سيرة ومقالات القديس ساويرس الأنطاكي – المجلد الأول آبائيات – الأعمال الكاملة للمؤرخ يوسف حبيب PDF

سيرة ومقالات القديس ساويرس الأنطاكي – المجلد الأول آبائيات – الأعمال الكاملة للمؤرخ يوسف حبيب PDF

سيرة ومقالات القديس ساويرس الأنطاكي – المجلد الأول آبائيات – الأعمال الكاملة للمؤرخ يوسف حبيب PDF

سيرة ومقالات القديس ساويرس الأنطاكي – المجلد الأول آبائيات – الأعمال الكاملة للمؤرخ يوسف حبيب PDF

تحميل الكتاب PDF

لاهوت الآباء – مدخل إلى علم الآباء

لاهوت الآباء – مدخل إلى علم الآباء

لاهوت الآباء – مدخل إلى علم الآباء

لاهوت الآباء – مدخل إلى علم الآباء

الكنيسة الأرثوذكسية هى كنيسة كتابية وآبائية بأن واحد . فهى كنيسة الآباء الذين تكلموا بإلهام الروح القدس نفسه الذى ألهم الرسل القديسين ، فعمل الروح القدس لم ينته بانتهاء عصر الرسل بل استمر ويستمر إلى الأبد، إذ أنه مقيم فى الكنيسة حسب وعد المسيح (أنظريو17:14) . إنه يعمل فيها على الدوام ويعطى أعضاءها مواهب العنصرة وخبراتها ويعلن لهم الحق الإلهى إن هم استجابوا لندائه . الرب نفسه قال لتلاميذه : ” أما المعزى الروح القدس الذى سيرسله الآب باسمى فهو يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل ما قلته لكم ” (يو26:14،27) . وأيضًا : ” متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق ” (يو13:16،14) .

فبنعمة الروح الذى يعمل فيهم ، يعبّر الآباء عن الحقيقة الإنجيلية نفسها ، كما أنهم يحصلون على خبرة روحية عميقة ويعيشون حياة النعمة ، ويحدثون بعظائم الله ولذلك فعلى الرغم من أن كتاباتهم مكتوبة بأسلوب منطقى وأحيانًا بلغة فلسفية ، إلاّ أنها بسيطة ونابعة كما قلنا من خبرة حقيقية . فتعليمهم غير منفصل عن الحياة فى المسيح وعن حياة التأمل والصلاة .

لاهوت الآباء ينبع من نقاء النفس وشفافية الوجدان والتخمير بخميرة المسيح ، ومن قهرهم لقوى الشر التى فى هذا العالم ، هو ناتج من عمل الروح القدس ، إذ أنهم مستنيرون من الروح القدس وملهمون من الله .

+ علم اللاهوت لا ينمو إلاّ بالعمل الروحى من ناحية والمشاركة الإنسانية من الناحية الأخرى ، لذلك ، نجد أن كل أب من آباء الكنيسة يقدم، بنور الروح القدس العامل فيه ، شيئًا جديدًا ، أو خبرة جديدة ، أو توضيحًا جديدًا، أو معرفة جديدة ، على أن هذه المعرفة هى امتداد للمعرفة الإنجيلية والآبائية السابقة عليه . فالجديد الذى يحمله كل أب هو جديد من ناحية التعبير ، سواء تعبيرات الإنجيل أو تعبيرات الآباء السابقين له ، لكنه ليس بدعة جديدة أو تعليمًا جديدًا ، لأن تعليمه مماثل لتعليم الكنيسة المستقر من قبل هذا التعبير الجديد . بل أن خبرة كل أب تصبح خبرة الكنيسة نفسها لأنه كأب يتكلم من قلب الكنيسة . وهذه التعبيرات الجديدة التى يقدمها كل أب ليست خارجية فقط إنما هى مرتبطة باختباره للحقيقة التى يعلنها الله له.

+ إنه قول تنقصه الدقة أن يُقال أن كل أب له خط لاهوتى خاص به ، لأن هذا القول سيقودنا إلى إنكار أنهم يعلنون جميعًا الحق الواحد وسيعطلنا عن الاستفادة من الخبرة الإلهية التى حصل عليها كل أب .

طبعًا نحن لا ننكر أنه توجد فى بعض الأحيان اختلافات بين أب وأب ، لكن هذه الاختلافات لا تمس الأساس نفسه . بل هى دليل على أن الروح القدس لا يسلب الإنسان حريته ولا يلاشى شخصيته .

ونحن نسلم بأن بعض الكُتاب الكنسيين وقعوا فى بعض الأخطاء غير الجوهرية ولكن الكنيسة لم ترفضهم بل رفضت هذه الأخطاء .

أعمال الشهداء الأولى – بحث مفصل

أعمال الشهداء الأولى – بحث مفصل

أعمال الشهداء الأولى – بحث مفصل

أعمال الشهداء الأولى – بحث مفصل

من أقيم مصادر المعلومات التي لدينا عن عصر الاضطهاد هي تلك الروايات التي تتحدث عن الآلام التي جازها الشهداء؛ والتي كانت تُقرأ للجماعات المسيحية في أثناء الخدمة الليتورجية التي تقام في الذكرى السنوية لاستشهاد الشهيد. وتنقسم تلك الروايات من وجهة النظر التاريخية إلى ثلاث مجموعات:

  1. المجموعة الأولى: وتتكون من محاضر المحاكمات الرسمية وهي لا تحتوي على أي شيء سوى الأسئلة التي واجهتها السُلطات إلى الشهداء، وإجاباتهم عليها كما سجلت بواسطة الموثقين القانونيين أو كُتاب المحكمة، وكذلك الأحكام التي نُطقت ضدهم. وقد كانت هذه الوثائق تحفظ في الأرشيف العام، وأحياناً كان المسيحيون ينجحون في الحصول على نسخ منها. ويجب أن يكون العنوان “أعمال الشهداء” مقصوراً على هذه المجموعة لا غيرها، لأنه هنا فقط توجد مصادر تاريخية مباشرة وموثوق منها، وترد المعلومات ببساطة وبتجرد.
  2. المجموعة الثانية: وتضم شهادات شهود العيان أو المعاصرين، ويُطلق على هذه الروايات عنوان “روايات الآلام” (Passiones) أو “روايات الاستشهاد” (Martyria).
  3. المجموعة الثالثة: وتحتوي على الأساطير التي تدور حول الشهداء والتي أُلفت لغرض تهذيبي وتعليمي بعد وقت طويل من حادثة الاستشهاد. وفي بعض الأحيان تكون هذه الأساطير عبارة عن خليط رائع من بعض الحقائق ومحتوى أسطوري صرف، والبعض الآخر ما هو إلا خيال بدون أي أساس تاريخي.

أولاً: ينتمي إلى المجموعة الأولى[1] كل من التالي:

  1. أعمال القديس يوستينوس ورفقائه: ولهذه الأعمال قيمة كبيرة، لأنها تحتوي على محضر جلسة المحكمة الرسمية التي أقيمت ضد أهم المدافعين اليونانيين، الفيلسوف يوستينوس الشهير. وكان يوستينوس قد ألقي في السجن ومعه ستة مسيحيين آخرين بأمر من الحاكم الروماني (Q. Junius Rusticus) في عهد الإمبراطور “ماركوس أوريليوس أنطونينوس” الفيلسوف الرواقي. وتتكون “أعمال يوستينوس ورفقائه” من مقدمة مختصرة جداً، يتبعها التحقيق مع الشهيد ورفقائه ثم الحكم الذي حكم به عليهم، ثم خاتمة قصيرة. ولقد كان منطوق الحكم الذي نطق به الوالي الروماني هو التالي: “ليُجلد هؤلاء الذين لا يضحون للآلهة ولا ينصاعون لأمر الإمبراطور، وليُساقوا لتقطع رؤوسهم وفقاً للقانون”. وقد استشهد القديس يوستينوس ورفقاؤه في مدينة روما عام 165م على أرجح الأقوال.
  2. أعمال شهداء سيليوم[2] في أفريقيا: وهي تشكل أقدم وثيقة في تاريخ الكنيسة الأفريقية، وهي في الوقت نفسه أقدم وثيقة مسيحية لدينا باللغة اللاتينية من شمال أفريقيا. أما من حيث المحتوى، فهي عبارة عن المحضر الرسمي لجلسة مُحاكمة كل من “نامفانو الذي من مادورا” (Namphano of Madaura) و”ميجن” (Miggin) و”سانام” (Sanam) وستة مسيحيين آخرين من “نوميديا”[3] (Nuimidi)، حُكم عليهم بالموت بواسطة القُنصل “ساتورنينوس” (Saturninus)، وقُطعت رؤوسهم بتاريخ 17 يوليو عام 180م. وبالإضافة إلى الأصل اللاتيني، لدينا ترجمة يونانية لهذه الأعمال.
  3. الأعمال الحكومية للقديس كبريانوس أسقف قرطاج: الذي استشهد يوم 14 سبتمبر 258م. وهي تعتمد على تقارير رسمية رُبطت معا بعبارات قليلة من قلم المحرر. وهي تتكون من ثلاث وثائق منفصلة تحتوي على: (1) المحاكمة الأولى التي حكمت بنفي كبريانوس إلى (Curubis). (2) القبض عليه والمحاكمة الثانية، ثم (3) عملية الإعدام. ولقد كانت شهادة القديس كبريانوس في عهد الإمبراطورين “فاليريان” (Valerian) و “جالينوس” (Gallienus).

ثانياً: ينتمي إلى المجموعة الثانية[4] كل من التالي:

  1. شهادة بوليكاريوس: وهي تعود إلى سنة 156م.
  2. رسالة كنائس فيينا وليون إلى كنائس آسيا وفريجية: وتعطي تلك الرسالة تقريراً مؤثراً عن آلام الشهداء الذين ماتوا في الاضطهاد العنيف الذي وقع على كنيسة ليون عام 177م أو 178م، والذي سجله يوسابيوس القيصري في (Hist. eccl. 51: 1-28). وتُعد تلك الرسالة واحدة من أكثر الوثائق التي تتكلم عن الاضطهادات إثارة للاهتمام، وهي لا تخفي أمر ارتداد بعض أعضاء الجماعة. ونجد من ضمن الشهداء الشجعان الأسقف “فوتينوس” (Photinus)، وذاك الذي “كان يتنفس بصعوبة لكونه تجاوز التسعين من عمره ومريضاً جداً، لكنه قد تقوى بحماس الروح الذي استمده من رغبته الملتهبة في الاستشهاد”؛ و”بلاندينا” (Blandina) الجديرة بالإعجاب، والتي كانت جارية ضعيفة ورقيقة عززت من شجاعة إخوتها بمثالها وكلامها؛ و”ماتوروس” (Maturus)، الذي كان مؤمناً جديداً ذا شجاعة مذهلة؛ و”سانكتوس” (Sanctus) الشماس من فيينا؛ و”أليكساندر” (Alexander) الطبيب؛ و”بونتيكوس” (Ponticus) الذي كان صبياً في الخامسة عشرة من العمر.

وتقول الرسالة عن بلاندينا: “إن المباركة بلاندينا، التي كانت آخرهم جميعاً، وشجعت أولادها مثل أم نبيلة وأرستلهم قبلها إلى الملك متوجين بالمجد، قد عادت لتخوض بنفسها كل المعارك التي خاضها أولادها، مسرعة إليهم، مبتهجة ومنتصرة في رحيلها كما لو كانت مدعوة إلى عشاء عرس لا إلى الطرح للوحوش المفترسة. وبعد الجلد، وبعد الجلد، وبعد الوحوش المفترسة، وبعد الحريق، طُرحت أخيراً في شبكة وأُلقيت أمام ثور. وبعد أن ظل الوحش يتقاذفها لوقت طويل وهي غير مدركة لما يحدث بسبب رجائها، وتمسكها بما تؤمن به، وشركتها مع المسيح، فاضت روحها أيضاً. إن الوثنيين أنفسهم يعترفون أنهم لم يروا قط امرأة تحملت آلاماً كثيرة هكذا أو عظمية هكذا”.

  1. آلام بيريتوا وفيليسيتاس: ويروي هذا العمل قصة استشهاد ثلاثة موعوظين هم: “ساتوروس” (Saturus)، و”ساتورنينوس” (Saturninus)، و”ريفوكاتوس” (Revocatus)، وشابتين هما: “فيبيا بيريتوا” (Vibia perpetua) ذات الاثنين والعشرين عاماً، والتي كانت “ذات نسب عريق، متعلمة جيداً، متزوجة زيجة كريمة، لديها أب وأم وأخان واحد منهما موعوظ مثلها، وابن رضيع على ثديها”، وجاريتها “فيليسيتاس” (Filicitas) التي كانت حبلى وقت القبض عليها ثم ولدت بنتاً قبل أن تموت في حلبة المصارعين بوقت قصير. وقد استشهدوا جميعاً في يوم 7 مارس 202م بمدينة قرطاج.

وتعد هذه الرواية واحدة من أجمل قطع الأدب المسيحي المبكر، كما أنها فريدة من حيث تأليفها، ذلك لأن الجزء الأكبر من الرواية (من الفصل 3 إلى الفصل 10) هو من مذكرات بيربتوا اليومية: “من الآن فلاحقاً ستروي هي نفسها قصة استشهادها وفقاً لما تركته هي مكتوباً بخط يدها وبحسب أفكارها”. (فصل 2) وكتب ستاوروس (أو ستافروس) الفصول من 11 إلى 13.

وهناك سبب يجعلنا نصدق أن كاتب الفصول الأخرى ومحرر العمل كله لم يكن إلا ترتليانوس الذي كان معاصراً لبيريتوا وأعظم كاتب في الكنيسة الأفريقية في ذلك الوقت، فتشابه العبارات وبناء الجُمل والكلمات بين عملي ترتليانوس: (Ad Martyres) و(De Patientia)، وآلام بيربتوا وفيليسيتاس” مُلفت للنظر. وقد كان الناس في زمن القديس أغسطينوس لا يزالوا يكنون احتراماً كبيراً لهذا العمل، حتى إن أغسطينوس كان مضطراً لتحذير مستمعيه ألا يضعوا هذا الكتاب على قدم المساواة مع الأسفار القانونية.

والعمل موجود في نص يوناني وآخر لاتيني، ويبدو أن النص اللاتيني هو الأصلي، لأنه يوحد بالنص اليوناني فقرات محُرفة وخاتمة مشوهة. ويعتقد (C. Van Beek) أن المؤلف الذي حرر قصة الآلام في اللاتينية هو نفسه الذي حررها في اليونانية، ولك الفقرات (21: 2) و(16: 3) تثبت أنه لا بد من أن يكون النص اللاتيني هو الأصلي، وأن النص اليوناني ما هو إلا ترجمة لاحقة له، لأن اللعب بالكلمات الموجود في هذه الفقرات لا يمكن فهمه إلا في اللاتينية.

