المنهج العقائدي في تفسير الكتاب المقدس

المنهج العقائدي في تفسير الكتاب المقدس

المنهج العقائدي في تفسير الكتاب المقدس

المنهج العقائدي في تفسير الكتاب المقدس

لا يمكن لله أن يكذب، لذلك لا توجد تناقضات في فكر الله. وحيث أن كل الكتاب المقدس هو موحى به من الله، فإنه جدير بالثقة. في ضوء هذا الافتراض الأساسي، تصبح كل المحاولات التي تبذل لتوفيق جميع تعاليم الكتاب المقدس بشأن موضوع ما أو إعداد نظام منهجي شامل لكل تعاليمه، هي محاولات سليمة وفي موضعها الصحيح.

ليس فقط الدراسة النظامية للكتاب المقدس سليمة، لكنها ضرورية. فعلى سبيل المثال، إنه أمر ضروري بالنسبة للاهوتي أن يدرس كل أجزاء الكتاب المقدس التي تصف طريق الخلاص. فإذا قام بأخذ مقطع معين، وفصله عن بقية المقاطع الأخرى التي تتعامل مع كيفية خلاص الشخص، وبنى عليه مبدأ للخلاص، ستكون النتيجة تشويه حق الله الخاص بالخلاص. لذلك فإن الدراسة المنظمة للاهوتي ليست فقط أمر سليم وضروري، لكن لها أهمية عظمى لفهم معنى الكتاب المقدس. فالجهود التي تبذل لتنسيق وتجانس ووحدة الحق في المقاطع المختلفة التي تتحدث عن موضوع معين هي سليمة ومطلوبة للمعلم والواعظ كما هي بالنسبة للاهوتي.

إن تركيب التعليم الكتابي ليس فقط صحيح، وضروري، ومهم؛ ولكنه حتمي كذلك. وحيث أن كل شخص يتعامل مع أية وثيقة مكتوبة بمجموعة من الافتراضات المسبقة، بالمثل، يتعامل المسيحي مع الكتاب المقدس من خلال هذه النظارات الفكرية. بل الحقيقة أنه لا يستطيع أن يقبل إلا الأفكار التي تتفق بصورة ما مع نظام تفكيره الممنهج الموجود في عقله بالفعل. لذلك ليس فقط جميع المسيحيين لاهوتيين، بل أن كل الناس لاهوتيين. الاختلاف الوحيد هو أن البعض يكونون لاهوتيين أفضل من غيرهم.

يصف إيرنست بيست هذا الاتجاه اللاهوتي العام لدى جميع الناس قائلاً:

كل تفسيرات الكتاب المقدس يتم التحكم فيها بواسطة لاهوت الشخص الذي يفسر. قد لا يكون صحيحاً أن هناك مفسر معين له وضع لاهوتي مستقيم ثابت؛ إذ أن لاهوته ونظرته العالمية تتحكم دائماً في تفسيره.[1]

إن كان صحيح أن الكتاب المقدس هو كلمة الله، وأن الفكر البشري يسعى باستمرار إلى علاقة متسقة بين الأفكار المقبولة بشأن معتقد معين، فما هو المنهج الذي يجب استخدامه لتجنب الخطأ في اكتشاف المعنى الحقيقي للكتاب المقدس؟ كيف يمكن للشخص أن يعمل من خلال متاهة مفاهيمه المسبقة ومفاهيم المفسرين الآخرين للكتاب المقدس، لكي يتوصل إلى الرسالة التي يعلنها الله في الكتاب المقدس؟ الإجابة على هذين السؤالين ستكون هي الجزء الرئيسي من هذه الدراسة في الفصلين 15 و16.

إن عملية تركيب التعليم الكتابي معاً تشبه استخدام العالم للاستقراء والاستنتاج. يبدأ المفسر بمقطع معين، فيثبت المعنى الذي يقصده المؤلف. ثم يقوم بهذه العملية مع جميع المقاطع الأخرى التي تتعالم مع نفس الموضوع والموضوعات المرتبطة به، سعياً للربط بينها في وحدة شاملة. يقوم المفسر بعد ذلك بصياغة نموذج معقول، أو فرضية ما، واثقاً من الوحدة النهائية للكتاب المقدس. ويصبح هذا النموذج بالتالي أساساً لدراسة مقاطع أخرى. النموذج الذي يتم فحصه بدقة، واعتناقه باقتناع، يصبح نظاماً لاهوتياً يفهم به المفسر الكتاب المقدس.

