يأتي بأفعال الإيمان. لكن، حتى الأشياء التي تفعلونها بالجسد هي روحي، لأننا نفعل كل شيء متحدين بيسوع المسيح”. (أفسس 8: 2).
ومثلما كان المسيح يعمل ما يعمله الآب، هكذا أيضاً يجب علينا أن نقتدي بالمسيح: “افعلوا ما فعله المسيح، لأنه هو أيضاً عمل ما يفعله الآب.” (فيلبي 7: 2).
ولكن هذا الاقتداء بالمسيح لا يقتصر فقط على حفظ الناموس الأخلاقي في حياة لا تختلف قيد أنملة عما علم به المسيح، ولكنه أيضاً يتضمن بشكل خاص أن يأخذ المرء إلى نفسه آلام المسيح وموته، وهكذا يستعطف إغناطيوس مؤمني روما قائلاً: “دعوني أتمثل بإلهي المتألم” (روما 6: 3).
2 – الاستشهاد
ينبع اشتياق إغناطيوس وحماسه للاستشهاد من إدراكه للاقتداء بربه، فهو يفهم الاستشهاد باعتباره قمة الاقتداء بالمسيح؛ ومن ثم يكون التلميذ الحقيقي للمسيح هو من لديه الاستعداد أن يبذل حياته من أجله: “إني لم أكتمل بعد في يسوع المسيح، ولكني بالفعل قد بدأت الآن أن أكون تلميذاً، وإني أخاطبكم الآن كشركائي في التلمذة.” (أفسس 3: 1) “أعذروني، أنا أعرف جيداً أين تكمن مصلحتي، فأخيراً أنا في طريقي لأكون تلميذاً. أتمنى ألا يشتت انتباهي أي شيء سواء كان منظوراً أو غير منظور حتى أكمل طريقي بسعادة إلى يسوع المسيح! النار، الصليب، الصراع مع الوحوش، سحق العظام، تشويه الأطراف، سحق الجسد بالكامل، العذابات الرهيبة التي يثيرها الشيطان، لتأت كلها عليّ بشرط أن أسير في طريقي إلى يسوع المسيح. فليس لأقاصي الكون أو ممالك العالم أية أهمية عندي، فأنا أفضل أن أموت وأمضي إلى يسوع المسيح على أن أصير ملكاً على الأرض كلها. إني أطلب ذاك الذي مات من أجلنا، إني أحب ذاك الذي قام بسببنا. لقد أتت آلام المخاض عليّ. سامحوني أيها الأخوة، لا تعطلوا وصولي إلى الحياة، ولا تكونوا راغبين في موتي؛ لا تقدموا إنساناً هدية إلى العالم وهو يريد أن يكون ملكاً لله، احذروا لئلا تغروني بالماديات، واسمحوا لي أن أنال النور النقي، فبمجرد أن أصل إلى هناك سأصير إنساناً”. (رومية 5: 3-6) “لماذا إذاً أسلم نفسي للموت، للنار، للسيف، للحيوانات المفترسة؟ حسناً أن اقترب من السيف يعني أني سأكون في يد الله، ليكن هذا فقط في اسم يسوع المسيح! إني أحتمل كل شيء لأتألم معه، يمنحني القوة، ذاك الذي قد صار إنساناً” (سميرنا 4: 2).
3 – سكنى المسيح
إن تعاليم بولس الرسول عن حلول الله في النفس البشرية تُشكل أحد الموضوعات المفضلة عند القديس إغناطيوس، فإن ألوهية المسيح تسكن في نفوس المسيحيين[6] كما في هيكل: “لنفعل كل شيء ونحن مقتنعون أنه يسكن فينا، وهكذا نكون هيكله وهو إلهنا الذي فينا. هذا حق وسيظهر أمام أعيننا، لذا دعونا نحبه كما يستحق”. (أفسس 15: 3).
وكان إدراك إغناطيوس لسكنى الله في الإنسان قد امتلكه تماماً وألهمه إلى درجة أنه قد صك مصطلحات جديدة دخلت إلى ثقافة عصره، فهو يدعو المسيحيين بالألقاب التالية: “حاملو الله” ، “حاملو المسيح” ، “حاملو الهيكل” : “هكذا أنتم كلكم رفقاء لنا في رحلة السفر، حاملو الإله، وحاملو الهيكل، وحاملو المسيح.” (أفسس 9: 2) وهو يدعو نفسه “حامل الله” وهكذا كان يبدأ رسائله بالعبارة التالية: “إغناطيوس المدعو أيضاً ثيؤفورس”.
4 – الكينونة في المسيح
إن المسيح ليس فقط فينا، ولكننا نحن أيضاً واحد معه، ومن ثم يرتبط المسيحيون بعضهم بالبعض الآخر في اتحاد إلهي. وهكذا يكرر إغناطيوس مرة بعد أخرى تعبير القديس بولس “في المسيح”، فهو يرغب في أن “يوجد في المسيح”. والاتحاد بالمسيح هو الرابطة التي تجمع كل المسيحيين معاً، لذلك هو يتوسل إلى أهل أفسس أن يتمثلوا بالرب: “حتى تكونوا كاملين في النقاوة والتعقل في يسوع المسيح جسدياً وروحياً”. (أفسس 10: 3).
وقد كتب إغناطيوس في رسالته إلى مؤمني مغنسيا يقول إنه يصلي لأجل الكنائس: “إني أصلي لكي يكون فيهم الوحدة القائمة على جسد وروح يسوع المسيح الذي هو حياتنا الأبدية، وحدة الإيمان والمحبة التي ليس هناك شيء آخر أفضل منها، لكنها اتحاد بنوع خاص مع يسوع والآب”. (مغنسيا 1: 2).
ومن الأمور المميزة لإغناطيوس هو أنه يؤكد مراراً وتكراراً على أن المسيحيين يصبحون متحدين في المسيح فقط حينما يكونون متحدين مع أسقفهم بالإيمان، وبالطاعة، وعلى وجه الخصوص بالشركة في العبادة الإلهية؛ فهو لا يعرف الاستقلالية الذاتية في الحياة الروحية أو في الاتحاد السري بالمسيح، لكنه يعترف فقط باتحاد إلهي واحد مع المخلص، هذا الذي يتم من خلال العبادة الليتورجية، فالمنهج الروحي للقديس إغناطيوس ينبع من العبادة الإلهية، أي أن مركزها ليس هو الفرد الواحد بل الجماعة المؤمنة التي تعمل كجسد واحد من خلال الليتورجيا. وهذا يفسر السبب في أن مصطلحاته السرائرية التي تخلل أسلوبه الأدبي تميل إلى الرموز والعبارات التي مصدرها العبادة والليتورجيا.
