المنهج الوجودي لتفسير الكتاب المقدس

المنهج الوجودي لتفسير الكتاب المقدس

المنهج الوجودي لتفسير الكتاب المقدس

المنهج الوجودي لتفسير الكتاب المقدس

لم تقدم العقلانية الإجابات التي توقعها أنصارها بشأن معنى وهدف الحياة، فقد تجاهلت نواحي الحياة التي تمتد إلى ما هو أبعد من المنطق. أما الوجودية، التي تركز على مكان الإرادة والمشاعر، فقد ظهرت في بداية القرن العشرين كرد فعل للعقلانية. وقد قدمت الوجودية افتراضاتها بداية من حقيقة الوجود الإنساني، لكي تفسر الحياة بأكثر حماسة وشمولية.

من ناحية، تعتبر الوجودية بالفعل مضادة للفلسفة، إذ ان أنصارها يرفضون فرض صيغ أو أنظمة خارجية تقوم بتقيد التعبير الحر عن الوجود الإنساني. لذلك، فبخلاف المناهج الطبيعية وفوق الطبيعية التي قد تتميز بأنها “ذاتية نظرية” كثيراً ما تكون غير واعية لمنهجها الذاتي في التفسير، فإن الوجودية تكون “ذاتية متعمدة وظاهرة بوضوح” كمبدأ عمل أساسي لها.

يوجد للوجودية تعبيراتها العلمانية والمسيحية. فالوجوديون العلمانيون، من أمثال جان بول سارتر (1905-1980)، وألبرت كاموس (1913-1960)، كانوا يعتقدون أن الحياة ليس لها معنى موضوعي بعيداً عن الخبرة الحالية. وبدون نقطة موضوعية مرجعية، قادت الوجودية العلمانية إلى العدمية، واليأس من وجود أي معنى للحياة.

الوجودية المسيحية أيضاً تستقي المعنى والحق من الخبرة الشخصية، لكنها تزعم أن أكثر التجارب الأساسية في الحياة هي اللقاء مع الله. فهم يزعمون أن إعلان الله للبشر هو إعلان شخصي، وداخلي، واختباري. الليبرالية اللاهوتية، التي طغى عليها المنهج العقلاني، تم تحديها واستبدالها شرعياً بالوجودية في السنوات التي تلت الحرب العالمية الأولى.

وقد كان المنهج السائد في الخط الرئيسي من اللاهوتيين البروتستانت خلال النصف الثاني من القرن العشرين في فهم الكتاب المقدس، هو المنهج “الوجودي”.

اللاهوتيون الوجوديون

كارل بارث

يُعتبر سورن كيركجارد (1813-1855)، الفيلسوف الدنماركي، هو أب الوجودية المسيحية. لكن كارل بارث (1886-1968) ربما كان هو أكثر الأشخاص المؤثرين في هذه الحركة. كان بارث بوضوح من أنصار المنهج فوق الطبيعي، من حيث أنه كان يؤكد بشدة على العناصر المعجزية، مثل قيامة المسيح (رغم أنه لم يعتبر القيامة حدثاً يمكن التحقق منه تجريبياً في المكان والزمان، كما فعلت العقيدة الكلاسيكية). لقد اعترف بارث في منهجه بما هو فوق طبيعي؛ ومع ذلك، فقد كان أيضاً من الأنصار المدققين للمنهج الطبيعي.

وبدمج الطبيعي مع ما هو فوق الطبيعي، تم تسمية الحركة “التقليدية الجديدة”. فهي “تقليدية” في تأكيدها على ما هو فوق طبيعي، و”جديدة” في تمسكها بالافتراضات الطبيعية فهي تفسير الكتاب المقدس. استطاع بارث أن يدمج هذين المنهجين غير المتفقين بواسطة فصل الحق الكتابي عن المنطق والتاريخ.

فقد علم بارث أن العناصر فوق الطبيعية في الكتاب المقدس لا يمكن أن تكون حقيقية بالفعل إلا عندما يتم قبولها بواسطة المفسر، بالإيمان، على أنها كلمة من الله. وعندها تصبح “القفزة غير العقلانية للإيمان” ضرورية لكي يختبر الإنسان شخصياً كلام الله.

وهكذا فإن الوجودية المسيحية هي محاولة لأن يكون الإنسان في منتصف الطريق بين العقيدة التقليدية والليبرالية، وبين المنهج فوق الطبيعي والمنهج الطبيعي. تعتقد النظرة الوجودية للكتاب المقدس أن الكتاب المقدس هو بالحقيقة أداة إعلان الله للبشر. فالله يوصّل رسالته بواسطة الكتاب المقدس.

لكن الكتاب المقدس، في حد ذاته، لا يمكن أن نسميه إعلان الله. لأنه لكي يصبح الكتاب المقدس كلمة الله بالكامل، يجب أن يتم قبوله بواسطة شخص ما؛ تماماً مثل الصمغ الذي يصنع من الإيبوكسي والمقوي، فهو يصبح صمغاً فقط عندما يختلط العنصران معاً بطريقة سليمة. بنفس الطريقة، يصبح الكتاب المقدس إعلاناً، فقط عندما يتم مزجه بصورة سلمية مع إيمان القارئ أو السامع، فالكلمة في حد ذاتها لن تلصق.

وإلى أن يستجيب عقل بشري لكلمات الكتاب المقدس، لا تكون إلا كلمة الله “المحتملة”. وهكذا فإن “المزج” هو حقاً الذي يقرر حق وسلطة النص. لهذا السبب، فإن الوجودي الذي يقوم بالتفسير لا يجب أن يتحدث عن الكتاب المقدس على أنه “كلمة الله”، بل على أنه “يصبح” كلمة الله.

رغم أن المنهج الوجودي للكتاب المقدس يزعم أنه فوق طبيعي أولاً وقبل كل شيء، إلا أن توجهه الأساسي طبيعي من زاويتين. الأولى، أن المفسرين الوجوديين يستخدمون عامة الوسيلة النقدية – التاريخية، التي كما رأينا، تكون مبنية على افتراضات طبيعية مسبقة.

ثانياً، أن المفسر بادعائه السلطة الناجمة عن أهمية وضعه، يقوم في النهاية بالتحكم في المعنى، إذ ان الكتاب المقدس وحده ليس إعلاناً، فهو يصبح إعلاناً في عملية التقاء المفسر معه. وبذلك، فبافتراضاتهم الطبيعية، يعتنق الوجوديون نظرة للكتاب المقدس لا تماثل النظرة التي يعتقدها الكتاب المقدس نفسه عن نفسه.

لأنه بالنسبة لهم، يعتبر الكتاب المقدس سلطة غير مستقلة، لكنها خاضعة لحكم المفسر الذي يحدد أي من عناصر الكتاب المقدس هو الحق، وبالتالي هو كلمة الله الجديرة بالثقة.

رودلف بلتمان

إن المفسرين الذين يتعاملون مع الكتاب المقدس بحسب المنهج الوجودي يحاولون عادة أن يطهروا الكتاب المقدس من جميع العناصر التي لا تتفق مع نتائج نقدهم التاريخي الطبيعي. فإذا كان هناك أي شك بشأن الأساس الطبيعي للتفسير الوجودي، فإن مثل هذا الشك تم استعباده تماماً بواسطة تصاعد حركة رودلف بلتمان (1884-1976) وتلاميذه.

ذهب منهج بلتمان “بتخليص اللاهوت من الأسطورة” إلى ما هو أبعد من الوجوديين الأوائل، في إنكار المصداقية التاريخية لجميع العناصر فوق الطبيعية في الكتاب المقدس، بما فيها قيامة المسيح. فقد جادل بلتمان أنه على الرغم من السمة الطبيعية الكلية لكتب المقدسة، إلا أن تلك العناصر الطبيعية تشير إلى واقع أسمى، كان مخفياً في أسطورة.

فإن بعض العناصر في الكتاب المقدس لا يمكن أن يتم التعامل معها على أنها تاريخ رصين. فعملية فصل الأسطورة عنه وتقرير الأمور المهمة الباقية كان مهمة المفسر، كما يزعم بلتمان، وهكذا أصبحت عملية تخليص اللاهوت من الأسطورة هي الموضوع السائد للوجوديين بعد الحرب العالمية الثانية.

لا يكون واضحاً دائماً عملية استخدام أحد مفسري الكتاب المقدس أو الوعاظ لمنهج وجودي. فإحدى سمات هذا المنهج هي استخدام كلمات تقليدية بمعان غير تقليدية. فمثل هذا الشخص قد يعلم عن الميلاد الجديد، لكن يكون في ذهنه مفاهيم روحية تتكرر مرات ومرات. وقد يحدث عن أمور شيطانية لكنه لا يشير إلى أي كائن فوق طبيعي لكن يشير إلى قوى شريرة في المجتمع.

النظرة العالمية للمفسر

انتقل القادة في المنهج الوجودي مؤخراً إلى تحليل كيفية عمل التواصل البشري. وهذا يتبع الاتجاه العام للمحدثين، بأن يصرفوا الانتباه عن النص القديم وعن مؤلفه، وأن يزيدوا من التركيز على المفسر؛ أي أن يقوموا بالتركيز على دور المتلقي للمعلومات أكثر من تركيزهم على دور المرسل.

إن الله يرغب بالتأكيد أن تتغلغل كلمته بعمق وبطرق مغيرة للحياة في مفسري القرن العشرين، لكن تطبيق الكتاب المقدس يجب أن يتبع تفسيراً أميناً لمعنى النص، وليس أن يقرره. يخطئ المنهج الوجودي في إعطاء المفسر سلطة مساوية لسلطة النص، إن لم تكن أكثر. بهذه النظرة، يكون إسهام المفسر جزءًا سلطوياً في المزيج الذي يشكل الكلمة التي من الله.

إن الذين يدرسون ظاهرة فهم فكر شخص آخر يدركون أن المتلقي لأية معلومات يسمع بمجموعة من الافتراضات المسبقة التي تشكل نظرة عالمية. هذه النظرة العالمية هي عدسة يرى الشخص من خلالها كل الواقع. فهي تمثل قنوات للفكر، تفسر الخبرات، وتوجه السلوك. تعمل هذه العدسة باستمرار، لكن نادراً ما يتم ملاحظتها.

الأكثر من ذلك، إن اللغة التي يستخدمها المرء يكون لها معنى، فقط بالنسبة للشخص الذي يفهم النظرة العالمية للمتحدث أو الكاتب. لذلك فإن التواصل الفعال لا يحدث إلا عندما تكون اللغة المستخدمة بواسطة المرسل (مؤلفي الكتاب المقدس في هذه الحالة) متصلة مباشرة بالنظرة العالمية للمتلقي (مفسر الكتاب المقدس). فاللغة تصبح مفهومة فقط عندما يستطيع المتلقي أن يفهم النظرة العالمية للمرسل، وبذلك يسمع الكلمات في سياق النظرة العالمية للمرسل.

وحيث أن تأثير النظرة العالمية للشخص يكون شديد العمق والتغلغل، فقد يئس البعض من إمكانية وجود تواصل مفهوم بين البشر من حقب وثقافات مختلفة. بل الحقيقة أن أصحاب النظريات الأكثر تطرفاً قد يئسوا من إمكانية وجود تواصل دقيق بين الذكور والإناث من نفس الثقافة أو حتى بين أي شخصين.

لكن الوجودي المتدين يؤمن أن المشكلة تحل عندما يأتي الدارس للنص الكتابي القديم بحياته الشخصية إلى تلك العملية من الفهم، بحيث ينتج “المزج” بين النص القديم والاستجابة الشخصية المعاصرة، كلمة صحيحة من الله.

يزعم المنهج الوجودي أن الحياة الشخصية للمفسر تلعب دوراً تشكيلياً في معنى أي عملية توصيل للمعلومات. فالمفسر يصل دائماً إلى تفسير يتكون إلى درجة ما من مزيج من أفكاره الخاصة وأفكار المؤلف الأصلي. فحيث أن المفسر قد تفاعل مع النص، فإن النص يعيد تشكيل فكر المفسر، لكن بسبب تفاعل النص مع المفسر، يعيد المفسر تشكيل رسالة النص.

بحسب هذا الاتجاه الوجودي، لا تعد الفجوة بين النص والمفسر أمراً مؤسفاً، بل أنها تمثل الديناميكية التي تنشط كل تفسير. السبب في ذلك هو أن المنظور الجديد، المفترض أنه أوسع، الذي يحدث نتيجة التفاعل بين النص والمفسر، يصبح هو الأساس الذي عليه يحدث اللقاء التالي مع النص.

التفسير الجديد والدائرة التفسيرية

تم إعطاء اسم “التفسير الجديد” لعملية تطبيق المنهج الوجودي على ظاهرة الفهم البشري. ويطلق عليه “جديد” لأنه يأتي بالمفسر إلى دور تشكيلي في عملية التفسير. ويطلق عليه “تفسير” في صيغة المفرد، لأنه لا يعنى بالإرشادات أو الوسائل التي بها يعين المرء معنى النص – وهي المهمة التقليدية للتفسيرات (بصيغة الجمع) – ولكنه يعنى فقط بهذا المنهج أو النظرية المنفردة في فهم الفكر البشري.

يوضح التفسير الجديد مشكلة “الدائرة التفسيرية”. تتضح الناحية الدائرية للتفسير عندما يسأل المرء “أيهما جاء أولاً، النص أم سياق المفسر؛ أفكار المؤلف القديم أم أفكار المفسر؟” وهذا سؤال مشروع ويمكن أن ينبه المفسر لخطأ افتراض أن الكتاب المقدس يمكن قراءته بطريقة شديدة الموضوعية مما يجعل التفسير حراً من التحيز أو البقع المظلمة.

لكن هناك اختلاف جوهري بين منظور التفسير الجديد والمنهج التاريخي لفهم الكتب المقدسة، كما هو معروض في هذا الكتاب. يقول التفسير الجديد أنه لا يوجد طريق للخروج من هذه الدائرة، فلا توجد موضوعية في التفسير، ولا معنى ثابت في النص بمعزل عن مدخلات المفسر. لكن الكتاب المقدس هو توصيل لمعلومات من الله، واللغة البشرية الموحى بها في النص مؤيدة ومدعّمة بحقه ومصداقيته وعدم تغيّره.

فالنص صادق بطريقة موضوعية، ومستقل عن تفسير أي شخص له. وهكذا فإنه بالنسبة للذين يقبلون السلطة المستقلة للكتاب المقدس، لا يحاول المفسر أن يختلق معنى جديداً، رغم أنه يحاول أن يفهم ويطبق المعنى الموضوعي لمقطع كتابي بطريقة أكثر أصالة مما كان يحدث في الماضي. ربما يكون هناك بهذه الطريقة تفسير جديد سليم. للكن لا يكون هناك إعلان سلطوي جديد لحق الله.

لكن قبول الحق المستقل الموضوعي للكتاب المقدس لا يحل بالكامل المشكلة التي تثيرها “الدائرة التفسيرية”. فكيف يمكن لأي مفسر يعنق حشداً من الافتراضات المسبقة الواعية واللاواعية، أن يعرف أنه ينظر للنص من منظور الله، غير متأثر بتحيزاته الشخصية؟ يصدق التفسير الجديد عندما يزعم أن النص ليس سلبياً. بمعنى أن النص ليس مجرد موضوعاً للفهم، لكن الكتاب المقدس كتاب حي، يفحص ويفسر المفسر.

كما يصدق التفسير الحديث أيضاً عندما يرضى بأن يشترك النص مع المفسر في العملية. فكما أن المسيحي الحديث لا يولد في العائلة كامل النمو، ولكنه ينمو في التقوى طوال حياته، كذلك أيضاً النمو في الفهم وتطبيق الكتاب المقدس، يستمر طوال رحلة المسيحي. لكن التفسير الجديد معيب بصورة خطرة، لأنه ينكر موضوعية الحق ويرفض السلطة المستقلة للكتاب المقدس.

رغم أن الجزء القديم من عملية التفسير (النص الموحى به) والعنصر الحديث (دور المفسر) لا يمكن الفصل بينهما، إلا أنه يمكن ويجب التمييز بينهما. فسلطة الله تقف خلف الكلمة التي تم التحدث بها في السياق القديم؛ ولكنها لا تقف خلف ما يأتي به المفسر إلى النص. الكتاب المقدس حق وسلطوي؛ لكن التفسير قد يكون كذلك أو لا يكون.

بحسب التفسير الجديد، يقفز المفسر إلى عملية دائرية دائمة في التفسير، ويتحرك فيها بواسطة عدم يقينية وتعقيدات السياق الحالي، متأثراً بالنص القديم. لكن بحسب الوسيلة التي ينادي بها هذا الكتاب، يعترف المفسر بحق ومصداقية وسلطوية الكتاب المقدس الذي أعطي في السياق القديم، ويستخدم ويوظف الإرشادات لأجل التفسير المناسب الذي يجعل النص يتحدث عن نفسه.

رغم أن المفسر لا يكون حراً على الإطلاق من تأثير السياق الحالي، إلا أن معنى النص السلطوي يكون موجوداً ويكون عليه اكتشافه. يمكن للمسيحي أن يكون واثقاً من تقدمه نحو الفهم والتطبيق السليم للكتاب المقدس، لأن المسيحي يتحرك نحو هدف ونقطة ثابتة، وليس نحو هدف متحرك بالتفسير الوجودي.

الأكثر من ذلك، يمكن للمفسر المسيحي أن يكون على يقين تام من معنى التعاليم الأساسية العظيمة للكتاب المقدس – مثل وضوح إعلان الله. إن اليقين لا يتطلب معرفة مرهقة بكل حق الله. بكلمات أخرى، يمكن للمسيحي أن يفهم حق الله ويعيش في ضوئه بدون أن يزعم أنه فهم واستوعب بالكامل كل حق الله. هذا التمييز يساعد المسيحي على تجنب الشك القوي من ناحية، على عدم التهاون في العقيدة في التفسيرات موضع الخلاف، من ناحية أخرى.

تنشأ العديد من المفاهيم والتحذيرات عند تقييم التفسير الحديث. أولاً، يجب على المفسر أن يحمي الاستقامة والسلطة المستقلة للنص الكتابي بأي ثمن. ثانياً، إن تفسير الكتاب المقدس لا يمكن أن يتم بموضوعية كاملة. ثالثاً، يجب على المفسر أن يقترب إلى النص ويتعامل معه باتضاع.

رابعاً، حيث أن المفسر ليس هو الشخص الوحيد الذي يقوم بتفسير الكتاب المقدس، فإنه يجب أن يدرك قيمة وأهمية الكنيسة في التفسير. خامساً، تفسير الكتاب المقدس هو عمل يستمر طوال الحياة، حيث ينتقل بنا الله من درجة من المعرفة إلى أخرى. سادساً، يمكن للكنيسة أن تنال اليقين بدون الحاجة لأن تفهم تفسير الكتاب المقدس كله. وسابعاً، يجب تجنب الجزم بالرأي في الأمور التي لم تتضح بواسطة الكتب المقدسة.

إن التفكير الوجودي، السائد بواسطة بارث، ثم بلتمان، وأخيراً بواسطة التفسير الحديث، لم يعد له اتجاه سائد. بل بدلاً من ذلك، ينقسم مجال النقد التاريخي بين الكثير من المناهج والاتجاهات، ليس جميعها وجودي.

ففي البحث عن نماذج جديدة لعبور الفجوة من الوثائق القديمة إلى الفكر الطبيعي المعاصر، يسعى العلماء نحو النقد الأدبي، واللغوي، وفلسفة اللغة، والعلوم الاجتماعية. لكن لم يأت منهج ما إلى وضع السيادة والهيمنة بعد. من ناحية أخرى، يتجه العديد من العلماء الإنجيليين السابقين نحو منهج بارث القديم.

رغم أن الوجوديين في القرن العشرين قد شرعوا في استعادة كلمة الله من حطام العقلانيين، فإنه بنهاية القرن أصبحوا في مثل ذلك التدمير لأية كلمة موضوعية صادقة وسلطوية من الله. ربما يكون هذا نتيجة حتمية لمحاولة بشر محدودين ساقطين أن يبحثوا في أنفسهم عن إجابات، الأمر الذي يعتبر عيب قاتل للمنهج الوجودي. ففي النهاية لا يمكن أن نهرب من الذاتية، وخاصة ذاتية المنهج الطبيعي.

مراجع مختارة للمزيد من الدراسة

أكتيميير، بول جي. An Introduction to the New Hermeneutic. Philadelphia: Westminster. 1974.

بارث، كارل. Church Dogmatics المجلد الأول، The Doctrine of the Word of God ترجمة جي تي طومسون. New York: Scribners, 1936.

برونو، إميل. Truth as Encounter. ترجمة إيه دبليو لوس ودي كارنز Philadephia: Westminster, 1964.

بولتمان، رودلف. The Problem of Hermeneutics في Essays Philosophical and Theological ترجمة جي سي جي جريج، الصفحات 234-61. London: SCM.1955.

جرونلر، وريس جوردون. Meaning and Understanding: The Philosophical Framework for Biblical Interpretation. Grand Rapids: Zondervan. 1990.

سيلفا، مويزس. Has the Church Misread the Bible? The History of Interpretation. In the Light of Contemporary Issues. Grand Rapids: Zondervan, 1987.

روبينسو، أنتوني. The Two Horizons: New Testament Hermeneutics and Philosophical Description. Grand Rapids: Eerdmans, 1980.

المنهج الوجودي لتفسير الكتاب المقدس

المنهج العقائدي في تفسير الكتاب المقدس

المنهج العقائدي في تفسير الكتاب المقدس

المنهج العقائدي في تفسير الكتاب المقدس

المنهج العقائدي في تفسير الكتاب المقدس

لا يمكن لله أن يكذب، لذلك لا توجد تناقضات في فكر الله. وحيث أن كل الكتاب المقدس هو موحى به من الله، فإنه جدير بالثقة. في ضوء هذا الافتراض الأساسي، تصبح كل المحاولات التي تبذل لتوفيق جميع تعاليم الكتاب المقدس بشأن موضوع ما أو إعداد نظام منهجي شامل لكل تعاليمه، هي محاولات سليمة وفي موضعها الصحيح.

ليس فقط الدراسة النظامية للكتاب المقدس سليمة، لكنها ضرورية. فعلى سبيل المثال، إنه أمر ضروري بالنسبة للاهوتي أن يدرس كل أجزاء الكتاب المقدس التي تصف طريق الخلاص. فإذا قام بأخذ مقطع معين، وفصله عن بقية المقاطع الأخرى التي تتعامل مع كيفية خلاص الشخص، وبنى عليه مبدأ للخلاص، ستكون النتيجة تشويه حق الله الخاص بالخلاص. لذلك فإن الدراسة المنظمة للاهوتي ليست فقط أمر سليم وضروري، لكن لها أهمية عظمى لفهم معنى الكتاب المقدس. فالجهود التي تبذل لتنسيق وتجانس ووحدة الحق في المقاطع المختلفة التي تتحدث عن موضوع معين هي سليمة ومطلوبة للمعلم والواعظ كما هي بالنسبة للاهوتي.

إن تركيب التعليم الكتابي ليس فقط صحيح، وضروري، ومهم؛ ولكنه حتمي كذلك. وحيث أن كل شخص يتعامل مع أية وثيقة مكتوبة بمجموعة من الافتراضات المسبقة، بالمثل، يتعامل المسيحي مع الكتاب المقدس من خلال هذه النظارات الفكرية. بل الحقيقة أنه لا يستطيع أن يقبل إلا الأفكار التي تتفق بصورة ما مع نظام تفكيره الممنهج الموجود في عقله بالفعل. لذلك ليس فقط جميع المسيحيين لاهوتيين، بل أن كل الناس لاهوتيين. الاختلاف الوحيد هو أن البعض يكونون لاهوتيين أفضل من غيرهم.

يصف إيرنست بيست هذا الاتجاه اللاهوتي العام لدى جميع الناس قائلاً:

كل تفسيرات الكتاب المقدس يتم التحكم فيها بواسطة لاهوت الشخص الذي يفسر. قد لا يكون صحيحاً أن هناك مفسر معين له وضع لاهوتي مستقيم ثابت؛ إذ أن لاهوته ونظرته العالمية تتحكم دائماً في تفسيره.[1]

إن كان صحيح أن الكتاب المقدس هو كلمة الله، وأن الفكر البشري يسعى باستمرار إلى علاقة متسقة بين الأفكار المقبولة بشأن معتقد معين، فما هو المنهج الذي يجب استخدامه لتجنب الخطأ في اكتشاف المعنى الحقيقي للكتاب المقدس؟ كيف يمكن للشخص أن يعمل من خلال متاهة مفاهيمه المسبقة ومفاهيم المفسرين الآخرين للكتاب المقدس، لكي يتوصل إلى الرسالة التي يعلنها الله في الكتاب المقدس؟ الإجابة على هذين السؤالين ستكون هي الجزء الرئيسي من هذه الدراسة في الفصلين 15 و16.

إن عملية تركيب التعليم الكتابي معاً تشبه استخدام العالم للاستقراء والاستنتاج. يبدأ المفسر بمقطع معين، فيثبت المعنى الذي يقصده المؤلف. ثم يقوم بهذه العملية مع جميع المقاطع الأخرى التي تتعالم مع نفس الموضوع والموضوعات المرتبطة به، سعياً للربط بينها في وحدة شاملة. يقوم المفسر بعد ذلك بصياغة نموذج معقول، أو فرضية ما، واثقاً من الوحدة النهائية للكتاب المقدس. ويصبح هذا النموذج بالتالي أساساً لدراسة مقاطع أخرى. النموذج الذي يتم فحصه بدقة، واعتناقه باقتناع، يصبح نظاماً لاهوتياً يفهم به المفسر الكتاب المقدس.

لكن الوصول إلى نظام ليس خطوة نهائية في التفسير، لأن تفسير الكتاب المقدس هو عملية تستمر طوال الحياة. كما أن الكتاب المقدس يجب دائماً أن يتحكم في النظام؛ فيجب ألا يسمح للنظام أن يتحكم مطلقاً في الكتاب المقدس. الأكثر من ذلك، يكون المفسر مسؤولاً إما أن يدمج كل التعليم الكتابي داخل نظامه، أو أن يتخلى عن النظام. بالإضافة لذلك فإن عناصر النظام التي لا يمكن التحقق منها بواسطة البرهان الكتابي المباشر يجب التعامل معها باتضاع باعتبارها غير نهائية.

لذلك فإن هناك استخدام مشروع لنظام ما للمبادئ في دراسة الكتاب المقدس. لكن تنشأ المشكلة عندما يصبح النظام نفسه هو السلطة، فيجلس للحكم على السلطة المستقلة لأي مقطع من مقاطع الكتاب المقدس. يساء تفسير الكتاب المقدس عندما يستخدم المفسر الافتراضات العقائدية للنظام، لإجبار المقطع على الاتفاق مع العقيدة، بدلاً من أن يعدل العقيدة لكي تتفق مع الكتاب المقدس.

بسبب الحماسة المعطاة من الله لكل من العلماء والعلمانيين على السواء عبر العصور، لفهم كل حق الله، قام الناس في البداية بإنشاء ما يبدو بالنسبة لهم أنظمة متسقة متجانسة، وبعد ذلك قاموا بتفسير كل مقاطع الكتاب المقدس على أساس أنظمتهم. يسمى ذلك المنهج العقائدي، والافتراضات المسبقة للتفسير العقائدي هي هذه: كل تعاليم الكتاب المقدس هي من الله، ويجب أن ينظر إليها كوحدة متناسقة. بعد أن يتم اكتشاف هذه الوحدة المنظمة، يجب أن يتفق معها تفسير معين.

يتكون إطار العمل العقائدية من مواد موجودة في الكتاب المقدس ومن استنتاج منطقي مبني على بيانات الكتاب المقدس. عندها يتم جعل كل مقطع كتابي يتفق مع ذلك النظام. لهذا السبب، توقف كثيرون من العلماء في السنوات الأخيرة عن الحديث عن تفسيرات، أو عن مجموعة من الإرشادات التي يمكن بها للشخص أن يفسر الكتاب المقدس. بل أصبحوا يتحدثون عن تفسير في صيغة المفرد. هذا يعني أن الشخص يعترف بصراحة ليس فقط بافتراضاته المسبقة بل بنظامه الكامل، ثم على أساس ذلك النظام يسعى لفهم الكتاب المقدس. يوجد لدينا اليوم التفسير الجديد، والتفسير الكالفيني، والتفسير الإعفائي، والكثيرون غيرهم.

لكن، رغم أني قلت في السنوات الأخيرة، إلا أن هذا كان أساس التفسير في العصور الوسطى كذلك:

خلال العصور الوسطى، كان الكثيرون، حتى رجال الدين، يعيشون في جهل عميق بالكتاب المقدس… وقد أصبح مبدأ قائماً، أن تفسير الكتاب المقدس يجب أن يكيف نفسه على التقليد وعلى عقيدة الكنيسة. وقد تم اعتبار أن ذروة الحكمة هو أن يعاد استخراج تعاليم الآباء، وأن يتم العثور على تعاليم الكنيسة في الكتاب المقدس… بل أن حتى هوجو من سانت فيكتور قال: “أعرف أولاً ما يجب أن تؤمن به، ثم اذهب بعد ذلك إلى الكتاب المقدس لكي تعثر عليه هناك”.[2]

في منتصف القرن السادس عشر أنشأ مجمع ترنت المنهج العقائدي باعتباره أنه الافتراض التفسيري الرسمي للكنيسة الرومانية الكاثوليكية. وقد أقر المجمع بأن كلاً من الكتاب المقدس والكنيسة معصومان من الخطأ، مما جعل بدوره عقيدة الكنيسة هي العامل المتحكم في التفسير.