لكن الوصول إلى نظام ليس خطوة نهائية في التفسير، لأن تفسير الكتاب المقدس هو عملية تستمر طوال الحياة. كما أن الكتاب المقدس يجب دائماً أن يتحكم في النظام؛ فيجب ألا يسمح للنظام أن يتحكم مطلقاً في الكتاب المقدس. الأكثر من ذلك، يكون المفسر مسؤولاً إما أن يدمج كل التعليم الكتابي داخل نظامه، أو أن يتخلى عن النظام. بالإضافة لذلك فإن عناصر النظام التي لا يمكن التحقق منها بواسطة البرهان الكتابي المباشر يجب التعامل معها باتضاع باعتبارها غير نهائية.

لذلك فإن هناك استخدام مشروع لنظام ما للمبادئ في دراسة الكتاب المقدس. لكن تنشأ المشكلة عندما يصبح النظام نفسه هو السلطة، فيجلس للحكم على السلطة المستقلة لأي مقطع من مقاطع الكتاب المقدس. يساء تفسير الكتاب المقدس عندما يستخدم المفسر الافتراضات العقائدية للنظام، لإجبار المقطع على الاتفاق مع العقيدة، بدلاً من أن يعدل العقيدة لكي تتفق مع الكتاب المقدس.

بسبب الحماسة المعطاة من الله لكل من العلماء والعلمانيين على السواء عبر العصور، لفهم كل حق الله، قام الناس في البداية بإنشاء ما يبدو بالنسبة لهم أنظمة متسقة متجانسة، وبعد ذلك قاموا بتفسير كل مقاطع الكتاب المقدس على أساس أنظمتهم. يسمى ذلك المنهج العقائدي، والافتراضات المسبقة للتفسير العقائدي هي هذه: كل تعاليم الكتاب المقدس هي من الله، ويجب أن ينظر إليها كوحدة متناسقة. بعد أن يتم اكتشاف هذه الوحدة المنظمة، يجب أن يتفق معها تفسير معين.

يتكون إطار العمل العقائدية من مواد موجودة في الكتاب المقدس ومن استنتاج منطقي مبني على بيانات الكتاب المقدس. عندها يتم جعل كل مقطع كتابي يتفق مع ذلك النظام. لهذا السبب، توقف كثيرون من العلماء في السنوات الأخيرة عن الحديث عن تفسيرات، أو عن مجموعة من الإرشادات التي يمكن بها للشخص أن يفسر الكتاب المقدس. بل أصبحوا يتحدثون عن تفسير في صيغة المفرد. هذا يعني أن الشخص يعترف بصراحة ليس فقط بافتراضاته المسبقة بل بنظامه الكامل، ثم على أساس ذلك النظام يسعى لفهم الكتاب المقدس. يوجد لدينا اليوم التفسير الجديد، والتفسير الكالفيني، والتفسير الإعفائي، والكثيرون غيرهم.

لكن، رغم أني قلت في السنوات الأخيرة، إلا أن هذا كان أساس التفسير في العصور الوسطى كذلك:

خلال العصور الوسطى، كان الكثيرون، حتى رجال الدين، يعيشون في جهل عميق بالكتاب المقدس… وقد أصبح مبدأ قائماً، أن تفسير الكتاب المقدس يجب أن يكيف نفسه على التقليد وعلى عقيدة الكنيسة. وقد تم اعتبار أن ذروة الحكمة هو أن يعاد استخراج تعاليم الآباء، وأن يتم العثور على تعاليم الكنيسة في الكتاب المقدس… بل أن حتى هوجو من سانت فيكتور قال: “أعرف أولاً ما يجب أن تؤمن به، ثم اذهب بعد ذلك إلى الكتاب المقدس لكي تعثر عليه هناك”.[2]

في منتصف القرن السادس عشر أنشأ مجمع ترنت المنهج العقائدي باعتباره أنه الافتراض التفسيري الرسمي للكنيسة الرومانية الكاثوليكية. وقد أقر المجمع بأن كلاً من الكتاب المقدس والكنيسة معصومان من الخطأ، مما جعل بدوره عقيدة الكنيسة هي العامل المتحكم في التفسير.

