مثل صديق مرافق للحياة نجد داود النبى يغوص في كل مناحى الحياة ويتوجه بشكل لائق إلى كل القامات الروحية. لأنه قريب من كل فئة ترغب في النمو والتقدم .
ويتعامل برفق مع كل من هم في سن الطفولة، هكذا كما يريد الله، يجاهد مع الرجال ، ويربى الأحداث ، ويسند الشيوخ. صار (بواسطة مزاميره) للجميع كل شئ. صار سلاحً للمحاربين ومدربًا للمجاهدين وتاجًا للمنتصرين وفرح للمائدة وعزاءً في الأحزان . لا يوجد شئ في حياتنا إلا ويكون مشاركًا فيه من خلال عمل النعمة . وأى صلاة يمكن أن تصير ولا يكون لداود معها علاقة ؟ وأى احتفال مبهج نتذوقه ولا يفرح به داود ؟ وهذا يمكن التأكد منه الآن. فبينما هذا الاحتفال (عيد صعود المسيح) هو احتفال عظيم لأسباب أخرى ، فإن داود النبى بمشاركته فيه صيره أعظم وساهم بشكل مفيد في هذه الفرحة من خلال المزامير التى أنشدها .
في أحد المزامير يحثنا أن نصير خراف يرعاها الله . وذلك لكى لا نُحرم من أى صلاح . وحينئذ سيقدم الراعى الصالح كل شئ ، عشبًا للمرعى وماء للشرب وطعام ومسكن وطريق وقيادة ويعطى لكل ذى احتياج عطية خاصة وبشكل لائق .
وهو من خلال هذا يعلم الكنيسة ضرورة أن نصير أولاً خرافًا للراعى الصالح حتى نُقاد بالتعاليم المستقيمة في المراعى الإلهية لكى ندفن معه بالمعمودية للموت (أنظر رو3:6-4) . ولا نخشى من الموت لأن هذا ليس موتًا ، لكن ظل للموت لأنه يقول “ إذا صرت في وادى ظل الموت لا أخاف شرًا لأنك أنت معى ” (مز4:23) ثم بعد ذلك أعطى عزاءً بمعونة الروح ” لأن المعزى هو الروح ” الذى يقيم المائدة السرية التى أُعدت على النقيض من مائدة الشياطين . لأن هؤلاء الشياطين هم الذين عذبوا الناس بالعبادة والأفكار الوثنية . ثم يثير في النفس انتعاشة الروح ويوجه أفكارها من الآن نحو الأبدية لأن كل من تذوق نشوة الروح، يستبدل الموت بالأبدية وتمتد إقامته بلا نهاية داخل بيت الله .
وإذ قدم لنا كل هذا بمزمور واحد ، نجده ينشط النفس بالمزمور الآخر وبفرح أعظم وأكمل من خلال هذا المعنى ” للرب الأرض وملؤها ..” (مز1:24)
ولماذا تستغرب أيها الإنسان لو أن الله اُستعلن لنا على الأرض وعاش وسط البشر؟ الأرض ملك له مادام هو خالقها. وعليه فليس هذا بالأمر الغريب ولا هو خارج عن الطبيعى أن يأتى الله إلى خاصته. لم يذهب إلى عالم غريب ولكن إلى العالم الذى كوّنه هو، أسّس الأرض فوق المياه وجعلها مناسبة لوجود الأنهار. إذن فلأي سبب اُستعلن؟ لكى ينقذك من براثن الخطية ويقودك إلى جبل ملكه مستخدمًا الفضائل كعربة نحو الصعود . لأنه غير ممكنًا أن يصعد المرء إلى هذا الجبل إن لم ترافقه الفضائل .
يجب أن يكون نقيًا في أعماله وألا يتلوث بأى عمل خبيث وأن يكون نقى القلب وألا يقود نفسه إلى أى شئ باطل ولا أن يخدع جاره خفية. من يصعد إلى جبل الرب ومن يقوم في موضع قدسه . الطاهر اليدين والنقى القلب الذى لم يحمل نفسه إلى الباطل ولا حلف كذبًا يحمل بركة من عند الرب وبرًا من إله خلاصه ” (أنظر مز3:24ـ5). هذا الصعود هو كرامة وبركة من الله . لهذا الإنسان يعطى الله مراحمه. ” هذا هو الجيل الطالبُة الملتمسون وجهك يا يعقوب “(مز6:24).
وباقى المزمور ربما يكون أعلى من التعليم الإنجيلى نفسه. لأن الإنجيل يروى حياة ومسيرة الرب فوق الأرض، بينما هذا النبى السمائى وهو يخرج خارج نفسه، لكى لا يعوقه ثقل الجسد مادام يختلط بالقوات العالمية، يعرض لنا كلام أولئك الذين يسيرون أمام موكب الملك في نزوله، يأمرون الملائكة ، وأولئك الذين يحرسون الأرض وأوكل إليهم أن يحرسون الحياة الإنسانية أن تفتح الأبواب قائلاً:
“.. ارتفعن أيتها الأبواب الدهريات فيدخل ملك المجد” (مز7:24) ولأنه عندما يأتى ذاك الذى يملك كل شئ فإنه يحمل نفسه ويجعلها على مستوى ذاك الذى يستقبله، لأنه لم يصر فقط إنسان عندما أتى إلى الناس، ولكن بالتبعية أيضًا عندما وجُد بين الملائكة أنزل نفسه إلى مستوى أولئك الملائكة. ولهذا فحراس الأبواب كان لهم احتياج من قبل ذاك الذى سيأمرهم أن يفتحوا ” من هو هذا ملك المجد” (مز8:23)
ولهذا أُستعلن لهم هذا القوى الجبار، الخالق والقاهر في الحروب والذى سيصطدم مع ذاك الذى أسر الطبيعة الإنسانية “ لكنى أرى ناموساً آخر في أعضائى يحارب ناموس ذهنى ويسبينى إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائك “، ” فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم أشترك هو أيضًا فيهما لكى يبيد بالموت ذاك الذى له سلطان الموت أى إبليس ” (رو37:7، عب14:2) ويبطل سلطان الموت ” آخر عدو يبطل هو الموت ” (1كو26:15) وما دام قد بطل آخر عدو فالبشر يُدعون للحرية والسلام .
ثم يعود فيقول أيضًا نفس الكلام لأنه اكتمل سر الموت وتحقق النصر ضد الأعداء وارتفع أمامهم الصليب كعلامة للنصرة ويقول أيضًا ” صعدت إلى العلا سبيت سبياً . قبلت عطايا بين الناس وأيضاً المتمردين للسكن أيها الرب الإله ” (مز18:68).
ولهذا يجب أن ترتفع الأبواب الدهريات . ويشارك في هذا الموكب حراسنا الذين يأُمرون أن يفتحوا له الأبواب الدهريات لكى يُمجد أيضًا من قِبل هؤلاء . لكن ذاك الذى يرتدى الزى المتسخ أى حياتنا نحن (البشرية)، وبقع ملابسه من نتاج شرورنا الإنسانية يُعد غير معروف عند هؤلاء ” ما بال لُباسك مُحمر وثيابك كدائس المعصرة ” (إش2:63) ولهذا يتوجهون لأولئك المشاركين في الموكب ويسألون ” من هو ملك المجد هذا ” لأنه لم تُعطَ بعد الإجابة ” الجبار القاهر في الحروب“. ” بل ورب القوات” والذى له السلطان على كل شئ والذى وجد في شخصه كل شئ ” لتدبير ملء الأزمنة ليجمع كل شئ في المسيح ما في السموات وما على الأرض ” (أف10:1) ذاك الذى هو متقدم في كل شئ “ الذى هو البداءة بكر من الأموات لكى يكون هو متقدماً في كل شئ” (كو18:1) والذى رد كل شئ إلى وضعه الأول ” الذى ينبغى أن السماء تقبله إلى أزمنة . رد كل شئ التى تكلم عنها الله بفم جميع أنبيائه القديسين منذ الدهر ” (أع21:3)، ” هذا هو ملك المجد“. أرأيتم كيف جعل داود هذا الاحتفال جميلاً مازجاً فرح مزاميره مع فرح الكنيسة .
فلنتشبه نحن أيضًا بالنبي في تلك الأمور التى من الممكن أن نسير فيها، في المحبة نحو الله في الحياة الهادئة المريحة ، واحتمال من يبغضوننا، لكى تصير تعاليم النبى بمثابة إرشاد نحو ملكوت الله في اسم ربنا يسوع المسيح الذى يليق به المجد والكرامة إلى الآبدين أمين .
القديس إغريغوريوس النزينزي الثيؤلوغوس الناطق بالإلهيات – حياته، أعماله وفكره اللاهوتي
القديس إغريغوريوس النزينزي الثيؤلوغوس الناطق بالإلهيات
القديس إغريغوريوس النزينزي الثيؤلوغوس الناطق بالإلهيات – حياته، أعماله وفكره اللاهوتي
أولاً: حياته
هو علم من أعلام الفكر الإنساني، ورائد في اللاهوت الأرثوذكسي القويم، وهلّيني جمع في صدره الحضارتين الإغريقية والمسيحية، وإمام من أئمة الكلمة والتعبير، وخطيب عنيف تتدافع من عقيدته البلاغة الأخّاذة الساحرة، وأديب شاعر كان في عصره ألم من كتب باليونانية شعراً، وأخيراً قديس كره المناصب فقيد إليها مكرهاً، وتعشق العزلة والانفراد بالله فكانت أسقفيته صليباً صلب عليه العالم في سبيل الله والحقيقة.
ولد غريغوريوس نحو 329/330 في مدينة صغيرة تقع في الجنوب الغربي من كبادوكية وتدعى نزينزة، وقيل بل ولد في أرينزة، وهي ضيعة إلى جانب نزينزة كان لذويه فيها منزل وأملاك. وكان والدته نونا امرأة فاضلة عرفت بتقواها وتمسكها الشديد بالعقيدة الكاثوليكية القويمة. أما والده المعروف بغريغوريوس القديم فكان رجل الصراحة الصارمة، والكلمة الحكيمة الحازمة.
انتحل مذهب الهبسترية[1] ردحاً من الزمن ثم اهتدى إلى المسيحية فكان ملء عين المؤمنين الصالحين، وقبيل مولد ابنه انتخب أسقفاً على نزينزة، فكان أباً روحياً للجميع، وأباً بالجسد لثلاثة بنين نشأوا على إيمان عميق، وعلى أخلاق مسيحية عالية.
كان لغريغوريوس الابن طموح في العلم والفضيلة لا حد له، فراح يطلب الفضيلة في ينابيع الحكمة الإلهية، وراح يطلب العلم في كل مكان كان للعلم فيه سلطان: في كبادوكية، وقيصرية فلسطين، والإسكندرية، ولا سيما أثينا منهل العقل والقلب واللسان، حيث لقي باسيليوس (329/ 30 – 379) وربطته به صداقة شهيرة. وقد تخرج الشابان الكبادوكيان على أشهر الأساتذة من مثل ليبانيوس، وهيماريوس، وعمقا في نفسيهما حب الله والخير والصلاح.
وما إن قفلا راجعين إلى كبادوكية، باسيليوس أولاً ثم غريغوريوس (358/359)، حتى عملا على تحقيق الحياة “الفلسفية” التي نسجا خيوطها في أثينا. فانطلق باسيليوس يطلب الوحدة والتهجد، على شاطئ نهير أبريس[2] في أناسوبي، ولحق به صديقه غريغوريوس وفي نفسه ما في نفس صديقه، ولكن أباه استدعاه سنة 361، فعاد إلى نزينزة حيث عمل الجميع على إقناعه بقبول سر الكهنوت، وبعد تخوف رسم كاهناً، ومارس الكهنوت برهة من الزمن وفي سره حنين إلى مشاركة باسيليوس في عزلته وتفرغه للصلاة والتبحر في معاني الكتاب المقدس.