أصالة الرسائل
كانت أصالة هذه الرسائل محل شك لمدة طويلة من قبل البروتستانت، فقد كانوا يرون – من وجهة نظرهم – أنه من غير المحتمل أن يجد المرء في زمن الإمبراطور تراجان نظام الأسقفيات المونارخية أي ذات الأسقف الواحد، وهذا الترتيب الواضح القاطع في تقسيم الوظائف الكهنوتية إلى أساقفة، وقسوس وشمامسة. لقد شكوا في رسائل إغناطيوس باعتبارها رسائل ملفقة كتبت لهدف معين هو خلق المنظومة الكهنوتية. ومثل هذا الادعاء ليس صحيحاً. ولكن اليوم يتفق الجميع على أصالة تلك الرسائل، وذلك بعد الدفاع البارع الذي قدمه كل من لايت فوت (J. B. Lightfoot)، وهارناك (A. V. Harnack)، وزان (Th. Zahn)، وفانك (F. X. Funk) عن أصالتها. وتقف كل من الأدلة الخارجية والداخلية في صالحها، فلدينا شهادات ترجع إلى زمن كتاباتها؛ فقد كتب القديس بوليكاريوس أسقف سميرنا – وأحد من وجهت إليهم تلك الرسائل – في رسالته إلى أهل فيلبي والتي كتبت بعد استشهاد إغناطيوس بوقت قليل: “نرسل إليكم كما طلبتم رسائل إغناطيوس التي أرسلها إلينا ورسائل أخرى موجودة عندنا، ستستفيدون منها كثيراً لأنها ستقودكم إلى الإيمان والصبر وكل ما يبني في ربنا”. (13: 2) وهذا الوصف ينطبق تماماً على الرسائل. وقد أشار كل من أوريجانوس وإيرينيوس إلى هذه الرسائل، أما يوسابيوس فقد ذكر أسماءها في ترتيبها التقليدي واعتبرها مكملة لبعضها البعض في مجموعة واحدة (Hist Eccles: 3: 36: 4 ff).
كيف وصل النص إلينا
حفظت هذه الرسائل لنا في ثلاثة نصوص:
1 – النص القصير
وهو النص الأصلي الموجود فقط باللغة اليونانية والمحفوظ في المخطوطة (Codex Mediceus lauretianus 57)، ويرجع هذا النص إلى القرن الثاني الميلادي، غير أنه تنقصه الرسالة إلى أهل رومية، لكن نصها قد وجد في المخطوطة (Codex Paris grace. No. 1457) التي ترجع إلى القرن العاشر الميلادي.
2 – النص الطويل
تم التلاعب بالمجموعة الأصلية وتحريفها في القرن الرابع الميلادي، فخرج النص الطويل من قلم كاتب معاصر لمؤلف “المراسم الرسولية”، وهو شخص لها علاقة ما بأتباع الهرطقة الأبوليناريةن[7]. وقد أضاف هذا الشخص ست رسائل مزورة إلى جانب الرسائل السبع الأصلية. ويوجد هذا النص الطويل في عدة مخطوطات يونانية ولاتينية، وقد اشتهر النص الطويل أولاً، فقد طبع باللغة اللاتينية عام 1489م ثم باللغة اليونانية عام 1557م. أما النص القصير الأصلين الخاص بكل من الرسالة إلى أهل أفسس، والرسالة إلى أهل مغنسيا، والرسالة إلى أهل تراليا، والرسالة إلى أهل فيلادلفيا، والرسالة إلى أهل سميرنا، والرسالة إلى الأسقف بوليكاريوس، فقد طبع عام 1646م، ثم طبع نص الرسالة إلى أهل روما عام 1689م، ومنذ ذلك الحين صارت هناك قناعة بأن النص الطويل مزيف.
3 – المختصر السرياني
نشر W. Cureton عام 1845م نصاً سريانياً لمجموعة مكونة من الرسالة إلى أهل أفسس، والرسالة إلى أهل روما، والرسالة إلى بوليكاريوس. ولقد اعتبر المحرر هذا المختصر السرياني هو النص الأصلي، غير أن لايت فوت (Lightfoot) وآخرين أثبتوا أن هذا النص ما هو إلا مختصر سرياني للنص القصير.
[1] تم توضيح علاقة الآبن بالآب في القرون اللاحقة حيث أكد الآباء أن الابن مولود من الآب بالطبيعة وليس بالإرادة على خلاف الخليقة التي أوجدت بمشيئة الله. (المراجع)
[2] هي بدعة تعود إلى القرن الأول الميلادي وانتشرت بين الغنوسيين، ينادي أصحابها بأن جسد المسيح هو خيال، وأن آلامه وموته كانت مجرد آلام ظاهرية، وتكلم عنهم القديس يوحنا الرسول في (1يو 4: 2؛ 2يو 7)، وحاربهم القديس إغناطيوس الإنطاكي في رسائله كما يتضح في المتن. (المراجع)
[3] لم يكن مصطلح “الكنيسة الجامعة” عند إغناطيوس يعني “الكنيسة الكاثوليكية” بالمعنى الطائفي، لكنه يعني نعتاً “للكنسية الرسولية الجامعة” لكل الأجناس والشعوب والبلاد و”الكراسي” الرسولية المحلية. (المراجع).
[4] المؤلف من أبناء الكنيسة الكاثوليكية، وهو بالرغم من مكانته العالية إلا أنه يحاول في كل مناسبة أن يستخرج من النصوص ما لا تتضمنه لإثبات أولية كنيسة روما أو عقائدها المختلفة كما سنرى. وعلى سبيل المثال، كما يتضح من النص، الصفات التي أطلقها ق. إغناطيوس على كنيسة روما لا تشير إطلاقاً إلى أولية تلك الكنيسة ورئاستها على بقية الكنائس كما يدعي المؤلف: فعبارة “المترئسة في عاصمة بلاد الرومان” إنما تعني أن وضعها هو مثل وضع كنيسة الإسكندرية بالنسبة لمصر، وكذلك “المترئسة في المحبة” فتعني تميزها في أعمال المحبة والرحمة وأنها أكثر الكنائس إظهاراً للكرم والإحسان. (المراجع)
[5] ارجع إلى الحاشية السابقة. (المراجع)
[6] التأثر الكاثوليكي عن المؤلف يظهر هنا أيضاً في الفصل بين اللاهوت والناسوت في هذه العبارة، لأن المسيح الواحد كله يتحد بنا روحياً بروحه القدوس وجسدياً بسر الإفخارستيا كما يقول ق. كيرلس السكندري. ونحن لا نرى هذا الفصل في الاقتباس الذي يورده هنا المؤلف للقديس إغناطيوس. (المراجع).
