ميمر على الصعود المقدس للأنبا بولس البوشى – د. سعيد حكيم

ميمر على الصعود المقدس للأنبا بولس البوشى – د. سعيد حكيم

ميمر على الصعود المقدس للأنبا بولس البوشى – د. سعيد حكيم

 

يا من صعد إلى السماء جسدايًا وهو يملأ الكل بلاهوته، أيها المسيح إلهنا، اصعد هممنا من تنازل الأرضيات إلى اشتياق السمائيات.

يا من شرّف جنس البشر بارتفاع الجسد المأخوذ منهم إلى حيث مجد لاهوته الأزلي، أيها السيد، أرفع عقولنا من تنازل رذائل هذا العالم إلي ارتقاء ذلك الدهر المستأنف.

يا من عظّم الإنسان الترابي وجعله أهلاً أن يصير سمائياً، أقبلنا إليك أيها الرب الإله الذي يعلوا الكل وهو فوق كل رئاسة وسلطان، وهب لي أنا أيها القدوس قولاً لأتكلم عن كرامة صعودك إلي الذي لم تزل فيه أزلياً.

يا من وهب للأرضيين أن يبلغوا رتبة السمائيين أعطني نطقاً، يا عمانوئيل إلهنا، الذي أعطي قوة للجسدانيين أن يصيروا روحانيين لأنطق علي جلال ارتفاعك العجيب بالجسد إلي السموات التي أنت فيها باللاهوت لم تزل.

امنحني معرفة يا من وهب فضلاً خلاصاً وارتفاعاً لجنسنا الذى كان ساقطاً في هاوية الهلاك وصيره فوق في ملكوت السماء الباقية، لأخبر بحسن بهائك وأنت صاعد إلي علو سمائك، وأرسل مع داود المرنم وأقول “ صعد الله بتهليل الرب، بصوت القرن رتلوا لإلهنا رتلوا لملكنا رتلوا. لأن الرب هو ملك الأرض كلها. رتلوا بفهم بان الرب هو ملك علي كل الشعوب. جلس الله علي كرسي مجده ” (مز46). أعلن معه أيضاً بدخولك في أبواب المجد الدهرية وأقول ” ارفعوا أيها الرؤساء أبوابكم. ارتفعي أيتها الأبواب الدهرية ليدخل ملك المجد. من هو ملك المجد؟ رب القوات هذا هو ملك المجد ” (مز23).

وأخبر معه أيضاً بالسبي الذي أقتلعه من يد الشيطان بصعود الجسد الذي اتحدت به وأَفَضَت مواهبك علي البشر وأقول ” صاعد إلي العلا وسبى سبياً وأعطي الناس عطايا ” (أف8:4). ونسجد لك ونسبح جميعاً معه قائلين”  يا جميع ملوك الأرض سبحوا الله. رتلوا للرب الذي صعد إلي سماء السماء في المشارق، ونرسل لك أيضاً معه تسبيحاً جديداً لأن الأشياء العتيقة قد زالت، وكل شئ قد تجدد بك أيها المسيح الرب الذي جدّد الخليقة بقيامته وأعلي رتبتها بصعوده ونهتف جميعاً قائلين باتفاق واحد ” سبحوا الرب تسبيحاً جديداً. سبحوا الرب يا جميع الأرض باركوا اسمه. بشروا يوماً فيوماً بخلاصه، حدثوا في الأمم أن الرب قد ملك ” (مز1:96،2) أعني غلب الشيطان، وأن الجسد قد ظفر بالملك الأبدي كما قال لرسله بعد قيامته. أعطاهم كل سلطان في السماء وعلي الأرض وإن كان السلطان له لم يزل، إنما أعني الجسد الذي أُعطي كرامة وسلطاناً باتحاده باللاهوت وإقامته من بين الأموات، وهكذا نفهم نوع الصعود والجلوس والملك كقول داود ” الرب قد ملك فلتبتهج الأرض سحاب وضباب حوله. بالعدل والحق أتقن كرسيه ” (مز1:97) هذا هو المُلك الذي عناه جبرائيل الملاك للسيدة مريم البتول قائلاً: ” ويملك علي بيت يعقوب إلي الأبد ولا يكون لملكه انقضاء ” وداود أيضاً يقول: ” قال الرب لربي أجلس عن يميني حتى أضع أعدائك تحت موطئ قدميك عصا قوة يرسل لك من صهيون وتملك في وسط أعدائك إلي الأبد ” (مز1:110) وهذا الموضع فسره الرب في الإنجيل، هكذا اسمه القدوس قد ملك في وسط أعدائه. وليس إلي وقت ينقضي بل إلي الأبد بلا انقضاء، وعني بأعدائه الشياطين المردة واليهود الكفرة والذين لم يذعنوا للإيمان باسمه كما قال ” أما أعدائي أولئك الذين لم يريدوا أن أملك عليهم فأتوا بهم إلى هنا واذبحوهم قدامي” (لو27:19). أعني انتقاماً منهم في استعلانه الثاني. وبحق أيها الأخوة الأحباء إن كرامة هذا العيد الشريف أعني عيد صعود ربنا يسوع المسيح إلي السماء جليلة جداً لأن فيه كمال التدبير بالتجسد العجيب.

اليوم صعد الرب إلى السموات بالجسد وهو فيها باللاهوت لم يزل، وإنما ذِكر نزوله أي أنه تجسد وذِكر صعوده أى أنه صعد بالجسد الذى اتحد به إلى فوق كل رئاسة وسلطان.

اليوم صعد الرب إلى سماء السموات وخضعت له الملائكة والرؤساء والقوات.

اليوم صار الذى كان تحت الكل ساقطًا فى التراب والبلاء على الأرض، فوق الكل فى سما السموات. ولما نظر البشر إلى الجسد الذى كان ساقطا فى الهاوية أنه قد علا سماء السموات فوق كل ما يرى وما لا يرى علموا أن الهلاك قد مضى، والغضب قد ذهب وانقضى، ومجد حرية البنوة قد استنار بربنا يسوع المسيح. لأنه كيف تستطيع الأرض الصعود إلى السماء[*] لو لم يتحد بها رب السماء بالتجسد العجيب ويصعد إلى حيث مجده غير المدرك. وكيف يقدر الجسدانيون أن يصيروا روحانيين لو لم يتجسد منهم رب الأرواح وإله كل جسد ويصلح كل شئ كما يليق به؟. كيف يقدر المسجونون تحت حكم الموت والفناء أن يبلغوا رتبة الذين لم يوجب عليهم حكم الموت، أعنى الملائكة، لو لم تخالط طبيعتهم ذاك البار غالب الموت ويصعدها فوق الكل؟ فكل شئ خضع تحت قدميه.

لم تصر لنا النعمة بمقدار الزلة، بل عظُمت نعمة ربنا يسوع المسيح وفاقت كل زلة وهفوة وبلغت فى العلو حتى نفذت إلى سماء السموات فوق كل الملائكة والرؤساء والقوات.

أليشع النبي يعلمنا سر صعوده وذلك أنه مكتوب فى أسفار الملوك إن بنى الأنبياء أتوا إلى أليشع النبي وسكنوا عنده فقال لهم يا اخوة ليس فى المكان سعة لنا جميعاً فاقطعوا لكم خشباً من على شاطئ نهر الأردن واصنعوا لكم محلاً تأوون إليه، وتجدوا هدوءً وسكونًا جيدًا.

لم يكن عندهم سوى فأس واحدة فأخذوها ومضوا يقطعون بها فانقلعت العصاة من الفأس وسقط الحديد فى نهر الأردن وكان الموضع مهبط مياه قوى التيار جداً. فأتوا وأعلموا أليشع النبي بذلك فأخذ عصاةً جديدةً غير تلك الأولى وأتى إلى الموضع الذى سقطت فيه الفأس وألقى العصا الجديدة فى النهر فطفا الحديد فمد النبي يده وأخذ الفأس، وكان هذا مثالاً ـ بروح النبوة ـ على البشرية التى سقطت فى بحر العالم ورسبت مثل حديد ثقيل ولم تقدر أن تصعد إلى الشرف العالى، فتحنن الرب السماوي وأتحد بجسد طاهر لم يعتق بالخطية بل أخذه من البتول مريم بغير زرع بشر ثم أصعده بغير مانع كما يليق به وأعطى لجنسنا القوة على الصعود إلى حيث مجده كما يقول الرسول ” نتمسك بالرجاء الموضوع أمامنا الذى هو لنا كمرساة للنفس مؤتمنة وثابتة تدخل إلى ما داخل الحجاب حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا صائراً على رتبة ملكي صادق رئيس كهنة إلى الأبد ” (عب18:6ـ20) وقال أيضاً فلنقترب الآن إلى كرسي نعمته لنظفر بالرحمة ونستفيد بالنعمة ليكون لنا ذلك عوناً فى زمان الضيق.

يعقوب إسرائيل سبق فأبصر كيفية صعود الرب حيث أبصر سلماً مرتفعاً من الأرض إلى السماء وملائكة الله نازلين وصاعدين عليه والرب فوق أعلى السلم. يدل هذا على تدبير الرب الذى أكمله بالتجسد البشرى وارتقى من واحدة إلى أخرى كنوع السلم حين التجسد إلى حين الصعود والملائكة خادمون له فى ذلك بأسره من حين البشارة إلى حين القيامة والصعود.

هلما فى وسطنا اليوم أيها الإنجيلي القديس لوقا لنأخذ منك سياق القول على صعود الرب وكيف كتبت الإنجيل بتأييد الروح من ابتداء التجسد وأكملته بالصعود ثم ابتدأت أيضا بالصعود فى كتاب الأبركسيس وجعلته فاتحة القول ثم ذكرت كيف كان كمال الإنجيل وجمعت الاثنين فى حال الصعود وقلت ” الكلام الأول أنشأته يا ثاوفيلس ” أعنى الإنجيل المقدس. قال ” عن جميع ما ابتدأ يسوع يفعله ويعلم به ” (لو1:1) أعنى سياسة تدبير الرب وأنه عمل أولاً وعلّمنا أن نتبع أثره، ولكي ما يظهر بهذا أن كل ما عمله إنما كان لأجل تأديبنا وتعليمنا وليس حاجة به إلى ذلك، أعطانا بهذا مثالاً أن نعمل ونعلم، قال ” حتى اليوم الذى صعد فيه ” أي أن للصعود الكريم هو كمال بشرى الإنجيل وفيه انتهى القول فى نوع تدبير الله، قال    ” بعدما أوصى رسله الذين اصطفاهم بروح قدسه ” أعنى الوصية التى ذكرها فى الإنجيل، قال ” أولئك الذين أراهم أيضًا نفسه حيًا ” أعنى القيامة المقدسة التى هي عربون قيامتنا، قال ” بعد ما تألم، بآيات كثيرة ” أعنى بالآيات، شهادات الأنبياء التى تقدمت لأجله التى تظهر كيفية علامات آلامه المحيية مع الآيات التى كانت وقت الصلبوت علانية من تغيّر وجه السماء والأرض واضطراب العناصر، قال: ” فى أربعين يوما كان يتراءى لهم ويتكلم عن الأمور المختصة بملكوت الله ” أعنى أنه مكث أربعين يومًا بعد القيامة المقدسة يظهر لهم حيناً بعد حين. فحيناً يظهر لهم ليفرّح قلوبهم بمشاهدته، وحيناً يختفي بقوة لاهوته عنهم لكى يشتاقوا إليه ويحفظوا ما أوصاهم به ويتذكروه فيما بينهم. وقوله: ” يتكلم على ملكوت الله “، أعنى كل تعاليمه لأجل ملكوت السموات التى هو صاعد إليها بالجسد وبلاهوته هو حال فيها. قال “ وفيما هو مجتمع معهم أوصاهم أن لا يبرحوا أورشليم” وهذه الوصية قد تقدم ذِكرها فى الإنجيل وهى وصيته لهم أن لا يبرحوا أورشليم حتى يتذرعوا القوة من العلاء، ههنا أيضا بناء على ذلك قال ” بل ينتظرون موعد الآب “.

قد تقدم ووعدهم بأن يرسل إليهم موهبة الروح، وهو والآب واحد فى الفعل والقوة، ولهذا قال ” موعد الآب ” لكى يثبت لهم وحدانية اللاهوت بغير تجزئ ولا افتراق قال ” ذلك الذى سمعتموه منى ” أعنى أن منه سمعوا ذلك، وهو والآب واحد كما قال لليهود وأيضاً قال لفيلبس من ” رآني فقد رأى الأب “، قال ” يوحنا عمّد بالماء وأنتم تعمّدون بالروح القدس“.  ذكر ههنا شرف المعمودية التي هم مزمعون أن يقبلوها بحلول الروح القدس عليهم عندما يعطيهم موهبة الكمال، وأن يوحنا شُرَّفَ بالعماد لكن بالماء وأنتم تعمدون بعماد الروح القدس ثم تكونون أئمة لكل المسكونة في الميلاد من فوق. قال ” ليس بعد أيام كثيرة ” عنى كمال الخمسين فلما سألوه عن مُلك بنى إسرائيل الجسدانى نزع هذا التشاغل العالمي من عقولهم ثم عرّفهم أن الروح إذا أقبل عليهم يملأهم معرفة ويعلمون كل شئ، وليس هذا فقط بل ويقبلون قوة فاضلة حتى يكونوا له شهوداً ليس فى مكان واحد، بل قال في أورشليم واليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض.

 

فلما أكمل لهم هذه الأشياء بآسرها وثبتهم على انتظار الموعد الذى يهبط عليهم من السماء ويكون لهم مرشدًا ومعزيًا ومعلمًا، حينئذ باركهم الرب الإله معدن كل البركات، وصعد إلى السماء أمام أعنيهم وهم ينظرون إليه ثم قبلته سحابة ليتم المكتوب ” أستوي على السحاب ومشى على أجنحة الرياح ” (مز3:104 ) أعنى أن الجو غير المحسوس والرياح غير المضبوطة صعد فيها بقوة لاهوته من غير مانع وكأن لها أجنحة خادمة لباريها وأيضا مكتوب ” سحاب وضباب حوله. بالعدل والحق أتقن كرسيه ” (مز2:97 ). ومكتوب “ ركب على الكاروبيم وطار، طار على أجنحة الرياح ” (مز 10:18 ).

ذكر أولا ركوبه على الكاروبيم ثم ذكر طيرانه على أجنحة الرياح ليعلن قوة لاهوته وأنه غير محتاج إلى شئ من البرايا بل هو أصعد الجسد المتحد به بقوة إلى أعلى المراتب الروحانية فوق كل القوات العقلية، ولما شاهدوا خضعوا جميعًا، الملائكة والرؤساء والقوات، أعنى كافة الروحانيين الذين فوق السموات. أما الرسل فبقوا قيامًا متفرسين نحوه وهو صاعد وهم متعجبون.

وفيما هو كذلك إذ وقف بهم رجلان بلباس أبيض لامع أعنى أن ملاكين ظهرا لهم بشبه البشر لكى يقدروا على مخاطبتهم ولكي يعلمون أن السمائيين قد صاروا واحداً مع الأرضيين بالرب الذى أصعد الجسد المتحد به إلى السماء. لأن لوقا جرت عادته فى ذكر الملائكة، أنها تظهر بشبه الناس كما ذكر في الإنجيل عن الملاكين اللذين بشروا النسوة بهذا المثال بعينه، فقالا ” أيها الرجال الجليليون ” يعنى أن الرسل من الجليل . قالا       ” لماذا أنتم قيام متفرسون فى السماء “، أعنى أن صعود الرب إلى السماء ليس أمراً غريباً، ثم قالا ” إن يسوع الذى صعد عنكم إلى السماء، هكذا يأتي كما رأيتموه صاعداً إلى السماء ” عَنِيَا بيسوع المخلص لأنه سمّى بهذا الاسم لأجل التجسد فأعلنا لهم كرامة صعوده ثم أثبتا مجيئه فى استعلانه الثاني من السماء التى صعد إليها لأنهم مزمعون أن يأتوا معه كما قال الرب “ إنه يأتى في مجده مع ملائكته القديسين“. ثم أن الرسل الأطهار رجعوا إلى أورشليم مسرورين بما شاهدوا من المجد والكرامة لأجل الموعد الإلهي، فلما دخلوا إلى العلية المقدسة التى كانوا مجتمعين فيها أولاً مع الرب، وفيها دخل عليهم والأبواب مغلّقة، كمثل عبيد يتذكرون المكان الذى كانوا فيه مع سيدهم منتظرين رجاء الموعد وهم فرحون.