واشتد به الحنين، فهجر الديار وانضم إلى صديقه، وفي سنة 362 رجع إلى نزينزة ليحتفل بعيد الفصح.
في هذه الأثناء برز انشقاق في كنيسة نزينزة أدى إليه تورط الأسقف غريغوريوس الأب في توقيع بيان ريميني وكان لا يخلو من آراء آريوسية. فسعى الكاهن الشاب لدى أبيه وحمله على إعلان إيمانه الأرثوذكسي وأعاد بذلك السلام إلى تلك الكنيسة.
في سنة 370 انتخب باسيليوس اسقفاً على قيصرية ولم تمض سنتان على ولايته حتى حمل صديقه على تحمل أعباء الأسقفية وقام بتنصيبه على مدينة سازيموس سنة 372 عله يكون سداً منيعاً في وجه التيارات الهدامة. ولكن الأسقف الجديد لم يجد في هذا العمل ما يصبو إليه، فتركه وعاد إلى منسكه وقال: “خير لي أن أختبئ في الجبل وأعيش فيه العيشة التي أحب والتي أجد فيها مسرتي”.
ولكن والده، وقد طعن في السن، وثقلت عليه الشيخوخة، دعاه ليشاطره عبء المسؤولية، فلبى الدعوة في غير ابطاء. وعندما توفي الأسقف الشيخ قام مقامه في الخدمة ريثما ينتخب له خلف شرعي، وقد أظهر من الغيرة والحكمة ما لفت إليه الأنظار، فاجتمع عليه آراء الأساقفة، ووقع عليه اختيارهم، فهرب إلى سلوقية ايزوريا يطلب العزلة والتنسك.
وفي سنة 378 توفي الامبراطور فانس نصير الآريوسية وخلفه ثاودوسيوس الذي عرف بميله إلى الأرثوذكسية ومساندته لها فتوجه كاثوليكيّو القسطنطينية إلى غريغوريوس وتوسلوا إليه في امرهم وفي أن يكون لهم راعياً ومشيراً حيث لا راعي ولا مشير، وحيث انقلبت الدنيا إلى صراعات لاهوتية، ومناورات أيديولوجية، وقد توفي باسيليوس سنة 379، فكان وقع النبأ شديداً على نفس صديقه، وبعد تردد مرهق قبل أن ينتقل إلى القسطنطينية، جعل مركزه في كنيسة صغيرة باسم القيامة (أناستاسيا)، وراح من هناك ينثر الحكمة في غيرة رسولية متوقدة.
فكان هذا الانتقال فوزاً للأرثوذكسية، وقد ضجت من جرائه المدينة، وقامت قيامة الآريوسية، وتقارعت البدع والمذاهب، وامتد الحِجاج والنقاش من الساحات العامة والمعابد إلى الأسواق والمنازل والخدور. وفي هذا الجو الفلسفي اللاهوتي الغامر ألقى غريغوريوس سلسلة خطبه اللاهوتية التي دافع فيها عن عقيدة الثالوث، والتي اكسبته لقب “اللاهوتي”.
في أيار من سنة 381 دعاه ثاودوسيوس إلى حضور المجمع المسكوني الثاني في القسطنطينية، ولما توفي ملاتيوس أسقف أنطاكية الذي كان يرئسه، كُلف غريغوريوس بإدارة شؤونه، وما أن ختمت أعماله حتى بادر غريغوريوس إلى الاستقالة من أسقفية العاصمة، وانزوى في خلوة حياته الفلسفية مكبّاً على الصلاة، والتأمل، والدرس، ونظم الشعر، والمراسلة، وظل يهتم بكنيسة نزينزة إلى سنة 383، ثم سلم الأمر إلى ابن عمه أفلاليوس الذي خلفه أسقفاً عليها. وانتقل هو إلى أزينزة حيث توفي سنة 390.
ثانياً: أعماله
لم يكن غريغوريوس من المكثرين في الكتابة ولكن القليل الذي تركه يُعد من أروع من في التراث المسيحي عمقاً وابتكاراً وأسلوباً، وهو يقسم ثلاثة أقسام: الخطب، والرسائل، والشعر. إنه الشاعر الوحيد بين لاهوتيي القرن الرابع.
وهو في نثره وشعره أبداً سيد الكلمة وإمام المنابر، لا يبلغ شأوه أحد من أبناء المسيحية في عصره، فقد تفرد في البلاغة وروعة الأداء، كما تفرد في دقة الفكرة وعمقها، وفي المقدرة على استيعاب الحقائق البعيدة المدى والتعبير عنها تعبيراً تبنته الأجيال والمجامع من بعده، ووجدت فيه كلمة الفصل وجامع الكلمة.
1 – الخُطب
لغريغوريوس 45 خطبة هي أروع ما تركه لنا، وقد ألقى أكثرها ما بين سنة 379 وسنة 381، أي في أهم مرحلة من مراحل حياته يوم كان أسقفاً في القسطنطينية وكان أنظار العالم كله شاخصة إليه، وضمنها من أساليب البلاغة والبيان ما اقتضاه الموقف في مدينة جمعت جمعاً غفيراً من العلماء وأرباب الفكر والفلسفة واللاهوت، وكانت ميداناً واسعاً للصراع المذهبي والعقائدي: وسرعان ما أصبحت تلك الخطب مادة دراسة في معاهد الخطابة والبلاغة، ومثالاً يُحتذى على المنابر. وقد أصبحت المواقف الوجدانية، والمقاطع الغنائية فيها منطلقاً لأناشيد دينية وترانيم كنسية رائعة.
أ – الخطب اللاهوتية الخمس
نوع هذه الخطب
لقد سميت هذه الخطب “لاهوتية” لا لأنها تتسع للاهوت كما نفهمه اليوم، بل لكونها تبحث في الله نفسه، في وحدته وثالوثه، وهذا موضوع اللاهوت في معناه الضيق والقديم. وهي التي أكسبت غريغوريوس لقب “اللاهوتي”. وهذه الخطب لم ترد بهذا الاسم في المخطوطات المختلفة، فهو مستقى من فحواها ومنطبق تمام الانطباق على ما تهدف إليه. وهي ترد مجموعة معاً وتدل على أنها ألقيت في أوقات غير متباعدة.
المكان والزمان اللذان ألقيت فيهما
رأينا في كلامنا على صاحبها أنه ألقاها في القسطنطينية، وموضوعها نفسه وأسلوبها التحليلي والدفاعي يدلان بوضوح على أن جمهور المقبلين على سماعها هو جمهور مدينة كبيرة بساحاتها العامة، وأعيادها، ومشاهدها، وولائمها، جمهور أَلِفَ النقاش اللاهوتي إلى حد الهوس، وأدخله في كل مكان، وجعله للتظرف أحياناً كثيرة.
وكانت المدينة منذ نحو أربعين سنة تخضع للهيمنة الآريوسية، والأقلية الكاثوليكية فيها بلا كنيسة ولا أسقف، وما أن تولى ثاودوسيوس الحكم حتى تبدلت الأمور وتنفست الأرثوذكسية بملء رئتيها، واستعادت الكنائس التي كانت الآريوسية قد استولت عليها، وتعالى صوت خطبائها للدفاع عن الحقيقة وتفنيد حجج الهراطقة.
الآريوسية التي حملت عليها
ليست الخطب اللاهوتية أبحاثاً في اللاهوت وحسب، وإنما هي أيضاً رد على الآريوسية ودحض لأضاليلها.
ظهرت الآريوسية في الإسكندرية نحو سنة 320 عندما نهض الكاهن آريوس في وجه أسقفه في موضوع الثالوث، ونادى بالآب إلهاً أسمى، وباللامولودية جوهراً للألوهة، وأنكر أن تكون اللامولودية ميزة أقنومية الآب، وتدرج من ذلك إلى أن ولادة الابن جرت في زمان، ومن أقواله: “الابن خرج من العدم”، “كان زمن لم يكن فيه الابن”، وهكذا فألوهة الابن، في نظره، هي ألوهة نسبية، ألوهة بالتبني، وذلك لأن الآب خلق به ما خلق.
وراح آريوس يدعم آراءه بنصوص من الكتاب المقدس في غير تمييز. وقد قاده ضلاله إلى إنكار ألوهة الروح القدس أيضاً، وإلى أنه من صنع الابن. فشجب أسقف الإسكندرية هذه الآراء، وواجه عناد صاحبها بمجمع إقليمي دعا إليه، فزاد ذلك آريوس عناداً، وراح يضرب في البلاد، وراحت تعاليمه تنتشر ويتسع انتشارها، وكان ذلك سبب انعقاد المجمع المسكوني الأول في نيقية سنة 325، وصدور قانون الإيمان النيقوي الذي أقر نص العقيدة الأرثوذكسية في غير غموض ولا التباس.
ومع ذلك كله فقد ظلت الآريوسية متجذرة في الشرق على تشعب وتفرع، ومن أشهر فروعها الأفنوميون وعلى رأسهم أفنوميوس الذي أنكر ألوهة الابن والروح القدس، وأظهر من البلاغة والبراعة في التحليل، والحذلقة في الجدل ما ضلل الكثيرين. فغريغوريوس يتوجه إليه وإلى أتباعه بالتنديد والحجاج باسطاً العقيدة الأرثوذكسية النيقوية في غير مداورة ولا اعوجاج، ومفنداً آراء خصومه بكلام حافل بالآيات الكتابية، وبالأقيسة البرهانية التي لا تقرع.
كان أفنوميوس من أصل وضيع، وقد قاده حب العلم، والرغبة في التعلم، إلى الإسكندرية مدينة النور لذلك العهد، فعمل لدى ركن من أركان الآريوسية وتتلمذ له، وفي سنة 360 ظهر شماساً إنجيلياً في أحد مجامع القسطنطينية، ثم أسقفاً في مدينة قزيكا، وكثيراً ما نراه في القسطنطينة معلماً وعاملاً على إنشاء كنيسة منشقة تدين بآرائه وتدعو إلى اتباعه. وفي سنة 383 طرده الامبراطور ثاودوسيوس إلى كبادوكية موطنه الأصلي حيث توفي ما بين سنة 392 وسنة 295.
خلاصتها
وهذا الخطب، وإن كانت دفاعية في الدرجة الأولى، هي ثمرة النضوج في دراسة العقيدة الثالوثية. أما الخطبة الأولى فهي بمثابة مقدمة عامة للأربع الأخرى، وهي تعالج الشروط التي لا بد منها لمناقشة الحقائق اللاهوتية. وأما الخطبة الثانية فهي تعالج اللاهوت في ذاته، أي وجود الله وطبيعته وصفاته بقدر ما يستطيع العقل البشري أن يدركها ويحيط بها.
وأما الثالثة فهي تبين وحدة العقل البشري أن يدركها ويحيط بها. وأما الثالثة فهي تبين وحدة الطبيعة عن الأقانيم الثلاثة، ولا سيما ألوهة الكلمة (اللوغوس) ومساواته للآب. وأما الرابعة فهي تفنيد ودحض لاعتراضات الآريوسيين على ألوهة الابن وإيضاح معنى النصوص الكتابية التي يتسلحون بها لدعم مذهبهم. وأما الخامسة فهي دفاع عن ألوهة الروح القدس.
ب – الخُطب الأخرى
لغريغوريوس خطاب في رتبة الأسقفية وفيه إلى جانب موضوعه تحديد واسع لعقيدة الثالوث، وخطاب في موضوع الجدل والنقاش وضرورة التأني والانضباط فيه، وخطابان دفاعيان موجهان إلى يوليانوس الجاحد، الذي عرفه غريغوريوس في أثينا، وفيهما ثورة نفسية شديدة وسورة غضب لا حد لها؛ ومجموعة من الخطب الوعظية والتأبينية، ألقاها الخطيب في الأعياد الكبرى، أو أبّن فيها المكابيين، والقديس قبريانوس القرطاجي، والقديس أثناسيوس، ومكسيموس الفيلسوف، وشقيقته غرغونية، وصديقه باسيليوس.
