النمر المجنح ف4 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

النمر المجنح ف4 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

النمر المجنح ف4 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

 

 

 

الفصل الرابع: النمر المجنَّح

 

         لم تعد الحياة كما كانت بالنسبة لأسرة ديمتري في الحي اليهودي، فبعد زيارة البابا ثاؤنا وأبونا ثيؤدوسيوس لهذه الأسرة لم يأخذ اليهود الأمر ببساطة، وإنها مجرد زيارة للمجاملة والتعزية ويشكرون للبابا حُسن صنيعه، ولكن يوماً فيوماً أشيعت الأخبار حول هذه الأسرة إنهم يحبـون المسيحيين، وأن المسيحيين يجاملونهم، وأنهم في طريقهم إلى المسيحية، فبدأت النظرات إليهم تختلف عما قبل، وإنقلبت نظرات الحب والتعاطف والمساندة إلى نظرات حقد وكراهية وتخوين، ولم تعد قلوب اليهود تجاه هذه الأسرة مثل أمس وأول من أمس، بل أنهم قاطعوا تجارة المرحوم منسى، فبعد أن كان المكان يزدحم بالمشترين صار فارغاً خاوياً من أي مشترٍ كبيراً أم صغيراً، وإضطر ” ديمتري ” أن يُخفّض الأسعار أكثر من أي متجر آخر، فبدأ قليلون يقبلون خلسة على المحل وهم لا يودون أن أحداً يراهم، وعلى كلٍ فقد أصيبت تجارتهم بكساد كبير، وعندما إستشار ” ديمتري ” أبونا ثيؤدوسيوس في الأمر، أشار عليه أبونا بأنه لو أمكن بيع المنزل والمحل التجاري بالحي اليهودي والهجرة إلى حي راكوتي فإن هذا سيحل المشكلة، وقد كان فوجدوا راحة وسلاماً ونجاحاً، ولم يكن هناك أي شئ آخر يكض مضجعهم غير إنقطاع أخبار صفانيا عنهم، وكلما أقبلت مجموعة من أورشليم يسرعون بسؤالهم دون جدوى0

         وفي صباح يوم مشمس من أيام شهر يناير (طوبة) سنة 290م ترك ” إسكندر ” ورفقاؤه حي راكوتي خلفهم وشقوا طريقهم للتنزُّه بحي فاروس عبر ” الشارع الكانوبي ” و” طريق الهيباستاديوم ” وقد بدأت الإسكندرية المدينة الإغريقية مدينة العلم والجمال والفن والثقافة، في أبهج صورة تليق بعروس البحر المتوسط بالرغم من كل النكبات التي حلت بها وبسكانها عبر مئات السنين، وفي الطريق دار الحديث بينهم:

إسكندر: بالأمس عشنا لمدة ثــلاث ساعـات مع الشماس المعلم ” بطرس ” حول الرجل المحبوب دانيال، وقد أدركت مدى غزارة علم هذا الشاب، ومدى عمل النعمة فيه، وتذكرت قول بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس ” لا يستهن أحد بحداثتك “0 والحقيقة أنني منذ الأمس وأنا منهمك برؤيا دانيال (دا 7) ومقارنتها بحلم نبوخذ نصر (دا 2).. دانيال الذي أعطاه الله تفسير الأحلام للملوك، أعطاه هذه الرؤية التي فسرَّها له الملاك، وجاءت ” رؤيا دانيال ” تحمل نفس معنى ومغزى ” حلم نبوخذ نصر “، فإن قديم الأيام يعلن لعبيده ماذا سيكون في مستقبل الأيام التي نعيش فيها الآن بعــد مـرور نحو ألف عام من هذه الرؤيا وذاك الحلم.. رأى ” نبوخذ نصر ” تمثال لرجل عظيم بهي، وهذا التمثال يعبر عن نظرة نبوخذ نصر البشرية، فهو كرجل سياسة رأى الممالك في قوتها وسلطتها وغناها وعظمتها، ورأى السيد المسيح كحجر صغير قطع بدون يدين وحطم هذا التمثال العظيم وسحقه، وفي هذا إشارة إلـى نمــو المسيحية وأنها ستنتشر في العالم كله بعد إنتهاء الإمبراطورية الرومانية0 أما ” دانيال ” الرجل المحبوب فقد رأى تلك الممالك في شكل أربعة حيوانات مفترسة جائعة لأنها تفتقر لمعرفة الله، فما رآه دانيال يعبر عن الجانب الأخلاقي والروحي لتلك الممالك، وقد رأي السيد المسيح إبن الإنسان صاحب السلطة والملكوت الذي تتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة، فسلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض.. أليس هذا يطمئنا أن أبواب الجحيم له تقوى عليها ؟!0

ديمتري: رأى ” نبوخذ نصر ” في حلمه تماثلاً عظيماً له رأس من ذهب إشارة إلى مملكته، مملكة بابل العظيمة، وصدره وذراعاه من فضة إشارة لمملكة فارس ومادي، وبطنه وفخذه من نحاس إشارة لمملكة اليونان، وساقاه من حديد، وقدماه من حديد مع خزف إشارة للإمبراطورية الرومانية وإختلاطها بشعوب العالم، ولكن الحديد ظل حديداً والخزف خزفاً، فانفرد الرومان برعويتهم الرومانية، وقد إحتسبوا بقية الشعوب خزفاً0

         ورأى ” دانيال ” النبي الرياح تهب على البحر، فيصعد منه أربعة حيوانات عظيمة0 الأول كالأسد وله جناحا نسر، وعندما وقف على الأرض صار كإنسان، والثاني في شبه الدب بين أسنانه ثلاثة أضلع، والثالث مثل النمر وله أربعة أجنحة طائر وله أربعة رؤوس وأُعطي سلطاناً، والرابع حيوان هائل وقوي وشديد جداً أسنانه من حديد، فأكل وسحق وداس الباقي برجليه، فهل هناك تشابه بين رؤيا دانيال هذه وحلم نبوخذ نصر ؟

إسكندر: أكد الله لدانيال نفس الرؤيا، فرأى الرياح الأربع تهجم على البحر الكبير، فحدود الممالك المتعاقبة تدور أحداثها في حوض هذا البحر المتوسط، والحيوان الأول الذي بشكل الأسد وله جناحا النسر يشير لمملكة بابل، فهو يقابل رأس التمثال الذهب في حلم نبوخذ نصر، والحيوان الثاني الشبيه بالدب وبين أسنانه ثلاثة أضلع فهو يشير إلى مملكة فارس ومادي وهو يقابل صدر التمثال وذراعاه المصنوعة من فضة في حلم نبوخذ نصر، وكلنا يعرف ماذا فعل الفرس بمصرنا الحبيبة وشعبنا المطحون، والحيوان الثالث الشبيه بالنمر المجنَّح سريع الحركة فهو يشير للإسكندر الأكبر، ويقابله البطن والفخذ والمصنوعان من نحاس في حلم نبوخذ نصر 0 لقد فتح الإسكندر العالم كله في نحو عشر سنوات، ونحن ندين له بالولاء لأنه عامل أجدادنا معاملة حسنة، وعندما مات إنقسمت مملكته إلى أربعة ممالك وهو ما رآه دانيال أن هذا النمر له أربعة رؤوس هي:

  • مملكة البطالمة حيث ملك بطليموس الأول لاجوس على مصر وفلسطين0
  • المملكة السلوقية حيث ملك سلوقوس نيكاتور على سوريا وفارس0
  • مملكة تراكيا حيث ملك ليسيماخوس على أسيا الصغرى وتركيا0
  • المملكة المقدونية حيث ملك كاسندر على مقدونيا وبلاد اليونان0

والحيوان الرابع الهائل القوي ذو الأسنان الحديدية، ويقابل الساقين والقدمين في تمثال نبوخذ نصر، فهذا هو مملكة الرومان التي قاسينا ومازلنا نقاسي منها الأمرين، وقد سيطرت على العالم كله وأذلته وإمتصت دمائه، فثلث الغلال التي تأكلها روما عاصمة الإمبراطورية تغتصب من مصر بلا مقابل، ولكن كما يبدو أننا نعيش في السنين الأخيرة لهذه الإمبراطورية0

أرشي: حقيقة أنني أُعجِبت كثيراً بشخصية الإسكندر المقدوني، وذهبت لمكتبة الإسكندرية أم المكتبات في العالم كله وقرأت كتب عديدة عنه وعن مملكة البطالمة التي حكمت مصرنا الحبيبة (323 – 31 ق0م)0

ميناس: وهل تخبرنا ياأرشي ولو بإختصار عن شخصية ذاك النمر المجنَّح الجبار سريع الحركة ؟

أرشي: وُلِد ” الإسكندر ” في ” بيلا ” إحدى مدن مقدونيا يوم 19 يوليـو 356 ق0م، وأبيـه هــو ” فيليب ” ملك مقدونيا، وأمه ” أوليمبيا ” وإسم ” إسكندر ” أي مساعد الناس، فتربى ونشأ في القصر الملكي، وفي الثالثة عشر من عمره تهذَّب على يد الفيلســوف اليونانــي ” أرسطو ” صاحب كتابي ” الأخلاق ” و” السياسة ” وفي السابعة عشر من عمره أشركه أبوه الملك فيليب في الحروب فتمرَّس بالفنون العسكرية، وأخذ عن أبيه الشجاعة والحزم، كما تأثر بتعاليم أرسطو في الفلسفة والسياسة، ونشأ رجلاً شديد التدين واسع الخيال معتقداً أنه إبن الإله ” زيوس ” وقد إتسمت حياته بالحكمة وإحترام الغير.. رأى الملك فيليب أن بلاده اليونان منقسمة إلى ولايات صغيرة تتطاحن فيما بينما، بينما الدولة الفارسية بجيوشها الجـرارة تُهدّدها، فعمل على توحيد هذه الولايات، وفي سنة 336 ق0م أُغتيل الملك فيليب، وترك إبنه الإسكندر خلفاً له ولــم يتعــدى عمـره العشرين عاماً، ووجد ” الإسكندر ” نفسه مُحاطاً بمخاطر وإضطرابات من كل جانب، ولكن حنكة الإسكندر السياسية والعسكرية مكنته من إقرار أركان مُلكه، بل وسريعاً ما زحف بجيشه من مشاة وفرسان لصد الزحف الفارسي، وعَبَرَ بوغاز هلسبنت (الدردنيل) وإشتبك مع بعض القوات الفارسية الجبارة فقهرها بالقرب من شواطئ مرمرة، وعند مدينة ” إبسوس ” على الحدود السويسرية إلتقى ” الإسكندر ” بملك الفرس ” دارا الثالث ” (داريوس) فهزمه، وتشتت جيش دارا، وفر ” دارا ” إلى بابل0 أما ” الإسكندر ” فلم يتتبعه مفضلاً الإستيلاء على شواطئ البحر المتوسط الشرقية أولاً، فحاصر مدينة ” صور ” طويلاً، وعندما نجح في الإستيلاء عليها أحرقها بالنار، ثم تقدم بالمشاة والفرسان نحو حدود مصر الشرقية0

إسكندر: عفـواً ياأرشي للمقاطعة، فلا ينبغي أن يعبر علينا سقوط ” مدينة صور ” كخبر عادي، فمنذ عدة أيام كنت أتأمل في نبؤات الكتاب المقدَّس عن ” صور ” هذه المدينة التي إزدهرت طيلة ألفي عام حتى أصبحت تنافس روما، وصارت سيدة البحار وملتقى الشعوب، وجذب ميناءها السفن من شتى الدول، وفيها أقيمت أسواق الذهب والفضة والأحجار الكريمة واللؤلؤ والعاج والأبنوس فصارت هي عروس آسيا بلا منازع.. هذه المدينة حدثت لها أحداث في منتهى العجب، وقصت النبؤات هذه الأحداث قبل حدوثها بسنين طويلة0

أولاً : ذكرت النبؤات أن ملك بابل سيحاصر المدينة، فتنتقل المدينة إلى مكان آخر، ويصير حصار ملك بابل لها بلا مقابل، فقال ” أشعياء النبي “: ” عند وصول الخبر إلى مصر خبر صور0 أعبروا إلى ترشيش0 ولولوا ياسكان الساحل أهذه لكم المفتخرة التي منذ الأيام القديمة قدمها0 تنقلها رجلاها بعيداً للتغرُّب ” (أش 23: 5 – 7) فقوله ” تنقلها رجلاها بعيداً للتغرُّب ” إشارة إلى إنتقال المدينة مـن مكانها إلى مكان آخر، وقال ” حزقيال النبي “: ” لأنه هكذا قال السيد الرب هاآنذا أجلب على صور نبوخذراصر ملك بابل من الشمال ملك الملوك بخيل وبمركبات وبفرسان وجماعة وشعب كثير.. ويجعل مجانق على أسوارك ويهدم أبراجك بأدوات حربة ” (حز 26: 7، 9) وفعلاً هذا ماحدث إذ حاصر ” نبوخذراصر ” مدينة صور لمدة 13 سنة (585 – 573 ق0م) فهجرها معظم أهلها إلى جزيرة قريبة، وقد حملوا معهم أموالهم وتحصنوا في الجزيرة، وتحقَّقت النبؤة ” ينقلها رجلاها بعيداً للتغرُّب ” وعندما نجح نبوخذراصر في إقتحام المدينة لم يجد كنوزاً ولا أموالاً، وهذا ما عبَّرت عنه النبؤة من قبل عندما قال الله لحزقيال ” ياإبن آدم أن نبوخذراصر ملك بابل إستخدم جيشه خدمة شديدة على صور.. ولم تكن له ولا لجيشه أجرة من صور لأجل خدمته التي خدم بها عليها ” (حز 29: 18)0

ثانياً: بعد بناء مدينة ” صور ” الجديدة على الجزيرة تنبأ ” زكريا النبي ” عن خرابها أيضاً، فقال ” قد بَنَتْ صور حصناً لنفسها وكوّمت الفضة كالتراب والذهب كطين الأسواق0 هوذا السيد يمتلكها ويضرب فـي البحر قوتها وهي تؤكل بالنار ” (زك 9: 3، 4) وهذا ما تحدثت عنه ياأخ أرشي، ففي سنة 332 ق0م إذ أراد ” الإسكندر الأكبر ” الإستيلاء عليها ألقى بأنقاض المدينة القديمة في البحر فصنع طريقاً بطول 800 م وعرض 60 متراً، وطلب من المدن التي أخضعها من قبل إرسال بعض السفن، فأرسلوا أهل صيدا وأرفاد ورودس وسولي ومالوس وليكية ومقدونيا وقبرص أكثر من مائتي سفينة له، فإستطاع أن يقتحم صور الجديدة وتحققت نبؤة ” زكريا النبي ” السابق ذكرها، كما تحققت نبؤة ” حزقيال النبي “: ” هآنذا عليك ياصور فأُصعِد عليك أمما كثيرة كما يعلى البحر أمواجه ” (حز 26: 3) وأيضاً ” وينهبون ثروتك ويغنمون تجارتك ويهدُّون أسوارك ويهدمون بيوتك البهيجة ويضعو حجارتـك وخشبكِ وترابكِ في وسط المياه ” (حز 26: 12) وبسبب ما تكبده ” الإسكندر الأكبر ” في فتح المدينة نكل بأهلها فقتل منهم 8000 شخص، وصلب 2000، وأسر ثلاثين ألفاً باعهم كعبيد، وخرَّب المدينة وأحرقها بالنار0

ديمتري: لقد حكى لي أبي عن الإسكندر الأكبر أنه عندما حاصر مدينة ” صور ” رفض اليهود إمداده بالمؤونة اللازمة لجيشه فإغتاظ منهم، وبعد أن إقتحم مدينة صور وفعل بها ما فعل توجه بغضبه إلى أورشليم ليفعل بها كما فعل بصور وأهلها، ولكن ” رئيس الكهنة ” لبس ملابسه الكهنوتية وخرج لإستقباله في موكب من الكهنة والشعب، وأراه نبؤة دانيال عنه الذي شبهه بالنمر المجنَّح الذي له أربعة أجنحة وقد أُعطي سلطاناً (دا 7) كما شبهه بتيس جاء من الغرب على وجه كل الأرض ولم يمس الأرض، إشارة لسرعته، كما حـدد أن هذا التيس هو ملك اليونان (دا 8: 5 – 12) ففرح وسرَّ وتلاشى غضبه، وسأل رئيس الكهنة عن أي طلب يطلبه، وقال البعض أن الإسكندر بمجرد أن أبصر رئيس الكهنة سجد له، فإحتج عليه أتباعه، فقال لهم أنه عندما بدأ فتوحاته شاهد هذا المنظر في حلم فتشجع وأكمل طريقه0

إسكندر: هذا الكلام حق ياأخ ديمتري، وقد ذكره المؤرخ اليهودي ” يوسيفوس “.. تفضل أكمل ياأخ أرشي0

 

 

الإسكندر الأكبر
أرشي: بعد هذا إتجه ” الإسكندر الأكبر ” إلى مصر عبر حدودها الشرقية، بينما كان أسطوله يسير على مقربة من الشاطئ، وكان وضع مصر سيئاً جداً إذ كانت تئن تحن نير الإحتلال الفارسي القاسـي، وبمجــرد أن وصل ” الإسكندر الأكبر ” إلى ” بيلوز ” (الفرما) في خريف 332 ق0م فرح المصريون به جداً، ونظروا إليه على أنه المخلص والمُنقذ الذي سينقذهم من الظلم الفارسي الفادح، وسار ” الإسكندر ” إلى ” منف ” عاصمة مصر التي زادت أهميتها بعد إنهيار مدينة ” طيبة ” (الأقصر) ذات المائة بوابة، وما أن دخل العاصمة في ديسمبر 332 ق0م حتى رفع الوالي الفارسي الراية البيضاء، وكان عمر الإسكندر عندئذ خمسة وعشرين عاماً، ودخل مصر بدون قتال، وأبدى إحترامه الشديد للديانات المصرية، ففرح به الكهنة وتوَّجوه فرعوناً بمعبد ” فتاح ” بمنف، وأقام الإسكندر حفلات موسيقية ورياضية ضخمة، وإستقدم أشهر المغنيين والراقصات والموسيقيين إحتفالاً بتتويجه فرعوناً على أرض مصر0

ثم أبحر الإسكندر شمالاً لم يهدم معبداً ولم يقتل كاهناً، بل قدم قرباناً للعجل المقدَّس أبيس، وتكبد مشقة السفر إلى واحة سيوه حيث معبد الإله ” أمـون ” ليتلقى إستشاراته قبل أن يكمل غزو العالم، وكانت رحلة الإسكندر الأكبر وقادة جيشه ومؤرخه كليستنيز مغامرة، ويقال أنهم تعرضوا للعطش فأمطرت السماء، كما ضلت القافلة الطريق فأرشدتهم بعض الطيور للواحة، فرأوا أن الإله آمون هو الذي فعل معهم هذا ” كان وصول الإسكندر إلى معبد الوحي على صخرة أجورمي مفاجأة للكهنة ولأهل سيوة، فهو لم يرسل رسلاً تنبئ بمقدمه حسب العادة، ورغم كل شئ فقد خرج الكهنة لإستقباله في فناء المعبد، ومرَّ موكب الكهنة من حول الإسكندر ورفاقه، يحملون تمثال آمون من الجواهر النفيسة داخل المركب المقدَّس.. بينما الراقصات ترقصن والملاتلات ترتلن، وهي بلباسهن الأبيض0 ولقد ظل الترحيب طويلاً، حتى أعلن كبير الكهنة أن الإله آمون إزداد إنشراحاً بمقدم الإسكندر إبن آمون0 وبعد هذا الترحيب سأل رفاق الإسكندر وحي آمون مجموعة من الأسئلة، فأجاب كبير الكهنة عليها، ثم وافق كبير الكهنة أن يدخل الإسكندر قدس الأقداس في معبد الوحي(21)0

وهناك قدم ” الإسكندر الأكبر ” القرابين لهذا الإله، معتبراً أنه هو الإله ” زيوس ” اليوناني، وكم كانت فرحة الكهنة المصريين به، وتوَّجوه على أنه إبن آمون، ولأنهم يرمزون للإله آمون بالكبش المقدَّس، لذلك صوَّروا الإسكندر وعلى رأسه قرنين، ودعي بذي القرنين0 وهنا كانت نهاية الحكم الفرعوني في مصر وبداية العصر الإغريقي الذي إستمر حتى بداية العصر الروماني على يد أكتافيوس0

         وإذ لم يستحسن ” الإسكندر ” أن تكون ” منف ” عاصمة مصر فكر في إنشاء مدينة جديدة تقع على البحر المتوسط تحمل إسمه وتكون عاصمة مصر التي تطل على العالم الغربي، وفي طريق عودته من واحة سيوة إختار مع مهندسه ” دينوقراطيس ” المكان المناسب لبناء المدينة الجديدة بين مدينة ” راكوتي ” غرباً ومدينة ” كانوب ” شرقاً، وكلف المهندس دينوقراطيس بوضع الخرائط للمدينة ولهذا جاءت المدينة على درجة عالية من التنسيق0 وعاد ” الإسكندر ” إلى ” منف ” وأقام حفلاً عظيماً، وعيَّن والياً لمصر العليا وآخر للدلتا، وإحتفظ بالموظفين المصريين في وظائفهم، وترك حامية صغيرة في مصر عيَّن لها ثلاثة من القادة حتى لا ينفرد أحد بالسلطة، وترك مصر في ربيع 331 ق0م متجهاً للشرق بعد أن أمضى بمصر نحو ستة أشهر، أحبه خلالها الشعب المصري الطيب القلب مع أنه أجنبي عنهم، ولكن يكفيه فخراً أنه أزاح عن كاهلهـم الظلم الفارسي الفادح، وأحسن معاملتهم، وإحترم معابدهم وآلهتهم، فهتفوا له على أنه حاكمهم وفرعونهم المقدَّس0

         وإتجه ” الإسكندر ” صوب فارس، وكان ملك فارس ” دارا الثالث ” في إنتظاره بجيش جرار ومركبات حربية وفيلة، بينما لم يكن مع الإسكندر سوى سبعة آلاف فارس وأربعين ألفاً من المشاة، وفي أول أكتوبر سنة 331 ق0م شبت المعركة الحاسمة بين الملك المقدوني الجسور الأبيض اللون المجعد الشعر، وبين ” داريوس ” ملك الملوك.. لقد إنطلق ذاك النمر المجنَّح الذي أُعطي سلطاناً من السماء ليسحق داريوس وكل جيوشه، ومن يعترض ؟!.. أليس الله ضابط الكل هو العامل في التاريخ، يقيم ممالك وينهيها، فهذه نهاية مملكة مادي وفارس وبدايــة مملكـة اليونان، ودخل ” الإسكندر ” بلاد فارس ظافراً منتصراً، وما فعله في مصر فعله في فارس أيضاً، فقدم إحترامه لمعابدهم وآلهتهم، بل وتزوج منهم بفتاة تدعى ” روكسانا ” وشجع قادته للإقتران بالفارسيات، فكل ما يشغل ذهن القائد هو المزج بين الحضارات وليس الصراع بينها، معتقداً أن حملاته العسكرية هي رسائل إلهيَّة كُلّف بها، وكان للإسكندر الأكبر أفكاره الثورية وطموحاته في توحيد العالم وفي سنة 329 ق0م أكمل ” الإسكندر الأكبر ” فتوحاته حتى وصل إلى الهند سنة 327 ق0م، وفي أوائل سنة 325 ق0م عندما عاد إلى فارس أقام إحتفالاً ضخماً بالسلام في مدينة ” سوزا ” في جنوب غرب فارس، وإرتدى الزي الفارسي، وتزوج بفارسيــة أخرى تُدعى ” بارسيني ” وأيضاً في هذا الإحتفال تزوج ثمانون رجلاً من قادته بفارسيات، وفي الوليمة الضخمة التي أقامها ملك اليونان هذا وضع وعاءاً فضياً كبيراً دعاه باسم ” كأس المحبة والسلام بين الأمم ” وسكب كبار الحاضرين من مختلف الأجناس النبيذ في هذا الوعاء على سبيل القربان، وخُتِم الإحتفال بصلاة أقامها ” الإسكندر ” من أجل السلام، معلناً عن أمنيته أن تسود المساواة بيـن جميع الشعوب، وإتخذ ” بابل ” عاصمة لملكه بهدف توحيد الشرق بالغرب.. كم كان هذا الرجل عظيماً بسمو مبادئه، وأيضاً بفتوحاته بعد أن إفتتح العالم كله في عشر سنوات، وكان لابد أن تتم النبؤة عن موته في ريعان شبابه ” ويقوم ملك جبَّار ويتسلَّط تسلطاً عظيماً ويفعل حسب إرادته0 وكقيامه تنكسر مملكته وتنقسم إلى رياح السماء الأربع ” (دا 11: 3، 4) ففي 13 يونيو 323 ق0م مات ” الإسكندر الأكبر ” وهو في الثالثة والثلاثين من عمره0 مات ذاك الجبار الذي أُعطي سلطاناً من السماء وتسلَّط تسلطاً عظيمــاً وفعــل حسـب إرادته وأقام عدة مدن على إسمه بأسم ” الإسكندرية ” في مصر والعــراق وفارس والهند، وقد أوصى ” بطليموس بن لاجوس ” بأن يشرف على إعداد موكب نقل جثمانه ودفنه بجوار معبد أبيه زيوس آمون في سيوه0

         وعقب وفاة الإسكندر إجتمع قادة الجيوش في مؤتمر ببابل وتم تقسيم الإمبراطورية إلى أربعة ممالك، وتمت النبؤة أنه نمر ذو أربعة رؤوس (دا 7: 6) أو تيس إنكسر قرنه العظيم وطلعت أربعة قرون ” فتعظم تيس المعز جيداً ولما إعتَّز إنكسر القرن العظيم وطلع عوضاً عنه أربعة قرون معتبرة نحو رياح السماء الأربع ” (دا 8: 8) وهذه الممالك الأربعة هي مملكة البطالمة التي كانت في مصرنا الحبيبـة، والمملكة السلوفية، ومملكة تراكيا، ومملكة مقدونيا التي ملك عليها ” كاسندر ” وللأسف قام كاسندر بسجن زوجة الإسكندر ” روكسانا ” وإبنها من الإسكندر ” اللو ” وفي سنة 311 ق0م قتلهما حتى لا يكون للإسكندر وريث ينازعه الحكم، وبذلك إنقرضت ذريــة الإسكندر كما أخبرت النبؤة تماماً ” وكقيامه تنكسر مملكته وتنقسم إلى رياح السماء الأرقع ولا لعقبه ولا حسب سلطانه الذي تسلَّط به لأن مملكته تنقرض وتكون لآخرين غير أولئك ” (دا 11: 4)0

إسكندر: الأمر العجيب أنه بسبب تطابق نبؤات دانيال على الإسكندر الأكبر قال ” بروفورس ” (أحد نُقَّاد الكتاب المقدَّس) أن هــذه النبــؤات كُتبت بعــد تمام الأحداث، فردَّ عليه القديس ” أيرونيموس ” بحكمة قائلاً: ” هذا الكلام في حد ذاته شهادة للحق نفسه، لأنه من دقة وإعجاز النبؤة أنه بدى له ما قاله، فهذه شهادة للنبي لا عليه0 أما تواريخ الأنبياء ومتى وُجدوا ومتى تنيحوا فهي معروفة جداً لأصغر تلميذ.. وبذلك يمكن معرفة ما إذا كانت هذه الأقوال سابقة أم لاحقة على تحقيقها (22)0

         حقيقة أن القصة مشوّقة جداً، فهل لك ياأرشي أن تُلقي الضوء ولو قليلاً على مملكة البطالمة في مصرنا الحبيبة، وكم ملك تسمى باسم بطليموس ؟ وإن كانت كليوباترا تمثل آخر حكم مملكة البطالمة، فإن أبيها على ما أذكر بطليموس الثاني عشر دُعي بالزمار.. لماذا ؟

أرشي: أولاً أود أن أشير إلى الرحلة التي قطعها جثمان النمر المجنَّــح مــن بابـل إلى منف إلى الإسكندرية، فبعد أن مات ” الإسكندر ” ودُفن في ” بابل “، وتم تجنيد مجموعة من الفنانين المقدونيين والفرس والشرقيين لتصنيع التابوت الذي سيودع فيه جثمان النمر المجنَّح، وأيضاً صنع العربة التي ستحمل التابوت في موكب ضخم إلى مصر، وإستغرق هذا العمل سنتين ” وقد صنع التابوت الذي حفظت فيه الجثة بعد تحنيطها من خشب الصندل والأرز وكسيت بألواح من الذهب المطروقة، وملئت بالطيب ليحفظ الجثمان ويملأ المكان رائحة عطرة، وكان غطاء التابوت من الذهب الموشى بالفسيفساء , ووصفه ديودورس المؤرخ الصقلي أن طول التابوت كان إثنا عشر ذراعاً وعرضه ثمانية أذرع تحمله ستة أعمدة أيونية، وفي كل ركن من أركانها لوحة من لوحات النصر، وكان التابوت في مجموعه وتفاصيله تحفة رائعة، كما تعلو التابوت قبة العرش التي تغطي الفراغ كله0 ويحيط برواق التابوت مقصورة من مشربيات من شبكات من الذهب يبلغ سمك أضلاعها وخيوطها إصبعاً، وزخرفت على أشكال أوراق شجر الأكاشيا والزيتون وزهور اللوتس المصري المقدَّس، ويحمل السقف مجموعة من الأعمدة ذات التيجان الأيونية الطابع الذي يتميز بالجمع بين الفن المقدوني والفارسي0

         ويسير النعش على عجل تجره 64 دابة تسير في ثمانية صفوف بكل صف ثماني دواب مثبتة في أربعة عروش0 لقد بدأ الموكب العظيم سيره من بابل في أواخر عام 322 ق0م في طريقه إلى مصر ماراً بدمشق، وقد تقدمه بطليموس الأول بجيشه حتى حدود سوريا بدعوى تقديم الإحترام للفقيد العظيم، ولكن هدفه الرئيسي كان حمايته (23)0

أحضر ” بطليموس الأول ” جثمانه إلى ” منف ” في جنازة ضخمة قطعت مئات الأميال من بابل إلى مصر فتمسك به أهل منف وأصروا على دفنه في مدينتهم التي سبق الإسكندر الأكبر وتُوّج فيها ملكاً على عرش مصر، فدفنوه في مقبرة الملوك بمعبد بتاح، وقام الفنان النحات ” ليسيبوس ” بنحت عدة تماثل للإسكندر الأكبر، فجاءت هذه التماثيل معبرة عن شخصية القائد الفذ، ونظراته لأعلى تعبر عن تطلع الإسكندر للآفاق البعيدة، وفي سنة 305 ق0م أعلن ” بطليموس الأول ” إقامة العبادة للإسكندر، فكان أول إمبراطور أجنبي يؤلّهه المصريون وأول حاكم يُصوّر بدون لحية، وأول حاكم يظهر بقرني كبش تعبيراً عن أنه إبن الإله آمون0

ثم جاء ” بطليموس الثاني ” فلادلفوس ونقل جثمان الإسكندر في إحتفال كبيــر مــن ” منف ” بعد نحو 42 سنة إلى ” الإسكندرية ” تلك المدينة التي وُلدت في عقل الإسكندر قبل أن توجد على الطبيعة، ولم يشاء القدر أن يدخلها حيَّاً فدخلها وهو مسجي في تابوته محولاً على الأعناق، وشُيد له ضريحاً فخماً في ساحة دُعيت باسم ” سوما ” أي الجسد أو الجثمان عبر تقاطع الشارعين الرئيسيين بالمدينة وهما شارع كانوب (شارع أبو قير) وشارع سوما (شارع النبي دانيال)0

وظل التابوت الذهبـي الخاص بالإسكندر الأكبر حتى جاء ” بطليموس التاسع ” (107 – 90 ق0م) فطمع فـي ذهب التابوت، ونقل الجثمان إلى ” معبد البانثيون ” (محل مسجد العطارين) وطالما زار أباطرة الرومان مصر ووقفوا في خشوع أمام قبر الإسكندر المقدوني، فقد وقف أمامه ” يوليوس قيصر ” طويلاً متأملاً، ووضع إكليلاً من الذهب على رأس الجثمان، والإمبراطور ” كراكلا ” (211م) بمجرد أن وصل إلى الإسكندرية بأسطوله توجه إلى قبر الإسكندر مع قادة جيشه، ووقف يصلي أمام القبر، ثم خلع رداءه الأرجواني وحُليه وزيَّن بهما الجثمان، وأخذ درع الإسكندر من قبره تذكاراً وعاد به إلى روما0