[7] كان أبوليناريوس من أشد المقاومين للآريوسية، وقد صار أسقفاً للاذيقية عام (361م). ادعى أبوليناريوس أن لاهوت اللوغوس حل محل الروح البشرية في المسيح. وقد رد القديس غريغورويوس النزينزي عليه في الرسالة 101 قائلاً: “ما لم يؤخذ كله لا يشفى كله”، مؤكداً أنه لا بد أن يتخذ الكلمة الناسوت كاملاً حتى يشفى الناسوت كاملاً. (المراجع).
إغناطيوس الإنطاكي – الأباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة
علم الأبائيات باترولوجي – الفصل الأول: الصيغ الليتورجية والتشريعات القانونية الأولى – كواستن
علم الأبائيات باترولوجي – الفصل الأول: الصيغ الليتورجية والتشريعات القانونية الأولى – كواستن
علم الأبائيات باترولوجي – الفصل الأول: الصيغ الليتورجية والتشريعات القانونية الأولى – كواستن
قانون إيمان الرسل
إن “قانون إيمان الرسل” (Symblum Apostolicum)، هو عبارة عن موجز مختصر للعقائد المسيحية الرئيسية، لذلك يمكن أن يُطلق عليه الخلاصة الوافية للتعاليم اللاهوتية في الكنيسة. ولكن الشكل الذي هو عليه الآن. المكون من اثني عشر بنداً، لم يظهر قبل القرون السادس الميلادي، ومنذ ذلك الوقت فصاعداً، استخدم في بلاد الغال، واسبانيا، وايرلندا، وألمانيا في مناهج تعليم الموعوظين.
وبالرغم من ذلك، فإن التسمية “قانون إيمان الرسل” تعود إلى ما قبل القرن السادس الميلادي، فقد كتب روفينوس في نهاية القرن الرابع تفسيراً بعنوان حول قانون إيمان الرسل”، يشرح فيه أصل هذا القانون.
وبحسب روفينوس، كان هناك تقليد يذكر أن الرسل بعد ما حل عليهم الروح القدس، وقبل أن يخرجوا للكرازة في مختلف الأمم والبلاد، اتفقوا على صيغة مختصرة للعقيدة المسيحية كأسـاس لتعاليمهم وكقاعـدة إيمان للمؤمنين (ML 21: 337)، ويبدو أن أمبروسيوس يشارك روفينيوس في رأيه، حيث يشير عن عمد في كتابه “شرح مثال الإيمان” (Explanatoin of the Symbol)، إلى الإثني عشر بنداً باعتبارها تمثل الإثني عشر رسولاً.
أما في القرن السادس الميلادي، فنقرأ لأول مرة التأكيد الجازم على أن كل رسول وضع بنداً من بنود قانون إيمان الرسل الاثني عشر، وذلك في عظة منسوبة إلى أوغسطينوس تعود لهذا القرن، وهي تشرح أصل القانون في الكلمات التالية: “قال بطرس: أنا أؤمن بالله الآب ضابط الكل، خالق السماوات والأرض…. وقال أندراوس: وأؤمن بيسوع المسيح، ابنه الوحيد، ربنا…” (ML, 39: 2189-2190) وهكذا ساهم كل رسول في وضع أحد البنود الاثني عشر.
وقد ظل هذا الشرح لقانون إيمان الرسل، والذي ظهر في القرن السادس الميلادي، هو الشرح السائد طوال القرون الوسطى. ولهذا كانت مفاجأة كبرى عندما أعلن ماركوس إفجينيكوس (Marcus Eugenicus)، رئيس أساقفة أفسس اليوناني، في مجمع فيريرا (Ferrara) 1438م، أن الكنائس الشرقية لا تعرف شيئاً لا عن قانون الإيمان المستخدم في الكنائس الغربية، ولا عن نسبته للرسل. وبعد بضعة سنين، أنكر عالم الإنسانيات الإيطالي “لورينزو فالا” (Lorenzo Valla) بشكل قاطع نسبة هذا القانون للرسل.
وقد أثبتت الأبحاث الحديثة حول هذا الموضوع، بشكل كاف، أن المحتوى الجوهري لقانون إيمان الرسل يعود إلى العصر الرسولي؛ ولكن صورته التي هو عليها الآن قد تطورت تدريجياً.
هذا ويرتبط بشدة التاريخ الطويل لقانون إيمان الرسل بالتطور المتطرد لليتورجية المعمودية وإعداد الموعوظين لنوالها، فلم يؤثر شيء آخر، في وضع “قانون الإيمان” هذا، أكثر مما أثرت الحاجة لصيغة اعتراف إيمانية يعلن بها المرشحون لنوال المعمودية إيمانهم، فمنذ عصر الرسل وإلى الآن، كانت الممارسة المسيحية تتطلب أن يعترف الموعوظ بوضوح بإيمانه بالعقائد الأساسية بخصوص يسوع المسيح، لذا كان على المرشحين للمعمودية أن يحفظوا كلمات معدة مسبقاً عن ظهر قلب، وأن يرددوها بوضوح أمام الشعب.
ومن هذه العادة ظهر طقس “التسليم” (Traditio) و”تلاوة قانون الإيمان من الذاكرة” (redditio symboli). وقد كان اعتراف الإيمان جزءً لا يتجزأ من الليتورجية، وعندما ندرك هذه الحقيقة إدراكاً كاملاً، عندئذ يمكننا أن نستوعب مدى أصالتها.
تكشف دراسة التاريخ المبكر لقانون الإيمان عن صيغتين محددتين له: الصيغة الخريستولوجية، والصيغة الثالوثية:
أولاً: الصيغة الخريستولوجية (The Christological Formula)
إن أبسط أشكال قانون الإيمان مسجل في سفر أعمال الرسل (أعمال 8: 37)، فقد عمد فيلبس الخصي الحبشي بعد أن اعترف الأخير بإيمانه هكذا: “أنا أؤمن أن يسوع المسيح هو ابن الله”. هذه العبارة تثبت لنا أن نقطة البداية في قانون الإيمان هي الاعتراف الإيماني بأن يسوع المسيح هو ابن الله. ولم تكن هناك حاجة لأن يطلب المزيد من المرشحين للمعمودية، فقد كان الاعتراف بأن يسوع هو المسيا كافياً، خاصة بالنسبة للمتحولين من اليهودية.