لكن ماذا عن المصلحين؟ يوجد تفسير واحد فقط لنظرة لوثر المتدنية لسفر يعقوب. كان نظام لوثر الأساسي موجود في رومية 1: 17، وحيث أن سفر يعقوب ابتعد عن ذلك المعيار، كما فهمه لوثر، فقط كان السفر بالنسبة له “رسالة ضالة”.

هل يمكن بواسطة أي مبدأ كتابي في التفسير، أن تعني الآية الموجودة في يوحنا 3: 16: “لأنه هكذا أحب الله المختارين”؟ يبدو أنه لا يمكن أن يكون هناك مثل هذا التفسير، إلا على أساس افتراضات عقائدية، أي بواسطة نظام تم إنشاؤه بحيث يصبح معنى ذلك المقطع مختلفاً عن معناه الواضح والعادي. وبالمثل، يمكن لنظام ما أن يُستخدم لاستبعاد التوبة كمطلب يسبق قبول الله للإنسان، أو استبعاد الصلاة الربانية عن أن تكون ملائمة لشفاه المسيحيين.

وهكذا فغن النظام يحدد المعنى. يتحدث ميلتون تيري عن قضية التفسير على أساس افتراضات عقائدية مسبقة، فيقول:

 عندما يفترض أحد اللاهوتيين وجهة نظر لعقيدة كنسية، ومن ثم يستكمل بمهاترة للبحث عن نص وحيد في الكتاب المقدس مفضل لديه أو غير مفضل لدى خصمه، يكون الأرجح كثيراً أن يبالغ في الأمر. فقد تكون عقيدته في مثل صدق الكتاب المقدس نفسه؛ لكن وسيلته مرفوضة. شاهد مثلاً النزاع بين لوثر وزوينجلي حول مسألة اتحاد جسد المسيح ودمه بالخبز والخمر عند ممارسة العشاء الرباني، والأدب الجدلي للمبادئ المتناقضة، ومشاحنات الكالفينيين، والخلافات الخاصة بالأسرار المقدسة.

تجد أن الكتاب المقدس كله قد تم نهبه ومعاملته كما لو كان مجموعة نصوص شديدة الصغر من الأدلة العقائدية…. لكننا يجب أن نتذكر أنه لا يوجد دفاع سليم، ولا مبدأ أكيد، يرتكز على وسائل غير نقدية، أو يتقدم على أساس افتراضات عقائدية. فمثل هذه الإجراءات ليست عرضاً للحقائق بل فرضاً لها.[3]

وهكذا يتجه المنهج العقائدي في تفسير الكتاب المقدس إلى التطرف، تكون له نتائج غير مرغوب فيها على الإطلاق، إذ لا يصبح الكتاب المقدس هو مصدر سلطته الخاص. فعلى الرغم من أنه قدم المادة الخام التي تم بناؤها داخل النظام، إلا أن قدراً كبيراً كذلك من الاستنتاج المنطقي تم بناؤه أيضاً في النظام. هذا الهيكل النظامي إذاً يتم فرضه على أي مقطع في الكتاب المقدس، وبذلك يصبح هو السلطة التي بها يُستبعد المعنى الطبيعي للمقطع.

إن المنهج العقائدي كما يتم تعريفه هنا، رغم أنه يقبل كلاً من السمات الطبيعية وفوق الطبيعية في الكتاب المقدس، إلا أنه يعوق الدراسة الموضوعية الساعية نحو تحديد المعنى الذي يقصده المؤلف. وفي النهاية، يمكنه أن يثبط أي تفسير جيد. بل أنه يمكن أن يستبدل السلطة المستقلة للكتاب المقدس بسلطة نظام من صنع إنسان.

توجد ثلاثة مصادر مثالية للعقيدة التي تتحكم في التفسير. إذ يتم تحقيق الترابط المنطقي – سواء بين تعاليم الكتاب المقدس أو في موقف الفرد الشخصي – بواسطة الخضوع غير النقدي للعقيدة النابعة من واحد من المصادر الثلاثة التالي: التقليد، مسيحي آخر، أو الاختبار الشخصي.

