صعود المسيح ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم

صعود المسيح ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم

صعود المسيح ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم

 

هذا العيد أيها الأحباء يتجاوز العقل الإنسانى وهو لائق بكرم الله الذى صنعه . فاليوم قد تصالح الله مع الجنس البشرى .

اليوم أُبطلت العداوة القديمة وانتهت الحرب طويلة الأمد . اليوم حل سلام عجيب لم نكن نحلم به قبلاً . فمن كان يتصور أن يتصالح الله مع الإنسان؟ لا لأن الله قد أبغض الإنسان ولكن لأن العبد كان غير مبالٍ، لا لأن السيد كان قاسٍ لكن لأن العبد كان منكراً للجميل .

أتريد أن تعرف كيف أغضبنا إلهنا الصالح مُحب البشر؟ لأنه يجب أن تعرف سبب عداوتنا السابقة ، حتى عندما ترى تكريمه لنا ، ونحن أعداء ومقاومين له، تتعجب وتندهش من محبته للبشر وعنايته بهم . وأيضًا لكى لا تظن أن هذا التغيير قد صار بإمكاناتنا وقدراتنا .

وما دمت قد عرفت هذه الحقيقة ومقدار نعمته، فعليك ألاّ تتوقف عن تقديم الشكر له لعطاياه الكثيرة، والوفيرة والغنية .

أتريد أن تعرف كيف أغضبنا إلهنا مُحب البشر، الحنان، الصالح هذا الذى يدبر كل شئ من أجل خلاصنا؟ أقول لقد فكر يومًا في إبادة كل الجنس البشرى وقد بلغ منه الغضب علينا حتى عزم أن يهلكنا مع النساء والأولاد والحيوانات المتوحشة والأليفة وكل الأرض .

أتريد أن تسمع هذا الحكم النهائى ؟ يقول الرب “ أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذى خلقته . الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء ” (تكوين 7:6) .

ولكن لكى تعلم انه لم يُبغض الطبيعة الإنسانية وأنه عدل عن الشر، فإن ذاك الذى قال أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذى خلقته ـ يقول ” هو وقت لكل إنسان أن يقترب منى ” .

فلو كان قد أبغض الإنسان لكان يرفض الحوار معه . لكن الآن تراه لا يريد أن يصنع ما هدد به، لكى يبرر العبد ويخبره عن أسباب الدمار الذى من الممكن أن يحدث، لا لكى يعرفها فقط بل لكى يُخبر بها الآخرين فيجعلهم أكثر تعقلاً وأكثر تدبرًا .

وكما أشرت من قبل أنه على قدر الشر الذى صنعه الجنس البشرى في البداية على قدر ما هُدد أن يُباد من على وجه الأرض .

لكن نحن الذين لم نكن مستحقين أن نسود على الأرض، صعدنا اليوم إلى ملكوت الله اجتزنا السموات، وتلامسنا مع عرش الله . الجنس الذى بسببه حرس الشاروبيم الفردوس، يجلس اليوم أعلى من الشاروبيم .

لكن كيف حدث هذا الأمر المدهش؟ كيف ونحن الخطاة غير المستحقين للأرض وفقدنا السيادة عليها نُرفع إلى هذا السمو العظيم؟ كيف أُبطلت الحرب ؟ كيف توقف الغضب؟

هذا هو السمو وهذه هى العظمة، أن الذى غضب منا، هو هو الذى دعانا، ولسنا نحن الذين ترجيناه. وهكذا صار السلام ” إذًا نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا. نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله” (2كو20:5).

وماذا يعنى هذا ؟ الذى غضب هو الذى يدعو؟ نعم لأنه كأب مُحب للبشر يدعو. وانتبه ماذا حدث، الوسيط الذى يدعونا هو ابن الله، لا إنسان ولا ملاك ولا رئيس ملائكة ولا أى أحد آخر من خدامه .

وماذا يصنع الوسيط؟ الوسيط يتدخل بين طرفين متخاصمين لا يريدون أن يتصالحوا ، وذلك بهدف إنهاء الخصام . هكذا صنع المسيح .

 الله كان غاضبًا منا ونحن تجاهلنا محبته للبشر ، لكن عندما توسط المسيح فقد صالح الاثنين . وكيف توسط ؟ بأن قبل العقوبة التى وضعت علينا وأحتمل هذه العقوبة واحتمل إهانات البشر. أتريد أن تعرف كيف احتمل المسيح هذين الأمرين ؟ اسمع ماذا يقول الرسول بولس ” المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا لأنه مكتوب ملعون كل من علق على خشبة ” (علاطية13:3).

أرأيت كيف قبل العقوبة التى وضعت علينا من السموات ؟ ولاحظ كيف احتمل الإهانات التى وجهها له البشر ” تعييرات معييرك وقعت عليه” (مزامير9:69) .

أرأيت كيف أبطل العداوة القديمة؟ كيف أحب الجميع حتى الموت وجعل العدو والخصم يصعد إلى السماء ويصير بالقرب من عرش الله ؟

 أساس كل هذه الخيرات هو هذا اليوم الذى نحتفل به ” عيد الصعود ” لأن فيه صعدت باكورة طبيعتنا الإنسانية إلى الله .

مثلما يحدث في الحقول المنثورة بالقمح، عندما يأخذ المرء قليل من السنابل ويصنع حزمة ويُقدمها لله فهو يبارك بهذه الحزمة كل الحقل . وهذا ما صنعه المسيح ، بهذا الجسد وهذه التقدمة الفريدة ، إذ بارك كل الجنس البشرى  .

لكن لماذا لم يصعد كل الجنس البشرى إلى السماء ؟ لأنه لا تكون تقدمة لو أن المرء قدم كل المحصول ، لكن التقدمة الحقيقية هى أن يُقدم المرء جزء من المحصول وبهذه التقدمة يتبارك المحصول كله .

لكن قد يقول قائل إن أول مخلوق كان يجب أن يكون هو التقدمة، لأنه هو البداية. لكنى أقول هذه ليست بداية أيها المحبوب ، فلو قدمنا أول الثمر فقد يكون فاسدًا أو مريضًا. ولذلك يجب أن نُقدم الثمر المتميز . لأن الثمر الأول كان مسئولاً عن الخطية ولهذا لم يُقدم ذاته على الرغم من أنه خُلق أولاً . لكن المسيح كان بلا خطية ولهذا قدم ذاته على الرغم من أنه بحسب الزمن قد ولد فيما بعد . هذا يعنى بداية .

ولكن تعرف أن الثمر الأول ليس هو التقدمة المتميزة، وأن التقدمة الحقيقية هى الثمر الفائق والنوع الجيد الذى نضج كما ينبغى، سأدلل لك على ذلك من الكتاب المقدس ” ومتى دخلتم الأرض وغرستم كل شجرة للطعام تحسبون ثمرها غُرلتها . ثلاث سنين تكون لكم غلفاء . لا يؤكل منها وفي السنة الرابعة يكون كل ثمرها قدساً لتمجيد الرب وفي السنة الخامسة تأكلون ثمرها. لتزيد لكم غلتها. أنا الرب إلهكم” (لا23:19ـ25). إذن لو كان أول ثمر هو الثمر المتميز ، بمعنى الثمر الذى صار أول عام لكان هذا هو الذى يجب أن يُقدم للرب . لكن يقول ثلاثة أعوام لا يكون الثمر ناضجًا بل تتركه لأن الشجرة غير صالحة ولأن الثمرة مريضة، وغير ناضجة. السنة الرابعة يقول إن الثمر سيكون مناسبًا للرب. وانتبه لحكمة المشرع . لا يتركه يأكل لكى لا يذوق الثمر قبل الرب . ولا يسمح له أن يقدمه ، لكى لا يقدمه لله قبل أوانه . لكن يقول أتركه لأنه هو أول ثمر ، ولا تقدمه لأنه غير لائق بأن يُقدّم لله .