وقد كانت سيدتنا مريم أيضاً مع نسوة تقيات مواظبات مع الرسل على الصلاة والطلبة بنفس واحدة منتظرين جميعاً موعد الآب بالروح القدس. وهم مشتاقون لما سمعوه من الرب أن به الغاية فى معرفة الكمال، وهو المرشد إلى الحق، فإن به يُعطون قوة البشرى فى أقطار الأرض كلها.

نعظم الآن يا أحبائي صعود الرب يسوع المسيح ونعيّد له بكل الوقار والإكرام، لأن به شرّف ورفع طبيعتنا الأرضية الهالكة وجعلها فاضلة سمائية كما يقول الرسول ” إن الله الغنى برحمته من أجل كثرة محبته كما كنا أمواتاً بخطايانا أحيانا بنعمته وأحبنا وأقامنا وأجلسنا مع يسوع المسيح” (أف4:2).

نسجد ونمجد الذى خضعت له الملائكة والرؤساء والقوات. نخرج مع رسله عقلياً خارجاً عن المدينة، الذى هو الخروج عن سيرة العالم الحسي، ثم نصعد إلى الجبل، الذى هو ارتقاء العقل عن الرذيلة، إلى علو الفضيلة ليباركنا مع خواصه الأطهار الأفاضل ونسجد له معهم. ثم نرتل مع النبي المرنم داود قائلين “ عظّموا الرب إلهنا واسجدوا فى جبله المقدس فإن الرب إلهنا قدوس ” (مز9:99)، وأيضاً نقول ندخل إلى مظلته ونسجد فى موضع قدسه ثم نصعد إلى العُلّية ونمكث ناظرين نحوه وله مترجين لكى يمنحنا موهبة روح قدسه، حتى يرشدنا إلى البر والحق إذ أن الرسول يعلمنا بمثل ذلك قائلاً ” إن كنتم قد متم مع المسيح فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله واهتموا بما فوق لا بما على الأرض “، فإذا سمعت بالجلوس عن يمين الله فلا تظن أنه يمين محسوس لأن داود يقول  ” يمين الرب رفعتني يمين الرب صنعت قوة ” فلا تفتكر فى شئ محسوس ولا يمين ضد اليسار بل يعنى باليمين القوة والرفعة وإن الجسد الذى كان أسفل الكل صيّره فوق جالساً يعلو الكل. وبولس يفسر هذا قائلاً ” إنه أجلسه عن يمينه فوق فى السموات فوق الرؤساء والملائكة والسلاطين وفوق كل اسم يُسمّى وكل شئ أخضع تحت قدميه ” أعنى باليمين الرفعة والقوة والشرف الذى أُعطى للجسد المتحد به لأنه باللاهوت هناك لم يزل.

 

فلنرفض عنا الآن دنس العالم ولنطلب الشرف الذى صار لنا لئلا نكون نحن السبب فى هلاك نفوسنا وحدنا.

نحفظ أجسادنا نقية وأرواحنا طاهرة مضيئة لأجل الذى أتحد بحبه بالبشرية ورفعها إلى السماء العلوية.

فنصنع صلحاً وسلاماً مع بعضنا لأجل الذى صعد إلى السموات وصيّر الأرضيين واحداً مع السمائيين.

نرحم أهل الفاقة من أجل الذى رحمنا وأعطانا كل شئ بسعة غناه لحاجاتنا.

نسلك أمامه فى سبل مستقيمة لكى يجعلنا مستحقين الارتقاء إلى السبل العلوية السمائية، التى تقدمنا فيها رئيس الحياة الأبدية مخلص كل البَريّة. نحب النقاوة والطهارة ونجاهد على حفظها لكى يشرق فينا نور نعمته فى عُلّية نفوسنا ويملأنا من موهبة روح قدسه.

ننطق بمجده نتكلم بعجائبه ونخبر بقوة خلاصه وعظم ذراعه. نتلو ما صنع من أجلنا لكى نستحق الشركة مع رسله الأطهار الذين كرزوا باسمه بين الملوك والسلاطين وكافة الشعوب باجتهاد ومحبة كل أيام حياتهم. إذ أن الرسول يفتخر بذلك ويتلو مثل هذه الألفاظ قائلاً: ” عظيم هو سر التقوى، الله ظهر فى الجسد تبرر فى الروح تراءى للملائكة كُرز به بين الأمم أومن به فى العالم رُفع فى المجد ” (1تى16:3).

ونحن نسأل ربنا يسوع المسيح الذى صعد إلى السموات، أن يُصعدنا بقوته من بحر هذا العالم المهلك. ويثبت فى السبيل المستقيم أقدامنا. ويغفر ما تقدم من قبيح أعمالنا. ويساعدنا على العمل برضاه وحفظ وصاياه، ويرحم كافة بنى المعمودية الذين رقدوا على رجاء الإيمان باسمه القدوس بشفاعة سيدتنا الطوباوية البتول القديسة مريم والدة الخلاص. وكافة الرسل الأطهار والشهداء والقديسين الأبرار آمين.

*  يقصد الطبيعة البشرية المخلوقة.

ميمر على الصعود المقدس للأنبا بولس البوشى – د. سعيد حكيم

صعود المسيح ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم

صعود المسيح ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم

صعود المسيح ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم

 

هذا العيد أيها الأحباء يتجاوز العقل الإنسانى وهو لائق بكرم الله الذى صنعه . فاليوم قد تصالح الله مع الجنس البشرى .

اليوم أُبطلت العداوة القديمة وانتهت الحرب طويلة الأمد . اليوم حل سلام عجيب لم نكن نحلم به قبلاً . فمن كان يتصور أن يتصالح الله مع الإنسان؟ لا لأن الله قد أبغض الإنسان ولكن لأن العبد كان غير مبالٍ، لا لأن السيد كان قاسٍ لكن لأن العبد كان منكراً للجميل .

أتريد أن تعرف كيف أغضبنا إلهنا الصالح مُحب البشر؟ لأنه يجب أن تعرف سبب عداوتنا السابقة ، حتى عندما ترى تكريمه لنا ، ونحن أعداء ومقاومين له، تتعجب وتندهش من محبته للبشر وعنايته بهم . وأيضًا لكى لا تظن أن هذا التغيير قد صار بإمكاناتنا وقدراتنا .

وما دمت قد عرفت هذه الحقيقة ومقدار نعمته، فعليك ألاّ تتوقف عن تقديم الشكر له لعطاياه الكثيرة، والوفيرة والغنية .

أتريد أن تعرف كيف أغضبنا إلهنا مُحب البشر، الحنان، الصالح هذا الذى يدبر كل شئ من أجل خلاصنا؟ أقول لقد فكر يومًا في إبادة كل الجنس البشرى وقد بلغ منه الغضب علينا حتى عزم أن يهلكنا مع النساء والأولاد والحيوانات المتوحشة والأليفة وكل الأرض .

أتريد أن تسمع هذا الحكم النهائى ؟ يقول الرب “ أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذى خلقته . الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء ” (تكوين 7:6) .

ولكن لكى تعلم انه لم يُبغض الطبيعة الإنسانية وأنه عدل عن الشر، فإن ذاك الذى قال أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذى خلقته ـ يقول ” هو وقت لكل إنسان أن يقترب منى ” .

فلو كان قد أبغض الإنسان لكان يرفض الحوار معه . لكن الآن تراه لا يريد أن يصنع ما هدد به، لكى يبرر العبد ويخبره عن أسباب الدمار الذى من الممكن أن يحدث، لا لكى يعرفها فقط بل لكى يُخبر بها الآخرين فيجعلهم أكثر تعقلاً وأكثر تدبرًا .

وكما أشرت من قبل أنه على قدر الشر الذى صنعه الجنس البشرى في البداية على قدر ما هُدد أن يُباد من على وجه الأرض .

لكن نحن الذين لم نكن مستحقين أن نسود على الأرض، صعدنا اليوم إلى ملكوت الله اجتزنا السموات، وتلامسنا مع عرش الله . الجنس الذى بسببه حرس الشاروبيم الفردوس، يجلس اليوم أعلى من الشاروبيم .

لكن كيف حدث هذا الأمر المدهش؟ كيف ونحن الخطاة غير المستحقين للأرض وفقدنا السيادة عليها نُرفع إلى هذا السمو العظيم؟ كيف أُبطلت الحرب ؟ كيف توقف الغضب؟

هذا هو السمو وهذه هى العظمة، أن الذى غضب منا، هو هو الذى دعانا، ولسنا نحن الذين ترجيناه. وهكذا صار السلام ” إذًا نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا. نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله” (2كو20:5).

وماذا يعنى هذا ؟ الذى غضب هو الذى يدعو؟ نعم لأنه كأب مُحب للبشر يدعو. وانتبه ماذا حدث، الوسيط الذى يدعونا هو ابن الله، لا إنسان ولا ملاك ولا رئيس ملائكة ولا أى أحد آخر من خدامه .

وماذا يصنع الوسيط؟ الوسيط يتدخل بين طرفين متخاصمين لا يريدون أن يتصالحوا ، وذلك بهدف إنهاء الخصام . هكذا صنع المسيح .

 الله كان غاضبًا منا ونحن تجاهلنا محبته للبشر ، لكن عندما توسط المسيح فقد صالح الاثنين . وكيف توسط ؟ بأن قبل العقوبة التى وضعت علينا وأحتمل هذه العقوبة واحتمل إهانات البشر. أتريد أن تعرف كيف احتمل المسيح هذين الأمرين ؟ اسمع ماذا يقول الرسول بولس ” المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا لأنه مكتوب ملعون كل من علق على خشبة ” (علاطية13:3).

أرأيت كيف قبل العقوبة التى وضعت علينا من السموات ؟ ولاحظ كيف احتمل الإهانات التى وجهها له البشر ” تعييرات معييرك وقعت عليه” (مزامير9:69) .

أرأيت كيف أبطل العداوة القديمة؟ كيف أحب الجميع حتى الموت وجعل العدو والخصم يصعد إلى السماء ويصير بالقرب من عرش الله ؟

 أساس كل هذه الخيرات هو هذا اليوم الذى نحتفل به ” عيد الصعود ” لأن فيه صعدت باكورة طبيعتنا الإنسانية إلى الله .

مثلما يحدث في الحقول المنثورة بالقمح، عندما يأخذ المرء قليل من السنابل ويصنع حزمة ويُقدمها لله فهو يبارك بهذه الحزمة كل الحقل . وهذا ما صنعه المسيح ، بهذا الجسد وهذه التقدمة الفريدة ، إذ بارك كل الجنس البشرى  .

لكن لماذا لم يصعد كل الجنس البشرى إلى السماء ؟ لأنه لا تكون تقدمة لو أن المرء قدم كل المحصول ، لكن التقدمة الحقيقية هى أن يُقدم المرء جزء من المحصول وبهذه التقدمة يتبارك المحصول كله .

لكن قد يقول قائل إن أول مخلوق كان يجب أن يكون هو التقدمة، لأنه هو البداية. لكنى أقول هذه ليست بداية أيها المحبوب ، فلو قدمنا أول الثمر فقد يكون فاسدًا أو مريضًا. ولذلك يجب أن نُقدم الثمر المتميز . لأن الثمر الأول كان مسئولاً عن الخطية ولهذا لم يُقدم ذاته على الرغم من أنه خُلق أولاً . لكن المسيح كان بلا خطية ولهذا قدم ذاته على الرغم من أنه بحسب الزمن قد ولد فيما بعد . هذا يعنى بداية .

ولكن تعرف أن الثمر الأول ليس هو التقدمة المتميزة، وأن التقدمة الحقيقية هى الثمر الفائق والنوع الجيد الذى نضج كما ينبغى، سأدلل لك على ذلك من الكتاب المقدس ” ومتى دخلتم الأرض وغرستم كل شجرة للطعام تحسبون ثمرها غُرلتها . ثلاث سنين تكون لكم غلفاء . لا يؤكل منها وفي السنة الرابعة يكون كل ثمرها قدساً لتمجيد الرب وفي السنة الخامسة تأكلون ثمرها. لتزيد لكم غلتها. أنا الرب إلهكم” (لا23:19ـ25). إذن لو كان أول ثمر هو الثمر المتميز ، بمعنى الثمر الذى صار أول عام لكان هذا هو الذى يجب أن يُقدم للرب . لكن يقول ثلاثة أعوام لا يكون الثمر ناضجًا بل تتركه لأن الشجرة غير صالحة ولأن الثمرة مريضة، وغير ناضجة. السنة الرابعة يقول إن الثمر سيكون مناسبًا للرب. وانتبه لحكمة المشرع . لا يتركه يأكل لكى لا يذوق الثمر قبل الرب . ولا يسمح له أن يقدمه ، لكى لا يقدمه لله قبل أوانه . لكن يقول أتركه لأنه هو أول ثمر ، ولا تقدمه لأنه غير لائق بأن يُقدّم لله .

أرأيت أن أول ثمر ليس هو الثمر المتميز ؟

هذه الأمور نقولها من نحو الجسد الإنسانى الذى قدمه المسيح للآب . قدّم للآب التقدمة المتميزة المختارة عن الجنس البشرى كله . وكم ابتهج الآب بهذه التقدمة. لأن ذاك الذى قدمها مستحق، لأن التقدمة كانت غير دنسة واستقبلها الأب ووضعها بالقرب منه، وقال له ” أجلس عن يمينى” (مز1:110) وإلى أى طبيعة قال الله أجلس عن يمينى ؟ قالها إلى ذاك الذى سمع قبلاً ” أنت تراب وإلى التراب تعود ” (تكوين19:3).

ألم يكن كافيًا إذن أنه صعد أعلى من السموات ؟

ألم تكن هذه الكرامة فائقة وتتجاوز كل تقدير ؟

لقد تجاوز الملائكة ورؤساء الملائكة والشاروبيم وصعد أعلى من السيرافيم وصعد أعلى من كل القوات السمائية حتى إلى يمين عرش الله . ألا ترى المسافة من الأرض إلى السماء ؟ أو بالحرى فلنبدأ من أسفل – ألا ترى عظم المسافة من الجحيم إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء ومن السماء إلى السماء العليا ومن أعلى سماء إلى الملائكة إلى القوات العلوية ثم إلى عرش الله نفسه ؟ لقد جاز الرب بطبيعتنا كل هذه المسافة ورفعها إلى ذلك العلو .

لاحظ أين كنت موجودًا وإلى أى مكان صعدت . لا يوجد مكان أسفل من المكان الذى نزل إليه الإنسان ولا يوجد مكان أعلى وأسمى من المكان الذى أصعده إليه المسيح مرةً أخرى .

هذه الأمور أعلنها القديس بولس قائلاً ” الذى نزل هو الذى صعد أيضاً فوق جميع السموات لكى يملأ الكل“(أف9:4) وصعد فوق جميع السموات.

تأمل من الذى صعد وأى طبيعة صعدت وما حال هذه الطبيعة قبل صعودها .

إنى أنظر إلى الوضع الضعيف للجنس البشرى ثم أنظر إلى مقدار الكرامة التى أعطاها لنا الله مُحب البشر .

لقد كنا طينًا وترابًا ولا ذنب لنا في ذلك ، فهذا راجع لسبب ملازم لضعف طبيعتنا . تصرفنا وسلكنا بصورة أكثر غباء من الحيوانات غير العاقلة ” صار الإنسان مثل الحيوانات غير العاقلة وشبيهًا لها ” (مز13:48س).