         وبعد موت ” الإسكندر الأكبر ” وإنقسام مملكته إلى أربعة ممالك، حكم مصرنا الحبيبة ملوك البطالمة، وجميعهم باسم بطليمــوس باستثناء كليوباترا، وأولهم ” بطليموس الأول ” سوتر (323 – 285 ق0م) ومعنى بطوليميوس أي القدير في الحرب، ولُقَب بسوتر أي المخلص أن المنقذ، وقد تربى مع الإسكندر الأكبر في قصر الملك فيليب المكدوني والد الإسكندر، وكان واحداً من قادة الإسكندر السبعة الذين يحيطون به في الحروب، بل وأكثرهم قرباً ووفاءاً للإسكندر، وظل وفياً للنهاية، وعندما تولى الحكم أراد تخليد ذكرى الإسكندر الأكبر، فقام بسك عملة ذهبية على أحد وجهيها الإسكندر راكباً عجلة حربية تجرها أربعة أفيال وفي يده الصاعقة رمـز زيــوس، وعلــى الوجـه الآخر صورته هو (بطليموس) وعلى رأسه عصابة، كما قام بسك عملة فضية يظهر على أحد وجهيها رأس بطليموس الأول، وعلى الوجه الآخر زيوس في شكل صقر ناشر جناحية0

ويعتبر بداية الحكم الإغريقي لمصر إنتهاء وخاتمة للدولة المصرية القديمة (الفرعونية) التي إرتقت أحياناً لمستوى الإمبراطورية عندما كانت تسيطر على بلاد الشام وغيرها0 إنتهت دولة الفراعنة التي إستغرقت الفترة من 3200 – 332 ق0م خلال ثلاثين أسرة حكمت مصر، وشملت كل أسرة عدد من الملوك، ومثلت الأسرتين 1، 2 (3200 – 2780 ق0م) العصر العتيق، والأسر 3 – 6 (2780 – 2280 ق0م) الدولة القديمة، والأسر 7 – 10 (2281 – 2134 ق0م) عصر الإضمحلال الأول، والأسرتين 11، 12 (2134 – 1778 ق0م) الدولة الوسطى، والأسر 13 – 17 (1778 – 1570 ق0م) عصر الإضمحلال الثاني، والأسر 18 – 20 (1570 – 1080 ق0م) الدولة الحديثة، والأسر 21 – 30 (1085 – 332 ق0م) العصر المتأخر، مع ملاحظة أن مصرنا الحبيبة قد تعرَّضت لفترات إحتــلال قاسيـة من الهكسوس خلال الفتــرة (1674 – 1570 ق0م)، ومن الفرس (525 – 332 ق0م)0

         وصار ” بطليموس الأولأول ملوك البطالمة الرجل الشجاع الحازم ملكـاً على مصر وفرعوناً وإلهاً في نظر المصريين، وكان رجلاً دمث الأخلاق، طيب القلب، يحب الأداب والفنون، وقد أنشأ مدينة إغريقية في صعيد مصر وهي ” بطلمية ” (الآن المنشأة بمحافظة سوهاج) فتمتع سكانها بمزايا المدن الإغريقية في مصر، وإحترم ” بطليموس ” معابد المصريين وآلهتهم وحاول المزج أو المناظرة بين آلهة المصريين وآلهة الإغريق، فظهرت عبـادة ” سيرابيس ” Sarapis الذي عبده الجميع، مصريون ويونانيون، فاعتبره المصريون هو الإله المصــــري ” أوزيريس “، بينمــا إعتبره الإغريق أنه الإله ” زيوس “، وتزاوج الإغريق مع المصريين، وتعلم المصريون اللغة اليونانية وأجادوها لأنها صارت اللغة العالمية، وشعر المصريون بالسلام والرخاء والإستقرار وتحسن وسائل الري وزيادة رقعة الأراضي الزراعية، وتطوُّر الصناعة والتجارة الخارجية0

أما الفلاح المصري فكان يشعر أنه دائماً يكد ويكدح من أجل إيفاء إلتزاماته تجاه الملوك والكهنة وأصحاب الأرض، ولا يتبقى له غير قوته وقوت مواشيه من كثرة الضرائب، وحتى الإسكندرية وهي مدينة إغريقية لا يُسمح له بالإقامة فيها ولذلك دعوها ” المدينة المتأخمة لمصر ” كما لو أنها ليست مصرية، كما إقتصرت الوظائف الهامة على الإغريق، وإعتاد الإغريق على لبس الأحذية ذات السيقان العالية، والقبعات المصنوعة من اللباد، وعاملوا المصريين على أنهم أقل شأناً، ولم يهتموا بتعلُّم اللغة المصرية 0

         وفي بدايات الحكم الإغريقي كانت مصر دولة قوية، فمثلاً في سنة 273 ق0م أرسل ” بطليموس الثاني ” (فلادلفوس) سفارة إلى روما، وردت روما بسفارة مماثلة في نفس العام، وسادت العلاقات الودية بين مصر وروما حتى القرن الثالث ق0م، ثم تعرضت دولة البطالمة للضعف والإنهيار ولاسيما بعد معركة رفح سنة 217 ق0م التي نشبت بين أنطيوخس الرابع الملك السلوقي وبين بطليموس الرابع، والذي إستعان فيها بالمصريين، وبعد إنتصار بطليموس الرابع شعر المصريون بقوميتهم، وأدركوا المظالم التي يتعرضون لها من الإغريق، فبدأت ثوراتهم ضد الإغريق تزداد وتشتد، وإتخذوا ” طيبة ” مركزاً لثورتهم، كما سادت الصراعات في الوسط الملكي، ولاسيما بسبب تولي عرش مصر ملوك ضعفاء مستهترين، فخلال الفترة من 205 – 145 ق0م من بطليموس الخامس للسادس فقدت مصر الكثير من ممتلكاتها، بل قام أنطيوخس الرابع بغزو مصر مرتين سنة 170 ق0م، 167 ق0م، وخلال الفترة من 145 – 50 ق0م من بطليموس الثامن إلى بطليموس الثاني عشر بدأ التغلغل الروماني في مصر من جهة تعيين الملوك والتدخل في السياسة الداخلية والخارجية، فقد إستدان ” بطليموس الثاني عشر ” من ” غايوس رابريوس بوستم ” بـ 6000 طالن (عملة ضخمة) دفعها للحكومة الثلاثية فـي روما للإعتراف بمصر كصديق وحليف لروما، وهذه القيمـة تساوي كل دخل مصر من التجارة طوال العام، وإضطر بطليموس إلى رفع الضرائب مما أدى إلى إستياء الشعب0

         وكان ” بطليموس الثاني عشر ” (81 – 51 ق0م) قد تزوج من ” كليوباترا الخامسة ” وأنجب منها ستة أبناء هم كليوباترا السادسة، وبرنيكي الرابعة، وكليوباترا السابعة، وأرسينوي الرابعة، وبطليموس الثالث عشر، وبطليموس الرابع عشر، فصار كل منهم حاكماً لمصر فترة معينة، ومعظمهم كانت نهايتهم تعسة، وكان والدهم يعشق العزف على الفلاوت، ولذلك دُعي بـ ” الزمار ” وغرق في الشراب، ووصل لحالة من الضعف حتى أن روما عندما إستولت على جزيرة قبرص لم يحرك ساكناً كما أنه قد أثقل كاهل الشعب بالضرائب، فهاج الشعب السكندري عليه، والسكندريون سريعـي التقلب كموج البحر، سريعي الإنفعال والتهيج، ففر ” بطليموس الثاني عشر ” من الإسكندرية ملتجئاً إلى روما، بينما إنتهزت الفرصة إبنته الجميلة ” برنيس ” (برنيكي) وإستولت على العرش وأرسلت برنيكي وأختها كليوباترا السادسة مائة شخص إلى روما للإدلاء بشهادتهم ضد أبيهما الذي إتهمتاه بالسفه ولكن قُتل بعضهم، ولم تُعرض القضية أمام القضاء الروماني، ولا أمام القيصر وقدم ” بطليموس ” الرشوة إلى رجال السناتـو، فقرر ” مجلس الشيوخ ” في روما مناصرته، وإضطر ” بطليموس ” للإستدانة بمبالغ كبيرة من أجل هذا العرض، كما طلب من ” جابينوس ” حاكم سوريا الروماني أن يساعده على إستعادة عرشه لقاء مبلغ كبير قدره عشرة آلاف طالن0

         وفــي ربيع سنة 55 ق0م جاء بطليموس الزمار بصحبة ” جابنيوس ” إلى حدود مصر الشرقية، ومنها إلى الإسكندرية، وما أن دخل بوابة الإسكندرية بعد غياب بلغ نحو ثلاث سنوات حتى وجد الشعــب السكنــدري قد خرج ليحتفي بقدومه، بينما فرت ” برنيكي ” من أعين أبيها ” وأدركت كليوباترا (السابعة) عندما أصبحت الجماهير على مرأى منها، أن تلك الجماهير كانت تحيي عرض الرومان لمظهر سلطانهم، أكثر مما كانوا يحيون أباها0 وكان الضباط الرومان يسيرون أمام ” جابنيوس ” ليظهروا سلطته الرسمية نيابة عن حكومة روما لتنصيب الملك بطليموس مرة أخرى على العرش.. وكـان الجنود الرومانيون ذوي وجوه جامدة، وشفاه رقيقة مطبوقة، ويسيرون بدقة آلية ونظام كامل مما بهرها وأودع الروع في قلبها.. لاح لناظريها أبوها والقائد الروماني، وكان (أبوها) يسير خلف ” جابينوس ” ذي النظرة النبيلة الصارمة، عملاق، عملاق باسم، صغير السن، له شعر أشقر، وعيناه زرقاوان واسعتان في وجه ملئ بالحيوية والدفء، وكان قوياً جداً، وكانت تستطيع أن تستشف ذلك من عضلاته التي لم تخفها النقبة الرومانية القصيرة، ومن ذراعيه اللتين لم تكن يغطيهما رداؤه الروماني الــذي رمى بطرفه فوق كتفه دون مبالاة(24)0

         وعاد ” جابينوس ” إلى سوريا بعد أن ترك حامية صغيرة لمساندة بطليموس الثاني عشر، الذي عاث فساداً في الإسكندرية، وأخذ ينكل بخصومه وأعدم الكثيرين منهم، وقبيل موته كانت صحته قد إعتلت كثيراً بسبب الإفــراط في الشراب، وكانت إبنته ” برنيكي ” قد ماتت، وصارت الحانة على الفلاوت أشد حزناً، وترك وصيته بأن يتولى عرش مصر إبنته كليوباترا السابعة ذات الثمانية عشر ربيعاً مع أخيها بطليموس الثالث عشر ذو العشرة أعــوام، وناشـد روما للإشراف على تنفيذ هذه الوصية، فكتب ” إنني أستودع بإحترام هذين الإثنين في حماية الشعب الروماني النبيل ” وأرسل صورة من الوصية إلى روما، في الوقت الذي فرضت فيه روما سيطرتها على الشرق والغرب، وأبقت مصر كدولة صديقة إلى أن يحين وقت إلتهاماها0 أما كليوباترا السابعة آخر ملوك البطالمة فقد تصدت لهذا الإجتياح بذكائها ودهائها وجمالها ودلالها.. كيف ؟ هذا ما سنراه في فرصة أخرى إن أرادت نعمة الرب وعشنا0

 

 

بطليموس الثاني عشر (الزمار)

(21)  د0 سيد كريم – مكتبة الإسكندرية ص 85، 86

(22)  الراهب بولا البراموسي – النبؤات والآثار ص 56، 57

(23)  د0 سيد كريم – مكتبة الإسكندرية ص 59، 60

(24)  ونفرد هولمز – ترجمة سعد أحمد حسين – كانت ملكة على مصر ص 136، 137

النمر المجنح ف4 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

البابا في الحي اليهودي ف3 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

البابا في الحي اليهودي ف3 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

البابا في الحي اليهودي ف3 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

 

 

الفصل الثالث: البابا في الحي اليهودي

 

         وبعد مرور شهرين على تلك المهمة التي أُعيدت فيها سفينة الأسدين، وقد أدلى مالكها بشهادة حسنة لدى القصر الإمبراطوري في حق القائد ” ديجينيس ” وجنوده ولاسيما ” ديمتري ” أنعم القصر على كليهما بمكافأة ماليـة مع الترقية، فتم ترقية ديمتري إلى ” ضابط ” تحت التدريب، ثم كلَّف القائد ” ديجينيس ” ديمتري بإستلام طلبية ملابس بحرية من التاجر السكندري المشهور ” ويصا “، وترك له حرية إختيار الفريق الذي يعاونه في هذه المهمة، وبلا تردد إختار ” ديمتري ” فريق المثاقيب الذي سبق إختياره في إنقاذ سفينة الأسدين من قبضة القراصنة، فجميعهم أبناء غطسة واحدة، وبينما من المعتاد أن يُقدِم المورد لمن يتسلم البضاعة ويفحصها رشوة أو على الأقـل هدايا تتناسب وحجم الطلبية، فإن التاجر ” ويصا ” لم يفعل هكذا، وتعجب ” ديمتري ” وفريقه من هذا التصرف رغم أنه يرفض مبدأ الرشوة، وعندما إستفسر أحد أعضاء الفريق عن هذا، علم أن ” ويصا ” إنسان مسيحي ولذلك فهو يرفض الرشوة تماماً، كما أن الأصناف التي يسلمها على درجة عالية من الجودة، وخالية من أية عيوب، وبدأ ” ديمتري ” وفريقه يفحصون الأصناف بدقة، ومع نهاية اليوم تم إستلام جزء من الطلبية التي يستغرق إستلامها نحو عشرة أيام، وصار ” ويصا ” موضع ثقتهم0

ديمتري: إنني أحييك على أمانتك من جهة العدد والجودة، كما أحييك أنك لم تدفع رشوة0

ويصاً: من جهة الأمانة هذا واجب عليَّ وليس تفضل مني، ومن جهة الرشوة فإن كتابنا المقدَّس يعلمنا ” لا تأخذ رشوة0 لأن الرشوة تُعمي المُبصرين وتعوج كلام الأبرار ” (خر 23: 8) و” ملعون من يأخذ رشوة ” (تث 27: 25) كما يعطي البركة لمن يرفض الرشوة ” مبغض الرشوة تطول أيامه ” (أم 28: 16)0

ديمتري: هذا ليس كتابكم المقدَّس بل توراتنا المقدَّسة التي أعطانا إياها يهوه بفم نبينا موسى النبي0

         أدرك ” ويصا ” أن ” ديمتري ” يهودي، فأخذ يوضح له:

أولاً : أن الله واحد، هو إله التوراة وإله الإنجيل0

ثانياً : أن المسيحيين يعترفون بأسفار العهد القديم ويقرأونها ويجلونها ويعترفون أنها كلمات الله وأنفاسه التي أوحى بها لأنبيائه القديسين0

ثالثاً : ضمت الكنيسة التوراة للأناجيل وبقية أسفار العهد الجديد في كتاب واحد، لأن الروح القدس الذي أوحى بهذه وتلك هو واحد، فقد تكلم أناس الله القديسون قديماً وحديثاً مسوقين من الروح القدس0

رابعاً: العهد القديم هو بمثابة أساسات البناء والمسيحية هي البناء، أو هو بمثابة جزور الشجرة، والشجرة هي المسيحية، وأن العهد الجديد مستور في العهد القديم، والعهد القديم مشروح في العهد الجديد 00

         أخذ ” ديمتري ” ينصت ويتعجب، ففكرته عن المسيحيين غير هذه تمامـاً، وطالما حذره والده منهم، وفي بساطة أخذ يسأل ويصا عن معتقداته في المسيحيين: لماذا تذبحون الأطفال وتشربون دمائهم ؟

ويصا: هل رأيت هذا بعينيك ؟

ديمتري: لا، ولكنني أثق فيمن أخبرني بهذا0

ويصا: إن كان الإنجيل يوصينا بأنن  لا نغضب على أحد باطلاً، بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً، وأوصانا بمحبة الجميع حتى الأعداء والمسيئين لنا، وقد أحب السيد المسيح له المجد الأطفال وقال دعوا الأولاد يأتون إلي ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات، فكيف يتفق هذا مع إتهامنا بذبح الأطفال ؟!

ديمتري: ولماذا تجتمعون في السراديب والكهوف والأماكن المنعزلة لترتكبوا الفجور بينما الوصية تقول ” لا تزن ” ؟

ويصا: هل أنت رأيت هذا بعينك ؟

ديمتري: لا، ولكنني أثق فيمن أخبرني بهذا0

ويصا: الذي أخبرك بهذا هو الذي أخبرك بأننا نذبح الأطفال ونشرب دمائهم، لكن يجب أن تُحكّم العقل.. أدرس الإنجيل الذي أوصانا بأن كل من نظر لإمرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه، فإن كان الإنجيل يحذرنا من النظرة الشريرة فكيف نصنع هذا الشر العظيم0 أما سبب إجتماعاتنا في الكهوف والسراديب والمقابر والأماكن المنعزلة فلأن الإمبراطورية تُحرّم عبادتنا0

ديمتري: ولماذ تتوجس الإمبراطورية الرومانية منكم ؟ ولماذا تتعقبكم ؟ ولماذا تأمر بتعذيبكم ونفيكم وقتلكم ؟ ولماذا 00

         وإذ بإسكندر أحـد الخـدام الأمنـاء يمـر بحـي الميدان (الميناء) ويلمح عم ” ويصا ” التاجر الأمين فيسرع ويسلم عليه بإحترام زائد، ويطلب منه عم ” ويصا ” الحضور إلى متجره ليتسلم ملابس العيد، فعيد الميلاد على الأبواب، وقد إعتاد ” ويصا ” توريد كم ليس بقليل من الملابس الشتوية في عيد الميلاد، والملابس الصيفية في عيد القيامة للكنيسة، بلا مقابل، فإن هذه الملابس توزع مجاناً للفقراء والمحتاجين، وتعرَّف ” إسكندر ” على ” ديمتري ” وجرى الحديث بين الثلاثة حلواً عذباً مستقيماً، حتى شعر ” ديمتري ” أنه وسط أخوته، وأنه قريب جداً من ” إسكندر ” وكأنه يعرفه من أمد بعيد، فإن رسالـة الحـب القلبية التي أرسلها ” إسكندر ” وجدت صدى كبير في قلب ” ديمتري ” فكل منهما يتميز بالبساطة والوضوح والشفافية0

وقال ” ويصا ” ضاحكاً: هل تصدق ياإسكندر أن الأخ ” ديمتري ” يظن أننا نذبح الأطفال ونرتشف دمائهم، وأننا نجتمع في الأماكن المنعزلة رجالاً ونساءاً لنمارس الفجور.. ضحـك ” إسكندر ” وقـال: إذاً ليأت ” ديمتري ” معنا اليوم، لحضور إجتماع الشماس ” بطرس ” ليرى بعينيه ويسمع بأذنيه ماذا يحدث وماذا يدور في الإجتماع0

وضحك ” ديمتري ” وقال: الحقيقة مع أن عم ” ويصا ” صحح مفاهيمي، لكنني قبلت الدعوة لحضور إجتماعكم، فإن هذا ما يسعدني ويثلج قلبي0

         وفي مساء ذات اليوم كان ” ديمتري ” جالساً وسط عدد من الرجال والنساء والأطفال مع ” أبونا ثيؤدوسيوس ” في بيت أنيانوس بحي راكوتي 00الجميع ينصتون إلى شاب وديع، ذو وجه مشرق، تبدو على محياه النعمة والسلام، وهو يتحدث في هدوء عن الشهادة للمسيح، وركز حديثه على الشهادة بالدم مستعرضاً نماذج من حياة الشهداء الأبطال، وشكر الله كثيراً الذي أنعم على شعبـه فـي هـذه الأيـام بهدوء نسبي.. لقد أرسل الإمبراطور ” فالريان ” (253 – 260 م) لمجلس الشيوخ أمراً يُقضي بإعدام الإكليروس، وتجريد أعضاء مجلس الشيوخ المسيحيين والرجال البارزين والفرسان من ألقابهم وممتلكاتهم، وإن أصروا على مسيحيتهم تبتر رؤوسهـم، وقـد جدَّد ” أوريليان ” (270 – 275 م) أمر ” فالريان ” أما في هذه الأيام فأنه منذ عام 275م إلى 284م إعتلى عرش روما ستة أباطرة وإنشغلوا بالصراع على العرش، فتميزت هذه الفترة بالهدوء النسبي0 كما أن ” دقلديانوس ” الذي إعتلى العرش سنة 284م وبدأ حملة إصلاحية كبرى في كل المجالات للآن لم يصدر منه أمر ما يسئ للمسيحيين0 ثم تطرق الشماش المعلم ” بطرس ” إلى موضوع هام، وهو: لماذا إضطهد الأباطرة الرومان المسيحيين، فنظر ” ديمتري ” إلى ” ويصا ” لأن هذا محور السؤال الذي طرحه ” ديمتري ” وإذ أخذهم الحديث لم يجب ” ويصا ” عليه، وذكر الشماس ” بطرس ” خمسة أسباب لهذا الإضطهاد الشرس الموجه للمسيحيين:

أولاً : تغلغلت العقيدة الوثنية في نفوس الوثنيين من بسطاء وحكماء، حتى أنهم يقدمون أطفالهم ذبائح بشرية على مذابح الآلهة الوثنية لإسترضائها من أجل الأمطار والزروع والثمار والحصاد والأمن والأمان والنصرة على الأعداء، ويصحب الجيش الروماني الكهنة في الحروب يستخيرون الآلهة، وفي قاعة مجلس الشيوخ الروماني هناك مذبحاً يقدمون عليه التقدمات والسكائب معتقدين أن الآلهة تحضر معهم إجتماعاتهم، وقبل أن يجلس ” القضاة ” على منصاتهم يلتمسون الحكمة من آلهتهم التي لا تسمع ولا تنظر، فالعبادة الوثنية تغلغلت في كل مرافق الدولة الرومانية كخيوط النسيج المغزولة معاً، وعظَّم الوثنيون آلهتهم العديدة، وأقاموا تماثيلهم في المعابد وخارجها، وهؤلاء يعلمون أننا لا نعترف بهذه الآلهة المزيفة، فخلف كل وثن شيطان، ولأننا نؤمن بالإله الواحد الحق خالق السماء وكل ما فيها والأرض وما عليها، ولا نؤمن بأبلون وجوبتير وزيوس وسيرابيس وإيزيس والعجل أبيس والبقرة حتحور والكلب أنوبيس والكبش أمون لذلك يتهموننا بالإلحاد، وسيظل الصراع قائماً بين الشر والخير والظلمة والنور0

ثانياً: يطالبنا الرمان بتأليه الأباطرة.. فكيف نؤلّه البشر؟!.. نحن لا نشرك بالله الواحد أحداً.. أنظروا إلى تصرفات هؤلاء الأباطرة.. ” نيرون ” الذي أحرق روما وأتهم المسيحيين بهذا فجعل من أجسادهم مشاعل تنير ظلمة روما.. إنه لم يصل إلى درجة الإنسان السوي فكيف نؤلّهه ؟!.. الإمبراطور ” كاليجولا ” في القرن الأول الميلادي، وكان هذا الإمبراطور ضخم الجسم، غائر العينين، كثيف الشعر، مصاباً بالصرع والشذوذ الجنسي، ألزم أعضاء مجلس الشيوخ بتقبيل قدميـه، إعتدى على شقيقاته جنسياً، وخطف الزوجات الجميلات من أزواجهن، وكان يستحم بالعطور ولا يكف عن النهم، أقام لجواده مزوداً من العاج داخل حظيرة من رخام، ألقى بخصومه للوحوش، ونشر بعضهم بمناشير الحديد، وألزم جدته ” أنطونيا ” أن تقتل نفسها، أمر بإعدام فيلسوف روما ” سنيكا ” وعندما علم أنه مصاب بمرض خطير لم يعدمه وتركه يتعذب في مرضه (14).. هل هذا إله يُعبد ؟!!

عندما حوكم الشهيد ” أكاتيوس ” Acatius سأله ” الحاكم “: هل تحب أمراءنا كإنسان يعيش بموجب القانون الروماني ؟

أكاتيوس: من ذا الذي يحب الإمبراطور بصورة أفضل من المسيحيين ؟! 0 إننا نصلى عنه دائماً أن يتمتع بحياة مديدة، وحكم عادل، وسلام في عهده، وأن توفق جيوشه، وأن يوفق في العالم0

الحاكم: هذا حسن، ولكن أليس من الأفضل أن تظهر طاعتك للإمبراطور وتضحي له معنا إكراماً له ؟

أكاتيوس: إني أصلي لإلهي لأجل الإمبراطور، أما تقديم القرابين إكراماً له فيجب ألا أقدمها أو أُطالب بها، إذ كيف تعطى الكرامات الإلهية للإنسان (15)0

ثالثاً: يُسخّر الأباطرة الدين لأغراضهـم، ويساعدهم في هذا الكهنة، وكل منهم يؤيد الآخر، لأن هدفهم واحد وهو إخضاع الشعوب لرغباتهم، بينما نؤمن نحن بفصل الدين عن الدولة، وقال العلامة ” ترتليانوس ” تعليقاً على قول السيد المسيح أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله: ” إذاً ما لقيصر لقيصر وما لله لله0 وبعبارة أخرى أن صورة قيصر هي فوق العملة المالية لذلك من حقه أن يطالب بالمال، وصورة الله هي في الإيمان، والله له على ذويه حق مساوٍ 0 أعطوا أذاً مالكم لقيصر وأنفسكم لله0 لأنه لو كان كل شئ لقيصر فماذا سيتبقى لله ؟! (16)0

رابعاً: لقد حرمونا من حقوقنا في الوظائف، وحرمونا من الذهاب للحمامات العامة، وحرمونا من أمور كثيرة أهمها حقنا في العبادة، وعندما إلتجأنا إلى السراديب والكهوف والمقابر والأماكن المعزولة والبيوت لنعبد إلهنا، إتهمونا بأننا جماعات سرية غامضة نمارس نشاطاً سرياً ضد الدولة، وإننا نمارس السحر مما يثير غضب آلهتهم فترسل الأوبئة والعواصف والفيضانات0 كما شوهوا صورتنا لأننا لا نشاركهم إحتفالاتهم الدينية، ونرفض الحلف بآلهتهم، ولا يقبلوننا لأننا نخالفهم الرأي فحياة الطهارة التي نعيشها تدين حياة الدنس التي يعيشونها.. ننظر للإتضاع على أنه فضيلة بينما يعتبرونه مذلة ورذيلة.. كل منهم يبحث عن الأخذ وشعاره ” هل من مزيد ؟ ” بينما نؤمن نحن بأن العطاء مغبوط عن الأخذ.. صنَّاع التماثيل والذي يتاجرون فيها يصبون نقمتهم علينا لأننا ننهي عن عبادتها.. فشتان بين نظرتنا ونظرتهم، وفلسفتنا وفلسفتهم، حتى عندما يحاكموننا لا يحكمون علينا بالعدل، بل يتأثر قضائهم بالصوت المرتفع، ففي محاكمة ” بوليكاربوس ” أسقف أزمير، عندما ضجت القاعة وصرخ الغوغاء مطالبين بحرقه حياً قبل أن تنتهي المحاكمة، لبى القاضي طلبهم0

خامساً: أنهم يرفضون المساواة بين البشر، فبينما ننظر نحن للعبد على أنه إنسان ينظرون هم له على أنه شئ، ولا حق له في أي شـئ0 وفــي سنـة 73 ق0م ثــار العبيد في إيطاليا بقيادة ” سبارتاكوس ” وكان عددهم أكثر من 120 ألفاً، فذبح الرومان منهم من ذبحوا، وصلبوا من صلبوا حتى إصطفت الصلبان على جانبي الطريق الأبياني على إمتداد أميال طويلة من روما إلى أقصى الجنوب، وتُركت أجسادهم العارية أياماً طويلة تنهشها الطيور الجارحة، لكيما يكونوا عبرة للعبيد رفقاءهم0 وفي سنة 167 م أسرت روما من أهل أبيروس 150 ألفاً باعتهم عبيداً، وكذلك في سنة 177 م أسرت من أهل سردينيا 140 ألفاً باعتهم عبيداً، بينما في المسيحية لا فرق بين عبـد وحر، فرب واحد للكل، وجميعنا نصلي معاً ” ياأبانا الذي في السموات ” وقد أوصانا الإنجيل بالرأفة على العبيد قائلاً ” وأنتم أيها السادة أفعلوا هذه الأمور تاركين التهديدات عالمين أن سيدكم أنتم أيضاً في السموات وليس عنده محاباة ” (أف 6: 9)0

         إنتهى الإجتماع بالصلاة والإنسكاب أمــام الله، ثم أعطى ” أبونا ثيؤدوسيوس ” البركة للحاضرين، وأحس ” ديمتري ” أن هؤلاء القوم هم قريبون جداً من يهوه، ويشعرون أن يهوه هو أب لهم يخاطبونه بدالة كبيرة، كما لاحظ ” ديمتري ” العلاقة الحميمة التي تربط هذا المجتمع الأخوي، فجميعهـم يسألون عمن تغيَّب عنهم، وتجد فريقاً منهم يتوجه لزيارة مريض، وفريق يذهب ليقدم واجب العزاء، وفريق يهتم بالمحتاجين للمساعدة.. أنه مجتمع عامل نشط، لا مكان للتراخي والكسل فيه.. مجتمع حي، لا رائحة للمـوت فيــه.. مجتمع مريح للنفس المنهكة، وإختبر ” ديمتري ” مشاعر عروس النشيد ” في ظله إشتهيــت الجلـوس ” (نش 2: 3) ووجد ” ديمتري ” ترحيباً حاراً صادقاً من الشماس الرائــع ” بطـرس “، ومن أبيه ” القس ثيؤدوسيوس “، وتعرَّف ” ديمتري ” على ” أرشي ” و” ميناس ” أصدقاء إسكندر، وأحس براحة كبيـرة في هذا الجو الأسري الكنسي، وغبط هذه الجماعة الطاهرة النقية السمائية، وشعر بالندم أنه ظن فيها السوء كما حذره أبوه من قبل، ومع هذا فقد إلتمس العذر لأبيه الذي يريد أن يحتفظ بإبنه في أحضان ديانته اليهودية، فلا يتركه مثلما فعل بعض الشباب اليهودي الذين سبتهم المسيحية بتعاليمها السامية0

         ويوماً فيوماً يتسلم ” ديمتري ” مع فريقه أجزاء من طلبية الملابس البحرية مـن التاجر الأمين ” ويصا ” وقد وثق فيه ثقة تامة، فقوله مُصدَّق تماماً، ولم يعد ” ديمتري ” يدقق في الفحص والعدد إلاَّ من قبيـل المراجعــة النهائيــة، ويوماً فيوماً يندمج ” ديمتري ” في هذا الجو المسيحي حتى صار كواحد من هذا المجتمع الإنساني.. سأل عن الكثير والكثير من الأمور التعليمية والإيمانية، وأُعجب بمبادئ المسيحية وتعاليم الإنجيل التي تدعو للتسامح والمغفرة والعطاء ومحبة الأعداء ومباركتهم والصلاة من أجلهم، وأدرك أن الشريعة المسيحية هي كمال الشريعة الموسوية.. غير أن ” ديمتري ” الذي يُعمِل عقله في كل شئ لم يقدر أن يقبل تنازل ” يهوه ” ليصير إنساناً، وليس هذا فقط بل يُعرَى ويُضرَب ويُلطَم ويُهان ويُجلَد ويُعلَق على صليب العار بينما تقول الشريعة اليهودية ” ملعون كل من عُلق على خشبـة ” فكيف يصير ” يهوه ” مصدر كل البركات لعنة ؟!.. أي عقل يقبل هذا ؟!!

وفشلت محاولات الأصدقاء والشماس القدير ” بطرس ” في إقناع ” ديمتري ” بقضية التجسد والفداء.. حقاً قال بولس الرسول ” نحن نكرز بالمسيح مصلوباً لليهود عثرة ولليونانييــن جهالة ” (1 كو 1: 23).. لقد قَبِل ” ديمتري ” المسيحية وأعجب بها في جميع جوانبها إلاَّ هذا الجانب، وكثيراً ما كان ينتابه الأسى عندما يعلم أنه بهذا لا يعد مسيحياً، لأنه لم ينل الصبغة المقدَّسة وغير مسموح له بالتناول من الأسرار المقدَّسة0 ولأن ” ديمتري ” كان صادقاً مع نفسه لا يعرف الكذب ولا الإلتواء لذلك ظل يحتمل هذا الوضع الصعب، وكثيراً ما كان يقول: يارب لا أنا يهودي ولا أنا مسيحي، فمن أكون أنا ؟! 00

لمــاذا يارب لــم تسلك طريقاً آخر غير طريق التجسد والصليب ؟!..

