لماذا ينبغي الثقة بمصداقية كتّاب العهد الجديد؟ – ترجمة: Patricia Michael
لماذا ينبغي الثقة بمصداقية كتّاب العهد الجديد؟ – ترجمة: Patricia Michael
إن الثقة بمصداقية كتّاب العهد الجديد ليست مجرد افتراض غير مدعوم بالأدلة، بل هي استنتاج يستند إلى معايير تاريخية ومنهجية متينة. فبينما قد يدّعي النقّاد بأنه لا يمكننا التأكد من أن يسوع الناصري حقق بالفعل نبوءات العهد القديم، فإن الحقائق التاريخية والوثائقية المتاحة ترجّح بقوة موثوقية روايات العهد الجديد.
أولًا: يسوع الناصري شخصية تاريخية موثّقة، ليس فقط من خلال الأناجيل، بل أيضًا في مصادر يهودية ورومانية تعود إلى القرنين الأول والثاني الميلاديين، مثل كتابات المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس، والمؤرخ الروماني تاسيتوس، مما يؤكد أنه لم يكن شخصية أسطورية، بل شخصية حقيقية عاشت في فلسطين في القرن الأول الميلادي.
ثانيًا: لا تعتمد روايات العهد الجديد على شهادة فردية فقط، بل تأتي من مصادر متعددة ومستقلة. فمنهج التأريخ القديم يعتمد على تعدد الشهادات باعتباره دليلًا قويًا على صحة الحدث، وبذلك فإن توافق شهادات متى ومرقس ولوقا ويوحنا، إضافة إلى كتابات بولس وبطرس ويعقوب ويهوذا، يعزز مصداقية الأحداث المرتبطة بحياة يسوع الناصري وتحقيقه للنبوءات المسيانية.
ثالثًا: لو كان كتّاب العهد الجديد قد اختلقوا هذه الروايات، لكانوا قد أدانوا أنفسهم، لأنهم شددوا على أن الكذب، لا سيما في الأمور الإلهية، يستوجب الدينونة الأبدية. فمن غير المنطقي أن يكرّس هؤلاء الكتّاب حياتهم للتبشير برسالة يعلمون أنها زائفة، خصوصًا وأنهم واجهوا اضطهادًا شديدًا بسببها.
رابعًا: وكما أشار الباحث واين جاكسون (Wayne Jackson)، “لو لم يكن كتّاب العهد الجديد يؤمنون بمساءلة أخروية، وكانوا قد لفّقوا هذه الوثائق عمدًا، فلماذا كانوا ليقبلوا طواعية التعرض للاضطهاد والمعاناة والموت؟” إن هذا التساؤل يكشف عن معضلة غير قابلة للتفسير بالنسبة للمتشككين، لأن أي افتراض بعدم صدق هؤلاء الكتّاب يفتقر إلى الانسجام المنطقي.
خامسًا: استند الرسل والأنبياء في العهد الجديد إلى نصوص العهد القديم عند محاججة اليهود في القرن الأول الميلادي، مؤكدين أن يسوع الناصري حقق النبوءات المسيانية بدقة. وكان الرسول بولس على وجه الخصوص يدخل إلى المجامع اليهودية، ويقوم بتفسير الأسفار المقدسة بطريقة مقنعة لدرجة أن كثيرين من اليهود اقتنعوا بصحة رسالته.
سادسًا: لم تُقبل تعاليم العهد الجديد قبولًا أعمى، بل خضعت للفحص الدقيق والتحليل النقدي. فقد قام سكان بيرية، على سبيل المثال، بفحص الأسفار المقدسة يوميًا للتحقق من صحة تعاليم بولس، وانتهى الأمر بأن آمن كثيرون منهم.
مما يدل على أن هذه الرسالة لم تكن قائمة على الإقناع العاطفي, بل على حجج عقلية ولاهوتية ودراسة متينة.
سابعًا: أحد أبرز الأدلة على موثوقية العهد الجديد هو العدد الكبير من اليهود الذين اعتنقوا الإيمان بيسوع المسيح بعد صلبه وقيامته. فقد آمن عشرات الآلاف منهم.
فلو لم يكن لديهم يقين راسخ بأن يسوع هو تحقيق للنبوءات المسيانية، لما خاطروا بمكانتهم الدينية والاجتماعية باتباعه.
ثامنًا: يضاف إلى كل ذلك أن الأناجيل وكتابات العهد الجديد لم تكن موجهة لجمهور بسيط يسهل خداعه، بل نُشرت في بيئة كانت مليئة بالخصوم الذين كان بإمكانهم تفنيدها إن كانت تحتوي على أخطاء أو مبالغات. ومع ذلك، لم يظهر أي دحض موثوق يثبت زيف هذه الادعاءات، بل استمرت المسيحية في الانتشار بقوة غير عادية.
إن جميع هذه العوامل، عند النظر إليها مجتمعة، تقدم أساسًا قويًا للثقة بمصداقية كتّاب العهد الجديد، وتؤكد أن يسوع الناصري حقق بالفعل النبوءات المسيانية، وأن شهادات العهد الجديد تمثل سجلًا تاريخيًا موثوقًا لحياته وتعاليمه.
ليكون للبركة Patricia Michael
Why Should We Believe the New Testament Writers?
لماذا ينبغي الثقة بمصداقية كتّاب العهد الجديد؟ – ترجمة: Patricia Michael
لماذا لم تُكتب أسماء عائلات كتبة الاناجيل وانسابهم؟ متى ومرقس ولوقا ويوحنا. وهل هذا يؤثر على موثوقية النص؟ – ترجمة ايفت سابا
لماذا لم تُكتب أسماء عائلات كتبة الاناجيل وانسابهم؟ متى ومرقس ولوقا ويوحنا. وهل هذا يؤثر على موثوقية النص؟ – ترجمة ايفت سابا
كثيراً ما يخبرني أصدقائي ومعارفي من المسلمين بأن الإنجيل لا يعتبر كتاباً ذا مصداقية لأن أسماء آباء كتبة الاناجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا غير معروفة. فنحن نجهل أسماء عائلاتهم. وبناء عليه، فمن المستحيل أن نعرف من كان هؤلاء الأشخاص وبالتالي فان مصداقيتهم غير مثبتة، وبالتالي لا يمكن الوثوق بشهاداتهم عن حياة يسوع وتعاليمه.
الداعية خالد ياسين يقدم الحجج على ذلك ونلحظ أنه ارتكب الكثير من الأخطاء الواضحة والخطيرة التي سأقوم ببحثها وبشكل مفصل فيما بعد.
ويضيف أصدقائي المسلمون بانه يمكن إثبات من الأدلة الداخلية في الانجيل بأن متى أو مرقس أو لوقا أو يوحنا لم يكونوا شهود عيان على حياة يسوع أو تعاليمه وبناء عليه فان شهادتهم غير موثوقة.
سأثبت في هذا المنشور، أن الاناجيل كتبت على أيدي انسان ثقة كشهود عيان عن يسوع الذين شهدوا حياة يسوع وايضاً منهم من قام بتجميع عدد من شهادات شهود عيان وبان هوية كتبة الاناجيل معروفة وان شهادتهم موثوق بها.
لم يكن اليهود يستخدمون أسماء العائلات في القرن الأول.
أولا، ان عدم استخدام كتبة الاناجيل أسماء عائلاتهم يعود لسبب بسيط ان المجتمعات اليهودية في ذلك الوقت لم تكن تستخدم أسماء العائلات على الاطلاق فكانوا في العادة يحددون المرء بإسم الأب أو اسم الأم.
(ابن أو ابنة فلان)..
بدا اليهود باستخدام أسماء العائلات عندما أجبرتهم على ذلك السلطات غير اليهودية في الامم التي تشتتوا اليها بعد ان قامت الجيوش الغازية بإجلائهم عن اسرائيل. ولم يظهر استخدام إسماء العائلات بين اليهود الا في القرن العاشر.
وبالتالي فان أقوال المسلمين بأن هوية كتبة الانجيل مجهولة لأنهم لم يذكروا اسماء عائلاتهم تنم عن جهلهم بتقاليد اليهود بالتسمية.
إن أصر المسلمون على أقوالهم بأن غياب اسم العائلة يجعل شهادة الانسان غير موثوق بها، فعليهم ان ياخذوا نقاشهم إلى الله الذي اختار أن يوحي بالتوراة والزابور والانجيل (أي التوراة والمزامير والعهد الجديد) وجميع أسفار الانبياء اليهود الذين لم يكن لهم اسم عائلة ومع ذلك كتبوا الكتاب المقدس. في حين أنه في كثير من الأحيان يتسمون باسم الأب ولكن هناك أسماء أخرى سنذكرها في هذا المقال.
يمكن ان يُدعى اليهود باسم الأب (فلان ابن فلان) وبعدة طرق أخرى كما يوضح ذلك هذا المقال ممكن حسب القبيلة أو المهنة أو مكان الميلاد أو مكان السكن أو الشهرة أو اللقب مثل (يسوع المسيح) أو بوصف تشريفي. ونضرب مثالا على هذا هو كاتب الإنجيل الاخير يوحنا الذي كان يسمى مع اخيه يعقوب (أولاد الرعد) بسبب شخصيتهم. أو ريتشارد ملك إنجلترا فأصبح اسمه ريتشارد قلب الاسد بسبب شجاعته.
John Son Of Zebedee Matthew 4:21-22 (Patronymic
في بعض الأحيان كانوا يعطون أسماء مختلفة عن اسم الولادة حتى. وكان من يغير الاسم الاساتذة أو المعلمين أو مجتمعهم أو هم أنفسهم فيقون باتخاذ اسما جديدا للإشارة إلى تغيير في مصيرهم أو ظروفهم أو تصرفاتهم.
إضافة الى ذلك، في القرن الأول لإسرائيل، كان من الممكن تحديد هوية اليهود بإسمين، اسم عبري يعطي لهم عند الميلاد وإسم يوناني يتخذونه لتيسير أمور حياتهم في المجتمع الذي يغلب عليه الرومان في ذلك الوقت والزمان.
كانت هذه الأساليب المتعارف عليها في التسمية منتشرة في كل الشرق الأوسط القديم وفي عدة أماكن في الأزمان السابقة. فلم يكن هناك حاجة إلى أسماء العائلات في العديد من المجتمعات وحتى عندما تم استخدام اسم العائلات، كان هناك طرق أخرى للتعريف بهوية شخص معين وتستخدم للتعريف كمحددات للهوية مميزة واقصد بذلك الاسم.
وحتى هذه الأسماء غير مطلوبة لتحديد كتبة الأناجيل لأنهم معروفون بأكبر شرف على الإطلاق بأنهم كتبة روايات الأناجيل ومرافقين ليسوع أو انهم الخدم المؤتمنون وتلاميذ اصحاب يسوع.
عندما يذكر شخصاً اسم متى في سياق الكتاب المقدس فالجميع يعرف ان الاشارة هي لمتى تلميذ يسوع. هكذا تم التعريف بمتى بانه أول أتباع يسوع منذ البداية. متى التلميذ والرفيق هو اسم كاتب الإنجيل والذي تحدده بصفة منفردة بين كل من يحمل اسم متى.
فعندما يذكر شخص ما اسم متى أو مرقس في سياق الاناجيل
فالمقصود متى واحد أو مرقس واحد متى رفيق يسوع أو مرقص رفيق بطرس اللي كان رفيق يسوع.
فاسم واحد يكفي لأن السياق واضح جدا.
وهذه حقيقة تثبتها سلسلة من الشهادات الموثوق بها منذ زمن المسيح كما سنرى في القسم الذي يحمل العنوان هوية كتبة الاناجيل موثوقة بشهادات موثوق بها.
نجد في القران، انه يتم الاشارة إلى محمد بشكل متكرر دون الإشارة الى اسم عائلته؟ فهل سيسأل المسلمون من هو محمد المقصود؟؟
يقول القرآن بأن الكتاب المقدس كتاب موثوق به.
اذن، فالمسلمين مأمورون بأن يقبلوا ان العهد الجديد أو الانجيل كما يدعونه المسلمين موثوق وهذا جاء من أعلى مصدر سلطة عندهم وهو القرآن.
تأمر المسلمين ان يتأكدوا من صحة القرآن بمقارنته مع الإنجيل أو العهد الجديد والتوراة أو أسفار موسى الخمسة. ومن البديهي ان نقول انه ان كان الانجيل غير موثوقا لكان من المستحيل مصادقة القران بالإنجيل وهذا ما يطلب من المسلمين القيام به وبناء عليه نفهم أن القرآن يقول بأن العهد الجديد موثوق.
اما سورة المائدة آية 47 فهي تأمر المسيحيين ان يعيشوا وفق العهد الجديد. وبالطبع لن يقول القران هذا الكلام إن كان العهد الجديد غير موثوق ولكن هذا ما تقوله الآية:
هذا بالإضافة إلى عدد كبير من الآيات الأخرى التي تضاف إلى هذه القائمة التي تشهد على مصداقية كتبة الانجيل والكتاب المقدس ككل.
التحقق من كتبة الأناجيل بواسطة شهادات موثوق بها.
يعتمد هذا الجزء بشكل كبيره على مقال بعنوان
من كتب الأناجيل؟ أدلة داخلية وخارجية للتأليف التقليدي للكاتب كيث ثومسون
أعطيت شخصية كتبة الاناجيل في الكتاب المقدس نفسه وتم المصادقة عليها بشهادة المسيحيين الأوائل ليسوع الذين عرفوا يسوع وأصحابه الاثني عشر (التلاميذ أو الرسل الاثني عشر) الذين تلقوا تعاليم يسوع مباشرة. وهذا يعني ان تأليف كتبة الاناجيل مشهود له بشهادات موثوقة وصولا إلى المصدر الأصلي بنفس الاسلوب الذي يقول المسلمون انهم يتثبتون من خلاله من صحة الأحاديث حسب كتب الأحاديث.
هذا التاليف يشهد له الاتباع الأوائل مثل بابياس الذي قال عن متى
قام متى بتجميع اقوال (كلام المسيح) باللغة العبرية.
عاش بابياس تقريبا بين عامي 70 و 163 ميلادي ويتابع حديثه قائلاً بانه حصل على معلوماته من أشخاص عرفوا أصحاب يسوع الاثني عشر بشكل مباشر.
اذن، اذا جاء أحد من اتباع الاوائل كنت أساله فيما يتعلق بكلمات الاوائل أي ما قال بطرس أو اندراوس أو ما الذي قاله فيليبس أو توما أو يعقوب أو يوحنا أو متى أو أي تلميذ أخر من تلاميذ الرب. وما هي أقوال اريستيون والشيخ يوحنا من تلاميذ الرب. لانني لا اعتقد ان ما ساخلص اليه من الكتب يساوي ما ساستفيده من الصوت الحي والدائم.
بالمختصر، يقول بابياس أن إنجيل متى قد كتبه متى أحد تلاميذ يسوع وأنه حصل على هذه المعلومة من إناس عرفوا متى بشكل مباشر وعرفوا أصحاب يسوع مثل اريستيون والشيخ يوحنا.
لو كانت اقوال بابياس التي ذكرتها حديثا على الطريقة الاسلامية سيكون كما يلي
حدثنا اريستيوس قال ان متى تلقى تعليمه من يسوع مباشرة. وأضاف بابياس ان اريستيوس قال ان متى كتب تعاليم يسوع باللغة العبرية.
ساترك للقاريء مهمة قراءة مقال تومبسون ليرى دليل التحقق من تأليف يوحنا لإنجيله وهو كاتب الانجيل الأخر وأحد أصحاب يسوع الاثني عشر وشاهد عيان على حياة يسوع وموته وقيامته كما تلقى تعاليمه مباشرة من يسوع.
بالمختصر، فان تأليف كتبة الاناجيل مثبت بسلسلة لا تنقطع من الشهود المعتمدين تصل إلى المصدر الأصل. وبما ان هذه هي الطريقة التي يثبت فيها المسلمون تقاليدهم وأحاديثهم فعليهم ان يقبلوا نفس الأسلوب كما لدى المسيحيين.
وكما أظهرنا أعلاه فان الذي يقول به المسلمون بأن كتبة الأناجيل غير موثوق بهم لانهم لم يذكروا أسماء عائلاتهم فهذا يستند على جهل لان المجتمع اليهودي لم يستخدم أسماء العائلات ولكن كان يستخدم بدلا من ذلك أسلوب ذكر الأباء.
وعلى أي حال، فان القرآن نفسه يشهد على مصداقية الانجيل أو العهد الجديد الذي يجعل قبول مصداقية الكتاب المقدس إجبارية للمسلم.
أما مرقس ولوقا فهما ليسا من أصحاب يسوع.
والمسلمون محقون في قولهم أن كاتبي الانجيلين لوقا ومرقس ليسوا من أصحاب يسوع. ولكن وبالرغم من ذلك فان لهذين الانجيلين نفس أهمية الإنجيلين الأخرين لانهما كتبا تحت إشراف أصحاب يسوع اللذين عاشوا مع يسوع وكتبوا لنا تعاليم إنجيل يسوع المقدسة.
إضافة الى ذلك، رغم ان مرقس لم يكن من أصحاب يسوع الاثني عشر ولكن من المحتمل ان مرقس كان تلميذاً ليسوع في الدائرة الخارجية فقد عاش في أورشليم وكان شاهداً على إعتقال يسوع ومحاكمته وصلبه. وسأضع التفاصيل في الاسفل
كتب مرقس إنجيله وفقاً لتعاليم بطرس أحد أصحاب يسوع الاثني عشر. عاش بطرس مع يسوع وتتلمذ مباشرة على يده. أصبح مرقس مساعداً لبطرس وعاش معه بينما كان بطرس ينشر رسالة الانجيل.
أما يوحنا الشيخ الذي عرف أصحاب يسوع الاثني عشر، فقد أخبر بابياس بأن مرقس قد كتب بدقة تعاليم بطرس الذي إستلمها بنفسه من يسوع.
وهذا ما قاله يوحنا الشيخ ايضا بأن مرقس بعدما اصبح مترجما لبطرس فقد كتب بدقة كل ما تذكره وان لم يكن بالترتيب كل ما قاله المسيح أو فعله.
لو كان هذا الكلام حديثا فكان سيكون
قال بابياس أن يوحنا الشيخ قال ان العديد من الاصحاب الاثني عشر قالوا ان مرقسا قد كتب بدقة تعاليم بطرس التي إستلمها من يسوع.
اذن لدينا شهادة معتمدة لإنجيل مرقس عن يسوع من خلال بابياس.
ولهذا على المسلمين قبول مصداقية إنجيل مرقس لأنه مثبت ومصادق عليه وصولا للمصدر الاصلي بنفس أسلوب الأحاديث الاسلامية.
مرقس كان تلميذا وشاهد عيان:
وهناك ملاحظة إضافيه، رغم أن مرقس نفسه لم يكن من أصحاب يسوع ولكن من المحتمل انه كان شاهد عيان على بعض الأحداث الهامة في حياة يسوع بما في ذلك إعتقال يسوع ومحاكمته وصلبه. أقول هذا بناء على تحديد هوية مرقس على إنه التلميذ الذي إعتقله الحراس عند إعتقال يسوع ولكنه نجا بنفسه وهرب.
بناء على تحديد الهوية هذا، فاننا نعلم ان مرقس قد عاش في أورشليم في وقت حياة يسوع وزيارات يسوع إلى أورشليم استطاع أن يشهد اعتقال يسوع ومحاكمته ومن ثم صلبه أيضا وعليه فمن المنطقي أيضا أن نعتقد انه شهد أعمال اخرى ليسوع.
ولأن مرقس كان من سكان أورشليم فلابد انه كان يعرف شخصياً العديد من الامور عن تاريخ يسوع مثلا استجابة الجموع لتعاليم يسوع وأقواله والأحداث التي كانت تجري في المدينة.
تأليف ومصداقية انجيل لوقا
ان صلاحية ومصداقية انجيل لوقا تأتي من كون لوقا تلميذا لبولس الذي تلقى تعليمه مباشرة من يسوع.
ويؤكد المسلمون أنه لا يمكن اعتبار بولس موثوقا لأن بولس لم يعرف يسوع. وهم بهذا يناقضون كتب الله المقدسة.
يقول العهد الجديد بأن بولس عرف يسوع وتتلمذ له مباشرة بعد صعود يسوع الى السماء.
وقد ظهر المسيح شخصيا وبشكل مباشر لبولس وقام بتعليم بولس بالوحي المباشر. وفيما بعد قدم بولس تعاليمه إلى أصحاب يسوع الاثني عشر الذين صادقوا على ان تعاليم بولس صحيحة وأن يسوع لأعطى تعاليمه مباشرة إلى بولس وانه يجب اعتبار بولس من أصحاب يسوع (رسول) وان له ذات مكانتهم ومؤهلا لتعليم وحي الانجيل المقدس. هذه الأحداث موجودة في الرسالة الى اهل غلاطية 1:13 – 2:9 واعمال 9، 1 كور 15 و2 بطرس 3 14 – 16.
وبما أن الرسل الاثني عشر قبلوا بولس رسولا له نفس مكانتهم وأكدوا ان تعاليمه هي تعاليم الانجيل المقدس لجميع شعب الرب وعليه فاننا نقبل تعاليم بولس ونصدق عليها.
لو وضعنا هذه الاقوال بشكل حديث اسلامي فستكون
قال بطرس صاحب يسوع ويوحنا صاحب يسوع ويعقوب صاحب يسوع ان بولس يعلم اإجيل يسوع الصحيح والمقدس وان له نفس مكانتهم.
يعلم العهد الجديد في مواضع عيديدة ان لوقا كان تلميذا لبولس.
ومرة اخرى اطلب من القاريء العودة الى مقال تومبسون للتثبت.
وكما حصل مع بقية الأناجيل فلقد نال إنجيل لوقا شهادة موثقة وصولا إلى المصدر الأصلي حيث صادق ايرانيوس على انجيل لوقا قائلا
ولوقا صديق بولس سجل ايضا في كتاب الانجيل الذي يبشر به.
كان ايرانيوس تلميذا لدى بوليكارب الذي كان تلميذا ليوحنا تلميذ المسيح.
ولو قمنا بتحويل الجملة السابقة الى حديث اسلامي فسنقرأ
قال ايرانيوس ان بوليكارب قال ان يوحنا تلميذ يسوع قال ان لوقا تلميذ بولس الي كان تلميذا ليسوع سجل تعاليم يسوع في كتاب
مرة أخرى نجد شهادة على مصداقية انجيل لوقا وصولا للمصدر الاصلي بسلسلة غير منقطعة من النقل.
وبما أن هذه هي الطريقة التي يقوم فيها المسلمون بتصحيح الأحاديث وقبولها فعليهم ان يقبلوا نفس الشهادة عندما يتعلق الأمر بالكتاب المقدس
تلخيص
يقول المسلمون ان كتبة الاناجيل ليسوا بشهود موثوقين لأنهم لم يذكروا اسماء عائلاتهم في كتاباتهم. ويتابعون أقوالهم بأن هذا يعني أنه لا يمكن التحقق من هويتهم وعليه يجب اعتبارهم غير موثوقين.
ان قول المسلمين هذا غير صحيح ويستند على الجهل. فانه في الحقيقة انه في القرن الاول لم يكن استخدام أسماء العائلات معمولا به عند اليهود. فكانوا يستخدمون أسلوب الأباء قلان إبن فلان. فان اشتكى المسلمون بأن شهادة شخص تعتبر غير موثوقة بسبب عدم وجود اسم العائلة فعليهم الرجوع في شكواهم إلى الرب فهو الذي إختار ان يوصل التوراة والزابور والانجيل اي التوراة والمزامير والعهد الجديد وكل اسفار انبياء اليهود الذين كتبوا دون ذكر اسماء عائلاتهم ومع ذلك كتبوا الكتاب المقدس.
ويضيف المسلمون ان كتبة الاناجيل غير موثوقين حيث انهم لم يكونوا شهود عيان على حياة يسوع وتعاليمه
في الحقيقة أن إنجيلين قد كتبهما شهود عيان على حياة المسيح أما الانجيلين الأخرين فقد كتبهما تلاميذ أولئك اللذين كانوا شهود عيان وتتلمذوا مباشرة منه ومن أصحاب يسوع.
تم التحقق من موثوقية الأناجيل من خلال سلسلة غير منقطعة من الشهادات لشهود موثوقين وصولا إلى المصادر الأصلية. وبما ان هذه هي الطريقة التي يقر بها المسلمون ويقبلون الحديث الإسلامي، فيجب على المسلمين قبول نفس الشهادة والإثبات عندما ينطبق ذلك على الكتاب المقدس.
المرجع
We Don’t Know The Family Names Of Matthew, Mark, Luke and John David Byrne
من هم كتبة الأناجيل؟ كيف نعرفهم؟ تيموثي بول جونز – ترجمة: مينا كرم
كيف نعرف من هم كتبة الأناجيل؟ تيموثي بول جونز – ترجمة: مينا كرم
كيف نعرف من هم كتبة الأناجيل؟ تيموثي بول جونز – ترجمة: مينا كرم
عزيزي القارئ، قم بفتح نُسختك الخاصة للكتاب المُقدس، وأنظر الى قائمة المُحتويات، حسناً، ستجد الأناجيل بحسب متى ومرقس ولوقا ويوحنا، ولكن السؤال هنا هل هذه “المجموعة الرباعية” من المسيحين الأوائل لهم أية علاقة بهذه الأسماء المكتوبة على الأناجيل؟ هل متى ومرقس ولوقا ويوحنا حقاً هم الذين كتبوا هذه الأناجيل؟ إذا كانوا هم من كتبوها فكيف نستطيع أن نعرف ذلك حقاً؟
قد تكون إجابتك الأولى على هذا السؤال هي “حقاً هم من كتبوها لأن أسمائهم عليها” حقيقة ستكون على الصواب هذه الأسماء الأربع قد كُتبت على مخطوطات الأناجيل الأربعة لأكثر من ألف عام.
ولكن..
ربما هذه الأسماء لم تكن موجودة من الأساس على المخطوطات الأصلية!!! وفي حقيقة الأمر إن بعض العلماء لديهم قناعة تامة أن متى ومرقس ولوقا ويوحنا لا يُمكن أن يكونوا هم كتبة الأناجيل، فبحسب أحد الباحثين. [1]
“كُتبت الأناجيل بعد وفاة يسوع بين خمسة وثلاثين وخمسة وستين سنة، وليس بواسطة شهود العيان ولكن بواسطة أشخاص عاشوا في وقت لاحق للأحداث “
“من أين حصلوا على هذه المعلومات؟ بعد وفاه يسوع، بدأ الناس يتناقلون القصص الخاصة به وينشرونها ليضموا أشخاصًا أخرين إلى الإيمان، وعندما أدرك المسيحون الحاجة إلى السلطة الرسولية نسبوا هذه الكتب إلى الرسل (متى ويوحنا) وأيضا مرقس الذي كان مساعدًا لبطرس وأيضا لوقا الذي كان رفيقَ بولس، ونظراً لأن المخطوطات اليونانية المُتاحة تختلف فيما بينها وتُعطي لنا عناوين مختلفة للأناجيل فقد ادرك علماء النقد النصي مُنذ فترة طويلة أن على سبيل المثال “الانجيل بحسب متى” عنوان غير مُمتد من النص الأصلي الى النسخ، ولكن تمت إضافته من خلال النُساخ في وقت لاحق”
رائع، إذا كانت هذه الادعاءات صحيحةً، فنستطيع أن نفهم من ذلك أن المسيحين الأوائل لم ينسبوا الأناجيل الأربعة لمتى ومرقس ولوقا ويوحنا لأنهم حقاً كتبوها، فبحسب بارت إيرمان وغيره أيضاً، كانت الأناجيل مجهولة الهوية والمصدر، وقام المسيحيون الأوائل بتأسيس روابط بين هذه الأناجيل وبين الرسل؛ لإعطاء الأناجيل سمة الرسولية في القرن الثاني الميلادي، وبهذا تحظى الأناجيل بموثوقية أعلى، ولكن دليل بارت إيرمان على هذا الافتراض هو التنوع في العناوين الموجودة على المخطوطات.
دعونا نُلقي نظرة دقيقة على احتمالية أن الأناجيل الأربعة للعهد الجديد كتبها بالفعل متى ومرقس ولوقا ويوحنا.
يبدو أن أقدم مخطوطات الإنجيل التي تم نسخها في أواخر القرن الثاني وبدايات الثالث (البردية 66 وربما البردية 4 والبردية 75)، أي إننا نتحدث على فترة قرن كامل أو أكثر من كتابة الأناجيل، وهذا جزء من السبب الذي يجعل بعض العلماء يدعون أن أناجيل العهد الجدد كانت مجهولة المصدر، ولكن هل غياب العناوين نستطيع أن نعتبره دليلًا على أن الأناجيل قد انتشرت بشكل مجهول المصدر، وأن الأسماء المكتوبة عليها أُضيفت فيما بعد؟
أنا لا أعتقد ذلك.
في المقام الأول، لم تنجُ الكثير من المخطوطات القديمة بما يكفي لإتاحة المعرفة إذا كان المخطوط احتوى على عنوان في نسخته الأولى أم لا، فمن الممكن أن أجزاء من المخطوط تهتكت أو انفصلت بالكامل عن المخطوط في رحلة المرور بين قرون طويلة، وكثيرا جدا ما يتم كتابة العناوين على ما يُسمى flyleaves، وهو عبارة عن جزء فارغ في بداية أو نهاية المخطوط وفي حالات أخرى تُكتب العناوين على ما يُسمى sillyboi، ويتم تخييطها في حواف المخطوط بهدف الغلق والحفاظ، من المحتمل جدًا أن تكون قد فُقدت ببساطة بسبب العامل الزمني، ولذلك لا نستطيع أن نجزم أن المخطوطات لم تكن تحتوي على عناوين في الأساس فعدم وجودها لا يُعني أنها لم تكن موجودة في وقت ما.
وفي الحقيقة كل المخطوطات المتاحة التي بقيت سليمة بما يكفي لتتضمن أي عنوان، فما نكتشفه أنه لا يوجد أي مخطوطة لم تحتفظ بعنوانها سليمًا بما يكفي! فالمؤلف لا يُحذف اسمه مثلا…الخ، حقيقةً المُشكلة الأولى والكبرى لنظرية الأناجيل المجهولة التي يفترضها إيرمان وغيره أنه لم يتم العثور على نسخ مجهولة لمتى أو مرقس أو لوقا أو يوحنا في أي وقت مضى وقد أشار Brant Pitre إلى ذلك.
أما عن اختلاف المخطوطات في العناوين التي يعتبرها إيرمان اختلافات كبيرة، فهي ليست كذلك، لكن على اي حال فلماذا يستمر العلماء في الادعاء أن الأناجيل كانت مجهولة المصدر، فوفقًا لإيرمان يرجع سبب هذا في تنوع العناوين بين المخطوطات وهذا يوضح من وجهة نظر إيرمان أن هذه الأسماء تمت إضافتها لاحقاً بعد فترة طويلة من انتشار الأناجيل.
لحظة عزيزي القاري، هل تعرف ما هو هذا الاختلاف الكبير الموجود في مخطوطات الأناجيل في القرون الأولى!؟
أريد أن أقوم بإبهارك وأقول لك ان الاختلاف فقط هو بين أن عنوان المخطوط قول “بحسب المؤلف” أو “بحسب الإنجيل ” ثم يضع اسم المؤلف!
الفارق فقط في كون العنوان كاملًا أو مختصرًا، ليس أكثر، هذا الاختصار يُمثل تقريبا كل حالة من الاختلافات التي يفترض إيرمان أنها كبيرة.
فبالفعل المخطوطات لا تختلف في نسب الإنجيل للمؤلف، فعلى سبيل المثال فإن عنوان انجيل متى في مخطوطة واشنطن هو ” الإنجيل حسب متى ” أما في المخطوطة السينائي هو “بحسب متى”، لكن كلا المخطوطتين ينسب الإنجيل لنفس الشخص وهو متى!
وبنفس الطريقة أيضاً فإن عنوان إنجيل مرقس في المخطوطة السكندرية هو “الانجيل بحسب مرقس”، أمَّا في المخطوطة الفاتيكانية هو “بحسب مرقس”، مجرد اختصار للعنوان، وهكذا في كل المخطوطات يتم نسب أي إنجيل لصاحبه، ربما تختلف الصياغة قليلا ولكن المؤلف لا يختلف أبداً، فمثلا إنجيل يوحنا لا يوجد له أي اسم مؤلف أخر على أي مخطوط، كل مخطوطات إنجيل لوقا عنوان المؤلف لوقا وفقط وهكذا متى ومرقس.
ولكن دعني اخبرك بسيناريو عجيب وهو سيناريو التلفيق، ففي القرن الثاني انتشرت الأناجيل بسرعة جدا من كنيسة إلى أخرى في جميع أنحاء الإمبراطورية، فكانت موجودة في روما حيث أشار يوستينوس أن إنجيل مرقس هو مذكرات بطرس، وكان بابياس في اسيا يجمع معلومات حول صحة شهادة العيان من كتبة الأناجيل، وايرينيئوس في ليون يعتمد على الأربعة أناجيل لدحض التعليم الهرطوقي في كنيسته، وربما في مصر، بالنظر إلى التوزيع الجغرافي الواسع للأناجيل في القرن الثاني، فماذا تتوقع أن يحدث لو قرر المسيحيون في القرن الثاني فجأة محاولة اختلاق أسماء لكتبة الأناجيل لتظهر بشكل أوثق؟
لا يجب أن نتناسى أن المسيحيين في منطقة ما لا يستطيعون الوصول بسرعة لمجموعة مسيحية أخرى في مكان آخر، وحتى لو كان توصيل المعلومات إلى الجميع في نفس الوقت فلم تكن هناك سلطة بشرية واحدة تستطيع أن تطلب من جميع المسيحين في كل مكان أن يحافظوا على ربط هذه الألقاب للأناجيل، ومن الطبيعي ستكون نتيجة هذا، على فرض أن المسيحيين سيختلقون أسماءً للأناجيل في القرن الثاني.
فستجد جماعة تطلق على إنجيل أنه إنجيل أندراوس وجماعة مسيحية أخرى تُطلق عليه بطرس أو بارثلماوس..الخ، لو حدث هذا الأمر سوف نجد حقاً تنوعًا كبيرا في العناوين التي يفترض الآن إيرمان أنه في المخطوطات، سوف نجد أن كل إنجيل له مجموعة متنوعة من الأسماء المختلفة تماما عن بعضها البعض.
لكن هذا الأمر ليس حتى بالقريب بما نجده في المخطوطات، فالمخطوطات تحمل نفس اسم المؤلف ربما الصياغة تختلف قليلاً، لكن النسب للمؤلف ليس متغيرًا أو مختلفًا من مخطوطة لأخرى.
ولكن كل هذا يقودُنا إلى سؤالٍ آخرَ، وهو إذا كانت ظروف التواصل صعبة والكنيسة ليست مركزية، كيف نجد اسماء كتبة الأناجيل مرتبطة بهذه الطريقة مع الأناجيل بهذا الاتساق الموحد؟ أعتقد أن الطريقة الأكثر منطقية هي إدراك أن كل إنجيل في العهد الجديد قد ارتبط باسم مؤلفٍ واحد منذ اللحظة التي بدأ فيها نص الإنجيل في الانتشار.
ربما سبب ذلك أن أسماء الكتبة كانت موجودة على المخطوطات وفقدت بالطرق التي ذكرناها سابقا أو بسبب تاريخ شفوي في مرحلة انتشار كل إنجيل حيث تتم قراءته في كنيسة ويذهب إلى كنيسة أخرى، ربما الأمران معاً! فإذا كان يوجد رواية شفوية عن أصولية الأناجيل أو شيء مكتوب مصاحب للأناجيل منذ انتشارها فلا ينبغي أن نتفاجأ بأننا نجد روايات عن أصول الأناجيل في المصادر القديمة، دعونا نلقي نظرة على الكتابات المسيحية في القرن الثاني.
يقول بابياس المولود في القرن الأول والذي يكتب في أوائل القرن الثاني:
“مرقس بعد أن صار مترجمًا لبطرس كتب بدقة كل ما تذكره، وبالرغم من ذلك لم يكتب أقوال وأعمال المسيح بشكل مُرتب ودقيق، لأنه لم يسمع من الرب ولم يرافقه بل سمع ورافق بطرس الذي استوعب توجيهاته لضروريات مستمعيه، ولكن دون نية ان يسرد أقوال الرب، فلذلك لم يُخطئ مرقس في كتابة كل الأشياء التي تذكرها واهتم بعدم حذف أي شيء سمعه وعدم وضع أي شيء وهمي، وقام متى بجمع الأقوال باللغة العبرية وقام كل شخص بترجمتها بأفضل طريقة مستطاعة “
وثيقة موراتوري :
“الإنجيل الثالث بحسب لوقا الطبيب بعد صعود المسيح حيث أخذه بولس معه كعارف بالتعليم، دونه باسمه حسب فكره مع أنه لم يرَ الرب في أيام جسده، ولأنه كانت لديه المقدرة على التحقق منه، فقد بدأ يخبره بالقصة منذ ميلاد يوحنا، رابع الأناجيل هو ليوحدنا أحد الرسل، حينما طلب منه رفقائه أن يكتب إنجيلًا، طلب أن يصوموا معًا من اليوم ولمدة ثلاث أيام وما يتم إعلانه لكن فرد يقوله للجميع.
وفي نفس الوقت كشف أندراوس أن ما يفحص الكل فيه يجب أن يدون يوحنا كل شيء باسمه، وعلى الرغم من وجود أفكار مختلفة تعلم في الأناجيل ككل، إلا أن هذه الأمور لا تسبب اختلافًا لإيمان المؤمنين لأن كل ما فيها تم الإعلان عنه بالروح الواحد، تم الإعلان عن ما يختص بالميلاد والألآم والقيامة والحديث مع تلاميذ الرب وما يختص بمجيئه الأول محتقر في تواضع، والمجيء الثاني الذي سيكون ممجدًا فيه بشكل ملوكي “
يقول وإرينيئوس:
توجد أربعة أناجيل وأربعة فقط لا أكثر ولا أقل، يفتتح يوحنا إنجيله قائلا ” في البد كان الكلمة ” ولوقا يبدأ بذكرى زكريا وبدأ متى بالنسب البشري للمسيح، ويقود مرقس بدعوة الروح النبوية، قد كتب متى إنجيلًا بين العبرانين بلغتهم، بينما كان بطرس وبولس يكرزان في روما ووضعا أسس الكنيسة، وقد سلَّم لنا مرقس ما بشر به بطرس، كما سجل لوقا رفيق بولس ما بشر به فيما بعد، وكتب يوحنا تلميذ الرب الذي اتكأ على صدره إنجيلًا أثناء إقامته في أفسس.
يشهد ايرينيئوس ووثيقة موراتوري معا، أنَّ المسيحيين في ليون وروما استلموا أربعة أناجيل موثوقًا بها وفقط، نعرف من بابياس وإرينيئوس أن من كتب الأناجيل المعروفة بإنجيل متى ومرقس، أن مرقس كتب بأمانة كلمات بطرس وأن إنجيل متى كتب بالعبرية وتم تداوله بالعبرية، والأهم من ذلك أن شهادة بابياس نشأت في وقت شهود العيان الذين كانوا ما زالوا أحياءً!
إن ما نكتشفه من المخطوطات وأقوال المسيحيين الأوائل في القرن الثاني، أنه لا يوجد أي دليل يُشير الى أن أناجيل العهد الجديد قد انتشرت بطريقة مجهولة المصدر، ولو كان هذا حدث حقا وتم تلفيق مؤلفيها، فبالتأكيد إن كل إنجيل من الأناجيل الأربعة سيُنسب لمجموعة من المؤلفين المُختلفين وهذه الاختلافات كانت ستظهر في المخطوطات اللاحقة وأيضا في اقتباسات الآباء الأوائل، وهذا التنوع غير موجود، فإننا نعرف أن منذ نشأة الأناجيل وهي معروفة بهؤلاء المؤلفين.
صحيح أن هذا وحدَه لا يثبت أن متى ومرقس ولوقا ويوحنا كانوا مؤلفي الأناجيل، ولكن بذلك يتم إثبات أن هذه الأسماء مرفقة بالأناجيل منذ لحظة انتشارها، وقبل نهاية القرن الثاني كانت الأناجيل الأربعة في حالة استقرار ولها تقليد واضح يُمكن تتبعه من خلال شهادة شهود العيان لأربعة مؤلفين بعينهم من القرن الأول، يشهد ايرينيئوس وبابياس ووثيقة موراتوري على سلطة الأناجيل الاربعة التي يمكن تتبع بدايتها واصلها الى متى ولوقا ومرقس ويوحنا.
قد تواصلت مع تيموثي بول جونز للحصول على إذن ترجمة مقاله هذا الرائع[2]
[1]B. Ehrman, Jesus, Apocalyptic Prophet of a New Millennium (Oxford: Oxford University Press, 1999), 248-249; B. Ehrman, Lost Christianities (Oxford: Oxford University Press, 2005), 235; B. Ehrman and W. Craig, “Is There Historical Evidence for the Resurrection of Jesus?: A Debate between William Lane Craig and Bart Ehrman” (March 28, 2006).