وله إلى ذلك مجموعة كبيرة من خطب المناسبات، ضمن بعضها كلاماً مفصلاً على الكهنوت ومسؤولياته كان في أساس البحوث الستة التي وضعها القديس يوحنا الذهبي الفم في موضوع الكهنوت، وفي أساس القانون الراعوي الذي وضعه القديس غريغوريوس الكبير.
2 – الشعر
نظم غريغوريوس الشعر في أواخر حياته وفي خلوة أرينزة ليُبين أن الحضارة الجديدة المسيحية ليست دون الحضارة الوثنية شأناً، ولينافس الهراطقة، ولا سيما أبوليناروس، الذين عملوا على نشر بعض آرائهم بالأسلوب الشعري وبالكلام الموزون.
فلدينا منه خمس وثلاثون قصيدة عقائدية في الثالوث، وعمل الله الخلقي، والعناية الإلهية، والتجسد، ومعجزات المسيح وما إلى ذلك، وأربعون قصيدة أخلاقية، ومئتان وست قصائد تاريخية فيها سيرة حياته، وقد ضمنها آراءه وعواطفه، ومحبته لذويه وأصدقائه الذين غادروا هذه الدنيا، وآماله ورغباته، وما إلى ذلك مما جعل هذا القسم من المجموعة الشعرية حافلاً بالروعة والجمال.
وقد عدت سيرة حياته الشعرية خير ما كتب في فن السيرة عند الاغريق. ونحن نلمس في هذه القصائد المختلفة حياة صاحبها الداخلية، وما يغتلي فيها من إيمان وغيرة واندفاع، وهي في ذلك أشبه باعترافات القديس اوغسطينوس.
3 – الرسائل
كان غريغوريوس مترسلاً فذاً، وقد وضع في فن الترسل دراسة قيمة واشترط فيها للرسالة الناجحة أن تكون موجزة، وواضحة، وطريفة، وبسيطة، ورسائله، وإن كانت دون رسائل باسيليوس أهمية، تتفوق عليها فناً وروحاً. وقد كتب غريغوريوس مئتين وخمساً وأربعين رسالة، وجه معظمها إلى ذويه وأصدقائه.
لبعض هذه الرسائل أهمية لاهوتية، ولا سيما الرسالتين اللتين وجههما إلى الكاهن كليدونيوس نحو سنة 482، وضمنهما خطة الرد على الأبوليناروسيين. وقد اعتمد منهما مجمع أفسس (431) مقطعاً كبيراً، واعتمدهما بكاملهما مجمع خلقيدونية (451).
ثالثاً: لاهوت غريغوريوس
كان لباسيلوس تأثير على غريغوريوس في موضوع اللاهوت، وقد أعلن ذلك غريغوريوس في رسالة وجهها إلى باسيليوس فقال: “اتخذتك منذ البدء ولا أزال أتخذك دليلاً ومرشداً ومعلماً في اللاهوت”. وإنه وإن أعلن ذلك، يتجلى في دراساته تفوقه على صديقه أسقف قيصرية في التعبير اللاهوتي، وفي كنه اللاهوت على أنه علم، وفي النظرة العميقة إلى قضاياه. فهو “اللاهوتي” بأدق ما لهذه اللفظة من معنى.
وقد عالج في آثاره طبيعة اللاهوت وموضوعه، ومصادره، كما عالج الطريقة اللاهوتية معالجة وافية، والميزات التي يجب أن يتصف بها اللاهوتي، وتطرق إلى قضية العقل والإيمان، وإلى سلطة الكنيسة في شأن العقائد التي تعلنها.
1 – عقيدة الثالوث
كثيراً ما يتوقف غريغوريوس في شتى خطبه عند عقيدة الثالوث وكأنها هاجس لا يفارقه. فيدافع عنها في غير ملل، ويجد في التطلع إليها متعة لقلبه وروحه. قال في خطبة له عن المعمودية ملخِّصاً تعاليمه:
“إن أعطيك إعلان الإيمان هذا دليلاً وملاذاً تحتفظ به حياتك كلها: ألوهة واحدة، وقدرة واحدة في الثلاثة موحدين، وفي كل منهم منفصلين، لا أنهم غير متساوين في الجوهر أو في الطبيعة، ولا أنهم مزيدون أو منقصون بالإضافة أو بالطرح؛ إنهم متساوون من كل وجه، وهم حقيقة واحدة، كما أن جمال السماوات وعظمتها شيء واحد. ارتباط لا متناه لكائنين ثلاثة غير متناهين.
كل منهم بمفرده إله، كما الآب كذلك الاين، وكما الابن كذلك الروح القدس، يمتاز كل منهم بأقنوميته الخاصة، الثلاثة إله واحد في اجتماعهم. كل منهم إله من حيث وحدة الجوهر، وإله واحد من حيث المونرخيّا”.
وإننا إذا قارنا تعليم غريغوريوس بتعليم باسيليوس في شأن اللاهوت رأينا أن الأول أكثر تشديداً على الوحدة والمونرخيا، وعلى سيادة الله المطلقة الواحدة، وأوضح تحديداً للعلاقات الإلهية، وهذه العلاقات التي أكب غريغوريوس على ابرازها كانت عبر الأيام أساساُ لجميع الدراسات التي أنشئت في موضوع الثالوث، وغريغوريوس ينطلق من هذه العلاقات لكي يبرهن على اشتراك الأقانيم الثلاثة في الخلود، وعلى وحدة الجوهر فيهم، وذلك في وجه الهراطقة الذين أحدثوا في الثالوث انفصاماً جوهرياً.
وفيما يقف باسيليوس عند الابن فيما هو من العلاقة، نرى غريغوريوس يمتد فيها إلى الروح القدس، وهكذا كان غريغوريوس أول من حدد بوضوح ميزات الأقانيم الخاصة، وقدم للتاريخ ولعلم اللاهوت فكرة الترابط المصدري في الثالوث على أنه العلاقات المميزة.
وغريغوريوس يتفوق على باسيليوس أيضاً في كونه يعلن أن ميزات الأقانيم الخاصة هي اللامولودية (الآب)، والمولودية (الابن)، والانبثاق (الروح)، وهكذا يحدد بوضوح ميزة الروح القدس الخاصة على أنها الانبثاق، فيما يتوقف باسيليوس عند الآب والابن، ويعلن عجزه عن إبراز ميزة الروح القدس. يقول غريغوريوس: “الآب هو اسم من لا مصدر له، والابن اسم من ولد في غير بدء، والروح القدس اسم من انبثق أو أتى من غير ولادة”.
2 – الروح القدس
لقد تردد باسيليوس في إعلان حقيقة الروح القدس، أما غريغوريوس فقد أعلن ألوهته بوضوح وفي غير تحفظ ودعاه “الله”. ومن أقواله: “حتّام نجعل المصباح تحت المكيال، ونحزم الناس من معرفة ألوهة الروح القدس معرفة كاملة؟ إنه من الأفضل أن نجعل المصباح على المنارة فينتشر نوره في الكنيسة كلها، وفي جميع النفوس”.
3 – المسيح
كان للكنيسة وللمجامع المسكونية على مر العصور ينبوع فياض في رسائل غريغوريوس وخطبه، فقد دافع بدقة ووضوح عن كمال إنسانية المسيح، وهاجم أبوليناريوس الذي كان يرى في المسيح جسداً بغير روح إنسانية، وقال ب “اللوغوس إنسان” لا ب “اللوغوس جسد”؛ ونادى بأن الإنسانية في المسيح جسد وروح، وبأن في المسيح طبيعتين: طبيعة إلهية وطبيعة بشرية. وهو يقول: “إن الطبيعتين في المسيح متحدتان اتحاداً كاملاً إذ أن الألوهة تأنست، والإنسان تأله”.
وغريغوريوس يعلن أيضاً أن الطبيعتين في المسيح طبيعتان لشخص واحد: “لقد تنازل ليكون واحداً مؤلفاً من اثنين، طبيعتان تلتقيان في ابن واحد لا في اثنين”.
4 – مريم العذراء
لقد أصبح الاسم “ثاوتوكوس” مع غريغوريوس حجر الزاوية في الأوثوذكسية وذلك قبل مجمع أفسس (431)، وقال:
“من أنكر أن تكون الطوباوية مريم والدة الإله فقد انفصل عن اللاهوت. من ادعى أن المسيح مر في العذراء كما في قناة. من غير أن يتكون فيها إلهياً وإنسانياً معاً، إلهياً أي بغير وساطة رجل، وإنسانياً أي بحسب نظام الحبل، فقد خرج من العقيدة وكان كافراً. من قال بأن إنساناً بأن إنساناً تكون أولاً، وأن الألوهة ألقيت عليه بعد ذلك، وجب تجريمه أيضاً لأنه أزال الولادة الإلهية ولم يُبق منها إلا ظاهر الولادة.
من ذهب إلى أن هنالك ابنين، واحداً من الله، وآخر من الأم، ملغياً الوحدة والإنيّة، فليكن محروماً من التبني الذي وُعد به المؤمنون إيماناً قوياً… من ادعى أن جسده نزل من السماء ولم يكن من ههنا…. فليكن مُبْسَلاً…”.
5 – الإفخارستيا
يرى غريغوريوس أن في الإفخارستيا ذبيحة سرية حقيقية. جاء في إحدى رسائله: “إن لسان الكاهن ينهض بالمريض عندما يكون في تأمل أمام السيد، فاصنع أكثر من ذلك وأنت تحتفل بالليتوروجيا، وحلّني من خطاياي الكثيرة عندما تكون ذبيحة القيامة بين يديك. يا صديقي الكريم، لا تتوقف عن الصلاة من أجلي والشفاعة فيّ، عندما تُنزل الكلمة بكلمتك، وعندما تفصل، بطريقة سرية وغير دموية، جسد الرب عن دمه، جاعلاً صوتك بمثابة الحرية”.
وهكذا فغريغوريوس رائد من رواد العقيدة الأرثوذكسية وكوكب اهتدت بنوره الكنيسة عبر العصور، وكلمة حق تمجد بها الكلمة الأزلي، ولنا الأمل الوطيد في أن تكون خطبه اللاهوتية خمير تجدد في شرقنا العزيز، وأن تكون منهلاً محيياً لطالبي الورود والحياة.
[1] نحلة ظهرت في القرن الرابع بكبادوكية وبقيت إلى القرن التاسع في القسطنطينية وقد عبدت الإله الواحد الأسمى ومن هنا اسمها، كما عبدت النور والنار، وقدست السبت، وتنكرت للأصنام والذبائح.
[2] ايريس: نهير ينبع في أرمينيا ويصب في البحر الأسود.
خلق الإنسان على صورة الله ومثاله للقديس غريغوريوس النيسي
خلق الإنسان على صورة الله ومثاله للقديس غريغوريوس النيسي
خلق الإنسان على صورة الله ومثاله للقديس غريغوريوس النيسي
ترجمها عن اليونانية: دكتور سعيد حكيم يعقوب
مراجعة: دكتور نصحي عبد الشهيد
يونيو 2006
مقدمة
يقدم القديس غريغوريوس النيسي في هذا العمل تفسيرًا عميقًا لموضوع “خلق الإنسان على صورة الله ومثاله”. ويُمثل هذا العمل تكملة لعظات القديس باسيليوس عن “أيام الخليقة الستة”. وقد أرسله القديس غريغوريوس إلى أخيه القديس بطرس كهدية عيد القيامة ليُضيفه إلى عظات القديس باسيليوس، الذي يُشير إليه بعبارة “أبينا ومعلّمنا”. وقد كتب هذا العمل سنة 379م بعد نياحة القديس باسيليوس مباشرةً.
إن خلق الإنسان كما يرى القديس غريغوريوس هو شئ مرهوب ويصعب تفسيره ويحمل داخله الكثير من أسرار الله الخفية. ويقول إن عبارة “بحسب الصورة والمثال” تُعطى مثالاً واضحًا لتأنس الأقنوم الثاني في الثالوث القدوس. وأن (آدم ـ حواء ـ الابن الذي أنجباه) هذه الكيانات الثلاثة المتساوية في الجوهر، تشير ـ بصورة شكلية وليست جوهرية ـ للثالوث الواحد في الجوهر.