ولكى يشار إليه بأنه شبيهه بالحيوانات، فهذا يعنى أنه أسوأ منها . لأن الحيوان بحسب طبيعته ليس له عقل وفهم ومن الطبيعى أن يبقى في حالة عدم الإدراك وعدم الفهم ، لكن حين ننزلق نحن الذين كرّمنا الله بالعقل إلى حالة عدم الفهم ، فهذا يعنى أننا أخطأنا بإرادتنا الحرة .

وعليه عندما تسمع أن الإنسان صار شبيهًا بالحيوانات، لا تظن أنه قالها للتدليل على أننا صرنا مساويين لها في عدم الفهم ، ولكنه أراد أن يدلل على أننا صرنا أسوأ منها .

وبالحقيقة صرنا أسوأ وأكثر بلادة من الحيوانات . لا لأننا بشر انزلقنا إلى هذا المستوى ولكن لأننا وصلنا إلى أكثر درجات الجحود . وهذا ما أعلنه أشعياء النبى قائلاً ” الثور يعرف قانيه والحمار يعرف معلف صاحبه. أما إسرائيل لا يعرف. شعبى لا يفهم ” (إش3:1) .

لكن لا نفشل ” لأنه حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جداً” (رو20:5).

أرأيت كيف كنا أكثر غباءً من الحيوانات ؟

وتريد أن تعرف أننا صرنا أقل وعيًا من الطيور؟ اسمع ماذا يقول النبى ” بل اللقلق في السموات يعرف ميعاده واليمامة والسنونة المزقزقة حفظتا وقت مجيهما . أما شعبى فلم يعرف قضاء الرب ” (إر7:8).

إذًا ها قد حُسبنا أكثر غباء من الحيوانات والثيران والطيور. وتريد شاهد آخر على مذلتنا؟ الكتاب جعلنا تلاميذ للنمل بعدما فقدنا المنطق والعقل لأنه يقول ” اذهب إلى النملة أيها الكسلان. تأمل طُرقها وكن حكيمًا” (أم6:6). صرنا تلاميذ للنمل نحن الذين خُلقنا على صورة الله . ليس السبب في ذلك هو الخالق ، بل نحن الذين ابتعدنا عن الله .

ولماذا أتكلم عن النمل ؟ لقد صرنا أقل إحساسًا من الحجارة . أتريد أن أدلل لك على هذا أيضًا ؟ اسمع ماذا يقول النبى ” اسمعى خصومة الرب أيتها الجبال ويا أسس الأرض الدائمة . فإن للرب خصومة مع شعبه وهو يحاكم إسرائيل ” (ميخا2:6) .

البشر صاروا أكثر جمودًا من أسس الأرض . وأى شر أعظم من هذا عندما نكون أكثر بلادة من الحيوانات وأكثر غباء من الطيور وأقل وعيًا من النمل وأقل إحساسًا من الحجارة ؟ ونظهر مشابهين للحيات ” لهم حمة مثل حمة الحيات (مزامير4:58) ” .

وما بالى أقف عند نقص الوعى والإدراك الخاص بالحيوانات وقد دُعينا أبناء الشيطان نفسه . إذ يقول الكتاب ” أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا (يوحنا44:8) ” .

لكن نحن الذين بلا إحساس ، الجاحدين الأغبياء ، الأقل إحساسًا من الحجارة ، البائسين ، ماذا أقول أيضاً ؟ وأى كلمات تستطيع أن تُعّبر عن فكرى ؟ فنحن اللا شئ ، عديمى الرؤية والتبصر ، صرنا اليوم أعلى من كل المخلوقات .

اليوم تمتعت الملائكة بهذا الذى تمنوه منذ زمن طويل. اليوم رأى رؤساء الملائكة هذا الذى اشتهوا رؤيته منذ أمد بعيد . رأوا الإنسان مُشرقًا ببهاء فى يمين من عرش الله ، مشرقًا بمجد وجمال الأبدية .

حقًا إن الملائكة ورؤساء الملائكة اشتهوا أن يعاينوا ذلك . ومع أن هذه الكرامة قد فاقت كرامتهم إلا أنهم ابتهجوا لهذه الخيرات التى نلناها ، لأنهم تألموا عندما حلّ بنا العقاب .

فعلى الرغم من أن الشاروبيم قد حرسوا الفردوس ، إلا أنهم تألموا . فكما أن الخادم عندما يجد أحد زملائه داخل السجن يلتزم بحراسته لأنه هكذا أمر السيد ، إلا أنه يتألم لسجنه .

هكذا الشاروبيم قد حرسوا الفردوس ، إلا أنهم تألموا لطرد الإنسان منه. وإذا كان الناس يشاركون بعضهم البعض مُعاناتهم ، فبالأولى لا تشك من نحو مشاركة الشاروبيم ، لأن هذه القوات هى أكثر حنوًا من البشر .

فمَن من الناس الأتقياء لا يتألم لعقاب بعض البشر حتى لو كان عقابه بعدل وحتى بعد ارتكابه أخطاء كثيرة ؟ وهذا هو العجيب ، فعلى الرغم من أنهم عرفوا خطايا الناس ورأوا أنهم عاندوا الله ، إلا أنهم تألموا لعقابهم .

موسى تألم عندما مال شعبه لعبادة العجل . ولهذا قال “.. والآن إن غفرت خطيتهم، وإلا فأمحنى من كتابك الذى كتبت ” (خر32:32)، ماذا يعنى هذا ؟ أنك تتألم لرؤية هؤلاء الذين يُعاقبون رغم عدم تقواهم . اسمع صراخ حزقيال النبى عندما رأى الملاك يهلك الناس “.. آه يا رب. هل أنت مُهلك بقية إسرائيل كلها..” (حزقيال8:9) ” . وأيضاً يقول إرميا النبى ” أدبنى يا رب ولكن بالحق لا بغضبك لئلا تُفنينى ” (إر24:10). فإذا كان موسى وحزقيال وإرميا قد تألموا ، فهل القوات السمائية لا تتألم لما حدث لنا ؟ وأنظر إلى مقدار الفرح الذى أظهروه عندما رأوا أن الله قد تصالح معنا . فلو لم يتألموا من قبل لما كانوا يفرحون فيما بعد . أما من جهة أنهم ابتهجوا فهذا واضح مما قال المسيح ” أقول لكم إنه هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين باراً لا يحتاجون إلى التوبة ” (لو7:15). وإذا كانت الملائكة تفرح برؤية خاطئ واحد يتوب ، فكيف لا يفرحون وهم يرون طبيعتنا كلها وهى ممثلة في باكورتها صاعدة إلى السماء .

وتستطيع أن ترى مقدار فرح القوات السمائية لتصالحنا مع الله في موضع آخر، وذلك عندما ولد بالجسد. لأنه لم يكن لينزل إلى الأرض إن لم يكن قد قيل إنه تصالح مع الإنسان. وعندما رأوا ذلك صرخوا قائلين    ” المجد لله في الأعالى وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة ” (لو14:2)، ولهذا مجدوا الله ، لأن الأرض تمتعت بالسلام والناس بالمسرة . هؤلاء الذين كانوا قبلاً أعداء وجاحدين .

أتريد أن تعرف أنهم ابتهجوا لرؤية السيد صاعدًا للسماء ؟ اسمع ماذا يقول المسيح ” من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان ” (يو51:1). لأن هذه هى عادة الذين يُحبون، لا ينتظرون اللحظة المناسبة، لكنهم من فرط سعادتهم يتجاوزون الزمن. ولهذا نزلوا لأنهم استعجلوا أن يروا هذا المشهد الجديد والعجيب. أى رؤية الإنسان الذى ظهر في السماء .

ولهذا نجد الملائكة حاضرين في كل مكان: عندما ولد السيد، وعندما قام، واليوم عندما صعد إلى السموات. لأن القديس لوقا يقول ” إذا رجلان قد وقفا بهم بلباس بيض وقالا أيها الرجال الجليليون ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء إن يسوع هذا الذى ارتفع عنكم إلى السماء سيأتى هكذا كما رأيتموه منطلقًا إلى السماء ” (أع11:1)، فهم بهذا الظهور يعلنون عن فرحتهم . وهنا أرجو أن تركزوا الانتباه بشكل خاص . لماذا قال الملائكة هذا الكلام ؟ هل التلاميذ ليس لديهم أعين ؟ هل لم يروا هذا الذى حدث ؟ ألم يقل الإنجيلى ” ارتفع وهم ينظرون إليه “؟ إذًا فلأى سبب وقف بهم الملائكة وقالوا لهم هذا الكلام ؟ قالوا هذا لسببين :

* لأن التلاميذ كانوا دوماً يتضايقون لفراق المسيح . ومن جهة أنهم تضايقوا اسمع ماذا قال لهم ” وأما الآن فأنا ماضى إلى الذى أرسلنى وليس أحد منكم يسألني أين تمضى . لكن لأنى قلت لكم هذا ملأ الحزن قلوبكم ” (يو5:16ـ6).

فإن كنا نتألم لفراق أحبائنا وأقاربنا وأصدقائنا ، فكيف لا يتألم التلاميذ لفراق المخلص والمعلم محب البشر الرقيق الصالح ؟ كيف لا يُعانون ؟  ولهذا وقف الملاكان بهم لكى يخففا الحزن الذى ملأ التلاميذ لفراق الرب وقالوا إن يسوع هذا الذى ارتفع عنكم إلى السماء سيأتى هكذا كما رأيتموه منطلقًا إلى السماء .

ولكى لا يصنعوا ما صنعه إليشع الذى مزق ملابسه عندما رأى معلمه يصعد إلى السماء (2ملوك2) لهذا وقف الملاكان بهم معزين لحزنهم .

* أما السبب الثانى وهو لا يقل أهمية عن الأول فهو متضمن في عبارة “إلى السماء” لأن المسافة إلى السماء بعيدة جدًا والأعين الجسدية ليس لديها القدرة أن تواصل الرؤيا حتى الأعالى. مثل الطائر الذى يطير مرتفعًا، فعلى قدر ما يرتفع إلى أعلى على قدر ما يختفى من أمام أعيننا وهذا ما حدث مع المسيح في صعوده بالجسد ، فعلى قدر ارتفاعه إلى أعلى على قدر ما كان يختفى لأن ضعف عيونهم لم يُمكّنهم من متابعته في كل هذا الارتفاع . ولهذا وقف بهم الملاكان قائلين أنه صعد إلى السماء لكى لا يظنوا انه صعد إلى السماء كما ارتفع إيليا إلى السماء .

إيليا ارتفع إلى السماء كإنسان . لكن يسوع صعد إلى السماء لأنه إله . إيليا صعد بمركبة نارية .  يسوع صعد في السحاب . لأن الله عندما أراد أن يدعو إيليا أرسل مركبة . وعندما دعى ابنه أرسل العرش الملوكى . ليس فقط العرش الملوكى ولكن عرش الأب نفسه . لأن أشعياء يقول من نحو الأب ” هوذا الرب راكب على سحابة سريعة (أشعياء1:19) ”  ولأن الآب يجلس على سحابة أرسل لابنه سحابة . وعندما صعد إيليا إلى السماء ترك لأليشع ردائه الجلد1 . عندما صعد يسوع إلى السماء ترك لتلاميذه المواهب المتنوعة القادرة على أن تصنع لا نبيًا واحدًا بل آلاف مثل إليشع أمجد وأعظم منه . 

فلنقف أيها الأحباء ونوجه أنظارنا نحو المجيء الثانى لأن بولس يقول   ” لأن الرب نفسه بهتاف بصوت رئيس الملائكة وبوق الله سوف ينزل من السماء ونحن الأحياء الباقيين سنُخطف جميعاً معهم في السحب لملاقاة الرب في الهواء ” (1تس15:4ـ16). لكن ليس الكل. فمن جهة أننا سوف لا نُخطف جميعًا ، وأن البعض سيبقى والبعض سيختطف – اسمع ماذا يقول المسيح ” حينئذ يكون اثنان في الحقل يؤخذ الواحد ويترك الآخر ، اثنتان تطحنان على الرحى . تؤخذ الواحدة وتترك الأخرى ” (مت40:24ـ41).

ماذا يريد أن يوضح بهذا الكلام ؟ وماذا يريد أن يعلنه هذا السر الخفى؟

أراد أن يشير إلى أن من بين الفقراء والأغنياء، مَن سيخلص ومنهم مَن سيهلك. وأن الخطاة سيُتركون منتظرين عقوبتهم وأن الأبرار سيخطفون على السحاب . فكما أنه عند قدوم ملك إلى مدينة يخرج لاستقباله خارج المدينة كل القواد وأصحاب الرتب والسلطان وكل مَن له دالة كبيرة عنده لملاقاته والتمتع به، وأمّا المحكوم عليهم فيُحجزون في السجون منتظرين حكم الملك. هكذا عندما يأتى الرب فكل من له دالة عنده يلاقي الرب في السحاب، لكن المدانين وكل مَن يشعرون بثقل الخطايا ، فإنهم ينتظرون دينونتهم العادلة .

ونحن أيضًا سنختطف وأنا لا أحسب نفسى في عداد هؤلاء الذين سيختطفون ، فأنا أعرف خطاياى ولولا خوفى من أن أُعكر فرحة هذا العيد لسكبت دموعاً مُرة لأننى تذكرت خطاياى الخاصة . ولأننى لا أريد أن أُكدر فرحة هذا العيد سأتوقف هنا عن الكلام ويكفينى أننى جددت فيكم ذكرى حية لهذا اليوم حتى أن الغنى لا يفرح لغناه ولا الفقير يحزن لفقره ، بل السعيد هو ذاك المستحق للاختطاف على السحاب ولو كان أكثر الجميع فقرًا، وان الإنسان الخاطئ بائس وتعس حتى ولو كان أكثر الجميع غنى  .

أقول هذا لكى نرثى لحالنا ما دمنا بعد خطاة ولكى يثق أولئك الذين يجاهدون من أجل الفضيلة ، ولا يثقوا فقط بل يطمئنوا أيضًا. ولا يكتفى الخطاة بالبكاء بل يجب أن يغيروا أسلوب حياتهم . لأن الإنسان الخاطئ هو قوى مادام يهجر الخبث والمكر ويتجه نحو الفضيلة وبهذا يصير مساويًا لأولئك الذين يحيون في الفضيلة منذ البدء.

أما السائرين في طريق الفضيلة فليداوموا على التقوى ويزيدوا دومًا هذا الربح العظيم . أما نحن فعندما نشعر بثقل خطايانا الكثيرة فلنغير أسلوب حياتنا حتى نكتسب الفضيلة ونقتنى ثقة من سلك بالتقوى، لكى نستقبل معًا بنفس واحدة وبالإكرام الواجب ملك الملائكة ونتمتع بهذا الفرح الطوباوى بمعونة ربنا يسوع المسيح .

لنختبر كلام المخلص الذى قال ” أذهبوا وتلمذوا جميع الأمم” (مت19:28) لا من جهة القول ولكن من جهة العمل . فلو لم تتحول الكلمة إلى حدث لكان هذا القول يحمل افتخارًا فقط ولا يحمل قوة إلهية لذلك قال لتلاميذه أن يبشروا حتى آخر نقطة في الأرض. فلو كان هناك مكان واحد على الأرض قد حُرم من هذه البشارة لكان هذا الكلام غير صحيح .

لكن لو كانت الأعمال قد أشرقت أكثر من الأقوال إذن فالشهود حقيقيون وأيضًا من يُبشرون به هو الحقيقة ذاتها.