لكن ماذا عن المصلحين؟ يوجد تفسير واحد فقط لنظرة لوثر المتدنية لسفر يعقوب. كان نظام لوثر الأساسي موجود في رومية 1: 17، وحيث أن سفر يعقوب ابتعد عن ذلك المعيار، كما فهمه لوثر، فقط كان السفر بالنسبة له “رسالة ضالة”.

هل يمكن بواسطة أي مبدأ كتابي في التفسير، أن تعني الآية الموجودة في يوحنا 3: 16: “لأنه هكذا أحب الله المختارين”؟ يبدو أنه لا يمكن أن يكون هناك مثل هذا التفسير، إلا على أساس افتراضات عقائدية، أي بواسطة نظام تم إنشاؤه بحيث يصبح معنى ذلك المقطع مختلفاً عن معناه الواضح والعادي. وبالمثل، يمكن لنظام ما أن يُستخدم لاستبعاد التوبة كمطلب يسبق قبول الله للإنسان، أو استبعاد الصلاة الربانية عن أن تكون ملائمة لشفاه المسيحيين.

وهكذا فغن النظام يحدد المعنى. يتحدث ميلتون تيري عن قضية التفسير على أساس افتراضات عقائدية مسبقة، فيقول:

 عندما يفترض أحد اللاهوتيين وجهة نظر لعقيدة كنسية، ومن ثم يستكمل بمهاترة للبحث عن نص وحيد في الكتاب المقدس مفضل لديه أو غير مفضل لدى خصمه، يكون الأرجح كثيراً أن يبالغ في الأمر. فقد تكون عقيدته في مثل صدق الكتاب المقدس نفسه؛ لكن وسيلته مرفوضة. شاهد مثلاً النزاع بين لوثر وزوينجلي حول مسألة اتحاد جسد المسيح ودمه بالخبز والخمر عند ممارسة العشاء الرباني، والأدب الجدلي للمبادئ المتناقضة، ومشاحنات الكالفينيين، والخلافات الخاصة بالأسرار المقدسة.

تجد أن الكتاب المقدس كله قد تم نهبه ومعاملته كما لو كان مجموعة نصوص شديدة الصغر من الأدلة العقائدية…. لكننا يجب أن نتذكر أنه لا يوجد دفاع سليم، ولا مبدأ أكيد، يرتكز على وسائل غير نقدية، أو يتقدم على أساس افتراضات عقائدية. فمثل هذه الإجراءات ليست عرضاً للحقائق بل فرضاً لها.[3]

وهكذا يتجه المنهج العقائدي في تفسير الكتاب المقدس إلى التطرف، تكون له نتائج غير مرغوب فيها على الإطلاق، إذ لا يصبح الكتاب المقدس هو مصدر سلطته الخاص. فعلى الرغم من أنه قدم المادة الخام التي تم بناؤها داخل النظام، إلا أن قدراً كبيراً كذلك من الاستنتاج المنطقي تم بناؤه أيضاً في النظام. هذا الهيكل النظامي إذاً يتم فرضه على أي مقطع في الكتاب المقدس، وبذلك يصبح هو السلطة التي بها يُستبعد المعنى الطبيعي للمقطع.

إن المنهج العقائدي كما يتم تعريفه هنا، رغم أنه يقبل كلاً من السمات الطبيعية وفوق الطبيعية في الكتاب المقدس، إلا أنه يعوق الدراسة الموضوعية الساعية نحو تحديد المعنى الذي يقصده المؤلف. وفي النهاية، يمكنه أن يثبط أي تفسير جيد. بل أنه يمكن أن يستبدل السلطة المستقلة للكتاب المقدس بسلطة نظام من صنع إنسان.

توجد ثلاثة مصادر مثالية للعقيدة التي تتحكم في التفسير. إذ يتم تحقيق الترابط المنطقي – سواء بين تعاليم الكتاب المقدس أو في موقف الفرد الشخصي – بواسطة الخضوع غير النقدي للعقيدة النابعة من واحد من المصادر الثلاثة التالي: التقليد، مسيحي آخر، أو الاختبار الشخصي.

التقليد

يمكن أن ننظر للتقليد إما بصورة إيجابية أو سلبية. فكعقيدة أو نظام عقائدي تم تبنيه بواسطة كيان مسيحي وتم نقله لأجيال متعاقبة، يساعد التقليد في إظهار الحقائق التي صمدت في اختبار الزمن. كما أنه يقدم لكنيسة اليوم فهماً للكنيسة التاريخية. فكم يكون صعباً بالنسبة للمسيحيين لو أنه كان على كل جيل جديد أن يفكر ويقرر بشأن أمور مثل تعريف الثالوث، والعلاقة بين البشرية والإلهية في المسيح، أو التبرير بالنعمة من خلال الإيمان. تاريخياً، قاد الروح القدس الكنيسة في تأسيسها للتفسيرات التي صمدت في اختبار الكتب المقدسة في ذلك الوقت، ثم صمدت الآن في اختبار الزمن.

إلا أن التقليد يمكن أيضاً أن يعوق التفسير الأمين للكتاب المقدس إذا كانت التفسيرات التقليدية قد تم تبنيها دون مبرر كتابي سليم. فالافتراضات الموروثة غير الممحصة تعمل غالباً كمجموعة من الغمامات التي توضع على الأعين والتي تمنع المسيحيين من رؤية ما يقع خارج مجال رؤيتهم من الكتاب المقدس. الأكثر من ذلك، فإن الرؤية المحدودة تشوه ما يتم رؤيته.

إن نظام العقيدة الموروث يحتاج أن يتم تعديله وإصلاحه بإخضاعه تحت السلطة القوية الصارمة للكتاب المقدس – فنسمح للكتاب المقدس أن يتحكم في إيمان الشخص وسلوكه حتى عندما يبدو أن مقطع معين لا يتفق مع النظام. رغم أنه يكون هناك توكيد ويقين أكثر عندما يشترك كثيرون من المؤمنين الآخرين في اعتناق نظام ما، إلا أن هذا لا يعني أن كل مسيحي يجب أن يتفق تماماً مع نظام تقليدي معين، مثل نظام العهد، أو النظام الإعفائي، أو الكالفيني، أو الأرميني، أو اللوثري، أو التجديدي. فكل إنسان له نظام، سواء يعمل بصورة ظاهرة أو ضمنياً فقط. لكن أياً كان النظام، سواء كان تقليد موروث أو بنية شخصية، يجب القيام بالتفسير بصرامة تحت إشراف سلطة الكتاب المقدس المستقلة.

مسيحي آخر

المنهج العقائدي في التفسير الأقل تبريراً يحدث عندما يقبل المرء تعليم شخص آخر بصورة غير نقدية، مثل تعليم معلم أو راع مهاب. فالسماح لشخص ما بأن يقيم عقيدة أو تفسير كتابي دون افتراض المسؤولية الشخصية في الفهم والثقة والطاعة لتعاليم الكتاب المقدس، قد يأتي نتيجة لواحد من دوافع متعددة. فمحبة القائد الذي يوكل إليه مسؤولية تفسير الكتاب المقدس أو الإعجاب به قد يقود إلى الاستبعاد غير النقدي للمسؤولية الشخصية. يكون هذا الأمر سهلاً عندما تكون معرفة القائد الموثوق به أكثر كثيراً من معرفة التابع، وخاصة عندما يشجع مثل هذا القائد على مثل هذه النوعية من العلاقة، أو يتوقعها كمطلب من متطلبات “التلمذة” أو “الولاء”. إذ أنه يوجد شعور بالأمان في قبول القائد للتابع أو لجماعة التابعين.

بالطبع، يمكن للمرء أن يتنازل عن مسؤوليته نتيجة الكسل – غير راغب في أن يبذل جهداً لكي يفهم ويطبق الكتاب المقدس هو شخصياً. فالخيط الدقيق بين التعلم باتضاع من الشخص الذي لديه معرفة، والسماح لذلك الشخص بأن يبني عقيدة، قد لا يكون من السهل دائماً تمييزه. لكن كل مؤمن مسؤول أن يبذل أقصى جهده لكي يأتي بأفكاره وحياته تحت السلطة المباشرة للكتاب المقدس.

قد لا تكون المشكلة فيما يتم الإيمان به، بل في كيفية التوصل إلى هذا الإيمان. فإذا كان أي مسيحي يتمسك عقائدياً بتفسير للكتاب المقدس، لمجرد أن شخصاً آخر قدمه – بغض النظر عن مدى احترام ومهابة هذا الشخص – فإن الكتاب المقدس عندئذ لم يعد يعمل باعتبار أنه السلطة الوحيدة في هذه الحياة. فسلطة كل القادة المسيحيين هي سلطة مأخوذة ومستمدة؛ لكن سلطة المسيح وحده من خلال كلمته هي السلطة المطلقة.

الاختبار الشخصي

أما الاتجاه الثالث الخاطئ للمنهج العقائدي في تفسير الكتاب المقدس فهو السماح للاختبار الشخصي بأن يبني عقيدة. فعندما ننظر بطريقة إيجابية إلى اختبار المسيحي مع الله، نجد أنه يدفعه للرغبة في معرفة المزيد عن الله. وكلما وثقنا في الله وأطعناه أكثر، كلما أظهر أمانته نحونا أكثر. لكن اختبار المسيحي يمكن أن يصبح عائقاً في طريق التفسير الكتابي السليم. ففي النهاية يكون الكتاب المقدس وحده هو السلطوي وليس التقييم الذاتي لاختبار الشخص مع الله.

فعلى سبيل المثال، يصحب اختبار التجديد دائماً أفكار معنية عن الخطية، وعن شخص يسوع المسيح، وعن عمل الروح القدس، وعن أهداف الكنيسة. لكن لو في وقت لاحق رفض المسيحي أن يغير من آرائه في ضوء الشهادة الكتابية، قائلاً، “إني أعرف أن ما كنت أؤمن به دائماً هو الصواب لأني اختبرته”، أو “كان الله يعمل في حياتي عندئذ، لذلك فأنا أعلم أنه لا بد وأن يكون صحيحاً”، عندها يكون الاختبار الشخصي قد أصبح سلطة. لكن لا بد أن نفسر اختبارنا بواسطة الكتاب المقدس وليس أن نفسر الكتاب المقدس بواسطة اختبارنا.

في تطوير تفسير خاص لمقطع كتابي أو لنظام شخصي للعقيدة، لا بد أن نقوم بذلك باتضاع عظيم. فإن أقل ما يقال عن ابتعادنا عن الحكمة العامة للكنيسة، هو أنه أمر خطير. فعلى الرغم من المفاهيم المعاصرة للحكم الذاتي للفرد، إلا أن الروح القدس يقود كنيسته بطريقة لا يمكن للفرد المستقل أن يدعيها بثقة. وإذ قد أشرنا إلى ذلك، نقول إنه يجب على كل منا أن يعطي حساباً عن كيفية تعامله مع الكتاب المقدس: “اجتهد أن تقيم نفسك لله مذكى عاملاً لا يخزى مفصلاً كلمة الحق بالاستقامة” (2تيموثاوس 2: 15).

لقد قمنا بفحص أربعة مناهج لتفسير الكتاب المقدس، يمكن أن تقود دارس الكتاب المقدس إلى الضلال، وهي: المنهج فوق الطبيعي، بتفسيراته الرمزية أو السرية؛ والمنهج الطبيعي، بتفسيراته العقلانية؛ والمنهج الوجودي، بمزيجه غير النافع بين الطبيعي وفوق الطبيعي؛ والمنهج العقائدي، الذي يفسر كل مقطع كتابي على أساس افتراضات عقائدية مسبقة. لاحظ أن كلاً من هذه المناهج مبني على افتراض صحيح بشأن الكتاب المقدس: أي أنه فوق طبيعي، وإنه طبيعي، وإنه يجب تطبيقه، وإنه متسق ومترابط – أي أن كل تعاليمه تتفق معاً في وحدة متكاملة. المشكلة هي أن كلاً من المناهج قد ركزت على افتراض صحيح بشأن الكتاب المقدس، ولكنها تجاهلت كون بقية الافتراضات الأخرى صحيحة كذلك. لذلك فالحل هو أن نتعامل مع الكتاب المقدس بجميع الافتراضات التي يعتقدها عن نفسه.

هذه الافتراضات الكتابية تتضمن مبادئ معينة سنقوم بالتعرف عليها الآن. بعد ذلك، سوف نناقش الإرشادات التي تنشأ عن تلك المبادئ.

مراجع مختارة للمزيد من الدراسة

بيركوف، لويز. Principles of Biblical Interpretation. Grand Rapids: Baker, 1950.

براجا، جيمس. How to Study the Bible. Portland, Oreg.: Multnonah, 1982.

كارسون، دونالد إيه. Exegetical Fallacies. Grand Rapids: Baker, 1984.

إفيرد، جيمس إم. How to Interpret the Bible. Atlanta: John Konx, 1984.

فيك، جوردون دي، ودوجلاس ستيوارت. How to Read the Bible for All Its Worth. Grand Rapids: Zondervan, 1981.

فيرجاسون، دانكان إس. Biblical Hermeneutics: An Introduction. Atlanta: John Knox, 1986.

إنش، موريس إيه، وسي هازل بولوك، محرران. The Literature and Meaning of Scripture. Grand Rapids: Baker, 1981.

لونجنيكر، ريتشارد. Biblical Exegesis in the Apostolic Period. Grand Rapids: Erdmans, 1975.

كيرلي، إف فورمان، وإدوارد بي ميرز، وتيموثي دي هادلي، محررون.Biblical Interpretation: Principle and Practice. Grand Rapids: Baker, 1986.

ميكسلن ،إيه باركلي. Interpreting the Bible, Grand Rapids: Eerdmans, 1963.

رام، بيرنارد. Protestant Biblical Interpretation. Grand Rapids: Baker, 1970.

شولتز، صامويل، وموريس إيه إنش. Interpreting the Word of God Today. Chicago: Moody, 1976.

سبرول، أر سي. Knowing Scripture. Downers Grove, Intervarsity, 1977.

تيري، ميلتون. Bible Hermeneutics طباعة. Grand Rapids: Zondervan, 1974.

ستوت، جون آر. Understanding the Bible طبعة ثانية. Grand Rapids: Zondervan, 1985.

فيركلر، هنري إيه. Hermeneutics: Principles and Processes of Biblical Interpretation. Grand Rapids: Baker, 1981.

[1] انظر إيرنست بست، From Text to Sermon: Responsible Use of the New Testament in Preaching (Atlanta: John Knox, 1978)، الصفحات 97-99.

[2] لويز بيكوف، Principles of Biblical Interpretation (Grand Rapids: Baker, 1950)، صفحة 23.

[3] ميلتون إس تيري، Biblical Hermeneutics (Grand Rapids: Zondervan, 1974)، صفحة 172.

المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

يمكن تشبيه الدفاعيات بإزاحة الستار حتى يتمكن الناس من رؤية لمحة لما يختبئ وراءها، أو يرفع ماسة مقابل النور فتتلألأ وجوهها وتبرق عند سقوط أشعة الشمس عليها. فالدفاعيات تهتم بتأسيس مداخل للإيمان، سواءً تخيلنا هذه المداخل فتح أبواب، أو إزاحة ستار، أو إضاءة مصباح حتى يرى الناس بمزيد من الوضوح، أو استخدام عدسة تضع الأشياء في البؤرة.

والموضوعات الرئيسية في الدفاعيات هي تلك التي تتيح للناس رؤية الأشياء بوضوح، وربما للمرة الأولى، تساعدهم على اكتشاف الأفكار المضللة، فيدركون فجأة سر ما يتمتع به الإيمان المسيحي من قدرة على الإقناع على المستوى الفكري وجاذبية على المستوى التخيلي.

فالدفاعيات تقوم بمد الجسور التي يعبر عليها الناس من العالم الذي يعرفونه إلى العالم الذي يودون اكتشافه، وتساعدهم في العثور على أبواب ربما لم يسمعوا بها من قبل، فيرَون عالماً يفوقُ كل تخيلاتهم ويدخلون فيه. والدفاعيات تفتح العيون وتفتح الأبواب بتأسيس مداخل للإيمان المسيحي. فما هي المداخل التي نقصدها؟

حتى عهد قريب، كان الاتجاه السائد في الدفاعيات يعتمد على استخدام الحجج للدفاع عن الإيمان المسيحي بشكل عقلاني. إلا أن هذا الاتجاه كان يمثل إلى حد كبير استجابة لثقافة عقلانية اتخذت من التوافق مع العقل معيارًا للحق. وسنرى أن استخدام الحجة ما زال يمثل جزءًا لا يتجزأ من الدفاعيات المسيحية ولا يجب تهميشه أبدًا. إلا أن تراجع المذهب العقلاني في الثقافة الغربية أدى إلى الإقلال من أهميتها. وخلَق جوًا يتطلب إدراكَ جوانب أخرى في الإيمان المسيحي، وعلى رأسها ما يتمتع به من جاذبية عظمى على مستوى الخيال، والأخلاق.

والكُتاب المسيحيون القدامى، وخاصةً كُتاب العصور الوسطى وعصر النهضة، علقوا أهمية كبرى على الصور التشبيهية والقصص الكتابية في تعليم الأشخاص المخلصين، إلا أن صعود تيار الحداثة أدى إلى الحط من قيمة هذين العنصرين، بقدر ما أدى ظهور تيار ما بعد الحداثة إلى إعادة اكتشاف قوة تأثيرهما.

وقد أدى نمو تيار ما بعد الحداثة مؤخرًا إلى تأكيد أهمية القصة والصورة من جديد لأن كلاً منهما يجذب الخيال البشري بشكل خاص. وكل من له دراية بتاريخ الدفاعيات المسيحية لا يصعب عليه أن يدرك أن المدافعين القدامى كانوا يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على هذين العنصرين باعتبارهما مداخل للإيمان، وخاصةً في عصر النهضة. ولذلك، فنحن بحاجة لاستعادة هذه الأساليب القديمة في الدفاعيات لخلق منهج متوازن يدافع عن الإيمان المسيحي ويبرز جماله في ظل ما تشهده ثقافتنا من تحولات.

وعلينا أن نكيف دفاعياتنا بم يتلاءم مع مستمعينا، مع الانتباه لوجود عدة نقاط للتلاقي بين الإنجيل والنفس البشرية. ويتضح أن العهد الجديد نفسه يُعنى بربط الإنجيل مع مفاهيم وخبرات المتلقين على اختلاف نزعاتهم. فإن كانت النفس تَعطش لله “كَأَرضٍ يَابِسَةٍ” (مز143: 6)، فكيف ترتوي؟ إن مهمتنا تحديد القنوات المتاحة التي تتدفق فيها مياه الإنجيل الحية فتنعش النفس البشرية وتغيرها، ثم استخدام هذه القنوات بأمانة وفاعلية. وفي هذا الفصل سأستخدم صورة المدخل لتساعدنا على فهم هذه المنهجيات المختلفة.

المداخل والدفاعيات: بعض الأفكار:

تُعتبر صورة الشمس والنافذة من أهم الصور التي استخدمها اللاهوتيون في العصور الوسطى لشرح ما تجريه نعمة الله من تغيير في النفس البشرية. وتُعَد كتابات “ألن الذي من لِيل” Alan of Lille (المتوفى سنة 1203) مثالاً جيدًا على هذا حيث يشَبه النفس البشرية بحجرة باردة مظلمة. ولكن عندما تُفتح النافذة على مصراعيها، يندفع نور الشمس إلى الحجرة فيشيع فيها النور والدفء.

إلا أن فتح النافذة لا يدفئ الغرفة ولا ينيرها، ولكنه يزيل حاجزاً من أمام القوة التي يمكنها أن تفعل ذلك، فسبب التغيير الحقيقي هو الشمس. وكل ما نفعله نحن أننا نزيل الحاجز الذي يمنع نور الشمس وحرارتها من دخول الحجرة.

وهذه الصورة تساعدنا على إدراك هذه الفكرة اللاهوتية، وهي أننا لا نتسبب في تغيير الناس وقبولهم للإيمان. ويؤكد “ألن” أننا نحن الذين لا بد أن نفتح نافذة عقولنا على مصراعيها، فتتمكن نعمة الله من العمل في حياتنا، وهكذا ينحصر دورنا في إزالة العوائق من أمام نعمة الله، أما تجديد نفوسنا فهو مهمة هذه النعمة الإلهية. إلا أن الصورة مهمة في مجال الدفاعيات أيضًا، فهي تُذكرنا أن الله هو من يغير النفوس، وتؤكد في الوقت نفسه أننا قادرون على تيسير هذه العملية بالمساهمة في إزالة الحواجز والعوائق التي تقف أمام نعمة الله.

والمدخل وسيلة تنفتح بها عيوننا على حقيقة حالتنا، وقدرة الإنجيل على تغييرها. ولكي نفهم هذه النقطة المهمة، تخيل أنك مصاب بتسمم في الدم، وحياتك ستنتهي في غضون ساعات لو لم تحصل على الأدوية اللازمة، ولكنك لا تعرف ما أصابك على وجه التحديد، ولا تعرف بوجود علاج لهذه الحالة. حاول أن تتخيل نفسك في ذلك الموقف. والآن فكِّر في الطرق التالية التي يمثل كلٌّ منها مدخلاً يؤدي إلى تغيير وضعك:

  1. يخبرك طبيب من أصدقائك أن ما تعانيه هو تسمم في الدم، ويشرح لك أن هذه الحالة إن لم تعالج تؤدي إلى الوفاة، ويعطيك أسماء عدة أدوية ويخبرك بالمكان الذي تحصل عليها منه وبكيفية استخدامها.
  2. يخبرك صديق آخر أنه أصيب بهذه الأعراض عينها، إلا أن شخصًا أخبره بدواء معين أنقذ حياته. يقترح عليك أن تجرب هذا الدواء. أي أنه يحكي لك قصته الشخصية التي تتقابل مع قصتك في هذه النقطة الحرجة.

الطريقة الأولى تمثل حجة تستند إلى أدلة، أما الثانية قصة تستند إلى خبرة شخصية يرى صاحبها أنها مطابقة للموقف الذي تمر به. ورغم أن كل أسلوب يختلف تمامًا عن الآخر، فكلٌّ منهما يمثل مدخلاً. كيف؟

أولاً، كلٌّ منهما يساعدك على رؤية الأمور على حقيقتها. ثانياً، كلٌّ منهما يتيح لك أن تدرك ما يجب فعله لتغيير الأوضاع. ثالثًا، كلٌّ منهما يشجعك على اتخاذ تلك الخطوة الحاسمة بالحصول على الدواء، وتناوله حتى تتحسن حالتك.

إن الدواء هو سبب شفائك، ولكنك لو لم تدرك حقيقة حالتك، وأنك تحتاج للدواء، لكان شفاؤك مستحيلاً. ونعمة الله هي الدواء، وبعد أن تُشفى بهذه النعمة يمكنك أن تساعد الآخرين على إدراك حاجتهم لها، ويمكنك أن تشهد عن قوتها. والله هو من يغير الناس ويأتي بهم للإيمان. أنت جزء صغير (ولكنه حقيقي) في عملية الشفاء هذه. ومن ثم، فما تقوله يمكن أن يمثل مدخلاً يسمح للناس برؤية الأمور من منظور مختلف، مما يساعدهم على تخيل طريقة جديدة للتفكير والعيش.

فما هذه المداخل المتاحة للدفاعيات المسيحية؟ سوف نبحث في هذا الفصل بعض الإمكانات المتوفرة للدفاعيات. وسنبدأ بأبسط الأساليب الدفاعية، ألا وهي شرح ماهية المسيحية.

المدخل الأول: الشرح:

أفضل دفاع عن المسيحية هو شرحها. أي أنك إن أردت أن تدافع عن المسيحية أو تبرز جمالها، فأفضل السبل لذلك أن تبدأ بتعريف الناس بماهية المسيحية، لأن الكثيرين لديهم مفاهيم خاطئة عن المسيحية تعيق قبولهم للإيمان.

ومن أروع الأمثلة على ذلك مثال يقدمه اللاهوتي العظيم القديس أغسطينوس الذي قبِل الإيمان بعد جولة طويلة في أراضي الفلسفة المجدبة.[1] كان أغسطينوس شابًا موهوبًا في الخطابة من شمال أفريقيا، وقد صاحب المانويين، وهي طائفة كانت شديدة الانتقاد للمسيحية، هكذا استقى جُل معرفته بالمسيحية من نقادها، لم تكن بالمعرفة الدقيقة. ورفض أغسطينوس المسيحية باعتبارها لا تستحق اهتمام شخص في ثقافته وذكائه.

وكان أغسطينوس طموحًا، فقرر أن يكون رجلاً ناجحًا في عاصمة الإمبراطورية، فغادر شمال أفريقيا متجهًا إلى روما. وبعد فترة وجيزة من وصوله، عُرِضَت عليه وظيفة خطيب عام في ميلانو، وهي المدينة الرئيسية في شمال إيطاليا. ونظرًا لإدراكه بأن هذه الوظيفة يمكن أن تمثل بداية لحياة مهنية ذات شأن في العمل المدني بالإمبراطورية، رحب أغسطينوس بالعرض. إلا أنه كان يعلم أيضًا أن تقدمه في المجال السياسي يعتمد على قدراته البلاغية. فمن يستطيع أن يساعده في تطوير هذه المهارات؟

اكتشف أغسطينوس بعد وصوله إلى ميلانو أن أمبروز Ambrose أسقف المدينة المسيحي مشهور ببراعته في الخطابة، فقرر أن يكتشف بنفسه ما إذا كان يستحق هذه الشهرة. فكان كل يوم أحد يتسلل إلى الكاتدرائية الكبيرة في المدينة ويستمع لعظات الأسقف. وفي البداية لم يكن اهتمامه بالعظات سوى اهتمام الشخص المتخصص الذي ينظر للعظة باعتبارها خطبة فخمة. ولكن محتوى العظات بداً يستحوذ عليه تدريجيًا.

اعتدت أن أسمع عظاته متحمسًا، ولكني لم أكن مدفوعاً لذلك بالدافع الصحيح، بل كنتُ أريد أن أختبر مهارته في الخطابة لأرى ما إذا كانت طلاقته أفضل مما قيل لي عنه أم أدنى… ولكني لم أكن مهتمًا بما يقول، وكانت أذناي لا تتجه سوى نحو أسلوبه في الخطابة… إلا أنه كما دخلت الكلمات التي أمتعتني إلى عقلي، هكذا دخلت المادة التي لم أكن أعبأ بها في بادئ الأمر، حتى إني لم أتمكن من الفصل بينهما. فبينما كنت أفتح قلبي لفصاحته، دخل معها أيضًا الحق الذي كان يعلنه.[2]

وكما يتضح من رحلة أغسطينوس الطويلة إلى الإيمان، نجح أمبروز (الذي أصبح أغسطينوس يعتبره واحدًا من أبطال اللاهوت) في إزالة عائق ضخم من طريق الإيمان. فقد أبطل مفعول الصورة المغلوطة التي روجتها المانوية عن المسيحية. وبعد أن استمع أغسطينوس لأمبروز بدأ يدرك أن المسيحية أكثر جاذبية وإقناعًا مما كان يظن بكثير. وهكذا أزيل عائق يقف أمام الإيمان. وبالرغم من أن أغسطينوس لم يؤمن بالمسيحية إلا بعد فترة، فقد كان لقاؤه مع أمبروز علامة بارزة على طريق البحث.

ولابد أن البعض ممن نلتقي بهم في خدمتنا الدفاعية يحمل أفكارًا مضللة ومشوهة تمامًا عن المسيحية. وهذه المفاهيم الخاطئة التي يلتقطها البعض دون وعي، والبعض الآخر ينشرها عن قصد، لابد من تحديدها وإبطال مفعولها بخطة مُحكمة مدروسة.

ننتقل الآن لنبحث ما قد يُعتبر أكثر مداخل الإيمان شيوعًا، ألا وهو استخدام الحجة المنطقية.

المدخل الثاني: الحجة:

تؤكد المنهجيات الكلاسيكية في الدفاعيات أهمية العقل في كلٍّ من بناء حجة فكرية تؤيد فكرة وجود الله، ونقد الأفكار المغايرة. وقد بحثنا فيما سبق دور الحجج في الدفاع عن وجود الله، ومنها:

  1. الحجة المبنية على التصميم argument from design: وهي تَعتبر أن ملاحظة التصميم الموجود في العالم، مثل ما يميزه من “ضبط دقيق”، أو بنية معقدة يشير إلى أن الله هو المصمم (ص 99، 100).
  2. الحجة المبنية على الإنشاء argument from origination: إن كانت للكون بداية، فهذا يعني أن له مسببًا أنشأه، وقد يكون هذا المسبب شخصًا أو شيئًا، وهو ما يشير تلقائيًا إلى فكرة الله في المسيحية باعتباره خالقَ كل شيء (ص 96- 98).
  3. الحجة المبنية على الترابط argument from coherence: وهنا نركز على قدرة الإيمان المسيحي أن يقدم تفسيرًا لما نلاحظه في العالم المحيط ولما نختبره داخلنا (ص79- 86، 101- 103).
  4. الحجة المبنية على الأخلاق argument from morality: تقول هذه الحجة باستحالة وجود قواعد ثابته وموثوق بها للقيم الأخلاقية إلا إذا كان لها أساس يتجاوز هذا العالم المادي، كإله بار مثلاً (ص 104-109).