ثم يتطرق لطبيعة النفس العاقلة، قائلاً: “إن أراد أحد أن يعرف كيف خُلق الإنسان” بحسب صورة الله ومثاله” ليبحث في تكوين طبيعة النفس العاقلة، وأن يعرف كيف أنها واحدة، وتعتبر ثلاثة أقسام، وحدة في ثلاثة بحسب خلقتها على “صورة الله ومثاله”. وأنها واحدة في الجوهر، لكنها ليست واحدة بحسب أقسامها الثلاث. ثم يقول إن ماهية النفس والكيفية التي تأتي بها إلى الوجود تُعد أمورًا لا يمكن للعقل الإنساني أن يفهمها. ولأننا نجهل كل الأمور الخاصة بها، فإننا نتحقق ونتأكد من وجودها فقط من خلال أعمالها داخل الجسد، مثلما نتأكد من وجود الله من خلال أعماله داخل الكون المرئي. ويُشير أيضًا إلى أن إدراك سر الثالوث غير المدرك، يمكن أن يكون من خلال خلق الإنسان على “صورة الله ومثاله”.
تمت الترجمة عن النص اليوناني المنشور في مجموعة آباء الكنيسة اليونانية (EPE) الصادرة في تسالونيكي سنة 1973 المجلد رقم 10 ص109ـ139. قام بالترجمة عن اللغة اليونانية د. سعيد حكيم، وراجعها د. نصحي عبد الشهيد.
نرجو أن يستخدم الله هذا العمل لمجد اسمه في كنيسته بشفاعة والدة الإله العذراء القديسة مريم وبصلوات جميع الآباء الرسل وآباء الكنيسة، وصلوات القديس غريغوريوس النيسي، وصلوات قداسة البابا شنودة الثالث والآباء المطارنة والأساقفة. وللمسيح إلهنا كل مجد وسجود وتسبيح مع الآب والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.
معنى الصورة والمثال[1]:
لا توجد طريقة أخرى أمام الذين يرغبون في فهم جمال وجوههم المخلوقة من الله بشكل جيد، والتي بها يتطلعون إلى صورتهم، سوى مرآه نقية جدًا، يتلامسون فيها مع صورة وجوههم، ويرون فيها بوضوح شكلاً يعكس أيقونتهم التي تشبههم تمامًا. ونحن إذ ننظر بالتدقيق كما في مرآه إلى الأشعة الإلهية التى للشمس العقلية، ندرك بكل وضوح الملامح العامة والشكل والصورة التي لطبيعتنا ” بحسب الصورة والمثال” لأنه بالحقيقة، على الأقل كما أتصور أنا، أن خلق الإنسان هو شئ مرهوب ويصعب تفسيره ويحمل داخله الكثير من أسرار الله الخفية. وتمامًا كما أن طبيعة العين تدرك بسهولة تلك الأشياء التي توجد خارجها، إلاّ أنها لا يُمكنها أن تدرك ذاتها، هكذا بالنسبة لعين الذهن الإنسانية، فإن مسألة خلقتنا هو أمر يصعب رؤيته ويصعب إدراكه.
الحقيقة إن الخالق بعدما أتم خلق العالم العاقل للقوات غير المرئية، ثم خلق العالم المادى المرئى قال عندئذٍ ” ونعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا“[2]. لقد خلق الله حينئذٍ كائنًا حيًا، كما من عالم مختلط يتشكل من أمرين، فهو مكوّن من نفس غير جسدانية وغير مائتة وغير فاسدة، ومن جسد مادى ومرئى من أربعة عناصر[3]. وبعد أن تم ذلك، يقول الكتاب أيضًا ” فخلق الله الإنسان على صورته“[4]. وعندما يقول إن الله خلق فهو يقصد الآب والابن والروح والقدس.
لقد عبّر المفسرون فيما يتعلق بهذا الموضوع ـ عن آراء كثيرة ومختلفة ـ قال البعض: إن عبارة “بحسب الصورة والمثال” تُشير إلى قدرة الإنسان على أن يسود وأن يتسلط، وقد اعتبر البعض أن هذا يتعلق بالنفس العاقلة غير المرئية، والبعض الآخر يربطه بالإنسان غير الفاسد وغير الخاطئ عندما خُلق آدم، والبعض اعتبر أن ” بحسب الصورة والمثال ” يمثل نبوءة عن المعمودية. وآخر الكل كما للسقط، بدا لى أنا أيضًا أنه أمر حسن أن أعبّر عن بعض الأفكار التي تخص هذا الموضوع، وقبل كل شئ رأيت أنه من الأهمية بمكان أن نفحص هذا الأمر بالتساؤل عن: لماذا لم ينسب الله عبارة “بحسب الصورة والمثال” للكائنات العاقلة غير المرئية وللسمائيين، والملائكة الذين هم بالقرب منه؟ لأن هؤلاء هم بالحقيقة أكثر قدرة من الإنسان، ولديهم القوة أن يسودوا ويتسلطوا على الأرض كلها وعلى الإنسان نفسه. وعلى نفس السياق فإن غير الفانى، وغير المرئي، والطاهر أو النقي، وكل ما يمكن أن تمتدحه في آدم، يوجد وبدرجة فائقة بين الصفوف السمائية غير الجسدانية.
إذًا يُشار بعبارة “بحسب الصورة والمثال” إلى شئ عميق. بمعنى أن الإنسان ليس لديه صورة واحدة ومثالاً واحد لله، بل لديه صورة ثانية وثالثة، ومثالاً ثانيًا وثالثًا، كما لو كانت هناك مرآه عاكسة لملامح شكلية، ومن المؤكد أنها ليست صورة طبيعية أو جوهرية لسر الأقانيم الإلهية الثلاثة. وليس هذا فقط بل إنها تعطى مثالاً واضحًا لتأنس الأقنوم الثانى في الثالوث القدوس، الله الكلمة. ولكن من الأفضل أن نرجع إلى بداية الأمر ونبحث أولاً، ترى لماذا لم يخلق الله أجدادنا الأوائل أقصد آدم وحواء والابن الذي أنجباه بنفس الطريقة التي بها خلق الكائنات العاقلة، أى الملائكة، ليكونوا مساويين الكائنات الروحانية؟ فالله قد أحضر آدم إلى الوجود بدون إنسان، بدون أب وولادة ـ بينما الإنسان الثانى بعده، أى ابنه، أحضره إلى الوجود بالولادة. أيضًا حواء قد أتت إلى الوجود، لا بالولادة، ولا بسبب الإنسان بل أتت بانبثاق غير موصوف، من آدم بدون ولادة.
ترى، هل حدثت هذه البدايات الثلاث للمخلوقات الأولى (آدم ـ حواء ـ الابن)، الكيانات المتساوية في الجوهر، كما يتصور ميثوديوس لكى تعطى صورة شكلية (وليست جوهرية) للثالوث القدوس الواحد في الجوهر؟ فآدم الذي أتى بدون أن تكون هناك علة لوجوده ولا بولادة هو نموذج وصورة لله الآب ضابط الكل الذي لا توجد علة سابقة لوجوده، بل هو علة كل الموجودات. الابن أيضًا الذي ولد من آدم وحواء، يرسم صورة للابن كلمة الله المولود. وحواء التي أتت من الانبثاق، ترمز إلى انبثاق أقنوم الروح القدس. ولهذا لم ينفخ الله فيها نسمة حياة، لأنها هى نموذج لنسمة الحياة التي للروح القدس لأنه بواسطة الروح القدس صار لها أن تستقبل الله في حياتها والذي هو النسمة الحقيقية وحياة الجميع.
هكذا نستطيع أن نرى وأن نندهش أن آدم غير المولود، ليس له شبيه بين البشر، فهو غير مولود، وهكذا الحال بالنسبة لحواء المنبثقة، حتى أنهما يشكلان مثالين حقيقيين للآب غير المولود والروح القدس المنبثق. أما الابن الذي أنجباه فهو شبيه بكل البشر، الذين هم أبناء وأتوا من ولادة فهم أخوة له ومساويين له. وهذا الابن يُشكّل صورة ومثالاً ونموذجًا للمسيح، الابن المولود، الذي صار بكرًا بين اخوة كثيرين[5]، بدون وساطة رجل.
فلو أن الأمر ليس هكذا، وأن عبارة “بحسب الصورة” لم تُفهم وفقًا لهذا الشرح، فلماذا لم يصبح أجدادنا الأوائل اثنين أو أكثر من ثلاثة كيانات، ولماذا هم مختلفون في الصفات الخاصة بكياناتهم وأقصد غير المولود، المولود، والمنبثق، بل هم فقط ثلاث كيانات أو أقانيم؟ وبناء على ذلك فإن تعبير “بحسب الصورة والمثال” يتخذ شكل صورة الثالوث، ثلاثة أقانيم في وحدة. وبالتالى ينبغي أن تفهم الآن أيضًا، معنى الوحدة في ثالوث.
افهم ذاتك لتفهم الله:
ولكن كيف يمكنك أن تميز هذا بشكل صحيح. اسمع أحد الحكماء الذي ينصحك ويقول لك ” إن أردت أن تفهم الله، ينبغي أولاً أن تفهم ذاتك، من خلال تكوينك، من خلال خلقتك، من خلال عالمك الداخلي. انسحب وادخل إلى داخل نفسك، انظر داخل نفسك كما في مرآه، ميّز خلقتها، وسترى أنك مخلوق على صورة الله ومثاله”. إن جوهر نفسك العاقل وغير المائت هو أمر مجهول الاسم وغير معروف، وهو مخلوق بحسب صورة ومثال الله غير المدرك وغير المائت. لأنه لا يوجد أى إنسان من الذين ولدوا عبر العصور، قد أدرك الجوهر العاقل لله أو للنفس.
النفس تعطى حياة، تؤلف وترعى طبيعة الجسد رباعية التركيب، صورة لله، ذاك الذي يتعهد خليقته المكونة هنا من أربعة عناصر والتي هى سمائية أيضًا. ولهذا فإننا لا نستطيع أن نعرف حتى المكان الذي يسكن فيه الله، لكننا نؤمن فقط أنه موجود في كل مكان. ولا نعرف أيضًا المكان الذي تسكن فيه النفس في الجسد، نعرف فقط أن النفس توجد وتعمل في كل الجسد.
النفس أيضًا تملك شيئًا آخر باعتبارها صورة الله، وأعنى أن جوهرها مختلف عن طبيعة الكون كله. والأكثر غرابة من كل شئ، والتي تحمله خلقتنا على صورة الله، أنه لا جوهر النفس، كما أن ماهيتها والكيفية التي بها تأتى إلى الوجود، تعد أمورًا لا يمكن للذهن الإنسانى أن يفهمها. ولهذا فكل مَن ادّعوا خطئًا أنهم قد فهموا، فهؤلاء قد تعثروا جدًا.
لقد قال البعض إن النفوس تأتى إلى الأجساد من السماء، وآخرون يرون أن النفوس تأتى إلى الوجود إذ أن الله يخلقها مع الجسد. البعض قال أيضًا بأن الإنسان الذي خُلق على صورة الخالق، أصبح سببًا لولادة الجسد والنفس في ذات الوقت. البعض يدّعون أن النفس تولد من خلال التعاون المشترك للطرفين، الرجل والمرأة، كما يحدث عند احتكاك الحديد والحجر، فإن هذا الاحتكاك يوّلد الشعلة. البعض أيضًا يُعلّم بأنه في اللحظة ذاتها التي يُحمل فيها بالجسد تأخذ النفس وجودًا.