إصدارات الكتاب المقدس – الجزء الأول – فيليب كومفورت – ترجمة: مينا كرم
إصدارات الكتاب المقدس – الجزء الأول – فيليب كومفورت – ترجمة: مينا كرم
إصدارات الكتاب المقدس – الجزء الأول – فيليب كومفورت – ترجمة: مينا كرم
مُقدمة
عندما أقوم بتدريس مادة “أدب وتفسير العهد الجديد”، في كلية وايتون، دائماً أقوم بإلقاء مُحاضرات حول تاريخ الكتاب المُقدس باللغة الإنجليزية ومُختلف الترجمات الحديثة المُتاحة بين أيدي القارئ الإنجليزي، أعتقد أنه من المُهم للطلاب الذين يعيشون في هذا العصر الحديث الذي يمتاز بوفرة الترجمات أن يعرفوا شيء عن كل ترجمة.
عندما أقوم بإلقاء المُحاضرات، غالباً يسألوني هذا السؤال “ما هي الترجمة الأفضل؟” ودائما اُجيب قائلا ً “أفضل لأي غرض؟ للقراءة أم للدراسة؟ وأفضل لأي فئة؟ للشباب الصغير أم للكبار؟ للبروتستانت أم للكاثوليك أم لليهود؟”، لا يُقصَد أبداً من إجابتي تعقيد الأمر، بل على العكس فهي تعكس تعقيد الوضع الحقيقي، في حين أن بعض اللغات الأخرى لا يوجد بها سوى ترجمة واحدة فقط للكتاب المُقدس، يوجد مئات الترجمات للكتاب المُقدس باللغة الإنجليزية.
القُراء الحداثَى للكتاب المُقدس، يجدون عددًا كبيرًا من الترجمات الإنجليزية، يجدون صعوبة في تحديد ما هي الترجمة التي يجب قراءتها، بما أن الكتاب المُقدس كتاب مُهم، وفي الواقع هو أهم كتاب، فبالتالي يُريد القراء أن يتأكدوا أنهم حقاً يستخدمون ترجمة للنص الأصلي تكون دقيقة ومفهومة، سيكون من الرائع أن يتمكن جميع البشر من قراءة الكتاب المُقدس باللغات الأصلية له، (العبرية والأرامية واليونانـــية)، لكن نظراً لأن القليل جداً من الناس هم العارفون باللغات الأصلية للكتاب المُقدس، فيعتمد كل الناس تقريباً على الترجمات.
فهذا الكتاب بمثابة دليل للكتاب المُقدس الإنجليزي والترجمات الإنجليزية للكتاب المُقدس، وسيُساعدك هذا الدليل على فهم كيف حَصُلنا على الكتاب المُقدس، وما هي مخطوطاته القديمة الهامة، وما هي الترجمات الإنجليزية المُهمة التي تم إنتاجها عبر التاريخ، يَجب أن يُرشدك هذا الكتاب أيضاً في اختيارك لنُسخ الكتاب المُقدس ويوجهك لاستخدام كل واحدة منهم.
يَشرح الفصل الأول كيف كُتب الكتاب المُقدس الذي هو كلمة الله المُوحى بها في المرة الأولى، يَشرح الفصلان الثاني والثالث، كيف تم كتابة وترجمة العهد القديم والجديد وما هي المخطوطات المُتاحة لكلٍ من العهدين، تُقدم الفصول الثلاثة التالية تاريخ الكتاب المُقدس الإنجليزي، من النُسخ الأقدم في القرن السابع الميلادي وحتى نُسخة الملك جيمس، ومن نُسخة الملك جيمس إلى النُسخة القياسية المُنقحة، والترجمات الحديثة لأخر 40 عام، ويتناول الفصل السابع طُرقًا مُختلفة للترجمة، ويُقدم الفصل الأخير دراسة مقارنة لعدة ترجمات حديثة لمُقدمة إنجيل يوحنا.
وحي الكتاب المُقدس – كيف كُتب الكتاب المُقدس في المرة الأولى وبواسطة من؟
قل لي واعترف، متى كانت آخر مرة أخذت ذلك الكتاب ذا الغلاف الأسود من الرف وفتحته؟ هناك شيء رائع حول عنوان هذا الكتاب “الكتاب المُقدس”، والبعض قد أطلق عليه “الكتاب السار”، لكن هُناك عنوان أفضل لهذا الكتاب وهو “كتاب الله”، لأنه اتصال الله الكتابي بالعالم، يحتوي الكتاب المُقدس على كل ما يُريد الله أن يُخبرنا به.
ومن بين جميع الملايين من الكتب الموجودة في العالم، يوجد كتاب واحد فقط كتبه الله، وهناك كتاب واحد فقط يُعلن عن خطة الله للإنسان، إنه كتاب مُدهش لأنه يَحتوي على تأليف إلهي، ولأنه يَروي قصة رائعة عن حب الله لنا، لكن هُناك قصة أخرى مُدهشة، وهي قصة كيف جاء إلينا الكتاب المُقدس، قد كُتب الكتاب المُقدس باللغات القديمة (العبرية والأرامية واليونانية)، من خلال رجال أوحى الله إليهم، يُخبرنا الكتاب المُقدس نفسه أنه نص موحى به[1] والترجمة الأقرب لهذا النص بحسب اللغة اليونانية هو “كل الكتاب المُقدس هو تنفس الله” وهذا يُخبرنا بأن كل كلمة في الكتاب المُقدس قد أتت من الله، قد جاءت كلمات الكتاب المُقدس من الله وكتبها رجال الله، وأكد الرسول بطرس ذلك حيث يقول “عَالِمِينَ هَذَا أَوَّلاً: أن كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ، لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللَّهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.”[2]
تعبير “تكلم رجال الله” يُعتبر هو المفتاح لفهم كيفية مجيء الكتاب المُقدس إلى حيز الوجود، فقد أختار الله رجالًا مُعينين، مثل موسى وداوود وإشعيا وإرميا وحزقيال ودانيال، ليتلقوا كلماته وما كتبوه قد أصبح أسفارا أو أقسامًا في العهد القديم، وقبل حوالي ألفي عام اختار الله رجالًا أخرين، مثل متى ولوقا ومرقس ويوحنا وبولس، بهدف توصيل الرسالة الإلهية الجديدة، رسالة الخلاص بواسطة يسوع المسيح، وما كتبوه أصبح أسفارا أو أقسامًا من العهد الجديد.
فقد أعطى الله كلماته لهؤلاء الرجال بطرق مُختلفة، فقد تلقى بعض كتاب العهد القديم رسائل مُباشرة من الله، فقد اُعطيت الوصايا العشر لموسى منقوشة على أحجار حينما كان في حضرة الله على جبل سيناء.
وحينما كان يقوم بكتابة مزاميره إلى الله فقد تلقى إلهامًا إلهيًا للتنبؤ ببعض الأحداث التي ستحدث بعد ألف عام في حياة يسوع المسيح، وقد أخبر الله أنبيائه، مثل إشعياء وإرميا بالضبط ما يقولوه، ولذلك حينما أعطوا رسالة، فهي كانت كلمة ورسالة الله وليست كلمة خاصة بهم، وهذا هو السبب في أن الكثير من أنبياء العهد القديم غالباً ما قالوا “هكذا يقول الرب” (قد جاء هذا التعبير أكثر من ألفي مرة في العهد القديم) وقد أرسل الله كلمته بطرق أخرى، مثلما أرسلها لحزقيال ودانيال من خلال الرؤى والأحلام، وسجلوا بالضبط ما رأوه، سواء كانوا يفهمون ذلك أو لا، وكُتاب آخرون للعهد القديم مثل صموئيل وعزرا أخرجهم الله لكي يُسجلوا أحداثًا في تاريخ إسرائيل.
وبعد أربعمائة سنة من كتابة آخر سفر للعهد القديم (ملاخي)، جاء ابن الله، يسوع المسيح، إلى الأرض، وفي خطاباته قد أكد على كتابة العهد القديم بإلهام كتابي[3] وعلاوة على ذلك، أشار إلى مقاطع بعينها في العهد القديم تنبأت بأحداث مُعينة في حياته [4] وأكد العهد الجديد أيضاً على الإلهام من الله في نص العهد القديم، كان الرسول بولس يؤكد على ذلك حينما قال “كل الكتاب موحى به من الله” على وجه التحديد كان بولس يتحدث عن العهد القديم، وكما لوحظ أن بطرس يقول أن أنبياء العهد القديم كانوا مَسوقين بالروح القدس للتحدث عن الله.
العهد الجديد أيضاً كتاب موحى به من الله، قبل أن يترك يسوع هذه الأرض ويذهب لأبيه، قد أخبر تلاميذه أنه سيرسل الروح القدس إليهم، والروح القدس سُيذكرهم بكل ما قاله لهم والروح القدس سيوجههم إلى الحقيقة أكثر [5] فأولئك الذين كتبوا الأناجيل قد ساعدهم الروح القدس على أن يتذكروا كلمات يسوع، وأولئك الذين كتبوا أجزاء أخرى من العهد الجديد، كان الروح القدس يرشدهم وقد أشار الرسول بولس إلى أن رُسل العهد الجديد كانوا يعطون ما يُعلمهم إياه الروح القدس [6]فما كتبوه هو تعليم روح الله، على سبيل المثال، حينما رأى يوحنا الرسول أن يسوع قد جاء ليُعطينا حياة أبدية، فقد ساعده الروح القدس على التعبير عن هذه الحقيقة بطرق عديدة ومختلفة، وهكذا، يرى قارئ إنجيل يوحنا عبارات مُختلفة عن يسوع، فهو له حياة في ذاته، وهو ينبوع الماء الحي، وهو خبز الحياة، ونور الحياة، والقيامة والحياة [7] وكذلك تماماً هذا ما حدث مع بولس في استخدام عبارات مثل “فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً”، “المُذخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم” [8]
ولكن كما كان الروح القدس يُرشد الكُتاب الذين كتبوا الأسفار، الكُتاب استخدموا أيضاً مفرداتهم الخاصة للكتابة وللتعبير عن فكر الروح، وعلى هذا النحو فقد جاء إلينا الكتاب المُقدس نتاج التعاون الإلهي والبشري، لم تكن الكتب المُقدسة موحى بها بشكل ميكانيكي، كما لو كان الله يستخدم البشر استخدام الآلات ليُملي عليهم الكلام الإلهي، لكن الكتاب المُقدس هو كتاب مُوحى به من الله من خلال بشر، إذن الكتاب المُقدس هو كتاب إلهي بشري بشكل كامل.
في المرة القادمة التي تفتح فيها هذا الكتاب ذا الغلاف الأسود المُسمى بالكتاب المُقدس، تذكر أنك تقرأ الكتاب الذي أنتجته سلطة إلهيه واحدة والكثير من المؤلفين البشريين، فقد أعطى الله كلمته وأصبح يُدعمها الآن بحضوره وكتابه الموحى به.
نص العهد القديم – كيف صُنع والمخطوطات التي نمتلكها اليوم؟
يتكون الكتاب المُقدس من قسمين رئيسيين العهد القديم والجديد، وكلمة عهد تُعني “ميثاق” أو “اتفاقية” [9] كان العهد القديم يَقوم في المقام الأول على الاتفاق بين الله وشعبه فيما يتعلق بالشريعة، فقد وعد الله أن يُبارك شعبه إذا حفظوا وصاياه، ولكن شعبه قد فشل في كثير من الأحيان في حفظ وصاياه، لذلك كان العهد القديم ذا شوائب، ومع ذلك فهذا لم يمنع الله، لقد أخبر شعبه من خلال بعض أنبيائه أنه سوف يُصدر ميثاقاً جديدًا، سيكتب فيه وصاياه، وليس على الألواح الحجرية (كما فعل مع الوصايا العشر)، ولكن على قلوب الرجال والنساء [10] فقد أصبح هذا الميثاق حقيقة عندما جاء ابن الله، يسوع المسيح إلى الأرض، فقد أصدر الله ميثاقاً جديدًا يستند على الإيمان به، كل شخص يُشارك في هذا الميثاق الجديد يؤمن أن يسوع هو ابن الله الذي مات على الصليب ليُخلص البشرية وقام من الموت ليحيها.
يُركز كتاب العهد القديم على الميثاق القديم بين الله وشعبه، ويُركز العهد الجديد على الميثاق الجديد بين الله وكل مؤمن.
خلال العهد القديم فقد ألهم الله الكثير من الرجال الأتقياء لكي يُعطي كلمته لشعبه، إسرائيل، وتم حفظ هذه الكتابات وجمعها في ثلاثة أقسام رئيسية: وهم (الناموس والأنبياء والمزامير)، عندما تكلم يسوع مع تلاميذه عن العهد القديم أشار إلى نفس هذا التقسيم [11]
من بين الأقسام الثلاثة، كان القسم الأكثر أهمية بالنسبة إلى الإسرائيليين هو الناموس، أو بتعبير أخر “أسفار موسى الخمس” (سفر التكوين، الخروج، لاويين، عدد، تثنية)، أسفار موسى الخمسة التي قيل إنها كُتبت بواسطة موسى قد زودت إسرائيل بالتعاليم والمبادئ الأساسية للحياة الشخصية والاجتماعية والروحية، باختصار، تحتوي على جوهر اليهودية.
قسم الأنبياء، يُعتبر هذا القسم جزءاً كبيراً من العهد القديم، فهو يشمل الأسفار التاريخية الأربعة (يشوع، قضاة، صموئيل، ملوك) وكتب الأنبياء الكبار الثلاثة (إشعيا، إرميا، حزقيال)، وكتب الأنبياء الصغار الاثني عشر (هوشع، يوئيل، عاموس، عوبديا، يونان، ميخا، ناحوم، حبقوق، صفنيا، حجي، زكريا، ملاخي)، أن الكتب النبوية هي سجل لوحَي الله لشعبه فيما يتعلق بالأحداث الماضية والحالية والمُستقبلية، في الكتاب المُقدس العبري، “الكتابات” التي تُعتبر القسم الأخير في العهد القديم، هي قسمين، النوع الأول يُسمى “كتابات الحكمة” وهي تشمل (المزامير، الأمثال، أيوب، نشيد الأناشيد، مراثي أرميا، الجامعة)، النوع الثاني من “كتابات الحكمة” يَشمل الكتب التاريخية، وتحديداً (إستير، دانيال، عزرا، نحميا، أخبار الأيام)
يختلف ترتيب وتصنيف الكتاب المُقدس العبري عن ما هو بين المسيحين في كُتبهم المُقدسة، لأن الكتاب المُقدس المسيحي أعتمد على الترتيب الموجود في الترجمة السبعينية، وهي ترجمة يونانية للكتاب المقدس العبري، الترجمة السبعينية، هي الترجمة الأولى للكتاب المقدس العبري، تُرجمت في القرن الثالث قبل الميلاد، من خلال الكتبة اليهود، الذين كانوا ضلعين في اللغة العبرية واليونانية، وأصبحت هذه الترجمة شائعة جداً بين اليهود في حوالي قرنين قبل المسيح، لأن العديد من اليهود كانوا في هذه الفترة ليسوا بعارفين باللغة العبرية، لقد غادر أسلافهم إسرائيل قبل قرون، وخفتت القدرة على قراءة الكتاب المُقدس العبري جيل بعد جيل، استخدم المسيحيون الأوائل أيضاً السبعينية في اجتماعاتهم وفي قراءاتهم الخاصة، وقد نقلها العديد من الرسل في العهد الجديد عندما كتبوا الأناجيل والرسائل باللغة اليونانية، ترتيب الكتب في الترجمة السبعينية هو نفس الترتيب الموجود في كُتبنا المُقدسة اليوم، ولأجل الحفظ عن ظهر قلب فمن المُلائم تقسيم العهد القديم إلى خمسة أقسام.
لا يوجد بين أيدينا الأن النُسخ المكتوبة بيد الكُتاب الأصليين لأي سفر من أسفار العهد القديم، ولحسن الحظ قام الكتبة اليهود على مر العصور بنسخ كلمة الله، واهتم الكتبة اليهود بإنتاج نسخ دقيقة للعهد القديم، لأنهم يعتبرون النص عطية الله الذي أوحى به لهم وكان لدى يسوع نفس الاحترام لنص العهد القديم في أكثر من مُناسبة أكد على ثبات النص[12]
في الأزمنة القديمة، استخدم النُساخ ريشة وحبرًا وجلدًا ليصنعوا نسخًا من الكتاب المُقدس، ويجد بعض اللفائف المصنوعة من أنواع متعددة من جلود الحيوانات، وحين الاحتياج لنسخ جديدة يتم نسخها ومقارنتها بالقديمة، وتهدف هذه المُقارنة إلى العثور على اختلاف حرف واحد فقط أو حرفين، فالنساخ كانوا يحسبون عدد الحروف، واذا كانت النسخة بعد مراجعتها خاطئة من المُمكن تصحيحها أو التخلص منها تماماً، وهذه العادة استمرت جيلاً تلو الآخر من القرن السادس وحتى القرن العاشر الميلادي، حيث قام بعض اليهود بما يُسمى بالنص الماسوري، بهدف الحفاظ على النص بعناية أثناء نقله من نسخة لأخرى، وقد أنتجوا العديد من المخطوطات، إليك بعض أهم المخطوطات الماسورية.
مخطوطة الأنبياء بالقاهرة (895م.)
مخطوطة Oriental 4445 بالمتحف البريطاني (القرن التاسع أو العاشر)
مخطوطة لينينجراد للأنبياء (916م.)
مخطوطة لينيجراد (1008م.) تحتوي على العهد الجديد كاملاً
مخطوطة حلب (900-925م.) تحتوي في الأصل على نص العهد القديم كاملا ولكن الأن مفقود الربع تقريباً. [13]
حتى منتصف القرن العشرين، كانت اقدم المخطوطات المتاحة هي المخطوطات الماسورية، ثم في عامي 1947،1948، العام الذي استعادت فيه إسرائيل استقلالها الوطني، ظهر اكتشاف رائع، أحد البدو عثر على لفائف، عُرفت فيما بعد بلفائف البحر الميت، تعود بين 100 قبل الميلاد و 100 بعد الميلاد، فهي أقدم من المخطوطات الماسورية بحوالي ألف سنة، تحتوي مخطوطات قمران على أجزاء من كل أسفار العهد القديم عدا إستير، تحتوي على أجزاء كبيرة من الأسفار الخمسة الأولى خاصة سفر التثنية (سفر التثنية له 25 مخطوطة في لفائف قمران) وأيضاً الأنبياء الكبار وخصوصاً سفر إشعياء، والمزامير لها 27 مخطوطة قمرانية.
وتحتوي مخطوطات قمران أيضاً على أجزاء من السبعينية، والترجوم، وبعض الكتابات الأبوكريفية، وتفسير لسفر حبقوق، يبدو أن صناع هذه المخطوطات من اليهود عاشوا في القرن الثالث قبل الميلاد في قمران إلى القرن الأول الميلادي، وعلى الرغم أن الفارق الزمني بين مخطوطات قمران ومخطوطات النص الماسوري حوالي ألف عام، لكن لا توجد فروق كبيرة بينهم كما كان يتوقع الكثيرين، فمن الطبيعي أن هذه الحقبة الزمنية الكبيرة ستُنشئ ألاف الاختلافات، لكن هذا غير موجود، فمن الواضح أن اليهود قد اجادوا في النسخ بدقة عالية.
إلى يومنا هذا يلجأ جميع علماء الكتاب المُقدس إلى النص الماسوري، فهو يُعتبر النص الرسمي للعهد القديم، ولكن في نفس الوقت تتم المقارنة أحيانا بين النص الماسوري والقمراني، وأيضاً السبعينية والتوراة السامرية[14]، من إلهام أن تعرف أن الهوامش النقدية للعهد القديم تستطيع أن تحصل عليها من النسخة المعروفة باسم Biblia Hebraica Stuttgartensia (BHS)
نص العهد الجديد – كيف صُنع والمخطوطات التي نمتلكها اليوم؟
في حين أن العهد القديم استغرق مئات السنين ليتم كتابته، اكتمل العهد الجديد في غضون خمسين عامًا فقط خلال النصف الثاني من القرن الأول الميلادي، على الأرجح كتب مرقس إنجيله (بين 50-55 ميلادي) وطبقاً للتقليد، استخدم مرقس عظات بطرس في كتابه إنجيله، ويصف هذا السرد البسيط يسوع أنه ابن الله وخادم الله، وعلى ما يبدو استخدم كلًا من متى ولوقا إنجيل مرقس عندما كتبا إنجيليهما، قد كتب متى إنجيله حوالي 70 ميلادي، وهو إنجيل يُركز على رسالة الملك المسياني وملكوته، وكتب لوقا إنجيله حوالي 60 ميلادي، كنتيجة للتحقيق في حياة يسوع ومن بداية خدمته، وقد كتب لوقا عملًا مُكملًا وهو سفر أعمال الرسل وهو سرد مُفصل لكيفية نمو الكنيسة الأولى وانتشارها بعد قيامة المسيح وصعوده، كتب يوحنا إنجيله في وقت متأخر من القرن الأول (حوالي 85-90 ميلادي)، كتب إنجيله لتشجيع الإيمان بيسوع المسيح باعتباره ابن الله، وواهب الحياة الأبدية.
بعد الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل، وفقاً للترتيب الموجود في كُتبنا المُقدسة، رسائل بولس الثلاثة عشر، رومية (حوالي 58 ميلادي)، كورنثوس الأولى والثانية (حوالي 56\57 ميلادي)، غلاطية (حوالي 49-56)، أفسس (61 ميلادي)، فيلبي (62 ميلادي)، كولوسي (62 ميلادي)، تسالونيكي الأولى والثانية (حوالي 51 ميلادي)، تيموثاوس الأولى والثانية (حوالي 63-66 ميلادي)، تيطس (حوالي 65 ميلادي)، فيليمون (حوالي 61 ميلادي)، يُمكن تقسيم رسائل بولس إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول، رسائل إلى كنائس مُحددة قبل سجن بولس (رومية، 1،2 كورنثوس، 1،2 تسالونيكي)، القسم الثاني، وهي رسائل مكتوبة خلال سجن بولس في روما والمعروفة بأسم رسائل السجن (أفسس، فيلبي، كولوسي، فليمون)، القسم الثالث، رسائل مكتوبة تخص رعاه كنائس ويُقدم لهم المشورة (تيطس، 1،2 تيموثاوس)، وعلى الرغم من أن بعض العلماء يعتقدون أن بولس هو كاتب الرسالة إلى العبرانين، فإنه ليس من المُحتمل أن يكون بولس هو كاتب الرسالة، أسلوب كتابة الرسالة مُختلف تماماً عن أسلوب بولس الخاص، بالإضافة إلى أن الكاتب يُخاطب المسيحيين من أصل يهودي فقط، بينما كانت خدمة بولس مُركزة في المقام الأول بالمسيحيين الأمميين، حتى يومنا هذا لا أحد يعرف من هو كاتب الرسالة إلى العبرانين، ربما كان، أبولوس أو برناباس أو بريسكلا، أو حتى بعض المسيحين من اليهود الذين كانوا زملاء بولس.
وبعد رسائل بولس توجد الرسائل الكاثوليكية (عامة) وسفر الرؤيا، كتب يعقوب رأس كنيسة أورشليم وأخو الرب، رسالة إلى المسيحين من اليهود الذين فروا من أورشليم بسبب الاضطهاد[15] إن رسالته المؤرخة حوالي سنة 45 هي أقدم كتابات العهد الجديد، كتب بطرس رسالتين، واحدة لتشجيع المسيحين على الخضوع للمُحاكمات والأخرى لتحذير المسيحين من الأنبياء الكذبة (حوالي 63-66)، وكتب يوحنا ثلاث رسائل واحدة تتوافق مع أسلوبه وجوهر إنجيله واثنين لأفراد (حوالي 85-90 ميلادي)، كتب يهوذا شقيق يعقوب ويسوع رسالة قصيرة يُحذر المؤمنين من المُعلمين الكذبة (حوالي 75 ميلادي، وكتب يوحنا آخر سفر في العهد الجديد وهو الرؤيا (حوالي 90-95 ميلادي).
وبعد كتابة أسفار العهد الجديد وبدأت في الانتشار بين الكنائس، قام المسيحيون بتجميع هذه الأسفار في مُجلدات لكن بصورة مُقسمة، بمعنى كان كل إنجيل من الأناجيل الأربعة يتم مُعاملته باعتباره كتاب مُستقل يتحدث عن حياة وخدمة يسوع، وابتداءاً من أواخر القرن الثاني بدأ المسيحيون في تجميع الأربع أناجيل في مُجلد واحد، وأصبحت هذه الأناجيل معروفة باسم، الإنجيل بحسب متى، الإنجيل بحسب مرقس، الإنجيل بحسب لوقا، الإنجيل بحسب يوحنا، وتم أيضاً جَمع رسائل بولس في مُجلد واحد وهذا كان في وقت مُبكر حوالي 85-90 ميلادي، وفي وقت لاحق في القرنين الثاني والثالث بدأ مسيحيون آخرون في الجمع بين أعمال الرسل والرسائل العامة في مُجلد واحد، في القرن الأول الميلادي تعامل المسيحيون مع العهد القديم باعتباره كتابهم المُقدس، وقرأوا وتحدثوا عن العهد القديم في اجتماعاتهم [16]، كانوا يمتلكون أيضاً الكلمة الحية، الرسل كانوا حاضرين بينهم، وعلمهم الرسل الإنجيل ونقلوا لهم تعاليم يسوع.
لكن بعد وفاة الرسل، أعتمد المسيحيون أكثر وأكثر على ما كتبوه الرسل، وبدأوا يُدركون أن كتاباتهم كانت على نفس مستوى كتابات العهد القديم، باختصار أُعتبرت العديد من كتب العهد الجديد في وقت مُبكر من القرن الثاني موحى بها، الأناجيل الأربعة، أعمال الرسل، رسائل بولس، بطرس الأولى، يوحنا الأولى، لكن استغرقت كتب العهد الجديد الأخرى وقتًا أطول ليحظوا على هذا الاعتراف بشكل كامل، العبرانين (لأن كاتبها غير معروف)، رسالة يعقوب (لأنه كان يُعتقد أن هذه الرسالة تختلف عقائدياً مع لاهوت بولس عن الخلاص)، يوحنا الثانية والثالثة (لعدم انتشارهم الكبير)، سفر الرؤيا (لوجود جدال حول رسالة السفر وكاتب السفر)، وبحلول القرن الرابع تم قبول هذه الأسفار أيضاً من الكنيسة باعتبارها موحى بها من الله وتستحق أن تنضم لقانون العهد الجديد [17]
مخطوطات العهد الجديد:
بدأ المسيحيون في عمل نُسخ من كتابات العهد الجديد قبل نهاية القرن الأول، وكان المسيحيون الأوائل من أول الناس الذين استخدموا شكل الكتاب (يُسمى مخطوطة)، بدلاً من اللفافة، وتم إنتاج مخطوطات مثل الكثير من الكتب الحديثة لنا عن طريق أوراق قابلة للطي، مثل ورق البردي أو الرقوق، وهذا النوع كان مُفيدًا أكثر لعدة أسباب 1. مكن النُساخ أن يكتبوا على الوجهين. 2. ساهمت في التسهيل للوصول للنصوص. 3. مكنت المسيحيين من ضم الأناجيل الأربعة معاً أو رسائل بولس معاً أو أي مزيج أخر كهذا. 4. جعل من الأسهل لأي فرد أو أي كنيسة أن تصنع مجلدها الخاص للعهد الجديد أو أي جزء منه.
ونظراً لعدم وجود النُسخ الأصلية لأي سفر من أسفار العهد الجديد، فإننا نعتمد على نُسخ لإعادة تكوين النص الأصلي، ووفقاً لغالبية العلماء، فإن أقرب نسخة للنص الأصلي هي البردية 52 تعود لحوالي 110-125 ميلادي، وتحتوي على (يوحنا 13-34، 37-38 : 18)، وكانت هذه الشظية التي تبتعد عن الأصل بحوالي عشرين إلى ثلاثين عامًا جزءًا من إحدى أقدم مخطوطات إنجيل يوحنا، ومع ذلك يَعتقد عدد من العلماء، بوجود مخطوطة أقدم وهي البردية 46 المعروفة باسم بردية تشيستر بيتي الثانية، والتي تحتوي على كل رسائل بولس ما عدا الرَعوية، وتم تأريخها مؤخراً لأواخر القرن الأول[18] فإن كان التأريخ دقيقًا، إذن لدينا مجموعة كاملة من رسائل بولس التي ترجع لعشرين إلى ثلاثين عامًا بعد أن كتب بولس مُعظم الرسائل، ولدينا أيضاً العديد من النُسخ القديمة الأخرى لأجزاء مُختلفة للعهد الجديد، وتعود العديد من مخطوطات ورق البردي من أواخر القرن الثاني إلى أوائل القرن الرابع، ومن أهم مخطوطات ورق البردي للعهد الجديد هي كما يلي:
برديات البهنسة :
ابتداءً من عام 1898 اكتشف جرينفيل وهانت آلاف قطع البردي في أكوام النفايات القديمة في البهنسة في مصر، وتم الحصول على كميات كبيرة من شظايا البردي تحتوي على جميع أنواع الكتابات، بالإضافة إلى أكثر من خمسة وثلاثين مخطوطة تحتوي على أجزاء من العهد الجديد، بعض مخطوطات ورق البردي الجديرة بالذكر هي (البردية 1 لإنجيل متى 1)، (البردية 45 لإنجيل يوحنا 1،16)، (البردية 13 لرسالة العبرانين 2-5، 10-12)، (البردية 22 لإنجيل يوحنا 15-16).
برديات تشيستر بيتي :
تم شراء هذه المخطوطات من تاجر في مصر (1930)، بواسطة تشيستر بيتي وجامعة ميتشيغان، والمخطوطات الثلاثة في هذه المجموعة، مُبكرة جدًا وتحتوي على جزء ضخم من نص العهد الجديد، تحتوي البردية 45 (من القرن الثالث) على أجزاء من الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل، وتحتوي البردية 45 (أواخر القرن الأول) على جميع رسائل بولس تقريباً ورسالة العبرانين، والبردية 47 (القرن الثالث)، وتحتوي على (سفر الرؤيا 9-17)
برديات بودمر:
تم شراء هذه المخطوطات من تاجر في مصر حوالي 1950،1960، والبرديات الثلاثة المُهمة في هذه المجموعة، البردية 66 (حوالي 175 ميلادي تحتوي عل إنجيل يوحنا كامل تقريباً)، البردية 72 (القرن الثالث الميلادي تحتوي على رسالة يهوذا وبطرس الأولى والثانية)، البردية 75 (حوالي 200 ميلادي تحتوي على أجزاء كبيرة من إنجيل لوقا 3-15) [19]
وخلال القرن العشرين، تم اكتشاف ما يَقرب من مائة مخطوطة من البردي تحتوي على أجزاء من العهد الجديد، ولكن في القرون السابقة ولا سيما القرن التاسع عشر، تم اكتشاف مخطوطات أخرى، الكثير منها يَعود إلى القرن الرابع أو الخامس، المخطوطات الجديرة أكثر بالذكر هي كما يلي:
المخطوطة السينائية:
اكتشف تشيندورف هذه المخطوطة في دير سانت كاترين، الذي يقع على سفح جبل سيناء، ويعود تاريخها إلى عام 350 م، وتحتوي على العهد الجديد بأكمله، وتُعتبر شاهدًا نصيًا مُبكرًا وموثوقًا إلى حد ما للنص الأصلي للعهد الجديد.
المخطوطة الفاتيكانية:
كانت هذه المخطوطة موجودة في مكتبة الفاتيكان مُنذ عام 1481 على الأقل، ولكنها لم تكن متاحة للباحثين مثل تشيندورف وتريجلز حتى مُنتصف القر التاسع عشر، وتحتوي هذه المخطوطة التي يرجع تاريخها إلى ما قبل المخطوطة السينائية بقليل على كل العهد القديم والجديد باللغة اليونانية، باستثناء الجزء الأخير من العهد الجديد من عبرانين 9:15 إلى نهاية سفر الرؤيا، وقد أثنى العلماء على المخطوطة الفاتيكانية لكونها إحدى الشواهد النصية الأكثر موثوقية لنص العهد الجديد.
المخطوطة السكندرية:
هذه المخطوطة من القرن الخامس، تحتوي تقريباً على كل العهد الجديد ومن المعروف أنها شاهد موثوق جداً على الرسائل العامة وسفر الرؤيا.
المخطوطة الإفرايمية:
هذه المخطوطة تعود للقرن الخامس وتحتوي على جزء كبير من العهد الجديد، تم محوها جزئياً وكُتبت عليها وعظات القديس إفرايم، وتم فك شفرتها لاحقاً بفضل الجهود الجبارة التي بذلها تيشندورف.
المخطوطة البيزية:
هذه مخطوطة من القرن الخامس سُميت بيزا على اسم مُكتشفها ثيؤدور بيزا، وتحتوي على الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل وتعرض نصًا مُختلف تمامًا عن المخطوطات المذكورة أعلاه.
مخطوطة واشنطن:
هذه مخطوطة من القرن الخامس تحتوي على جميع الأناجيل الأربعة، موجودة في مؤسسة سميثسونيان في واشنطن.
فيما هو قبل القرن الخامس عشر، عندما أخترع جوهان جوتنبرج، آلة الطباعة، كانت كل النُسخ لأي عمل أدبي مكتوبة بخط اليد (ومن هنا أتت كلمة مخطوطة، فكلمة مخطوطة أي كل شيء تم خطه بخط اليد)، في الوقت الحاضر، لدينا أكثر من 6000 مخطوطة يونانية للعهد الجديد أو أجزاء منه، لا يُمكن لأي عمل أدبي قديم أخر في الأدب اليوناني أن يتباهى بهذه الأرقام، الألياذة لهوميروس، وهي أعظم الأعمال اليونانية الكلاسيكية، لها حوالي 650 مخطوطة، ومأساة يوربيديس لها حوالي 330 مخطوطة، وعدد مخطوطات جميع الأعمال الأخرى في الأدب اليوناني بأقل بكثير.
وعلاوة على ذلك، يجب القول أن الزمن بين النسخة الأصلية وباقي المخطوطات أقل بكثير بالنسبة للعهد الجديد مُقارنة بأي عمل أدبي يوناني قديم أخر، كل الأعمال القديمة الأخرى تبعُد مخطوطاتها عن النص الأصلي بحوالي 800-1000 سنة، في حين أن الفارق الزمني بين الكثير من كتب العهد الجديد والنص الأصلي هو حوالي مائة عام فقط، بسبب وفرة المخطوطات، ولأن العديد من هذه المخطوطات يَعود للقرون الأولى، يتمتع علماء النقد النصي للعهد الجديد بميزة عظيمة عن باقي علماء الكتب الكلاسيكية الأخرى، يَملُك علماء العهد الجديد، مصادر كثيرة لنص العهد الجديد، وقد أنتجوا بعض الطبعات المُمتازة لنص العهد الجديد اليوناني.
وأخيراً يَجب القول إنه على الرغم من وجود اختلافات بالطبع بين الكثير من مخطوطات العهد الجديد، لا توجد عقيدة مسيحية واحدة ترتكز على قراءة مُتنازع عليها، ولقد أكد فريدريك كينيون ذلك حينما قال “يستطيع المسيحي أن يمسك الكتاب المُقدس بيده ويقول بدون أي خوف أو تردد أنه يَحمل فيه كلمة الله الحقيقية، التي تم تسليمها من جيل إلى جيل على مر القرون دون فقد أساسي” [20]
قصة الكتاب المُقدس الإنجليزي – من الإصدارات الإنجليزية الأولى إلى نُسخة الملك جيمس
مع انتشار الإنجيل وتضاعف عدد الكنائس في القرون الأولى للمسيحية، أراد المسيحيون في مختلف البلاد قراءة الكتاب المقدس باللغة الأصلية لهم. ونتيجة لذلك، تم إنتاج العديد من الترجمات بلغات مختلفة وفي وقت مبكر من القرن الثاني. على سبيل المثال، كانت هناك ترجمات باللغة القبطية للمصريين، وترجمات باللغة السريانية لأولئك الذين كانت لغتهم الآرامية، والقوطية بالنسبة للشعب الألماني دعا القوطي، وباللاتينية للرومان والقُرطاجيين. أشهر ترجمة لاتينية قام بها جيروم حوالي 400. كانت هذه الترجمة، المعروفة باسم الفولجاتا (الفولجاتا تُعني شائع) ومن هنا أتى النص اللاتيني للشخص العادي، وتم استخدام الفولجاتا على نطاق واسع في الكنيسة الكاثوليكية الرومانية لقرون وقرون.
الترجمات المُبكرة:
قد وصل الإنجيل إلى إنجلترا من قبل المبشرين من روما في القرن السادس. الكتاب المقدس الذي حملوه معهم كان النسخة اللاتينية للإنجيل (الفولجاتا) وقد اعتمد المسيحيون الذين يعيشون في إنجلترا في ذلك الوقت على الرهبان لأي نوع من التعليمات من الكتاب المقدس. قام الرهبان بالقراءة والتعليم من الكتاب المقدس اللاتيني. بعد بضعة قرون، عندما تم بناء كثير من الكنائس، ظهرت الحاجة لترجمة الكتاب المقدس باللغة الإنجليزية. وكانت أول ترجمة باللغة الإنجليزية، بقدر ما نعرف، هي ترجمة قام بها راهب من القرن السابع يدعى Caedmon، الذي أنتج نسخة مُجمعة من أجزاء من العهدين القديم والجديد.
يقال إن هناك مسيحي آخر يدعى بيد، قد قام بترجمة الأناجيل إلى اللغة الإنجليزية. والتقليد أيضاً يقول إنه كان يترجم إنجيل يوحنا على فراش الموت في عام 735. وكان المترجم الآخر هو ألفريد الكبير (871-899)، والذي كان يعتبر ملكًا متعلمًا للغاية. أدرج في قوانينه أجزاء من الوصايا العشر المترجمة إلى الإنجليزية، وترجم أيضا المزامير.
جميع ترجمات الكتاب المقدس الإنجليزية قبل عمل Tyndale (سنتحدث عن عمل تيندال لاحقا) اعتمد على النص اللاتيني، بعض النسخ اللاتينية للأناجيل مع ترجمة إنجليزية لها كلمة بكلمة، والتي تُطلق عليها الترجمات بين السطور، تبقي من القرن العاشر. تُعرف الترجمة الأكثر شهرة لهذه الفترة باسم أناجيل Lindisfarne[21] وفي أواخر القرن العاشر، قامت إيلفريك (955 – 1020)، رئيس دير Eynsham، بترجمة اصطلاحية لأجزاء متنوعة من الكتاب المقدس.
ولا تزال هناك اثنتان من هذه الترجمات. وفي وقت لاحق، في 1300، ترجم وليام شوريهام المزامير إلى اللغة الإنجليزية، وكذلك ريتشارد رول، الذي تضمنت طبعاته من المزامير على تفسير لكل نص. وكانت كلٌ من هذه الترجمات التي كانت متريّ وبالتالي تسمي Psalters، حينما كان جون ويكلف شابًا.
ترجمة جون ويكلف:
كان جون ويكليف (1329-1384)، أبرز علماء اللاهوت في أكسفورد في عصره، وبين زملائه، وهو أول من ترجم الكتاب المقدس بأكمله من اللاتينية إلى الإنجليزية. وقد أطلق على ويكليف “صباح الإصلاح” لأنه استنكر السلطة البابوية، وانتقد بيع صكوك الغفران (كان من المفترض أن تُطلق سراح الشخص من العقاب في المطهر)، ونفى حقيقة التحول الجيني (عقيدة الخبز والخمر).
وتحويلهم إلى جسد يسوع المسيح ودمه خلال التناول، قام البابا بتوبيخ ويكلف لتعاليمه الهرطوقية وطلب من جامعة أوكسفورد عزله. لكن أكسفورد وكثير من زعماء الحكومة وقفوا مع ويكلف، لذلك كان قادراً على البقاء على قيد الحياة بالرغم من هجمات البابا.
اعتقد ويكليف أن سبب الصراع بينه وبين السلطة المُسيئة للكنيسة هي جعل الكتاب المقدس متاحًا للناس بلغتهم الخاصة. وبالتالي يُمكن أن يقرأوا لأنفسهم كيف يمكن لكل واحد منهم أن يكون له علاقة شخصية مع الله من خلال المسيح يسوع بغض النظر عن أي سُلطة كنسية. وقد أكمل ويكلف، مع شركائه، العهد الجديد حوالي عام 1380 والعهد القديم في1382[22]. ركز ويكليف أعماله على العهد الجديد، في حين قام أحد المساعدين، (نيكولاس) من Hereford، بترجمة جزء كبير من العهد القديم. ترجم ويكلف وزملاؤه، غير العارفين اللغة العبرية واليونانية، بترجمة النص اللاتيني إلى الإنجليزية.
بعدما أنهى ويكليف ترجمته، قام بتنظيم مجموعة من أبناء الرعية الفقراء، والمعروفة باسم لولاردز، للذهاب إلى جميع أنحاء إنجلترا للتبشير بالمسيحية وقراءة الكتاب المقدس بلغتهم الأم إلى كل من يسمع كلمة الله. ونتيجة لذلك، أصبحت كلمة الله من خلال ترجمة ويكليف متاحة للعديد من الإنجليز. كان محبوبًا لكنه مكروه. لم ينسَ أعداءه في السلطات الكنسية معارضته لسلطتهم أو جهوده الناجحة في جعل الكتاب المقدس متاحًا للجميع. بعد عدة عقود من وفاته، أدانوه على بدعته، وأخرجوا جسده من القبر، وأحرقوه، وألقوا رماده في نهر سويفت.