لماذا لم تسلك طريقاً يقبله الإنسان العقلاني ؟!

         وكم تبلغ سعادة ” ديمتري ” عندما يستمع لمحاضرات الشماس المعلم ” بطرس ” في المدرسة اللاهوتية وهو يتحدث ويفيض عن رجال العهد القديم، فهؤلاء أباؤه الذين يفخر بهم، هم أولاد إبراهيم وهو إبن إبراهيم، وبني جلدته، هم الذين حافظوا على أقوال الله، وهذا يتفق مع قول الإنجيل ” إذاً ما هو فضل اليهودي.. كثير على كل وجه 0 أمَّا أولاً فلأنهم أُستؤمنوا على أقوال الله ” (رو 3: 1، 2).. نظرة ” ديمتري ” للمعلم الشماس ” بطرس ” هـي نظــرة إعجاب وتقدير، ونظرته لأبيه ” القس ثيؤدوسيوس ” هي نظرة حب كبير، وعندما أتيحت الفرصة لديمتري للقاء ” البابا ثاؤنا ” كم أُعجب بذلك الشيخ الوقور السماوي الــذي يفيض وجهــه بالبشـر والسلام.. الكل قبلوا ” ديمتري ” كما هو، ولم يرفضوه بسبب نقص إيمانه، بل قبلوه وقبلوا تبرعاته السخية في مشروع بناء أول كاتدرائية في حي راكوتي 0

         وعندما إنقطع ” ديمتري ” عن الإجتماعات لمدة أسبوع، ظل ” إسكندر ” يستقصي الأمر عن طريق التاجر الأمين ” ويصا ” وإستطاع أن يصل إلى عنوانه في الحي اليهودي، وذهب ليطمئن عليــه، فعــرف أن أبوه ” منسى ” قـد فارق الحياة، وصار ” ديمتري ” مُثقَّل بهموم الأسرة، وهموم التجارة الكبيرة والمعاملات المالية التي تركها له أبوه بدون سابق إنذار، إذ توفي فجأة دون أن يمرض أو يلازم الفراش، وبدون أية مقدمات، فقط إنتابته موجة عارمة من الإكتئاب كالتي إنتابت ” ديمتري ” يوم إستشهد توأمه ” صفانيا “، وصار يتمتم بكلمات رأها الجميع بلا معنى ولا مبنــى ولا مغزى، إذ كان يقول ويكرر بصوت آسيف ” أبوه قتله ياولداه ” حتى لفظ أنفاسه الأخيرة ، لذلك كانت الصدمة قوية على كل أفراد الأسرة الذين خيَّم عليهم حزن مطبق بلا رجاء0

         وعاد ” إسكندر ” ليخبر ” أبونا ثيؤدوسيوس ” الذي تأثر جداً وأعرب عن رغبته للذهاب لديمتري لتعزيته، ولكن كيف يدخل الحي اليهودي الذي يتميز بعداء شرس ضد المسيحيين، ولاسيما الكهنة، وفي بساطته إستشار ” البابا ثاؤنا “، وكم كانت دهشته عندما أخبره قداسة البابا بأنه سيأتي معه، وعندما علم ” إسكندر ” أدرك أن هناك سر لا يدركه، فالبابا قلما يذهب لزيارة أحد أولاده إلاَّ إذا كان أحد يعاني مرض الموت أو آخر يعاني من مشكلة عجز الآباء عن حلها..

ما باله يريد أن يقطع كل هذه المسافة من غرب إسكندرية لشرقها نحو خمسة كيلومترات ذهاباً وإياباً ليزور بيت إنسان يهودي في الحي اليهودي ؟!! وهمس ” أبونا ثيؤدوسيوس ” قائلاً لنفسه: لم يُسمع قط أن بابا الإسكندرية دخل الحي اليهودي المعروف بشراسة العــداء للمسيحييــن.. ” مارمرقس ” عندمــا إلتقى ” أنيانوس ” إلتقاه في حي راكوتي، ولم يفكر ” إسكندر ” ولا ” أبونا ثيؤدوسيوس ” في سؤال البابا عن الدافع لهذه المغامرة غير المحمودة العواقب.. سار البابا مع الكاهن والخادم في ” الشارع الكانوبي ” يمرون على الحي، تلو الحي حتى وصلوا إلى أعتاب الحي اليهودي0

         وما أن بلغت خطى البابا ومن معه الحي اليهودي إلاَّ وسيدة يهودية مسنة تخرج من أحد الأزقة وتفاجئ بهم، فتصرخ في وجوههم وتصيح ” ياعباد المصلوب.. ياعباد المصلوب ” وإذ بصبية يتجمعون على صوت العجوز، وكل منهم يمسك في يده كعكة على شكل نجمة ثمانية الأطراف، قد خبزته أمهاتهم تقدمة لعشتار (عشتاروت) إلهة السموات، والتي إعتبرها اليونانيون أنها ” فينوس ” أو ” أفروديت ” إلهة الحب، فإن اليهود الذين نزلوا إلى مصر لم تكن عبادتهم نقية بل إمتزجت بعبادة الأمم، وهذا ما عبر عنه ” أرميا النبي ” قائلاً ” الأبناء يلتقطون حطباً والآباء يوقدون النار والنساء يعجنَّ العجين ليصنعنَ كعكاً لملكة السموات ” (أر 7: 18) وعندما نهاهم أرميا النبي وهــو معهم في مصر، في عهد ” فرعون خفرع ” (588 – 569 ق0م)، عن هذه العبادة المرذولة، قالت النساء ” من حين كففنا عن التبخير لملكة السموات وسكب سكائب لها إحتجنا إلى كلٍ وفنينا بالسيف والجوع0 وإذ كنا نبخر لملكة السموات ونسكب لها سكائب فهل بدون رجالنا كنا نصنـع لهـا كعكاً لنعبدها ونسكب لها السكائب ” (أر 44: 18، 19).. تجمع الصبية وأحاطوا بالضيوف الغير مرغوب فيهم يهتفون ” ياعباد المصلوب.. ياعبــاد المصلوب ” وبينما يحاول ” إسكندر ” أن يزجر هؤلاء الصبية، وإذا بالبابا يبتسم للأولاد ويقول لإسكندر ” أتركهم ياإبني 00هؤلاء مبسوطين.. أتركهم في إنبساطهم ” وإذ برجلان عابران بالطريـق وعوضاً عن زجر الأولاد، فإذ بهما في آن واحد يبصقان على الأرض وهما يتمتمان ” أتباع الإله الملعون “.. وهكذا قطع ” البابا ثاؤنا ” الطريق في الحي اليهودي من زفة إلى زفة، ومن إهانة إلى أخرى، وكأن موكب الصلب يتكرَّر من جيلٍ إلى جيلٍ، وإذ إقتربوا من بيت ديمتري و” ديمتري ” في بيته يستمع لهذه الأصوات المزعجة، فيسرع خارجاً مستطلعاً الأمر فإذ ببعض الصبية يصيحون ” صلبنا إلهكم وقتلناه ” ويفاجئ بالبابا ثاؤنا، وأية علامات من الغضب أو الضيق والضجر لا تبدو عليه، فينفعل على الأولاد جداً، فيسرعون بالهرب، وينحني أمام البابا مقبلاً يديه وكذلك أبونا ثيؤدوسيوس، وهو لا يعلم ماذا يفعل غير تقديم إعتذارات متلاحقة سريعة بصورة أو بأخرى ” أغفر لنا ياسيدنا.. سامحنا ياسيدنا.. هذا هو التعصب المقيت الذي يعيشه شعبنا.. ” 0

         وتبارك البيت وإمتلأ سلاماً بخطى أقدام قداسة البابا، وإذ بالأم ” سوسنا ” عوضاً عن أن تفاجئ بحضور إثنين من كبار المسيحيين إلى بيتها، وعوضاً عن أن تتفوَّه بألفاظ نابية علناً أو سراً، فإذ بها تُرحِب بهما وكأنها كانـت تنتظر هذه الزيارة في شغف، وزادت الترحيب أكثر بالبابا ثاؤنا وكأنها تدرك أنه هو الأكبر رتبة بين جميع المسيحيين، وجـاءت الأخوات ” راحيل “، و” دينه “، و” ميراب ” يرتدين ملابس الحداد مثل أمهم، وإذا رأين حفاوة الأم بالضيوف أظهرن رضاءهن وسرورهن بهذه الزيارة غير المتوقعة، بينما وقف ” ديمتري ” مشدوهاً.. ماذا يحدث، لم أُعرّف أمي بمن هؤلاء فكيف تستقبلهم بهذه الحفاوة البالغة وكأنها تعرفهم منذ أمد بعيد ؟!!.. جلـس البابا وجلسوا حوله، أبناء وسط أب كبير القلب، يشعرون بالأمان والرعاية والحماية تحت جناحيه، فنظرات البابا وكلماته الحلوة خلقت فيهم هذا الإحساس0

سوسنا: بالأمس رأيتُ رجلاً بهي الطلعة على رأسه أشواك ومُعلّق على الصليب ونظر لي نظرة أعجز عن وصفها لما فيها من حنان بالغ.. تطلعت في عينيه فرأيت السموات بأمجادها، وسمعت همساته: ” سوسنا ياإبنتي.. لماذا تبتعدين بعيداً ؟! “..

سألته: من أنت ياسيدي ؟

قال: أنا يسوع المسيح إبن الله الحي، ورأيتك يا 000 (وأسعفها ديمتري: ياسيدنا) ورأيتك ياسيدنا راكع في خشوع أمام المصلوب تصلي.. حدث هذا ياسيدنا وأنا لا أدري أكنتُ نائمة أم مستيقظة ؟ ولا أدري ما رأيته حلماً أم رؤيا ؟

البابا: ” إطمئني ياإبنتي فإن الله يدعوك وسيتمم مشيئته، لأنني أنا أيضاً بالأمس عندما كنت أصلي سمعت صوتاً يقول لي: قم وأذهب مع أبونا ثيؤدوسيوس “0

فأطعت وإذ رأيت ” أبونا ثيؤدوسيوس ” جاء ليأخذ رأيّ في المجئ إليكم قلت له: ” أنا أيضاً سأذهب معكم لأن ديمتري غالي علينا

ولا أعلم ماذا سيصادفني ولا ماذا ينتظرني.. وسرح ” ديمتري ” بخاطره بعيداً، وكأنه يناجي المصلوب: ” كيف يكون هذا ؟ يهوه إلهنا العظيم أيصلب ؟!! “0

         تلقى ” أبونا ثيؤدوسيـوس ” الأمر ببساطة، وزالت دهشة ” إسكندر ” إذ إنكشف أمامه سر رغبة البابا في قطع المسافة من غرب المدينة إلى شرقها، لأن للـرب خراف في هذا البيت اليهـودي، وبــدأ البابـا يحكي للأم وبناتهـا ما سبق أن سمعه ” ديمتري ” من قبل.. قصة الحب الإلهي العجيب التي تجلت في التجسد والموت على عود الصليب0

         وفوجئ ” ديمتري ” بأمه تقول: ” أنا أؤمن ياسيدنا.. أؤمن أن يسوع المسيح هو إبن الله الحي الذي جاء من أجل خلاص العالم.. هل يمكن أن تغطسني أنا وبناتي ياسيدنا.. سمعت من أمي لكي يصير الإنسان مسيحياً لابد أن الكاهن يغطسه في الماء “0

         تُرى هل صلوات الشهيد ” صفانيا ” في قبر مخلصنا الصالح أتت ثمارها !!

البابا: ” نعم ياإبنتي ستنالين مع بناتك سر العماد المقدَّس لتحصلوا على الولادة الجديدة من الماء والروح القدَّس، ولكن يجب أن تقضين فترة مع الموعوظات لتتعلموا مبادئ الإيمان “0

         وسُرَّت الأم بهذا، وهي تشكر من كل قلبها إله السماء الذي أرسل إليهم ” البابا ثاؤنا “، فهو أب بكل معاني الأبوة وسمو معانيها.. جلسوا معه ساعات، إرتووا من الحب الإلهي النابع من قلبه الصافي، وكلماته المملَّحة بنعمة الروح القدس.. إنه حب حقيقي، والحب الحقيقي لا يمكن أن يُزيَّف.. وجه البابا البشوش طرد روح الحزن المفرط الـذي خيَّم على البيت طوال الأيام الماضية، ومسح كل دمعة من عيونهم، وغرس في قلوبهم روح الرضى والشكر، بل روح الفرح0

وقال ” ديمتري ” في نفسه: ” هذه الأم العظيمة تقبل الإيمان بين عشية وضحاها، وأنا من شهور أحاول ولا أنجح.. عاشرت هؤلاء القديسين وأكلت وشربت معهم وسمعت تعاليمهم في الإجتماعات وفي المدرسة اللاهوتية، ووقفت أصلي معهم، ومع كل هذا فما زال عقلي لا يقبل { يهوه ويصلب }.. إيه ياعقلي.. إلى متى تظل حجر عثرة أمام إيماني ؟!.. وحتى بعد رؤيا أمي فإن عقلي لا يخضع.. وماذا بعد ياربي ؟!! “0

وترك ” قداسة البابا ثاؤنا ” هذا البيت المبارك بعد أن صلــى وبارك المكان، ورشــه بالماء المُصلى عليه، وإنطلق ” ديمتري ” معهم بعضلاته المفتولة ورأسه التي يرفعها في شمم وكبرياء كضابط في الجيش الروماني، فاختلفت رحلة الإياب عن رحلة الذهاب تماماً، وخرجوا من الحي اليهودي بسلام، وأصرَّ ” ديمتري ” أن يصحبهم إلى ” حي راكوتي “، ثم عاد إلى بيته وقد أزاح عن كاهله ثقلاً كبيراً، وبعد أن كان مهموماً بالأسرة وتجارة أبيه وأعماله المالية، بدأ يشعر بأن هناك من يقف بجواره يسنده، وشعر بالسلام تجاه مستقبله ومستقبل أمه وكل أخواته0

عــاد ” قداسة البابا ثاؤنا ” إلى القلاية البابوية وطلب من ” أبونا ثيؤدوسيوس ” أن يرسل إليه إبنه ” بطرس ” وأن يحضر معه الأوراق وأدوات الكتابــة، وسريعاً ما جلس الشماس المعلم ” بطرس ” أمام المنضدة وأدواته كاملة أمامه، كتلميذ ماهر أمام معلمه، وقد تميَّز بالخط الرائع الصافي سهل القراءة، كما أنه يتمتع بموهبة التنسيق والتجميل في الكتابة، فتأتي كتاباته تحفة فنية رائعة رسمتها يد فنان قدير بين خط صغير وكبير ومتوسط، وبدأ البابا يمليه الرسالة الأولى إلى ” لوسيان ” ناظر بيت الملك أو بمعنى آخر مدير الدائرة الخاصة بالإمبراطور، ففي هذه الأيام أصبح هناك تواجد حقيقي للموظفين المسيحيين في القصـر الإمبراطوري، والإمبراطور العظيم ” دقلديانوس ” يقبل هذا بسرور:

إن الراحة التي تتمتع بها الكنيسة الآن تعزى إلى سبب واحد فقط هو سلوك المسيحيين الحسن وأعمالهم الممدوحة التي تضئ كالشمس في رابعة النهـار فينعكس ضوءها أمام.. (غير المؤمنين) فتبهر أنظارهم، وبذلك يتمجد أبانا الذي في السموات 0 أما غرضنا الذي نرمي إليه والغاية القصوى التي نسعى خلفها هي أن نكون مسيحيين فعلاً لا بالأسم فقط، وأن نعمل أعمال المسيحيين الحقيقيين لأنه إذا كنا نطلب مجد أنفسنا الذاتي فنكون كمن يطلب شيئاً تافهاً زائلاً لا فائدة منه0 فإذاً يجب على كل مسيحي أن يهتم بمجد الله الآب وبمجد الله الإبن الذي سُمّر لأجلنا على خشبة الصليب وفدانا بدمه فداءاً أبدياً لا يقوم بذهب أو بفضة0

         فلذلك أيها العزيز ” لوسيان ” لا أريد أن يُعرف عنك التباهي والفخر لأنك أهديت كثيرين في خدمة البلاط الملوكي إلى معرفة الحق، وأدخلتهم إلى حظيرة المسيح، بل بالأحرى بك أن تشكر الله الذي إختارك آلة نافعة للبنيان وجعلك واسطة خير لنفع الآخرين وأعطاك نعمة في عيني مولاك لحد تمكنت فيه من نشر كلمة الخلاص وإذاعة معرفة فادي المسيحيين وذلك لمجد إسمه وخلاص الكثيرين (17)0

         كما أوصى ” قداسة البابا ثاؤنا ” إبنه ” لوسيان ” من جهة حسن إختيار أمين الخزانة، وأن يكون ماهراً في علم الحساب، عارفاً بمسك الدفاتر فلا يعتمد على ذاكرته، وأن تكون حساباته مرتَّبة ومبوَّبة حتى يسهل الإطلاع عليها وفحصها في وقت قصير، وتسجيل تاريخ الصرف، وبيان المصروف، والمكان الذي صرفت فيه0

         وأيضاًَ أعطى ” قداسة البابا ثاؤنا ” توجيهاته لما يكون عليه أمين الكتبخانة قائلاً: ” يجب على أمين الكتبخانة أن يكون عارفاً بما عنده من الكتب والمجلدات وأن يفتقدها ويفحصها كل آونة وأخرى ويستخدم أمهر النسَّاخ وأبرعهم لنسخ ما يحتاج إليه من الكتب الغير موجودة عنده0 كذلك يلزمه أن لا يرتأي ويظن أنه ليس له حاجة إلى الدرس والمطالعة أو الإلمام بمحتويات الكتب خصوصاً التي يميل إليها الإمبراطور ويبحث عنها ويطلبها 0 ويتحتم عليه أيضاً معرفة أسماء الخطباء والشعراء والمؤرخين الذي نبغوا في العصور الحالية والوقوف على مؤلفاتهم ومصنفاتهم وأقوالهم المأثورة0 وحيث أن الأمين كثيراً ما تضطره شئون وظيفته للمحادثة مع الإمبراطور وإرشاده إلى الكتب المهمة التي عنده، فينبغي له أن يذكر أمامه في أثناء حديثه أهمية الترجمة السبعينية للكتاب المقدَّس ونفعها وما فيها من الفائدة العظمى، وأن يُفهّمه أن هذا الكتاب كانت له منزلة كبرى عند ” بطليموس فيلادلفوس ” الشهير الذي كان يقدره حق قدره(18)0

وأعطى ” قداسة البابا ” إرشاداته عن الكتب التي يجب قراءتها على مسامع الإمبراطــور بصوت جهوري، كما أوصى ” أمين الكتبخانة ” بالإعتناء بالكتب القديمة المنسوخة وأن يجلدها تجليداً حسناً، وأن يعمل كل ما من شأنه حفظها من أيدي العبث، وأوصى أن الذي يقرأ كتاباً للإمبراطور يشير إلى أقوال وأعمال السيد المسيح، مما يقود للحديث عن الديانة المسيحية0

         وكتب ” قداسة البابا ثاؤنا ” لأمين الثياب والملابس يوصيه بالإهتمام ” بمقدار الملابس المسلَّمة لعهدته ونوعها وماهيتها والأماكن الموضوعة فيها وتاريخ وصولها للمخزن وإسم المتعهد الذي ورَّدها وهل هي حسب الشروط أم لا، وضرورة إفتقادها مراراً، ومعرفة موضع كل سلعة في الدولاب المخزونة فيه0 وعلى الأمين أن يفعل كل هذا بتواضع وطول أناة لكي يتمجد إسم المسيح حتى في مثل هذه الأعمال القليلة الأهمية (19)0

         وختم ” البابا ثاؤنا ” رسائله برسالة عامة إلى أبنائه بالقصر الإمبراطوري قائلاً: ” إن الله ينهاكم أن تبيعوا للآخرين شيئاً من متعلقات القصر خلسة، أو أن تأخذوا رشوة لكي تقولوا للإمبراطور كلاماً ضد الحق0 إبتعدوا عن الطمع والجشع اللذين يتمسك بهما الوثنيون لا المسيحيون، وأعلموا أن الربح القبيح والغش هما صفتان لا تلائمان من قبل المسيح، وعوّلوا على الإقتداء به، ذاك كان فقيراً معدماً0 لا تتكلموا بشر فيما بينكم ولا تخرج كلمة قبيحة من أفواهكم، بل لتكن كل أعمالكم معروفة باللطف والتأدب مع العدل والحق، بذلك يتمجد إسم ربنا وإلهنا يسوع المسيح فيكم وفي أعمالكم0 تمَّموا واجباتكم التي أُسندت إليكم بخوف من الله وبمحبة للإمبراطور وبغاية الدقة والإجتهاد وأعتبروا أن الأوامر التي تصدر لكم من مولاكم الذي لم يسئ إلى أحد من رجال الله كأنها صادرة من الله نفسه لأنه مُقام منه، ولا يتقلد السيف باطلاً 0 وأخيراً ياأبنائي الأعزاء إلبسوا الصبر كرداء وتمنطقوا بالفضيلة وإمتلؤا بالرجاء والإيمان والمحبة(20)0

وشدَّد الأب البطريرك على المسيحيين الذين يعملون في الدوائر الإمبراطورية الإهتمام بالنظافة وحسن الهندام، وأن تبدو على ملامحهم علامات الفرح والإبتهاج والهيبة والوقار0

(14) راجع زكي شنودة – الشهداء ص 47، 48

(15)  راجع نيافة المتنيح الأنبا يؤانس – الإستشهاد في المسيحية ص 48

(16)  المرجع السابق ص 48

(17) أ0 لويزا بوتشر – تاريخ الأمة القبطية – طبعة 1897م ص 157

(18) المرجع السابق ص 159، 160

(19)  المرجع السابق ص 159

(20)  المرجع السابق ص 159

 

البابا في الحي اليهودي ف3 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

البحار المغامر ف2 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

البحار المغامر ف2 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

البحار المغامر ف2 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

 

الفصل الثاني: البحار المغامر

 

         بالرغم من الصدمة القاسية التي تعرض لها ” ديمتري ” عندما أوشك توأمه ” صفنيا ” على الغرق إلاَّ أنه لم يصب بعقدة نفسية تجاه البحر.. كان يذهب ويلقي بنفسه في أحضانه ويغوص في أعماقه، يعاتبه ويلومه على النفوس التي يقتنصها، ولكنه قط لم يخاصمه ولم يقاطعه، فمحبته الغامرة للبحر كانت أقوى من كل شئ، حتى من توسلات ومخاوف ودموع أمه التي كانت ترجوه أن يكف عن الذهاب إليه0 بل ظل ” ديمتري ” طوال هذا الصيف لعام 288م يخرج للبحر يوماً فيوماً.. يرابض على الشط مثل نمر ينتظر الفريسة لا ليفترسها إنما لينقذها، فقد فرض ” ديمتري ” على نفسه أن يكون غطاساً لهذه المنطقة الخطرة بلا أجر ولا مقابل، وصنع عوامة من الخشب الخفيف الـوزن (في حجم البطيخة الكبيرة) ولها شكل كمثري، تنتهي بحلقة في عنقها رُبطت بحبل متين، وإذا لمح ” ديمتري ” إنساناً أطبق عليه الموج وبدأ السحب يشده للداخل، ينقض في سرعة النمر نحو هذا الإنسان، وعوضاً أن ينقض هذا الإنسان على من جاء لينقذه فيشل حركته ويرهقه، فإن ” ديمتري ” يقترب منه ولا يلمسه، لأن الغريق بتعلق بقشاية، لذلك يقبض بشدة على عوامة ديمتري التي دفعها نحوه ويحتضنها بقوة ففي بقائها حياته وفي ضياعهــا موتــه المحقق، ويُطمئن ” ديمتري ” ذلك الإنسان المقهور، ويسحبه بهـدوء إلى داخل البحر، حتى تخف حدة السحب، ويسبح به في إتجاه آخر إلى الشاطئ، وكم أنقذ ” ديمتري ” شباباً ورجالاً وأطفالاً وأحياناً بعض الشابات اللاتي يندفعن للبحر بملابسهن، وفي كل مرة كان يصارع الموج بعزيمة صادقة لينتزع ذاك الذي أوشك على الغرق من فم الأمواج الهادرة المتلاطمة السريعة، فهو يرى في كل واحد منهم صورة توأمه حبيبه ” صفانيا “، وفي كل مرة ينقذ إنساناً لا يضبط نفسه بل تدمع عيناه دمعة الفرحة بنجاة إنسان من الموت، والسعادة التي يشعر بها ” ديمتري ” بعد عمل الخير أفضل من أي أجر كان يمكن أن يتقاضاه.. ألم يقل الإنجيل ” شدة وضيق على كل نفس إنسان يفعل الشرَّ اليهودي أولاً ثم اليوناني0 ومجد وكرامة وسلام لكل من يفعل الصلاح اليهودي أولاً ثم اليوناني ” (رو 2: 9، 10) كما إعتاد ” ديمتري ” أن يمضي بقية يومه في المحل التجاري الكبير يساعد أبيه، وكذلك طوال أيام الخريف والشتاء 0

ويوم سلَّم ” منسى ” إبنه ” صفانيا ” لهؤلاء التجار الأمناء الذي يثق فيهم ثقته في نفسه، وقد تعامل معهم على مدار سنوات طويلة، ودائماً كانوا يبرون بوعودهم، يتميـزون بالصدق والقناعة، فلم يسعوا قط للربح القبيح، حتى أنه كان يسألهم دائماً: مادامت الفرصة مهيأة للربح الأكثر، فلماذا تربحون أقل ؟ فكانت دائماً إجابتهم: ” إن كان لنا القوت والكسوة فلنكتفِ بهما “0 هذا في الوقت الذي كان يعبد فيه ” منسى ” المال والتجارة، حتى أنه كان يُقرِض أمواله بنسبة 5 % شهرياً، أي بنسبة 60 % سنوياً، فكم وكم عندما يُقرِض أمواله بالإضافة إلى الفوائد العائدة من الربا، بالإضافة إلى تجارته، لذلك كان رأس ماله يتضاعف من عام إلى عام بدون مبالغة، وكان ضميره مستريحاً وهو يستغل وصية العهد القديم عندما كانت البشرية في طفولتها فسمحت لليهودي بإقراض الغريب بالربا وأقراض اليهودي بدون ربا، وبالرغم أن الشريعة لم تحدد نسبة الربا، ولم ترمي لذلك الربا الفاحش، فإن ” منسى ” كان يفعل هذا بقلب مستريح، ولو أقرض يهودياً يخفض نسبة الربا الشهرية من 5% إلى 5ر4% وهو يظن بهذا أنه يطبق الوصية.. أما هؤلاء التجار الأمناء فلم يفعلوا ذلك قط0 إنهم مسيحيون، وهذا ما لم يلتفت إليه ” منسى ” يوم سلَّمهم إبنه0

ويوم أن بدأ ” صفانيا ” رحلته إلى أورشليم كان قلقاً بشأن المال الذي يحمله، فلو فُقد منه فربما أبوه يقتله، فلفه في حزام حول وسطه، لا يفارقه قط في حركاته وسكناته، وما أن مرَّ اليوم الأول حتى تأكد ” صفانيا ” أن الأمور مع هؤلاء التجار مختلفة تماماً عما كان يظنه، فليس بينهم لص ولا حتى طامع فيما لغيره، فشعر بالأمان والسلام النفسي، فكل منهم يسعى في تقديم أي شئ له، حتى لو كانت إبتسامة وتشجيعاً 0 عندما يحطون الرجال وقبل أن يفعلوا أي شئ يصلون بخشوع ووقار شديد.. في جلساتهم يرنمون ترانيم الحمد ومزامير داود، ويقرأون من الرقوق كلمات المسيح وأعماله.. لقد رأى فيهم صورة مغايرة تماماً عما كانت في ذهنه، وقد تعلمها من أبيه أن المسيحيين كفرة مبتدعين يستحقون القتل، فيسوعهم قد حُمل به سفاحاً، وأنه عُلّق على الصليب كأعتى المجرمين، وإدعى المسيحيون أنه مات لكيما يفديهم، مع أن الله من المستحيل أن يقبل ذبائح بشرية، ثم أشاعوا كذباً أنه قام من بين الأموات وهو لم يقم كشهادة الجنود الذين حرسوا قبره.. وإن كان في الناموس كل الكفاية فما الحاجة ليسوع ؟!.. وهل بعد أن كلَّم الله موسى على الجبل وأعطاه الوصايا الإلهيَّة نحتاج لشئ آخر ؟!!