أرأيت أن أول ثمر ليس هو الثمر المتميز ؟

هذه الأمور نقولها من نحو الجسد الإنسانى الذى قدمه المسيح للآب . قدّم للآب التقدمة المتميزة المختارة عن الجنس البشرى كله . وكم ابتهج الآب بهذه التقدمة. لأن ذاك الذى قدمها مستحق، لأن التقدمة كانت غير دنسة واستقبلها الأب ووضعها بالقرب منه، وقال له ” أجلس عن يمينى” (مز1:110) وإلى أى طبيعة قال الله أجلس عن يمينى ؟ قالها إلى ذاك الذى سمع قبلاً ” أنت تراب وإلى التراب تعود ” (تكوين19:3).

ألم يكن كافيًا إذن أنه صعد أعلى من السموات ؟

ألم تكن هذه الكرامة فائقة وتتجاوز كل تقدير ؟

لقد تجاوز الملائكة ورؤساء الملائكة والشاروبيم وصعد أعلى من السيرافيم وصعد أعلى من كل القوات السمائية حتى إلى يمين عرش الله . ألا ترى المسافة من الأرض إلى السماء ؟ أو بالحرى فلنبدأ من أسفل – ألا ترى عظم المسافة من الجحيم إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء ومن السماء إلى السماء العليا ومن أعلى سماء إلى الملائكة إلى القوات العلوية ثم إلى عرش الله نفسه ؟ لقد جاز الرب بطبيعتنا كل هذه المسافة ورفعها إلى ذلك العلو .

لاحظ أين كنت موجودًا وإلى أى مكان صعدت . لا يوجد مكان أسفل من المكان الذى نزل إليه الإنسان ولا يوجد مكان أعلى وأسمى من المكان الذى أصعده إليه المسيح مرةً أخرى .

هذه الأمور أعلنها القديس بولس قائلاً ” الذى نزل هو الذى صعد أيضاً فوق جميع السموات لكى يملأ الكل“(أف9:4) وصعد فوق جميع السموات.

تأمل من الذى صعد وأى طبيعة صعدت وما حال هذه الطبيعة قبل صعودها .

إنى أنظر إلى الوضع الضعيف للجنس البشرى ثم أنظر إلى مقدار الكرامة التى أعطاها لنا الله مُحب البشر .

لقد كنا طينًا وترابًا ولا ذنب لنا في ذلك ، فهذا راجع لسبب ملازم لضعف طبيعتنا . تصرفنا وسلكنا بصورة أكثر غباء من الحيوانات غير العاقلة ” صار الإنسان مثل الحيوانات غير العاقلة وشبيهًا لها ” (مز13:48س).

ولكى يشار إليه بأنه شبيهه بالحيوانات، فهذا يعنى أنه أسوأ منها . لأن الحيوان بحسب طبيعته ليس له عقل وفهم ومن الطبيعى أن يبقى في حالة عدم الإدراك وعدم الفهم ، لكن حين ننزلق نحن الذين كرّمنا الله بالعقل إلى حالة عدم الفهم ، فهذا يعنى أننا أخطأنا بإرادتنا الحرة .

وعليه عندما تسمع أن الإنسان صار شبيهًا بالحيوانات، لا تظن أنه قالها للتدليل على أننا صرنا مساويين لها في عدم الفهم ، ولكنه أراد أن يدلل على أننا صرنا أسوأ منها .

وبالحقيقة صرنا أسوأ وأكثر بلادة من الحيوانات . لا لأننا بشر انزلقنا إلى هذا المستوى ولكن لأننا وصلنا إلى أكثر درجات الجحود . وهذا ما أعلنه أشعياء النبى قائلاً ” الثور يعرف قانيه والحمار يعرف معلف صاحبه. أما إسرائيل لا يعرف. شعبى لا يفهم ” (إش3:1) .

لكن لا نفشل ” لأنه حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جداً” (رو20:5).

أرأيت كيف كنا أكثر غباءً من الحيوانات ؟

وتريد أن تعرف أننا صرنا أقل وعيًا من الطيور؟ اسمع ماذا يقول النبى ” بل اللقلق في السموات يعرف ميعاده واليمامة والسنونة المزقزقة حفظتا وقت مجيهما . أما شعبى فلم يعرف قضاء الرب ” (إر7:8).

إذًا ها قد حُسبنا أكثر غباء من الحيوانات والثيران والطيور. وتريد شاهد آخر على مذلتنا؟ الكتاب جعلنا تلاميذ للنمل بعدما فقدنا المنطق والعقل لأنه يقول ” اذهب إلى النملة أيها الكسلان. تأمل طُرقها وكن حكيمًا” (أم6:6). صرنا تلاميذ للنمل نحن الذين خُلقنا على صورة الله . ليس السبب في ذلك هو الخالق ، بل نحن الذين ابتعدنا عن الله .

ولماذا أتكلم عن النمل ؟ لقد صرنا أقل إحساسًا من الحجارة . أتريد أن أدلل لك على هذا أيضًا ؟ اسمع ماذا يقول النبى ” اسمعى خصومة الرب أيتها الجبال ويا أسس الأرض الدائمة . فإن للرب خصومة مع شعبه وهو يحاكم إسرائيل ” (ميخا2:6) .

البشر صاروا أكثر جمودًا من أسس الأرض . وأى شر أعظم من هذا عندما نكون أكثر بلادة من الحيوانات وأكثر غباء من الطيور وأقل وعيًا من النمل وأقل إحساسًا من الحجارة ؟ ونظهر مشابهين للحيات ” لهم حمة مثل حمة الحيات (مزامير4:58) ” .

وما بالى أقف عند نقص الوعى والإدراك الخاص بالحيوانات وقد دُعينا أبناء الشيطان نفسه . إذ يقول الكتاب ” أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا (يوحنا44:8) ” .

لكن نحن الذين بلا إحساس ، الجاحدين الأغبياء ، الأقل إحساسًا من الحجارة ، البائسين ، ماذا أقول أيضاً ؟ وأى كلمات تستطيع أن تُعّبر عن فكرى ؟ فنحن اللا شئ ، عديمى الرؤية والتبصر ، صرنا اليوم أعلى من كل المخلوقات .

اليوم تمتعت الملائكة بهذا الذى تمنوه منذ زمن طويل. اليوم رأى رؤساء الملائكة هذا الذى اشتهوا رؤيته منذ أمد بعيد . رأوا الإنسان مُشرقًا ببهاء فى يمين من عرش الله ، مشرقًا بمجد وجمال الأبدية .

حقًا إن الملائكة ورؤساء الملائكة اشتهوا أن يعاينوا ذلك . ومع أن هذه الكرامة قد فاقت كرامتهم إلا أنهم ابتهجوا لهذه الخيرات التى نلناها ، لأنهم تألموا عندما حلّ بنا العقاب .

فعلى الرغم من أن الشاروبيم قد حرسوا الفردوس ، إلا أنهم تألموا . فكما أن الخادم عندما يجد أحد زملائه داخل السجن يلتزم بحراسته لأنه هكذا أمر السيد ، إلا أنه يتألم لسجنه .

هكذا الشاروبيم قد حرسوا الفردوس ، إلا أنهم تألموا لطرد الإنسان منه. وإذا كان الناس يشاركون بعضهم البعض مُعاناتهم ، فبالأولى لا تشك من نحو مشاركة الشاروبيم ، لأن هذه القوات هى أكثر حنوًا من البشر .