وقد واصل جون بورفي (1353-1428) عمل أحد أعمال ويكليف، وهو عمل مراجعة لترجمته، في عام 1388 كان بورفي باحث مُمتاز، وقام بعمله بشكل جيد للغاية، وفي غضون أقل من قرن من الزمان قد تم استبدال مُراجعة ويكليف بمُراجعة بورفي [23]
لكن كما قُلنا سابقاً، كان ويكليف وزملاؤه أول إنجليز يَقومون بترجمة الكتاب المُقدس ترجمة كاملة، لكنهم اعتمدوا على الترجمة اللاتينية، أي أن ترجمتهم لم تكن من اللغة الأصلية ولكنها كانت ترجمة لترجمة أخرى للغة الأصلية، ومع مجيء عصر النهضة، ظهر رجوع للدراسة الكلاسيكية، ومعها تجددت دراسة اللغة اليونانية والعبرية، وهكذا بعد ما يقرب من ألف عام (500 إلى 1500) وهو الوقت التقريبي الذي كانت اللغة اللاتينية فيه هي اللغة السائدة للمنح الدراسية، وبالطبع باستثناء الكنيسة اليونانية، وبدأ العلماء يقرأون العهد الجديد بلغته الأصلية (اليونانية)، وبحلول عام 1500، تم تدريس اللغة اليونانية في جامعة أكسفورد.
ترجمة تيندال:
وُلِد ويليام تيندال في عصر النهضة، تخرج عام 1515 من جامعة أكسفورد، حيث درس الكتاب المُقدس باللغة اليونانية والعبرية، وحينما كان في الثلاثين من عمره كان تيندال قد وهب حياته لترجمة الكتاب المُقدس من اللغات الأصلية إلى اللغة الإنجليزية، وتتجسد رغبة قلبه هذه في تصريح أدلى به إلى رجل دين حينما كان يدحض الرأي القائل إن رجال الدين فقط هم المؤهلون لقراءة الكتب المُقدسة وتفسيرها بشكل صحيح، قال تيندال إذا أطال الله حياتي، فسأجعل الصبي يدفع بالمحراث إلى معرفة المزيد عن الكتاب المُقدس أكثر منه [24]
وفي عام 1523 قد ذهب تيندال إلى لندن يبحث عن مكان للعمل على ترجمته فيه، عندما لم يعطِ له أسقف لندن كرم الضيافة، قد وفر لهHumphrey Munmouth وهو تاجر قماش مكان لعمله، ثم غادر تيندل إنجلترا عام 1524 وذهب إلى المانيا، لأن الكنيسة الإنجليزية التي كانت لا تزال تحت السلطة البابوية في روما عارضت بشدة وجود الكتاب المُقدس بين أيدي العلمانين، واستقر تيندل لأول مرة في هامبورج في المانيا، ومن المُحتمل جداً أنه تقابل مع مارتن لوثر، وحتى وإن لم يُقابلْه، فإنه كان على دراية جيدة بكتابات لوثر وترجمة لوثر الألمانية للعهد الجديد (نُشرت عام 1522)، واستخدم كلٌ من لوثر وتيندل نفس النص اليوناني (نص ايرازموس 1516) في ترجمتهم.
وأكمل تيندال ترجمته للعهد الجديد في عام 1525، وتم تهريب خمسة عشر ألف نُسخة، في ستة طبعات، إلى إنجلترا بين 1525-1530، وقد بذلت سلطات الكنيسة أقصى الجهد لتُصادر نسخ ترجمة ويكليف وحرقها، لكنهم لم يستطيعوا وقف دخول الأناجيل من ألمانيا إلى إنجلترا، ولم يستطع تيندال نفسه العودة إلى إنجلترا لأن تمت إدانته في الوقت الذي تم فيه حظر ترجمته، وبالرغم من ذلك، فقد أكمل تيندال عمله في الخارج من تنقيح ومراجعة وإعادة ترجمة، وظهرت ترجمته في آخر تنقيح لها عام 1535، وبعد ذلك بوقت قصير في مايو 1535، تم ألقاء القبض على تيندال، وبعد سجنه أكثر من عام، تمت محاكمته بالإعدام في 6 أكتوبر عام 1536 حيث تم خنقه وحرقه أيضاً، وكانت كلماته الأخيرة مؤثرة للغاية حيث قال “يارب أفتح عيون ملك إنجلترا” [25]
بعد إنهاء ترجمة العهد الجديد، بدأ تيندال العمل على ترجمة العهد القديم من العبرية، لكنه لم يعش كثيراً بما يكفي لإكمال مُهمته، ومع ذلك، فقد قام بترجمة أسفار موسى الخمسة، وسفر يونان، وبعض الأسفار التاريخية، في حين كان تيندال في السجن قام أحد مُساعدية، وهو مايلز كوفرديل (1488-1569) بإنجاز ترجمة باقي الكتاب المُقدس، وأعتمد بشكل كبير على ترجمة تيندال للعهد الجديد وغيرها من كتب العهد القديم، وبعبارة أخرى فقد أنهى كوفرديل ما بدأه تيندال
ترجمة كوفرديل:
كان مايلز كوفرديل من خريجي كامبردج، والذي اضطر، مثل تيندال، إلى الفرار، من إنجلترا لأنه كان متأثراً بقوة بمارتن لوثر إلا إنه كان يُبشر بجرأة ضد العقيدة الكاثوليكية الرومانية، بينما كان في الخارج، التقى كوفرديل مع تيندال، ثم أصبح مُساعدًا له، وبحلول الوقت الذي أنتج فيه كوفرديل ترجمة كاملة (1537)، قام ملك إنجلترا هنري الثامن، بكسر كل العلاقات مع البابا، وكان على استعداد لرؤية ظهور الكتاب المُقدس الإنجليزي [26]، فربما تمت الاستجابة لصلاة تيندال، وقد أعطى الملك موافقته الملَكية على ترجمة كوفرديل دون حتى أن يعرف أنه يؤيد عمل الرجل الذي أدانه في وقت سابق!
ترجمة توماس ماثيو:
في نفس العام الذي تم فيه تأييد الكتاب المُقدس لكوفرديل من الملك (1537)، تم نشر كتاب آخر في إنجلترا، قام بعمله أحدهم يُدعى توماس ماثيو وهذا اسم مُستعار لجون روجرز (حوالي 1500-1555)، وهو صديق لتيندال، ومن الواضح أن روجرز استخدم ترجمة تيندال غير المنشورة للكتب التاريخية للعهد القديم، وأجزاء أخرى من ترجمة تيندال، وأجزاء من ترجمة كوفرديل، لتكوين الكتاب المُقدس بأكمله، هذا الكتاب المُقدس حصل أيضاً على موافقة الملك، وتم تنقيح كتاب ماثيو عام 1538، وطُبع للتوزيع في الكنائس في جميع أنحاء إنجلترا، وأصبح هذا الكتاب المُقدس الذي اُطلق عليه الكتاب المُقدس العظيم، بسبب حجمه وتكلفته، فهو أول كتاب مُقدس إنجليزي مأذون به للاستخدام العام.
تمت طباعة العديد من إصدارات الكتاب المُقدس العظيم في أوائل 1540، ومع ذلك كان التوزيع محدود، وعلاوة على ذلك، تغير موقف الملك هنري حول الترجمة الجديدة، ونتيجة لذلك، أصدر البرلمان الإنجليزي قانونًا في عام 1543 يحظر استخدام أي ترجمة باللغة الإنجليزية، كانت جريمة على أي شخص غير مُرخص له بقراءة أو شرح الكتاب المُقدس في الأماكن العامة، تم حرق العديد من نسخ العهد الجديد لتيندال وكوفرديل في لندن.
كان القمع الأكبر يتبع بعد فترة قصيرة من التسامح (أثناء حكم إدوارد السادس 1547-1553)، وقد جاء الاضطهاد الشديد على أيدي Mary التي كانت كاثوليكية عازمة على إعادة الكاثوليكية إلى إنجلترا وقمع البرونستانت، قد تم إعدام الكثير من البروتستانت، بما فيهم جون روجرز وتوماس كرانمر، مُترجمي الكتاب المُقدس، وأُلقي القبض على كوفرديل، ثم أُطلق سراحه، وهرب إلى جينيف، ملاذا للبروتستانت الإنجليز.
ترجمة جينيف:
اختار المنفيون الإنجليز في جينيف ويليام ويتنجهام (1524-1579) لعمل ترجمة إنجليزية للعهد الجديد لهم، أستخدم ترجمة ثيؤدور بيزا اللاتينية واستعان بالنص اليوناني، وأصبح هذا هو الكتاب المُقدس الشائع نظراً لكونه صغيرًا وبأسعار مُعتدلة، وتأثرت مُقدمات الكتاب المُقدس وشروحه الكثيرة بتأثير إنجيلي قوي، وبالإضافة إلى تعاليم جون كالفين، فقد كان كالفن أحد أعظم المُفكرين في الإصلاح، وهو المُفسر الشهير للكتاب المُقدس، والقائد الرئيسي في جينيف خلال تلك الأيام.
بينما كان الكتاب المُقدس بجينيف بشعبية بين العديد من الرجال والنساء الإنجليز، إلا إنه غير مقبولٍ بين العديد من القادة في كنيسة إنجلترا، وبسبب مُلاحظات كالفن، فقد أدرك هؤلاء القادة أن نسخة الكتاب المُقدس العظيم كانت أدنى من نسخة جينيف في الأسلوب والمنح، وقد شرعوا على مُراجعة نسخة الكتاب المُقدس العظيم، أصبح هذا الكتاب المُقدس المُنقَّح الذي نُشر عام 1568، يُعرف باسم الكتاب المُقدس للأساقفة (the Bishops’ Bible)، وأستمر استخدامه حتى تم استبداله بإصدار نُسخة الملك جيمس عام 1611.
نُسخة الملك جيمس:
يعد أن أصبح جيمس السادس ملك إنجلترا (المعروف باسم الملك جيمس الأول)، قد قام بدعوة العديد من رجال الدين من الفصائل الأنجليكانية والبروتستانتية إلى اجتماع يأمل في إمكانية توفيق الاختلافات، لكن الاجتماع لم يُحقق هذا، وبالرغم من ذلك خلال الاجتماع طلب جون رينولدز أحد قادة البروتستانتيين رئيس كلية كوربوس كريستي، من الملك عمل ترجمة جديدة لأنه أراد رؤية ترجمة أكثر دقة من الترجمات السابقة، ولقد أحب الملك جيمس هذه الفكرة لأن نُسخة الكتاب المُقدس للأساقفة لم تكن موفقة، ولأنه اعتبر المُلاحظات بنُسخة جينيف بمثابة فتنة، بدأ الملك العمل وأخذ دور نشط في التخطيط للترجمة الجديدة، واقترح أن يَعمّل أساتذة الجامعة في الترجمة لضمان أفضل منح دراسية، وحث بشدة على أن لا يكون في النُسخة أية مُلاحظات هامشية إلى جانب تلك التي لها علاقة بالأداءات الحرفية من العبرية واليونانية، إن غياب الهوامش التفسيرية سيُساعد في قبول الترجمة من جميع الناس في إنجلترا.
أكثر من خمسين باحثًا، مُتخصصين في العبرية واليونانية، بدأوا العمل في عام 1607، ومرت الترجمة بعدة لجان قبل أن يتم نشرها، وصدرت تعليمات للعلماء باتباع نسخة الكتاب المُقدس للأساقفة كنسخة أساسية، طالما تلتزم بالنص الأصلي، والاستناد على ترجمات تيندال وكوفرديل وكذلك نسخة الكتاب المُقدس العظيم ونسخة جينيف، في حين أنهم يلتزمون بدقة أكثر بالنص الأصلي، يتم التعبير عن هذا الاعتماد على الترجمات الأخرى في مُقدمة نسخة الملك جيمس، وقد استحوذت نُسخة الملك جيمس على مكانة أفضل الترجمات الإنجليزية أفضل من كل الترجمات السابقة، في الواقع، أصبحت نُسخة الملك جيمس، النسخة المُعتمدة في إنجلترا، وكانت نصبًا دائماً للنثر الإنجليزي بسبب أسلوبها المُهيب ولغتها المُهيبة، وإيقاعاتها الشعرية، لم يكن لأي كتاب أخر تأثير كبير على الأدب الإنجليزي، ولم تؤثر أي ترجمة أخرى على حياة العديد من الناس الناطقين بالإنجليزية لقرون وقرون وحتى يومنا هذا.[27]
قصة الكتاب المُقدس الإنجليزي من نسخة الملك جيمس إلى النسخة القياسية المُنقحة
أصبحت نسخة الملك جيمس أكثر ترجمة إنجليزية شعبية في القرنين السابع عشر والثامن عشر. اكتسبت مكانة عظيمة حتى أصبحت هي الترجمة الإنجليزية القياسية للكتاب المقدس لكن نسخة الملك جيمس كانت تعاني من قصور لم يُلاحظه بعض العلماء.
أولاً، كانت المعرفة باللغة العبرية غير كافية في أوائل القرن السابع عشر. النص العبري الذي استخدموه (أي النص الماسوري -انظر الفصل الثاني) كان كافياً، لكن فهمهم للمفردات العبرية لم يكن كافياً. وسوف يستغرق الأمر سنوات عديدة من الدراسات اللغوية لإثراء وفهم المفردات العبرية.
ثانياً، كان النص اليوناني الموجود في العهد الجديد في نسخة الملك جيمس نصًا أدنى. استخدم مترجمو الملك جيمس بشكل أساسي نصًا يونانيًا يعرف باسم Textus Receptus (أو “النص المستلم”)، والذي جاء نتاج عمل إيرازموس، الذي قام بتجميع أول نص يوناني مطبوع. عندما قام إيراسموس بتجميع هذا النص، استخدم خمسة أو ستة مخطوطات متأخرة جداً ترجع إلى القرن العاشر والقرن الثالث عشر. كانت هذه المخطوطات أقل جودة بكثير من المخطوطات السابقة.
كان أداء مترجمي الملك جيمس جيداً مع الوسائل المتاحة لهم، لكن هذه الوسائل لم تكن كافية، خاصة فيما يتعلق بنص العهد الجديد. بعد نشر نسخة الملك جيمس، تم اكتشاف مخطوطات أقدم وأفضل. حوالي عام 1630، تم إحضار المخطوطة السكندرية إلى إنجلترا. وهي مخطوطة من القرن الخامس تحتوي على العهد الجديد بأكمله، قدمت شاهدا مبكرا جيدا على نص العهد الجديد، ولا سيما النص الأصلي للرؤيا. بعد مائتي عام، اكتشف عالم ألماني يدعى قسطنطين فون تيشندورف المخطوطة السينائية في دير سانت كاترين الواقع بالقرب من جبل سيناء. هذه المخطوطة ترجع إلى حوالي عام 350 ـ، هي واحدة من أقدم مخطوطتين للعهد الجديد اليوناني.
أقدم مخطوطة للعهد الجديد، هي الفاتيكانية، كانت موجودة في مكتبة الفاتيكان منذ عام 1481 على الأقل، ولكنها لم تكن متاحة للعلماء حتى منتصف القرن التاسع عشر. هذه المخطوطة، مؤرخة في وقت قبل المخطوطة السينائية 325، تحتوي على كلٍ من العهد القديم والعهد الجديد باليوناني، باستثناء الجزء الأخير من العهد الجديد (عبرانيين 9: 15 إلى رؤيا 22: 21 والرسائل الرعوية). لقد حددت مئات السنين من النقد النصي أن هذه المخطوطة هي واحدة من الشواهد الأكثر دقة وموثوقية. تم اكتشاف مخطوطات أخرى مبكرة ومهمة في القرن التاسع عشر. من خلال الأعمال الدؤوبة لرجال مثل Constantin von Tischendorf و Samuel Tregelles و F. H. Scrivener، تم فك رموز مخطوطات مثل Codex Ephraemi Rescriptus و Codex Zacynthius و Codex Augiensis.
ومع اكتشاف المخطوطات المختلفة ونشرها، سعى بعض الباحثين إلى تجميع نص يوناني من شأنه أن يُمثل النص الأصلي بشكل أوضح من النص الذي قدمه النص المُستلم (Textus Receptus). حوالي عام 1700 أنتج جون ميل تحسين للنص المُستلم، وفي عام 1730 قام ألبرت بينجل، المعروف بــأبي الدراسات الحديثة وعلم اللغة في العهد الجديد، بنشر النص الذي انحرف عن النص المُستلم وفقا للمخطوطات الأقدم.
في عام 1800 بدأ بعض العلماء التخلي عن النص المُستلم. أنتج كارل لاخمان، وهو عالم فلك كلاسيكي، نصًا جديدًا عام 1831 يمثل مخطوطات القرن الرابع. ركز صموئيل تريجلس، الذي درس اللغة اللاتينية والعبرية واليونانية، طوال فترة حياته بالكامل، كل جهوده في نشر نص يوناني واحد، خرج في ستة أجزاء، من 1857 إلى 1872.[28] وكان هدفه هو عرض نص العهد الجديد بنفس الكلمات التي تم نقلها في أدلة قديمة [29]
كما قام هنري ألفورد بتجميع نص يوناني يستند إلى أفضل وأقدم المخطوطات. في مقدمة كتابه للعهد الجديد اليوناني، وهو تعليق متعدد الأجزاء للعهد الجديد اليوناني، نُشر في عام 1849، قال ألفورد إنه عمل من أجل “هدم الاحترام غير الملائم والمتحمس للنص المستلم، الذي كان يقف في طريق كل فرصة اكتشاف كلمة الله الحقيقية “. [30]
خلال هذه السنة نفسها، كان تيشندورف يكرس عمره لاكتشاف المخطوطات وإنتاج طبعات دقيقة للعهد الجديد اليوناني. في رسالة إلى خطيبته، كتب: “أواجه مهمة مقدسة، الكفاح من أجل استعادة الشكل الأصلي للعهد الجديد”. واكتشف المخطوطة السينائية وفك الــ [31]palimpsest للمخطوطة الإفرايمية، وجمع مخطوطات لا تُعد ولا تُحصى وأنتج عدة طبعات للعهد الجديد (الطبعة الثامنة هي الأفضل)
وبمساعدة من علماء سابقين، عمل رجلان بريطانيان، هما بروك وستكوت وفنتون هورت، لمدة ثمانية وعشرين عامًا لإنتاج مجلد بعنوان العهد الجديد باللغة اليونانية الأصلية (1881). جنبا إلى جنب مع هذا المنشور، عرفوا نظريتهم أن المخطوط الفاتيكاني والسينائي، جنبا إلى جنب عدد قليل من المخطوطات الأخرى في وقت مبكر، مثلت النص الذي كرر النص الأصلي. دعوا هذا النص النص المحايد. (وفقا لدراساتهم، وصفوا النص المحايد أن هناك بعض المخطوطات التي لديها أقل قدر من الفساد النصي). هذا هو النص الذي اعتمد عليه ويستكوت وهورت لتصنيف نسختهما المسماة العهد الجديد في اليونانية الأصلية.
وفي أواخر القرن التاسع عشر، قد أصبح لدينا ثلاثة نصوص يونانية جيدة جدًا وهم، نص تشيندورف، تريجلس ،ويستكوت وهورت، كانت هذه النصوص مُختلفة تماماً عن النص المُستلم وكما ذكرنا سابقاً، فقد حَصُل المُجتمع العلمي على المزيد من المعرفة حول اللغة العبرية واليونانية، ولذلك فكانت هُناك حاجة إلى وجود ترجمة إنجليزية جديدة تعتمد على نصوص أفضل وأكثر دقة في ترجمة النص الأصلي.
حاول عدد قليل من الأشخاص تلبية هذه الحاجة ففي عام 1871 أنتج جون نيلسون داربي ترجم تُعرف باسم الترجمة الجديدة (New Translation) والتي كانت تعتمد بشكل كبير على المخطوطة السينائية، وفي عام 1872 نشر روثرهام ترجمة نص تريجلز، والذي حاول فيه أن يعكس التركيز المُتأصل في النص اليوناني، وهذه الترجمة لا تزال تُنشر تحت عنوان The Emphasized Bible، وفي عام 1875 انتج صامويل دافيدسون ترجمة للعهد الجديد لنص تشيندورف.
وبدأ أول عمل ضخم عام 1870 بواسطة مؤتمر كانتربري، الذي قرر عمل مراجعة لنسخة الملك جيمس قام 65 باحث بريطاني يعملون في لجان مُختلفة بإجراء تغييرات كبيرة في نُسخة الملك جيمس، فقد صحح علماء العهد القديم ترجمات الكلمات العبرية والمقاطع الشعرية المُعاد تنسيقها إلى شكل شعري، وقد أجرى علماء العهد الجديد ألاف التغييرات بناءً على أدلة نصية أفضل، كان هدفهم جعل مُراجعة العهد الجديد لا تعكس النص المُستلم ولكن تعطي نص تيشيندورف وتريجلس و ويستكوت وهورت، عندما ظهرت النُسخة المُنقحة الكاملة، تم تلقيها بحماس كبير، بيعت منها أكثر من ثلاثة ملايين في السنة الأولى من نشرها، لكن لسوء الحظ لم تكن شعبيتها طويلة الأمد لأن غالبية الناس استمروا في تفضيل نسخة الملك جيمس على جميع الترجمات الأخرى.
وقت تمت دعوة العديد من الباحثين الأمريكيين لينضموا إلى عمل المراجعة، على أساس أن أي من اقتراحاتهم المرفوضة من الباحثين البريطانيين، تَظهر في مُلحق، وعلاوة على ذلك، كان على العلماء الأمريكيين الموافقة على عدم النشر لهذه المراجعة الأمريكية الخاصة بهم إلا بعد مرور أربعة عشر عاماً (1901) تم نشر النسخة القياسية الأمريكية (the American Standard Version)، وهي ترجمة دقيقة وجديرة بالثقة في كلٍ من العهد القديم والجديد وأفضل من النسخة الإنجليزية المُنقحة.
صحيح كان القرن التاسع عشر فترة مُثمرة للعهد الجديد ولكن أيضاً القرن العشرين مُثمر للغاية حيث أن ظهرت وثائق جديدة ساعدت في الدراسات النصية مثل مخطوطات قمران ومخطوطات يودمر وتشيستر بيتي، هذه الاكتشافات عززت بشكل كبير المجهودات المبذولة لاستعادة النص الأصلي للعهد القديم والجديد، وفي نفس الوقت اثبتت اكتشافات أثرية أخرى حقيقة أن الكتاب المُقدس دقيق فيما يُقدمه من معلومات تاريخية، وساعدت العلماء على فهم معاني بعض الكلمات.
كما أن ظهور مخطوطات أقدم وأكثر موثوقية ساعد على عمل تعديل لبعض الفقرات، على الرغم من أن العلماء لا زالوا يستخدمون النص الماسوري لكنهم قد راعوا الاختلافات بينه وبين مخطوطات قمران، وأصبح علماء العهد في مُعظم الأحيان يعتمدون على طبعة العهد الجديد المعروفة باسم نسخة نستل ألاند، قد استخدم ابيرهارد نستل أفضل إصدارات العهد الجديد اليوناني الموجودة ف القرن التاسع عشر لإنتاج نص يُمثل اجماع غالبية النُسخ، قام ابنه بعمل اصدارات جديدة لعدة سنوات وصلت للإصدار 26.
وقد ظهرت الألاف والألاف من البرديات المُكتشفة في مصر، في مطلع القرن العشرين، وهذه البرديات كانت مكتوبة باللغة اليونانية الشائعة أو ما تُسمى اليونانية الأيكوينية، كانت لغة مُشتركة بين الكل، كانت اللغة الشائعة والشعبية في العالم اليوناني منذ القرن الثاني قبل الميلاد إلى القرن الثالث بعد الميلاد، فقد كان كل شخص مُتعلم يستطيع أن يتحدثها ويقرأها ويكتبها، بالضبط مثل أي شخص مُتعلم في العصر الحديث يتحدث اللغة الإنجليزية قليلاً ويقرأها وربما يكتبها، فلم تكن هذه اللغة لغة أدبية، علماء العهد الجديد قد اكتشفوا أن الغالبية العظمى من العهد الجديد مكتوب اللغة اليونانية الكوينية، “لغة الناس”، ومن هنا قد أتى الدافع، لماذا لا نُترجم العهد الجديد اليوناني إلى لغة الناس؟ فقد اختار العديد من المُترجمين أن يعزفوا عن النمط المُستخدم في نسخة الملك جيمس، أو حتى مثل النسخة الانجليزية المُنقحة أو النسخة الأمريكية القياسية.
وقد كانت أول ترجمة من هذا النوع هي “العهد الجديد في القرن العشرين” (1902)، وتقول في مُقدمتها.
“إن نسخة العهد الجديد في القرن العشرين دقيقة وسلسة وسهلة القراءة، تجذب من يقرأها من البداية إلى النهاية، ولدت هذه الطبعة من الرغبة في أن يكون الكتاب المُقدس مقروءًا ومفهومًا أيضاً، وهو نتاج لجنة كاملة مُكونة من عشرين رجل وامرأة قد عملوا معاً على مدار سنوات عديدة، كما نعتقد أننا قمنا بهذا العمل تحت إرشاد إلهي“
بعد ذلك ظهرت نسخة “العهد الجديد ترجمة جديدة” في السنوات الأولى من القرن العشرين قام ها العالم الإسكتلندي جيمس موفات في عام 1913، ولكن لسوء الحظ فقد اعتمد على العهد الجديد اليوناني لهيرمان فون سودن وكما هو معروف فهو نص سيء للغاية.
وقد تحدى إدجار جودسيد أستاذ العهد الجديد في جامعة شيكاجو أن يُنتج نسخة أفضل مما قدمه موفات وويماوث وفي عام 1923 نشر ترجمته “العهد الجديد. ترجمة امريكية”، وكن يُريد أن يعطي ترجمته جزء من القوة الموجودة في النص اليوناني، فقال إنه أراد أن يعطي القارئ الانطباع الذي كان لدى القراء الأوائل، وادعو استمرار قراءة النسخة كاملة في جلسة واحدة، كانت بالفعل ترجمته جيدة وناجحة، أتى بعدها ترجمة العهد القديم التي قدمها J. M. Powis Smith ومعه ثلاثة علماء أخرين، وفي عام 1935 تم النشر الكامل للترجمة العهد القديم والجديد معاً.
النسخة القياسية المُنقحة : اكتسبت النسخة المُنقحة والنسخة القياسية الأمريكية سمعة بأنهم نسخ دراسية ونصهم دقيق، لكن لغتهم “خشبية”، حاول المترجمون الذين عملوا في الإصدارات المُنقحة ترجمة الكلمات من النص اليوناني دون الأخذ في الاعتبار سياق النص، وأيضاً في بعض الأوقات قد تتبعت الترتيب اليوناني للعبارات، وقد تم المُطالبة المراجعة وخصوصا بعد اكتشاف العديد من المخطوطات الكتابية المُهمة مثل البحر الميت وتشيستر بيتي، إن الأدلة الجديدة التي تظهرها هذه الوثائق المُكتشفة يجب أن تنعكس على النسخة
وأظهرت المراجعة تغييرات في سفر إشعياء من الناحية النصية بسبب مخطوطة إشعياء المُكتشفة في قمران، والعديد من التغييرات أيضاً في رسائل بولس على ضوء البردية 46، وتنقيحات أخرى مهمة مثل قصة المرأة الزانية (يوحنا 7:52 – 8:11)، وتم وضعها في الهامش لأنها غير موجودة في المخطوطات القديمة، وأيضاً نهاية إنجيل مرقس (مرقس 16: 8-20) فهذه الفقرات مفقودة من أقدم مخطوطتين (السينائية والفاتيكانية)
في وقت لاحق تم نشر النسخة كاملة متضمنة العهدين وأيضاً الأسفار القانونية الثانية، ورغم الموافقة الكبيرة على النسخة من الكنائس البرتستانتية والأرثوذكس اليونان والروم والكاثوليك، لكن الكثير من المسيحيين البروتستانت والأصوليين تجنبوا هذه النسخة بسبب فقرة واحدة وهي (إشعياء 7:14) لأنها تترجم النص “فتاة” وليست “عذراء”.
[13] أنظر See “Biblical Manuscripts” by Philip W. Comfort in Young’s Compact Bible Dictionary (Wheaton, Ill.: Tyndale House Publishers, 1989), from which this portion was adapted.
[14] بعض المخططات المُكتشفة في قمران، وخاصة مخطوطتين لسفر صموئل الأول، متقارب أكثر مع السبعينية من النص الماسوري، ومخطوات اخرى قمرانية تتفق مع السامرية ولا سيما مخطوطة الخروج، وبالتالي يج أن يكون هناك بعض الإختلافات للنص، بخلاف الشكل الظاهر في غالبية مخطوطات البحر الميت ثم المخطوطات الماسورية، لا يزال العلماء يعتمدون بشكل كبير على النص الماسوري ويستخدمون المصادر الأخرى كعامل تكميلي
[17] كلمة قانون جائت من الكلمة اليونانية kanon التي تعنى مسطرة أو قاعدة ، والتالي تُشير إلى معيار القياس ، ولذلك قبل أن يتم ضم كتاب الى قانون العهد الجديد كان يجب أن يصل الى هذا المعيار، (1) أن يكون كاتبه هو احد الرسل أو رفيقه أو قريب يسوع مثل يعقوب ويهوذا ، (2) كان يجب أن تحتوي على حقائق مُلهمة يُمكن تعليمها باعتبارها عقيدة مسيحية
[18] See Young-Kyu Kim’s article, “The Paleographic Dating of P46 to the Later First Century,” in Biblica, 1988, 248–57.
[19] للحصول على قائمة أكبر لمخطوطات ورق البردية المُبكرة ، ومناقشة كاملة حول تأثيرها على نص العهد الجديد اليوناني راجع كتابي Early Manuscripts and Modern Translations of the New Testament
[20] Frederic Kenyon, Our Bible and the Ancient Manuscripts (New York: Harper and Row, 1958), 55
[21] تُعرف أيضاً بأسم the Book of Durham أو The Gospels of St. Cuthbert.
[22] تم الاحتفاظ بالمخطوطة الأصلية في مكتبة بودليان في أكسفورد.
[23] يوجد حوالي 170 مخطوطة موجودة لترجمة ويكليف، حوالي 25 مخطوطة من العمل الأصلي، وأقدم مخطوطة معروفة لمراجعة بورفي مؤرخة لعام 1408
[24] Brian Edwards, God’s Outlaw (Wheaton, Ill.: Tyndale House Publishers, 1981), 61.
[25] Brian Edwards, God’s Outlaw (Wheaton, Ill.: Tyndale House Publishers, 1981), 168.
[26] كانت ترجمة كوفرديل هو أول كتاب مُقدس إنجليزي يتم طباعته في إنجلترا، لم يتضمن الأسفار القانونية الثانية
[27] ملحوظة : بعض المعلومات الواردة في هذا الفصل تم اقتباسها من مقالة غير منشورة بعنوان ” تاريخ الكتاب المُقدس الإنجليزي ” بقلم بول أم بكتل ، لـ Tyndale Encyclopedia project.
[28] وذلك لأن تريجلس كان فقيرًا جدا، كان عليه أن يَطلب مساعدة من الرعاه في تكاليف النشر ، اعتبر نفسي محظوظ لأني أمتلك نسخة من العهد الجديد اليوناني لتريجلس بتوقيعه.
أطل علينا الأخ المسلم المولد محمود داود بفيديو جديد يناقش تناقضًا مزعوما بين بشارة القديس مرقس من جهة وبين بشارتي القديسين متى ولوقا من جهة أخرى، وكان التناقض المزعوم هذه المرة في قصة الارسالية الأولى، حيث يقول القديس مرقس أن المسيح منعهم من حمل العصا بينما يذكر لنا القديسان متى ولوقا أن المسيح سمح لهم بأخذ عصا، ما يعتبره محمود داود تناقضًا بسيطًا وواضحًا، يسهل على الجميع رؤيته وبالتالي معرفة أن الكتاب المقدس ليس بكتاب لله حيث أنه أخطأ، وكتاب الله من الخطأ براء.
وفي هذا الرد المختصر، سنغض الأعين عن عدد من الأخطاء المنطقية في كلامه وسنذكر البعض الأخر بشيء من التعليق، كما سنغض الطرف أيضًا عن الأسلوب التمثيلي الذي بدأ يتبعه في كلامه، حيث أنه يقوم بتمثيل حوار افتراضي بينه وبين أحد المسيحيين ليبيّن له خطأ الكتاب المقدس تارة وخطأ العقيدة المسيحية تارةً أخرى، في حين أنه لا يقول صراحة بأن هذا حوار تخيلي تمثيلي، بل يترك للبعض ممن لا يعرفونه فرصة للاعتقاد بأن هذا المشهد التمثيلي العبثي هو إعادة تصوير لما حدث فعلا على أرض الواقع، وهذا ما لم يكن. كما أنه يتعمد استخدام عناوين كاذبة ليشعر من لا يعرفونه أنه كان مسيحيًا ثم أسلم، أو أنه كان مسلما ثم شك ثم رجع عن شكه.
فبعيدًا عن هذا الأسلوب الصبياني في الطرح، وغير العلمي في التقديم، سنركز كلامنا دائمًا على فحوى اعتراضاته وبعض التعليقات الأخرى والتي نرى أنه لابد من التعليق عليها في وقتها، لكن بعد التعليق على الجزء الرئيسي من الفيديو الخاص به.
قدم لنا محمود داود التالي:
اختلافا ظاهريًا بين بشارة مرقس الرسول من جهة وبشارتي متى ولوقا الرسولين من جهة أخرى.
رد محمود داود (بحسب ما يرى هو) على رد صديقه الوهمي الذي قال له أن هذه القصة ليست تلك القصة، بل هم أكثر من قصة، وبالتالي فلا يمكن الجمع بينهما لاستخراج اختلاف او تناقض لأن هذه قصة وتلك أخرى.
رد محمود على تفسير القمص تادرس يعقوب ملطي.
وقبل أن نفحص هذه الاعتراضات الساذجة والتي تنم عن عدم وجود فكر نقدي لدى محمود داود، علينا أولا ان نضع الأسس المعرفية المنطقية للتفكير في أي اعتراض نجده مثل هذه الاعتراضات أو غيرها. وعلينا في البداية أن نقوم بتحرير الألفاظ المستخدمة، ألا وهي لفظ “تناقض” ولفظ “اختلاف”.
كلمة “تناقض” جاءت في أصلها من الأصل “نقض” والنقض في اللغة هو الهدم والتلاشي والإفساد. ونستطيع أن نشرح الكلمة بلغاتنا الدارجة الآن، أن التناقض في الكلام يعني ألا يمكن أن يجتمع كلاهما معًا. وبكلمات أخرى، هو الاختلاف بين جملتين الذي لا يجعلهما يبقيان سويًا، فيلزم لزوما حتميًا أن تكن إحداهما خاطئة والأخرى صحيحة. وبكلمات أخرى أيضًا، هو الكلام الذي لا يمكن الجمع بينه بأي حال من الأحوال.
أما كلمة “الاختلاف” فهي ما دون ذلك من الكلام غير المتطابق. بمعنى أنه كلاما ليس متطابقًا لكن يمكن الجمع بينه. فمثلا، إن قال أحد الأشخاص لصديقه أنه شرب الماء صباحا ثم قال له بعد حين أنه شرب الشاي صباحًا، فليس من المنطق أن يكون هذا تناقض، بل هو اختلاف، والسبب في ذلك أنه يمكن الجمع بين شربه للشاي وشربه للماء دون تعارض، فلا شرب الشاي ينفي شرب الماء ولا شرب الماء ينفي شرب الشاي، فمع أن كلا من العبارتين مختلفتين لأن كل منهما تَذكُر شيء مختلف عن الآخر (الشاي والماء) إلا أنهما ليستا متناقضتين.
وهكذا عندما يقول شخص: ذهبت اليوم إلى العمل. ويقول أيضًا: ذهبت اليوم إلى الطبيب. فلا تناقض بين كلامه، لكن الاختلاف في المذكور هو الموجود فقط، لأن ذهابه للطبيب لا ينقض ذهابه إلى العمل والعكس صحيح. فيتضح من هذا أن كل تناقض يستلزم وجود خلاف، لكن ليس كل خلاف يستلزم وجود تناقض. والآن علينا أن نحدد، هل المعلومات المذكورة في الروايات الإنجيلية مختلفة أم متناقضة؟
وللإجابة البسيطة على هذا السؤال يجب أن تسأل نفسك سؤال آخر، ألا وهو: هل هذه المعلومات متطابقة تمام الانطباق؟ هل إذا وضعت الأربعة بشائر جنبًا إلى جنب وقرأتهم كلمة بكلمة وحرف بحرف، فستجدهم أنهم عبارة عن تكرار حرفي أم لا؟ فإن كانت إجابتك “لا” فهذا يسمي اختلاف في المعلومات المذكورة.
لكن هل هذا يعني أنها معلومات متناقضة؟ بالطبع لا. لأن الاختلاف لا يعني بالضرورة التناقض. بينما يتحقق التناقض إذا لم يستطع أي شخص أن يجمع بين هذه المعلومات جمعًا لا يخالف المنطق ولا السياق ولا المعلومات المذكورة الأخرى نفسها، وهذا ما ستجده في هذا الموضوع.
وبعد أن تعرفنا سريعًا على سبب رئيسي من أسباب هذا النوع من الشبهات اليوم، نمر الآن إلى استعراض النصوص التي استخدمها هذا الفتى في كلامه ثم نعرض وجهة نظره وكيف فهمها ثم نبين عوار فهمه لها مع الرد، ليته يرد.
مرقس 6: 7 – 13
متى 10: 5-14
لوقا 9: 1 – 6
7 ودعا الاثني عشر وابتدأ يرسلهم اثنين اثنين. واعطاهم سلطانا على الارواح النجسة.
8 واوصاهم ان لا يحملوا شيئا للطريق غير عصا فقط. لا مزودا ولا خبزا ولا نحاسا في المنطقة.
9 بل يكونوا مشدودين بنعال ولا يلبسوا ثوبين.
10 وقال لهم حيثما دخلتم بيتا فاقيموا فيه حتى تخرجوا من هناك.
11 وكل من لا يقبلكم ولا يسمع لكم فاخرجوا من هناك وانفضوا التراب الذي تحت ارجلكم شهادة عليهم. الحق اقول لكم ستكون لارض سدوم وعمورة يوم الدين حالة اكثر احتمالا مما لتلك المدينة.
12 فخرجوا وصاروا يكرزون ان يتوبوا.
13 واخرجوا شياطين كثيرة ودهنوا بزيت مرضى كثيرين فشفوهم.
5 هؤلاء الاثنا عشر ارسلهم يسوع واوصاهم قائلا. الى طريق امم لا تمضوا والى مدينة للسامريين لا تدخلوا.
6 بل اذهبوا بالحري الى خراف بيت اسرائيل الضالة.
7 وفيما أنتم ذاهبون اكرزوا قائلين انه قد اقترب ملكوت السموات.
10 ولا مزودا للطريق ولا ثوبين ولا احذية ولا عصا. لان الفاعل مستحق طعامه
11 واية مدينة او قرية دخلتموها فافحصوا من فيها مستحق. واقيموا هناك حتى تخرجوا.
12 وحين تدخلون البيت سلموا عليه.
13 فان كان البيت مستحقا فليات سلامكم عليه. ولكن ان لم يكن مستحقا فليرجع سلامكم اليكم.
14 ومن لا يقبلكم ولا يسمع كلامكم فاخرجوا خارجا من ذلك البيت او من تلك المدينة وانفضوا غبار ارجلكم.
1 ودعا تلاميذه الاثني عشر واعطاهم قوة وسلطانا على جميع الشياطين وشفاء امراض.
2 وارسلهم ليكرزوا بملكوت الله ويشفوا المرضى.
3 وقال لهم لا تحملوا شيئا للطريق لا عصا ولا مزودا ولا خبزا ولا فضة ولا يكون للواحد ثوبان.
4 واي بيت دخلتموه فهناك اقيموا ومن هناك اخرجوا.
5 وكل من لا يقبلكم فاخرجوا من تلك المدينة وانفضوا الغبار ايضا عن ارجلكم شهادة عليهم.
6 فلما خرجوا كانوا يجتازون في كل قرية يبشرون ويشفون في كل موضع.
مجرد قراءة عابرة للنصوص نستطيع معرفة أن هدف الكلام كله هو ألا يحمل التلاميذ أي همَّ في أثناء بشارتهم، لدرجة أن الرب يسوع المسيح يوصيهم بألا يفكروا في الطعام والشراب، فالفاعل مستحق أجرته. يتضح أن البشائر الثلاثة لا يذكر كل منها كل القصة، بل أن القديس متى يذكر التفاصيل الأكثر، فقد احتلت هذه القصة العاشر كله (42 نص)، بينما وقعت القصة في 6 نصوص فقط في بشارة القديس لوقا، وباختصار شديد أيضًا جاءت القصة في بشارة معلمنا مرقس، حيث وقعت في 7 نصوص فقط.