ولما قال هذا ارتفع وهم ينظرون . وأخذته سحابة عن أعينهم ” (أع9:1)، وبالقطع كان يستطيع أن يصعد سرًا ، لكن كما كانت عيون التلاميذ شاهدة لقيامته، هكذا أيضًا جعلهم المسيح شهود عيان لصعوده . ” وفيما هو يباركهم أنفرد عنهم وأصعد إلى السماء” (لو52:34). أصعد ودخل إلى السماء ” .. المسيح لم يدخل إلى أقداس مصنوعة بيد أشباه الحقيقية بل إلى السماء عينها ليظهر أمام وجه الله لأجلنا” (عب24:9). ولم يدخل إلى السماء فقط لكنه اجتاز فوق السموات لأن بولس يقول ” فإذ لنا رئيس كهنة عظيم قد أجتاز السموات يسوع ابن الله ” (عب14:4). فهو قد صعد واجتاز السموات لأنه كان يملك القوة لأن يصنع هذا ولكى تكمُل أقوال النبى ” صعد الله بهتاف الرب بصوت الصور ” (مز5:47). وهنا يتكلم النبى بكل وضوح – صعد الله بهتاف، ويقول أيضاً “ أرفعن أيتها الأرتاج رؤوسكن وارتفعن أيتها الأبواب الدهريات فيدخل ملك المجد ” (مز7:24). لقد دخل المسيح إلى الداخل ، لم يدخل إلى هياكل مصنوعة بالأيادى بل إلى السماء عينها ، حدث هنا أمران :

+ أن الأرض اندهشت عندما استقبلت المخلص ، وكما يحدث عادةً عندما نرى شخصاً غريب أن نتساءل مَن هو هذا ؟ لأن المرء لا يسأل عن شخص معروف، هكذا عندما استقبلت الأرض القوة الإلهية ورأت المخلص وهو يأمر الرياح والبحر فيطيعانه، قالت مَن هو هذا حتى تخضع له البحار والرياح ؟

وهكذا كما نادت الأرض متعجبة مَن هو هذا ؟ فإن السماء رأت الابن المتجسد فاندهشت وقالت مَن هو ملك المجد هذا ؟

لقد صارت الكنيسة كلها قريبة للمسيح بسبب تجسده. بولس وبطرس وكل مؤمن هو قريب للمسيح . ولهذا قال بولس ” فإذ نحن ذرية الله ” (أع9:17). وفي موضع آخر يقول “ وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفرادًا” (1كو27:12). نحن نملك عربون أبديتنا وهو جسده الذى صعد إلى السماء، ثم أرسل الروح القدس لكى يمكث معنا. وهو لم يقل أن الروح القدس نزل من السماء ولا يوجد بعد في السماء أو أن الجسد صعد إلى السماء والروح القدس نزل إلى الأرض كمبادلة. لأن الروح القدس هو معنا وفي السماء وفي كل مكان. لأن داود يقول ” أين أذهب من وجهك ومن روحك أين أهرب ” (مز7:139). كم هى فائقة هذه العناية الإلهية. كم هو عظيم هذا الملك، عظيم في كل شئ – عظيم جدًا وعجيب . كما قال النبى ” أيها الرب سيدنا ما أمجد اسمك في كل الأرض حيث جعلت جلالك فوق السموات ” (مز1:8) .

ارتفع الله فوق السموات . نفس الكلمات توجد هنا – بينما التلاميذ يشخصون إليه ارتفع ” لأن الرب علي مخوف ملك كبير على الأرض ” (مز2:47) .

عظيم هو الرب ، هو أيضًا ملك عظيم ” عظيم هو الرب وحميدًا جدًا في مدينة إلهنا جبل قدسه . جميل الارتفاع فرح كل الأرض جبل صهيون . فرح أقاصى الشمال مدينة الملك العظيم ” (مز1:48ـ2).

نبى عظيم ، وكاهن عظيم ، ونور عظيم ، في كل شئ هو عظيم .

والكتاب المقدس دائمًا يذكره بإضافة كلمة العظيم، كما يقول بولس     ” منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح ” (تي13:2). وأيضًا يقول داود النبى ” عظيم هو الرب وحميدًا جدًا“. هو ملك عظيم ونبي عظيم ، لأنه عندما صنع يسوع المعجزات قال الجمع “ .. قد قام فينا نبى عظيم وأفتقد الله شعبه ” (لو16:7) .

إذن فهو ليس عظيمًا فقط في طبيعته الإلهية ولكنه عظيم أيضًا في طبيعته الإنسانية. ومن أين نخرج بهذه النتيجة؟ يقول بولس ” فإذ لنا رئيس كهنة عظيم قد اجتاز السموات يسوع ابن الله فلنتمسك بالإقرار ” (عب14:4). ولأنه رئيس كهنة عظيم ونبي عظيم وملك عظيم فقد افتقد الله شعبه وأعطى نبيًا عظيمًا لشعب إسرائيل .

هو نبي عظيم وكاهن عظيم وملك عظيم، أيضًا هو نور عظيم         ” الشعب السالك في الظلمة أبصر نورًا عظيمًا ” (إش2:9) ” .

وأيضاً يوم الرب عظيم كما يقول يوئيل النبى ” قبل أن يأتى يوم الرب العظيم المخوف ” (يؤ31:2). عظيم هو الرب وعظيمة هى أعماله .

إن عربون حياتنا الأبدية هو الآن في السماء ، ما دمنا قد صعدنا مع المسيح . وأيضًا هو سيخطفنا على السحاب ما دمنا مستحقين لهذا اللقاء.

إذن أيها الأحباء فلنترجى أن نوجد وسط أولئك الذين سيتقابلون معه في السحاب. وكما أن أولئك الذين يتقابلون مع الملك يُكرمون جميعهم وإن كانوا ليسوا على نفس القدر من المكانة ، هكذا أيضًا سيحدث في مقابلة الرب على السحاب . ومن المؤكد أن الجميع لم يحيوا بنفس الطريقة “ لأن كل واحد سيأخذ أجرته بحسب تعبه ” (1كو8:3)

 

 

وإله السلام الذى يعطى السلام والذى يثبت السلام ويجازى بالسلام أولئك الذين بشروا بالسلام وأولئك الذين سمعوا وأولئك الذين علّموا وأولئك الذين تعلّموا، حتى أنه في كل شئ مادمنا، قد بدأنا بالسلام أن نكمل المسيرة بالسلام وننتهى بالسلام وان نمجد إله السلام الآب والابن والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور أمين .

 

1 هذه الملابس الجلدية كانت معروفة في الأزمنة القديمة وكان يرتديها في اليونان القديمة، الأبطال والآلهة وهى مصنوعة من جلد الغنم ومن صوفه .

 

صعود المسيح ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم

صعود المسيح ق. غريغوريوس النيسي – د. سعيد حكيم

صعود المسيح ق. غريغوريوس النيسي – د. سعيد حكيم

صعود المسيح ق. غريغوريوس النيسي – د. سعيد حكيم

 

مثل صديق مرافق للحياة نجد داود النبى يغوص في كل مناحى الحياة ويتوجه بشكل لائق إلى كل القامات الروحية. لأنه قريب من كل فئة ترغب في النمو والتقدم .

ويتعامل برفق مع كل من هم في سن الطفولة، هكذا كما يريد الله، يجاهد مع الرجال ، ويربى الأحداث ، ويسند الشيوخ. صار (بواسطة مزاميره) للجميع كل شئ. صار سلاحً للمحاربين ومدربًا للمجاهدين وتاجًا للمنتصرين وفرح للمائدة وعزاءً في الأحزان . لا يوجد شئ في حياتنا إلا ويكون مشاركًا فيه من خلال عمل النعمة . وأى صلاة يمكن أن تصير ولا يكون لداود معها علاقة ؟ وأى احتفال مبهج نتذوقه ولا يفرح به داود ؟ وهذا يمكن التأكد منه الآن. فبينما هذا الاحتفال (عيد صعود المسيح) هو احتفال عظيم لأسباب أخرى ، فإن داود النبى بمشاركته فيه صيره أعظم وساهم بشكل مفيد في هذه الفرحة من خلال المزامير التى أنشدها .

في أحد المزامير يحثنا أن نصير خراف يرعاها الله . وذلك لكى لا نُحرم من أى صلاح . وحينئذ سيقدم الراعى الصالح كل شئ ، عشبًا للمرعى وماء للشرب وطعام ومسكن وطريق وقيادة ويعطى لكل ذى احتياج عطية خاصة وبشكل لائق .

وهو من خلال هذا يعلم الكنيسة ضرورة أن نصير أولاً خرافًا للراعى الصالح حتى نُقاد بالتعاليم المستقيمة في المراعى الإلهية لكى ندفن معه بالمعمودية للموت (أنظر رو3:6-4) . ولا نخشى من الموت لأن هذا ليس موتًا ، لكن ظل للموت لأنه يقول “ إذا صرت في وادى ظل الموت لا أخاف شرًا لأنك أنت معى ” (مز4:23) ثم بعد ذلك أعطى عزاءً بمعونة الروح ” لأن المعزى هو الروح ” الذى يقيم المائدة السرية التى أُعدت على النقيض من مائدة الشياطين . لأن هؤلاء الشياطين هم الذين عذبوا الناس بالعبادة والأفكار الوثنية . ثم يثير في النفس انتعاشة الروح ويوجه أفكارها من الآن نحو الأبدية لأن كل من تذوق نشوة الروح، يستبدل الموت بالأبدية وتمتد إقامته بلا نهاية داخل بيت الله .

وإذ قدم لنا كل هذا بمزمور واحد ، نجده ينشط النفس بالمزمور الآخر وبفرح أعظم وأكمل من خلال هذا المعنى ” للرب الأرض وملؤها ..” (مز1:24)

ولماذا تستغرب أيها الإنسان لو أن الله اُستعلن لنا على الأرض وعاش وسط البشر؟ الأرض ملك له مادام هو خالقها. وعليه فليس هذا بالأمر الغريب ولا هو خارج عن الطبيعى أن يأتى الله إلى خاصته. لم يذهب إلى عالم غريب ولكن إلى العالم الذى كوّنه هو، أسّس الأرض فوق المياه وجعلها مناسبة لوجود الأنهار. إذن فلأي سبب اُستعلن؟ لكى ينقذك من براثن الخطية ويقودك إلى جبل ملكه مستخدمًا الفضائل كعربة نحو الصعود . لأنه غير ممكنًا أن يصعد المرء إلى هذا الجبل إن لم ترافقه الفضائل .

يجب أن يكون نقيًا في أعماله وألا يتلوث بأى عمل خبيث وأن يكون نقى القلب وألا يقود نفسه إلى أى شئ باطل ولا أن يخدع جاره خفية. من يصعد إلى جبل الرب ومن يقوم في موضع قدسه . الطاهر اليدين والنقى القلب الذى لم يحمل نفسه إلى الباطل ولا حلف كذبًا يحمل بركة من عند الرب وبرًا من إله خلاصه ” (أنظر مز3:24ـ5). هذا الصعود هو كرامة وبركة من الله . لهذا الإنسان يعطى الله مراحمه. ” هذا هو الجيل الطالبُة الملتمسون وجهك يا يعقوب “(مز6:24).

وباقى المزمور ربما يكون أعلى من التعليم الإنجيلى نفسه. لأن الإنجيل يروى حياة ومسيرة الرب فوق الأرض، بينما هذا النبى السمائى وهو يخرج خارج نفسه، لكى لا يعوقه ثقل الجسد مادام يختلط بالقوات العالمية، يعرض لنا كلام أولئك الذين يسيرون أمام موكب الملك في نزوله، يأمرون  الملائكة ، وأولئك الذين يحرسون الأرض وأوكل إليهم أن يحرسون الحياة الإنسانية أن تفتح الأبواب قائلاً:

.. ارتفعن أيتها الأبواب الدهريات فيدخل ملك المجد” (مز7:24) ولأنه عندما يأتى ذاك الذى يملك كل شئ فإنه يحمل نفسه ويجعلها على مستوى ذاك الذى يستقبله، لأنه لم يصر فقط إنسان عندما أتى إلى الناس، ولكن بالتبعية أيضًا عندما وجُد بين الملائكة أنزل نفسه إلى مستوى أولئك الملائكة. ولهذا فحراس الأبواب كان لهم احتياج من قبل ذاك الذى سيأمرهم أن يفتحوا ” من هو هذا ملك المجد” (مز8:23)

ولهذا أُستعلن لهم هذا القوى الجبار، الخالق والقاهر في الحروب والذى سيصطدم مع ذاك الذى أسر الطبيعة الإنسانية “ لكنى أرى ناموساً آخر في أعضائى يحارب ناموس ذهنى ويسبينى إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائك “، ” فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم أشترك هو أيضًا فيهما لكى يبيد بالموت ذاك الذى له سلطان الموت أى إبليس ” (رو37:7، عب14:2) ويبطل سلطان الموت ” آخر عدو يبطل هو الموت ” (1كو26:15) وما دام قد بطل آخر عدو فالبشر يُدعون للحرية والسلام .

ثم يعود فيقول أيضًا نفس الكلام لأنه اكتمل سر الموت وتحقق النصر ضد الأعداء وارتفع أمامهم الصليب كعلامة للنصرة ويقول أيضًا ” صعدت إلى العلا سبيت سبياً . قبلت عطايا بين الناس وأيضاً المتمردين للسكن أيها الرب الإله ” (مز18:68). 

ولهذا يجب أن ترتفع الأبواب الدهريات . ويشارك في هذا الموكب حراسنا الذين يأُمرون أن يفتحوا له الأبواب الدهريات لكى يُمجد أيضًا من قِبل هؤلاء . لكن ذاك الذى يرتدى الزى المتسخ أى حياتنا نحن (البشرية)، وبقع ملابسه من نتاج شرورنا الإنسانية يُعد غير معروف عند هؤلاء ” ما بال لُباسك مُحمر وثيابك كدائس المعصرة ” (إش2:63) ولهذا يتوجهون لأولئك المشاركين في الموكب ويسألون ” من هو ملك المجد هذا ” لأنه لم تُعطَ بعد الإجابة ” الجبار القاهر في الحروب“. ” بل ورب القوات” والذى له السلطان على كل شئ والذى وجد في شخصه كل شئ ” لتدبير ملء الأزمنة ليجمع كل شئ في المسيح ما في السموات وما على الأرض ” (أف10:1) ذاك الذى هو متقدم في كل شئ “ الذى هو البداءة بكر من الأموات لكى يكون هو متقدماً في كل شئ” (كو18:1) والذى رد كل شئ إلى وضعه الأول ” الذى ينبغى أن السماء تقبله إلى أزمنة . رد كل شئ التى تكلم عنها الله بفم جميع أنبيائه القديسين منذ الدهر ” (أع21:3)، ” هذا هو ملك المجد“. أرأيتم كيف جعل داود هذا الاحتفال جميلاً مازجاً فرح مزاميره مع فرح الكنيسة .

فلنتشبه نحن أيضًا بالنبي في تلك الأمور التى من الممكن أن نسير فيها، في المحبة نحو الله  في الحياة الهادئة المريحة ، واحتمال من يبغضوننا، لكى تصير تعاليم النبى بمثابة إرشاد نحو ملكوت الله في اسم ربنا يسوع المسيح الذى يليق به المجد والكرامة إلى الآبدين أمين .

 

صعود المسيح ق. غريغوريوس النيسي – د. سعيد حكيم

كتاب المسيح في حياته المقدسة وآلامة وموتة وقيامتة وصعودة وكهنوته السماوي من أجلنا بحسب تعليم القديسين أثناسيوس PDF

كتاب المسيح في حياته المقدسة وآلامة وموتة وقيامتة وصعودة وكهنوته السماوي من أجلنا بحسب تعليم القديسين أثناسيوس PDF

كتاب المسيح في حياته المقدسة وآلامة وموتة وقيامتة وصعودة وكهنوته السماوي من أجلنا بحسب تعليم القديسين أثناسيوس PDF

كتاب المسيح في حياته المقدسة وآلامة وموتة وقيامتة وصعودة وكهنوته السماوي من أجلنا بحسب تعليم القديسين أثناسيوس PDF

تحميل الكتاب PDF

صعود يسوع إلى السماء – الإيمان وموجباته المنطقية

صعود يسوع إلى السماء – الإيمان وموجباته المنطقية

صعود يسوع إلى السماء – الإيمان وموجباته المنطقية

صعود يسوع إلى السماء – الإيمان وموجباته المنطقية

إن كان يسوع قد قام من الأموات في الجسد، فأين هو اليوم؟ فهو لم يعد يجتاز في شوارع مدن هذا العالم العظمى كارزاً داخل حدائقها العامة وأسواقها، كما سبق له أن عمل من قبل. تفترض جميع الانعكاسات لقيامته في الجسد المذكورة أعلاه، أن يسوع بعد أربعين يوماً على قيامته، صعد إلى السماء، كما يذكر لوقا. حقاً بمعنى من المعاني، باستطاعة أحدنا القول إن قيامة يسوع في الجسد، شكلت ببساطة الوسيلة لتحقيق الغاية الأعظم، والتي تتمثل بصعوده إلى المجيد المسياني.