وبمرور الوقت، أضيف ألقاب أخرى لهذه الصيغة، فبعد ذلك بفترة وجيزة أضيف لقب “المخلص” إلى الصيغة، وظهر الشعار “إخثيس” (##)، وهو قانون الإيمان المتداول في العالم اليوناني، لأن كلمة (##) تعني سمكة – تحتوي على الأحرف الأولى من الكلمات اليونانية الخمس: (###) “يسوع المسيح ابن الله المخلص” ويشهد ترتليانوس، وكذلك نقوش” أبيركيوس” (Abercius)، عن انتشار هذه الصيغة (كقانون إيمان) في النصف الثاني من القرن الثاني، غير أنه قبل ذلك بكثير…
كانت توجد في الكتابات المسيحية المبكرة ما يعبر عن الإيمان بالمسيح بصورة رسمية أكثر وبنظرة أوسع، فبالفعل كان الرسول بولس في رسالته إلى أهل رومية (1: 3، 4) يصيغ “إنجيل الله” باعتباره رسالة “ابنه الذي صار من نسل داود من جهة الجسد. وتعين ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات يسوع المسيح ربنا”. هناك أيضاً صيغ مشابهة في كورنثوس الأولى (15: 3) وبطرس الأولى (3: 18-22).
وربما كانت هذه الصيغ تستخدم ليتورجياً، هذا الاستنتاج يفرض نفسه خاصة إذا كنا نتكلم عن مُلخص العمل الخلاصي الذي يذكره القديس بولس في فيلبي (2: 5-11) وفي حوالي 100م، أعلن أغناطيوس الأنطاكي (في الرسالة إلى تراليا: 9)..
إيمانه بيسوع المسيح بكلمات تذكرنا بالبند الثاني من قانون إيمان الرسل، فقال: “يسوع المسيح، الذي من نسل داود، ابن مريم، الذي ولد بالحقيقة، أكل وشرب، وتألم بالحقيقة على عهد بيلاطس البنطي، وصلب حقاً ومات، ونظرته الكائنات السماوية والأرضية وما تحت الأرض، والذي أقيم حقاً من الأموات؛ إذ أقامه أبوه، وهكذا سيقيمنا أيضاً في المسيح يسوع طالما نؤمن به، وبدونه ليست لنا حياة حقيقية”.
ثانياً: الصيغة الثالوثية (The Trinitarian Formula)
إلى جانب الصيغة الخرستولوجية، وجدت أيضاً منذ عصر الرسل صيغة ثالوثية للاعتراف بالإيمان خاصة بطقس المعمودية، تلك التي صارت الصيغة السائدة، فوصية الرب بتعميد كل الأمم “باسم الآب والابن والروح القدس” هي التي أوحت بقاعدة الإيمان هذه.
وقد ذكر يوستينوس الشهيد (Apol 1: 61)، حوالي سنة 150م، أن المتقدمين لنوال المعمودية كانوا “يتقبلون غسل الماء باسم الله الآب ورب الكون، ومخلصنا يسوع المسيح، والروح القدس” علاوة على ذلك، كان العمل المعروف باسم “رسالة الرسل” (Epistola Apostolorum)، والذي كتب في نفس الوقت تقريباً، وقد وسع بالفعل من اعتراف الإيمان هذا من ثلاثة بنود إلى خمسة.
فقانون الإيمان. المذكور في هذه الرسالة – يحتوي ليس فقط على الإيمان “بالآب، ضابط العالم كله، وبيسوع المسيح مخلصنا؛ وبالروح القدس المعزي؛ ولكنه يضيف أيضاً “وبالكنيسة المقدسة، وبمغفرة الخطايا”.
ثالثاً: الصيغة المركبة (The Combination Formula)
في حين وسعت “رسالة الرسل” الصيغة الثالوثية بإضافة عنصرين جديدين إليها، إلا أنه قد بقي هناك أسلوب آخر للنمو، وهو بإعطاء تفاصيل أكثر عن كل بند من بنود قانون الإيمان. وتتمثل هذه الطريقة في نمط يمكن لنا أن نسميه الصيغة المركبة، تلك التي تجمع بين الصيغتين الخريستولوجية والثالوثية.
وكان إدخال الاعتراف المسياني الذي كان في الأصل مستقلاً (والذي لا يزال محتفظاً بوجوده المستقل في مدخل الليتورجية الإفخارستية) وقد أخل بتناسق الصيغة الثالوثية البسيطة، وقد نتج عن هذا ثماني أو تسع عبارات بها قاعدة إيمان خريستولوجية موسعة، مثل تلك الصيغة التي كانت سارية في روما سنة 200م، فقد احتوى طقس المعمودية لكنيسة روما الذي يصفه هيبوليتس في التقليد الرسولي على قانون الإيمان التالي:
“أؤمن بالله الآب ضابط الكل، وبيسوع المسيح، ابن الله، الذي ولد من الروح القدس ومن مريم العذراء، وصلب على عهد بيلاطس البنطي، مات ودفن، وقام من الأموات في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين الآب، وسيأتي ليدين الأحياء والأموات، وبالروح القدس، وبالكنيسة المقدسة، وبقيامة الجسد”. وكان ترتليانوس في نهاية القرن الثاني على علم بقانون الإيمان الروماني هذا، وهناك أسباب كثيرة لنعتقد أن هذا القانون كان قد تمت صياغته قبل أن نسمع عنه لأول مرة بفترة طويلة.
هذا ولقد أثبت البحث العميق والواسع النطاق أنه ينبغي اعتبار هذه الصيغة الرومانية لقانون الإيمان بمثابة الأم لكل قوانين الإيمان الغربية بل وأيضاً “قانون إيمان الرسل” خاصتنا. هذا وقد انتقل (قانون الإيمان الروماني) خلال القرن الثالث من كنيسة إلى أخرى حتى ساد عالمياً، ولكننا لا نستطيع أن نثبت – كما حاول (Kattenbush) أن يفعل – أنه كان النموذج الأصلي لصيغ قوانين الإيمان في الشرق، فيبدو على أغلب الظن أن صيغ قوانين الإيمان الشرقية وقانون الإيمان الروماني كانا فرعين مستقلين من أصل مشترك له جذوره في الشرق.
غير أنه يمكننا أن نرى تطوراً في الشرق يشبه ذاك الذي تتبعناه في الغرب، فقد أضيفت إلى الاعتراف الثالوثي البسيط تصريحات خريستولوجية[1]، لكن في حين تم التركيز على الميلاد من العذراء مريم في الغرب، أدخل الشرق عبارات جديدة بخصوص ميلاد المسيح الأزلي قبل خلق العالم، وقد سميت هذه الإضافات بـ: “المادة المضادة للهرطقة”..
ولكننا لا نستطيع أن نكون متأكدين من أن هذه الإضافات كانت لمقاومة أي هرطقة إلا في حالات قليلة فردية، فمعظمها قد تمت إضافته بسبب ظهور حاجة في الكنيسة لشرح العقائد الأساسية في المسيحية أكثر وأكثر في قانون الإيمان بصورة مختصرة بهدف تعليم الموعوظين.