ولمحتوى هذا العمل أهمية كبيرة في تاريخ الفكر المسيحي، خاصة أن الرؤى التي رأتها بيربتوا أثناء فترة سجنها ودونتها لها قيمة كبيرة في معرفة الأفكار الإسخاتولوجية التي اعتقد بها المسيحيون الأوائل، وتضرب رؤيا “دينوكراتس” (Dinocrates)، ورؤيا “السلم والتنين” أمثلة مدهشة على ذلك، وقد أطلق هذا العمل على الاستشهاد اسم “المعمودية الثانية” مرتين (18: 3 و21: 2)، وكذلك تظهر طقوس التناول في الرؤيا التي رأتها بيربتوا عن الراعي الصالح.

4 – أعمال القديسين كربوس وبابيلوس وأغاثونيس: وهي رواية أصيلة من قلم شاهد عيان على استشهاد “كربوس” (Carpus) و”بابيلوس” (Papylus) اللذين ماتا مشدودين إلى وتد في مسرح مدينة برغامس المدرج، واستشهاد أغاثونيس (Agathonice) التي كانت امرأة مسيحية ألقت بنفسها في النار. ويبدو أن العمل في صورته الحالية غير كامل، فالجزء الذي ذكر فيه صدور الحكم على أغاثونيس – كالشخصين الآخرين – مفقود، وذلك جعل أغاثونيس تبدو كما لو كانت قد ماتت منتحرة. وقد استشهد الثلاثة في عهد الإمبراطورين “ماركوس أوريليوس” و”لوسيوس فيروس” (161-169م). وقد كان هذا العمل لا يزال متداولاً في زمن يوسابيوس القيصري”[5].

5 – أعمال أبوللونيوس: ويعطي يوسابيوس القيصري في كتابه (Eccl. Hist. 5: 21: 2-5) ملخصاً لهذا الكتاب الذي ذكره ضمن ما جمعه من روايات الاستشهاد القديمة. وقد كان أبوللونيوس (Apollonius) فيلسوفاً متعلماً حوكم بواسطة بيرينيس (Perennis) حاكم دار الولاية بروما وقطعت رأسه في عهد الإمبراطور كومودوس (Commodus) (180-185م).

وتشبه الخُطب التي دافع بها أبوللونيوس عن إيمانه أمام بيرينيس كتابات المُدافعين في الحجج التي توردها، وهي في الغالب تعتمد على الإجابات التي أعطاها الفيلسوف في أعمال الولاية الرسمية. ويطلق (A. Harnack) على هذه الخطب “أبرز دفاع عن المسيحية وصلنا من العصور القديمة”.

وقد نشرت ترجمتان لهذا العمل، واحدة أرمينية نشرها كونيبير (Conybeare) عام 1893م، والثانية يونانية نشرها البولانديستيون[6] (The Bollandists) عام 1895م.

ثالثاً: ينتمي إلى المجموعة الثالثة كل من التالي:

  1. أعمال الشهداء الرومانيين: القديسة أجنس (Agnes)، والقديسه سيسيليا (Cecilia)، والقديسة فيليسيتاس (Filicitas) وأولادها السبع، والقديس هيبوليتس، والقديس لورانس (Lorandce)، والقديس سيكتوس، والقديس سباستيان (Sebastian)، والقديسون يوحنا، وبولس، وكوزماس (Cosma)، ودميان (Damian)؛ وأيضاً استشهاد القديس كليمندس واستشهاد القديس إغناطيوس. ولكن هذه الأعمال لا تُثبت بأي شكل من الأشكال وجود هؤلاء الشهداء من عدمه، لكنها تعني فقط أن هذه الوثائق لا يمكن استخدامها كمصادر تاريخية.
  2. المجموعات: لقد جمع يوسابيوس مجموعة من أعمال الشهداء في كتابه المعنون بـ “حول الشهداء القدامى” (On the Ancient Martyrs)، وقد فقد هذا المرجع المهم للأسف، لكن يوسابيوس لخص معظم هذه الأعمال في كتابه “تاريخ الكنيسة”. ومن ناحية أخرى، لدينا مقالته عن شهداء فلسطين، وهو تقرير عن ضحايا الاضطهادات التي وقعت بداية من سنة 303م إلى 311م، تلك التي كان شاهداً عليها باعتباره أسقفاً لقيصرية.
  3. جمع كاتب مجهول أعمال الشهداء الفرس الذين قتلوا في عهد سابور الثاني (Sabor II) (339-379م)، وهي موجودة لدينا باللغة السريانية التي كُتبت بها. ولقد وردت المحاكمات ومحاضر التحقيقات هنا بطريقة تشبه تقارير أعمال الشهداء الأصلية، أما “الأعمال السريانية لشهداء إديسا” فعبارة عن أساطير.

[1] هي التي تحتوي على محاضر وأحكام المحاكمات الرسمية للشهداء كما سجلت بواسطة الموثقين القانونيين.

[2] قرية صغيرة في نواحي قرطاج بشمال أفريقيا (المراجع)

[3] تقع شمال الجزائر الحالية (المراجع)

[4] وهي المجموعة التي تحتوي على شهادات شهود العيان أو المعاصرين.

[5] Hist. eccl. 4, 15, 48.

[6] البولانديستيون هم مجموعة من الرهبان اليسوعيين المقيمين في بلجيكا، وقد سموا باسم قائدهم “جان بولاند”، وهو راهب يسوعي عاش في القرن السابع عشر. وقد كلف الكرسي الرسولي البولانديستيين بمهمة جمع وتأليف مؤلف رسمي معتمد يضم سير القديسين، وهو ذلك المسمى بـ “Acta Sanctorum” (المراجع).

أعمال الشهداء الأولى – بحث مفصل

آباء الكنيسة – الفكر والإتباع والسلطان

آباء الكنيسة – الفكر والإتباع والسلطان

آباء الكنيسة – الفكر والإتباع والسلطان

آباء الكنيسة – الفكر والإتباع والسلطان

إتِّباع الآباء

كان استهلال التحديدات العقيدية بعبارات مشابهة لعبارة “إتِّباع الآباء القديسين” مألوفاً في الكنيسة القديمة. فجمع خلكيدونية استهل قراراته بهذه الكلمات. والمجمع المسكوني السابع ابتدأ قراره المتعلق بالأيقونات المقدسة بطريقة موسّعة فقال: “إننا نتبع تعليم الآباء القديسين الذي أوحى به الله ونتَّبع تقليد الكنيسة الجامعة”. فتعليم (didaskalia) الآباء هو المرجع النموذجي والرسمي.

لكن هذا كان أكثر من “احتكام إلى القِدَم”، لأن الكنيسة شدّدت منذ البدء على ديمومة إيمانها واستمراريته على مر العصور. هذه الوحدة منذ أيام الرسل كانت إشارة جلية إلى الإيمان الصجيج وأمارة له. لكنَّ “القِدَم” في حدّ ذاته لم يكن برهاناً كافياً للإيمان الحقيقي، بل إن الرسالة المسيحية كانت “الجِدة” المؤثرة في “العالم القديم” والدعوة إلى التجديد الجذري.

فالقديم زال وانقضى وصار كل شيء جديداً. أمّا الهرطقات فكانت قادرة على الاحتكام أيضاً إلى الماضي وعلى الاستشهاد بسلطان بعض “التقاليد”. والواقع أنها تمسكت في أغلب الأحيان بالماضي (*)، إذ إن الصيغ القديمة كثيراً ما تكون مضلِّلة بشكل خطير. يكفي أن نقتبس هذا المقطع المهم من مصنفات القديس فكنديوس الليرنسي الذي وعى هذا الخطر وعياً كلياً: “والآن، يا له من انقلاب مدهش للوضع! فأصحاب الرأي الواحد اعتُبروا مستقيمي الرأي، أما أتباعهم فاعتُبروا هراطقة؟ الزعماء غُفر لهم أمّا التلاميذ فأُدينوا؟ سيكون واضعو الكتب أبناء الملكوت، أمّا أتباعهم فسيذهبون إلى جهنم” (commonitorium،cap 6).

لا شك، أن فكنديوس فكّر في ما وقع بين القديس كبريانوس والدوناتيين، وكان كبريانوس القديس قد واجه الحالة نفسها فقال: “قد يكون القِدَم في حد ذاته ضرراً كبيراً” (الرسالة74)، أي أن “العادات القديمة” في حد ذاتها لا تضمن الحقيقة. فما الحقيقة عادة.

التقليد الحقيقي هو “تقليد الحق” (traditio veritatis) الذي يستند، عند القديس إيريناوس، إلى “موهبة الحق الأكيدة” (charisma veritatis certum) التي “أُودعت” في الكنيسة منذ البدء والتي حفظها تعاقب الأساقفة غير المنقطع. فما “التقليد” في الكنيسة استمراراً للذاكرة الإنسانية وللأعراف والطقوس لأنه تقليد حيّ و”وديعة حيّة” (depositum juvenescens)، كما قال القديس ايريناوس. ولذلك لا نقدر أن ندرجه “بين الشرائع المميتة” (inter mortuas regulas). فهو استمرار لحضور الروح القدس المقيم في الكنيسة واستمرار للتوجيه الإلهي والإنارة الإلهية.

إن الكنيسة لا تُقيّد “بالحرف”، لأن الروح يحركها دائماً. فالروح نفسه، أي روح الحق، الذي “تكلم من خلال الأنبياء” وأرشد الرسل هو يستمر في قيادة الكنيسة إلى فهم أكمل للحق الإلهي، فيقودها من مجد إلى مجد.

ليست عبارة “إتِّباع الآباء القديسين” إشارة إلى تقليد مجرّد ذي صيغ وافتراضات، بل هي أولاً احتكام إلى شهود قديسين. فنحن نحتكم إلى الرسل لا إلى “رسولية” مجردة. ونرجع إلى الآباء على نحو مشابه، لأن شهادتهم تنتمي عضوياً إلى بنية الإيمان الأرثوذكسي. فالكنيسة ائتمنت على بشارة (Kerygma) الرسل وعقيدة (Dogma) الآباء في آن.

إننا نقدر أن نقتبس هنا ترنيمة قديمة رائعة (لعلّها من قلم القديس رومانوس المرنم) تقول: “ولأن الكنيسة تحفظ بشارة الرسل وعقائد الآباء فهي تختم الإيمان الواحد، ولأنها ترتدي حلّة الحق والقماش المنسوج في اللاهوت السماوي فهي تمدح باستقامة سر التقوى العظيم”.

فكر الآباء

إن الكنيسة “رسولية” بالطبع ولكنها آبائية أيضاً. فهي أساساً “كنيسة الآباء”. وهاتان “السمتان” لا نقدر أن نفصلهما، ولكونها “آبائية” فهي “رسولية” حقاً. وشهادة الآباء هي أكثر من ميزة تاريخية وأكثر من صوت من الماضي. ولنقتبس هنا ترنيمة أخرى من خدمة الأقمار الثلاثة (باسيليوس الكبير وغريغوريوس النزينزي ويوحنا الذهبي الفم): “إنكم بكلمة المعرفة ألّفتم العقائد التي وضعها الصيادون قبلاً بكلام بسيط عبر معرفة من قوة الروح فاكتسب تقاناً البسيط بهذا تركيباً”. هناك مرحلتان أساسيتان في إعلان الإيمان المسيحي. “كان على إيماننا البسيط أن يكتسب تركيباً”. ففي الانتقال من البشارة (kerzgma) إلى العقيدة (dogma) وُجد دافع داخلي ومنطق داخلي وضرورة ضمنية. والحق، أن تعليم الآباء وعقيدة الكنيسة مازالا “الرسالة البسيطة” نفسها التي سلّمها وأودعها الرسل مرة وإلى الأبد. أمّا الآن فهي مترابطة بكل اتساق وانتظام.

ليست البشارة الرسولية محفوظة في الكنيسة فقط، بل هي حيّة فيها. بهذا المعنى يكون تعليم الآباء مقولة دائمة للوجود المسيحي ومقياساً ثابتاً وسامياً للإيمان القويم. فما الآباء شهوداً للإيمان القديم فقط (testes antiquitatis)، بل هم شهود للإيمان الحقيقي (testes veritatis). إن “فكر الآباء” مرجع حقيقي للاهوت الأرثوذكسي لا يقل شأناً عن كلمة الكتاب المقدس ولا ينفصل عنه أبداً. وكما قال أحدهم بحق: “فإن الكنيسة الجامعة في كل العصور ليست ابنة لكنيسة الآباء فقط، بل إنها كنيسة الآباء وستبقى كذلك”.

الطابع الوجودي في اللاهوت الآبائي

كان  الطابع “الوجودي” علامة مميِّزة للاهوت الآبائي إذا جاز لنا أن نستعمل بصددهم هذا التعبير الحديث. وكما قال القديس غريغوريوس النزينزي، تكلَّم الآباء لاهوتياً “على طريقة الصيَّادين (الرسل) لا على طريقة أرسطو” (العظة 23، 12). فلاهوتهم بقي “بشارة” (kerygma) رغم أنه مرتَّب ترتيباً منطقياً مزوَّد ببراهين عقلية، لأن مرجعهم الأخير كان الرؤية الإيمانية والمعرفة الروحية والخبرة. فاللاهوت لا يحمل قناعة خارج الحياة في المسيح، أمّا إذا فُصل عن حياة الإيمان فإنه يتحوّل إلى ديالكتيك فارغ وإلى كلام كثير باطل (polyogia) لا قيمة روحية له.

لقد كان اللاهوت الآبائي متأصلاً تأصلاً وجودياً في التزام الإيمان، من غير أن يكون “نظاماً” يفسِّر نفسه بنفسه ويعرض عرضاً برهانياً وجدلياً أي أرسطوطاليسيا (aristotelikos) بدون أي التزام روحي مسبق. والآباء الكبادوكيون الكبار احتجوا على استخدام الديالكتيك القائم على المقاييس الأرسطية، في عصرهم الذي تميَّز بالنزاع اللاهوتي والنقاشات المستمرة، وحاولوا إعادة اللاهوت إلى الرؤية الإيمانية. ونحن نقدر أن “نعظ” باللاهوت الآبائي من منبر الوعظ فقط، وأن “نعلنه” في كلام الصلاة والخدم المقدسة، ونظهره في بنية الحياة المسيحية. هذا اللاهوت لا يكمن فصله أبداً عن حياة الصلاة وعن ممارسة الفضيلة. “فقمة الطهارة هي أساسا اللاهوت” على حد قول يوحنا السلَّمي (السلم، الدرجة 30).