ووجد ” صفانيا ” نفسه أمام حقائق كان يظنها من قبل أنها أباطيل، وإذ شعر أن التاجر الحكيم ” يوحنا ” وهو أصغرهم سناً، فهو في العشرين من عمره، قريباً منه، وقد إستراح له كثيراً، بدأ يبوح له بأفكاره.. لم يغضب ” يوحنا ” ولم يعبس وجهه في وجه ” صفانيا “، إنما أخذ يحاوره بالمكتوب في الأسفار المقدَّسة، وبالعقل والمنطق، وأخذ يفتح ذهنه نحو ما سجلته أسفار العهد القديم.. إستعرض أمامه المزمور (22) وما حواه من نبؤات واضحة وضوح الشمس عن يسوع المصلوب، فداود النبي الذي عاش ومات معزَّزاً مكرَّماً يقول:

ثقبوا يديَّ ورجليَّ ” (مز 22: 16) 00

كل الذين يرونني يستهزئون بي يغفرُون الشفاه وينغضُون الرأس قائلين0 إتكل على الرب فلينجه لينقذه لأنه سُرَّ به ” (مز 22: 7، 8)

يقتسمون ثيابـي بينهـم وعلى لباسي يقترعون ” (مز 22: 18)0

         وإنتقل ” يوحنا ” إلى أشعياء (53):

لا صورة ولا جمال فننظر إليه ولا منظر فنشتهيه ” (أش 53: 2) 00

لكن أحزاننا وأوجاعنا تحملها ونحن حسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلولاً0 وهو مجرح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا تأديب سلامنا عليه وبحُبرُه شفينا0 كلنا كغنم ضللنا مِلنا كل واحد إلى طريقه والرب وضع عليه إثم جميعنا0 ظُلِم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه كشاة تُساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه ” (أش 53: 4 – 7)0

وبدأ ” يوحنا ” يضع أمام ” صفانيا ” عشرات النبؤات: عن نسل المرأة يسحق رأس الحيَّة (تك 3: 15) وزمن صلب المسيح (دا 9: 24 – 27) وتآمـر الرؤساء والملوك عليه (مز 2: 1 – 14) وبغضة اليهود له (مز 69: 4، 8) ورفض حجر الزاوية (مز 117: 22، 23) ودم العهد الجديد (أر 31: 31 – 34) وخيانة يهوذا له (مز 41: 6 – 9، 55: 12 – 14) وبيعه بثلاثين مـن فضـة (زك 11: 12، 13) ونهاية يهوذا الخائن (مز 69: 25) وشهود الزور (مز 35: 11، 12) وأنه مثل حمل بلا عيب يُساق للذبـح (أر 11: 9) وصمته أثناء المحاكمة (مز 38: 13، 14) وتكليله بأكليل الشوك (نش 3: 11) والجلدات (( مز 129: 3) واللطم والبصق (أش 50: 6) وصلبه بين لصين (أش 53: 12) والعطش وشرب الخل (مز 22: 17، 69: 21) وكلماته على الصليب (مز 22: 1، 31: 4، 5) وطعنه بالحربة (زك 14: 6، 8) وعدم كسر عظم من عظامه (مز 34: 20) وتكفينه ودفنه (أش 53: 9) وقيامته (مز 3: 5، 24: 7 – 10، هو 6: 2)0

وقطع ” يوحنا ” مع ” صفانيا ” رحلة لذيذة عبر رموز الصليب في العهد القديم: ذبح هابيل، وذبح إسحق، وبركة يعقوب لإبني يوسف، وإلقاء يوسف في البئر، وخروف الفصح، وذبائح العهد القديم بأنواعها، وعصى موسى التي شقت البحر الأحمر، والشجرة التي غيَّرت طبيعة ماء مارة، وصخرة حوريب، وموسى على التلة رافعاً يديه أثناء حرب عماليق، وعصفوري تطهير الأبرص، والحيَّة النحاسية، والغصن الذي جعل الحديد يطفو، ويونان في بطن الحوت.. إلخ0

         وكانت إستجابة ” صفانيا ” إستجابة الخصي الحبشي الذي بشَّره فيلبس، وما أن وصل إلى أورشليم إلاَّ وقصد كنيسة القيامة معلناً إيمانه، وهناك نال الصبغة المقدَّسة، ومارس حياته العملية فتاجر وربح القليل كما يفعل المسيحيون، وليس كما تعلَّم من أبيه منذ صغره، وزار الأماكن المقدَّسة، وصار عضواً عاملاً في الكنيسة متمتعاً بحياته الجديـدة في المسيح، وكلما دخل قبر مخلصنا الصالح كان ينسكب فـي الصلوات من أجل والديه وتوأمه ” ديمتري ” وأخواته ” راحيل ” و” دينه ” و” ميراب “0

         ومرَّت عدة شهور وفـي شهـر فبرايـر سنة 289م عاد ” صفانيا ” للإسكندرية في زيارة سريعة، لأنه إشتاق جداً لذويه، وقبل أن يتوجه إلى منزله مرَّ على والده في متجره، الذي فرح وتهلل بلقائه، وأخذ يسأله عن كل صغيرة وكبيرة في تجارته وأرباحه، غير أنه لاحظ أن ” صفانيا ” قد حقق أرباحاً قليلة، ولم يعد يهتم بالمال والتجارة مثلما كان قبل سفره إلى أورشليم، كما أن لهجته وكلماته قد تغيرت، فهي كلمات مسيحية، لعل التجار أغروه على ترك دينه ودين آبائه.. وجه ” منسى ” سؤالاً صريحاً واضحاً لإبنه: ياصفانيا هل صرتَ مسيحياً ؟

وعلى الفور أجاب صفانيا: نعم ياأبي الحبيب0

ووقعت الإجابة وقع الصاعقة على رأس منسى، فلعن في داخله اليوم الذي ترك فيه إبنه للتجار المسيحيين الذيـن خانوا الأمانة، ولكنه نجح في إخفاء نيران غضبه، وأظهر إستحساناً، كذباً وخداعاً ومكراً، وإسترسل ” صفانيا ” البسيط في الحديث، وأباح لأبيه حبيبه بكل شئ، أما أباه فلم يكن يصغى إليه، إنما كان يصغى للأفكار الشيطانية التي كانت تنازعه، ترفعه وتطرحه، وإذ نيران الغيرة المرة على دينه ودين آبائه أخذت منه كل مأخذ، وإذ أدرك أن من المستحيل أن يعود إبنه إلى يهوديته، قدم له القهوة0

         ومرَّت دقائق ليست بطويلة وبدأت أعراض التسمم الشديد تعتمل في جسد صفانيا، فأظهر والده إنزعاجاً كذباً وخداعـاً ومكراً، وقاده إلى المخزن الداخلي بحجة إسعافه، وخرج وأغلق عليه الباب من الخارج، وإنتظر ” صفانيا ” عودة أبيه بالدواء وهو يعاني آلاماً لا تُطاق، فلم يعد، وبدأت أنات ” صفانيا ” ترتفع ولا منقذ، والأب القاسي الشرير يرابض أمام الباب منتظراً موت إبنه، وبدأ الصوت يخفت والأنات تختفي، وإذ بنور قوي يبرق داخل المخزن الداخلي ويتسرب من أطراف الباب مما أزعج منسى، وبدافع تلقائي فتح الباب ليجد إبنه مسجي على الأرض، وكل شئ قد إنتهى، لم يبكي ولم ينتحب ولم يقرع صدره ولم يذرف دمعة واحدة، فقد تفوق قسوة الإنسان الشرير قسوة الوحوش المفترسة التي لا يمكن أن تفترس أبنائهــا مهمـا إستبد بها الجوع، وراح ” منسى ” يتعامل مع زبائنه، وكأن شيئاً قط لم يحدث 0

         وعندما أمسى الليل أغلق ” منسى ” متجره وحمل على كتفه جوالاً، وهو منظر قد إعتاد عليه أهل الحي، فإن منسى يفضل أن يحمل ما يحمل على أكتافه من أن يؤجر حماراً يدفع فيه درخمة واحدة 0 وإتخذ ” منسى ” طريقه إلى شاطئ البحر حيث لا عين إنسان ترقبه، أما عين يهوه فهو مطمئن من جهتها، لأنه يشعر أنها تطوَّبه على عمله البطولي هذا.. ثم عاد ” منسى ” إلى بيته ووضعت أمامه المائدة فأكل حتى شبع، ولم يبكته ضميره، ولم يبكته منظر إبنه ” ديمتري ” الذي كان يعاني منذ ساعات، وبالضبط منذ أن شرب ” صفانيا ” فنجان القهوة، يعاني من قلق فائق ودخل في كآبة شديدة، مما سبب إنزعاجاً شديداً لأمه ” سوسنا ” وأخواته0 أما والده فليس على باله.. وماذا تفعل بأب فقد روح الأبوة ؟!!

         وبينما نام ” منسى ” ووجد النعاس طريقه لأجفانه، لم يغمض جفن لديمتري، الذي جافى النوم عينه، ودخل في ضيق شديد لا يعرف له سبباً، وما أن إنبلج ضـوء الصبـاح حتى خرج ” ديمتري ” إلى الشط ليجد بعض الهواء، فأنه يشعر أنه يختنق.. ذهب إلى ذات المكان الذي إعتاد الذهاب إليه.. ذات المكان الذي تعرَّض فيه توأمه من قبل للغرق فأنقذه وإنتشله من فم البحر.. ذات المكان الذي طالما أنقذ فيه نفوساً تعرضت للموت المحقق غرقاً.. جلس البحار المغامـر وتحركـت أحشـاءه نحـو توأمه ” صفانيا ” 0 ثم أخذ يجهش بالبكاء، وهو لا يعرف لهذا سبباً.. جلس البحار المغامر على شط البحر ولا توجد عين إنسان تراه، وإذ كان البحر ساكن صامت، والمياه صافية، لاحظ تجمعات من الأسماك تلهو في بؤرة معينة، وإذ بصوت داخله يناديه لينزل إلى الماء، رغم أن برودة الشتاء مازالت تبسط جناحيها على الثغر السكندري0

ونزل ” ديمتري ” إلى الماء، وإتجه للمكان الذي تلهو فيه الأسماك ولاحظ أن هناك بعض أسماك القرش تسبح في المكان ففكر أن يعود أدراجه، ولكنه لمح تحت الماء شيئاً تنهشه الأسماك فغاص وإذ هو جوال فأخذ يسحبه والأسماك لا تكف عن نهشه، وعندما وصل إلى رمال الشاطئ فوجئ بإنسان داخل الجوال وقد تشوَّهت معالم وجهه وأطرافه، فحزن وتنهد وسالت دموعه، وبعيد عن المياه حفر على الشط وواراه الثرى 0 وأسرع إلى السلطات يبلغها بالأمر لكتشف سر الجريمة وإذ بالمسئول يظهر لا مبالاة محتجاً بأمريـن، أولهما: أنه لم ترد له أية بلاغات عن إختفاء أحد، وثانيهما: قد يكون إنساناً فارق الحياة على ظهر سفينة عابرة وقانون البحر يقول أنه يُلقى في البحر، فالقوة في اليم والأمواج حملته قرب الشاطئ، ولم يقتنع ” ديمتري ” بهذا ولا بذاك، ولكن على كلٍ عندما دفن هذا الشاب شعر براحة نفسية عميقة وعاد إلى طبيعته الأولى0

وعاد ” ديمتري ” إلى بيته، ولم يكن والده قد نزل إلى متجره، ففي هذا اليوم أستيقظ متأخراً، وحكى ” ديمتري ” الحدث أمام أسرته، فتأثرت أمه جداً، أما والده فقد أظهر إهتماماً شديداً جداً على غير عادته، وبدأ يسأل ديمتري عن تفصيلات الحدث، ثم أرسل ديمتري ليفتح المتجر، وتوجه هو إلى المكان الذي أعلمه به ديمتري فأخرج الجوال وما فيه، ربطه بحجر، وسبح به إلى المياه العميقة وتركه ليغوص في القاع حتى لا يظهر مرة ثانية0

         وفي صيف عام 289م تقدم ” ديمتري ” للإختبار الذي نجح فيه بتفوق، فصار جندياً مميزاً (قابل للترقية) في الأسطول البحري الروماني، بالرغم من أن ذلك لم يأتِ على هوى أبيه الذي كان يطمع في بقاء إبنه بجواره يشاركه في تجارته وإدارة أمواله، ولاسيما أن الراتب الشهري الذي سيتقاضاه وهو ستون دراخمة يستطيع أن يحصل على أكثر منه من خلال العمل بالتجارة وسوق المال، بالإضافة إلى كراهية ” منسى ” للرومان الذين دمروا أورشليم وأحرقوا هيكلها، ولكن أمام إلحاح ديمتري الشديد ورغبته الجامحة وافقه والده وهو يتحسر لأن هذا الإبن سيظل في خدمته العسكرية التي تطول إلى ستة وعشرين عاماً، وعندما يتزوج وينجب لا تعترف الدولة بهذا لأنها تُحرم الزواج أثناء فترة الخدمة، وعليه أن ينتظر حتى نهاية خدمته فتعترف الدولة بزواجه وأبنائه، ويحصل على الرعوية (الجنسية) الرومانية، كما يحصل على مكافأة مالية ضخمة، وهي مبلغ ليس بقليل، فالجندي الروماني يحصل على مكافأة نهاية الخدمة 12000 دراخمة، والجندي المصري أو اليهودي يحصل على أقل، ويمكنه أن يستثمر هذا المبلغ في شراء الأراضي الزراعية وتربية المواشي في أرياف مصر، وإن كان المصريون لا يرحبون بهم، لأنهم وهم في خدمتهم كانوا يلزمون الفلاحين بتقديم الطعام والإيواء لهم بدون مقابل، والقانون يعطيهم هذا الحق، ولكن بعد تسريحهم كانوا يعيشون كجيران مسالمين لهؤلاء الفلاحية المطحونين0

         وإجتاز ” ديمتري ” التدريبات بلياقة عالية، وأخذ مكانه بين نسور البحر، وكثيراً ما كان يُسمح له بالمبيت في منزله، فيستيقظ مبكراً ويقطع طريقه مـن جنوب الحي اليهودي حيث منزله، ويسير في ” شارع كانوب ” الشارع الرئيسي المتسع في المدينة، ويمر على ” البروخيوم ” (الحي الملكي)، ذاك الحي الذي ضم في أحشائه أهم قصور مصر وأروعها، من قصور ملوك البطالمة إلى قصور الولاة الرومان إلى قصور عظماء الإسكندرية وأثريائها إلى قصور كبار الساسة ورجال الدين، و” ديمتري ” في مروره بهذا الحي يمني نفسه أن يكون لـه في يوم ما قصر مثل هذه القصور، ثم يلوم نفسه على هذا التفكير الأناني متذكراً الفقراء المحرومين الذي يعيشون خارج الأسوار، وربما أطفالهم يمضون لياليهم بدون عشاء، فيشكر يهوه على ما هو فيه من نعم وبركات0

كل ” قصر ” هو آية من الروعة والجلال، يرتفع الدور الأرضي عن الشارع عدة درجات، والأبواب صُنعت من الأخشاب المستوردة تزينها النقوش، والأرضية أُفترشت بتربيعات الرخام، والجدران أكتست بالرخام المزخرف ذو الألوان البديعة، وفي أركان القصر تجد التماثيل الناطقة تنظر إلى ناظريها، والسرج الفضية والنحاسية تتخذ أشكال الطيور والحيات، وصور الفسيفساء تغطي مساحات ليست بقليلة من صالات الإستقبال، والحيوانات والطيور والنباتات المُطرَّزة على الستائر تكاد تكون حقيقية0 أما أرضيات وجدران الحمامات فقد أكتسب بالرخام الأبيض، ويرقد في الحمام حوض رخامي ذو أرجل قصيرة منقوشة ليحوي في جوفه جسد أو جسدين من تلك الأجساد المترفة المنعَّمة التي تستمتع بحمام الماء الدافئ، ثم تخرج لتتطيب بالأطياب والزيوت العطرية وترتدي ملابس الأرجوان (الحرير الطبيعي) ويحيط بالقصور البساتين اليانعة والحدائق الغناء، وفي كل مرة يقطع ” ديمتري ” الحي الملكي يستمتع بتغاريد الطيور، ويشتم أريج الرياحين والزهور، فقد إعتاد سكان هذه القصور إقتناء الطيور الجميلة والنباتات النادرة0

         أما ” القصر الملكي ” فإن ” حجمه يماثل حجم المعبد في عصور الإزدهار، وإن الأسقف.. محددة بالذهب، والجدران مغطاة بالرخام وحجر البروفير الثمين0 أما الألباستر.. ينتشر في كل صالات القصر 00خشب الأبنوس.. يغطي كل الأبواب الضخمة في القصر، والذي حل محل الخشب العادي0 أما زخرفة هذه الأبواب فهي رائعة.. العاج يغطي صالة المدخل، وغُطيت الأبواب بطبقة صدفة ظهر السلحفاة الهندية0 أما المجوهرات والأكواب فهي تملأ الموائد.. وكانت الأرائك متسعة جداً، ومغطاة بأغطية ذات ألوان رائعة(10) وأمام القصر ترى تمثالاً رائعاً من الجرانيت بطول 8 م للملكة ” أرسينوي ” زوجة بطليموس الثاني فلادلفوس في صورة الإلهة إيزيس 0

ودائماً تجد أمام المعابد والقصور بعض المساحات والطرق العامة التي إرتفعت فيها المسلات الفرعونية، كما ضم الحي الملكي المعابد الباهرة، ودار القضاء، والجمنازيوم الذي يقع على ناصية الشارع الكانوبي مع شارع الوادي، وحول هذا الحي الملكي إلتفت بقية الأحياء وكأنها جميعاً في خدمته، بل حقيقة هي هكذا، فالحي اليهودي (سوتيريا) شرقه وحي الميدان (الميناء) غربه، وجنوبه تقع الأحيـاء الأربعـة الباقيـة مـن الشرق حي الأحراش (ميدان السباق) ثم البانيوم (السوما) ثم المتحف وأخيراً الحي المصري (راكوتي) في غرب المدينة.. وإن كنت تجد العربات التي تجرها الحمير، وثمن الواحد منها يتراوح من 300 – 500 دراخمة، وكذلك العربات التي تجرها الجمال، وثمن الواحد منها يتراوح من 200 – 800 دراخمة في الأحياء المختلفة، فأنك لن ترى مثل هذه العربات داخل الحي الملكي، لكنك تجد الخيول التي يمتطيها الفرسان في عجب وخيلاء0

         ويسير ” ديمتري ” عبر الشارع الكانوبي حتى يصل إلى طريق ” الهيبتاستاديوم ” أي السبعة ستاد (الإستاد 186 متراً) فهذا الطريق الرائع الذي يصل طوله إلى نحو 1300 متراً قد أنشأه المهندس ” دينوقراطيس ” الذي خطط مدينة الإسكندرية بأمر الإسكندر الأكبر، فربط هذا الطريق جزيرة فاروس بالشط، وكلما عبر ” ديمتري ” هذا الطريق يتذكر الطريق الذي شقه الله في البحر الأحمر لأجداده، حتى عبروا ونجوا من بطش فرعون، والماء كان سوراً عن يمينهم وعن يسارهم، وطالما يقصد الشعراء طريق الهيبتاستاديوم يستوحون أشعارهم، وطالما يقصده الفلاسفة يتحاورون في قضاياهم، ونشأ عن هذا الطريق ميناءان، الشرقي والغربي0

         و” الميناء الشرقي ” هو الأكثر تحكماً في حركة السفن، فمدخله يقع بين ” رأس لوخياس ” (منطقة السلسلة) وجزيرة فاروس، وهذا المدخل يُغلَق بسلاسل ضخمة فلا تستطيع سفينة أن تدخل إليه أو تغادره إلاَّ بتصريح رسمي، بل أن السفن الداخلة إليه لابد أن تكون حريصة جداً على السلوك في الممر المخصص لها، والذي يصل طوله إلى نحو 600 م حتى تصل إلى حد الأمان، لأن القاع القريب الذي يقع على بعد سبعة أمتار تحت سطح الماء يزدحم بالصخور الضخمة، فهـذا الميناء يعتبر منيعاً على السفن التي تجهله، حتى أن المؤرخ اليهودي ” يوسيفوس ” Josephus قال أن ” دخول ميناء الإسكندرية صعب جداً على السفن، وحتى في أثناء هدوء البحر لأن فتحته ضيقة جداً، وبسبب الصخور المختفية تحت سطح البحر، التـي ترغـم السفن على الإنحراف عن طريقها(11) وقال ” سترابون ” Strabo 20 ق0م ” أن الداخل إلى الإسكندرية عن طريق البحر يدخل من الميناء الكبير (الشرقي)، فعلى اليمين توجد جزيرة وبرج فاروس ومعبد إيزيس فاريا، وإلى اليسار توجد سلسلة الصخور ورأس لوخياس، والقصر المقام فوقها.. إلى أسفل يوجد الميناء الصناعي المغلق والخاص باستعمال الملوك (الميناء الملكي) والجزيرة الصغيرة ” إنتيرودس ” Antirhodos وعليها قصر وميناء صغير، [ هذه الجزيرة قد غاصت نحو سنة 250م في الميناء الشرقي عقب زلزال قوي ضرب الإسكندرية ] وفوق ذلك يوجد المسرح، ثم البوسيديون Poseidium وهو جزء من مجمع، وفيه معبد ” بوسيدون ” (إله البحر) وقد بنى ” أنطونيوس ” منزلاً ملكياً يسمى ” تيمونيوم ” Timanium بعد ذلك يأتـي القيصريون السيزارير Caesaruim (معبد قيصرون) ثم الأمبوريون، الميناء التجاري، ثم أبوستاسيس (المخازن) وتتبعها أرصفة السفن أو (الترسانة) التي تمتد حتى الهبتاستاديوم(12)0

         أما ” الميناء الغربي ” (يونوستوس) أي ” العود الحميد ” فهو مفتوح على البحر وأقل تحكماً وأماناً من الميناء الشرقي، ولذلك فهو أقل إستخداماً، وبجواره الميناء الصناعي ” كيبوتوس ” أي الصندوق، ويشمل أحواض السفن، وفي هذا الميناء تصب ترعة المياه العذبة، وهي صالحة للملاحة وتمتد حتى بحيرة مريوط0

         وسواء في الميناء الشرقي أو الغربي فأنك تجد السفن الصغيرة وزوارق الصيد، وسفن الركاب الضخمة التي تتسع الواحدة منها لأكثر من ثلثمائة شخص، وأيضاً السفن التجارية الضخمة، التي تصل حمولة البعض منها إلى ثمانية عشر ألف أردب (نحو 500 طن) يعلو هذه السفن البحارة المهرة من إسكندريين ويونان ورومان وقبرصيين وسريان.. إلخ، والسفن التي تنقل الغلال تجد عليها ” مراقب الشحن ” للحفاظ على شحنة السفينة من النقص أو من التغيير ولذلك فهو يحمل عينة مختومة تُقارن بشحنة السفينة، وعندما تمخر السفن عباب البحر ترتفع أشرعتها المختلفة الأشكال والألوان، فبعضها مثلث والآخر مستطيل والآخر مربع، كما تمتد من السفينة المجاديف التي تمسك بها قبضات قوية، لتزيد من سرعة السفن، وبالسفينة تجد أماكن للمبيت ومراتب، وصهاريج لتخزين مياه الشرب، وأجراس لقرعها وقت الخطر، وعليها بعض زوارق النجاة0

         ومع نهاية طريق ” الهيبتاستاديوم ” تستطيع أن تشاهد كيف تُولد السفن التجارية والحربية منذ أن يوضع القائم الرئيسي الذي هو بمثابة العمود الفقري، وتظل تبنى فتنمو يوماً فيوماً حتى تكتمل تماماً، وتُجَّهز ويُدفَع بها إلى مياه البحر لتقضي فيه حياتها بالكامل، وأيضاً في نهاية الطريق تجد الترسانة البحرية التي تخدم قطع الأسطول البحري المرابض أمام الإسكندرية0

         وأينما كنت في الإسكندرية داخلها أو خارجها، قريباً منها أو بعيداً عنها بعشرات الكيلومترات فأنك لابد أن تشهد شعلة النار تشتعل في سمائها فوق جزيرة فاروس تلك الجزيرة البسيطة التي تردد عليها الصيادون والملاحون قديماً، وجاء ذكرها في أشعار هوميروس في الأوديسة سنة 850 ق0م0 أما الآن فقد صارت أشهر جزيرة على وجه البسيطة كلها بسبب منارتها التي هي بالحقيقة أعجوبة من أعاجيب الدنيا السبع، وطالما وقف أمامها الآلاف عبر مئات السنين مشدوهين بذاك العمل الجبار.. إنه ” فنار الإسكندرية ” الذي أنشأه المهندس العبقري ” سوستراتوس ” بأمر من بطليموس الأول سوتر سنة 280 ق0م وإنتهى العمل منه في عهد إبنه بطليموس الثاني فلادلفوس، وهذا المهندس هو الذي أنشأ مقياس النيل في منف، فارتفع الفنار يشق عنان السماء بنحو مائة وثلاثين متراً0

         وهذا الطريق الصاعد من الجزيرة لمنطقة الفنار بطول نحو 70 متراً الذي يفضي بك إلى منطقة الفنار، يؤكد لك أن ذاك الفنار أُقيم على أعلى منطقة صخرية شرق الجزيرة، وقد شُيد الفنار بحجارة ضخمة من الحجر الجيري بعضها يصل وزنه إلى نحو 70 طناً، وأعمدة من الجرانيت المُزين بالمرمر، وفتحات أبواب الفنار ضخمة تصل إلى إرتفاع عشرة أمتار، والفنار يتكون من ثلاثة طوابق إن صح تسميتها طوابق، فالطابق الأول مربع الشكل بإرتفاع نحو 60 متراً يحوي في أحشائه ثلثمائة حجرة تستخدم لحفظ الآلات وسكنى العمال، ويعلو كل ركن من الأركان تمثال والطابق الثاني ثماني الشكل بإرتفاع نحو 30 متراً، والطابق الثالث مستدير الشكل بإرتفاع نحو 15 متراً، ويعلو الطوابق الثلاث التي تعدى إرتفاعها المائة متراً ” المصباح ” وهو عبارة عن شعلة عظيمة من النار يُعكَس ضوءها على سطح مصقول من المعدن، فترشد السفن التي تمخر عباب البحر على مدى 45 كيلومتراً، وتعلو المصباح القبة المستديرة القائمة على ثمانية أعمدة، وفوق القبة يقف تمثال إله البحر ” بوسيدون ” الذي يبلغ إرتفاعه سبعة أمتار، أما السفن التي على بُعد عدة كيلومترات فتراه صغيراً، وربما لا تراه، إنما تلمح الشعلة الضخمة وكأنها شعلة في يد إنسان يحبك ويدعوك إلى بيته0

         و ” تتوسط حوائط الفنار أبراج للحراسة وأسوار لحمايته من أمواج البحر.. الفنار يعتبر في نفس الوقت كمعهد ومرصد خاص مُلحق بجامعة الإسكندرية ومكتبتها لدراسة الفلك ورصد النجوم في القبة السماوية.. أما الفراغ الذي يتوسط المبنى.. يستعمل في رفع المعدات الهندسية وألات الرصد، بالإضافة إلى مواد إشعال كشافات الإنارة إلى قمة المبنى(13)0

 

فنار الإسكندرية
         وفي منطقة الفنار أقيمت بعض المسلات التي تخص سيتي الأول بالإضافة إلى نحو ثلاثين تمثالاً لأبي الهول يحمل كل منها إسماً لأحد ملوك الفراعنة من سيزوستريس الثالث إلى رمسيس الثاني، وأيضاً ترى ثلاثة تماثيل ضخمة من الجرانيت لثلاثة ملوك من ملوك البطالمة، وبذلك حملت المنطقة الطابع الفرعوني والإغريقي، فقد نجح الإسكندر الأكبر وخلفائه من ملوك البطالمة في مزج الحضارتين الفرعونية واليونانية والبُعد عن صراع الحضارات، فارتفعت تماثيل البطالمة جنباً إلى جنب بجوار تماثيل الفراعين0 أما الربة إيزيس فهي إلهة مقدَّسة لدى المصريين واليونانيين وعلى ذات الجزيرة يقوم معبد ” إيزيس فاريا ” حامية البحار، والملكة كليوباترا التي ظهرت في شكل إيزيس أحبها الجميع مصريين ويونانيين، وغرب جزيرة فاروس يوجد معبد إله البحر ” بوسيدون ” شفيع البحارة والمسافرين0 ومن المناظر المألوفة طوابير الدواب تحمل الأخشاب التي تستخدم وقوداً في مصباح المنارة فيعلو لهيبها إلى عنان السماء، ومن المناظر التي تحب أن تطيل النظر إليها طائر النورس الذي يحلق بأعداد كبيرة، ينقض الواحد منها تلو الآخر، فيضرب الماء بمنقاره بقوة ثم يحلق في الهواء وقد إقتنص إحدى السمكات التي كانت تلهو مع أخواتها0

         ومرت عدة أشهر على ” ديمتري ” وهو يتمتع بحياته كبحري ويظهر تفوقاً ومهارة وذكاءً وفكراً حتى صار مشهوراً بين أقرانه أُختبر ليشارك في مهمة ” قنص القراصنة ” بالبحر الأحمر، فإنضم إلى سفينة ” النسر المُنقض ” سريعة الحركة ومعها سفينتين آخرتين، والمهمة بقيادة القائد ” ديجينيس “.. أقلعت تلك السفن من الميناء البحري إلى قناة شيديا حتى بلغت الفرع الكانوبي للنيل، وسارت في القناة التي تصل النيـل بالبحـر الأحمر، فوصلت إلى ” هيرونيوس ” (خليج السويس) ومنه دلفت إلى أعماق البحر الأحمر.. لقد عاث القراصنة فساداً في هذا البحر، فطالما تعرضوا للسفن التجارية ونهبوها، وأسروا بحاراتها وباعوهم عبيداً في سوق الرقيق0

         والقرصنة لها تاريخها البشع فـي البحرين الأبيض والأحمر، بل أن ” مينيلاس ” ملك أسبارطة كون ثروته من السلب والنهب عن طريق القرصنة، وفي القرن الخامس قبل الميلاد تولت ” أثينا ” مكافحة القرصنة حتى كادت تقضي عليها، ولكنها عادت سريعاً بعد أقل من مائة عام، وفي سنة 122 ق0م تصدى أهل كريت مع المصريين للقراصنة الذين يهاجمون التجارة الكبيرة بين مصر وكريت وفينيقيا، وفي القديم كانت صقلية مركزاً للقراصنة حتى أنهم كونوا أسطولاً ضخماً مـن السفن المختطفة بلغ ألف سفينة، وكانوا يشاركون الملوك في حروبهم مقابل مبالغ مجزية، وخرج القراصنة من كريت وكيليكيا وهاجموا سواحل آسيا الصغرى وسوريا وأسروا أعداداً كبيرة من السكان وباعوهم كعبيد في جزيرة ديلوس، فقيل أنه كان يُباع في اليوم الواحد في أسواق الرقيق الأبيض نحو عشرة آلاف شخص، وقد إستُغلوا في المزارع الرومانيــة المتسعــة، فأصـدر ” مجلس الشيوخ ” أمراً للقائد ” ماركوس أنطونيوس ” (جد ماركوس أنطونيوس الشهير) بمهاجمة قواعد القراصنة شرق البحر المتوسط، فهاجمها ودمرها سنة 102 ق0م وحولها إلى ولاية رومانية، وإن كان هذا حدَّ من خطر القرصنة لكنه لم يقضي عليها، حتى إضطرت روما سنة 100 ق0م إلى إغلاق كل المواني التابعة لها، وعانى الشعب الروماني من مجاعة بسبب نقص كمية الغلال الواردة لروما، وفي سنة 82 ق0م قرَّر جنرال روما ” ميتريدات ” تطهير سواحل صقلية من القراصنة، فطالما هاجم القراصنة سفن القمح المتجهة من مصر إلى روما، وفي سنة 67 ق0م عينت روما دكتاتوراً للبحار تحت أمرته 500 سفينة وآلاف الجنود، فتمكن مـن أسر 360 سفينة، وتدمير 1000 سفينة وقتل عشرة آلاف قرصان وأسر 20 ألف آخرين، وفي هذه الأيام إستولى القراصنة على سفينة تحمل بضائع ثمينة مملوكة لتاجر إسكندري له صلاته ونفوذه في القصر الإمبراطوري بروما، وعلى هذه السفينة علامة الأسدين، ومهمة هذه الحملة إسترداد هذه السفينة0

         ولمح قائد المهمـة تلك السفينة المختطفــة ولمـح عليها ” علامة الأسدين ” على جانبيها، فبدأت السفن الثلاث تحدد إتجاهاتها فأحاطت بتلك السفينة من على بُعد أكبر مـن مرمى السهام، وشك القرصان الأول في هذه السفن الثلاث، فأعلن حالة الطوارئ على ظهر السفينة المختطفة0 أما ” ديمتري ” ذاك البحار المغامر، فقد أدهش قائده ” ديجينيس ” إذ فاجأه بخطة جديدة مبتكرة للإقتحام، ولثقة القائد الزائدة في البحار ” ديمتري ” وافقه على خطته واثقاً في رجاحة فكره وحسن تصرفه، وبدلاً من الإعتماد على المواجهة التصادمية إستخدام ” ديمتري ” بالأكثر عقله، وسُمح له بإختيار فريق معه مكوَّن من عشرة جنود من أصدقائه المعروف عنهم مهارتهم الشديدة في الغطس، فهؤلاء الفريق المتجانس هم أبناء غطسة واحدة، وحمل كل منهم مثقاب يدوي بسيط ووتد خشبي صغير، وسريعاً ما غاصوا في البحر بعيداً عن أعين القناصة التي تركزت تماماً على ظهر السفن الثلاث التي تظاهرت أنها تبحر في سلام في نفس الإتجاه الذي تبحر فيه سفينة القراصنة التي أبطأت كثيراً في حركتها0 أما القراصنة فأصطفوا على سطح سفينتهم كل منهم يقبض على قوسه وسهمه، منتظراً إقتراب تلك السفن، وإنطلاق السهم الأول من القرصان الأول ليبدأ الهجوم على تلك السفن، فيمطرونها بوابل من السهام المشتعلة، وفي نحو نصف ساعة وصل فريق ديمتري إلى سفينة القراصنة دون أن يلمحهم أحد، وسريعاً ما أعمل كل منهم مثقابه ذو البريمة في جسم السفينة، والمثقاب بمجرد أن يُغرَس في الخشب يجد طريقه بقوة الصد الذاتية الناتجة من البريمة مادامت يد الغطاس تديره بقوة، وبدأت المياه تندفع إلى قاع السفينة من عشرة ثقوب متفرقة قطر كل منها نحو 3 سم، وإذ أحس القرصان بحاسته البحرية أن هناك بداية خلل في السفينة، أومأ لأحد رجاله ليستطلع الأمر، فعاد على الفور يصرخ: سنغرق.. سنغرق، وهبط القرصان الأول ليرى بنفسه المياه التي بدأت ترتفع في قاع السفينة إلى نحو 30 سم، وظن أن السفينة قد إحتكت بأحد جبال الشُعب المرجانية، وهو يعرف بخبرته أنه يستحيل تدارك الموقف من داخل السفينة فأرسل أحد رجاله ليستطلع الأمر من الخارج، وقفر الرجل في الماء ولم يعد، فأسرع بإرسال رجلين قفزا في الماء ولم يعودا لأن ديمتري ورجاله شلوا حركتهم وأبقوهم معهم.. أمر القرصان الأول بقرع أجراس الإنذار وإرسال إستغاثة للسفن القريبة، وأنزلوا زوارق النجاة من أحد جوانب السفينة بينما ديمتري ورجاله في الجانب الآخر، وسريعاً ما هربوا بتلك الزوارق متجهين للسفن التي إقتربت منهم سريعا فأعتلوها ليكتشفوا الحقيقة المرة أنهم بدلاً من أن يستولوا على تلك السفن، فإذ بالسفن سفن حربية عليها جنود أشداء وأنهم وقعوا في الأسر بحيلة بارعة.. في خلال هذه اللحظات الحرجة كان فريق ديمتري ينجز عملاً غاية في الأهمية وهو إغلاق الثقوب العشرة بالأوتاد الخشبية قبل أن تغوص السفينة للأعماق، ونجح الفريق، وإقتربت أحد السفن الحربية من السفينة المختطفة، نقلوا إليها المضخات اليدوية التي وصلت حديثاً للأسطول البحري الروماني، وبدأ التخلص من المياه التي إندفعت في أحشاء السفينة، وعادت السفينة للتوازن، وتولى بعض الجنود قيادتها، وإنتهت المعركة قبل أن تبدأ، وإنتهت دون أن تراق الدماء على مياه البحر الصافية، وعادت السفن تقطع رحلة العودة إلى مياه الإسكندرية وقد أعادت السفينة المختطفة، فأُستقبلت إستقبال الأبطـال، وكُلّل القائد ” ديجينيس ” بأكليل الغار، إلاَّ أن الحضور بهتوا عندما رأوه يخلع الإكليل عنه ويطوق به عنق ” ديمتري ” البحار المغامر، ويعلن أمام الجميع الدور الهام الذي قام به ” ديمتري ” بينما همس أحد الجنود الحاقدين: وماذا فعل ديمتري أكثر مما فعلناه ؟! فكل ما فعله لا يتعدى سوى لعبة صبيانية بالمثاقيب.. ولكن الجندي الآخر لم يوافقه الرأي، بل قال له: لولا هذه اللعبة الصبيانية لربما نشبت معركة ضارية مع القراصنة، ولربما إنغرس في صدرك سهم من سهامهم وسالت دماءك على صفحات المياه ولفظت أنفاسك، وصرت وجبة شهية لأسماك القرش0

