إصدارات الكتاب المقدس – الجزء الأول – فيليب كومفورت – ترجمة: مينا كرم

إصدارات الكتاب المقدس – الجزء الأول – فيليب كومفورت – ترجمة: مينا كرم

إصدارات الكتاب المقدس – الجزء الأول – فيليب كومفورت – ترجمة: مينا كرم

إصدارات الكتاب المقدس – الجزء الأول – فيليب كومفورت – ترجمة: مينا كرم

 

مُقدمة

عندما أقوم بتدريس مادة “أدب وتفسير العهد الجديد”، في كلية وايتون، دائماً أقوم بإلقاء مُحاضرات حول تاريخ الكتاب المُقدس باللغة الإنجليزية ومُختلف الترجمات الحديثة المُتاحة بين أيدي القارئ الإنجليزي، أعتقد أنه من المُهم للطلاب الذين يعيشون في هذا العصر الحديث الذي يمتاز بوفرة الترجمات أن يعرفوا شيء عن كل ترجمة.

 

عندما أقوم بإلقاء المُحاضرات، غالباً يسألوني هذا السؤال “ما هي الترجمة الأفضل؟”  ودائما اُجيب قائلا ً “أفضل لأي غرض؟ للقراءة أم للدراسة؟ وأفضل لأي فئة؟ للشباب الصغير أم للكبار؟  للبروتستانت أم للكاثوليك أم لليهود؟”، لا يُقصَد أبداً من إجابتي تعقيد الأمر، بل على العكس فهي تعكس تعقيد الوضع الحقيقي، في حين أن بعض اللغات الأخرى لا يوجد بها سوى ترجمة واحدة فقط للكتاب المُقدس، يوجد مئات الترجمات للكتاب المُقدس باللغة الإنجليزية.

القُراء الحداثَى للكتاب المُقدس، يجدون عددًا كبيرًا من الترجمات الإنجليزية، يجدون صعوبة في تحديد ما هي الترجمة التي يجب قراءتها، بما أن الكتاب المُقدس كتاب مُهم، وفي الواقع هو أهم كتاب، فبالتالي يُريد القراء أن يتأكدوا أنهم حقاً يستخدمون ترجمة للنص الأصلي تكون دقيقة ومفهومة، سيكون من الرائع أن يتمكن جميع البشر من قراءة الكتاب المُقدس باللغات الأصلية له، (العبرية والأرامية واليونانـــية)، لكن نظراً لأن القليل جداً من الناس هم العارفون باللغات الأصلية للكتاب المُقدس، فيعتمد كل الناس تقريباً على الترجمات.

فهذا الكتاب بمثابة دليل للكتاب المُقدس الإنجليزي والترجمات الإنجليزية للكتاب المُقدس، وسيُساعدك هذا الدليل على فهم كيف حَصُلنا على الكتاب المُقدس، وما هي مخطوطاته القديمة الهامة، وما هي الترجمات الإنجليزية المُهمة التي تم إنتاجها عبر التاريخ، يَجب أن يُرشدك هذا الكتاب أيضاً في اختيارك لنُسخ الكتاب المُقدس ويوجهك لاستخدام كل واحدة منهم.

يَشرح الفصل الأول كيف كُتب الكتاب المُقدس الذي هو كلمة الله المُوحى بها في المرة الأولى، يَشرح الفصلان الثاني والثالث، كيف تم كتابة وترجمة العهد القديم والجديد وما هي المخطوطات المُتاحة لكلٍ من العهدين، تُقدم الفصول الثلاثة التالية تاريخ الكتاب المُقدس الإنجليزي، من النُسخ الأقدم في القرن السابع الميلادي وحتى نُسخة الملك جيمس، ومن نُسخة الملك جيمس إلى النُسخة القياسية المُنقحة، والترجمات الحديثة لأخر 40 عام، ويتناول الفصل السابع طُرقًا مُختلفة للترجمة، ويُقدم الفصل الأخير دراسة مقارنة لعدة ترجمات حديثة لمُقدمة إنجيل يوحنا.  

 

وحي الكتاب المُقدس – كيف كُتب الكتاب المُقدس في المرة الأولى وبواسطة من؟

قل لي واعترف، متى كانت آخر مرة أخذت ذلك الكتاب ذا الغلاف الأسود من الرف وفتحته؟ هناك شيء رائع حول عنوان هذا الكتاب “الكتاب المُقدس”، والبعض قد أطلق عليه “الكتاب السار”، لكن هُناك عنوان أفضل لهذا الكتاب وهو “كتاب الله”، لأنه اتصال الله الكتابي بالعالم، يحتوي الكتاب المُقدس على كل ما يُريد الله أن يُخبرنا به.

ومن بين جميع الملايين من الكتب الموجودة في العالم، يوجد كتاب واحد فقط كتبه الله، وهناك كتاب واحد فقط يُعلن عن خطة الله للإنسان، إنه كتاب مُدهش لأنه يَحتوي على تأليف إلهي، ولأنه يَروي قصة رائعة عن حب الله لنا، لكن هُناك قصة أخرى مُدهشة، وهي قصة كيف جاء إلينا الكتاب المُقدس، قد كُتب الكتاب المُقدس باللغات القديمة (العبرية والأرامية واليونانية)، من خلال رجال أوحى الله إليهم، يُخبرنا الكتاب المُقدس نفسه أنه نص موحى به[1] والترجمة الأقرب لهذا النص بحسب اللغة اليونانية هو “كل الكتاب المُقدس هو تنفس الله” وهذا يُخبرنا بأن كل كلمة في الكتاب المُقدس قد أتت من الله، قد جاءت كلمات الكتاب المُقدس من الله وكتبها رجال الله، وأكد الرسول بطرس ذلك حيث يقول “عَالِمِينَ هَذَا أَوَّلاً: أن كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ، لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللَّهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.”[2]

 

تعبير “تكلم رجال الله” يُعتبر هو المفتاح لفهم كيفية مجيء الكتاب المُقدس إلى حيز الوجود، فقد أختار الله رجالًا مُعينين، مثل موسى وداوود وإشعيا وإرميا وحزقيال ودانيال، ليتلقوا كلماته وما كتبوه قد أصبح أسفارا أو أقسامًا في العهد القديم، وقبل حوالي ألفي عام اختار الله رجالًا أخرين، مثل متى ولوقا ومرقس ويوحنا وبولس، بهدف توصيل الرسالة الإلهية الجديدة، رسالة الخلاص بواسطة يسوع المسيح، وما كتبوه أصبح أسفارا أو أقسامًا من العهد الجديد.

فقد أعطى الله كلماته لهؤلاء الرجال بطرق مُختلفة، فقد تلقى بعض كتاب العهد القديم رسائل مُباشرة من الله، فقد اُعطيت الوصايا العشر لموسى منقوشة على أحجار حينما كان في حضرة الله على جبل سيناء.

وحينما كان يقوم بكتابة مزاميره إلى الله فقد تلقى إلهامًا إلهيًا للتنبؤ ببعض الأحداث التي ستحدث بعد ألف عام في حياة يسوع المسيح، وقد أخبر الله أنبيائه، مثل إشعياء وإرميا بالضبط ما يقولوه، ولذلك حينما أعطوا رسالة، فهي كانت كلمة ورسالة الله وليست كلمة خاصة بهم، وهذا هو السبب في أن الكثير من أنبياء العهد القديم غالباً ما قالوا “هكذا يقول الرب” (قد جاء هذا التعبير أكثر من ألفي مرة في العهد القديم) وقد أرسل الله كلمته بطرق أخرى، مثلما أرسلها لحزقيال ودانيال من خلال الرؤى والأحلام، وسجلوا بالضبط ما رأوه، سواء كانوا يفهمون ذلك أو لا، وكُتاب آخرون للعهد القديم مثل صموئيل وعزرا أخرجهم الله لكي يُسجلوا أحداثًا في تاريخ إسرائيل.

وبعد أربعمائة سنة من كتابة آخر سفر للعهد القديم (ملاخي)، جاء ابن الله، يسوع المسيح، إلى الأرض، وفي خطاباته قد أكد على كتابة العهد القديم بإلهام كتابي[3] وعلاوة على ذلك، أشار إلى مقاطع بعينها في العهد القديم تنبأت بأحداث مُعينة في حياته [4] وأكد العهد الجديد أيضاً على الإلهام من الله في نص العهد القديم، كان الرسول بولس يؤكد على ذلك حينما قال “كل الكتاب موحى به من الله” على وجه التحديد كان بولس يتحدث عن العهد القديم، وكما لوحظ أن بطرس يقول أن أنبياء العهد القديم كانوا مَسوقين بالروح القدس للتحدث عن الله.

العهد الجديد أيضاً كتاب موحى به من الله، قبل أن يترك يسوع هذه الأرض ويذهب لأبيه، قد أخبر تلاميذه أنه سيرسل الروح القدس إليهم، والروح القدس سُيذكرهم بكل ما قاله لهم والروح القدس سيوجههم إلى الحقيقة أكثر [5] فأولئك الذين كتبوا الأناجيل قد ساعدهم الروح القدس على أن يتذكروا كلمات يسوع، وأولئك الذين كتبوا أجزاء أخرى من العهد الجديد، كان الروح القدس يرشدهم وقد أشار الرسول بولس إلى أن رُسل العهد الجديد كانوا يعطون ما يُعلمهم إياه الروح القدس [6]فما كتبوه هو تعليم روح الله، على سبيل المثال، حينما رأى يوحنا الرسول أن يسوع قد جاء ليُعطينا حياة أبدية، فقد ساعده الروح القدس على التعبير عن هذه الحقيقة بطرق عديدة ومختلفة، وهكذا، يرى قارئ إنجيل يوحنا عبارات مُختلفة عن يسوع، فهو له حياة في ذاته، وهو ينبوع الماء الحي، وهو خبز الحياة، ونور الحياة، والقيامة والحياة [7] وكذلك تماماً هذا ما حدث مع بولس في استخدام عبارات مثل “فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً”، “المُذخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم” [8]

ولكن كما كان الروح القدس يُرشد الكُتاب الذين كتبوا الأسفار، الكُتاب استخدموا أيضاً مفرداتهم الخاصة للكتابة وللتعبير عن فكر الروح، وعلى هذا النحو فقد جاء إلينا الكتاب المُقدس نتاج التعاون الإلهي والبشري، لم تكن الكتب المُقدسة موحى بها بشكل ميكانيكي، كما لو كان الله يستخدم البشر استخدام الآلات ليُملي عليهم الكلام الإلهي، لكن الكتاب المُقدس هو كتاب مُوحى به من الله من خلال بشر، إذن الكتاب المُقدس هو كتاب إلهي بشري بشكل كامل.

في المرة القادمة التي تفتح فيها هذا الكتاب ذا الغلاف الأسود المُسمى بالكتاب المُقدس، تذكر أنك تقرأ الكتاب الذي أنتجته سلطة إلهيه واحدة والكثير من المؤلفين البشريين، فقد أعطى الله كلمته وأصبح يُدعمها الآن بحضوره وكتابه الموحى به.

 

نص العهد القديم – كيف صُنع والمخطوطات التي نمتلكها اليوم؟

يتكون الكتاب المُقدس من قسمين رئيسيين العهد القديم والجديد، وكلمة عهد تُعني “ميثاق” أو  “اتفاقية” [9] كان العهد القديم يَقوم في المقام الأول على الاتفاق بين الله وشعبه فيما يتعلق بالشريعة، فقد وعد الله أن يُبارك شعبه إذا حفظوا وصاياه، ولكن شعبه قد فشل في كثير من الأحيان في حفظ وصاياه، لذلك كان العهد القديم ذا شوائب، ومع ذلك فهذا لم يمنع الله، لقد أخبر شعبه من خلال بعض أنبيائه أنه سوف يُصدر ميثاقاً جديدًا، سيكتب فيه وصاياه، وليس على الألواح الحجرية (كما فعل مع الوصايا العشر)، ولكن على قلوب الرجال والنساء [10] فقد أصبح هذا الميثاق حقيقة عندما جاء ابن الله، يسوع المسيح إلى الأرض، فقد أصدر الله ميثاقاً جديدًا يستند على الإيمان به، كل شخص يُشارك في هذا الميثاق الجديد يؤمن أن يسوع هو ابن الله الذي مات على الصليب ليُخلص البشرية وقام من الموت ليحيها.

يُركز كتاب العهد القديم على الميثاق القديم بين الله وشعبه، ويُركز العهد الجديد على الميثاق الجديد بين الله وكل مؤمن.

خلال العهد القديم فقد ألهم الله الكثير من الرجال الأتقياء لكي يُعطي كلمته لشعبه، إسرائيل، وتم حفظ هذه الكتابات وجمعها في ثلاثة أقسام رئيسية: وهم (الناموس والأنبياء والمزامير)، عندما تكلم يسوع مع تلاميذه عن العهد القديم أشار إلى نفس هذا التقسيم [11]

من بين الأقسام الثلاثة، كان القسم الأكثر أهمية بالنسبة إلى الإسرائيليين هو الناموس، أو بتعبير أخر “أسفار موسى الخمس” (سفر التكوين، الخروج، لاويين، عدد، تثنية)، أسفار موسى الخمسة التي قيل إنها كُتبت بواسطة موسى قد زودت إسرائيل بالتعاليم والمبادئ الأساسية للحياة الشخصية والاجتماعية والروحية، باختصار، تحتوي على جوهر اليهودية.

قسم الأنبياء، يُعتبر هذا القسم جزءاً كبيراً من العهد القديم، فهو يشمل الأسفار التاريخية الأربعة (يشوع، قضاة، صموئيل، ملوك) وكتب الأنبياء الكبار الثلاثة (إشعيا، إرميا، حزقيال)، وكتب الأنبياء الصغار الاثني عشر (هوشع، يوئيل، عاموس، عوبديا، يونان، ميخا، ناحوم، حبقوق، صفنيا، حجي، زكريا، ملاخي)، أن الكتب النبوية هي سجل لوحَي الله لشعبه فيما يتعلق بالأحداث الماضية والحالية والمُستقبلية، في الكتاب المُقدس العبري، “الكتابات” التي تُعتبر القسم الأخير في العهد القديم، هي قسمين، النوع الأول يُسمى “كتابات الحكمة” وهي تشمل (المزامير، الأمثال، أيوب، نشيد الأناشيد، مراثي أرميا، الجامعة)، النوع الثاني من “كتابات الحكمة” يَشمل الكتب التاريخية، وتحديداً (إستير، دانيال، عزرا، نحميا، أخبار الأيام)

يختلف ترتيب وتصنيف الكتاب المُقدس العبري عن ما هو بين المسيحين في كُتبهم المُقدسة، لأن الكتاب المُقدس المسيحي أعتمد على الترتيب الموجود في الترجمة السبعينية، وهي ترجمة يونانية للكتاب المقدس العبري، الترجمة السبعينية، هي الترجمة الأولى للكتاب المقدس العبري، تُرجمت في القرن الثالث قبل الميلاد، من خلال الكتبة اليهود، الذين كانوا ضلعين في اللغة العبرية واليونانية، وأصبحت هذه الترجمة شائعة جداً بين اليهود في حوالي قرنين قبل المسيح، لأن العديد من اليهود كانوا في هذه الفترة ليسوا بعارفين باللغة العبرية، لقد غادر أسلافهم إسرائيل قبل قرون، وخفتت القدرة على قراءة الكتاب المُقدس العبري جيل بعد جيل، استخدم المسيحيون الأوائل أيضاً السبعينية في اجتماعاتهم وفي قراءاتهم الخاصة، وقد نقلها العديد من الرسل في العهد الجديد عندما كتبوا الأناجيل والرسائل باللغة اليونانية، ترتيب الكتب في الترجمة السبعينية هو نفس الترتيب الموجود في كُتبنا المُقدسة اليوم، ولأجل الحفظ عن ظهر قلب فمن المُلائم تقسيم العهد القديم إلى خمسة أقسام.