ومثلما تطور طقس المعمودية من طقس بسيط إلى احتفال مهيب، هكذا تطور قانون الإيمان الخاص بالمعمودية من اعتراف ثالوثي بسيط إلى ملخص لكل عقائد المسيحية. ومثلما كانت هناك ليتورجيات مختلفة للمعمودية، هكذا أيضاً وجدت عدة قوانين إيمان.
أما أشهر قوانين الإيمان في الشرق فهو القانون الأورشليمي المسجل في مقالات كيرلس الأورشليمي لطالبي العماد، والقانون القيصري الذي دونه لنا يوسابيوس المؤرخ. ولا يزال الدارسون مختلفين حول ما إذا كان قانون الإيمان النيقي هو صيغة معدلة من النموذج القيصري أم من النموذج الأورشليمي.ِ
من الواضح إذن أن نص قانون إيمان الرسل الحالي لم يظهر قبل القرن السادس، حيث كان قد ظهر أولاً في قيصرية آرل (Arles). كما أن قانون الإيمان الروماني الذي يعود إلى القرن الخامس الميلادي يختلف هو الآخر عن قانوننا؛ إذ تنقصه العبارات التالية: “خالق السماء والأرض – ولِد – تألم ومات ونزل إلى الجحيم – الجامعة – شركة القديسين – الحياة الأبدية.
وعلى كل الأحوال فإن العناصر العقائدية المحتواة في قانون إيمان الرسل كانت جميعها قد ظهرت نحو نهاية القرن الأول الميلادي في صيغ الإيمان المتعددة والمختلفة المسجلة في الكتابات المسيحية المبكرة.
الـديـداخـي
يُذكر الديداخي، في فهرس المخطوطة التي وجدت فيها، تحت اسم مختصر هو: “تعليم الإثني عشر رسولاً” (##)، ولكن عنوانها الكامل هو: “تعليم الرب للأمم بواسطة الإثني عشر رسولاً” يبدو أن هذا العنوان الأخير هو العنوان الذي كان معروفاً به في الأصل.
ولا يكشف الكاتب عن اسمه، إلا أنه سيكون من التسرع أن نفترض، مثلما فعل (Duchesne)، أن العنوان يشير إلى أصل رسولي لهذه الوثيقة، فالنص لا يدل على ذلك بأي شكل من الأشكال، فمن الواضح أن نية الكاتب كانت هي أن يعطي مختصراً لتعاليم المسيح كما علمها الرسل للأمم، وهذا ما قد يفسر العنوان.
ويعتبر الديداخي أهم وثيقة من العصر بعد الرسولي وهو أقدم مصدر قانوني كنسي نملكه هذا ولم يكن الديداخي معروفاً حتى عام 1883م، حينما نشره مطران نيكوميديا اليوناني فيلوثيئوس برينيوس (Philotheos Bryennios) من المخطوطة اليونانية رقم (1057) المملوكة لبطريركية أورشليم. ومنذ ذلك الحين، أغنى الديداخي معرفتنا عن بداية الكنيسة وعمقها بطريقة مدهشة. وقد جنى الدارسون، الذين طالما انجذبوا لمحتواه، الكثير من الإلهام والاستنارة من هذا الكتاب صغير الحجم.
وقد يتوقع المرء – بالاحتكام إلى العنوان فقط – أن الديداخي يُبرز عظات المسيح الكرازية، ولكننا نجده مهتماً بالأكثر أن يقدم خلاصة وافية للوصايا الأخلاقية، وإرشادات تنظيم الجماعات، والقوانين المتعلقة بالوظائف الليتورجية؛ فنحن نملك هنا ملخصاً لتوجيهات من شأنها أن تمنحنا صورة واضحة للحياة المسيحية في القرن الثاني. وفي الحقيقة نقول إنه لدينا هنا أقدم ترتيب كنسي، فهو النموذج الأولي ذو المكانة لكل مجموعات الدساتير والقوانين الرسولية اللاحقة، تلك التي بها بدأت القوانين الكنسية في الشرق والغرب.
المحتـويـات
ينقسم نص الديداخي إلى ستة عشر فصلاً نستطيع أن نميز فيها قسمين كبيرين: القسم الأول (الفصول 1-10)، ويحتوي إرشادات ليتورجية، والقسم الثاني (الفصول 11-15)، ويتضمن قوانين تنظيمية. أما الفصل الأخير عن مجيء الرب الثاني (Parausia)، والواجبات المسيحية المترتبة على ذلك فهو بمثابة الخاتمة.
يحتوي الجزء الأول من القسم الليتورجي (الفصول 1-6) على توجيهات لتعليم الموعوظين، وطريقة عرض هذه التوجيهات هي أكثر ما يثير الاهتمام، فقد قدمت القواعد الأخلاقية فيه في صورة طريقتين: طريق الخير وطريق الشر، وهكذا يبدأ النص قائلاً: “هناك طريقان، أحدهما للحياة والآخر للموت، وهناك فارق كبير بينهما. والآن طريق الحياة هو هذا: أولاً: أحب الله الذي خلقك، ثانياً: أحب قريبك كنفسك، لا تفعل بآخر ما لا تحب لنفسك” (فصل 1: 1-2).
أما طريق الموت فموصوف في الفصل الخامس كما يلي: “ولكن هذا هو طريق الموت قبل كل شيء، إنه شرير وملعون بالكامل ومليء بكل أنواع القتل، والزنى، والشهوات، والعهر، والسرقة، وعبادة الأوثان، والسحر، والشعوذة، والخطف، وشهادة الزور، والنفاق، والرياء، والمجد الباطل، والخبث، والفظاظة، والطمع، والكلام الباطل، والغيرة، والطيش، والعجرفة، والادعاء الكاذب، وعدم مخافة الله”.
وتحمل هذه الطريقة المزدوجة، والتي تعتبر هنا وسيلة رئيسية لتعليم الموعوظين، طابعاً يونانياً عقيقاً، فقد كانت هذه الطريقة تستخدم في المجامع الهلينية لتعليم الدخلاء.
أما بالنسبة لدارس التاريخ الليتورجي، فإن الفصول (7-10) هي الأهم. وقد وردت إجراءات منح المعمودية أولاً هكذا: “المعمودية كالتالي: بعدما تشرحون كل هذه النقاط أولاً، عمدوا باسم الآب والابن والروح القدس في ماء جارٍ، وإن لم يكن هناك ماء جاءٍ فعمدوا بماء آخر، وإن لم يمكنكم أن تعمدوا بماء بارد فعمدوا بماء ساخن، وإن لم يكن لديكم كلاهما، فاسكبوا ماء على الرأس ثلاث مرات باسم الآب والابن والروح القدس[2]”. (فصل 7: 1-3).