وقائمة الحجج تطول، ولكن لابد أن نأخذ في اعتبارنا أن هذه الحجج لا يجب أن تُفهم على أنها “براهين” بالمعنى المنطقي الدقيق للكلمة. ولكن ما توضحه هذه الحجج بكل جلاء أن الإيمان بالله له أسباب وجيهة، أو أن الإيمان بالله له مبرراته، حتى وإن كان لا يمكن البرهنة عليه بشكل مطلق.

وكلمة “برهان” بمعناها الدقيق لا تنطبق إلا على المنطق والرياضيات، فكما يمكننا أن نبرهن على أن الكل أكبر من الجزء، يمكننا أن نبرهن أن 2+2 =4. إلا أنه يجب أن نحترس من الخلط بين “قابلية البرهنة” و”الحق”. ففي مطلع القرن العشرين أثبت عالم الرياضيات العظيم “كرت جودل” Kurt Gödel أنه بالرغم من كثرة ما نصوغه من قواعد الاستدلال، ستظل هناك بعض الاستدلالات التي لا تخضع لهذه القواعد، ومع ذلك فهي مقبولة.

أي أن هناك عددًا من الأفكار الصحيحة التي قد لا يمكننا إثبات صحتها،[3] وهذه الحقيقة تنطوي على معانٍ غاية في الأهمية من الناحية الفلسفية.[4]

ويمكن استخدام الحجج أيضًا في نقد بدائل الإيمان المسيحي وتقييمها، وذلك بإظهار عدم ترابطها على المستوى الفكري أو افتقارها لأساس من الأدلة يمكن الوثوق به. فقد أبرزنا مثلاً عبر صفحات هذا الكتاب قدرة الإنجيل على خلق معنى للأشياء.

ونحن بذلك لا نحصر جاذبية المسيحية في أبعادها العقلانية فحسب، لأنها غنية بالجوانب الوجدانية، والأخلاقية، والتخيلية، والوجودية. ويجب على المدافع الذي يتحلى بروح المسئولية أن يستفيد منها استفادة كاملة. ولا شك أن الكثيرين ينجذبون إلى الإيمان المسيحي بسبب قدرته على خلق معنى للأشياء.

ولكن ماذا عن بدائل المسيحية؟ ما مدى قدرة النظم المنافسة على خلق معنى للأشياء؟ هل تصمد أمام اختبار الاتساق التجريبي، أي هل تنجح نظرياتها في خلق معنى للملاحظة وللخبرة؟ وقد أكدنا في فصل سابق أهمية إظهار ما يميز الإيمان المسيحي من قدرة على خلق معنى لملاحظاتنا وخبراتنا. ولا يكفي هنا أن يقتصر المدافع على إظهار تفوق المسيحية في هذا الصدد، ولكنه لا بد أن يبين قصور البدائل الأخرى.

ويرجع الفضل في تصميم هذا الأسلوب لواحد من أهم المدافعيين الكتابيين في أمريكا الشمالية أثناء القرن العشرين، وهو “فرانسيس شِفَر” (1912- 1984). ويُبرز أسلوب “شِفَر” في الدفاعيات الكثير من النقاط التي تناولناها في هذا الكتاب.[5]

فهو يلفت النظر مثلاً لأهمية أخذ الجمهور في الاعتبار، والابتعاد عن استخدام منهج موحد للجميع: “إن أردنا أن نتواصل مع مستمعينا، لابد أن نصرف الوقت والجهد لنفهم لغتهم، حتى نوصل لهم الرسالة باللغة التي يفهمونها.”[6] أي أن المدافع لابد أن يستمع لجمهوره حتى يتعلم لغتهم ليتمكن من التواصل معهم بهذه اللغة.

ويبدو أن “شِفَر” اكتشف بنفسه أهمية الإصغاء لأفكار جمهوره ومخاوفهم وتطلعاتهم أثناء عمله المرسلي في المنطقة الناطقة بالفرنسية في سويسرا في أواخر الخمسينات وفي الستينات من القرن العشرين. ونظرًا لأنه كان يقيم في كوخ سويسري (اسمه “لابري” L’Abri وهو مشتق من الكلمة الفرنسية التي تعنى “مأوى” أو “ملجأ”) في قرية بجبال الألب تدعى “إيموز” Huemoz، فقد كان يستضيف الكثير من الطلاب الذين يتجولون في أنحاء أوروبا، ولاسيما الشباب الأمريكيين الذين كانون يتجولون في مختلف البلدان الأوروبية بحقيبة ظهر.

فكان يسمع آرائهم في الأفلام والروايات المعاصرة أو في الفلسفات الجديدة التي ظهرت آنذاك. وكان يتساءل كيف يمكن تقديم الكتاب المقدس بشكل يناسب الأفكار الوجودية العنيدة التي روجها الفلاسفة المؤثرون في تلك الحقبة مثل “جان بول سارتر”  Jean Paul Sartreوكذلك “سورن كيركجارد”. وإذ استمع “شِفَر” لهؤلاء الطلاب وهم يُعبرون عن أفكارهم، اكتشف أنه يمكنه التفاعل معهم في مستواهم وبلغتهم، مستخدمًا صورًا توضيحية من عالمهم ليساعدهم على إدراك معقولية الإيمان المسيحي.

إلا أن أعظم إساهم قدمه “شِفَر” للدفاعيات يكمن في الأهمية التي يعلقها على تحديد مَواطن الصراع في الفلسفات غير المسيحية واكتشاف ما تنطوي عليه من معانٍ أشمل. والمقصود أن أي فلسفة حياتية ترتكز على افتراضات مسبقة معينة، فإن كانت هذه الافتراضات المسبقة من صنع الإنسان ولا تتضمن تفويضًا أو تخويلاً إلهيًّا، فلن تتمكن من التوافق مع بِنَى الكون الذي خلقه الله.

كلما كان مَن يؤمن بفكر غير مسيحي منسجمًا مع افتراضاته المسبقة، ابتعد عن العالم الحقيقي، وكلما اقترب من العالم الحقيقي، تَبدد انسجامه مع افتراضاته المسبقة.[7]

ويقول “شِفَر” إن كل شخص يعيش بإحدى قدميه في أحد العالمَين ويضع الأخرى في العالم الآخر: العالم الحقيقي الخارجي الذي يتميز بعمقه وتعقيده، وعالم داخلي من الأفكار يشكله الاشتياق للتفهم، والحب، والقيمة. فإن وُجِد صراع بين هذين العالمين، يستحيل على الفرد أن يحيا حياة لها معنى.

فلابد من وجود توافق بين خبرتنا في العالم الخارجي وعالمنا الداخلي.[8] ولذلك، يرجح “شِفَر” أن المدافع لابد أن يستخدم الحجة المنطقية لتحديد وكشف التناقضات والصراعات الداخلية التي تحويها الفلسفات الحياتية غير المسيحية. وهو يبين أنها تقوم على فرضيات أو افتراضات مسبقة لا تتسق مع الوجود الإنساني الحقيقي ولا تتوافق معه.

كل مَن نتحدث إليه، سواءً أكان بائعًا في متجر أم كان طالبًا جامعيًا، يحتفظ بمجموعة من الافتراضات المسبقة، سواء قام بتحليلها أم لم يقم… ويستحيل على أي شخص غير مسيحي أو جماعة غير مسيحية أن تتوافق مع النظام الذي تتبعه سواء على مستوى المنطق أو على مستوى الممارسة.

وعندما يحاول الشخص إخفاء الصراع، عليك أن تساعده على كشفه، وفي نقطة معينة سيكتشف عدم الاتساق. وعندئذٍ سيجد نفسه غير قادر على الاستمرار، وهذا الصراع ليس صراعًا فكريًا فحسب، ولكنه يقع في صميم الكيان الإنساني ككل.[9]

ومن ثم، على المدافع أن يساعد الفرد على إدراك هذا “الصراع” والشعور بقوته الفكرية والوجودية، وهو ما يتضمن مساعدته على اكتشافه أولاً، وتقدير أهميته ثانيًا. ويرى “شِفَر” أن البشر يَقُون أنفسهم من هذا الصراع بحمايتها داخل شرنقة فكرية تمنعهم من مواجهة ذلك الاكتشاف المزعج بأن أفكارهم لا تتفق مع الواقع. ويستخدم “شِفَر” صورة يقتبسها من شتاء سويسرا لوصف هذه الحالة، فهو يشبه هذه الشرنقة الفكرية بأسقف أكواخ جبال الألب التي تعمل كمصدات تحمي المسافرين من الانهيارات الثلجية:

فهو يشبه المصدات الكبيرة التي تبنى على بعض الممرات الجبلية لحماية العربات من انهيارات الصخور والحجارة التي تهوي من فوق الجبل من آن لآخر. وهذه الانهيارات الثلجية في حالة غير المسيحي هي العالم الحقيقي الساقط المشوه الذي يحيط بهم. وعلى المسيحي أن يزيل المصدة بحب ويسمح لحقيقة العالم الخارجي وحقيقة الإنسان بأن تصدمه.[10]

ومن ثم يمكن النظر إلى الدفاعيات باعتبارها نزعًا لسقف هذا الكوخ لإجبار الشخص على إدراك أن طريقة تفكيره عاجزة عن الصمود في مواجهة العالم الحقيقي الخارجي.

فكيف يمكن تطبيق هذا المنهج؟ يعطينا “شِفَر” مثالاً يوضح هذا الأسلوب جيدًا. فقد كان يتحدث إلى مجموعة من الطلاب في غرفة بإحدى الكليات في جامعة كامبردج. وبينما كان الماء يغلي لتحضير الشاي، ابتدره أحد الطلاب الهنود قائلاً إن المسيحية لا معنى لها. فسأله “شِفَر” عن عقيدته قائلاً: “ألستُ على صواب إن قلت إن القسوة وعدم القسوة متساويات في عقيدتك، وليس بينهما أي فارق أصيل؟” فوافقه الطالب. ثم يروي “شِفَر” ما حدث بعد ذلك:

الطالب الذي اجتمعنا في غرفته فهم جيدًا ما يعنيه اعتراف الطالب السيخي، فتناول الغلاية الممتلئة بالماء الساخن الذي كان سيعمل به الشاي، ووضعها أعلى رأس الشاب الهندي والبخار يتصاعد منها. فنظر الشاب لأعلى وسأله: ماذا تفعل؟ فأجابه بنبرة حاسمة باردة ولكنها مهذبة: “لا فرق بين القسوة وعدم القسوة.” وعندئذ خرج الهندي صامتًا واختفى في ظلام الليل البهيم.[11]

وأسلوب “شِفَر” يتسم بقوته وبقدرته على الوفاء بالعديد من الأغراض، مما يجعله صالحًا لعدد من المواقف المختلفة. خذ مثلاً الوضعية المنطقية Logical Positivism، وهي حركة فلسفية حققت نجاحًا كاسحًا في العالم الناطق بالإنجليزية في ستينات القرن العشرين. وقد أعلنت هذه الحركة أن كل العبارات الميتافيزيقية*، بما فيها ما يتعلق بالله، عديمة المعنى.

وكان الأساس الذي اعتمدت عليه هذه الفلسفة في ذلك هو “مبدأ التحقق” الذي قصر العبارات ذات المعنى على القضايا الصحيحة في حد ذاتها (مثل “كل العزاب غير متزوجين”) أو التي تتأكد بالخبرة (مثل “كان في الحديقة الأمامية لقصر “باكينجهام” ست إوزات الساعة 5:23 صباحًا يوم 1 ديسمبر 1968″). وتطبيق منهج “شِفَر” يتيح لنا أن نؤكد أن مبدأ التحقق نفسه عديم المعنى لأنه لا يتماشى مع المعيار الذي اعتمدته الوضعية المنطقية لقياس المعنى.

أو خذ مثالاً أبسط للهجمة الشرسة التي غالبًا ما نواجهها في جامعات أمريكا الشمالية: “لا يمكن أن تتأكد من أي شيء”. وهذه النظرة تهدف إلى الإطاحة برؤية “الصورة الكبرى” للواقع، كتلك التي يقدمها الإيمان المسيحي لأنها تعني أننا لابد أن نتشكك حتى في كل العبارات المؤكدة المختصة بالحياة.

ولكن من الواضح أن هذا التصريح ذاتي المرجعية يعتمد في صدقه أو كذبه على ذاته self-referential، ويمكن تقويضه والقضاء عليه بطرح سؤال بسيط ردًا عليه: “هل أنت متأكد من ذلك؟” وهكذا فإن المنطق الذي يقوم عليه الادعاء هو نفسه الذي يُسقطه.

إلا أن هذا لا يعنى أن مهمتنا هي مجرد الفوز بالمجادلات أو تقديم المؤهلات العقلانية للإيمان. فمما يؤسف له أن تأثير حركة التنوير على الثقافة الغربية لم يختفِ، ولا سيما في الإصرار على تقديم براهين تثبت صحة العقائد، مما نتج عنه تقديم الدفاعيات المسيحية باعتبارها مجرد بناء حجج فعالة تهدف لإقناع الناس بصحة الإيمان المسيحي. إلا أن الخطورة في ذلك أنه قد يؤدي إلى إظهار المسيحية على أنها مجموعة من الحقائق الجامدة والأفكار المجردة. ولذلك، فإن هذا المنهج ينطوي على ثلاث صعوبات.

أولها، أنه ليس  مؤسسًا على الكتاب المقدس كما يجب. فالحق، ولاسيما في العهد القديم، يركز في المقام الأول على المصداقية والثقة. والقضية الأساسية في الدفاعيات تتلخص في أن الله هو قاعدة أمان، وأنه أساس آمن تُبنى عليه حياة الإيمان. أي أن “الإله الحقيقي” ليس مجرد إله موجود، بل إله يمكن الاعتماد عليه. والنظرة العقلانية التي تعتبر الحق هو كل افتراض تَثبت صحته تستبعد النظرة الكتابية التي تعتبر الحق مفهومًا علاقاتيًا.

والمشكلة الثانية أن جاذبية الإيمان المسيحي لا يمكن أن تقتصر على منطقية عقائده. ولكن المسيحية تستند بقوة على الخيال أيضًا. كما توضح كتابات “سي. إس. لويس.” وعندما كان “لويس” شابًا وجد نفسه يتوق إلى عالم له معنى، يشتعل حبًا، ويفيض جمالاً، ولكنه اقتنع أن هذا العالم لم ولن يوجد: “كنت أؤمن أن كل ما أحبه تقريبًا وَهم، وتقريبًا كل ما آمنت بأنه حقيقي رأيته منفرًا وبلا معنى.”[12]

لقد أخبره خياله بوجود عالم أفضل، ولكن عقله أخبره أنه كلام فارغ. فلم يجد أمامه خيارًا سوى مواجهة عالم مجدب مجرد من المشاعر، ومواجهة وجوده الخالي من أي معنى.

وأخيرًا اكتشف “لويس” عقلانية الإيمان المسيحي، إلا أن انجذابه للإيمان كان سببه أن الإنجيل يقدم معنى، وليس لأنه يُعبر عن افتراضات صحيحة. وقد علق “لويس” على هذا قائلاً: “إن العقل هو الأداة الطبيعية للحق، ولكن الخيال هو أداة المعنى.”[13] وجاذبية الإيمان المسيحي عند البعض تتمثل في جمال عبادته، أو في قدرته على التلامس مع المشاعر الإنسانية، أو في نتائجه الأخلاقية.

أما ثالث هذه المشكلات فهي أن المنهج العقلاني يقوم على نظرة حداثية. إلا أنه في معظم أنحاء العالم الغربي اليوم، حل اتجاه ما بعد الحداثة مكان الحداثة، مما يقلب الكثير من المعتقدات المحورية للحداثة رأسًا على عقب. فالاستناد إلى الصفة العقلانية الأصيلة في الإيمان ينجح في إطار حداثي، ولكن في أطر ثقافية أخرى، قد يفشل هذا المنهج نفسه الذي يقوم على الحجة والمنطق فشلاً ذريعًا في التلامس مع التطلعات والأفكار الثقافية المسبقة.

وكما سنرى في قسم لاحق من هذا الفصل، أن ميل ما بعد الحداثة للقَصص أكثر منه للحجة يتيح فرصًا عظيمة للدفاعيات الكتابية نظرًا لأن الأشكال القصصية تملأ صفحات الوحي.

ولكننا مع ذلك، ما زلنا نؤكد منطقية الإيمان ونشدد عليها، دون أن نحصره فيما يمكن للمنطق أن يبرهن عليه بشكل قاطع. فأسئلة الحياة الجوهرية تتجاوز حدود العقل بكثير، ومن هذه الأسئلة: من أنا؟ هل أنا مهم فعلاً؟ لماذا أنا هنا؟ هل يمكنني أن أُحدث اختلافًا؟[14] وهي أسئلة لا يمكن للعلم ولا للمنطق البشري الإجابة عنها.

ومع ذلك، إن لم يجد المرء إجابات لهذه الأسئلة، تصبح حياته بلا معنى. وعلينا نحن المدافعين أن نبين أن الإيمان المسيحي يقدم إجابات لأسئلة الحياة الجوهرية، وهي إجابات منطقية من ناحية، وناجحة على المستوى العملي من ناحية أخرى. فكما هو مهم أن نُظهر أن المسيحية صحيحة، مهم أحيانًا أن نُظهر أنها حقيقية.

المدخل الثالث: القصص:

إن تركيز تيار ما بعد الحداثة على القصص يمثل أهمية خاصة في الدفاعيات. فقد كانت الحداثة تنظر بعين الريبة للقصة في التعامل مع الواقع. ومن ثم، سعت لإجهاضها أو التخلص منها بالاستناد إلى التحليل أو الحجة العقلانية، بحيث تتحرر تمامًا من قيود عشوائية التاريخ الأليمة. وقد انعكس ذلك بكل وضوح في تفسير الكتاب المقدس. وكما أشار “هانس فري” Hans Frei  (1922- 1988) أستاذ اللاهوت في “جامعة ييل” Yale University، مختزلاً ما به من روايات تاريخية وأشكال قصصية (كأمثال المسيح) إلى أفكار مجردة من الزمن.[15] وكان يُنظر إلى القصة كأنها قشرة مزعجة غير مستحبة تغطي على الجوهر الفكري والأخلاقي للكتاب المقدس.

إلا أن تيار ما بعد الحداثة شهد استعادة للاهتمام بالقصة الكتابية بما فيها الأشكال القصصية الخاصة كالأمثال التي رواها يسوع ليُعَلم الجموع عن ملكوت الله. ولم يعد إثبات الحق يتوقف على الحجة، ولكن بدأ يُنظر للقصص على أنها قادرة على تكوين هوية مميزة من الناحية الأخلاقية والمفاهيمية.

فالمسيحية تعلن عن عالم يتشكل بالقصص وهي تسكن في هذا العالم، والأساس الذي يشكل أفكار هذا العالم وقيمه هو قصة تعاملات الله مع شعبه التي تبلغ ذروتها في قصة يسوع الناصري. وهكذا فالمسيحية في أساسها ليست مجرد مجموعة أفكار.

منذ حوالي سبعينات القرن العشرين، تزايد الاهتمام بدراسة دور القصة في كلٍّ من اللاهوت والفلسفة، وعلى صعيد الفلسفة الإنجليزية والأمريكية، ظهر بعض الكُتاب البارزين أمثال “بول ريكور” Paul Ricoeur وكذلك “ألاسدير ماكينتاير” وأيضًا “تشارلز تيلور” الذين تصدوا لتقديم معالجات جادة لما ينطوي عليه القَصَص من موضوعات أساسية. فقد درس “ريكور” القصة بوصفها أساسًا لكل صور فهمنا للعالم وبوصفها إطارًا يعيش فيه البشر. ويقول “ماكينتاير” بأن قرارات حياتنا تتشكل وتترتب بناءً على فهمنا لها باعتبارها تشكل جزءًا في “قصة” (أو تقليد) أكبر.

وهو يقول “لا يمكنني أن أجيب عن سؤال “ماذا يجب أن أفعل؟” إلا بعد أن أجيب عن سؤال أسبق، وهو “ما هي القصة التي أشكل جزءًا منها؟”[16] وكما سنرى، يمكن أن تمثل هذه المنهجيات قيمة عظمى للدفاعيات المسيحية.

والكثيرون اليوم يؤيدون الرأي الذي يقول بأن القصص هي المنظار الأساسي الذي يرى البشر الواقع من خلاله. فنحن نرى العالم باعتباره قصة تجيب عن الأسئلة المحورية المختصة بالوجود، والهوية، والمستقبل.

وهذه القصص يمكن أن تجيب عما يسميه الفيلسوف “كارل بوبَر” Karl Popper “الأسئلة العليا” “ultimate questions” وهو بذلك يريدنا أن نفهم المسائل الكبرى التي تتناول “معنى الحياة”، ومنها تلك التي يطرحها “روي بوميستر” Roy [17]Baumeister، وهي التي تتعلق بالهوية، والغرض، والتكليف، والقيمة وتتخذ شكل أسئلة مثل: “من أنا؟” “ما هدف الحياة؟” ” ماذا أفعل لأُحدث فرقًا؟”

وقد أدرك البشر من قديم الزمان الأهمية الثقافية والفكرية لوجود قصة تفسيرية شاملة. وغالبًا ما يستخدم مصطلح “الأسطورة” في المجال الأكاديمي للإشارة إلى هذه القصص التفسيرية التي تشرح الواقع والهوية الشخصية والاجتماعية. (عادةً ما يساء فهم مصطلح “الأسطورة” على أنه “قصة غير حقيقية”، إلا أن هذا المعنى ليس هو المقصود هنا). ولكن كما أشار “لويس” وآخرون، كلمة “أسطورة” تشير أساسًا إلى قصة عن العالم تُمكن الأفراد من فهمه والعيش فيه.

وهذه “الأساطير” تمثل العدسات التي ينظر بها أي مجتمع للعالم، فهي تقدم إطارًا يسهم في حل التناقض بين الخبرات العديدة ويعمل على خلق رابطة بينها.

والقصة المسيحية عند “لويس” التي يعتبرها المنحة الإلهية التي تكمل وتتوج المحاولات البشرية الأخرى في صنع الأسطورة، تمثل أعلى وأسمى قمة نرى منها الحقيقة ونفهمها. فالقصة المسيحية عن الخلق، والسقوط، والفداء، ونهاية الزمان تعطي معنى لكل القصص الأخرى التي نرويها عن هويتنا وغاياتنا الحقيقية. إنها القصة الأم، الرواية العليا التي تضع سائر الروايات المختصة بأصل الإنسان ومصيره في مكانها الصحيح.

ويؤكد هذه النقطة أستاذ العهد الجديد والمدافع البريطاني ” ن. ت. رايت” N.T. Wright الذي يقول إننا عندما نروي قصة الكتاب المقدس كاملةً فنحن بذلك نعلن النظرة المسيحية للواقع وفي الوقت نفسه نتحدى البدائل العلمانية الأخرى. فبروايتنا لقصة الكتاب المقدس

مؤكد أننا نتحدى جوانب عديدة في نظرة العالم للأمور (أي نظرته للسلطة والقوة). ونقوض نظرته لماهية العالم ولغرضه بالكامل، ونقدم نظرة جديدة للعالم بأفضل طريقة ممكنة.[18]

والكتاب المقدس عند “رايت” يتحدى طرق التفكير الأخرى ويبرز جمال طريقته ويجسدها بوضوح. وهو يروي قصة تجيب عن أربعة أسئلة أساسية:

  1. من نحن؟ الكتاب المقدس يخبرنا أننا بشر مصنوعون على صورة خالقنا، ولا نكتسب هويتنا الجوهرية من العنصر الذي ننتمي إليه، ولا النوع، ولا الطبقة الاجتماعية، ولا الموقع الجغرافي.
  2. أين نحن؟ نتعلم من الكتاب المقدس أننا نحيا في عالم حسن وجميل، ولكنه مؤقت. وقد خلقه الله الذي نحمل صورته.
  3. ما المشكلة؟ نفهم من الكتاب المقدس أن البشرية تمردت على خالقها، وبالتالي انحرف العالم عن القصد المخلوق له.
  4. ما الحل؟ يطمئننا الكتاب المقدس أن الله عمل، ويعمل، وسوف يعمل في الخليقة من خلال المسيح يسوع والروح القدس ليتعامل مع الشر الذي نتج عن تمرد البشرية، وليصل بعالمه إلى الغاية التي صنعه من أجلها، ألا وهي أن يكون في توافق تام مع حضوره ومجده.[19]

وتطالعنا أعمال الروائي “ج. ر. ر. تولكين” بنظرة مشابهة. وقد عُرف “تولكين” بدفاعه المستميت عن الدور المحوري الذي تلعبه الأسطورة في خلق معنى للواقع وبمحاولته أن يطبق هذا الفكر في ثلاثيته الملحمية “ملك الخواتم” The Lord of the Rings.[20] ووفقًا لهذا النهج، تظهر قدرة القصة المسيحية الكبرى على تفسير الأمور في تَمَكُّنها من وضع غيرها من القصص الكبرى في موقعها الصحيح، وتفسيرها، وشرحها. والقصة المسيحية، مثل سائر القصص، لا يمكن “البرهنة عليها” بالوسائل الموضوعية منطقية كانت أم علمية.

بل يجب تقييمها بناءً على قدرتها أن تخلق للأشياء معنى أعمق من منافساتها الحالية أو التي قد تظهر فيما بعد، وذلك ببساطتها، وأناقتها، وسهولة فهمها، وقدرتها على خلق معنى يتجاوز حدودها.

فكيف نستفيد من عودة الاهتمام بالقصة في محاولتنا لفهم كيفية تقديم الإيمان المسيحي لثقافتنا؟ سأطرحُ هنا بعض الأفكار الشخصية. عندما كنت أصغر سنًا كنت أعتقد أن أفضل طريقة لمساعدة الآخرين على اكتشاف حق المسيحية المدهش هو مناقشتهم بالحجة. أي إقناعهم بأن المسيحية صحيحة وحق. وباختصار، كونت ما يطلق عليه الكثيرون اليوم منهجًا “حداثيًا”. ولكني اليوم أوصل حق الإنجيل بطريقة مختلفة. فأنا أحكي قصة قبولي للإيمان.

لماذا؟ لأن القصة أكثر تشويقًا من أي حجة، ولكن السبب الأهم أن قصتي تبين أن المسيحية حقيقية، أي أنها قادرة على تغيير حياة البشر، وإعطائهم أسباب جديدة للحياة ورجاء أكيد للمستقبل. فالقصة تدور حول فلسفة حياتية أصبحت تمثل نظرة شخصية في حياة صاحبها، وهي قادرة على التجديد والتغيير والاستثارة. وروايتي لهذه القصة الشخصية تؤكد أن الإنجيل حقيقي في حياتي.

إننا نعيش في عالم تشكله القصص. بالإضافة إلى أن “القصص الكبرى” قادرة على إضفاء معنى على العالم وعلى خلق علاقة مفيدة بين من يلاحظ الأحداث والأحداث نفسها. وهذه القصص عبارة عن شباك من المعاني نحكيها لنجمع فيها خبراتنا الشخصية ونحتفظ بها، ولنختزن فيها المعنى الذي نرى أنها تنقله أو تنطوي عليه.

والمسيحية تروي واحدة من هذه القصص، والإلحاد الجديد يروي قصة أخرى، وهناك قصص لا تحصى يرويها أولئك ممن لديهم أغراض يريدون تنفيذها، ورؤى ينشرونها، ومصالح أو أغراض شخصية يروجونها. إن القصص تحدد أماكن الحقائق بوضعها في إطار قصصي.

والآن بعد أن وضعنا أساسًا نظريًا لتأكيد أهمية القصص في الدفاعيات، سنتناول كيفية استخدامها. وسنبدأ بعد قليل بقصتين تُستخدمان في تدعيم الدعاوى التي يقيمها بعض الكُتاب ضد المسيحية، وسنرى كيف يمكن نقدهما.

على الدفاعيات المسيحية أن تنقد وتُقَيم غيرها من القصص الكبرى، مثل القصص العلمانية التي تعمل على تقويض المسيحية أو تهميشها. ولكنها لابد أن تُقدر في الوقت نفسه ما تتضمنه المسيحية من قصص خاصة بها. فالقصة المسيحية الكبرى عن الخلق، والسقوط، والفداء، ونهاية الزمان تساعدنا أن نفهم معنى العالم، كما أشار “لويس” وغيره. ولكن هذه كلها “قصص كبرى” فماذا عن القصص العادية؟ وكيف يمكن استخدامها في الدفاعيات المسيحية؟

أَوضَحُ نموذج يمكننا البدء به هو أمثال المسيح. فاستخدام الرب يسوع للقصص حتى يتفاعل مع مستمعيه لم يكن من قبيل الصدفة، ولكن هذه القصص كان لها غالبًا أساس في الحياة اليومية للمجتمعات الريفية والزراعية التي سادت فلسطين في القرن الأول. وقد كانت قصصًا غاية في السهولة تجذب انتباه المستمعين وتثير خيالهم. وكلُّ من هذه الأمثال يحمل داخله قدرة دفاعية هائلة يجب اكتشافها وفهمها، بل استخدامها. وإذا استُخدمَت هذه الأمثال بحكمة فإنها تتمتع اليوم بذات التأثير الذي كانت تتمتع بها عندما قيلت لأول مرة.