  • التوراه (الشريعة): (تكوين، خروج، لاويين، عدد، تثنية)
  • الكتب التاريخية: (يشوع، قضاه، راعوث، 1،2 صموئيل، 1،2 ملوك، 1،2 اخبار الأيام، عزرا، نحميا، إستير)
  • أسفار الحكمة: (أيوب، المزامير، الأمثال، الجامعة، نشيد الأناشيد)
  • الأنبياء الكبار: (إشعيا، إرميا، مراثي إرميا، حزقيال، دانيال)
  • الأنبياءالصغار: هوشع، يوئيل، عاموس، عوبديا، يونان، ميخا، ناحوم، حبقوق، صفنيا، حجي، زكريا، ملاخي)

 

  • مخطوطات العهد القديم

لا يوجد بين أيدينا الأن النُسخ المكتوبة بيد الكُتاب الأصليين لأي سفر من أسفار العهد القديم، ولحسن الحظ قام الكتبة اليهود على مر العصور بنسخ كلمة الله، واهتم الكتبة اليهود بإنتاج نسخ دقيقة للعهد القديم، لأنهم يعتبرون النص عطية الله الذي أوحى به لهم وكان لدى يسوع نفس الاحترام لنص العهد القديم في أكثر من مُناسبة أكد على ثبات النص[12]

في الأزمنة القديمة، استخدم النُساخ ريشة وحبرًا وجلدًا ليصنعوا نسخًا من الكتاب المُقدس، ويجد بعض اللفائف المصنوعة من أنواع متعددة من جلود الحيوانات، وحين الاحتياج لنسخ جديدة يتم نسخها ومقارنتها بالقديمة، وتهدف هذه المُقارنة إلى العثور على اختلاف حرف واحد فقط أو حرفين، فالنساخ كانوا يحسبون عدد الحروف، واذا كانت النسخة بعد مراجعتها خاطئة من المُمكن تصحيحها أو التخلص منها تماماً، وهذه العادة استمرت جيلاً تلو الآخر من القرن السادس وحتى القرن العاشر الميلادي، حيث قام بعض اليهود بما يُسمى بالنص الماسوري، بهدف الحفاظ على النص بعناية أثناء نقله من نسخة لأخرى، وقد أنتجوا العديد من المخطوطات، إليك بعض أهم المخطوطات الماسورية.

  • مخطوطة الأنبياء بالقاهرة (895م.)
  • مخطوطة Oriental 4445 بالمتحف البريطاني (القرن التاسع أو العاشر)
  • مخطوطة لينينجراد للأنبياء (916م.)
  • مخطوطة لينيجراد (1008م.) تحتوي على العهد الجديد كاملاً
  • مخطوطة حلب (900-925م.) تحتوي في الأصل على نص العهد القديم كاملا ولكن الأن مفقود الربع تقريباً. [13]

حتى منتصف القرن العشرين، كانت اقدم المخطوطات المتاحة هي المخطوطات الماسورية، ثم في عامي 1947،1948، العام الذي استعادت فيه إسرائيل استقلالها الوطني، ظهر اكتشاف رائع، أحد البدو عثر على لفائف، عُرفت فيما بعد بلفائف البحر الميت، تعود بين 100 قبل الميلاد و 100 بعد الميلاد، فهي أقدم من المخطوطات الماسورية بحوالي ألف سنة، تحتوي مخطوطات قمران على أجزاء من كل أسفار العهد القديم عدا إستير، تحتوي على أجزاء كبيرة من الأسفار الخمسة الأولى خاصة سفر التثنية (سفر التثنية له 25 مخطوطة في لفائف قمران) وأيضاً الأنبياء الكبار وخصوصاً سفر إشعياء، والمزامير لها 27 مخطوطة قمرانية.

وتحتوي مخطوطات قمران أيضاً على أجزاء من السبعينية، والترجوم، وبعض الكتابات الأبوكريفية، وتفسير لسفر حبقوق، يبدو أن صناع هذه المخطوطات من اليهود عاشوا في القرن الثالث قبل الميلاد في قمران إلى القرن الأول الميلادي، وعلى الرغم أن الفارق الزمني بين مخطوطات قمران ومخطوطات النص الماسوري حوالي ألف عام، لكن لا توجد فروق كبيرة بينهم كما كان يتوقع الكثيرين، فمن الطبيعي أن هذه الحقبة الزمنية الكبيرة ستُنشئ ألاف الاختلافات، لكن هذا غير موجود، فمن الواضح أن اليهود قد اجادوا في النسخ بدقة عالية.

إلى يومنا هذا يلجأ جميع علماء الكتاب المُقدس إلى النص الماسوري، فهو يُعتبر النص الرسمي للعهد القديم، ولكن في نفس الوقت تتم المقارنة أحيانا بين النص الماسوري والقمراني، وأيضاً السبعينية والتوراة السامرية[14]، من إلهام أن تعرف أن الهوامش النقدية للعهد القديم تستطيع أن تحصل عليها من النسخة المعروفة باسم Biblia Hebraica Stuttgartensia (BHS)

 

 

نص العهد الجديد – كيف صُنع والمخطوطات التي نمتلكها اليوم؟

في حين أن العهد القديم استغرق مئات السنين ليتم كتابته، اكتمل العهد الجديد في غضون خمسين عامًا فقط خلال النصف الثاني من القرن الأول الميلادي، على الأرجح كتب مرقس إنجيله (بين 50-55 ميلادي) وطبقاً للتقليد، استخدم مرقس عظات بطرس في كتابه إنجيله، ويصف هذا السرد البسيط يسوع أنه ابن الله وخادم الله، وعلى ما يبدو استخدم كلًا من متى ولوقا إنجيل مرقس عندما كتبا إنجيليهما، قد كتب متى إنجيله حوالي 70 ميلادي، وهو إنجيل يُركز على رسالة الملك المسياني وملكوته، وكتب لوقا إنجيله حوالي 60 ميلادي، كنتيجة للتحقيق في حياة يسوع ومن بداية خدمته، وقد كتب لوقا عملًا مُكملًا وهو سفر أعمال الرسل وهو سرد مُفصل لكيفية نمو الكنيسة الأولى وانتشارها بعد قيامة المسيح وصعوده، كتب يوحنا إنجيله في وقت متأخر من القرن الأول (حوالي 85-90 ميلادي)، كتب إنجيله لتشجيع الإيمان بيسوع المسيح باعتباره ابن الله، وواهب الحياة الأبدية.

بعد الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل، وفقاً للترتيب الموجود في كُتبنا المُقدسة، رسائل بولس الثلاثة عشر، رومية (حوالي 58 ميلادي)، كورنثوس الأولى والثانية (حوالي 56\57 ميلادي)، غلاطية (حوالي 49-56)، أفسس (61 ميلادي)، فيلبي (62 ميلادي)، كولوسي (62 ميلادي)، تسالونيكي الأولى والثانية (حوالي 51 ميلادي)، تيموثاوس الأولى والثانية (حوالي 63-66 ميلادي)، تيطس (حوالي 65 ميلادي)، فيليمون (حوالي 61 ميلادي)، يُمكن تقسيم رسائل بولس إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول، رسائل إلى كنائس مُحددة قبل سجن بولس (رومية، 1،2 كورنثوس، 1،2 تسالونيكي)، القسم الثاني، وهي رسائل مكتوبة خلال سجن بولس في روما والمعروفة بأسم رسائل السجن (أفسس، فيلبي، كولوسي، فليمون)، القسم الثالث، رسائل مكتوبة تخص رعاه كنائس ويُقدم لهم المشورة (تيطس، 1،2 تيموثاوس)، وعلى الرغم من أن بعض العلماء يعتقدون أن بولس هو كاتب الرسالة إلى العبرانين، فإنه ليس من المُحتمل أن يكون بولس هو كاتب الرسالة، أسلوب كتابة الرسالة مُختلف تماماً عن أسلوب بولس الخاص، بالإضافة إلى أن الكاتب يُخاطب المسيحيين من أصل يهودي فقط، بينما كانت خدمة بولس مُركزة في المقام الأول بالمسيحيين الأمميين، حتى يومنا هذا لا أحد يعرف من هو كاتب الرسالة إلى العبرانين، ربما كان، أبولوس أو برناباس أو بريسكلا، أو حتى بعض المسيحين من اليهود الذين كانوا زملاء بولس.

وبعد رسائل بولس توجد الرسائل الكاثوليكية (عامة) وسفر الرؤيا، كتب يعقوب رأس كنيسة أورشليم وأخو الرب، رسالة إلى المسيحين من اليهود الذين فروا من أورشليم بسبب الاضطهاد[15] إن رسالته المؤرخة حوالي سنة 45 هي أقدم كتابات العهد الجديد، كتب بطرس رسالتين، واحدة لتشجيع المسيحين على الخضوع للمُحاكمات والأخرى لتحذير المسيحين من الأنبياء الكذبة (حوالي 63-66)، وكتب يوحنا ثلاث رسائل واحدة تتوافق مع أسلوبه وجوهر إنجيله واثنين لأفراد (حوالي 85-90 ميلادي)، كتب يهوذا شقيق يعقوب ويسوع رسالة قصيرة يُحذر المؤمنين من المُعلمين الكذبة (حوالي 75 ميلادي، وكتب يوحنا آخر سفر في العهد الجديد وهو الرؤيا (حوالي 90-95 ميلادي).

وبعد كتابة أسفار العهد الجديد وبدأت في الانتشار بين الكنائس، قام المسيحيون بتجميع هذه الأسفار في مُجلدات لكن بصورة مُقسمة، بمعنى كان كل إنجيل من الأناجيل الأربعة يتم مُعاملته باعتباره كتاب مُستقل يتحدث عن حياة وخدمة يسوع، وابتداءاً من أواخر القرن الثاني بدأ المسيحيون في تجميع الأربع أناجيل في مُجلد واحد، وأصبحت هذه الأناجيل معروفة باسم، الإنجيل بحسب متى، الإنجيل بحسب مرقس، الإنجيل بحسب لوقا، الإنجيل بحسب يوحنا، وتم أيضاً جَمع رسائل بولس في مُجلد واحد وهذا كان في وقت مُبكر حوالي 85-90 ميلادي، وفي وقت لاحق في القرنين الثاني والثالث بدأ مسيحيون آخرون في الجمع بين أعمال الرسل والرسائل العامة في مُجلد واحد، في القرن الأول الميلادي تعامل المسيحيون مع العهد القديم باعتباره كتابهم المُقدس، وقرأوا وتحدثوا عن العهد القديم في اجتماعاتهم [16]، كانوا يمتلكون أيضاً الكلمة الحية، الرسل كانوا حاضرين بينهم، وعلمهم الرسل الإنجيل ونقلوا لهم تعاليم يسوع.

لكن بعد وفاة الرسل، أعتمد المسيحيون أكثر وأكثر على ما كتبوه الرسل، وبدأوا يُدركون أن كتاباتهم كانت على نفس مستوى كتابات العهد القديم، باختصار أُعتبرت العديد من كتب العهد الجديد في وقت مُبكر من القرن الثاني موحى بها، الأناجيل الأربعة، أعمال الرسل، رسائل بولس، بطرس الأولى، يوحنا الأولى، لكن استغرقت كتب العهد الجديد الأخرى وقتًا أطول ليحظوا على هذا الاعتراف بشكل كامل، العبرانين (لأن كاتبها غير معروف)، رسالة يعقوب (لأنه كان يُعتقد  أن هذه الرسالة تختلف عقائدياً مع لاهوت بولس عن الخلاص)، يوحنا الثانية والثالثة (لعدم انتشارهم الكبير)، سفر الرؤيا (لوجود جدال حول رسالة السفر وكاتب السفر)، وبحلول القرن الرابع تم قبول هذه الأسفار أيضاً من الكنيسة باعتبارها موحى بها من الله وتستحق أن تنضم لقانون العهد الجديد [17]

 

مخطوطات العهد الجديد:

بدأ المسيحيون في عمل نُسخ من كتابات العهد الجديد قبل نهاية القرن الأول، وكان المسيحيون الأوائل من أول الناس الذين استخدموا شكل الكتاب (يُسمى مخطوطة)، بدلاً من اللفافة، وتم إنتاج مخطوطات مثل الكثير من الكتب الحديثة لنا عن طريق أوراق قابلة للطي، مثل ورق البردي أو الرقوق، وهذا النوع كان مُفيدًا أكثر لعدة أسباب
 1. مكن النُساخ أن يكتبوا على الوجهين. 2. ساهمت في التسهيل للوصول للنصوص. 3. مكنت المسيحيين من ضم الأناجيل الأربعة معاً أو رسائل بولس معاً أو أي مزيج أخر كهذا. 4. جعل من الأسهل لأي فرد أو أي كنيسة أن تصنع مجلدها الخاص للعهد الجديد أو أي جزء منه.

ونظراً لعدم وجود النُسخ الأصلية لأي سفر من أسفار العهد الجديد، فإننا نعتمد على نُسخ لإعادة تكوين النص الأصلي، ووفقاً لغالبية العلماء، فإن أقرب نسخة للنص الأصلي هي البردية 52 تعود لحوالي 110-125 ميلادي، وتحتوي على (يوحنا 13-34، 37-38 : 18)، وكانت هذه الشظية التي تبتعد عن الأصل بحوالي عشرين إلى ثلاثين عامًا جزءًا من إحدى أقدم مخطوطات إنجيل يوحنا، ومع ذلك يَعتقد عدد من العلماء، بوجود مخطوطة أقدم وهي البردية 46 المعروفة باسم بردية تشيستر بيتي الثانية، والتي تحتوي على كل رسائل بولس ما عدا الرَعوية، وتم تأريخها مؤخراً لأواخر القرن الأول[18] فإن كان التأريخ دقيقًا، إذن لدينا مجموعة كاملة من رسائل بولس التي ترجع لعشرين إلى ثلاثين عامًا بعد أن كتب بولس مُعظم الرسائل، ولدينا أيضاً العديد من النُسخ القديمة الأخرى لأجزاء مُختلفة للعهد الجديد، وتعود العديد من مخطوطات ورق البردي من أواخر القرن الثاني إلى أوائل القرن الرابع، ومن أهم مخطوطات ورق البردي للعهد الجديد هي كما يلي:

 

برديات البهنسة :

ابتداءً من عام 1898 اكتشف جرينفيل وهانت آلاف قطع البردي في أكوام النفايات القديمة في البهنسة في مصر، وتم الحصول على كميات كبيرة من شظايا البردي تحتوي على جميع أنواع الكتابات، بالإضافة إلى أكثر من خمسة وثلاثين مخطوطة تحتوي على أجزاء من العهد الجديد، بعض مخطوطات ورق البردي الجديرة بالذكر هي (البردية 1 لإنجيل متى 1)، (البردية 45 لإنجيل يوحنا 1،16)، (البردية 13 لرسالة العبرانين 2-5، 10-12)، (البردية 22 لإنجيل يوحنا 15-16).

 

برديات تشيستر بيتي :

تم شراء هذه المخطوطات من تاجر في مصر (1930)، بواسطة تشيستر بيتي وجامعة ميتشيغان، والمخطوطات الثلاثة في هذه المجموعة، مُبكرة جدًا وتحتوي على جزء ضخم من نص العهد الجديد، تحتوي البردية 45 (من القرن الثالث) على أجزاء من الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل، وتحتوي البردية 45 (أواخر القرن الأول) على جميع رسائل بولس تقريباً ورسالة العبرانين، والبردية 47 (القرن الثالث)، وتحتوي على (سفر الرؤيا 9-17)

 

برديات بودمر:

تم شراء هذه المخطوطات من تاجر في مصر حوالي 1950،1960، والبرديات الثلاثة المُهمة في هذه المجموعة، البردية 66 (حوالي 175 ميلادي تحتوي عل إنجيل يوحنا كامل تقريباً)، البردية 72 (القرن الثالث الميلادي تحتوي على رسالة يهوذا وبطرس الأولى والثانية)، البردية 75 (حوالي 200 ميلادي تحتوي على أجزاء كبيرة من إنجيل لوقا 3-15) [19]

وخلال القرن العشرين، تم اكتشاف ما يَقرب من مائة مخطوطة من البردي تحتوي على أجزاء من العهد الجديد، ولكن في القرون السابقة ولا سيما القرن التاسع عشر، تم اكتشاف مخطوطات أخرى، الكثير منها يَعود إلى القرن الرابع أو الخامس، المخطوطات الجديرة أكثر بالذكر هي كما يلي:

 

المخطوطة السينائية:

اكتشف تشيندورف هذه المخطوطة في دير سانت كاترين، الذي يقع على سفح جبل سيناء، ويعود تاريخها إلى عام 350 م، وتحتوي على العهد الجديد بأكمله، وتُعتبر شاهدًا نصيًا مُبكرًا وموثوقًا إلى حد ما للنص الأصلي للعهد الجديد.