لذا يكون من الضروري، لدى محاججة أحدنا في قضية قيامة يسوع في الجسد، أن يعود ويتناول أيضاً تاريخية هذا الحدث مع أهمية لازمتها أو نتيجتها الطبيعية، أي صعود يسوع إلى السماء.

المعلومات الكتابية

يدون لوقا في كل من إنجيله وسفر الأعمال أن يسوع، وبعد إكماله خدمته التي استغرقت أربعين يوماً قبل صعوده، “صعد في الجسد إلى السماء”. وهو اعتمد ثلاثة أفعال في معرض وصفه لهذا الحدث الجلل: أنيفيريتو، “أُصعد” (لوقا 24: 51)، أنيلمفثي، “رُفع” (أعمال 1: 2، 11؛ راجع أنالمبسيوس في لوقا 9: 51)، وإبرثي، “رُفع” (أعمال 1: 9).

من جملة كُتاب الأناجيل الأربعة، ينفرد لوقا وحده بتدوين الرواية التاريخية المختصة بصعود يسوع[1]، لكنه لا يعد بأي شكل من الأشكال الكاتب الوحيد في العهد الجديد الذي يشير إلى هذا الحدث. فبطرس، كما يذكر لوقا، أشار إليه في العلية بعد حدوثه بوقت قصير (أعمال 1: 22) كما عاد وذكره في عظاته لاحقاً (2: 33-35؛ 3: 21؛ 5: 31)، وهو يكتب عنه أيضاً مباشرة في 1بطرس 3: 22.

كما أن تصريح استفانوس في أعماله 7: 56 يفرض مسبقاً حصوله قبلاً. كذلك، يفترض بولس حقيقة حصوله تاريخياً من خلال اشاراته إلى جلوس يسوع عن يمين الآب في رومية 8: 34 وكولوسي 3: 1، كما أنه يلمح إليه من خلال كلماته في أفسس 1: 20-22؛ 2: 6 وفي فيلبي 2: 9-11.

ثم يعود ويعبر عنه صراحة في أفسس 4: 8-10 و1تيموثاوس 3: 16. يفترض الكاتب إلى العبرانيين حصول هذا الحدث في 1: 3، 13؛ 2: 9؛ 8: 1؛ 10: 12؛ 12: 2، كما أنه يشير إليه صراحة في 4: 14؛ 6: 20؛ 9: 24. يخبرنا يوحنا أن يسوع نفسه غالباً ما أشار إليه (يوحنا 3: 13؛ 6: 62؛ 7: 33، 34؛ 8: 21؛ 13: 33؛ 14: 2، 28؛ 16: 7-10: 20: 17) وكيف علم “أنه من عند الله خرج، وإلى الله يمضي” (13: 3).

وأخيراً، من الواضح أن يسوع افترضه مسبقاً في شهادته أمام السنهدرين خلال محاكمته، عندما قال: “…. تبصرون ابن الانسان جالساً عن يمين القوة” (متى 26: 64؛ مرقص 14: 62؛ لوقا 22: 69).

لا عجب إن جعلت مدرسة التفسير “بلتمان” صعود المسيح في مصاف الأساطير. يكتب “بلتمان” نفسه ما يلي:

بحسب 1كورنثوس 15: 5-8، حيث يعدد بولس ظهورات الرب المقام كما عرضها التقليد، قيامة يسوع عنت في الوقت عينه ترفيعه؛ ولم تفسر القيامة إلا لاحقاً كرجوع مؤقت إلى الحياة على الأرض. ثم تقف هذه الفكرة وراء نشوء قصة الصعود[2].

تعكس تركيبته هذه نفوره الكامل من “تطفل” ما هو خارق وفوق الطبيعة في مجال تاريخ المكان والزمان. والصعود، على نحو خاص، كان يعكس في نظره ما يعرف بمفهوم العالم القديم “للكون الأسطوري” (أي غير العلمي) “والمؤلف من ثلاثة طوابق”. لكن، وكما يصرح “دونالد غثري”، ليست هذه التركيبة هي التي يجب تطبيقها على المعلومات المختصة بالصعود:

التحرك إلى فوق [لهيئة يسوع المادية]، تعد تقريباً الطريقة الوحيدة الممكنة لتصوير عملية الرفع بالكامل. لنا في أمثلة أخنوخ وإيليا من العهد القديم بعض الشبه لهذا الحدث. لقد جرى حتماً إدخال فكرة تتعلق بالمكان، لكن لا يشكل هذا التركيز الرئيس للوصف في سفر الأعمال. فهذا التركيز هو على السحابة التي فصلته عن محيطه، كما حصل في رواية التجلي…. فحقيقة الصعود لا ترى في الحركة إلى فوق هناك، على قدر ما تنبئ بحقيقة وضع حد لفترة الظهورات المثبتة والمؤكدة[3].

“ب. ف. وستكوت”، ومن خلال تعليقه المليء بالمشاعر حول طبيعة الصعود، يساعدنا أيضاً بهذه الكلمات:

اجتاز [يسوع] إلى ما بعد دائرة الوجود البشري المحسوس إلى سعة حضرة الله. شكل الارتفاع المادي مثلاً معبراً، ورمزاً بليغاً، غير أنه لم يكن الحق الذي أشار إليه أو الحقيقة التي هو ظل لها. فالتغيير الذي أعلنه المسيح من خلال الصعود كان…. تغييراً في الحالة. لم يكن تغييراً في المكان، بل روحياً. وبموجب الضرورات التي تفرضها طبيعتنا البشرية، هذا التغيير الروحي، معروض علينا تحت شكل سر مقدس، إن صح التعبير، وبهيئة خارجية[4].

بكلام آخر، التعبير الكتابي عن “الأماكن السماوية”، يجب عدم فهمها من زاوية بعدي المكان والزمان، بمعنى “هناك فوق”، بل بالحري من زاوية الأبعاد الروحية التي بات بإمكان وجود يسوع في الجسد الممجد أن يتكيف معها، من دون الكف عن كونه إنساناً حقاً، كما يظهر من نشاطه الموصوف في لوقا 24: 31، 36، ويوحنا 20: 19، 26. لذا، يصرح “بركوفر” بهذا الكلام في محله:

يبقى باستطاعة النقد الكتابي الصارم وحده التنكر للصعود وحتى لإلغائه وحذفه بالتمام من الكريغما الرسولية في الأصل…. فبالنسبة إلى الكنيسة، ظل هذا الحدث باستمرار مصدر تعزية لدى معرفتها أن المسيح هو في السماء مع الآب. كذلك في وجه إنكار كل من الأسنسيو والسيسيو (الصعود والترفع) لكونهما تتنافيان مع “مفهوم العالم الحديث”، بمقدور الكنيسة أن تستمر، على أساس الأسفار المقدسة، في الكلام عن هاتين الحقيقتين ببساطة الإيمان[5].

تعتبر شلة أخرى من الدارسين النقاد أن التقليد الأبكر الخاص بالصعود في الكنيسة، جعل المسيح يصعد إلى السماء من الصليب مباشرة من دون حصول القيامة أو الخدمة التي سبقت الصعود. هم يزعمون أن آثاراً لهذا موجودة في النشيد المسيحي الباكر الذي ذكره بولس في فيلبي 2: 6-11. فهناك تطالعنا مفارقة ما بين الاتضاع المسيح وترفيعه من دون أي ذكر لدفنه وقيامته.

كما أن انجيل يوحنا، من المفترض أنه يعكس هذا التعليم عن “الصعود انطلاقاً من الصليب” – حيث لا مكان للقيامة أو لخدمة ما قبل الصعود – في آيات من صنف 12: 23 و13: 21 حيث يقتبس يوحنا تصريح يسوع أن ساعته موته تعني أيضاً تمجيده. كذلك، يعتبر الكاتب إلى العبرانيين أنه أيد فكرة صعود يسوع إلى السماء من الصليب، في ضوء بعض التصريحات من صنف 10: 12: “وأما هذا فبعدما قدم عن الخطايا ذبيحة واحدة، جلس إلى الأبد عن يمين الله”. ومن جديد، جرى التركيز هنا على فكرة عدم ذكر قيامة المسيح أو خدمته ما قبل الصعود.

ثمة أمور كثيرة بالإمكان قولها عن هذا المجهود المبذول لتفسير الصعود بتعابير غير حرفية وغير تاريخية.

أولاً، قانون التفسير المعمول به (لكنه خطأ) هو التالي: إن كان أحد كتاب العهد الجديد لا يأتي على ذكر قيامة المسيح في الجسد في كل مجال يتحدث فيه عن ترفيع المسيح أو عن جلوسه عن يمين أبيه، فقد يستخلص أحدهم أنه لم يكن على علم بالقيامة وما تلاها من خدمة سبقت الصعود، أو أن التقليد الذي يقتبسه لم يكن هو على علم بهذه الأحداث. لكن، هذا الادعاء هو من صنف نن سيكويتور بمعنى أن هذه الخلاصة لا ترتبط منطقياً بأي شيء قيل من قبل.

وهو يفرض على كتاب العهد الجديد المستلزم المصطنع بدرجة عالية، أن يذكر دائماً، في حال آمن بذلك، كلاً من القيامة في الجسد، والخدمة السابقة للصعود، والصعود، وذلك في كل مرة يتحدث فيها عن جلوس المسيح عن يمين الله.

ثانياً، يتجاهل هذا الزعم بالكامل حقيقة كون جميع كُتاب العهد الجديد هؤلاء، يعودون ويشيرون في أماكن أخرى – وبالفعل على صعيد الأفعال نفسها حيث ما يعرف بمفهوم “الصعود من الصليب”، يعلم بحسب زعمهم – إلى قيامة المسيح التي تلت الصلب: بواسطة بولس مثلاً، في غلاطية 1: 1؛ 1تسالونيكي 1: 10؛ 4: 14؛ أعمال 17: 31؛ 26: 23؛ 1كورنثوس 15: 4، 12-20؛ رومية 1: 4؛ 4: 25؛ 6: 4، 5، 9؛ 7: 4؛ 8: 11، 34؛ أفسس 2: 19-21؛ 20: 1-29؛ 21: 1-22؛ وبواسطة كاتب الرسالة إلى العبرانيين في عبرانيين 13: 20. إلى ذلك، يأتي بولس على ذكر “الأيام الكثيرة” الفاصلة بين قيامة المسيح وصعوده (أعمال 13: 31).

ثالثاً، ما يصرح به “بركوفر” دفاعاً عن الكاتب إلى العبرانيين، بمعنى أن الطريقة الوحيدة التي بإمكان الدارسين النقاد تفسير الأمر بهذا الشكل، هو العمل بموجب المعادلة التالية: “مجد المسيح في الرسالة إلى العبرانيين ناقص عبرانيين 13: 20 يساوي الصعود انطلاقاً من الصليب”[6]. هذا الكلام ينطبق أيضاً على جميع كُتاب العهد الجديد. فالطريقة الوحيدة التي يمكن اعتمادها لدعم فكرة صعود المسيح إلى السماء من الصليب، وليس لاحقاً بعد أسابيع على ذلك، يعني تجاهل كل الإشارات في كتاباتهم إلى قيامة المسيح في الجسد، وإلى ظهوراته بعد الصلب، وإلى خدمته ما قبل الصعود.

باستطاعة أحدنا استخلاص فقط أنه لا يوجد لدى هؤلاء الدارسين سوى النزر اليسير فقط من الثقة في مصداقية الأناجيل والرسائل. وبالنسبة إليّ شخصياً، لا أرى أي سبب معروض حتى اليوم من شأنه تسويغ ظاهرة تخلي لوقا بالكامل عن ذكر الصعود. وعليه، سأنتقل الآن إلى أهمية صعود المسيح بالنسبة إلى الناس وإلى شخص المسيح.

أهميتها

عنى صعود المسيح، بالطبع، بالنسبة إلى أولئك التلاميذ الأوائل وإلى كل تلميذ آخر منذ ذلك الحين بكل اختصار، انفصاله عنهم لا “من زاوية ألوهيته، وعظمته، ونعمته، وروحه” (Heidelberg Catechism, Ques. 47; see also Ques, 46) (“التعليم المسيح هايدلبرغ” السؤال 47؛ راجع أيضاً السؤال 46) ذلك لأن شركته الروحية معهم تبقى غير مقطوعة ولا يشوبها أي اضطراب، كحقيقة روحية صادقة وحتى مثبتة، لكنه انفصل عنهم فقط عن حضوره معهم في الجسد.

هذا الانفصال، كان المسيح نفسه تحدث عنه في أماكن مثل لوقا 5: 35؛ يوحنا 7: 33؛ 12: 8؛ 13: 33؛ 14: 30: 16: 10 (راجع أيضاً 1بطرس 1: 8؛ 1يوحنا 3: 2)[7].

بالنسبة إلى المسيح نفسه، تستنفد الأسفار المقدسة عملياً ما يتوافر لديها من عبارات “الانتصار” وصوره واستعاراته، لوصف أهمية صعود المسيح بالنسبة إليه. في هذا الوقت، بوسعي فقط تعداد فقط بعض هذه الأوصاف.

وكما أن قيامته كان السبيل إلى صعوده، وبالتالي تشكل جانباً هاماً من ترفيعه بالكامل، هكذا أيضاً شكل صعوده بدوره السبيل لبلوغه ذروة الترفيع وإجلاسه على العرش (سيسو) عن يمين الآب، بصفته القدوس، والرب، والمسيح، والرئيس، ومخلص العالم (أعمال 2: 27، 33-36؛ 5: 31؛ رومية 8: 34؛ كولوسي 3: 1؛ فيلبي 2: 9-11؛ عبرانيين 1: 3).

وما أروع ترفيعه هذا واجلاسه على العرش! إن كان صعوده حصل “في [en] المجد” (1تيموثاوس 3: 16)، بحيث جرى ترفيعه إلى “أعلى من السماوات” (أفسس 4: 10؛ عبرانيين 7: 26)، ها هو الآن أيضاً “مكلل بالمجد والكرامة” (دوكساي كاي تيماي استيفانومينون) (عبرانيين 2: 9)، “وملائكة وسلاطين وقوات مخضعة له” (1بطرس 3: 22).

“كل شيء تحت قدميه” ما عدا الآب (1كرونثوس 15: 27؛ أفسس 1: 22أ)، وهو جالس “فوق كل رياسة وسلطان وقوة وسيادة، وكل اسم يسمى ليس في هذا الدهر فقط بل في المستقبل أيضاً” (أفسس 1: 21). الله “أعطاه” (إيدوكن) أن يكون “رأساً فوق كل شيء للكنيسة، التي هي جسده، ملء الذي يملأ الكل في الكل” (أفسس 1: 22، 23)، وهو “الذي يملأ الكل” (كل الكون، تا بانتا) بقوته وربوبيته (أفسس 4: 10).

باختصار، إنه يحتل الآن “أعلى مكان” (فيلبي 2: 9) من المجد والكرامة (عبرانيين 2: 9) المتوافر في السماء، وله شرعاً وحقيقة (دي جوري ودي فاكتو) الألقاب “رب الكل” (أعمال 10: 36؛ رومية 10: 12) ورب الأرباب (أعمال 2: 36؛ فيلبي 2: 9ب؛ رؤيا 19: 16) “لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب” (فيلبي 2: 10، 11أ). تؤهله طبيعة روبيته في سيادته المطلقة لإغداق على الناس مواهب من أي صنف يريد (أفسس 4: 7، 8، 11).