وهذا كله يوضح المعلومة التي يعرفها أغلب الأطفال المسيحيين وهي أن كل بشير من الأربعة يكتب بطريقته وأسلوبه وتفاصيله التي يريد أن يكتبها بالروح القدس وإلا لو كتب كل بشير ما كتبه البشير الآخر، فما لزوم وجود 4 بشائر؟
أولا: الرد على الشبهة
إن مجرد قراءة اصطيادية غير متعمقة للنصوص بغرض اخراج تناقض او مشكلة في الكتاب المقدس تدفع -وحدها- القارئ لعدم الفهم الدقيق للنص، حيث سيكون القارئ محملًا تلقائيًا ومسبقًا بمسئولية البحث عن مشكلة وليس كقراءة فاحصة للنص، وهذا يؤدي على عدم التفكير السليم سواء في فهم النصوص او حتى في فحص هل هذه تمثل شبهة حقيقية أم أنها فقط توضح عدم فهم المعترض. أضف إلى هذا أن يكون الإنسان لا يستطيع التفكير -ولو قليلاً- بشكل نقدي، فينتج ما نتج عن محمود.
لذا، لن يكون هدفي في هذا المقال أن أرد برد مباشر على الشبهة، فهذا بسيط، لكن سيتركز كل كلامي حول كيف يمكن حل هذا الاختلاف بأكثر من وجه وطريقة مقبولة بلا مشكلة، وهذا لأن كلما زادت الحلول المطروحة لهذا الخلاف، والتي لم يعرفها أو لم يفكر فيها المعترض، كلما كان ذلك ادانة لفكره الذي لم يستطع الوصول لأي من هذه الحلول، بالإضافة إلى بيان كيفية أن هذه الإعتراضات تتراوح بين السخافة والغرضية التي منعته من دراسة النص بشكل معتدل.
أول الحلول:
سأبدأ بالحل الذي قرأه محمود داود وحاول الرد عليه، لأن هذا الحل هو الذي توصل إليه بالفعل، فكان الأجدر به أن يفكر فيه بشكل متعمق أكثر بدلا من تقديم رد يؤدي إلى رسم ابتسامة على وجوهنا. يتلخص هذا الرد في أن هذه النصوص التي يراها محمود داود متناقضة، ما هي إلا أكثر من حدث يذكرها كل بشير، وبالتالي فمن المعقول والجائز جدا أن يكون المسيح قد طلب منهم في مرة عدم أخذ عصا، وسمح لهم في مرة أخرى أن يأخذوها. فطالما تعددت الأحداث فلربما تتعدد أيضًا السماحات المعطاة للتلاميذ، فتارة يأخذون العصا وتارة لا يأخذونها، وهنا لا يوجد تناقض.
هذا الحل سيفهمه كل شخص إذ أنه بسيط، لكن كان لمحمود داود رأي آخر، حيث حاول الرد عليه بطريقة مضحكة أكثر من كونها ملتوية، وما أظهر بعدها إلا فقره المعرفي بل والتحليلي، فماذا فعل؟ لكي ينقض محمود هذا الحل قام بمقارنة الأحداث المكتوبة بعد هذه القصص، ولما وجد أنها “متطابقة” -حسب ما يقول هو وليس الحقيقة- قال إذن طالما أن المذكور بعدها متطابق، فلا يمكن إلا أن تكون هذه القصص ما هي إلا روايات لنفس القصة في نفس الوقت في نفس الحادثة، وليس كما يقول الحل الأول. فما الذي غفل عنه محمود داود؟
إفتقر محمود لمعلومة بدائية جدا يعرفها كل من له حتى القليل من الوقت في قراءة الكتاب المقدس، فكم وكم وهو يطلق على نفسه أن الله منَّ عليه ببعض المعرفة والعلم؟ فقد إفتقر محمود داود إلى معرفة حقيقة أن ترتيب ورود الأحداث ليس هو ترتيب حدوثها بالضرورة. فليس معنى ورود حادثة في الأصحاح السابع مثلا أنها بالضرورة قد حدثت تاريخيا بعد الأحداث المذكورة في الأصحاح السادس والخامس وما قبلهما، فترتيب الذِكر لا يعني ترتيب الحدوث بالضرورة، فحتى إن ذكر كل بشير بعد هذه القصة أحداثا متطابقة حرفا بحرف وكلمة بكلمة (وهو الذي لم يحدث هنا).
فلا يعني هذا وحده أن ما ورد ذِكره بعدها قد حدث بعدها، فكاتب الإنجيل لم يشترط على نفسه أن يذكر كل الأحداث بالترتيب التاريخي لحدوثها، اللهم إلا لو جاءت أداة تبين هذا الترتيب مثل الكلمات: ثم، ثم بعد هذا، وفي الغد، ..إلخ. لكن حرف العطف “و” ليس حرف للترتيب بل حرف لعطف (دمج) الأحداث السابق ذكرها على تلك التالي ذكرها، وهو ما يعرفه الصغير والكبير في هذا العِلم.
فعندما يقول شخص “ذهبت إلى الجامعة وذهبت إلى النادي” فلا يعني هذا أنه ذهب أولا إلى الجامعة ثم ذهب إلى النادي بعد ذلك، بل يمكن أن يعني هذا أنه ذهب إلى النادي أولا ثم ذهب إلى الجامعة في اليوم التالي مثلا، فطالما لم يذكر أي حرف من حروف الترتيب فلا يمكننا معرفة الترتيب، ومجرد قوله عبارة “ذهبت إلى النادي” بعد عبارة “ذهبت إلى الجامعة” لا يعني أنه ذهب للنادي بعد ذهابه للجامعة. فهذه معلومة أولية لا تستلزم الجهد.
هل الأحداث التي تَلت الرواية في الثلاثة بشائر متطابقة فعلا كما قال محمود؟! بالطبع لا، فالقديس متى قد ذكر قصة إرسال التلاميذ في الأصحاح العاشر كما رأينا وذكر قصة هيرودس في الأصحاح الرابع عشر، بل وأنه أكثر البشائر الذي ذكر تفاصيل عن قصة الإرسالية، فكيف يكون كلام محمود صحيحًا؟ فحسب منطقه الذي لا منطق فيه تكون قصة الإرسالية لابد وأنها قد حدثت في الأصحاح الثالث عشر.
بل أن قصة هيرودس نفسها تفترض تلقائيًا وجود فترة زمنية بين الإرسالية وبين هذه القصة، حيث أن قصة هيرودس تذكر أن هيرودس لما سمع بما فعله المسيح عن طريق تلاميذه، تعجب وإعتقد أن يوحنا المعمدان الذي كان قد قطع رأسه ومات، قد قام مرة أخرى وهو الذي يفعل هذه المعجزات، فيتضح أن هيرودس لما إتسعت رقعة عمل المعجزات وطالت أناس كُثر، وصلت هذه الأخبار إليه، وما كانت لتصل إليه لو كان عدد المعجزات قليل، فما هو الوقت الذي تتطلبه مسألة إنتشار قصص المعجزات لتصل إلى هيرودس بهذا الكم والكيف؟
بالتأكيد أنه وقت كاف لحدوث أشياء أخرى بين قصة الإرسالية وقصة عِلم هيرودس، لكن محمود داود يعتقد أن هذه الحادثة قد حدثت مباشرة بعد الإرسالية، وهو ما يمكن نفيه نصيًا برواية القديس متى صراحةً عن طريق قراءة الأحداث الواقعة بين الأصحاح العاشر والرابع عشر.
يذكر القديس متى أسماء التلاميذ الإثنى عشر في ذات الأصحاح العاشر مع ذكره لقصة الإرسالية، بينما يذكر القديس لوقا والقديس مرقس أسمائهم قبل ذكرهم لهذه القصة بثلاث أصحاحات كاملة، حيث يذكرها مرقس في (مرقس 3: 16-19) ولوقا في (لوقا 6: 14-16) وبعض التفاصيل الأخرى التي ذكرها القديس متى في الأصحاح العاشر يذكرها القديس مرقس في الأصحاح الثالث عشر والقديس لوقا في الأصحاح الواحد والعشرين، وهذا كله يوضح لنا أن البشيرين لم يهتموا بأن تتطابق تفاصيل وترتيب التفاصيل التي يذكرونها معًا.
وعليه، فلا يوجد أي مشكلة في هذا الحل، ألا وهو أن تكون قصة الإرسالية نفسها هي أكثر من قصة واحدة، سمح في أحداها الرب يسوع المسيح بأخذ العصا، وفي الأخرى منعهم من أخذها، فلا تناقض بين قصتين مختلفتين.
ثاني الحلول:
بناء على ما ذكرناه في الحل الأول، نقول إن هناك احتمال آخر وهو أن تكون هذه القصة هي قصة واحدة فقط، ولكن يكون الرب يسوع المسيح قد قسَّمَ تلاميذه إثنين إثنين (مرقس 6: 7) وأعطى لكل مجموعة ثنائية منهم تعليمات تناسب ظروفهم، فسمح للبعض بأخذ العصا ومنع البعض من أخذها.
وهذا الحل يتضح عندما نعرف أن البشير مرقس وهو الوحيد الذي ذكر نهي الرب يسوع المسيح عن أخذ العصا مخالفًا ما ذكره متى ولوقا، هو الوحيد أيضًا الذي ذكر مسألة إرسال التلاميذ في مجموعات ثنائية العدد، ومن هذا يتضح أن التعليمات ربما كانت تختلف من مجموعة لأخرى حسب العُمر مثلا.
ثالث الحلول:
يمكن أيضًا أن تكون العصاة المنهي عنها في بشارة مرقس، تختلف عن العصا المسموح بها في بشارتي متى ولوقا. فعلى الرغم من استخدام ذات الكلمة اليونانية في الثلاثة بشائر (ῥάβδον)، إلا أن المقصود بها ليس واحد، فالعبرة ليست في اللفظ بل في الاستخدام، فكم من شيء له أكثر من استخدام، فيمكن أن تكون العصا المنهي عنها هي عصاة القتال للدفاع عن أنفسهم أو لإبعاد أي خطر من حيوان عنهم، لكن العصاة المسموح بها هي عصا السير التي يتكئ عليها الإنسان ذهابًا وإيابا إلى اليوم في بعض المناطق، وبالأخص في حالات السير لمسافات طويلة لأوقات كبيرة.
رابع الحلول:
يرتكز هذا الحل على المبدأ العقلي المعروف وهو مبدأ العام والخاص، فلربما منع الرب يسوع المسيح كل التلاميذ بشكلٍ عامٍ من أخذ عصا إن كانت غير ضرورية لكرازتهم، لكنه سمح لهم بأخذها إن كان أحدهم يحتاجها لسبب أو لآخر، فالأمر العام هو المنع والاستثناء هو الوضع الخاص وهو السماء بأخذها.
من هنا، وبعد تقديم تلك الحلول والتي لا أهدف منها إل الرد على شبهة محمود داود، فهي شبهة بسيطة، ولكني أضعها لأريكم كيف هو مستوى تفكير من يطرحون الشبهات، فكلما كانت الحلول المنطقية أكثر كلما أظهر ذلك ضعف المنطق لدى المعترض.
ثانيا: رد محمود داود على القمص تادرس يعقوب ملطي
قدَّم محمود داود تفسير القمص تادرس يعقوب ملطي لهذا النص، والقمص تادرس يعقوب ملطي قدم تفسيران، وحاول محمود داود الرد عليهم بطريقة أظهرت كيف أنه لا يفكر فيما يقرأ، لكن قبل عرض كلام القمص تادرس ورد محمود داود ثم ردنا عليه، سنعرض أولا مشكلة نراها كثيرا فيمن يلقون الشبهات على الإيمان المسيحي، ألا وهي مشكلة إطراء بعض الأشخاص أو أعمالهم عندما تكون في صالح المعترض، وعدم الالتفات لهم أو -على أحسن تقدير- التشكيك بهم.
عندما أراد محمود داد الكلام عن تفسير القمص تادرس، قال عنه أنه “أهم التفاسير المعتمدة في الكنيسة المصرية”، فهل رأيتم كيف أن هذا التفسير أسماه “أهم التفاسير”؟ وكيف أنه أعطاه صفة “التفسير المعتمد”؟ وفي الحقيقة لا أعرف مَن الذي قال على هذا التفسير -أو غيره- أنه “أهم تفسير”! ومَن ومتى أُعتمد هذا التفسير -أو غيره- في الكنيسة المصرية!؟
هذه الصفات يتخيلها عدد كبير ممن يطرحون الشبهات، فهم يتوهمون أن طالما أن هذا الكتاب كاتبه “قس” أو “قمص” أو “أسقف” أو حتى “البطريرك” فهو كتاب معتمد وأن له السلطة على جميع المسيحيين وأن جميع المسيحيين يؤمنون بصحة كل ما فيه وأنه “حجة” عليهم إذ هو مصدر اعتمادهم! ولا يعلمون أن كل هذه مجرد أوهام صافية لا حقيقة فيها، فأي كتاب، كان ما كان، لأي كاتب، كان من كان، ليس له الحجة على أي مسيحي تلقائيا، إلا أن يعتبره المسيحي كذلك من نفسه على نفسه، هذا كله بعيدًا عن الكتاب المقدس.
فكل كتاب مهما بلغ، هو منتج بشري صرف، ويمكن ان يحتوي على الصواب والخطأ، فلا حجة فيه بذاته. فهذه الفكرة منبعها لدى نفس المجموعة الطارحة للشبهات هي فكرة سابقة، وهي تخيل ووهم أن من أصبح لديه لقبا في الكنيسة فهو “عالما” فأي “قس” أو “قمص” أو “أسقف” أو “بطريرك” هو عالم بمجرد أن ارتدى هذا الزي وتمت رسامته! فهم لا يعلمون أن كل هذه الرُتب الكنسية لا تشترط بالضرورة فيي الرسامة أن يكون الشخص عالمًا في مجال مسيحي معين، بل أن القس أو القمص يكون مثلي ومثلك فيرشحه شعبه في كنيسته لسبب أو لآخر وتتم رسامته لأجل أمور رعوية، بأن يخدم ويرعى خدمات منطقته الجغرافية وكنيسته، وليس بسبب أنه فذ في العلوم المسيحية، وقس على هذا كل الرتب الكنسية من أصغرها لأكبرها.
التفسير الأول للقمص تادرس يعقوب
قرأ محمود داود من تفسير القمص تادرس يعقوب ملطي لإنجيل مرقس 6: 8 الآتي:
لم تكن الوصايا حرفية لكنها تحمل مفاهيم روحية عميقة، فعندما أوصى تلاميذه ألا يحملوا عصا (مت 10: 10) يتكئون عليها في الطريق، أو يستخدموها للدفاع عن أنفسهم حتى ضد الكلاب التي تجول في القرى والحقول أراد أن يُعلن أنه عصاهم، يتكئون عليه بقلوبهم، ويختفون فيه ليسندهم على الدوام. لكنه هنا يسمح لهم بالعصا ربما إشارة إلى الصليب، إذ لا تقوم الكرازة ما لم يحمل الكارز عصا الصليب، مشاركًا سيده في آلامه وصلبه.
وبعد هذا قال أغرب جملة كنت أتخيل أنني يمكن أن أسمعها منه في حياتي، ألا وهي أن القمص هنا عندما “حوَّل” القصة من قصة حقيقية إلى قصة رمزية، وقع هو الآخر في تناقض، لماذا؟ لأنه يظل السؤال: هل أمر المسيح بحمل العصا كما في إنجيل متى ولوقا، أم بعدم حملها كما في مرقس؟ والمضحك هنا أن محمود لم يفهم أصلا -كعادته- ما يقرأه من كلام القمص يعقوب.
فالقمص تادرس يقول إن المسيح -له المجد – عندما منعهم أن يحملوا العصا كان يقصد ألا يحملوا العصا الحقيقية لأنه هو عصاهم الذي يجب أن يستندوا عليه وإليه فلا يكون رجاؤهم ولا طلبهم لشيء آخر إلا هو نفسه، بينما عندما أوصاهم أن يحملوا العصا فكان يقصد أنها عصا الصليب مشيرا لآلام الكرازة التي أنبأهم بها في نفس السياق من أنهم سيُطردون ويعذبون ويقتلون لأجل اسم المسيح.
فالرمزية هنا قد حولت العصاتان بمفهومهما الحرفي إلى عصاتان بمفهومهما الرمزي، فالعصا الممنوعة هي الحقيقية لأن المسيح هو العصا التي يجب الاتكاء عليها (رمزيا)، بينما العصا المسموح لهم بها هي الصليب وآلامه مع إلههم المسيح. المشكلة هنا أن كلام القمص تادرس كلامًا بسيطًا للفهم، لكن مع هذا لم يفهمه محمود داود.
التفسير الثاني للقمص تادرس يعقوب:
بعد هذا الاقتباس من القمص تادرس يعقوب ملطي، جاء الاقتباس التالي مباشرًا، والذي يقول فيه:
يرى البعض أن السيد المسيح منع تلاميذه من حمل أي شيء حتى العصا من أجل الكمال، لكنه سمح بها من أجل الضعف كأن يكون الكارز مريضًا أو شيخًا ضعيف الجسم يحتاج إلى عصا يرتكز عليها.
وقرأ محمود داود هذا الاقتباس وقال إنه تفسيرًا غير صحيحًا، وليس بمنطقي، لماذا؟ لسببين، أولهما: أن كلام المسيح كان كلاما عاما لكل التلاميذ ولم يكن هناك استثناء، وثانيهما: أن بهذا الكلام فالقمص تادرس يعقوب ملطي يناقض نفسه (كما يدعي محمود) لأنه منذ قليل فسر النص بشكل رمزي، فإن كان النص رمزيا فلما الاستثناء الآن؟ وإن كان الاستثناء صحيحًا فلما الرمزية إذن؟
ولا يسعني هنا إلا أن أستشف الابتسامة على وجوهكم من هذا المستوى العبثي من التفكير، فالسبب الأول أن الوصية كانت عامة لا يوجد عليه دليل، فمحمود يتخيل أنه عندما يقول الكتاب أنه “دعا الإثني عشر” فإن المسيح قد نادى على الإثني عشر وأجلسهم أمامه وقال لهم تعليمات واحدة لجميعهم، ولو تفحص هو بنفسه البشائر الثلاثة سيجد أن كلامه هذا خاطئ، لماذا؟ لأن بشارة القديس متى -وحدها- تذكر تفاصيلاً كثيرا في هذا السياق لم يذكرها أي من البشيرين مرقس ولوقا، وهكذا لوقا، يذكر تفاصيل لا يذكرها الآخرين ..إلخ.
فيتضح من هذا كله، السبب البسيط الذي قلناه سابقًا وهو أن كل بشير من الأربعة يكتب روايته بإرشاد الروح القدس ولا ينقل أو يكتب نفس التفاصيل الذي يكتبها الآخرون وإلا لما كان هناك داعٍ لأربعة بشائر تقص قصة المسيح له المجد من أربعة زوايا مختلفة لتكتمل الصورة التي أراد الوحي إيصالها إلينا.
والدليل الآخر الذي يعضض كلامنا هذا أن رواية القديس مرقس وحدها التي نقلت لنا كلام المسيح له المجد بالنهي عن أخذ العصا قد ذكرة معلومة أن المسيح أرسلهم إثنين إثنين، وهذا يعني أن الدعوة كانت على مراحل عِدة وليست في مرة واحدة، فمن الجائز جدا عقلاً أن يكون المسيح عندما دعا التلاميذ الأصغر عُمرًا منعهم من استخدام العصا، لكن عندما جاء دور الكبار عمرًا كبطرس مثلا، سمح له بالعصا، فالاستثناء حاصل فعلا بسبب كلام مرقس الرسول الذي ينقل كلام المسيح بالنهي عن أخذ العصا.
أما عن السبب الثاني، وهو أن القمص تادرس قد تناقض مع نفسه، فهو يبين كيف حال من يطرحون الشبهات وكيف هم يتخبطون ولا يعرفون ما يقولون ولا يفهمون ما يقرأون، فالقمص تادرس يعقوب طرح تفسيره ورؤيته الرمزية للنص أولاً، ثم ذكر رأيا آخرًا وقال نصًا “يرى البعض”، فحتى من يجيد فقط القراءة سيفهم أن ه يتكلم عن أن هذا الرأي هو رأي “البعض” وليس رأيه الشخصي.
بل وحتى إن كان رأيه الشخصي، فلا تناقض، إذ أن التفسير الرمزي هو أحد أساليب التفاسير المعروفة منذ فجر المسيحية، فهناك التفسير الحرفي الذي يتعلق فقط بالنص وكأنه لا روح فيه، وهناك التفسير الرمزي الذي يسعى لكشف ما وراء النص من روحانية ربما لا تظهر للجميع مثلما تظهر لأشخاص آخرين. فما التناقض هنا؟
أخيرا: سنعرض مثال بسيط من القرآن الكريم، ونطلب من محمود داود أن يجيب عليه بنفس العقلية الخاصة به التي إستخدمها في طرح هذا التناقض الوهمي في الكتاب المقدس، ولنرى حيله وكيف سيلوي عنق النص ألف مرة.
هل قال الله “اهبطا” أم “اهبطوا” حرفيًا؟ ولماذا هذا التناقض؟ فكلمة “اهبطا” تدل على المثنى وهما آدم وحواء، وكلمة “اهبطوا” تدل على الجمع، وهنا يدخل معهما الشيطان في النداء فيكونون ثلاثة وليسا بعد إثنين.
لماذا يكرر الطلب لمرتين (على الأقل)؟ فمرة يقول لهما “اهبطا” ومرة أخرى يقول لهم “اهبطوا” هل عصا آدم وحواء الله فلم يستجيبا له في المرة الأولى فاضطر أن يكرر طلبه لهم؟ أليس الله هو الذي يقول للشيء “كن” فيكون؟
مع ملاحظة أن القصة هي ذاتها بحذافيرها، لكن بهذين السؤالين سيضطر محمود داود أو غيره إلى ذكر ما ليس منصوص عليه في القصة ونقل المعنى من مستوى الحديث الجمعي إلى الاستثناء، وهو ما إعترض عليه مقدمًا.
اعتبر إنجيل مرقس أول الأناجيل لأنه أصبح من المعترف به الآن أنه مصدر أساسي للإنجيلين المتشابهين الآخرين. ومع ذلك، فإن إنجيل مرقس لم يلق عناية كافية إلا منذ أزمنة قريبة فقط. وكان قد لاقى إهمالاً بصفة عامة من الكنيسة منذ الأيام الأولى للمسيحية، وذلك لاهتمام الكنيسة بالإنجيلين الذين يحتويان على قصص أطول وهما متى ولوقا. وهذا أمر لا يكاد يبعث إلى الدهشة لأنهما يضمان معظم المعلومات الواردة في إنجيل مرقس بل ويضمان المزيد أيضاً. ولذلك فسرعان ما جاء وقت اعتبر فيه إنجيل مرقس أنه نسخة مختصرة من إنجيل متى. ولكن الوضع قد تغير الآن، حيث عرق أنه يكاد يكون من المؤكد أن إنجيل مرقس هو أول ما كتب من الأناجيل، وبذلك وصل إلى مكانة من المحتمل أنه لم يحظ بها منذ ظهوره لأول مرة.
ومع ذلك، هناك بعض الأدلة التي تفيد أنه كان يلقى التقدير في بعض الدوائر المسيحية المعينة ليس بعد كتابته بوقت طويل، فعلى سبيل المثال نجد أن بابياس Papias الذي كان يكتب حوالي عام 140م، ولكنه كان يقتبس من مصدر سابق، يعرف مرقس بأنه كان “المترجم الخاص ببطرس” ويقول إنه كان يكتب بدقة ولكن بدون ترتيب كل الأمور التي يستطيع تذكرها من أقوال المسيح وأعماله. كذلك إيريناوس وأكليمندس السكندري يربطان بين إنجيل مرقس وكرازة بطرس، وفي عصور قريبة ساد الاعتقاد بأن محتويات الإنجيل تدعم الرأي القائل إن بطرس كان مصدر الكثير مما جاء به.
وقد سرد عدداً من القصص بتفاصيل رائعة فكان من الطبيعي اعتبارها المصادر الأولى للأحداث التي وصفتها[1]. فقصة دعوة بطرس، وقصة أول سبت ليسوع في كفر ناحوم، حيث شفى حماة بطرس[2]، تعد من الأمثلة الجيدة على ذلك. وفضلاً على ذلك، فبعض الإشارات إلى التلاميذ، وإلى بطرس بصفة خاصة، غير مواتية بالنسبة لهم وبدرجة كبيرة. فالتلاميذ كانوا يصورون بصفة دائمة على أنهم جهلة متبلدو الذهن، أخفقوا في فهم ما كان يحاول يسوع أن يعلمهم[3]. وفي إنجيل مرقس لم يكن التلاميذ بأي حال من النوعية التي كانت الكنيسة في وقت لاحق تود أن يكونوا منها. ولذلك فمن غير المحتمل أن يكونوا قد وصفوا بهذه الصورة غير المرضية ما لم يكن لدى مرقس معلومات جيدة، ربما حصل عليها من بطرس نفسه لتدعم هذه الصورة.
الكاتب
ولكن من هو مرقس؟ من الطبيعي أن اسم “مرقس” كان من الأسماء الشائعة، وكان من الممكن أن يكون أي شخص. وفي مناقشتنا هذا السؤال، نحن في حاجة إلى أن نتذكر أنه ليس من بين الأناجيل من يذكر في الواقع اسم كاتبه. وإنجيل يوحنا أقرب الأناجيل إلى ذلك، ولكن حتى هناك لا نجد سوى إشارة غامضة إلى شاهد لصلب المسيح[4]. وعلى الرغم من أن هذا الشخص كثيراً ما يشار إليه بعبارة “التلميذ المحبوب”، إلا أنه ليس من الواضح تماماً من كان هذا. وفي هذه الناحية فإن الأناجيل تختلف تماماً عن معظم بقية العهد الجديد، لأنها قدمت إلينا ككتابات مجهولة الكاتب. ونسبتها التقليدية على متى ومرقس ولوقا ويوحنا أضيفت بالطبع إلى مرحة مبكرة، ولكنها تمثل آراء الكنيسة بالنسبة لكتبة الأناجيل، وليس أي ادعاء من قبل الكاتبين أنفسهم.
وواضح من البرهان أن كاتب الإنجيل الثاني كانت الكنيسة الأولى بصفة عامة تربط بينه وبين شخص اسمه يوحنا الملقب مرقس، والذي يعرف من أجزاء أخرى من العهد الجديد[5]. وطبقاً لما جاء في سفر أعمال الرسل، فإن مجموعة من المسيحيين كانوا يلتقون بصفة منتظمة في بيت أمه في أورشليم[6]، ويوحنا مرقس نفسه ذكر على أنه كان رفيق بولس وبرنابا في أول رحلة تبشيرية قاما بها[7]. وعلى الرغم من أن مرقس لم يذهب معهما[8]، إلا أن بولس يمتدحه في اثنتين من رسائله التالية[9]، ومن ثم فلا بد وأن الرجلين كانا قد سويا خلافاتهما. كذلك ذكر بمحبة في (1بطرس 5: 13)، وأن هذا اعتماداً على وجهة النظر الخاصة بكاتب رسالة بطرس الأولى، يمكن أخذه كدليل للربط بينه وبين بطرس وكذلك ببولس.
وإنه لمن الصعوبة بالأكثر التأكد من أن نفس مرقس هذا هو حقاً كاتب الإنجيل. غير أنه بالنظر إلى ميل مسيحيي القرن الثاني للربط بين أسفار العهد الجديد وشخصيات رئيسية من الكنيسة الأولى، فلربما لا يكون التقليد الذي يربط مرقس بالإنجيل الثاني بعيداً تماماً عن الحقيقة. فيوحنا مرقس الذي تقابلنا معه في العهد الجديد هو شخص لا أهمية كبيرة له، وليس من نوعية الشخص التذي تعزى إليه كتابة إنجيل ما لم يكن هناك سبب قوي للاعتقاد بأنه قام بذلك فعلاً.
القراء
كان الاعتقاد السائد أن إنجيل مرقس كتب في روما، لخدمة احتياجات الكنيسة هناك. ويختلف إيريناوس وأكليمندس السكندري حول الظروف الحقيقية التي أحاطت بكتابته، ولكنهما يتفقان معاً على أنه كتب في روما. وإذا كان كاتب الإنجيل هو حقاً يوحنا مرقس، فإن الإشارات إليه في العهد الجديد تجعله أيضاً في روما.
ومن المؤكد أن الأنجيل كتب لقراء من غير اليهود. وقد ترجمت عبارات مثل “طاليثا قومي” أو “إفثا”[10] إلى اللغة اليونانية لفائدة قراء مرقس. كذلك شرحت أيضاً العادات اليهودية بطريقة توحي أنها لم تكن مألوفة[11]. كذلك هناك عدد من العبارات اللاتينية التقنية في إنجيل مرقس[12]، الأمر الذي يستشف منه أن الإنجيل كتب في جزء من الإمبراطورية الرومانية كانت اللغة اللاتينية مستعملة فيه. وعلى ضوء هذه الأدلة يبدو أنه من المؤكد أن تكون روما المكان المفضل لكتابة الإنجيل.
التاريخ
تحديد تاريخ للإنجيل على الرغم من ذلك لا يعد أمراً سهل، لعدة أسباب:
ç الدليل المستمد من آباء الكنيسة دليل متناقض. ذلك أن أكليمندس السكندري يقول إن مرقس كتب الإنجيل حيث أملاه عليه بطرس، وأن المسودة الأخيرة له وافق عليها بطرس نفسه. غير أن إيريناوس يقول إن الإنجيل لم يكتب إلا بعد موت بطرس وبولس. وهذا معناه أنه علينا أن نحاول من دليل من الإنجيل نفسه معرفة متى كتب، وهذه ليست بالمهمة السهلة.
ç كثيراً ما كان هناك اعتقاد بأن الإشارات إلى محاكمات واضطهادات في إنجيل مرقس توحي بأن قراءه كانوا يلاقون الآلام بسبب إيمانهم بالمسيح. وإذا كان الأمر كذلك[13]، فيمكن أن يرجع تاريخ الإنجيل إلى فترة تقع ما بين 60 و70م، وهي الفترة التي حاول نيرون فيها أن يلقي باللوم على المسيحيين بأنهم السبب في حريق روما. غير أن الاضطهاد كان بالطبع من السمات الشائعة في حياة الكنيسة في القرن الأول. ولذلك فإنه ليس من الضروري بالربط بين إنجيل مرقس وأي من الاضطهادات الشهيرة. فلا بد وأنه كانت هناك كثير من الاضطهادات المحلية التي لا نعرف شيئاً عنها، على الرغم من أنها كانت اضطهادات حقيقية بالفعل.
ç ثم إن هناك السؤال ما إذا كان الجزء الرؤوي في إنجيل مرقس يفترض مقدماً أن أورشليم قد سقطت بالفعل في يد الرومان. وبالنظر إلى أن هذا وقع سنة 70م، فالإجابة على هذا السؤال سوف تجعل تاريخ الإنجيل على الأقل قبل أو بعد هذا الحدث بقليل. ولكن هنا أيضاً انقسمت الآراء. فقد قال روبنسون بأنه من المؤكد أن إنجيل مرقس قد كتب قبل سنة 70م. (مع بقية العهد الجديد)، ومن رأيه أنه كان موجوداً قبل ذلك التاريخ بوقت طويل. ولذلك يُرجع كتابته إلى الفترة ما بين 45-60م. ومع ذلك فهناك مفكرون آخرون يرجعون تاريخه إلى الفترة ما بين 60-70م.
الأسباب التي حملت مرقس على الكتابة
من السهولة تحديد الدافع الذي حمل مرقس على كتابة إنجيله بالشكل الذي كتبه به.
إذا كان إنجيل مرقس له علاقة ما ببطرس – كما توحي التقاليد الأولى – فإن من أسباب كتابته قد تكون رغبته في حفظ ذكريات بطرس كشهادة دائمة للكنيسة. وهذا سيكون أمراً من السهل فهمه إذا كان مرقس قد قام بالكتابة في وقت يسبق موت بطرس أو بعد ذلك مباشرة.
إلا أن هذا الإنجيل كتب في ظل موقف معين كان في الذهن. وهناك عدد من النواحي المميزة والملفتة للنظر بالنسبة لصورة يسوع في إنجيل مرقس[14]. فقد قدم هنا على اعتبار أنه بشر تماماً: فقد غضب يسوع في بعض المناسبات، ولم يكن يقدر على عمل المعجزات إذا لم تتوافر الظروف الإيمانية المماثلة[15]، وكان يعاني آلاماً جسدية وبطريقة يمكن الاعتقاد أنها تتنافى مع وضعه كابن الله[16]. وفي وقت ما، اعتبرت هذه الأشياء على أنها من علامات فكر مرقس اللاهوتي “البدائي”. غير أنه يوجد تفسير آخر لها: هناك فكرة طرحها بروفسور “مارتن R. P. Martin”، مفادها أن كثيرين من المسيحيين وجدوا أنه من الصعوبة التوفيق بين لاهوت يسوع وإنسانيته الحقيقية العاملة. ولذا اقترحوا أن يسوع الإله حل في يسوع الإنسان عند عماده، ثم تركه ثانية قبل صلبه – وهؤلاء هم الدوستيون، الذين يقولون إن يسوع بدا كإنسان فقط (من الكلمة اليونانية Dokeo: ومعناها “يبدو”). ولقد اهتم كاتب رسالة يوحنا الأولى بتصحيح مفاهيم هؤلاء الناس، وربما أخذ إنجيل يوحنا ذلك في الاعتبار. إلا أن إنجيل مرقس ربما جاء مصححاً لهذه الفكرة. وفي الرد على أولئك الذين كانوا يقولون إن بشرية يسوع أمر وهمي، فإن مرقس يؤكد حقيقة بشريته بتقديمه يسوع على أنه المسيح الله الذي أخفى أصله وأهميته ثم أعلن عنهما في شخص إنسان حقيقي.
لوقا
التقاليد التي تربط الإنجيل الثالث بشخص لوقا يعود تاريخها إلى بداية القرن الثاني. والقائمة الموراتورية ومقدمة إنجيل لوقا المضادة للماركونية، وكذلك إيريناوس وأكليمندس السكندري، وإوريجانوس وترتليان، كل هؤلاء يذكرون لوقا باعتباه كاتبه. والقيمة الحقيقية لهذه التقاليد، على الرغم من ذلك، غير مؤكدة، لأن معظم ما تتضمنه كان من الممكن استخلاصه من العهد الجديد نفسه، وعلى هذا فليس من الضروري أن تكون لها جدارة في حد ذاتها. والدليل المستمد من العهد الجديد، نراه في الواقع أكثر فائدة من ناحية تعريف كاتب هذه الإنجيل.
ç هناك سمة مميزة لهذا الإنجيل وهي أنه في حد ذاته ليس كاملاً: فهو أحد جزئين يتناولان تاريخ المسيحية الأولى، والجزء الثاني هو سفر أعمال الرسل. وأسلوب هذه السفرين ولغتهما متشابهان بحيث لا يتركان موضعاً للريبة في أنهما إنتاج كاتب واحد[17]. فكلاهما موجه لنفس الشخص الذي ذكر أن أسمه “ثاوفيلس”.
ç هناك فقرات معينة في سفر أعمال الرسل معروفة بأنها التي جاءت بضمير المتكلم بالجمع[18]. وقد كان ذلك نتيجة أن القصة عند هذه النقاط تتغير من استخدام ضمير الغائب للجماعة، أو ضمير الغائب للمفرد، إلى استعمال ضمير الجمع للمتكلم (نحن). وعلى الرغم من أنه لم يوضح إطلاقاً من المقصود بضمير الجمع للمتكلم هذا، إلا أن استخدام هذا الضمير يشير بوضوح إلى أن الكاتب كان موجوداً في هذه المناسبات، وعلى ذلك فقد كان رفيقاً لبولس. وبالنظر إلى أن أسلوب هذه الفقرات مماثل لأسلوب السفر بجملته، فيبدو أن الكاتب قد استخدم مفكرته الخاصة كمصدر للمعلومات. والفحص الدقيق للقصص يبين أن لوقا هو أفضل من ينطبق عليه هذه القصص.
ç لوقا هذا عرفه بولس بأنه طبيب، وكثيراً ما اتجه الفكر إلى أن كاتب لوقا وسفر الأعمال، كان ملماً بلغة طبية، واهتماماً بتشخيص الأمراض، وكثيراً ما تم التأكيد على هذه النقطة، ومن المحتمل أن المصطلحات الطبية المحدودة التي استخدمت ربما كانت مألوفة لأي شخص ذلك في العالم الروماني. إلا أن هناك نقطة أو اثنتان في الإنجيل يبدو أن لوقا يظهر نفسه عندهما أنه أكثر تعاطفاً من مرقس بالنسبة لعمل الأطباء. وهذا يأتي بشكل ملحوظ تماماً في القصة التي تبين كيف أن يسوع شفى امرأة نازفة الدماء التي كان يبدو أن مرضها غير قابل للشفاء. ويذكر مرقس حقيقة أنها عولجت لدى العديد من الأطباء، ثم يعلق بشيء من السخرية: “وأنفقت كل ما عندها ولم تنتفع شيئاً بل صارت إلى حال أردأ”[19]. أما من ناحية أخرى، نجد أن لوقا بكل بساطة يعلق قائلاً: “ولم تقدر أن تشفي من أحد”[20].
وقد ذكر لوقا ثلاث مرات في العهد الجديد. وفي كل مرة قيل إنه كان رفيقاً لبولس، وفي رسالة كولوسي يقول بولس إنه لم يكن يهودياً[21]. وإذا كان هو حقاً كاتب إنجيل لوقا وسفر أعمال الرسل يكون بذلك هو الكاتب الوحيد من غير اليهود في مجموعة كتبة العهد الجديد[22]. ومن المؤكد أن الأسلوب اليوناني لهذه الكتابات يوحي بأن كاتبها لا بد أن يكون مواطناً يونانياً.
وطبقاً لما يقوله يوسابيوس فقد جاء لوقا من إنطاكية في سوريا[23]، وهناك مخطوطة قديمة لسفر أعمال الرسل تشير إلى أنه كان في أنطاكية حين وصلت للكنيسة هناك أنباء عن مجاعة وشيكة[24]. أما نص سفر أعمال الرسل المقبول بصفة عامة، فقد ورد به أن لوقا كان برفقة بولس حين توجه إلى أوربا لأول مرة. كما أنه صاحب بولس أيضاً في رحلته الأخيرة إلى أورشليم، ثم واصل السفر معه إلى روما نفسها. كما يقول “ستريتر” وآخرون، ربما جمع لوقا جزءًا من مادة إنجيله أثناء هذه الفترة من الكنيسة في قيصرية، على الرغم من أن نسخته الأخيرة ربما تكون قد كتبت في روما.
التاريخ
من غير الممكن التأكد على نحو من الدقة التاريخ الذي أنهى فيه لوقا إنجيله. وبالنظر إلى أنه يدمج في قصته مادة مأخوذة من إنجيل مرقس، فلا بد أن يكون قد كتب المسودة الأخيرة لسفره بعد أن تمت كتابة إنجيل مرقس وأصبح متداولاً. وعلى هذا فإن التاريخ الذي نعطيه لإنجيل لوقا يعتمد إلى حد ما على التاريخ الذي ننسبه إلى إنجيل مرقس[25]. وقد قيل إن لوقا أظهر معرفة بسقوط أورشليم على يد الرومان سنة 70م. فإذا كان الأمر كذلك فإن تاريخ إتمام كتابة الإنجيل يرجع إلى ما بعد ذلك بقليل. لكن هناك من يرون أنه لا يوجد مبرر لتأكيد هذه الفكرة، وينسبون إلى الإنجيل تاريخاً مبكراً عن ذلك، والبعض يعطونه تاريخاً يرجع إلى الفترة من 57-60م.
الأسباب التي دعت لوقا لكتابة إنجيله
لماذا كتب لوقا إنجيله؟ كان هذا من أكثر الموضوعات التي تمت مناقشتها بحدة بين باحثي العهد الجديد في الفترة الأخيرة، ولقد طرح عدد كبير من الاقتراحات في هذا الخصوص. وعدد قليل من أهم هذه الاقتراحات يستحق الذكر.
ç يجب ألا ننسى أن لوقا لم يذكر لنا شيئاً عن هدفه في مقدمة إنجيله. وهو يقول إنه يكتب لشخص اسمه ثاوفيلس “لتعرف صحة الكلام الذي علمت به”[26]. كما يقول أيضاً إنه كتب إنجيله بتدقيق وبطريقة أدبية، وقد درس القصص التي كتبها أناس آخرون، وعلى هذا الأساس كتب “على التوالي”. وهذا يوضح لنا عدداً من الأمور. فمن ناحية يبدو واضحاً أن ثاوفيلس (أيا كان هذا الشخص) كان مسيحياً. وقد كتب لوقا إنجيله ليساعده وغيره من المؤمنين كي يحسنوا فهمهم للإيمان المسيحي. لكن الكاتب يوضح أيضاً أنه يرى أن أفضل طريقة لتحقيق ذلك هو أن يبدأ على قدر المستطاع بما عرف عن حياة يسوع نفسه وتعاليمه. ولذلك كان له أيضاً اهتمام تاريخي في اكتشاف الحقائق عن يسوع، وعلى مثال غيره من الإنجيليين لم يبدأ بكتابة سيرة ذاتية عن يسوع بالمعنى التقني. غير أنه في ذات والوقت أدرك أنه إن كان لرسالته إلى ثاوفيلس أن يكون لها ثقل كبير فإن الأمر يتطلب منه التزام بكل دقة بحقائق التاريخ.