والمدافع الحكيم هو من يدرس الأمثال الرئيسية ويسأل هذه الأسئلة المحورية: كيف تساعدني هذه القصة في توصيل الإنجيل؟ كيف تساعدني على التواصل مع هذه الفئة؟ فالقضية هنا ليست دراسة ما في المثل من صور ومفردات في ضوء الديانة اليهودية إبان القرن الأول، بل اكتشاف وسائل لاستخدامه دفاعيًا اليوم.

ولنأخذ مثالاُ لوضيح هذه النقطة، وليكن تلك القصة المعروفة التي عادةً ما يشار إليها باسم “مثل اللؤلؤة كثيرة الثمن.”

أَيْضًا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا تَاجِرًا يَطْلُبُ لآلِئَ حَسَنَةً، فَلَمَّا وَجَدَ لُؤْلُؤَةً وَاحِدَةً كَثِيرَةَ الثَّمَنِ، مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَاشْتَرَاهَا. (مت 13: 45، 46)

بالرغم من صياغة القصة بأقل عدد ممكن من الكلمات (خمس وعشرون كلمة فقط في الأصل اليوناني)، فالخيال البشري يمكنه بسهولة معالجتها وتذوق تأثيرها. والخبرة البشرية تؤكد صحتها. بالإضافة إلى أنه من السهل البناء عليها وتطبيقها. فكيف نستخدمها في الدفاعيات؟ سأعرض لك كيف أستخدمها، وأترك لك الحرية في تطويرها:

إننا جميعًا نبحث عن شيء له قيمة في الحياة. إلا أننا غالبًا ما نكتشف أن الأشياء التي كنا نظن أنها ستسعدنا وتفرحنا لا تفعل ذلك، فنشعر أنه ما من شيء يمكنه أن يمنحنا الفرح والسلام. ولكن يسوع روى قصة عن هذا الموضوع. فقد قال إن تاجرًا وجد لؤلؤة ثمينة كانت معروضة للبيع، فقرر أن يبيع كل شيء ليحصل عليها. لماذا؟ عندما رأي التاجر تلك اللؤلؤة المميزة أدرك أن كل ممتلكاته باهتة وتافهة مقارنةً بها. وكما يغطي لمعان الشمس على لمعان النجوم، فلا يُرى إلا ليلاً، هكذا أتاحت هذه اللؤلؤة الثمينة للتاجر أن يرى ممتلكاته من منظور مختلف.

فما كان يظن أنه سيشبعه ثبت أنه يكشف عدم شبعه، ويثير اشتياقه لشيء لم يكن في متناوله. ولكنه رأى تلك اللؤلؤة المتميزة، فأصر أن يحصل عليها، لأنها شيء عظيم القيمة، شيء يستحق الامتلاك، حتى إن كل مقتنياته الأخرى تبدو قليلة القيمة مقارنةً بها. هذا هو الإنجيل عندما تكتشفه لأول مرة. إنه شيء في غاية الروعة حتى إنه يتفوق على كل ما عداه.

وهنا نرى مثالاً لاستخدام قصة كتابية لتوضيح نقطة دفاعية مهمة. إلا أن القصص الكتابية يمكن أن تُستخدم أيضاً لتكوين أطر تقدم معاني أو تفسيرات يمكن استخدامها لإضفاء معنى على الحياة. وعندما نستخدم القصص ندعو المستمع للدخول في القصة ونسأله عما إذا كانت تعطي معنى لخبراته وملاحظاته.

ولكن ليست كل القصص الكتابية تلقي الضوء على نقاط محددة بهذا الشكل. فبعض القصص تتيح لنا أن نرى خبراتنا الحياتية وملاحظاتنا من منظور مختلف. ولتوضيح هذه الفكرة سنأخذ قصة من أعظم قصص العهد القديم، وهي قصة السبي البابلي وَرَدّ مسبيي أورشليم إلى أرضهم بعد سقوط الإمبرطورية البابلية.

وتُعتبر قصة السبي البابلي سنة 586 ق. م من أهم قصص العهد القديم. ففي سنة 605 ق.م هزم الإمبرطور البابلي نبوخذ نصر الجيوش المصرية التي تجمعت في كركميش، وهكذا أسس بابل باعتبارها أعلى قوة عسكرية وسياسية في المنطقة. إلا أن يهوياقيم ملك يهوذا تمرد على الحكم البابلي، فقامت القوات البابلية بغزو يهوذا، وهو ما فسره الكُتاب آنذاك بكل وضوح باعتباره تنفيذًا للقضاء الذي أخبر به الرب على شعبه الخائن وملكهم.

وفي مطلع سنة 597 ق.م استسلم كلٌّ من الملك، والعائلة المالكة، ومستشارو البلاط الملكي لقوات الحصار. وتم ترحيلهم إلى بابل مع عدة آلاف من المسبيين غيرهم. ثم حدثت موجة أخرى من الترحيلات سنة 586 ق.م ولم يحصل اليهود على حريتهم في العودة إلى أرضهم إلا بعد سقوط بابل أمام الفرس سنة 539 ق.م.

وغالبًا ما تستخدم هذه القصة التاريخية المؤثرة لخلق معنى للوضع البشري. فمن منظور مسيحي، يرمز وضع اليهود أثناء سبيهم في بابل لحالة البشر. وذلك لأن اليهود لم يكونوا ينتمون لبابل، ولكنهم كانوا مسبيين يتوقون للعودة إلى أرضهم. ومزمور 137 يرسم صورة تنبض باشتياقهم للعودة وتعبر عن ذكرياتهم المرتبطة بأرضهم: “عَلَى أَنْهَارِ بَابِلَ هُنَاكَ جَلَسْنَا، بَكَيْنَا أَيْضًا عِنْدَمَا تَذَكَّرْنَا صِهْيَوْنَ.” (ع1).

إن هذا الإطار يعطي الحياة الإنسانية معنى. فليس المفترض أن نكون هنا، وهذه الأرض ليست وطننا، ولكننا ننتمي لوطن آخر. ومازلنا نحمل في أعماقنا ذكرى هذا الوطن التي لا تستطيع قوة في الوجود أن تمحوها. إننا نتحرق شوقًا للعودة إلى وطننا، ونحيا على رجاء أننا يومًا ما سنكون في الوطن الذي ننتمي إليه بالفعل. إن هذا الإطار يشير إلى مصدرنا الحقيقي ومآلنا، ويعطي معنى للشوق والتوق العميق الذي تتناوله “الحجة المبنية على الرغبة.”

ولكن ماذا عن القصص التي تتحدى المسيحية؟ سنستعرض قصتين تهدفان لهدم المصداقية التاريخية لأهمية يسوع الناصري كما يصورها التقليد المسيحي. أولهما “شفرة دافينشي” The Da Vinci Code (2003) لكاتبها “دان براون” Dan Brown، والثانية “يسوع الصالح والمسيح الشرير” The Good Man Jesus and the Scoundrel Christ    (2010) لمؤلفها “فيليب بولمان” Philip Pullman. ما المنهجيات التي يتبعها كلٌّ منهما؟ وكيف نرد عليهما؟

إن القصص تدعونا لنتخيل عوالم بديلة ونقارنها بعالمنا: أيهما أكثر معقولية؟ وأكثر جاذبية؟ وتجدر الإشارة إلى أن إعادة قراءة التاريخ بشكل مختلف عادةً ما يكون وراءها دوافع هجومية أو أخلاقية، ومنها على سبيل المثال تصوير شخصية تاريخية خبيثة بشكل أفضل، أو شخصية محبوبة بشكل أسوأ. فرواية “أنا كلوديوس” I, Claudius (1934) مثلاً لكاتبها “روبرت جرفز” Robert Graves تتعاطف مع الإمبرطور الروماني كلوديوس (10ق.م – 54 م) وترسم له صورة إيجابية، وهو شخص كان يُنظر إليه في التاريخ على أنه رجل أحمق لا يضر ولا ينفع.

إلا أن “جرفز” يبرز كلوديوس على أنه يروج هذه الصورة عمدًا حتى يخدع الآخرين فيضمن بقاءه في زمن ملئ بالمخاطر السياسية.

وقد تَمكَّن كتاب “دان براون” الذي صدر سنة 2003 من تحقيق نجاح باهر واستحوذ على انتباه قرائه بفضل حبكته المتقنة التي تروي بداية تاريخ المسيحية بدرجة عالية من المعقولية حتى إن القارئ لا يلحظ التحريفات الجذرية المدسوسة في الكتاب ببراعة. (والطبعات الأولى من الكتاب كانت بحمل على غلافها كلمة “رواية” تحت العنوان. ولكنها حُذفَت فيما بعد). والقصة المحورية في هذا الكتاب تتلخص في أن الكنيسة اخترعت صورة خاصة بها ليسوع وجعلت منه إلهًا وفرضت هذه الصورة بالمؤامرة السياسية والتهديد بالعنف. ويصور “براون” الإمبراطور قسطنطين على أنه شخص مكيافلي انتهازي يغير طبيعة المسيحية لتخدم أغراضه السياسية.

ويروي “براون” قصة خداع وقمع تنتهي بكشف “الحق” وتحرير الناس. ويركز جزء كبير من القصة على بداية تاريخ المسيحية، فيروي أن الإمبراطور قسطنطين أراد للمسيحية أن تكون الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية، ولكنه أدرك أنها تحتاج لنوع من إعادة الصياغة حتى تفي بهذا الغرض. ومن ثم، كان لابد من رفع رتبة يسوع الناصري بحيث لا يظل ذلك المعلم الريفي الفلاح، فأعلن فسطنطين أن يسوع هو الله. وقد استلزم ذلك الحصول على عدد مناسب من الأصوات والتلاعب في النصوص.

ويتم إطلاع القارئ على هذه الأسرار في شخصية السير “لي تيبينج” Sir Leigh Teabing الذي يعلم بهذه الخفايا التاريخية، فيصرح بأنه لم يكن أحد يعتقد أن يسوع هو الله حتى مجمع نيقية سنة 325 عندما طُرحَت المسألة للتصويت، وحصلت على غالبية الأصوت بفارق ضئيل. وتُصدم “صوفي نفو” Sophie Neveu المتخصصة في فك الشفرات عندما تسمع هذا الكلام وتقول في حالة من الذهول: ” لست أفهم ما تقول. هل تتحدث عن ألوهيته؟”

صرح لها “تيبينج”: “عزيزتي، حتى تلك اللحظة، كان أتباع يسوع يتعتبرونه نبيًا فانيًا مثل كل البشر… رجل عظيم مؤثر، ولكنه إنسان، فانٍ”.

[قالت “صوفي”]: “ليس ابن الله؟”

أجاب “تيبينج”: “بلى. فكرة أن يسوع “ابن الله” طُرحَت رسميًا للتصويت في مجمع نيقية.”

“مهلاً. تقول إن لاهوت يسوع جاء نتيجة تصويت؟”

أضاف “تيبينج”: “بفارق ضئيل بين الطرفين.”[21]

ويشرح “تيبينج” كيف حظر قسطنطين الأناجيل التي تحدثت عن يسوع بلغة إنسانية بحتة، ولم يسمح إلا بالأناجيل التي تشير إلى ألوهيته.[22]

ويتم تعريف القارئ بالحقائق المحظورة الخطيرة التي تتعلق بتاريخ الكنيسة ويركز الكاتب بشكل خاص على جماعة يلفها الغموض تعرف باسم “جمعية سيون” Priory of Sion ويقدمها باعتبارها حارسة لأحد الأسرار الخطيرة. ويخبر “براون” قراءه بأن هذه “الجمعية” هي جماعة سرية تكونت سنة 1099 ومازالت موجودة حتى اليوم ويؤكد لهم أن هذه حقائق ثابتة.

والحقيقة أن هذا كلام خاطئ بكل المقاييس، لأن “جمعية سيون” عبارة عن منظمة اخترعها “بيير بلانتار”  Pierre Plsntard (1920- 2000) سنة 1956، وقد كان “بلانتار ” بارعًا في تأليف القصص الخيالية، فنسج قصصًا غاية في الإتقان عن هذه الجماعة التي اخترعها وربط بينها وبين أحداث من العصور الوسطى والأرض المقدسة.[23] أي أن الموضوع لا يمت بصلة لأي نوع من الحقائق.

ولست أعرف أي سند تاريخي ذا قيمة يؤيد أيًا من الأفكار الرئيسية التي تقوم عليها “شفرة دافينشي” التي يمكن تفنيدها جميعًا بمنتهى السهولة. ولكن مربط الفرس أن “براون” يروي قصة يتمنى الكثيرون أن تكون صحيحة ويدعوهم أن يصدقوها. وقصة “براون” تقوض الفكر المسيحي التقليدي في أذهان عموم القراء بتصويره لهذا الفكر على أنه نشأ من إساءة ممارسة السلطة والرغبة في قمع العناصر الأنثوية للإيمان.

والقصة “تُعرفنا” بأن الحقيقة هي أن يسوع تزوج مريم المجدلية وأن ابنتهما أنجبت نسلاً ملكيًا في فرنسا. وقد قال “براون” ردًا على الانتقادات الكثيرة التي تناولت الأخطاء التاريخية الفادحة في روايته إن كل ما فعله أنه وضع الكلمات في أفواه شخصيات الرواية وترك القارئ يفهم منها ما يفهمه.

وتكمن جاذبية منهج “براون” في المقام الأول في قدرته على الهدم. فالقصة مكتوبة بأسلوب ركيك يبدو أن معظم القراء يتقبلونه خاصةً مع سرعة توالي الأحداث. وهي من حيث الأسلوب على النقيض تمامًا من “يسوع الصالح والمسيح الشرير” لكاتبها “فيليب بولمان” التي صدرت سنة 2010.[24] فأسلوب “بولمان” يتبع نوعًا ما أسلوب ترجمة الملك جيمز King James للكتاب المقدس، وهو يتميز بفصاحة لا نجد لها أثرًا في أسلوب “براون” الممل الركيك.

وكتاب “بولمان” يعيد سرد قصة الإنجيل في قالب تخيلي يحتفظ بالأسلوب الأصلي للأناجيل ولكنه يغير المحتوى تغييرًا جذريًا. وتنطوي إعادة صياغة القصة بهذا الشكل على تقديم فرضية محورية يبني عليها “بولمان” أطروحته. فهو يصور مريم على أنها فتاة تعاني من ضعف قدراتها العقلية وصعوبات في التعلم، يخدعها أحد الرجال لتنام معه مؤكدًا لها أنه ملاك، فتلد توأمين، يسوع والمسيح، ولكن العلاقة بينهما تسوء منذ سن مبكرة.

كان يسوع رجلاً تقيًا، وواعظًا متجولاً يكرز بملكوت الله وينتظر من أتباعه أن يتغيروا أخلاقيًا. ويخبرنا “بولمان” أن يسوع، كأي كارز بروتستانتي ليبرالي من القرن التاسع عشر، لم يصنع معجزات بالمعنى المفهوم. ولكنه كان يجعل الأمور تحدث بشكل طبيعي. فما الذي حدث في إشباع الخمسة الآلاف؟ كل ما في الأمر أنهم تقاسموا ما كان معهم من طعام.

وهكذا يتضح أن يسوع شخص صالح ينتمي إلى عالم مثالي غير عالمنا ولا يحتك بواقع السلطة السياسية. إلا أن المسيح مختلف. فهو يلتقي بشخصية غامضة اسمها “الغريب” The Stranger تزرع في عقله فكرةَ أن يعيد كتابة قصة يسوع وتعاليمه على نحو يجعلها أكثر جاذبية وأطول عمرًا.

والنتيجة إنجيل أسطوري كُتِب أصلاً لأسباب تافهة بقلم توأم يسوع المزعوم. وما يريد “بولمان” أن يشير إليه من طرف خفي أن إنجيل المسيح “المحسَّن” والمزوَّر هو السبب الأساسي في ظهور كتابات بولس في العهد الجديد.

وهكذا تصبح الكنيسة مؤسسة على إنجيل المسيح الوهمي، وليس على حقيقة يسوع التاريخية المفقودة. فالمسيح يدرك بدهائه ضرورة خلق قصة كبرى، فلسفة حياتية مغرية لتضمن استمرار الكنيسة على مر التاريخ.

ونظرًا لفشل يسوع في تقديم هذه القصة، يقوم المسيح بتعويض هذا العجز بنفسه بتأليف قصة قادرة على إنشاء مؤسسة قوية والحفاظ عليها. والقوة المؤسسية تعتمد على الأمر الإلهي الذي يُفرض دون هوادة ويصبح أيديولوجية راسخة تضمن استمراريته. ويظهر بكل وضوح من هذه الرواية ومن ثلاثية “مواده السوداء” His Dark Materials أن “بولمان” يستهدف مؤسسة الكنيسة.

وأخيرًا يحرض “الغريب” المسيح على خيانة أخيه، خيانة تؤدي إلى موت الشقيق (نعم، يتضح في النهاية أن المسيح هو يهوذا الإسخريوطي). ثم تصبح القيامة مسرحية يحاول فيها المسيح الحي أن يُظهر نفسه على أنه يسوع الميت، وهو ما يعني طبعًا أن القيامة تمثيلية اخترعها المسيح ليعوض عن موت يسوع ميتة مؤسفة عادية. والموضوع مألوف لدى قراء الأعمال العقلانية التي أعادت تأليف حياة يسوع في القرن الثامن عشر، ولكن “بولمان” أدخل عليها تعديلات تاريخية جديدة ولكنها مستحيلة الحدوث.

وهذه هي المشكلة، فهذه القصة الهجومية غير معقولة على الإطلاق لدرجة أنها لا تطابق أدنى المعايير المستخدمة لتحديد صحة الأحداث من الناحية التاريخية. والقصة معقدة ومتداخلة حتى إنها لا يمكن أن بؤخذ على محمل الجد من الناحية التاريخية. ورغم أن الكاتب قَصَّاص من الطراز الأول عندما يؤلف قصصًا خاصة به، فعندما يعيد إنتاجَ قصص غيره، وخاصةً إذا كانت قصة مألوفة كقصة يسوع الناصري يتعثر كثيرًا. فالحبكة مفتعلة بشكل مفرط حتى إن براعة “بولمان” الأسلوبية تعجز عن التعامل مع هذا الخط القصصي المعقد اللازم لتحقيق أغراضه في مهاجمة التقليد.

وقد أقحم “بولمان” نفسه في القصة الكتابية على نحو سافر، فلم يكن دوره فيها سلبيًا ولا صامتًا. وأكثر المواقف التي يظهر فيها هذا الإقحام بشكل صريح هو صلاة يسوع في جثسيماني التي يفاجئنا بأن يسوع يختمها قائلاً أنه لا يوجد إله. ويأتي صوت المؤلف مملاً رتيبًا في مواقف كهذه، ولا سيما عندما يعظ يأخذ مكان يسوع ويعظ قراءه بنبرة حادة مزعجة.

وهو ما يختلف عن أسلوبه في ثلاثية “مواده السوداء”. وهو في رواية “يسوع الصالح والمسيح الشرير” يفتعل حالة من التقوى المفرطة بشكل يثير الاشمئزاز. علاوة على أنه يَسهل على القارئ التنبؤ بما سيحدث قبل قراءته.

ومن الواضح أن القصة مستحيلة الحدوث التي نطالعها في هذه الرواية تهدف إلى هدم مؤسسة السلطة الدينية. ويتضح هذا الهدف بجلاء في سؤال طرحه أثناء لقاء أجري معه عقب نشر كتابه بفترة وجيزة: “إن استطعت أن ترجع بالزمن وتنقذ ذلك الرجل من الصَلب وأنت تعلم أن هذا يعني عدم ظهور الكنيسة لحيز الوجود، هل ستنقذه أم لا؟” وترتكز هذه الحجة على افتراض مسبق مفاده أن القارئ يشارك “بولمان” في كراهيته الشديدة للمؤسسة الكنسية، وهو ما يظهر بكل وضوح في أعماله الأسبق.

ولكن هل الأمور حقًا بهذه البساطة؟ وهل الحق التاريخي يتوقف على ما نحب؟ وهل الإنجيل يتمحور فعلاً حول الكنيسة باعتبارها مؤسسة؟

معروف أن “بولمان” يريد أن يزعزع أساس الإيمان المسيحي. ولكن كيف يدعم هذا الكتاب حجته؟ إن ما حصل عليه هذا الكتاب من ردود أفعال فاترة على المواقع الإلكترونية الإلحادية يؤكد مدى غموضه. وقد سألني أحد زملائي من الأساتذة الملحدين مؤخرًا: “ولكن ما الفائدة منه؟ ومن سيلتفت لهذا الهراء؟” وقد راودتني هذه الأسئلة الوجيهة الواضحة وأنا أقرأ هذا الكتاب. ورغم استمتاعي بأسلوبه، لم أتمكن من تصديق حبكته الركيكة. ولابد أن أعترف أني لم أجد إجابة مقنعة حتى الآن.

المدخل الرابع: الصور:

تُعتبر الصور، لا الكلمات، أعلى أشكال التواصل عند كُتاب ما بعد الحداثة. وشركات الدعاية والإعلان تنفق أموالاً طائلة لتحصل على أفضل صورة للشركة المعلِنة، وتصمم إعلانات تليفزيونية تعرض صورًا تجعلنا نريد أن نشتري منتجات معينة دون غيرها. إلا أن الكثير من المسيحيين، مثلي، يفضلون استخدام الكلمة (ولا سيما الكلمة المكتوبة، في حالتي) لتوصيل الإيمان وإبراز جماله. ولكن علينا أن نعي أن الصور يُنظر إليها في إطار ما بعد الحداثة على أنها تتمتع بمصداقية وقوة من نوع خاص وتتجاوز الحدود المفروضة على الكلمات.

والعقل البشري يعمل عن طريق توليد صور تساعدنا على “تصوير” العالم المحيط بنا وفهم معناه. ويمكن تشبيه الصور بالخرائط الذهنية التي تساعدنا على رسم أرض الواقع وتحديد مكاننا في الإقليم المحيط بنا. وهذه الصور مفيدة جدًا للمدافع، لأن الصور التي تُعبر عن الفكر المسيحي يمكن تقديمها بأشكال تجذب الخيال البشري. وعمومًا نحن نتعلم أن نسكن في صورة نستخدمها ونكتشف مدى ملاءمتها لواقع عالمنا.

وسنفحص في هذا الجزء عددًا من هذه الصور ونبحث كيفية استخدامها لتوصيل الإنجيل وإبراز جماله. وبعضها مأخوذ من الكتاب المقدس، والبعض الآخر من الثقافة العلمانية. وأولى هذه الصور مأخوذ من أحد كلاسيكيات الفلسفة اليونانية القديمة، ألا وهو كتاب “الجمهورية” Republic لأفلاطون. (إن كنت قد قرأت رواية “الكرسي الفضي” The Silver Chair، وهي إحدى روايات سلسلة “نارنيا” لكاتبها “لويس”، ستكون الصورة مألوفة لك، حتى وإن لم تكن تعرف أصلها التاريخي[25]).

يدعونا أفلاطون لأن نتخيل كهفًا مظلمًا عاشت فيه مجموعة من الناس منذ مولدهم. وقد ظلوا محبوسين في هذا الكهف طيلة حياتهم حتى إنهم لم يعرفوا عالمًا آخر سواه. وفي أحد أطراف الكهف تشتعل نيران متوهجة بالدفء والضوء. اللهُّب المتصاعدة تلقي ظلالاً على جدران الكهف، فيشاهد الناس هذه الظلال التي تسقط أمامهم على الحائط، ويفكرون فيما تعنيه، فهذه الظلال المرتعشة هي كل ما يعرفه سكان الكهف عن العالم. وإدراكهم للواقع منحصر فيما يرونه ويختبرونه في هذا السجن المظلم.

فإن كان هناك عالم خارج الكهف، فإنه شيء لا يعرفونه ولا يمكنهم أن يتخيلوه، وكل آفاقهم محدودة ومحددة بالظلال وبما ينالونه من ضوء خافت. ولكنهم لا يعرفون أن الكهف سجن ولا أنهم محبوسون فيه، وليس لهم أن يصلوا إلى هذا الاكتشاف إلا إذا عرفوا بوجود عالم آخر.

ويزين أفلاطون هذه الصورة بالعديد من التفاصيل، منها أن سكان الكهف مقيدون بأغلال تمنعهم من الحركة في أنحاء الكهف. ولا يمكنهم أن يروا إلا الجدار المقابل لهم. ويمتد خلفهم ممر يعبر فيه أشخاص يحملون أشياء متنوعة على رؤوسهم، والنار تلقي هذه الظلال المتحركة على جدران الكهف.

والناس الذين يعبرون الممر يتحدثون بعضهم مع بعض فتُرَجِّع أصواتهم صداها في جنبات الكهف، ولكنها تأتي مشوهة بفعل الجدران. وهكذا يرى السجناء ظلالاً متحركة ويسمعون أصداء أصوات. فهم لا يرون ولا يسمعون أي شيء بشكل مباشر، ولكن خبرتهم بكل شيء تأتي على نحو غير مباشر وغير واضح المعالم.[26]

ولا يعنينا هنا البناء الفلسفي لهذا التشبيه كما وضعه أفلاطون، ولكن ما يعنينا هو إمكانية استخدامه في الدفاعيات. فكيف نستخدم هذه الصورة لتوصيل الإنجيل وإبراز جماله في عالم اليوم؟ تخيل نفسك الآن تسكن في هذه الصورة بضع دقائق، ولاحظ أنك لابد أن تنسى كل شيء عن العالم الذي نعرفه جميعًا حيث الشمس الساطعة، والهواء العليل، والورود، والبحيرات، والأشجار. وتَذَكر أن العالم الوحيد الذي تعرفه هو ذلك الكهف المظلم الذي يمثل لك الواقع كله.

وأنت لا ترى إلا ظلالاً ولا تسمع إلا أصداء. وما يظهر من هذه الأشياء يصبح واقعًا لك.

احترس من مقارنة عالم الكهف بأي واقع آخر، ففكرة التشبيه كلها تقوم على أساس أنك لا تعرف أي شيء غير هذا الكهف الذي يمثل لك تعريف الواقع. وعندما تشعر بأنك اعتدت على الصورة، سنبدأ في فحصها ودراسة كيفية تطبيقها في الدفاعيات.

اسأل نفسك هذا السؤال: كيف يتأتى لسكان الكهف أن يدركوا أن هناك عالمًا أفضل خارج جدران الكهف المظلمة المدخنة؟ فكر قليلاً في السؤال ثم واصل القراءة بعد أن تصل إلى بعض الإجابات.

ثلاث وسائل تُمكن سكان الكهف من اكتشاف وضعهم الحقيقي:

  1. يدخل شخص من العالم الحقيقي الخارجي إلى داخل الكهف ويخبر سكانه بالعالم الحقيقي. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة فكرة الإعلان الإلهي.
  2. بنية الكهف نفسه تحتوي على دلائل تشير إلى وجود عالم خارج جدرانه. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة الحجج التي تؤكد وجود الله بناءً على المؤشرات التي نراها في بنية العالم.
  3. عند هؤلاء المساجين معرفة حدسية تقول لهم إن هناك عالمًا أفضل من الكهف المظلم المدخن. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة الحجج التي تؤكد وجود الله بالاستناد على المشاعر الإنسانية، ومنها الحجة المبنية على الرغبة.

وسوف نبحث فيما يلي ما تتضمنه كل وسيلة من إمكانية دفاعية مع الاحتفاظ بصورة الكهف.

أولاً، قد يقتحم الكهف شخص من عالم آخر، ويخبرنا عن ذلك العالم الآخر مستخدمًا تشبيهات مستمدة من الكهف. بل إنه قد يفعل ما هو أفضل من هذا فيعرض علينا أن يرشدنا لطريق الخروج. وقد يفعل ما هو أفضل من هذا وذاك، فيعرض علينا أن يُخرجنا بنفسه.

وهذا الأسلوب هو الذي ينعكس في عقيدة التجسد المسيحية التي ترى يسوع المسيح باعتباره الشخص الذي يدخل إلى عالم التاريخ والخبرة البشرية، ليُظهر لنا الأمور على حقيقتها وليعطينا القدرة أن نتحرر من ربط العالم وقيوده. وبالرغم من أن هذا الموضوع يملأ صفحات العهد الجديد، فهو يَبرز بشكل خاص في إنجيل يوحنا، كما يتضح من الآيتين التاليتين:

وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْدًا (يو 1: 14)

أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. (يو 6: 51)

والوسيلة الثانية تقول بأن عالم الكهف نفسه مرصع بمؤشرات ومفاتيح تشير إلى أنه ليس العالم الوحيد. فقد يكون على جدران الكهف علامات تشير إلى أصله أو إلى مصيره الحقيقي، مثل العلامات التي لاحظها أريستبوس على شاطئ جزيرة رودس (ص 122). فربما الكهف يكشف عن أدلة تشير إلى وجود تصميم أو بنية معقدة تثير أسئلة جوهرية عن نشأته. وقد تكون جدرانه مزينة بالرسوم أو غيرها من الدلائل التي تشير إلى أصله وتاريخه.

أما الحل الثالث هو أن من يلاحظون الكهف أنفسهم يملكون في أعماقهم حسًا فطريًا أصيلاً بوجود عالم آخر. وقد يتخذ هذا الحس شكل قناعة عميقة أن الحياة أكثر من مجرد ظلمة هذا الكهف المدخن، أو معرفة حدسية قوية بأن مصيرهم يجب أن يكون في مكان آخر، أو رغبة في شيء يشعر صاحبها أنها لن تُشبع أبدًا، وهو شعور يشير إلى أن عالمنا ليس العالم الوحيد، وأن إشباعنا الحقيقي لن يتحقق فيه.