البعض الآخر يرجح أن اليوم الأربعين من الحمل هو اليوم الذي يؤتى فيه بالنفس كما يتصورون، باعتبار أن ذلك يعتبر قانون لهذا التكوين. ويتخيل البعض الآخر أن النفس هى واحدة في الجوهر مع الملائكة، وآخرون قالوا إنها أقل من الملائكة، بينما يرى غيرهم أنها تهيم في الهواء، والبعض قال إنها تتحرك في الكون كحقيقة إلهية. ومن أجل هذا، على الرغم من أنها تتحد بالجسد، وهى مخلوقة على صورة الله، وتُحيّي الجسد، إلاّ أنها تبقى خارج تأثير الشهوات الجسدية وأضرار الجسد المختلفة، ولا نستطيع أن نراها، ولا أن نفسرها ولا أن نفهم طبيعتها ونوعها وهيكلها وشكلها ونوعيتها وكمها ووجودها ومما تتألف وجمالها.
ولذلك يقول ميثوديوس في وليمته[6] إن النفس لها جمال فائق لا يوصف، ولهذا السبب يبدو أن الأرواح المضادة تحسدها، لأنها أخذت شكلاً أسمى من الكائنات العاقلة ذاتها. أما عدم الفهم وعدم الوضوح والغموض الخاص بالنفس لا يشار إليه إلاّ لأنها تعتبر بالحقيقة، وعلى سبيل الحصر، صورة فقط لله غير المدرك. ولهذا ولأننا نجهل كل الأمور الخاصة بها، فإننا نتحقق ونتأكد من وجودها من خلال أعمالها فقط داخل الجسد. مثلما نتأكد من وجود الله من خلال أعماله داخل الكون المرئى. لنأتِ إلى النقطة الأساسية لموضوع الخلق “بحسب الصورة والمثال”، لكى نُبيّن، كما وعدنا، فرادة الثالوث الإلهى.
وما هى النقطة الأساسية؟ من الواضح أنها النفس أيضًا، وكلمتها العاقلة، التي دعاها الرسول بولس، روحًا، عندما يعطينا وصية أن نكون مقدسين في النفس والجسد والروح[7]. النفس أيضًا غير مولودة ولا علّة لها، وهى مثال لله الآب غير المولود والذي لا يوجد علّة لوجوده. إلاّ أن كلمة النفس العاقلة ليست بدون ولادة، بل تولد من النفس بطريقة لا يُعبّر عنها وغير منظورة ولا تُفسر، وليست لها علاقة بالألم أو الشهوة. بينما الفكر له علّة أو سبب وهو ليس بدون ولادة، ولكنه ينبثق، يدرك كل شئ ويفحص كل شئ ويتلامس معه بشكل غير مرئى، على مثال الروح كلّى القداسة، والذي ينبثق أيضًا والذي قيل عنه “ الروح يفحص كل شئ حتى أعماق الله“[8].
النفس حين توجد داخل الجسد فهى لا تعتبر منبثقة، لأنها إذا كانت منبثقة، لكنا قد متنا كل ساعة. وكلمتنا لا توجد بدون ولادة، لأنه إذا حدث عكس ذلك سنكون مثل الحيوانات غير العاقلة. والأكثر دهشة من هذه الأمور التي تثير الدهشة أننا لدينا نفسًا بسيطة، وعقلاً واحد غير مركب، أما كلمتنا فهى مزدوجة في ذاتها ومحفوظة كواحدة غير مُنقسمة. فالكلمة تولد داخل القلب ولادة غير مدركة، غير متجسدة، وتبقى مجهولة داخلنا. وبعد ذلك تولد ولادة جسدية من خلال الشفاه، وحينئذٍ تصير معروفة للجميع. ولكنها لا تنفصل عن النفس التي ولدتها، حتى أننا نستطيع أن ندرك بكل وضوح الميلادين اللذين لكلمة الله من خلال الميلادين الذي لكلمتنا “بحسب الصورة والمثال”.
حقًا لقد ولد من الآب قبل كل الدهور، بصورة غير مرئية، لا تُشرح وغير مدركة. وكان غير معروف، كما لو كان داخل الآب إلى أن ولد جسديًا من العذراء القديسة بدون فساد، بدون رجل، وظهر في العالم، دون أن ينفصل عن جوهر الآب الذي ولده. وبناء على ذلك ترى أن فرادة جوهر نفوسنا غير المائتة والعاقلة تحمل صورة لها ثلاث خواص أقنومية، عدم ولادة النفس، ولادة الكلمة، وانبثاق الروح، أى الفكر. وأتشجع وأتجرأ بأن أقول إنه بحسب هذه النظرية الثالوثية غير المرئية للنفس، قال الرسول بولس إن الإنسان خلق بحسب صورة الله غير المرئى.
فإن لم يكن هذا حقيقيًا، فلماذا لم تُخلق النفس إذًا من الله ولها قسمان أو أربعة أقسام، بل لها ثلاثة أقسام فقط، والتي لا تختلط فيما بينها وفقًا لصورة الثالوث القدوس المحيي الواحد في الجوهر، حتى أنه لو كان مسموحًا أن أقول إن داخل الإنسان وبالأحرى الإنسان البار يسكن، بصورة شكلية وليس جوهريًا، كل ملء الألوهة التي تحدد بصورة غير مُعلنة الله الثالوث؟ ولهذا فإن حكماء العالم قد حددوا، من منظور آخر، أن النفس تتكون من ثلاثة أقسام، مُعلمين كيف أنها تحمل الرغبة، الفكر، الإحساس، حتى أنه عندما تتحد الرغبة في محبة الله بالفكر يمكن أن تستقبل في داخلها المعرفة والحكمة التي تأتى من الله، وبإحساسها تقاوم الأرواح الشريرة الخبيثة، مُبينين أيضًا من خلال هذه الأمور الثلاث، معنى “بحسب صورة الله”.
لأن الله الثالوث يحكم ويضبط ثلاثة أقسام بثلاثة طرق أى السماويات، والأرضيات، وما تحت الأرض، من خلال قدرته الخالقة، وعنايته، وسلطانه العادل. وكل ما يعمله الله، فإنه يعمله وفقًا لإحدى هذه الطرق الثلاث، إما أنه يخلق، أو أنه يعتنى، أو يُهذب. وصورة الله الخالق هى في الرغبة. لأن الرغبة تقود إلى العمل، أما عنايته فرمزها في القوة الفكرية للنفس. الاحساس أيضًا هو مطابق للتهذيب. وربما الخاصية المميزة للنفس هى في الرغبة. لأن الأطفال حتى قبل أن يتكلموا، باعتبارهم نفوس، نجدهم يشتهون على الفور أن يرضعوا وأن يناموا. أيضًا القدرة الفكرية من الواضح انها خاصية العقل، بينما الاحساس يرافق العقل، وكل من يغضب بالمخالفة للطبيعة يثير فيه اضطرابًا.
طبيعة النفس العاقلة:
إذًا فإن أراد أحد أن يعرف كيف خُلِقَ الإنسان بحسب “صورة الله ومثاله”، فليأتِ إلى هذه الأمور غير المطروقة، والمعانى المشابهة لها، وليبحث في تكوين طبيعة نفسه العاقلة. وليكن هدفه أن يعرف أقسامها بالتدقيق، وأقسام أقسامها، كلماتها، طرقها، وحداتها، تميّزاتها، تفرّدها، وحدتها، ثالوثيتها، كيف أنها واحدة وتعتبر ثلاثة أقسام، وحدة في ثلاثة، بحسب صورة الله ومثاله، ويُعترف بها كثلاثة أقسام في وحدة. وأنها من المؤكد واحدة في الجوهر، لكن ليست واحدة من جهة أقسامها الثلاثة، وذاك الذي قال “أصلي بالروح وأصلي بالذهن أيضًا. أرتل بالروح وأرتل بالذهن أيضًا قد جعل هذا الأمر واضحًا جليًا “[9].
أيضًا بعض الناس يكلموننا بشكل واضح جدًا عن هذا الثالوث الذي يُستعلن فينا ويُعطى مثالاً لصورة الله، وهؤلاء تكون لهم نفس. ولكنهم يكونون ـ بسبب ما ـ بلا عقل ولا كلمة. أيضًا البعض ممن يحملون نفسًا وكلمة، قد تجدهم فقراء في العقل تمامًا. أيضًا البعض لديهم عقلاً ونفسًا، ولكنهم محرومين من الكلمة. ولهذا فإن الرضيع، الذي يولد من داخل جو مظلم، ويأتى إلى النور، يُظهر على الفور أنه يحمل نفسًا هى مثال لله الآب والتي لها قوة عاقلة، تحمل أيضًا داخلها الكلمة والعقل. الآن يتقدم هذا الرضيع ، حيث ينمو الجسد ويكتمل، فيظهر الكلام بعد ذلك، والكلام لا يظهر بشكل كامل ومفاجئ، بل أنه يتلعثم أولاً، مُعلنًا عن حضور ذهنى، عندما ينمو الرضيع ويظهر كرجل كامل، وهذا يشير إلى الكلمة حين تجسد.
لكن فيما تساهم هذه الأمور بالنسبة للبحث الذي نُباشره عن خلق الإنسان؟ بالطبع يمكن أن تساهم جدًا، آه أيها الإنسان، إننا بهذه الأمور نعرف طريقة استعلان الله وظهوره في العالم، عندما أخذ جسدًا، هكذا أدركت طبيعتنا سر الثالوث حينما استعلن في الحين المناسب. حقًا لقد حُمل بالإنسان من بذرة الشرير، كما لو كان في بطن الخداع، جالسًا في الظلمات وفي ظلال الموت. ثم تقدم بعد ذلك في نور المعرفة الإلهية، في البداية كطفل، تعهده الناموس، إذ أنه يحمل نفسًا، مدركًا أن الله الآب يحتوى الكلمة كأقنوم، والروح القدس أيضًا، كما هو الوضع بالنسبة للنفس.
ولأن الإنسان بسبب ضعفه الشديد وطفولته المعرفية، لم يكن قادرًا على إظهار الكلمة والفكر، ولكى لا ينزلق إلى عبادة الآلهة المتعددة، فإن طبيعتنا المادية أو العالمية قد اكتسبت بمرور الزمن حكمة، مثلما يحدث مع الطفل الذي يكبر، كما لو كان قد تعلّم من نفس ما أن تكون له معرفة عن الله الآب ولكنها معرفة غير مُعلنة، مثلما يحدث في البداية من تلعثم غير واضح في الكلام، ثم يكتسب خبرة من خلال التعاليم النبوية، ثم إدراك ومعرفة كلمة الآب كأقنوم.
وبعد هذه الأمور المتلعثمة، وأقصد التعبيرات الموسوية والنبوية التي تحمل ألغازًا، وبعدما خرج كلمة الله بصوت مسموع وناطق من الأحشاء البتولية، كما تخرج الكلمة من الشفاه، ستعرف طبيعتنا الإنسانية ككل كمالها الثالوثى بعد أن تكون قد اجتازت هذا التلعثم، من خلال الكلمة، طالما أنها قد قبلت الروح القدس واستنارت ذهنيًا، والذي لم يجعل انتقاله وسكناه في هؤلاء من الخارج، لكنه استعلن فيها، من خلال تلك الأمور التي هى في داخلها، أى النفس والكلمة، مقابل الآب والابن، فتلد النفس كلمتها الأقنومية، ليس كمخلوقة، ولا كشئ مُغاير، ولا كجنس مختلف، بل بشكل أساسى هو وجود شخصي فطرى يحمل طبيعة مشتركة.
مظهرًا الطبائع المشتركة في ارتباطها بروح الذهن، كما لو كانت تشكل جسدًا واحدًا. وبالإضافة إلى هذه العناصر فإن النفس غير الجسدانية تُغرس فيها أعضائها غير الجسدانية[10]، كما لو كانت هذه الأعضاء نماذج توصف وتُصاغ وتتجمع معًا، تلك التي هى فوق كل شكل وهيئة، وهى تحمل روح الذهن كنسمة لجسدها، وكحياة لها، وتملك الكلمة كرفيق لها. فإذا حُرمت النفس من كل هذه الأمور، فلن يكون من الممكن أن توجد ولا أن يُعترف بها كنفس ناطقة وعاقلة، تلك التي خُلقت بحسب صورة الله ومثاله.