التقليد

يمكن أن ننظر للتقليد إما بصورة إيجابية أو سلبية. فكعقيدة أو نظام عقائدي تم تبنيه بواسطة كيان مسيحي وتم نقله لأجيال متعاقبة، يساعد التقليد في إظهار الحقائق التي صمدت في اختبار الزمن. كما أنه يقدم لكنيسة اليوم فهماً للكنيسة التاريخية. فكم يكون صعباً بالنسبة للمسيحيين لو أنه كان على كل جيل جديد أن يفكر ويقرر بشأن أمور مثل تعريف الثالوث، والعلاقة بين البشرية والإلهية في المسيح، أو التبرير بالنعمة من خلال الإيمان. تاريخياً، قاد الروح القدس الكنيسة في تأسيسها للتفسيرات التي صمدت في اختبار الكتب المقدسة في ذلك الوقت، ثم صمدت الآن في اختبار الزمن.

إلا أن التقليد يمكن أيضاً أن يعوق التفسير الأمين للكتاب المقدس إذا كانت التفسيرات التقليدية قد تم تبنيها دون مبرر كتابي سليم. فالافتراضات الموروثة غير الممحصة تعمل غالباً كمجموعة من الغمامات التي توضع على الأعين والتي تمنع المسيحيين من رؤية ما يقع خارج مجال رؤيتهم من الكتاب المقدس. الأكثر من ذلك، فإن الرؤية المحدودة تشوه ما يتم رؤيته.

إن نظام العقيدة الموروث يحتاج أن يتم تعديله وإصلاحه بإخضاعه تحت السلطة القوية الصارمة للكتاب المقدس – فنسمح للكتاب المقدس أن يتحكم في إيمان الشخص وسلوكه حتى عندما يبدو أن مقطع معين لا يتفق مع النظام. رغم أنه يكون هناك توكيد ويقين أكثر عندما يشترك كثيرون من المؤمنين الآخرين في اعتناق نظام ما، إلا أن هذا لا يعني أن كل مسيحي يجب أن يتفق تماماً مع نظام تقليدي معين، مثل نظام العهد، أو النظام الإعفائي، أو الكالفيني، أو الأرميني، أو اللوثري، أو التجديدي. فكل إنسان له نظام، سواء يعمل بصورة ظاهرة أو ضمنياً فقط. لكن أياً كان النظام، سواء كان تقليد موروث أو بنية شخصية، يجب القيام بالتفسير بصرامة تحت إشراف سلطة الكتاب المقدس المستقلة.

مسيحي آخر

المنهج العقائدي في التفسير الأقل تبريراً يحدث عندما يقبل المرء تعليم شخص آخر بصورة غير نقدية، مثل تعليم معلم أو راع مهاب. فالسماح لشخص ما بأن يقيم عقيدة أو تفسير كتابي دون افتراض المسؤولية الشخصية في الفهم والثقة والطاعة لتعاليم الكتاب المقدس، قد يأتي نتيجة لواحد من دوافع متعددة. فمحبة القائد الذي يوكل إليه مسؤولية تفسير الكتاب المقدس أو الإعجاب به قد يقود إلى الاستبعاد غير النقدي للمسؤولية الشخصية. يكون هذا الأمر سهلاً عندما تكون معرفة القائد الموثوق به أكثر كثيراً من معرفة التابع، وخاصة عندما يشجع مثل هذا القائد على مثل هذه النوعية من العلاقة، أو يتوقعها كمطلب من متطلبات “التلمذة” أو “الولاء”. إذ أنه يوجد شعور بالأمان في قبول القائد للتابع أو لجماعة التابعين.

بالطبع، يمكن للمرء أن يتنازل عن مسؤوليته نتيجة الكسل – غير راغب في أن يبذل جهداً لكي يفهم ويطبق الكتاب المقدس هو شخصياً. فالخيط الدقيق بين التعلم باتضاع من الشخص الذي لديه معرفة، والسماح لذلك الشخص بأن يبني عقيدة، قد لا يكون من السهل دائماً تمييزه. لكن كل مؤمن مسؤول أن يبذل أقصى جهده لكي يأتي بأفكاره وحياته تحت السلطة المباشرة للكتاب المقدس.