 

المخطوطة الفاتيكانية:

كانت هذه المخطوطة موجودة في مكتبة الفاتيكان مُنذ عام 1481 على الأقل، ولكنها لم تكن متاحة للباحثين مثل تشيندورف وتريجلز حتى مُنتصف القر التاسع عشر، وتحتوي هذه المخطوطة التي يرجع تاريخها إلى ما قبل المخطوطة السينائية بقليل على كل العهد القديم والجديد باللغة اليونانية، باستثناء الجزء الأخير من العهد الجديد من عبرانين 9:15 إلى نهاية سفر الرؤيا، وقد أثنى العلماء على المخطوطة الفاتيكانية لكونها إحدى الشواهد النصية الأكثر موثوقية لنص العهد الجديد.

 

المخطوطة السكندرية:

هذه المخطوطة من القرن الخامس، تحتوي تقريباً على كل العهد الجديد ومن المعروف أنها شاهد موثوق جداً على الرسائل العامة وسفر الرؤيا.

 

المخطوطة الإفرايمية:

هذه المخطوطة تعود للقرن الخامس وتحتوي على جزء كبير من العهد الجديد، تم محوها جزئياً وكُتبت عليها وعظات القديس إفرايم، وتم فك شفرتها لاحقاً بفضل الجهود الجبارة التي بذلها تيشندورف.

 

المخطوطة البيزية:

هذه مخطوطة من القرن الخامس سُميت بيزا على اسم مُكتشفها ثيؤدور بيزا، وتحتوي على الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل وتعرض نصًا مُختلف تمامًا عن المخطوطات المذكورة أعلاه.

 

مخطوطة واشنطن:

هذه مخطوطة من القرن الخامس تحتوي على جميع الأناجيل الأربعة، موجودة في مؤسسة سميثسونيان في واشنطن.

فيما هو قبل القرن الخامس عشر، عندما أخترع جوهان جوتنبرج، آلة الطباعة، كانت كل النُسخ لأي عمل أدبي مكتوبة بخط اليد (ومن هنا أتت كلمة مخطوطة، فكلمة مخطوطة أي كل شيء تم خطه بخط اليد)، في الوقت الحاضر، لدينا أكثر من 6000 مخطوطة يونانية للعهد الجديد أو أجزاء منه، لا يُمكن لأي عمل أدبي قديم أخر في الأدب اليوناني أن يتباهى بهذه الأرقام، الألياذة لهوميروس، وهي أعظم الأعمال اليونانية الكلاسيكية، لها حوالي 650 مخطوطة، ومأساة يوربيديس لها حوالي 330 مخطوطة، وعدد مخطوطات جميع الأعمال الأخرى في الأدب اليوناني بأقل بكثير.

وعلاوة على ذلك، يجب القول أن الزمن بين النسخة الأصلية وباقي المخطوطات أقل بكثير بالنسبة للعهد الجديد مُقارنة بأي عمل أدبي يوناني قديم أخر، كل الأعمال القديمة الأخرى تبعُد مخطوطاتها عن النص الأصلي بحوالي 800-1000 سنة، في حين أن الفارق الزمني بين الكثير من كتب العهد الجديد والنص الأصلي هو حوالي مائة عام فقط، بسبب وفرة المخطوطات، ولأن العديد من هذه المخطوطات يَعود للقرون الأولى، يتمتع علماء النقد النصي للعهد الجديد بميزة عظيمة عن باقي علماء الكتب الكلاسيكية الأخرى، يَملُك علماء العهد الجديد، مصادر كثيرة لنص العهد الجديد، وقد أنتجوا بعض الطبعات المُمتازة لنص العهد الجديد اليوناني. 

وأخيراً يَجب القول إنه على الرغم من وجود اختلافات بالطبع بين الكثير من مخطوطات العهد الجديد، لا توجد عقيدة مسيحية واحدة ترتكز على قراءة مُتنازع عليها، ولقد أكد فريدريك كينيون ذلك حينما قال “يستطيع المسيحي أن يمسك الكتاب المُقدس بيده ويقول بدون أي خوف أو تردد أنه يَحمل فيه كلمة الله الحقيقية، التي تم تسليمها من جيل إلى جيل على مر القرون دون فقد أساسي” [20]

 

قصة الكتاب المُقدس الإنجليزي – من الإصدارات الإنجليزية الأولى إلى نُسخة الملك جيمس

مع انتشار الإنجيل وتضاعف عدد الكنائس في القرون الأولى للمسيحية، أراد المسيحيون في مختلف البلاد قراءة الكتاب المقدس باللغة الأصلية لهم. ونتيجة لذلك، تم إنتاج العديد من الترجمات بلغات مختلفة وفي وقت مبكر من القرن الثاني. على سبيل المثال، كانت هناك ترجمات باللغة القبطية للمصريين، وترجمات باللغة السريانية لأولئك الذين كانت لغتهم الآرامية، والقوطية بالنسبة للشعب الألماني دعا القوطي، وباللاتينية للرومان والقُرطاجيين. أشهر ترجمة لاتينية قام بها جيروم حوالي 400. كانت هذه الترجمة، المعروفة باسم الفولجاتا (الفولجاتا تُعني شائع) ومن هنا أتى النص اللاتيني للشخص العادي، وتم استخدام الفولجاتا على نطاق واسع في الكنيسة الكاثوليكية الرومانية لقرون وقرون.

 

الترجمات المُبكرة:

قد وصل الإنجيل إلى إنجلترا من قبل المبشرين من روما في القرن السادس. الكتاب المقدس الذي حملوه معهم كان النسخة اللاتينية للإنجيل (الفولجاتا) وقد اعتمد المسيحيون الذين يعيشون في إنجلترا في ذلك الوقت على الرهبان لأي نوع من التعليمات من الكتاب المقدس. قام الرهبان بالقراءة والتعليم من الكتاب المقدس اللاتيني. بعد بضعة قرون، عندما تم بناء كثير من الكنائس، ظهرت الحاجة لترجمة الكتاب المقدس باللغة الإنجليزية. وكانت أول ترجمة باللغة الإنجليزية، بقدر ما نعرف، هي ترجمة قام بها راهب من القرن السابع يدعى Caedmon، الذي أنتج نسخة مُجمعة من أجزاء من العهدين القديم والجديد.

يقال إن هناك مسيحي آخر يدعى بيد، قد قام بترجمة الأناجيل إلى اللغة الإنجليزية. والتقليد أيضاً يقول إنه كان يترجم إنجيل يوحنا على فراش الموت في عام 735. وكان المترجم الآخر هو ألفريد الكبير (871-899)، والذي كان يعتبر ملكًا متعلمًا للغاية. أدرج في قوانينه أجزاء من الوصايا العشر المترجمة إلى الإنجليزية، وترجم أيضا المزامير.

جميع ترجمات الكتاب المقدس الإنجليزية قبل عمل Tyndale (سنتحدث عن عمل تيندال لاحقا) اعتمد على النص اللاتيني، بعض النسخ اللاتينية للأناجيل مع ترجمة إنجليزية لها كلمة بكلمة، والتي تُطلق عليها الترجمات بين السطور، تبقي من القرن العاشر. تُعرف الترجمة الأكثر شهرة لهذه الفترة باسم أناجيل Lindisfarne[21] وفي أواخر القرن العاشر، قامت إيلفريك (955 – 1020)، رئيس دير Eynsham، بترجمة اصطلاحية لأجزاء متنوعة من الكتاب المقدس.

ولا تزال هناك اثنتان من هذه الترجمات. وفي وقت لاحق، في 1300، ترجم وليام شوريهام المزامير إلى اللغة الإنجليزية، وكذلك ريتشارد رول، الذي تضمنت طبعاته من المزامير على تفسير لكل نص. وكانت كلٌ من هذه الترجمات التي كانت متريّ وبالتالي تسمي Psalters، حينما كان جون ويكلف شابًا.

 

ترجمة جون ويكلف:

كان جون ويكليف (1329-1384)، أبرز علماء اللاهوت في أكسفورد في عصره، وبين زملائه، وهو أول من ترجم الكتاب المقدس بأكمله من اللاتينية إلى الإنجليزية. وقد أطلق على ويكليف “صباح الإصلاح” لأنه استنكر السلطة البابوية، وانتقد بيع صكوك الغفران (كان من المفترض أن تُطلق سراح الشخص من العقاب في المطهر)، ونفى حقيقة التحول الجيني (عقيدة الخبز والخمر).

وتحويلهم إلى جسد يسوع المسيح ودمه خلال التناول، قام البابا بتوبيخ ويكلف لتعاليمه الهرطوقية وطلب من جامعة أوكسفورد عزله. لكن أكسفورد وكثير من زعماء الحكومة وقفوا مع ويكلف، لذلك كان قادراً على البقاء على قيد الحياة بالرغم من هجمات البابا.

اعتقد ويكليف أن سبب الصراع بينه وبين السلطة المُسيئة للكنيسة هي جعل الكتاب المقدس متاحًا للناس بلغتهم الخاصة. وبالتالي يُمكن أن يقرأوا لأنفسهم كيف يمكن لكل واحد منهم أن يكون له علاقة شخصية مع الله من خلال المسيح يسوع بغض النظر عن أي سُلطة كنسية.  وقد أكمل ويكلف، مع شركائه، العهد الجديد حوالي عام 1380 والعهد القديم في1382[22]. ركز ويكليف أعماله على العهد الجديد، في حين قام أحد المساعدين، (نيكولاس) من Hereford، بترجمة جزء كبير من العهد القديم. ترجم ويكلف وزملاؤه، غير العارفين اللغة العبرية واليونانية، بترجمة النص اللاتيني إلى الإنجليزية.

 

بعدما أنهى ويكليف ترجمته، قام بتنظيم مجموعة من أبناء الرعية الفقراء، والمعروفة باسم لولاردز، للذهاب إلى جميع أنحاء إنجلترا للتبشير بالمسيحية وقراءة الكتاب المقدس بلغتهم الأم إلى كل من يسمع كلمة الله. ونتيجة لذلك، أصبحت كلمة الله من خلال ترجمة ويكليف متاحة للعديد من الإنجليز. كان محبوبًا لكنه مكروه. لم ينسَ أعداءه في السلطات الكنسية معارضته لسلطتهم أو جهوده الناجحة في جعل الكتاب المقدس متاحًا للجميع. بعد عدة عقود من وفاته، أدانوه على بدعته، وأخرجوا جسده من القبر، وأحرقوه، وألقوا رماده في نهر سويفت.

وقد واصل جون بورفي (1353-1428) عمل أحد أعمال ويكليف، وهو عمل مراجعة لترجمته، في عام 1388 كان بورفي باحث مُمتاز، وقام بعمله بشكل جيد للغاية، وفي غضون أقل من قرن من الزمان قد تم استبدال مُراجعة ويكليف بمُراجعة بورفي [23]

لكن كما قُلنا سابقاً، كان ويكليف وزملاؤه أول إنجليز يَقومون بترجمة الكتاب المُقدس ترجمة كاملة، لكنهم اعتمدوا على الترجمة اللاتينية، أي أن ترجمتهم لم تكن من اللغة الأصلية ولكنها كانت ترجمة لترجمة أخرى للغة الأصلية، ومع مجيء عصر النهضة، ظهر رجوع للدراسة الكلاسيكية، ومعها تجددت دراسة اللغة اليونانية والعبرية، وهكذا بعد ما يقرب من ألف عام (500 إلى 1500) وهو الوقت التقريبي الذي كانت اللغة اللاتينية فيه هي اللغة السائدة للمنح الدراسية، وبالطبع باستثناء الكنيسة اليونانية، وبدأ العلماء يقرأون العهد الجديد بلغته الأصلية (اليونانية)، وبحلول عام 1500، تم تدريس اللغة اليونانية في جامعة أكسفورد.

 

ترجمة تيندال:

وُلِد ويليام تيندال في عصر النهضة، تخرج عام 1515 من جامعة أكسفورد، حيث درس الكتاب المُقدس باللغة اليونانية والعبرية، وحينما كان في الثلاثين من عمره كان تيندال قد وهب حياته لترجمة الكتاب المُقدس من اللغات الأصلية إلى اللغة الإنجليزية، وتتجسد رغبة قلبه هذه في تصريح أدلى به إلى رجل دين حينما كان يدحض الرأي القائل إن رجال الدين فقط هم المؤهلون لقراءة الكتب المُقدسة وتفسيرها بشكل صحيح، قال تيندال إذا أطال الله حياتي، فسأجعل الصبي يدفع بالمحراث إلى معرفة المزيد عن الكتاب المُقدس أكثر منه [24]

وفي عام 1523 قد ذهب تيندال إلى لندن يبحث عن مكان للعمل على ترجمته فيه، عندما لم يعطِ له أسقف لندن كرم الضيافة، قد وفر لهHumphrey Munmouth وهو تاجر قماش مكان لعمله، ثم غادر تيندل إنجلترا عام 1524 وذهب إلى المانيا، لأن الكنيسة الإنجليزية التي كانت لا تزال تحت السلطة البابوية في روما عارضت بشدة وجود الكتاب المُقدس بين أيدي العلمانين، واستقر تيندل لأول مرة في هامبورج في المانيا، ومن المُحتمل جداً أنه تقابل مع مارتن لوثر، وحتى وإن لم يُقابلْه، فإنه كان على دراية جيدة بكتابات لوثر وترجمة لوثر الألمانية للعهد الجديد (نُشرت عام 1522)، واستخدم كلٌ من لوثر وتيندل نفس النص اليوناني (نص ايرازموس 1516) في ترجمتهم.

 

وأكمل تيندال ترجمته للعهد الجديد في عام 1525، وتم تهريب خمسة عشر ألف نُسخة، في ستة طبعات، إلى إنجلترا بين 1525-1530، وقد بذلت سلطات الكنيسة أقصى الجهد لتُصادر نسخ ترجمة ويكليف وحرقها، لكنهم لم يستطيعوا وقف دخول الأناجيل من ألمانيا إلى إنجلترا، ولم يستطع تيندال نفسه العودة إلى إنجلترا  لأن تمت إدانته في الوقت الذي تم فيه حظر ترجمته، وبالرغم من ذلك، فقد أكمل تيندال عمله في الخارج من تنقيح ومراجعة وإعادة ترجمة، وظهرت ترجمته في آخر تنقيح لها عام 1535، وبعد ذلك بوقت قصير في مايو 1535، تم ألقاء القبض على تيندال، وبعد سجنه أكثر من عام، تمت محاكمته بالإعدام في 6 أكتوبر عام 1536 حيث تم خنقه وحرقه أيضاً، وكانت كلماته الأخيرة مؤثرة للغاية حيث قال “يارب أفتح عيون ملك إنجلترا” [25]

 

بعد إنهاء ترجمة العهد الجديد، بدأ تيندال العمل على ترجمة العهد القديم من العبرية، لكنه لم يعش كثيراً بما يكفي لإكمال مُهمته، ومع ذلك، فقد قام بترجمة أسفار موسى الخمسة، وسفر يونان، وبعض الأسفار التاريخية، في حين كان تيندال في السجن قام أحد مُساعدية، وهو مايلز كوفرديل (1488-1569) بإنجاز ترجمة باقي الكتاب المُقدس، وأعتمد بشكل كبير على ترجمة تيندال للعهد الجديد وغيرها من كتب العهد القديم، وبعبارة أخرى فقد أنهى كوفرديل ما بدأه تيندال

 

ترجمة كوفرديل:

كان مايلز كوفرديل من خريجي كامبردج، والذي اضطر، مثل تيندال، إلى الفرار، من إنجلترا لأنه كان متأثراً بقوة بمارتن لوثر إلا إنه كان يُبشر بجرأة ضد العقيدة الكاثوليكية الرومانية، بينما كان في الخارج، التقى كوفرديل مع تيندال، ثم أصبح مُساعدًا له، وبحلول الوقت الذي أنتج فيه كوفرديل ترجمة كاملة (1537)، قام ملك إنجلترا هنري الثامن، بكسر كل العلاقات مع البابا، وكان على استعداد لرؤية ظهور الكتاب المُقدس الإنجليزي [26]، فربما تمت الاستجابة لصلاة تيندال، وقد أعطى الملك موافقته الملَكية على ترجمة كوفرديل دون حتى أن يعرف أنه يؤيد عمل الرجل الذي أدانه في وقت سابق!