هذا اللاهوت هو، من جهة أخرى، “تعليم إعدادي”، لأن هدفه الأسمى هو الاعتراف بسر الله الحيّ والشهادة له قولاً وفعلاً. ليس “اللاهوت” غاية في حد ذاته، بل هو دائماً طريقة، لأنه لا يقدِّم-وكذلك “العقائد”- سوى “إطار فكري” عن الحقيقة المعلنة، وشهادة “عقلية” (noetic) لها. بالإيمان فقط يمتلئ هذا “الإطار” محتوى. فالصيغ الخريستولوجية تأخذ معناها الكامل فقط عند الذين لاقوا المسيح الحيّ واعترفوا به ربّاً ومخلِّصاً ويقيمون فيه بالإيمان وفي جسده الذي هو الكنيسة. بهذا المعنى لا يكون اللاهوت نظاماً يفسِّر نفسه بنفسه، لأنه احتكام دائم إلى الرؤية الإيمانية : “إننا نعلن لكم ما رأيناه وسمعناه”. وخارج هذا الإعلان تبقى الصيغ اللاهوتية فارغة لا أهمية لها. ولذلك لن نأخذها “بشكل تجريد”، أي خارج إطار الإيمان.

إننا نخطئ إذا اقتطعنا من النصوص الآبائية قطعاً وفصلناها عن المنظور الذي وُضعت فيه. وهذا يشبه خطأ استخدام آيات من الكتاب المقدس بعد نزعها من إطارها. ولذلك تبقى عادة “اقتباس” أقوال الآباء وعباراتهم خطرة إذا عزلناها عن المحيط الذي تأخذ فيه معناها الحقيقي وتصبح مليئة بالحياة. “إتِّباع الآباء” لا يعني فقط “اقتباس” أقوالهم والاستشهاد بها، بل يعني اقتفاء “فكرهم” وعقلهم (phronema).

معنى “عصر” الآباء

والآن، وصلنا إلى النقطة الحاسمة. فإن اسم “آباء الكنيسة” يقتصر عادة على معلِّمي الكنيسة القديمة،  ويفترض البعض أن سلطانهم يستند إلى “قِدَمهم” وإلى قربهم النسبي من “الكنيسة الأولى”، أي من “عصر” الكنيسة الأولى. لكن القديس ايرونيموس سبق فأنكر هذه الفكرة. ونحن لا نجد تناقضاً في “السلطان” ولا تناقضاً في الأهلية والمعرفة الروحيتين على مرّ التاريخ المسيحي.

ففكرة “التناقض” هذه أثَّرت في تفكيرنا اللاهوتي الحديث. ولذلك غالباً ما نفترض بوعي أو بغير وعي أن الكنيسة الأولى كانت أكثر قرباً من مصدر الحقيقة. إن هذا الافتراض مفيد وصحيح كإقرار بفشلنا وبعدم قدرتنا وكنقد ذاتي متواضع. لكن جعله نقطة انطلاق  أو قاعدة “للاهوت تاريخ الكنيسة” أو حتى للاهوت الكنيسة يبقى خطراً. في الواقع، يجب أن يحتفظ عصر الرسل بمكانه الفريد، لكنه ليس سوى بداءة.  ولقد افترض الناس كثيراً أن “عصر الآباء” قد انتهى، ولذلك نظروا إليه ككيان قديم “عتيق الزيّ” و”ميت”.

فحاول كلّ واحد أن يسعى إلى وضع حدود له. فألِف الناس أن يُعتبر يوحنا الدمشقي “آخر” أب في الشرق وأن يوضع غريغوريوس الذيالوغور (المحاور) أو ايسيدرس السفيلي “آخر” أب في الغرب. ولكن البعض ابتدأ برفض هذا التصنيف الزمني. أما يجب أن ندرج مثلاً القديس ثيوذورس رئيس دير الستوديوم بين “الآباء”؟ فمابيلون اقترح أن يكون برنارد الكليرفو، المعلِّم “المعسول اللسان”، “آخر الآباء ومساوياً لأقدمهم”.

في الواقع، إنّ المسألة تتجاوز تصنيف أدوار زمنية. فمن وجهة نظر الغرب حلَّ “عصر المدرسين” محلّ “عصر الآباء” واعتبر هذا التطور خطوة إلى الأمام. فمنذ ظهور السكولاستيكية اعتُبر “اللاهوت الآبائي” عتيق الزيّ وصار ينتمي إلى العصور الغابرة وكأنه مقدمة موسيقية متناهية في القدم. لكن وجهة النظر هذه، الشرعية في الغرب، قَبِلَها، ويا للأسف، كثيرون في الشرق على نحو أعمى وغير نقدي.

إذن، يجب أن يواجه المرء الخيار فيما إذا كان عليه أن يتأسّف على “تخلّف” الشرق الذي لم يظهر أية  “سكولاستيكية” خاصة به أو أن ينكفئ عائداً إلى “العصور القديمة” بشكل أثري تقريباً ويمارس ما وصفه البعض ببراعة “بلاهوت التكرار” علماً بأن هذا اللاهوت ليس سوى شكل خاص للسكولاستيكية المقلِّدة.

واليوم يقال كثيراً إن “عصر الآباء” ربما انتهى قبل القديس يوحنا الدمشقي بوقت طويل. فغالباً ما يقف الفرد عند عصر يوستينيانس أو عند مجمع خلكيدونية. إلا يُعتبر ليوندوس البيزنطي “أول السكولاستيكيين”؟ يُفهم هذا الموقف من وجهة نظر نفسية، لكن لا يمكن تبريره لاهوتياً. والواقع أن آباء القرن الرابع كانوا أكثر تأثيراً من الآخرين وعظمتهم الفريدة لا تُنكر، لكن الكنيسة بقيت حيِّة بعد مجمعي نيقية وخلكيدونية.

فالمغالاة في التأكيد على “القرون الخمسة الأولى” تشوِّه بشكل خطير الرؤية اللاهوتية، وتحول دون الفهم الصحيح لعقيدة خلكيدونية نفسها. وكثيراً ما ينظر الناس إلى قرارات المجمع المسكوني السادس وكأنها ملحق بقرارات مجمع خلكيدونية، يثير اهتمام الإخصائيين في اللاهوت فقط. وكذلك فإن شخصية مكسيموس المعترف أُهملت تقريباً في الكنيسة. وهكذا تُحجب الأهمية اللاهوتية للمجمع المسكوني السابع حتى أن المرء يتساءل: لماذا يجب أن يُربط “أحد الأرثوذكسية” بإحياء ذكرى انتصار الكنيسة على محاربي الأيقونات؟ ألم يكن هذا مجرَّد خلافٍ في الطقس؟ غالباً ما ننسى أن الصيغة الشهيرة التي تتعلق “باتفاق القرون الخمسة الأولى”، أي حتى مجمع خلكيدونية، كانت صيغة بروتستانتية تعكس لاهوتاً بروتستانتياً عن التاريخ. فهي صيغة مقيِّدة، رغم أنها تظهر شاملة عند الذين يريدون أن يكتفوا بالعصر الرسولي.

والصيغة الشرقية الرائجة عن “المجامع المسكونية السبعة” لا تكون أفضل كثيراً إذاً اتجهت إلى حصر السلطان الروحي في الكنيسة ضمن القرون الثمانية الأولى، وهذا ما تفعله عادة. فيظهر كما لو أن “العصر الذهبي” للمسيحية قد ولَّى وأننا صرنا في عصر حديدي أدنى منه على صعيد القوة والسلطة الروحية. فكرنا اللاهوتي الحديث تأثر بشكل خطير بنمط الانحطاط الذي تبنّاه الغرب من أيام الإصلاح البروتستانتي من أجل تفسير التاريخ المسيحي. مذ ذاك فُسِّر كمال الكنيسة بشكل جامد فتشوَّه الموقف تجاه القِدَم وأُسيء فهمه.

وفي النهاية، لا فرق بين حصر سلطان الكنيسة بقرن واحد أو بخمسة قرون أو بثمانية قرون، ذ يجب ألا نضع له أي حدّ أو تحديد، لأنه لا يوجد أي مجال “للاهوت الترداد”. إن الكنيسة ما زالت تتمتَّع بسلطانها الكامل كما تمتَّعت به قديماً، لأن روح الحق يُحييها كما أحياها قديماً.

تراث اللاهوت البيزنطي

إن إحدى نتائج تحديدنا الكيفي للأدوار الزمنية هي جهلنا التراث اللاهوتي البيزنطي. لكننا أصبحنا الآن مستعدِّين أكثر من العقود الماضية لأن نقبل سلطان “الآباء” الدائم، خاصة عندما ظهر إحياء الدراسات الآبائية في الغرب. ومع ذلك فنحن ما زلنا نتجه إلى تضييق مجال قبولنا لها، لأن الكثيرين غير مستعدين لإدراج اللاهوتيين البيزنطيين بين الآباء، ولأننا مازلنا نميل إلى اعتبار العصر البيزنطي متمّماً للعصر الآبائي بشكل يكون فيه أقل شأناً، ولأننا مازلنا نشك في وثاقة صلته المعيارية بالتفكير اللاهوتي.

لقد كان اللاهوت البيزنطي أكثر بكثير من ترداد للاهوت الآبائي، فالجديد الذي برز فيه لم يكن اقل أهمية من “القِدَم المسيحي”. والحق، أن اللاهوت البيزنطي استمرار عضوي لعصر الآباء. فهل حصل أي انقطاع؟ وهل تغيَّرت روح (ethos) الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية في حقبة تاريخية معيّنة، علماً بأن شيئاً من هذا لم يلاحظ قط، بحيث ما ظهر فيها من تطور لاحق كان ذا سلطة متدنية عما سبقه؟ قبولنا بهذا الشيء يُستنتج ضمناً من التقليد الحصري بالمجامع المسكونية السبعة. فنحن بهذا نهمل القديس سمعان اللاهوتي الحديث والقديس غريغوريوس بالماس والمجامع الكبيرة التي أيّدت الحياة الهدوئية والتي عُقدت في القرن الرابع عشر. فما هي أهميتهم وسلطانهم في الكنيسة؟

مازال القديس سمعان اللاهوتي الحديث والقديس غريغوريوس بالماس معلِّمين كبيرين يلهمان الذين يجاهدون في الكنيسة الأرثوذكسية من أجل الكمال الروحي والذين يعيشون حياة الصلاة والتأمل، إمّا في جماعة رهبانية أو في التوحد في الصحراء أو حتى في العالم. هؤلاء المؤمنون لا يعون أي “انقطاع” مزعوم بين العصر الآبائي والعصر البيزنطي.

فالفيلوكاليا، التي هي دائرة معارف كبيرة عن التقوى الشرقية والتي تجمع كتابات من قرون متعددة أصبحت في أيامنا كتاباً يهدي كل من يرغب في ممارسة الأرثوذكسية في وضعنا الحاضر. والكنيسة اعترفت بسلطان نيقوديموس الآثوسي جامع هذه المؤلفان وأعلنت قداسته. بهذا المعنى نذهب إلى القول أن “عصر الآباء” يستمر في “الكنيسة المصلَّية”. أفما يجب أن يستمر أيضاً في سعينا اللاهوتي وفي دراستنا وبحثنا وإرشادنا؟ أما يجب أن نستعيد “فكر الآباء” أيضاً في تفكيرنا اللاهوتي وفي تعليمنا؟ فاستعادته لا تُشكل أسلوباً قديماً ولا ذخراً كريماًُ، هي موقف وجودي واتجاه روحي. بهذه الطريقة وحدها يستعيد لاهوتنا مكانه في كمال وجودنا المسيحي.

فلا يكفي أن نحافظ على “الليتورجيا البيزنطية” -كما نفعل- وأن نعود إلى الاهتمام بالأيقونة والموسيقى البيزنطيتين – ونحن مازلنا محجمين عن فعله بصورة دائمة- وأن نمارس بعض أساليب التقوى البيزنطية، بل يجب علينا أن نعود إلى جذور هذه التقوى التراثية وأن نستعيد “الفكر الآبائي”، وإلا وقعنا في خطر الانقسام الداخلي، كما حدث في أوساطنا، بين أشكال التقوى “التقليدية” وبين عادتنا اللاتقليدية في التفكير اللاهوتي. وهذا خطر حقيقي. فنحن “كمصلِّين” مازلنا نحافظ على “تقليد الآباء”. أما يجب أن نقف بضمير حيّ وبمجاهرة في هذا التقليد أيضاً “كلاهوتيين” وكشهود ومعلِّمين للأرثوذكسية؟ هل نقدر أن نحتفظ باستقامتنا بطريقة أخرى؟

القديس غريغوريوس بالماس والتألّه

تتصل كلّ هذه الاعتبارات التمهيدية بهدفنا المباشر وهو: ما هو التراث اللاهوتي عند القديس غريغوريوس بالماس؟ إن القديس غريغوريوس لم يكن لاهوتياً منظِّراً، بل كان راهباً وأسقفاً. ولذلك لم يهتمّ بالمسائل الفلسفية المجرّدة، مع أنه كان مثقفاً جداً في هذا الحقل، لأن همّه الأوحد ارتبط بمسائل الوجود المسيحي. فهو بوصفه لاهوتياً قام بترجمة خبرة الكنيسة الروحية، لأنه كتب معظم مصنَّفاته باستثناء عظاته لمواجهة المشاكل الطارئة. فصارع مشاكل عصره الذي كان جرجاً ومشحوناً بالجدل والقلق ومتَّسماً أيضاً بالتجديد الروحي.

اتَّهمه أعداؤه بالابتداع المدمِّر، وحتى هذا اليوم ما برح الغربيون يقذفونه بهذا الاتهام. أمَّا هو فمتأصل في التقليد، حتى إننا لا نحد صعوبة في إرجاع أكثرية أرائه ودوافعه إلى الآباء الكبادوكيين (باسيليوس الكبير وغريغوريوس النزينزي وغيريغوريوس النيصصي) وإلى القديس مكسيموس المعترف الذي كان أكثر معلِّمي الفكر والإيمان البيزنطيين شعبية. وكان القديس غريغوريوس يعرف أيضاً فكر ديونيسيوس الآريوباغي. كان متأصلاً في التقليد، لكن لاهوته لم يكن “تكرارياً”، بل كان امتداداً خلاّقاً للتقليد القديم. وكانت نقطة انطلاقه هي الحياة في المسيح.

من بين المواضيع المتعددة التي تناولها لاهوت القديس غريغوريوس نكتفي ببحث موضوع واحد يثير الكثير من الجدل وهو ما هي الصفة الأساسية في الوجود المسيحي؟ إن الهدف الأسمى من الحياة البشرية قد حدّده الآباء في تقليدهم من خلال لفظة “التألّه” (Theosis). لا شكل أن لفظة “التأله” مزعجة للأذن المعاصرة. حتى إننا لا نقدر أن نترجمها بدقة إلى أية لغة معاصرة ولا نقدر أن نترجمها حتى إلى اللاتينية. وفي اليونانية تبقى اللفظة ثقيلة ومتكلّفة. والحق، أنها لفظ جريئة، لكنَّ معناها واضح وبسيط.