قد لا تكون المشكلة فيما يتم الإيمان به، بل في كيفية التوصل إلى هذا الإيمان. فإذا كان أي مسيحي يتمسك عقائدياً بتفسير للكتاب المقدس، لمجرد أن شخصاً آخر قدمه – بغض النظر عن مدى احترام ومهابة هذا الشخص – فإن الكتاب المقدس عندئذ لم يعد يعمل باعتبار أنه السلطة الوحيدة في هذه الحياة. فسلطة كل القادة المسيحيين هي سلطة مأخوذة ومستمدة؛ لكن سلطة المسيح وحده من خلال كلمته هي السلطة المطلقة.

الاختبار الشخصي

أما الاتجاه الثالث الخاطئ للمنهج العقائدي في تفسير الكتاب المقدس فهو السماح للاختبار الشخصي بأن يبني عقيدة. فعندما ننظر بطريقة إيجابية إلى اختبار المسيحي مع الله، نجد أنه يدفعه للرغبة في معرفة المزيد عن الله. وكلما وثقنا في الله وأطعناه أكثر، كلما أظهر أمانته نحونا أكثر. لكن اختبار المسيحي يمكن أن يصبح عائقاً في طريق التفسير الكتابي السليم. ففي النهاية يكون الكتاب المقدس وحده هو السلطوي وليس التقييم الذاتي لاختبار الشخص مع الله.

فعلى سبيل المثال، يصحب اختبار التجديد دائماً أفكار معنية عن الخطية، وعن شخص يسوع المسيح، وعن عمل الروح القدس، وعن أهداف الكنيسة. لكن لو في وقت لاحق رفض المسيحي أن يغير من آرائه في ضوء الشهادة الكتابية، قائلاً، “إني أعرف أن ما كنت أؤمن به دائماً هو الصواب لأني اختبرته”، أو “كان الله يعمل في حياتي عندئذ، لذلك فأنا أعلم أنه لا بد وأن يكون صحيحاً”، عندها يكون الاختبار الشخصي قد أصبح سلطة. لكن لا بد أن نفسر اختبارنا بواسطة الكتاب المقدس وليس أن نفسر الكتاب المقدس بواسطة اختبارنا.

في تطوير تفسير خاص لمقطع كتابي أو لنظام شخصي للعقيدة، لا بد أن نقوم بذلك باتضاع عظيم. فإن أقل ما يقال عن ابتعادنا عن الحكمة العامة للكنيسة، هو أنه أمر خطير. فعلى الرغم من المفاهيم المعاصرة للحكم الذاتي للفرد، إلا أن الروح القدس يقود كنيسته بطريقة لا يمكن للفرد المستقل أن يدعيها بثقة. وإذ قد أشرنا إلى ذلك، نقول إنه يجب على كل منا أن يعطي حساباً عن كيفية تعامله مع الكتاب المقدس: “اجتهد أن تقيم نفسك لله مذكى عاملاً لا يخزى مفصلاً كلمة الحق بالاستقامة” (2تيموثاوس 2: 15).

لقد قمنا بفحص أربعة مناهج لتفسير الكتاب المقدس، يمكن أن تقود دارس الكتاب المقدس إلى الضلال، وهي: المنهج فوق الطبيعي، بتفسيراته الرمزية أو السرية؛ والمنهج الطبيعي، بتفسيراته العقلانية؛ والمنهج الوجودي، بمزيجه غير النافع بين الطبيعي وفوق الطبيعي؛ والمنهج العقائدي، الذي يفسر كل مقطع كتابي على أساس افتراضات عقائدية مسبقة. لاحظ أن كلاً من هذه المناهج مبني على افتراض صحيح بشأن الكتاب المقدس: أي أنه فوق طبيعي، وإنه طبيعي، وإنه يجب تطبيقه، وإنه متسق ومترابط – أي أن كل تعاليمه تتفق معاً في وحدة متكاملة. المشكلة هي أن كلاً من المناهج قد ركزت على افتراض صحيح بشأن الكتاب المقدس، ولكنها تجاهلت كون بقية الافتراضات الأخرى صحيحة كذلك. لذلك فالحل هو أن نتعامل مع الكتاب المقدس بجميع الافتراضات التي يعتقدها عن نفسه.