(10)  د0 يسرية عبد العزيز – البعث الجديد – إكتشاف الآثار الغارقة في أبي قير والإسكندرية ص 224

(11)  المرجع السابق ص 225، 226

(12) المرجع السابق ص 222، 223

(13)  د0 سيد كريم – مكتبة الإسكندرية وتخطيط المدينة ص 25، 26

 

البحار المغامر ف2 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

الغطاس الماهر ف1 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

الغطاس الماهر ف1 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

الغطاس الماهر ف1 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

 

الفصل الأول: الغطاس الماهر

 

   في صباح يـوم 19 يونيو (12 بؤونة) سنة 288م خرج ” ديمتري ” ذو الستة عشر ربيعاً من منزله قاصداً شاطئ البحر، مصطحباً معه توأمه ” صفانيا “، فهما إبنان لـ ” منسى ” الرجل اليهودي المتشدد الذي يعمل بالتجارة والمال، فيُقرض أمواله للغير بالربا الفاحش، حتى يكاد رأس ماله يتضاعف من عام إلى عام، وأمهما ” سوسنا ” المرأة الفاضلة التي تعبد يهوه بإخلاص مع بناتها ” راحيل “، و” دينه “، و” ميراب “، وتسكن أسرة ” منسى ” الحي اليهودي بالإسكندرية، ووجودهم مُتجذّر فيها، فمنذ نحو ألف عام أقبل عدد كبير من يهود فلسطين إلى مصر مصطحبين معهم أرميا النبي، وتزايد عددهم حتـى قال ” فيلون ” (30 ق0م – 50م) أن عددهم وصل في الإسكندرية إلى مليون شخص، وإن كان هذا العدد مُبالغ فيه كثيراً لكنه يُظهر كثرة عددهم في المدينة التي يقل تعداد سكانها عن مليون شخص 0 وبعد تدمير أورشليم وإحراق هيكلها سنة 70م على يد الوالي الروماني ” تيطس ” جاء عدد كبير منهم إلى مصر والإسكندرية، وبالرغم من أن يهود الإسكندرية ظلوا على ولائهم لروما، إلاَّ أن الرومان خشوا منهم لئلا يجعلوا معبدهم الفاخر ” أونياس ” (ليونتوبوليس) بديلاً لهيكل أورشليم، ولذلك خربوا هذا المعبد وسلبوا محتوياته وكنوزه، ولأن يهود أورشليم أحرقوا في ثورتهم معبد ” جوبيتر كاميتو لنيوس ” كبير آلهة الرومان، لذلك فرضت روما عليهم أن يدفعوا ضريبة الدرهمين – التي كانوا يدفعونها لهيكل أورشليم – لتعمير معبد جوبيتر الذي أحرقوه، بل ضاعفوها أربعة أضعاف فصارت ثمانية دراهم، وبدلاً أن كان يدفعها البالغون فقط من سن العشرين إلى الستين فُرفضت على كل يهودي من سن ثلاث سنوات فما فوق، بل فُرفضت أيضاً على العبيد الذين هم في حوزة اليهود، ولم يكن الهدف من هذا تعمير معبد جوبتر بقدر ما كان تأديباً لليهود، ولذلك ظلت هذه الضريبة تُحصل حتى القرن الثاني الميلادي0

         و” الحي اليهودي ” بالإسكندرية من أكبر أحياء المدينة، يحده من الشرق أسوار المدينـة، ومـن الغـرب ” البروخيوم ” (الحي الملكي) ومن الشمال البحر المفتوح، ومن الجنوب أهم شـوارع الإسكندرية الطوليـة قاطبـة، وهو ” الشارع الكانوبي ” (شارع أبو قير) وللحساسية المفرطة لليهود، وبسبب الإضطرابات العنصرية، أقاموا أسواراً خاصة تحيط بحيهم ليحتموا خلفها، فطالما حدثت تصادمات دامية بينهم وبين الإغريق وتدخلت القوات الرومانية لفض الإشتباكات وقمع الإضطرابات، فيقوم كل من اليهود والإغريق بإرسال الوفود إلى روما لتقديم شكواهم للإمبراطور، وبينما كانت مقابر الإسكندرية تقع خارج أسوار المدينة غرباً وشرقاً، فإن اليهود أحتفظوا بمقابرهم داخل أسوار المدينة في الجهة الشرقية الشمالية0

         و ” يهود الإسكندرية ” لهـم حياتهـم الخاصة ومعابدهم و” مجلس الشيوخ ” الخاص بهم، ذاك الحق الذي حرم منه الرومان السكندريين تخوفاً من ثوراتهم المتكررة ونزعتهم المتجددة نحو الإستقلال، وحافظ اليهود على كيانهم ونقاء جنسهم، فالتزاوج محصور بينهم، ويرفضون الزواج المختلط، وإن كان بعضهم قد تخلى عن تقاليدهم القديمة وشابهوا الأغريق (اليونانيين) في ملابسهم، ودخلوا في تعاملات تجارية ومالية مع جميع طبقات المجتمع، وتعلموا اللغات اليونانية والمصرية، ولكن الأغريق لم يستريحوا لهم، حتى كتب أحدهم لصديقه ” مثل أي شخص آخر عليك أن تحترس من اليهود(1) ومع هذا فإن بعض اليهود ظلوا متمسكين بمبادئهم حتى أنك تجد جماعة ” المتأملين في الإلهيات ” في جانب من جوانب الحي، وقد تخلوا عن الزواج وسلكوا في طريق الفقر الإختياري، وشغلوا أوقاتهم بالصلوات والتسابيح بالمزامير0

         وصل ” ديمتري ” وتوأمه ” صفانيا ” إلى شط البحر، وسريعاً ما خلع كل منهما ملابسه، وألقى بنفسه في أحضان المياه الدافئة، فإن المياه تكتسب الحرارة ببطء وتفقدها ببطء، فالحرارة التي تكتسبها طوال اليوم من شمس الصيف اللافحة تظل محتفظة برصيد منها للصباح، و” ديمتري ” يهوى السباحة التي تعلمها منذ طفولته، بينما يتهيب ” صفانيا ” أمواج البحر العالية لأنه تعرض لحادث غرق منذ ست سنوات، وقد أنقذه توأمه ” ديمتري ” الذي يجيد السباحة والغطس والإنقاذ، فصفانيا يسبح في الماء طالما قدماه تلمسان الأرض0 أما في هذا اليوم فوجد في قلبه شجاعة لم يعهدها من قبل، فالأمواج أخذت تعلو وتتلاطم ووقف هو يتصدى لها فترفعه فتطوح وهو سعيد بهذا ومطمئناً، فمادام ” ديمتري ” بجواره فما الداعي للخوف والقلق والتهيب ؟ وبينما يصارع صفانيا الأمواج تارة يحاول أن يقفز فوقها، وتارة يغطس تحتها، وتارة يتصدى له فتقلبه، إنشغل ” ديمتري ” بهوايته المفضلة، وهي الغطس تحت الماء، وشيئاً فشيئاً إشتدت الرياح أكثر وإرتفعت الأمواج أعلى ووقف صفانيا صامداً في مواجهتها كلما أسقطته موجة يسرع ويقف قبل أن تلحقه الأخرى، وفجأة صرخ ” صفانيا ” مستغيثاً بأخيه السباح الماهـر، فإن الأمواج المرتدة قد سحبته للداخل، وكلما وقف لا يجد تحته أرضاً تحمله.. تَّتابع الأمواج وسرعتها لا يعطه فرصة لإلتقــاط الأنفاس، وضاعت صرخاتـه أدراج الرياح لأن ” ديمتري ” الذي يغوص في الماء لا يسمعه، ويبدو أنه فقد الإحساس بتوأمه.. ” صفانيا ” يضرب الماء بذراعيه ويركله بقدميه محاولاً الإقتراب من الشاطئ دون جدوى، فالأمواج تقوى عليه وتصرعه، وبينما يحاول إلتقاط الأنفاس إنسلت المياه إلى حنجرته، وسريعاً ما أُنهكت قواه وبدأ يغوص ويطفو في لجج البحر، مثله مثل المئات الذين لفظوا أنفاسهم في تلك المنطقة الخطرة من البحر المفتوح0 كل هذا حدث في أقل من دقيقتين، هي مدة غطسة من غطسات ” ديمتري ” الذي خرج ليلتقط أنفاسه ويواصل غطساته، غير أنه لم يلمح أخيه لا في المياه ولا على الشاطئ، وإذ لاحت منه نظرة للداخل هيئ له أنه أخيه هناك، فاندفع في لمح البصر وإذ بيديه تقبضان على ” صفنيا ” الذي بدأ بلا حراك، فجذبه إلى الشاطئ وقَلَبَهُ رافعاً إياه لأعلى، فأفرغ كم من الماء كان قد إبتلعه، ثم نفخ في فمه قبلة الحياة، وأخذ يعيد المحاولات مراراً وتكراراً مستصرخاً السماء فشعر بأن الحياة تعود إليه رويداً رويداً، وهو لا يدري إن كان ” صفانيا ” قد فارق الحياة ثم عاد إليها، أم أنه وصل إلى درجة الموت والرب أنقذه0

         وعاد ” ديمتري ” وتوأمه إلى البيت، وقد أقسم ” صفانيا ” باسم رب الجنود أنه لن ينزل ثانية إلى ماء البحر، بل أنه لم يطق أن ينظر للبحر، فأخذ يلح على أبيه ” منسى ” أن يسمح له بالسفر إلى أورشليم ليتاجر هناك ويربح، وإذ فشلت الأسرة في تغيير رأي ” صفانيا ” إنتهز والده حضور بعض التجار الذين يعرفهم جيداً من أورشليم ويثق فيهم، وأوصاهم بإبنه، فسافر معهم ” صفانيا ” إلى مدينة أورشليم بعد أن زوده والده بالمال اللازم ليبدأ حياته في أرض الأجداد 0 أما ” ديمتري ” فقد عشق الإسكندرية وبحرها وشوارعها وشعبها وفنارها ومكتبتها ومعابدها وإحتفالاتها، وكل ما فيها.. ففي يوم 12 بؤونة يوم الإحتفال بوفاء النيل، تحتشد الجماهير وتتزاحم لتستمع للتراتيل والمدايح، وتبصر مواكب الصوُّر والتماثيل المقدسة، وتشتم رائحة البخور، وتأخذ نصيبها من تقدمات النبيذ والعسل والكعك والمأكولات الأخرى، وتضج المدينة العظمى بالحيوية والنشاط0

         فالإسكندرية هي المدينة المنفتحة على الداخل والخارج، الطرق البحرية تربطها بكافة مواني البحر الأبيض، والطرق النهرية تربطها بمصر الوسطى والعليا، والقناة التي تربط بين نهر النيل وبين ” هيرونيوس ” (خليج السويس) والتي أعاد الإمبراطور ” تراجان ” (98 – 117م) فتحها تربطها ببلاد الشرق حتى الهند والصين، كما أن هناك طريقاً برياً على ساحل البحر يتجه من الإسكندرية إلـى ” باراثيوم ” (مرسى مطروح) و” كاتاباغيوس ” (السلوم) ويصل إلى ” قرنبائية ” (طرابلس) وينتهي بقرطاجنة (تونس) وقد زُود هذا الطريق الطويل جداً بمحطات للراحة وحانات لنزول القوافل، وأبار جوفية للتزود بالمياه، وتُحصّل الدولة الضريبة من هذه القوافل مقابل توفير هذه الخدمات لها، وأيضاً لحمايتها من عصابات اللصوص0

         وهكذا تجد في الإسكندرية أجناس وأجناس، فهي دائماً محط الأنظار، فالأغريق يمثلون جزءاً كبيراً من عدد السكان ويسكن معظمهم في الحي الملكي، والرومان يقيمون بالمدينة وبأيديهم السلطة، والمصريون يزدحمون في حي راكوتي، وحتى بعد رحيل الفرس عن المدينة ظل بعضهم مفضلاً البقاء في هذه المدينة الرائعة 0 كما أقبل التجـار من كافة بقاع الأرض، من أثينا، ومقدونيا، وأسيا الصغرى، وسوريا، وفينيقيا، وبلاد العرب والحبشة والهند والصين 0 وأيضاً مناخ الإسكندريى المعتدل يجتذب السياح بقصد الإستشفاء، أو بقصد الإطلاع على الحضارة الفرعونية الساحرة.. يشاهدون الأهرامـات بأمجادها الغابرة، و” أرسينوي ” (الفيوم) حيث عبادة التمساح، وقصر التيه، حتى صارت السياحة تمثل جانب هام من الدخل القومي0

         ناهيك عن القادمين من مختلف البقاع المصرية، فبعضهم جاء ليعمل لأن فرص العمل بالمدينة أفضل، وبعضهم جاء للسياحة ومشاهدة معالم الإسكندرية بفنارها ومكتبتها وأكاديميتها ومعابدها، وبعضهم من الفلاحين الذين جاءوا هرباً بعد أن أثقلت الضرائب كواهلهـم، فتركوا أراضيهم وأهاليهم وتاهوا وسط زحام هذه المدينة، حتـى أنه في سنة 215م أصدر الإمبراطور ” كاراكالا ” (211 – 217م) مرسوماً بترحيل هؤلاء الفلاحين خارج المدينة، فجاء بالمرسوم: ” كافة المصريين المقيمين بالإسكندرية ولاسيما المزارعين منهم من فروا من أماكن أخرى، ويمكن العثور عليهم بسهولة، لابد أن يُطردوا بكل وسيلة ممكنة، باستثناء تجار الخنازير، ومن يعملون في النهر (على السفن النهرية) ومن يُحضرون البوص لتدفئة الحمامات 0 وأطردوا الباقين الذي يثيرون الصخب والضجيج في المدينة بأعدادهم الكبير بلا أي منفعة0 وإني أعلم أن في إحتفالات ” سرابيس ” وبعض أيام الإحتفالات الأخرى، أو حتى في أيام أخرى فإن المصريين قد إعتادوا أن يُحضروا معهم ثيراناً وغيرها من حيوانان الإضحيات، وهؤلاء لا ينبغي تقييدهم0 إن من يجب طردهم هم أولئك الذين هربوا من موطنهم الأصلي لتجنب إلتزاماتهم الزراعية، وليس أولئك الذين يتجمعون هنا لمشاهدة مشاهد الإسكندرية أمجد مدينة، أو أولئك الذين يسعون للتمتع بمباهج حياة المدينة، أو من يأتون لأعمال ومهام طارئة ومؤقتة 0 وفيما يتعلق بنساجي الكتان فإن المصريين الحقيقيين يمكن التعرف عليهم بسهولة من خلال لهجتهم أو ملامحهم وبنيانهم الذي يفصح عن إختلافهم عن الآخرين0 هذا بالإضافة إلى طريقتهم في المعيشة التي تظهر أن المزارعين غرباء عن حياة المدينة(2)00 لقد أراد الأباطـرة الرومان الحفاظ على شخصية الإسكندرية اليونانية، فتمتع اليونانيون بالإمتيازات، ثم اليهود، أما المصريون فكانوا يعاملون في بلادهم كالعبيد0

         والإسكندرية هي مقر الأسطول البحري، ففيها يعيش الآلاف من ضباط وجنود البحرية، سواء من الرومان أو من المصريين الذين يطمعون في نهاية خدمتهم التي تستمر 26 عاماً في الحصول على الرعوية الرومانية، وأيضاً على المكافأة المالية المجزية، كما يوجد بالإسكندرية فرقة رومانية من المشاة لحماية المدينة يفوق عددها الستة آلاف 0

         والإسكندرية هي مدينة النشاط الصناعي، فتوافر المواد الخام مثل الكتان والصوف والجلود والبردي والكروم والرمال التي يصنع منها الزجاج، والطمي الذي يصنع منه الأدوات الفخارية، وأيضاً توافر الأيدي العاملة القادمة من الريف والرخيصة، وأيضاً سهولة تصريف المنتجات، كل هذا ساعد على قيام صناعات مميزة في الإسكندرية مثل ” صناعة الزجاج ” والعاملون فيها يبرعون في إختيار نوعية الرمال التي يحصلون منها على الزجاج النقي، ويعتبرون تلوين الزجاج سراً من أسرار الحرفة، فيصدَّرون هذه الزجاجيات المختلفة الأحجام والأشكال بألوانها البديعة، سواء فارغة، أو معبأة بالعطور والزيوت ونبيذ مريوط المشهور0

و” صناعة الورق ” من نبات البردي الذي ينمو على جوانب بحيرة مريوط أو في أماكن مختلفة بمصر، فساق النبات عبارة عن لباب ليفي ذي عصارة لزجة، يُقطَّع طولياً إلى شرائح، توضع متجاورة ويوضع فوقها طبقة أخرى متقاطعة معها، وتضغط الطبقتان فتلتصقان بواسطة العصارة اللزجة، ثم تُطرق بمطرقة خشب لتسوية الألياف الخشنة، فتحصل على ورقة صالحة للإستخدام، وتُلصق أطراف هذه الأوراق بمعجون خاص فتكون لطفات طويلة، يقص منها التاجر حسب الطلب، وأصحاب المستنقعات التي ينمو فيها نبات البردي يحدون أحياناً من إنتاجهم للحفاظ على مستوى الأسعار في السوق، ويستخدم ورق البردي في المكتبات العامة والخاصة، وتستورد روما كميات ضخمة من هذه الأوراق بأنواعها المختلفة من جهة الجودة والسعر، بل أن كثرة الكمية التي تستوردها روما دفعتها لتشغيل الجنود في أوقات السلم بمصانع الورق0

كما إشتهرت الإسكندرية بـ ” صناعة النسيج ” ولاسيما الكتان المصري الذي يُستخرج من نبات القنب حتى أن الإمبراطور ” جالينوس ” قال: ” هل نعيش بدون كتان مصر ” فالجيش الروماني يستهلك كم هائل من المنسوجات في صناعة الملابس، وإشتهرت الإسكندرية بنسيج Polymita ويحفظ عمال النسيج طريقة تلوينهم وصباغتهم للملابس كسر من أسرار الحرفة، ومن أجل أهمية هذه الصناعة يُعفي العاملون فيها من الخدمات الإلزامية التي تفرضها الدولة (حيث يُكلف البعض بالقيام ببعض الأعمال بدون مقابل)0 كما أن الإسكندرية تستورد الحرير والقطن من الهند وتنسجه وتصدره للخارج، وإن كان هناك مناطق في مصر فاقت الإسكندرية في صناعة النسيج مثل أخميم ونقادة0

وجدير بالذكر أن بعض أساتذة الموسيون قد هجروا الإسكندرية وذهبوا ليقيموا في مدينة ” أخميم ” التي تتميز بمعبدها الضخم الذي تقف على بوابته تماثيل الفراعين الذي يصل طولها إلى 30 متراً، ونحو نصف سكانها من المسيحيين0

وأيضاً تستورد الإسكندرية الزيوت العطرية وتقوم بتصنيعها وتصديرها للخارج، ولأن صناعة العطور تحتاج لرأس مال ضخم لذلك يخضع عمال هذه الحرفة لرقابة صارمة في معاملهم0 وأيضاً عرفت الإسكندرية صناعة العقاقير الطبية بما ورثته من خبرة الفراعنة في الطب والكيمياء، وتحصل على الأعشاب الطبية من مناطق مصر وأثيوبيا وبلاد العرب والهند، وعُرِفت الإسكندرية بمدرستها الطبية العريقة، وتمتع الأطباء المصريون بسمعة طيبة في كافة أرجاء العالم، وكتاب ” المواد الطبية ” لصاحبة ” ديوسكوريدس ” يشهد بمدى تفوق الطب المصري0

والإسكندريـة هـي مدينـة الرواج التجـاري، وصفها ” يوليوس قيصر ” بأنها المدينة ” الشاسعة المساحــة الواسعة الثراء (3) وطوال تجوالك في المدينة تسمع لغات عديدة ولهجات شتى، فقد إجتمع فيها المصريون واليونانيون والرومان والسريان والفرس والعرب والأثيبيون والهنود 0 وتجار الإسكندرية الأغنياء لا يكتفون بالتجارة داخل المدينة، ولا يكتفون بالإستيراد والتصدير، إنما يذهبون في رحلات بحرية تجارية ســواء إلى أثينا ويوتولي (إيطاليا) وماسيليا (مارسيليا) وغيرهم بالبحر المتوسط، أو إلى ” ميليتس ” بالبحر الأسود، أو إلى ” رودس ” و” ديلوس ” بجزر بحر إيجة، أو إلى جزر قبرص وكريت ومالطة بالبحر المتوسط، أو يبحرون عبر النيل ومنه للبحر الأحمر فيصلون إلى أثيوبيا والهند والصين، فيستوردون العاج والتوابل والبخور والذهب والفضة واللؤلؤ والحرير والقطن والصبغة.. إلخ والتجار السكندريون في إبحارهم يتشفعون بإله البحر ” بوسيدون ” ليحفظهم مع سفنهم من الغرق0 وبسبب إكتشاف الرياح الموسمية في المحيط الهندي زادت سرعة السفن، فأصبح من الممكن قطع الرحلة من مصر إلى الهند والعودة في نفس العام، فالرياح الموسمية تدفع التجار إلى شواطئ الهند الغربية، حيث ينهون أعمالهم وينتظرون حتى تهب الرياح في الإتجاه العكسي فتدفع سفنهم نحو مواني مصرنا الحبيبة، فإحتكر تجار الإسكندرية تجارة الهند، وصار لهم نحو 120 سفينة ضخمة، ونظرت الهند للإسكندرية على أنها رمز للعالم الغربي، وإستفادت الدولة الرومانية من الضريبة المزدوجة التي تفرضها على هذه البضائع تارة لدى إستيرادها وتارة أخرى لدى إعادة تصديرها لدول البحر المتوسط، وبسبب إنتشار القرصنة في البحر الأحمر لذلك كان لهذه الرحلات مخاطرها وتكلفتها، مما رفع سعر هذه البضائع من أماكن المنبع لتتضاعف عشرات المرات عندما تصل للمستهلك الغربي، حتى قال ” بلينيوس “: ” هكذا ندفع غالياً من أجل كمالياتنا ونساءنا.. مقابل بضائع تُباع لنا بأثمان تبلغ مائة ضعف ثمنها الأصلي(4) وهكذا صار التجار الأثرياء في الإسكندرية ينافسون أغنياء روما، وبعضهم تمكن من الحصول على مناصب عليا في القصر الإمبراطوري بروما0

         وتعتبر الواردات التي تدخل للإسكندرية عن طريق ميناء مريوط أضعاف الواردات التي تصل إليها عن طريق الميناء البحري، وصادرات الإسكندرية من الميناء البحري تفوق وارداتها من نفس الميناء، وعلى كلٍ فإن صادرات الإسكندرية تفوق الواردات، ويكفيك أن تسير قليلاً في حي الميدان (حي الميناء) لترى مدى الإزدحام، وتدرك حجم التعامل التجاري الداخلي والخارجي، فالمخازن المتسعة والتي تضج بالحركة تشهد على عظم النشاط التجاري لهذه المدينة، فإن كانت الإسكندرية تشغل مركز المدينة الثانية بعد روما من الجهة السياسية، فإنها تشغل المركز الأول بلا منازع في النشاط الإقتصادي والحضاري والعلمي0 وداخل المدينة تنتشر محلات الجزارة والحلاقة والعطارة والنجارة والأحذية والحانوتية وتحنيط الجثث، والأفران وغيرها، وفي الأحياء الراقية تجد محلات المجوهرات والتحف والتماثيل.. إلخ0

         والإسكندرية هي مدينة الديانات المختلفة، فالجالية اليهودية الضخمة تتمتع بكافة حقوقها في ممارسة العبادة وبناء المعابد الفاخرة، والإغريق يفتخرون بمعابدهم الضخمة، والرومان لهـم السلطة واليد الطولى في المدينة فيشيدون ما يشأون من المعابد، ويؤلّهون أباطرتهم ويعتبرون أن شخصياتهم مقدَّسة، ويضعـون تماثيلهم في معابد الآلهة، ويقدمون لهم العبادة، وهناك كاهن خاص يهتم بهذا في الإسكندرية، ومن أهــم آلهة الرومان ” أبوللـون ” (الإلـه العظيـم والـروح الطيبة) و” جوبيتر ” كبير الآلهة0 وليس هناك قيداً على المصريين في عبادة آلهتهم القديمة، والطائفة الوحيدة التي لا تستطيع ممارسة عبادتها جهراً هم المسيحيين الذين طحنتهم الإضطهادات المفرطة من أباطرة الروم، وإن كانـوا فـي هـذه الأيام ينعمون بشئ من السلام، فمنذ تولي ” دقلديانوس ” الحكم سنة 284م وهو لم يسئ إليهم للآن، مما جعل ” البابا ثاؤنا ” أن يفكر جدياً في إنشاء كنيسة ضخمة بالحي المصري0

         والذي يتمشى في شوارع الإسكندرية يلحظ العبادات المصرية ولاسيما لإيزيس، وأوزيريس، وحورس، وآمون، والعجل أبيس، والبقرة حتحور، ورع كبير الآلهة0 أما عبادة النيل فشئ أساسي في كل الأراضي المصرية، ويوم 12 بؤونة هو يوم عيده، فتكثر الضحايا والتقدمات التي تقدم له والتي تصل في عددها إلى ستة عشر نوعاً، وبالأمس القريب وزَّع الكهنة المصريون النص الآتي:

سيتم الإحتفال ببدء فيضان نيلنا المقدَّس بإقامة الشعائر المقدَّسة لجلب الخير والبركة 0 لقد وصل الماء، فتحية للينابيع عندما ترتفع في نهر إيزيس ذي المياه الجارية0

فلتسيطر على ينابيعك يانيل الفيضانات العديدة.. لتصل إلينا سخياً متدفقاً0 ولتنشر الغرين المُخصِب في فيضانك00

فهل لك أن تمنح عذوبتك لمصر كلها، مُخصِباً إياها كل عام، مثل هذا الفضل00

أنظروا كيف أن الفيضان كالذهب لكل شئ ولكل فرد، أما أنتم أيها المنشدون فردّدوا الأناشيد ثلاث مرات في إحتفالكم بتدفق المياه في مجاريه00

إرتفع أيها النيل وواصل الإرتفاع بنشوة حتى تصل إلى ستة عشر ذراعاً(5)0

         وهذه العظمة التي توسمها المصريون في آلهتهم إحتقرها الشاعر ” جوفينال ” قائلاً: ” من ذا الذي لا يعلم أن مخلوقات غريبة تقدسها مصر المجنونة ؟ فهذه المنطقة تعبد التمساح، وتلك يمتلأ قلبها رهبة من أبي منجل ملتهم الثعابين.. هناك يعبدون القطط، وهنا السمك 0 وهناك مدينة بأكملها تعبد الكلب(6)0

ويحرص الكهنة المصريون علـى أن تكون رؤوسهم حليقة، ومن يتجرأ منهم ويترك شعره يتعرض لغرامة ضخمة تصل إلى 100 دراخمة، ويرتدون الملابس الكتانية، ويحرصون على الختان، وقد إمتزجت عبادتهم بالسحر والأحجبة والتمائم، فيكثرون من التعويذات التي تجلب الحب، حتى أنهم يضعون بعضها مع مومياء الميت إعتقاداً منهم بأن قوة السحر تجبر روح الميت على القيام بالمهمة المطلوبة، وجاء في إحدى التعويذات ” أن تدعو الإله العظيم الجبار بأن يجعل فلانة الفلانية تقع في حبك من أول نظرة وبخضوع تام وإن لا تستطيع المقاومة، وبعد ذلك عندما تراها تأخذ ثلاثة أنفاس عميقة بينما تنظر إليها بإمعان، وفي هذه اللحظة سوف تبتسم لك، وهي علامة علـى أنهـا وقعـت في حبك(7)0

وبسبب تغلل سلطة رجال الدين لدى الشعب المصري، لذلك حد الرومان من سلطتهم، إذ إستحدثوا وظيفة ” أديوس لوجوس ” أي ” كبير كهنة مصر والإسكندرية ” وهي وظيفـة إدارية، والذي يشغلها يشرف على المعابد المصرية وحساباتها، ويصير حلقة الوصل بين الكهنة والدولة، وسار الرومان على نفس المنهج الإغريقي الذي بدأه الأسكندر الأكبر، وهو محاولة التوفيق بين الأديان، والبعد عن الصراع الديني، فظهرت حركة التوفيق بيـن آلهـة المصرييـن وآلهـة اليونانييـن والتـي عُرفت باسم ” Syncretism ” فأعتبر الإسكندر ومن بعـده ملـوك البطالمة أن ” أمون ” الإله المصري هو ” زيوس ” الإله اليوناني، كما عبد اليونان والرومان ” الإلهة إيزيس ” مانحة الحياة السخية، وإنتشرت عبادة إيزيس في روما ودعوها بأسماء عديدة، فهي أفروديت، وهيرا، وسيليني، وعذرية التوالد، والمرحة، والشجاعة، والمنقذة، وفائقة القدرة، والمعظَّمة، والملكة المقدَّسة، والربة الفاتنة، وقائدة ربات الفنون، وواهبة القوانين، وأقـام الإمبراطور ” دوميتيان ” معابد لإيزيس، وسرابيس في روما، بل إنتشرت عبادة ” الربة إيزيس ” في أرجاء الإمبراطورية الرومانية، حتى أنها وصلت إلى الهند وفارس عن طريق تجار ألإسكندرية0

ومن المعابد الهامة في الإسكندرية معبد ” السيرابيوم ” المخصص للإله ” سيرابيس ” الذي وضع بطليموس الأول سوتر أساسه على ربوة عالية بحي راكوتي المصري، وأكمله إبنه بطليموس الثاني فيلادلفوس الذي أمر بترجمة التوراة من العبرية لليونانية، فخرج تحفة معمارية غاية في الروعة، يزدان بالأعمدة الرخامية والتماثيل الناطقة، كما أُلحق به مكتبة علمية حوت نحو أربعمائة ألف كتاب، وفتحت أبوابها للدارسين 0

وأيضاً نجـد فـي الحـي الملكي من المعابد الفخمة معبد ” قيصريوم ” الذي أقامته كليوباترا تكريماً لزوجها ” ماركوس أنطونيوس ” وتسمى على إسم إبنها ” قيصريون ” الذي أنجبته من يوليوس قيصر زوجها السابق، وأقيم أمام هذا المعبد مسلتان أحضرتهما كليوباترا من معبد الشمس بهليوبوليس (وقد قُطعتا من مجراهما بأسوان قرب الشلال الأول للنيل، ونُقشِت عليهما أعمال أحد الفراعنة باللغة الهيروغليفية) وأحاطتهما بالأعمدة الرخامية البيضاء، والحقيقة أن البطالمة حاولوا أن يصبغوا الإسكندرية بالصبغة الفرعونية، ولذلك تجد المسلات والتماثيل الفرعونية منتشرة في الميادين والشوارع والمعابد كنوع من الوحدة الوطنية في هذه المدينة الإغريقية0