ومن خلال هذه العناصر الموجودة داخل النفس ستعلم وتعترف أن الآب، والابن، لم يكونا كائنين قبل الروح القدس. فكما في حالة النفس العاقلة، توجد الكلمة داخلها في نفس الوقت، ويوجد داخلها الروح الذي يُحييها ويُجمعها ويُكملها، هكذا فإن الله الكلمة هو كائن مع الآب، وفي نفس الوقت الروح القدس كائن مع الابن ومع الآب. أما إن فصلت وعزلت الكلمة عن النفس، فإن نفسك ستبقى بدون كلمة. هكذا ستعرف من خلال حقيقة الخلق على صورة الله، أنك لو رفضت الله الكلمة، قائلاً إنه غير كائن مع الله الآب، فإنك تكرز حينئذٍ بأن الله هو غير عاقل وشبيه بالحيوانات غير العاقلة.
ولو أنك فصلت الروح عن الله، فإنك تتحدث عن من هو ميت وليس عن إله حيّ. لذلك لو أنك أردت أن تجد فلسفة لعبارة “بحسب الصورة والمثال” فينبغي أن تفلسفها هكذا، وليس من قبل الأمور التي هى خارجك، بل من تلك التي هى داخلك. أن تعرف الله غير المعروف، من خلال الثالوث الذي في داخلك، اقتنِ معرفة للثالوث من خلال الأشياء الموجودة حقًا. هذه الشهادة هى شهادة مؤكدة وجديرة بثقة أكثر من أى شهادة أخرى للناموس وللكتاب.
خلق الإنسان وإدراك سر الثالوث:
حقيقةً أنه لهذا السبب فقط خلق الله مثل هذا الكائن الحيّ (أى الإنسان)، لأنه كان يرغب أن يُعلن للعالم سر الثالوث القدوس غير المُدرك، لكى تحمل داخلك أنت يا من خُلقت بحسب صورة الله ومثاله، الصورة والمثال والنماذج والأمثلة التى توضّح سر الثالوث القدوس، ولكى لا تتذبذب بعد من جهة سر الثالوث، حين تتطلع في صورة نفسك المخلوقة. لا تُعبّر بالتساؤل الساخر، إن كان الله ثالوث، فكيف يكون واحدًا؟ وإن كان الكلمة هو ابن، فكيف يمكن أن يكون المولود موجودًا منذ البدء مع والده؟ وإن كان الروح يأتى من الآب، فلماذا لم يولد، لكنه ينبثق؟ أو مَن هو الذي أحضره الآب إلى النور أولاً؟ الابن أم الروح القدس؟ فإن كان الاثنان معًا في نفس الوقت، فهل يوجد يا ترى داخل الثالوث إلهان أخوة، وولادة توأم؟
وكيف ستُميّز الفرق بين الولادة والانبثاق في الكائنات غير الجسدانية، والغير متحركة والثابتة؟ وكيف يكون ممكنًا أن يكون للوالد والمولود نفس المجد؟ وهل الآب يا تُرى ولد بإرادته أم لا؟ ومَن يشهد على أن الآب والابن والروح القدس هم جوهر واحد؟ وإن كان الله الآب هو أقنوم كامل. وإن كان الله الكلمة هو أقنوم كامل، والروح القدس إله كامل، فمن لا يقول إن عقل الله هو أقنوم إلهى آخر لله، وإله آخر هو ذراع الله، وأقنوم آخر هو اصبع الله، وكذلك يمين الله، وكل الأمور الأخرى التي يُقال عنها إنها أعضاء الله في الكتاب المقدس؟
إذًا فلكى لا تتكلم ولا تفكر في هذه الأمور، التي تعثّر فيها الهراطقة، وسقطوا بتفكيرهم، فإن الله خلقك بحسب صورة ومثال وجوده الثالوثى، لتكون نموذجًا يحمل الشكل الثالوثي، والذي يُعرف أنه واحد في الجوهر. وإن كانت لك رؤية مستقيمة، فستجد في هذا الثالوث، وبحق، كل ما يختص بالتعاليم التقوية عن الله، كما في مرآه، وكنموذج أو شكل (للثالوث القدوس). وأقصد أن الأقانيم ثلاثة، والجوهر واحد غير منقسم، وغير مُدرك، وهو الذي لا هيئة له، الذي لا يُشار إليه، غير المولود، المولود، المنبثق، الخالق، الراعى، الديان، غير المحسوس، غير الجسدى، الأبدي، غير المتجزئ، غير المائت، الذي لا يُعبّر عنه، الفائق الجمال، وبعبارة واحدة ستجد كل ما يقال بتقوى عن النماذج والصور الإلهية كظلال مرسومة داخل نفسك. ولهذا قال الله “لنخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا”.
الانتقال من الأصل إلى الصورة:
ومع هذا فإن هذه الأمور لم يفهمها الهراطقة غير المؤمنين في عصرنا ولا فكروا فيها، لأنهم لو فهموا بشكل صحيح عبارة ” بحسب الصورة والمثال ” كملمح للإنسان، ما كانوا ليتذبذبوا في سر الثالوث، ما كانوا ليُخضعوا الفائق للطبيعة لأفكارهم. ما كانوا لينشروا إدعائهم المظلم، بأنه لا يمكن أن يكون الله ثلاثة أقانيم. فلو أن آريوس قد فهم الخلق بحسب “الصورة”، ما كان له أن يُعلّم بأن الابن هو من جوهر مختلف عن الآب. لو أن مقدونيوس تعرض بتقوى لموضوع الخلق “بحسب الصورة” ما كان له أن يصف الروح القدس بأنه مخلوق. لكنهم أصيبوا بالعمى وعانوا ما عاناه أولئك الذين بينما كانوا يمتلكون الجوهرة في أعماقهم، لم يعرفوها، وبحثوا عنها في الهاوية وهذا بسبب أنهم مخدوعون.
لاحظ إذًا أن النفس هى “بحسب صورة الله” من حيث الشكل وليست بمساواة طبيعية. كيف صار هذا؟ سأشرح على الفور ما أقوله بوضوح. نحن نؤمن أن الله الآب غير محدود، وينطبق نفس الشئ على الابن وعلى الروح القدس، ولهذا فهم كأقانيم غير محدودين، يحملون أسماءً، يُعلن فيها الواحد عن الآخر، كما يوجد بينهم ترابط مشترك بمعنى أنه عندما يُذكر اسم الآب فمن الواضح أنه يُعلن عن وجود ابن له. كيف يكون ممكنًا أن يُدعى أبًا، إن لم يكن له ابن؟ نفس الشئ عندما يقول روح، فهو يعلن عن الله، لأن الله روح كما يقول الكتاب[11].
فلنأتِ بعد ذلك من هذا الثالوث القدوس إلى صورته، أى إلى الثالوث الذي يوجد داخلنا، وسترى الأسماء الثلاثة، حيث يحوى الواحد الآخر وهم متحدين. بمعنى أنك عندما تُشير إلى النفس الناطقة العاقلة، فمن الواضح أنك تُعلن عن الكلمة والعقل. نفس الشئ إذا ذكرت كلمة عقل، فإنك تعلن بكل الطرق عن النفس والكلمة. لأنه بأى شئ يتعلق الذهن، إن لم يكن بالنفس والكلمة؟ وهكذا فإن اسم أحد الأقانيم يستدعى حتمًا الإشارة إلى الأقنوم الآخر، فهناك ترابط قوي يجمع أسماء الأقانيم معًا. يتضح من ذلك أن الأقانيم تحمل نفس الطاقة والجوهر المشترك غير المنقسم، بمعنى أن طاقة الله الآب والابن والروح القدس هى واحدة ومتساوية، والقوة واحدة، والإرادة واحدة، والرأى واحد. فإن الابن غير منفصل عن الآب في كل ما يعمل وهو عامل معه، وأيضًا في كل ما يفعل الابن أو الروح القدس فإن الآب يعمل معهما في كل الأحوال بشكل غير منفصل. فلا الابن يفعل شيئًا بالانفصال عن الآب، ولا الآب بالانفصال عن الابن والروح القدس، بل ولا الروح القدس أيضًا يفعل شيئًا بدون الابن والآب.
وعندما ننتقل من الأصل إلى الصورة، إلى صورة نفوسنا التي هى مخلوقة “بحسب صورة الله ومثاله” سترى فينا أن الفعل هو واحد ومتساوى. لأن النفس لا تفعل شيئًا بدون الكلمة، ولا الكلمة بدون النفس، ولا أيضًا العقل يفعل شيئًا وحده بدون النفس وبدون الكلمة، بسبب قوتهم وطاقتهم المشتركة المتساوية الأبعاد والفطرية والمترابطة فيما بينها، بحسب خلقتها على صورة الله ومثاله. ولكن إذا قلت لى إن النفس لا تفعل أى شئ وحدها بدون الجسد، وهذا بالضبط ما سبق وأعلناه، إذ أنها قد خُلقت في هذا الجسد بحسب صورة الله ومثاله. فإنها من خلال المادة المرئية تعلن عن قوتها غير المرئية. إلاّ أنها عندما تنفصل عن الجسد أيضًا فإن الجوهر والنفس النقية بحسب طبيعتها، إذ توجد في استنارة وبساطة وهدوء وبهاء، يمكن أن تُدعى وتكون بحق مخلوقة بحسب “صورة الله ومثاله”.
ولكن إذا تهكم المقاوم، كما هو متوقع، على كل ما قلته، لأننا لم نُدلل على أنه توجد ثلاثة أقانيم في النفس بالمساواة مع أقانيم الثالوث القدوس، فليعلم الأحمق أن النفس خلقت على شكل الصورة وليست بمساواة حقيقية للثالوث القدوس. بل وفي الألوهة أيضًا، إن لم يكن هذا أمرًا مخيفًا أن يقوله المرء، فإن هناك تمايز للآب عن الابن، وتمايز للروح القدس عن الابن. وفي تشابهك مع صورة الله، أنت لا تتجاوز هذا أيضًا، أى أنه بولادة الكلمة جسديًا من الشفاه تصير الفضيلة والحكمة والاستنارة والقوة والعمق والمعرفة التي لنفسك وذهنك معروفة ومُعلنة للجميع. وهذا المثال يُعلن لك أنك خلقت وتوجد بحسب “صورة الله ومثاله”. لأنه بولادة كلمة الله جسديًا استعلنت للعالم القوة، المعرفة، الحكمة، وجميع أنواع الصلاح الأخرى التي للآب والروح القدس.
لاحظ إذًا كم وتنوع أعمال الكلمة في العالم، من جهة التشبه بكلمة الله، وكيف أنه بواسطة الكلمة، يُخلق كل شئ ويصير له وجود. لقد أخذت الملائكة كيانها بواسطة الكلمة، وبالكلمة يُمجدون الخالق، وبالكلمة خلق كل ما نراه، بالكلمة أُنير سر الكون، بالكلمة صارت الكيانات معروفة. بواسطة الكلمة فقط ظهرت هذه الكيانات، بالكلمة تحققت الإنجازات، بواسطة الكلمة تجلى الكون. لقد بُشّر بمعرفة الله بواسطة الكلمة، وبواسطة الكلمة أخذنا هذه المعرفة. بواسطة الكلمة توّحدت وانجمعت كل الأشياء معًا. وكما أن الطفل الذي لا يتكلم يعتبر قليل العقل بحسب تقديرات الناس، إلى أن تولد الكلمة من شفتيه، هكذا كلمة الله المولود بحسب الجسد، عبر كل مراحل عدم الكلام الخاصة بطبيعتنا، حين استعلن بكل وضوح في عملية الخلق مع الآب والروح القدس.