ترجمة توماس ماثيو:

في نفس العام الذي تم فيه تأييد الكتاب المُقدس لكوفرديل من الملك (1537)، تم نشر كتاب آخر في إنجلترا، قام بعمله أحدهم يُدعى توماس ماثيو وهذا اسم مُستعار لجون روجرز (حوالي 1500-1555)، وهو صديق لتيندال، ومن الواضح أن روجرز استخدم ترجمة تيندال غير المنشورة للكتب التاريخية للعهد القديم، وأجزاء أخرى من ترجمة تيندال، وأجزاء من ترجمة كوفرديل، لتكوين الكتاب المُقدس بأكمله، هذا الكتاب المُقدس حصل أيضاً على موافقة الملك، وتم تنقيح كتاب ماثيو عام 1538، وطُبع للتوزيع في الكنائس في جميع أنحاء إنجلترا، وأصبح هذا الكتاب المُقدس الذي اُطلق عليه الكتاب المُقدس العظيم، بسبب حجمه وتكلفته، فهو أول كتاب مُقدس إنجليزي مأذون به للاستخدام العام.

تمت طباعة العديد من إصدارات الكتاب المُقدس العظيم في أوائل 1540، ومع ذلك كان التوزيع محدود، وعلاوة على ذلك، تغير موقف الملك هنري حول الترجمة الجديدة، ونتيجة لذلك، أصدر البرلمان الإنجليزي قانونًا في عام 1543 يحظر استخدام أي ترجمة باللغة الإنجليزية، كانت جريمة على أي شخص غير مُرخص له بقراءة أو شرح الكتاب المُقدس في الأماكن العامة، تم حرق العديد من نسخ العهد الجديد لتيندال وكوفرديل في لندن.

كان القمع الأكبر يتبع بعد فترة قصيرة من التسامح (أثناء حكم إدوارد السادس 1547-1553)، وقد جاء الاضطهاد الشديد على أيدي Mary التي كانت كاثوليكية عازمة على إعادة الكاثوليكية إلى إنجلترا وقمع البرونستانت، قد تم إعدام الكثير من البروتستانت، بما فيهم جون روجرز وتوماس كرانمر، مُترجمي الكتاب المُقدس، وأُلقي القبض على كوفرديل، ثم أُطلق سراحه، وهرب إلى جينيف، ملاذا للبروتستانت الإنجليز.

 

ترجمة جينيف:

اختار المنفيون الإنجليز في جينيف ويليام ويتنجهام (1524-1579) لعمل ترجمة إنجليزية للعهد الجديد لهم، أستخدم ترجمة ثيؤدور بيزا اللاتينية واستعان بالنص اليوناني، وأصبح هذا هو الكتاب المُقدس الشائع نظراً لكونه صغيرًا وبأسعار مُعتدلة، وتأثرت مُقدمات الكتاب المُقدس وشروحه الكثيرة بتأثير إنجيلي قوي، وبالإضافة إلى تعاليم جون كالفين، فقد كان كالفن أحد أعظم المُفكرين في الإصلاح، وهو المُفسر الشهير للكتاب المُقدس، والقائد الرئيسي في جينيف خلال تلك الأيام.

بينما كان الكتاب المُقدس بجينيف بشعبية بين العديد من الرجال والنساء الإنجليز، إلا إنه غير مقبولٍ بين العديد من القادة في كنيسة إنجلترا، وبسبب مُلاحظات كالفن، فقد أدرك هؤلاء القادة أن نسخة الكتاب المُقدس العظيم كانت أدنى من نسخة جينيف في الأسلوب والمنح، وقد شرعوا على مُراجعة نسخة الكتاب المُقدس العظيم، أصبح هذا الكتاب المُقدس المُنقَّح الذي نُشر عام 1568، يُعرف باسم الكتاب المُقدس للأساقفة (the Bishops’ Bible)، وأستمر استخدامه حتى تم استبداله بإصدار نُسخة الملك جيمس عام 1611.

 

نُسخة الملك جيمس:

يعد أن أصبح جيمس السادس ملك إنجلترا (المعروف باسم الملك جيمس الأول)، قد قام بدعوة العديد من رجال الدين من الفصائل الأنجليكانية والبروتستانتية إلى اجتماع يأمل في إمكانية توفيق الاختلافات، لكن الاجتماع لم يُحقق هذا، وبالرغم من ذلك خلال الاجتماع طلب جون رينولدز أحد قادة البروتستانتيين رئيس كلية كوربوس كريستي، من الملك عمل ترجمة جديدة لأنه أراد رؤية ترجمة أكثر دقة من الترجمات السابقة، ولقد أحب الملك جيمس هذه الفكرة لأن نُسخة الكتاب المُقدس للأساقفة لم تكن موفقة، ولأنه اعتبر المُلاحظات بنُسخة جينيف بمثابة فتنة، بدأ الملك العمل وأخذ دور نشط في التخطيط للترجمة الجديدة، واقترح أن يَعمّل أساتذة الجامعة في الترجمة لضمان أفضل منح دراسية، وحث بشدة على أن لا يكون في النُسخة أية مُلاحظات هامشية إلى جانب تلك التي لها علاقة بالأداءات الحرفية من العبرية واليونانية، إن غياب الهوامش التفسيرية سيُساعد في قبول الترجمة من جميع الناس في إنجلترا.

أكثر من خمسين باحثًا، مُتخصصين في العبرية واليونانية، بدأوا العمل في عام 1607، ومرت الترجمة بعدة لجان قبل أن يتم نشرها، وصدرت تعليمات للعلماء باتباع نسخة الكتاب المُقدس للأساقفة كنسخة أساسية، طالما تلتزم بالنص الأصلي، والاستناد على ترجمات تيندال وكوفرديل وكذلك نسخة الكتاب المُقدس العظيم ونسخة جينيف، في حين أنهم يلتزمون بدقة أكثر بالنص الأصلي، يتم التعبير عن هذا الاعتماد على الترجمات الأخرى في مُقدمة نسخة الملك جيمس، وقد استحوذت نُسخة الملك جيمس على مكانة أفضل الترجمات الإنجليزية أفضل من كل الترجمات السابقة، في الواقع، أصبحت نُسخة الملك جيمس، النسخة المُعتمدة في إنجلترا، وكانت نصبًا دائماً للنثر الإنجليزي بسبب أسلوبها المُهيب ولغتها المُهيبة، وإيقاعاتها الشعرية، لم يكن لأي كتاب أخر تأثير كبير على الأدب الإنجليزي، ولم تؤثر أي ترجمة أخرى على حياة العديد من الناس الناطقين بالإنجليزية لقرون وقرون وحتى يومنا هذا.[27]

 

قصة الكتاب المُقدس الإنجليزي من نسخة الملك جيمس إلى النسخة القياسية المُنقحة

أصبحت نسخة الملك جيمس أكثر ترجمة إنجليزية شعبية في القرنين السابع عشر والثامن عشر. اكتسبت مكانة عظيمة حتى أصبحت هي الترجمة الإنجليزية القياسية للكتاب المقدس لكن نسخة الملك جيمس كانت تعاني من قصور لم يُلاحظه بعض العلماء.

أولاً، كانت المعرفة باللغة العبرية غير كافية في أوائل القرن السابع عشر. النص العبري الذي استخدموه (أي النص الماسوري -انظر الفصل الثاني) كان كافياً، لكن فهمهم للمفردات العبرية لم يكن كافياً. وسوف يستغرق الأمر سنوات عديدة من الدراسات اللغوية لإثراء وفهم المفردات العبرية.

ثانياً، كان النص اليوناني الموجود في العهد الجديد في نسخة الملك جيمس نصًا أدنى. استخدم مترجمو الملك جيمس بشكل أساسي نصًا يونانيًا يعرف باسم Textus Receptus (أو “النص المستلم”)، والذي جاء نتاج عمل إيرازموس، الذي قام بتجميع أول نص يوناني مطبوع. عندما قام إيراسموس بتجميع هذا النص، استخدم خمسة أو ستة مخطوطات متأخرة جداً ترجع إلى القرن العاشر والقرن الثالث عشر. كانت هذه المخطوطات أقل جودة بكثير من المخطوطات السابقة.

كان أداء مترجمي الملك جيمس جيداً مع الوسائل المتاحة لهم، لكن هذه الوسائل لم تكن كافية، خاصة فيما يتعلق بنص العهد الجديد. بعد نشر نسخة الملك جيمس، تم اكتشاف مخطوطات أقدم وأفضل. حوالي عام 1630، تم إحضار المخطوطة السكندرية إلى إنجلترا. وهي مخطوطة من القرن الخامس تحتوي على العهد الجديد بأكمله، قدمت شاهدا مبكرا جيدا على نص العهد الجديد، ولا سيما النص الأصلي للرؤيا. بعد مائتي عام، اكتشف عالم ألماني يدعى قسطنطين فون تيشندورف المخطوطة السينائية في دير سانت كاترين الواقع بالقرب من جبل سيناء. هذه المخطوطة ترجع إلى حوالي عام 350 ـ، هي واحدة من أقدم مخطوطتين للعهد الجديد اليوناني.

أقدم مخطوطة للعهد الجديد، هي الفاتيكانية، كانت موجودة في مكتبة الفاتيكان منذ عام 1481 على الأقل، ولكنها لم تكن متاحة للعلماء حتى منتصف القرن التاسع عشر. هذه المخطوطة، مؤرخة في وقت قبل المخطوطة السينائية 325، تحتوي على كلٍ من العهد القديم والعهد الجديد باليوناني، باستثناء الجزء الأخير من العهد الجديد (عبرانيين 9: 15 إلى رؤيا 22: 21 والرسائل الرعوية). لقد حددت مئات السنين من النقد النصي أن هذه المخطوطة هي واحدة من الشواهد الأكثر دقة وموثوقية. تم اكتشاف مخطوطات أخرى مبكرة ومهمة في القرن التاسع عشر. من خلال الأعمال الدؤوبة لرجال مثل Constantin von Tischendorf و Samuel Tregelles و F. H. Scrivener، تم فك رموز مخطوطات مثل Codex Ephraemi Rescriptus و Codex Zacynthius و Codex Augiensis.

ومع اكتشاف المخطوطات المختلفة ونشرها، سعى بعض الباحثين إلى تجميع نص يوناني من شأنه أن يُمثل النص الأصلي بشكل أوضح من النص الذي قدمه النص المُستلم (Textus Receptus). حوالي عام 1700 أنتج جون ميل تحسين للنص المُستلم، وفي عام 1730 قام ألبرت بينجل، المعروف بــأبي الدراسات الحديثة وعلم اللغة في العهد الجديد، بنشر النص الذي انحرف عن النص المُستلم وفقا للمخطوطات الأقدم.

في عام 1800 بدأ بعض العلماء التخلي عن النص المُستلم. أنتج كارل لاخمان، وهو عالم فلك كلاسيكي، نصًا جديدًا عام 1831 يمثل مخطوطات القرن الرابع. ركز صموئيل تريجلس، الذي درس اللغة اللاتينية والعبرية واليونانية، طوال فترة حياته بالكامل، كل جهوده في نشر نص يوناني واحد، خرج في ستة أجزاء، من 1857 إلى 1872.[28] وكان هدفه هو عرض نص العهد الجديد بنفس الكلمات التي تم نقلها في أدلة قديمة [29]

كما قام هنري ألفورد بتجميع نص يوناني يستند إلى أفضل وأقدم المخطوطات. في مقدمة كتابه للعهد الجديد اليوناني، وهو تعليق متعدد الأجزاء للعهد الجديد اليوناني، نُشر في عام 1849، قال ألفورد إنه عمل من أجل “هدم الاحترام غير الملائم والمتحمس للنص المستلم، الذي كان يقف في طريق كل فرصة اكتشاف كلمة الله الحقيقية “. [30]

خلال هذه السنة نفسها، كان تيشندورف يكرس عمره لاكتشاف المخطوطات وإنتاج طبعات دقيقة للعهد الجديد اليوناني. في رسالة إلى خطيبته، كتب: “أواجه مهمة مقدسة، الكفاح من أجل استعادة الشكل الأصلي للعهد الجديد”. واكتشف المخطوطة السينائية وفك الــ [31]palimpsest للمخطوطة الإفرايمية، وجمع مخطوطات لا تُعد ولا تُحصى وأنتج عدة طبعات للعهد الجديد (الطبعة الثامنة هي الأفضل)

وبمساعدة من علماء سابقين، عمل رجلان بريطانيان، هما بروك وستكوت وفنتون هورت، لمدة ثمانية وعشرين عامًا لإنتاج مجلد بعنوان العهد الجديد باللغة اليونانية الأصلية (1881). جنبا إلى جنب مع هذا المنشور، عرفوا نظريتهم أن المخطوط الفاتيكاني والسينائي، جنبا إلى جنب عدد قليل من المخطوطات الأخرى في وقت مبكر، مثلت النص الذي كرر النص الأصلي. دعوا هذا النص النص المحايد. (وفقا لدراساتهم، وصفوا النص المحايد أن هناك بعض المخطوطات التي لديها أقل قدر من الفساد النصي). هذا هو النص الذي اعتمد عليه ويستكوت وهورت لتصنيف نسختهما المسماة العهد الجديد في اليونانية الأصلية.

وفي أواخر القرن التاسع عشر، قد أصبح لدينا ثلاثة نصوص يونانية جيدة جدًا وهم، نص تشيندورف، تريجلس ،ويستكوت وهورت، كانت هذه النصوص مُختلفة تماماً عن النص المُستلم وكما ذكرنا سابقاً، فقد حَصُل المُجتمع العلمي على المزيد من المعرفة حول اللغة العبرية واليونانية، ولذلك فكانت هُناك حاجة إلى وجود ترجمة إنجليزية جديدة تعتمد على نصوص أفضل وأكثر دقة في ترجمة النص الأصلي.

حاول عدد قليل من الأشخاص تلبية هذه الحاجة ففي عام 1871 أنتج جون نيلسون داربي ترجم تُعرف باسم الترجمة الجديدة (New Translation) والتي كانت تعتمد بشكل كبير على المخطوطة السينائية، وفي عام 1872 نشر روثرهام ترجمة نص تريجلز، والذي حاول فيه أن يعكس التركيز المُتأصل في النص اليوناني، وهذه الترجمة لا تزال تُنشر تحت عنوان The Emphasized Bible، وفي عام 1875 انتج صامويل دافيدسون ترجمة للعهد الجديد لنص تشيندورف.

 

وبدأ أول عمل ضخم عام 1870 بواسطة مؤتمر كانتربري، الذي قرر عمل مراجعة لنسخة الملك جيمس قام 65 باحث بريطاني يعملون في لجان مُختلفة بإجراء تغييرات كبيرة في نُسخة الملك جيمس، فقد صحح علماء العهد القديم ترجمات الكلمات العبرية والمقاطع الشعرية المُعاد تنسيقها إلى شكل شعري، وقد أجرى علماء العهد الجديد ألاف التغييرات بناءً على أدلة نصية أفضل، كان هدفهم جعل مُراجعة العهد الجديد لا تعكس النص المُستلم ولكن تعطي نص تيشيندورف وتريجلس و ويستكوت وهورت، عندما ظهرت النُسخة المُنقحة الكاملة، تم تلقيها بحماس كبير، بيعت منها أكثر من ثلاثة ملايين في السنة الأولى من نشرها، لكن لسوء الحظ لم تكن شعبيتها طويلة الأمد لأن غالبية الناس استمروا في تفضيل نسخة الملك جيمس على جميع الترجمات الأخرى.