وبحسب النص، فإن المعمودية بالتغطيس في ماء جارٍ، أي في الأنهار والينابيع، كانت هي الطريقة المعتادة في ممارسة هذا السر، اما المعمودية بالسكب فقد أجيزت في حالات الضرورة، وهذا هو المصدر الوحيد من القرنين الأول والثاني بخصوص المعمودية بالسكب.
وفوق ذلك، يتضمن الديداخي تعليماً صريحاً عن ضرورة الصوم، فقد كان يجب على كل من المتقدم للمعمودية والمعمد أن يصوما قبل إتمام السر (فصل 7: 4). كذلك، حدد يوما الأربعاء والجمعة بأنهما يوما صوم ثابتان، وهي عادة موجعة ضد الممارسات اليهودية، حيث كانت الأخيرة تتضمن حفظ يومي الإثنين والخميس كيومي صوم تقليديين[3] (فصل 8: 1).
الصلاة والليتورجيا: كان ترديد الصلاة الربانية ثلاث مرات في اليوم أمراً واجباً على كل مؤمن. كما أن للفصلين التاسع والعاشر أهمية خاصة في تاريخ الليتورجية، فهما يحتويان على أقدم صلاة إفخارستية مسجلة وهي كالآتي: “فيما يختص بالإفخارستيا، اشكروا هكذا: أولاً: بخصوص الكأس: “نشكرك يا أبانا، لأجل كرمة عبدك داود المقدسة، التي عرفتنا إياها بواسطة خادمك يسوع. لك المجد إلى الأبد.
كما كان هذا الخبز المكسور منثوراً فوق التلال ثم جُمع فصار واحداً، هكذا فلتجتمع كنيستك من أقصاء الأرض إلى ملكوتك، لأن لك المجد والقدرة بيسوع المسيح إلى الأبد”. لا يأكل ولا يشرب أحد من إفخارستيتكم غير المعتمدين باسم الرب، لأن الرب قد قال بخصوص هذا: “لا تعطوا القدس للكلاب”. (فصل 9).
والحقيقة إن الرأي الذي قُدم أكثر من مرة والقائل بأن ما لدينا هنا ليست صلاة مخصصة للإفخارستيا بل مجرد صلاة مائدة، هو رأي لا سند له، فمناقشة موضوع الإفخارستيا هنا مرتبط بشكل وثيق بالمعمودية، وكلاهما مرتبطان ببعضهما البعض في إيمان الكاتب كما هو واضح، بل الأكثر من ذلك هو أن غير المعمدين ممنوعون صراحة من الاشتراك في (مائدة) الإفخارستيا.
ثم يورد الفصل العاشر صلاة تُقال بعد التناول: “بعد أن تمتلئوا من الطعام، اشكروا هكذا: “نشكرك أيها الآب القدوس من أجل اسمك القدوس الذي أسكنته في قلوبنا، ومن أجل المعرفة والإيمان والخلود الذي أعلنتهم لنا بواسطة يسوع خادمك. لك المجد إلى الأبد. أنت أيها السيد القدير خلقت كل الأشياء لأجل اسمك، ومنحت الناس طعاماً وشراباً ليتمتعوا بهما، لكي يشكروك؛ أما نحن فمنحتنا طعاماً وشراباً روحيين وحياة أبدية بواسطة خادمك (يسوع). نشكرك قبل كل شيء لأنك قدير، لك المجد إلى الأبد.” (10: 1-4).
وتسمى الإفخارستيا هنا. بكل صراحة – طعاماً وشراباً روحياً (##) ثم يضيف الكاتب: “كل من كان طاهراً فليتقدم، ومن ليس كذلك فليتب” (10: 6).
لا تشير التوجيهات الكثيرة فقط، ولكن أيضاً السياق بشكل خاص، إلى أن المقصود من هذا التوجيهات هو تنظيم التناول لأول مرة للمعمدين الجدد في عشية عيد القيامة، أما الإفخارستيا المعتادة كل يوم أحد فقد وُصفت في الفصل الرابع عشر: “في يوم الرب، اجتمعوا معاً لكسر الخبز والشكر، ولكن اعترفوا أولاً بخطاياكم لكي تكون ذبيحتكم طاهرة، لا يجتمع معكم كل من له منازعة مع أخيه حتى يتصالحا لئلا تتنجس ذبيحتكم، لأن الرب قال: “في كل مكان وزمان قربوا لي ذبيحة طاهرة؛ لأني ملك عظيم، يقول الرب، واسمي مرهوب بين الأمم”.
والإشارة الواضحة هنا إلى الإفخارستيا بكونها ذبيحة (##) كذلك التلميح إلى نبوة ملاخي (1: 10) هما أمران لا يخلوان من دلالة.
الاعتراف: وليس أقل إثارة للاتهام، التأكيد على الاعتراف قبل الاشتراك في الإفخارستيا. ويبدو أن الاعتراف بالخطايا الوارد هنا هو على الأرجح اعتراف ليتورجي، وليس اعترافاً شخصياً. وبالمثل، في الفصل (4: 14)، يطلب الكاتب من المصلين الاعتراف بالخطايا قبل الصلاة في الكنيسة: “اعترفوا بخطاياكم في الكنيسة ولا تتقدموا لصلواتكم بضمير مذنب”.
الرتب الكنسية: لا توجد إشارات في الديداخي تبرهن لنا على وجود ما يُعرف بنظام الإيبارشية ذات الأسقف الواحد (Monarchial episcopate)، فقادة الجماعات المسيحية يُدعون أساقفة (##) وشمامسة (##) لكن من غير الواضح إذا كان هؤلاء المُشار إليهم بكلمة (##) هم كهنة عاديون أم أساقفة، كما أننا لا نجد أي ذكر للقسوس (##) ومن ثم، انتخبوا لكم أساقفة وشمامسة، رجالاً جديرين بالرب، ودعاء، غير محبين للمال، أمناء، وقد اختبروا جيداً، لأنهم يسدون إليكم خدمة الأنبياء والمعلمين المقدسة.
إذاً فلا تحتقروهم لأنهم هم المكرمون بينكم مع الأنبياء والمعلمين” (فصل 15: 1-2).