فمَن من الناس الأتقياء لا يتألم لعقاب بعض البشر حتى لو كان عقابه بعدل وحتى بعد ارتكابه أخطاء كثيرة ؟ وهذا هو العجيب ، فعلى الرغم من أنهم عرفوا خطايا الناس ورأوا أنهم عاندوا الله ، إلا أنهم تألموا لعقابهم .

موسى تألم عندما مال شعبه لعبادة العجل . ولهذا قال “.. والآن إن غفرت خطيتهم، وإلا فأمحنى من كتابك الذى كتبت ” (خر32:32)، ماذا يعنى هذا ؟ أنك تتألم لرؤية هؤلاء الذين يُعاقبون رغم عدم تقواهم . اسمع صراخ حزقيال النبى عندما رأى الملاك يهلك الناس “.. آه يا رب. هل أنت مُهلك بقية إسرائيل كلها..” (حزقيال8:9) ” . وأيضاً يقول إرميا النبى ” أدبنى يا رب ولكن بالحق لا بغضبك لئلا تُفنينى ” (إر24:10). فإذا كان موسى وحزقيال وإرميا قد تألموا ، فهل القوات السمائية لا تتألم لما حدث لنا ؟ وأنظر إلى مقدار الفرح الذى أظهروه عندما رأوا أن الله قد تصالح معنا . فلو لم يتألموا من قبل لما كانوا يفرحون فيما بعد . أما من جهة أنهم ابتهجوا فهذا واضح مما قال المسيح ” أقول لكم إنه هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين باراً لا يحتاجون إلى التوبة ” (لو7:15). وإذا كانت الملائكة تفرح برؤية خاطئ واحد يتوب ، فكيف لا يفرحون وهم يرون طبيعتنا كلها وهى ممثلة في باكورتها صاعدة إلى السماء .

وتستطيع أن ترى مقدار فرح القوات السمائية لتصالحنا مع الله في موضع آخر، وذلك عندما ولد بالجسد. لأنه لم يكن لينزل إلى الأرض إن لم يكن قد قيل إنه تصالح مع الإنسان. وعندما رأوا ذلك صرخوا قائلين    ” المجد لله في الأعالى وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة ” (لو14:2)، ولهذا مجدوا الله ، لأن الأرض تمتعت بالسلام والناس بالمسرة . هؤلاء الذين كانوا قبلاً أعداء وجاحدين .

أتريد أن تعرف أنهم ابتهجوا لرؤية السيد صاعدًا للسماء ؟ اسمع ماذا يقول المسيح ” من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان ” (يو51:1). لأن هذه هى عادة الذين يُحبون، لا ينتظرون اللحظة المناسبة، لكنهم من فرط سعادتهم يتجاوزون الزمن. ولهذا نزلوا لأنهم استعجلوا أن يروا هذا المشهد الجديد والعجيب. أى رؤية الإنسان الذى ظهر في السماء .

ولهذا نجد الملائكة حاضرين في كل مكان: عندما ولد السيد، وعندما قام، واليوم عندما صعد إلى السموات. لأن القديس لوقا يقول ” إذا رجلان قد وقفا بهم بلباس بيض وقالا أيها الرجال الجليليون ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء إن يسوع هذا الذى ارتفع عنكم إلى السماء سيأتى هكذا كما رأيتموه منطلقًا إلى السماء ” (أع11:1)، فهم بهذا الظهور يعلنون عن فرحتهم . وهنا أرجو أن تركزوا الانتباه بشكل خاص . لماذا قال الملائكة هذا الكلام ؟ هل التلاميذ ليس لديهم أعين ؟ هل لم يروا هذا الذى حدث ؟ ألم يقل الإنجيلى ” ارتفع وهم ينظرون إليه “؟ إذًا فلأى سبب وقف بهم الملائكة وقالوا لهم هذا الكلام ؟ قالوا هذا لسببين :

* لأن التلاميذ كانوا دوماً يتضايقون لفراق المسيح . ومن جهة أنهم تضايقوا اسمع ماذا قال لهم ” وأما الآن فأنا ماضى إلى الذى أرسلنى وليس أحد منكم يسألني أين تمضى . لكن لأنى قلت لكم هذا ملأ الحزن قلوبكم ” (يو5:16ـ6).

فإن كنا نتألم لفراق أحبائنا وأقاربنا وأصدقائنا ، فكيف لا يتألم التلاميذ لفراق المخلص والمعلم محب البشر الرقيق الصالح ؟ كيف لا يُعانون ؟  ولهذا وقف الملاكان بهم لكى يخففا الحزن الذى ملأ التلاميذ لفراق الرب وقالوا إن يسوع هذا الذى ارتفع عنكم إلى السماء سيأتى هكذا كما رأيتموه منطلقًا إلى السماء .

ولكى لا يصنعوا ما صنعه إليشع الذى مزق ملابسه عندما رأى معلمه يصعد إلى السماء (2ملوك2) لهذا وقف الملاكان بهم معزين لحزنهم .

* أما السبب الثانى وهو لا يقل أهمية عن الأول فهو متضمن في عبارة “إلى السماء” لأن المسافة إلى السماء بعيدة جدًا والأعين الجسدية ليس لديها القدرة أن تواصل الرؤيا حتى الأعالى. مثل الطائر الذى يطير مرتفعًا، فعلى قدر ما يرتفع إلى أعلى على قدر ما يختفى من أمام أعيننا وهذا ما حدث مع المسيح في صعوده بالجسد ، فعلى قدر ارتفاعه إلى أعلى على قدر ما كان يختفى لأن ضعف عيونهم لم يُمكّنهم من متابعته في كل هذا الارتفاع . ولهذا وقف بهم الملاكان قائلين أنه صعد إلى السماء لكى لا يظنوا انه صعد إلى السماء كما ارتفع إيليا إلى السماء .

إيليا ارتفع إلى السماء كإنسان . لكن يسوع صعد إلى السماء لأنه إله . إيليا صعد بمركبة نارية .  يسوع صعد في السحاب . لأن الله عندما أراد أن يدعو إيليا أرسل مركبة . وعندما دعى ابنه أرسل العرش الملوكى . ليس فقط العرش الملوكى ولكن عرش الأب نفسه . لأن أشعياء يقول من نحو الأب ” هوذا الرب راكب على سحابة سريعة (أشعياء1:19) ”  ولأن الآب يجلس على سحابة أرسل لابنه سحابة . وعندما صعد إيليا إلى السماء ترك لأليشع ردائه الجلد1 . عندما صعد يسوع إلى السماء ترك لتلاميذه المواهب المتنوعة القادرة على أن تصنع لا نبيًا واحدًا بل آلاف مثل إليشع أمجد وأعظم منه . 

فلنقف أيها الأحباء ونوجه أنظارنا نحو المجيء الثانى لأن بولس يقول   ” لأن الرب نفسه بهتاف بصوت رئيس الملائكة وبوق الله سوف ينزل من السماء ونحن الأحياء الباقيين سنُخطف جميعاً معهم في السحب لملاقاة الرب في الهواء ” (1تس15:4ـ16). لكن ليس الكل. فمن جهة أننا سوف لا نُخطف جميعًا ، وأن البعض سيبقى والبعض سيختطف – اسمع ماذا يقول المسيح ” حينئذ يكون اثنان في الحقل يؤخذ الواحد ويترك الآخر ، اثنتان تطحنان على الرحى . تؤخذ الواحدة وتترك الأخرى ” (مت40:24ـ41).