وقت تمت دعوة العديد من الباحثين الأمريكيين لينضموا إلى عمل المراجعة، على أساس أن أي من اقتراحاتهم المرفوضة من الباحثين البريطانيين، تَظهر في مُلحق، وعلاوة على ذلك، كان على العلماء الأمريكيين الموافقة على عدم النشر لهذه المراجعة الأمريكية الخاصة بهم إلا بعد مرور أربعة عشر عاماً (1901) تم نشر النسخة القياسية الأمريكية (the American Standard Version)، وهي ترجمة دقيقة وجديرة بالثقة في كلٍ من العهد القديم والجديد وأفضل من النسخة الإنجليزية المُنقحة.

صحيح كان القرن التاسع عشر فترة مُثمرة للعهد الجديد ولكن أيضاً القرن العشرين مُثمر للغاية حيث أن ظهرت وثائق جديدة ساعدت في الدراسات النصية مثل مخطوطات قمران ومخطوطات يودمر وتشيستر بيتي، هذه الاكتشافات عززت بشكل كبير المجهودات المبذولة لاستعادة النص الأصلي للعهد القديم والجديد، وفي نفس الوقت اثبتت اكتشافات أثرية أخرى حقيقة أن الكتاب المُقدس دقيق فيما يُقدمه من معلومات تاريخية، وساعدت العلماء على فهم معاني بعض الكلمات.

كما أن ظهور مخطوطات أقدم وأكثر موثوقية ساعد على عمل تعديل لبعض الفقرات، على الرغم من أن العلماء لا زالوا يستخدمون النص الماسوري لكنهم قد راعوا الاختلافات بينه وبين مخطوطات قمران، وأصبح علماء العهد في مُعظم الأحيان يعتمدون على طبعة العهد الجديد المعروفة باسم نسخة نستل ألاند، قد استخدم ابيرهارد نستل أفضل إصدارات العهد الجديد اليوناني الموجودة ف القرن التاسع عشر لإنتاج نص يُمثل اجماع غالبية النُسخ، قام ابنه بعمل اصدارات جديدة لعدة سنوات وصلت للإصدار 26.

وقد ظهرت الألاف والألاف من البرديات المُكتشفة في مصر، في مطلع القرن العشرين، وهذه البرديات كانت مكتوبة باللغة اليونانية الشائعة أو ما تُسمى اليونانية الأيكوينية، كانت لغة مُشتركة بين الكل، كانت اللغة الشائعة والشعبية في العالم اليوناني منذ القرن الثاني قبل الميلاد إلى القرن الثالث بعد الميلاد، فقد كان كل شخص مُتعلم يستطيع أن يتحدثها ويقرأها ويكتبها، بالضبط مثل أي شخص مُتعلم في العصر الحديث يتحدث اللغة الإنجليزية قليلاً ويقرأها وربما يكتبها، فلم تكن هذه اللغة لغة أدبية، علماء  العهد الجديد قد اكتشفوا أن الغالبية العظمى من العهد الجديد مكتوب اللغة اليونانية الكوينية، “لغة الناس”، ومن هنا قد أتى الدافع، لماذا لا نُترجم العهد الجديد اليوناني إلى لغة الناس؟ فقد اختار العديد من المُترجمين أن يعزفوا عن النمط المُستخدم في نسخة الملك جيمس، أو حتى مثل النسخة الانجليزية المُنقحة أو النسخة الأمريكية القياسية.

 وقد كانت أول ترجمة من هذا النوع هي “العهد الجديد في القرن العشرين” (1902)، وتقول في مُقدمتها.

إن نسخة العهد الجديد في القرن العشرين دقيقة وسلسة وسهلة القراءة، تجذب من يقرأها من البداية إلى النهاية، ولدت هذه الطبعة من الرغبة في أن يكون الكتاب المُقدس مقروءًا ومفهومًا أيضاً، وهو نتاج لجنة كاملة مُكونة من عشرين رجل وامرأة قد عملوا معاً على مدار سنوات عديدة، كما نعتقد أننا قمنا بهذا العمل تحت إرشاد إلهي

بعد ذلك ظهرت نسخة “العهد الجديد ترجمة جديدة” في السنوات الأولى من القرن العشرين قام ها العالم الإسكتلندي جيمس موفات في عام 1913، ولكن لسوء الحظ فقد اعتمد على العهد الجديد اليوناني لهيرمان فون سودن وكما هو معروف فهو نص سيء للغاية.

وقد تحدى إدجار جودسيد أستاذ العهد الجديد في جامعة شيكاجو أن يُنتج نسخة أفضل مما قدمه موفات وويماوث وفي عام 1923 نشر ترجمته “العهد الجديد. ترجمة امريكية”، وكن يُريد أن يعطي ترجمته جزء من القوة الموجودة في النص اليوناني، فقال إنه أراد أن يعطي القارئ الانطباع الذي كان لدى القراء الأوائل، وادعو استمرار قراءة النسخة كاملة في جلسة واحدة، كانت بالفعل ترجمته جيدة وناجحة، أتى بعدها ترجمة العهد القديم التي قدمها J. M. Powis Smith ومعه ثلاثة علماء أخرين، وفي عام 1935 تم النشر الكامل للترجمة العهد القديم والجديد معاً.

النسخة القياسية المُنقحة : اكتسبت النسخة المُنقحة والنسخة القياسية الأمريكية سمعة بأنهم نسخ دراسية ونصهم دقيق، لكن لغتهم “خشبية”، حاول المترجمون الذين عملوا في الإصدارات المُنقحة ترجمة الكلمات من النص اليوناني دون الأخذ في الاعتبار سياق النص، وأيضاً في بعض الأوقات قد تتبعت الترتيب اليوناني للعبارات، وقد تم المُطالبة المراجعة وخصوصا بعد اكتشاف العديد من المخطوطات الكتابية المُهمة مثل البحر الميت وتشيستر بيتي، إن الأدلة الجديدة التي تظهرها هذه الوثائق المُكتشفة يجب أن تنعكس على النسخة

وأظهرت المراجعة تغييرات في سفر إشعياء من الناحية النصية بسبب مخطوطة إشعياء المُكتشفة في قمران، والعديد من التغييرات أيضاً في رسائل بولس على ضوء البردية 46، وتنقيحات أخرى مهمة مثل قصة المرأة الزانية (يوحنا 7:52 – 8:11)، وتم وضعها في الهامش لأنها غير موجودة في المخطوطات القديمة، وأيضاً نهاية إنجيل مرقس (مرقس 16: 8-20) فهذه الفقرات مفقودة من أقدم مخطوطتين (السينائية والفاتيكانية)

في وقت لاحق تم نشر النسخة كاملة متضمنة العهدين وأيضاً الأسفار القانونية الثانية، ورغم الموافقة الكبيرة على النسخة من الكنائس البرتستانتية والأرثوذكس اليونان والروم والكاثوليك، لكن الكثير من المسيحيين البروتستانت والأصوليين تجنبوا هذه النسخة بسبب فقرة واحدة وهي (إشعياء 7:14) لأنها تترجم النص “فتاة” وليست “عذراء”.

 

 

 

[1] 2 تيموثاوس 3:16

[2] 2 بطرس 20-21 : 1

[3] متى 17-19 :5 ، لوقا 16:17 ، يوحنا 10:35

[4] لوقا 24: 27،44

[5] يوحنا 14:26، 15:26 ، 13-15 :16

[6] ا كورنثوس 10-12 : 2

[7] يوحنا 1:4 ، 4:14 ، 6:48 ، 8:12 ، 11:25 ، 14:6

[8] كولوسي 2:3،9

[9] تعود كلمة عهد (testament) إلى الكلمة اللاتينية testamentum وإلى اليونانية diatheke.

[10] إرميا 31-34 :31

[11] لوقا 24 :44

[12] متى 17-18 :5، يوحنا 10:35

[13] أنظر See “Biblical Manuscripts” by Philip W. Comfort in Young’s Compact Bible Dictionary (Wheaton, Ill.: Tyndale House Publishers, 1989), from which this portion was adapted.

[14] بعض المخططات المُكتشفة في قمران، وخاصة مخطوطتين لسفر صموئل الأول، متقارب أكثر مع السبعينية من النص الماسوري، ومخطوات اخرى قمرانية تتفق مع السامرية ولا سيما مخطوطة الخروج، وبالتالي يج أن يكون هناك بعض الإختلافات للنص، بخلاف الشكل الظاهر في غالبية مخطوطات البحر الميت ثم المخطوطات الماسورية، لا يزال العلماء يعتمدون بشكل كبير على النص الماسوري ويستخدمون المصادر الأخرى كعامل تكميلي 

[15] أعمال الرسل 8:1

[16] 1 كورنثوس 14:26 ، افسس 5:19 ، كولوسي 3:16 ، 2 تيموثاوس 14-17 :3

[17] كلمة قانون جائت من الكلمة اليونانية kanon التي تعنى مسطرة أو قاعدة ، والتالي تُشير إلى معيار القياس ، ولذلك قبل أن يتم ضم كتاب الى قانون العهد الجديد كان يجب أن يصل الى هذا المعيار، (1) أن يكون كاتبه هو احد الرسل أو رفيقه أو قريب يسوع مثل يعقوب ويهوذا ، (2) كان يجب أن تحتوي على حقائق مُلهمة يُمكن تعليمها باعتبارها عقيدة مسيحية

[18] See Young-Kyu Kim’s article, “The Paleographic Dating of P46 to the Later First Century,” in Biblica, 1988, 248–57.

[19] للحصول على قائمة أكبر لمخطوطات ورق البردية المُبكرة ، ومناقشة كاملة حول تأثيرها على نص العهد الجديد اليوناني راجع كتابي Early Manuscripts and Modern Translations of the New Testament

[20] Frederic Kenyon, Our Bible and the Ancient Manuscripts (New York: Harper and Row, 1958), 55

[21] تُعرف أيضاً بأسم the Book of Durham أو The Gospels of St. Cuthbert.

[22] تم الاحتفاظ بالمخطوطة الأصلية في مكتبة بودليان في أكسفورد.

[23] يوجد حوالي 170 مخطوطة موجودة لترجمة ويكليف، حوالي 25 مخطوطة من العمل الأصلي، وأقدم مخطوطة معروفة لمراجعة بورفي مؤرخة لعام 1408

[24] Brian Edwards, God’s Outlaw (Wheaton, Ill.: Tyndale House Publishers, 1981), 61.

[25] Brian Edwards, God’s Outlaw (Wheaton, Ill.: Tyndale House Publishers, 1981), 168.

[26] كانت ترجمة كوفرديل هو أول كتاب مُقدس إنجليزي يتم طباعته في إنجلترا، لم يتضمن الأسفار القانونية الثانية

[27] ملحوظة : بعض المعلومات الواردة في هذا الفصل تم اقتباسها من مقالة غير منشورة بعنوان ” تاريخ الكتاب المُقدس الإنجليزي ” بقلم بول أم بكتل ، لـ Tyndale Encyclopedia project.

[28] وذلك لأن تريجلس كان فقيرًا جدا، كان عليه أن يَطلب مساعدة من الرعاه في تكاليف النشر ، اعتبر نفسي محظوظ لأني أمتلك نسخة من العهد الجديد اليوناني لتريجلس بتوقيعه.

[29] مُقدمة نسخة تريجلس للعهد الجديد اليوناني

[30] مُقدمة نسخة هنري ألفورد للعهد الجديد اليوناني

[31] هي المخطوطة التي تم محو نصها الأصلي والكتابة عليها مرة أخرى.

إصدارات الكتاب المقدس – الجزء الأول – فيليب كومفورت – ترجمة: مينا كرم

التعرف على الاستجابة التي يرغب فيها الله – ماذا يريد الله أن أفعل؟

التعرف على الاستجابة التي يرغب فيها الله – ماذا يريد الله أن أفعل؟

التعرف على الاستجابة التي يرغب فيها الله – ماذا يريد الله أن أفعل؟

التعرف على الاستجابة التي يرغب فيها الله – ماذا يريد الله أن أفعل؟

المبدأ الإرشادي: يرغب الله في استجابة الإيمان والطاعة

لكل من التعاليم المباشرة والمبادئ الموجودة في الكتاب المقدس

الهدف من دراسة الكتاب المقدس هو تطبيق حق الكتاب المقدس على الحياة، فإذا لم يتم عمل هذا التطبيق، فإن كل الجهد الذي بذل للتأكد من المعنى الذي يقصده المؤلف يكون قد ذهب هباء. فالحقيقة أن المعرفة بدون العمل تضاعف من إهانة العصيان

لكن للأسف، العديد من دارسي الكتاب المقدس “يحصلون على بركة” من الكتاب المقدس من خلال الانطباعات الشخصية التي يفترضونها من خلال ما يقرؤونه بدون أية محاولة جادة لتحديد المعنى الذي يقصده المؤلف. فإن كانوا قد تعلموا مجرد البحث بدقة عن المعنى بين السطور الذي قمنا به في الأجزاء الأولى من هذا الكتاب، فقد يشعرون بالجفاف أو بأنهم أكاديميون، محرومين من الإبحار بحرية ومن إطلاق العنان لخيالهم.

إلا أن هذا الأمر يمكن أن يكون مأساوياً لأنه يتجاوز غرض الكتاب المقدس، ويمكنه أن يفتح الباب لأن يقوم المرء بأي شيء يريده تقريباً بالقطع، وهو يشعر أن انطباعه الشخصي هو رسالة سلطوية من الله. تحدث الله من خلال الأنبياء والرسل بالحق الذي كان يقصد أن نفهمه ونؤمن به ونطيعه، لذلك يجب علينا أن نجتهد لكي نفهم الكتاب المقدس بحيث أن ما نؤمن به ونطيعه يكون حقاً إرادته وليس أفكارنا الخاصة.

وبالعكس، هناك آخرون يكونون شديدي الحرص في البحث عن المعنى الدقيق الذي يقصده المؤلف، ولكنهم لا يتبعون ذلك بتطبيق جاد لذلك على حياتهم.

فهم يدرسون بعناية ولكنه لا يصرفون وقتاً كبيراً في التأمل في الاستجابة التي يرغب فيها الله. وهذا الفشل أكثر خطورة من الفشل في فهم المعنى الذي قصده المؤلف. إذ أن تطبيق الإيمان والطاعة في حياتي وفي حياة أولئك الذين لديّ مسؤولية روحية تجاههم، هو الهدف من دراسة الكتاب المقدس.[1]

فكيف ننتقل من الفهم إلى التطبيق؟ كما رأينا في الفصل السابق، يجب أن نحدد أولاً ما إذا كان التعليم يقصد به الطاعة المعاصر الآن أم لا. إن الأساس لدينا هو أن كل الكتاب المقدس موجه لنا إلا إذا قام الكتاب المقدس نفسه بطريقة أو بأخرى بقصر التعليم على آخرين. وبمجرد أن يتم تحديد المتلقين المقصودين للمقطع الكتابي، لا بد أن نطرح السؤال التالي: ما الاستجابة التي يرغب فيها الله مني أو من أولئك الذين من مسؤوليتي أن أوصل لهم حق الله؟ الاستجابة التي يطلبها الله هي الإيمان والطاعة.

لكن محتوى المبدأ الكتابي وطريقة الطاعة لا يكونان ظاهرين بطريقة مباشرة دائماً. فالله يظهر إرادته من خلال الكتاب المقدس بطريقتين: الإعلان الواضح المباشر والمبدأ العام، وعليك أن تدرس الاثنين لأن الاستجابة الأولية تختلف.

الإعلانات والتوجيهات الواضحة

عندما يتم الإعلان عن مبدأ أو عقيدة ما في الكتاب المقدس بصورة واضحة، فإن الاستجابة الوحيدة المقبولة لدى الله هي الأيمان. فوجود الله وشخصيته، وتجسد ابنه، وطبيعة الإنسان الخاطئة، يتم الإعلان عنها بوضوح لكي نقبلها بالإيمان. أما الإعلان الخاص بما يجب أن أكون عليه وأفعله أنا وإخوتي المؤمنين، ففي معظم الأحيان يتم الإعلان عنه بوضوح باعتباره يتمثل في اتباع يسوع، والصلاة كل حين، والغفران لبعضنا البعض، وغيرها. والاستجابة لتلك التوجيهات الواضحة للكتاب المقدس هي الطاعة.