ç ولهذا السبب نجد أن لوقا يبدأ قصته عن يسوع باليهودية فيوضح في الأصحاحين الأولين من إنجيله استمرارية المسيحية مع اليهودية والعهد القديم. ثم إنه يؤكد في ذات الوقت على أن يسوع هو تحقيق لكل مواعيد الله، ولذلك فلم تعد هناك حاجة الآن إلى ديان العهد القديم. والعلاقة بين اليهود والمسيحيين كانت تشكل بالطبع موضوعاً هاماً في الكنائس الأولى، وهذا ما نستطيع أن نلمسه من رسائل بولس. ومن بداية إنجيله يؤكد لوقا أن أولئك الذين يتبعون يسوع ليسوا في حاجة في البداية أن يصبحوا يهوداً كي يكونوا بعد ذلك مسيحيين. بل جاء يسوع بالأحرى ليكون “نوراً… للأمم”[27].
ç في الوقت الذي كتب فيه لوقا إنجيله، كانت أحداث حياة المسيح قد أصبحت تنتمي إلى الماضي. وكثيراً ما أدت هذه الحقيقة إلى أن تهتم الأجيال اللاحقة من المسيحيين بتاريخ القرن الأول بأكثر من اهتمامهم بالأحداث الخاصة بأيامهم. غير أن لوقا في قصته عن حياة يسوع وخدمته، يؤكد على أنه توجد علاقة هامة بين أحداث حياة يسوع، والحياة في الكنيسة المعاصرة. وقد فعل هذا، بالتأكيد على أن قوة حياة وجود المسيح في الكنيسة، الروح القدس، كان لها أيضاً دورها الهام في خدمة يسوع. وعند نقاط هامة كثيرة نجد أن لوقا ينطلق بوضوح ويتحدث باستفاضة عما جاء بشكل ضمني فقط في إنجيلي متى ومرقس. وكان للروح القدس دوره في ميلاد يسوع، ومعموديته وخدمته. وفي خاتمة الإنجيل طُلب من التلاميذ أن ينتظروا في أورشليم حتى يقبلوا هم أيضاً عطية الروح القدس[28]. ولعل لوقا كان بهذا يؤكد على استمرارية وجود يسوع مع تلاميذه كتصحيح لأفكار بعض معاصريه الذين تبرموا لأن المجيء الثاني للمسيح لم يتحقق بعد. وهو يذكرهم أنه على الرغم من أن ظهور يسوع الأخير في مجد لا يزال أمراً يخص المستقبل، إلا أنه موجود مع تلاميذه بطريقة حقيقية من خلال حضور الروح القدس في حياتهم.
ç وهناك ملاحظة هامة أخرى في إنجيل لوقا، وهو تأكيده على أن الرسالة المسيحية مقدمة لكل إنسان، وهذا أمر واضح لنا اليوم، ولكنه لم يكن هكذا على الإطلاق بالنسبة للأجيال القليلة الأولى من المسيحيين. ومن بين أعظم إسهامات بولس الرسول أنه بين أن محبة الله تمتد إلى أدنى طبقات المجتمع. وأوضح لوقا في إنجيله أن هذه كانت أيضاً رسالة حياة المسيح وتعليمه. فحين يروي قصة الطفل يسوع، نراه يضمنها القول بأنه سيكون “نور إعلان للأمم”[29]. وفي تتبعه لسلسلة أنساب يسوع، يرجع لوقا إلى آدم[30]، أب البشرية جميعاً، في حين أن متى يتوقف عند إبراهيم فقط أب الجنس اليهودي[31]. وفي قصة لوقا عن العظة في المجمع في الناصرة، كانت رسالة يسوع تركز على الأمم[32]. كما يذكر لوقا أيضاً اهتمام يسوع الخاص حتى بالسامريين، الذين يكرههم اليهود بأكثر حتى مما يكرهون الرومان[33]. وطوال هذا الإنجيل يقدم يسوع بصفة خاصة على أنه صديق المنبوذين في المجتمع[34]. وهؤلاء هم الذين يسر الله بالترحيب بهم، وسروره في قبول أناس كهؤلاء في ملكوته هو سرور يشاركه فيه أيضاً أتباع يسوع[35]. وسعادة كون الإنسان مسيحياً تم التأكيد عليها مراراً وتكراراً. وقصة لوقا تبدأ بالملائكة وهو يبشرون “بفرح عظيم”[36]، وتختتم بالتلاميذ وهو عائدون إلى أورشليم بعد الصعود “بفرح عظيم”[37]. وبين هذين الحدثين نجد أن كثيراً من أروع أمثال يسوع تنتهي بنفس نبرة السعادة هذه. فالخروف الضال، والابن الضال، وأمثال أخرى كثيرة تؤكد الفرح الذي أعطى لتلاميذ يسوع – وهو فرح قائم على أساس محبة الله الغافرة التي أُظهرت لهم حين كانوا هم أنفسهم من المنبوذين والخطاة[38].
وربما لا يوجد سفر آخر في العهد الجديد كله يقدم يسوع بهذه الصورة الرائعة كصديق ومخلص للجميع. وهذا هو تماماً ما استهدفه لوقا. لأنه كان من المهم أن تدرك الكنيسة على أيامه كيف أن رسالتها للعالم كله متأصلة بشكل قوي في تعليم ومثال يسوع نفسه.
متى
يختلف إنجيل متى عن كل من إنجيل مرقس وإنجيل لوقا. وهناك عدد من السمات الخاصة التي يتطلب الأمر تأملها قبل أن نذكر أي شيء عن أصله، وتاريخه، وكاتبه.
يتميز هذا الإنجيل بترتيب منظم للغاية بالنسبة لمادته، حيث رُتب بحسب الموضوعات. ومن الممكن تقسيمه بعدد من الطرق المختلفة، فهناك هيكل لهذا الإنجيل كان يستعمل في الماضي على نطاق واسع[39]، وكان ينظر إلى الإنجيل كمجموعة من خمسة قوالب أو أنه كُتب من مادة رتبت بين المقدمة التي تضمنت قصص الميلاد[40]. والخاتمة التي تضمنت قصة الآلام. وكل من أجزاء الإنجيل هذه يمكن ملاحظة أنه يضم مجموعة متوازنة بشكل جيد من مادة للقصة والتعليم على النحو التالي:
(1) الناموس الجديد
قصة (الخدمة في الجليل
3: 1 – 4: 25
تعليم (الموعظة على الجبل)
5: 1 – 7: 29
(2) التلمذة المسيحية
قصة
8: 1 – 9: 34
تعليم
9: 35 – 10: 42
(3) معنى الملكوت
قصة
11: 1 – 12: 50
تعليم (أمثال)
13: 1-52
(4) الكنيسية
قصة
13: 53 – 17: 27
تعليم (نظام، تأديب، عبادة)
18: 1-35
(5) دينونة
قصة (مجادلات في أورشليم)
19: 1 – 22 : 46
تعليم (دينونة على الفريسيين وتعاليم رؤوية
23: 1 – 25: 46
ومن رأي “باكون B. W. Bacon”، أن متى يستعمل هذا المخطط لتقديم يسوع لقرائه كموسى جديد، والتقسيم الخماسي لإنجيله يعد نظيراً ملموساً لأسفار موسى الخمسة في العهد القديم. ولكن هذا أمر يصعب إثباته. فلم يقل متى في أي موضع إن يسوع هو “موسى الثاني”، بل وليس هناك تشابه بين الخمسة التي قسم إليها الإنجيل وبين أسفار موسى الخمسة. فليس هناك شيء مشترك بين الإثنين سوى الرقم خمسة.
والواقع أنه ليس من المؤكد أنه توجد خمسة أقسام في الإنجيل. والسبب الرئيسي لتقسيمه على هذا النحو يرجع إلى حقيقة أن عبارة “فلما أكمل يسوع هذه الأقوال….” وجدت خمس مرات في الإنجيل، وفي نقاط تتناغم مع النهاية المزعومة لهذه الأجزاء. إلا أننا حللنا الإنجيل على أساس محتوياته، بدلاً من استخدام هذا المعيار القائم على الأسلوب الأدبي، سوف نصل إلى استنتاجات مختلفة تماماً. ولقد قال بروفيسور ج. د. كنجسري J. D. Kingsbruy إنه لا توجد خمسة تقسيمات في إنجيل متى بل ثلاث فحسب. وينادي بأن اهتمام متى الرئيسي كان منصباً على أن يبين أن يسوع هو ابن الله والمسيا، وأن الإنجيل مرتب موضوعاً حول هذا الموضوع:
1 – شخص يسوع باعتباره المسيا وابن الله (1: 1 – 4: 16).
2 – إعلان رسالة يسوع (4: 17 – 16: 20).
3 – آلام وموت وقيامة المسيح وابن الله (16: 21 – 28: 20).
لقد بزلت عدد من المحاولات الفكرية أيضاً لتفسير تركيب الإنجيل بواسطة كتب الفصول اليهودية المقدسة، أو صيغ لغوية وحسابية مختلفة. وأنها بالطبع لحقيقة أن تعاليم الإنجيل كثيراً ما تجمع في سلاسل ثلاثية وسباعية، ولكن هذا ربما كان القصد منه مساعدة المسيحيين الذين يريدون أن يحفظوا أقوال يسوع عن ظهر قلب، لا أن يكون بمثابة إشارة خفية لترتيب مادته.
يؤكد متى أيضاً – وبصفة خاصة – على العهد القديم. وقد قدمت حياة يسوع وتعاليمه على أنها تحقيق للمواعيد التي قطعها الله لإسرائيل. وقد ذكر هذا ليس في إطار المعنى العام بأن يسوع هو “ابن داود” فحسب، بل بالأكثر بإشارات واضحة لنصوص العهد القديم. لقد كان الكاتب على قناعة أن يسوع أتم في اختباره كل ما وقع لإسرائيل. ولكي يثبت ذلك نراه كثيراً ما يستشهد بنصوص العهد القديم وبطريقة قد تبدو لنا غريبة إلى حد ما[41]. فعلى سبيل المثال، حين يذكر متى عودة الطفل يسوع من مصر إلى موطنه نراه يقتبس قول هوشع عن خروج إسرائيل من مصر: “من مصر دعوت ابني”. غير أن رسالته واضحة: كل ما كان يعتبر مركزياً في علاقة الله مع شعبه إسرائيل تم حقاً وبشكل نهائي في حياة يسوع.
لذلك فإنه لما يدعو إلى الدهشة إلى حد ما أننا نجد أنه إلى جانب هذا الاهتمام اليهودي القوي، هناك تأكيد عظيم على شمولية الرسالة المسيحية. فأخطاء اليهود لم يتم التغاضي عنها في صمت[42]. ففي متى نجد أقسى الانتقادات لرياء الفريسيين[43]، وهناك دلالات عديدة على أنه قد ولى اليوم الذي كان فيه الإسرائيليون فيه شعب الله. وقد تمت موازنة هذا بتأكيد رائع على العمل المرسلي للكنيسة. وأصبح الأمر في غاية الوضوح في الإرسالية العظمى التي كلف بها يسوع تلاميذه في خاتمة الإنجيل[44]. غير أنه قد لمح إلى ذلك منذ البداية حين انضم المجوس الحكماء، الذين هم من غير اليهود، في السجود للطفل يسوع[45].
نجد هنا أيضاً اهتماماً واضحاً بالأخرويات، والتعليم الخاص بهذا الموضوع الذي تضمنه الأصحاحات 24، 25 جاء على نحو أشمل وأكمل مما جاء في الأجزاء المناظرة في الأناجيل المتشابهة الأخرى. فإنجيل متى يتضمن عدداً من الأمثال تتناول موضوع المجيء الثاني والدينونة الأخيرة، ولا نجد هذه الأمثال في الأناجيل الأخرى. ومعظمها تركز على تشجيع المسيحيين على الحياة في حالة الاستعداد المستمر لعودة يسوع: “لأنكم لا تعرفون اليوم أو الساعة”. ولعل بعضاً من أعضاء كنيسة متى كانوا قد بدأوا يشكون في عودة يسوع ثانية، والأمثال التي على نمط العذارى العشر تؤكد أنه في ظل موقف كهذا لن يكون المسيحيون إطلاقاً في حالة مناسبة للقاء ربهم.
وهناك سمة أخرى هام لإنجيل متى تتمثل في اهتمامه بالكنيسة. والواقع أنه الإنجيل الوحيد الذي استخدمت فيه الكلمة التي تترجم كنيسة “Ekklesia”. وهذه الحقيقة من المؤكد أنها تتضمن إشارة إلى الإنجيل كله. فقد كان متى يضع مجموعة من تعاليم يسوع في شكل يمكن أن يستعمل مباشرة طوال حياة الكنيسة. لقد كانت خلاصة وافية لنصيحة لها سلطانها سواء بالنسبة للمتجددين حديثاً أو المؤمنين القدامى فيما هم يحاولون أن يضعوا إيمانهم المسيحي موضع التطبيق في حياتهم اليومية.
الكاتب
ليس هناك اتفاق عام بالنسبة لمن كتب الإنجيل، وما هو زمن كتابته. وكثيرون من المفكرين لا يجدون الآن أية صعوبة في قبول التقاليد المسيحية القديمة التي تعرف مرقس ولوقا على أنهما قاما بكتابة الإنجيلين المنسوبين إليهما، لكن الوضع مختلف إلى حد ما بالنسبة لإنجيل متى. لأن متى، الذي ربط آباء الكنيسة اسمه بهذا الإنجيل، كان تلميذاً ليسوع، وعلى ذلك كان شاهد عيان بالنسبة للأحداث التي وصفها. وليس من السهل معرفة السبب الذي يجعل واحداً من الاثني عشر معتمداً بدرجة كبيرة جداً على إنجيل مرقس، الذي كتبه شخص لم يكن شاهد عيان للأحداث المتعلقة بحياة يسوع.
وبالطبع فموضوع الكاتب الحقيقي للإنجيل ليس الموضوع المهم بالنسبة لفهمنا له. فالسفر نفسه جاء خلواً من اسم كاتبه، ولا يتضمن أية إشارة على الإطلاق بالنسبة لمن كتبه. وربما كان شخصاً مرتبطاً بمتى الرسول، ولكن في أية مرحلة، أو بأية طريقة، فهذا لم يمكن قوله تحديداً.
تاريخ كتابته
كذلك تاريخ كتابة الإنجيل هو موضوع شك، ويعتمد على الإجابات على عدد من الأسئلة الأخرى.
ç من المفترض أنه لا بد وأن يكون قد كتب بعد إنجيل مرقس وبعد مجموعة الأقوال المعروفة بالمصدر Q. إلا أنه سبق لنا أن لمسنا المشاكل المتعلقة بإعطاء تواريخ ثابتة لهذه المواد.
çكثيرون من الباحثين يعتقدون أن إنجيل متى قد كتب بعد لوقا، لأن الإنجيل يبدو أنه يحتوي على إشارات مباشرة لسقوط أورشليم سنة 70م، وهنا أيضاً نقول إن هذا لا يعني بالضرورة أن الإنجيل كتب بعد هذا الحدث. وذلك الافتراض كان يقوم إلى حد كبير على الاعتقاد بأنه لا يوجد شيء يمكن القول إنه نبوة حقيقية مؤكدة. وعلى هذا فإذا بدا أن يسوع قد تنبأ بحدث في المستقبل فإن هذا معناه أن الكنيسة الأولى لا بد وأنها أعادت كتابة التقليد على ضوء الملابسات التالية. ولكن روبنسون Robinson أشار بحق إلى سذاجة هذا الافتراض، ويضع تاريخاً قبل ذلك بكثير معتمداً بصفة رئيسية على ذلك الأساس.
ç قيل أيضاً إن نمط تنظيم الكنيسة الذي نلمسه في إنجيل متى يعد نمطاً جيد التطور، وعلى هذا فهو يعكس مرحلة متأخرة جداً من القرن الأول. إلا أن هذا أمر ليس من السهل إثباته. وحين نقارن تفاصيل تعليم هذا الإنجيل عن الكنيسة، برسائل بولس مثلاً إلى كنيسة كورنثوس والتي كانت في منتصف خمسينات القرن الأول، فمن الصعوبة بالبالغة أن نرى فروقاً حقيقية بين الحالتين.
واستناداً إلى كيفية إجابتنا على هذه الأسئلة، قد يرجع تاريخ كتابة الإنجيل إلى الفترة من 80-100م (وهذا ما تؤيده غالبية المفكرين)، أو قبل سنة 70م، وربما في تاريخ مبكر يقع بين 40-60م. (حسب رأي روبنسون Robinson ووجوثري Guthrrie وكاتب أو اثنين من الكتبة الألمان).
يوحنا
مع استثناء واحد صغير، أو استثنائين، فإن كل ما قيل هنا تقريباً عن الأناجيل المتشابهة، يمثل إجماعاً في الرأي ساد بين باحثي العهد الجديد لفترة طويلة. وفي معظم النواحي الهامة نسبياً لم يتغير سوى القليل منذ كتب “ستريتر” عمله الهام منذ خمسين سنة مضت. وفي مواضع متفرقة، وضعت تأكيدات جديدة متباينة فيما اكتشف النظم الأحدث لنقاد الصيغ ونقاد التنقيح، مع أنه حتى هذا يعد تطوراً طبيعياً من عمل الأجيال السابقة.
أما بالنسبة لعمل الإنجيل الرابع، إنجيل يوحنا، فأصبحت المسائل الآن مختلفة تماماً. فقد كتب “ستريتر” عن هذا الإنجيل أنه يستمد ليس من المصادر الرئيسية، بل من الصورة الحية…. التي رسمها خيال (الكاتب) على أساس اللاهوت الدفاعي المعاصر، وشاركته رأيه هذا غالبية معاصريه، فقد اعتبروا إنجيل يوحنا تفسيراً لاهوتياً لحياة يسوع صدر في القرن الثاني مستخدماً لغة الفلسفة الهلينية ونمط فكرها. وكانوا ينظرون إليه كنوع من عظة ممتدة، ليس له أية علاقة بتقاليد يعول عليها عن المسيح كما عاش وعلم بالفعل.
ففي حين أنه منذ عشرين أو ثلاثين سنة مضت اعتبر إنجيل يوحنا في الغالب على أنه نسخة مختلفة من الأناجيل المتشابهة، إلا أن كثيرين من المفكرين الأكفاء مستعدون الآن لاعتباره مصدراً مبكراً ومستقلاً للمعرفة عن حياة يسوع وتعليمه، وأنه على قدر متساو مع الأناجيل المتشابهة من حيث قيمته. ويمكننا أن نتتبع ثلاثة أسباب رئيسية لهذا التغير الجذري في الرأي.
يوحنا والأناجيل المتشابهة
منذ خمسين سنة مضت كان الاعتقاد السائد أن كاتب إنجيل يوحنا كان على معرفة بالأناجيل المتشابهة synoptic. وهذا يرجع إلى عدد من القصص التي كانت مشتركة بينهما، فقصة إطعام يسوع خمسة آلاف[46]، وقصة دهنه بالطيب في بيت عنيا[47]، هما من الأمثلة على ذلك. ولذلك افترض أن يوحنا كان يكتب نوعاً من التفسيرات “اللاهوتية” للقصص الواقعية التي وردت في الأناجيل المتشابهة. ولا شك أن هذا أدى إلى استنتاج أن الإنجيل الرابع لا بد وأن يكون متأخراً في التاريخ، وأقل في النوعية من الأناجيل المتشابهة.
ومع ذلك فقد تم التشكيك في هذا الافتراض عند نقطتين:
أولاً: من المعترف به وعلى نطاق واسع الآن أنه من غير الممكن أن نضع “تاريخ الأناجيل المتشابهة مقابل “الفكر اللاهوتي” ليوحنا. ذلك أن كتبة الأناجيل المتشابهة كانوا هم أيضاً من اللاهوتيين. فهم لم يكتبوا أناجيلهم لتسجيل سير ذاتية خالصة، بل لأنه كان لديهم رسالة يريدون توصيلها لقرائهم. كما يتضح أيضاً أن الإنجيل الرابع لم يعتمد بالفعل على الأناجيل الثلاثة الأخرى والواقع أن كاتبه ربما كتبه دون أي معرفة بكتابات الإنجيليين الآخرين.
والفحص الدقيق للقصص الموجودة في الأناجيل الأربعة جميعاً ستبين أن هناك تشابهات بينها، كما أنه توجد عدة اختلافات في رواية يوحنا، وهذه الاختلافات ليست من النوعية التي يمكن تفسيرها بسهولة على أسس لاهوتية. فالاختلافات الواردة في قصص يوحنا، يمكن في الواقع فهمها بسهولة أكثر إذا افترضنا أنه كان متاحاً له الاطلاع على تقارير الأحداث التي كانت معروفة أيضاً لكتبة الأناجيل المتشابهة. وحين تفحص هذه الفرضية بالتفصيل، يمكن معرفة ليس أن قصص يوحنا جاءت من مصدر مختلف فحسب، بل أنه توجد بعض المعلومات في إنجيل يوحنا يمكن استخدامها في تأييد المعلومات الواردة في الأناجيل الأخرى. وهذا مما يساعد على جعل قصة حياة يسوع ورسالته أسهل فهماً.
فعلى سبيل المثال، يذكر يوحنا أن بعضاً من تلاميذ يسوع كانوا قبلاً من تلاميذ يوحنا المعمدان[48]. وهذا يوضح لنا الطبيعة الحقيقية لشهادة المعمدان عن يسوع التي وردت في الأناجيل المتشابهة، ولا سيما التأكيد الذي وضع هناك عن دوره في أن يقوم “طريق الرب”. وقصة يوحنا تساعدنا أيضاً على الإجابة على سؤال (غير واضح في الأناجيل المتشابهة) الخاص بما كان يعمله يسوع في الفترة بين عماده والقبض على يوحنا المعمدان. فالأناجيل المتشابهة تقول إن يسوع بدأ خدمته في الجليل بعد القبض على يوحنا المعمدان[49]. وهذه هي الخدمة الوحيدة التي سجلت في الأناجيل المتشابهة. إلا أنه أثناء زيارته الأخيرة لأورشليم، يذكر إنجيل متى ولوقا (المصدر Q) أن يسوع قال عن سكانها: “كم مرة أردت أن أجمع أولادك…”[50]. وهذا ما يوحي بأن يسوع قام بزيارة أورشليم في عدة مناسبات سابقة. ويتحدث يوحنا عن مثل هذه المناسبة بالضبط، في بداية خدمة يسوع تماماً، حين عمل إلى جانب يوحنا المعمدان في اليهودية قبل أن يعود ثانية إلى الجليل حين ألقي القبض على يوحنا[51].
وإنجيل يوحنا يملأ فراغات مادة الأناجيل المتشابهة في نقطة لاحقة حين يسجل زيارة أخرى قام بها يسوع إلى أورشليم قبل دخوله إليها في أحد السعف بستة شهور[52]. ويذكر يوحنا كيف غادر يسوع الجليل وذهب إلى أورشليم في عيد المظال (سبتمبر) ومكث هناك حتى عيد التكريس (ديسمبر). وبعد ذلك، وبسبب العداوة المتزايدة عاد إلى المنطقة التي سبق وعمل فيها المعمدان[53]، وقام بزيارة خاطفة لبيت عنيا[54]، وذلك لدى سماعه بموت لعازر، وبعد ذلك بزمن قليل، قبل الفصح (أبريل) بستة أيام، عاد لزيارته الأخيرة لأورشليم[55]. وهذه هي الزيارة الوحيدة التي سجلت بقليل من التفصيل في مرقس، على الرغم من أن الزيارات الأخرى لمح إليها بعبارة مرقس الموجزة: “قام من هناك (الجليل) وجاء إلى تخوم اليهودية عبر الأردن”[56].
ثانياً: هناك أيضاً عدداً من التفصيلات البسيطة التي ذكرها إنجيل يوحنا والتي تساعد على شرح وتوضيح بعض النقاط في قصص الأناجيل المتشابهة[57]. فهناك على سبيل المثال إطعام الخمسة آلاف[58]. فقد ذكر في نهاية القصة في إنجيل مرقس أن يسوع أجبر تلاميذه على الهرب إلى السفينة، فيما يقوم هو شخصياً بصرف الجماهير. لكن تقليد يوحنا المستقل يستكمل بعض التفاصيل موضحاً أن يسوع اضطر إلى اتخاذ هذا الإجراء لأن الجماهير كانت متلهفة على خطفة وإقامته ملكاً عليهم. وسبق لنا أن لاحظنا في أصحاح سابق كيف أن قصص العشاء الأخير، وتجارب يسوع في البرية لا يمكن فهمها تماماً إلا على ضوء المعلومات التي ذكرت في إنجيل يوحنا.
وعلى ضوء دليل من هذه النوعية، أصبح هناك إدراك في أن إنجيل يوحنا يعد مصدراً في حد ذاته. فالمعلومات التي يحتويها غير تلك التي نجدها في الأناجيل المتشابهة، ولكن في نقاط هامة كثيرة نجد أن إنجيل يوحنا يكمل الأناجيل الثلاثة الأخرى.
خلفية يوحنا هي اليهودية
من المعروف أيضاً أن خلفية كثير مما ورد في إنجيل يوحنا هي خلفية يهودية وليست يونانية فقط. والتقاليد الأولى تقول إن هذا الإنجيل ولد في أفسس. ولذلك كان من الطبيعي أن يتطلع الباحثون إلى خلفية هيلينية له، ولا سيما أن مقدمة الأناجيل، تشرح التجسد في ضوء الكلمة “لوغوس”[59]، وهذه التقاليد الخاصة بالكنيسة من الطبيعي ألا يعتمد عليها دائماً. وبالنسبة لإنجيل يوحنا، فإنه من المثير أن نلاحظ أنه إذا أغفلنا المقدمة، فإننا لا نجد فيما يتبقى إلا النادر مما يتطلب خلفية يونانية. والواقع أن هذا عكس ما كان منتظراً. والإنجيلي يذكر هدفه كتابة في صيغة يهودية خالصة: “وأما هذه فقط كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله”[60]. ثم إن هناك أيضاً تأكيداً طوال الإنجيل على إتمام أقوال العهد القديم الأمر الذي يوحي أيضاً بخلفية يهودية.
وهذا الانطباع تأكد من تحليل دقيق للغة الإنجيل الفعلية، لأنه عند نقاط كثيرة تبين اللغة اليونانية علاقة وثيقة بمصادر آرامية. فكثيراً ما يستخدم الكاتب كلمات آرامية مثل: صفا، جباثا، أو ربوني[61]، ثم يعود ويفسرها لمنفعة قرائه اليونانيين. حتى كلمة “مسيا”[62] ذكر لها شرحاً دقيقاً. ومما يعطي مغزى أكثر، أنه توجد أيضاً عدة نقاط تتبع فيها اللغة اليونانية للإنجيل قواعد اللغة الآرامية. ونجد مثالاً لهذا في قول المعمدان عن يسوع “لست بمستحق (أن أحل) سيور حذائه”[63]. فالتعبير هنا يتبع النهج الآرامي ولو أن هذا لا يظهر في الترجمات المختلفة. ولكن التعبير غير العادي لهذه العبارة في إنجيل يوحنا هو تعبير عادي في اللغة الآرامية.
ثم إننا نجد أقوال يسوع أيضاً في إنجيل يوحنا وقد تم التعبير عنها في شبه التطابق وهو الأمر المعروف في الشعر في اللغة السامية[64]، وهناك أجزاء أخرى من تعليمه يمكن ترجمتها إلى الآرامية لتكون شعراً آرامياً واقعياً كاملاً[65].
وليس من المحتمل أن يكون إنجيل يوحنا ترجمة مباشرة من مستند آرامي، ولو أن البعض اقترح هذا. غير أن هذه الحقائق توحي بالفعل أن التعليم في إنجيل يوحنا له نفس الخلفية الفلسطينية، مثل مادة الأناجيل المتشابهة، والاستعمال الغريب لقواعد اللغة الآرامية في الكتابة اليونانية قد يستشف منه أن اللغة الآرامية كانت لغة الكاتب الأصلية.
اكتشافات أثرية
وإلى جانب الدليل الداخلي، يوجد أيضاً دليل كاف وهام مستمد من الحفريات الأثرية، ويدحض الآن الفكرة القديمة بأن إنجيل يوحنا كان إنجيلاً هيلينياً قديماً. وثمة ثلاثة عناصر رئيسية في الدليل لها أهميتها هنا.
ç لفائف البحر الميت بينت أن الجمع الغريب بين أفكار يونانية ويهودية والذي نجده في إنجيل يوحنا، كان سائداً ليس فقط في مدن يونانية مثل أفسس في القرن الثاني الميلادي، بل كان كذلك في فلسطين نفسها، في دوائر يهودية خالصة، في الحقبة السابقة للمسيحية. وكثير من العبارات المألوفة في إنجيل يوحنا وجدت أيضاً في اللفائف مثل: “من يفعل الحق”، “الذي يسير في الظلام”، “أبناء النور”، “روح الحق”[66]، وعبارات أخرى كثيرة جاءت في إنجيل يوحنا مطابقة لما كانت عليه في جماعة قمران. وفضلاً عن ذلك فإن المقابلة في إنجيل يوحنا بين النور والظلمة، الحق والباطل نجدها مطابقة أيضاً لما جاء في لفائف قمران. وفي كلا النصين نجد أن هذه الازدواجية بين النور والظلمة، والحق والباطل هي ازدواجية أخلاقية بالمقابلة مع التأكيد التجريدي لمعظم الفلسفات اليونانية والغنوصية.
ç وهناك اكتشاف آخر. على نفس القدر من الأهمية، جاء تقريباً في نفس الوقت مع لفائف قمران، وهي المكتبة القبطية الغنوسية التي وجدت في نجع حمادي في صعيد مصر. وقبل اكتشاف هذه الوثائق كان معرفتنا للغنوسية تقوم إلى حد كبير على معلومات قدمها عدد من مؤرخي الكنيسة واللاهوتيين الذين ألفوا كتباً لدحضها. ومن خلال أقوالهم لم يكن من الصعوبة تخيل أن إنجيل يوحنا ربما يكون قد كتب في القرن الثاني كجزء من المعركة بين الغوسيين و”الارثوذوكس” المسيحيين. غير أنه مع معرفتنا الجديدة المستمدة من كتابات المعلمين الغنوسيين، أصبح من الواضح تماماً أن هناك فرقاً شاسعاً بين عالم إنجيل يوحنا وعالم الغنوسية الكلاسيكية
ç قدمت الاكتشافات الأثرية في أورشليم أيضاً دليلاً يوضح تقاليد إنجيل يوحنا. ومن سمات هذا الإنجيل غير العادية الأسماء وأوصاف الأماكن. وكان الاعتقاد السائد ذات مرة أن هذه الأسماء قد استخدمت إما كوسيلة لاهوتية (كرموز)، أو لتعطي الانطباع بالمصداقية في قصص مختلفة. إلا أنه أصبح من الواضح الآن أن معظم هذه المعلومات الجغرافية تعتمد على معرفة حقيقية للمدينة بالشكل الذي كانت عليه قبل سنة 70م. ففي تلك السنة دمر الرومان أورشليم بشكل تام[67]، وبعد ذلك التاريخ كان من المستحيل أن ننظر إلى الأطلال ونتخيل مسبقاً ما كانت عليه المدينة[68]. وبينت الحفريات في أورشليم الآن أن وصف بركة بيت صيدا، على سبيل المثال أو الموضع الذي “يقال له البلاط” حيث قال يسوع بيلاطس، كان على أساس معرفة وثيقة بالمدينة في زمن يسوع.
الكاتب وتاريخ الكتابة
المحصلة النهائية لكل خطوط البحث المتشعبة هذه تمثلت في إعادة تقدير إنجيل يوحنا كمصدر يعول عليه لحياة المسيح وتعليمه. كما أن ذلك أدى أيضاً إلى إعادة فتح موضوع كاتب هذا الإنجيل وتاريخ كتابته. والسؤال الخاص بمن كتب هذا الإنجيل كان دائماً سؤالاً مربكاً، فضلاً عن أن تقاليد الكنيسة تذكر اثنين باسم يوحنا فيما بتعلق بهذا الإنجيل: الرسول، ويوحنا الذي يطلقون عليه “الشيخ”. ثم أن هناك حقيقة أن “التلميذ المحبوب” يبدو أنه صور في الإنجيل نفسه كمصدر لبعض المعلومات[69]، وهنا أيضاً نجد أن الأمر أبعد ما يكون عن الوضوح بالنسبة لمن كان هذا الشخص. ويعرف إيريناوس التلميذ المحبوب بأنه يوحنا الرسول. غير أن باحثين كثيرين يعتقدون بأنه ربما كان شخصية مثالية ترمز إلى المؤمن الحقيقي بيسوع. بل إنه عرف بأنه لعازر، والذي على أية حال، كان الشخص الوحيد الذي قيل تعه دائماً إن يسوع كان يحبه.
هناك نظرية جذابة قد تشرح الحقائق الجديدة التي ظهرت الآن عن يوحنا، وهو أن هذا الإنجيل كانت له طبعتان. وسبق أن رأينا أنه إذا استثنينا المقدمة يظهر السفر بأكثر ملائمة للعالم اليوناني. ولذلك من المحتمل أن تكون المقدمة قد أضيفت بعد إتمام العمل الأصلي، حتى يروق الإنجيل لنوعية جديدة من القراء.
وهذا الاحتمال تدعمه أيضاً العلاقة الغريبة بين الأصحاحين 20، 21. فالآية الأخيرة من الأصحاح العشرين يبدو أنها الخاتمة المنطقية للسفر، ولكن هذه الخاتمة اتبعت بعد ذلك بالتعليمات التي وجهها يسوع لبطرس بعد القيامة في الأصحاح 21. ومن المحتمل أن هذا الأصحاح الأخير قد أضيف حين أرسل السفر لخدمة احتياجات مجموعة جديدة من الناس، على الرغم من أن أسلوبه ولغته يتشابهان تماماً مع أسلوب بقية الإنجيل ولغته، ولذلك فلا بد وأنه أضيف بواسطة نفس الشخص.
من المحتمل أن الإنجيل كتب أولاً في فلسطين، ليبين أن يسوع هو المسيح. وربما كان في ذهن الكاتب طوائف اليهود الذين تأثروا بأفكار مثل التي كانت عند جماعة قمران. وعلى ذلك، حينما يبدو أن نفس التعليم يصلح للناس في أي مكان من الإمبراطورية الرومانية، هنا أعيد تنقيح الإنجيل، وتم شرح العادات والتعبيرات اليهودية، وأضيفت إليه المقدمة والخاتمة. والنصيحة التي وجهت إلى قادة الكنائس في الأصحاح 21 توحي بأن الصيغة النهائية للإنجيل ربما وجهت إلى كنيسة مسيحية من اليهود في مكان ما في العالم اللاتيني، ربما في أفسس.
أما موضوع تاريخ الإنجيل فلم يفصل في الواقع فيه بعد، لأنه ليس لدينا دليل آخر نقدمه في هذا الشأن. ويلمح آراء الكنيسة أنه كتب بواسطة يوحنا الرسول في نهاية حياته الطويلة، ومعظم الباحثين يستمرون في أن ينسبوا إليه تاريخاً يقع ما بين سنة 70-100م. ومن المؤكد أنه لا يجب أن يعزى إليه تاريخ يقع بعد نهاية القرن الأول، إلا أنه ليس هناك دليل حقيقي لإعطائه تاريخاً قرب نهاية تلك الفترة. ويجادل روبنسون بقوة ويقول إنه من المحتمل أن يكون أول الأناجيل قاطبة، ويجعل تاريخ كتابته في الفترة من 40-56م. وإذا كان هذا صحيحاً، فإن إنجيل يوحنا يحتمل والحالة هذه أن يكون معاصراً للأناجيل المتشابهة، ومثل هذا التاريخ سوف يكون من شأنه أن يزيل تماماً أي عائق يحول دون النظر إلى يوحنا الرسول على أنه كاتب الإنجيل الذي يحمل الآن اسمه.
المسيح – كيف عرفنا يسوع المسيح – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح
المسيح – كيف عرفنا يسوع – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح
كيف عرفنا يسوع – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح
ما هي الأناجيل
في البابين الأولين من هذا الكتاب، ذكرنا الكثير عن حياة المسيح وتعليمه، ولكننا لم نتحدث إلا القليل جداً عن الكيفية التي عرفنا بها يسوع المسيح. ومن الطبيعي أن الصورة التي تخيلناها عنه قامت على أجزاء العهد الجديد التي تحدثت عن حياته وعمله، وهي الأسفار الأربعة التي نطلق عليها “الأناجيل” والتي ترتبط عادة بأسماء: “متى ومرقص، ولوقا، ويوحنا.
إلا أنه يتعين أن يكون واضحاً الآن أنه في فهمنا للأناجيل قمنا بعمل عدة افتراضات، وبشكل أو بآخر، تخيلنا صورة يسوع المسيح التي قدمت هنا. وعلى سبيل المثال، افترضنا أن الأناجيل ليست سيراً ذاتية للمسيح، بقدر ما هي عرض لمختارات من نواحي حياته وتعليمه التي بدت ذات أهمية بالغة لأولئك الذين كتبوها لأول مرة. وعلاوة على ذلك، افترضنا أن هناك الكثير من التداخل والتكرار في الروايات العديدة لحياة يسوع، ولذلك ربما يستخدم إنجيل لتوضيح أو تفسير التعليم الذي ورد في إنجيل آخر.
ثم لمحنا أيضاً إلى أنه من الممكن في الواقع معرفة شيء عن يسوع المسيح من دراسة الأناجيل، وأنه على الرغم من أنها فعلاً من نتاج الكنيسة الأولى، إلا أنها لا تحدثنا عن كاتبيها فقط، بل عن يسوع المسيح نفسه.
وقد حان الوقت الآن لدراسة بعض هذه الافتراضات، بشيء أكثر تفصيلاً لشرح الأسباب التي دفعتنا على افتراضها، ولاستكشاف تداعياتها.
ما هو الإنجيل؟
لماذا ندرس الانجيل
القارئ الحديث الذي يرى أحد الأناجيل لأول مرة قد يعتقد أنه يشبه إلى حد كبير سيرة ذاتية للمسيح. إلا أن لمحة خاطفة لأي منها، ستبين أن الأمر ليس كذلك. فالسيرة الذاتية الجيدة تبدأ عادة برواية عن سنوات طفولة الشخصية التي تتناولها، ثم تعرض بالتوالي إلى مرحلة المراهقة ثم البلوغ، كي تبين كيف نما الشخص الناضج استجابة للتأثيرات المختلفة في بداية حياته والبيئة التي نشأ فيها.
وعلى النقيض من ذلك، نرى أن التأكيد الرئيسي في الأناجيل لا ينصب على مجرى حياة يسوع المسيح، بل على أحداث الأسبوع الأخير منها على وجه التقريب. وهذه سبقتها تقارير عن تعليم يسوع، ورواية عن بعض الأحداث القليلة ترجع إلى فترة الثلاث سنوات السابقة لوفاته، مع عدم أي ذكر في الواقع لطفولته وفترة مراهقته. ولو كانت هذه سيرة ذاته، فإنها لا ريب سيرة ذاتية غير عادية.
وبمقدورنا وبمنتهى السهولة أن نعرف حقيقة الأمر بالرجوع إلى الأناجيل ذاتها. وعوض أن نحاول تصنيفها كما يفعل أي أمين مكتبة الآن، علينا أن نسأل، ماذا اعتقد كاتبوها بخصوص ما يفعلون وهم يكتبونها؟ لنأخذ على سبيل المثال إنجيل مرقص، وهو الإنجيل الذي يعتقد بوجه عام أنه أقدم الأناجيل الأربعة. والكتاب يصف عمله في العبارة الافتتاحية على أنه “بدء إنجيل يسوع المسيح”[1].
وهذا القول يأتي كعنوان أو مقدمة لما سيتبعه، ونجد هنا كلمتين هامتين لفهم الغرض من هذا الإنجيل، والكلمتان هما: “بدء” و”إنجيل”. وكلمة “إنجيل” هي ببساطة ترجمة لكلمة مرقص اليونانية “Evangilion” وقد اختيرت أساساً لأن للكلمتين معنى واحد هو: “أخبار سارة”. إذاً، فقد كان مرقص يكتب عن “بدء الأخبار السارة”.
وماذا يعني هذا؟ لقد سمع مرقص وكتبة الأناجيل الأخرى “الأخبار السارة” عن يسوع المسيح [2]. ولقد تقبلوا مصداقيتها واعترفوا بالمسيح كسيد لحياتهم[3]. ومرقص نفسه أصبح بناء على ذلك منخرطاً بشكل عميق في عمل الكنيسة، وتضمن جزءًا هاماً من عمله كلاً من الكرازة وتعليم الرسالة مما غير مجرى حياته هو شخصياً[4].
والكرازة والتعليم المشار إليهما سجلا في العهد الجديد، وفي صيغته الأساسية الخالصة يتكون من أقوال لخصها “دود” في تعريفه في كتابه “الكرازة الأولى”.
وبالنسبة لمرقص ومعاصريه لم تكن هذه الرسالة مجرد ذكر للحقائق المتعلقة بالإيمان المسيحي، بل كانت بمعنى أهم “الأخبار السارة” لإيمانهم، لأنهم فيما قبلوا دعوتها للتوبة وجودها اختبار تغيير حياة.