مما لا شك فيه، وفي ضوء هذه اللغة الواضحة بلا نزاع، يسوع بقيامته وصعوده (لنا كل الحق بأن نتناول هذه الحدثين معاُ، مع أن الحدث الأول سبق الثاني بأربعين يوماً، كالوسيلة الجماعية من مرحلتين للبلوغ إلى ترفيع وربوبيته)، وكثمر ومكافأة لأتعابه على الأرض، يسوع وبصفته المسيا منح أعلى درجة من الربوبية مع سلطان كوني على الناس. هذا الأمر هو ما يوحي به أيضاً

(1) ما صرح به هو في متى 28: 18: “دفع إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض”، حيث يتحدث عن ربوبيته المسيانية التي حصل عليها شرعاً (دي جوري) بقيامته لكنه كان قد شرع فعلاً في ممارستها بشكل حقيقي (دي فاكتو) على الكون أجمع من السماء لدى صعوده وجلوسه في الوقت الحاضر عن يمين الآب (أقترح أن إشارته في متى 11: 27 ويوحنا 17: 2 إلى سلطان “مدفوع إليه” يجب فهمها في ضوء عهد الفداء ضمن المشورات الأبدية)؛

(2) تصريح بطرس: “الله جعل [إيبويإزن: عين، نصب] يسوع هذا…. رباً ومسيحاً” بعد قيامته وصعوده. وفي هذا إعلان آخر أكيد عن افتراض حقيقة (دي فاكتو) ملكه الذي له طابع وسيطي بصفته الله – الإنسان بما أن يسوع كان بوضوح رباً ومسياً بموجب تعيين إلهي منذ لحظة تجسده؛

(3) تصريح بولس “لذلك [ديو كاي] [من جراء عمله على الأرض] رفعه الله أيضاً، وأعطاه اسماً فوق كل اسم (أي منحه الاسم “رب”) (فيلبي 2: 9).

إننا نقترف خطأ قتالاً لاهوتياً إذا استنتجنا مما سبق أن يسوع كابن الله، الذي (بالرغم من اتحاده معنا باللحم) واصل بشكل لا متناه تساميه فوق كل محدودية المخلوقات، أصبح “رباً” فقط لدى ترفيعه وحصل بصفته ابن الله عندئذ فقط شرعاً (دي جوري) وحقيقة (دي فاكتو) على سلطانه الكوني. يجب ألا ننسى على الإطلاق أنه كان في نظر بطرس “إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح” الذي “يرشنا بدمه” (2بطرس 1: 1؛ 1بطرس 1: 2).

كذلك في نظر بولس، كان رب المجد” (هو كيريوس تيس دوكسيز)، هذه العبارة التي تعني “الرب الذي له المجد كحقه الطبيعي”، والذي هو أيضاً “الكائن على الكل إلهاً” (رومية 9: 5) و“الله العظيم” (تيطس 2: 13) الذي صلب من أجلنا (1كورنثوس 2: 8). إذاً، يسوع وبصفته ابن الله استمر بالطبع، كما فعل دائماً، يحمل كل الأشياء بكلمة قدرته (عبرانيين 1: 3) ومارس أيضاً حقوقه وقدراته كرب، والتي تخصه في صلب جوهره بصفته الكائن الإلهي (راجع “كالفن”، “المبادئ” 2. 13. 4).

لذلك، عندما ينقل إلينا هؤلاء الرسل أن المسيح يسوع قد “تعين” رباً أو جرى “ترفيعه” أو “إعطاؤه” سلطاناً أو إضفاء عليه اللقب “رب” لدى صعوده، من الضروري أن نفهم أن هذه الأمور قيلت فيه بموجب دوره الوسيطي بصفته المسيا. من المناسب أن نقول هذه الأمور عنه، وذلك فقط بما أنه “الابن” الذي هو في أساسه وجوهره “غني”، والذي هي “رب”، حقه الطبيعي، كان قد “تجرأ” أن يتحد معنا في “لحمنا” حيث أمسى بذلك “فقيراً” (2كورنثوس) 8: 9.

إذاً، وبصفته المسيا الإلهي – البشري، “اكتسب” لدى صعوده سلطة حقيقية (دي فاكتو) لممارسة سلطانه كوسيط. إذاً، لم يكن الترفيع بل بالحري “الاتضاع” السابق لذلك الذي يعد “الاختبار الغريب”[8] على الابن لكونه الله.

بالمقابل، لم يكن الاتضاع بل “الترفع” هو “الاختبار الجديد” على الابن بصفته المسيا الإلهي والبشري. إن كنا سنأخذ التاريخ، وبالتحديد التاريخ الفدائي على محمل الجد، علينا أن نقول هذا. يجب أن نكون على استعداد للتصريح بأن الترفيع، بمعنى من المعاني، منح الابن اختباراً لم يكن من نصيبه من قبل. هذا “الاختبار الجديد” كان التسلط الكوني، لا كالله بحد ذاته، بالطبع، بل كالمسيا الإلهي – البشري وكالوسيط الإلهي – البشري بين الله والناس.

هناك، يسوع وبصفته الله الذي جرى ترفيه هو شفيعنا في حضرة الآب (رومية 8: 34؛ عبرانيين 7: 25؛ 1يوحنا 2: 1)، وهناك عندنا لحمنا في السماء: وكما قال اللاهوتي الاسكوتلاندي “جون رابي دنكن”: “تراب الأرض هو على عرش العظمة في الأعالي”.

وهو من هناك يعمد شعبه ويمدهم بالمواهب الروحية. ونتعلم من مكان آخر (1كورنثوس 15: 24-28) أن هذا السلطان الوسيطي هو سلطة معهود إليه مؤقتاً ثم بعد أن يكون هو وأبوه قد أخضعا أخيراً كل أعدائهما وأعدائنا، عندئذ سيسلم، ليس بنويته[9]، بل سلطانه المعهود إليه بصفته المسيا إلى الله الآب. وهكذا “سيبتلع” سلطانه الوسيطي الخاص في السلطة الكونية والأبدية لله المثلث الأقانيم.

باختصار، عنى الصعود بالنسبة إلى الابن، بصفه المسيا الإلهي – البشري، حصوله على امتيازات التنصيب المسياني على صعيد كوني، والحقوق التي كانت من نصيبه قبلاً كحق طبيعي له كالله الابن، لكنه “فاز” بها أو أعطيت له كمكافأة على تتميمه الموجبات المرتبطة بحالة الاتضاع والتي تدخل في صلب التنصيب المسياني.

كان هذا المسيح المقام والممجد، وبالتحديد بالعبارات التي تصف ربوبتيه المجيدة، الذي كان قد احتل مكانة مركزية على صعيد كل كرازة رسولية مبكرة. كان الرسل حريصين على استخراج للناس ما لربوبية المسيح الفريدة من انعكاسات على العالم. لم يوجد في كرازتهم أي شيء من الضجة الحديثة المنادية بالتعددية. فبالنسبة إليهم كان هناك حصرية وبُعد نهائي بشأن الإعلان الإلهي للناس في يسوع المسيح (متى 21: 37؛ مرقص 12: 6؛ عبرانيين 1: 1).

ففي نظرهم، وفي ضوء هوية المسيح، والعمل الذي أكمله، والمكانة التي يحتلها الآن، والألقاب التي يحملها، “ليس بأحد غيره الخلاص. لأن ليس اسم آخر تحت السماء، قد أعطي بين الناس، به ينبغي أن نخلص” (أعمال 4: 12). وبالنسبة إليهم، وكما قال يسوع، هو وحده الطريق، والحق، والحياة (يوحنا 14: 6). وهو أيضاً الوسيط الوحيد بين الله والناس (1تيموثاوس 2: 5). كما أنه هو بصفته الرب، سيدين الأحياء والأموات عند ظهوره (أعمال 10: 42؛ 17: 31؛ رومية 14: 9؛ 2تيموثاوس 4: 1).

إنه بتقديمه نفسه مرة واحدة ذبيحة لإرضاء العدل الإلهي، هو المقبول وحده أمام الله الآب، الممثل “الشرعي” للاهوت، ضمن “العملية العظمى” للفداء وإبطال الخطيئة (عبرانيين 9: 24-26). وهو من شفاعته كرئيس كهنة وحده تحظى برضى الآب (رومية 8: 34؛ عبرانيين 7: 24، 25؛ 1يوحنا 2: 1). فلا عجب إذاً في ضوء ادعاءات الرسل من نحوه المحصورة به وحده، أن تكون بركة الله وقوته قد حلت على الجهود التبشيرية التي كانوا قد بذلوها.

[1] تدون النهاية الطويلة لمرقص (16: 9-20) أن يسوع “ارتفع [انيلمفثي] إلى السماء، وجلس عن يمين الله”. هذه الفقرة مشكوك في صحة نصها، لكنها تعكس تقليداً يتلاءم مع تقرير لوقا. يبدو في الواقع أنها مبنية، بشكل رئيس، على شهادة لوقا.

 

[2] Rudolf Bultmann, Theology of the New Testament, translated by Kendrick Grobel (London: SCM, 1971), 1, 45.

[3] Donald Guthrie, New Testament Theology (Leicester: Inter-Varsity, 1981), 305. See also Gordon H. Clark, “Bultmann’s Three-Storied Universe”, A Christianity Today Reader, ed. Frank E. Gabelein (New York: Meredith, 1966), 173-76.

[4] B. F. Westcott, The Revelation of the Risen Lord (London: Macmillan, 1898), 180.

[5] Gerritt C. Berdouwer, The  Work of Christ, 206, 234.

[6] Berdouwer, The Work of Christ, 208.

[7] من شأن اللاهوتي المتمرس ملاحظة من تصريحي هنا أني أتبع التقليد المصلح وليس التقليد اللوثري. فهذا التقليد الأخير يعتقد انطلاقاً من عقيدته الخاصة حول كومينيكاشيو إيدبوماتم (طريقة تفاعل الطبيعتين في شخص يسوع) أن المسيح وبفضل الاتحاد بين الطبيعتين في شخص المسيح الواحد، هو موجود مادياً في كل مكان، وبالتالي له حضوره المادي “في، ومع، وتحت” عناصر العشاء الرباني.

[8] Warfield, The Lord of Glory (Reprint, Grand Rapids: Baker, 1974 reprint), 225.

[9]  Herman Ridderbos, Paul: An Outline of His Theology, translated by John Richard DeWitt (Grand Rapids: Eerdmans, 1975).

يلحظ أنه لدى ذكر عمل الفداء الذي أكمله المسيح بكلمات 1كورنثوس 15: 28 (ومتى أخضع له الكل، فحينئذ الابن نفسه أيضاً سيخضع للذي أخضع له الكل، كي يكون الله الكل في الكل)، فهذا لا يعني نهاية البنوية، لكن حري بأحدنا أن يتناول “الوجود اللاحق” للابن المقصود هنا، وذلك في ضوء ما هو مذكور عنه بكل وضوح في أماكن أخر عن وجوده السابق” (69).

صعود يسوع إلى السماء – الإيمان وموجباته المنطقية

دليل يقدمه أخو المتهم – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

دليل يقدمه أخو المتهم – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

دليل يقدمه أخو المتهم – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

دليل يقدمه أخو المتهم – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

لست أجد في هذه القصة كلها، مع استثناء شيء واحد سأعود إليه فيما بعد، أمراً يترك في نفس من الأثر العميق، ما يتركه الدور الذي قام به الشخص الذي أطلقت عليه الكنيسة الأولى لقب يعقوب “أخي الرب”.

ولا تستند معرفتنا هذا الإنسان على مصادر الدين المسيحي وحسب، فإن يوسيفوس المؤرخ اليهودي، وهو كاتب ناقم على هذه الحركة أشدّ نقمة، يذكره كما يذكر بيلاطس وغيره من الشخصيات البارزة في العصر المسيحي الأول. كذلك يذكره “هجسبوس” أو تاريخ الكنيسة، في بعض الشذرات التي احتفظ بها يوسابيوس.

ومن الملائم أن نتتبع هذه الذكرى بحسب تسلسلها الرجعي، فنبدأ بالعبارة المأثورة التي يصف فيها يوسيفوس موت الرسول يعقوب:

قال يوسيفوس: “… كان قد مات فستوس، وكان ألبينوس في طريقه ليتقلد منصب الولاية في اليهودية، فاستدعى حنان رئيس الكهنة أعضاء مجلس السنهدريم، وأحضر أمامهم أخا يسوع الذي كان يُدعى المسيح، واسمه يعقوب” وآخرين غيره. وبعد أن أقام ضدهم تهمة الاعتداء على الشريعة، أسلمهم ليُرجموا”.

وكان هذا في سنة 62 ب.م. أي في الزمن الذي كانت تتهيأ فيه الظروف وتتراكم الحوادث سراعاً للتعجيل بتلك الثورة اليهودية المريعة التي حملت تيطس الروماني على محاصرة أورشليم بجيوشه، ذلك الحصار الأسود الذي لم يرْو التاريخ مثيلاً له في شناعته وقسوته. والعبارة المأثورة عن يوسيفوس، على إيجازها، تذكر لنا شيئين: الأول أن يعقوب كان معروفاً “بأخي يسوع” والثاني أنه ختم حياته بالاستشهاد في سبيل القضية الكبرى.

وإذا نعود إلى الوراء في سيرة حياة ذلك الإنسان، نلتقي به مرة ثانية حوالي سنة 57 ب.م. وكان الرسول بولس يزور أورشليم للمرة الأخيرة. وكان قد أبحر مع لوقا وآخرين غيره من تراوس إلى قيصرية، حيث انضم إليهم مناسون من قبرص، ورحلوا معاً إلى العاصمة أورشليم. ويروي لوقا القصة بإسهاب في الفصل الحادي والعشرين من سفر الإعمال لأنه كان من شهود العيان، ويتكلم في سرد القصة بصيغة الجمع المتكلم. وفي بيانه التاريخي نجد هذه العبارة:

“وَلَمَّا وَصَلْنَا إِلَى أُورُشَلِيمَ قَبِلَنَا الإِخْوَةُ بِفَرَحٍ. وَفِي الْغَدِ دَخَلَ بُولُسُ مَعَنَا إِلَى يَعْقُوبَ، وَحَضَرَ جَمِيعُ الْمَشَايخِ. فَبَعْدَ مَا سَلَّمَ عَلَيْهِمْ طَفِقَ يُحَدِّثُهُمْ شَيْئًا فَشَيْئًا بِكُلِّ مَا فَعَلَهُ اللهُ بَيْنَ الأُمَمِ بِوَاسِطَةِ خِدْمَتِهِ.” (أعمال 21: 17-19).

والعبارة “دخل …. إلى يعقوب وحضر جميع المشايخ” تؤيد ما نعرفه من مصادر أخرى من أن يعقوب كان في تلك الفترة الزعيم المقدام للحركة المسيحية في أورشليم. وكان قد ارتفع شأنه حتى صار رئيساً للكنيسة “الأم” المقيمة في عاصمة اليهودية، فكانت له بطبيعة الحال سلطة واسعة ورأي مسموع، حتى أن بولس “دخل” إليه كممثل للمسيحية في مهدها ليحدثه عن نتائج بعثته بين الأمم.

وهذا الاستنتاج تؤيده وتعضده تفصيلات جديدة، حين نعود إلى الوراء مرحلة أخرى، إلى سنة 50 ب.م. وهنا تبدو لنا صورة يعقوب في مظهر أجلى. وكان ذلك عند انعقاد مؤتمر أورشليم الشهير، الذي أُستدعي وقتها ليقرر خطة العمل ورسم السياسة التي ينبغي على الحركة الفتيّة أن تنتهجها. وكانت الحملة بين الأمم التي قام بها بولس وغيره مبعوثين من إدارتها العامة في أنطاكية سوريا – قد أخذت تخطو وسيع الخطى في جدّ وحماسة.

ولكن الطقوس اليهودية التي فرضتها الشريعة الموسوية، لا سيما طقس الختان، كان عائقاً خطيراً أمام كثيرين من المنتصرين الغرباء عن اليهودية.