ماذا يريد أن يوضح بهذا الكلام ؟ وماذا يريد أن يعلنه هذا السر الخفى؟

أراد أن يشير إلى أن من بين الفقراء والأغنياء، مَن سيخلص ومنهم مَن سيهلك. وأن الخطاة سيُتركون منتظرين عقوبتهم وأن الأبرار سيخطفون على السحاب . فكما أنه عند قدوم ملك إلى مدينة يخرج لاستقباله خارج المدينة كل القواد وأصحاب الرتب والسلطان وكل مَن له دالة كبيرة عنده لملاقاته والتمتع به، وأمّا المحكوم عليهم فيُحجزون في السجون منتظرين حكم الملك. هكذا عندما يأتى الرب فكل من له دالة عنده يلاقي الرب في السحاب، لكن المدانين وكل مَن يشعرون بثقل الخطايا ، فإنهم ينتظرون دينونتهم العادلة .

ونحن أيضًا سنختطف وأنا لا أحسب نفسى في عداد هؤلاء الذين سيختطفون ، فأنا أعرف خطاياى ولولا خوفى من أن أُعكر فرحة هذا العيد لسكبت دموعاً مُرة لأننى تذكرت خطاياى الخاصة . ولأننى لا أريد أن أُكدر فرحة هذا العيد سأتوقف هنا عن الكلام ويكفينى أننى جددت فيكم ذكرى حية لهذا اليوم حتى أن الغنى لا يفرح لغناه ولا الفقير يحزن لفقره ، بل السعيد هو ذاك المستحق للاختطاف على السحاب ولو كان أكثر الجميع فقرًا، وان الإنسان الخاطئ بائس وتعس حتى ولو كان أكثر الجميع غنى  .

أقول هذا لكى نرثى لحالنا ما دمنا بعد خطاة ولكى يثق أولئك الذين يجاهدون من أجل الفضيلة ، ولا يثقوا فقط بل يطمئنوا أيضًا. ولا يكتفى الخطاة بالبكاء بل يجب أن يغيروا أسلوب حياتهم . لأن الإنسان الخاطئ هو قوى مادام يهجر الخبث والمكر ويتجه نحو الفضيلة وبهذا يصير مساويًا لأولئك الذين يحيون في الفضيلة منذ البدء.

أما السائرين في طريق الفضيلة فليداوموا على التقوى ويزيدوا دومًا هذا الربح العظيم . أما نحن فعندما نشعر بثقل خطايانا الكثيرة فلنغير أسلوب حياتنا حتى نكتسب الفضيلة ونقتنى ثقة من سلك بالتقوى، لكى نستقبل معًا بنفس واحدة وبالإكرام الواجب ملك الملائكة ونتمتع بهذا الفرح الطوباوى بمعونة ربنا يسوع المسيح .

لنختبر كلام المخلص الذى قال ” أذهبوا وتلمذوا جميع الأمم” (مت19:28) لا من جهة القول ولكن من جهة العمل . فلو لم تتحول الكلمة إلى حدث لكان هذا القول يحمل افتخارًا فقط ولا يحمل قوة إلهية لذلك قال لتلاميذه أن يبشروا حتى آخر نقطة في الأرض. فلو كان هناك مكان واحد على الأرض قد حُرم من هذه البشارة لكان هذا الكلام غير صحيح .

لكن لو كانت الأعمال قد أشرقت أكثر من الأقوال إذن فالشهود حقيقيون وأيضًا من يُبشرون به هو الحقيقة ذاتها.

ولما قال هذا ارتفع وهم ينظرون . وأخذته سحابة عن أعينهم ” (أع9:1)، وبالقطع كان يستطيع أن يصعد سرًا ، لكن كما كانت عيون التلاميذ شاهدة لقيامته، هكذا أيضًا جعلهم المسيح شهود عيان لصعوده . ” وفيما هو يباركهم أنفرد عنهم وأصعد إلى السماء” (لو52:34). أصعد ودخل إلى السماء ” .. المسيح لم يدخل إلى أقداس مصنوعة بيد أشباه الحقيقية بل إلى السماء عينها ليظهر أمام وجه الله لأجلنا” (عب24:9). ولم يدخل إلى السماء فقط لكنه اجتاز فوق السموات لأن بولس يقول ” فإذ لنا رئيس كهنة عظيم قد أجتاز السموات يسوع ابن الله ” (عب14:4). فهو قد صعد واجتاز السموات لأنه كان يملك القوة لأن يصنع هذا ولكى تكمُل أقوال النبى ” صعد الله بهتاف الرب بصوت الصور ” (مز5:47). وهنا يتكلم النبى بكل وضوح – صعد الله بهتاف، ويقول أيضاً “ أرفعن أيتها الأرتاج رؤوسكن وارتفعن أيتها الأبواب الدهريات فيدخل ملك المجد ” (مز7:24). لقد دخل المسيح إلى الداخل ، لم يدخل إلى هياكل مصنوعة بالأيادى بل إلى السماء عينها ، حدث هنا أمران :

+ أن الأرض اندهشت عندما استقبلت المخلص ، وكما يحدث عادةً عندما نرى شخصاً غريب أن نتساءل مَن هو هذا ؟ لأن المرء لا يسأل عن شخص معروف، هكذا عندما استقبلت الأرض القوة الإلهية ورأت المخلص وهو يأمر الرياح والبحر فيطيعانه، قالت مَن هو هذا حتى تخضع له البحار والرياح ؟

وهكذا كما نادت الأرض متعجبة مَن هو هذا ؟ فإن السماء رأت الابن المتجسد فاندهشت وقالت مَن هو ملك المجد هذا ؟

لقد صارت الكنيسة كلها قريبة للمسيح بسبب تجسده. بولس وبطرس وكل مؤمن هو قريب للمسيح . ولهذا قال بولس ” فإذ نحن ذرية الله ” (أع9:17). وفي موضع آخر يقول “ وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفرادًا” (1كو27:12). نحن نملك عربون أبديتنا وهو جسده الذى صعد إلى السماء، ثم أرسل الروح القدس لكى يمكث معنا. وهو لم يقل أن الروح القدس نزل من السماء ولا يوجد بعد في السماء أو أن الجسد صعد إلى السماء والروح القدس نزل إلى الأرض كمبادلة. لأن الروح القدس هو معنا وفي السماء وفي كل مكان. لأن داود يقول ” أين أذهب من وجهك ومن روحك أين أهرب ” (مز7:139). كم هى فائقة هذه العناية الإلهية. كم هو عظيم هذا الملك، عظيم في كل شئ – عظيم جدًا وعجيب . كما قال النبى ” أيها الرب سيدنا ما أمجد اسمك في كل الأرض حيث جعلت جلالك فوق السموات ” (مز1:8) .

ارتفع الله فوق السموات . نفس الكلمات توجد هنا – بينما التلاميذ يشخصون إليه ارتفع ” لأن الرب علي مخوف ملك كبير على الأرض ” (مز2:47) .

عظيم هو الرب ، هو أيضًا ملك عظيم ” عظيم هو الرب وحميدًا جدًا في مدينة إلهنا جبل قدسه . جميل الارتفاع فرح كل الأرض جبل صهيون . فرح أقاصى الشمال مدينة الملك العظيم ” (مز1:48ـ2).

نبى عظيم ، وكاهن عظيم ، ونور عظيم ، في كل شئ هو عظيم .

والكتاب المقدس دائمًا يذكره بإضافة كلمة العظيم، كما يقول بولس     ” منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح ” (تي13:2). وأيضًا يقول داود النبى ” عظيم هو الرب وحميدًا جدًا“. هو ملك عظيم ونبي عظيم ، لأنه عندما صنع يسوع المعجزات قال الجمع “ .. قد قام فينا نبى عظيم وأفتقد الله شعبه ” (لو16:7) .