فنار الشوق التي تشتعل داخلنا ولا تطفئها خبراتنا في هذا العالم تمثل مفتاحًا جوهريًا يشير إلى وضعنا الحقيقي ويدعونا لاكتشاف الواقع الأعظم الذي تشير إليه.

هكذا قمنا ببحث الأساليب الثلاثة وشرحها بسهولة مستخدمين صورة كهف أفلاطون. وكل وسيلة منها تتيح للدافع أن يبحث أحد جوانب الإيمان المسيحي ويكتشف تلامسه مع خبرتنا بالعالم المحيط ومع معرفتنا الحدسية وأشواقنا العميقة وقدرته على خلق معنى لكل هذه الأمور.

ويمكن إدماج هذه الصورة المعبرة بسهولة في الأحاديث، والعظات، والمحاضرات، ويمكن تطويرها بالعديد من الطرق المبتكرة. ويسهل كذلك إضافة طرق أخرى للثلاثة المذكورة أعلاه.

فما الصور الأخرى التي يمكن استخدامها في الدفاعيات؟ يستخدم بولس مجموعة من الصور القوية في رسائله ليساعدنا على فهم ما فعله المسح لأجلنا بصلبه وقيامته. ومن هذه الصور صورة التبني. وفيها يؤكد لنا بولس أننا أصبحنا أبناء الله بالتبني في المسيح (رو 8: 23، غل 4: 5). ويرى بولس أن هذه الصورة المستمدة من قانون الأسرة الروماني تلقي الضوء على امتيازات المؤمن ومكانته في علاقته بالله.[27] وهي صورة تتطلب منا أن ندركها في عقولنا ونقدرها في قلوبنا.

وصورة التبني سهلة الفهم نسبيًا، فهي تُعبر عن أسرة تقرر أن تمنح طفلاً لم يولد في أحضانها الامتيازات القانونية نفسها التي يحصل عليها الطفل المولود في الأسرة. وهو ما يستتبع أن الطفل المتبنى يتمتع بحقوق الميراث التي يتمتع بها الطفل الطبيعي.

وهكذا يمكن أن يرى المؤمن نفسه باعتبار أنه أُدخِل في عائلة الله ومُنح ذات الامتيازات القانونية التي يتمتع بها أي ابن طبيعي. ومن هو الابن الطبيعي لله؟ إنه المسيح نفسه. وبذلك، يشرح بولس هذه الفكرة القوية، ألا وهي أن كل ما منحه الله للمسيح باعتباره ابنه سيؤول إلينا في النهاية باعتبارنا أولاد الله:

أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ. فَإِنْ كُنَّا أَوْلاَدًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا، وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ. (رو 8: 16، 17)

ولذلك فالسمات الأسرية التي تميز أولاد الله هي الألم في هذه الحياة والوعد بالمجد في الحياة الآتية. وهو ما يعني أن المجد يكمن وراء الألم، ولابد أن نتعلم أن نرى الألم باعتباره امتيازًا نحتمله مسرورين بوصفه نتيجة لمركزنا الجديد بصفتنا ورثة الله.

ولكن صورة التبني لا تخاطب العقل فحسب، بل تستحوذ على الخيال والقلب أيضًا. وهي بذلك تدعونا أن نترجمها بشكل تخيلي، ولا نكتفي بفهمها. فالتبني معناه أن الطفل مرغوب فيه، وهو يتضمن أيضًا معنى الانتماء. وهذه قضايا وجدانية عميقة تتلامس مع اهتمامات الكثيرين ومخاوفهم في مجتمعات تزداد انكسارًا يومًا بعد يوم.

فالتبني يعني دعوة الشخص ليدخل في بيئة مُحبة حانية. وهي تعني الترحيب بالشخص والرغبة في وجوده وتقديره . والتبني يقدر امتياز الدعوة التي يتم بمقتضاها الترحيب بشخص من خارج الأسرة وإدخاله في كنف الإيمان والحب.

والصورة التي يرسمها بولس للتبني تتوافق بشدة مع اشتياق الإنسان العميق للانتماء إلى مكان ما. فنحن نحتاج أن نشعر أننا مقبولون ومرغوبون. وتؤكد “سيمون فيّ” كثيرًا في كتاباتها أهمية هذه النقطة.

فهي تشير في كتابها “البحث عن الجذور” The Need for Roots إلى أهمية المجتمعات في تكوين الهوية الشخصية وحمايتها: “قد تمثل الحاجة للجذور أهم احتياجات النفس البشرية ولكنها الأقل حظًا من حيث إدراكها والاعتراف بها.”[28] ويتناول “ولتر بروجمَن” Walter Brueggemann أستاذ العهد القديم المعروف هذه الفكرة بمزيد من العمق عندما يشير إلى أن

الشعور بالضياع والتشرد وفقدان المأوى يسود ثقافتنا المعاصرة. وتوق الإنسان لأن ينتمي لمكان، ويكون له بيت، يحتمي في موضع آمن هو سعي عميق يثير في النفس لهيبًا من المشاعر المتأججة.[29]

ونجاح المسلسل التليفزيوني الأميريكي “في صحتك” Cheers يعكس هذه النقطة على أكمل وجه. وقد بدأ عرض المسلسل الذي تجري أحداثه في حانة في بوسطن سنة 1982 واستمر على مدى 271 حلقة حتى سنة 1993. ويرجع نجاحه الباهر إلى ما خلقه من شعور قوي بالانتماء لجماعة.[30]

فقد كانت الحانة مكانًا للأحاديث الخفيفة والأحاديث الجادة، وكانت ملجأ يرحب بكل من يأتيه، والجميع هناك يعرفك. أما خارج الحانة هناك جموع مجهولة من بشر لا يعرفهم أحد ولا يعرفون بعضهم البعض. ولكن داخل الحانة، أنت شخص مميز، ومهم عند الآخرين، أنت تنتمي لمكان. وقد عبَّرت أغنية المسلسل عن هذا المعنى أوضح تعبير: أنت تريد أن تكون في مكان “كل من فيه يعرف اسمك.”

ويمكن للمدافع أن يستخدم صورة التبني التي يرسمها بولس مشيرًا إلى ما تحمله من معانٍ على مستويات مختلفة. فهي لا تلقي الضوء على ما يعود علينا من موت المسيح وقيامته فحسب، ولكنها تخاطب اشتياق القلب البشري العميق للانتماء.

وهناك صور كتابية أخرى يسهل الاستفادة منها في الدفاعيات، مثل صورة الله الراعي، أو المسيح خبز الحياة. فالدفاعيات تتمتع بصندوق زاخر بالكنوز التي يمكننا الاستفادة منها، وهي تستخدم الخيال باعتباره مدخلاً للنفس البشرية. وينبغي على المدافع الناجح أن يجدد هذا الصندوق باستمرار مضيفًا إليه قصصًا وصورًا جديدة.

خطوة للأمام:

المداخل الأربعة التي تناولناها في هذا الفصل كلها مهمة ويمكن تطبيقها بسهولة في الدفاعيات. إلا أنها مجرد أمثلة توضيحية لا تشمل كل المداخل التي يمكن الاستفادة منها، بل يمكن إضافة مداخل أخرى لها. ومنها على سبيل المثال تجسيد المؤمن لإيمانه في حياته العملية، وهو مدخل يؤدي وظيفة دفاعية مهمة.

فالكثيرون يسألون عن الإيمان عندما يرون أن أصدقائهم يتميزون بشيء غير متوفر لهم، كالشعور بالسلام أو بوجود غرض للحياة، أو الشعور العميق بالحنان والحب للبشر، وهو ما يثير لديهم السؤال: “من أين لهم هذا؟” ويتمنون في أعماقهم أن يتمتعوا بما يتمتع به هؤلاء. ومحبة الله تتجسد وتعلَن عندما يخدم المسيحي الحقيقي العالم المحيط به.

والطريقة التي يتعامل بها المؤمن مع الموت تقدم شهادة مهمة لرجاء القيامة المغير الذي يمثل ركيزة أساسية في الإنجيل. فممارسة الحق في حياتنا العملية هي “دفاعيات متجسدة” تمثل في حد ذاتها شهاد قوية لذلك الحق. أي أننا نحتاج لما هو أكثر من الحجج، نحتاج أن نظهر أن الإيمان المسيحي يغير الحياة ويمنحها قوة، كما أشار المدافع “فيليب د. كنِسون” Philip D. Kenneson في ملاحظة حكيمة قائلاً:

إن ما ينتظره عالمنا، وما تبدو الكنيسة متقاعسة عن تقديمه، ليس الاستمرار في تقديم مزيد من الأحاديث عن الحق الموضوعي، بل شهادة متجسدة تعطي الآخرين سبباً للالتفات لهذا الحق.[31]

علاوة على ذلك، تقدم الحياة المسيحية شهادة مهمة لقدرة الإنجيل على تغيير حياة البشر، فعندما نشهد عن قصتنا الشخصية، نقدم شهادة غير مباشرة على أن الإنجيل حقيقي، وليس صحيحًا فحسب.

ومن السهل إضافة المزيد من الأساليب أو تطويرها حسب القضايا التي يواجهها المدافع أو الاتجاهات الثقافية التي يشعر أنه يجب التعامل معها. ومن الأمثلة الواضحة التي يمكن استخدامها في الدفاعيات من بعض المجالات الفنية والأدبية الأخرى:

  1. الأفلام: ربما يعتبر الفيلم، لما يميزه من المزج بين القصة والصورة، أفضل وسيلة للتواصل مع جيل يطَلِّع على الواقع بطريقة بصرية أكثر منها نَصية. والكثير من الأفلام الحديثة تثير قضايا لاهوتية ودفاعية كبرى، مما يتيح الفرصة لفتح مناقشات دفاعية.
  2. الشعِر: تُعبر الكثير من القصائد عن شعور بالقلق الشديد تجاه الوضع الحالي للعالم، وعن تطلع نحو الهدف الأسمى للبشرية. وليس من الصعب على المدافع أن يحدد بعض القصائد، وكلمات بعض الأغاني المشهورة، التي تتيح الفرصة لإثارة أسئلة أو فتح مداخل للدفاعيات.

  3. اللوحات الفنية: الكثير من الأعمال الفنية الكلاسيكية، ناهيك عن الصور المشهورة، يمكن أن تمثل مداخل دفاعية. فإذا أجريت بحثًا سريعًا على الإنترنت مثلاً ستجد لوحة مشهورة للفنان “إدفارد مونك” Edvard Munch اسمها “الصرخة” The Scream  (1893) يظهر فيها شخص في حالة من اليأس الوجودي المريع لعجزه عن التعامل مع العالم. فكيف نستفيد من هذه اللوحة؟ إنها مدخل ممتاز للدفاعيات، ويمكنك أن تجد الكثير غيرها بسهولة.

الآن وقد اطلعنا على أساليب تساعدنا في إبراز جمال الإيمان المسيحي وربطه بحياة الناس العاديين، لابد أن ننتقل للعثرات والشكوك التي يواجهها الناس في الإيمان وكيفية التعامل معها .

لمزيد من الاطلاع:

Garson, D.A.The God Who Is There: Finding Your Place in God’s Story. Grand Rapids: Baker, 2010.

Johnston, Robert K.Reel Spirituality: Theology and Film in Dialogue، 2nd ed. Grand Rapids: Baker Academic, 2006.

Keller, Timothy J. The Reason for God: Belief in an Age of Skepticism. New York: Dutton, 2008.

Marsh, Clive. Theology Goes to the Movies: An Introduction to Critical Christian Thinking. New York: Routledge, 2007.

McGrath, Alister E. Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things. Louisville: Westminster john Knox, 2011.

Nash, Ronald H. Faith and Reason: Searching for a Rational Faith. Grand Rapids: Academie Books, 1988.

Peters, James R. The Logic of the Heart: Augustine, Pascal, and the Rationality of Faith. Grand Rapids: Baker Academic, 2009.

Piper, John. Think: The Life of the Mind and the Love of God. Wheaton: Grossway, 2010.

Sire, James W. Naming the Elephant: Worldview as a Concpt. Downers Grove, IL: Inter Varsity, 2004.

Wright, N. T. Simply Christian: Why Christianity Makes Sense. San Francisco: HarperSanFrancisco, 2006.

[1] Peter Brown, Augustine of Hippo (London: Faber & Faber, 1967).

[2] Augustine, Confessions V.xiii.23-xiv.25.

[3] James Robert Brown, Philosophy of Mathematics: An Introduction to the World of Proofs and Pictures (London: Routledge, 1999, 71-78); George Bools, “Gödel’s Second Incompleteness Theorem Explained in Words of One Syllable,”, Mind 103 (1994): 1-3.

[4] For a highly influential discussion, see John Lucas, “Minds, Machines and Gödel,” Philosophy 36 (1961): 112-27.

[5] For two good assessments of Schaeffer’s approach, see Thomas V. Morris, Francis Schaeffer’s Apologetics: A Critique (Grand Rapids: Baker, 1987); Bryan A. Follis, Truth with Love: Apologetics of Francis Schaeffer (Wheaton: Crossway, 2006).

[6] Francis Schaeffer, The God Who Is There, Complete Works of Francis Schaeffer, vol. 1 (Westchester, IL: Crossway, 1982), 130.

[7] Ibid., 134.

[8] For a good analysis, see Morris, Francis Schaeffer’s Apologetics, 21-22.

[9] Schaeffer, The God Who Is There, 132.

[10] Ibid., 140.

[11] Ibid., 110.

* metaphysical وتترجم أحياناً إلى “ما وراء الطبيعة” والمقصود كل ما يختص بالبحث الفسلفي في المبادئ أو العلل الأولى للكينونة والمعرفة. (المترجمة)

[12] C. S. Lewis, Surprised by Joy (London: HarperCollins, 2002), 138.

[13] C. S. Lewis, Rehabilitations and Other Essays (London: Oxford University Press, 1939), 158.

[14] See Roy Baumeister, Meanings of Life (New York: Guilford Press, 1991). Baumeister’s analysis of the importance of questions of identity, value, purpose, and agency is of major importance to Christian apologetics.

[15] Hans Frei, The Eclipse of Biblical Narrative: A Study in Eighteenth and Nineteenth Century Biblical Hermeneutics (New Haven: Yale University Press, 1977).

[16] Alasdair MacIntyre, After Virtue (London: Duckworth, 1985), 216.

[17] Baumeister, Meanings of Life.

[18] N. T. Wright, “How Can the Bible Be Authoritative?” Vox Evangelica 21 (1991): 7-32.

[19] N. T. Wright, The New Testament and the People of God (Minneapolis: Fortress, 1992), 132.

[20] See Verlyn Flieger, Splintered Light: Logos and Language in Tolkien’s World (Kent, OH: Kent State University, 2002); Jeffrey L. Morrow, “J. R. R. Tolkien as a Christian for Our Times,” Evangelical Review of Theology 29 (2005), 164-77.

[21] Dan Brown, The Da Vinci Code: A Novel (New York: Doubleday, 2003), 233.

[22] Brown is totally wrong on all these points. See, for example, Bart D. Ehrman, Truth and Fiction in The Da Vinci Code: A Historian Reveals What We Really Know About Jesus, Mary Magdalene, and Constantine (Oxford: Oxford University Press, 2004), 23-24.

[23] The best account of the fabrication of this myth is Massimo Introvigne, Gli Illuminatie il Priorate di Sion (Milan: Piemme, 2005). An English summary of this work is available at http://www.cesnur.org/2005/pa_introvigne.htm.

[24] Philip Pullman, The Good Man Jesus and the Scoundrel Christ (Edinburgh: Canongate, 2010).

[25] You might enjoy reading the interesting study of William G. Johnson and Marcia K. Houtman, “Platonic Shadows in C. S. Lewis’ Narnia Chronicles,” Modern Fiction Studies 32 (1986), 75-87.

[26] For a detailed discussion, see Gail Fine, Plato on Knowledge and Forms: Selected Essays (Oxford: Oxford University Press, 2003).

[27] James C. Walters, “Paul, Adoption, and Inheritance,” Paul in the Greco-Roman World, ed. J. Paul Sampley (Harrisburg, PA: Trinity Press International, 2003), 42-76.

[28] Simone Weil, The Need for Roots (London: Routledge, 2002), 43.

[29] Walter Brueggemann, The Land: Place as Gift, Promise, and Challenge in Biblical Faith, 2nd ed. (Philadelphia: Fortress Press, 2002), 1.

[30] Bill Carter, “Why ‘Cheers’ Proved So Intoxicating,” New York Times, Sunday, May 9, 1993.

[31] Philip D. Kenneson, “There’s No Such Thing as Objective Truth, and It’s a Good Thing, Too.” Christian Apologetics in the Postmodern World, ed. Timothy R. Phillips and Dennis L. Okholm (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 1995), 155-70.

المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

منطقية الإيمان المسيحي – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

منطقية الإيمان المسيحي – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

منطقية الإيمان المسيحي – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

تُعنى الدفاعيات بإقناع الناس بأن المسيحية تخلق للحياة معنى، حتى إن “سي.إس.لويس” الذي قد يُعتبر أعظم مدافع مسيحي في القرن العشرين يصف قدرة الإيمان المسيحي على خلق معنى للأشياء بفصاحة بليغة وبإيجاز قاطع قائلاً: “إني أؤمن بالمسيحية كما أؤمن بأن الشمس قد أشرقت، لا لأني أراها فحسب، ولكن لأني أرى كل الأشياء الأخرى بواستطها.”[1] وما يقوله “لويس” أساسي في الدفاعيات المسيحية: فالمسيحية لها معنى في حد ذاتها وهي قادرة على إضفاء المعنى على سائر الأشياء أيضًا.

ويعرض “لويس” في كل أعماله، حتى الخالي منها، نظرة المسيحية للأمور باعتبارها نظرة منطقية، ومقنعة، ومتصلة بحياة البشر. فما أن ننظر للعالم من منظار مسيحي حتى يتضح قصور وجهات النظر الأخرى. وقد أشار أحد زملاء “لويس” في جامعة أكسفورد، وهو اللاهوتي وأستاذ العهد الجديد “أوستين فارِر” Austin Farrer   إلي أن تفوق “لويس” في الدفاعيات يرجع إلى قدرته على إظهار الإيمان بالله منطقي وطبيعي.

لم تكمن قوة “لويس” الحقيقية في البرهان، بل في التصوير. فقد سكن في كتاباته عالَمٌ مسيحي يمكن للقارئ أن يفكر فيه ويشعر به. وكان يشعر في هذا العالم بارتياح تام، وقد تمكن من نقل الشعور ذاته لقرائه. كان يقدم القضايا الأخلاقية بمنتهى الوضوح ويبين ارتباطها بالإرادة الإلهية، وعندما يتمكن المرء من رؤيتها على هذا النحو، لا يمكنه أن يراها غير ذلك أبدًا.[2]

يُعتبر الاتساع الفكري الذي يتميز به الإيمان المسيحي من أعظم نقاط قوته، ويمكن استخدامه بكل قوة في الدفاعيات كما سنرى في هذا الفصل. وعندما اقول إن المسيحية قادرة على خلق معنى أعمق للواقع أكثر من غيرها لا أقصد أن وجهات النظر الأخرى غير منطقية.

فمعظم أشكال الإلحاد مثلاً لها منطقها الذي يفترض بعض الملحدين مثل “ريتشارد دوكينز” Richard Dawkins  وكذلك “كرستوفر هيتشنز” Christopher Hitchens  أنه الشكل الوحيد للعقلانية، وهو افتراض طفولي ساذج. إلا أن المسيحية تتفوق على غيرها من حيث قدرتها على إضفاء معنى أكثر عمقًا ومنطقية على الأمور، كما يرى معظم المدافعين.

والروائي الإنجليزي “إفيلين وُه” Evelyn Waugh  (1903-1966) الذي اشتهر بروايته ” العودة إلى برايدزهد” Brideshead Revisited  (1945) يشير إلى نقطة مشابهة. فبعد أن آمن بالمسيحية سنة 1930 كتب لأحد أصدقائه يشرح له كيف مَكًنه إيمانه الجديد من رؤية الأشياء بوضوح لأول مرة.

الاهتداء إلى الإيمان  يشبه الخروج من عالم “أليس في بلاد العجائب”، حيث يبدو كل شيء كاريكاتيريًا وعبثيًا، والدخول إلى العالم الحقيقي الذي صنعه الله، ثم تبدأ بعد ذلك رحلةٌ بهيجة لا نهائية لاستكشاف هذا العالم.[3]

فقبل الإيمان لم يرَ “وُه” إلا عالمًا مشوهًا وهميًا، ولكنه بعد إيمانه رأى الأمور على حقيقتها. وبدأ رحلة اكتشاف هذا العالم الجديد تملؤه مشاعر الحماس والدهشة والإثارة كما يتضح من كتاباته بعد الإيمان.

فكيف نفهم منطقية الإيمان؟ يمكن توضح منطقية الإيمان المسيحي بطريقتين مختلفتين، ولكنهما تكملان بعضهما البعض:

  1. بإظهار القاعدة القوية من الحجج والأدلة المؤيِّدة للعقائد الجوهرية في المسيحية: يتضمن هذا المنهج بناء حجج عقلانية تثبت وجود الله، أو حجج تاريخية تثبت قيامة يسوع الناصري. في هذا المنهج يتم الدفاع بشكل مباشر عن مصداقية العناصر الأساسية للأمان المسيحي.
  2. بإظهار أنه إذا كان الإيمان المسيحي صحيحًا، فهو يخلق للواقع معنى أعمق وأكثر منطقية من البدائل الأخرى: تتفوق المسيحية على البدائل الاخرى من حيث توافقها مع ملاحظاتنا وخبرتنا على نحو أكثر منطقية. وهي بذلك تشبه اختبار النظريات العلمية للتأكد من اتساقها مع الملاحظات أو قدرتها على تفسير هذه الملاحظات.

هذان المنهجان لا يلغي أحدهما الآخر، بل يمكن استخدامها معًا في الدفاعيات. سنتناول الآن بعض الأفكار والخطوط المنهجية التي تمثل قيمة محورية في الدفاعيات بوصفها أداة تُظهر لثقافتنا ما يتميز به الإيمان المسيحي من عقلانية ومنطقية.

وسنبدأ دراستنا بالنظر إلى طبيعة الإيمان.
طبيعة الإيمان:

أدى صعود تيار”الإلحاد الجديد” سنة 2006 إلى خلق اهتمام جديد بطبيعة الإيمان، وأصبح السؤال المطروح: لماذا نؤمن بالله إن كنا لا نستطيع إثبات هذا الإيمان بيقين مطلق؟ ومن أشد انتقادات الإلحاد الجديد وأكثرها شيوعًا هو القول بأن “الإمان بالله غير منطقي”، حتى إن “ريتشارد دوكينز”، ذلك الملحد الذي يعتمد أسلوب المواجهات في دعم قضاياه ، يرى أن الإيمان هروب من الأدلة بدفن الرؤوس في الرمال، ورفض التفكير.

وبالرغم من أن الكثير من المراقبين الإعلاميين أظهروا نوعًا من القبول لهذه الانتقادات في بادئ الأمر، فقد أظهر الفحص الدقيق مدى ضحالتها، لأن هذا الإلحاد الجديد نفسه له معتقداته وتعاليمه غير المثبَتة، وغير القابلة للإثبات، مثل غيره من الأفكار.

يقول نقاد حركة التنوير من الفلاسفة، مثل “ألاسدير ماكينتاير” Alasdair Maclntyre  أو “جون جري” John Gray  إن محاولة حركة التنوير أن تضع أساسًا ومعيارًا واحدًا وشاملاً للمعرفة قد ضعُف حتى انهار تمامًا تحت وطأة كمية ضخمة من الأدلة المضادة.[4] فالنظرة القائلة بوجود عقل وحيد شامل لا يمكن الدفاع عنها ولا يمكن تحقيقها. وذلك، لأننا باعتبارنا بشرًا محدودين ليس أمامنا خيار سوى أن ندرك أننا لابد أن نعيش في غياب بعض الحقائق العقلانية الصرفة، الواضحة، المطلقة التي لا تتحمل أي لبس.

فمؤكد طبعًا أنه علينا أن نضع معايير تثبت صحة معتقداتنا، وعلينا أن ندافع عن هذه المعايير، ولكننا في الوقت نفسه لابد أن ندرك أن تلك المعتقدات قد تستعصي على الإثبات. إلا أنها، على حد التعبير الذي أطلقه “وليم جيمز” William James  أحد علماء النفس بجامعة “هارفارد” Harvard ، وتُفهم على أنها “فرضيات مقبولة” ” Working hypotheses”.[5]

وسوف أضرب مثالاً لتوضيح هذه النقطة. بعض العبارات الأخلاقية مثل “الاغتصاب فعل خاطئ” لا يمكن إثباتها لا بالمنطق ولا بالعِلم، وهو ما ينطبق على بعض العبارات السياسية أيضًا، مثل “الديمقراطية أفضل من الفاشية.” ولكن هذا لا يمنعنا من الإيمان بهذه المعتقدات السياسية والأخلاقية والتصرف وفقًا لها. ولا يقتصر ذلك على الأخلاقيات الشخصية والآراء السياسية فحسب، بل يمتد أيضًا إلى المعتقدات الاجتماعية، وأهمها العدالة. فما من أمة أو مجتمع يمكنه أن يبقى على قيد الحياة دون أن يكون عنده مفهوم للعدالة. ومع ذلك، لا يمكننا أن نثبت بالمنطق البشري المحض صحة مفهوم بعينه من مفاهيم العدالة.

ومؤخرًا أكد “مايكل ساندل” Michael Sandel  أستاذ الحكومة في جامعة “هارفارد” أن أي فكرة للعدالة تقوم على مفهوم ما للحياة الطيبة بما يتضمنه من شبكة معتقدات عن الطبيعة البشرية وقيمها وغرضها.[6] وقد أشار إلى أن هذه المعتقدات لا يمكن إثباتها، وهو محق في ذلك. صحيح أن بعض مفكري عصر التنوير، تلك الفترة العظيمة في الثقافة الغربية التي قالت بالمرجعية العليا للعقل البشري، آمنوا بأن العقل قادر على تقديم إجابات قاطعة لهذه الأسئلة.

فلا يمكن العثور على إجابات ذات معنى للأسئلة المتعلقة بالعدالة دون الاعتماد على معتقدات لا يمكن إثباتها بشكل نهائي. وقد تلاشى حلم التنوير بتأسيس العدالة على المنطق البحت، لأن فكرة “المنطق الخالص” هي فكرة خيالية، لأن مفاهيم العقلانية تتشكل وفقًا للبيئة الثقافية، كما أشار “ستيفن تولمين” Stephen Toulmin  في ملاحظة صائبة قائلاً:

إن ممارسة الحكم العقلاني في حد ذاتها تتم في إطار معين وتعتمد عليه في الأساس، والحجج التي نواجهها توجد في زمان معين وفي طروف معينة، وعندما نُقَيٍّمها لابد أن نحكم عليها في ظل هذه الخلفية.[7]

يبدو أن الكثير من مفكري التنوير نجوا من هذه الحقيقة التي تقوض بناءهم الفكري، وذلك بفضل محدودياتهم الأكاديمية التي كانت شديدة الارتباط آنذاك بالتقليد الغربي الكلاسيكي، ولكن هذا الوهم قد تلاشى، حتى إن “ألاسدير ماكينتاير” يختم تحليله العبقري للتناول العقلاني لكلٍّ من المعرفة والأخلاق بأن التنوع الكبير في طريق التناول “العقلاني” للعدالة والأخلاق لابد أن يؤادي للاستنتاج بأن “الإرث الذي خَلَّفته حركة التنوير هو نموذج مثالي للتفسير العقلاني الذي ثبتت استحالة تحقيقه.”[8]

فالعقل يعد بالكثير ولكنه يعجز عن الوفاء بكل ما يعد به.

ويمكننا في هذا الصدد أن نسوق الكثير من الأمثلة التي تصل جميعها إلى الاستنتاج ذاته الذي أشار إليه منذ عدة سنوات فيلسوف أكسفورد العظيم والمؤرخ الفذ السير “أيزيا برلين”” Sir Isaiah Berlin  (1909 – 1997 ) عندما قال بأن القناعات البشرية يمكن تقسيمها إلى ثلاث فئات:

  1. قناعات يمكن إثباتها بالملاحظة التجريبية.
  2. قناعات يمكن إثباتها بالاستنباط المنطقي.
  3. قناعات لا يمكن إثباتها بأي من الطريقتين السابقتين.[9]

تتمثل الفئتان الأولى والثانية فيما يمكن التحقق منه بالعلوم الطبيعية، وما يمكن إثباته بالمنطق والرياضيات. وبذالك، ينحصر”البرهان” في نوعية محدودة من العبارات التقريرية، مثل:
2+2= 4
الكل أكبر من الجزء.
التركيبة الكيميائية للماء هي H₂O.

العبارة الأولى والعبارة الثانية يمكن إثباتهما منطقيًا، والأخيرة يمكن إثباتهما علميًا. أما الفئة الثالثة فهي التي تضم القيم والأفكار التي تشكل الثقافة البشرية وتُعَرِّف الوجود الإنساني، أي أنها المعتقدات التي تعطي للحياة الإنسانية سببًا، واتجاهًا، وغرضًا، ولا يمكن إثباتها بالمنطق أو العلم.