وهكذا عندما يتم تعليم مبدأ ما بوضوح، فإننا نكون مدعوين إلى الإيمان، وهذا الإيمان يعني أكثر من مجرد الاتفاق على أن المبدأ صحيح وحق. فمثلاً، لأجل تطبيق الحق القائل بسيادة الله على كل الأشياء، يعني أن علينا أن نفكر في آثار تطبيق ذلك الحق على المواقف الحالية. فمثلاً، هل أعاني من الخوف؟ هل هناك صديق مسيحي لي يقلق باستمرار بشأن المستقبل؟ التطبيق هنا يعني أن نواجه بوضوح آثار كل مبدأ كتابي نقول إننا نؤمن به، ونتعلم أن نستجيب له بالإيمان.

الكتاب المقدس مليء بالوعود لكل شعب الله. ومسؤوليتنا ليست مجرد التأكد من المعنى عن طريق تحليل النص وربط الوعد بالتعاليم الأخرى للكتاب المقدس – مثل التعاليم التي تؤهلنا للحصول على لك الوعود. كلا، فقد وعد الله بتسديد كل احتياجاتنا بالفعل، لكننا لن نكون مؤهلين بالكامل للحصول على ذلك الوعد إلا عندما تهدأ عقولنا، وتعكس حياتنا الرضى والاكتفاء.

إلا أنه ليس هناك حقائق يجب أن نؤمن بها، ووعود يجب أن نمتلكها، بل هناك أيضاً وصايا وتعاليم يجب أن نطيعها. على سبيل المثال، قد يكون من الصعب أن أقوم فعلياً باعتبار الآخرين أفضل من نفسي، لكن إلى أن أفحص اتجاهي نحو كل شخص في حياتي وأطلب معونة الله لطاعة مثل هذه الوصية، لا أكون قد بدأت في تطبيقها في حياتي.

هل يوجد أناس في اجتماعك يكنون الضغينة للآخرين؟ هل هناك فقط علاقات رسمية بين الأعضاء لا تتعدى مجرد العشاء الودي في الكنيسة، ولا تدخل إلى ما هو أعمق من ذلك؟ يقول الله أننا يجب أن نغفر لبعضنا البعض إن كنا نرغب في نوال غفرانه لنا، وأننا يجب أن نحب بعضنا البعض بشدة.

لذلك فإن القائد الذي لا يقوم بفحص كل التعاليم الكتابية الخاصة بالعلاقة بين المؤمنين في الكنيسة، ولا يسعى باستمرار لطرق لتصحيح العلاقات الخاطئة أو غير الصحيحة، يكون قد قصر في بلوغ الخطوة النهائية والتي لا غنى عنا في دراسة الكتاب المقدس – وهي التطبيق.

في حالة الإعلان الواضح عن مبدأ أو توجيه كتابي ما للحياة، عادة ما تكون آثار ذلك على الإيمان والطاعة واضحة بما يكفي، رغم أنه ربما يكون من الصعب اتباعها. لكن ماذا عن التعليم الذي لا يكون واضحاً؟ هل تكون له سلطة أقل؟ وهل تكون متطلبات الإيمان والطاعة أضعف عندما لا يكون التعليم في شكل وصية واضحة؟ كلا، لأن الكتاب المقدس هو كتاب مبادئ عامة كما هو كتاب للتوجيهات الواضحة. لاحظ أن مبادئ الكتاب المقدس لها نفس سلطة التوجيهات الواضحة.

فمثلاً، يجب على المرء ليس فقط أن يمتنع عن قول “رقا” (مت 5: 22) بل عن أية كلمة أخرى أيضاً بها تقليل من شأن الآخرين، ومع ذلك فإن التعليم المحدد نفسه معياري، كما هو المبدأ الذي خلفه، إلا إذا كانت حلة التعليم غير ملزمة في الكتاب المقدس، وغير موجودة في الموقف الحالي. في رسالة تيموثاوس الأولى 2: 2، نجد أن الصلاة لأجل الملوك هي تعليم محدد، كما أن الصلاة أيضاً لأجل رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، رئيس مصر ورئيس الإمارات العربية المتحدة…. إلخ.

هو المبدأ الضمني الذي يتم تطبيقه، فليس علينا أن نمسح ملكاً لكي نطيع هذه الوصية – بل أننا فقط نطيع المبدأ الذي وراءها. فإن كان لديك ملك بالفعل، يكون عليك أن تطيع الوصية المحددة مباشرة، وأن تصلي لأجله. اغسل رجلي أخيك إن كانت متسخة (يو 13)، لكن اخدمه بطرق أخرى كذلك إن لم يكن محتاجاً لمثل هذا النوع المحدد من المساعدة في الوقت الحاضر.

دعونا نلاحظ أيضاً مبدأ إرشادي آخر لربط الوصايا الواضحة بمبادئ الكتاب المقدس. لا يوجد مبدأ عام، مثل المحبة، يمكن أن يستخدم لاستبعاد توجيه واضح في الكتاب المقدس – كما يفعل ذلك أنصار مذهب الحكم بحسب الحالة أو الموقف.

فإذا أوصى الكتاب المقدس الشخص بأن يظل متزوجاً، فلا يمكنه أن يسعى إلى الطلاق بالاستناد إلى مبدأ المحبة. كما أن المرء ليست لديه السلطة لاستنتاج مبدأ ما من توجيه واضح يمنع تعدد الزوجات، ثم يقوم بعد ذلك بتطبيق ذلك المبدأ للتعدي على الوصية المحددة نفسها، في هذه الحالة، لن يسمح ذلك فقط بتعدد الزوجات، ولكنه سيتطلبه تحت شروط معينة. وهكذا، فكل من التعليم المحدد والمبدأ المتأصل فيه هما معياريان، يتطلبان الإيمان والطاعة من كل الناس في كل الأزمان.

إلا أن تمييز الاستجابة التي يرغب فيها الله لا يكون دائماً أمراً واضحاً في موضوع المبادئ كما هي الحال في التوجيهات الواضحة. لذلك فإن مهمة المفسر هي أن يدرك السلطة الكاملة لكل مبدأ كتابي، وأن يقوم بعناية بتحديد هذا المبدأ، وأن يفكر بجدية في مضامين ونتائج ذلك المبدأ، ثم أن يقوم بعد ذلك بممارسته وتطبيقه.

المبادئ العامة

المبدأ العام هو معيار أو مقياس كتابي يمكن تطبيقه على أكثر من نوع من المواقف. ومع ذلك فإن الاستجابة لمثل هذه المبادئ يجب أن تكون هي نفسها استجابتنا للإعلانات الواضحة، أي الإيمان والطاعة. وحيث أن المبادئ العامة لا تكون دائماً ظاهرة بطريقة مباشرة، فإن الإيمان والطاعة هنا يكون لهما سمات مميزة، وهي الاجتهاد، والانفتاح، والشجاعة، بمعنى، الاجتهاد في البحث، والانفتاح على التغيير، والشجاعة لتحدي التفسيرات التقليدية.

من أين تأتي المبادئ؟ تأتي المبادئ أساساً من أربعة مصادر كتابية، فدعونا نفكر في كل منها بنوع من التفصيل.

المبادئ التي تُذكر بوضوح

“أحب قريبك كنفسك” (لا 19: 18)، هو واحد من التوجيهات الواضحة من ناحية، كما أنه أيضاً مبدأ عام. أما عن كيفية التعبير عن المحبة، فهذا الأمر يعبر عنه الكتاب المقدس بالتفصيل. لكن التطبيقات المعلنة بالتحديد ليس المقصود بها أن تكون شاملة بأي شكل من الأشكال.

فمن الأولوية أن نبحث عن المعاني الكاملة لهذه الوصية بالنسبة للحياة المعاصرة، لأن الكتاب المقدس لا يقوم بتطبيق المبدأ المرتبط بهذا الأمر على جميع المشاكل المعاصرة. فمثلاً، كيف يمكن تطبيق هذا المبدأ في العلاقة بين العامل والمدير، أو في سياسة مؤسسة بها جنسيات متعددة؟ لذلك يجب أن يتم البحث باجتهاد عن تطبيقات محبة القريب في كل نواحي الحياة.

المبادئ العامة المشتقة من الإعلان الواضح

يمكن اشتقاق مبدأ عن طريق الاستنتاج المنطقي من تعليم أو من مجموعة من التعاليم المباشرة. فمثلاً، توجد شبكة من التعليم الواضح الخاص بالطهارة الجنسية. “لا تزن” (خر 20: 12)، “إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه” (مت 5: 28). فالمبدأ من وراء هذا النمط من الوصايا يتعلق بالطهارة الجنسية. بلا شك، يوجد مبدأ آخر من وراء ذلك، وهو الإخلاص لشريك الحياة، كما يوجد خلف مبدأ الإخلاص أيضاً مبدأ آخر وهو الحب.

فعندما نشتق مبدأ عام خاص بالطهارة، فهذا الأمر ليس فقط صائباً، ولكنه ضروري لجعل الكتاب المقدس هو السلطة العاملة في الحياة المعاصرة. فمثلاً، لا الصور الإباحية ولا التلصص الجنسي يتم إدانته بوضوح في الكتاب المقدس، ولهذا السبب، يستخدم بعض المشيرين الإنجيليين الصور الإباحية لعلاج الزيجات المضطربة.

لكنه من غير الممكن القيام بهذا الأمر، إن أردنا أن نطبق بأمانة النموذج الكتابي للوصايا الذي يضع مبدأ شديد الوضوح. فالطهارة الجنسية في الفكر والجسد هو مبدأ كتابي مشتق من العديد من التعاليم عن موضوع الجنس، وطبيعة الخطية (الفكرية والجسدية)، والإخلاص الزوجي والمحبة، ومن العديد من التعاليم الأخرى أيضاً.

المبادئ العامة المشتقة من المقاطع التاريخية

دائماً ما يكون للحدث التاريخي معنى ما، وإلا لما تم تدوينه في الكتاب المقدس، وفي كثير من الأحيان يكون هناك أكثر من معنى واحد، وهذا المعنى قد لا يكون أكثر من مجرد تقديم الخلفية التاريخية اللازمة.

كما يمكن أن يستخدم الحدث كتوضيح لحق معين مهم، لكن إن كان استخدامه لأجل استخراج مبدأ عام، فلا بد أن يقوم الكتاب المقدس نفسه بتفسيره هكذا. فإن لم يتم تفسير الحدث بواسطة الكتاب المقدس، فيجب ألا يتم استخدامه لاستخراج مبدأ أو عقيدة للسلوك.

يترك الكتاب المقدس العديد من الأحداث التاريخية غير مفسرة، ولكنه يقوم بالحكم على كم آخر منها، فإما أن يتم إدانة السلوك أو مدحه. وفي بعض من تلك الحالات، يذهب الكتاب المقدس إلى ما هو أبعد من ذلك، فيقدم سبباً للإدانة أو للمدح. مثل هذه الأحداث المفسرة هي المادة الخام السليمة لتصفية المبادئ العامة.

فمثلاً، إن كان هناك اعتقاد أن إبراهيم هو نموذج للإيمان في تضحيته بابنه اسحق، فإننا عندئذ نكون في مأمن إن اعتبرنا أن عمله هذا ممدوح، رغم أننا قد لا نفكر هكذا من تلقاء أنفسنا. أما إن قام الكتاب المقدس بمدح خداع القابلات المصريات وإدانة خداع إبراهيم وسارة، فإننا نكون ملزمين بأن نبحث عن المبادئ الكامنة خلف المدح والإدانة قبل تطبيق تلك التوضيحات على السلوك المعاصر.

لكن إن لم يقل الكتاب المقدس ما إذا كان حدث ما ممدوح أو مدان، فيجب ألا نقوم باستخراج مبدأ أو عمل تطبيق معين على ظروف نعتقد نحن أنها مشابهة، ونستخدم الظروف المدونة في الكتاب المقدس باعتبارها سلطة لإقامة معيار ما.

من خلال الكتاب المقدس نتجنب خطأ الأناس الأشرار، ونأخذ عبرة من العقاب الذي نالوه (1كور 10: 11)، كما أننا نتبع الأبرار عندما تشير أعمالهم إلى إرادة الله الجوهرية. ويخبرنا بولس كذلك مراراً كثيرة أن نقوم بذلك – أي بأن نتمثل به كما يتمثل هو بالمسيح.

ومع ذلك، هل نموذج بولس في عمل انقسام في المجامع لأجل تأسيس كنائس، هو معيار عام يجب أن نأخذه كمثال نتبعه؟ كلا، بل يجب أن نقوم بتفسير تلك الأحداث التاريخية في ضوء التعليم الواضح والمباشر، وأن نستخدمها لتوضيح مبادئ للتطبيق في الوقت الحاضر بهذه الطريقة المناسبة فقط.

فإن لم يعطينا الكتاب المقدس حكماً عما إذا كان الله يوافق على هذا السلوك أو ذاك، فإننا لا نكون أحراراً في استخدامه بسلطان كنموذج نتبعه أو نتوقع من الآخرين أن يتبعوه.

لنفكر مثلاً في قصة أيوب. من غير الصائب أن نستنبط من هذه القصة مبدأ أن كل التجارب هي من الشيطان. فالحدث التاريخي مثل اختبار أيوب، يمكن فقط أن نستمد منه مبدأ أن بعض التجارب على الأقل تأتي من الشيطان، وبالتالي، فإن أية تجربة معينة يمكن أن تكون أو لا تكون من أعمال العدو. فإن كان المرء يريد أن ينادي بمبدأ أن كل التجارب هي عمل مباشر للشيطان، فإنه يحتاج أن يثبت ذلك من مصدر آخر.

قال بولس لسجان فيلبي، “آمن بالرب يسوع المسيح فتخلص أنت وأهل بيتك”. وهذا تقرير لحدث تاريخي، ومع ذلك فإننا يمكن أن نستنتج عن حق أن هذا الأمر ينطبق على الآخرين كما ينطبق على السجان. ومع ذلك فقد سأل السجان، “ماذا ينبغي أن أفعل؟”، ولم يسأل ماذا ينبغي لأي إنسان، في أي مكان، وأي زمان، أن يفعل؟” وقد أجاب بولس على سؤاله بشأن ما يجب على هذا السجان بالتحديد أن يفعله. لا يمكننا أن نثبت من هذا المقطع مبدأ يقول إن هذا هو كل ما يجب على الإنسان أن يفعله لنوال الخلاص.

فلا بد أن يتم إثبات هذا المبدأ في مكان آخر. فقد قال بطرس في إجابة له على سؤال مشابه، “لا بد لكم أن تتوبوا تعترفوا”، بينما قال المسيح في إجابة على سؤال آخر مشابه، “اذهب وبع كل مالك وأعط الفقراء، وتعال اتبعني”. فيجب ألا ننتقي من هذه الإجابات ونختار ما يرضينا منها، بل يجب أن نفحص كل البيانات الكتابية، وأن نبني صحة معيار عام نراه في أي سياق تاريخي معين من خلال تأكيدات الكتاب المقدس.

كما ترد الأحداث التاريخية أيضاً في أسفار ليست مخصصة للتاريخ، وهذه أيضاً قد تكون مفيدة لاستخراج مبادئ يمكن تطبيقها اليوم. فمثلاً، في رومية 15، 16، يذكر بولس تفاصيل شخصية عن نفسه، ويعطي تعليمات محددة للناس الذين كانوا يعيشون في روما في ذلك الوقت، كما أنه ذكر الكثير من التحيات. وهكذا فإن ذلك المقطع مخصص أساساً لأشخاص ولأحداث محددة في التاريخ، والكثير منها لا ينطبق علينا مباشرة، لكننا نجد هنا وهناك تعاليم عامة.