إذن فهو ليس عظيمًا فقط في طبيعته الإلهية ولكنه عظيم أيضًا في طبيعته الإنسانية. ومن أين نخرج بهذه النتيجة؟ يقول بولس ” فإذ لنا رئيس كهنة عظيم قد اجتاز السموات يسوع ابن الله فلنتمسك بالإقرار ” (عب14:4). ولأنه رئيس كهنة عظيم ونبي عظيم وملك عظيم فقد افتقد الله شعبه وأعطى نبيًا عظيمًا لشعب إسرائيل .

هو نبي عظيم وكاهن عظيم وملك عظيم، أيضًا هو نور عظيم         ” الشعب السالك في الظلمة أبصر نورًا عظيمًا ” (إش2:9) ” .

وأيضاً يوم الرب عظيم كما يقول يوئيل النبى ” قبل أن يأتى يوم الرب العظيم المخوف ” (يؤ31:2). عظيم هو الرب وعظيمة هى أعماله .

إن عربون حياتنا الأبدية هو الآن في السماء ، ما دمنا قد صعدنا مع المسيح . وأيضًا هو سيخطفنا على السحاب ما دمنا مستحقين لهذا اللقاء.

إذن أيها الأحباء فلنترجى أن نوجد وسط أولئك الذين سيتقابلون معه في السحاب. وكما أن أولئك الذين يتقابلون مع الملك يُكرمون جميعهم وإن كانوا ليسوا على نفس القدر من المكانة ، هكذا أيضًا سيحدث في مقابلة الرب على السحاب . ومن المؤكد أن الجميع لم يحيوا بنفس الطريقة “ لأن كل واحد سيأخذ أجرته بحسب تعبه ” (1كو8:3)

 

 

وإله السلام الذى يعطى السلام والذى يثبت السلام ويجازى بالسلام أولئك الذين بشروا بالسلام وأولئك الذين سمعوا وأولئك الذين علّموا وأولئك الذين تعلّموا، حتى أنه في كل شئ مادمنا، قد بدأنا بالسلام أن نكمل المسيرة بالسلام وننتهى بالسلام وان نمجد إله السلام الآب والابن والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور أمين .

 

1 هذه الملابس الجلدية كانت معروفة في الأزمنة القديمة وكان يرتديها في اليونان القديمة، الأبطال والآلهة وهى مصنوعة من جلد الغنم ومن صوفه .

 

صعود المسيح ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم

صعود يسوع إلى السماء – الإيمان وموجباته المنطقية

صعود يسوع إلى السماء – الإيمان وموجباته المنطقية

صعود يسوع إلى السماء – الإيمان وموجباته المنطقية

صعود يسوع إلى السماء – الإيمان وموجباته المنطقية

إن كان يسوع قد قام من الأموات في الجسد، فأين هو اليوم؟ فهو لم يعد يجتاز في شوارع مدن هذا العالم العظمى كارزاً داخل حدائقها العامة وأسواقها، كما سبق له أن عمل من قبل. تفترض جميع الانعكاسات لقيامته في الجسد المذكورة أعلاه، أن يسوع بعد أربعين يوماً على قيامته، صعد إلى السماء، كما يذكر لوقا. حقاً بمعنى من المعاني، باستطاعة أحدنا القول إن قيامة يسوع في الجسد، شكلت ببساطة الوسيلة لتحقيق الغاية الأعظم، والتي تتمثل بصعوده إلى المجيد المسياني.

لذا يكون من الضروري، لدى محاججة أحدنا في قضية قيامة يسوع في الجسد، أن يعود ويتناول أيضاً تاريخية هذا الحدث مع أهمية لازمتها أو نتيجتها الطبيعية، أي صعود يسوع إلى السماء.

المعلومات الكتابية

يدون لوقا في كل من إنجيله وسفر الأعمال أن يسوع، وبعد إكماله خدمته التي استغرقت أربعين يوماً قبل صعوده، “صعد في الجسد إلى السماء”. وهو اعتمد ثلاثة أفعال في معرض وصفه لهذا الحدث الجلل: أنيفيريتو، “أُصعد” (لوقا 24: 51)، أنيلمفثي، “رُفع” (أعمال 1: 2، 11؛ راجع أنالمبسيوس في لوقا 9: 51)، وإبرثي، “رُفع” (أعمال 1: 9).

من جملة كُتاب الأناجيل الأربعة، ينفرد لوقا وحده بتدوين الرواية التاريخية المختصة بصعود يسوع[1]، لكنه لا يعد بأي شكل من الأشكال الكاتب الوحيد في العهد الجديد الذي يشير إلى هذا الحدث. فبطرس، كما يذكر لوقا، أشار إليه في العلية بعد حدوثه بوقت قصير (أعمال 1: 22) كما عاد وذكره في عظاته لاحقاً (2: 33-35؛ 3: 21؛ 5: 31)، وهو يكتب عنه أيضاً مباشرة في 1بطرس 3: 22.

كما أن تصريح استفانوس في أعماله 7: 56 يفرض مسبقاً حصوله قبلاً. كذلك، يفترض بولس حقيقة حصوله تاريخياً من خلال اشاراته إلى جلوس يسوع عن يمين الآب في رومية 8: 34 وكولوسي 3: 1، كما أنه يلمح إليه من خلال كلماته في أفسس 1: 20-22؛ 2: 6 وفي فيلبي 2: 9-11.

ثم يعود ويعبر عنه صراحة في أفسس 4: 8-10 و1تيموثاوس 3: 16. يفترض الكاتب إلى العبرانيين حصول هذا الحدث في 1: 3، 13؛ 2: 9؛ 8: 1؛ 10: 12؛ 12: 2، كما أنه يشير إليه صراحة في 4: 14؛ 6: 20؛ 9: 24. يخبرنا يوحنا أن يسوع نفسه غالباً ما أشار إليه (يوحنا 3: 13؛ 6: 62؛ 7: 33، 34؛ 8: 21؛ 13: 33؛ 14: 2، 28؛ 16: 7-10: 20: 17) وكيف علم “أنه من عند الله خرج، وإلى الله يمضي” (13: 3).

وأخيراً، من الواضح أن يسوع افترضه مسبقاً في شهادته أمام السنهدرين خلال محاكمته، عندما قال: “…. تبصرون ابن الانسان جالساً عن يمين القوة” (متى 26: 64؛ مرقص 14: 62؛ لوقا 22: 69).

لا عجب إن جعلت مدرسة التفسير “بلتمان” صعود المسيح في مصاف الأساطير. يكتب “بلتمان” نفسه ما يلي:

بحسب 1كورنثوس 15: 5-8، حيث يعدد بولس ظهورات الرب المقام كما عرضها التقليد، قيامة يسوع عنت في الوقت عينه ترفيعه؛ ولم تفسر القيامة إلا لاحقاً كرجوع مؤقت إلى الحياة على الأرض. ثم تقف هذه الفكرة وراء نشوء قصة الصعود[2].