هذه اللفظة كانت تعبيراً حاسماً في المصطلح الآبائي. يكفي أن نقتبس أقوال القديس أثناثيوس: “فهو أصبح إنساناً حتى يؤلِّهنا في ذاته” (إلى أدلفيوس 4)، “لقد تأنس حتى نتألَّه نحن” (في التجسد 54). هكذا يلخَّص القديس أثناثيوس فكرة القديس ايريناوس الشهيرة: “هو بمحبته العظيمة صار مثلنا حتى يرفعنا إلى ما هو عليه” (ضد الهرطقات 5، المقدمة). هذه كانت قناعة الآباء اليونانيين عامة. ويقدر المرء أن يقتبس بتفصيل أقوال القديس غريغوريوس النزينزي وغريغوريوس النيصصي وكيرلس الإسكندري ومكسيموس المعترف وسمعان اللاهوتي الحديث.

فالإنسان يبقى دائماً هو هو، أي إنه كائن مخلوق. لكنه في يسوع المسيح، الكلمة المتأنس، وعده الله وأعطاه المشاركة الفعلية في ما هو إلهي، أي في الحياة الأبدية غير الفاسدة. إن الميزة الرئيسية للتألّه، عند آباء الكنيسة، هي الخلود واللافساد، إذ لله “وحده الخلود” (1تيمو6: 16). لكن الإنسان يُقبل الآن في “اتحادٍ” صميم بالله بواسطة المسيح وبقوة الروح القدس. وهذا الاتحاد هو أكثر بكثير من اتحاد “خلقي” ومن كمال بشري. وحدها لفظة “التألّه” تقدر أن تُترجم ترجمة وافية فرادة الوعد والعطاء. فهي تعيقنا وتربكنا إذا ما فكّرنا فيها من خلال المقولات “الوجودية” والكيانية. الإنسان لا يقدر أن “يصير” إلهاً، لكنَّ الآباء كانوا يفكرِّون على المستوى “الشخصي” ويرجعون إلى سرّ الاتحاد الشخصي. “التألّه” مواجهة شخصية، إنه هذا الاتصال الحميم للإنسان بالله الذي يخترق فيه الحضور الإلهي كل الوجود الإنساني.

لكن المشكلة الباقية هي: كيف تنسجم هذه العلاقة مع التعالي الإلهي، وهل يلاقي الإنسان الله حقاً في هذه الحياة على الأرض؟ وهل يلاقي الإنسان الله حقاً ويقيناً في حياة الصلاة الحاضرة؟ أم هل نحن فقط بصدد “مقدرة مستقبلية” (action in distans)؟ ما قاله الآباء الشرقيون هو أن ارتقاء الإنسان في العبادة يوصله إلى ملاقاة الله وإلى مشاهدة مجده الأزلي. لكن إذا كان الله “يسكن في النور الذي لا يُدنى” فكيف نقدر أن نلاقيه؟ كانت المفارقة الظاهرية حادة بصورة خاصة في اللاهوت الشرقي الذي التزم دوماً الاعتقاد بأن الله “لا يُدرك” كلياً (akataliptos) وأنه لا يُعرف في طبيعته أو جوهره.

هذا الاعتقاد عبّر عنه بقوة الآباء الكبادوكيون، في صراعهم ضد الأفنوميين، وعبّر عنه القديس يوحنا الذهبي الفم في مباحثه الرائعة “في عدم إدراكنا لله” (Peri Akataliptou). فإذا كان الإنسان لا يقدر أن يدنو من الله في جوهره، وإذا كان اتحاده بجوهره مستحيلاً فكيف يكون “التأله” ممكنا؟ يقول الذهبي الفم: “من يبتغِ إدراك جوهر الله يشتمه”، والقديس أثناثيوس ميّز بين جوهر الله وقواه فقال: “هو موجود بصلاحه في كل الأشياء، لكنه يبقى خارجها بطبيعته الخاصة” (في مقررات مجمع نيقية 2). هذا المفهوم وسّعه بدقة الكبادوكيون.

فقال القديس باسيليوس إن الإنسان لا يقدر أن يدنو من “جوهر الله” (ضد أفنوميوس 1: 14). إننا نعرف الله في قواه فقط ومن خلالها: “نحن نقول إننا نعرف إلهنا من قواه وأفعاله لكننا لا نعطي وعداً بأننا ندنو من جوهره، لأن قواه تنحدر إلينا، أمّا جوهره فيبقى بعيداً” (الرسالة 234 ضد أمفيلوخيوس). لكنّ هذه المعرفة لا تكون حدساً أو استدلالاً، إذ إن قواه تنحدر إلينا. وفي تعبير القديس يوحنا الدمشقي، هذه القوى إعلان عن الله نفسه: “الإشراق الإلهي والقوة” (العرض الدقيق للإيمان الأرثوذكسي 1: 14). فحضوره حقيقي ولا يكون فقط مثل “حضور الممثِّل فيما يفعله”. ورغم التعالي المطلق في الجوهر الإلهي تعلو هذه الطريقة السرية للحضور الإلهي على كل فهم، لكنّ هذا التعالي لا يجعلها غير أكيدة بالنسبة للعقل.

في هذا المجال يستند القديس غريغوريوس بالاماس إلى تقليد قديم. فالله الذي لا يُداني يدنو من الإنسان “بقواه” سرِّياً. هذه الحركة الإلهية تُحدث اللقاء، فهي “حركة نحو الخارج” على حدّ قول مكسيموس المعترف (تعليق على كتاب الأسماء اللإلهية 1، 5).

يبدأ القديس غريغوريوس التمييز بين “النعمة” و “الجوهر” فيقول : “لا تكون الإنارة الإلهية المؤلِّهة جوهر الله، بل قوته” (الفصول الفلسفية واللاهوتية 68- 69). هذا التمييز اعترفت به الكنيسة رسمياً في المجمعين الكبيرين اللذين عُقدا في القسطنطينية سنة 1341 وسنة 1351. حتى إنها أبسلت من ينكر هذا التمييز. وهذه الإبسالات التي أصدرها مجمع سنة 1351 أُدرجت في خدمة أحد الأرثوذكسية في كتاب التريودي. فاللاهوتيون الأرثوذكسيون إذاً مُلتزمون بهذا القرار. بما أن الجوهر الإلهي لا يُدانى فمصدر التأله الإنساني وقوته لا يعودان إلى الجوهر الإلهي، بل إلى “نعمة الله”، لأن “القوة الإلهية المؤلِّهة التي يتألَّه بها المشاركون فيها هي نعمة إلهية لا جوهر إلهي” (المصدر نفسه 92-93).

فما النعمة (Kharis) جوهراً (Ousia)، بل هي “النعمة الإلهية غير المخلوقة والقوة غير المخلوقة” (المصدر نفسه 69). لكنَّ هذا التمييز لا يحمل انقساماً أو انفصالاً (المصدر نفسه 127). إن القوى تصدر عن الله وتظهر كيانه ووجوده ولفظة “تصدر” (proiene, προιεναι) تشير إلى التمييز لا إلى الانفصال. “وإن اختلفت نعمة الروح عن طبيعتها، لكنها لا تنفصل عنها” (ثيوفانيس ص. 940).

يفترض تعليم القديس غريغوريوس عمل الله الشخصي، أي إن الله يتحرك باتجاه الإنسان ويحتضنه “بنعمته” وفعله، من دون أن يغادر “النور الذي لا يُدانى” المقيم فيه أبداً. فكان الهدف الأسمى من تعليمه اللاهوتي الدفاع عن حقيقة الخبرة المسيحية، لأن الخلاص أكثر من غفران، فهود تجديد حقيقي للإنسان. وهذا التجديد لا يتمّ من خلال التحرر من بعض القوى الطبيعية الموجودة في طبيعة الإنسان المخلوقة، بل من خلال “قوى” الله نفسه الذي يلاقي الإنسان ويوحِّده مع ذاته. والحق، أن تعليم القديس غريغوريوس يؤثِّر في كل المنهج اللاهوتي وفي جسم العقيدة المسيحية. فهو يبدأ بالتمييز الواضح بين “طبيعة” الله و”إرادته”. وهذا التمييز كان من ميزات التقليد الشرقي، على الأقل ابتداء من القديس أثناثيوس.

في هذا المجال يمكن طرح السؤال التالي: هل ينسجم هذا التمييز مع “بساطة” الله؟ أم هل ننظر إلى هذا التمييز كتخمينات عقلية ضرورية لنا، لا أهمية وجودية لها؟ لقد هاجمه أعداءه من هذه الزاوية، لأنهم كانوا يعتبرون أن كيان الله بسيط وأن كل صفاته متطابقة. وأوغسطين ابتعد أيضاً عن التقليد الشرقي في هذا المجال، ولذلك يظهر تعليم بالاماس غير مقبول إذا قسناه بالفرضيات الأوغسطينية. وبالماس نفسه توقّع الاعتراضات التي يمكن أن تنتج عن تمييزه الأساسي فقال إنه إذا لم يقبله المرء لاستحال التمييز بوضوح بين “ولادة” الابن و”خلق” العالم، كونها من أعمال الجوهر.

وهذا يقود إلى خلط وتشويش عقيدة الثالوث. وكان القديس غريغوريوس بالماس متشدداً في هذه النقطة إذ قال: “إذا لم تختلف القوة الإلهية في شيء عن الجوهر الإلهي، كما يعتقد أعداؤنا الذين يهذون من يشاطرهم الرأي، فلن يختلف فعل الخلق الذي ينتمي إلى الإرادة في شيء عن الولادة والانبثاق اللذين ينتميان إلى الجوهر. وإذا لم يختلف الخلق عن الولادة والانبثاق فلن تختلف المخلوقات في شيء عن المولود والمنبثق. وبهذه الطريقة لن يختلف ابن الله والروح القدس عن المخلوقات، وتصبح المخلوقات كلّها “من مواليد الله ومبثوقاته” وتتألَّه الخليقة ويُدرج الله بين المخلوقات.

لذلك عندما أظهر كيرلس الموقَّر الفرق بين جوهر الله وقوته قال إن الولادة تنتمي إلى الطبيعة الإلهية حين أن الخلق ينتمي إلى قوته الإلهية. وهذا ما أظهره بوضوح عندما قال: “ما الطبيعة والقوة شيئاً واحد”. إذا كان الجوهر الإلهي لا يختلف عن الخلق والصنع. إن الله الآب يخلق بالابن في الروح القدس. ولذلك يلد الله ويبثق، وفق رأي أخصامنا ومن يوافقهم، بالابن في الروح القدس” (الفصول 96-97).

هنا اقتبس بالماس مقطعاً كيرلس الإسكندري، لكنَّ القديس كيرلّس كان يردد ما قاله القديس أثناثيوس الذي أكَّد، في دحض الآريوسية، الفارق الكبير بين الجوهر (أو الطبيعة) والإرادة. الله موجود قبل أن يفعل وهناك نوع من “الضرورة” في الكيان الإلهي، لكنها لا تكون ضرورة إكراه أو قدر، بل ضرورة الوجود نفسه، الله هو ما هو، فهو حرّ الإرادة كلياً. هو لا يُكرِهُهُ أحد على فعل الأشياء التي يقوم بها. لذلك تكون الولادة دائماً “بحسب الطبيعة”، أمَّا الخلق فيكون “عمل الإرادة” (ضد آريوس 3، 64-66). هذان البعدان، بُعد الوجود وبُعد الفعل، يختلفان، بل يجب أن نميِّز بينهما بوضوح. ومما لا شك فيه هو أن هذا التمييز لن يعرِّض “البساطة الإلهية” للخطر، لأنه تمييز حقيقي لا مجرَّد صورة منطقية. لقد وعى بالماس أهمية هذا التمييز فكان في هذا المجال خليفة أثناثيوس الكبير وخليفة أساقفة كبادوكية الكبار حقاً.

اقترح البعض مؤخراً أن نَصِفَ لاهوت القديس غريغوريوس بعبارات حديثة كعبارة “اللاهوت الوجودي”. والواقع أن لاهوته يختلف جذرياً عن كل المفاهيم الحديثة التي تدلّ عليها عادة هذه العبارة. وفي أي حال فإنه قاوم بقوة كل أنواع “اللاهوت الجوهري” (Essentialist) الذي فشل في تفسير حرية الله ودينامبية إرادته وحقيقة عمله الإلهي، وأرجع هذه النزعة إلى أوريجنس. فهذا هو المأزق الكبير الذي وقع فيه الميتافيزيقيون اللاشخصانيون اليونانيون. وإذا كان هناك مجال لميتافيزيقيا (ماورائية)  مسيحية فيجب أن تكون ميتافيزيقية الأشخاص.

انطلق بالماس من تاريخ الخلاص ومن التاريخ الكتابي القائم على الأعمال الإلهية، هذا التاريخ الذي بلغ أوجه في تجسد الكلمة وفي تمجيده بالصليب والقيامة. أمّا إذا تحدَّثنا عن تاريخ الإنسان المسيحي الذي يسعى إلى الكمال فإننا نراه يرتقي درجة درجة حتى يلاقي الله في رؤية مجده. كان وصف لاهوت القديس ايريناوس “بلاهوت الوقائع” مألوفاً. ولذلك نقدر أن نصف لاهوت بالماس بأنه “لاهوت الوقائع” أيضاً، وذلك بقوة التبرير نفسه.

وفي أيامنا هذه نحن نقتنع أكثر فأكثر بأن “لاهوت الوقائع” هو وحده اللاهوت الأرثوذكسي السليم. فهو لاهوت كتابي وآبائي يلائم كليّاً فكر الكنيسة. لذلك يمكننا أن نعتبر القديس غريغوريوس بالماس مرشدنا ومعلِّمنا في سعينا إلى التكلّم في اللاهوت من قلب الكنيسة.

________________________________________

(*) اقترح البعض مؤخراً أن يكون العرفانيون هم أول من احتكم رسمياً إلى سلطان “التقليد الرسولي”. وإحتكامهم إليه حرّك القديس إيريناوس لبسط مفهومه عن التقليد: راجع:

  1. B. Reynders, “Paradosis: Le progres de L’idee de tradition jusqu’a Saint Irenee”, in Recherches de Theologie ancienne et medievale 5 (1933) 155-191.

آباء الكنيسة – الفكر والإتباع والسلطان

علم الآباء 1 – تعريف علم الباترولوجي Patrology

علم الآباء 1 – تعريف علم الباترولوجي Patrology

علم الآباء

تعريف علم الآباء:

كلمة (Partology) مأخوذة من الكلمة اللاتينية (pater) واليونانية “ρηταπ” اي (أب)[1]، (logia) أي (علم)، فالباترولوجي هو العلم الذي يبحث في حياة آباء الكنيسة، من حيث أعمالهم (أقوالهم وكتاباتهم)، وأفكارهم اللاهوتية، ويقوم بتحقيقها عِلمياً وترجمتها إلى اللغات الحيّة ونشرها.

ونحن عندما نُقنِّن أقوال الآباء ضمن العلوم، فهذه لأَّنها حقائق ثابتة، كما أنها تحمل سمات المعرفة المنظَّمة ذات الهدف الواضح..

أهمية دراسة علم الآباء:

إنَّ دراسة سير الآباء أو حياتهم هو أمر حيويّ، من خلاله نتعرف على شخصياتهم والظروف المحيطة بهم، التي من خلالها سجلوا لنا كتابتهم، كذلك أعمالهم سواء كانت أقوال او كتابات أو رسائل.. فهي جزء لا يتجزأ من تاريخ حياتهم.