ولذلك حين وصف مرقص إنجيله بأنه “بدء الأخبار السارة” فهو بهذا كان يقول إن هدفه هو أن يصف المرحلة الأولى من تطور الرسالة التي استجاب لها هو وآخرون. والقصة التي يرويها تشكل جزءًا هاماً لا يتجزأ من قصتهم واختبارهم كمسيحيين، وكان للوقا غرض مماثل: فهو يكتب ليعرف قراءه المضامين الكاملة للرسالة المسيحية التي كثيراً ما سمعوا عنها[5]. والواقع أن لوقا شعر أنه من الواجب عليه أن يؤكد استمرارية حياة الكنيسة بحياة المسيح، وذلك بكتابة سفر آخر (سفر أعمال الرسل) ليجعل القصة كاملة تماماً.
وحين نطلق على كتبة الأناجيل لقب “إنجيليين” فإننا بذلك نصف قصدهم الحقيقي. لأنهم كانوا مهتمين بالدرجة الأولى بأن يوصلوا رسالتهم عن يسوع المسيح إلى معاصريهم، ثم بعد ذلك – بصفة ثانوية – يتناولون الاهتمامات العادية لكاتب السيرة، ولو أنهم لم يهتموا بهذه النقطة الأخيرة. وهذه الحقيقة لها على الأقل ثلاث نتائج هامة لفهمنا للأناجيل التي كتبوها:
يجب النظر إلى الأناجيل على اعتبار أنها تتضمن أقوالاً أو أحداثاً انتقائية تتعلق بحياة يسوع المسيح وتعليمه. وفي كرازتهم للرسالة لا ريب أن الرسل وآخرين تحدثوا عن أحداث من حياة المسيح بنفس الطريقة التي قد يستخدم بها الكارز الحديث توضيحات ملائمة لتفسير نفس النقاط اللاهوتية التي يعرض لها.
ولا ريب أن مرقص والإنجيليين الآخرين كانوا قد سمعوا عن هذه الأحداث التي استعملت لتوضيح كثير من المواعظ، وضمنوها أناجيلهم لأغراض مماثلة وبشكل أوسع. والواقع أن “بابياس Papias” وهو أباء الكنيسة الأولى زعم أن إنجيل مرقص يتكون من مادة استخلصت من كرازة بطرس نفسه.
وحقيقة أن المعلومات التي تتضمنتها الأناجيل التي استعملت أولاً لتوضيح رسالة الكنيسة تفسر لنا أيضاً بعض الصعاب التي كثيراً ما نستشعرها عما يبدو لنا من عدم اكتمال بعض روايات الإنجيل. وإذا جمعنا بين الأناجيل الأربعة معاً فبالكاد تحوي المعلومات الكافية لتسجيل ثلاث سنوات من حياة أي شخص، فما بال أن يكون هذه الشخص نشيطاً كالمسيح، إلا أنه إذا ما عرفنا أن المعلومات المتوافرة لنا قد حفظت بسبب ارتباطها بحياة أولى الكنائس، سنفهم بسهولة السبب في أن الكثير مما كنا نود معرفته قد ترك دون تدوين.
وهذا يفسر لنا السبب في أننا لا نجد أي ذكر في العهد الجديد لطفولة يسوع المسيح المبكرة، بل ولا أية أوصاف بالنسبة لشبهه أو من أية نوعية من الأشخاص كان. ولو كان الإنجيليون يكتبون لمجرد إشباع فضول الناس ورغبتهم في معرفة كل شيء عن يسوع المسيح، لضمنوا أناجيلهم هذه النوعية من المعلومات. ولكن هذا لم يكن قصدهم، لأنهم كانوا مهتمين بصفة أساسية بربح الناس للإيمان بربهم وسيدهم، ولهذا السبب لم تكن مثل هذه التفاصيل تهمهم من هذه الناحية.
إذا كانت الأناجيل توضيحات للكرازة الرسولية، فهذا معناه أن ليس بوسعنا النظر إلى محتوياتها على اعتبار أنها قصص بسيطة عن يسوع المسيح. فلا بد وأن يكون لها صلة وثيقة بالفكر اللاهوتي لكتاب الإنجيل. وقد جاء وقت انتشرت فيه فكرة افتراض أنه من الممكن أن نستخلص من الإنجيل صورة لمعلم جليلي بسيط، غيرها بولس وآخرون في وقت لاحق إلى رسالة لاهوتية عن ابن الله.
إلا أنه أصبح من المعروف الآن، وعلى نطاق واسع أن الأناجيل نفسها هي بذاتها من بين أكثر الوثائق اللاهوتية الهامة للكنيسة الأولى، وأن الحقيقة هي أنها ليس بوسعنا إطلاقاً اكتشاف صورة للمسيح كمعلم بسيط من الجليل. وبقدر ما استطعنا الرجوع إلى المصادر القديمة، فإن يسوع المسيح الذي وجدناه على صفحات العهد الجديد هو دائماً شخص يزعم لنفسه أموراً عظيمة، ويدلي بأقوال محددة عن علاقة الإنسان بالله. وكل تعاليمه، وكل حدث سجلته الأناجيل يتضمن بصفة خاصة شيئاً لاهوتياً يريد قوله لنا.
ç وكما سبق لنا القول، فإنه إذا كان كتبة الأناجيل قد اختاروا مادة للكتابة ليخدموا أهدافهم الشخصية، فمعنى هذا أنه قد يكون بوسعنا اكتشاف شيء عنهم وعن قرائهم بمقارنة اختيار كل منهم للمعلومات المتعقلة بالمسيح واستخدامه لها. وبالنسبة للأناجيل الثلاثة الأولى بمقدرونا عمل ذلك بكل يسر، لأنها على وجه التقريب تروي لنا نفس القصة وبنفس الترتيب، وكل منها يكرر أجزاء كبيرة من المادة التي نجدها في الأناجيل الأخرى.
وبمقارنة الطرق المختلفة التي استخدم بها كل من متى ومرقص ولوقا أعمال يسوع المسيح وتعليمه في رواياتهم، يمكننا بسهولة أن نعرف شيئاً عنهم والوضع الذي عاشوا وعملوا فيه.
وعلى هذا، فإنه لكي نفهم الأناجيل فهماً تاماً فإن ذلك يشكل عملية معقدة. فنحن نحتاج إلى معرفة السبب في أن الإنجيليين كتبوا بالطريقة التي كتبوا بها، ومتى كان ذلك. فإننا سنحتاج إلى محاولة فهم الطريقة التي جمعوا بها مادتهم، ولماذا استخدموها بطريقة معينة دون أخرى. كما أننا علينا أن نتذكر وبصفة دائمة أن أناجيلهم لم تكتب إلا بقصد المهمة الكرازية للكنيسة: وهي لم تكتب كسيرة ذاتية أو تاريخ، أو حتى كمادة لاهوتية بالمعنى المألوف.
الكرازة والكتابة
هناك سؤال واضح يمكن طرحه فيما يختص بالأناجيل وهو: من أين استقى كُتاب الأناجيل معلوماتهم، وما الذي عملوه بها؟ وللوهلة الأولى قد يبدو هذا سؤالاً خارجاً إلى حد ما عن الموضوع، أو نوعاً من تسلق قمة جبل إفرست بالنسبة للاهوتي، يجب عليه قهرها لا لشيء سوى أنها موجودة. لكنه سؤال مفيد يؤدي إلى فهم مقنع لطبيعة الأناجيل. فتتبع مصادر كاتب ما وفحص أسلوبه في استخدامها يمكن أن يشكل جزءًا هاماً لفهم ما يقوله.
فإذا كنا نعرف ما يعلمه، فبإمكاننا أن نفهم وبوضوح أكثر، ما الذي يهدف إليه. وإذا أسأنا فهم طريقته، فمن المحتمل تماماً أننا سنفشل في فهم رسالته الأساسية.
وبالنظر إلى أنه من المؤكد أن الأناجيل قد كتبت في سياق كرازة الكنيسة الأولى، فلنا أن نتوقع وجود بعض إلماحات إلى أصلها، وذلك بفحص رسالة الكنيسة. وهذا ما يتضمن بالضرورة ثلاثة موضوعات رئيسية، أولاً: الإنجيل المسيحي مرتبط بالمواعيد المذكورة في العهد القديم. ثانياً: سلسلة من الأقوال عن يسوع المسيح وأهميته. وأخيراً: كانت هناك دعوة للناس أن يتوبوا أو يقبلوا الرسالة.
نصوص العهد القديم
بدأت الرسالة بالقول إن المواعيد التي تضمنها العهد القديم قد تحققت في حياة يسوع المسيح. وفي ملخصات العهد الجديد لهذه الكرازة، كثيراً ما يقدم هذا القول بطريقة عامة إلى حد ما. إلا أنه في مواقف الحياة الواقعية لا بد وأنه كان إعلاناً جاء أكثر وضوحاً. فأي شخص ملم بالعهد القديم لن يقتنع إلا بعد أن يعرف تماماً ما هي النبوات التي كان من المفترض أن تتم بالمسيح. ونعرف من دليل آخر من بين الأعمال المفضلة لدى اليهود هي جمع قوائم لفقرات العهد القديم التي سيتممها المسيا حين يأتي.
وعلى سبيل المثال نجد أن أهل قمران كانوا يحتفظون بمثل هذه القوائم، وهكذا فعلت جماعات يهودية أخرى. وهذه القوائم يشير إليها العلماء عادة بكلمة “شهادات”.
وهناك عدد من الإشارات في العهد الجديد بأن قوائم النصوص هذه كان المسيحيون يستعملونها بشكل منتظم منذ البداية. فنجد في إنجيلي متى ويوحنا كثيراً من نصوص العهد القديم قد ذكرت للاستشهاد بها، مع إشارة إلى أنها تحققت في حدث معين في حياة يسوع المسيح. ومع ذلك ومما هو لافت للنظر أنهما بالكاد يستعملان نفس الفقرات. ولعل ذلك يرجع إلى أنهما كانا يستعملان مجموعات مختلفة من الشهادات.
كذلك في بعض رسائل بولس، نجد أيضاً نصوصاً من العهد القديم جمعت معاً في فقرات متصلة فيما يبدو أنها جاءت عشوائية، ومن المعقول أن نعتقد أن بولس وجدها أساساً وهي مجمعة معاً تحت نفس العنوان في مجموعة نصوص العهد القديم الخاص به. ولعل جمع هذه النصوص من العهد القديم كان من أوائل النشاط الأدبي للكنيسة المسيحية. فقد كانت من أجل تسهيل عمل الكارزين المسيحين، حتى يكون بمقدورهم أن يستشهدوا بنماذج معينة منها لدعم أقوالهم بأن يسوع المسيح أكمل مواعيد العهد القديم الخاصة بالمسيا.
كلمات يسوع
إن العنصر الرئيسي في الكرازة Kyrgma هو سلسلة الأقوال التي ذكرت عن يسوع المسيح نفسه. ومن المؤكد أنه في الأيام الأولى من وجود الكنيسة لم يكن من المستطاع إعلان الرسالة إلا بإشارة عابرة إلى حياة المسيح وتعليمه. ذلك أن معظم المسيحيين كانوا أصلاً من اليهود، وكانت الكنيسة لا تزال شيعة محلية فلسطينية، ولا بد أن كثيرين في فلسطين قد عرفوا شيئاً عن المسيح، مهما كان قليلاً.
إلا أنه لم يمر وقت طويل إلا وكان المرسلون المسيحيون ينتشرون في أماكن خارج فلسطين، حاملين تعليمهم إلى أجزاء الإمبراطورية الرومانية حيث لم يكن أحد يعرف شيئاً عن يسوع. ولا بد أنه كان من الضروري في هذه المرحلة، بالنسبة للكارزين بالأخبار السارة أن يضمنوا رسالتهم بعض المعلومات الحقيقية عن يسوع المسيح نفسه، حتى وإن اقتصرت على أحداث موته وقيامته.
وما أن يصبح الناس مسيحيين إلى ويحتاجون إلى تعليم بخصوص إيمانهم الجديد. وهذا التعليم يتضمن معلومات عن المعتقدات المسيحية، وكذلك نصيحة عن السلوك المسيحي من النوعية التي كثيراً ما نجدها في رسائل العهد الجديد. ومن مصادر هذا التعليم الواضحة والهامة لا بد وأن تكون الأقوال التي يذكرون أن يسوع المسيح نفسه قالها. وليس من الضروري أن تقدم هذه كمعلومات عن يسوع، وهذا ما نستطيع معرفته من نصيحة بولس إلى أهل رومية (12-13). فالكثير مما يقوله قريب جداً من تعليم يسوع المسيح في العظة على الجبل حتى أنه من الصعب الاعتقاد أن الاثنين لم يستندا إلى نفس المصدر.
ومع ذلك لم يقل بولس مطلقاً إن نصيحته مستمدة من تعليم المسيح نفسه. وهناك أجزاء أخرى من كتابات بولس تبين أيضاً أن تقاليد تعاليم يسوع المسيح كانت معروفة لدى كنائس الأمميين الأولى[6]. لذلك فمن المحتمل جداً أنه قبل كتابة الأناجيل بصورتها الحالية بوقت طويل كانت أقوال يسوع المسيح قد جمعت معاً كدليل لإرشاد المعلمين في الكنيسة الأولى. ولا شك أنه كان هناك عدد من مجموعات تعليم يسوع المسيح هذه، عملت لأغراض ومناسبات مختلفة في حياة الكنيسة، والدارسون كثيراً من يطلقون على هذه المجموعات كلمة “Logia” أي أقوال السيد المسيح.
وعلاوة على الاعتبارات العامة السابق ذكرها، هناك العديد من المبررات الأساسية الهامة للاعتقاد بأن هذه كانت من أول أنماط الكتابة المسيحية عن يسوع المسيح.
ç ونعرف أنه كانت توجد مجموعات لاحقة من هذه النوعية، حتى بعد كتابة أناجيل العهد الجديد بفترة طويلة. وهناك عدد من قصاصات البرديات التي يعود تاريخها إلى القرن الثالث الميلادي، والتي وجدت في البهنسا في مصر، تحتوي على أقوال للمسيح، بعضها مختلف عن تلك الموجودة في الأناجيل.
وقد وجد كتاب كامل لمثل هذه الأقوال مكتوب باللغة القبطية تم العثور عليه في مصر. وقد عرف باسم “إنجيل توما”. وهو يحتوي على أقوال للمسيح ليست موجودة في العهد الجديد، ومع ذلك قد تكون حقيقية. ومع هذا وسواء كانت حقيقية أم لا، فإن هذه الوثائق لا تظهر بوضوح تام أنه كان من عادة الكنيسة الأولى أن تعمل هذه المجموعات الخاصة بأقوال السيد المسيح.
ç وفي الفترة 130-140م، كتب بابياس أسقف هيرابوليس، Papias the bishop of Hierapolis كتاب “شرح أقوال الرب” من خمسة أجزاء. ومع أن معظم هذا الكتاب مفقود الآن، إلا أنه لدينا بالفعل قصاصات قليلة منه على شكل مقتبسات وردت في كتابات أناس آخرين. وإذا كتب بابياس عن “متى قال إنه جمع أقوال المسيح “Logia” باللغة العبرية، وكل واحد فسرها بحسب ما استطاع. والمقصود بهذا القول على وجه الدقة أمر غير مؤكد، لكن معظم الباحثين يعتقدون أن اللوجيا “أقوال يسوع المسيح ” التي يشير إليها هي مجموعة من أقوال المسيح وليست السفر الذي نعرفه باسم “إنجيل متى”.
ç تنظيم المادة في الأناجيل كثيراً ما تشير إلى أن أقوال يسوع المسيح جمعت معاً قبل أن توضع في سياقها الحالي. وهناك مجموعات كثيرة من الأقوال بينها الصلة ضعيفة، ولا تشكل أي حجة مترابطة منطقياً. على سبيل المثال الأقوال عن الملح في إنجيل مرقص، تبدو في الواقع مختلفة تماماً بعضها عن بعض، ولعلها جمعت معاً لمجرد أنها كلها تذكر الملح[7].
ç ثم أمامنا العظة على الجبل بكاملها[8]. ولو حاول أي شخص في أي عصر أن يكتشف حجة الموعظة سيدرك استحالة المهمة، لأنها لا تتضمن حجة مترابطة منطقية. وما لدينا هو مجموعة تعاليم للمسيح جمعت معاً لأنها كلها تتناول مجموعات أخلاقية. ولكنها لا تتواصل بنفس الطريقة التي يتوقع أن تكون عليها العظة الحديثة. وطبقاً لما يقوله بروفسور جيرمياس Jeremias، أن السبب في ذلك يرجع إلى أن العظة في الأصل كانت تشكل مجموعة من أقوال يسوع المسيح، نظمت على هذا النحو لكي تكون سهلة التناول بالنسبة للمنضمين حديثاً في الإيمان المسيحي.
ç وهناك سبب قوي لافتراض وجود مجموعات من أقوال يسوع المسيح في وقت مبكر من تاريخ الكنيسة، يتمثل في حقيقة أنه كان لدى متى ولوقا كمية كبيرة من المادة المشتركة بين إنجيل كل منهما، ولكنها لا توجد إطلاقاً في إنجيل مرقص[9]. وتكاد هذه المادة تتكون في جملتها من تعاليم يسوع، ولكنها تتضمن أيضاً قصة عماده[10]. كما تتضمن التجربة وقصة معجزة واحدة هي شفاء عبد قائد المئة[11]. والتفسير العام المقبول لهذه المادة المشتركة هو أن متى ولوقا، استعمل كلاهما نفس مجموعة أقوال يسوع وأدمجها كل منهما في إنجيله[12].
والمفسرون يطلقون على هذه الأقوال المصدر (َQ). وربما كانت وثيقة مكتوبة، أو ربما تكون مجموعة من التقاليد الشفهية. ومن المؤكد أن وجودها في شكل ما أمر حقيقي، ولا سيما أن محتوياته تشابه إلى حد كبير مجموعات الأقوال النبوية التي نجدها في العهد القديم. وإلى جانب كلمات النبي التي تجمع معاً ويقوم تلاميذه بتحريرها، فإن الأسفار النبوية كثيراً ما تتضمن أيضاً رواية عن دعوة النبي، وحدثاً أو اثنين من الأحداث البارزة في حياته.
وهذا هو بالضبط ما نجده في التقليد المسمى (Q). فنجد قصة معمودية المسيح وتجربته في البرية (اللتان يمكن القول إنهما بمثابة دعوته)، كما نجد توضيحاً لأكثر أنشطته النمطية: معجزة وشفاء. إلا أن التأكيد الرئيسي إنما يكون على تعليمه.
وبناء على الدليل الذي تم جمعه حتى الآن، بوسعنا الاستنتاج انه من بداية وجود الكنيسة كان اهتمامها الرئيسي منصباً على نوعيتين من الكتابة هما: الشهادة Testimonia وأقوال يسوع المسيح Logia. ولعلهم أيضاً كان لديهم مخطط مشترك متفق عليه بالنسبة لمجرة حياة المسيح وتعليمه. إلا أنه قبل وقت طويل بدأت تبرز الحاجة إلى ضرورة جمع كل هذه المادة معاً في صورة تقبل الاستمراربة بشكل أكثر. وهذه العملية لم تتم بالطبع بين عشية وضحاها.
والواقع أنها ربما لم تكن في الحقيقة منفصلة على الإطلاق، بل كانت مجرد توسع وإكمال للعمل الذي سبق أن بدأ بعمل مجموعات من “الشهادة” و”أقوال يسوع”. غير أن المحصلة النهائية تمثلت في الوثائق الأربع التي نعرفها الآن بأسماء: إنجيل متى وإنجيل مرقص، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا.
وضع الأناجيل معاً
الأناجيل الثلاثة الأولى تسمى “المتشابهة Synoptics” لأنها تتشابه إلى حد كبير، والطريقة ذاتها التي حول الكتبة بها “أقوال يسوع” إلى أناجيل هي أساس مشكلة التشابه Synoptic Problem”.
وهذه الأناجيل في الواقع ما هي إلا ثلاث طبعات مختلفة لنفس المادة الأساسية تقريباً. وكثير من هذه التشابهات يمكن بالطبع تفسيره بافتراض أن هؤلاء الإنجيلين كانوا يستعملون نفس مجموعة الأقوال التي كانت متداولة بين مجموعة مختلفة من المسيحيين. ولكن التشابهات أكثر من ذلك تعقيداً، لأنه توجد أمثلة كثيرة جداً، حيث استعملت الأناجيل الثلاثة نفس اللغة بعينها من حيث المفردات اللغوية والتركيبات النحوية، الأمر الذي حمل معظم الباحثين على الاعتقاد بأنه لا بد وأنهم كانوا يستعملون نفس المصادر المكتوبة.
أما التفسير الذي قيل بوجه عام فيما يتعلق بهذه التشابهات فيتمثل في “نظرية المصدرين” والتي تفترض أن متى ولوقا استخدما نفس وثائق المصدرين في كتابة قصتيهما عن حياة يسوع المسيح وتعليمه. وكانت هذه هي المصادر التي نعرفها الآن بإنجيل مرقص والمصدر المفترض (Q). ومن المؤكد بالطبع، أن لوقا على الأٌقل استخدم مصادر متنوعة في كتابة إنجيله، ذلك لأنه يقول صراحة إنه فحص عمل أناس آخرين، واختار منها تلك الأجزاء التي كانت تناسب هدفه من الكتابة. وعلى ضوء العلاقات الأدبية الوثيقة بإنجيلي مرقص ولوقا، يبدو أن متى استخدم نفس الأسلوب في كتابة إنجيله.
وإذ توصل الباحثون إلى استنتاج أن متى ولوقا استخدما إنجيل مرقص كمصدر لهما، فقد حللوا نص الأناجيل الثلاثة المتشابهة مستخدمين على الأقل خمس معايير مختلفة:
ç الصياغة: مقارنة الكلمات المستخدمة في نصوص مختلفة تعد طريقة بسيطة جداً لتحديد العلاقة الأدبية بينها. وأكثر من نصف المفردات اللغوية المستخدمة فعلاً في إنجيل مرقص، نجدها متضمنة في إنجيلي متى ولوقا، وكلاهما يحتويان على أجزاء متطابقة لا نجدها في إنجيل مرقص. ولذا فإنه من الواضح أنه كان هناك مصدر واحد معروف لهم جميعاً، كما أن هناك مصدر واحد استخدمه متى ولوقا فقط.
ç الترتيب: إذا اتفقت ترتيب أحداث في قصة موجودة في أكثر من إنجيل واتفقت الأجزاء التي بها نفس الصياغة، نستطيع أن نخطو خطوة إلى الأمام ونفترض وجود مصدر مشترك اتبع ترتيبه واستخدمت كلماته بواسطة الإنجيليين الثلاثة جميعاً. وهنا أيضاً يوجد دليل كاف على هذا. فإن متى ومرقص ولوقا اتبعوا كلهم نفس الترتيب العام للأحداث. فهم يبدأون بخدمة يوحنا المعمدان، ثم ينتقلون إلى الحديث عن معمودية المسيح وتجربته في البرية.
بعد هذا تأتي خدمة عمل المعجزات والتعليم في الجليل، والتي بدأت تثير مقاومة من الرؤساء اليهود. ثم يقوم المسيح برحلات صوب الشمال ليعطي تعليماً لتلاميذه على انفراد. وأخيراً يتوجهون إلى أورشليم، ونجد قصة أيامه الأخيرة هناك، محاكمته، صلبه، ثم قيامته.
وفي هذا الإطار العام، هناك أحداث معينة سجلت أيضاً في كثير من الأحيان بنفس الترتيب.
وسمة الأناجيل المتشابهة هذه، تتضح على أفضل نحو إذا افترضنا أن إنجيلي متى ولوقا كانا يستخدمان إنجيل مرقص، كمصدر لهما وليس العكس. لأنه مما يلفت النظر أنه حين يخرج متى عن نهج نظام مرقص، نجد أن لوقا يحتفظ بنفس ترتيب مرقص، وحين يخرج لوقا عن نظام مرقص، نجد أن متى يتبع نهج مرقص. وهناك حدث واحد يضعه كل منهما بنظام يختلف عن ترتيب مرقص وهو: تعيين الاثني عشر[13].
فأحياناً يتخلى متى أو لوقا عن نمط قصة مرقص كي يضيف شيئاً جديداً[14]، غير أنهما بعد هذه الإضافة يعودان إلى النقطة التي في إنجيل مرقص، والتي كانا قد توقفا عندها[15]. وهذه من أقوى الدعامات التي تدعم الاعتقاد أن متى ولوقا استخدما إنجيل مرقص وليس العكس.
ç المحتويات: تحليل محتويات القصص كشف أيضاً عن استخدام مصادر مختلفة. فإذا سجل أحد الكتبة نفس القصة بنفس الكلمات والترتيب الذي استخدمهما كاتب آخر، فإنه يكون بوسعنا افتراض إما أن أحدهما استخدم عمل الآخر، وهذا ما حدث بالنسبة للأناجيل المتشابهة، فمن بين 661 آية الموجودة في إنجيل مرقص، نجد في متى منها 606 آيات بنفس صيغتها، ونصفها أيضاً نجده في إنجيل لوقا.
ç الأسلوب: هذا معيار صعب جداً من ناحية استعماله بطريقة مرئية، فأسلوب الكاتب يمكن أن يعتمد على أمور كثيرة، ومنها الوضع الذي يكتب أثناءه، والقراء الذين يقصدهم، وما إذا كان يستخدم سكرتيراً أم لا، وهكذا.
ومن المؤكد أن هناك اختلافات بارزة في الأسلوب بين مرقص والإنجيلين المتشابهين الآخرين. وإنجيل مرقص، على وجه العموم، كتب بلغة يونانية أقل مستوى من اللغة التي كتب بها الإنجيلان الآخران. على سبيل المثال، تراه كثيراً ما يصف الأحداث بالفعل المضارع التاريخي (يستخدم الفعل الحاضر للحديث عن شيء وقع في الماضي). ومع ذلك نجد أن متى ولوقا يستخدمان دائماً الفعل الماضي، وهذه بالطبع هي الصيغة الأدبية الصحيحة.
وكثيراً ما ثار الجدل بأن هذا الاختلاف يبين أن متى ولوقا كانا يستخدمان إنجيل مرقص – وليس العكس – وهي حقيقة مؤكدة أنه إذا كان مرقص قد اطلع على إنجيلي متى ولوقا لكان يعد أمراً شاذاً للغاية أن يقوم بتغير قواعد النحو الجيدة بأخرى رديئة.
ولكن هذه الحجة تعتمد على افتراض أن الإنجيليين استخدموا مصادرهم بطريقة خرقاء، حيث كانوا ببساطة ينقلون النص كلمة كلمة. غير أنه ليس هناك باحثون كثيرون ممن يتبعون مصدراً بحذافيره بحيث يسمحوا لأسلوبه بأن يعتم على أسلوبهم. وإذا كان مرقص ضعيف الكتابة باليونانية، فإن قواعد لغته المستعملة ستكون رديئة سواء كان ينقل عن مصدر آخر أم لا.
ولسوف نكون على صواب حقاً حين نلاحظ أنه في ثمان حالات سجل فيها مرقص أقوالاً للمسيح باللغة الآرامية، لا نجد لها مثيلاً في لوقا. ولا نجد سوى مثالاً واحداً لها في متى. والاحتمال الأكيد هو أن متى ولوقا حذفا الأقوال الآرامية، إلا أن مرقص تعمد ذكرها.
ç الأفكار واللاهوت: إذا أمكن بيان أن قصة أحد الأناجيل تتضمن فكراً لاهوتياً أكثر تطوراً من قصة أخرى، هنا يبدو من المعقول النظر إليها على أنها أحدث الاثنين. ويبدو هذا اختباراً بسيطاً، غير أنه من السهل تطبيقه من الناحية العملية، فكثيراً ما يكون من الصعب التأكد من أن ما يبدو أنه اختلاف في الوضع يكون بالفعل اختلافاً حقيقياً. وعلى أي حال، من الذي يحدد ما هو “فكر لاهوتي متطور”، وكيف لنا أن نكون واثقين أن هذا لا بد وأن ينتمي إلى وقت لاحق ولا يرجع إلى نظرة “أولية”؟
وحين نتذكر أن فكر بولس المتطور بدرجة عالية، كان موجوداً بالتأكيد في الوقت الذي كانت تتشكل فيه الأناجيل، وهنا يكون بوسعنا أن ندرك أن تحديد مثل هذه الاختلافات، وعلاقة ترتيبها الزمني بعضها ببعض، لا بد وأن يكون أمراً موضوعياً للغاية.
وهناك بالطبع عدد من التأكيدات المختلفة في الأناجيل. إلا أنه من الصعوبة أن نعرف على وجه اليقين ما هي أهميتها من ناحية كتابة الأناجيل. فعلى سبيل المثال، يبدو أن متى ولوقا عدلاً أو حذفاً أقوالاً معينة جاءت في إنجيل مرقص يمكن الاعتقاد أنها تشين يسوع. فقول مرقص الفظ إن المسيح في الناصرة: “لم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة”[16]، جاء في متى على هذا النحو: “ولم يصنع هناك قوات كثيرة”[17]، أما لوقا فقد حذف هذا القول بجملته.
ونفس الشيء يقال عن سؤال المسيح في إنجيل مرقص: “لماذا تدعوني صالحاً”[18]، جاء في متى على النحو التالي: “لماذا تسألني عن الصالح”[19]، بحسب إحدى الترجمات.
وهذه النقاط الخمس ليست جميعها على نفس القدر من الأهمية. فهناك صعبات في تقدير قيمة الاثنتين منها على الأقل. ولكنها إذا أُخذت معاً فإن محصلة الدليل الذي تشكله يمكن تفسيره بسهولة إذا افترضنا أن متى ولوقا استخدما قصة مرقص، إلا أن متى كان الإنجيل الأساسي الذي لخصه مرقص والذي اختار منه لوقا بعض المقتطفات.
مصدران أم أربعة
وما ذكر حتى الآن عن الطريقة التي يمكن أن تكون الأناجيل قد كتبت بها يمكن أخذه على أنه تقريباً الرأي الذي اتفق عليه باحثو العهد الجديد بشكل عام. وعلى الرغم من أنه قد توجد نقاط اختلاف بالنسبة للتفاصيل، إلا أن أغلبية من الخبراء اتفقوا على الخطوط العريضة للحقائق.
وبالإضافة إلى فكرة أن الأناجيل المتشابهة تعتمد بصفة أساسية على مصدرين: إنجيل مرقص والمصدر (Q) فقد قيل إن هذين لم يكونا المصدرين الوحيدين اللذين اعتمدت عليهما أناجيلنا. وكان “ستريتر B. H. Streeter” هو أول دارس بريطاني يقدم الحجج، على أن متى ولوقا استخدم كلاهما إنجيل مرقص، ولكنه ذهب إلى أبعد من ذلك، وقال إنه لكي نفهم كل تفاصيل الأناجيل (المتشابهة) فنحن في حاجة إلى نظرية أكثر دقة، لا تتناول مصدرين فحسب بل أربعة مصادر أساسية.
فإلى جانب إنجيل مرقص والمصدر (Q) حدد مصدرين أطلق عليها الحرفين (M) و(L). والواقع أن هذه المادة هي ببساطة ما تبقى من قصص متى ولوقا بعد استبعاد المادة من مرقص ومادة المصدر (Q). غير أن “ستريتر” قال إن مجموعتي المواد هذه كانت هي نفسها تشكل مصدرين منفصلين ولكن مترابطين منطقياً، ومن أصل مستقل.
مسودة لوقا
يبدأ “ستريتر” ملاحظاته من حقيقة أنه يبدو أن متى ولوقا استعملا إنجيل مرقص بطرق مختلفة، فمتى اتبع بشكل دقيق ترتيب إنجيل مرقص وإطاره العام، مع أنه في ذات الوقت كثيراً ما كان يعيد كتابة المادة الفعلية، وغالباً ما كان يوجز المادة المأخوذة من إنجيل مرقص لإفساح المجال لمزيد من المعلومات الإضافية. كان من شأن ذلك أن إنجيل متى بدا بالأحرى مثل طبعة جديدة ومبكرة من إنجيل مرقص. أما بالنسبة للوقا فكان الأمر مختلفاً. ففي حين أن متى انتفع تقريباً بك المادة الموجودة في إنجيل مرقص، نجد أن إنجيل لوقا لا يحتوي إلا على نص مادة إنجيل مرقص.
والأكثر من هذا أن “ستريتر” اكتشف أنه إذا ما نحينا جانباً كل المادة المأخوذة من مرقص من إنجيل متى نجد أن المادة المتبقية غير مترابطة، وينهار السفر إلى قطع متناثرة. ولكننا إذا فعلنا الشيء نفسه بإنجيل لوقا، فلسوف تبقى لنا قصة معقولة متماسكة ومتواصلة. وهذا ينطبق بصفة خاصة على القصص المتعلقة بموت يسوع وقيامته في إنجيل لوقا، والتي يبدو أنها دعمت بمعلومات من إنجيل مرقص، ولم تتخذ قصة مرقص أساساً لها.
ولذلك يرى “ستريتر” أنه قبل أن يكتب إنجيل مرقص كان لوقا قد كتب مسودة أولى لإنجيله، تقوم على أساس مجموعة الأقوال التي تضمنها المصدر (Q)، والمادة التي أطلق عليها الحرف (L) والتي تعلمها من الكنيسة في قيصرية حيث أقام بها حينما كان بولس في السجن (أع 23: 23 – 27: 2).
وأطلق “ستريتر” على هذه المسودة الأولى للإنجيل “مسودة لوقا Porto-Luke”، وقال إنه حين كان لوقا مقيماً في روما في تاريخ لاحق بعد ذلك بقليل، تعرف على إنجيل مرقص الذي كان قد كتب في السنوات التي تخللت ذلك، وقد ضمن مقتطفات منه في مسودة إنجيله التي كانت موجودة معه بالفعل، والتي أطلقنا عليها “مسودة لوقا”. وفي الوقت ذاته، ربما كان قد أضاف أيضاً المقدمة (لوقا 1: 1-4) وقصص ميلاد المسيح في الأصحاحين الأول والثاني.
وهناك عدد من الحقائق تتناسب تماماً وهذه النظرية. فعلى سبيل المثال، كثيراً ما يذكر لوقا قصة مختلفة تماماً عن نص القصة الموجودة في إنجيل مرقص. فقصة رفض يسوع في الناصرة تعد مثالاً طيباً لذلك (مرقص 6: 1-6؛ لوقا 4: 16-30). ومن الواضح أن الإنجيلين كليهما يذكران نفس الحدث، غير أن قصة لوقا أكمل بكثير ومن ثم فمن الواضح أنه لا بد وأن يكون قد استخدم مصدراً مختلفاً للمعلومات التي ذكرها.
ثم إن هناك الطريقة التي وضعت بها أقسام صغيرة من قصة مرقص وبنفس ألفاظها تقريباً في وسط مادة أخرى في إنجيل لوقا، وتظهر كما لو أنها وضعت في وقت لاحق تقريباً، ومما يلفت الانتباه أيضاً أن كماً كبيراً من المعلومات التي تضمنها إنجيل مرقص محذوفة بكل بساطة في لوقا.
وينادي “ستريتر” بأنه إذا كان لوقا قد عرف بأمر عمل مرقص حين قام بعمل أول مسودة لإنجيله، لكان قد أضاف إليها المزيد من مادة مرقص. كذلك كثيراً ما لوحظ أن إنجيل لوقا يبدو وكأن له بدايتين. هناك بدايته الحالية (1: 1-4)، ولكن بعد قصص ميلاد يسوع، يبدو أنه يبدأ من جديد في (3: 1) مع تأريخ لوقا بحرص لخدمة يسوع، التي اتبعها بقائمة أسلافه في (3: 23-38). ويوضح “ستريتر” هذه السمة غير الطبيعية بافتراضه أن (3: 1) كان يشكل البداية الأصلية “لمسودة لوقا”، التي استهلها لوقا بعد ذلك بما يعرف الآن بالأصحاحين 1، 2 من إنجيله.
وأهمية نظرية “ستريتر” فيما يتعلق بالطريقة التي كتب بها لوقا إنجيله تكمن في حقيقة أنه إذا كان هناك بالفعل ما يسمى بمسودة لوقا فإنها ستشكل مصدراً مبكراً مستقلاً آخر لمعرفتنا لحياة يسوع وتعليمه. ومع ذلك فإن هذا لم يلق ما يشبه الموافقة الشاملة على الرغم من أن الكتاب المعاصرين قبلوا وجهة النظر هذه بشكل آو بآخر.
ولعل من أضعف النقاط في هذا الاقتراح هو ما افترضه عن طبيعة تقاليد الإنجيل في الكنيسة الأولى. ذلك أن “ستريتر” افترض أننا نتعامل مع عملية أدبية محددة على وجه حسن. وهو يميل إلى النظر إلى الإنجيلين كمحرري صحف، وقد جلسوا وأمامهم عدداً من المصادر المكتوبة يستخرجون منها أجزاء عديدة من الوثائق المختلفة.
وكان هذا يشكل مفهوماً شعبياً في الوقت الذي كتب فيه “ستريتر” اقتراحه (1924)، وكان يطبق على نطاق واسع على دراسة العهدين القديم والجديد، غير أن البحث اللاحق أثبت أن هذا تبسيط مفرط للموضوع، وربما كان لوقا على معرفة بالمادة المأخوذة من مرقص، ولكن ليس من خلال إنجيل مرقص بشكله الحالي.
وهذا أيضاً يشكل نقطة ضعف في اقتراحات أخرى قدمها “ستريتر”، فقد جادل ليس فقط في أنه يمكن تعريف أربعة مصادر تشكل خلفية للأناجيل المتشابهة، بل قال أيضاً إن كل منها قامت بتقديم تقاليد حياة يسوع وتعاليمه، كما حفظت في الأماكن الأربعة الأكثر أهمية في المسيحية الأولى: مرقص كُتب في روما، المصدر (Q) كُتب في أنطاكية، المصدر (M) في أورشليم، والمصدر (L) في قيصرية. ومع ذلك، هناك عدد من الصعاب التي تكتنف هذا الرأي.
افترض “ستريتر” أن المصدرين L وM مصدرين مترابطين منطقياً. ولكن هذا الأمر يصعب التمسك به. فحين أبعدت المادة المرقصة، ومادة المصدر (Q) من إنجيل متى، فما تبقى لم يشكل مجموعة مترابطة بأي شكل كان. ونفس الشيء يقال وبدرجة أقل عن المصدر (L)، والذي هو عبارة عن إنجيل لوقا بعد استبعاد مادة المصدر (Q) والمادة المأخوذة من مرقص.
يبدو أن هذه النظرية تفترض نوعاً من التعاقب الخطي في تطور الأناجيل، والذي بواسطته تقدم التقاليد من أشكال بدائية تقريباً إلى جمع أناجيلنا الأربعة الحالية بتطور أدبي خالص.
إلا أنه أصبح من المعروف الآن وعلى نطاق واسع، أنه ليس بوسعنا أن نتحدث بعد بثقة كبيرة عن هذه النوعية من التطور من قصص بدائية إلى قصص أكثر حنكة.
أضواء جديدة على مشاكل قديمة
ربي والهي – هل آمن توما بلاهوت المسيح حينما قال ربي والهي؟ Trent Horn
كثير من تركيز الدارسين للعهد الجديد الآن ينصب على هجر فكرة التحليل الآلي للأناجيل. ومع أن نظرية المصدرين الخاصة بأصل الإنجيل لا تزال مقبولة على نطاق واسع، إلا أن عدداً من الأسئلة الجديدة بدأ يطرح الآن على الساحة، بعضها قد يكون له تأثير حاسم على فهمنا للطريقة التي تم كتابة العهد الجديد بها.
وبين آونة وأخرى يتواصل طرح الأسئلة حول نظرية المصدرين نفسها، هل كان إنجيل مرقص فعلاً أول ما كتب من الأناجيل؟ وهل من الضروري حقاً افتراض أن المصدر (Q) يمثل مجموعة محددة من أقوال يسوع، أم أنها مجرد مجموعة غير مترابطة من التقاليد التي كانت معروفة لكل من متى ولوقا؟ وبالنظر إلى قوة الدليل لكل من أسبقية المادة المأخوذة من مرقص، والشكل الثابت لمصدر (Q)، فالأمر يتطلب حججاً قوية جداً لدحض وجهة النظر العامة.
والتشابهات اللفظية واللغوية الوثيقة بين الأناجيل المتشابهة الثلاث يبدو أنها تتطلب أن يكون إنجيل مرقص هو الأول، وأن المصدر (Q) له شكل ثابت تقريباً. وإذا تقبلنا الاقتراح القائل أن المصدر (Q) له شكل مماثل لشكل الكتابة النبوية في العهد القديم، إذاً لا بد وأن شكله كان له مادة مكتوبة أيضاً.
والفكرة الأقدم الخاصة بتطور خطى من الشهادة Testimonia وأقوال يسوع Logia والكرازة Kerygma إلى إنجيل تام، أصبحت الآن مصدر تساؤل. وما نعرفه عن الكنائس الأولى يوحي أنها كانت في الغالب مستقلة عن بعضها البعض. ولذلك فإن الكنائس في مختلف أنحاء الإمبراطورية الرومانية، كانت تتطور بحسب قدرتها، ومن المحتمل تماماً أن المسيحيين في المواقع الجغرافية المختلفة لن يكونوا في نفس مرحلة التطور في ذات الوقت.