ما الذي يندرج تحت هذه الفئة؟ سنة 1948 أكدت الأمم المتحدة “إيمانـ]ها[ بحقوق الإنسان الأساسية.” ورغم أهمية هذا المعتقد، فبنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا يمكن إثباتها منطقيًا ولا علميًا، كما لا يمكن إثبات الاعتقاد بأن الظلم شر أو أن الاغتصاب خطأ. فهذه أمور مستحيلة الإثبات. ومع ذلك يتخذ الناس منها عملاً لهم طيلة حياتهم انطلاقًا من اعتقادهم بأنها، أولاً صحيحة، وثانيًا مهمة.

وقد أشار الناقد الأدبي البريطاني “تِري إيجلتون” Terry Eagleton  في نقد قوي لكتاب “وهم الإله” the God Delusion  لمؤلفه “ريتشارد دوكينز” قائلاً: “إننا نؤمن بالكثير من المعتقدات التي ليس لها مبرر عقلاني يفوق مستوى الشبهات، ومع ذلك هذه المعتقدات منطقية إلى الدرجة التي تجبرنا على أخذها بعين الاعتبار.”[10] والإيمان بالله واحد من هذه المعتقدات.

وقد أكد الفيلسوف “ألفين بلانتيجا” Alvin Plabtinga  هذه النقطة منذ سنوات بالإشارة إلى مشكلة دائمة وهي مشكلة “العقول الأخرى”[11] التي تقول بأنه لا يمكنك أن تبرهن برهانًا مطلقًا على أن اللآخرين عندهم عقول. ومع ذلك لم يشغل أحد نفسه بهذا الأمر، لأنه افتراض مقبول ويتفق مع طبيعة الأمور. ثم يقول “بلانتينجا” بوجود توازٍ بين إثبات وجود “عقول أخرى” وإثبات وجود الله.

ويستطرد قائلاً إنه لا يمكن إثبات أي منهما، ويمكن تقديم حججٍ قوية ضد كلٍّ منهما، ولكن مؤيدي هاتين النظرتين يرون أنهما منطقيتان جدًا.

إن “ريتشارد رورتي” Richard Rorty  (1931- 2007 ) الذي قد يُعتبر أعظم فيلسوف أمريكي في القرن العشرين عرض نقطة مشابهة في خطابه الرئاسي أمام “الجمعية الفلسفية الأمريكية” American Philosophical Society  منذ عدة سنوات أشار إلى أنه

إذا كان أي شخص يؤمن بالفعل أن قيمة أي نظرية تتوقف على أساسها الفلسفي، عندئذٍ لابد أن يشك في أشياء مثل الفيزياء والديمقراطية إلى أن نتغلب على نسبية النظريات الفلسفية، ونجعل منها نظريات مطلقة. ولكن من حسن الحظ أنه ما من أحد يؤمن بشيء كهذا.[12]

ماذا يقصد “رورتي” بهذا الكلام؟ يقصد أننا يمكن أن نؤمن بالمفاهيم الجوهرية في عصرنا دون أن يتوفر لدينا إثبات مطلق.

إن الكل يؤمن منطقيًا بصحة معتقدات معينة رغم إدراكه أن هذه المعتقدات لا يمكن إثباتها، بالمعنى الضيق لكلمة إثبات. ألا أن نقاد العقائد الدينية غالبًا ما يرجحون أن “الإيمان” نوع من المرض العقلي لا يصيب إلا المتدينين. ولكن هذا خطأ لأن الإيمان جزء من إنسانيتنا.

وقد عبَّرت الفيلسوفة “جوليا كريستفا”  Julia Kristeva عن ذلك مؤخرًا بالقول: “سواءً أكنت أنتمي إلى دين، أو كنت لاأدرية، أو ملحدة، فعندما أقول “أنا أؤمن” فهذا يعني أني أقول “أنا أعتبر ]ما أؤمن به [ صحيحًا.”[13] فالإيمان بالله، وبالعدالة، وبحقوق الإنسان تعاني جميعًا من هذه المشكلة المزعومة، وهذه ليست إلا ثلاثة أمثلة، ولكن القائمة تطول.

وعادةً ما يعجز الكُتاب الملحدون عن أن يأخذوا في الاعتبار محدودية العقل البشري، ويرون أن قناعتهم تتميز بالصلابة والمصداقية والقدرة على التحدي. وهم يقولون إنهم لا يؤمنون بأي شئ، ويقتصرون على ما هو صواب، حتى إن المدافع الملحد “كريستوفر هيتشنز” أعلن بكل جرأة أن الملحدين الجدد من أمثاله لا يأخذون العقائد في حسبانهم قائلاً إن “عقيدتنا هي اللاعقيدة.”[14]

هذا خطأ، وأخشى أن “هيتشنز” يضلل نفسه، لأنه يتضح أن تحليله للدين يقوم على معتقدات جوهرية معينة لا يمكن إثباتها، حيث إن نقده العنيف للدين يقوم على قيم أخلاقية معينة (كما في القول بأن “الدين شر” أو ” الله غير صالح” لا يمكن إثباتها، وهو ما يمثل في النهاية نوعًا من التسليم القائم على مجرد  شعور بالثقة في في صحة هذه الأفكار. ومادام تقييم “هيتشنز” للدين أخلاقيًا في المقام الأول، فهو مجبر على افتراض قيم أخلاقية معينة لا يمكنه إثباتها. وكل القيم الأخلاقية تقوم في النهاية على معتقدات.

ونقد”هيتشنز” للمسيحية يقوم في نهاية الأمر على معتقداته ويُعبر عنها، أي أنه يقوم على ما يعتقد أنه صواب ويفترض أن أناسًا أخرين يعتقدون أنه صواب، ولكنه لا يستطيع إثباته فعليًا لا بالمنطق ولا بالعلم.

إلا أن مفهوم الإيمان في المسيحية أعمق بكثير من مجرد الاعتقاد بصحة بعض الأفكار. لأن الإيمان عند المسيحيين ليس معرفيًا (“أنا أعتقد أنا هذا صواب”) فحسب، ولكنه في الوقت نفسه يحمل بعدًا علاقتيًا ووجوديًا (“أنا اثق في هذا الشخص”). فالأمر لا يتوقف عند الاعتقاد بوجود الله، بل يمتد إلى أكتشاف حكمة هذا الإله ومحبته وصلاحه، مما ينتج عنه قرار إرادي بتسليم الحياة لهذا الإله. وهو ما عبَّر عنه “سي.إس.لويس” عندما قال إنك لا تواجه “حجة تطالبك بأن توافق عليها، بل شخصًا يطالبك بأن تثق فيه.”[15]

ولذا، فالإيمان يعني الثقة في شخص، وليس مجرد الاعتقاد في وجوده. وقد أشار الكاتب الدنماركي “سورن كيركجارد” Soren Kierkegaard  (1813 – 1855) إلى هذه الفكرة عندما أكد أن الايمان الحقيقي بالله هو “قفزة نوعية” من وجود إلى وجود مختلف. فالايمان المسيحي ليس مجرد إضافة بند الايمان بالله لما نختزنه من أفكار عن العالم. ولكنه يعني إدراك واعتناق “النظام الوجودي” mode of existence” ” الجديد الذي تتيحه هذه الثقة.

وتجدر الإشارة إلى أن الفيلسوف النمساوي “لودفيج فيتجنشتاين” Ludwig Wittgenstein  الذي يُعتبر عند الأغلبية من عباقرة القرن العشرين العظماء، كان يعاني من شكوك مضنية في فكرة “إثبات” وجود الله. وقد صرح بأنه لم يلتقِ بشخص واحد آمن بالله نتيجةً للحجة العقلية!

وقد تنبأ “جوناثان إدواردز” Jonathan Edwards  (1703- 1785 ) عالمِ اللاهوت البيوريتاني الأمريكي العظيم بهذا الموضوع في كتاباته حيث رأى أن الحجة العقلية لها قيمتها وأهميتها في الدفاعيات المسيحية، ولكنها قد تؤدي إلى مجرد الايمان بوجود الله دون أي تأثير يغير الحياة. وكما يشير ” إدوردز”، البعض “يخضع لحق الديانة المسيحية بناءً على البراهين أو الحجج العقلية التي تثبت صحته.”[16] إلا أن هذا لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير الحياة أو “الإيمان الحقيقي.”

وما يقصده “إدواردز” أن الشخص قد يؤمن بوجود إله دون أن يؤمن بهذا الإله. وهو موقف معروف من العهد الجديد. “أَنتَ تُؤمِنُ أَنَّ الله وَاحِدٌ. حَسَنًا تَفعَلُ. وَالشَّيَاطِينُ يُؤمِنُونَ وَيَقشَعِرُّونَ!” (يع19:2). فالفرق شاسع بين القبول العقلاني والتغير الشخصي. ويصرح “إدواردز” بأن ما يغير الناس ليس الحجة بل “إدراك” مجد الله، أي التقدير الواعي لهذا المجد، أو لقاء مباشر أو اختبار شخصي مع الله.

قد تلعب [الحجج] دورًا فعالاً في تنبيه غير المؤمنين وحثهم على التفكير بجدية، وفي تثبيت إيمان القديسين الحقيقيين. ولكنها لا تتمتع بالأهمية ذاتها في خلق الإيمان الخلاصي لدي الأشخاص. فالاقتناع الروحي لا ينتج عن الحكم العقلاني، بل من إدراك مجد الأمور الإلهية وجمالها الروحي.[17]

ولكن قيادة الناس للتحول إلى الإيمان هي في النهاية مهمة الكرازة. فالدفاعيات تمهد الطريق لهذا التحول بإظهار أن الإيمان بالله منطقي. إنها تزيل الأحجار والركام من طريق الكرازة. وقد لا يمكننا أن نثبت وجود الله بالمعنى الجامد والمطلق لكلمة إثبات. ولكن مؤكد أنه يمكننا أن نبين أن الإيمان بوجود هذا الإله منطقي تمامًا من حيث أنه يعطي معنى أعمق للحياة وللتاريخ وللخبرة الإنسانية على نحو يتفوق على غيره من البدائل، وبعدها يمكننا أن ندعو الشخص ليتجاوب مع هذا الإله المحب ويثق في مواعيده.

 ما أهمية منطقية الإيمان المسيحي؟

لماذا تمثل هذه النقطة أهمية كبرى؟ لماذا يجب علينا أن نظهر أن العقيدة المسيحية منطقية؟ لماذا لا نكتفي بإعلان هذه الفكرة وحسب؟ من النقاط الدفاعية التي يجب تأكيدها هنا أنه من الصعب أن ندافع عن الأفكار التي تسير في اتجاه مضاد لطريق التفكير السائدة في الثقافة.

وقد أشار “أوستين فارر” إلى أن نجاح “سي. إس. لويس” المبهر في عمله بالدفاعيات يرجع في جانب منه لقدرته على “عرض قوة الأفكار المسيحية على المستوى الأخلاقي، والخيالي، والعقلاني عرضًا إيجابيًا.”[18] ويرى “فارر” أن منهج “لويس” في الدفاعيات أظهر أن المسيحية تعطي معنى لأعمق انطباعات العقل البشري والقلب والخيال.

إلا أن “فارر” كان معنيًا بوجه خاص بتأكيد أهمية إظهار منطقية الإيمان. ولكنه لم يقصد بذلك أن المنطق يخلق الإيمان، أو أن الناس يؤمنون بالله بفضل الحجج العقلانية. إلا أنه أراد أن يؤكد مدى صعوبة الدفاع عن الايمان المسيحي علنًا إن كان المجتمع يراه غير منطقي. ولذلك، فإن أعظم إنجاازات “لويس”، من وجهة نظر “فارر”، أنه أظهر منطقية الإيمان بشكل يَسَّر قبوله  على المستوى الثقافي.

رغم أن الحجة لا تخلق قناعة، غيابها يضرب الإيمان في مقتل. فما يُثبَت، قد لا يُعتنق، ولكن ما لا يستطيع أحد أن يدافع عنه سرعان ما يتخلى الناس عنه. وإن كانت الحجة العقلانية لا تخلق الإيمان، فهي تحفظ على مناخ ملائم يسمح له بالنمو.[19]

وإظهار منطقية الإيمان لا يعني إثبات كل عنصر فيه، بل يعني القدرة على إظهار أن الاعتقاد في مصداقية هذه العناصر وصحتها يقف على أسس سليمة. ومثال ذلك تبيان أن الإيمان المسيحي يعطي معنى لملاحظاتنا وخبراتنا. ومن ثم، يمكن تشبيهه بعدسة تضع كل شئ في البؤرة، أو بضوء يسمح لنا بالرؤية على مسافات أبعد وبشكل أوضح مما تتيحه لنا قدرتنا العادية.

وقد أكدت هذه الفكرة الفيلسوفية والناشطة الاجتماعية الفرنسية “سيمون فيّ”  Simone Weil ، وهي مفكرة يهودية آمنت بالمسيحية في شبابها. فقد استخلصت بعد إمعان النظر فيها يتضمنه إيمانها الجديد من معانٍ أن الإيمان بالله ينير الواقع على نحو أفضل من البدائل العلمانية الأخرى بكثير. وإن كانت طريقة تفكير بعينها قادرة على وضع الأشياء في البؤرة أو إنارة ما هو مظلم وملتبس، فهذا يعد دليلاً على مصداقيتها.

إن أنرتُ كشافًا كهربائيًا في شارع مظلم، لن أحكم على قوته بالنظر إلى المصباح الموجود بداخله، بل بعدد الأشياء التي يسلطه على الأجسام المظلمة. وقيمة أي منهج ديني، أو روحي، بوجه عام، تقَيَّم بكمية النور الذي يُسلِّطه على ما في هذا العالم من أمور.[20]

إن قدرة النظرية على إنارة الواقع ووضعه في بؤرة التركيز تُعتبر في حد ذاتها مقياسًا مهمًا لمصداقيتها. وهنا ترى موضوعًا جوهريًا في الدفاعيات المسيحية، ألا وهو أن الإيمان بصحة المسيحية له أسباب وجيهة، ومنها مدى قدرته على خلق معنى منطقي لما نراه حولنا وبداخلنا. وقد علًّق “برايان لفتو” Brian Leftow  الفيلسوف بجامعة أكسفورد على اختباره المسيحي الذي مكنه من رؤية الأشياء على حقيقتها قائلاً: “إن كنت ترى الأشياء على حقيقتها من الموقع الذي تقف فيه، فأنت في المكان الصحيح.”[21]

فماذا عن العلوم؟ إن “جون بولكينجهورن” John Polkinghorne  (المولود سنة 1930 ) الفيزيائي الذي ترك المجال العلمي وتخصص في اللاهوت يثير نقطة وثيقة الصلة بموضوع هذا الفصل:

إن البحث عن الحق مهما كان شكله لا يمكنه الوصول إلى استنتاجات يقينية مطلقة. ولكن الشخص الواقعي في تطلعاته هو من يطمح إلى الوصول لأفضل شرح ممكن للظواهر المعقدة، وهو هدف يمكن تحقيقه بالبحث عن فهم شامل مدفوع بدوافع طيبة ليوفر أساسًا للقبول العقلاني. فلا العلم ولا الدين يمكنه أن يأمل في بناء برهان قاطع تجبر منطقيتُه علي قبوله حتى إنه لا ينكره إلا الحمقى.[22]

إن كلاً من العلم والعقيدة المسيحية ملتزمان بإيجاد أفضل تفسير مدعوم بالدليل لما نلاحظه ونواجهه فعليًا في هذا العالم. ومن وجهة نظر المسيحي، تمثل الدفاعيات في جزء منها تأكيدًا للتوافق المفاهيمي بين الإطار النظري للمسيحية والأنظمة العميقة للعالم كما تكشفها العلوم الطبيعية.

فهل الإيمان بالله منطقي؟ أم أنه مجرد وهم، ونموذج أليم للتفكير الرغبوي عند بشر يعانون مشاعر الوحدة والتعطش؟ لقد قال “لويس” نفسه معلِّقًا على معتقداته الإلحادية قبل الإيمان” “كنت أؤمن أن كل ما أحبه تقريبًا وهم، وتقريبًا كل ما آمنت بأنه حقيقي رأيته منفرًا وبلا معنى.”[23] لقد اكتسبَت هذه القضية أهمية في الآونة الأخيرة نتيجةً للمناقشات السائدة حاليًا في ثقافتنا.

وبالرغم من أن الإلحاد الجديد الذي انفجر سنة 2006 فقدَ الكثير من الجاذبية التي تكسو أي شيء جديد، فالأسئلة التي يطرحها مازالت موضع مناقشة، ومنها هل الإيمان بالله يُعبر عن حالة من التجاوب العقلاني مع الواقع، أم أنه ضلالة قديمة الطراز تتفشى بين الجماهير بفعل فيروسات عقلية تعيش على منطق هش ساذج وتفرضها مؤسسات وأفراد سلطويون؟

وهنالك طبعًا نظرة أكثر تشددًا تقول: إن المحاولات البشرية لتكوين معنى أو تأسيس قيم تتساوى في أنها جمعيًا ضلالات سواءً أكانت تؤمن بوجود الله أم كانت إلحادية. وهي نظرة للواقع شديد التشاؤم وتنعكس بكثرة في كتابات “ريتشارد دوكينز” كما في تصريحه الشهير بأن “خواص هذا الكون الذي نراه هي ذات الخواص التي يمكن أن نتوقعها في كون هو أساسًا بلا تصميم ولا غرض ولا شر ولا خير، ولا أي شيء سوى حالة من الحياد القاسي الأعمى حيث يكون كل شيء عاديًا، لا هو بالجيد ولا بالرديء.”[24]

وترى هذه النظرية أننا نفرض معنى وقيمة على عالم بلا معنى، فيصبح المعنى مخترعًا، وليس شيئًا أصيلاً يكتشفه الإنسان. وهذه الفكرة على قدرة اتساقها، إلا أنها شديدة القسوة على نحو يجعل الكثيرين يرونها لا تطاق.

ونحن في هذا الفصل نبحث قدرة الإيمان المسيحي على إضفاء معنى على الأشياء.
وتركيزي على مسألة منطقيته لا يعني اختزال المسيحية إلى تفسير عقلاني للأمور، ولا يعني أنه القيمة العليا في اللاهوت المسيحي. ولكن الغرض من ذلك توضيح أن المحيط الثقافي الحالي تَشَكَّل بصعود تيارات عدائية يؤكد أن الإيمان في الأساس غير عقلاني، ومن ثم وجب الرد على هذه الادعاءات بشكل واعٍ ومحسوب.

وقد شهد القرن العشرين طاقة فكرية جديدة تم حقنها في الدراسات الفلسفية للأدلة العقلية والتجريبية التي تتعلق بالله، وكان ظهور تفاسير علمية جديدة لنشأة الكون من العوامل التي حفزت هذه الطاقة الجديدة. وقد أكد فلاسفة الأديان مثل “ألفين بلانتينجا” وكذلك “ريتشارد سوينبرن” Richard Swinburne  مجددًا على منطقية الإيمان وأحيوا الحجج القديمة التي تشرح اساب الإيمان بالله، وهنالك تزيد في الاتفاق على أن الإيمان بالله عقلاني تمامًا، إلا إذا عرَّفت “العقلانية” على نحو يتعمد إقصاء هذا الإيمان.[25]

والأمر الذي يزداد وضوحًا أن العقلانية يمكنها فعليًا أن تسجن البشرية في نظرة جامدة متحجرة تحصر الواقع فيما يمكن إثباته عقلانيًا وحسب. وكما أشار “أيزيا برلين” أنه من اللافت للانتباه أن التيار السائد في الثقافة الغربية منذ أواخر القرن التاسع عشر وما بعده يتمثل في “رفض العقل والنظام باعتبارهما سجنًا للروح.”[26] فحصر الإنسان لنفسه فيما يمكن إثباته بالعقل والعِلم هو عبارة عن الأخذ بالقشرة السطحية للواقع والعجز عن اكتشاف ما يمكن تحتها من أعماق.

أما الكتُاب المسيحيون يرون أن الإيمان الديني ليس تمردًا على العقل بل ثورة على سَجن البشرية بين جدران الجمود العقلاني الباردة. فالمنطق والحقائق لا يمكنهما إلا أن “يصلا بنا إلى نقطة معينة في الرحلة، بعدها يجب علينا أن نكمل المسيرة حتى نصل للإيمان.”[27]

فقد يكون المنطق البشري كافيًا على المستوى العقلاني ولكنه قاصر على المستوى الوجودي. والإيمان يعلن عما هو أعمق من العقل، ولا يتعارض معه، بل يفوقه. فالإيمان يستخلص الموافقة العقلانية، ويدعو إليها، ولكنه لا يفرضها، وهو يصل إلى حيث يصل العقل ولكنه لا يحد نفسه عند نقطة تَوقُّف العقل بل يتجاوزها.

فلسفة العلوم باعتبارها أحد الموارد التي تعتمد عليها الدفاعيات:

يوضح “سي.إس.لويس” في روايته لقصة إيمانه بالمسيحية في كتاب “مندهش من الفرح” أن إيمانه بالله لم يأتِ نتيجةً لحجة استدلالية، بل نتيجةً لإمعان التأمل في خبرته، وهو ما يبين أنه يمكننا الاستفادة من منهجيات العلوم الطبيعية في الدفاعيات.

إن العلم يعتمد على الاستدلال inference  لا على استنباط براهين رياضية deduction of mathematical proof ، ويتم ذلك بتراكم سلسلة من الملاحظات التي تطرح السؤال الأعمق: كيف نقدم تفسيرًا حقيقيًا صحيحًا لما نلاحظه؟ ما “الصورة الكبرى” الأكثر توافقًا مع ما نلاحظه فعليًا في خبرتنا الواقعية؟ وقد استخدم العالم والفيلسوف الأمريكي “تشارلز إس.بيرس” Charles S. Peirce مصطلح “الاستدلال الاحتمالي” “abduction“ للإشارة إلى الطريقة التي يتبعها العلماء لتوليد النظريات التي من شأنها تقديم أفضل تفسير للأشياء.

إلا أن هذه الطريقة أصبح يشار إليها الآن باسم “الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات” “inference to the best explanation”. وهنالك اتفاق عام الآن على أن هذا الأسلوب هو الفلسفة المميِّزة للعلوم الطبيعية في تقصيها للعالم. فكيف تتم؟

يُعبر “بيرس” عن عملية التفكير التي تؤدي إلى تكوين نظريات علمية جديدة أو طرق تفكير في الواقع كما يلي:

  1. لاحظنا واقعة مفاجئة سنرمز لها بالرمز (ج).
  2. ولكن إذا كانت الواقعة (أ) حقيقية يمكن أن تكون الواقعة (ج) متوقعة.
  3. إذَن هناك سبب يدعو إلى الشك في أن الواقعة (أ) حقيقية.[28]

فالاستدلال الاحتمالي هو عملية ملاحظة أشياء معينة ومحاولة اكتشاف الإطار الفكري الذي يمكن أن يفسرها. وقد كان “شرلوك هولمز” Sherlock Holmes ، المخبر الشهر بطل الروايات البوليسية، يستخدم هذه الطريقة رغم أنه كان يطلق عليها خطأ مصطلح “الاستنباط.” ويرجح “بيرس” أن الاستدلال الاحتمالي أحيانًا ما “يعبر بعقولنا كومضة خاطفة سريعة كأنه “فعل استبصار”.”[29] ولكنه أحيانًا ما يحدث عن طريق عملية بطيئة من التفكير المنهجي العميق أثنا محاولتنا لتوليد كل الاحتمالات التي من شأنها تفسير ما نلاحظه.

وقد فحص “بيرس” بدقة كيفية تكوين العلماء لأفكارهم، وهو يعتبر أن هذه العملية هي التي تكمن وراء المنهج العلمي. فالعلم يبدأ بجمع سلسلة من الملاحظات ثم يبحث عن إطار تفسيري يقدم أفضل شرح لهذه الملاحظات. وقد يكون هذا الإطار نظرية موروثة من عصر سابق، وقد يكون أسلوب تفكير جديد تمامًا.

والسؤال الذي يتطلب إجابه هنا هو: ما مدى الاتساق بين النظرية والملاحظة؟ وغالبًا ما يُستخدم مصطلح “الاتساق التجريبي” “empirical fit” للإشارة إلى هذا التوافق بين ما يُرى في العالم وما تقدمه النظرية.

خذ مثلاً حركة الكواكب التي خضعت للملاحظة على مدى آلاف السنين. ما أفضل تفسير لها؟ في العصور الوسطى كان يُعتقد أن أفضل تفسير لهذه الملاحظات هو النظام “البطلمي” الذي قال بمركزية الأرض، وهو ما يعني أن الشمس والقمر والكواكب تدور جميعها حول الأرض. إلا أنه في نهاية العصور الوسطى اتضح أن الملاحظات لم تكون في اتساق تام مع النظرية، وبدأ النظام البطلمي يتراجع ويضعف لعجزه عن تقديم أدلة أكثر دقة وتفصيلاً بناءً على ملاحظته لحركة الكواكب. وأصبح واضحًا أن العالم في حاجة لأسلوب جيد.

وفي القرن السادس عشر قال كلٌ من نيكولاس كوبرنيكس Nicolas Copernicus  ويوهانس كِبلر Johannes Kepler  إن كل الكواكب بما فيها الأرض تدور حول الشمس. وقد أثبت هذا النظام “الشمس مركزي” “heliocentric” أنه أكثر قدرة على شرح حركة الكواكب كما تُرى ليلاً في السماء. وهكذا كان الاتساق التجريبي الكبير بين النظرية والملاحظة علاقة قوية على صحة النظرية، ومازال هذا النظام هو النموذج القياسي الذي يتبعه علماء الفلك حتى اليوم.

ولكن ليس العلم فقط هو الذي يسير على هذا المنوال، بل إن “بيرس” نفسه أوضح أن المحامين أيضًا يعتمدون على الاستدلال الاحتمالي لكسب قضاياهم، فهم يصنعون عدسةً نظريةً تنير الأدلة وتضعها في البؤرة.  ونظام القضاء الجنائي يستلزم الوصول إلى اتفاق على أفضل تفسير للأدلة المقدَّمة للمحكمة التي تبحث عن إجابة للسؤال: ماهي “الصورة الكبرى” التي تقدم أفضل تفسير للأدلة؟ ففي نهاية الأمر النظرية التي ستقنع هيئة المحلفين هي تلك التي تنسج أكبر عدد ممكن من الأدلة في قصة واحدة مترابطة.

وهذا ما يعكس السعي لإيجاد الصورة الكبرى التي تعطي معنى للقطات المتناثرة، والرواية الكبرى التي تعطي معنى للقصص المنفردة، والنظرية الكبرى التي تربط الأدلة معًا في كلٍ مترابط مُرضٍ. وما ينطبق على النظريات العلمية والقانونية ينتطبق على محاولاتنا لإيجاد معنى الحياة ككل، بل معنى مسألة الله والإنسان. فكيف يمكن أن تساعد هذه المنهجيات في العمل الدفاعي؟

للتفسير العلمي ثلاثة أنماط رئيسية، وكلٌّ منها له قيمة كبرى في الدفاعيات: التفسير السببي أو العِلِّي causal explanation ، والاستدلال القائم على أفضل التفسيرات، والتفسير الترابطي الذي يتضمن عدة تفسيراتexplanation  unificatory. وسنتناول فيما يلي إمكانية استخدام كلٍّ منها في الدفاعيات.

  • التفسير بتحديد المسببات:

أول نمط في التفسير هو التفسير السببي الذي قد يُعتبر أكثر طرق التفسير العلمي شيوعًا. ويقول بأن (أ) تفسر (ب) إن تمكنَّا من إثبات أن (أ) تسبب (ب).[30] فهل هذا يعني أن المسيحيين يؤمنون أن الله يجول في الطبيعة ويخبط التفاح برفق ليسقط من الشجر فيجذبه إلى الأرض؟ لا. ولكن الله يفوض فاعلاً مسببًا في هذا النظام المخلوق.

وقد قال توما الأكويني Thomas Aquinas  بفكرة “السببية الثانوية” “secondary causality” باعتبارها امتدادًا للسببية الأولية primary causality  أي الله نفسه وليست بديلاً لها. أي أن ما يتم من أحداث في النظام المخلوق يتم عن طريق علاقات سببية معقدة دون أي إخلال باعتمادها النهائي على الله باعتباره العلة النهائية.[31]

والنقطة الجوهرية التي يجب إدراكها أن النظام المخلوق إذَن يعكس علاقات سببية يمكن للعلوم الطبيعية أن تبحث فيها. وتلك العلاقات السببية يمكن تقصيها وربطها معًا على هيئة “قوانين الطبيعية” مثلاً دون أن يعني ذلك مطلقًا أو يستلزم تبني نظرة إلحادية. ولتبسيط هذه الفكرة قدر المستطاع نقول: إن الله خلق العالم بأنظمة وعمليات خاصة تُسيره.

ولكن ماذا عن نشأة الكون؟ ظهر ميل بين العلماء في أواخر القرن التاسع عشر نحو الاعتقاد بأن الكون موجود أزلاً. إلا أنه في القرن العشرين بات واضحًا أن الكون دخل حيز الوجود بفعل انفجار ضخم يُعرف عادةً باسم “الانفجار الكبير” “the big bang”.[32] ومنذ أدرك العلماء أن الكون له بداية سعت فلسفة العلوم لإيجاد تفسير لكيفية وجود شيء من العدم. فكيف نقول إن العدم سبَّب شيئًا؟ ولكن انتشار فكرة أن الكون نشأ في الزمن وأنه ليس ازليًا أحدث تحولاً كبيرًا لصالح الاعتقاد في وجود “علة أولى” “first cause” وصانع عاقل intelligent designer.