ونحن عندما نقول: إنَّ الكنيسة الأرثوذكسية لها جذور آبائية قوية، فهذا إنما يرجع إلى تعاليمها التي استمدتها من الكتاب المقدس وكتب الآباء، ولهذا يقول معلمنا بولس الرسول: “اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ بِكَلِمَةِ اللهِ، انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرتَهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ” (عب 7:13)، فدراسة كتابات الآباء ليست دراسة نظرية أو أدبيّة فقط، إنما تشمل فكر الآباء اللاهوتيّ والروحيّ والرعويّ، كما تشمل سيرهم، حياتهم، نسكياتهم…

من خلال دراسة أقوال الآباء، نستطيع أن نأخذ منهجهم وروحهم في العبادة، فالعبادة الحقيقية هي بالروح وليست مجرد كلام، وبالحق وليست شكلية، لأنَّ “اَللَّهُ رُوحٌ وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالروُّحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا” (يو 24:4)، فهناك امتزاج بين التعليم والتلمذة.

ومَن يتأمل في حياة السيد المسيح، يجد أنَّه لم يترك لتلاميذه إنجيلاً مكتوباً، بل علَّمهم أن يتمثلوا به “نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضاً قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ” (1بط 15:1)، وعندما غسل أقدام التلاميذ قال لهم: “لأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالاً حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضاً” (يو 15:13).

يقول معلمنا القديس يوحنا الحبيب: “مَنْ قَالَ إِنَّهُ ثَابِتٌ فِيهِ، يَنْبَغِي أَنَّه كَمَا سَلَكَ ذَاكَ هَكّذَا يَسْلُكُ هُوَ أَيْضاً” (1يو 2:6)، أمَّا معلمنا القديس بطرس الرسول فيقول: “لأَنَّكُمْ لِهَذَا دُعِيتُمْ فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضاً تَأَلَّمَ لأَجْلِنَا، تَارِكاً لَنَا مِثَالاً لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُواتِهِ” (1بط 21:2).

فعمل علم الآباء الأساسيّ هو التعرّف على حياة الكنيسة الأولى، إيمانها وروحانياتها، فكرها اللاهوتيّ والمسكونيّ والنُسكيّ… فالهدف من دراسة علم الباترولوجي هو الكشف عن فكر الآباء من حيث عقائدهم وتعاليمهم وكتاباتهم.

بهذه الطريقة عاشت الكنيسة الأرثوذكسية ترتوي بتعاليم الآباء التي أوصى بها العريس عروسه “إِنْ لَمْ تَعْرِفِي أَيَّتُهَا الْجَمِيلَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ فَاخْرُجِي عَلَى آثَارِ الْغَنَمِ وَارْعَيْ جِدَاءَكِ عِنْدَ مَسَاكِنِ الرُّعَاةِ” (نش 8:1)، وما آثار الغنم إلاَّ الآباء الذين نرتوي من تعاليمهم وسيَرهم وعقيدتهم.

كلمة أب لُغَوّياً وكتابياً وكنسياً:

لغوياً:-

ترجع أصل كلمة (أب) في العبرية، والأرامية والعربي Abba ، وفي اليونانية ρηπατ ، وفي الفرنسية  ABBE وتعني أب روحيّ.

وفي الإنجليزية عندما تأتي مُعَرَّفة (The Abbot)، يُقصد بها الراهب الذي يتولى الأبُوّة الروحيّة أو الإرشاد والتوجيه أو رئيس الدير، وقد وُجِد في مخطوطات ترجع للقرن الرابع الميلاديّ أن كلمة (ABA) في كتابات بلاّديوس تحمل هذا المفهوم، هذا وقد استخدمها المصريّ القديم بمعنى شيخ متقدم في الحكمة، كما كان يُستخدَم هذا اللقب في مخاطبة رب البيت، ولم يكن مسموحاً للخدم والعبيد استخدام هذا اللقب في مخاطبة رب البيت[2]

كتابياً:-

إنَّ الاسم “أب” هو لفظ تُعطيه التوراة لوالد الابن أو الأبنة وللجد (تك 13:28)، (خر 3:12)، (عب 23:11)، ولجد مجموعة معينة (تك 21:10)، (مت 9:3).

كذلك استخدمت كلمة “أب” في الكتاب المقدس، للحديث عن الجيل الأول من المؤمنين في العهد القديم، فكان يهوه يُدعى “إِلهِ آبَائِنّا” (تك 26:24؛ 28:13؛ 5:31؛ 1أخ 17:12؛ 2أخ 6:20؛ طوبيا 13:3؛ 7:8؛ دا 26:3؛ يهوديت 8:10). كما كان اللقب الرسميّ للكتبة في التقليد اليهوديّ هو “آباء”[3].

وفي العهد الجديد استخدمها السيد المسيح في علاقته مع الآب: “يَا أَبَا الآبُ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لَكَ” (مر36:14)، ونحن نستخدمها في علاقتنا مع الآب أيضاً: “إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا روُحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضاً لِلْخَوْفِ بَلْ أَخَذْتُمْ روُحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: يَا أَبَا الآبُ!” (رو 15:8)، “ثُمَّ بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ، أَرْسَلَ اللهُ روُحَ ابْنِهِ إلَى قُلُوبِكُمْ صَارِخاً: يَا أَبَا الآبُ” (غل 6:4)، ولكن مع الفارق، فالآب أب للمسيح بالطبيعة، أمَّا نحن أبناء الله بالتبني. الله وحده هو “الآب”، فأُبَّوة الله لنا فريدة، تصل إلينا عن طريق التعليم والحب من أولئك الآباء الذين يلدونا عن طريق التعليم.

وقد استخدم معلمنا بولس الرسول الكلمة لوصف علاقة الإيمان، فإبراهيم هو “أَبٌ لِجَمِيعِنَا” (رو 16:4)، وعن علاقته بالمؤمنين يقول: “لَيْسَ لِكَيْ أُخَجِّلَكُمْ أَكْتُبُ بِهَذَا بَلْ كَأَوْلاَدِي الأَحِبَّاءِ أُنْذِرُكُمْ لأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ رَبَوَاتٌ مِنَ الْمُرْشِدينَ فِي الْمَسِيحِ لَكِنْ لَيْسَ آبَاءٌ كَثِيرُونَ لأَنِّي أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ” (1كو 14:4،15)، كما يقول عن أُنسيمس “أَطْلُبُ إِلَيْكَ لأَجْلِ ابْنِي أُنِسِيمُسَ الَّذِي وَلَدْتُهُ فِي قُيُودِي” (فل 10).

كما جاءت كلمة “أولادي” في رسائل القديس يوحنا الحبيب: “يَا أَوْلاَدِي أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هَذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا” (1يو 1:2،12،13،18،28؛ 1يو 7:3).

كنسياً[4] :-

جرت العادة منذ وقت قديم جداً على تسمية مُعلّمي الكنيسة ومؤلفي الكتابات المسيحيّة الأولى باسم “آباء الكنيسة”[5] ارتبطت كلمة (أب) في الكنيسة الأولى بالتعليم، فالآباء هم مُعلّمو “الإيمان الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ” (يه3)، تميّزوا باستقامة الرأي وقداسة السيرة، وكان التعليم في الكنيسة مقتصراً على الأب الأسقف، لذلك كانت كلمة (أب) مقتصرة على الأسقف، لذا يسميهم القديس إيريناؤس: “أما الأساقفة المُؤتَمنون على التعليم الرسوليّ…”[6]، ولكن بظهور البدع والهرطقات في القرن الرابع الميلاديّ، أعطت الكنيسة فرصة لأُناس لا يحملوا رتباً كهنوتية للتعليم، فالقديس أُغسطينوس يعتبر أنَّ جيروم أباً مع أنَّه لم يحمل رتبة كهنوتية[7]، لكن لكونه معلّم أُطلق عليه هذا اللقب، لأنَّه يلد المؤمنين روحياً في كنيسة المسيح، فكلمة (أب) ترتبط بالكهنوت والتعليم أيضاً، وهذا ما أوضحه معلمنا القديس بولس الرسول: “أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ” (1كو 15:4)، أي أن الولادة تكون بالتعليم والكرازة، فالمسيحيّة حياة تلمذة وتسليم، هذا التسليم هو التقليد بكل جوانبه من عقائد، ليتورجية، تاريخ، سير الآباء..

يقول القديس إيريناؤس Ireneus أسقف ليون (130-200م) في كتابه ضد الهراطقة: “حينما يتعلّم شخص من فم شخص آخَر، فإنَّه يُسمَّى ابناً للذي علَّمه، والذي علَّمه يُدعَى أباه”[8].

أمَّا القديس أكلمنضس السكندريّ (150-215م) فيقول: “الكلمات هي ذُريّة النفس ولذلك ندعو الذين علَّمونا آباء لنا، وكل من يتعلَّم هو من جهة الخضوع ابن لمُعلَّمه”[9].

وقد لُقب القديس بوليكاربوس أسقف أزمير (69-156م) بلقب: “معلَّم آسيا، أب المسيحيّين”، فعند استشهاده صرخ الوثنيون: هذا هو أب المسيحيّين، وبمرور الوقِت تحوّلت تسمية البابا او البطريرك إلى لقب يُطلق على أساقفة الكراسيّ المسيحيّة الكبرى وهي: الإسكندرية وروما[10].

كما يعتبر (VINCENT) ببلاد الغال – فرنسا – (434م)، أنَّ الآباء هم معلّمو الكنيسة دون تمييز بينهم في الرتب الكهنوتية.

بناء على هذا يمكن القول إنَّ كتابات آباء الكنيسة تعني ما حفظ من كتابات، من أيام الرسل حتى يومنا هذا لآباء قديسين مجاهدين، رأوا الله واختبروا خلاصه، فعبَّروا عن ذلك بالروح القدس العامل فيهم، وهذه الكتابات تُعتبر من تراث الكنيسة الأولى، لأنَّها استمرار أصيل للتسليم الرسوليّ الأول، والمرجع الأفضل لتفسيره ومعايشته، فالروح القدس العامل في الكنيسة إلى الأبد، الذي أرشد الاباء الرسل والقديسين في كل عصر إلى جميع الحق: “وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزّياً لِيمَكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ” (يو 16:14).

الصفات الواجب توافرها في آباء الكنيسة:

يجب أن يكون للأب مقالات أو كتب أو رسائل أو أقوال كتبها هو أو سجلها له أبناؤه، وقد جرى العُرف على ضرورة توفر (4 صفات)[11] في مَن يُعتبرون آباء كنيسيين ألاَ وهي:

  1. أرثوذكسيّ العقيدة :-

أي مستقيم الإيمان ويحافظ على الإيمان السليم الذي تسلّمه من الآباء، حيث أن أقوال الآباء في العقيدة تُعتبَر حُجة يؤخذ بها، ولهذا يقول فنسنت دي ليرنس Vincent de Lerins (434م): “لو أُثير سؤال جديد لم يكن قد اتُّخِذَ قرار بشأنه قبل ذلك، فينبغي الرجوع إلى آراء الآباء القديسين، وعلى الأقل إلى أولئك الذين كانوا مقبولين كمُعلمين يحظون بالاعتراف من الجميع، بسبب أنَّهم ظلوا في الشركة والإيمان، هؤلاء الآباء قد علَّموا بفكر واحد واتفاق تام”[12].

ولكننا نوضح أنَّ الكنيسة الأرثوذكسية لا تؤمن بعصمة الآباء، ولا تقبل الرأي الشخصيّ لهم، إنَّما تعرفهم من خلال عضويتهم في جسد المسيح الواحد، كما أنَّ علم الباترولوجيّ يمكن أن يستفيد من آراء العلماء، الذين كانت لهم علاقة وثيقة بالآباء، ولكنهم سقطوا في هرطقات مثل العلاَّمة “ترتليان Tertullian”[13]، “وتاتيان Tatian”[14]، و”أوريجانوس Orgenes”[15].

كما يمكن أن ندرس أيضاً كتب الهراطقة وكتب الأبوكريفا لنتّفهم ما عانته الكنيسة الأولى من الهرطقات وكيف جابهها الآباء، ونتعرّف كيف شهدت الكنيسة للحق بالرغم من مقاومة الهراطقة، فذلك يمثل جزءاً من تاريخ الكنيسة. كما نتعرّف على ما قابلته الكنيسة من اضطهادات داخلية، وهكذا نتعرف على العقيدة السليمة.

أخبرَنا البابا ديونيسيوس (البطريرك الرابع عشر)، أنَّه اعتاد أن يقرأ حتى كتب الهراطقة، وأنَّه قد تشجعَ على ذلك بواسطة رؤيا إلهية، ففي رسالته الثالثة عن المعمودية التي كتبها إلى القَسِّ الرومانيَّ فليمون يقول: “فَحصت أعمال وتقاليد الهراطقة، مُدنساً عقلي وقتاً قصيراً بآرائهم الكريهة، ولكنني حصلتُ على هذه الفائدة منهم، وهي أنني قد فنَّدتُ آرائهم بنفسي، وعندما حاول أحد القسوس أن يمنعني خشية أن أحمل تيار شرهم ونجاستهم، كنت أرى أيضاً أنه يقول الحق، أتتني من الله رؤيا شددتني، والكلمة التي أتتني أمرتني قائلة بكل وضوح أن أقرأ كل ما يمكن أن تصل إليه يديك، فإنك قادر أن تُصحِّح كل شيء وتمتحنه، فإن هذه العطية هي سبب إيمانك منذ البداية، فقبلتُ الرؤيا على أساس أنَّها تتفق مع الكلمة الرسوليّة القائلة لمَن هم أقوى مني: “كونوا صيارفة ماهرين”[16]، وقد أهَّلته قراءاته المكثفة في كتب الهراطقة على الرد عليهم مستعيناً بما ورد في كتاباتهم، مع ملاحظة أن هذا الفكر لا يمكن تعميمه على الكلّ، فقد يتعثر البعض من القراءة في كتب الهراطقة، فيقول مُعلمنا القديس يوحنا الرسول: “أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ روُحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الآَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟ لآَنَّ أَنْبِيَاءَ كَذَبَةَّ كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى الْعَالَمِ” (1يو 1:4).

  1. قُدسيّة حياتهم :-

في دراستنا لعلم الباترولوجي لا ندرس أقوال أو كتابات الآباء دراسة أدبيّة فقط؛ بل نأخذ تعاليمهم ممتزجة بروحياتهم وحياتهم، فقد قدّم الآباء حياتهم شهادة لاسم الله القدوس، حيث إن حياة القداسة التي يحياها الآباء تنعكس بصورة مباشرة على أقوالهم “الإنسان الصَّالِحُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الصَّالِحِ يُخْرِجُ الصَّلاَحَ وَالإنسان الشِّريِّرُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الشِّريِّرِ يُخْرِجُ الشَّرَّ. فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ فَمُهُ” (لو 45:6).