وهذا معناه أنه ليس واقعياً افتراض أنه في مختلف التقاليد عن يسوع كانت هناك فترة كان كل الاهتمام فيها مركزاً على جمع أقوال يسوع، وأن هذه الفترة اتبعت بعد ذلك بفترة نشاط أدبي مكثف تم كتابة الأناجيل أثناءها. ومن المحتمل أن نمط المعلومات المعروفة عن يسوع الآن في أية كنيسة، كان يختلف بحسب احتياجات كل كنيسة على حدة.
وكان لذلك تأثير هام على موضوع تحديد تاريخ الأناجيل. وإذا كانت هناك ضرورة لافتراض تاريخ طويل للتطور من اللوجيا (أقوال يسوع) إلى الإنجيل، هنا يجب أن نأخذ في الاعتبار وقتاً لهذا عند تحديدنا تواريخ الأناجيل. ولكن إذا كانت أقوال يسوع والإنجيل كلاهما تكون في نفس الوقت، لمواجهة متطلبات الكنائس المختلفة، هنا لا يكون هناك سبب يحول دون نسبة تاريخ الأناجيل سابق إلى حد ما عن التواريخ المعتادة.
وثمة نقطة أخرى أثيرت فيما يتعلق “بالتطور اللاهوتي”، الذي يقول البعض إنه يمكن تتبعه في الأناجيل. ولقد أشار د. جون روبنسون Dr. John Robinson في كتابه “إعادة تحديد تواريخ العهد الجديد” أن الفكر اللاهوتي المصقول لا يشير بالضرورة إلى تاريخ أقدم بأكثر مما يشير إلى ذلك الفكر اللاهوتي البدائي.
وعلى سبيل المثال، فإن إنجيل مرقص بلا شك أقل تعقيداً من إنجيل يوحنا، وكان هذا من بين الأسباب (وليس بالطبع السبب الوحيد) التي تم الاستناد إليها في نسبة تاريخ قديم بصفة عامة إلى إنجيل مرقص، واعتبار يوحنا آخر الأناجيل. ولكن هذا يتطلب بالطبع تقدماً متطوراً مباشراً بالنسبة لكل الأناجيل.
ومع ذلك، فإنه إذا ما كانت الأناجيل المختلفة قد كتبت لخدمة احتياجات كنائس مستقلة وفي أماكن مختلفة، فليس من العسير أن الكنائس ذات الفكر اللاهوتي البدائي لابد وأنها كانت موجودة في ذات الوقت إلى جانب كنائس ذات عقيدة راسخة، وعلى هذا فإن تطور الفكر اللاهوتي، لا يشكل بالضرورة مفهوماً نافعاً للغاية في دراسة الأناجيل المتوافرة لنا الآن.
ولذلك يوجد عدد من الأسئلة الجديدة التي طرحت عن الأناجيل في أيامنا هذه، وهو من نوعية أصعب إلى حد ما عن تلك التي طرحتها الأجيال الأولى. فقد صار من المعترف به على نطاق واسع الآن، بغض النظر عن الجهة التي استقيت منها المعلومات، فإن كل إنجيلي كتب ما هو بالضرورة عمل أصلي، مميز من نواح هامة عن عمل أي من الآخرين، وكثير من اهتمامنا مركز الآن على “ما” كان الإنجيليون يعملون، وليس على معرفة كيف كانوا يعملونه. وهذا سؤال يتطلب إجابة لاهوتية لدعم الاكتشافات الأولى لنقاد الأدب.
نقاد الصيغ
ما أن قبلت نظرية المصدرين على نطاق واسع باعتبارها أكثر التفسيرات احتمالاً بالنسبة “للصناع” المختصين بكتابة الإنجيل، إلا وانهالت سلسلة عريضة من الأسئلة الجديدة، لأن عزل المصادر المختلفة التي كان يستخدمها الإنجيليون في كتابة قصصهم عن حياة يسوع وتعليمه، لم يجب إلا على السؤال: من أين جاءت الأناجيل؟ إلا أنه هناك سؤال آخر: من أين جاءت مصادرهم؟ وماذا كان يحدث للتقاليد التي كانت تتحدث عن يسوع خلال الفترة بين موته وقيامته، وحفظها كتابة في الأناجيل؟
لقد خطرت هذه الأسئلة على فكر بعض الباحثين في ألمانيا حتى قبل أن ينشر “ستريتر” كتابه العظيم عن مصادر الإنجيل.
وفي محاولتهم الإجابة عليها، استخدموا طريقة جديدة لتحليل أسفار الكتاب المقدس وأطلقوا عليها عبارة “تاريخ الصيغ” إلا أنه يشار إليها عادة في اللغة الإنجليزية بعبارة “نقاد الصيغ”. تم تطبيق هذا الأسلوب أولاً على العهد القديم بواسطة هيرمان جونكل Herman Gunked وهو مفكر ألماني، وعلى الرغم من أن بعض باحثي العهد الجديد البارزين كانوا الأسرع في معرفة مناسبته لدراسة الأناجيل. وكان أشهر هؤلاء ك. ل. شميدت K. L. Schmidt، م. ديبليوس M. Dibelus، ر. بولتمان R. Bultmann.
ولقد بدأ هؤلاء من ملاحظة أن الأدب القديم بصفة عامة يتطلب صيغة أدبية معينة، تعتمد على نوعية الكتابة. ولقد تم اختبار هذا المبدأ بطريقة متقنة للغاية في دراسة الكتابات الشعبية التقليدية لشمال أوروبا، التي يمكن تصنيفها إلى قصص خرافية، تاريخ، سير ذاتية، حكم وما إلى ذلك، وذلك بكل بساطة بملاحظة الطريقة التي كتبت بها. وقد افترض نقاد الصيغ أن نفس الشيء ينطبق على العهد الجديد.
فوحدات التقليد التي كون الإنجيليون منها أناجيلهم، كما يقولون، تطلبت صيغاً أدبية معينة للموقت الحياتي التي استخدمت فيها في الكنيسة الأولى. وعلى ذلك فبفحص الصيغة الأدبية لقصة ما، ادعوا أنهم قادرون على اكتشاف الاستخدام الأساسي لها من خدمة تعليم الكنائس الأولى.
وإذا أمكن عمل ذلك بنجاح، فلسوف يشكل ذلك عوناً قيماً لفهمنا للأناجيل. لأنه إذا كان بمقدورنا معرفة شيء عن استخدامات تقاليد الإنجيل في الكنيسة الأولى، نكون في وضع جيد لفهم علاقتها بحياة الكنيسة، من ثم نكتشف معناها الأساسي.
ومع ذلك، فإنه مما يؤسف له أن الذين درسوا الأناجيل بهذه الطريقة أخفقوا في الاتفاق عند نقطة واحدة حاسمة. فلا يوجد اتفاق مقبول على نطاق واسع عن أي الأنماط الأساسية يمكن أن توجد بالفعل في الأناجيل. ولقد ادعى مارتن ديبليوس أنه قادر على تمييز خمسة أشكال مختلفة، كل منها يتناغم مع موقف معين في حياة الكنيسة الأولى. غير أن اثنين فقط من بين هذه الأشكال الخمسة لم يعترف بهما إطلاقاً على نطاق واسع من قبل مفكرين آخرين وهما: الأمثلة والحكايات.
الأمثلة: وقد أطلق عليها فنسنت تايلر Vincent Taylor – وهو أحد نقاد الصيغ الإنجليز – “قصص إعلان”. وهذا التعبير يشير بشكل أدق إلى محتوياتها، لأنها على وجه العموم قصص صغيرة تصل في ذروتها إلى قول رائع قاله المسيح، أو قيل عنه، وطبقاً لما يقوله ديبليوس يرجع أصل هذا الشكل إلى الكنيسة الأولى التي استخدمت فيها مثل هذه القصص كأمثلة وتوضيحات.
وثمة قصة إعلان نمطية نجدها في الحدث الذي قطف فيه يسوع المسيح بعض سنابل القمح يوم السبت، وفسر عمله لليهود بقوله: “السبت إنما جعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السبت. وابن الإنسان هو رب السبت أيضاً” (مرقص 2: 23-28؛ متى 12: 1-8؛ لوقا 6: 1-5). وقصص من هذا القبيل كثيراً ما كانت تقال في الوعظ قبل أن تكتب في الأناجيل بوقت طويل. ونقاد الصيغ يميزون بشكل عام بين سمتين رئيسيتين في مثل هذه القصص:
ç دائماً تختتم بقول رائع للمسيح، وطبقاً لما يقوله البعض، كان هذا يعد وسيلة مفضلة لدى وعاظ الكنيسة الأولى. وفي حين أن الواعظ الحديث يبدأ عادة بالنص الذي اختاره، وربما احتفظ الرسل بنصهم إلى النهاية كي يستخدموه كذروة طبيعية لما حدث قبلاً.
ç وهذه قصص تحتوي على معلومات وصفية قليلة جداً، مجرد حقيقة بسيطة إلى أقل قدر ممكن لتهيئة الوضع للعنصر البالغ الأهمية وهو قول يسوع المسيح. وحين تقال أية قصة شفاهة فهناك أمران يمكن أن يحدثا لها. إما أنها تبلى من كثرة التكرار حتى إنه لا يتبقى منها إلا أكثر الحقائق ضرورة، ويعبر عنها بطريقة موجزة ورائعة. وإما أن يتم توضيحها أثناء سردها، وذلك حيث يضاف إليها المزيد من التفاصيل حتى تكتسب المزيد من الواقعية والإثارة. وطبقاً لما يقوله معظم نقاد الصيغ، فقد بقيت القصص المتضمنة إعلانات ولم يتبق منها إلا الضروريات عوض أن توضع أثناء تسلمها.
الحكايات: أطلق عليها تايلور Taylor قصص المعجزات، على الرغم من أنها لم تكن جميعاً مهتمة بالمعجزات. وكما يقول ديبليوس فإن الملح المميز لهذه القصص أنها توضحت ولم تبل أثناء تداولها. والواقع إنه يقول إن هذه القصص ربما وضعت في صياغتها الحالية بواسطة شخص من نوعية معينة في الكنيسة الأولى “راوي القصة” والذي كانت وظيفته صياغة قصص عن يسوع المسيح على نفس نمط قصص آلهة اليونان. وكانت قصصاً قصد بها أن تربح متجددين في الإيمان المسيحي بتوضيحها أن المسيح أسمى من الآلهة الأخرى.
ولا يوجد بالطبع أي شيء في العهد الجديد يشير إلى أمثال هذا الشخص. ومما يلفت النظر بوجه خاص أن بولس الذي ذكر أكثر من قائمة بأسماء أناس لهم وظائف خاصة في الكنيسة، لم يذكر إطلاقاً رواة قصص (1كو 12: 1-11؛ 28-30؛ رو 12: 6-8؛ أف 4: 11).
وربما تكون التفصيلات الرائعة في هذه القصص مأخوذة من مصدر مختلف تماماً. ولعلها كانت رواية شهود عيان، كانوا يتذكرون في الواقع تفاصيل كل الأحداث التي كانوا يصفونها، وبالنظر إلى حقيقة أن الأناجيل نفسها لم تكتب إلى بعد مرور ما لا يقل عن جيل على الأحداث التي تصفها، فمن الصعوبة تصديق أي رواة قصص محترفين أمكنهم بكل سهولة أن يخترعوا تفاصيل خيالية في الوقت الذي كان فيه كثيرون من شهود العيان الذين عاصروا يسوع المسيح ما زالوا على قيد الحياة.
ولقد عين ديبليوس ثلاث صيغ أخرى للقصة في الأناجيل، غير أن باحثين كثيرين لم يقبلوا رأيه بشأن هذه النقطة. وهذه الصيغ هي:
الخرافات: يشبهها ديبليوس بالقصص التي كثيراً ما ترتبط بقديسي العصور الوسطى. وعرفها بأنها “قصص دينية عن قديس تم الاهتمام بأعماله ومصيره”… والغرض منها تقديم أساس لتكريم القديس. ولا يحتاج الأمر اختلاق هذه القصص، على الرغم من أن ديبليوس يقول إنها تختلق في معظم الأحيان، ووظيفتها تمجيد الشخص الذي بصفة لا أن تقدم أية معلومات حقيقية عنه.
الأساطير: وهو الاسم الذي خلعه ديبليوس على أية قصص تتضمن شخصيات أو أحداث خرافية. وقصص العماد والتجربة والتجلي تنخرط تحت هذه النوعية.
النصائح التحذيرية: كانت بالضرورة التعليم الذي تضمنته الأناجيل، وكانت تستخدم لتعليم المتجددين في الكنيسة الأولى، وتابع آخرون دراسة قصص الأناجيل بعد العمل الرائد الذي قام ديبليوس، وليس من شك في أن هذا ألقى بعض الضوء على أصل الأناجيل. فهناك عدد من الأفكار الرائعة التي نسلم بها الآن جاءت كنتيجة مباشرة لعمل نقاد الصيغ.
ç وبمقدورنا أن ندرك الآن أنه لم يقصد بالأناجيل أن تكون سيراً ذاتية للمسيح. بل هي رواية منتقاة من أجزاء معينة من حياته وتعليمه حفظت لنفعها لخدمة الكنائس الأولى.
ç وبسبب هذا، أصبح من المعروف الآن أن تفاسير الأناجيل مرتبطة بشكل وثيق بالمفهوم الكلي للكنيسة الأولى. ولكن لنفهم علاقة الأناجيل ومعناها، ترانا في حاجة إلى فهم الأشخاص الذين كتبوها.
ç وهذه العملية أدت بدورها إلى فهم إيجابي مؤقت لما كان يدور في الفترة السابقة على كتابة أي من وثائق العهد الجديد، حيث كان تعليم يسوع المسيح يفسر ويطبق على مواقف جديدة في حياة أتباعه.
ولا شك أن هذه الأفكار لها قيمتها، ولا يجب التقليل من أهميتها – ولا سيما الرأي الأول، والذي أثر بشكل جذري في أسلوب تناولنا للأناجيل من جميع نواحيه. ومع ذلك يوجد عدد من النقاط كان عمل نقاد الصيغ بالنسبة لها أقل فائدة. وهناك ثلاثة انتقادات رئيسية يمكن توجيهها لعملهم. ولا سيما في الفترة المبكرة.
الصيغة والمحتوى: الكثير من تصنيفات ديبليوس كانت تعتمد في الواقع، ليس على الصيغة الأدبية، بل على المحتوى. فعلى سبيل المثال، لا يوجد سبب أساسي لوصع القصص التي تتضمن شخصيات خارقة في نوعية مختلفة عن القصص الأخرى. وإذ كانوا يضعون مثل هذه النوعية من التفريق كان نقاد الصيغ متأثرين بافتراضاتهم المسبقة القائمة على مذهبهم العقلاني.
وكما سبق أن ذكرنا، فإن اثنتين فقط من صيغ ديبليوس تم الاعتراف بهما، بل وأن بعض الباحثين شككوا فيما إذا كانت هاتين الصيغتين واضحتين على هذا النحو. هناك أمثلة عديدة لا نجد فيها فرقاً واضحاً بين الأمثال والحكايات وكثير من مادة الإنجيل يصعب تصنيفها. وحين يكون الاتفاق ضئيلاً بالنسبة لماهية الصيغ بالفعل، لا يمكن أن تتوافر لدينا ثقة كبيرة في التراكيب التي قامت عليها.
التقليد والإنجيل:
هناك مشكلة أساسية أخرى، وهي أن نقد الصياغة أقيم على افتراض أن تطور كتابة العهد الجديد يماثل تطور الفولكلور في شمالي أوربا. غير أنه توجد اختلافات هامة بين الاثنين. ولقد رأت الكنيسة الأولى أن مهمتها الرئيسية هي الكرازة بالأخبار السارة عن يسوع المسيح، وليس تسليم قصص تقليدية. فقد كانوا مهتمين بالحاضر بأكثر من اهتمامهم بالماضي.
وفيما يتعلق بموضوع اهتمامهم بالماضي، فقد كان ذلك ينصب على الماضي القريب، وليس – كما في حالة التقاليد الأوروبية – بالماضي السحيق الذي تم نسيانه منذ أمد طويل. ومعرفة الكنيسة بيسوع لم تأت من قصص تقليدية كانت تسلم من جيل إلى جيل، بل من التجربة المباشرة لبعض أعضائها، وهذا معناه أن المجال الفعلي لتطور التقاليد إلى صيغ معيارية لا بد وأنه كان في الحقيقة محدوداً للغاية.
الصيغ والحقائق:
كثيرون من نقاد الصيغ لم يكتفوا بإبداء ملاحظاتهم على الصيغة الأدبية للأناجيل، بل نزعوا إلى إصدار أحكام تاريخية على محتوياتها، على أساس نقد الصيغ. إذ يشير أرنست كيزمان Ernst Kasemann إلى نقاد الصيغ الأولي فقد كتب يقول إن عملهم الأساسي “كان يستهدف بيان أن رسالة يسوع المسيح كما قدمتها الأناجيل المتشابهة، ليست أصلية في معظم أجزائها بل غلب عليها إيمان المجتمع المسيحي البدائي في مراحله المختلفة.
وهذا الهدف واضح حتى من الأسماء التي أطلقها ديبليوس على بعض الصيغ التي اكتشفها كانت عبارتي “أسطورة” و”خرافة” من الكلمات التي تحمل معان كثيرة – بل أنه حتى في مناقشته ما أسماه “بالحكايات”، تكاد تكون بديهة أساسية عنده أنه بالنظر إلى وجود تشابهات أدبية بالقصص التي قيلت عن آلهة الوثنيين، هي الأصل الأساسي للقصص التي ذكرت على يسوع المسيح.
ولكن نقدين هامين يمكن توجيههما لهذا الإجراء:
ç الدليل المستمد من “صيغة أدبية ليس له قيمة على الإطلاق في صياغة الأحكام التاريخية. وهذا يصبح واضحاً تماماً إذا ما أخذنا مثالاً ما. فنحن في أيامنا هذه لا نفرق بوجه عام بين أنماط مختلفة للقصة بإعطائها صيغاً أدبية خاصة.
وقد عرض بروس F. F. Bruce مثالاً نافعاً بالمكان الوحيد الذي ما يزال القصة صيغة معينة. وهذا يكون في ساحة القضاء. فحين يدلي شرطي بشهادته في المحكمة، فهو لا يدلي بقصة أدبية بليغة عما رآه، بل نراه يلتزم وبشكل وثيق بقدر الإمكان بصيغة محددة – حتى إنه، بغض النظر عن التغيرات الخاصة بتفاصيل مختلفة – فإن وصف حادثة وقعت في الطريق سيبدو على وجه التقريب – كوصف أي حادثة أخرى – والأمل هو أنه باستخدام صيغة قالب Stereotyped، فإن أهم الحقائق يمكن إنجازها على نحو دقيق وبقدر الإمكان.
وما من عاقل يعتقد بأنه نظراً لأن الشرطي يصف حادثين بلغة متطابقة، فإنه كان يدلي بقصة مختلفة لحدث واحد فقط، ناهيك عن القول بأن أي منهما لم يحدث في الواقع، وأن الأقوال مختلفة من صيغة قانونية مألوفة. وسواء كان الحدث قد وقع أم لا، فإن هذا يعتمد على محك من نوعية مختلفة تماماً. ونفس الشيء ينطبق على الأناجيل. فليس بوسعنا أن نصدر ببساطة حكماً عن مصداقيتها التاريخية على أساس صياغتها الأدبية.
هناك أيضاً عدد من الأسباب القوية تدعو للشك في أن الكنيسة الأولى اختلقت قصصاً عن يسوع، كما زعم بعض نقاد الصيغ:
أولاً: هناك موضوع شهود العيان. وكثيرون منهم لا بد وأنهم كانوا على قيد الحياة في الوقت الذي كتبت فيه الأناجيل، والذين كانوا قد عارضوا كل الأحداث المختلفة والتي نسبت إلى حياة يسوع، ثانياً: ثمة افتراض أساسي لديبليوس وبولتمان هو أن الكنيسة الأولى لم تبذل أي جهد للتمييز بين تعليمها وتعليم يسوع المسيح. وعلى أي حال، هم يجادلون، بأن روح يسوع كان عاملاً في الكنيسة، وما قاله الرسل باسمه كان يعد شيء قاله يسوع المسيح أثناء خدمته.
ولكن هذا الاستدلال لا يدعمه العهد الجديد نفسه. لأن هناك أمثلة كثيرة أظهر كتابها أنهم ميزوا بالفعل بين تعليمهم وتعليم يسوع المسيح. وأبرز مثال على هذا نجده في (1كو 7)، حيث خرج بولس عن طريقه ليميز بين آرائه وكلمات يسوع. لكنه حتى في الأناجيل نفسها نجد أمثلة حيث التعليقات التحريرية للإنجيلين قد توضحت تماماً عن تعليم يسوع المسيح (مر 7: 19).
ثانياً: ثمة حقيقة أخرى تشير إلى نفس الاتجاه وهو الفرق بين الأناجيل وبقية العهد الجديد. فعلى سبيل المثال، دعي يسوع المسيح “ابن الإنسان” في الأناجيل، مع استثناء واحد وهو أن هذا اللقب وجد في موضوع آخر في العهد الجديد. وفضلاً عن ذلك فالموضوعات التي تناولتها الأناجيل ليست هي نفس الموضوعات التي أزعجت كتبة الرسائل. لنأخذ على سبيل المثال موضوع العلاقة بين اليهود وغير اليهود.
كانت هذه مسألة ملحة في الكنيسة الأولى، ولكن الأناجيل لم تتعرض لها في أي موضوع منها. وهذه الحقائق تشير إلى أن الكنيسة لم تشعر أنه لها الحرية إطلاقاً أن تضع أفكارها وتنسبها إلى يسوع المسيح، بل كانت إلى حد كبير تهتم بحفظ التقاليد التي تسلمتها من فترة سابقة.
هناك نقاد صيغ أكثر حداثة تعرفوا على هذه المشاكل في عمل أسلافهم وأصبحوا الآن لا يهتمون بالموضوعات الأدبية الشكلية. وموضوع مصداقية الأناجيل يفصل الآن فصلاً تاماً وبشكل تدريجي عن نقاد الصيغ. وبعد ذلك جاء تطور آخر هو من بعض النواحي يعد وريثاً لنقد الصيغ السابق. وهذا هو النظام الذي عرف باسم “نقاد التنقيح”.
ومع معرفتنا أن تاريخ الأناجيل لا يشبه تماماً تاريخ الفولكلور الأوروبي، أصبح من الواضح، أن أفضل سؤال نافع يمكن طرحه عن الأناجيل يجب أن يركز على كيفية استعمال الإنجيليين للمواد التي في مصادرهم. ما الذي كان يفعله هؤلاء الناس فيما كانوا يكتبون أناجيلهم؟
ولماذا احتاجوا أن يكتبوا أربعة أناجيل بدلاً من أن يكتبوا إنجيلاً واحداً متفقاً عليه؟ وما هي الظروف الخاصة التي سادت كنائسهم والتي حملتهم على الكتابة بهذه الطرق المعينة التي اتبعوها؟ هذه هي الأسئلة التي يحاول نقاد التنقيح الإجابة عليها. وهذا تطور حديث نسبياً في دراسة الأناجيل، ولا توجد على أية حال أية نتائج متفق عليها بعد. إلا أن كثيراً من توجهاته سيكون لها قيمة في الفصل التالي، وهو اكتشاف معنى وجود أناجيل مختلفة وأهمية ذلك.
يُلقب المسيح فى الأناجيل بلقب “معلّم Διδάσκαλος”. ويُلاحظ أن هذا اللقب أُطلق على المسيح أكثر من أى لقب آخر. لكن بينما يوجد استخدام دائم للقب “معلّم”، إلاّ أن لقب “الرب κύριος طغى، بسبب النبوات عن مجئ الماسيا، فى كل أسفار العهد القديم والعهد الجديد[2]. ونرى فى مخطوطات وادى قمران التى تشير إلى نُساك كانوا يعيشون ربما فى عصر المسيح، أنه كان يوجد انتظار وشوق لمعلّم البر، هذا الذى سوف يعلّم الناموس بالحق، وسوف يفسر الكتاب باستقامة. هذه الصورة كانت مسيطرة فى فكر الشعب وكان هناك شوق لتحقيقها.
لقد اقترب الناس إلى المسيح وهم يحملون مشاكل وتساؤلات تتعلق بالناموس، لقد كانوا ينادونه بلقب ” يامعلم Διδάσκαλε”، لأنهم أرادوا معرفة الإجابات على كل تساؤلاتهم هذه.
إن تعليم المسيح امتد عبر الأزمنة واحتفظ حتى اليوم ببريقه وجاذبيته. وبالرغم من التقدم التكنولوجى المذهل والتطور العلمى الهائل الذى يهدف إلى جعل الإنسان قادرًا على إيجاد حلولاً لمشاكله اليومية، إلاّ أن الواقع يعلن لنا العكس. فالإنسان يوميًا ينقاد إلى أزمات أعمق نراها على كل المستويات المعيشية ونسمعها من خلال صرخات القلق التى تنتاب الإنسان المعاصر الذى كاد يغرق وسط أمواج الحياة المتلاطمة.
مازال تعليم المسيح له فاعليته الفريدة، ومازال يفتح آفاقًا جديدة. إنه دعوة مستمرة: ” تعالوا إلىَّ يا جميع المتعبين والثقيلى الأحمال وأنا أريحكم” (مت28:11)، ” الكلام الذى أكلمكم به هو روح وحياة” (يو63:6).
لكن ما الذى أعطى لتعليم المسيح هذه الجاذبية الدائمة؟ وكيف احتفظ هذا التعليم بفاعليته فى كل العصور؟ للإجابة على هذه التساؤلات نجد أنفسنا فى احتياج لمعرفة الملامح الخاصة والفريدة لتعليم المسيح. سوف نتناول هذا الأمر فى العناصر التالية:
القسم الأول:
1 ـ المسيح المُعلّم: فى الأناجيل
2 ـ التربية فى عصر المسيح
3 ـ محتوى التنشئة التربوية فى المجتمع العبرى
القسم الثانى:
1 ـ البيئة التربوية فى عمل المسيح.
2 ـ ملامح تعليم المسيح.
3 ـ الحرية والمسئولية فى تعليم المسيح:
أ ـ الخوف والحرية
ب ـ الحرية كشهادة حياة
ج ـ المسئولية كتعبير لإدراك الحرية.
القسم الأول
1 ـ المسيح المعلّم في الأناجيل:
أ ـ المسيح المعلّم فى الإنجيل بحسب القديس مرقس :
لقد ركز القديس مرقس اهتمامه على شخص المسيح وعمله مظهرًا الطريقة التي علّم بها وعمل[3]. وقدَّم لنا المسيح الرب والمعلّم الجديد المختلف جوهريًا عن معلّمى عصره. إن كلمة “تعليم” “didac»” ذُكِرت فى بشارته أربع مرات، وفعل “أُعلّم” did£skw ذُكر سبعة عشر مرة. أما كلمة “معلم” rabb… فقد ذُكرت إحدى عشر مرة:
1 ـ مرة واحدة من معارضيه (مر14:12)
2 ـ خمس مرات من التلاميذ (مر38:4، 38:9، 35:10، 1:13، 14:14)
3 ـ مرتين من المرضى (35:5، 17:9)
4 ـ ثلاث مرات من الذين طلبوا منه تفسير الناموس (17:10، 20، 32:12)
لقد لجأ المعلمون اليهود في عصره إلى التقليد لإقناع الناس بتعاليمهم، وكانوا يقتبسون اقتباسات كثيرة من سابقيهم. وكان المبدأ الثابت للمعلم اليهودى هو: ” لن أقول شيئًا لم أسمعه من الذين علمونى“. كان يميلون دائمًا للتوسع في المناقشات. لكن المسيح علّم بسلطان ولم يستند إلى تعاليم معلّمين سابقين ليستمد منها بمصداقية ما يعلّم به، لكن استند على شخصه وسلوكه وحياته. لذا نجد أن هناك علاقة مباشرة بين شخصه وأقواله وأعماله.
لقد كان تعليم المسيح يمس الحياة ولم يكن عملاً مجردًا. لذا نجد في تعليمه أمورًا تتعلق بالحياة مثل غفران الخطايا، شفاء الأبرص، شفاء المقعد. إن هدف عمله التعليمى كان تحرير البشر، لذلك نجد أن الناس من كل الطبقات والفئات يخاطبونه يا “معلّم” مثلما فعل الشاب الغنى (مر17:1)، ومجنون قرية الجرجسيين (مت28:8) والفريسيون والهيرودسيون (مر14:12)، كما أن التلاميذ كانوا يخاطبونه يا “معلّم” أثناء هيجان البحر قائلين: ” يا معلّم ألاّ يهمك أننا نغرق” (مر39:4).
وهكذا كان هناك يقين لدى الناس أنه “معلّم”. لقد علّم المسيح في المجامع وفي أماكن خالية (صحراء) وفي الهيكل (مر49:14). لقد أوصى تلاميذه أن يبلغوا رسالة إلى رب البيت الذي سيتمم فيه العشاء العظيم مستخدمين لقب “معلّم” كلقب معروف: ” فقولا لرب البيت إن المعلم يقول أين المنزل حيث آكل الفصح مع تلاميذى” (مر14:14).
بالتالى فإن ظهور المسيح “كمعلّم” يكشف تدريجيًا سر شخصه الإلهى، وأن رسالته توجهت إلى أماكن مختلفة، وأيضًا فى مناسبات الحياة المتنوعة مثل الاحتفالات العرسية وموائد الأغنياء والفقراء. كما أن الناس كانوا يُبدون استعدادًا ورغبة في سماع أقواله.
لقد رأى القديس مرقس البشير، المسيح كمعلّم يهتم بمشاكل مجتمعه. وكتب إنجيله لكى يساهم في إصلاح وتقويم المجتمع الذي كان يعانى من مشاكل عديدة؛ مثل مشكلة الفجوة الكبيرة بين الأغنياء والفقراء، أو سعي البعض نحو الزعامة لإرضاء ذواتهم. وقدم مرقس، المسيح المعلّم الذي اخبرنا عن الله: ” فنظر إليهم يسوع وقال. عند الناس غير مستطاع. ولكن ليس عند الله لأن كل شئ مستطاع عند الله” (مر27:10).
حقًا علّم المسيح بسلطان فائق لا تستند على تفسيرات الناموسيين السابقين. لم يستشهد بأى كتاب أو مصدر لكى يعطى قوة ومصداقية لكرازته، فيما عدا العهد القديم الذي استخدمه كإشارة نبوية لعمله الخلاصى.
حرص القديس مرقس أن يقدم تعليم المسيح فى ثلاثة أشكال مميزة تبرهن على أن المسيح كان حريصًا على تقديم تعليمه إلى الجموع بطريقة جذابة وليست مملة. وهذه الأشكال أو الملامح هى:
1 ـ الملمح النقدى لتعليمه، وقد استخدمه مع الفريسيين والكتبة.
2 ـ الأمثال: عندما يتوجه إلى الجموع.
3 ـ تحليل وتفسير الأمثال: عندما ينفرد بتلاميذه (مر34:4).
ب ـ المسيح المعلّم في الإنجيل بحسب القديس متى
يصف القديس متى البشير العمل الماسيانى للمسيح بإعلانات ثلاث(مت23:4، 35:9، 1:11)، والتي فيها يقر بأن المسيح “يعلّم”، و “يكرز” و “يشفى”. وفي الثلاث حالات نلاحظ عنصرين:
1 ـ رصد متتابع لأنشطة المسيح.
2 ـ المسيح هو معلم إسرائيل الذي يفسر طريق الله وفق ناموس الله المُعلن.
دائمًا نجد في إنجيل متى التعليم عن المسيح (الخريستولوجية) في إطار القيامة، لذا عندما يتوجه التلاميذ إلى المسيح بالنداء لا يستخدمون لقب “يا معلّم” لكن لقب: “أيها الرب kÚrie”. وكلمة “kÚrioj” اُستخدمت 61 مرة في إنجيل متى(قارن مر38:4، لو24:8، مت25:8). لكن متى البشير يذكر لقب معلّم “did£skaloj” أو “rabb…” باللغة العبرية على لسان الذين لا يتبعون المسيح بانتظام، أو الذين لا يعرفونه معرفة صحيحة (على سبيل المثال: يهوذا يستخدم لقب “rabb…” في (مت25:26، 49، انظر أيضًا 11:9، 38:12، 16:19، 24:22).
يتميز متى عن الإنجيليين الآخرين في أنه يتناول “تعليم” المسيح بطريقة منظمة إذ وضع هذه التعاليم فى ثلاثة أحاديث:
1 ـ تعليمه في الموعظة على الجبل حيث نجد وصفًا لنموذج، أو مثالاً للإنسان المنتمى لملكوت الله (متى من إصحاح 5 إلى 7).
2 ـ تعليمه في إرشاداته للرسل بخصوص الكرازة الإنجيلية (مت10).
3 ـ تعليمه في حديث عن مجئ ملكوت الله والدينونة (مت23 إلى 25).
بحسب إنجيل متى يوجد معلّم واحد فقط له سيادة حقيقية، إنه المسيا المنتظر (مت8:23). الذى أرسل الرسل لكى يعلّموا كل الأمم بكلمة الإنجيل.
يُنهى متى إنجيله بإرسالية “تعليمية” عظيمة، علينا أن ندرسها بتدقيق لكى نفهم كل الإنجيل: ” فتقدم يسوع وكلمهم قائلاً: دُفِع إلىّ كل سلطان فى السماء وعلى الأرض. فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (مت18:28ـ20). والتلمذة ـ في هذه الأرسالية التعليمية ـ تعنى الخضوع إلى تعليم الكلمة المتجسد، القادر وحده أن يحمي التلاميذ من الأنبياء الكذبة والذئاب الخاطفة حتى يثمر عملهم ويقدمون الثمار التي يريدها الله (مت12:7 وما بعده).
المسيح ـ بحسب القديس متى الإنجيلى ـ هو مفسر الناموس ومعلن إرادة الله للبشر، وسوف يكون له دورًا حاسمًا في أثناء مجيئه في يوم الدينونة وفق المعيار الذي وضعه هو نفسه (مت25:24، 31:25)[4].
لقد نظّم القديس متى الإنجيلى محتوى إنجيله في وحدات موضوعية وليس بحسب جدول زمنى. وهذا يساهم في الفهم الكامل لتعليم المسيح، خاصةً أنه يلفت نظر القارئ إلى الموضوع المحورى في هذه الوحدات، أى أن المسيح هو المسيا ـ معلّم إسرائيل الجديد، لأجل هذا لم يبتعد المسيح عن الكنيسة بل ظل حاضرًا وفاعلاً كمعلّم وقائد في حياة الكنيسة ” ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر” (مت20:28).
ج ـ المسيح المعلّم في الإنجيل بحسب القديس لوقا:
قدم لوقا المسيح كمعلّم متألم يتجاوب مع مشاكل واحتياجات الناس في عصره. ويستخدم لوقا بجانب لقب “معلّم” كلمة “ناظر أو مراقب” epist£thj، بينما القديس مرقس ـ كما سبق أن أشرنا ـ استخدم كلمة “رابىrabb…”، والقديس متى كلمة “رب أو سيد kÚrioj”.
لقد أراد القديس لوقا الإنجيلى أن يشدد على عمل المسيح كمدبر ومعتنى بالعالم، لذا استخدم كلمة “مراقب أو ناظر” لتعلن أنه مسئول عن عملية “تعليمية”، وهذا يُفهم في إطار المجتمع اليونانى. ولأن القديس لوقا كتب إنجيله لجماعات مسيحية من الأمم، فإنه لم يستخدم لقب “رب ραββί” المألوف بالنسبة لليهود والغريب بالنسبة للأمم.
كتب القديس لوقا الإنجيل وسفر أعمال الرسل مقدمًا المسيح بطريقة مُميزة عن بقية الإنجيليين، خاصةً في “أعمال الرسل”. فقد أظهر كيف أن الروح القدس نقل رسالة الخلاص إلى أقاصى الأرض وأن المسيح كان يعلّم بواسطة أنبيائه (أع27:11ـ28، 1:13، 1بط 10:1ـ11).
فبينما يقدم القديس متى الإنجيلى، المسيح كموسى العظيم مقسّمًا إنجيله إلى خمسة أحاديث تتماثل مع الخمس كتب الأولى للعهد القديم المكتوبين بواسطة موسى، نجد أن لوقا يقدم المسيح كإيليا الجديد. إنه النبى الحار بالروح القدس. الروح رافقه طوال مسيرته حتى الصعود كما حدث مع إيليا. لقد ذكر القديس لوقا أن المسيح أقام ابن أرملة نايين من الموت (لو11:7ـ17) ليذكِّرنا بإيليا الذى أقام ابن أرملة صرفة صيدا (1مل17 وانظر أيضًا لو26:4و27).
أيضًا قدم القديس لوقا المسيح كمعلّم يقوم برحلة عظيمة من الجليل إلى أريحا وأورشليم (لو51:9ـ45:19). وبحسب القديس لوقا فإن أورشليم هى مركز جغرافى له مغزى خلاصى للعالم، إنها المكان الذي منه سوف يصعد المسيح إلى السموات، ومن هناك أيضًا أرسل يسوع تلاميذه ليحملوا رسالة الإنجيل إلى أقاصى المسكونة.
أعطت هذه الرحلة العظيمة للقديس لوقا مادة تعليمية متنوعة تمس الحياة اليومية، فيقدم لنا مثل السامرى الصالح (لو25:10ـ37)، والابن الضال (لو11:15ـ32)، ووكيل الظلم (1:16ـ13)، والفريسى والعشار (9:18ـ14). وأيضًا يركز القديس لوقا على إشارات المسيح لمواضيع خاصة مثل الصلاة (1:11ـ13)، والغنى (13:12ـ34)، والفقر (1:16ـ31)، والبُعد الأخروى للحياة (38:12ـ59)، والأربع أمثلة المرتبطة بالموائد والأكل (لو1:14ـ24)، وفي الأمثال الثلاثة عن التبعية الحقيقية للمسيح (لو25:14ـ35). ويعطى القديس لوقا اهتمامًا خاصًا بموضوع التلمذة الحقيقية، ويكتب لنا عن الشروط التي وضعها المسيح للتلمذة، وكيف أن المسيح استخدم خبرات الحياة اليومية لكى تُفهم هذه الشروط (لو25:14ـ35).
ونستطيع أن نلاحظ أن لوقا يُظهر يسوع وهو في الاثنى عشر ربيعًا يعلم في الهيكل (لو45:2ـ48)، ويقدم لنا بداية حياة المسيح الجهارية بالإشارة إلى أنه كان يعلّم في المجامع (لو14:4ـ15). ويقدم لوقا في أعمال الرسل تلخيصًا لإنجيله مشيرًا بدقة إلى كل ما علّمه المسيح وفعله (أع1:1، لو5:23).
ومن الجدير بالملاحظة أن القديس لوقا بعد العدد الثالث من الإصحاح السابع يستخدم لقب الرب kÚrioj ثمانية عشر مرة عندما يشير إلى المسيح. هذا اللقب نادرًا ما يُستخدم قبل قيامة المسيح، لكن من المرجح أن جماعة القديس لوقا كانت تستخدم هذا اللقب عندما كتب إليها إنجيله. نجد أيضًا في إنجيل القديس لوقا أنه يسرد روايات متوازية تخص رجل وامرأة معًا لكى يؤكد على وجودهما معًا وأنهم متساويان أمام الله بالنعم والعطايا والواجبات.
فعلى سبيل المثال: زكريا وإليصابات (5:1)، سمعان وحنة (25:2ـ28)، أرملة صيدا ونعمان السريانى (25:4ـ28)، شفاء الممسوس وحماة بطرس(31:4ـ39)، سمعان الفريسى والمرأة الخاطئة (36:7ـ50)، الإنسان وحبة الخردل وخميرة المرأة(لو18:3ـ21)، السامرى الصالح ومريم ومرثا (29:10ـ42)، الإنسان والمائة خروف والمرأة والعشرة دراهم (لو4:15،30) القاضى الظالم والأرملة (لو1:18ـ14)، النساء عند القبر وتلميذى عمواس (لو55:23،1:24ـ11، 13:24ـ32).
د ـ المسيح المعلّم في الإنجيل بحسب القديس يوحنا الإنجيلى:
يتناول القديس يوحنا الإنجيلى تعاليم المسيح بطريقة مميزة، فبحسب البشير يوحنا، عصر المسيح هو الذي سبق وتنبأ عنه إشعياء، حيث الكل يعمل مع الله ويقبل كلمته: ” إنه مكتوب في الأنبياء ويكون الجميع متعلمين من الله. فكل مَن سمع من الآب وتعلم يقبل إلىّ” (يو45:6).
يقدم القديس يوحنا، المسيح بعد قيامته مثلما فعل القديس متى، فهو يتوجه إلى الجماعة المسيحية، وليس إلى الذين يريدون أن يتعرفوا على تعليمه.
إن القديس يوحنا الإنجيلى هو تلميذ المخلّص، المتأمل والعميق في نظرته للحوادث الكثيرة التي فعلها المسيح، وأيضًا يرى ويميز في تقليد وتعاليم إسرائيل الإشارات التي تخص المسيح. لقد ركز يوحنا على أهمية وحتمية مجئ الباراقليط وعمله في الكنيسة، فالروح القدس هو الذي يحفظ رسالة وأقوال المسيح، وهو نفسه الذي ينير الفهم الحقيقى لتعليم المسيح، فهو يعلم ويرشد أعضاء الكنيسة ” إلى كل الحق ” (يو26:14).