لقد كان لدى بولس سياسة بألا يبشر بالإنجيل في مكان تم التبشير فيه من قبل (رو 15: 20)، لكن ليس هذا هو المبدأ الذي يجب أن يتبعه جميع المسيحيين أو كل الإرساليات، بل كان هذا هو التوصيف الوظيفي الخاص لبولس. لكنه عندما قال إن كنائس الأمم من واجبها أن تساعد مادياً المسيحيين في أورشليم لأنهم قد استفادوا روحياً من خلال هؤلاء المسيحيين (رو 15: 26-27)، كان يبدو أنه يعنى مبدأ عاماً.

لماذا؟ ليس فقط لأن هذا التعليم مقدم بوضوح في مكان آخر، بل أيضاً لأن بولس قدم سبباً لهذا الواجب في المقطع نفسه. وهذا السبب يقدم كمبدأ أساسي: أنهم يجب أن يعطوا لأنهم قد استفادوا من قبل روحياً.

 من المقاطع التاريخية الأخرى، التي يمكن من خلالها أن نستمد المبادئ بطريقة سليمة، هي الصلوات والترانيم. فإن كانت هذه الصلوات والترانيم تعكس استجابات تقية لأشخاص أتقياء، فيجب أن نشعر بالحرية في أن نصلي هذه الصلوات، ونرنم تلك الترانيم. ولكنها لا تكون سلطوية باعتبارها الحق المزعوم، إلا إذا قدمها لنا مؤلف من مؤلفي الكتاب المقدس الموحى لهم من الله، مثل داود وبولس.

لكن حتى في هذه الحالة، يجب أن نمارس من الحيطة والحذر، فمثلاً ليست كل صلاة للمسيح تصلح لأن نصليها نحن. فقد يصلي أحد القسوس، عن صواب، لأجل شعبه بكلمات المسيح التي صلاها لأجل تلاميذه، “الكلام الذي أعطيتني قد أعطيتهم وهم قبلوا… لست أسأل أن تأخذهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرير” (يو 17: 8، 15). بل يمكنه أن يسترسل أيضاً في الصلاة، “كما أرسلتني إلى العالم أرسلتهم أنا إلى العالم” (ع 18).

لكن لا يمكنه أن يصلي قائلاً: “أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطتني يكونون معي حيث أكون أنا لينظروا مجدي” (ع 24). ورغم أن هناك بالفعل قسوس يتصرفون بهذه الطريقة، إلا أن هذه الصلاة لا يمكن أن تكون صلاة سليمة أبداً!

باختصار، يمكن أن نقول إن المقاطع التاريخية لها ثلاث مستويات للسلطة، عندما يتم استخدامها كمصادر لاشتقاق مبادئ عامة لأجل استخدامها في التطبيق المعاصر اليوم.

1 – عندما يقوم الكتاب المقدس نفسه بتقييم الحدث ويعطي السبب لهذا التقييم، فإن الحدث التاريخي عندها تكون له أعلى سلطة ليكون معيارياً.

2 – إذا قام الكتاب المقدس بتقييم حدث تاريخي باعتباره يستحق الثناء أو الإدانة، ولكنه لم يوضح سبباً لذلك، فمن الصواب أن نستخدم الحدث، بجانب التعليم الواضح من الكتاب المقدس، لاستنتاج مبدأ كتابي. لكن هذا المبدأ الذي يشتق بهذه الطريقة لا يكون له نفس مستوى اليقين.

3 – على أقل مستوى من الفائدة من هذه الناحية، هي تلك الأحداث التاريخية التي لا يعطي فيها الكتاب المقدس حكماً معيناً. فعلى الرغم من أن تلك المقاطع يمكن أن تستخدم لشرح الحق الذي تم تعليمه من قبل في مكان آخر بوضوح، فإنها لا يمكن أن تستخدم بطريقة مستقلة لتأسيس مبدأ أو سلوك مسيحي معياري.

المبادئ العامة المشتقة من المقاطع التي لا تنطبق مباشرة على الحياة المعاصرة

كما رأينا، هناك العديد من الوصايا أو التعاليم (1) الذي يكون محدد في سياقها، لمن هي موجهة، وتحت أية ظروف يتم تطبيقها. (2) أو التي يتم تعديلها بواسطة إعلان لاحق. (3) أو التي يبدو أنها تتناقض مع تعليم أوضح أو ينال تركيزاً أكبر أو أكثر ثباتاً في الكتاب المقدس. ومع ذلك فإن جميع هذه التعاليم من ناحية ما، تعكس مشيئة الله حيث أنها نشأت معه.

ولذلك فإن نوع من الحق العام الذي يتفق مع شخصية الله يجب أن يكمن خلف التعليم، حتى لو لم تكن مشيئة الله أن يتبع كل إنسان هذا التعليم المحدد. فكيف يمكن أن يكون لهذا التعليم أية قيمة، إن كان محدوداً بزمن أو تم تعديله فيما بعد؟

إذا كان الهدف من الوصية أو التعليم معطى في الكتاب المقدس، فإن تطبيقه تكون له قوة المبدأ، حتى لو كان التعليم نفسه ليس شاملاً أو عاماً. وينطبق على ذلك أيضاً نفس المنهج المفترض لاشتقاق مبادئ من المقاطع التاريخية. بمعنى أنه حيث أن الهدف معطى وواضح، فإنه يصبح هو الأساس للمبدأ الثابت.

فمثلاً، أوصى الله يشوع أن يطرد شعب كنعان لكي يأخذ إسرائيل أرضه، فهل هذا يعني أن الله يريد من الكنيسة أن تشن حملات صليبية ضد المسلمين الذين يشغلون نفس الأرض؟ كلا، لكن لماذا فعل الله ذلك؟ لأنه، كما يقول الكتاب، قد أحب شعبه، وذلك السبب هو مبدأ لا يتغير وراء كل أعمال الله المختلفة.

لكن ماذا إذا كان الغرض من الوصية لم يذكر بوضوح؟ هل يمكن للمرء أن يستنتج مثل هذا المبدأ الكامن من تعليم لا ينطبق علينا اليوم؟ كما هو الحال في المقاطع التاريخية، إذا كان من الممكن استخراج توازيات واضحة معه من تعليم عام، قد يكون من المناسب استخدام التعليم المحدود كتوضيح لإرادة الله، لكن هذا التوضيح لا يكون له سلطة الحق المعلن، مثله في ذلك مثل أي تطبيق معاصر آخر للكتاب المقدس.

دعونا نفكر في مقاطع من الكتاب المقدس، خاصة مقاطع العهد القديم التي تكون مباشرة وتظهر بوضوح قصد المؤلف، ولكن التي تعديلها بواسطة إعلان لاحق.

مثال على ذلك، كان يوصى بالحرب في العهد القديم بطريقة واضحة ومباشرة. وقد اتخذ الكثيرون في تاريخ الكنيسة هذا الأمر كتصريح وتبرير للقيام بحروب شرسة. لكن يسوع المسيح علم عدم المقاومة وعلم بوضوح أن مملكته ليس من هذا العالم. فليس على المسيحيين أن يحاربوا بأسلحة جسدية للدفاع عن مملكته أو امتدادها.

لكن مهما كان تعليم المسيح هذا يعني بالنسبة للعلاقات الشخصية أو الدولية اليوم، ليس من الصواب أن نقول إن كل الحروب المادية هي ضد مشيئة الله. فحتى لو كان الله أمر بالحرب لمرة واحدة فقط، فهذا يوضح أنه لا يوجد في أصل الحرب المادية، شيء غير مقبول عموماً بالنسبة لمشيئة الله وشخصيته.

ولذلك، فحيث أن بعض الحروب تكون مشروعة، والبعض الآخر لا يكون كذلك، فإننا نكون ملزمين بأن نبحث عن المبدأ الذي يكمن خلف هذه الأوامر، وأن نحسم التناقض الظاهري بين هذه التعاليم. لذلك يمكن أن نستخرج من مقطع ما مبدأ عاماً لا ينطبق بطريقة مباشرة على الحياة المعاصرة، وهو أن الحرب ليست دائماً أمراً خاطئاً.

لقد فكرنا في أربعة طرق يمكن بها أن نستخرج المبادئ من الكتاب المقدس. فعندما تكون هذه المبادئ هي بوضوح إرادة الله المعلنة، يكون لها سلطة مساوية في الحياة للإعلانات الواضحة للمبادئ أو التوجيهات، ويكون الإيمان والطاعة هما الاستجابة التي يتوقعها الله لإعلاناته، التي تكون مفعمة بالمبادئ. يؤكد أي هوارد مارشال على هذا الأمر بقوله:

بدلاً من النزاع المباشر بين الوقع الكتابي والوضع الحديث، الذي يتم في معظم الأحيان عن طريق تجاهل الاختلافات بينهما، وإساءة تطبيق نصوص الإثبات، لا بد أن نعود إلى التعليم الكتابي في مواقف معينة، وإلى المبادئ الكتابية التي يتم التركيز عليها، ثم نعيد تطبيقها على مواقفنا ومشاكلنا المعاصرة.[2]

كما يشير إيه بيركيلي ميكلسن إلى نفس النقطة بالقول: “يتضمن التطبيق الشخصي القيام باستخراج مبدأ صادق وينطبق على كل إنسان ينتمي إلى الله. من المقطع الكتابي، أو مبدأ للأفراد في مواقف موازية”.[3]

هذه مفاهيم قيمة في حالة أنها لا تقود إلى منع التطبيق المباشر للإعلانات الواضحة من الكتاب المقدس، إذ ينتظر الله استجابتنا بالإيمان والطاعة، لكل من الإعلانات الواضحة والمبادئ التي يتم استخراجها بطريقة سليمة.

دعونا نلاحظ أمراً آخر بشأن المبادئ. رغم أن المبدأ الذي يتم إعلانه، بوضوح تكون له السلطة الكاملة باعتباره مشيئة الله، إلا أن تطبيق ذلك المبدأ بواسطة المسيحي أو الكنيسة، لا يشترك في سمة العصمة هذه. فقد نخطئ في عمل التطبيق، لكننا مع ذلك نكون مسؤولين أن نقوم باستمرار بتطبيق المبادئ الكتابية بحسب فهمنا لها ولآثارها، بأفضل وسيلة ممكنة.

إحدى وسائل استخدام الإرشادات لتطبيق الكتاب المقدس

يمكن أن يساعدنا الرسم التالي في استخدام تلك الإرشادات لتطبيق المقطع الكتابي. فكر في هذه الأمثلة بينما تقوم بتتبعها من خلال الجدول، باستخدام أعمال 2: 44-45 كنموذج لمقطع.

يقول العددان 44-45: “وجميع الذين آمنوا كانوا معاً وكان عندهم كل شيء مشتركاً. والأملاك والمقتنيات كانوا يبيعونها ويقسمونها بين الجميع كما يكون لكل واحد احتياج”.

لمن تم توجيه المقطع؟ كتسجيل لحدث تاريخي، فإن هذا المقطع مقصور على عصر أو حالة أخرى. والآن لاحظ السؤال التالي: ما المبدأ العام الذي يقع خلف الفعل أو التعليم؟ هل هذه هي الطريقة التي يجب على المسيحيين في كل العصور والمجتمعات أن يتصرفوا بها؟ حيث أن هذا السلوك يتم ذكره كأمر ممدوح، هنا وبأكثر وضوح في أعمال 4: 33 – 5: 11، يمكننا على الأقل أن نستخرج مبدأ واحداً، وهو أنه ليس من الخطأ أن يكون كل شيء مشتركاً في المجتمع المسيحي، أو أن يبيع المرء ممتلكاته ويعطي للمحتاجين.

الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يعتبر بها هذا الأمر خطأ، إذا تم وضع حدود معينة، أو إذا تم إدانة هذا الأمر في مقطع كتابي آخر. وحيث أن أي من هذين لم يحدث، لا بد لنا أن نقبل ذلك السلوك باعتباره سليماً، على الأقل بالنسبة لبعض المسيحيين في بعض الأحيان.

لكن لاحظ أن لوقا لم يعط سبباً قاطعاً لذلك السلوك. وحيث أنه لم ينطق بذلك المبدأ، فلا يمكننا أن نعتبره سلوكاً معيارياً مطلوباً من جميع المسيحيين؛ فلا يمكننا أن نضمه إلى الجانب الأيمن (العمود ج) في الجدول، ونتعامل معه باعتباره مبدأ مذكور بوضوح. وفي هذه الحالة، لدينا دليل آخر على التحديد في المقطع الموازي (أع 5: 4). لم تكن هناك قاعدة تقول إن التلاميذ الأوائل كان عليهم أن يبيعوا أو أن يقدموا كل أو جزء مما يبيعونه.

ولذلك، ما هي المبادئ الإيجابية التي يمكن أن نستقيها من هذا العمل الجدير بالتقدير؟ باتباع الجدول (العمود ب)، ما هي معاني أو نتائج المبدأ في الحياة المعاصرة؟

يبدو هذه النموذج أنه يعبر عن السخاء والعطاء المضحي كأسلوب حياة. فقد كان يبدو أن المسؤولية الكاملة عن العناية المادية بأعضاء الكنيسة تعتبر هي المقياس، بلا شك كان هناك مبادئ أخرى. ولكن المبادئ تصبح أكثر قوة عندما يتم تدعيمها بتعليم واضح في مكان آخر في الكتاب المقدس، إذ أنها تصبح في الحقيقة تكليفاً رسمياً.

فتصبح “الثقة والطاعة” واحدة من المبادئ التكليفية: ثق بالله لأنه يعتني باحتياجاتك بحيث تصبح حراً في أن تعطي، بل حتى أن تبيع لكي تعطي المحتاجين. يجب علينا أن نلتزم بحياة التضحية وبالعلاقة التي تتضمن المسؤولية الكاملة المتبادلة مع بقية أعضاء الكنيسة (العمود ب، المبدأ العام 2).

دعونا الآن نتبع هذه العملية الخاصة بتطبيق المقطع الكتابي على خمسة نصوص أخرى: تيطس 1: 5؛ 1: 6؛ مزمور 121: 3-5؛ متى 5: 39؛ وأعمال 1: 8.

تيطس 1: 5

“من أجل هذا تركتك في كريت لكي تكمل ترتيب الأمور الناقصة وتقيم في كل مدينة شيوخاً كما أوصيتك”.

نبدأ من أعلى الجدول: لمن تم توجيه هذا المقطع؟ إنه موجه إلى شخص محدد (تيطس) الذي كانت له علاقة محددة بشخص آخر محدد (بولس)، وبالتالي فهو مقصور على عصر أو حالة أخرى. لذلك فهذا المقطع لا يمكن أن يكون قاعدة لكيفية اختيار الشيوخ.

ومن ناحية أخرى، عندما نأخذ عدداً كبيراً من الإعلانات الواضحة، فإن معنى هذا بالنسبة للعقيدة والحياة المعاصرة هو أن مجموعة دراسة الكتاب المقدس أو الشركة في الجامعة، التي لا يكون لها قيادة مسؤولة يتم رسامتها بحسب الكتاب المقدس، لا تكون كنيسة حقيقية.

وهكذا فإن الاستجابة المطلوبة لمثل هذه المجموعات هي أن تصبح كنيسة، أو الاستجابة المطلوبة من كل عضو هي أن ينضم إلى كنيسة، وألا يستخدم مجموعة الشركة كبديل عن الكنيسة (العمود ب، المبدأ العام 3).

تيطس 1: 6

“إن كان أحد بلا لوم بعل امرأة واحدة له أولاد مؤمنون ليسوا في شكاية الخلاعة ولا متمردين”.

مرة أخرى، نبدأ بالسؤال، لمن تم توجيه هذا المقطع؟ لاحظ أن هناك نقلة بين عدد 5 وعدد 6. فعدد 5 هو توجيه محدد لتيطس كمساعد للرسول بولس، ولكن عدد 6 يضع مقاييس لتقرير من هو المؤهل للقيادة. وعندما نأخذ هذا المقطع بالتوازي مع المقطع الموجود في 1تيموثاوس 3: 4، فإننا نرى أن هذا الأمر هو موجه بوضوح لي ولك اليوم. فهو إعلان واضح، ويحتاج ببساطة إلى الطاعة (العمود ج).