  1. قَبولهم كنسياً :-

نحن لا نعرف الآباء إلاَّ من خلال عضويتهم في جسد المسيح الواحد، والمجامع الكنسيّة الأرثوذكسية تفرز الكتابات والآراء غير مستقيمة العقيدة، كما أنَّها تحرِم الذين يحيدون عن الأمانة المستقيمة وتعتبرهم هراطقة.

  1. القِدَميَة :-

يضع بعض علماء الباترولوجي شرط (الزمن) بمعنى أن يكون الأب منتمياً إلى الكنيسة حتى زمن معيَّن، حدَّدها البعض بالقرن السادس وآخَرونَ بالقرن الثامن، ويرى آخَرون أن عصر الآباء ممتد مادام الرب يرافق الكنيسة ويعمل فيها، لهذا لا ينقطع عنها آباء قديسونَ معلّمونَ[17].

لكن يرى الآباء من الناحية الروحيّة أن القِدَميَّة ليست زمنية فقط، بل الشهادة للأمانة السليمة الإيمان الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ” (يه3)، والقدمية الزمنية لم تتوفر لكل الآباء، وخاصة الذين جاءوا بعد صياغة مضمون العقيدة المسيحيّة المستقيمة، فيما يتعلق بالثالوث القدوس ومساوة الأقانيم والتجسد والفداء وعقيدة الروح القدس أي فيما قررته المجامع المسكونية الثلاثة الأولى حتى القرن الخامس.

لم يتخصص آباء الكنيسة في كل العلوم والمجالات الكنسيّة، فمنهم مَن دافع عن العقيدة وصاغوا الإيمان، ومنهم مَنْ حضر المجامع.. ولهذا لُقبوا بالآباء معلمو العقيدة…

الآباء معلمو العقيدة :-

وهم الذين ساهموا في تحديد مضمون الإيمان، الذي تسلمته الكنيسة من الآباء الرسل أو صياغته أو شرحه، مع مراعاة أنَّ الآباء منهم الأساقفة أو الكهنة أو المؤمنونَ العادِّيونَ، فهم امتداد للآباء الرسل القديسين، فهم الذين قاموا بتوصيل إيمان الرسل إلى الكنائس، واعْتُمِدَتْ كتاباتهم كمصدر للتعليم.

الكنيسة في تحليل الخدام تأخذ الحِل من الآباء الرسل ابتداء من القديس مارِمرقس الرسول؛ ومن الآباء مُعلمي العقيدة: البطريرك القديس ساويرس، ومعلمنا القديس ديسقورس، والبابا أثناسيوس الرسوليّ، والقديس بطرس خاتم الشهداء، والقديس يوحنا ذهبيّ الفم والقديس كيرلس، والقديس باسيليوس، والقديس غريغوريوس، وأيضاً من (أباء) المجامع المسكونية: “الثلاثمائة والثمانية عشر المجتمعين بنيقية، والمائة والخمسين المجتمعين بالقسطنطينية، والمائتين بأفسس”.[18]

الكتاب الكنسيّون :-

وهم الذين لم تُتَحْ لهم الفرصة للاشتراك في صياغة قانون الإيمان أو المصطلحات العقائدية، يُطلَق عليهم “الكُتّاب الكنسيّون”، سواء كانوا من الآباء البطاركة أو الأساقفة أو الكهنة أو علماء الكنيسة الذين جاءوا بعد المجامع المسكونية، وجاءتْ كتاباتهم متفقة مع عقيدة الكنيسة الأرثوذكسية، ويرجع هذا التعبير إلى جيروم في أواخر (ق 4م)[19].

الآباء المسكونيون العظام[20] :-

تعتمد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية خمسة آباء تُسميهم “الآباء المسكونيين العظام”، هم: القديس أثناسيوس الرسوليّ، القديس كيرلس عمود الدين، القديس باسيليوس الكبير، القديس غريغوريوس النزينزيّ، القديس يوحنا ذهبيّ الفم.

أهمية دراسة كتابات الآباء:

1- في كل عصر يُعْتمَدُ على كتابات الآباء في تفسير الكتاب المقدس، وخاصة في تفسير الآيات التي نستقي منها العقائد الإيمانية … لنقتدي بهم في  حُبهم للكتاب المقدس وحفطه وشرحه، ولنقتفي آثارهم في الكمال والقداسة.

2- نستقي منهم العقائد الإيمانية السليمة، فنعتَبِرُ أقوالهم وكتاباتهم حُجة نكتسب منها المعرفة اللاهوتيّة الصحيحة والتفكير اللاهوتيّ العميق، وشرح الإيمان والدفاع عنه ضد الهراطقة والمبتدعين. فالتعاليم اللاهوتية والعقائد عند الآباء هما حياة معاشة، فقد عاش الآباء بركات العقيدة، ليس باعتبارها مجرّد معرفة أدبيّة أو فلسفية، بل على أنها اتحاد القلب والعقل مع الله.

3- لنتعرف على تاريخ كنيستنا الذي يمثل خطة الله لخلاص البشرية.

4- الكنيسة هي (جماعة) المؤمنين منذ بدء الخليقة حتى نهايتها، والآباء هم أعضاء أحياء في هذه الكنيسة، فقد اختبروا متطلبات الإيمان في عصرهم، وجاهدوا حتى الدم من أجل تثبيت هذا الإيمان، ولذا فخبرتهم كنز ثمين لنا، وعلينا أن نتعرف ونطلّع عليها، لنستفيد منها ونحن نواجه تحديات الإيمان، وتحديات العالم، ومن الممكن أننا أحياناً نواجه المشكلة نفسها التي واجهها الآباء وإن اختلف الزمن. إذاً نحن ندرس كتاباتهم لنعيش معهم ونتعلم منهم ونقتدي بهم.

ليس في عصرنا فقط يوجد أهمية كبيرة لكتابات الآباء القديسين بل يجب علينا أن نلاحظ النقاط التالية :-

  1. اعتمد البابا ديونيسيوس (الرابع عشر) على كتابات الآباء الذين سبقوه، في تأكيد عدم إعادة المعمودية بالنسبة للذين تركوا الإيمان ثم رجعوا، فيقول: “علمتُ أن هذه (يقصِد عدم إعادة المعمودية) لم تكن بدعة دخلت أفريقيا، بل إن هذا الرأي كان مقبولاً في أشهر الكنائس منذ زمن طويل أيام الأساقفة الذين سبقونا، وفي مجامع الإخوة في أيقونية وسنادا[21]، كما كان مقبولاً من أشخاص كثيرين، وأنا لا أستطيع أن أحتمل بأن أقلب آرَائِهِمْ وأطوَّح بهم إلى الخصام والنزاع، لأنه قيل: “لا تَنْقُل تُخُمَ صَاحِبِكَ الذِي نَصَبَهُ الأَوَّلُونَ” (تث 14:19)”.
  2. اعتمد البابا أثناسيوس الرسوليّ (العشرون)[22] على تراث الآباء، ففي دفاعه نجد أنه عندما دافع عن كلمة :أوموسيوس” فقال إن الآباء استخدموها، ويقصد بالآباء ديونيسيوس السكندريّ وديونيسيوس الرومانيّ.. لذا فهناك أهمية كبرى لنصوص الكتابات الآبائية المترجمة باللغات المحلية.
  3. اعتمد القديس باسيليوس الكبير على كثير من التقليد الكنسيّ من خلال أقوال الآباء السابقين له، فيقول: “وإذا فحصتُ في داخلي هل هناك أحد من الرجال الأقدمين المغبوطين قد استعمل هذه الكلمات، موضوع جدالنا الآن[23]، أجد كثيرين مِمَّن أحرزوا بقدميتهم الثقة بصحة إيمانهم وبتبحرهم في المعرفة – لا كرجال عصرنا – وأنهم في ربطهم الكلمات في المجدلة[24]، منهم مَنْ استعملوا حرف “الواو”، ومنهم مَنْ استخدم “مع” دون أي اكتراث لفرق بينهما من شأنه أن يعتبرونه حافزاً لاستقامة التقوى، نبدأ بأشهرهم إيريناؤس وأكْلِمَنْضُس الرومانيّ وديونيسيوس الروماني وديونيسيوس الإسكندريّ”[25].
  4. تزايد هذا الاتجاه في القرن الرابع، ونما جداً في القرن الخامس، فنجد القديس كيرلس السكندريّ في كتاباته إلى الرهبان المصريّين[26] – دفاعاً عن لقب القديسة مريم ثيؤطوكوس لتأكيد أن المولود هو كلمة الله المتأنس دون انفصال اللاهوت عن الناسوت – أشار إليهم أن يقتفوا آثار القديسين، كذلك في حديثه ضد نسطور التجأ إلى تعليم الكنيسة المقدسة الممتدة في كل العالم[27]، وإلى الآباء المكرمين أنفسهم، معلناً أن الروح القدس تحدث فيهم، ولتدعيم حديثه عن السيد المسيح استند إلى بعض مقتطفات آبائية من كتاباتهم الجدّلية، وقدّمها إلى مجمع أفسس، فيقول: “ينبغي أن نصدق أولئك الذين يهتمون بالاستقامة في التفكير من جهة الكرازة المقدسة، والتي سلَّمها إلينا بالروح القدس أولئك الذين كانوا في البدء مُعاينين للكلمة، والذين كان آباؤنا المُمَجدون جداً يتبعون آثار خطواتهم بغيرة، هؤلاء الذين اجتمعوا في نيقية في ذلك الوقت وحدَّدوا اعتراف الإيمان المُكرَّم المسكونيّ والمسيح نفسه جالساً معهم في المجمع، لأنه يقول: “حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسَطِهِمْ” (مت 20:18)[28].
  5. وترجع أهمية كتابات الآباء إلى أهمية التقليد كمصدر للإيمان، فاتفاق الآباء الجماعيّ حُجة في الكنيسة، وفي ذلك يقول نيومان J. H. Newman: “إني أتبع الآباء القدماء، ليس على أنهم في موضوع معيَّن لهم الثقل الذي يملكونه في حالة العقائد والتعاليم، فحينما يتكلّم الآباء عن العقائد، إنما يتكلّمون عنها على أنَّ الجميع يؤمنون بها، فالآباء هم شهود الحقيقة، فهذه التعاليم سُلِّمت تسلماً ليس في مكان معين بل في كل مكان..ونحن نتسلم هذه التعاليم والعقائد التي يُعَلِّمونَ بها، ليس لمجرد أنهم يُعلِّمونَ بها، بل لأنهم يشهدون أن كل المسيحيّين في كل العصور يؤمنون بها، فنحن نتخذ الآباء كمصدر أمين للمعرفة، ولكن ليس كسلطة كافية في ذواتهم، رغم أنهم هم أيضاً سلطة، فلو أنهم علموا بهذه التعاليم نفسها وأضافوا قائلين: “أن هذه هي آراؤنا وقد استنتجناها من الكتاب المقدس وهي صحيحة”، لكنا نشك في تسّلمها على أيديهم.. فالآباء لا يتكلّمون برأيهم الخاص، لأَّنهم يقولون هذا الأمر حقيقيّ بسبب أن الكنائس كلها تؤمن به طوال الأزمنة السابقة بلا انقطاع منذ عصر الرسل”.

هنا نرى أنَّ كتاباتهم وأقوالهم موثَّقة، تؤمن بها جميع الكنائس طوال العصور السابقة فالأمر، فوجود كنائس كثيرة مستقلة عن بعضها البعض ككرسيّ أنطاكية، وكرسيّ الإسكندرية، وكرسيّ أورشليم… والكل له إيمان واحد، لابد أن يكون هذا الإيمان صحيحاً ومسلماً من الرسل.

كما أنَّ كتابات الآباء مصدر نصوص الليتورجيات في كل الأسرار الكنسيّة، نصوص القداسات وصلوات المعمودية، الميرون، مسحة المرضى، والكهنوت، وكذلك صلوات تقديس المياه في اللقانات والتسبحة، كلها من وضع الآباء الأوليّن.

عند دراسة كتابات الآباء يجب مراعاة الأتي:

  1. لا يليق بنا أن نقبل رأي أب ما بطريقة مُطلقة، فلا يقدر أحد من الآباء بمفرده أن يتعرّف على (الحق) كله كما تعرِف الكنيسة في كليتها، لهذا لا يليق بنا أن نقبل رأي أب ما بطريقة مطلقة بغير تحفظ، إنما يجب أن يكون رأيه إنجيلياً، يحمل روح الكتاب المقدس، ومطابقاً لفكر الكنيسة الجامعة.
  2. يلزمنا أن لا نبتر بعض فِقَرات من تراث الآباء، لتأكيد فكرة مسبقة في أذهاننا.
  3. دراسة معاني بعض التعبيرات التي يستخدمها الأب، إذ توجد عبارات أو كلمات كانت تحمل مفاهيم فلسفية أو شعبية في ذلك الحيّن.
  4. يمكننا فهم بعض العبارات الصعبة الواردة في كتابات أحد الآباء، بمقارنتها بما ورد في كتابات وأعمال المعاصرين له.

اللغة التي استخدمها الآباء في كتاباتهم[29]:

عند انتشار المسيحيّة كانت اللغة اليونانية هي اللغة السائدة في منطقة البحر الأبيض المتوسط خلال القرون الأولى للإمبراطورية الرومانية، فقد غزت الثقافة الهيلينية العالم الرومانيّ، حتى يصعب علينا أن نجد بلداً لم يستخدم اليونانية في التعامل اليوميّ.

لهذا جاءت معظم كتابات الآباء باللغة اليونانية، وكثيراً من هذه الأصول محفوظة في مكتبات المخطوطات في بلاد الغرب.

لقد كانت اليونانية هي لغة الأدب والحديث في الإمبراطورية الرومانية، والثقافة اليونانية حتى القرن الثالث، لذلك تُعتبر اللغة اليونانية هي اللغة الأصلية لكتابات الآباء، وحل محلها جزئياً في الشرق لغات محلية مثل السريانية في سوريا، والقبطية في مصر، والأرمينية في أرمَينيا.

كانت كتابات الآباء باللغة اليونانية العامية وليست الكلاسكية Classical، فاللغة الكلاسيكية كان يستعملها الإغريق في الكتابة والشعر وتدوين الحوادث التاريخيّة، لكن اللغة العامية التي كانت تُسمَّى “كويني Koine”، والتي أصبحت من سنة (300 ق م.) حتى سنة (500م) اللغة الرسمية للإمبراطورية الرومانية، ولغة الكتاب المقدس، ولغة آباء الكنيسة الأولى، وهي خليط بين الأدب الأثينيّ الفصيح والعامية.

لغة آباء مصر[30] :-

وفي مصر كان المصريّون يفضلون الكتابة اليونانية عن المصريّة “الديموطيقية”، نظراً للأتي:-

1- سهولة اللغة اليونانية عن الديموطيقية[31].