تعكس تركيبته هذه نفوره الكامل من “تطفل” ما هو خارق وفوق الطبيعة في مجال تاريخ المكان والزمان. والصعود، على نحو خاص، كان يعكس في نظره ما يعرف بمفهوم العالم القديم “للكون الأسطوري” (أي غير العلمي) “والمؤلف من ثلاثة طوابق”. لكن، وكما يصرح “دونالد غثري”، ليست هذه التركيبة هي التي يجب تطبيقها على المعلومات المختصة بالصعود:

التحرك إلى فوق [لهيئة يسوع المادية]، تعد تقريباً الطريقة الوحيدة الممكنة لتصوير عملية الرفع بالكامل. لنا في أمثلة أخنوخ وإيليا من العهد القديم بعض الشبه لهذا الحدث. لقد جرى حتماً إدخال فكرة تتعلق بالمكان، لكن لا يشكل هذا التركيز الرئيس للوصف في سفر الأعمال. فهذا التركيز هو على السحابة التي فصلته عن محيطه، كما حصل في رواية التجلي…. فحقيقة الصعود لا ترى في الحركة إلى فوق هناك، على قدر ما تنبئ بحقيقة وضع حد لفترة الظهورات المثبتة والمؤكدة[3].

“ب. ف. وستكوت”، ومن خلال تعليقه المليء بالمشاعر حول طبيعة الصعود، يساعدنا أيضاً بهذه الكلمات:

اجتاز [يسوع] إلى ما بعد دائرة الوجود البشري المحسوس إلى سعة حضرة الله. شكل الارتفاع المادي مثلاً معبراً، ورمزاً بليغاً، غير أنه لم يكن الحق الذي أشار إليه أو الحقيقة التي هو ظل لها. فالتغيير الذي أعلنه المسيح من خلال الصعود كان…. تغييراً في الحالة. لم يكن تغييراً في المكان، بل روحياً. وبموجب الضرورات التي تفرضها طبيعتنا البشرية، هذا التغيير الروحي، معروض علينا تحت شكل سر مقدس، إن صح التعبير، وبهيئة خارجية[4].

بكلام آخر، التعبير الكتابي عن “الأماكن السماوية”، يجب عدم فهمها من زاوية بعدي المكان والزمان، بمعنى “هناك فوق”، بل بالحري من زاوية الأبعاد الروحية التي بات بإمكان وجود يسوع في الجسد الممجد أن يتكيف معها، من دون الكف عن كونه إنساناً حقاً، كما يظهر من نشاطه الموصوف في لوقا 24: 31، 36، ويوحنا 20: 19، 26. لذا، يصرح “بركوفر” بهذا الكلام في محله:

يبقى باستطاعة النقد الكتابي الصارم وحده التنكر للصعود وحتى لإلغائه وحذفه بالتمام من الكريغما الرسولية في الأصل…. فبالنسبة إلى الكنيسة، ظل هذا الحدث باستمرار مصدر تعزية لدى معرفتها أن المسيح هو في السماء مع الآب. كذلك في وجه إنكار كل من الأسنسيو والسيسيو (الصعود والترفع) لكونهما تتنافيان مع “مفهوم العالم الحديث”، بمقدور الكنيسة أن تستمر، على أساس الأسفار المقدسة، في الكلام عن هاتين الحقيقتين ببساطة الإيمان[5].

تعتبر شلة أخرى من الدارسين النقاد أن التقليد الأبكر الخاص بالصعود في الكنيسة، جعل المسيح يصعد إلى السماء من الصليب مباشرة من دون حصول القيامة أو الخدمة التي سبقت الصعود. هم يزعمون أن آثاراً لهذا موجودة في النشيد المسيحي الباكر الذي ذكره بولس في فيلبي 2: 6-11. فهناك تطالعنا مفارقة ما بين الاتضاع المسيح وترفيعه من دون أي ذكر لدفنه وقيامته.

كما أن انجيل يوحنا، من المفترض أنه يعكس هذا التعليم عن “الصعود انطلاقاً من الصليب” – حيث لا مكان للقيامة أو لخدمة ما قبل الصعود – في آيات من صنف 12: 23 و13: 21 حيث يقتبس يوحنا تصريح يسوع أن ساعته موته تعني أيضاً تمجيده. كذلك، يعتبر الكاتب إلى العبرانيين أنه أيد فكرة صعود يسوع إلى السماء من الصليب، في ضوء بعض التصريحات من صنف 10: 12: “وأما هذا فبعدما قدم عن الخطايا ذبيحة واحدة، جلس إلى الأبد عن يمين الله”. ومن جديد، جرى التركيز هنا على فكرة عدم ذكر قيامة المسيح أو خدمته ما قبل الصعود.

ثمة أمور كثيرة بالإمكان قولها عن هذا المجهود المبذول لتفسير الصعود بتعابير غير حرفية وغير تاريخية.

أولاً، قانون التفسير المعمول به (لكنه خطأ) هو التالي: إن كان أحد كتاب العهد الجديد لا يأتي على ذكر قيامة المسيح في الجسد في كل مجال يتحدث فيه عن ترفيع المسيح أو عن جلوسه عن يمين أبيه، فقد يستخلص أحدهم أنه لم يكن على علم بالقيامة وما تلاها من خدمة سبقت الصعود، أو أن التقليد الذي يقتبسه لم يكن هو على علم بهذه الأحداث. لكن، هذا الادعاء هو من صنف نن سيكويتور بمعنى أن هذه الخلاصة لا ترتبط منطقياً بأي شيء قيل من قبل.

وهو يفرض على كتاب العهد الجديد المستلزم المصطنع بدرجة عالية، أن يذكر دائماً، في حال آمن بذلك، كلاً من القيامة في الجسد، والخدمة السابقة للصعود، والصعود، وذلك في كل مرة يتحدث فيها عن جلوس المسيح عن يمين الله.

ثانياً، يتجاهل هذا الزعم بالكامل حقيقة كون جميع كُتاب العهد الجديد هؤلاء، يعودون ويشيرون في أماكن أخرى – وبالفعل على صعيد الأفعال نفسها حيث ما يعرف بمفهوم “الصعود من الصليب”، يعلم بحسب زعمهم – إلى قيامة المسيح التي تلت الصلب: بواسطة بولس مثلاً، في غلاطية 1: 1؛ 1تسالونيكي 1: 10؛ 4: 14؛ أعمال 17: 31؛ 26: 23؛ 1كورنثوس 15: 4، 12-20؛ رومية 1: 4؛ 4: 25؛ 6: 4، 5، 9؛ 7: 4؛ 8: 11، 34؛ أفسس 2: 19-21؛ 20: 1-29؛ 21: 1-22؛ وبواسطة كاتب الرسالة إلى العبرانيين في عبرانيين 13: 20. إلى ذلك، يأتي بولس على ذكر “الأيام الكثيرة” الفاصلة بين قيامة المسيح وصعوده (أعمال 13: 31).

ثالثاً، ما يصرح به “بركوفر” دفاعاً عن الكاتب إلى العبرانيين، بمعنى أن الطريقة الوحيدة التي بإمكان الدارسين النقاد تفسير الأمر بهذا الشكل، هو العمل بموجب المعادلة التالية: “مجد المسيح في الرسالة إلى العبرانيين ناقص عبرانيين 13: 20 يساوي الصعود انطلاقاً من الصليب”[6]. هذا الكلام ينطبق أيضاً على جميع كُتاب العهد الجديد. فالطريقة الوحيدة التي يمكن اعتمادها لدعم فكرة صعود المسيح إلى السماء من الصليب، وليس لاحقاً بعد أسابيع على ذلك، يعني تجاهل كل الإشارات في كتاباتهم إلى قيامة المسيح في الجسد، وإلى ظهوراته بعد الصلب، وإلى خدمته ما قبل الصعود.