والإسكندرية مدينة إغريقية ضمن أربعة مدن إغريقية أُقيمت في مصر وهي:

  • نقراطيس: في دلتا النيل أُنشئت في أواخــر القرن السابع قبل الميلاد بيد أحد الفراعنة إعترافاً منه بالخدمات التي قدمها له الإغريق، فهي أقدم مدينة إغريقية في مصر0
  • الإسكندرية: أسسها الإسكندر الأكبر سنة 330 ق0م، وهي أعظم وأهم المدن الإغريقية في مصر0
  • بطلمية (مركز المنشاة بسوهاج): أنشأها بطليموس الأول في القرن الثالث قبل الميلاد0
  • أنتينوبوليس: أسسها الإمبراطور الروماني ” هدريان ” سنة 130 م على موقع مدينة مصرية قديمة في مصر الوسطى، ليُخلّد ذكرى صديقه ” أنطنيوس “، ذاك الشاب الوسيم الذي قام برحلة نيلية وغرق في تلك المنطقة0

وتتميز المدن الإغريقية بتقسيمها المنظم، وتسجيل سكانها طبقاً للأحياء التي يقطنونها، ولكل مدينة مجلس شورى، وإن كانت اسكندرية قد حُرمت من هذا الحق مئات السنين تخوفاً من إستقلالهــا عــن روما، فإنه في سنة 200 م قرر الإمبراطور ” سبتميوس سيفيروس ” (193 – 211 م) منح كل عواصم الإقليم المصري تكوين مجالس، فكوَّنت الإسكندرية مجلس الشورى الخاص بها، وسكان هذه المدن يتمتعون بمزايا يحسدهم عليها الآخرون، فيُسمح لهم دون بقية سكـان مصر بشراء أراضي الدولة، والأراضي التابعة لهذه المدن تتمتع بالإعفاء الضريبي، ولا يخضع سكان المدن الإغريقية لضريبة الرأس التي تُفرض على كل مصري بلغ عمره الرابعة عشر عاماً، وأيضاً يُعفون من الخدمات الإلزامية التي تُفرض على المصريين بلا مقابل، ويمكن لسكان هذه المدن الإلتحاق بالجيش الروماني، ولأن أسماء سكان الإسكندرية مُسجَّلة في سجلات الدولة، لذلك ليس كل من يقيم في الإسكندرية يتمتع بالمزايا السابقة0

والإسكندرية هي مدينة العلم والثقافة فالمدارس بمستوياتها المختلفة تنتشر بالمدينة، ويبدأ الأولاد والبنات في الذهاب لهذه المدارس من سن العاشرة يتعلمون مبادئ اللغة اليونانية والحساب وبقية العلوم، وكان التعليم يبدأ بتعلم الحروف الأبجدية ثم الكلمات المكوَّنة من حرفين، ثم ثلاثة، ثم أكثر من ذلك، ثم يدرس الطالب النحو والبلاغة والأدب والرياضة والفلسفة، وتعتبر أشعار هوميروس هي حجـر الزاوية في هذا العصر الروماني، فلو قلت ” الكتاب السادس ” فأنت لست في حاجة أن تذكر أنه من الألياذة، والذي حوى أهازيج النصـر ومراثي أبطال أسبرطة وأغاني المآدب، وبجوار أشعار هوميروس يـدرس المثقفون روايات مناندر، وقصائد كاليماخوس، وروايـات إيسخيلوس، وسوفوكليس، وكوميديا هوبسيكراتس Hypsicrates0

وكثير من المعلمين من العبيد، فليس شرطاً أن يأتي العبيد من بيئة متدنية، بل أن بعضهم كانوا في أشراف القوم ومثقفيه وسقطوا في أسر القراصنة فباعوهم كعبيد، ولذلك كُلف بعضهم بالتدريس، وقام بعضهم بالوظائف الكتابية، وأمسك بعضهم حسابات أراضي وأنشطة أسيادهم فكانوا بمثابة وكلاء لهم، وكثير من الأسياد أُستأمنوا عبيدهم على ممتلكاتهم، ولاسيما إذا كانوا من المسيحيين، فالمسيحيون في منتهى الأمانة0 وقامت بعض السيدات بدور المعلمات، فأرتفعت نسبة التعليم في الإسكندرية، وقلت نسبة الأمية، وتشعر السيدة المتعلمة بالفخر، ففي سنة 263م كتبت السيدة ” لوليان ” إلتماساً إلى والي مصر، جاء فيه “ إنني سيدة أتشرف بأن لدي ثلاثة من الأطفال من ذوي الإمتيازات، وقد مُنحت الحق في التصرف بنفسي والتفاوض دون وكيل قانوني لي فيما يتعلق بما أنجزه من أعمال0 كما أنني أعـرف القراءة والكتابة، وعلى ذلك فإنني فخورة بوجود هؤلاء الأطفال كما أنني غيـر أميـة وأكتـب بيسر وسهولة0 ولذا فأنني ألتمس من سيادتكم.. (8)0

وعندما ينتهي الطلبة من التعليم في المدارس المحلية يلتحق المتفوقون منهم بالميزيوم (أو الموسيون Mousion) أي دار المعرفة أو العلوم، وهو بمثابة جامعة أو أكاديمية ضخمة تضم جميع التخصصات، كما يفد الكثيرون من داخل مصر وخارجها ليدرسوا في هذه الأكاديمية، ومن يحضر من خارج الإسكندرية قد يصطحب معه عبداً أو أثنين للإهتمام بإحتياجاته، وطالما شجع ملوك البطالمة العلماء والأدباء، فمنحوهم الإقامة في الميزيوم على نفقة الدولة 0وكانت الندوات الثقافية التي تُقام في القاعة الضخمة المُلحقة بمسرح المدينة يحضرها حاكم المدينة، وأيضاً بعض السيدات المثقفات0 وبالإسكندرية تنتشر المكتبات الخاصة لبيع الكتب المتنوعة، فتجد كتب ” ديوجنيس ” عن الزواج، والخلاص من الألم وفضل الوالدين، وفائدة إستخدام العبيد في المنازل، وتجد محاورات ” أفلاطون ” العشرين، وكتب أشعار ” هوميروس ” ومسرحيات الكوميديا التي ألفها ” مناندرس ” وتجد قواميس يوناني / لاتيني، وكتب مختلفة عن الديانات، وتجد الكتب رواجاً كبيراً في هذه المدينة العظمى، ومنها يعيش النسَّاخ وأصحاب المكتبات، وكثيرون يفدون للإسكندرية لشراء الكتب، فجمع الكتب يدخل في دائرة الزهو والإفتخار.. أما مكتبة الإسكندرية المكتبة الأولى في العالم كله فهي شئ آخر0

والإسكندرية هي مدينة الرياضة ويعتبر ” الجمنازيوم ” من أحد معالم الإسكندرية الهامة، فيضم حلبات المصارعة والملاكمة، وصالات المساج، وساحات الجري، والملعب الرياضي الضخم الذي تزينه الأعمدة، والأروقة العديدة التي تخدم الجهاز الرياضي واللاعبين، فهو المعهد الرياضي الثقافي الذي تمارس فيه الرياضات المختلفة، كما يشغل الوافدون أوقاتهم بمناقشة الأمور العامة، وإمتدت أهمية الجمنازيوم من العصر الإغريقي للعصر الروماني الحالي0

ويحقق الرياضيون شهرة واسعة مع ثروات ضخمة تفوق ثروات الفنانين، فأحد أبطال سباق المركبات حقق خلال 24 عاما نحو مليون ونصف دراخمة، ومن الأسماء اللامعة في سماء الملاكمة ” موروس ” Moros الذي لم يُهزم خلال مائة مباراة فنال المواطنة لأربعة عشر مدينة منها الإسكندرية، وينضم الرياضيون إلى ” جمعية هادريان أنطونيوس المقدَّسة لإبطال الرياضة ” تحت رعاية الإله ” هيراكليس “0

والإسكندرية هي مدينة الفن والمباهج العالية، فإحدى السيدات نصحت صديقتها التي ذهب زوجها إلى الإسكندرية بأن تتزوج، لأن زوجها لن يعود لها ثانية، فأهل الإسكندرية يحبون السهر ليلاً، ولاسيما فترة الصيف، ويتأخرون في الإستيقاظ، وفي الإحتفالات بالأعياد مثل عيد وفاء النيل أو عيد قيامة أدونيس أو عيد ميلاد الإمبراطور أو تنصيبه تضج المدينة بالزحام والصخب وتُقام الحفلات التمثيلية الشعبية والكوميدية والهزلية، وهناك فرق متجولة للموسيقى والرقص والألعاب البهلوانية تجوب شوارع المدينة، وبالإسكندرية صالات للموسيقى وأخرى للرقص ويوجد متخصصون في تصميم الرقصات، وقد زُينت المسارح بأنواع الجرانيت الوردي والرمادي والأسود، والرخام الأبيض والأرجواني الإمبراطوري، والمرمر المستورد من الخارج، وأحد المسارح المشهورة في المدينة صرف في خلال شهرين للممثلين 6000 دراخمة، وبينما يحصل عامل البناء الماهر على أجر يومي 4 دراخمة فإن الممثل في أحد العروض المسرحية أو أحد الأشخاص الذين يلقون أشعار هوميرس يصل أجرهم اليومي إلى أكثر من 400 دراخمة، والممثل الكوميدي غالباً ما يكتب النص لنفسه ويغني ويرقص، ويطوف ممثلوا المسرح المشهورين حول العالم، وينضمون إلى ” جمعية الفنانين العالمية المقدَّسة ” مقابل رسوم تبلغ نحو 250 دراخمة ويتم إعفاء أعضاء هذه الجمعية من الضرائب والخدمة العسكرية والسجـن، وتتم ممارسة الفن تحت رعاية الإله ” ديونيسوس “0

ويجد التمثيل الإرتجالي الضاحك رواجاً في المدينة بين الرجال والسيدات، وسيدات إسكندرية يبالغن في الإهتمام بأنفسهن، ومعظمهن يستأجرن مرضعات لأطفالهن، وأحياناً تقوم الإماء بإرضاع الأطفال، كما أن أجرة المُرضعة قليلة فهي تتساوى مع أجرة العامل غير الماهر، وتتراوح الرضاعة من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، وفي العادة هي سنتين0

وفي الإسكندرية تجد بائعات الهوى اللاتي يدفعن ضرائب كبيرة للدولة، فبينما يدفع العامل الحرفي ضريبة 8 دراخمة على مزاولته المهنة، تدفع بائعة الهوى أكثر من مائة دراخمة، وبعض هؤلاء لا يسلكن ذلك الطريـق الردئ إلاَّ بسبب الفاقة، وعندما أُتهم ” ديوديموس ” بقتل إحدى بائعات الهوى وقُدم للمحاكمة، قالت أمها ” ثيؤدورا “: ” أنه من أجل هذا السبب وافقتُ على إعطاء إبنتي للمسئول عن الماخورة، حتى يكون لي مصدر للرزق أتعيش منه، والآن وقد فقدت مصدر إعاشتي بعد وفاة إبنتي، ولذلك فأنني أطالب بأن يخصص لي وأنا المرأة الفقيـرة مصدر بسيط أتعيش منه (9)0 وبينما بعض الفقراء يلقون بأطفالهم في الشوارع، فإن الأغنياء يعيشون في ترف وبذخ يقيمون الولائم الضخمة ولاسيما خلال الإحتفالات بالمناسبات الدينية، والرحمة لا تجد طريقها إلاَّ لقلوب المسيحيين0

(1)  د0 محمد السيد محمد عبد الغني – لمحات من تاريخ مصر تحت حكم الرومان ص 161

(2) امرجع السابق ص 329، 330 ومحمد عبد القادر راشد – مدينة الإسكندرية البطلمية وإقليمها ص 202 (رسالة ماجستير)

(3)  د0 محمد السيد محمد عبد الغني – لمحات من تاريخ مصر تحت حكم الرومان ص 283

(4)  د0 مصطفى عبادي – من الإسكندر الأكبر إلى الفتح العربي 265

(5)  نافتالي لويس – ترجمة د0 أمال الروبي – الحياة في مصر في العصر الروماني ص 103

(6)  المرجع السابق ص 98

(7)  المرجع السابق ص 105

(8)  المرجع السابق ص 68

(9)  المرجع السابق ص 162

 

الغطاس الماهر ف1 – كتاب البحار المغامر – حلمي القمص يعقوب

رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

النظافة في المسيحية

رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

ليه المسيحيين ريحتهم وحشه؟

يخرج علينا أحمد سبيع بين الحين والآخر، بفيديو يصعب تصنيفه، أهو للبحث العلمي حقًا، أم للدعابة والمرح. وعلى الرغم من أن ما يقوله لهو أقرب للدعابة عن كونه حتى رأيًا يُحترم، إلا أننا كنا في السابق نرد عليه بموضوعية شديدة ونبين قصور علمه في الكتاب المقدس والعقيدة المسيحية، وإلى الآن لم يرد. لكن اليوم يقدم لنا أحمد سبيع تأكيدًا أنه لا يقصد أي بحث علمي بل لا يفهم ما هو البحث العلمي من الأساس، بل يقوم بتصوير الفيديو تلو الآخر لإضحاكنا بما يقول، فاليوم، مثلا، خرج علينا بفيديو يتكلم فيه عن نظافة المسيحيين، وهل لهم رائحة كريهة كما يدعي البعض؟

ولشمول الرد على الفكرة العامة والكلام الساذج الذي طرحه، سنقسم الرد إلى جزئين رئيسيين، لأن أحمد لم يكتف بدعوة المسيحيين للرد عليه في أكاذيبه، بل دعاهم أيضًا للاقتداء بما يعتقده في دينه من النظافة، فوجب علينا نحن المسيحيين أن نستعرض النظافة التي يدعونا أحمد وأن نرد على ما قاله في حق المسيحيين. فالذي يريد معرفة هذه النظافة الحقيقية التي يتكلم عنها أحمد سبيع، فليذهب إلى “رابعًا” مباشرًة، وسيجد هناك ما يسره ويُحزن أحمد سبيع.

 

الجزء الأول: النظافة مسيحيًا

أولاً: المبدأ المنطقي المغلوط الذي بنى عليه أحمد الشبهة كلها.

ثانيًا: هل يدعونا الكتاب المقدس للاهتمام بنظافة الجسد أم يدعونا لإهماله؟

ثالثًا: الرهبنة والرهبان، والأمثلة التي ذكرها أحمد سبيع.

 

الجزء الثاني: النظافة إسلاميًا

رابعًا: النظافة حسب الإسلام كما يحبها أحمد سبيع (تعلموا يا مسيحيين!)

 

 

 أولاً: المبدأ المنطقي المغلوط الذي بنى عليه أحمد الشبهة كلها.

 

من المتعارف عليه بين أصحاب العقول، أن النظافة الشخصية – كما يظهر من اسمها- لهي أمر شخصي، فهي تخص الشخص وحده وفق عدة عوامل تختلف من انسان لآخر. فمن يعيش في البلاد الحارة مثل الدول الافريقية بشكل عام سيتعرق مثلاً أكثر من الذي يعيش في دولة مثل روسيا وشمال كندا. وهذا ربما يلاحظه كل شخص سافر إلى هذه البلدان او غيرها من البلدان التي تحمل نفس الصفات. وهذا أمر طبيعي ومنطقي، حيث أن حرارة الشمس والرطوبة العالية في هذه البلدان تجعل الجسد يخرج العرق لا سيما عند بذل المجهود. ومن يعمل طوال اليوم في أعمال تتطلب مجهودًا عضليًا سيتعرق أكثر من ذا الذي يجلس على مكتبٍ ليدير أعماله من الكمبيوتر المحمول الخاص به مستمتعًا بمكيف الهواء. ومن لديه سيارة خاصة حديثة يختلف عمن يرتاد المواصلات العامة كل يوم ذهابًا وإيابًا، فضلا عن هؤلاء الذين يذهبون لأعمالهم سيرًا على الأقدام.

كل هذا لهو من سبيل التعريف بالبدهيات المعروفة لكل ذي عقل. وتبعًا لهذا فإن من يعمل في أعمال البناء سيختلف عمن يعمل على مكتب، فالأول سيتعرق كثيرا والآخر بالكاد سيتعرق. وعملية التنظيف لكل منهما تختلف، فالأول غالبًا ما يكون ذا حياة بسيطة وليس معه المال الكثير الذي ينفقه على أدوات ووسائل النظافة الحديثة، رغم انه الذي تعرق أكثر، بينما الآخر، الذي بالكاد يتعرق، إن كان ميسور الحال، فسيستخدم أدوات ووسائل حديثة لإزالة العرق ورائحته والمنظفات الخاصة بالاستحمام، مما تجهله نظيفًا أكثر ورائحته أفضل جدًا.  هذا يعرفه كل من له عقل.

لكن، أحمد سبيع يعترض على هذا، ربما لكون كل ذي عقل يعرف هذا، ويريد أن يخصص مسألة النظافة من عدمها في دين معين، المسيحية. فكأنه يريد أن يقول إن كل مسيحي حقيقي لابد وألا يكون مهتمًا بنظافته الشخصية. وعلى العكس، فإن كل مسلمٍ حقيقيٍ فلابد وأن يكون مهتما بمظهره وبنظافته الخارجية والداخلية. ولا يشك عاقل أن هذا هراء محض، مخلوط بجهل مدقع. فأحمد للأسف يعتقد بخفه عقله أن الشخص الأكثر نظافة تكون عقيدته هي الصحيحة، وعلى العكس، فكلما لم تعتن بنفسك كان دينك خاطئ.  فقد تجد ملحدًا يعيش في السويد أو الدنمارك مثلاً أكثر نظافة جسدية من غالبية المؤمنين في البلاد العربية، فهل يدل هذا لصحة معتقده؟ وخطأ معتقد من هم أكثر اتساخًا منه؟

العامل الثاني هنا، والذي تناساه أحمد عمدًا، هل يمكن أن يقول إنسان أن كل مسيحي هو غير نظيف، وكل مسلم هو نظيف؟ وأنا لا أعتقد أن أحمد يقول بهذا، فسيقول إن المسألة ليست مسألة البشر بل مسألة ما يأمره به دينهم وعقيدتهم. وهنا نرد عليه ونقول:

 

الأول: إذن لماذا لم تعرض أي نص كتابي أو تعليم آبائي بعدم الاستحمام مثلاً أو بعدم النظافة بشكل عام؟ فكل ما عرضته هو مجموعة من الكتب تقول كلامًا غير موثقًا بأي حال من الأحوال (وهذا يدل على أن أحمد لا يعرف كيفية الاستشهاد ولا توثيق المعلومة، فهو كحاطب ليل يجمع كل ما يراه يناسب فكره وهواه السقيمان) ثم عرض فيديو سنأتي إليه فيما بعد. فمدار ما عرضه أحمد، حتى بفرض صحته، هو أفعال لأشخاص معينة لها ظروف معينة في عصور معينة لأسباب معينة، ولم يعرض أي تعليم يخص الكنيسة أو الكتاب المقدس أو حتى من هؤلاء الأشخاص أنفسهم للشعب كدعوة للتمثل بهم مثلا، هذا على فرض صحة ما نقله أصلاً. في نهاية هذا البحث سنرى كيف أن أحمد يرضى أن يستشهد بأفعال أشخاص غير ملزمة لأي شخص آخر غيرهم، ويتغاضى عن التعليم الموحى به في دينه، وهل هذه التعاليم تجعل الإنسان نظيفا أم لا.

الثاني: إن مسألة النظافة الجسدية بشكل عام هي أمر نسبي متغير من عصر لعصر ومن منطقة جغرافية لأخرى ومن ثقافة لأخرى. فلا يمكن أن نحصر أنفسنا في خطوات أو وسائل معينة للتنظيف، فكل وسائل النظافة الحالية، سواء للبشر أو للمسكن أو للملبس لم يتكن موجودة منذ عصر قريبٍ جدًا، فكم بالأحرى تلك العصور المظلمة التي لم يكن يجد المرء فيها ماء ليشرب هو وقبيلته وماشيته، فكانوا يترحلون من مكان لمكان تبعًا للماء. فكما سنرى أن النظافة التي يتغنى بها أحمد لهي مصدر للميكروبات والجراثيم، لكن أحمد يجهل كل هذا مادام سيهاجم المسيحيين بما عنده. وسوف يأتي تفصيل كل ما تكلم عنه أحمد في الأجزاء التالية.

 

أيضًا، فإنه من الأخطاء المرصودة للجهلة، التعميم. فأنهم يضربون مثالاً ثم يقيسون عليه ما لا يمكن قياسه وفقا لهذا المثال. ولكي نوضح كلامنا، فأحمد ضرب مثال بالأنبا أنطونيوس والراهب إبيفانيوس الأنبا بولا، ثم عمم هذا المثال على كل مسيحي، فما علاقة كل مسيحي بهذا المثال؟ فهما مجرد رهبان، وليس كل مسيحي هو راهب، وفضلا عن ذلك ما علاقة كل المسيحيين من كل الطوائف في كل بلدان العالم؟ فهؤلاء رهبان مُعينون من طائفة معينة، فهل إن فعل شخص مسيحي شيء حسن، فيكون كل مسيحي هو شخص جيد لأجل هذا الذي فعله ذلك الشخص؟ وعلى العكس، هل إن فعل شخص مسيحي شيء غير جيد، فيكون كل مسيحي هو شخص غير جيد لأجل هذا الذي فعله ذلك الشخص؟ فحتى لو افترضنا صحة كلام أحمد جدلاً، فلا علاقة لهؤلاء الرهبان بكل مسيحي العالم ولا علاقة لكل مسيحي في العالم بهؤلاء الرهبان.

فيكفيك مثلاً أن تدخل المترو في القاهرة والجيزة ولو كان في بداية يوم جديد، وستجد أن الرائحة العامة للمترو كريهة، وتبعا لنظرية أحمد سبيع، فأن العدد الأكبر من الركاب يوميا لن يكونوا من المسيحيين، بل سيكونون قطعا من المسلمين، فهل يمكننا -وفقا لأحمد- أن نقول أنه بما أن رائحة المترو الذي يرتاده العدد الأكبر من المسلمين، رائحة كريهة، فالمسلمون بعمومهم رائحتهم كريهة، ثم نشطح أكثر وأكثر بالقول فنقول أن الإسلام يحرضهم على عدم النظافة؟ هل يقول بهذا عاقل؟ بالطبع لا، لكن أحمد سبيع قال به.

 

ثانيًا: هل يدعونا الكتاب المقدس للاهتمام بنظافة الجسد أم يدعونا لإهماله؟

يقول أحمد سبيع (بالعامية المصرية):

لما بنشوف النظافة عند المسيحيين، خاصة الرهبان والمتدينين منهم، بنلاقي أشياء عجيبة. حتى أنهم شايفيين إن اعتزال الماء والبعد عن النظافة قربة لله! لا أدري، هل الله عز وجل يريد الإنسان قذرًا أم نظيفًا، يعني إنسان لديه القدرة على تنظيف جسده، ومع ذلك لا يفعل، فهل هذا الفعل يحبه الله؟ هل يحب الله من الإنسان أن يكون قذرا؟ وأن يهلك نفسه بالأمراض؟ هل يريد الله الإنسان جميلاً أم قذرًا؟ هل الإنسان القذر يكون صورة جميلة للدين عند غير المؤمنين؟ لما بنقرأ التاريخ المسيحي نجد حالات عجيبة لرهبان وعلماء مسيحيين كبار بيعتبروا ان الاستحمام جريمة وعار.

 

كما رأينا، يدعي البعض ومنهم أحمد سبيع، ان للمسيحيين رائحة كريهة. ويروجون لهذا الطرح بين العامة من الجهلاء، ويتم تلقين الأطفال منهم بهذا التعليم الجهولي فيتشبع اطفالهم بأفكار مغلوطة تنم على الجهل ثم يسلمها هؤلاء الأطفال عندما يصيروا آباء وأمهات لأطفالهم وهكذا تستمر الخرافات بين الجهلاء من العامة. لكن على النقيض، فقد علَّم الكتاب المقدس عن النظافة القلبية وأيضًا النظافة الجسدية في مواضع عديدة. فنجد انه منذ بدء الكتاب المقدس، فإن التشريعات حول الطهارة والنظافة متواجدة حتى في أسفار موسي الخمسة ووصلت لمراحل متطورة في البيئات القديمة البدائية حيث يندر وجود الماء. فالكتاب المقدس لم يمنع الاستحمام والنظافة الجسدية بل، على العكس، أثنى عليه بحسب سفر يهوديت.

 

يهودت 10: 1- 4

1 وكان لما فرغت من صراخها الى الرب انها قامت من المكان الذي كانت فيه منطرحة امام الرب 2 ودعت وصيفتها ونزلت الى بيتها والقت عنها المسح ونزعت عنها ثياب ارمالها 3 واستحمت وادهنت بأطياب نفيسة وفرقت شعرها وجعلت تاجا على راسها ولبست ثياب فرحها واحتذت بحذاء ولبست الدمالج والسواسن والقرطة والخواتم وتزينت بكل زينتها 4 وزادها الرب ايضا بهاء من اجل ان تزينها هذا لم يكن عن شهوة بل عن فضيلة ولذلك زاد الرب في جمالها حتى ظهرت في عيون الجميع ببهاء لا يمثل.

 

نجد انها استحمت وتزينت بأطياب نفسية، فهل اغاظ الرب هذا؟ على النقيض تمامًا، فقد أثنى الرب على تزينها وزادها الرب جمال، لان تزينها لم يكن لأجل خطية جسدية بل عن فضيلة وورع. فنستعجب اين وجد أحمد سبيع النهي عن الاستحمام في الكتاب المقدس؟ فهل يسقط طارح الشبهة ما به على المسيحيين؟ فالجسد المسيحي هو هيكل لله. وهيكل الله ينبغي ان يكون نظيف قلبياً وايضاً جسدياً:

 

رسالة كورنثوس الأولى 3: 16

أما تعلمون أنكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم.

 

وايضاً الرب يريد ان نكون اصحاء جسدياً والنظافة أحد شروط الصحة الجسدية.

 

رسالة يوحنا الثالثة 1: 2

ايها الحبيب في كل شيء اروم ان تكون ناجحا وصحيحا كما ان نفسك ناجحة.

أفسس 5: 29

فانه لم يبغض أحد جسده قط بل يقوته ويربيه كما الرب ايضا للكنيسة.

 

وفي هذا ا لنص السابق يظهر مدى اهتمام المسيحية بجسد المسيحي، حيث أن الرسول بولس قد عقد مقارنة بين المسيح وجسده، أي الكنيسة من جهة، والإنسان وجسده من جهة أخرى، فكان المقابل للكنيسة هو جسد الإنسان، ووصف الاهتمام الذي يجب أن يكون عليه المسيحي تجاه جسده بأنه على نفس قدر الاهتمام الذي يقدمه المسيح للكنيسة. فأي اهتمام أعظم من هذا؟

 

سفر خروج 19: 10

فقال الرب لموسى: «اذهب إلى الشعب وقدسهم اليوم وغدا، وليغسلوا ثيابهم،

سفر العدد 31: 20

وكل ثوب، وكل متاع من جلد، وكل مصنوع من شعر معز، وكل متاع من خشب، تطهرونه»

 

سفر العدد 31: 24

٢٤ وتغسلون ثيابكم في اليوم السابع فتكونون طاهرين، وبعد ذلك تدخلون المحلة.

 

ولم يقتصر الأمر على الإستحمام وغسل الملابس، بل إمتد للتعطر ايضاً، ونجد ان العطر مستخدم في العهد الجديد وقد سكبت قارورة طيب على راس الرب يسوع وكانت القارورة غالية الثمن وسكبت ايضاً على راسه وهو يتكئ على الطاولة، حيث سبب هذا الغضب الكثير من بعض الحضور قائلين ان هذا المال كان يجب ان يعطى للفقراء. لكن يسوع وضح لهم ان هذه المرأة فعلت شيء نبيل وجميل وأثنى على فعلها. وقال لهم انا معكم زمناً قليلاً لكن الفقراء سيكونون بينكم. وسيكون فعل هذه المرأة ذكرى عبر العصور وهذه القصة جاءت في (متى 26: 6 – 13). وفي العهد القديم نجد ان العطور كانت تستخدم كدهن للمسحة.

 

خروج 30: 25

وتصنعه دهنا مقدسا للمسحة. عطر عطارة صنعة العطّار. دهنا مقدسا للمسحة يكون.

 

ويضرب لنا الكتاب مثال رائع للحفاظ على الصحة في موضوع التغوط (التبرز) وقد كتب فيه كثيرون وهو ما جاء في سفر التثنية 23: 12 – 14 والتغوط في مثل هذه البيئة الصعبة والقديمة، لم يكن هناك ما يوازي هذا التشريع فيها. فقد كان هذا حفاظاً على الانسان وصحته. ويطول شرحه. فالرب امرهم بدفن التغوط لكي يقيهم من الامراض التي اصابت البلدان الأخرى.

 

تثنية 23: 12 – 14

12 ويكون لك موضع خارج المحلة لتخرج اليه خارجا. 13 ويكون لك وتد مع عدّتك لتحفر به عندما تجلس خارجا وترجع وتغطي برازك. لان الرب إلهك سائر في وسط محلتك لكي ينقذك ويدفع اعداءك امامك.

كورنثوس الثانية ٧: ١

فاذ لنا هذه المواعيد ايها الاحباء لنطهر ذواتنا من كل دنس الجسد والروح مكملين القداسة في خوف الله. المواعيد

 

فالرب امر الناس ان يتطهروا من كل دنس يشوِّه الجسد، وشمل هذا التدخين والادمان بأنواعه فكل هذا يقلل من خطر الاصابة المرضية.  فيعلمنا الكتاب المقدس، أن أجسادنا هي هياكل لله، ويسكن فيها روح الله، وأن من يفسد جسده سيفسده الله:

 

كورنثوس الأولى 3: 16 – 17

16 أما تعلمون انكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم. 17 ان كان أحد يفسد هيكل الله فسيفسده الله لان هيكل الله مقدس الذي أنتم هو.

 

وبحسب الخلفيات الحضارية كان يتم ايضاً غسل الارجل نتيجة ان الصندل يكون مفتوح فيكون استقبال الضيف بغسل رجيله. والرب نفسه غسل أرجل تلاميذه. فغسل الارجل علامة، من حيث الخلفيات الحضارية، على اكرام الضيف وايضاً نظافة الارجل من أي غبار.

يوحنا 13: 5

ثم صبّ ماء في مغسل وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ ويمسحها بالمنشفة التي كان متزرا بها.

 

نجد ان الرب يسوع غسل أرجل تلاميذه ثم مسحها فهنا يظهر إن استعمال الماء كان قبل القرن السادس الميلادي وهي إشارة واضحة إلى تطور اليهود عن غيرهم من العرب الذين كانوا يستنجون بعد تبرزهم بحجرات ثلاث.

وأيضًا: متى 6: 17

وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صُمْتَ فَادْهُنْ رَأْسَكَ وَاغْسِلْ وَجْهَكَ،

ركزت المسيحية على النظافة الداخلية للقلب لان في بداية المسيحية كان الفكر موجه لليهود فاليهود على علم بجميع شرائع النظافة وأكثر المتزمتين بها حتى أنهم ركزوا على هذا النوع من الطهارة الجسدية على حساب طهارة القلب والفكر. فبعبارة اخرى كانت النظافة لديهم امر مُسلم به. لذلك كان تركيز الرب يسوع ان النظافة الداخلية اهم من أي نظافة خارجية. فالنظافة الخارجية لا تحتاج لمواقيت لتحديدها أي مثلا خمس مرات! فبفرض ان شخصًا قد سار أسفل الشمس الحارة جداً في وقت غير وقت الصلاة الرسمي، فهل لا يستحم ويكتفي بالوضوء؟ ولماذا لم يأمره دينه بالاستحمام الكامل بدلا من غسل بعض المناطق بشكل صوري مما لا يفيد في النظافة لجسدية شيء؟

وماذا عن الذين يعملون في جمع القمامة هل يقول المعترض انهم ليسوا من دينه! اين تشريع الاستحمام بعد الاجهاد هل لديه اية صريحة؟! هل النظافة بالمسح السريع للأجزاء الظاهرية؟ أم أن الأجزاء الداخلية من الجسد هي التي تحتاج أكثر إلى التنظيف من تلك الظاهرية؟ فبالطبع هناك مواضع أخرى في الجسد تحتاج للنظافة. فإن كان دين المعترض يحثه على النظافة، فلماذا لم يحثه على النظافة الحقيقية أو الكاملة واكتفى فقط بمسح الماء الصوري على الأجزاء الظاهرية التي لا تفيد في النظافة شيء؟ وهل التيمم بالرمال نظافة؟ وهذا التيمم يحدث في حالة انقطاع الماء؟ فاين النظافة في جلب تراب ووضعه على الجسد! هل يستخدم التراب للتنظيف أم يستخدم الماء للتنظيف من التراب؟

 

فالفكر المسيحي يقول ان الاهتمام بالقلب والروح هو الاولوية وهذا لكون الانسان يمكن أن يراعي جسده ونظافته لكنه وفي نفس الوقت يغفل عن نظافة قلبه من الحقد والطمع والكرة والرياء والنميمة، فهناك ملحدون أنظف جسدياً من المعترض نفسه بكثير، فما الذي يفيده بنظافة جسده؟ فالمعيار المسيحي صحيح ولا يتنافى مع نظافة الجسد فقد اسردت بالأعلى العديد من الامثلة.