2- اللغة اليونانية كانت هي اللغة الرسمية المستخدمة في تدوين الوثائق، كما كانتْ هي لغة الحُكّام والمكاتب الحكومية والقضاء.. أثناء العصر البطلميّ والرومانيّ والبيزنطيّ، وامتدت بعد دخول العرب مصر في القرن السابع.

3- كانت اللغة اليونانية هي لغة الثقافة الهيلينية، فهي لغة المدارس والمثقفين، لِذا انتشرت اليونانية بين الطبقات المتعلّمة، وكتبوا أعمالهم بهذه اللغة، ليجتذبوا أكبر عدد من القرّاء.

4- هناك بعض الكلمات أُخِذتْ من اليونانية المصرية القديمة، لأنها كانت تعبّرعن ظواهر طبيعية غير معروفة عند المصريّين مثل السيول والجليد، أو تعبّر عن حيوانات لم تكن معروفة مثل الدب والديك.

5- كانت اللغة اليونانية هي لغة المجامع المسكونية.

ثم خرجت الكتابة باللغة القبطية نتيجة تدوين اللغة المصريّة بحروف يونانية مع الاحتفاظ ببعض الحروف الديموطيقية، فخرجت اللغة القبطية كآخِر مرحلة للكتابة المصريّة الفرعونية، وجاءتْ تسمية اللغة القبطية من أنَّ المصريّين في ذلك الوقت كانوا يُسمَّون أقباطاً، والقبطي معناه المصريّ.

وفي البداية قامت محاولات فردّية من المصريّين لتدوين لغتهم بحروف يونانية، وكان ذلك في العصور الوثنية، بدليل العثور على نصوص قبطية من العصر الوثنيّ لغتها مصرية وحروفها يونانية وبها بعض حروف ديموطيقية، وهذه النصوص محفوظة في كلِّ من متحفَي باريس ولندن، وكافة هذه المحاولات كانت وليدة الحاجة لسبب أو لآخَر، كما دخلت على اللغة المصريّة القديمة مفردات وتعبيرات يونانية وخاصة في العصر البيزنطيّ.

وحملتْ لنا اللغة القبطية كلمات لم نعثر عليها في المصريّة القديمة، كما اهملت كلمات مصرية قديمة عديدة، وبعد دخول العرب مصر واستخدام اللغة العربية دخلتْ كلمات من اللغة القبطية إلى اللغة العربية المستخدمة في مصر، فمن الكلمات القبطية التي دخلت العربية وظلت تُستَخدم حتى الآن: أسماء لمسميات مثل كلمة يم، قلة، ننوس، نونو، بصارة، رقاق، سلة، شونة، رمان، بلح، ومن أنواع السمك، البوري، والبنى، واللبيس، والراى، والشال …الخ.[32]

قام العلاَّمة القديس بنتينوس بترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة القبطية في القرن الثاني بمساعدة أكلمنضس السكندريّ. يعتبر هذا العمل من أدبيّات اللغة القبطية.

المصطلحات اليونانية :-

دخلت المصطلحات الدينية اليونانية إلى اللغة المصريّة القديمة عن طريق اليهود الذين تشتتوا وأقاموا بمصر، من خلال الترجمة اليونانية للعهد القديم (القرن الثالث ق.م)، فقد تكون انتقلت هذه المصطلحات خلال المناقشات الدينية بين اليهود والمصريّين مثل ملاك، رئيس كهنة، ذبيحة، مذبح، قربان، شريعة…الخ.

بعد دخول المسيحيّة مصر ازداداتْ عدد الكلمات اليونانية المستخدمة في اللغة المصريّة، إذ كُتب العهد الجديد باللغة اليونانية، وكانت صلوات الليتورجيات كلها باللغة اليونانية.

يقول “WARALL” أن القبطيّ يستنكف ترجمة المصطلحات اللاهوتية[33]، لذلك ظلّت المصطلحات اللاهوتية باللغة اليونانية حرصاً على المعنى اللاهوتيّ، لذا نُلاحظ استبقاء المصطلح باللغة اليونانية وسط الكتابة القبطية أو العربية بعد ذلك، وأصبح من الصعب استبدال هذه المصطلحات بألفاظ قبطية ليس لها نفس القيمة اللاهوتيّة.

كما أن هناك كلمات يونانية تُسْتَخْدَمُ في اللغة القبطية سواء في النص القبطيّ للكتاب المقدس، أو كتب الصلوات (خولاجي – إبصلمودية)…فمن المعروف أن كل اللغات تأخذ كلمات من لغات أخرى، ولا يُعَدُّ هذا قصوراً في اللغة بل يُعَدُّ توسيعاً للغة وتصير اللفظة الدخيلة معروفة في لغتها وغير لغتها.

كتابات الآباء واللغة العربية :-

مع دخول الإسلام مصر في القرن السابع الميلاديّ دخلت اللغة العربية، التي أضعفت من اللغة القبطية، وفي القرن الثاني عشر كانت الكتابة في نهرين العربية والقبطية، وفي القرن السادس عشر كانت اللغة العربية هي السائدة وخاصة في الوجه البحريّ، بينما بقيت اللغة القبطية في الوجه القِبْلِيّ حتى القرن السابع عشر.

وأول من كتب باللغة العربية في علوم الكنيسة، هو الأنبا ساويرس ابن المُقَفَّع أسقف الأشمونين في القرن العاشر، كما جاء بعده الأنبا ميخائيل مطران دمياط، والأنبا بطرس أسقف مليج، وأولاد العسال، والقَسّ بطرس السدمنتي.

 

وأخذتْ فوق ذلك تشجع كل واحد من بنيها بلغة أبائهم (2مكابين 21:7).

دوافع الكتابة عند الآباء:

يختلف الغرض الذي من أجله كتب الآباء من واحد لآخَر، فمنهم مَنْ كَتَبَ مُدافعاً ضد هرطقة معينة، أو لتوضيح موضوع غامض، ومنهم مَن كتب بهدف التعليم الروحيّ والكتابيّ، فلم يكن الغرض من كتابات الآباء هو الكتابة في حد ذاتها، بل من أجل التعليم الإلهيّ، حيث نجد أن القديس أكْلِمَنْضُس السكندريّ يقول في كتاب المتنوعات: “لم أضع هذا الكتاب في إتقان ومهارة للمُباهاة، وإنما هو ذكرياتي التي ادخرتها لأيام الشيخوخة فتكون دواءً للنسيان، صورة مبسطة وتخطيطاً مُجملاً لتلك الكلمات القوية الحيّة، التي كان لي شرف سماعها من أولئك المغبوطين الجديرين بالاعتبار من الرجال”.

ويمكن درج هدف كتابات الآباء في النقاط الآتية:-

1- الكرازة وتفسير الكتاب المقدس.

2- تفنيد آراء الهراطقة والرد عليهم وتوضيح العقيدة السليمة.

3- التلمذة وغرس المباديء الروحيّة من الآباء للأبناء.

4- المحافظة على ليتورجيات الكنيسة من قداسات وخدمات طقسية حفاظاً على الروح الواحدة للكنيسة..

5- تسجيل تاريخ الكنيسة وسير الآباء القديسين حتى نقتدي بهم.

الروح القدس وعمله في حياة الآباء وكتاباتهم:

الكنيسة الأرثوذكسية هي كنيسة إنجيلية آبائية، فالآباء يتكلمون بالروح القدس الذي كان يعمل مع الآباء الرسل، وذلك حسب وعد السيد المسيح: “وَأَمَّا الْمُعَزِّي الرُّوحُ الْقُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لّكُمْ” (يو 26:14)، فالروح القدس الذي حل على الآباء الرسل يوم الخمسين هو الذي يعمل في الكنيسة ويقودها إلى يومنا هذا وإلى الأبد “لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأّبَدِ” (يو 16:14)، وهذا يظهر في مجمع أورشليم الذي انعقد بخصوص ما حدث في كنيسة أنطاكية من جهة الختان، فيقول معلمنا القديس يعقوب الرسول: “لأَنَّهُ قَدْ رَأى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحَنُ” (أع 28:15)، أي أن المشرِّع في الكنيسة هو الروح القدس، كما قال السيد المسيح: “مَتَى جَاءَ ذَاكَ رُوحُ الْحَقِّ فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَميعِ الْحَقِّ” (يو 13:16)، ويقول القديس إيريناؤس ” الإيمان تلقّيناه من الكنيسة ونحن له حافظون، وبِعمل روح الله، يُشبه شيئاً ثميناً محفوظاً في إناء قيّم فيتجدَّد دوماً ويُجدَّد أيضاً الإناء المحفوظ فيه… حيث تكون الكنيسة، هنالك يكون روح الله؛ وحيثُ يكون روح الله، هناك تكون الكنيسة وكُلُّ نعمة”[34]. وهذا أيضاً ما يؤكده القديس كيرلس الكبير في تفسيره لإنجيل يوحنا: “إننا لا نستطيع أن ندخل إلى الحقيقة الإلهيّة ما لم نستنير بعمل الروح”[35].

ولما كان العماد هو التمتع بقيامة الرب فينا، لذا فقدُ دعِيَ هذا السر “استنارة”، فالمؤمنون يستنيرون عن طريق سر المعمودية، فيقول القديس أكْلِمَنْضُس السكندريّ: “إذ نعتمد نستنير، وإذ نستنير نتبنى وأذ نتبتى نُكَمَّل”، ويقول أيضاً: “يُدعَى هذا الفعل – سر المعمودية – بأسماء كثيرة أعني نعمة واستنارة وكمالاً وحميماً، فهو استنارة به نرى نور القدوس الخلاصيّ أعني أننا به نشخص إلى الله بوضوح”.

كذلك القديس غريغوريوس النزينزيّ يقول: “الاستنارة التي هي المعمودية، هي مُعِيِنة الضعفاء، واهبة النور ونَقضُ الظلمة .. وهي مَركْب يسير تجاه الله برفقة المسيح أساس الدين، تمام العقل، مفتاح الملكوت، استنارة الحَيَاة”.

المعمودية مصدر لاستنارة عقل الإنسان المُظلم بسبب السقوط، ففيها يُمنَح النور بواسطة الروح القدس، للمعتمد الذي به يُعاين النور”، ومن هنا أتت صفة “الاستنارة” للمعمودية، وهكذا تصبح بالمعمودية نعمة الروح القدس غير المخلوقة، هي سبب وعلّة تَجلّي الإنسان الداخليّ الذي دُعى كي يَسعَى مُتنقلاً من مجدٍ إلى مجدٍ، فالروح القدس يُعطي للآباء الاستنارة….

الاستنارة Enlightment  :-

هي اصطلاح يُعبّرعن العين الداخلية، القادرة على استقبال حقائق الله التي يكشفها الروح القدس للإنسان، كما تُعني الكلمة أيضاً الفرح والمجد وتُحوّل الشخص وتُغيّره بالكامل، فعندما يقول القديس بولس الرسول: “مُسْتَنِرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِينَ” (أف 18:1)، فإن الذهن المقصود هنا هو قدرة الوعي الداخليّ على النَظَرِ إلى الأمور التي يستعلنها الروح، فيفرزها ويكشف مقدار الحكمة فيها ويستوعبها ويفهمها ويستذكرها، وفي حديثه يطلب القديس بولس من الله أن يهبنا روح الحكمة والإفراز ثم يعطينا قدرة داخلية لاستيعاب وفهْم ما يعمله الروح داخلنا.

يقول القديس كيرلس الكبير “لستُ أدَّعِي أنني أقول شيئاُ أفضل من الذي قاله أسلافنا، أو أنني أصيغ الأمور الروحيّة بشكل أحسن، لأننا نّجِدُ كفايتنا فيما كتبه الآباء القديسون، لأن مَنْ يُقرر أن يتعرّف بحكمة على الآباء ويستخدم كتاباتهم بالحرص الواجب، فسوف يَسكُنُ النور الإلهيّ في عقله”، كما يقول “لا ينبغي بمن يخلفون (الآباء) أن يؤمنوا بأي شيء آخَر سوى ما أجمع عليه القدماء من الآباء القديسين في المسيح”[36]، ويقول القديس باسيليوس الكبير عن الروح القدس، أنَّه مصدر القداسة والنور العقليّ والذي يَهِب كل الخليقة الاستنارة لفهم كل شيء[37]، كما يقول القديس يوحنا ذهبيّ الفم “بالروح القدس يتمتع المؤمنون بمهارة النظر إلى المعاني المخزونة في الداخل”[38].

فكتابات الآباء كُتِبتْ بعمل الروح القدس فيهم، وذلك يرجع إلى أنَّ حياتهم ونقاوة قلوبهم كانت مُعدة ومُهيأة لعمل الروح القدس، فهم عاشوا حياة روحية عميقة، عاشوا حياة المفاهيم الروحيّة للكنيسة وعقائدها، غَلَبوا قُوَى الشر بفعل الروح القدس الذي كانوا مستنيرين به ومُلَهمين من الله. حتى قراءة الكتب المقدسة وفهمها يتطلب الحَيَاة المقدسة، يقول القديس أثناسيوس: “إن تفتيش الكتب، ومعرفتها المعرفة الحقيقية، يتطلبان حياة فاضلة، ونفساً طاهرة، والفضيلة التي بالمسيح، حتى إذا ما استرشد بها العقل، وأنار بها طريقه، استطاع أن يصل إلى ما يصبو إليه، ويدركه حسبما تستطيع الطبيعة البشرية أن تتعلمه عن كلمة الله.

لأن بدون الذهن النقيّ ومماثلة سير القديسين، لا يستطيع الإنسان أن يُدرك أقوال القديسين، إذ كما أنه إن أراد أحد أن يبصر نور الشمس، فإن عليه أن يمسح عينيه ويجليهما مطهراً نفسه على مثال ما يبتغيه، حتى إذا ما استنارت العين استطاعت أن تُبصر نور الشمس، أو كما أنه إن أراد أحد أن يرى مدينة أو قرية، وجب عليه أن يأتي إليها لكي يراها، هكذا أيضاً يجب على كل مَن يريد أن يُدرك فكر الذين يتكلمون عن الله، أن يبدأ بغسل وتطهير نفسه، بتغيير مجرى حياته، ويقترب إلى القديسين أنفسهم بالاقتداء بأعمالهم، حتى إذا ما اشترك معهم في السلوك في الحَيَاة المشتركة، استطاع أن يفهم هو أيضاً ما أعلنه الله لهم”[39].

كذلك يقول القديس يوحنا ذهبيّ الفم: “لا نقدر أن نكتشف معاني الكتب الإلهيّة ونحن مهملون أو نائمون، يحتاج الأمر إلى بحث دائم وصلاة حارة حتى نقدر أن نجد لنا طريقاً بسيطاً في أسرار الأقوال الإلهيّة”[40]، كما يقول العلاَّمة اوريجانوس: “إن كنت محتاجاً إلى عون الله على الدوام … فإننا نحتاج دائماً إلى الروح القدس لكي نفهم الكتب المقدسة، الآنَ هو وقت أن يُعينني ويُظهر لي معنى كلماته”[41]، لذا كانت كتابات الآباء ليست مكتوبة بأسلوب منطقيّ أو فلسفيّ، إلاَّ أنها كتابات بسيطة نابعة من القلب ومن الحَيَاة المعاشة وهذا هو سر قوتها.