باستطاعة أحدنا استخلاص فقط أنه لا يوجد لدى هؤلاء الدارسين سوى النزر اليسير فقط من الثقة في مصداقية الأناجيل والرسائل. وبالنسبة إليّ شخصياً، لا أرى أي سبب معروض حتى اليوم من شأنه تسويغ ظاهرة تخلي لوقا بالكامل عن ذكر الصعود. وعليه، سأنتقل الآن إلى أهمية صعود المسيح بالنسبة إلى الناس وإلى شخص المسيح.

أهميتها

عنى صعود المسيح، بالطبع، بالنسبة إلى أولئك التلاميذ الأوائل وإلى كل تلميذ آخر منذ ذلك الحين بكل اختصار، انفصاله عنهم لا “من زاوية ألوهيته، وعظمته، ونعمته، وروحه” (Heidelberg Catechism, Ques. 47; see also Ques, 46) (“التعليم المسيح هايدلبرغ” السؤال 47؛ راجع أيضاً السؤال 46) ذلك لأن شركته الروحية معهم تبقى غير مقطوعة ولا يشوبها أي اضطراب، كحقيقة روحية صادقة وحتى مثبتة، لكنه انفصل عنهم فقط عن حضوره معهم في الجسد.

هذا الانفصال، كان المسيح نفسه تحدث عنه في أماكن مثل لوقا 5: 35؛ يوحنا 7: 33؛ 12: 8؛ 13: 33؛ 14: 30: 16: 10 (راجع أيضاً 1بطرس 1: 8؛ 1يوحنا 3: 2)[7].

بالنسبة إلى المسيح نفسه، تستنفد الأسفار المقدسة عملياً ما يتوافر لديها من عبارات “الانتصار” وصوره واستعاراته، لوصف أهمية صعود المسيح بالنسبة إليه. في هذا الوقت، بوسعي فقط تعداد فقط بعض هذه الأوصاف.

وكما أن قيامته كان السبيل إلى صعوده، وبالتالي تشكل جانباً هاماً من ترفيعه بالكامل، هكذا أيضاً شكل صعوده بدوره السبيل لبلوغه ذروة الترفيع وإجلاسه على العرش (سيسو) عن يمين الآب، بصفته القدوس، والرب، والمسيح، والرئيس، ومخلص العالم (أعمال 2: 27، 33-36؛ 5: 31؛ رومية 8: 34؛ كولوسي 3: 1؛ فيلبي 2: 9-11؛ عبرانيين 1: 3).

وما أروع ترفيعه هذا واجلاسه على العرش! إن كان صعوده حصل “في [en] المجد” (1تيموثاوس 3: 16)، بحيث جرى ترفيعه إلى “أعلى من السماوات” (أفسس 4: 10؛ عبرانيين 7: 26)، ها هو الآن أيضاً “مكلل بالمجد والكرامة” (دوكساي كاي تيماي استيفانومينون) (عبرانيين 2: 9)، “وملائكة وسلاطين وقوات مخضعة له” (1بطرس 3: 22).

“كل شيء تحت قدميه” ما عدا الآب (1كرونثوس 15: 27؛ أفسس 1: 22أ)، وهو جالس “فوق كل رياسة وسلطان وقوة وسيادة، وكل اسم يسمى ليس في هذا الدهر فقط بل في المستقبل أيضاً” (أفسس 1: 21). الله “أعطاه” (إيدوكن) أن يكون “رأساً فوق كل شيء للكنيسة، التي هي جسده، ملء الذي يملأ الكل في الكل” (أفسس 1: 22، 23)، وهو “الذي يملأ الكل” (كل الكون، تا بانتا) بقوته وربوبيته (أفسس 4: 10).

باختصار، إنه يحتل الآن “أعلى مكان” (فيلبي 2: 9) من المجد والكرامة (عبرانيين 2: 9) المتوافر في السماء، وله شرعاً وحقيقة (دي جوري ودي فاكتو) الألقاب “رب الكل” (أعمال 10: 36؛ رومية 10: 12) ورب الأرباب (أعمال 2: 36؛ فيلبي 2: 9ب؛ رؤيا 19: 16) “لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب” (فيلبي 2: 10، 11أ). تؤهله طبيعة روبيته في سيادته المطلقة لإغداق على الناس مواهب من أي صنف يريد (أفسس 4: 7، 8، 11).

مما لا شك فيه، وفي ضوء هذه اللغة الواضحة بلا نزاع، يسوع بقيامته وصعوده (لنا كل الحق بأن نتناول هذه الحدثين معاُ، مع أن الحدث الأول سبق الثاني بأربعين يوماً، كالوسيلة الجماعية من مرحلتين للبلوغ إلى ترفيع وربوبيته)، وكثمر ومكافأة لأتعابه على الأرض، يسوع وبصفته المسيا منح أعلى درجة من الربوبية مع سلطان كوني على الناس. هذا الأمر هو ما يوحي به أيضاً

(1) ما صرح به هو في متى 28: 18: “دفع إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض”، حيث يتحدث عن ربوبيته المسيانية التي حصل عليها شرعاً (دي جوري) بقيامته لكنه كان قد شرع فعلاً في ممارستها بشكل حقيقي (دي فاكتو) على الكون أجمع من السماء لدى صعوده وجلوسه في الوقت الحاضر عن يمين الآب (أقترح أن إشارته في متى 11: 27 ويوحنا 17: 2 إلى سلطان “مدفوع إليه” يجب فهمها في ضوء عهد الفداء ضمن المشورات الأبدية)؛

(2) تصريح بطرس: “الله جعل [إيبويإزن: عين، نصب] يسوع هذا…. رباً ومسيحاً” بعد قيامته وصعوده. وفي هذا إعلان آخر أكيد عن افتراض حقيقة (دي فاكتو) ملكه الذي له طابع وسيطي بصفته الله – الإنسان بما أن يسوع كان بوضوح رباً ومسياً بموجب تعيين إلهي منذ لحظة تجسده؛

(3) تصريح بولس “لذلك [ديو كاي] [من جراء عمله على الأرض] رفعه الله أيضاً، وأعطاه اسماً فوق كل اسم (أي منحه الاسم “رب”) (فيلبي 2: 9).

إننا نقترف خطأ قتالاً لاهوتياً إذا استنتجنا مما سبق أن يسوع كابن الله، الذي (بالرغم من اتحاده معنا باللحم) واصل بشكل لا متناه تساميه فوق كل محدودية المخلوقات، أصبح “رباً” فقط لدى ترفيعه وحصل بصفته ابن الله عندئذ فقط شرعاً (دي جوري) وحقيقة (دي فاكتو) على سلطانه الكوني. يجب ألا ننسى على الإطلاق أنه كان في نظر بطرس “إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح” الذي “يرشنا بدمه” (2بطرس 1: 1؛ 1بطرس 1: 2).

كذلك في نظر بولس، كان رب المجد” (هو كيريوس تيس دوكسيز)، هذه العبارة التي تعني “الرب الذي له المجد كحقه الطبيعي”، والذي هو أيضاً “الكائن على الكل إلهاً” (رومية 9: 5) و“الله العظيم” (تيطس 2: 13) الذي صلب من أجلنا (1كورنثوس 2: 8). إذاً، يسوع وبصفته ابن الله استمر بالطبع، كما فعل دائماً، يحمل كل الأشياء بكلمة قدرته (عبرانيين 1: 3) ومارس أيضاً حقوقه وقدراته كرب، والتي تخصه في صلب جوهره بصفته الكائن الإلهي (راجع “كالفن”، “المبادئ” 2. 13. 4).