ولأن نفوسنا هى مخلوقة من الله، فهى غير مُرسلة لخدمة ما، بعد انفصالها عن الجسد، كما يحدث بالعكس مع الملائكة، لأن الملائكة هى أرواح مُرسلة للخدمة، بينما أنفس القديسين هى بشكل أساسى مخلوقة بهيبة بحسب صورة الله ومثاله، لأنه إن كان الإنسان بعد عصيانه، قد طاله نقص بسيط عن الملائكة[12]، إلاّ أنه بإتحاده بالله الكلمة صار أعظم من الملائكة، لأن ذاك الذي خُلق بحسب “صورة الله ومثاله، اتحد الآن بالله وذاك الذي أخذ أولاً صورة الله، يعكس الآن صورة الله، هذا الذي يليق به المجد إلى أبد الآبدين آمين.
هوامش الموضوع:
[1] العناوين الجانبية من وضع المترجم.
[2] تك26:1.
[3] نار وماء وأرض وهواء. هذه العناصر كانت تمثل المعطيات العلمية لذلك العصر (القرن الرابع) وقد أشار ق. أمبروسيوس إلى هذه العناصر المكونة للإنسان في كتابه شرح الإيمان المسيحي.
[4] تك27:1.
[5] رو29:8.
[6] ميثوديوس هو أسقف مدينتي أوليمبوس وبترا. وقد انتقل بحسب شهادة القديس جيروم إلى إيبارشية صور في فينيقية (لبنان). استشهد عام 213م في خالكيس. وقد عُرف عنه معارضته للعلاّمة أوريجينوس، برغم تأثره بفكر ومنهج أوريجانوس، كما أشار هو نفسه إلى ذلك. وهو ما يظهر في استخدامه للتفسير الرمزي للكتاب المقدس. “ Methodius – the Banget of the ten virgins “ Ante – Nicene Fathers – vol.6.P. 309-310.
[7] ” لتكون مقدسة جسدًا وروحًا” (1كو34:7).
[8] 1كو10:2.
[9] 1كو15:14.
[10] تعبير “أعضاء النفس” استخدمه القديس يوحنا ذهبي الفم في تفسيره لرسالة رومية، الاصحاح الرابع قائلاً: ” علينا أن نشدد أعضاء النفس ونحفظها بالملمح الروحى”. أيضًا استخدمه القديس مقاريوس في العظة 7 ردًا على تساءل، هل العقل شئ والنفس شئ آخر؟ أجاب كما أن أعضاء الجسد وهى كثيرة تُدعى إنسانًا واحدًا، هكذا النفس لها أعضاء كثيرة وهى (العقل ـ الضمير ـ الارادة) وكل هذه مرتبطة معًا في نفس واحدة.
[11] يو24:4.
[12] عب7:2.
خلق الإنسان على صورة الله ومثاله للقديس غريغوريوس النيسي
التعليم عن الخلاص في القداس الغريغوري – د. رودلف مرقس يني
التعليم عن الخلاص في القداس الغريغوري – د. رودلف مرقس يني
التعليم عن الخلاص فى ليتورجية القديس غريغوريوس النيزينزي د. رودلف مرقس ينى[1]
مقدمة:
ليتورجية القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات هى إحدى الليتورجيات المستخدمة فى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ، وهى من الليتورجيات القليلة الموجهة للابن والباقية إلى الآن. وقد ذكر جريجورى ديكس فى كتابه ” شكل الليتورجيا ” أن الليتورجيات التى تخاطب الابن كانت معروفة فى العالم القديم ، وهى تقليد قديم لدى السريان ؛ من ذلك ليتورجية القديس أداى ومارى (Adai and Mari) والليتورجيات الأخرى الكثيرة التى اشتُقت منها . وقد أحصى ديكس أيضًا ثلاث ليتورجيات إثيوبية، وليتورجية مصرية أخرى قديمة موجهة للابن، كما وجد أيضًا ما يدل على أن أمثال هذه الليتورجيات كانت معروفة فى الغرب [2].
وقد حُفظت ليتورجية القديس غريغوريوس فى اللغة القبطية وهى مُترجمة الآن للغات العربية والإنجليزية، وربما بعض اللغات الأخرى الحديثة لاستخدامها فى كنائس المهجر. كما توجد أجزاء من هذه الليتورجية فى مخطوطة يونانية ترجع إلى القرن الرابع عشر، اكتُشفت فى أوائل القرن العشرين فى دير القديس الأنبا مقار بوادى النطرون. ومن المحتمل أن الليتورجية كانت تُقام بهذه اللغة اليونانية ـ على الأقل فى بعض المناسبات ـ فى الدير فى ذلك الحين[3].
وقد ذكر بعض العلماء أن هذه الليتورجية ربما تعود إلى ما قبل مجمع نيقية، وأن بعض التغيرات أُضيفت إليها فى القرون التالية[4]. إلاّ أن آخرين يصرون على أنها تعكس تعاليم القديس غريغوريوس اللاهوتية. فهذا القداس هو شهادة من التقليد لتعليم آباء الكنيسة الشرقية فى القرنين الثالث والرابع عن الخلاص. وإن كانت كل إفخارستيا هى ذكرى (anamnesis) لعمل المسيح الخلاصى، إلاّ أن هذه الليتورجية تشرح لنا التعليم اللاهوتى عن عقيدة الخلاص بصورة حية لا تصل إليها أية ليتورجية أخرى . ولهذا أطلق عليها البعض اسم “ليتورجية المخلص ” [5]. وهذا المقال يتتبع موضوع الخلاص فى المراحل المختلفة من الليتورجية كما يوضح مطابقتها لتعليم آباء الكنيسة الشرقية بوجه عام، والقديس غريغوريوس بوجه خاص.
أولاً : صلاة الصلح
تتميز القداسات القبطية (قداس الإفخارستيا ، أو قداس المؤمنين) بوجود صلاة تمهيدية تُعرف باسم ” صلاة الصلح ” وفى هذه الصلاة التى يبدأ بها القُداس الغريغورى يوجد تعليم رئيسى عن الخلاص وهو يتعلق بظهور الرب بالجسد ، وهذا التعليم تتميز به كتابات الآباء الشرقيين بنوعٍ خاص. وقد أُطلق على هذا التعليم تعبير ” الخلاص بالتجسد ” .
[ أيها الكائن الذى كان الدائم إلى الأبد ؛
الذاتى والمساوى والجليس والخالق الشريك مع الآب ؛
الذى من أجل الصلاح وحده كوّنت الإنسان مما لم يكن ؛
ووضعته فى فردوس النعيم ؛
وعندما سقط بغواية العدو ومخالفة وصيتك المقدسة ؛
وأردت أن تجدده وترده إلى رتبته الأولى ؛
لا ملاك ولا رئيس ملائكة ولا رئيس آباء ولا نبيًا إئتمنته على خلاصنا ؛
بل أنت بغير استحالة تجسدت وتأنست ؛
وشابهتنا فى كل شئ ما خلا الخطية وحدها ؛
وصرت لنا وسيطًا لدى الآب ؛
والحاجز المتوسط نقضته؛
والعداوة القديمة هدمتها ؛
وأصلحت الأرضيين مع السمائيين؛
وجعلت الاثنين واحدًا ؛
وأكملت التدبير بالجسد .. ] [6].
ثانيًا : الشكر
القسم الأول من الصلاة الإفخارستية (والذى دعاه علماء الليتورجيات المحدثين فى بداية هذا القرن ” المقدمة”) هو جزء لا يتجزأ من القداس والذى عُرف منذ القرون الأولى باسم “الشكر” (Eucharistia) . وبعد أن يبدأ القداس الغريغورى بشكر الله من أجل عمله فى الخليقة، ينتقل إلى عمله فى الخلاص مبتدئًا بالعهد القديم . وفى وصف الله المُحب يستخدم عددًا من الصور الكتابية . فهو الراعى الصالح ، والأب المحب، والطبيب الذى يستخدم “كل الأدوية المؤدية للحياة “. فهو الذى أرسل الأنبياء وأعطى الناموس :
[ أنت يا سيدى حولت لى العقوبة خلاصًا ؛
كراعٍ صالح سعيت فى طلب الضال ؛
كأب حقيقى تعبت معى أنا الذى سقط ؛
ربطتنى بكل الأدوية المؤدية للحياة ؛
أنت الذى أرسلت لى الأنبياء من أجلى أنا المريض ؛
أعطيتنى الناموس عونًا ] [7].
وبعد ذكر جميع هذه الوسائل التى استخدمها الله فى العهد القديم لمساعدة البشرية التى سقطت وتعرضت للفساد ، تستطرد الليتورجية فى الحال :
[ أنت الذى خدمت لى الخلاص لما خالفت ناموسك ؛
كنور حقيقى أشرقت لى أنا الذى أخطأت وعشت فى جهل ] [8].
وهنا تعود الليتورجية لتستأنف موضوع ” الخلاص بالتجسد ” الذى بدأته فى صلاة الصلح. ولكن قبل أن ندخل إلى العمق اللاهوتى الذى تبلغ إليه الصلاة هنا ، علينا ان نفهم معنى هذا التعبير من كتابات آباء شرقيين آخرين .
ما هو ” الخلاص بالتجسد ” ؟
هذا التعليم يمثل ركنًا أساسيًا فى مفهوم الخلاص لدى الآباء الشرقيين منذ القرون الأولى. فهو معروف لدى القديس إيريناوس (فى نهاية القرن الثانى)، والقديس أثناسيوس الرسولى، والقديس كيرلس الأسكندرى وغيرهم من الآباء .
لم تكن هناك وسيلة أخرى لخلاص الإنسان كما يقول القديس أثناسيوس : [ ماذا كان ممكنًا أن يفعله الله ؟ وماذا كان ممكنًا أن يتم سوى تجديد تلك الخليقة التى كانت على صورة الله؛ وبذلك يستطيع البشر مرة أخرى أن يعرفوه ؟. ولكن كيف كان ممكنًا أن يحدث هذا إلاّ بحضور نفس صورة الله ـ ربنا يسوع المسيح ؟. أتى كلمة الله بنفسه كى يمكنه وهو صورة الاب أن يخلق الإنسان على هذه الصورة من جديد .. ] [9]. فقد أخذ ابن الله جسدًا قابلاً للموت كى ينتصر فيه على الموت والفساد [10].
وهذه النقطة يشرحها القديس غريغوريوس بأكثر إسهاب ، فى عظته على الظهور الإلهى مستخدمًا نفس ألفاظ الليتورجية . وهناك مغزى عميق لتعرّض القديس لموضوع الخلاص فى عيد الظهور الإلهى، الذى كان فى ذلك الوقت، العيد الوحيد لتذكار التجسد الإلهى أى للميلاد والعماد معًا :
[ كان الإنسان قد نال التأديب بطرق كثيرة .. بالكلمة والناموس والأنبياء ، بالمنافع والإنذارات والأوبئة… وأخيرًا احتاج إلى ترياق قوى لأن علّله قد ازدادت سوءًا .. وإذ احتاجت هذه العِلل إلى خلاص أعظم ، جاء هذا الخلاص العظيم الذى هو كلمة الله نفسه ، الكائن قبل كل الأكوان ، غير المنظور ، غير المفحوص ، غير الجسدى ، بداية كل بداية ، النور الذى من النور ، مصدر الحياة والخلود .. الصورة غير المتغيرة ، كلمة الله ـ جاء إلى صورته ، وأخذ جسدًا من أجل جسدنا ، واتحد بنفس عاقلة من أجل نفسى ، كى يُطْهر المثيل بالمثيل . وصار إنسانًا كاملاً فى كل شئ ما خلا الخطيئة ] [11].