هذه الافتراضات الكتابية تتضمن مبادئ معينة سنقوم بالتعرف عليها الآن. بعد ذلك، سوف نناقش الإرشادات التي تنشأ عن تلك المبادئ.

مراجع مختارة للمزيد من الدراسة

بيركوف، لويز. Principles of Biblical Interpretation. Grand Rapids: Baker, 1950.

براجا، جيمس. How to Study the Bible. Portland, Oreg.: Multnonah, 1982.

كارسون، دونالد إيه. Exegetical Fallacies. Grand Rapids: Baker, 1984.

إفيرد، جيمس إم. How to Interpret the Bible. Atlanta: John Konx, 1984.

فيك، جوردون دي، ودوجلاس ستيوارت. How to Read the Bible for All Its Worth. Grand Rapids: Zondervan, 1981.

فيرجاسون، دانكان إس. Biblical Hermeneutics: An Introduction. Atlanta: John Knox, 1986.

إنش، موريس إيه، وسي هازل بولوك، محرران. The Literature and Meaning of Scripture. Grand Rapids: Baker, 1981.

لونجنيكر، ريتشارد. Biblical Exegesis in the Apostolic Period. Grand Rapids: Erdmans, 1975.

كيرلي، إف فورمان، وإدوارد بي ميرز، وتيموثي دي هادلي، محررون.Biblical Interpretation: Principle and Practice. Grand Rapids: Baker, 1986.

ميكسلن ،إيه باركلي. Interpreting the Bible, Grand Rapids: Eerdmans, 1963.

رام، بيرنارد. Protestant Biblical Interpretation. Grand Rapids: Baker, 1970.

شولتز، صامويل، وموريس إيه إنش. Interpreting the Word of God Today. Chicago: Moody, 1976.

سبرول، أر سي. Knowing Scripture. Downers Grove, Intervarsity, 1977.

تيري، ميلتون. Bible Hermeneutics طباعة. Grand Rapids: Zondervan, 1974.

ستوت، جون آر. Understanding the Bible طبعة ثانية. Grand Rapids: Zondervan, 1985.

فيركلر، هنري إيه. Hermeneutics: Principles and Processes of Biblical Interpretation. Grand Rapids: Baker, 1981.

[1] انظر إيرنست بست، From Text to Sermon: Responsible Use of the New Testament in Preaching (Atlanta: John Knox, 1978)، الصفحات 97-99.

[2] لويز بيكوف، Principles of Biblical Interpretation (Grand Rapids: Baker, 1950)، صفحة 23.

[3] ميلتون إس تيري، Biblical Hermeneutics (Grand Rapids: Zondervan, 1974)، صفحة 172.

ما هي أفضل طريقة لـ قراءة العهد القديم؟ هل نقرأ أسفاره بصورة انتقائية (وبأي ترتيب)، أم يجب أن نقرأها بتسلسلها المعهود؟ دكتور عدنان طرابلسي

ما هي أفضل طريقة لـ قراءة العهد القديم؟ هل نقرأ أسفاره بصورة انتقائية (وبأي ترتيب)، أم يجب أن نقرأها بتسلسلها المعهود؟

ما هي أفضل طريقة لـ قراءة العهد القديم؟ هل نقرأ أسفاره بصورة انتقائية (وبأي ترتيب)، أم يجب أن نقرأها بتسلسلها المعهود؟

أنصح بالطريقتين معاً. يجب أن نقرأ العهد القديم من البداية إلى النهاية، ولو مرة واحدة في حياتنا، من أول سفر (سفر التكوين) إلى آخر سفر منه. أما بالنسبة للقراءة اليومية أو القراءة المتواترة، فمن الأفضل أن تكون القراءة انتقائية. طريقة القراءة الانتقائية تعتمد على الاهتمامات والحاجات الروحية لكل قارئ.