ولإزالة هذا العائق، أُرسل وفد على رأسه بولس وبرنابا من جماعة أنطاكية إلى أورشليم. وقد أُستقبل استقبالاً كريماً حاراً. وبعد أن تكلم بطرس معضداً وجهة نظر الوافدين، نسمع يعقوب رئيس المؤتمر يلقي كلمة الرئاسة الفاصلة بهذه الألفاظ.

“أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، اسْمَعُونِي. سِمْعَانُ قَدْ أَخْبَرَ كَيْفَ افْتَقَدَ اللهُ أَوَّلاً الأُمَمَ لِيَأْخُذَ مِنْهُمْ شَعْبًا عَلَى اسْمِهِ. وَهذَا تُوافِقُهُ أَقْوَالُ الأَنْبِيَاءِ، …. لِذلِكَ أَنَا أَرَى أَنْ لاَ يُثَقَّلَ عَلَى الرَّاجِعِينَ إِلَى اللهِ مِنَ الأُمَمِ، بَلْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ أَنْ يَمْتَنِعُوا عَنْ نَجَاسَاتِ الأَصْنَامِ، وَالزِّنَا، وَالْمَخْنُوقِ، وَالدَّمِ. لأَنَّ مُوسَى مُنْذُ أَجْيَال قَدِيمَةٍ، لَهُ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ مَنْ يَكْرِزُ بِهِ، إِذْ يُقْرَأُ فِي الْمَجَامِعِ كُلَّ سَبْتٍ». حِينَئِذٍ رَأَى الرُّسُلُ وَالْمَشَايِخُ مَعَ كُلِّ الْكَنِيسَةِ أَنْ يَخْتَارُوا رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ، فَيُرْسِلُوهُمَا إِلَى أَنْطَاكِيَةَ مَعَ بُولُسَ وَبَرْنَابَا” (أعمال 15: 13-15، 19-22).

ولا بد لنا الآن أن نرجع إلى الوراء مرحلة أخرى، إلى سنة 44 ب.م. لنقرأ بياناً أخّاذاً آخر عن يعقوب، بمناسبة سجن بطرس للمرة الثانية، وكانت الجماعة الفتّية تعاني يومئذٍ فترة من الضيق والخطر، وكان بطرس متكلم الجماعة وزعيمها أشد أفرادها تعرّضاً للمخاطر، فأودع السجن للمرة الثانية. ولكنه تمكن من الهرب بوسيلة معجزية خارقة للطبيعة، وانفكت قيود السجن في منتصف الليل، وخشية أن يعرّض نفسه أو أصدقاءه للخطر إذا افتضح أمره، اتجه صوب دار يوحنا مرقص متخفياً تحت جنح الدجى.

وحينما طرق بطرس على الباب ارتاع سكان الدار، ولم يجسروا على إجابة النداء، حتى ميّزت الجارية الصغيرة المدعوة “رودا” صوت بطرس. وهذه قصة يألفها قراء سفر الأعمال، إنما الذي يعنينا فيها الآن الرسالة التي عهد بها بطرس إلى أصدقائه قبل أن يختفي في ظلام الليل إلى موضع آخر، قال:

” أَخْبِرُوا يَعْقُوبَ وَالإِخْوَةَ بِهذَا” (أعمال 12: 17).

وواضح أن يعقوب كان في غيبة بطرس مقدام الجماعة وزعيمها المختار.

وثمة عبارة أخرى قبل هذه كلها، وردت عن يعقوب في وثيقة مستقلة كتبها بولس من أنطاكية. وقد وقعت الحادثة التي تشير إليها العبارة حوالي سنة 36 ب.م.

“ثُمَّ بَعْدَ ثَلاَثِ سِنِينَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ لأَتَعَرَّفَ بِبُطْرُسَ، فَمَكَثْتُ عِنْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَلكِنَّنِي لَمْ أَرَ غَيْرَهُ مِنَ الرُّسُلِ إِلاَّ يَعْقُوبَ أَخَا الرَّبِّ” ( غلاطية 1: 18، 19).

فكان يعقوب هذا شخصية بارزة في الجماعة المسيحية الأولى من تاريخ مبكّر، في سنة 36 ب.م. يشاطر بطرس ويوحنا زعامة هذه الطائفة الجديدة.

فكيف انخرط ذلك الإنسان – الذي اشتهر ببروده بل بعدائه نحو أخيه في خلال حياته على الأرض، كما نستدلّ من الأسفار الأولى، والذي ساقته عواطفه وماضيه إلى الميل نحو وُجهة نظر الكهنة – في سلك الفئة القليلة المختارة وصار من مشيريها وقادتها؟ وأنا أوجّه هذا السؤال، لا بقصد التغلّب على مُناظرٍ، بل لأن الحقيقة في ذاتها تحمل على الدهش الكثير. الذي كنّا ننتظره أن نجد يعقوب في أية طائفة أخرى ماعدا طائفة الناصريين.

ونحن نفهم أن لوقا وكتّاب البشائر المتأخرين قد حاولوا، بعد أن رأوا أمانة يعقوب وإخلاصه، أن يخففوا ما استطاعوا من وطأة القصص الكثيرة الدائرة على الألسن عن العداء الذي أبداه إخوة يسوع في بادئ الأمر نحو أخيهم، وذلك لأن الصديق لا ينبش الماضي القديم، ولا يحاول إيذاء جروح قد اندملت. ولكن بشارة مرقص وهي أقدم بشائر الإنجيل لا تدع مجالاً للشك في وجود ذلك العداء، وقد أُثر عن المسيح نفسه أقوال أثارها الخلاف بينه وبين إخوته.

وشهادة مرقص في هذه المسألة واضحة وصريحة. والظاهر أن يوسف النجار كان قد مات حين خرج يسوع من عزلته وبدأ خدمته العامة جهرة. فإننا لا نسمع عنه شيئاً. ولكن الذين نراهم في حوادث السّيرة هم أمه واخوته.

ولو كان ثمة شعاع من دليل على وجود روابط العطف بين المسيح العبقري المجدّد وبين أولئك الإخوة، أو حتى تلميح إلى روح عبادة البطولة التي تختلج في نفوس أفراد الأسرة عادة نحو أحدهم ممن تهيأ له الأقدار مواهب النبوغ والرفعة فوق مستوى مواطنيه. أقول لو كان شيء من هذا، لقدرنا أن نعلل بعض التعليل الحوادث التي توالت في السنين المتأخرة.

ليس لهذا من أخر في القصة التي نحن بسبيلها، بل إن ما لدينا من الأدلة يناقض هذا التمنّي. وفي الفصل الثالث من بشارة مرقص عبارتان، لابد أن نأخذهما مأخذاً واحداً إذا أردنا فهم مغزاهما، لأنهما جزء من قصة واحدة.

1 – “…. ثُمَّ أَتَوْا إِلَى بَيْتٍ. فَاجْتَمَعَ أَيْضًا جَمْعٌ حَتَّى لَمْ يَقْدِرُوا وَلاَ عَلَى أَكْلِ خُبْزٍ. وَلَمَّا سَمِعَ أَقْرِبَاؤُهُ خَرَجُوا لِيُمْسِكُوهُ، لأَنَّهُمْ قَالُوا: «إِنَّهُ مُخْتَل!»” (مرقص 3: 19-21)

2 – “َجَاءَتْ حِينَئِذٍ إِخْوَتُـهُ وَأُمُّـهُ وَوَقَفُوا خَارِجًـا وَأَرْسَــلُوا إِلَيْهِ يَـدْعُونَـهُ. وَكَانَ الْجَمْـعُ جَالِسًـا حَوْلَهُ، فَقَالُوا لَهُ: «هُوَ ذَا أُمُّكَ وَإِخْوَتُكَ خَارِجًا يَطْلُبُونَكَ». فَأَجَابَهُمْ قِائِلاً: «مَنْ أُمِّي وَإِخْوَتِي؟»” (مرقص 3: 31-33).

وظاهر من قراءة العبارة الأولى أن الغرض من مجيء أقربائه إلى البيت الذي كان فيه، أن يختطفوه ظانين أن بعقله خبالاً.

وهذا هو المعنى الذي يقصد إليه مرقص، ويؤيده استنكار يسوع لهذا الاستدعاء بقوله:

“ثُمَّ نَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى الْجَالِسِينَ وَقَالَ: «هَا أُمِّي وَإِخْوَتِي، لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللهِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي».” (مرقص 3: 34-35)

وليست هذه المرة الوحيدة التي سُجل فيها عدم اكتراث أفراد الأسرة بيسوع ووقوفهم حياله موقف الكراهية والنفور. فإن البشير مرقص يدّون بعد ذلك في الفصل السادس حادثة تاريخية في سيرة يسوع. وكان قد اضطر يوماً في إحدى جولاته في الجليل أن يعود إلى الناصرة. فلما جاء يعلّم في مجمع القرية، سخر منه أهله وشنّعوا به:

“وَلَمَّا كَانَ السَّبْتُ، ابْتَدَأَ يُعَلِّمُ فِي الْمَجْمَعِ. وَكَثِيرُونَ إِذْ سَـمِعُوا بُهِتُوا قَائِلِينَ: «مِنْ أَيْنَ لِهذَا هذِهِ؟ وَمَا هذِهِ الْحِكْمَةُ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَهُ حَتَّى تَجْرِيَ عَلَى يَدَيْهِ قُوَّاتٌ مِثْلُ هذِهِ؟ أَلَيـْسَ هذَا هُوَ النَّجَّارَ ابْنَ مَرْيَمَ، وَأَخُو يَعْقُوبَ وَيُوسِي وَيَهُوذَا وَسِمْعَانَ؟ أَوَ لَيْسَـتْ أَخَوَاتُهُ ههُنَا عِنْدَنَا؟» فَكَانُوا يَعْثُرُونَ بِهِ.” (مرقص 6: 2-3)

والجواب الذي نطق به يسوع قد جرى مجرى الأمثال في كل لغات العالم:

“فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «لَيْـسَ نَبِيٌّ بِلاَ كَرَامَةٍ إِلاَّ فِي وَطَنِهِ وَبَيْنَ أَقْرِبَائِهِ وَفِي بَيْتِهِ»” (مرقص 6: 4). والكلمات تحمل على بعض التفكير. فهي لم ترد إلاّ في بشارة مرقص. تُرى لماذا يذهب لوقا إلى أبعد من هذا فيحذف عبارة “وفي بيته” أيضاً؟ وللوقا عادة حجته في تهذيب عبارته وأسلوبه. ولكن أغلب الظن أن يعقوب الوقور المحترم كان على قيد الحياة عند كتابة البشائر المتأخرة، فلم يرَ الكاتبون من اللياقة أن يطعنوه في غير حاجة أن يعيبوا عليه جحوده الأول.

والآن ما الذي يلوح لك من هذا؟ وماذا أنت قائل في موت يسوع الذي جمع بين أفراد مختلفي المشارب والنزعات ليجيزوا معاً طريقاً وعراً ضيقاً يلاقون فيه الاضطهاد، والإذلال، بل الموت الشنيع القاسي؟ ولماذا يأتلف هؤلاء القوم، المتوزعة ميولهم في غير تجانس، بعد وقوع المأساة العظمى، ويقتنعون اقتناعاً راسخاً أن يسوع قد قام من القبر؟

وإنه لم الميسور أن نصطنع الأسباب التي تعلل وقوع رجل او امرأة في حالات فريدة تحت تأثير هذا التضليل الغريب. ولكن الحالة التي نحن بصددها تختلف كل الاختلاف. فإن وراء اهتداء هؤلاء الكثيرين ممن تباينت عقولهم وتنازعت أفكارهم، شعوراً دفيناً جاثماً في قرارة النفوس – حقيقة صامتة قوية لا سبيل إلى منازلتها أو الشك فيها. وقد أدليتُ بشهادة هذا الرجل يعقوب، لا لأنه يحتل مكانة ممتازة في القصة، ولا لأن شهادته ضرورية في القضية، بل لأنه لم يُذكر عنه شيء في الرواية كلها، ولم يُعرف شيء عن موقفه.

وكان بعيداً عن دائرة الرسل وأصدقائهم. ولم كان للخداع أو التضليل سبيل إلى نفسه، لما انخدع في أمر واحد من أفراد أسرته يعرفه حق المعرفة، ويعلم ما وضح منه وما خفي. فموقفه إذاً، موقف شاهد محايد بعيد عن التحزب والغرض، وقد كان من ذوي قرابة المسيح ومن اللاصقين به، فلو أن الكهنة استطاعوا استمالته واكتسابه إلى جانبهم، لكان فوزهم كبيراً، ولكنهم فشلوا في هذا وقتلوه في النهاية.

ويقال أن المسيحيين نقشوا على قبره هذه الكلمات: “كان شاهداً أميناً صادقاً لليهود واليونان على أن يسوع هو المسيح”. وبعد أن عرفنا من هو يعقوب هذا، نعتقد أن شهادته فريدة من نوعها. ولو لم تفقد شهادته الفريدة بعض قوتها أمام شهادة رجل آخر كان أشدّ منه عداءً للمسيح وصحابته، وهو شاول الطرسوسي، لقلنا إن شهادة يعقوب فذّة منقطعة النظير.

فصول كتاب من دحرج الحجر

دليل يقدمه أخو المتهم – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

دليل يقدمه كبير الصيادين – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

دليل يقدمه كبير الصيادين – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

دليل يقدمه كبير الصيادين – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

دليل يقدمه كبير الصيادين – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

 

ثلاثة من بين تلاميذ المسيح كانت أدلتهم حاسمة فاصلة. أولهم بطرس الصياد الذي قاد الهجوم على أورشليم، والذي ظلّ سنوات زعيماً للحركة لا يُبارى. وثانيهم يعقوب العادل أخو المتهم الذي ارتضى لأسباب غير معلومة أن يقرن مصيره بمصير المسيحيين، بعد أن ظلّ في عزلته طويلاً قبل حادثة القبض، وختم حياته أخيراً بدمه في سبيل القضية التي انتصر لها. وثالثهم شاول الطرسوسي الذي ناضل وجالد، تسانده السلطة وتعضده في سبيل القضاء على هذه الحركة الجديدة، فما لبث حتى وقع في شَرَكِها وكان لها بين أنصارها مقداماً وزعيماً.

هؤلاء الثلاثة وقعوا تحت سحر المؤثرات الخفية التي أعقبت الصلب، وكلهم ختم جهاده بدمه، وقضى في سبيل الدين الجديد على النحو القاسي الفظيع الذي اتّسم به ذلك العصر – يعقوب في أورشليم ذاتها، بطرس وشاول في روما. وإذا عرفنا ما آمن وعلّم به أولئك الشهود البارزون في العصر الأول للمسيحية، استطعنا أن نجلو الكثير من النقط المبهمة في هذه القضية. فلنبدأ ببطرس أولاً:

حين يُرفع الستار، ويُكشف عن صحابة يسوع في أورشليم، نشهد في مقام الزعامة والسلطان الرجل الذي كنّا ننتظر أن نراه على تلك الحال لأسباب وعوامل نفسية. فهو ليس يوحنا التلميذ المحبوب الودود الذي كان موضع ثقة يسوع وحبّه، ولا متى الغيور. إنما هو رجل كان في الأصل صياداً يدعى سمعان، أُطلق عليه فيما بعد بطرس.

ومن محاسن الصدف أننا نعرف من سيرة هذا الصياد الخشن الأولى أكثر مما نعرف عن أي فرد آخر من الصحابة. وكثير من الحوادث التي رُويت عنه من النوع الذي لا يرويه ولا يصطنعه المداهنون المتملّقون. ولكنها حوادث رُويت عنه، على ما فيها من إحراج له، لوجه الحق الخالص والصدق في الرواية.