فما الذي تسبب في ظهور الكون؟ محتمل أنه خلق نفسه، أو أنه وُجد بالصدفة، أو أنه خُلق بفعل فاعل، وليكن الله مثلاً. وإن كان هذا طبعًا لا يُثبت شيئًا بالمعنى المنطقي الجامد للكلمة، إلا أنه يعطي مصداقية جديدة لحجة من أشهر الحجج التقليدية المختصة بوجود الله التي يمكن التعبير عنها كما يلي:

  • كل ما يظهر إلى الوجود له سبب.
  • العالم ظهر إلى الوجود.
  • إذَن العالم له سبب.

 

  • البحث عن أفضل تفسير:

منذ حوالي سنة 1970 تكوَّن شبه اتفاق على أن الفلسفة الأساسية للعلوم الطبيعية تتمثل في النهج المعروف عمومًا باسم “الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات.”[33] “البطلمي” الذي قال بمركزية الأرض، وهو ما يعني أن الشمس والقمر والكواكب تدور جميعها حول الأرض. إلا أنه في نهاية العصور الوسطى اتضح أن الملاحظات لم تكون في اتساق تامٍ مع النظرية، وبدأ النظام البطلمي يتراجع ويضعف لعجزه عن تقديم أدلة أكثر دقة وتفصيلاً بناءً على ملاحظته لحركة الكواكب. وأصبح واضحًا ان العالم في حاجة لأسلوب جديد.

وفي القرن السادس عشر قال كلٌ من نيكولاس كوبرنيكس Nicolas Copernicus  ويوهانس كِبلرJohannes Kepler  إن كل الكواكب بما فيها الأرض تدور حول الشمس. وقد أثبت هذا النظام “الشمس مركزي” “heliocentric” أنه أكثر قدرة على شرح حركة الكواكب كما تُرى ليلاً في المساء. وهكذا كان الاتساق التجريبي الكبير بين النظرية والملاحظة علامة قوية على صحة النظرية، ومازال هذا النظام هو النموذج القياسي الذي يتبعه علماء الفلك حتى اليوم.

ولكن ليس العلم فقط هو الذي يسير على هذا المنوال، بل إن “بيرس” نفسه أوضح أن المحامين أيضًا يعتمدون على الاستدلال الاحتمالي لكسب قضاياهم، فهم يصنعون عدسةً نظريةً تنير الأدلة وتضعها في البؤرة. ونظام القضاء الجنائي يستلزم الوصول إلى اتفاق على أفضل تفسير للأدلة المقدَّمة للمحكمة التي تبحث عن إجابة للسؤال: ما هي “الصورة الكبرى” التي تقدم أفضل تفسير للأدلة؟ ففي نهاية الأمر النظرية التي ستقنع هيئة المحلفين هي تلك التي تنسج أكبر عدد ممكن من الأدلة في قصة واحدة مترابطة.

وهذا ما يعكس السعي لإيجاد الصورة الكبرى التي تعطي معنى للقطات المتناثرة،
والرواية الكبرى التي تعطي معنى للقصص المنفردة، والنظرية الكبرى التي تربط الأدلة معًا في كلٍ مترابط مُرضٍ. وما ينطبق على النظريات العلمية والقانونية ينطبق على محاولاتنا لإيجاد معنى الحياة ككل، بل معنى مسألة الله والإنسان. فكيف يمكن أن تساعد هذه المنهجيات في العمل الدفاعي؟

للتفسير العلمي ثلاثة أنماط رئيسية، وكلٌّ منها له قيمة كبرى في الدفاعيات: التفسير السببي أو العِلِّي causal explanation، والاستدلال القائم على أفضل التفسيرات، والتفسير الترابطي الذي يتضمن عدة تفسيرات unificatory explanation. وسنتناول فيما يلي إمكانية استخدام كلًّ منها في الدفاعيات.

  • التفسير بتحديد المسببات:

أول نمط في التفسير هو التفسير السببي الذي قد يُعتبر أكثر طرق التفسير العلمي ويتلخص أساسًا في طرح السؤال: أي النظريات تقدم أفضل تفسير لما نلاحظه فعليًا في الطبيعة؟ وتطرح الكتابات الفلسفية الكثير من الآراء المهمة حول كيفية تحديد أفضل تفسير: هل هو الأبسط؟ أم الأفخم؟ أم الأكثر قدرة على توليد أفكار جديدة؟ ما “الصورة الكبرى” الأكثر توافقًا مع الأدلة؟ والطريقة التي اعتمدها “تشارلز داروين”  Charles Darwinفي  وضع نظرية “الانتخاب الطبيعي” “natural selection” تُعتبر حاليًا نموذجًا لهذا المنهج.

وتبرز هنا نقطتان في غاية الأهمية. الأولى، أن هذا المنهج يدرك أنه لا يمكن أن نثبت أي تفسير يُعتبر الأفضل، فهي مسألة تتوقف على حالة من الثقة والارتياح، أو القدرة على التمييز لدى أفراد المجتمع العلمي. وهذا ما نراه فيما يدور حاليًا من جدل حول “الأكوان المتعددة” “multiverse” حيث نجد تفسيرين مختلفين اختلافًا جذريًا للملاحظات نفسها، ومع ذلك نجح كلٌ منهما في حشد التأييد اللازم من المجتمع العلمي. ولكن لا أحد يعرف على وجه الدقة أيهما صحيح.

لذلك، فأنت تختار ما يعتقد في صحته على أساس الأدلة المتاحة، مع الأخذ في الاعتبار أن الأدلة ليست قاطعة بما يكفي لإثبات تفسير دون الأخر. (وقد يكون هذا المنهج غير مريح ولكنه على الأقل يضمن لك أن تعامل خصومك بالحسنى بدلاً من أن تتهمهم بأنهم مضلَّلون).

والنقطة الثانية أن “الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات” يدرك احتمالية وجود تفاسير عديدة للأشياء، ويحاول أن يتوصل لإطار يؤدي إلى حل النزاع بين الآراء المتصارعة، ونادرًا ما يمكن إثبات صحة نظرية، ولكن هذا ليس ضروريًا، لأن المهم أن نتأكد أن نظريةً ما أفضل من منافساتها، بمعنى أن الكثير من النظريات العلمية لها ما يدعمها أو يبررها (أي أنها تستند على أدلة قوية) دون أن يعني ذلك أنها مثبَتة.

ومسألة الله تتلاءم تمامًا مع هذا المنهج، حتى إن “ريتشارد سوينبرن” فيلسوف الأديان بجامعة أكسفورد يقول إن الإيمان بالله يقدم أفضل تفسير لمجموعة ضخمة من الأشياء التي نلاحظها في العالم.[34] ويشير الفيزيائي “جون بولكينجهورن” في ذات الصدد إلى أن الإيمان بالله يقدم تفسيرًا لأسئلة “ما وراء النظرية” “metatheoretical” التي تبحث في أساس النظرية، وهي المعتقدات التي ينبغي على العلم أن يعتمد عليها رغم أنه لا يستطيع أن يثبت صحتها.

  • التفسير بتجميع عناصر رؤيتنا للواقع:

منذ حوالي عام 1990 ازداد الاهتمام في مجال فلسفة العلوم بفكرة “التجميع التفسيري”  “explanatory unification” وقد نشأ هذا الأسلوب في التفسير العلمي إبان السبعينات من القرن العشرين، وهو يحاول تكوين إطار مشترك يجمع الأحداث التي كان يُنظر إليها باعتبارها لا تمت بصلة بعضها لبعض.[35] ومنذ ذلك الحين تطور هذا الأسلوب تطورًا كبيرًا واستُخدم لتفسير بعض السمات الجوهرية في تكوين المنهج العلمي الحديث.[36] وموضوعه الأساسي بسيط يتلخص في ضرورة إيجاد إطار يتسع لأكبر عدد ممكن من العناصر.

ويقوم هذا الأسلوب في فهم التفسير العلمي على فكرة أن أَوجُه الواقع التي كان يُعتقد أنها تتطلب تفسيرات مختلفة يمكن أن تدخل ضمن إطار تفسيري واحد. ويُعَد التفسير الشهير الذي قدمه “جيمز كلرك ماكسويل” James Clerk Maxwell للترابط بين الكهرباء والمغناطيسية  مثالا واضحًا على هذا المنهج الذي كان له الفضل في اعتبار الكهرباء والمغناطيسية وجهين لعملة واحدة بعد أن كان  يُظن أنهما متمايزتان تمامًا.

وهكذا يعني تفسير الشيء، وفقًا لهذا المنهج، أن يوضع في إطار أكبر يسمح بفهم علاقاته المتداخلة مع أوجه الواقع الأخرى. ويصبح السؤال هو: أي شبكة من الأفكار توفر أقصى درجة ممكنة من الترابط بين مختلف المجالات والنظريات العلمية؟

ولا يصعب علينا أن نرى التوافق الكبير بين هذا الفكر وأحد الموضوعات الجوهرية في الإيمان المسيحي. فقد رأى القديس أغسطينوس أن الله مثل شمس فكرية تنير أرض الواقع وتتيح لنا رؤية أعمق أنظمته واكتشاف مكاننا فيها. وكتابات “سي. إس. لويس” تشير إلى معانٍ مشابهة.

معنى الأشياء: دراسة حالة:

لمزيد من التعمق في هذا الأمر سنتناول مدى فاعلية النظرة المسيحية للأشياء في إضفاء معنى على ما نلاحظه. وسنحاول أن نجيب على سؤال: ما مدى الاتساق بين النظرية والملاحظة؟

كيف يمكننا إذَن أن نفهم معنى التاريخ والخصائص المميِّزة للثقافة البشرية؟ قد تم طرح عدد من القصص التفسيرية لشرح هذه الأمر. تقول إحداها، وهي المفضلة لدى الإلحاد الجديد، بحدوث تطور تقدمي للوضع البشري نتيجةً لتآكل خرافة الدين، وتحرر البشرية من كل المحرَّمات والقيود الاعتباطية.

إلا أنه أصبح من الصعب الاستمرار في اعتناق هذه القصة في الغرب نظرًا لما مُنيت به اللبرالية الغربية من إخفاقات واضحة. ومن اللافت للانتباه أن هذه القصة التفسيرية الكبرى تمثل واحدًا من الموضوعات الرئيسية التي يستهدفها “إيجلتون” بتحليله الذي أجراه مؤخرًا للإلحاد الجديد الذي يواجه فيه انتقادات عنيفة لهذا الفكر.

فهو يصف “حلم التقدم البشري الذي لا يقف أمامه عائق” بأنه “خرافة متجسدة”، قصة خيالية من قصص الجنيات تفتقرِ لأي نوع من الأدلة. “إن وُجِدَت أسطورة دينية وخرافة ساذجة، فإنها ذلك الاعتقاد الليبرالي العقلاني بأننا نسير قدمًا على الطريق إلى عالم أفضل، باستثناء بعض الانتكاسات القلية.”[37] ومن اللافت للنظر أن “كريستوفر هيتشنز” ينهي هجومه على الدين بدعوة للرجوع إلى فكر التنوير ولاسيما للشكل الذي اتخذه في القرن الثامن عشر.

وهكذا يبدو أن أسطورة العصر الذهبي المفقود لا تزال قائمة في هذا الفكر بعيد المنال. ولكن لا شك أننا مدعوون لفحص الخيالات المتعلقة بكلٍّ من الفرد والمجتمع حتى لو كانت هذه الخيالات متأصلة في العقل الغربي العلماني.

وتتحدث القصة الشاملة (أو القصة الكبرى) للإلحاد الجديد عما عانته البشرية من عبودية للخرافات البدائية. ولكن تطبيق المنطق والعلم تطبيقًا ذكيًا في القرون الأخيرة مَكنَّها أن تتحرر من هذا القهر الطويل وتدخل عالمًا جديدًا مشرقًا بالحرية والاستنارة. عالم جديد مشرق يواجه حاليًا خطر عودة ما يشار إليه باسم “الخرافة” وباسم “اللاعقلانية.” فالدين عاد لمكانته وكانت عودته متوقعة ولكن غير مرغوب فيها. لذلك لابد من إنقاذ الموقف قبل فوات الأوان!

وكأي قصة جديدة، تتميز هذه القصة بالبساطة، ولكنها سرعان ما تفقد قيمتها عندما يثبت عجزها عن شمول التاريخ ككل، وليس فقط مجرد بضعة مقتطفات منتقاة بعناية. ووفقًا لهذه القصة يُفرض أن يكون الدين قد مات في الغرب منذ سنوات، ففي الستينات من القرن العشرين تنبأ علماء الاجتماع الأوربيون بقرب حلول نظام عالمي علماني وكانوا واثقين من ذلك كثافة الجيل السابق من المُنَظِّرين السياسيين السوفييت عندما أعلنوا أن سيادة الماركسية – اللينينية حتمية تاريخية.

وقد أجمع “أكبر علماء الاجتماع والأنثروبولوجي وعلم النفس” أن “أبناءهم، وإن لم يكن فأحفادهم، سيشهدون بزوغ عصر جديد تنضج فيه البشرية فتتخلى عن أوهام الدين الطفولية على حد تعبير “فرويد”.”[38]

إلا أن الدين لم يختفِ، بل إن الكثيرين الآن يقولون إنه أصبح أكثر تأثيرًا من أي وقت مضى، بالرغم مما يُفرض من ضوابط اجتماعية للحج من تأثيره الاجتماعي في الكثير من بلدان أوروبا الغربية. فالاتحاد السوفيتي انهار، وعلمانيته التي كانت تُفرض بالقوة حلَّت مكانها حالة من النشاط والحماس الدينيين اللذين اجتاحا الأمم التي كانت تحت سيطرته. وهذا ما يخيف الملحدين الجدد لأن قصتهم الكبرى تواجه تحديًا خطيرًا، مما يبين أنها غير صالحة للاستخدام.

والقصة الكبرى لعصر التنوير تعجز عن تفسير أي شئ ذي قيمة. وكما أشار “ريتشارد شودَر” Richard Shweder  مؤخرًا أن “قدرتها التنبؤية تكاد تساوي صِفرًا.”[39] وهو يقول في ملاحظة فكاهية إن الدين قد يتضح في نهاية الأمر أنه ضلالة، ولكنه ضلالة لها مستقبل. “إن شعبية الهجوم على الدين حاليًا تخفي وراءها حالة من القلق الشديد الذي عاد مجددًا للمجتمع العلماني لا لأن قصة الدين وهمية بل لأن قصة التنوير هي الوهمية.”[40]

والقصة التي يتبناها التنوير ويعتمد عليها الإلحاد الجديد اعتمادًا كبيرًا لا تحمل ذرة واحدة من الواقع، وهي تشبه في ذلك تأكيد الماركسية على الحتمية التاريخية لسيادة الاشتراكية. فالصحوة الدينية في الكثير من مناطق العالم التي تم قمع الدين فيها على يد الحكومات الإلحادية مؤشر واضح على ضعف هذه القصة وهشاشتها. وفي كل الأحوال تُعَد فكرة “الحتمية التاريخية” حكمًا يصدره علم الاجتماع. ومن ثم، فهو لا يتصل كثيرًا بالصواب والخطأ من الناحية الفكرية أو الأخلاقية.[41]

فسواءً أكان أحد التطورات الاجتماعية “حتميًا” أم لا ، فهذا لا يعني صحته أوخطأه. وأحد التطورات الثقافية أو التاريخية قد يكون حتميًا بوصفه مرحلة تاريخية عابرة وليس تطورًا مستديمًا.

غالبًا ما يتهم الإلحاد الجديد من يؤمنون بالله بأنهم يتمسكون “بعقائد بلا دليل” عكس حقائق الملحدين “المستنيرين” التي لها إثباتات قوية. ولكن هل ينطبق هذا الكلام على اعتقاد الإلحاد الجديد بالتقدم البشري؟ يرى “إيجلتون” أن هذه الأسطورة ليست جديرة بأي اهتمام لأنها كالعمل الفني المزيَّف وأنها مثال صارخ على “الإيمان الأعمى.”[42]

فهل من شخص عاقل يقبل أسطورة علمانية كهذه تتعامل مع الكوارث التي صنعها البشر مثل هيروشيما، وأوشفتز Auschwitz  أكبر معسكرات الاعتقال النازية، والتفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا باعتبارها “بضع انتكاسات محلية بسيطة” لا تنفي التقدم المستمر للتاريخ ولا تعطله على الإطلاق؟ إن الفرق بين المسيحية والإلحاد الجديد يكمن في اختيارهما لما يطلق عليه المعتقدات التي لا تقوم على دليل والأساطير الكبرى الشاملة، ورغم أن كليهما غير قابل للإثبات، فهذا لا يمنعنا من تمييز أيهما أكثر مصداقية وجاذبية.

فماذا عن القراءة المسيحية للثقافة والتاريخ؟ يحكم هذه القضية موضوعان أساسيان أولهما أن الإنسان مخلوق على “صورة الله”، وثانيهما أنه خاطئ. وبالرغم من اختلاف اللاهوتيين والمدارس الفكرية الدينية فيما يولونه من أهمية لهذين العنصرين في الفهم المسيحي للطبيعة البشرية، فهما القطبان التوأمان اللذان يُكونان أي محاولة مسيحية لفهم لغز السلوك البشري على مستوى الأفراد والمجتمعات وحل طلاسمه.

ووفقًا لهذه النظرية فإننا نمتلئ حماسًا وإلهامًا بفضل رؤيتنا لله التي تجذبنا لأعلى، ولكننا في الوقت نفسه ننجذب لأسفل بسبب ضعف الطبيعة البشرية وسقوطها. وهو مأزق مألوف عَبَّر عنه بولس في إحدى فقرات الكتاب المقدس الشهيرة قائلاً: “لَستُ أَفعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَستُ أُرِيدُهُ فَإِيَاهُ أَفعَلُ.” (رو 19:7).

ومن هنا يتضح أننا من وجهة النظر المسيحية ندرك أن البشرية تتمتع بتطلعات وقدرات تفوق بكثير ما تسمح به معظم الأنظمة السياسية أو الفلسفية، وندرك في الوقت نفسه أنها تملكُ قدرة متساوية على العجز عن تحقيق هذه التطلعات.

وتساعدنا هذه النظرة على وضع إطار للصورة المعقدة للثقافة والتاريخ التي تتسم بالتطلع نحو العظمة والصلاح من ناحية، والظلم والعنف من ناحية أخرى. وقد علق الكثيرون على الغموض الرهيب الذي يكتنف التاريخ وتفنيده للنظريات الساذجة التي تقول بصلاح البشرية. وقد أشار الكثيرون أمثال “تِري إيجلتون” مؤخرًا إلى الجانب المظلم في الثقافة والتاريخ المعاصرين.

إن البشر باعتبارهم من المخلوقات يتمتعون بقدرة على فعل الصلاح، ولكن هذه القدرة تعادلها قدرة أخرى على فعل الشر. وإدراك هذا الغموض الشديد هو ما يساعدنا على التخلص من احلام المدينة الفاضلة المثالية في المجالات السياسية والاجتماعية التي تقوم على أحكام قيمية أيدولوجية ساذجة لم تخضع للتجربة. فالنظرة الساذجة للبشرية تُوَلد يوتوبيا سياسية حيث يفضي “التقدم” إلى كارثة، “ج.ر.ر. تولكين” J.R.R Tolkien  في نظرة ثاقبة للمستقبل سنة 1931 ليلة صعود النازية:

لن أسير مع عصوركم التقدمية

مع المغرورين والحكماء الذين يقودهم تقدمهم

إلى هوة مظلمة سحيقة تفتح فمها لاستقبالهم.[43]

خطوة للأمام:

درسنا في هذا الفصل أهمية إظهار “منطقية” الإيمان في العمل بالدفاعيات. فما من أحد يحب أن يعتنق إيمانًا غير منطقي. إلا أن بعض المسيحيين يرجحون أنه مادام بولس يتحدث عن الإنجيل باعتباره نوعًا من “الجهالة” التي تخزي معرفة العالَم وحكمته (كما في 1كو 18:1 مثلاً) فلا داعي لاستخدام الوسائل العقلانية للدفاع عن الإنجيل. إلا أنه من الواضح أن هذه النظرة تعكس خطأً في قراءة ما يشغل بولس في كنيسة كورنثوس من ناحية، وفهمهِ لدور “العقل” في الحياة المسيحية من ناحية أخرى.

لقد كانت المسائل التي تشغل بولس في كنيسة كورنثوس معقدة.[44] فالكنيسة كانت عرضة للتأثر بأشكال سابقة من الغنوصية التي كانت تقول بأن الأفراد يخلصون عن طريق معرفة سرية باطنية لا تتاح إلا للقلة. وكان البعض في كورنثوس يمجدون التحزلق الفكري ولم يكونوا مستعدين لقبول أي شئ يخلو منه أو أي نوع آخر من المعرفة الثقافية.

وبولس يرفض هذه الأفكار تمامًا ويصر أن الإنجيل لابد أن يؤخذ كما هو حتى لو كان يتعارض مع الفكر الثقافي السائد والمقبول في كورنثوس. فهو هنا يتحدى النظرية العلمانية للحكمة ولكنه لا يدعو للتخلي عن المنطق البشري.

وبولس يؤكد أننا نحن المسيحيين “لَنَا فِكرُ المَسِيحِ” “have the mind of Christ” (1كو 16:2) مميزًا بينه وبين غيره من منهجيات الحكمة التي سادت كورنثوس قبل دخول المسيحية. ويُعتبر “العقل المسيحي” “Christian mind” تركيبة عقلية متميزة من حيث إنه طريقة تفكير تتشكل وتزدهر بالإيمان المسيحي. فهو ليس سعيًا نحو الوصول إلى معرفة غريبة أو باطنية، ولا حالة من الغرور الإكاديمي، ولا انتكاسًا إلى عقلانية حركة التنوير التي سادت القرن الثامن عشر وفقدت مصداقيتها.

ولكنه السماح لنور المسيح أن يشرق على عقولنا حتى تتمكن قوة الله المغَيرة أن تجدد أذهاننا كما تجدد أرواحنا. إنه النتيجة التي يستحثها الله ويبغيها ونحن نسعى لخدمته في هذا العالم.

فكيف يعطي الإنجيل معنى للأشياء؟ كيف نفهم خطابه العميق الموجَّه لعقولنا ومشاعرنا وخيالنا وبحثنا عن المعنى وكيف نطبقه؟ سنستعرض في الفصل القادم ثمانية اتجاهات رئيسية في الدفاعيات يسهم كلٌّ منها بدور خاص في إفساح مجال للإنجيل في الثقافة المعاصرة.

لمزيد من الاطلاع:

Evans, C .Stephen. Natural Signs and Knowledge of God: A New Look at Theistic Arguments. New York: Oxford University Press, 2010

McGrathm, Alister E. Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things. Louisville, Westminster John Knox, 2011

Morris, Thomas V., ed. God and the Philosophers: The Reconciliation of Faith and Reason. Oxford University Press, 1994.

Wright, N. T. Simply Christian: Why Christianity Makes Sense. San Francisco: Harper San Francisco, 2006.

[1] C. S. Lewis, “Is Theology Poetry?” C. S. Lewis: Essay Collection (London: Harper-Collins, 2000), 21.

[2] Austin Farrer, “In His Image,” Remembering C. S. Lewis, ed. James T. Como (San Francisco: Ignatius Press, 2005), 344-45.

[3] Letter of 1949 to Edward Sackville-West, cited in Michael de-la-Noy, Eddy: The Life of Edward Sackville-West (London: Bodley Head, 1988), 237.

[4] See, for example, Alasdair MacIntyre, Whose Justice? Which Rationality? (London: Duckworth, 1988); Stephan Toulmin, Cosmopolis: The Hidden Agenda of Modernity New York: Free Press, 1990); John Gray, Enlightenment’s Wake: Politics and Culture at the Close of the Modern Age (London: Routledge, 1995).

[5] William James, “The Sentiment of Rationality,” The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy (New York: Longmans, Green, and Co., 1897), 63-110.

[6] See Michael J. Sandel, Justice: What’s the Right Thing to Do? New York: Farrer, Straus and Giroux, 2010).

[7] Stephan Toulmin, The Uses of Argument (Cambridge: Cambridge University Press, 1958), 183.

[8] MacIntyre, Whose Justice?, 6.

[9] Isaiah Berlin, Concepts and Categories: Philosophical Essays New York: Viking Press, 1979), 2-5, 161-62.

[10] Terry Eagleton, “Lunging Flailing, Mispunching: A Review of Richard Dawkins’s The God Delusion,” London Review of Books, October 19, 2006.

[11] Alvin Plantinga, God and Other Minds: A Study of the Rational Justification of Belief in God (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1990).

[12] Richard Rorty, “Pragmatism, Relativism, and Irrationalism,” Proceedings and Addresses of the American Philosophical Association 53 (1980): 719-38, quote at 730.

[13] Julia Kristeva, The Incredible Need to Believe (New York: Columbia University Press, 2009), 3.

[14] Christopher Hitchens, God Is Not Great: How Religion Poisons Everything (New York: Twelve, 2007), 5. For criticism of this approach, see Aloster McGrath, Why God Won’t Go Away: Is the New Atheism Running on Empty? Nashville: Thomas Nelson, 2011).

[15] C. S. Lewis, “On Obstinancy in Belief,” C. S. Essay Collection (London: Harper-

[16] Collins, 2000), 213-14. Jonathan Edwards, The Works of Jonathan Edwards, vol. (Edinburgh: Banner of Truth Trust, 1974), 290.

[17] Ibid.

[18] Austin Farrer, “The Christian Apologist,” Light on C. S. Lewis, ed. Jocelyn Gibb (London: Geoffrey Bles, 1965), 26.

[19] Ibid.

[20] Simone Weil, First and Last Notebooks London: Oxford University Press, 1970), 147.

[21] Brian Leftow, “From Jerusalem to Athens,” God and the Philosophers, ed. Thomas V. Morris (Oxford: Oxford University Press, 1994), 191.

[22] John Polkinghorne, Theology in the Context of Science (London: SPCK, 2008), 85-86.

[23] C. S. Lewis, Surprised by Joy (London: HarperCollins, 2002), 197.

[24] Richard Dawkins, River out Eden: A Darwinian View of Life London: Phoenix, 1995), 133.

[25] See, for example, Alvin Plantinga, “Reason and Belief in God,” Faith and Philosophy: Reason and Belief in God, ed. Alvin Plantinga and Nicholas Wolterstorff (Notre Dame, IN: University of Notre Dame Press, 1983), 16-93.

[26] Isaiah Berlin, The Cooked Timber of Humanity: Chapters in the History of Ideas (London: Pimkico, 2003), 208-13. The curious title of this important collection of essays reflect a famous dictum of Immanuel Kant: “Nothing straight was ever made out of the crooked timber of humanity.”

[27] See M. Neil Browne and Stuart M. Keeley, Asking the Right Questions: A Guide to Critical Thinking, 8th ed. (Upper Saddle River, NJ: Pearson Prentice Hall, 2007), 196.

[28] Charles S. Peirce, Collected Papers, vol. 5, ed. Charles Hartshome and Paul Weiss (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1960), 189. I reflect further on the importance of this approach in Alister E. McGrath, Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things (Louisville: Westminster John Knox), 2011.

[29] Ibid.

[30] The best studies are Paul Humphreys, The Chances of Explanation: Casual Explanation in the Social, Medical, and Physical Sciences (Princeton: Princeton University Press, 1989); and James Woodward, Making Things Happen: A Theory of Casual Explanation (Oxford: Oxford University Press, 2003).

[31] For a good discussion of Aquinas of this point, see William E. Carroll, “Divine Agency, Contemporary Physics, and the Autonomy of Nature,” Heythrop Journal 49 (2008): 582-602.

[32] Helge S. Kragh, Conceptions of Cosmos: From Myths to the Accelerating Universe: A History of Cosmology (Oxford: Oxford University Press, 2006).

[33] See especially Peter Lipton, Inference to the Best Explanation, 2nd ed. (Oxford: Clarendon Press, 2004).

[34] Routledge, 2004). Richard Swinburne, The Existence of God, 2nd ed. (Oxford: Clarendon Press, 2004).

[35] Michael Friedman, “Explanation and Scientific Understanding,” Journal of Philosophy 71 (1974): 5-19; Paul Kitcher, “Explanatory Unification and the Causal Structure of the World,” Scientific Explanation, ed. P. Kitcher and W. Salmon (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1989), 410-505.

[36] For example, Margaret Morrison, Unifying Scientific Theories: Physical Concepts and Mathematical Structures (Cambridge: Cambridge University Press, 2000).

[37] Terry Eagleton, Reason, Faith, and Revolution: Reflections on the God Debate (New Haven: Yale University Press, 2009), 28.

[38] William S. Bainbridge and Rodney Stark, The Future of Religion: Secularization, Revival, and Cult Formation (Berkeley: University of California Press, 1985), 1.

[39] Richard Shweder, “Atheists Agonistes,” New York Times. November 27, 2006.

[40] Ibid.

[41] A point famously emphasized by Karl R. Popper, The Poverty of Historicism (London: Routledge & Kegan Paul, 1957).

[42] Eagleton, Reason, Faith, and Revolution, 87-98.

[43] J. R. R. Tolkien, “Mythopoeia,” Tree and Leaf (London: HarperCollins, 1992), 85-90; quote at p. 89.

[44] See especially Walter Schmithals, The Theology of the First Christians (Louisville: Westminster John Knox, 1997), 122-23, 146-51. See further Raymond Pickett, The Cross in Corinth: The Social Significance of the Death of Jesus (Sheffield, England: Sheffield Academic Press, 1997), 213-16; and Edward Adams and David G. Horrell, esd., Christianity at Corinth: The Quest for the Pauline Church (Louisville: Westminster John Knox, 2004).