 

الطهارة في المسيحية عدة أوجه وهي: جسديّة، وروحيّة، وعقليّة، وأدبيّة. فجسديًا مطلوب من المؤمن المسيحي الاهتمام بنظافة بدنه، وفي مظهره الخارجي وفي نظافة ثيابه والاهتمام بالطيب والتعطر بالروائح العطرة، أما روحيًا فتعني الابتعاد عن النجاسة الروحيّة وهي الخطيئة حسب المفهوم المسيحي والتي تنبع من القلب ومصدرها القلب وحده حسب المفهوم المسيحي، أمّا من الناحية العقلية فهي اجتناب الأفكار النجسة مثل الاشتهاء.

 

أمر الكتاب المقدس أيضًا بالاغتسال بعد قذف السائل المنوي وبعد عملية الجماع الزوجي، وذلك لتجنب الامراض الجنسية، بحسب لاويين 15: 18،16 وبعد مسّه شخصا مصابا بداء السيلان أو أيا من أغراضه لتجنب الامراض الجنسية، بحسب لاويين 15: 12،11 وبعد رجوعه من الحرب لتجنب الامراض الجنسية (حيث ان الشعوب المجاورة لإسرائيل في ذاك الزمان كانت في حالة انحطاط اخلاقي مما يعتبر بيئة رطبة لنشر الامراض الجنسية المميتة) بحسب سفر العدد 31: 24،19.
وبعد مسّه حيوان غير طاهر او حيوان مات من جراء اسباب طبيعية لتجنب الامراض المعدية، انظر لاويين 11: 42،30،29. وبعد مسّه امرأة في طمثها لتجنب نقل الالتهابات بواسطة الدم، انظر الى لاويين 15: 27،21.
فهناك العديد والعديد من الامثلة في الكتاب بالكامل التي تتكلم عن النظافة الشخصية في كل مناحي الحياة اليومية له، لكن نعذر طارح الشبهة لأنه لم يدرس الكتاب المقدس لأنه لا ليس بطاهرٍ وفقا حتى للعهد القديم فقط.

 

ثالثًا: الرهبنة والرهبان، والأمثلة التي ذكرها أحمد سبيع.

على الرغم من أن أحمد افتتح الفيديو الخاص به بالحديث عن المسيحيين عمومًا، وهذه هي قيمة الفيديو، فالفيديو يهدف أصلا إلى تأكيد أن المسيحيين بشكل عام تكون رائحتهم منفرة، ورغم عن ذلك لم يتكلم عن أي شيء عقيدي أو يخص المسيحيين بعمومهم بل أنه انتقل فجأة للحديث عن الأنبا أنطونيوس أب الرهبان، ثم قفز مرة أخرى إلى آمون، ثم إلى أثناسيوس الرسولي، ثم قفز مرة ثالثة إلى القمص إبيفانيوس (التي نطقها بشكل خاطئ وكأنها كلمة غير معروفة ولم يسمعها من قبل) الأنبا بولا والمعروف باسم القمص فانوس الأنبا بولا.

 

وكتعليق عام نقول:

أولاً: من المعروف عند الباحثين المدققين، أن هناك ما يسمى المصادر الأولية والمصادر الثانوية، فالمصادر الأولية هي التي كُتبت بيد المؤلف نفسه أو على أقصى تقدير يكون قد اطلع عليها المؤلف ووافق عليها او تكون مصادر معاصرة لفترة حياته. أما المصادر الثانوية فهي تلك المصادر التي كتبت عن الشخص أو الشيء وجاءت بعده. أما ما فعله أحمد فهو يدل على مستواه البحثي الحضيضي، فقد أتى بكتاب ليس من المصادر الأولية ولا الثانوية ولا حتى الكتاب نفسه ذكر مصدراً، ولو كان لا أولي ولا ثانوي، لكلامه عن الأنبا أنطونيوس! فهل يظن أحمد أن المسيحي يقبل أي كلام مكتوب من غير مصدر طالما أن كاتبه مسيحي أيضًا؟ يبدو أنه يظن ذلك! فمن هذه النقطة وحدها، ينتهي اقتباسات سبيع جميعها إلا الأخير! لأنها كلها بلا مصدر.

ثانيًا: حتى بفرض أن كل ما جاء به صحيح، فهؤلاء أشخاص في ظروف تاريخية ومعيشية ونسكية تختلف تمامًا حتى عن الرهبان المعاصرين أنفسهم بل تختلف حتى عن تلاميذهم هم، فكم بالأحرى اختلاف كل تلك الظروف عنا نحن؟ فإما أن أحمد يظن أنهم طالما هم رهبان فتكون أفعالهم، سواء حسنة أو سيئة، حجة عليها أو يجب ان يقتدي بها كل مسيحي! وهذا لن يكون غريبا عن مستوى جهله المعروف لدينا. لكن المفاجئة ستكون لو أنه يظن أنهم بأفعالهم هذه يعطونا نحن المسيحيين هذه التعاليم لننفذها مثلهم، فإن كان يقصد هذا فذلك سيكون مستوى جديدًا من الجهل وعدم الفهم الذي ما كنا نتوقعه في سبيع، لكنه غير مستبعد. فلا هم قالوا هذا، ولا نحن يجب علينا فعل ما يفعلوه.

 

الأنبا أنطونيوس أب الرهبان

تكلم أحمد سبيع عن الأنبا أنطونيوس، ورغم أن للأنبا أنطونيوس رسائل يمكن معرفة أفكاره وفضائله ومعجزاته منها، وللبابا أثناسيوس الرسولي كتاب يشرح فيه حياة الأنبا أنطونيوس، إلا أن أحمد لم يجد في أي منهما ضالته الخبيثة، وكيف له أن يجد ضالته في مثل تلك الكتب الموثوقة؟ فذهب لأي شيء يدعى كتاب، فحتى ان كان من خصوم الأقباط أنفسهم، وحتى إن كان بلا دليل أو مصدر أو عزو، فطالما أنه كتاب ليس لمسلم وطالما أن كاتبه يقول ما نريد فيكون كلامه صحيحًا قطعا، وكيف لا وهو يقول ما نريد؟ فهذه سمة أحمد والمهاجمين للمسيحية عمومًا من المسلمين، وللرد نقول في عجالة:

 

  1. في العصور القديمة لم يكن الماء متوفر لكل واحد كما الآن. ونحن سنستعرض ما هو مفهوم النظافة الحقيقية عند مؤسس الإسلام ألا وهو رسول الإسلام ومعاصريه، فأحمد يعتمد في نقده للمسيحية على كلام هنا وهناك من كتب غير موثقة، فعلى العكس من هذا، سنأتي بشهادات صحيحة صريحة في تعريف النظافة بحسب مفهوم أحمد من كل الأدلة الصحيحة، لتعرفوا لماذا يهاجم أحمد المسيحيين.
  2. الأنبا أنطونيوس كان يعيش في الصحراء المقفرة التي لا طعام ولا شراب فيها، وأحمد نفسه قال [يعني إنسان لديه القدرة على تنظيف جسده، ومع ذلك لا يفعل، فهل هذا الفعل يحبه الله؟]، فهل كان للأنبا أنطونيوس القدرة على توفير؟ وهو معتكفا في الصحراء البعيدة وحده، ويصوم عن الماء والطعام لأيام عديدة متتالية ولا يرى وجه إنسان؟
  3. لم يطلعنا أحمد على شهادة من معاصري الأنبا أنطونيوس أو غيره تقول إن رائحته كانت رائحة كريهة مثلاَ أو أن أصابه القروح أو الأمراض الناتجة عن قلة النظافة (هذا بفرض صحة الكلام الذي أتى به أصلا)، بل سنجد الشهادات الكثيرة تفيض بعكس هذا، فقد تنيح الأنبا أنطونيوس عن عمر 105 عام وكان يتلمذ رهبان آخرين ويعلمهم.
  4. هذا الذي يقول عنه احمد أنه لم يستحم، كان يفعل المعجزات العظيمة ويقهر ويخرج الأرواح الشريرة من الناس، وغيرها من المعجزات التي حكى عنها التاريخ كله، حتى أنه أب لجميع رهبان العالم من شدة ما وجدوه فيه من كرامة ونسك وحب للإله، فكيف لشخص مثل ما يصوره أحمد أن يكون بهذا الورع والتقوى والقوة إن كان هناك علاقة بين ما يقوله وما تنقله المصادر الصحيحة عن الأنبا أنطونيوس (هذا بافتراض صحة كلامه الأول أصلا).
  5. كيف عرف صاحب الاستشهاد الذي نقل عنه أحمد، أن الأنبا أنطونيوس لم يستحم طوال حياته والأنبا أنطونيوس كان في عزلة تامة أغلب حياته الرهبانية؟

البابا أثناسيوس الرسولي

 

جاء أحمد كعادته بكتاب للسيدة Edith Louisa تتكلم فيه عن القديس آمونيوس الراهب، وأيضًا تنقل كلامًا على لسان القديس أثناسيوس، ولم تعط لأي من هذين القولين أي مصدر من كلام القديس أثناسيوس على الإطلاق، فقط قالت الكلام ونسبته له. وهذا الكلام نفسه يختلف عما موجود في النسخة الإنجليزية التي تُرجمت عنها هذه الترجمة العربية في النص نفسه، إلا أن معنى الكلام هو نفسه. فكيف يستشهد أحمد سبيع بكلام غير موثق لمجرد أن يهاجم البابا أثناسيوس؟ ولا يطعن في البابا أثناسيوس فقط، بل يعمم -بجهل- هذا الكلام الذي هو أصلا ليس عليه دليل، يعممه على كل مسيحي، فهكذا نرى كيف أنهم فقراء لا يملكون دليلاً ضد الإيمان المسيحي.

ولنبطل هذا الكلام الذي لا يقوم عليه دليل أو منطق، سنعطي نحن دليلًا موثقًا من كلام القديس أثناسيوس نفسه عن نظيف إفرازات الأنف والفم والبطن (التبرز)، ونسأل المعترض بعدها، كيف للذي يقول بتنظيف الأنف والفم والبطن أن يمنع من الاستحمام؟!

يقول البابا أثناسيوس في رسالته لآمون ومخاطبًا إياه:

For tell me, beloved and most pious friend, what sin or uncleanness there is in any natural secretion,—as though a man were minded to make a culpable matter of the cleanings of the nose or the sputa from the mouth? And we may add also the secretions of the belly, such as are a physical necessity of animal life.[1]

 

الترجمة:

ولكن أخبرني، أيها الصديق المحبوب والتقي جدًا، ما الخطية أو الدنس في أي من الإفرازات الطبيعية، وكأن تنظيف الأنف واللُعاب يُعد شيئًا ملوما لو فعله إنسان!؟ ويمكن أن نضيف أيضًا إفرازات البطن، والتي هي من الضرورات الجسمية للحياة الحيوانية (الجسدانية).

 

ويمكن الرجوع لكامل الرسالة في السلسلة الثنية في مجموعة آباء نيقية وما بعدها، في المجلد الرابع. فإن كان هذا رأي أثناسيوس فلماذا يدلس عليه أحمد ويأتي بأقوال بلا مصدر من كلام أثناسيوس نفسه؟ أهو الهوى والزيغان فقط؟

 

ثم يستشهد بأفعال بعض الرهبان وهم قله لكي يوحي للمستمع ان هؤلاء هم اكثرية وان المسيحية تدعوا لعدم النظافة بإهمال الجسد. ولا يعلم ان هؤلاء قلة قليله قد فهموا ترك العالم وقمع الجسد بهذا الشكل. فهذا فهمهم هم كما اوضحنا ان الكتاب يتكلم عن نظافة الجسد والروح والعقل وغيره. فمعيارنا كمسيحين هو الكتاب. فوجود رهبان في بيئة صحراوية غير متوفر بها الماء ليس مقياس على وجودنا نحن الان.

 

 

 

إلى هنا ينتهي الشق المتعلق بالنظافة عند المسيحيين، ولكن يبدأ من هنا أيضا فصل جديد حول الطهارة عند المسلمين، فلنتعلم نحن المسيحيين النظافة التي يدعونا إليها أحمد سبيع.

 

رابعًا: النظافة كما يحبها أحمد سبيع (تعلموا يا مسيحيين!)

 

قبل البدء في عرض مظاهر النظافة الإسلامية التي يريدنا أحمد سبيع أن نترك المسيحية ونتجه إليها، علينا التنبيه لعدة أمور:

  1. عرض أحمد سبيع من كتب لا تمثل أي مصدر للمسيحيين، فلم يعرض لآباء الكنيسة تعلميًا أو نصوصا من الكتاب المقدس تمنع الاستحمام مثلاً أو تمدح الشخص كلما كان أقل نظافة جسدية، ولكننا سنعرض له من أمهات كتبه المعترف بها عند أهل السنة والجماعة المنتمي إليهم أحمد، وسنعرض أحاديث صحيحة، ومن المذاهب المعتمدة لديه. فلن نفعل مثله بأن نأتي بأي كلام وكفى، بل سنأتي له من أمهات كتبه التي يعترف بها هو.
  2. سنتعرض لأكثر من مظهر من مظاهر النظافة الإسلامية عند أحمد، وليس مظهراً واحدا، داعمين كلامنا بالأبحاث العلمية والنصوص الإسلامية الصحيحة في كل هذه المظاهر، وهذا لكي يتعرف القاريء على مظاهر النظافة التي يريدها أحمد ويحبها ويعيش فيها.
  3. لن نعلق بتعليقات كثيرة في هذا الجزء، بل سنترك أغلب الكلام للمصادر الإسلامية فهي المتحدثة عن نفسها وسنترك لعلماء الإسلام أنفسهم شرح ما يقصدون. لكن سنحاول بيان الكلام الذي لربما لا يكون مفهوما للجميع.
  4. نحن هنا لا يهمنا الجانب الفقهي الإسلامي من القضية بل جانب النظافة فقط، فهذا محور كلامنا كله. فعندما نتكلم عن الوضوء مثلاً فنحن لا نتكلم عن النواقض الشرعية التي يقرها علماء الإسلام للوضوء، بل نتكلم عن جانب النظافة في الوضوء وهل يحقق الوضوء النظافة وهل يرتبط الوضوء بالنظافة أم أنه مجرد طقس فقهي لا يتعلق بنظافة الإنسان الحقيقية. نقول هذا لكي لا يأتي متعالم ومتذاكي ويقول أن كذا لا ينقض الوضوء، فنقول له: وهل ترانا في حلقة فقه نتباحث فيما ينقض الوضوء عند المذاهب وما لا ينقضها؟ نحن نتكلم في جانب النظافة فقط، بغض النظر عن نظرتك الفقهية له.
  5. ليس مقصدنا من هذا التالي إلا بيان تناقض أحمد سبيع بين ما يشنعه على المسيحيين كاذبًا، وبين ما يؤمن به هو. وأيضًا إنما وضعنا التالي لبيان كيف أنه صاحب هوى وزيغ، يصحح ما يروق له ويخطيء ما لا يروق له، فصار ذوقه حكما على الحقيقة، فظهر من هذا كيف أنه يكيل بأكثر من مكيال.

 

الوضوء الإسلامي، هل يؤدي إلى النظافة فعلاً؟

قال أحمد سبيع في بداية الفيديو ما نصه:

فالإسلام اهتم جدا بنظافة الإنسان وجعل الوضوء شرط لصحة الصلاة، لا تصح الصلاة بدون تنظيف الجسد بالوضوء، وهكذا ستجد نصوص الإسلام مجمعة على أهمية النظافة، وجعلت النظافة عبادة لله، فالجسد غير النظيف يكون عرضة للجراثيم والأمراض المعدية أكثر بكثير من الجسد النظيف.

فكما قرأنا، فأحمد سبيع قد ربط بين الوضوء من ناحية وبين النظافة من ناحية أخرى. وسوف نثبت بالدليل القاطع خلاف ذلك. وفي النقاط القادمة سيكون هذا تركيزنا الذي دعانا إليه أحمد، ألا وهو: النظر في العلاقة بين النظافة والممارسات التي يقبلها أحمد كمعيار للنظافة، غير ناظرين لغير ذلك من أمور سنجدها في خضم بحثنا.

 

التعليق:

 

ما هو الوضوء؟ وكيف يكون؟ يمكنكم مشاهدة هذه الفيديوهات لمعرفة كيفية الوضوء، والقصد هنا هو مراقبة أماكن وصول الماء إلى أجزاء الجسم، إلى أي الأجزاء سيصل الماء وإلى أيها لن يصل أبدًا؟

https://www.youtube.com/watch?v=ryY2syEVKe8

https://www.youtube.com/watch?v=wP32W46GWwA

https://www.youtube.com/watch?v=dP7cr1JTdok

 

أولا: بعدما شاهدتم هذه الفيديوهات التي تبين تفصيلا كيف يكون الوضوء، هل لاحظتم الأماكن التي لا يصل إليها الماء أبدًا؟ هل يصل الماء إلى منطقة الرقبة (الزور) أي بداية الصدر من الأعلى؟ الإجابة لا، هل يصل الماء إلى الإبطين؟ الإجابة لا، هل يصل الماء إلى الفخذ؟ الإجابة: لا، هل يصل الماء إلى الصدر أو الظهر؟ الإجابة لا، هل يصل الماء إلى المؤخرة؟ الإجابة لا، هل يصل الماء إلى محل الفرج (العضو الذكري أو الأنثوي)؟ الإجابة لا. فما الذي تم تنظيفه إذن في هذا الطقس؟ تقريبًا، لا شيء. هذه الأماكن التي لم يصل إليها الماء معروفة عند كل إنسان أنها أكثر الأماكن التي تتعرق (مع الجبهة) والعرق هذا ينتج عنه أمراض إذا تُرك. فجل المناطق المتحركة التي تحتك بعضها ببعض مثل منطقة الإبطين والفخذين والمؤخرة تتعرق كثيرا، وبالأخص في البلاد الحارة مثل بلادنا، فهل زالت هذه الأوساخ بهذا الشكل من الوضوء؟ بالطبع لا، وهل زالت رائحة العرق والملابس المتعرقة؟ بالطبع لا. إذن فما العلاقة بين الوضوء والنظافة التي يتكلم عنها أحمد؟ لنضرب مثالاً، لنفترض أن انسانا مسلما يعمل في أعمال البناء (بَنَّى) أو يعمل في جمع القمامة وفرزها وتصنيفها، وحان وقت الصلاة وهو يعمل، فقام مسرعًا وتوضأ، فهل أزال هذا الشخص عرق جسده؟ هل أزال رائحته؟ هل يكفي لغسل يديه ورجليه ورأسه وذقنه تمرير هذا القليل من الماء لتنظيف كل هذه المناطق؟ فكم بالأحرى المناطق التي لم تلمسها المياه مطلقًا! ثم يدعونا أحمد بالاقتضاء به للنظافة!

ثانيًا: هل الوضوء بغرض النظافة أم أنه طقس؟ لقد ربط أحمد بين الوضوء والطهارة، بإعتبار أن الطهارة هنا هي النظافة، فماذا لو لم يجد الإنسان ماء وأراد أن يصلي؟ فإن كان الوضوء بالماء للنظافة الجسدية، فسوف يكون البديل هو أيضا للنظافة الجسدية في حال عدم وجود ماء، لكن المفاجئة التي لربما لا يعرفها أغلب المسيحين، أنه لدى الإخوة المسلمين شيء أسمه التيمم، وهو عبارة عن استخدام التراب بترتيب معين لجواز الصلاة بعده، فهل في استخدام التراب على الوجة أي نوع من أنواع النظافة؟ هل يكون الإنسان نظيفا عندما يضع التراب على وجهه أم أنه يستخدم الماء ليزيل الأتربة وغيرها على وجهه؟ لنعرف أولا كيفية التيمم:

https://youtu.be/TodMQFcq-4U?t=173

https://www.youtube.com/watch?v=9ubHzWIJYkQ

https://www.youtube.com/watch?v=B0vii9W1-W0

https://www.youtube.com/watch?v=5psXVs-KZ3o

وهنا نسأل، كيف لمن أراد النظافة أن يضع يده في التراب وهو الذي يعتبره الإنسان وسخًا ويغسل يديه منه؟ وكيف يكون وضع اليدين في التراب ثم مسح الوجه كاملاً بالتراب لهو من النظافة؟ هل إذا جاءت الأتربة على وجة الإنسان، فيكون قد إتسخ أم تنظف؟ فالأتربة يمكن ان يكون بها بعض الحشرات الدقيقة المؤذية جدًا، فكيف يكون التراب نظافة؟

 

مرة أخرى أذكر أني لا أتكلم في القصد الشرعي من التيمم ولا أنه بديلا عن الوضوء متى تعذر إستخدام الماء، لكني هنا أنقض المبدأ الذي يستخدمه أحمد سبيع في الربط بين النظافة من ناحية، والوضوء او التيمم من ناحية، فقد رأينا أن الوضوء لا يجعل الإنسان نظيف البدن أو الرائحة، ورأينا ان التيمم بالتراب يعتبره الإنسان في الظروف العادية إتساخًا ويغسل نفسه منه ليكون نظيفًا، فكيف يقول احمد سبيع هذا الكلام الخاطيء؟

 رائحة الفم في وقت صيام رمضان

ربما يعرف كل من تحدث مع شخص صائم في رمضان أن رائحة فمه تكون كريهة، ولذلك سبب علمي معروف، فلماذا تكون رائحة فم أحمد سبيع في رمضان رائحة كريهة؟ السبب ببساطة لأنه يصوم كما أمره دينه، ويعرف أن رائحة فمه تكون سيئة جدًا، ومع ذلك يستمر ف صومه، وأنا هنا لا أدعوه لعدم الصيام، بل أني أوجه نظره لما أراد هو عدم الحديث فيه تبعا للهوى والكيل بمكيالين. فأحمد إن سألته عن رائحة فمه، فسيقول لك أن هذا شيء طبيعي في نهار رمضان وهو صيام مفروض علينا كمسلمين ولا يحق لنا عدم الصيام إلا بعذر شرعي، وهذا صحيح، لكن بيت القصيد هنا أن هذا الصيام الذي فرضه عليه دينه هو السبب في أن رائحة فمه تكون كريهة. فهنا يمكن ببساطة أن يقول شخص له تبعا لمنهج احمد في الحكم “إن دينك هو السبب في رائحة فمك الكريهة، فهل تتقرب لله برائحة فمك الكريهة؟ أين الطهور شطر الإيمان، وأين النظافة من الإيمان”؟ وسيرد أحمد أن الله هو من فرض عليه هذا، وهذا هو المطلوب إثباته، أن أحمد يسير خلف أوامر دينه حتى إن أدت إلى نتائج ينتقضها هو بنفسه في الآخرين، لكن يقبلها عنده برحابة صدر بلا مشكلة لأنه دينه! فلماذا يلوم الآخرين حتى إن كان دينهم يأمرهم -جدلا- بعدم النظافة (قد أثبتنا خطأ ذلك سابقًا)؟ فطالما أن لأحمد الحق في إتباع دينه الذي يكون من ضمن نتائجه أن تكون رائحة فمه كريهة، ولا يكف عن الصيام إن قال له أحد إن رائحة فمك كريهة، فلماذا يلوم غيره على اتباع تعاليم دينهم -جدلا-؟ إنه الهوى والزيغ. وكما قال الرب يسوع المسيح: 

متَّى 7: 5

1 «لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا، 2 لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ. 3 وَلِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟ 4 أَمْ كَيْفَ تَقُولُ لأَخِيكَ: دَعْني أُخْرِجِ الْقَذَى مِنْ عَيْنِكَ، وَهَا الْخَشَبَةُ فِي عَيْنِكَ؟ 5 يَا مُرَائِي، أَخْرِجْ أَوَّلًا الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ!

 

اللحية

إن أحمد سبيع لهو شخص ملتحي، وقد ظهر بلحيته هذه في هذا الفيديو الذي يتكلم فيه عن “النظافة”، فهو يتكلم عن النظافة وهو ملتح. قد يكون كلامي غامضًا، فما العلاقة بين النظافة واللحية التي يطلقها أحمد سبيع؟ العلاقة -وهنا المفاجئة- أن اللحية تساعد على وجود بعض البكتريا التي تتواجد بكثرة فيها. وقبل أن نعلق، دعوني أثبت لكم أولا كلامي. ففي دراسة علمية نُشرت في دورية European Radiology على لحية 18 رجل وفروة 30 كلب، وكانت الدراسة تهدف أصلاً إلى معرفة هل من الآمن اصطحاب كلبًا معك قبل الدخول إلى جهاز الرنين المغناطيسي لفحصك؟ فقد وجدت الدراسة أن لحية الرجال تحتوي على بكتريا أكثر من تلك الموجودة في فراء الكلاب! وهذه هي النتيجة الرسمية:

Our study shows a significantly higher bacterial load in specimens taken from men’s beards compared with dogs’ fur (p = 0.036). All of the men (18/18) showed high microbial counts, whereas only 23/30 dogs had high microbial counts and 7 dogs moderate microbial counts. Furthermore, human-pathogenic microorganisms were more frequently found in human beards (7/18) than in dog fur (4/30), although this difference did not reach statistical significance (p = 0.074). More microbes were found in human oral cavities than in dog oral cavities (p < 0.001). After MRI of dogs, routine scanner disinfection was undertaken and the CFU found in specimens isolated from the MRI scanning table and receiver coils showed significantly lower bacteria count compared with “human” MRI scanners (p < 0.05).[2]

للمزيد برجاء مراجعة الروابط:

http://www.bbc.com/arabic/media-48051406

https://p.dw.com/p/3HOlj

https://www.hespress.com/varieties/430128.html

https://ar.rt.com/lq5v

 

 وفي دراسة أخرى، وُجدَ أن اللحية بها بعض البكتريا التي تتواجد في الأمعاء والبراز![3] وأنا هنا لا أعيب على أحمد اللحية، فهو حر أن يتركها أو يطلقها، لكن العيب كله أن يخرج ويربط بين النظافة والدين حصرًا (لأن أحمد يطلق لحيته لأن هذه سُنة عن نبي الإسلام) ويكون في الوقت نفسه يربي لحيته التي بها البكتريا أكثر من تلك الموجودة في فراء الكلاب والموجودة في البراز والامعاء.

وهنا ربما يقول قائل أن الأنبياء والمسيح والكهنة والقساوسة والرهبان يربون لحاهم، فنرد عليهم ونقول أننا هنا لسنا ضد اللحية، بل ضد ربطها كسُنة بالنظافة، فلا الأنبياء ولا المسيح ولا الكهنة ولا القساوسة أو الرهبان ربطوا بين اللحية والنظافة ودعونا لإطلاقها لزيادة النظافة!

 

وفي نهاية هذا الجزء، نهدي لأحمد سبيع هذا الفيديو ليعرف من هم أصحاب الرائحة غير الجيدة من فم الشيخ خالد الجندي نفسه:

https://www.youtube.com/watch?v=W8NfpC0O7wk

 

فإن كان الشيخ خالد الجندي يشهد بذلك بنفسه عند المسلمين، فلماذا يدعونا أحمد بما عنده؟

 

من هنا، سنبدأ في عرض الأحاديث الصحيحة الصريحة التي يعتمد عليها أحمد سبيع في دينه، ولا نريد من عرض هذه الأحاديث إلا أن نبين لأحمد ما هو مقياس النظافة التي يدعونا لها والذي وفقا لهذا المقياس يقول إن رائحة المسيحيين كريهة. فسنعرض العديد من الأحاديث وسنعلق بتعليق قصير بعد كل منها إما لإيضاح الغرض من الاستشهاد به أو لإيضاح بعض الألفاظ الواردة فيها.

 

الصلاة في مكان التبول

174 – وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَتْ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. (البخاري)

 

التعليق:

استشهدنا بهذا الحديث فقط لأن أحمد سبيع أتى بفيديو لراهب يقول إن المقص فانوس كان يسجد على سطح قلايته وسط الفضلات، فأتينا له بهذا الحديث لنثبت له أن نبي الإسلام نفسه ومعه الصحابة كانوا يصلون صلوات كاملة في المسجد بينما كانت الكلاب تبول في هذا المسجد، ولم يكن أي من الصحابة يرشون هذا البول! فمن أعظم، أهو نبي الإسلام والصحابة عند أحمد سبيع أم القمص فانوس عند المسيحيين؟ بالطبع نبي الإسلام أعظم عند المسلمين، فهو نبي ورسول وآخر الأنبياء والرسل والشفيع وخير خلق الله ..إلخ. فإن كان خير خلق الله يصلي مع صحابته صلوات كاملة في مسجد كانت الكلاب تبول فيه، فلماذا يستنكر أحمد على مجرد راهب أن يسجد (فقط) في مكان به فضلات ويسمي هذا “قرف” ولا يسمي ذلك قرفًا؟ ألانه يؤمن بهذا فقط؟ هل رأيتم كيف أنه صاحب هوى وليس بصاحب حق؟

 

النوم في مكان التبول

14014 – وَعَنْ حَكِيمَةَ بِنْتِ أُمَيْمَةَ، عَنْ أُمِّهَا قَالَتْ: «كَانَ لِلنَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَدَحٌ مِنْ عِيدَانٍ يَبُولُ فِيهِ وَيَضَعُهُ تَحْتَ سَرِيرِهِ، فَقَامَ فَطَلَبَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَسَأَلَ فَقَالَ: ” أَيْنَ الْقَدَحُ؟ “. قَالُوا: شَرِبَتْهُ بَرَّةُ – خَادِمُ أُمِّ سَلَمَةَ الَّتِي قَدِمَتْ مَعَهَا مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ – فَقَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” لَقَدِ احْتَظَرْتِ مِنَ النَّارِ بِحِظَارٍ».

رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ غَيْرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَحَكِيمَةَ وَكِلَاهُمَا ثِقَةٌ.[4]

 

وأخرج الطبراني والبيهقي بسند صحيح عن حكيمة بنت أميمة عن أمها قالت كان للنبي {صلى الله عليه وسلم} قدح من عيدان يبول فيه ويضعه تحت سريره فقام فطلبه فلم يجده فسأل عنه فقال أين القدح قالوا شربته برة خادم أم سلمة التي قدمت معها من أرض الحبشة فقال النبي {صلى الله عليه وسلم} لقد احتظرت من النار بحظار.[5]

 

1426 – حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الصُّوفِيُّ، بِبَغْدَادَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي حُكَيْمَةُ بِنْتُ أُمَيْمَةَ، عَنْ أُمِّهَا أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبُولُ فِي قَدَحٍ مِنْ عِيدَانٍ، ثُمَّ يُوضَعُ تَحْتَ سَرِيرِهِ».

رقم طبعة با وزير = (1423)

[تعليق الألباني] حسن صحيح – «صحيح أبي داود» (16).

 

19 – عن حُكَيمة بنت أُميمة بنت رُقيقة عن أمها أنها قالت: كان للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدح من عَيْدان تحت سريره، يبول فيه بالليل. (قلت: حديث صحيح، وقال الحاكم: “صحيح الإسناد”، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان).[6]

 

4832 – «كان له قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه بالليل». (صحيح) [د ن ك] عن أميمة بنت رقيقة. المشكاة 362: صحيح أبي داود 19: ن – عائشة.[7]

 

32 – أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَزَّانُ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَتْنِي حُكَيْمَةُ بِنْتُ أُمَيْمَةَ، عَنْ أُمِّهَا أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ قَالَتْ: «كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَحٌ مِنْ عَيْدَانٍ يَبُولُ فِيهِ، وَيَضَعُهُ تَحْتَ السَّرِيرِ» [حكم الألباني] حسن صحيح[8]

 

التعليق:

تعليقي هنا كسابقه، فقد استشهدتُ بهذه الروايات الصحيحة الكثيرة التي تقول إن رسول الإسلام كان ينام في مكان فيه قدح (إناء) يبول فيه وموجود أسفل سريره، أي أنه ينام على سرير كان تحته هذا الإناء وبه البول الذي يبوله فيه، وجميعنا يعلم رائحة البول السيئة جدًا.