خذ مثلاً اللوم العنيف الذي قيل إن يسوع خاطب به بطرس وهم يطوفون في أنحاء قيصرية فيلبي: “اذهب عني يا شيطان…. لأنك لا تهتم بما لله”. وما أحسب هذه القول عن نوع الذكرى الكريمة التي تشرف إنساناً، لا سيما في وثيقة شبه رسمية، تُقرأ أحداً بعد آخر في عدد كبير من كنائس المسيحية. وليس هناك إلا تعليلاً واحد منطقي مفهوم لإثبات هذه الواقعة في السفر المقدس، ألا وهو الحرص على تدوين حقيقة تاريخية بين الاختبارات الغريبة التي جازها التلاميذ في خدمتهم.

أو خذ مثلاً القصة الأخرى التي تبّزها في الغرابة، والتي ذاعت مدى أجيال التاريخ – وأعني بها إنكار بطرس ليسوع في الفناء الخارجي لدار رئيس الكهنة ليلة المحاكمة. وما أشك أن هذه القصة من بقايا الذكريات التاريخية التي حفلت بها تلك الأيام البعيدة. تُرى ما التعليل الذي نستند إليه في إثبات هذه القصة المشينة في وثيقة مسيحية تحمل اسم شخص كان لبطرس صديقاً وترجماناً، إلا تحرّي الصدق في القول والإخلاص في تدوين الحقائق، عارية دون صنعة أو تزويق.

وإذا كنا بحاجة إلى التدليل على مبلغ ما وصلت إليه الكنيسة من الأمانة والصدق في إثبات الوقائع، فها هو ذا الدليل المقنع في أرقى أوضاعه وأسماها. وإذا سلّمنا بصحة هذه الوقائع على انها صورة من حياة بطرس، لا بد أن نسلم أيضاً بوقائع الإنجيل التي تصور الرجل بالصدق والحق في مواقفه الأخرى. وأن رواية الإنجيل ترسمه لنا شخصاً محبوباً ودوداً، في ظاهره خشونة، وفي داخله يلتهب بالحماس والولاء، سريعاً في الغضب ولكنه سريع أيضاً في الاعتراف بالخطأ وإدراك الحق. ومن المزايا المحببة في هذا الطراز من الناس قابليتهم إلى التفاهم بالعقل والمنطق بعد أن تخمد ثورة العاطفة وتهدأ الأعصاب المندفعة.

فضلاً عن ذلك فقد كانت مهنته صيد الأسماك، فاتّسم بما يتّيم به قرويو الجليل من سذاجة ودعة. وأنت لا تجد في الإنجيل الكريم أثراً يدل على شيء من المكر أو الدهاء أو النبوغ العقلي. وأغلب الظن أن الإشكالات الجدلية المنطقية التي كان يثيرها يسوع أحياناً لصدّ هجمات الفريسيين كانت أقل وضوحاً عند بطرس مما كانت عند الآخرين من الصحابة. ويُخيّل إليّ أنه تولّى زعامة أصحابه وصار كليمهم فيما بعد، بسبب تقدّمه في السن عليهم جميعاً، وبالأكثر بسبب ما له من قّدْر كريم صاف.

فقد كان صريحاً إلى منتهى حدود الصراحة، غيوراً إلى أبعد حدود الغيرة، لا يعرف الرياء ولا المداهنة ولا المصانعة. فكان هو الرجل الذي اصطفته الصحابة لإذاعة النبأ الصارخ في أورشليم بأن يسوع قام من القبر. وقد أذاع النبأ بعد أسابيع قلائل من الصلب، وبأسلوب من الكلام حاسم قوي يستوقف أنظار الباحثين.

ومما رواه لوقا في وثيقته التاريخية، لا نجد غموضاً البتة في فحوى النداء الذي أذاعه بطرس. فقد كان أسلوبه، يوم وقف يلقي تصريحه التاريخي في حشد كبير يوم الخمسين، صافياً رائقاً لا تصنُّع فيه ولا تكلف. وتمتاز عبارات خطابه وأسلوب كلامه بذلك الطابع الذي اختصّت به الأساليب الكلامية المسيحية الأولى، قبل أن يجلس المؤرخ ويتوخى تخيّر الألفاظ والعبارات فيما يريد أن يسجّله. والألفاظ الأصلية التي جرت على لسانه خليقة بالبحث والدرس:

“أينها الرجال اليهود، والساكنون في أورشليم أجمعون: ليكن هذا معلوماً عندكم وأصغوا إلى كلامي، لأن هؤلاء ليسوا سكارى كما أنتم تظنون، لأنها الساعة الثالثة من النهار…. أيها الرجال الإسرائيليون اسمعوا هذه الأقوال: يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قِبَل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم أيضاً تعلمون. هذا أخذتموه مسلّماً بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق وبأيدي أثمة صلبتموه وقتلتموه.

الذي أقامه الله وناقضاً أوجاع الموت، إذ لم يكن ممكناً أن يُمسك منه…. فيسوع هذا أقامه الله ونحن جميعاً شهود لذلك.

وأسلوب الكلام في هذا الخطاب يدلّ على أنه خطاب أصيل قديم في تاريخ المسيحية لبساطته وصراحته، ويُشيع في نفوس سامعيه الجّو الذي ننتظره بداهة في زمن لا يبعد عن حادثة الصلب بأكثر من ستة أو ثمانية أسابيع.

“يسوع هذا أقامه الله، ونحن جميعاً شهود لذلك”.

عبارة صريحة مباشرة تشير إلى حادثة وقعت مؤخراً، لا حادثة في التاريخ الماضي البعيد. فضلاً عن ذلك فقد تكررت ثلاث مرات بأسلوب وألفاظ تكاد تكون متماثلة في الأسفار الأولى من سفر الأعمال.

من ثمّ نرى شهادة سفر الأعمال، التي كُتبت بعد الحادثة بسنوات ليست كثيرة، صريحة في أن الصياد بطرس الذي كان يومئذٍ بطل هذه الحركة، قد أعلن في الناس قيامة يسوع من الموت بالمعنى الجسماني الكامل. وقد ناصره في هذا الإعلان الجماعة كلها التي كانت له ظهيراً.

على أن هذه الوثيقة القديمة تحمل في تضاعيفها دليلاً مقنعاً غير ما نطق به بطرس، وهو دليل مستمد مما لم يقله حسب رواية لوقا.

ولعله ماثل في أذهاننا أن نظرية الدكتور “ليك” التي عالجناها في فصل سابق، تفترض أن النسوة اللائي مضين إلى القبر في فجر يوم الأحد لم يُذِعْنَ ما كشفْنَهُ مباشرة، لأن التلاميذ في زعمه إما اختفوا في مخابئ عن أعين الناس وإما فرّوا هرباً إلى الجليل. ومما قيل حول هذه النظرية إن النسوة مكثنَ في أورشليم بينما كان بقية التلاميذ يعانون اختبارهم الغريب في الجليل، وإن قصة النسوة لم تُذع إلا بعد بضعة أسابيع حينما عاد التلاميذ جماعة إلى أورشليم.

وأخال الكل مجمعين على أنه حتى إذا سلّمنا بأن النسوة كممنَ أفواههنّ نظراً لغياب التلاميذ أو هربهم، فإن هذا الصمت لابد ينقطع حالاً بعد لقاء الفريقين. وأنه ليصعب علينا أن نتصور بطرس والصحابة الآخرين يعودون إلى أورشليم واثقين أنهم رأوا يسوع بعد قيامته، دون أن يخرج النسوة عن صمتهن ويروينَ قصة مغامرتهن عند القبر. فالاختباران يكمّل أحدهما الآخر. بل أن شهادة النسوة، وقد زفّت إليهم في هذه الحالة واقعة جديدة غير معروفة لهم، تؤيد الحقيقة التي اختبروها وهم في الجليل.

وهي لا تقّوي فقط يقينهم، بل تمدّهم بالأساليب لإقناع الآخرين واستمالتهم إليهم. وكنا ننتظر طبعاً أن يشير بطرس في خطابه الذي ألقاه من فوق درجات السلم إلى هذه الحقيقة الجديدة تأييداً لبيانه الذي أدهش به الناس. ولا ريب أنه كان يذيع إعلاناً يكاد يكون بعيد التصديق لقوم لا يأخذون الأشياء أخذاً هيناً، وكان راغباً كل الرغبة في أن يستميل الناس إلى عقيدته.

ومن المرجح أن النسوة، حسب رواية لوقا، كنّ واقفات مع الفئة القليلة التي التفّت حول بطرس وهو يلقي خطابه، ومع ذلك فإننا لا نجد كلمة واحدة، لا عن النسوة ولا عن مغامرتهن في صباح يوم الأحد. وهذا الإغفال الغريب ملحوظ أيضاً في خطابين آخرين ألقاهما بعد ذلك ودّونهما كاتب سفر الأعمال بإسهاب.

وإنه لمن الميسور، في الظاهر على الأقل، أن نعلل هذه الحقيقة بقولنا إن بطرس لم يكن يعلم بزيارة النسوة إلى القبر. فإن صحّ هذا، كان من المؤكد أن النسوة لم يزرن القبر إطلاقاً. وإذا كانت مريم زوجة كلوبا وسالومة ويونّا لم ينقلن إلى أصدقائهن والأقربين إليهن نبأ ذلك الحادث الغريب المدهش بمجرد وصول أقربائهن من الجليل، فذلك لأنه لا شيء لديهنّ يستحق الإنباء، وتكون تلك القصة المثيرة من أولها إلى آخرها مصطنعة من مبتكرات العصور المتأخرة.

على أننا نستطيع أن ننقّب في سفر الأعمال تنقيباً دقيقاً، فلا نجد أثراً أو همساً لقصة النسوة عند القبر، ولا يثور حولها شيء من الجدل والحوار حتى في الرسائل الأولى المتقدمة. وبعد اللحظة التي ظهر فيها أولئك النسوة على صفحات التاريخ، اختفى ذكرهن اختفاء القبر الفارغ نفسه، وأُسدل عليهن ستار كثيف من النسيان، ولم يبق إلا الذكرى الخالدة لمغامرتهن الجريئة تحفل بها الوثائق التاريخية والمدونات المكتوبة التي ادخرتها الكنيسة مدى الأجيال.

فكيف نعلل هذا الصمت الغريب، يمتد من يوم الإذاعة العلنية في يوم الخمسين إلى عصر كتابة الرسائل الأولى؟ لا نجد له إلا تعليلاً واحداً ينسجم مع المظاهر المختلفة في هذا الموقف الغريب، وهو أن قصة الإنجيل صادقة لا كذب فيها، وأن ذلك السرّ العظيم الذي ترتبت عليه أكبر النتائج لم يبق دفيناً في صدر ثلاثٍ أو أربعٍ من النساء طيلة سبعة أسابيع، بل أذعنَه خبراً مباحاً، وعلم به الدانون والأبعدون، بحيث لم تبق حاجة لتكراره في أقوال التلاميذ اللاحقة.

ومما لا شك فيه أن قصة ذهاب النسوة إلى القبر شاعت في أورشليم قبيل حلول الليل يوم أحد القيامة، لا في الأوساط والمقامات العالية فقط، بل في أرجاء المدينة كلها. ونقرأ في قصة الإنجيل عن اثنين كانا سائرين إلى قرية بعيدة في مساء اليوم نفسه – أي الأحد – يتطارحان الحديث فقالا: “بعض النساء منّا حيرننا إذ كنَّ باكراً عند القبر”.

وأكاد أجزم أن القصة غدت ملكاً مشاعاً تتناقلها الألسن بعد أربع وعشرين ساعة من زيارة النسوة للقبر. وهنا نشطت الأقاويل لتفنيدها، والتهم لتكذيبها، وبرزت في وسط هذا الشجار، التهمة الدنيئة التي ادّعى فيها مرّوجوها أن التلاميذ سرقوا الجسد.

وحين نسلّم بهذا، نفهم لماذا لم يرَ الصحابة حاجة إلى ذكر شهادة النسوة بعد سبعة أسابيع، يوم أذاع للناس حقيقة القيامة جهارً وارتفع بها إلى مستوى رفيع، جاعلاً إياها قضية يثور حولها الجدل السياسي والقومي.

من ثمّ يبدو لنا واضحاً الآن علّة هذا الصمت الغريب. فحقيقة قيامة الجسد التي يؤيدها النساء، لم تعد بحاجة إلى دليل يسندها أو حجة تعضدها، لأنها اشتهرت وذاع أمرها بين الناس. فإذا افترضنا مثلاً – لا قدّر الله – أن قلعة القاهرة احترقت الليلة، فإن القول بان الحارس المكلف كان أول من اكتشف شبوب النار، يثير اهتماماً كبيراً وترويه البلاغات الصادرة عن الحادث. ولكن ليس من المعقول أن يُدعى الحارس بعد شهرين من تاريخ الحادث ليثبت أن ذلك البناء التاريخي العظيم قد تهدّم وأكلته النيران.

ولو أن أحد المؤرخين في المستقبل وجد وهو يقلّب مجلدات جريدة “الأهرام” القاهرية بعد سنوات، أن أحد رجال التحقيق أثبت بعد مرور سبعة أسابيع على وقوع الحادث شهادة حارس القلعة كدليل على وقوع الكارثة، فإن هذا يولد كثيراً من الشك في نفس المؤرخ، ويحمله على التردد في التسليم بصحة الحادث من الوجهة التاريخية.

فسواء أخذنا بالأقوال المدّونة في سفر الأعمال، أو بما أغفل بطرس من أقوال في خطابه المأثور، نجد في شهادة الصياد بطرس على خلو القبر من الجسد، دليلاً لا قبل لنا على دحضه. وبقي علينا من ذلك أن نسأل شاهداً آخر مستقلاً في الرأي، فإن وراء هذه الأقوال كلها شهادة دامغة خطيرة يزجيها البشير مرقص.

وأنا على اتفاق تام مع الدكتور “ليك” في كل ما قاله في الفصل المنسّق تنسيقاً بديعاً عن صدق شهادة البشير مرقص، وما امتازت به وقائع مرسلة على طبيعتها لا صنعة فيها. ويحسب الباحثون أن هذه الوثيقة لا مثيل لها في التاريخ، فهي كصخرة ثابتة في وسط الغمر العجاج، تتكسر عليها الأمواج قبل أن تبلغ الخط الذي يطلع فيه الباحثون على المؤلفات المسيحية الممتازة. وهي تلقي ظلالها على كل هذه المؤلفات الساحلية جميعها، بل أنها تقسم المياه نفسها التي تتدافع نحو هذه المؤلفات.

ولقد أجمعت تقاليد الكنيسة منذ فجر المسيحية على أن ثمة علاقة وثيقة بين تعليم بطرس وبين الوثيقة القديمة، ولا ينازع في هذا إلاّ الأقلّون. وأنك لتتبين فيها صراحة بطرس وقولته المباشرة التي لا التواء فيها، ينقصها ذلك الصقل الناعم الذي تخلعه البراعة المثقفة اللبقة على كتب الأدب الراقية. فما هي إلا أقوال شاهد عيان مقتضبة في عباراتها، وسجل لذكريات وأقوال لا يتصل بعضها ببعض.

ولقد قال يسوع نفسه مرة: “فتّشوا الكتب لأنها تشهد لي”. وهكذا يحقّ لذلك الصياد الأشعث أن يقوم من لحده ويقول: “فتشوا بشارة مرقص، لأن فيها خلاصة تعليمي”.

وإن كان هذا هو الواقع، فلا مجال للشك فيما قال بطرس وما علّم به، لأن في قلب هذه الوثيقة التاريخية القديمة، عبارة أخاذة عجيبة، صافية صفاء الليلة المقمرة وقد اكتمل بدرها، ولكنها مختصرة باردة لا تنميق فيها ولا حذلقة:

“وَبَعْدَمَا مَضَى السَّبْتُ، اشْتَرَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَسَالُومَةُ، حَنُوطًا لِيَأْتِينَ وَيَدْهَنَّهُ. وَبَاكِرًا جِدًّا فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ إِذْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ.” (مرقص 16: 1، 2).

فصول كتاب من دحرج الحجر

دليل يقدمه كبير الصيادين – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

Exit mobile version