كذلك نجد أن كل أبُ يقدِّم الروح القدس الساكن فيه شيئاً جديداً “ليس هرطقة جديدة أو حقيقة إلهية جديدة”، ولكن توضيحاً جديداً وخبرة مُعاشة وتفسير، امتداداً للمعرفة الإنجيلية والآبائية السابقة. قدموا تَوسّعاً في المعرفة الإلهيّة وليس تَطوّراً لها، فالأساس واحد ولكن الروح القدس لا يُلغي حرية الكاتب أو يُلغي شخصيته أو ثقافته، لذلك نجد مناهج روحية مختلفة وكلها صحيحة تؤدي إلى شخصية واحدة هي شخصية ربنا يسوع المسيح.

لنري مثال لاختلاف الرؤيا عند الآباء يُؤدي لهدف واحد هو التوبة:

راهبان تركا الدير وذهبا ليبيعا عمل اليد الذي كان يعمله الآباء في الدير، وأثناء ذلك سقط أحدهم في خطية الزنا، وعندما قابل أخاه أخبره أن يرجع هو واعتذر عن عدم قدرته على الرجوع وأعلمه بالسبب، فلما علم أخوه أخبره أنه هو أيضاً سقط ويمكن أن يعودا ويقدما توبة، ليكسبه للمسيح من أجل محبته، فرجعا وحصلا على قانون من رئيس الدير أن يمكثا لمدة عام في القلاية للتوبة والاعتكاف، في نهايته ظهر أحدهما نحيفاً سقيماً عابس الوجه، بينما بدا الآخَر ممتلئاً مبتهجاً باسم الطلعة، وإذ تحيَّر الشيوخ في أمرهما، سألوهما عن السبب فقال الأول: إنه كل يوم يذكُر خطاياه، والعذاب المُعد للأشرار، بينما قال الثاني إنه كان يشكر الله كل يوم إذ أتاح له فرصة التوبة …وتأكد الشيوخ أن توبة كليهما مقبولة أمام الله[42]، فالأُسلوبان قادا إلى التوبة مع أنهما مختلفان.

جاءتْ قصة أخرى في البستان: “حدث مرة أن جاء أخ غريب إلى الأسقيط ليبصر الأنبا أرسانيوس، فأتى إلى الكنيسة وطلب من رجال الإكليروس أن يروه أياه، فقالوا كُل كسرة خبز وبعد ذلك تبصره، فقال: لن أتذوقْ شيئاً حتى أُبصرهُ. فأرسلوا معه أخاً ليرشده إليه لأن قلايته كانت بعيدة جداً، فلما قرعا الباب، فتح لهما فدخلا وصليا وجلسا صامتين. فقال الأخ الذي من الكنيسة: أنا مُنصرف فصلّيا من أجلي، أما الأخ الغريب فلما لم يجد دالة عند الشيخ قال: وأنا منصرف معك كذلك. فخرج معاً، ثم طلب منه أن يمضي به إلى قلاية أنبا موسى الذي كان أولاً لصاً، فلما أتى إليه قبله بفرح ونيح غربته وصرفهُ.

فقال له الأخ الذي أرشده: ها قد أريتك اليوناني (أنبا أرسانيوس) والمصريّ (أنبا موسى)، فَمَن مِن الإثنين أرضاك؟ أجابه قائلاً: أما أنا فأقول أن المصري قد أرضاني. فلما سمع أحد الأخوة ذلك صلى إلى الله قائلاً: يا رب اكشف ليّ هذا الامر، فأن قوماً يهربون من الناس من أجل اسمك، وقوماً يقبلونهم من أجل اسمك أيضاً. وألح في الصلاة والطلبة فتراءت له سفينتان عظيمتان في لُجة البحر، ورأى في أحدهما أنبا أرسانيوس وهو يسير سيراً هادئاً وروح الله معه، ورأى في الأخرة أنبا موسى وملائكة الله وهم يطعمونه شهد العسل …الأسلوب الذي اتبعه كلٌ من الأبوينِ صحيح، لكنهما مختلفان[43].

هناك فارق كبير بين الوحي والتفسير، فالوحي يتعلق بطبيعة الكتاب المقدس ومصداقيته لأنه كلمة الله المكتوبة (2تي 16:3)، أما التفسير فيتعلق بمعنى الكلمة المكتوبة، وعليه فمن الممكن جداً أن يتفق الكثيرون على الأمر الأول، ولكنهم قد يختلفون كثيراً على الأمر الثاني، فقد يتفق شخصان على أنَّ الأصحاح الأول من سفر التكوين هو سجل جدير بكل ثقة، ولكنهما قد يختلفان في تفسير معنى كلمة “يوم”، فالروح القدس الناطق في الوحي يَحِثُّ ويَدفعُ للكتابة ويُعطى الموضوع ويترك للكاتب حرية التعبير بلغته وأُسلوبه وثقافته، ويَعصِمَه من الخطأ من جهة الكتابة، وليس من جهة شخصه، بينما يُعطى للآباء استنارة للتفسير، ومِن هنا جاء سلطان الآباء..

سلطان الآباء:

يُمَثِّلُ الآباء القديسون فكر الكنيسة الجامعة الذي تسلّمته من الآباء الرسل بفعل الروح القدس، الذي يَعملُ بلا انقطاع في حياة الكنيسة، يقوم هذا السلطان على عاملين :-

الأول: إنهم عاشوا حياة مُقدَسّة وفقاً للأمانة التي استلموها، فهم شهدوا للحياة الكنسيّة وحافظوا على الإيمان الواحد ” الإيمان الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِين” (يه3) رغم اختلاف ثقافتهم وأماكنهم. اتسمت سيرة الآباء بالقداسة والأمانة في استلام وديعة الإيمان الحيّ من أيدي الرسل، لذلك فهم أقدرعلى الشهادة للحياة الكنسيّة من كل جوانبها، خاصةً وأنهم يَحملون الفكر الواحد، بالرغم من اختلاف الثقافات والمواهب والظروف، مع بُعد المسافات بين الكراسيّ الرسوليّة وصعوبة الاتصالات في ذلك الحيّن.

الثاني: للآباء فكر الكنيسة الواحد، المُسّلم من الآباء الرسل بعمل الروح القدس، فكما يقول القديس أُغسطينوس: “الآباء تمسكوا بما وجدوه في الكنيسة، وعملوا بما تعلموه وما تسلموه من الآباء وأودعوه في أيدي الأبناء[44] .. مَن يحتقر الآباء القديسين يحتقر الكنيسة كلها”[45].

هذا السلطان لا يرجع لشخصياتهم، فهذا لا يعني عصمة الآباء كأفراد، وإنما تعيش الكنيسة الجامعة ككل محفوظة بروح الرب، فلا نستطيع أن نُنكر إمكانية خطأ الآباء، فالكنيسة الأرثوذكسية لا تعصم أحداً من الخطأ، كما وقعت فيه الكنيسة الكاثوليكية التي تؤمن بعصمة البابا؛ فالآباء منهم مَن وقع في أخطاء جوهرية عقائدية مثل مقدنيوس بطريرك القسطنطينية عدو الروح القدس، ونسطور عدو العذراء. وقد حاكمتهم الكنيسة الأرثوذكسية في المجامع المسكونية، ولما لم يعترفوا بخطأهم قطعتهم من شركتها.

“اسأل القرون الأولى وتأكد مباحث آبائهم” (اي 8:8)

 

[1]  نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى- للقمص تادرس يعقوب ملطي – الطبعة الأولى فبراير 2008- ص1.

[2]  -المحيط الجامع في الكتاب المقدس والشرق القديم – المكتبة البوليسية – لبنان- الطبعة الأولى 2003- راجع كلمة أب- ص7.

[3] -Ency. Of Early Church, Oxford Univ. Press, New York, 1992, p.320.

[4] -J. Quasten.Patrology. Vol. 1,p. 9-12

[5]  – د نصحي عبد الشهيد – مدخل إلى علم الآباء باترولوجيا يوليو 2000 – ص7.

[6]  – ضد الهراطقة 1:32:4 مجموعة آباء الكنيسة اليونانية 1071:7

[7] – Cont. Jul. 1,7,34

[8]  – ضد الهرطقات – الكتاب الرابع فصل 41 فقرة 2.

[9]  – المتنوعات 1:1 و 2- 1:2.

[10] – Les premiers martyrs de I’Eglise, 12, Paris, 1979.

[11]  – هناك شرط خامس جاء في كتاب – نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى “للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص2: مشاركته في الأدب المسيحيّ: أن يكون واضعاً لمقالات أو كتب أو رسائل..إلخ، ليس بالضرورة أن يكون هو كاتبها، فالكثير من تراث الآباء جاءنا نقلاً عن أبنائهم الروحيين، أو نقله إلينا الرحالة خلال مناظراتهم.

[12]  – د. جوزيف موريس فلتس – كورسات متخصصة – مركز تدريب الخدام – أسقفية الشباب – يونية 2001م – مدخل إلى الآبائيات – ص12 – راجع – Vincet de Lerins . N.&P.N. Fathers 2nd ser. Vol. 11,com. Ch. 29, p154

[13]  – عالِم في العلوم اللاهوتية في كنيسة روما، ويُعَدُ من أكثر الكتّاب دقة في انتقاء الألفاظ وله كتابات كثيرة باللغة اللاتينية، إلاً أنّه سقط في بدعة المونتانية التي نادتْ بتجسيد كنيسة الروح القدس الحقيقية، ولها نزعة نبوية غير مضبوطة، لذا لم يُدعَى أباً، وقد توفّى عام 220م.

[14]  – سوري الأصل، تلميذ القديس يسطنيانوس، انفصل عن الكنيسة وأسس شيعة، وحَّد الأناجيل الأربعة في كتاب واحد سُمى “دياطسرون” اُستعمل في الطقس الأنطاكيّ حتى القرن الخامس، وكانت وفاته في سنة 172م.

[15]  – من أشهر مدرسي مدرسة الإسكندرية اللاهوتية، له سلسلة مواعظ كثيرة في الكتاب المقدس، وكتابات كثيرة لاهوتية، إلاّ أنَّه سقط في عدة بدع لاهوتية، لذا لا يعد من آباء الكنيسة، وكانت وفاته في 253م.

[16]  – يوسابيوس القيصريّ – تاريخ الكنيسة – ترجمة القمص مرقس داود – الطبعة الثالثة 1998 – . ك7، ف7، ص 306.

[17] – Timothy Ware: The Orthodox Church, Maryland 1969, p.212.

[18]  – راجع الخولاجي المقدس – تحليل الخدام.

[19] – De Viris I11. Prol., EP112,3 مشاهير الآباء :

[20]  – دكتور نصحي عبد الشهيد – مدخل إلى علم الآباء – المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية – يوليو 2000 – ص9.

[21]  – مدينة في فريجية.

[22] – Athanasius: Ep. Ad Afros 6.

[23]  – موضوع الحوار حول الفرق بين قولنا المجد للاب والابن والروح القدس، أو قولنا بدل “والروح القدس” ، “مع الروح القدس”. وتأثيرها على اقنومية الروح القدس

[24]  يقصد بالمجدلة، ذكصولوجية “ذوكصابتري: المجد للاب والابن والروح القدس”، وهي ذكصولوجية قديمة جداً في الكنيسة، واستشهد بها القديس باسيليوس في دفاعه عن ألوهية الروح القدس – راجع د. جوزيف موريس فلتس – ألوهية الروح القدس – 1994 ص5

[25]  رسالة القديس باسيليوس الكبير إلى أمفيلوخيوس عن الروح القدس رأس 71:29 ،72 – تعريب الارشمندريت ادريانوس شكور 1979- ص 122،123.

[26] – Ad Monach PG 77:12,13.

[27] – Adv.Nest. 4:2.

[28]  – رسائل القديس كيرلس الكبير – الجزء الرابع – رسالة 55 شرح قانون الإيمان – الناشر مؤسسة القديس أنطونيوس .ص28.

[29] – J. Quasten.Patrology. Vol. 1,p.20.

[30]  – راجع كتاب صفحة من تاريخ القبط، القبط في ركب الحضارة العالمية – دكتور مراد كامل.

[31]  – كانت الديموطيقية أكثر أنواع الكتابة، التي طوّرها قدماء المصريين، اختصاراً واتصالاً، وقد أصبحت الديموطيقية كتابة الإستخدام اليوميّ، بداية من منتصف القرن الثامن قبل الميلاد؛ وحتى القرن الرابع الميلاديّ. ويأتي مصطلح “ديموطيقي” من الإغريقية بمعنى “شعبيّ”، ومن الواضح أن الديموطيقية قد تطورت في مصر السفلى (الوجه البحريّ) خلال الأسرة السادسة والعشرين؛ وقد تطورت الديموطيقية أساساُ من الهيراطيقية.

[32]  – راجع مجدي عياد يوسف – مدخل إلى اللغة القبطية واللغة اليونانية – الطبعة الأولى 1997 – الفصل الثاني – ص112- 120.

[33]  – –Warrell: A Short Account of the Copts, Michigan, 1955  عن مقدمات في علم الباترولوجي – القمص تادرس يعقوب ملطي – الطبعة الأولى – 1984 –ص 23.

[34]  – ضدّ الهرطقات 3، 24، 1

شرح انجيل يوحنا[35] – PG 73 . 16 A.     

[36]  -Vincet de lerins .LNPN Fathers 2nd ser. Vol. 11,com. Ch. 33, p156

[37]  – القديس باسيليوس الكبير – مقال عن الروح القدس. الناشر رابطة الدراسات اللاهوتية في الشرق الأوسط – 1979 – تعريب الارشمندريت ادريانوس شكور – الرأس 9 – فقرة 22، 23 ص 40.

[38] – In 1 Cor., hom 7:2.

[39]  – القديس أثناسيوس الرسوليّ: تجسد الكلمة 1:57،2،3.

[40] – In Jon .hom 32:3.

[41] – In Ezek. Hom 11:2.

[42]  – بستان الرهبان – لجنة التحرير والنشر بمطرانية بنى سويف – طبعة 1976 – ص298.

[43]  – بستان الرهبان – نفس المرجع السابق – ص57 ، 58.

[44] – St. Augustine: Contra Julian, 11 9.

[45] – St. Augustine: Contra Julian 37.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

علم الآباء 1 – تعريف علم الباترولوجي Patrology

كتاب نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – القمص تادرس يعقوب ملطي

كتاب نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – القمص تادرس يعقوب ملطي

كتاب نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – القمص تادرس يعقوب ملطي

كتاب نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – القمص تادرس يعقوب ملطي

تحميل الكتاب PDF

 

 

 

 

Exit mobile version