منطقية الإيمان المسيحي – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

سرّ عدم فهم كلمة الله وإقامة لغة حوار – أيمن فايق

سرّ عدم فهم كلمة الله وإقامة لغة حوار – أيمن فايق

سرّ عدم فهم كلمة الله وإقامة لغة حوار – أيمن فايق

سرّ عدم فهم كلمة الله وإقامة لغة حوار – أيمن فايق

لا يستطع إنسان أن يفهم مخارج كلمات وألفاظ لغة غريبة عنه، بل دائماً ما يفهم اللغة التي ينطق بها وتعلمها منذ الصغر أو درسها ومارس النطق بها لأنها لغته الخاصة والتي يتحدث بها داخل المجتمع الذي يعيش فيه، فلا يستطيع الإنسان أن يفهم لغة من هو غريب عنه، وبالتالي لا يقدر أن يتفاهم معه أو يفهم قصده: [ فأن كنت لا أعرف (أجهل) قوة اللغة (إذا جهلت معنى الألفاظ – لا أعرف معنى اللغة) [ I don’t know the meaning of the language ] أكون عند المتكلم أعجمياً (أجنبي – غريب لا أعرف) والمتكلم أعجمياً عندي (لا يستطيع أن يفهمني) ] (1كورنثوس 14: 11)

+ فالتواصل مع الآخر وإنشاء علاقة مودة وصداقة لا يتم إلا بمعرفة وإتقان اللغة التي يتكلم بها، الأمر الذي بدونه يكون الإنسان غريباً عن الآخر، لا يستطع أن يتفاهم معه أو يُقيم حوار، وهكذا بالنسبة لعلاقتنا بالله القدوس الحي، فلكي يكون لنا القدرة على إنشاء علاقة حية مع الله لابد لنا أن نفهم ونستوعب اللغة التي يكلمنا بها !!!
فلو نلاحظ أن أحياناً كثيرة لا يستطيع البعض أن يفهم كلمة الله ويستوعب أسرارها ويستشعر قوتها في حياته الشخصية على المستوى العملي كخبرة وحياة، فقد يفحصها ويفهمها على المستوى العقلي وترتيب الكلام والمعاني القاموسية في أساسيات اللغة، ولكنه لا يستطع أن يدخل لسرها المجيد وتُحفر في قلبه بأزميل الله الخاص ليتشكل حسب صورة الله فيحيا بها، وبها يتعلم أصول الكلام مع الله ليُقيم حوار خاص بإيمان حي رائي الله ناطق بالمحبة في سر التقوى !!!فحينما يأتي أحد لكلمة الله بهذه الحال المنعدم من انفتاح الذهن على النور الإلهي وعدم الإحساس بقوة فاعليتها في حياته إذ تعمل فيه وتشكله على صورة خالقه في القداسة والحق، تكون النتيجة الطبيعية [ فلم يفهما الكلام الذي قاله لهما ] (لوقا 2: 50)

++ يا إخوتي أن كلمة الله لها طبعها الخاص، فطبعها سماوي وليس أرضي، وليس أيضاً فكري بشري قابل للفحص العقلي وفلسفة الإنسان، لأن اللغة الأرضية ميتة ليس فيها حياة لأنها وليدة العقل وليست هي الشخص أي ليست شخصية فيها حياة، أما اللغة السماوية تنبض بحياة الله، لأن كلمة الله كلمة حياة، لأن الكلمة هو الله، والله ليس كلمة منطوقة مثل كلمة البشر كما يظن البعض، وليس هو العقل أو الفكر، بل هو شخص الله القدوس الحي، فحينما يتكلم الله: “ينطق بشخصه”، لأن كلمة الله هي شخص الكلمة المتجسد، الذي حينما يفتح فاه ليُعلم يسكب حياته بتعليمه في قلب من يصغي ويسمع ليعمل ويُطيع سلطان كلمة الحياة الخارجة منه !!!

فكلمة الله حينما تخرج من الله تُحْفَر في القلب بالروح الناري وتشع حياة وتعمل وتنجح فتُثمر لحساب مجد الله وتُغير الإنسان وتشع فيه نور وتملئه من حياة الله [ هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي لا ترجع إليَّ فارغة بل تعمل ما سُررت به و تنجح فيما أرسلتها له ] (إشعياء 55: 11)

+++ طبيعة كلمة الله +++

أولاً لا ينبغي أن يظن أحد أن كلمة الله يُنطق بها للعلم والمعرفة، وتُعطى فكراً لفكر، أو أن تُفحص على المستوى القاموسي والدراسي والمقارنات كما نفعل في باقي العلوم والدراسات، فأننا نُريد اليوم أن نتعرف على طبيعة كلمة الله وقوتها كما عاشها الرسل وسلموها لنا كما هي في عمق جوهرها الإلهي، فلنركز في هذه الآيات التي ينبغي أن نستوعبها على مستوى القلب وسماع صوت الله الحي وليس على مستوى البحث والفحص العقلي المنطقي، لأن كل ما هو خاضع للعقل البشري وفلسفته ومنطقه ينبع من الفساد، لأن الإنسان الذي اختبر السقوط قد فسد ولا يستطيع إطلاقاً من نفسه أن يرتقي لمستوى كلمة الله أن لم ينال الاستنارة الإلهية:

+ في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله (يوحنا 1: 1)
+ الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة (يوحنا 6: 63)
+ أن إنجيلنا لم يصر لكم بالكلام فقط بل بالقوة أيضاً وبالروح القدس وبيقين شديد (1تسالونيكي 1: 5)
+ وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع بل ببرهان الروح و القوة (1كورنثوس 2: 4)

كلمة الله طبيعتها أزلية، فهي شخص المسيح الرب متكلماً عبر الدهور [ أنا هوَّ ]: [ الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة، كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه ] (عبرانيين 1: 1و 2)، فقد كلمنا الله في المسيح [ بكل حكمة وفطنة، إذ عرفنا بسرّ مشيئته حسب مسرته التي قصدها في نفسه لتدبير ملء الأزمنة، ليجمع كل شيء في المسيح ما في السماوات وما على الأرض ] (أفسس 1: 8 – 10)

فكلمة الله تحمل حضرة إلهية ويستحيل فصلها عن الله، لأن كلمة الله لا تنفصل عنه قط لأنها تُعبِّر عن شخصه وتشع حياته وتعلن سر مشيئته، فهي كلما استُعلنت للإنسان فذلك يُعتبر نزول شخصي لله محب البشر، وهو نزول مصحوب بعلامات ملموسة في داخل القلب بحركة توبة عميقة وإحساس بمجد الله الخاص مع شعور ناري بقوة الله: [ لأن إلهنا نار آكلة ] (عبرانيين 12: 29)

استعلان كلمة الله للإنسان هو في الواقع معجزة عظيمة جداً، وهو تنازل مدهش لله الأزلي الأبدي للإنسان المحدود الزمني، وهذا بالطبع نعرفه إذا كنا نستطيع أن نكتشف طبيعة الكلمة وقوتها ونستشعرها حضرة الله في ملء قوته !!!

فكلمة الله المرسلة للإنسان لها سلطان، ولنا أن نعود للآية التي بدءنا بها الموضوع والتي قال فيها الرسول [ فإن كنت لا أعرف قوة اللغة ]، فكلمة قوة مترجمة عن اليونانية δύναμις والتي دخلت للعربية بمعنى (ديناميت)، وتدل بشكل عام على القوة والقدرة أو الشدة والسلطان، ولكنها تدل بوجه خاص – في العبرية – على القوة الحربية والجيش، ونجد أن بولس الرسول قال عن كلمة الله [ وسيف الروح الذي هو كلمة الله ] (أفسس 6: 17)، وعملها في الإنسان الذي يؤمن بها: [ لأن كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ومميزة أفكار القلب ونياته ] (عبرانيين 4: 12) وهي بذلك على هذا المستوى الفائق تُنقي القلب [ أنتم الآن أنقياء لسبب الكلام الذي كلمتكم به ] (يوحنا 15: 3)، بهدف [ طوبى للأنقياء القلب لأنهم يُعاينون الله ] (متى 5: 8)، بمعنى أن كلمة الله تنقي القلب لنستطيع معاينة مجد الله الحي ورؤية نوره العظيم [ لأن الله الذي قال أن يُشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح ] (2كورنثوس 4: 6).

+++ سر عدم فهم كلمة الله وإقامة لغة حوار صحيحة مع الله:

مبدئياً لابد أن نعرف أن عدم قدرتنا على إنشاء علاقة صحيحة وإقامة حوار شخصي مع الله، هو عدم قدرتنا على استيعاب وفهم طبيعة اللغة الإلهية، أي أننا لا نُقيم علاقة مع الله على مستوى النطق بلغته الخاصة أي النطق بكلمة الله، والسرّ في عدم فهمنا طبيعة اللغة السماوية أي الكلمة قد وضحه الرب بنفسه قائلاً: [ لماذا لا تفهمون كلامي، لأنكم لا تقدرون أن تسعوا قولي ] (يوحنا 8: 43)
إذن المشكلة في عدم سماع أقوال الله لذلك لا يقدر الإنسان أن يحيا بحياة الله فيضعف إيمانه ويخاف الدينونة وتصيبه الكآبة حينما يرى أو يسمع عن موت أحد الأحباء وقد يصل للإحباط الشديد، والبعض يجدف على الله، بل وقد يصل للإلحاد وعدم وجود إله على وجه الإطلاق، أو ربما ييأس لدرجة الانتحار، مع أن لو سمع قول الرب سيفهم كلامه ويدخل فوراً في سرّ الحياة الأبدية على المستوى العملي [ من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية ولا يأتي إلى دينونة بل قد انتقل من الموت إلى الحياة؛؛؛ الكلام الذي أكلمكم به هو روح و حياة ] (يوحنا 5: 24؛ 6: 63)

طبعاً سماع كلمة الله في الآية لا يُقصد به سماع الأذن الخارجية أو مجرد قراءة عادية لحفظ الكلمة ودراستها وفحصها التاريخي والموسوعي ولو حتى كان بإتقان وبراعة تامة، بل يقصد بهذه اللفظة (يسمع) في الآية ليس المعنى العادي الذي يُقال في حديث عادي لمجرد الاستماع، بل تُشير هذه اللفظة أولاً إلى حاسة الإدراك من خلال الأذن البشرية لسماع خبر، والخبر ليس بخبر عادي، بل خبر هام جداً يحتاج لانتباه شديد ومن نوع خاص. ولكن فوراً وبمجرد الحصول على هذا الخبر العظيم في القلب يحدث فهم، وهذا الفهم يتطلب الإنصات والإصغاء والتمعن في الخبر الذي ينتظر الإيمان والتصديق العميق بثقة في المتكلم لأنه ليس بإنسان حتى يُشكك في كلامه: [ فناداه ملاك الرب من السماء وقال إبراهيم إبراهيم فقال هَاَّنَذَا ] (تكوين 22: 11)وعادة السمع يتطلب معرفة وفهم للغة المنطوق بها الخبر، حتى يستوعب الإنسان الخبر ويفهمه ويقبله [ هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض. فبددهم الرب من هُناك على وجه كل الأرض ] (تكوين 11: 7و8)، فلا يقدر أن يقبل إنسان خبر بلغة لا يفهمها أو يتعرف عليها، ومن هنا حملت اللفظة اليوناني (يسمع)، بل والمعنى العبري أيضاً معنى الفهم والإدراك للطاعة…

وللسمع مغزى أكبر بكثير جداً في الإعلان الكتابي عما له في أي مكان آخر أو في الفكر العلمي أو الأدبي، لأن الله يتقابل مع الإنسان في لقاء حي وشخصي من خلال كلمته، والذي يحدث فيها رؤية على مستوى الإيمان الحي، الذي يجعل الإنسان فور سماعه لكلمة الله يقدم الطاعة: [ اسمعوا كلمة الرب يا بيت يعقوب وكل عشائر بيت إسرائيل ] (إرميا 2: 4) [ بالإيمان إبراهيم لما دُعيَ أطاع أن يخرج إلى المكان الذي كان عتيدا أن يأخذه ميراثا فخرج وهو لا يعلم إلى أين يأتي ] (عبرانيين 11: 8)
[ فاسمع يا إسرائيل واحترز لتعمل لكي يكون لك خير وتكثر جداً كما كلمك الرب إله آبائك … ] (تثنية 6: 3)

وهذه هي طبيعة السماع الذي بالإيمان: [ الحق الحق أقول لكم انه تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون ] (يوحنا 5: 25)، وهذا هو الذي حدث حينما سمع لعازر صوت ابن الله الحي وهو ميت ومكث في قبره 3 أيام وقد أنتن، فقام فوراً حينما نداه الرب يسوع [ لعازر هلم خارجاً ] (يوحنا 11: 43)، وهذه طبيعة كلمة الله تُقيم النفس وتُقدس الإنسان…
فيا إخوتي أرجوكم لا أنا بل دعوة الله ونداءه، أن تطرحوا عنكم فلسفة الفكر الإنساني المُقنع، ولا تدخلوا كلمة الله لأجل مقارنة أديان، ولا من أجل الفحص المنطقي العقلي، ولا لأجل الدفاع عنها أو عن الحق الكتابي، ولا تنطقوا بها لأجل الرد على شبهات وهمية لتدافعوا عنها، بل من أجل حياتكم الشخصية أولاً، لأجل أن تسري فيكم حياة الله نفسها، من أجل أن تحملوا قوتها فيكم، وبهذه القوة تكرزون وتتكلمون، وليس بسواها مهما ما كانت لديكم القدرة على الفهم والإدراك العقلي وقدرة إقناع الآخرين، لأن كلمة الله لا تقبل الفحص على المستوى الإنساني بل على المستوى الإلهي باستنارة الذهن بإشراق النور الإلهي…

إذن يا إخوتي لابد من أن نتعرف على كلمة الله لا بصفتنا أننا مثل باقي الناس، بل بصفة أننا أولاد الله في المسيح مختومين بختم الروح، لذلك نصلي للروح القدس الرب المُحيي أن يمس قلوبنا ويفتحها باسم الرب يسوع لنتقبل سر الكلمة فينا فتُغرس في قلبنا فتسري حياة الله في داخلنا، وتُحفر في قلوبنا بنار الله فننطق بها وتصبح لغتنا الخاصة التي بها نتحاور مع الله، لأن الله لا يسمع إلا لغة السماء، لغة الأولاد الذي يأن فيهم الروح ويذكرهم بكلام الرب لينطقوا به ويصلوا به ويكون هو نفسه حياتهم [ وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء وُيذكركم بكل ما قلته لكم ] (يوحنا 14: 26)

وإذ كان لي الكثير لأكتبه، ولكن لأنه مكتوب أعطِ الحكيم فرصة فيزداد، لذلك أترك لكم الفرصة لتفحصوا الكلمات بالروح ويتحسس كل واحد موضعه فيها، تاركاً المجال لروح الله أن يعمل ليوصل سرّ الكلمة بفهم لكل قلب يطلب الله بإخلاص وإيمان ومحبة، ولتسكن فيكم كلمة المسيح الرب بغنى حسب مسرة مشيئته، النعمة معكم آمين

 

Did Jesus err by affirming that the signs of the end time would be fulfilled in His era? MATTHEW 24:34

MATTHEW 24:34—Did Jesus err by affirming that the signs of the end time would be fulfilled in His era?

PROBLEM: Jesus spoke of signs and wonders regarding His second coming. But Jesus said “this generation” would not end before all these events took place. Did this mean that these events would occur in the lifetime of His hearers?

SOLUTION: These events (e.g., the Great Tribulation, the sign of Christ’s return, and the end of the age) did not occur in the lifetime of Christ’s hearers. Therefore, it is reasonable to understand their fulfillment as something yet to come. This calls for a closer examination of the meaning of “generation” for meanings other than that of Jesus’ contemporaries.

First, “generation” in Greek (genea) can mean “race.” In this particular instance, Jesus’ statement could mean that the Jewish race would not pass away until all things are fulfilled. Since there were many promises to Israel, including the eternal inheritance of the land of Palestine (Gen. 12; 14–15; 17) and the Davidic kingdom (2 Sam. 7), then Jesus could be referring to God’s preservation of the nation of Israel in order to fulfill His promises to them. Indeed, Paul speaks of a future of the nation of Israel when they will be reinstated in God’s covenantal promises (Rom. 11:11–26). And Jesus’ response to His disciples’ last question implied there would yet be a future kingdom for Israel, when they asked: “Lord, will You at this time restore the kingdom to Israel?” Rather than rebuking them for their misunderstanding, He replied that “It is not for you to know times or seasons which the Father has put in His own authority” (Acts 1:6–7). Indeed, Paul in Romans 11 speaks of the nation of Israel being restored to God’s promised blessings (cf. vv. 25–26).

Second, “generation” could also refer to a generation in its commonly understood sense of the people alive at the time indicated. In this case, “generation” would refer to the group of people who are alive when these things come to pass in the future. In other words, the generation alive when these things (the abomination of desolation [v.15], the great tribulation such as has never been seen before [v. 21], the sign of the Son of Man in heaven [v. 30], etc.) begin to come to pass will still be alive when these judgments are completed. Since it is commonly believed that the tribulation is a period of some seven years (Dan. 9:27; cf. Rev. 11:2) at the end of the age, then Jesus would be saying that “this generation” alive at the beginning of the tribulation will still be alive at the end of it. In any event, there is no reason to assume that Jesus made the obviously false assertion that the world would come to an end within the lifetime of His contemporaries.

[1]

 

[1]Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When critics ask : A popular handbook on Bible difficulties (358). Wheaton, Ill.: Victor Books.

How can God’s sovereign and peaceful kingdom be entered by force? MATTHEW 11:12

MATTHEW 11:12—How can God’s sovereign and peaceful kingdom be entered by force?

PROBLEM: Paul declared that the kingdom (rule) of God is “peace and joy in the Holy Spirit” (Rom. 14:17). However, Matthew says “the kingdom of heaven suffers violence, and the violent take it by force.” How can one enter God’s kingdom by force?

SOLUTION: This is a difficult passage, and it has been interpreted several ways. Some take it to mean that the kingdom is violently taken by its enemies. That is, the forceful religious leaders of Jesus’ day were resisting the kingdom introduced by John. They wanted a kingdom, but not the kind that was being offered by John and Jesus (cf. Rom. 10:3). However, some object that this is opposed to the context that is expressing the greatness of John the Baptist and the contrast between his day and Christ’s.

Others see the “violence” as a figure of speech meaning, first, that the kingdom breaks through or intrudes itself with great power and abruptness. Then, the intense endeavors of people who on the preaching of John were taking the kingdom by storm. On this view, it is speaking of the response to John’s preaching as a great popular uprising, a storming of the kingdom of God by people rushing with eagerness to get in it with a violent zeal. This explains the use of the term “violence” and fits the overall context.

[1]

 

[1]Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When critics ask : A popular handbook on Bible difficulties (340). Wheaton, Ill.: Victor Books.

Why does Matthew incorrectly quote Isaiah? MATTHEW 4:14–16

MATTHEW 4:14–16—Why does Matthew incorrectly quote Isaiah?

PROBLEM: Matthew does not seem to quote Isaiah 9:1–2 accurately. Rather, he seems to have changed it.

SOLUTION: It is not necessary to quote a passage verbatim to cite it accurately. Matthew does not distort the meaning of this passage. He simply condenses or summarizes it. To paraphrase accurately is not to distort. Otherwise, no news report or historical account was ever accurate, since summary is essential to history.

[1]

 

[1]Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When critics ask : A popular handbook on Bible difficulties (329). Wheaton, Ill.: Victor Books.

How can we explain Matthew’s apparent misquotation of Micah 5:2? MATTHEW 2:6

MATTHEW 2:6—How can we explain Matthew’s apparent misquotation of Micah 5:2?

PROBLEM: Matthew 2:6 quotes Micah 5:2. However, the words Matthew uses are different than those used by Micah.

SOLUTION: Although Matthew seems to have changed some of the words from the passage in Micah, there is no real deviation in the meaning of the text. Matthew, in some instances, seems to have paraphrased.

First, Matthew inserts the phrase “land of Judah” for the word “Ephrathah.” This does not really change the meaning of the verse. There is no difference between the land of Judah and Ephrathah, except one is more specific than the other. In fact, Ephrathah refers to Bethlehem in the Micah passage, and Bethlehem is located in the land of Judah. However, this does not change the basic meaning of this verse. He is speaking of the same area of land. Interestingly, when Herod asked the chief priests and the scribes where the child was to be born, they said, “in Bethlehem of Judea” (Matt. 2:5, nasb).

Second, Matthew describes the land of Judah as “not the least” but Micah states that it is “little.” Here, Matthew may be saying that since the Messiah is to come from this region, it is by no means least among the other areas of land in Judah. The phrase in Micah only says that Bethlehem is too little or small, as compared to the other areas of land in Judah. The verse does not say it is the least among them, only very little. Matthew is saying the same thing in different words, namely, that Bethlehem is little in size, but by no means the least in significance, since the Messiah was born there.

Finally, Matthew uses the phrase “who will shepherd My people Israel” and Micah does not. Micah 5:2 recognizes that there will be a ruler in Israel, and Matthew recognizes this as well. However, the phrase that is not mentioned in Micah is actually taken from 2 Samuel 5:2. The combining of verses does not take away what is being said, but it strengthens the point that the author is making. There are other instances where an author combines one Scripture with another. For example, Matthew 27:9–10 combines some of Zechariah 11:12–13 with Jeremiah 19:2, 11 and 32:6–9. Also, Mark 1:2–3 combines some of Isaiah 40:3 with Malachi 3:1. Only the first passage is mentioned, since it is the main passage being cited.

In brief, Matthew is not misrepresenting any information in his quotation of Micah 5:2 and 2 Samuel 5:2. Matthew’s quote is still accurate even though he paraphrases part of it and combines another portion of Scripture with it.

[1]

 

[1]Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When critics ask : A popular handbook on Bible difficulties (327). Wheaton, Ill.: Victor Books.

Isaiah 53 cannot refer to Jesus because it says the servant of the Lord would see seed

Isaiah 53 cannot refer to Jesus because it says the servant of the Lord would see seed, an expression always meaning physical descendants when used in the Hebrew Bible.

Actually, the passage you refer to is the only occurrence of the Hebrew expression “see seed” in the Tanakh, so it is not wise to be so dogmatic about the meaning of the expression, especially since “seed” is sometimes used metaphorically in the Scriptures and since it can sometimes refer simply to a future generation. This much is certain: Through his continued life after his resurrection, we can honestly and fairly say that Jesus the Messiah fulfills the description of “seeing seed.”

It was while debating Rabbi Professor J. Immanuel Schochet on March 30, 1995, that I first heard the argument that the Hebrew expression “see seed” (yireh zeraʿ) always referred to literal offspring in the Hebrew Bible. With all due respect to Rabbi Schochet’s scholarship, I must confess I was surprised to hear this, since this idiom is found only one time in the Tanakh, namely, in Isaiah 53. How then can it be argued that this expression always refers to literal offspring in the Tanakh when it occurs only once? Of course, one could simply argue that the Hebrew word zeraʿ always refers to literal seed (= physical offspring), never to metaphorical seed (such as disciples or spiritual offspring), and therefore the verse would mean that the servant of the Lord had children. If this were true, it would rule out Jesus as a candidate. This argument, however, is not compelling for a number of reasons.

First, zeraʿ, “seed,” is sometimes used metaphorically in the Hebrew Scriptures, including the Book of Isaiah. Thus, Isaiah called Israel “a seed of evildoers,” “a seed of an adulterer,” and “a seed of falsehood” (Isa. 1:4; 14:20; 57:3–4). While some of these phrases could be intended in a literal sense (that is, the Israelites were literally children of evil, adulterous, lying people), more likely they are intended metaphorically (that is, they were wicked, adulterous, dishonest people to the very core of their beings). According to the standard Hebrew lexicon of Brown, Driver, and Briggs, in cases such as these, seed means “as marked by moral quality = persons (or community) of such a quality,”158 thus, “a seed of evildoers” would really mean “a community of evildoers” or “evildoers to the core.” In the context of Isaiah 53:10, this would mean that the servant of the Lord would see godly, spiritual posterity, true disciples transformed by means of his labors on their behalf. As Isaiah 53:10 explains, this is tied in with his “prolong[ing] his days,” referring to his resurrection (see above, 4.13).

Second, zeraʿ is sometimes used with reference to “a future generation” without referring to the specific descendants of one individual in particular. Thus, Psalm 22 declares that as a result of the mighty deliverance experienced by the righteous sufferer (see below, 4.24), “posterity [zeraʿ] will serve him; future generations will be told about the Lord. They will proclaim his righteousness to a people yet unborn—for he has done it” (Ps. 22:30-31[31-32]).159 As rendered in the NJPSV: “Offspring shall serve Him; the Lord’s fame shall be proclaimed to the generation to come; they shall tell of His beneficence to people yet to be born, for He has acted.” In the context of Isaiah 53:10, this would mean that the servant of the Lord would see future generations of his people serving the Lord. Cannot this be rightly applied to the hundreds of thousands of Jews who have followed Yeshua, the servant of the Lord, through the centuries? Certainly, this would be true to the context, especially since the text does not say that he would literally father a seed (= offspring), but rather that he would see offspring.

Third, the weakness of this argument is seen when we realize that no less a traditional Jewish authority than Saʿadiah Gaon applied Isaiah 53 to Jeremiah the prophet, yet God commanded Jeremiah never to marry or have children (Jer. 16:1; see above, 4.6). More recently, Isaiah 53 was applied to the late Lubavitcher Rebbe, yet he and his wife were unable to have children. How then could this be applied to either of these two candidates? Obviously, the text does not explicitly state that the servant of the Lord had to bear children of his own, hence the passage could be applied to these other Jewish leaders, albeit incorrectly. (In other words, many of the other specifics of the text cannot possibly apply to either Jeremiah or the Rebbe, while they apply perfectly to Yeshua.) We can see, then, that this argument has very little, if any, force.

Having concluded our discussion of Isaiah 53, let me once again encourage you to read the entire passage for yourself (beginning in Isaiah 52:13) while asking yourself honestly before the Lord, Of whom does the prophet speak? I trust you will see an amazing prophetic portrait of our Messiah, the righteous Lamb of God, who died that we could live. In fact, the description is so clear that you will understand why the charge has been raised that this section of the Bible was removed from the weekly Scripture portions read in the synagogue. It sounds too much like Yeshua! But is this charge really true?

Oxford professor Geza Vermes has argued that the Ten Commandments were once read every week in the synagogues and then were removed because of Hellenizing Jews who claimed that God gave Israel only the Ten Commandments.160 If true, this would mean there might have been polemical factors that dictated which portions of the Bible would be read aloud in the synagogue—at least in some extreme cases. Similarly, it has been argued that Isaiah 52:13–53:12 was also removed from its place because Christians often pointed to the text as a clear prophecy of Jesus, and it sounded too much like him to be read in the synagogues. More specifically, we see that Isaiah 51:12–52:12 (the section immediately preceding Isaiah 52:13–53:12) was read in conjunction with Deuteronomy 15:18–21:9 (called Parashat Shoftim) from the Torah, while Isaiah 54:1–10 (the section immediately following Isaiah 52:13–53:12) was read in conjunction with the next Torah passage, Deuteronomy 21:10–25:19 (called Parashat Ki Tetzei). What happened to Isaiah 53?

It is possible the text was simply skipped because it did not fit properly with the Torah portion in question, since the reading from the Prophets coincided in some way with the reading from the Torah. In keeping with this, the Jewish scholar Raphael Loewe has pointed to ancient synagogal traditions from Palestine that seem to indicate that Isaiah 53 was never read as part of the weekly portion. On the other hand, Loewe pointed to equally ancient synagogal traditions from Egypt that seem to indicate the opposite, namely, that Isaiah 53 was originally read one week out of every year, but it was subsequently removed, apparently for polemical reasons.161 How interesting! Of course, we may never know which tradition is accurate (or if both traditions are accurate, reflecting different customs in different parts of the world). Yet we do know this: Isaiah 53 has not been read aloud in the synagogues for many centuries, but there is nothing stopping you from carefully and prayerfully reading the text for yourself. I urge you to follow the truth wherever it may lead.

Having examined all the major objections that have been raised against the Messianic Jewish/Christian interpretation of Isaiah 53, it is clear that none of them have any substance. It is equally clear that the passage describes Jesus the Messiah with striking accuracy. What do you say?

[1]

 

 

158 Francis Brown, S. Driver, and C. Briggs, The Brown-Driver-Briggs Hebrew and English Lexicon (repr., New York: Oxford Univ. Press, 1959), 283.

159 The KJV renders Psalm 22:30a[31a] as, “A seed shall serve him,” bringing out clearly the Hebrew usage and indicating that it does not refer to specific offspring, but posterity in general.

160 Geza Vermes, “The Decalogue and the Minim,” in his Post-Biblical Jewish Studies, Studies in Judaism in Late Antiquity, vol. 8 (Leiden: E. J. Brill, 1975), 169–77.

161 Loewe, prolegomenon to Driver and Neubauer, Fifty-Third Chapter of Isaiah, 20–22.

[1]Brown, M. L. (2003). Answering Jewish objections to Jesus, Volume 3: Messianic prophecy objections (83). Grand Rapids, Mich.: Baker Books.

Exit mobile version