لذلك، عندما ينقل إلينا هؤلاء الرسل أن المسيح يسوع قد “تعين” رباً أو جرى “ترفيعه” أو “إعطاؤه” سلطاناً أو إضفاء عليه اللقب “رب” لدى صعوده، من الضروري أن نفهم أن هذه الأمور قيلت فيه بموجب دوره الوسيطي بصفته المسيا. من المناسب أن نقول هذه الأمور عنه، وذلك فقط بما أنه “الابن” الذي هو في أساسه وجوهره “غني”، والذي هي “رب”، حقه الطبيعي، كان قد “تجرأ” أن يتحد معنا في “لحمنا” حيث أمسى بذلك “فقيراً” (2كورنثوس) 8: 9.

إذاً، وبصفته المسيا الإلهي – البشري، “اكتسب” لدى صعوده سلطة حقيقية (دي فاكتو) لممارسة سلطانه كوسيط. إذاً، لم يكن الترفيع بل بالحري “الاتضاع” السابق لذلك الذي يعد “الاختبار الغريب”[8] على الابن لكونه الله.

بالمقابل، لم يكن الاتضاع بل “الترفع” هو “الاختبار الجديد” على الابن بصفته المسيا الإلهي والبشري. إن كنا سنأخذ التاريخ، وبالتحديد التاريخ الفدائي على محمل الجد، علينا أن نقول هذا. يجب أن نكون على استعداد للتصريح بأن الترفيع، بمعنى من المعاني، منح الابن اختباراً لم يكن من نصيبه من قبل. هذا “الاختبار الجديد” كان التسلط الكوني، لا كالله بحد ذاته، بالطبع، بل كالمسيا الإلهي – البشري وكالوسيط الإلهي – البشري بين الله والناس.

هناك، يسوع وبصفته الله الذي جرى ترفيه هو شفيعنا في حضرة الآب (رومية 8: 34؛ عبرانيين 7: 25؛ 1يوحنا 2: 1)، وهناك عندنا لحمنا في السماء: وكما قال اللاهوتي الاسكوتلاندي “جون رابي دنكن”: “تراب الأرض هو على عرش العظمة في الأعالي”.

وهو من هناك يعمد شعبه ويمدهم بالمواهب الروحية. ونتعلم من مكان آخر (1كورنثوس 15: 24-28) أن هذا السلطان الوسيطي هو سلطة معهود إليه مؤقتاً ثم بعد أن يكون هو وأبوه قد أخضعا أخيراً كل أعدائهما وأعدائنا، عندئذ سيسلم، ليس بنويته[9]، بل سلطانه المعهود إليه بصفته المسيا إلى الله الآب. وهكذا “سيبتلع” سلطانه الوسيطي الخاص في السلطة الكونية والأبدية لله المثلث الأقانيم.

باختصار، عنى الصعود بالنسبة إلى الابن، بصفه المسيا الإلهي – البشري، حصوله على امتيازات التنصيب المسياني على صعيد كوني، والحقوق التي كانت من نصيبه قبلاً كحق طبيعي له كالله الابن، لكنه “فاز” بها أو أعطيت له كمكافأة على تتميمه الموجبات المرتبطة بحالة الاتضاع والتي تدخل في صلب التنصيب المسياني.

كان هذا المسيح المقام والممجد، وبالتحديد بالعبارات التي تصف ربوبتيه المجيدة، الذي كان قد احتل مكانة مركزية على صعيد كل كرازة رسولية مبكرة. كان الرسل حريصين على استخراج للناس ما لربوبية المسيح الفريدة من انعكاسات على العالم. لم يوجد في كرازتهم أي شيء من الضجة الحديثة المنادية بالتعددية. فبالنسبة إليهم كان هناك حصرية وبُعد نهائي بشأن الإعلان الإلهي للناس في يسوع المسيح (متى 21: 37؛ مرقص 12: 6؛ عبرانيين 1: 1).

ففي نظرهم، وفي ضوء هوية المسيح، والعمل الذي أكمله، والمكانة التي يحتلها الآن، والألقاب التي يحملها، “ليس بأحد غيره الخلاص. لأن ليس اسم آخر تحت السماء، قد أعطي بين الناس، به ينبغي أن نخلص” (أعمال 4: 12). وبالنسبة إليهم، وكما قال يسوع، هو وحده الطريق، والحق، والحياة (يوحنا 14: 6). وهو أيضاً الوسيط الوحيد بين الله والناس (1تيموثاوس 2: 5). كما أنه هو بصفته الرب، سيدين الأحياء والأموات عند ظهوره (أعمال 10: 42؛ 17: 31؛ رومية 14: 9؛ 2تيموثاوس 4: 1).

إنه بتقديمه نفسه مرة واحدة ذبيحة لإرضاء العدل الإلهي، هو المقبول وحده أمام الله الآب، الممثل “الشرعي” للاهوت، ضمن “العملية العظمى” للفداء وإبطال الخطيئة (عبرانيين 9: 24-26). وهو من شفاعته كرئيس كهنة وحده تحظى برضى الآب (رومية 8: 34؛ عبرانيين 7: 24، 25؛ 1يوحنا 2: 1). فلا عجب إذاً في ضوء ادعاءات الرسل من نحوه المحصورة به وحده، أن تكون بركة الله وقوته قد حلت على الجهود التبشيرية التي كانوا قد بذلوها.

[1] تدون النهاية الطويلة لمرقص (16: 9-20) أن يسوع “ارتفع [انيلمفثي] إلى السماء، وجلس عن يمين الله”. هذه الفقرة مشكوك في صحة نصها، لكنها تعكس تقليداً يتلاءم مع تقرير لوقا. يبدو في الواقع أنها مبنية، بشكل رئيس، على شهادة لوقا.

 

[2] Rudolf Bultmann, Theology of the New Testament, translated by Kendrick Grobel (London: SCM, 1971), 1, 45.

[3] Donald Guthrie, New Testament Theology (Leicester: Inter-Varsity, 1981), 305. See also Gordon H. Clark, “Bultmann’s Three-Storied Universe”, A Christianity Today Reader, ed. Frank E. Gabelein (New York: Meredith, 1966), 173-76.

[4] B. F. Westcott, The Revelation of the Risen Lord (London: Macmillan, 1898), 180.

[5] Gerritt C. Berdouwer, The  Work of Christ, 206, 234.

[6] Berdouwer, The Work of Christ, 208.

[7] من شأن اللاهوتي المتمرس ملاحظة من تصريحي هنا أني أتبع التقليد المصلح وليس التقليد اللوثري. فهذا التقليد الأخير يعتقد انطلاقاً من عقيدته الخاصة حول كومينيكاشيو إيدبوماتم (طريقة تفاعل الطبيعتين في شخص يسوع) أن المسيح وبفضل الاتحاد بين الطبيعتين في شخص المسيح الواحد، هو موجود مادياً في كل مكان، وبالتالي له حضوره المادي “في، ومع، وتحت” عناصر العشاء الرباني.

[8] Warfield, The Lord of Glory (Reprint, Grand Rapids: Baker, 1974 reprint), 225.

[9]  Herman Ridderbos, Paul: An Outline of His Theology, translated by John Richard DeWitt (Grand Rapids: Eerdmans, 1975).

يلحظ أنه لدى ذكر عمل الفداء الذي أكمله المسيح بكلمات 1كورنثوس 15: 28 (ومتى أخضع له الكل، فحينئذ الابن نفسه أيضاً سيخضع للذي أخضع له الكل، كي يكون الله الكل في الكل)، فهذا لا يعني نهاية البنوية، لكن حري بأحدنا أن يتناول “الوجود اللاحق” للابن المقصود هنا، وذلك في ضوء ما هو مذكور عنه بكل وضوح في أماكن أخر عن وجوده السابق” (69).

صعود يسوع إلى السماء – الإيمان وموجباته المنطقية

Exit mobile version