الكنيسة بحد ذاتها تنصح بقراءة العهد القديم بصورة منتظمة. ففي كل يوم نجد أن الخدم الليتورجية مطعّمة بقراءات من المزامير: إنها “صلوات الكنيسة”، بحسب التقليد الرهباني، ويجب أن تُقرأ وتُقيّم بهذا المعنى. وفي خلال الصوم الكبير وبدل قراءة الرسائل والإنجيل يومياً فإننا يومياً فإننا تقرأ من العهد القديم: من التكوين والأمثال وأشعياء. تعطينا هذه القراءات مفهوماً واسعاً عن عمل الله في الخلق (الكون، الجنس البشري، الشعب العبري)، وهن تقليد “الحكمة” المُعطَى لقدامى العبرانيين، وعن التقليد النبوي، مع التأكيد على المسيّا القادم.

بعد ذلك وفي غروب الأعياد الكبرى والمناسبات الأخرى، نجد ثلاث قراءات أو أكثر من العهد القديم. أفضل طريقة للتهيئة لهذه الأعياد هي أن نقرأ هذه النصوص الكتابية ونتأمل فيها، سوية مع نصوص العهد الجديد وذلك قبل المشاركة في الخدم الليتورجية. هذه القراءة قبل الخدمة يجب أن تكون القاعدة مع كل القراءات الكتابية في كل الخدم الليتورجية، بما في ذلك نص الرسالة والإنجيل قبل المشاركة في القداس الإلهي. هذه المشاركة مهمّة وأساسية إن أردنا حصاً أن نسمع وأن نفهم ماذا سيُقرأ في الخدمة.

أما بالنسبة للقراءة والتأمل الشخصي فإنه لا يوجد ترتيب ثابت يجب أن نقرأ وفقه أسفار الكتاب المقدس. إن حوادث حياتنا التي نمرّ بها قد تجعل بعض النصوص الكتابية مناسبة أكثر لنا من نصوص أخرى. فالمزامير مثلاً تتكلم عن حضور الله والغياب الظاهري للاحتفال والدينونة، للنصر والهزيمة، للرجاء واليأس. كل واحد منا يجب أن يختار قراءات معينة من المزامير تتحدث بصورة مباشرة أكثر عن احتياجاتنا المباشرة، ونحن ندرك في الوقت نفسه أن الظروف المتغيّرة يمكن أن تقودنا إلى قراءة مزمور معين بطرق مختلفة.

الأمر نفسه صحيح فيما يتعلق بأسفار الأنبياء. فالمزمور 22/23 مثلاً يقدّم لنا صورة الرب كراعٍ يهتمّ بشعبه ويُطعمهم. لكنه يقدّم أيضاً تعزية للنفس التي تجد ذاتها في “ظل الموت”. وبصورة متشابهة فإن أسفار الأنبياء يمكن أن تتحدث عن الموت والهلاك الذي يعاني منهما شعب إسرائيل (وعن الدينونة التي نختبرها نحن كاستجابة لحالتنا الخاطئة). لكن أسفار الأنبياء تقدّم لنا أيضاً تعزيةً ووعداً بالسلام. لهذا من الأفضل أن نكون انتقائيين في قراءتنا، مختارين تلك النصوص التي تكلّمنا بصورة مباشرة وشخصية، بحسب ظروفنا الحالية.

يطرح السؤال التالي نفسه: كيف نقرأ العهد القديم؟ إن الكتبة الرسوليين وآباء الكنيسة قد أدركوا، مقل الرب يسوع نفسه، أن العهد القديم هو قبل كل شيء “كتاب مسيحي”. فالأسفار العبرية، بكلمات أخرى، ذات معنى لنا لا كوثائق تاريخية وعناصر ليتورجية وفرائض شرعية لإسرائيل فحسب. قبل كل شيء، إن هذه الأسفار تشير إلى مجيء مسيّا الله، “الممسوح”، الذي ظهر كيسوع الناصري.