وهذا الجزء يدفعنا لنستنتج أنه إلى جانب الإكليروس المحلي، فإن من يُدعون بـ “الأنبياء” قد لعبوا دوراً هاماً. ونحن نقرأ بخصوصهم في الفصل (13: 3) (إنهم) “هم رؤساء كهنتكم” وقد سمح لهم بالاحتفال الإفخارستي: “اسمحوا للأنبياء أن يقدموا الإفخارستيا ## كما يشاؤون” (10: 7). كما أنه كان يحق لهم الحصور على العشور كلها: “لذلك، خذوا كل بكور الكرمة والمحصور، الماشية والأغنام، وأعطوها للأنبياء…
وبالمثل عندما تفتحوا وعاء خمر أو زيت جديداً خذ باكورته وأعطه للأنبياء. أما فيما يخص الأموال والملابس والممتلكات الأخرى، فافرزوا أولاً جزءً بحسب تقديركم وأعطوه حسب الوصية”. (فصل 13: 3-7). ومن الواضح أن المكانة التي كان الأنبياء يحتلونها كانت رفيعة حتى إنه قد قيل عنهم إنه لا يمكن لأحد أن يحكم عليهم: “أنه (النبي) غير خاضع لحكمكم لأنه يُحكم عليه من قبل الرب” (فصل 11: 11)، بل وإن انتقادهم كان خطيئة ضد الروح القدس: “كل نبي يتكلم بالروح لا تجربوه ولا تدينوه، فكل خطيئة تُغفر، أما هذه فلا يمكن أن تُغفر” (فصل 11: 7).
أعمال البر والعمل الاجتماعي: إن مبادئ أعمال الصدقات والعمل الاجتماعي كما تظهر في الديداخي مثيرة جداً للاهتمام. فبالرغم من أن اعطاء الصدقات هو أمر مستحسن جداً، إلا أن وجوب العمل لأجل كسب العيش هو أيضاً أمر مُشدد عليه.
فالتصديق على الآخرين مشروط بعدم قدرتهم على العمل: “إذا كان الآتي عابر سبيل فساعدوه بقدر ما تستطيعون، ولكن لا يبق عندكم أكثر من يومين أو ثلاثة إذا اقتضى الأمر، أما إذا نوى أن يسكن بينكم، إن كان صاحب حرفة فليعمل ليعول نفسه؛ وإذا لم تكن له تجارة أو حرفة فتبصروا كيف تعولونه كي لا يحيا تابع المسيح بينكم بلا عمل. فإذا لم يرض بهذا الترتيب فهو متاجر بالمسيح. احذروا مثل هؤلاء” (فصل 12: 2-5 ACW).
الإكليسيولوجيا (الكنسيات): مفهوم “الكنيسة” في الديداخي يحمل معنى “الجامعية” (Universality) ففكرة الكنيسة التي تحتضن العالم كله تتصدر الوعي المسيحي، ذلك لأن كلمة (##) “كنيسة” لا تعني فقط جماعة المؤمنين المجتمعين للصلاة، بل أيضاً الشعب الجديد أو الجنس الجديد من المسيحيين الذين سيجتمعون معاً في ملكوت الله يوماً ما، كما أن السمتين “الواحدة” و”المقدسة” لهما أهمية خاصة.
ورمز هذه الوحدة هو خبز الإفخارستيا حيث يُصبح العديد من الحبوب خبزاً واحداً، وذلك كما توضح إحدى الصلوات: ” كما كان هذا الخبز المكسور منثوراً فوق التلال وحين جُمع صار واحداً، هكذا فلتجتمع كنيستك من أقاصي الأرض إلى ملكوتك”. (فصل 9: 4) وفي فقرة أخرى نجد الصلاة الآتية: “اذكر يا رب كنيستك: نجها من كل شر، وكملها في محبتك، واجمع تلك المقدسة من الرياح الأربع إلى ملكوتك الذي أعددته لها.” (فصل 10: 5).
الإسخاتولوجيا (الأخرويات): إن البعد الإسخاتولوجي (الأخروي) بارز في الديداخي، وهو يظهر من حين لآخر في الصلوات الإفخارستية: “لتأت النعمة، ولينته العالم”، كما أنه يظهر في الخاتمة الآرامية “ماران آثا” – والتي تعني – “يا رب تعال”. وهو يتخلل الفصل الأخير من العمل بشكل كامل. وقد كان المسيحيون جميعهم يجهلون متى تأتي الساعة، ولكن “الباروسيا” أي مجيء المسيح الثاني كانت بالنسبة لهم قد غدت وشيكة، لذلك يجب على المؤمنين أن يجتمعوا معاً كثيراً ليبحثوا عما هو نافع لنفوسهم.
هذا ويشير الديداخي إلى العلامات التي سوف تسبق مجيء الرب وقيامة الأموا: سيكثر الأنبياء الكذبة والمنحرفون، ستتحول الحملان إلى ذئاب، وستتبدل المحبة إلى كراهية؛ عندئذ سيظهر مُضل العالم كابن لله وسيعمل آيات وعجائب، وستدفع الأرض ليديه، “وحينئذ، ستجتاز البشرية الامتحان الصعب”، وعلى الرغم من أن كثيرين سيتضايقون ويضلون، ولكن من يتمسكون بإيمانهم سيخلصون، عندئذ سيرى العالم الرب آتياً على السحاب وكل قديسيه معه.
لذلك ينصح الديداخي المسيحيين قائلاً: “اسهروا على حياتكم؛ يجب ألا تنطفئ مصابيحكم، وألا تنكشف عوراتكم، بل بالعكس، كونوا مستعدين. أنتم لا تعرفون ساعة مجيء ربنا”. (فصل 16: 1).
زمن كتابة الديداخي:
إن السؤال ذا الأهمية القصوى الذي يمكن للمرء أن يطرحه بشأن الديداخي هو: متى كتب هذا العمل؟ ويكشف الفحص النقدي الحديث للنص أن الفصول (1-6) من الديداخي تتشابه إلى حد بعيد مع الفصول (18-20) من رسالة برنابا، ولكن كون هذا التشابه يعبر عن اعتماد حقيقي للديداخي على رسالة برنابا فهذا محل شك كبير. وعلى أية حال، لا يمكن لمثل هذه العلاقة أن تؤكد دون أن تثير الجدل.
وهناك تفسير آخر محتمل؛ بما أن الفقرات محل النقاش – في كل من الديداخي ورسالة برنابا – تتكلم عن “طريقين”، إذاً من الممكن أن يكون كلاهما مديناً لمصدر آخر مشترك. كما أن محاولات ربط الديداخي بكتاب “راعي هرماس” أو “دياتسرون” تاتيانوس لم بؤد إلى نتيجة مؤكدة. ولكن هناك شيء واحد مؤكد، وهو أن الجزء (من1: 3 إلى 2: 1) هو إضافة متأخرة على نص الديداخي، وقد يكون هذا هو الحال أيضاً بالنسبة للفصلين (6، 14).
والديداخي ككل ليس كتاباً متماسك الأجزاء، بل هو بالأحرى تجميع غير متناسق لنصوص كانت موجودة مسبقاً، فهو أكثر قليلاً من مجرد مجموعة من القوانين الكنسية التي كانت مستخدمة لبعض الوقت، ولهذا اكتسب. مع الزمن – قوة القانون الكنسي. وهذا سيفسر لنا أيضاً الكثير من التناقضات الموجودة في الديداخي، فقد فشل المصنف في محاولته للوصول إلى وحدة متماسكة من المادة التي أمامه.