ويجب أن نؤكد هنا أن هذه العلاقة الوثيقة بين التجسد والخلاص التى كانت أحد المعالم الرئيسية لتعليم الآباء ، لم تكن واضحة فى تعليم الآباء الغربيين الذين كانوا يوجهون اهتمامهم بالأكثر إلى الناحية القانونية فى تعليمهم عن الكفارة . ويظهر هذا واضحًا فى تعليم ترتليان فى أوائل القرن الثالث . وقد انقطعت هذه العلاقة تمامًا فى العصور الوسطى حين أدخل أنسلِم أسقف كانتربرى تعليمه عن ” الترضية ” فى أوائل القرن الثانى عشر .
وإذ اتبع أنسلِم المبادئ القانونية المعروفة فى عصره، خَلُص إلى أن الترضية المطلوبة يجب أن يوفيها الإنسان ؛ وبذلك كان تعليمه، أن هذه الترضية قام بها المسيح كإنسان . فذبيحة المسيح التى قام بها كإنسان (حسب تعليم أنسلِم) هى تقدمة لله من جانب الإنسان على الأرض ، هى عمل بشرى للترضية . وواضح أن هذا يُناقض تمامًا تعليم الآباء الذين يتحدثون عن الله الذى تجسد ودخل إلى عالم الخطية والموت ، كى يغلب الأعداء الذين يستعبدون الإنسان ويقيدونه. وبذلك فإن الله نفسه هو الذى أتم العمل الخلاصى [12].
وبسبب تمسك المسيحيين الغربيين بضرورة قيام الإنسان بالترضية (لإيفاء العدل الإلهى حقه) أصبحت أى وسيلة أخرى لعلاج البشرية الساقطة تعنى تساهل الله وعدم عدله . وحسب هذه النظرية يجب أن يأخذ الله الترضية التى بدونها تصير المغفرة تساهلاً ؛ وهذه الترضية تمت بموت المسيح . على العكس من ذلك، نرى الآباء يعلمون بأن عمل الكفارة الذى عمله الله فى المسيح، هو تدبير إلهى يختلف تمامًا عن النظام القانونى . فالكفارة لا تقوم على أساس اتمام مطالب العدل حسب القوانين البشرية ولكنها أسمى منها. ومشكلة الإنسان لم تكن فى محاولة تقديم ترضية للآب الغاضب ، بل هى ـ كما ذكر الآباء مرارًا وتكرارًا ـ فى كيفية القضاء على الخطية والموت [13].
الإخلاء (Kenosis)
يتضمن عمل السيد المسيح فى الخلاص عدة مراحل . غير أن مجرد إخلائه لذاته ليأخذ جسدًا بشريًا يعتبر عملاً خلاصيًا فى حد ذاته ، كما يوضح القداس الغريغورى ، مستخدمًا كلمات الرسول فى (فى7:2) ” .. أخلى نفسه آخذًا صورة عبد .. ” إذ يقول :
[ أيها الغير المُحوى إذ أنت الإله لم تضمر اختطافًا أن تكون مساويًا لله ،
لكن أخليت ذاتك وأخذت شكل العبد ،
وباركت طبيعتى فيك ] [14].
والقديس غريغوريوس يعالج الموضوع نفسه فى عظته على الظهور الإلهى :
[ وهو الكامل أخلى ذاته ، إذ أنه أخلى نفسه من مجده لفترة قصيرة حتى يكون لى نصيب من ملئه . فيا لغنى صلاحه! ويا للسر المحيط بى ! لقد كان لى نصيب فى الصورة الإلهية ولم أحفظها . وها هو يشاركنى الجسد كى ينقذ الصورة ويهب الخلود للجسد ] [15].
ويوضح القديس أثناسيوس كيف تباركت البشرية كلها بمجرد تجسد ابن الله بالمثال التالى:
[ كما أنه إذا دخل ملك عظيم إلى مدينة كبيرة ، وسكن فى أحد بيوتها ، فإن مثل هذه المدينة تصير مستحقة لشرف عظيم فى جميع الأحوال ] [16].
ماذا يعنى تعبير ” الخلاص بالتجسد ” ؟
نرى فى تعليم الآباء الشرقيين أن خلاصنا هو فى قصد المسيح منذ الأزل، منذ وجوده فى حضن الآب إلى ميلاده ومعموديته وتعليمه وصلبه وقيامته وصعوده ومجيئه الثانى [17]. وعندما يذكر القداس الغريغورى أعمال المسيح على الأرض ، فإنه يستخدم الصور الآبائية القديمة التى تصف الرب بأنه المخلص والمعلم والغالب والتقدمة (أو الذبيحة) . ونلاحظ أن الليتورجية تجعل هذه العقائد الإيمانية مجالاً للتأمل وشكر الله وتمجيده من أجل عمله الخلاصى ، ذلك العمل الذى يبلغ ذروته فى سر الفصح الذى هو صلب المسيح وموته وقيامته . وإذ تستخدم الليتورجية فى هذا، كلمات إشعياء النبى فى أناشيد العبد المتألم (إش6،5:50)، فإنها تتبع تعليم الآباء الشرقيين، بأن المسيح كان فى ذلك ممثِلاً للبشرية وليس بديلاً عنها :
[ احتملت ظلم الأشرار ،
بذلت ظهرك للسياط ،
وخداك أهملتهما للطم ،
لأجلى يا سيدى لم تَرُد وجهك عن خزى البصاق .
أتيت إلى الذبح مثل حمل حتى إلى الصليب ،
أظهرت عظم اهتمامك بى ،
قتلت خطيتى بقبرك ،
أصعدت باكورتى إلى السماء .
أظهرت لى إعلان مجيئك .. ] [18].
ثالثًا : التذكار (الأنامنسيس) ” Anamnesis ”
تنتقل الليتورجيا من الشكر إلى التقديس والتذكار، حيث لا تستطيع أن تحصر ما تذكره الكنيسة وتعيشه فى الإفخارستيا ، والذى يلخصه الكاهن قبل صلاة حلول الروح القدس ذاكرًا مراحل عمل المسيح الخلاصى :
[ فإذن يا سيدنا فيما نحن نصنع ذكرى نزولك على الأرض ،
فى الذكرى (anamnesis) تعيش الكنيسة كل تاريخ الخلاص من التجسد إلى المجىء الثانى . وهذا يختلف تمامًا عن تعليم اللاهوت المدرسى الغربى الذى إذ يُقصر مشكلة البشرية على ناحيتها القانونية ، وهى دفع الدين وترضية الغضب الإلهى ، يعتبر الصليب نهاية عمل الرب الخلاصى بقوله “قد أُكمِل” (يو30:19). أما فى الكتاب المقدس وتعليم الآباء، فإننا نرى السيد المسيح هو مُمثل البشرية ورئيس كهنتها الذى قدم ذاته من أجلها، وقهر الشيطان وأبطل الخطيئة والموت. وإذ هو رئيس خلاصنا فقد صعد إلى السموات، وجلس (بجسده البشرى) عن يمين العظمة فى الأعالى . وسوف يأتى ثانية ” للخلاص للذين ينتظرونه ” (عب24:9). كل هذا تقوله الليتورجيا وتعيشه الكنيسة فى ” الأنامنسيس ” .
رابعًا : صلاة القسمة
وبعد ” الأنامنسيس ” وحلول الروح القدس تأتى الطلبات وتليها صلاة القسمة التى تُختم بالصلاة الربانية. وصلوات القسمة تنفرد بها القداسات القبطية ، وهى تختلف من قداس لآخر ومن مناسبة لأخرى. ولكن هدف كل صلوات القسمة هو إعداد الكنيسة للشركة المقدسة ، وهى تحوى تعاليمًا لاهوتية مختلفة . وصلاة القسمة فى القداس الغريغورى تخاطب الابن وتدعوه ” مخلص الكنيسة ” وتركز الكلام على الأسرار المقدسة التى عن طريقها يصل الخلاص الذى صنعه الرب إلى كل مؤمن، وفى ذلك تؤكد أن المعمودية والإفخارستيا تنبعان مباشرة من التجسد ومن الصليب :
[ مبارك أنت أيها المسيح إلهنا ضابط الكل مخلص كنيستك ! أيها الكلمة المتجسد ، الذى من قِبَل تجسدك غير المُدْرك أعددت لنا خبزًا سمائيًا ، جسدك المقدس هذا السرى والمقدس فى كل شئ.
مزجت لنا كأسًا من كرمة حقيقية التى هى جنبك الإلهى غير الدنس .
هذا الذى من بعد أن أسلمت الروح فاض لنا منه دم وماء ،
هذان الصائران طهرًا لكل العالم ..
أنت من أجل تحننك الجزيل جعلتنا كلنا أهلاً للبنوة بالمعمودية المقدسة .. ] [19].
بهذه الكلمات القليلة تسجل الليتورجية دور الأسرار فى الخلاص . ففى المعمودية والإفخارستيا نصير أبناء الله، وننال نعمة الشركة فى الحياة الإلهية التى كانت هدف الخليقة منذ البدء، وصارت الآن الغاية القصوى للخليقة الجديدة . ويؤكد القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات أن المعمودية هى الوسيلة الأولى التى يستخدمها الروح القدس كى يصل عن طريقها عمل المسيح لتأليه (Theosis) الإنسان ، فيقول : [ إذا لم يكن الروح القدس إلهًا نعبده، فكيف يمنحنا التأليه فى المعمودية؟]، كما يقول أيضًا [ كيف لا يكون الروح هو الله وهو الذى يقودكم إلى الله ] [20].
كذلك يشرح القديس غريغوريوس النيزينزى من ناحية أخرى، كيف أن الإفخارستيا تمحو الفساد الذى أدخلته الخطية للإنسان ، وبذلك تصير واسطة لنوال نعمة التأليه :
[بظهور الله اتحد بالطبيعة القابلة للموت ، كى تكون شركة الطبيعة البشرية مع الله وسيلة لمنحها نعمة الخلود معه . من أجل هذا كان تدبير النعمة الإلهية أن يتحد هو نفسه بالمؤمنين بواسطة هذا الجسد والدم اللذان من الخبز والخمر . وإذ يتحد بأجساد المؤمنين يصير الإنسان أيضًا خالدًا باتحاده مع الخالد ] [21].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] هذا البحث قُدم فى الدورة السنوية الثالثة عشر للجمعية الأمريكية لدراسات الآباء المُنعقد فى مدينة شيكاغو فى الفترة من 28ـ30 مايو 1998.
[2] Dix G: Shape of the Liturgy. London: Black, 1945: 180.
[3] Evelyn White HE: The Monasteries of the Wadi ‘N Natrun. Part I: New Coptic Texts from the Monastery of Saint Macarius. New York, 1926: 200-213.
[4] Furman JE: The Coptic Liturgy of Saint Gregory. In: Coptic Church Review, 1987: 16
[5] Ibid, 17.
[6] The Liturgies of St. Basil, St. Gregory, and St. Cyril (translated from a Coptic Manuscript of the 13th century), London: Rivingtons, 1870: 2.
[7] Ibid. 3
[8] Ibid.
[9] Athanasius: Incarnation of the Word (Inc.), 13:7. (NPNF, second series, vol.4).
[10] Inc. 13:7,8 (NPNF, op. cit. 43).
[11] Oration 38. On the Theophany: 13 (NPNF, second series, vol. 7: 348-9).
[12] Gustaf Aulen: Christus Victor. London :S.P.C.K., 1961: 103, 104.
[13] Ibid. 105-119.
[14] The Liturgies of St. Basil, St. Gregory, and St. Cyril, op. cit., 3& 4.
[15] On the Theophany: 13, op.cit.
[16] Inc. op. cit. 9:3.
[17] Bebawi G: St. Athanasios: The Dynamics of Salvation. In Sobornost, London, 1986: 8:2:29.
[18] The Liturgies of St. Basil, St. Gregory, and St. Cyril, op. cit., 4.
[19] Ibid, 8.
[20] Winslow, op. cit., 133. The quotations are from Gregory , Orations 40:42 respectively, and 31:8.
[21] Or. cat. 37. Translated in The Later Christian Fathers by H. Bettenson. London: Oxford University Press, 1970: 163.
التعليم عن الخلاص في القداس الغريغوري – د. رودلف مرقس يني