فلكي يفسّر المسيحيون الأوائل العلاقة بين العهدين القديم والجديد، فإنهم استعملوا “التفسير بحسب النموذج typology”، (أو التيبولوجيا). أي لقد رأوا في “نماذج” أو أشخاص العهد القديم صوراً نبوية لأشخاص وحوادث من العهد الجديد. فمثلاً: إن موسى مُعطي الناموس هو “نموذج” ليسوع، معطي الناموس الحقيقي (كما في الموعظة على الجبل، أن نحب الله والقريب)، هيكل العهد القديم هو صورة أو نموذج للكنيسة، والمن في البرية الذي قات الشعب العبري هو صورة نبوية للإفخارستيا المسيحية.

إذاً في فكر الآباء أن نميّز بين مستويين من المعنى موجودين في العهد القديم، وهو ما ندعوه المعنى “الحرفي” أو “التاريخي”، والمعنى “الروحي”. فوراء حرف النص، وبكلمات أخرى (المعنى الحرفي، أي الواضح من الكلمات نفسها باستعمالها الاعتيادي)، يوجد معنى أكمل وأعمق يشير إلى المسيح وإلى ملكوت الله. لقد لخّص يسوع كامل الناموس العبري بوصية واحدة: أن نحب.

إن شريعة العهد القديم (أسفار موسى الخمسة من التكوين إلى التثنية) هي صور رمزية لشريعة أكمل من الحب يعلّمها يسوع ويجسّدها. يوجد مثالٌ آخر هو العبد المتألم في أشعياء (52-53). فالكنيسة دائماً ميّزت هذا الشخص على أنه صورة نبوية ليسوع، المذلول من شعبه، والذي كان يُعتقد أنه مسحوق من الله، مع ذلك وبالحقيقة فإنه حمل خطايا الشعب، وتألّم حتى الموت، وبالنهاية “رفعه” الله عالياً جداً (لاحظ كيف يُظهر القديس بولس في الرسالة إلى اهل فيليبي 5:2-11 أن يسوع هو تحقيق العبد المصوّر في أشعياء 53).

إذاً إننا نقرأ، كمسيحيين، العهدَ القديم ككتاب “مسيحي” (في الحقيقة هو مكتبة كاملة). ففي حين يبقي العهد القديم الكتاب المقدس العبري الذي يُظهر ناموس الله ووعوده لشعب إسرائيل، إلا أنه يحتوي أيضاً معنى أعمق يجد تحقيقه في المسيح. هذا الإدراك “لحضور المسيح في العهد القديم” هو إدراك قوي جداً في الخبرة المسيحية، بحيث أن آباء الكنيسة اعتبروا أن كل “ظهور” لله في العهد القديم هو ظهور لا الله الآب بل لله الابن. فابن الله الأزلي قبل تجسده في رحم العذراء مريم، هو موجدٌ وفاعل طوال تاريخ إسرائيل. كان موجوداً لدى الخلق (الله تكلّم فكان أمرٌ، تلك الكلمة المنطوق بها هي اللوغوس السرمدي، كلمة الآب أو ابنه).

كان موجوداً في العليقة المشتعلة عندما صعد موسى إلى الحضور الإلهي ليستلم الشريعة. كان حاضراً أيضاً في “الصوت المنخفض الخفيف” (1ملوك 12:19) الذي اختبره إيليا. كان حاضراً طوال تاريخ إسرائيل كله، على أنه الرب (كيريوس) السرمدي. فقط بتجسده وموته وقيامته وتمجّده فإن المسيح سيُكشَف لكل الخليقة كما كان عليه وكما هو عليه إلى الأبد: “الرب” والذي يعني الله نفسه (فيليبي 9:2-11). (الأب جان بريك)

“لا تقترب من كلمات الأسرار المحتواة في الأسفار الإلهية بدون صلاة وبدون طلب معونة الله. قلْ: “يا رب، امنحني أن أنال وعياً للقوة التي فيها”. اعتبر الصلاة مفتاح فهْم الحقيقة في الكتاب المقدس” (القديس اسحق السوري)

“ضَعْ فينا خوف وصاياك الإلهية كي ندوس كل الشهوات الجسدية، ونسير سيرة روحية” (صلاة قبل قراءة الإنجيل المقدس)

ما هي أفضل طريقة لـ قراءة العهد القديم؟ هل نقرأ أسفاره بصورة انتقائية (وبأي ترتيب)، أم يجب أن نقرأها بتسلسلها المعهود؟

Exit mobile version