لكن المطلب الذي يريده يوحنا هو أن يتعرف الإنسان على ضعفه ويعترف بنقائصه (يو 35:9ـ39)، حتى يتم شفاؤه ويأتى إلى المعلم الوحيد الذي لديه أقوال الحياة الأبدية (يو 69:6)، هذا هو الذي يقدم الحياة (يو40:5) وعلى الإنسان أن يحيا مثلما عاش المسيح بالمحبة وعلّم عنها.
لقد حفظ لنا القديس يوحنا تعليم المسيح المؤثر الذي حدد فيه ملامح ممارسة العمل الإنجيلى للرسل: ” أنتم تدعوننى معلّمًا وسيدًا وحسنًا تقولون لأنى أنا كذلك. فإن كنت وأنا السيد والمعلّم قد غسلت أرجلكم فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض. لأنى أعطيتكم مثالاً حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضًا. الحق الحق أقول لكم إنه ليس عبد أعظم من سيده ولا رسول أعظم من مرسله. إن عملتم هذا فطوباكم إن عملتموه” (يو13:13ـ17).
يذكر القديس يوحنا (في الاصحاح الأول) دعوة التلاميذ وأيضًا ألقاب المسيح الخاصة بـ: الكلمة، المسيا، ابن الله، ابن الإنسان، مخلّص العالم، الرب، الله. وفي (11:2) يعلن المسيح مجده، والتلاميذ يؤمنون به. بينما يوحنا يستطرد فى إنجيله بطريقته الفريدة، إذ يتعرف الدارسون في إنجيله على شهادة تاريخية لحياة وعمل المسيح. نتحقق في النصف الأول من إنجيل القديس يوحنا (1ـ12) على أن التلاميذ يستخدمون دائمًا مصطلحات مثل معلم “رابى” rabb… بالعبرية وباليونانية did£skalojفي الاشارة إلى المسيح، بالرغم من أهمية استخدام مصطلح “رب” kÚrioj.
استخدم القديس يوحنا كلمة معلّم بالعبرية “رابى” ثماني مرات. وهذا اللقب كان يُنسب إلى المسيح تقديرًا من التلاميذ لدوره التعليمى (يو13:13)، لذا أخذ اليهود موقف عدائى ضد المسيح. وعندما كان يستخدم القديس يوحنا كلمة “عالم” kÒsmoj فهو يقصد البشر على وجه الخصوص، لكى يظهر العداء الذى كان بين العالم والمسيح. لذلك في مقدمة إنجيله عن الكلمة المتجسد، يقول ” كان في العالم والعالم لم يعرفه” (يو10:1).
لكن الله أحب العالم حبًا لا نهائي ” حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل مَن يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية” (يو16:3)، فالله أرسل ابنه إلى العالم (17:3، 36:10، 18:17) كمخلّص له (42:4، 1يو14:4). لكن “العالم” أخذ موقفًا عدائيًا تجاهه، حتى أنه وصل إلى مستوى كان يحقد فيه على المسيح وتلاميذه (يو8:15). فالعالم يوجد في الظلمة ولم يقبل نور حياة وتعليم المسيح، وهذا لأنه تحت سلطان ” رئيس هذا العالم” (يو3:12، 30:4، 11:16) فالعالم “وضع في الشرير” (1يو 19:5). العالم لم يدرك أن المسيح هو ” نور العالم” (يو12:8). لكن هو الذى انتصر على الظلمة، لذلك مَن يؤمن به ينتصر على قساوة وعداوة العالم، يكفى أنه لا يحب العالم (1يو 15:2)، لأن العالم يمضى وشهوته (1يو17:2).
يركز البشير يوحنا في إنجيله على نتائج ابتعاد الإنسان عن الله، أيضًا يبرز التضاد بين النور والظلمة، الحق والكذب، الموت والحياة. وهذا التضاد أو الثنائية تنطلق ـ في إنجيله ـ من التعليم عن المسيح (الخريستولوجية). فالمسيح هو نور العالم (يو12:8) حيث ” النور يضىء في الظلمة” لكن ” الظلمة لم تدركه” (يو5:1). ” لتصيروا أبناء النور..” (يو36:12). الاستجابة لهذه الدعوة لن تكون فقط بالمعرفة العقلية لكن بالإيمان. فالعقل بمفرده لن يستطيع أن يخرج الإنسان من الظلمة لأنه قد يكون هو نفسه مظلم، لكن الإيمان هو الذي يخرج هذا الإنسان من الظلمة إلى النور. فالإيمان يجعلنا نصير أبناء النور، والنور ضرورى لحياة الإنسان، لأن ” مَن يمشى في الليل يعثر لأن النور ليس فيه” (يو35:12).
المعرفة ليست معرفة ذهنية مجردة، لكن حياة مؤسسة على الشركة ” وهذه الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقى وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته” (يو3:17). والمعيار الواضح لهذه المعرفة هو المحبة: ” الذي يحبنى يحفظ وصاياى” (يو15:14). وكل الوصايا تتلخص في وصية واحدة: ” هذه هى وصيتى أن تحبوا بعضكم بعضا كما أحببتكم” (يو12:15).
بتأنس الكلمة، قدم الله للإنسان “النعمة والحق” (يو14:1). عمل المسيح ـ بحسب اعلانه ـ هو شهادة الحق (يو37:18).
كان هناك تصادم بين جماعة القديس يوحنا الإنجيلى والمجمع اليهودى، وهذا الوضع توجد جذوره في الصراع الذي كان بين المسيح وخصومه من اليهود. ولا يشكك القديس يوحنا في الناموس، لكن يركز على أن اعلان المسيح يتخطى الناموس، وفهم الناموس مرهون بإيمان المرء بالمسيح أو بعدم إيمانه. ويشدد القديس يوحنا على حضور المسيح الفعّال ولا يكتفى بالإشارة إلى أحاديثه.
لا يذكر إنجيل القديس يوحنا مثل الأناجيل الثلاثة الأولى، تعليم المسيح فيما يخص أمورًا متنوعة فى الحياة اليومية، لهذا لا نجد فى رواية إنجيل يوحنا تعاليم وردود المسيح على تساؤلات الناس بخصوص ملكوت السموات. لقد وصف يوحنا المسيح كمعلّم بطريقة سريعة موجزة (يو14:7، يو20:18) لكن ليس كالإنجيليين الباقين (مثلاً متى 29:7، 16:22). لقد وصف مدى دقة تعليم المسيح ومدى تأثير سامعيه حين قال: ” فتعجب اليهود قائلين كيف هذا يعرف الكتب وهو لم يتعلم ” (يو15:7).
يتحقق المرء في إنجيل القديس يوحنا من حضور الباراقليط الذي هو بالحرى المعلّم. وهدفه التعليمى هو أن يُذَّكر المسيحيين بالمسيح وبتعليمه: ” وأما المعزى الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمى فهو يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل ما قلته لكم” (يو25:14).
هكذا نستطيع أن نرى بوضوح:
1ـ أن الكلمة المتجسد بواسطة كلمته يهدف إلى تفعيل قدرات الإنسان النفسية والجسدية[5].
2ـ تعليم المسيح يمثل الأساس والوسيلة التي بها يتجه الإنسان الساقط إلى قرار بشأن تغييره الكيانى.
في هذا الإطار يكتسب عمل المسيح التعليمى والتربوى أهمية عظيمة لأن هذا العمل يمثل دافعًا لكل باحث تربوى ليفتش على العناصر التي تساهم في مثل هذا التغيير الجذرى للمواقف والسلوكيات، الأمر الذي يهدف إليه علم النفس التربوى الحديث بأشكال متنوعة.
بالتأكيد إن الأناجيل الأربعة لم تخطط مسبقًا لتقديم المسيح كمعلّم بتحليل ووصف لقدراته ومهاراته التعليمية. لكن قدمت شهادتها لحياة وعمل المسيح بوعى وإدراك التلاميذ. فعلاقتهم كانت علاقات اختبارية بين المعلم والتلاميذ.
إن تناول عمل المسيح التعليمى لا يمكن أن يصير خارج المعطيات التاريخية والاجتماعية للعصر الذي كتب فيه الإنجيليون، طالما أن عمل الخلاص يخص الإنسان الذى يعيش فى التاريخ. على الجانب الآخر لا يمكن أن نأتى إلى البُعد الأخروى للتعليم إن لم نقبل وجود واقع تاريخى كبداية لهذا البعد الأخروى.
(يتبع)
[1] انظر إلى المرجع الأساسى: قسطنطين يوكارينى، تعليم وتربية المسيح في ضوء علم النفس التربوى الحديث، إصدار “خبز الحياة”، أثينا 1998 (باللغة اليونانية).
[2]على سبيل المثال ميخا2:4،خر12:24،مز11:27،إش9:11،20:30، 13:54،إر3:31، يو54:6، 1تس9:4، عب11:8.
[3] سافا أغوريدس، مقدمة في العهد الجديد، أثينا 1991 الطبعة الثالثة، ص16 (باللغة اليونانية).
[4] انظر أغوريدس، المرجع السابق، ص127.
[5] انظر كليمندس الأسكندرى، المربى G/, XII, BEPES 7, 232.
لطالما لاحظ قراء الأناجيل أن متى ولوقا يتشابهان مع بعضهما البعض في طريقة عرضهما لتعاليم يسوع، وأن مرقص يفتقد إلى الكثير من هذه التعاليم. فهناك العديد من القصص والمواعظ وأقوال يسوع في متى ولوقا أكثر من تلك الموجودة في مرقص، والمادة التي يتشارك فيها كل من متى ولوقا قريبة جداً في الصياغة. فمنذ العصور القديمة، كان هذا الأمر يُفسر بالقول بأن متى كُتب أولاً (أولوية متى)، وأن مرقص ولوقا قاما باستخدام متى كمصدر لهما، موسعين فيه أو موجزين وفقاً لحاجاتهما.
أما اليوم، فيؤكد معظم العلماء على أن مرقص كُتب أولاً (أولوية مرقص.) وأن كلاً من متى ولوقا بالالتفات إلى مصدرين رئيسيين هما: مرقص والوثيقة Q([1]). إن نظرية العلاقات الأدبية بين الأناجيل السينوبتية معروفة ب: “فرضية المصدرين”.
يمكن تعريف وثيقة الوثيقة Q، بكل بساطة لكن بدقة، بأنه شبيه بجميع المواد المتطابقة والمشتركة بين متى ولوقا وغير موجودة في مرقص. إن وثيقة الوثيقة Q في جميع مصادر الأناجيل هو إلى حد بعيد أهم دراسة في العهد الجديد. فقد تم البحث فيه دون انقطاع لأكثر من مائة وخمسين سنة، وأصبح منذ حوالي عام 1970 نقطة محورية، ربما النقطة المحورية للدراسات التي تبحث في يسوع التاريخي. في حين أن وجود “م” و”ل”، ومصدر إشارات يوحنا غير مقبول من الناحية التماثلية، وتجمع الغالبية العظمى من العلماء على اعتناق فرضية الوثيقة Q.
في هذا الفصل سوف نقوم باختصار بذكر بدائل فرضية المصدرين مع فرضياتها للوثيقة Q، كما سنذكر بإيجاز محتويات وثيقة الوثيقة Q ووصف الدراسة الأخيرة له. ومن ثم سوف نركز على مسألتين هامتين بالنسبة لدراستنا: هل تصور وثيقة الوثيقة Q يسوع على أنه معلم يهودي كلبي؟ وما هي أهمية موت يسوع وقيامته بالنسبة لوثيقة الوثيقة Q ومجتمعها؟ فاهتمامنا الأساسي في البحث في وثيقة الوثيقة Q يركز على وضعه المفترض بأنه مصدر يسوع التاريخي، المصدر المستقل والسابق للأناجيل.
هل كانت وثيقة الوثيقة Q موجودة حقاً؟ حالما يتم القبول بأولوية مرقص، حينها يمكن تفسير المادة المشتركة في متى ولوقا بإحدى الطريقتين الرئيسيتين: إما أن الأول استخدم الآخر، أو أنهما استخدما مصدراً مشتركاً. بما أن متى ولوقا لم يستخدم أي منهما الآخر، يتضح ذلك لأسباب عدة. بادئ ذي بدء، كما لاحظنا أعلاه، يملك متى ولوقا على حد سواء قدراً كبيراً من المواد الخاصة بإنجيليهما. في حال استخدام أي منهما الآخر، فمنطقياً أن نتوقع وجود أقل القليل من المواد الخاصة بكل واحد منهما. ومن ثم أيضاً، لا يتفق متى ولوقا بالترتيب والصياغة بالمقارنة مع مرقص.
ففي حال استخدام أي منهما الآخر، فإننا نتوقع المزيد من الاتفاق في الترتيب والصياغة في متى ولوقا عندما يختلفان عن مرقص. أيضاً، إن المواد المشتركة بين متى ولوقا ومختلفة في مرقص واردة بترتيب مختلف في متى ولوقا، وعادةً ما يبدو شكل لوقا أقل تطوراً. فمتى يحتوي على مادة الأقوال في خمس أجزاء رئيسية (متى 5-7، 10، 13، 18، 23-25)، في حين أنها ترد في لوقا على نحو متساو تمامً (لوقا 3-9).
يصعب شرح هذا التباين في التوزيع في حال استخدام أي منهما الآخر. أضف إلى ذلك، أنه ما أن يتم عزل المادة التي لا تعود إلى مرقص التي يتشارك بها كل من متى ولوقا، حتى يظهر قدر كبير من التماسك الداخلي في الشكل والمضمون، أكثر بكثير من لك الوارد في “ل” و”م”. أخيراً، لقد أسكت اكتشاف إنجيل توما في عام 1945 أولئك الذين زعموا أنه لا يوجد تشابه في بداية ظهور المسيحية بالنسبة لمجموعة أقوال يسوع التي تفتقد إلى إطار سردي. نظراً لهذه الأسباب ولأسباب أخرى، توصلت الغالبية العظمى من العلماء إلى أن متى ولوقا استخدما على نحو مستقل مصدراً منفصلاً للمادة المشتركة التي لم ستمدها من مرقص.
وعلى الرغم من أن وثيقة الوثيقة Q تبدو وفق مصطلحات دوغلاس غولدر: “القوة الماحقة” في الدراسات الحديثة، فهناك ما لا يقل عن أربعة تفسيرات أخرى لأوجه الشبه في متى ولوقا بالمقارنة مع مرقص الذي ينكر وجود الوثيقة Q. التفسير الأول هو: “فرضية الإنجيلين”، التي اعتنقها بشجاعة وليام آر فارمر وزملاؤه، حيث تقول إنه تم كتابة متى أولاً، ومن ثم استخدم لوقا متى كمصدر رئيسي، وقام مرقص باختصارهما. التفسير الثاني هو فرضية المراحل المتعددة ل م ي بويسمارد، حيث تفترض هذه النظرية المعقدة للغاية أن أربعة من المصادر المكتوبة الخاصة بمتى ومرقص ولوقا والوثيقة Q كانت قد شكلت بداية منهج الإنجيل.
ومن ثم أصبحت اثنتان من هذه الوثائق: “مرقص الأوسط” و”متى الأوسط”، وفقاً للمصطلحات التي أطلقها عليهما بويسمارد. وبعد ذلك، خرج لوقا الأول بمادة الوثيقة Q وبمادة متى الأوسط. أخيراً، أثرت أجزاء من مرقص الأوسط بالأشكال الراهنة لمتي ولوقا، ويستخدم شكل مرقص الحالي لوقا الأول ومتى الأوسط. وتعود الفرضية الثالثة إلى دولاس غولدر الذي قال: إن لوقا استخدم إنجيل متى ودمجه بإنجيل مرقص، حيث يرى غولدر أن مادة لوقا الخاصة هي تطوير قام به لوقا لمتى، ويقول أيضاً في أن كلاً من مادة متى الخاصة وما يسميه الآخرون بالوثيقة Q هو تطوير قام به متى لمرقص.
ووفقاً لنظريته، فإن الوثيقة Q غير ضروري، لذا ينكر غولدر وجوده. ويقوم غولدر هنا بتوسيع أعمال أوستن فارير. أخيراً، حاول “بو ريك” شح التوافقات الموجودة بين الأناجيل السينوبتية، بما في ذلك ما يسميه الآخرون ب الوثيقة Q، على أنها عبارة عن خطوط متوازية ناشئة عن تقاليد شفوية وليست ناشئة عن وثائق مكتوبة. فلم يكن مؤلفو الأناجيل على اتصال مع بعضهم بعضاً أو مع مصادر أخرى مكتوبة مثل الوثيقة Q.
لقد رفضت أغلبية العلماء عن وجه حق هذه النظريات البديلة معتبرها غير كافية، حيث تعتمد اثنتان من الفرضيات، فرضيتا فارمر وغولدر، على أولوية متى. فاحتمالية كتابة متى أولاً أمر ممكن، لكن ليس بمقدر نظرية أولوية متى تقديم التفسير الكافي لسبب استخدام مرقص لمتى بهذا الشكل الغريب للغاية: توسيع بعض مواد متى بصورة كاملة، وفي نفس الوقت حذف أجزاء أخرى جذرياً، كحذف أكثر من نصف تعاليم يسوع الواردة في متى. كما لا تفسر نظرية أولوية متى سبب كون الكثير من مواد لوقا مواد خاصة، وأن هذه المادة التي تمثل تطوير لوقا لمتى بكل بساطة غير ذات مصداقية، نظراً لاختلاف المضمون والأمور التي تشدد عليها.
بالإضافة إلى ذلك، فقد طُبعت فرضية بويسمارد في أذهان العلماء على أنهما معقدة أكثر من اللازم، وتشكل انتهاكاً لمبداً أهل العلم القائل في أن التفسير الأبسط هو الأفضل. فقد توصل بحق معظم العلماء بشأن نظرية ريك إلى أنه لا يمكن للتطور الشفهي وحده لتقاليد يسوع تفسير درجة التشابه الحر في الكبير بين الأناجيل السينوبتية.
أما فيما يتعلق بالنتيجة الطبيعية لريك في أن مؤلفي الأناجيل لم يستخدموا مصادر مكتوبة، يشهد (لوقا 1:1-4) صراحة بأن المؤلف عرف مصادر أخرى، مما يجعل من الممكن استخدامه لها. لذلك، يتم تفضيل نظرية المصدرين بفرضيتها لالوثيقة Q، على الرغم من بعض المشاكل العالقة، على الفرضيات البديلة الأربع بوصفها الأبسط والأفضل تفسيراً لأصول وعلاقات الأناجيل السينوبتية.
إن قضية الوثيقة Q أقوى بكثير من أي نظرية منافسة خاصة بعلاقات الأناجيل السينوبتية. وتبقي الوثيقة Q فرضية، ومثل أي فرضية، تستحق أن تخضع للاختبار باستمرار. ومع ذلك، فهي فرضية مفيدة ومثمرة ومن المرجح أن تظل كذلك.
لقد استمر البحث في حجم وصياغة الوثيقة Q في اللغة اليونانية أكثر من قرن حتى الآن، واليوم يعد هذا البحث جهداً خاصاً يرأسه مشروع الوثيقة Q الدولي الذي كان ينشر سنوياً منذ عام 1990 حتى عام 1997 في صحيفة الأدب الإنجيلي، المشروع الذي يجمع الآن نصاً مهماً لالوثيقة Q. في حين تتفاوت إلى حد ما عمليات تجديد محتويات الوثيقة Q الحقيقية، يبقي المخطط الأساسي واضحاً. فالجدول التالي يلخص محتويات الوثيقة Q العامة والمقبولة للجميع.
محتويات الوثيقة Q:
لوقا
متى
المحتويات
البدايات
7:3-9، 16-17
7:3ب-12
يوحنا المعمدان: التحذيرات، الوعد بأن شخصاً ما سيأتي
2:4-13
2:4ب-11 أ
إغراءات (اختبارات) يسوع الثلاثة قدمها الشيطان (ترتيب مختلف في لوقا ومتى)
أنا أقول / حكمة الله تقول: إني أرسل إليهم أنبياء سيعذبون، ويل لكم أنتم أيها الناموسيون
2:12-10
26:10-33، 32:12
لا خفي لن يعرف، لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد، اعترفوا بي قدام الله
عن القلق
22:12-31
25:6-33
لا تقلقوا بشأن الجسد، تأملوا زنابق الحقل، الآب يعرف ماذا تحتاجون
33:12-34
19:6-21
لا يوجد كنوز على الأرض بل في السماوات
الاستعداد لمجيء الساعة
39:12-40، 42-46
43:24-44، 45-51
رب البيت والسارق، العبد المخلص المستعد لمجيء سيده
51:21-53
34:10-36
لم آت لأعطي سلاماً بل لأعطي سيفاً، انقسامات داخل العائلات
56-54:12
3-2:16
القدرة على معرفة علامات الطقس تمكن المرء من معرفة الوقت الحالي
58:12-59
25:5-26
التخلص من الخصم قبل الذهاب إلى القاضي
قصص وأقوال حول التلمذة
18:13-21
31:13-33
ملكوت الله تشبه نمو حبة خردل، وتشبه خميرة وضعتها امرأة في الدقيق
23:13-29
13:7-14، 22-23، 11:8-121
قليل هم الذين سيدخلون من الباب الضيق، رب البيت يرفض هؤلاء الذين يقرعون الباب، يأتي أناس من كل حدب وصوب للدخول في ملكوت السماوات / الله
34:13-35
37:23-39
يا أورشليم، يا أورشليم! يا قاتلة الأنبياء، عليك مباركة ذلك الشخص الآتي باسم الرب
16:14-24
2:22-10
ملكوت السماوات / الله هي مأدبة عظيمة: يعتذر مدعوون، ويدعى آخرون
26:14-27
37:10-38
فضلّني على عائلتك، أحمل صليبك واتبعن
34:14-35
13:5
عدم نفح الملح الذي فقد مذاقه
4:15-7
12:18-14
الإنسان الذي يترك 99 خروفاً ويذهب لأجل الخروف الضال
13:16
24:6
ليس بمقدوركم أن تخدموا سيدين
16:16-18
12:11-13، 18:5، 32
كان الناموس والأنبياء إلى يوحنا، لن تسقط نقطة واحدة من الناموس، كل من يطلق امرأته ويتزوج بأخرى يزني
1:17، 3ب-4
7:18، 15، 21-22
ويل لأولئك الذين تأتي العثرات بواسطتهم، اغفر لأخيك بعد توبيخه، بطرس: كم مرة نغفر
6:17
20:17
لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل، لاستطعتم تحريك الجبال / واقتلاع الأشجار
مجيء ابن الإنسان في النهاية
23:17-24، 37
26:24-28
علامات مجيء ابن الإنسان
26:17-27، 30
37:24 -39
وكما في أيام نوح كذلك يكون أيضاً في أيام ابن الإنسان
33:17
39:10
من طلب أن يخلّص نفسه يهلكها، ومن أهلكها يحييها
34:17-35
41:10
إنه في تلك اللية يكون اثنان، فيؤخذ الواحد ويترك الآخر
12:19-27
14:25-30
قصة الموهوبين
28:22، 30
28:19
أتباع يسوع سيجلسون على كراسيه ويدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر
وكما يُظهر هذا التلخيص بأن الوثيقة Q يحتوي على معظم تعاليم يسوع. فهو يحتوي على القليل من القصص السردية حيث يبدأ بيوحنا المعمدان والإغراءات التي تعرض لها يسوع، وبالقرب من المنتصف هناك سرد لإحدى المعجزات: “خادم قائد المائة الروماني”. كما يمكن الاستدلال على الكثير من المعجزات الأخرى التي جاء بها يسوع في إنجيل لوقا (21:7 و 13:10 و 20:11). وفي بعض الأماكن، تحتوي التعاليم على سياق أو مقدمات سردية قصيرة، على سبيل المثال: لوقا (18:7-20، الأسئلة التي طرحها يوحنا المعمدان).
إن تعاليم يسوع مقسمة بالتساوي تقريباً بين قصص وأقوال قصيرة. كما تكثير أقوال الحكمة والأقوال الأخروية التي هي بالمجمل عبارة عن تحذيرات. يتشارك الهيكل العام لالوثيقة Q بقسم لا بأس به مع أناجيل العهد الجديد اللاحقة. وبنفس طريقة أناجيل العهد الجديد، يبدأ الوثيقة Q مع يوحنا والإغراءات، ويزيد من ذكر يوحنا في أمكنة لاحقة. وينتهي الوثيقة Q والأناجيل السينوبتية بقسم القصص والأقوال الأخروية على قسمهم التعليمي الرئيسي الأخير.
يبقي الوضع الاجتماعي التاريخي الدقيق لالوثيقة Q غير مؤكد، لكن يوجد هناك شبه إجماع بخصوص ذلك. فمعظم الباحثين يحددون مكانه في فلسطين، وكثيرون يحددون مكانه في جنوب الجليل الأوسط، وقليلون يحددون مكانه في جنوب سورية. إن الوثيقة Q عمل يهودي مسيحي موجه لشعب إسرائيل. فتاريخ كتابته المقترح يتفاوت من 40 إلى 70م وعلى الأغلب تمت كتابته في منتصف هذه الفترة. قد يُظهر الجزء الأول من هذه الفترة حملات تبشيرية متجولة تكمل رسالة يسوع وكهنوته في جميع أنحاء المناطق التي كان يعمل فيها.
وقد تعود المجموعة الأولى لأقوال يسوع التي استخدمتها هذه الحملات التبشيرية المتجولة إلى المجتمع الذي ظهر بعد عيد الفصح الأول. ومن المرجح أن هذه الحملات التبشيرية كانت قد أنشأت أول مجتمع مسيحي مستقر في جميع أنحاء الإقليم القديم من إسرائيل. وتشكل نهاية هذه الفترة، أي عام 70م، فترة التمرد اليهودي. فقد تكون كل من الحملات التبشيرية والتجمعات السكنية المستقرة تعطلت إلى حد كبير جراء الحرب، ولم تشر التنبؤات حول القدس والمعبد إلى وجود عمل عسكري (لوقا 34:13-35)، كما هو الحال في الأناجيل السنوبتية.
كذلك الأمر، فإن استخدام الوثيقة Q من جانب متى ولوقا، اللذين يعود تاريخهما بصورة شائعة إلى الثمانينيات من القرن الأول، يتضمن أن الوثيقة Q كان قد تمت كتابه وتداوله في فترة سبقت ذلك العقد.
لقد كان الوثيقة Q وفقاً لكل الاحتمالات وثيقة مكتوبة. إن أفضل طريقة لتفسير الكمية الكبيرة من التوافقات الشفهية بين متى ولوقا، الأمر الذي يشير مرة أخرى إلى مصدر مكتوب. لقد تمت كتابة الوثيقة Q بصورة شبة مؤكدة باللغة اليونانية. ومن المرجح أن يكون الكثير من تعاليم الوثيقة Q في الأصل باللغة الآرامية، لغة يسوع وربما لغة الحملات التبشيرية الفلسطينية الأولى. ومع ذلك، فإن هذا ليس مؤكداً، وإن إعادة نصوص الوثيقة Q إلى الآرامية موضع شك كبير ولا تشكل موضوعاً هاماً في مجال البحث في الوثيقة Q.
منذ نحو عام 1970، في أحدث موجة اهتمام بالوثيقة Q، تم تخصيص الكثير من عمليات البحث للنظر في المراحل التكوينية التي نشأ فيها الوثيقة Q والعمل على ربط نمو العمل بتاريخ المجتمع الذي أنتج الوثيقة Q. فقد شكلت هذه المهمة العنصر الأكثر إثارة للجدل في عمليات البحث في يسوع، المهمة المحفوفة بالصعوبات. لا يسعنا هنا إلا أن نصف عدداً قليلاً من المقترحات الرائدة وأن نقدم نقداً وجيزاً. يفترض جون كلوبنبورغ في أكثر عمليات التجديد تأثيراً على تاريخ تكوين الوثيقة Q نموذجاً من ثلاث مراحل.
تم تأليف “ق1” من “خطابات الحكمة” التي شجعت على اتباع أسلوب حياتي راديكالي مناهض للحضارة (على سبيل المثال: جوهر العظة في السهل / الثاني، بإدانة إسرائيل عندما عارضت رسالة الحكمة ورسلها، “رسالة يوحنا المعمدان، شفاء عبد قائد المائة، جميع المواد الرؤيوية”. “ق3” كان آخر ما تم إضافته، الطور التوضيحي الذي قرّب الوثيقة Q من اليهودية الحريصة على التقيد بالتوراة. كما تم في هذه المرحلة إضافة قصة الإغراء التي تعرض لها يسوع، القصة التي تقدمه على أنه نموذج للعلاقة الصحيحة مع الله.
ويرى ديتر لوهرمان طبقتين رئيسيتين للمادة. تتضمن الطبقة الأولى طبقة أخروية بأقوال عن ابن الإنسان، الإدانة، والمجيء الثاني الوشيك ليسوع، وتتضمن الطبقة الثانية دمجاً بين البعثة الموجهة للوثنيين وبين تعاليم الحكمة، عندما يتضاءل الأمل في المجيء الثاني الوشيك ليسوع.
ويرى لوهرمان مجتمع الوثيقة Q على أنه مجموعة مسيحية لا يهودية تعرضت للاضطهاد على أيدي اليهود. وتفترض عملية التجديد التي قام بها سيغفريد شولتز مرحلتين لالوثيقة Q ومجتمعها: الأولى: مجتمع فلسطيني يهودي مبكر يحمل توقعات أخروية قوية ومادة رؤيوية، والثانية: مرحلة يهودية هيلينستية متأخرة تحمل أنواعاً أخرى من المواد. اما إم ساتو فيتصور ثلاث خطوات: “التنقيح أ” جمع مواد متعلقة بيوحنا المعمدان، “التنقيح ب” دمج المواد التي تتحدث عن البعثة، و”التنقيح ج” يتضمن بيانات إدانة إسرائيل وتعاليم الحكمة.
نظراً لتنوع مواده، فإنه من المرجح حقاً أن يكون الوثيقة Q تشكل على مراحل. ربما بكون قد بدأ بتجميع مواد الوعظ التي كانت متشابهة في الشكل والمضمون. وبعد ذلك، في الوقت الذي تواصلت فيه الإرسالية التبشيرية إلى إسرائيل، أدت المعارضة والفشل في نهاية المطاف إلى إدراج مواد تعليمية أخرى متنوعة تؤكد على إدانة إسرائيل والالتفات إلى الوثنيين. فماذا تكون أنواع المواد المضافة عندما يصعب التكهن بذلك؟
يقترح كلوبنبورغ أن عناصر الحكمة التي جاءت أولاً والعناصر الرؤيوية كان لهما التأثير في أمريكا الشمالية، لاسيما مع بيرتون ماك، وجون دومينيك كروسان، وأعضاء آخرين في منتدى يسوع، حيث يقولون بأن يسوع التاريخي كان معلم الحكمة. لكن كما يشير المخطط المختصر أعلاه، اقترح آخرون أن المادة المتعلقة بسفر الرؤيا جاءت أولاً ومن ثم جاءت مادة الحكمة. وربما يكون من الخطأ استنتاج فارق ثابت بين المادة الروحية والرؤيوية والحكمة في أدب مؤثر مثل أدب دانيال.
هناك بعض المقاطع في الوثيقة Q تجعل من الصعب تحديد حكمتها والعناصر الرؤيوية لمختلف مراحل تكوينها. على سبيل المثال، أظهرت “أديلا يا ربرو كولينز أن أقوال “ابن الإنسان” الأخروية تتكرر في كل طبقة من طبقات الوثيقة Q وفقاً لتصنيف الأبحاث الأخيرة. وقد صادق هيلموت كوستر مؤخراً على استنتاجاتها المتعلقة بالإيمان بالآخرة في الوثيقة Q. وينطبق الشيء نفسه على المقاطع الأخرى.
في إنجيل لوقا (31:11-32)، ستكون ملكة الجنوب التي جاءت “من أقاصي الأرض للاستماع إلى حكمة سليمان” شاهدةً مع شعب نينوى في الحكم. في لوقا (49:11) ترسل “حكمة الله” الأنبياء والرس الذين سيتعرضون للاضطهاد “وبذلك يطلب من هذا الجيل دم جميع الأنبياء المهرق” منذ إنشاء العالم.
في لوقا 4:12-7 يُعطى الصمود في وجه الاضطهاد مبدأ أخروياً (الآيات 4-5: خافوا من الذي بعدما يقتل، له سلطان أن يلقي في جهنم ومن ثم يُعطى مبدأ حكمة) و(الآيات 6-7 الله: يكترث للعصافير، وأنتم أفضل من عصافير كثيرة، فلا تخافوا). تشير مثل هذه النصوص إلى أن الحكمة والمواد الأخروية قد تكون موجودة في الوثيقة Q في مختلف مراحل تكوينه.
إن الوقت والطريقة اللذين دخلت فيهما المادة إلى الوثيقة Q هما أيضاً موضع خلاف. هل كانت عناصر السرد موجودة في البداية، أم أنه تم إضافتها في وقت لاحق في الوقت الذي كانت فيه الوثيقة Q في طريقها لتصبح إنجيلاً قبل أن يتم دمجه في متى ولوقا؟ وهل كان عبارة عن مادة لاحقة تم تلفيقها بكل صراحة؟ يلمح بعض الباحثين أو يصرحون علناً أن واضعي الوثيقة Q هم الذين قاموا بإنشاء الطبقات الأخيرة له وأن الطبقة الأولى فقط هي التي تدعي تمثيل تعاليم يسوع الأصلية.
وهنا يجب علينا أن نتذكر القول المأثور “التاريخ التقليدي ليس تاريخاً أدبياً.” فمن الممكن للحالة المتغيرة لمجتمع الوثيقة Q أن تؤدي بهم إلى تبني تعاليم مختلفة ليسوع كانت تسبح في بحر تقاليد الوثيقة Q الشفوية، البحر الذي طافت على سطحه وثيقة الوثيقة Q، ومن ثم أدت بهم إلى إدراج تلك التعاليم في الوثيقة Q مكتوبة.
يسأل الكثير من البحاثين فيما إذا كان باستطاعتنا الربط بين طبقات الوثيقة Q الأدبية وبين التاريخ العام للمجموعة التي من الواضح أنها أنتجته. على الرغم من ذلك، ما يزال ممكناً السؤال عن نوعية المجتمع الذي يعكسه الوثيقة Q ككل. فقد أولي الكثير من الاهتمام لدعاة الوثيقة Q المتجولين، لاسيما دورهم في استخدام وتطوير تقاليد يسوع. وتبدو مقاطع مثل: (لوقا 57:9-12:10، 22:12-31، 33-34، 51-53) أنها تعكس نمط حياة الدعاة الذين تم إرسالهم لتوسيع كهنوت يسوع.
فقد تركوا أسرهم وأصبحوا بلا مأوى، وقد ذاقوا طعم الفقر واعتمدوا على كرم الشعب الذي يعملون بينه من أجل عيشهم الزهيد، وتنقلوا من بلدة إلى أخرى يدعون قبل مجيء ابن الإنسان في نهاية الزمان. فهم يعيشون ويبلغون رسالة يسوع: “طوباكم أيها المساكين، لأن لكم ملكوت الله.” (لوقا 20:6)، كما يبدو أن وصف أتباع يسوع المتجولين الوارد في الوثيقة Q يشير إلى أنهم يصنعون المعجزات. ومع ذلك، هذا لا يحدث إلا مرة واحدة (لوقا 9:10)، الأمر الذي قد يشرح سبب الذكر البسيط للمعجزات في الوثيقة Q نفسه.
إلى جانب نمط حياة المتجولين هذا، تقدم الوثيقة Q رغم ذلك مجتمعاً مستقراً من المؤمنين يعيشون نمط حياة مختلف. “أقيموا في ذلك البيت… لا تنتقلوا من بيت إلى آخر.” (لوقا 7:10)، في حين يتحدث إلى المتجولين، يضع بعض القيمة لحياة الاستقرار. وفي المنع الصارم للطلاق من جانب يسوع، يتم التمسك بالزواج بصفته مشيئة الله المستمرة (لوقا 18:16). وتُظهر القدرة على توفير السخاء الذي يبدو عبارة عن دعم مادي غير منقطع للأخرين (لوقا 30:6) تُظهر أن ليس كل أفراد مجتمع الوثيقة Q قاموا بالتبرع بكل ما يملكون.
كما تُظهر الضرورة المستمرة للاختيار بين الله والثورة (لوقا 13:16) مجتمعاً يتمتع بما يكفي من الثروة التي يغريه بها الأغنياء. وتُظهر قصص الوثيقة Q الرمزية على وجه الخصوص، وإن لم تكن تقدم تعاليم تخص الممتلكات بصورة مباشرة، وتُظهر موقفاً أكثر إيجابية لحياة الاسقرار من خلال طرق معينة: الله هو بمثابة رب البيت (25:13-30)، الله يعطي مأدبة غنية (16:14)، الله هو بمثابة رجل يملك مائة من الغنم ويهتم بواحدة (4:15-7)، والله يعطي لشعبه مواهب غنية متوقعاً منهم مضاعفتها (12:19-27).
لا يمكن لمجتمع مؤلف من متجولين فقراء ينظرون إلى الممتلكات على أنها شر تصور هذا الرأي الإيجابي الضمني لحياة الاستقرار وبعض الثروة. فقد دخل الانحلال الروحي والنفاق في المجتمع، لأن بإمكان بعض الناس مناداة يسوع ب “الرب” ولا ينفذون أوامره (لوقا 46:6-49). ويمكم لمؤمنين مستقرين التأمل في هذا الوضع أكثر من أولئك المبشرين المتجولين الروحانيين.
وهناك معنى لوجود كل من الدعاة المتجولين والمجتمعات المستقرة في مجتمع الوثيقة Q الكبير: ينجح المبشرون بدعوة الناس، وإذا انضم هؤلاء المتجولون إليهم في مهمتهم، فإن المجتمعات المستقرة للمؤمنين ستتطور بعد فترة وجيزة. ربما تدعم أو تطعن أنماط الحياة الراديكالية والتقليدية في مجتمع الوثيقة Q ببعضها بعضاً، السيناريو الذي لا يختلف عن ذلك المعروف في العهد الجديد وفي تاريخ الكنيسة اللاحق عندما كان المبشرون المتجولون والكنائس المستقرة يتمتعون بعلاقة خلاقة لكن متوترة.
كيف تصور الوثيقة Q يسوع؟
في حين أن يسوع يظهر بصورة المعلم بكل وضوح، إلا أنه يعتبر أكثر من ذلك. إن يسوع بتعاليمه هو وكيل الله للخلاص، وبذلك يقرّب ملكوت الله بالقدر الذي يكفي ليستجيب الشعب له. “ولكن إن كنت بإصبع الله أخرج الشياطين، فقد أقبل عليكم ملكوت الله.” (لوقا 20:11). يظهر يسوع في افتتاحية الوثيقة Q على أنه “استيفاء الأنبياء وفي شخصه وكلامه البيان الحقيقي للناموس.” فهو ابن الإنسان (لوقا 19:8-22، 16:11-19) وأبن الآب (لوقا 25:11-27). وهو المبعوث الأخير لحكمة الله (لوقا 35:7). وبصورة تثير الدهشة، لا يدعو الوثيقة Q يسوع بالمسيح، إلا أن مسيحانية يسوع تقر بيسوع على أنه المسيح بكل شيء باستثناء الاسم.
وتحدد استجابة شخص ما على شخص يسوع وتعاليمه علاقته بالله في هذا العالم ومكانته في ملكوت الله في العالم الآخر (لوقا 8:12-9). والحيادية بالنسبة ليسوع مستحيلة (لوقا 23:11). فقد انكشف وقت الخلاص بظهور يسوع، وهؤلاء الذين يسمعونه ويطيعونه مباركون. وهؤلاء الذين ينكرون يسوع سيحاكمهم الله، وإن التحذيرات من الفرار من الحكم النهائي باللجوء إلى الله وفيرة في الوثيقة Q. وتترافق المعجزات مع تعاليم يسوع الموثوقة. على الرغم من أن الوثيقة Q لا يذكر سوى معجزة واحدة، ألا أنه يوضح أن علميات الشفاء كانت من سمات كهنوت يسوع كله.
“إن العمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون، والصم يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يبشرون.” (لوقا 22:7). كما يرسل يسوع تلاميذه ليذيعون عرض الخلاص هذا وقُرب ملكوت الله (لوقا 5:10-6، 9، 11). وهم ربما ضمناً كيسوع، “مثل الغنم بين الذئاب” وسيعانون من اضطهاد اليهود الذين لا يؤمنون (لوقا 3:10، 22:6-23). ومع ذلك، يتوجب عليهم حمل الصليب واتباع يسوع (14:27) ويقابلون الاضطهاد بالحب. إن يسوع في حياته الدنيوية مرتبط بيسوع الممجد الذي سيعود كابن الإنسان.
([1]) يقال إن الرمز الوثيقة Q (َQ) مشتق من الكلمة الألمانية: “Quelle–المصدر“، لكن هذا ليس أكيداً على الإطلاق. انظر جون ج. سميث، البحث عن أصل الرمز (Q)، دورية الأدب الإنجيلي، 100 (1981) 609-611.