فأولئك الذين لا تتوفر فيهم هذه المؤهلات يجب ألا يكونوا شيوخاً. لاحظ أيضاً أنه من الضروري القيام بدراسة كلمة لتحديد ما إذا كانت كلمة “مؤمنون” تعني مجرد مخلصين، أم تعني مؤمنين بالمسيح وعندها يكون هذا مقياساً أعلى، والذي من شأنه أن يستبعد نسبة كبيرة من الشيوخ المعاصرين! ومع ذلك، بمجرد أن يتم توكيد المعنى، يجب قبول التعليم بالإيمان واتباعه: بالثقة والطاعة.

مزمور 121: 3-5

“لا يدع رجل تزل

لا ينعس حافظك

إنه لا ينعس ولا ينام

حافظ إسرائيل

الرب حافظك

الرب ظل لك عن يدك اليمنى”.

لمن توم توجيه هذا المقطع؟ إن صياغته هي صياغة ترنيمة تسبيح أو شهادة موجهة إلى شعب الله. لكن هل هو موجه فقط إلى إسرائيل؟ إن كان كذلك، فيجب أن يتبع الجدول في اتجاهه نحو: مقصور على عصر أو حالة معينة، إذ هو لا يخص من هم من غير اليهود. لكنه مثل معظم مزامير الشهادة، هو مكتوب لكل شعب الله بما فيهم إسرائيل.

وهكذا من خلال تفسير الكتاب المقدس نفسه قد أصبح هذا التعليم المحدود مبدأ عاماً وشاملاً لكل أبناء الله (العمود ب، المبدأ العام 3). إنه حقيقة رائعة عن الله وأبنائه، ويجب الثقة بها ثقة كاملة والتصرف بموجبها.

متى 5: 39

“وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً”. لمن تم توجيه هذا المقطع؟ بالتأكيد لي ولك (العمود ج). لأنه إن لم يكن كذلك، فإننا نكون في مأزق كبير، إذ لن تكون عندئذ أي من تعاليم المسيح تنطبق علينا بثقة. وإن كان المسيح بحياته وتعاليمه لا يكشف عن الاستجابة التي يرغبها الله، فإننا نكون بلا رجاء في معرفة إرادة الله.

لذلك يعتبر هذه إعلان واضح بالفعل. لكن هناك تعاليم أخرى في الكتاب المقدس تعدل ذلك التعليم، فمثلاً، من المفترض أن يقوم ضابط الشرطة بمقاومة الشر، وكذلك الوالدان. والحقيقة أن المسيح عندما ضربه الجندي على خده، لم يقم حرفياً بتحويل الخد الآخر له (يو 18: 22-23). لهذا السبب، فإني أقوم بنقل هذا التعليم من جانب الإعلان الواضح إلى جانب المبدأ العام 1: متضمن بواسطة إعلان واضح (العمود ب).

بكلمات أخرى، يتحدث التعليم هنا بوضوح عن عدم المقاومة، ويجب أن يرتبط ذلك بعناية بجميع التعاليم الكتابية الأخرى التي تعلم عن هذا الموضوع. وهكذا فإنه يجب تنفيذ مضمون هذا المبدأ في الحياة المعاصرة بأمانة وطاعته بالكامل، بثقة في الرب الذي يهتم بالعواقب.

أعمال 1: 8

“لأنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم وتكونون لي شهوداً في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض”.

لمن تم توجيه هذا المقطع؟ لك ولي (العمود ج). وكيف نعرف ذلك؟ يبدو هذا القسم أنه مجرد جزء تاريخي مثل أعمال 2: 44-45، ولكنه ليس مقصورا على عصر أو حالة أخرى لسببين. الأول هو أن الملء بالروح القدس هو أمر تم تعليمه بوضوح في أماكن أخرى باعتباره معيار لجميع المسيحيين. والثاني هو أن التبشير والشهادة للعالم كله هو أمر يتم تعليمه وإظهاره باعتباره مسؤولية الكنيسة بأكملها.

لذلك فإني أقوم بوضع هذا المقطع في الجدول في المبدأ العام رقم 2: متضمن من خلال التفسير الكتابي للأحداث التاريخية (العمود ب). أما بالنسبة لمعنى ذلك ونتائجه بالنسبة للعقيدة أو للحياة المعاصرة، فهو واضح بشكل مؤلم. لذلك عندما تقوم معظم الاجتماعات بتخصيص معظم شعبها ومواردها المالية “لأورشليم” الخاصة بها، لا يمكن أن نطلق على العصيان هنا أقل من أنه مروع.

بحسب الطريقة السابقة، يمكن تحليل أي مقطع من الكتاب المقدس للتعرف على تطبيقه في العصر الحالي. وقد استخدمت أمثلة توضح الاحتمالات المختلفة، لكن معظم التعاليم الرئيسية في الكتاب المقدس الخاصة بما يجب أن نؤمن به (المبدأ والعقيدة) ولكنه سلوكنا، ليس من الصعب فهمها. فالتعاليم الواضحة تكفي لأن تشغلنا طوال حياتنا.

ومع ذلك، فكل الكتاب المقدس هو موحى به من الله ونافع للتعليم، ورغم أن تطبيق تعليم ما قد يكون صعباً أو موضع جدل وخلاف، فإن مسؤوليتنا هي أن ندرس باجتهاد لكي نكون مزكين لدى الله.

السلطة الكتابية الخاصة بالمبدأ أو العقيدة أو العمل

لكن هناك مشكلة أكبر في تطبيق الكتاب المقدس، وهي أن الكثير من الانقسامات في الكنيسة لا تبدأ من نقطة الخلاف على مقطع ما في الكتاب المقدس. بل أن شخصاً ما يقوم بذكر فكرة، فيقبلها البعض، بينما يرفضها البعض الآخر، دون فحص الفكرة بعناية، وهكذا تنقسم الكنيسة.

فإذا لم نبدأ بمقطع من الكتاب المقدس (كما في الجدول 1) ولكننا بدأنا بمبدأ أو بعمل أو نشاط ما، كيف نقوم بتقييم سلطته الكتابية بالنسبة للإيمان والحياة المعاصرة؟ باستخدام الإرشادات التي درسناها، يمكن للجدول التالي أن يساعدنا في هذا الأمر. فدعونا نفكر في عدد من الأمثلة القليلة، ونتتبعها من خلال الجدول.

ينادي بعض الناس بأن الكرازة هي الهدف الأساسي للكنيسة. فقبل أن نقوم بمناقشة هذا التأكيد، لا بد أن نؤكد على إجابة السؤال الأول في الجدول: ما هي الفكرة الأساسية بالتحديد؟ هل يعني أنصار هذه الفكرة أن التبشير هو الهدف الأوحد للكنيسة؟ وعندها، يجب أن نتتبع الجدول من خلال “لا” في العمود (د)، لأن هناك العديد من الأهداف الأخرى للكنيسة التي يعلمنا الكتاب المقدس إياها. ويمكن أن يعني “الهدف الأساسي” أن الكرازة هي “المسؤولية” الأساسية للكنيسة تجاه العالم.

وإن كان كذلك، فإني أقول نعم، فهذا أمر معلن بوضوح أنه مشيئة الله (العمود أ). لكن لن يتفق الجميع في ذلك، ولذلك يمكن أن يستمر النقاش ويتجه إلى الموضع المناسب له، وهو المقاطع المحددة في الكتاب المقدس التي تتعامل مع هذا الموضوع. وبمجرد أن نصل إلى المقطع المحدد، يمكننا أن نستخدم الجدول السابق (الجدول 1).

لكن هل هذا التعليم يتفق مع تعليم آخر؟ فمثلاً، هل أنصار ذلك التعليم يشعرون حقاً أن هذه هي المسؤولية الوحيدة للكنيسة تجاه العالم؟ هل نشاط كنائسهم يشير إلى عدم قبولهم لأية مسؤولية تجاه تكليف الكتاب المقدس للكنيسة بالسعي لتحقيق العدالة والرحمة في المجتمع؟ عندها تكون إرادة الله المعلنة بوضوح لا تتفق مع تعليم آخر (العمود أ)، ولا بد من تعديلها.

من ناحية أخرى، هل “التوازن مع تعليم آخر” يعني تركيز مساوي؟ كلا، فكما رأينا من قبل (في الفصلين 15، 16)، إنه يعني تركيز مشابه لتركيز الكتاب المقدس.

هل الحماسة الكرازية منتشرة بالكامل محلياً، مع عدم بذلك جهد كبير للتبشير في المناطق الأخرى التي لم تصل إليها البشارة في العالم؟ هل برنامج الإرساليات يرهق طاقات الكنيسة بحيث أنها لا تنمو من خلال متجددين جدد ينضمون إليها من المجتمع الذي توجد فيه؟ في أي من هاتين الحالتين، يكون التعليم غير متزن ويحتاج إلى التعديل، الذي يعقبه الإيمان والطاعة.

فكر معي في العبارة التالية: “يجب على الكنيسة أن تركز طاقاتها على شعوب العالم التي لم تسمع بالبشارة”. أولاً، ما هي الفكرة الأساسية بالتحديد؟ إذا كانت تعني أنه ليس من حق أحد أن يسمع الرسالة مرتين إلى أن يسمعها كل الذين لم يسمعوها من قبل، فهذا الأمر غير معلن بوضوح أنه مشيئة الله، كما أنه غير مطلوب بواسطة مبدأ كتابي واضح، كما أنه لا يتفق كثيراً مع تعليم واضح ومبدأ واضح (العمود ج).

وربما يجب أن يتم رفضه (العمود د). لكن إذا تم تقديم برهان كتابي يثبت أن هذا الأمر يتفق مع الكتاب المقدس بصورة ما، رغم أن الكتاب المقدس لا يطلبه، فيجب أن يتم ذكر بوضوح أساس سلطة هذه الفكرة، وهو أن هذا هو اعتقاد المرء الشخصي، وليس الحق المعلن من الله.

ومن ناحية أخرى، إذا كانت الفكرة الأساسية هي ببساطة أن الكنيسة يجب أن تعطي الأولوية العظمى لأن يكون لدى كل إنسان في العالم الفرصة لسماع الأخبار السارة، وأن يتم إنشاء كنيسة في كل مجتمع، فإن هذه بالتأكيد هي مشيئة الله المعلنة بوضوح (العمود أ).

قد يعني البعض بهذه العبارة أننا نحتاج لتوجيه الناس والموارد بالكامل لتركيز نشاط الكنيسة على الجانب المظلم من العالم، أي أولئك الذين لا فرصة لديهم حتى لسماع البشارة لأنه لا يوجد كنيسة شاهدة بينهم. لا يمكننا إثبات هذا الأمر من خلال وصايا مذكورة بوضوح (العمود أ)، ولكن يبدو لي أنه أمر يطلبه مبدأ كتابي واضح (العمود ب)، وإذا تم الحفاظ على التوازن بين المسؤوليات الأخرى للكنيسة، يمكن أن يكون هذا من أكثر الأمور أهمية وأكثر المسؤوليات التي يتم تجاهلها في الكنيسة اليوم. إن كان كذلك، فإن الدعوة هنا تكون إلى الإيمان والطاعة.

هل يجب على الكنيسة أن تتحمل مسؤولية ترتيب زيجات لغير المتزوجين فيها؟ بالكاد يمكن أن تكون هذه هي مشيئة الله المعلنة بوضوح (العمود أ)، أو التي يتطلبها مبدأ كتابي واضح (العمود ب). فهل هذا الأمر يتفق مع تعليم واضح ومبدأ كتابي واضح؟ بالتأكيد، ويجب السماح بممارسة هذا الأمر في المجتمعات المناسبة لذلك (العمود ج).

وماذا عن المطلب الذي يدعو إلى الاعتراف بالمسيح علنياً في كل خدمة كنسية؟ سنجد أن هذا الأمر يأتي في الجدول بوضوح باعتباره مجرد أم يتفق مع الكتاب المقدس، ولكنه ليس مطلوب كتابياً (العمود ج). ولذلك، فإن استخدام هذه الممارسة بسلطان مطلق هو أمر مشكوك فيه.

ينتشر لاهوت التحرير في كل مكان، لكن، ما هي فكرته الأساسية بالتحديد؟ هل أن الإنجيل يحرر المأسورين والمقيدين؟ إذاً فهذا أمر معلن بوضوح (العمود أ). أم هل يعني أن الكنيسة يجب أن تعمل على تحقيق العدل والرحمة في المجتمع بصورة شاملة؟ إذاً اعتقادي هو أن هذا أمر مطلوب من خلال مبدأ كتابي واضح (العمود ب)، وإذا تم الحفاظ على هذا الأمر بتوازن كتابي، فإنه يجب أن يطاع.

هل تعني هذه العبارة أن الله يعمل في الثورات العنيفة في عصرنا الحاضر، وأن الكنيسة يجب أن تكون متداخلة في هذا العنف؟ إن كانت تعني ذلك، فهذا الأمر لا يتفق مع تعليم واضح ولا مع مبدأ كتابي واضح، ويجب أن يتوقف (العمود د).

يقصد بهذا التوضيحات أن تقدم إحدى الطرق الممكنة للتركيز على تقييم، بل في الحقيقة توجيه معين، للسلطة الكتابية، فيما يتعلق بالمبدأ أو النشاط. لذلك فمسؤولية دارس الكتاب المقدس هي التعرف على المتلقي المقصود، والاستجابة التي يرغب فيها الله. كيف يمكن التعبير عن الإيمان والطاعة في ضوء مقطع وتعليم معين؟ إن تطبيق ما نعرفه على ما نؤمن به وعلى كيفية ممارسته هو الهدف النهائي لدراسة الكتاب المقدس.

كيف يقوم المرء بتوظيف سلطة الكتاب المقدس في حياته الشخصية وفي حياة الكنيسة؟ عن طريق السماح للكتاب المقدس نفسه بالتحكم في إجابات الأسئلة التالية: ماذا كان يعني المؤلف؟ لمن يتم توجيه هذا التعليم؟ ما الاستجابة التي يرغب فيها الله؟

لكي يقوم الكتاب المقدس بأداء وظيفته بفاعلية، باعتباره السلطة الحقيقية في حياتنا، يجب أن نكرس مجهودنا لتحديد ما يعنيه الكتاب المقدس بدقة (الفصول من 8-18)، وما يريده الكتاب المقدس بالنسبة للإيمان والطاعة اليوم (الفصل 19)، وتحديد ما هي المبادئ العامة، وكيف يريدنا الله أن نطبق مشيئته المعلنة اليوم (الفصل 20).

عندما نبدأ في القيام بذلك باجتهاد وإخلاص وبحكمة معطاة من الروح القدس، عندها سيتحقق هدف الإعلان الإلهي من خلال طاعتنا وإيماننا، وسيصبح الله أكثر رضى عن حياتنا.

مراجع مختارة للمزيد من الدراسة

– بيست، إرنست. From Text to Sermon: Responsible use of the New Testament in Preaching. Atlanta: John Knox، 1978.

– جريدانوس، سيدني. The Modern Preacher and the Ancient Text. Grand Rapids: Eerdmans، 1988.

– هينريكسون، والتر إيه، وجايل إم جاكسون. Studying, Interpreting and Applying the Bible. Grand Rapids: Zondervan، 1990.

– جونسون، إليوت إي. Expository Hermeneutics: An Introduction. Grand Rapids: Zondervan، 1990.

– كايزر، والتر سي. Toward an Exegetical Theology: Biblical Exegesis for Preaching and Teaching. Grand Rapids: Baker، 1981.

– كوهاتشيك، جاك. Taking the Guesswork Out of Applying the Bible. Downers Grove, 1II.: InterVarsity، 1990.

– ليفيلد، والتر إل. New Testament Exposition: From Text to Sermon. Grand Rapids: Zondervan، 1984.

[1] كتاب مفيد للغاية في التعرف على الإرشادات الخاصة بالتطبيق: Toward an Exegetical Theology: Biblical Exegesis for Preaching and Teaching (Grand Rapids: Baker, 1981)، بقلم والتر سي كايزر.

[2] أي هوارد مارشال، Is the Bible Our Supreme Authority? His مارس 1978، صفحة 12.

[3] إيه بيركيلي Interpreting the Bible. (Grand Rapids: Eerdmans 1963) صفحة 357.

التعرف على الاستجابة التي يرغب فيها الله – ماذا يريد الله أن أفعل؟

Exit mobile version