فأحمد سبيع قد استشهد براهب يحكي عن القمص فانوس أنه كان يسجد في مكان فيه فضلاته وقال عن هذا الكلام أنه مقذذ ومقرف، فماذا يقول إن كان هذا القمص ينام في قلايته وتحت سريره إناء يبول فيه ثم ينام أعلاه ورائحة البول يشمها طوال الليل؟ فكان سيقول كيف ينام هذا الراهب في مكان أشبه بالمراحيض (الحمَّامات) وأن هذه علامة على عدم نظافة ليس الراهب فقط، وليس كل الرهبان فقط وليس طائفة هذا الراهب فقط، بل كل المسيحيين!

هكذا بكل بساطة، فهل يستطيع أن يستنكر هذا الفعل الذي قام به رسول الإسلام ويقول عنه ذات الكلام بل يعمم كلامه على كل المسلمين مثلما عمم كلامه على كل المسيحيين؟ فصدقوني إن فعل هذا، ولا يجرؤ أن يفعل، فستكون فعلته هذه منطقية أكثر، لأن القمص فانوس ليس نبيًا ولا طلب من أحد اتباع سنته ولا هو قائد للمسيحيين …إلخ، لكن على العكس، فأحمد سبيع يؤمن أن كل فعل أو قول صادر عن رسول الإسلام لهو من السنة الفعلية أو القولية، والتي إن فعلها يؤجر عليها حسنات في الآخرة.

ولكي تعرف عزيزي القارئ كيف أن أحمد سبيع يكيل بمكيالين، فتخيل معي ان أحد المسيحيين جاء بهذه الروايات ليقول لأحمد كيف لنبيكم ان ينام وأسفل منه إناء فيه بول، فهل يسوغ عقلا أن يرد عليه سبيع ويقول له، إن الراهب فانوس كان يسجد وسط الفضلات؟ فالمسيحي هنا يستطيع بكل سهولة أن يقول له أن الراهب فانوس أفعاله له وعليه هو وحده، وليس سيد الخلق وإمام النبيين وسيد المرسلين، وليست أفعاله بحجة على المسيحيين، بينما رسول الإسلام له كل هذه الصفات وأكثر بكثير! فما وجه المقارنة؟

 

 

الصحابة يشربون ماء الوضوء بعد الوضوء

189 – حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ وَهُوَ الَّذِي مَجَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَجْهِهِ وَهُوَ غُلَامٌ مِنْ بِئْرِهِمْ وَقَالَ عُرْوَةُ عَنْ الْمِسْوَرِ وَغَيْرِهِ يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ وَإِذَا تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ.

 

190 – حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ قَالَ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ الْجَعْدِ قَالَ سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ. (صحيح البخاري)

 

التعليق:

تعرفنا سابقا على الوضوء وكيفيته، ورأينا أنه ماء يغسل فيه الإنسان كفيه ويديه وقدميه ووجهه جزء من رأسه، ويمضمض فيه ويدخل الماء في أنفه ويخرجه مرة أخرى. جيد؟ ما رأيكم في هذا الماء الآن؟ أهو نظيف أم غير نظيف؟

إن كنت مسلما ستقول أنه ماء نظيف لأن من توضأ به هو رسول الله، وهذه إجابة عاطفية إيمانية فقط، أما إن كنت غير مسلم فستقول أن الماء غير نظيف بالطبع لأنه فائدته أصلا -حسب أحمد سبيع- هي التنظيف، فبعد التنظيف يكون الإنسان نظيفا (كما يعتقد أحمد)، ويتسخ الماء. فهنا في الرواية تقول إن هذا الماء هو ماء قد توضأ به رسول الإسلام ومج (لفظ) الماء فيه، وشربه السائب بن يزيد، بل كان الصحابة يتسابقون لكي يشربوه! فهل هذه هي النظافة التي تدعونا إليها يا أحمد؟!

ربما يقول أحمد أن هذا الفعل خاص برسول الله فقط وأنه طاهر وان وضوئه طاهر ..إلخ، وهنا نجد أن أحمد قد خالف الشيء المنطقي المعروف عن كل البشر لكون هذا الفعل فعله إنسان يُجله ويكرمه أحمد لأنه نبي ورسول. فنرد عليه ونقول إذن، نفس الشيء عند غيرك، فعندما يؤمن غيرك ان هناك شخص قديس لله ومكانته عند الله عالية جدا وان له معجزات تظهر قيمته عند الله، فهو يفهم هذه الأفعال بنفس الطريقة التي تفهم بها أنت أفعال سيد ولد آدم وخاتم الأنبياء والمرسلين، كما تعتقد عندك.

 

الصحابة يتلقفون النخامة ويدلكون بها وجوهم وجلودهم

2732- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ قَالَا …. وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ السَّيْفُ وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ فَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ وَقَالَ لَهُ أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ فَقَالَ مَنْ هَذَا قَالُوا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَقَالَ أَيْ غُدَرُ أَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ وَكَانَ الْمُغِيرَةُ صَحِبَ قَوْمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَيْنَيْهِ قَالَ فَوَاللَّهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَيْ قَوْمِ وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَمَّدًا وَاللَّهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ ….[9]

 

التعليق:

كلمة “نخامة” تعني البلغم، الذي يخرجه الإنسان من حلقه. ونجد هنا الرواية لا تتكلم فقط عن شرب ماء الوضوء الذي ينظف الإنسان به جسده (كما يعتقد احمد)، فيصبح الماء متسخًا جدًا، بل تقول الرواية أنه في كل مرة تنخم (أخرج البلغم) رسول الإسلام إلا وقد جاء أحد الصحابة واستلمها على يده، أي أخذ هذه النخامة، البلغم، على يده. وليس هذا فحسب، بل أن الرواية تقول أن من كان يمسكها بيده كان يدلك (يدهن) بها وجهه وجلده. أريدكم أن تتخيلوا معي هذا الذي تحكيه الرواية! الرواية تقول أنه في كل مرة أخرج النبي محمد هذا البلغم إلا وقد استقبل أحد الصحابة هذا البلغم على يده ووضعه على وجهه وجسده!

وهنا سيقول لنا أحمد سبيع أن هذه بركة لأنها نخامة النبي …إلخ، وليست هذه قضيتي الآن، فلتؤمن بما تريد. فقضيتي أن ما تعتبره أنت “بركة” قد يعتبره غيرك “قرفًا” ويشمئز منه جدًا. تماما، كما تعتبر أنت أفعال غيرك “قرفًا” ويعتبرها غيرك “بركة”، فأنت تضع إيمانك هو الحكم، فتقبل به هذه الأفعال بين رسول الإسلام وصحابته بصدر رحب جدا وتتبسم وتقول في نفسك “اللهم صلي وسلم وبارك عليك يا رسول الله” بناء على عاطفة إيمانية فقط! فلماذا تلوم على غيرك إن إعتقد أن عدم إستحمام راهب أو سجود راهب ليس لهما أي صفة تشريعية على بقية المسيحيين، لهو من القذارة والعفن؟!! لماذا تناقض نفسك وتكيل بمكيالين؟ قم بتوحيد المعيار الذي تقيس عليه القذارة والنظافة، وقس به الأفعال وأسمها بالأسماء الحقيقية.

ونسأل هنا السؤال المباشر: هل هذا الفعل الذي فعله الصحابة، لهو من أفعال النظافة أم عدمها؟

 

البصاق في العجين ثم طبخه وأكله

4102 – حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمَصًا شَدِيدًا فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرَأَتِي فَقُلْتُ هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمَصًا شَدِيدًا فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ فَذَبَحْتُهَا وَطَحَنَتْ الشَّعِيرَ فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي وَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَنْ مَعَهُ فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا وَطَحَنَّا صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا فَتَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ فَصَاحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ سُورًا فَحَيَّ هَلًا بِهَلّكُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ فَجِئْتُ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْدُمُ النَّاسَ حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي فَقَالَتْ بِكَ وَبِكَ فَقُلْتُ قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ فَأَخْرَجَتْ لَهُ عَجِينًا فَبَصَقَ فِيهِ وَبَارَكَ ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ وَبَارَكَ ثُمَّ قَالَ ادْعُ خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعِي وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ وَلَا تُنْزِلُوهَا وَهُمْ أَلْفٌ فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ أَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ. (صحيح البخاري)

 

التعليق:

يقول هذا الحديث باختصار، أن امرأة قدمت للنبي عجين، فماذا فعل النبي؟ بثق فيه وأعطاها لتخبزه، فخبزته وأكلته. وليس لي تعليق على هذه الرواية سوى أني أطلب من كل قارئ أن يتخيل أنه يقرأ هذه الرواية عند المسيحيين عن شخص مسيحي! فماذا سيقول عن هذا الفعل؟ أهو فعل نظيف أم غير نظيف؟!! أحمد سبيع ينتقد النظافة عند المسيحيين ويقبل تلك الروايات بكل رحابة صدر!

 

دعوة الصحابة لشرب ماء الوضوء بعد الوضوء وصبه على وجوههم وأجسامهم

4328 – حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجِعْرَانَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمَعَهُ بِلَالٌ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ أَلَا تُنْجِزُ لِي مَا وَعَدْتَنِي فَقَالَ لَهُ أَبْشِرْ فَقَالَ قَدْ أَكْثَرْتَ عَلَيَّ مِنْ أَبْشِرْ فَأَقْبَلَ عَلَى أَبِي مُوسَى وَبِلَالٍ كَهَيْئَةِ الْغَضْبَانِ فَقَالَ رَدَّ الْبُشْرَى فَاقْبَلَا أَنْتُمَا قَالَا قَبِلْنَا ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ وَمَجَّ فِيهِ ثُمَّ قَالَ اشْرَبَا مِنْهُ وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا وَأَبْشِرَا فَأَخَذَا الْقَدَحَ فَفَعَلَا فَنَادَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ أَنْ أَفْضِلَا لِأُمِّكُمَا فَأَفْضَلَا لَهَا مِنْهُ طَائِفَةً.

 

التعليق:

هذه الرواية قريبة مما قرأناه سابقًا، لكن المختلف هنا أن نبي الإسلام بعدما غسل يديه ووجهه وأخرج الماء من فمه في هذا القدح، قال هو بنفسه لأبي موسى وبلال أن يشربها من هذا الماء الذي غسل فيه يديه ووجهه ومج فيه، وأن يضعوا هذا الماء على وجوههم ونحورهم! والسؤال هنا هو سابقه: تخيل أنك تقرأ أن كاهن أو راهب فعل هذا الفعل، فماذا ستقول عنه وعن فعلته هذه إن كنت غير مسيحي؟

 

مجامعة 9 أو 11 امرأة بغُسلٍ واحد[10]

28 – (309) وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا مِسْكِينٌ يَعْنِي ابْنَ بُكَيْرٍ الْحَذَّاءَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ» (صحيح مسلم)

 

268 – حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ قَالَ قُلْتُ لِأَنَسٍ أَوَكَانَ يُطِيقُهُ قَالَ كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ إِنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ تِسْعُ نِسْوَةٍ. (صحيح البخاري)

 

التعليق:

الكثير ممن تناولوا هذا الحديث، حتى من علماء المسلمين علقوا على أن النبي قد أعطاه الله قوة جسدية تعادل 30 رجل، ورأى غير المسلمين من وجهة نظر أخرى وهي عن عدم الزهد في الدنيا وخلافه. وأنا هنا لا يهمني هؤلاء أو هؤلاء أو ما قالوه. فقط أريد التركيز على أنه جامع زوجاته كلهم بغسل واحد! والغسل المقصود به هنا هو استخدام الماء بعد عملية الجماع الجنسي بين الرجل وزوجته. فالروايات هنا تقول إنه جامع كل زوجاته في ليلة (أو ساعة) واحدة، دون أن يغتسل ولا مرة واحدة بين الزوجة والأخرى.

ولا يخفى على جميعكم الأمراض الجنسية المنقولة حتى بين الزوجين الفردين، فكم وكم بالأمراض المنقولة بين كل هذا العدد من النساء مع رجل واحد في ليلة واحدة بدون حتى غُسل واحد؟ المشكلة أن أحمد سبيع يرى كل هذا ولا يستطيع أن ينطق ببنت شفه! بل يرى أن هذا كله لا مشكلة فيه، بل هو قمة الطهور والنظافة التي من الإيمان.

لكنه يستنكر على رجل عاش حياته في الصحراء الجرداء وحده بأقل الماء والغذاء، وبعيدا عن البشر لفترات طويلة جدا، ألا يستحم! يعترض على عدم الاستحمام ولا يعترض على عدم الغسل ولو لمرة واحدة بين كل هذا العدد من النساء الذي بلغ 11 امرأة!! صدقوني إنها مشكلة الكيل بالمكاييل!

ونسأل هنا السؤال المباشر: هل مجامعة الرجل لزوجاته الأربعة لهو من أفعال النظافة؟

 

الصلاة بعد أكل الشاة وعدم غسل اليد

(355) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفٍ يَأْكُلُ مِنْهَا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» (صحيح مسلم)

 

(354) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ح، وَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَلَ عَرْقًا، أَوْ لَحْمًا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً»

 

التعليق:

السؤال المباشر هنا: هل الحياة في صحراء شبه الجزيرة العربية في هذا الوقت من التاريخ، والأكل من اللحم أو العرق باليد، حيث لا ملعقة أو شوكة للأكل كالتي نستخدمها الآن، ثم بعدها الذهاب للصلاة دون أن يغسل الإنسان يده بالماء، من النظافة؟ أترك لحضراتكم الإجابة الصادقة، فقد عرفنا ان أحمد سبيع يكيل بمكيالين تبعًا للهوى!

ونسأل هنا السؤال المباشر: هل عدم غسل اليد بعد الأكل لهو من أفعال النظافة؟

 

الأكل بعد التبرز وعدم غسل اليد

(374) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ حُوَيْرِثٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: «إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى حَاجَتَهُ مِنَ الْخَلَاءِ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامٌ فَأَكَلَ وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً»، قَالَ: وَزَادَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ لَمْ تَوَضَّأْ؟ قَالَ: «مَا أَرَدْتُ صَلَاةً فَأَتَوَضَّأَ» وَزَعَمَ عَمْرٌو، أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ (صحيح مسلم)

 

2016 – حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ” أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبَرَّزَ، فَطَعِمَ وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً[11] (مسند أحمد وتعليق شعيب الأرنؤوط)

 

1932 – حدثنا سفيان/ عن عمرو عن سعيد بن الحُوَيْرث سمع ابن عباس يقولِ: كنا عند النبي – صلى الله عليه وسلم – فأتى الغائطَ، ثم خرج فدعا بالطعام، وقال مرةً: فأُتى بالطعام، فقيل: يا رسول الله، ألا توضَّأُ؟ قال: “لم أُصَلِّ فأتَوضَّأَ“. (مسند أحمد، تعليق أحمد شاكر)[12]

 

2016 – حدثنا يحيى عن ابن جُريِج قال: حدِثني سعيد بن الحُوَيِرْث عن ابن عباس: أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تَبرَّز فَطعِمَ ولم يمسَّ ماءً. (مسند أحمد، تعليق أحمد شاكر)[13]

 

رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَجَاءَ مِنْ الْغَائِطِ وَأُتِيَ بِطَعَامٍ فَقِيلَ: أَلَا تَتَوَضَّأُ فَقَالَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ -: لَمْ أُصَلِّ فَأَتَوَضَّأَ»[14]

 

التعليق:

تعليقي هنا لن يكن تعليقي الخاص، بل تعليق الصحابة أنفسهم! الرواية تقول أن النبي ذهب ليقضي حاجته، أي كما تقول رواية أخرى أنه ذهب ليتبرز، ثم جاء، فتم تقديم الطعام له، فإستنكر الصحابة أنفسهم هذا الفعل، وسألوه سؤالا استنكاريا وقالوا: ألا توضأ؟ أي: ألن تتوضأ؟!، فماذا كان رد النبي؟ قال لهم أنه لن يصلي لكي يتوضأ! أي أنه يقول لهم، ولماذا أتوضأ وأنا لن أصلي؟!

فالصحابة استنكروا أنه سيأكل بيده وهو للتو عائد من قضاء الحاجة ولم يمس ماء! فسألوه لعله نسى، فأكل وقال لهم أنه لن يتوضأ لأنه لن يصلي! فواضح من هذه الرواية أن الصحابة أنفسهم كانوا ينبهونه أن يغسل يده. ولكنه أكل ولم يمس ماء!

السؤال المحوري هنا: هل لو فعل أحد القادة المسيحيين هذا الفعل، ماذا سيقول أحمد سبيع لنا؟!

ويحضرني هنا كلام اليهود أنفسهم، الذي ادعى أحمد سبيع أنه مثلهم، فلنقارن بين ما قالوه وبين هذه الأحاديث أعلاه:

مرقس 7: 2-5

2 ولما رأوا بعضا من تلاميذه يأكلون خبزا بايد دنسة اي غير مغسولة لاموا. 3 لان الفريسيين وكل اليهود ان لم يغسلوا ايديهم باعتناء لا يأكلون. متمسكين بتقليد الشيوخ. 4 ومن السوق ان لم يغتسلوا لا يأكلون. واشياء اخرى كثيرة تسلموها للتمسك بها من غسل كؤوس واباريق وآنية نحاس واسرّة. 5 ثم سأله الفريسيون والكتبة لماذا لا يسلك تلاميذك حسب تقليد الشيوخ بل يأكلون خبزا بأيد غير مغسولة.

فنجد هنا أن هؤلاء اليهود المغضوب عليهم والأنجاس وأحفاد القردة والخنازير، يغسلون أيديهم عند الأكل بإعتناء، ويغسلون الأطعمة التي أتت من الأسواق ويغسلون الكؤوس والأباريق وأواني النحاس، في حين أن النظافة الاسلامية في قِمتها بحسب احمد سبيع تعني الأكل بعد التبرز دون مس الماء حتى! 

ونسأل هنا السؤال المباشر: هل التبرز وعدم غسل اليد ثم الأكل بها، لهو من أفعال النظافة؟

 

الوضوء بماء بئر يُطرح فيها الحيض ولحم الكلاب والنتن

59 – عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خَديج عن أبي سعيد الخدري:

أنه قيل لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: أنتوضأ من بئر بُضاعة؟ وهي بئر يُطرح فيها الحِيَض ولحم الكلاب والنَّتْن؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: “الماء طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ”.

قال أبو داود: “وقال بعضهم: عبد الرحمن بن رافع”. (قلت: حديث صحيح، وكذا قال النووي، وقال الترمذي: “حسن”، وصححه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين)[15].

 

60 – عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري ثمّ العدوي عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وهو يقال له: إنه يُستقى لك من بئر بُضاعة، وهي بئر يلقى فيها لحوم الكلاب والمحايض وعَذِر الناس؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: “إن الماء طهور لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ”. (قلت: حديث صحيح)[16].

 

326 – أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَتَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ بِئْرٌ يُطْرَحُ فِيهَا لُحُومُ الْكِلَابِ وَالْحِيَضُ وَالنَّتَنُ؟ فَقَالَ: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» [حكم الألباني] صحيح[17]

 

327 – أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ – وَكَانَ مِنَ الْعَابِدِينَ – عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي نَوْفٍ، عَنْ سَلِيطٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَرَرْتُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ فَقُلْتُ: أَتَتَوَضَّأُ مِنْهَا وَهِيَ يُطْرَحُ فِيهَا مَا يُكْرَهُ مِنَ النَّتَنِ؟ فَقَالَ: «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» [حكم الألباني] صحيح[18]

 

التعليق:

كما أسلفنا، فأحمد سبيع يربط بين الوضوء والنظافة، وهذه الروايات ترد على هذا الزعم تمامًا، فالصحابة قد استنكروا استخدام ماء البئر الذي ترمي فيه الناس لحوم الكلاب الميتة، والحيض، والنتن، فسألوه، فقال لهم أن الماء طهور لا ينجسه شيء! وأني لأسأل، كيف لماء بئر معروفة بين الناس أن بها كل هذه القذارات أن تكون ماء نظيفة؟!! لا تعليق!

 

حك النخامة باليد، والدعوة للبصاق في المسجد أو على الملابس وفركها

405 – حدثنا قتيبة، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في القبلة، فشق ذلك عليه حتى رئي في وجهه، فقام فحكه بيده، فقال: «إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه، أو إن ربه بينه وبين القبلة، فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدميه» ثم أخذ طرف ردائه، فبصق فيه ثم رد بعضه على بعض، فقال: «أو يفعل هكذا» (البخاري)

 

التعليق:

هذا الحديث غريب جدًا، ويضرب كل ما قاله أحمد سبيع عن نظافة الملبس في مقتل! فالرواية تقول أن النبي وهو داخل المسجد رأى نخامة (أي: بلغم) في القبلة، أي حيثما يوجِّه المصلون وجوههم ويصلون ناظرين إليها. فماذا فعل؟ ذهب إليها وأزالها بيده! وإلى هنا يمكن أن يقبل أي إنسان هذا الفعل، فالنبي لا يريد بيت الله أن يتسخ بهذه الأفعال. لكن ما لا يقبله أي إنسان، أن يقوم النبي بتعليم الصحابة أنفسهم ألا يبصقوا أمامهم لأن الله يكون بينهم وبين القبلة! وأن يبصقوا في المسجد عن يسارهم، أو تحت أرجلهم!

 

والسؤال هنا لأحمد، هل من سمات ومظاهر النظافة التي تؤمن بها وتدعونا إليها، أن يبصق الإنسان في المسجد وهو يصلي ويسجد برأسه على هذا البصاق؟ فأحمد استنكر على القمص فانوس أنه كان يسجد وسط الفضلات، ورغم ان القمص فانوس عندنا ليس بمثابة نبي الإسلام عند أحمد، إلا أن أحمد يعيب على القمص فانون فعلته هذه ويسميها قذارة وقرفا، ويسمي هذا الفعل في المسجد في وقت الصلاة نظافة وطهارة!!

 

الرواية لا تقف عند هذا الحد! بل تكمل فتقول أن النبي أعطاهم خيارا آخرا غير البصاق عن اليسار او اسفل أقدامهم، فماذا هو؟ هل قال لهم مثلا أن من أراد البصق فليخرج خارج المسجد ويبصق في الخلاء على التراب مثلا؟! لا، بل قال لهم أن من يريد البصاق، فليبصق على ثوبه ويدهس هذا البصاق بالثوب نفسه، كما يسميها المصريون بالعامية المصرية (دعك الهدوم) أو باللغة العربية “الفَرك”، وقام النبي بشرح هذا عمليا امامهم حيث بثق أمامهم على ثيابه وفركه!

وللتعليق على هذا، أقول: لا تعليق!

 

 

في النهاية أؤكد أن مسألة النظافة مسألة شخصية تتبع ظروف كثيرة جدًا وتختلف من أخ لأخيه، فضلا عن بقية البشر. وقد أكد الكتاب المقدس على كل هذا بإعتبار أن أي مسيحي هو هيكل لله وروح الله يسكن فيه، فكيف لا يعتني الإنسان المسيحي بجسده؟ وما عرضتُ هذه الروايات الإسلامية إلا لبيان أن أحمد يتبع هواه ولا يطلب الحق ولا يقوله، ويميت ما تبقى من ضميره ويكيل بمكيال العقل تارة ومكيال الهوى البغيض تِئار.

رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

[1]ECF 3.4.1.21.3.0.

[2] https://link.springer.com/article/10.1007%2Fs00330-018-5648-z

[3] https://www.medicaldaily.com/your-hipster-beard-may-have-more-fecal-matter-dirty-toilet-it-really-unhygienic-332002

[4] الكتاب: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد – المؤلف: أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي (المتوفى: 807هـ) – المحقق: حسام الدين القدسي – الناشر: مكتبة القدسي، القاهرة – عام النشر: 1414 هـ، 1994 م، جـ8، صـ271.

[5] الكتاب: الخصائص الكبرى – المؤلف / أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمن أبي بكر السيوطي – دار النشر / دار الكتب العلمية – بيروت – 1405هـ – 1985م. – جـ2، صـ 377.

[6] الكتاب: صحيح سنن أبي داود – المؤلف: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني (المتوفى: 1420 هـ) – الناشر: مؤسسة غراس للنشر والتوزيع، الكويت – الطبعة: الأولى، 1423 هـ – 2002 م، جـ1، صـ53.

[7] الكتاب: صحيح الجامع الصغير وزياداته – المؤلف: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (المتوفى: 1420هـ) – الناشر: المكتب الإسلامي، جـ2، صـ874.

[8] المجتبى من السنن = السنن الصغرى للنسائي – المؤلف: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي (المتوفى: 303هـ) – تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة – الناشر: مكتب المطبوعات الإسلامية – حلب – الطبعة: الثانية، 1406 – 1986 – عدد الأجزاء: 9 (8 ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج ومذيل بأحكام الألباني، وهو متن مرتبط بشرح السيوطي والسندي]، جـ1، صـ 31.

[9] اختصرنا هذا الحديث قدر الإمكان، فالحديث قد بلغت عدد كلماته ما يزيد عن 1600 كلمة، فلعدم الإطالة اختصرناه، وعلى من يريد قراءته كاملا اتباع الرابط التالي: https://bit.ly/2XNvZcN.

[10] يمكن الاستزادة من هذه الروايات عبر الضغط هنا: https://bit.ly/2xBD9Sw .

[11] قال شُعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير سعيد بن الحويرث، فمن رجال مسلم. وأخرجه النسائي في “الكبرى” (6736) من طريق يحيى القطان، بهذا الإسناد.

[12] قال أحمد شاكر: إسناده صحيح، سعيد بن الحويرث المكي مولى آل السائب: تابعي ثقة، وثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي، وترجمه البخاري في الكبير 2/ 2 / 424. والحديث رواه مسلم 1: 111 من طريق ابن عيينة وغيره، وأشار في التهذيب 4: 11 إلى أنه رواه أيضاً الترمذي في الشمائل والنسائي، وأنه ليس لسعيد في الكتب الستة إلا هذا الحديث الواحد، قوله “لم أصل فأتوضأ” أي لا أريد الصلاة حتى أتوضأ لها، وضبطه النووي في شرح مسلم 4: 69 “لم” بكسر اللام، و”أصلي” بإثبات الياء في آخره، وقال: “وهو استفها م إنكار”.

[13] إسناده صحيح، وهو مختصر 1932.

[14] الكتاب: المحلى بالآثار – المؤلف: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري (المتوفى: 456هـ) – الناشر: دار الفكر – بيروت، جـ1، صـ 223، 224. مما أحتج به وقال في مقدمة الكتاب: وَلْيَعْلَمْ مَنْ قَرَأَ كِتَابَنَا هَذَا أَنَّنَا لَمْ نَحْتَجَّ إلَّا بِخَبَرٍ صَحِيحٍ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ مُسْنَدٍ وَلَا خَالَفْنَا إلَّا خَبَرًا ضَعِيفًا فَبَيَّنَّا ضَعْفَهُ، أَوْ مَنْسُوخًا فَأَوْضَحْنَا نَسْخَهُ.

[15] صحيح سنن أبي داود – الشيخ محمد ناصر الدين الألباني (المتوفى: 1420 هـ) – الناشر: مؤسسة غراس للنشر والتوزيع، الكويت – الطبعة: الأولى، 1423 هـ – 2002 م – جـ1، صـ110.

[16] المصدر السابق: جـ1، صـ115.

[17] المجتبى من السنن = السنن الصغرى للنسائي – المؤلف: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي (المتوفى: 303هـ) – تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة – الناشر: مكتب المطبوعات الإسلامية – حلب – الطبعة: الثانية، 1406 – 1986 – عدد الأجزاء: 9 (8 ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج ومذيل بأحكام الألباني، وهو متن مرتبط بشرح السيوطي والسندي]، جـ1، صـ 174.

[18] المصدر السابق: جـ1، صـ 174.

 

رائحة المسيحيين الكريهة (لماذا المسيحيين لا يتطهرون) – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

المتهم بطعن سيدات شبرا في مناطق حساسة : “كنت سكران”

المتهم بطعن سيدات شبرا في مناطق حساسة : “كنت سكران”

المتهم بطعن سيدات شبرا في مناطق حساسة : “كنت سكران”

المتهم بطعن سيدات شبرا في مناطق حساسة : “كنت سكران”

تراجع المتهم بطعن سيدتين في منطقة روض الفرج، عن اعترافه بأن إصابتهن كانت جراء محاولته سرقتهن، موضحًا أنه كان في حالة سُكر، ولم يكن يدري بما فعله.

جاء ذلك بعدما عرض رجال المباحث على المتهم مقطع فيديو من أحد المحلات التجارية، يكشف قيادته سيارة أحد أقاربه.

واعترف المتهم بأنه لا توجد صلة بينه وبين الضحايا، مضيفًا أنه تعدى عليهن دون سبب خلال سيرهن.

واستدعت الشرطة صاحبة البلاغ الأول “ح. م”، رقم 4091 جنح روض الفرج، عاملة بإحدى المحلات التجارية بشارع شبرا، مصابة بجرح قطعي فى منطقة حساسة من الخلف، وتعرفت الضحية، على المتهم ووصفت السيارة التي كان يقودها وقت الواقعة، مؤكدة عدم وجود أي رابط بينهما، ولا تعرف سبب شروع المتهم في قتلها.

فيما أكدت المجني عليها الثانية، عاملة بصيدلية، 34 عاما، في محضر الشرطة أن قائد سيارة اقترب منها خلال سيرها بشارع الترعة، وحاول طعنها في جانبها إلا أنها تفادت الموقف وحاولت إبعاده بيدها ما أسفر عن إصابتها في ذراعها.

قال مصدر أمني بمديرية أمن القاهرة، إن فريقا من مباحث قطاع شمال العاصمة تحت قيادة اللواء محمد منصور مدير مباحث العاصمة، يناقش المتهم بطعن سيدتين في منطقة روض الفرج.

وأضاف المصدر، لـ”الوطن”، أن التحريات بينت أن المتهم يدعى “مصطفى. أ”، 38 عاما، مسجل خطر سرقات وحيازة مخدرات، مشيرًا إلى أنه اعترف في محضر الشرطة بشروعه في سرقة المجني عليهن.

وكشف المصدر أن كاميرات المراقبة أثبتت عكس كلام المتهم، وأنه تعمد طعن السيدتين في مناطق حساسة بمنطقة روض الفرج، مشددًا على أنه سيتم مخاطبة جميع الأقسام إذا كانت تلقت بلاغات تفيد بطعن سيدات من عدمه.

كان عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، تداولوا أنَّ مجهولًا اعتدى على عدد من المواطنين بسلاح أبيض وأسفر عن إصابة 10 مواطنين وتمَّ نقلهم إلى مستشفى الساحل.

وقررت نيابة روض الفرج بإشراف المستشار عبدالرحمن شتلة، تكليف المباحث بإعداد تحرياتها في واقعة طعن ربة منزل في مؤخرتها من قبل شاب مجهول، وضبط وإحضار المتهم، واستدعاء الضحية لسماع أقوالها.

وبحسب التحقيقات، فإن النيابة لم تتلق سوى محضر وحيد موقع باسم ربة منزل ولا يوجد أي حالات طعن أخرى.

وأفادت التحقيقات، التي أشرف عليها المستشار شريف محفوظ رئيس نيابة روض الفرج، بأن المجني عليها تعرضت لطعن سطحي في المؤخرة بسلاح أبيض خلال وقوفها في شارع شبرا بالقرب من محطة مترو “مسرة”.

وقالت المجني عليها في محضر الشرطة بقسم روض الفرج، إنها فوجئت بشاب ذو بشرة سمراء ينزل من سيارة لونها “نبيتي” ويطنعها بسكين في أثناء انتظارها أتوبيس لاستقلاله من منطقة سكنها إلى عملها.

المصدر: الوطن

Exit mobile version