وتساعدنا الأدلة الداخلية أكثر على تحديد الزمن الذي جُمع في الديداخي. ويكشف المحتوى بوضوح أن النص لا يعود للعصر الرسولي، وذلك لأن المشاعر المعادية لليهود تظهر فيه واضحة، كما كانت عملية التخلي عن عادات المجامع اليهودية لا تزال في طريقها. علاوة على ذلك، تفترض مثل هذه المجموعة من القوانين فترة ما من الاستقرار.
وكذلك تشير التفاصيل المتفرقة داخل النص إلى العصر الرسولي لم يكن زمن الكتابة بل كان قد انقضى، فقد أقر الديداخي المعمودية بالسكب (في حال عدم توفر الماء الجاري للتغطيس)، كذلك لما كان الاهتمام بالأنبياء في النظام الديني الجديد قد تراجع، لذا وجب أن يتم التنبيه عليه مرة أخرى.
لكن ومن ناحية أخرى، هناك الكثير من الخصائص تشير إلى أصله القريب من العصر الرسولي: فالليتورجية الموصوفة في الفصول (7-10) بسيطة إلى أبعد حد؛ ولا تزال المعمودية في الماء الجاري، أي في الأنهار، هي القاعدة السائدة..
أما المعمودية بالسكب فكان يُسمح بها على سبيل الاستثناء فقط، بل وأكثر من هذا، لا توجد أية آثار تشير إلى وجود صيغة موحدة لقانون الإيمان أو قانون العهد الجديد؛ ولا يزال الأنبياء يقيمون الإفخارستيا، كما أنه كان من الضروري التشديد على أن خدام الليتورجيا الفعليين، الأساقفة والشمامسة، لهم نفس الكرامة والاحترام من قبل المؤمنين.
كل هذه الحقائق تساعد في إثبات أن الديداخي كُتب بين (100م – 150م)، وأغلب الظن أنه كُتب في سوريا.
ولقد منح الديداخي اهتماماً وتوقيراً كبيراً في العصور المسيحية المبكرة حتى إن كثيرين كانوا يحسبونه مماثلاً في أهميته لأسفار العهد الجديد. ولهذا السبب كان يوسابيوس (Euseb. Hist. Eccles 3: 25: 4)، وأثناسيوس (Ep. Fest. 39)، وروفينوس (Comm in Symb. 38)، يرون أنه من الضروري التأكيد على أن الديداخي ليس له صفة قانونية، ولذا يجب أن يُعد من ضمن الكتب الأبوكريفية[4].
ولقد عمل الديداخي كنموذج لكتابات ليتورجية وقوانين كنسية لاحقة، منها على سبيل المثال: الدسقولية السريانية والتقليد الرسولي لييبوليتس الروماني والمراسم الرسولية، وقد كانت تُستخدم لتعليم الموعوظين كما يخبرنا أثناسيوس.
كيف وصل نص الديداخي إلينا؟
فيما يلي النسخ المرجعية لنص الديداخي:
أولاً: النصوص اليونانية:
المخطوطة الأورشليمية (The Codex Hierosolymitanus) المملوكة للبطريركية اليونانية في أورشليم، والتي كانت قبلاً محفوظة في مكتبة نزل كنيسة القبر المقدس في القسطنطينية. ولقد نُسخت تلك المخطوطة عام 1056م بواسطة “ليو” كاتب العدل (Notary)، ووضع فيها نص الديداخي بعد رسائل برنابا وكليمندس وقبل رسائل اغناطيوس.
حُفظ النص اليوناني الخاص بالفصول (1: 3-4؛ 2: 7-3: 2) في مخطوطات أوكسيرينيخوس (Oxyrhynchos) التي تعود إلى القرن الرابع الميلادي.
ضُمنت الفصول (1-6) من الديداخي في الفصول (18-20) من رسالة برنابا.
تحتوي قوانين الرسل المجمعة في مصر في القرن الرابع الميلادي على الفصول (1: 1-3؛ و2: 2-4، 8). كما يحتوي الكتاب السابع من المراسم الرسولية المكتوبة في سوريا في القرن الرابع الميلادي، على النص اليوناني الكامل الخاص بالديداخي تقريباً.
ثانياً: النصوص اللاتينية:
حُفظت لدينا شذرتان من ترجمة لاتينية قديمة لا بد وأنها قد أُنجزت في القرن الثالث الميلادي، أقصرهما من مخطوطة جاءت من مدينة ميلك (Melk)، وتعود إلى القرن التاسع أو العاشر الميلادي، وهي تحتوي على الفصول (1: 1-3؛ 2: 2-6) من الديداخي. أما الشذرة الأخرى فقد وجدت في مخطوطة ميونخ (God. Monoac. Lat. 6264) وتعود إلى القرن الحادي عشر، وتتضمن الفصول (1: 1-2؛ 2: 2-6: 1).
ولقد اكتشفت حديثاً جزء كبير من الديداخي (الفصول 10: 3ب – 12: 2أ) في ترجمة قبطية تعود إلى القرن الخامس في البردية رقم (927) بالمتحف البريطاني. ووفقاً لهذه الشذرة القبطية كان هذا الجزء من الديداخي بمثابة صلاة تتلى على زيت المسحة (##) بعد صلاة الإفخارستية، وكان هذا الزيت غالباً هو الميرون المستخدم في تتميم سريّ المعمودية والتثبيت.
[1] ويعطينا هذا الموضوع فكرة عن مدى قدم الصيغة الثالوثية المستخدمة في المعمودية حتى الآن في كنيستنا القبطية (قانون إيمان دير البلايزه”: “أؤمن بإله واحد، الله الآب ضابط الكل، وابنه الوحيد يسوع المسيح ربنا، والروح القدس المحيي، وقيامة الجسد، والكنيسة الواحدة الوحيدة المقدسة الجامعة الرسولية، أمين” (المترجم)
[2] هنا السكب جاء كحالة استثنائية عندما لا يوجد ماء كاف للتغطيس، لأن المعمودية هي سر موت ودفن الطبيعة القديمة مع المسيح، والقيامة مع بالطبيعة الجديدة المؤهلة لسكنى الروح القدس. (المراجع)
[3] نستطيع أن نلمح بوضوح مدى تطابق هذه الطقوس والتقاليد السحيقة مع ما تمارسه كنيستنا القبطية حتى يومنا هذا. (المترجم)
[4] أي ليس من الأسفار المقدسة القانونية.
علم الأبائيات باترولوجي – الفصل الأول: الصيغ الليتورجية والتشريعات القانونية الأولى – كواستن