كتاب شمس البر PDF – القس منسى يوحنا

كتاب شمس البر PDF – القس منسى يوحنا

كتاب شمس البر PDF – القس منسى يوحنا

كتاب شمس البر PDF – القس منسى يوحنا

محتويات الكتاب

فهرس

كلمة مكتبة المحبة بالقاهرة

كلمة عن المؤلف نيح الله نفسه

تحية الشقيق (وهبة يؤنس نصر الله)

 

الجزء الأول: إثبات صحة الأناجيل

الباب الأول: في أن الرسل لم يكونوا مخدوعين أو خادعين ولم يكن الخداع سهلا عليهم.

  • الفصل الأول: في أن الرسل لم يكونوا مخدوعين
  • الفصل الثاني: في أن الرسل لم يكونوا خادعين
  • الفصل الثالث: في إنه لم يكن سهلا على الرسل أن يخدعوا العالم

 

الباب الثاني: في صحة نسبة الأناجيل لكاتبيها

 

الباب الثالث: في المطابقات غير المقصودة بين الأناجيل وفي إخلاص كَتَبَتِها

 

الباب الرابع: شهادات تاريخية

  • الفصل الأول: شهادة الآباء في القرن الأول
  • الفصل الثاني: شهادات الآباء في القرن العشرين
  • الفصل الثالث: شهادة الترجمات القديمة وعلم الجيوغرافية.
  • الفصل الرابع: شهادة أعداء المسيحية الأولين
  • الفصل الخامس: شهادة يوسيفوس المؤرخ اليهودي

 

الباب الخامس: في عدم تحريف الأناجيل

 

الباب السادس: الاعتراضات على صحة الأناجيل

 

الجزء الثاني: في سر التثليث 

 

الباب الأول: في السر

 

الباب الثاني: في العقل والإيمان 

  • الفصل الأول: في ما ندركه بالإيمان 
  • الفصل الثاني: في ما ندركه بالعقل 

 

الباب الثالث: في الكلام عن سر التثليث

  • الفصل الأول: أهمية تعليم التثليث 
  • الفصل الثاني: في الأقنوم
  • الفصل الثالث: في إن العقل يقبل سر التثليث وإن كان لا يفهمه
  • الفصل الرابع: الثالوث في المخلوقات 
  • الفصل الخامس: التثليث في الأديان الأخرى 
  • الفصل السادس: الثالوث في العهد القديم 
  • الفصل السابع: شهادة القرآن للنصارى بالتوحيد
  • الفصل الثامن: اعتراضات على التثليث 
  • الفصل التاسع: في حقيقة بنوة المسيح لأبيه 
  • الفصل العاشر: اعتراضات كتابية على سر التثليث

 

الجزء الثالث: في إثبات لاهوت المسيح

 

الباب الأول: في دعوة المسيح نفسه إلها 

  • الفصل الأول في انفراد المسيح بهذه الدعوة 
  • الفصل الثاني: حياة المسيح برهان على صدق ما ادعاه لنفسه 
  • الفصل الثالث: أن المسيح دعا العالم إلى اعتباره إلها وأجيبت دعوته
  • الفصل الرابع: المسيح برهن على صدق دعوته بقوة تأثيره الشخصي
  • الفصل الخامس: ثبات ألوهية المسيح أكبر دليل على صحتها
  • الفصل السادس: لماذا لم يؤمن جميع الناس بيسوع إلها؟

 

الباب الثاني: ألوهية المسيح في تجسده

  • الفصل الأول: نبوات العهد القديم عن المسيح
  • الفصل الثاني: اعتراضات عامة على النبوات التي تشير إلى المسيح
  • الفصل الثالث: لماذا لا يقبل اليهود المسيح؟
  • الفصل الرابع: انتظار الأمم للمسيح
  • الفصل الخامس: المسيح نهاية وبداية
  • الفصل السادس: بينات أخرى على لاهوت المسيح وتجسده.

 

رقم الإيداع بدار الكتب ٣٧٤٥ / ٧٩

الترقيم الدولي ٥ – ۷٦ – ۷۲۸۱ – ۹۷۷

طبع على مطابع شركة تريكرومى للطباعة

مكتبة المحبة

 

تحميل الكتاب PDF

إصدارات الكتاب المقدس – الجزء الأول – فيليب كومفورت – ترجمة: مينا كرم

إصدارات الكتاب المقدس – الجزء الأول – فيليب كومفورت – ترجمة: مينا كرم

إصدارات الكتاب المقدس – الجزء الأول – فيليب كومفورت – ترجمة: مينا كرم

إصدارات الكتاب المقدس – الجزء الأول – فيليب كومفورت – ترجمة: مينا كرم

 

مُقدمة

عندما أقوم بتدريس مادة “أدب وتفسير العهد الجديد”، في كلية وايتون، دائماً أقوم بإلقاء مُحاضرات حول تاريخ الكتاب المُقدس باللغة الإنجليزية ومُختلف الترجمات الحديثة المُتاحة بين أيدي القارئ الإنجليزي، أعتقد أنه من المُهم للطلاب الذين يعيشون في هذا العصر الحديث الذي يمتاز بوفرة الترجمات أن يعرفوا شيء عن كل ترجمة.

 

عندما أقوم بإلقاء المُحاضرات، غالباً يسألوني هذا السؤال “ما هي الترجمة الأفضل؟”  ودائما اُجيب قائلا ً “أفضل لأي غرض؟ للقراءة أم للدراسة؟ وأفضل لأي فئة؟ للشباب الصغير أم للكبار؟  للبروتستانت أم للكاثوليك أم لليهود؟”، لا يُقصَد أبداً من إجابتي تعقيد الأمر، بل على العكس فهي تعكس تعقيد الوضع الحقيقي، في حين أن بعض اللغات الأخرى لا يوجد بها سوى ترجمة واحدة فقط للكتاب المُقدس، يوجد مئات الترجمات للكتاب المُقدس باللغة الإنجليزية.

القُراء الحداثَى للكتاب المُقدس، يجدون عددًا كبيرًا من الترجمات الإنجليزية، يجدون صعوبة في تحديد ما هي الترجمة التي يجب قراءتها، بما أن الكتاب المُقدس كتاب مُهم، وفي الواقع هو أهم كتاب، فبالتالي يُريد القراء أن يتأكدوا أنهم حقاً يستخدمون ترجمة للنص الأصلي تكون دقيقة ومفهومة، سيكون من الرائع أن يتمكن جميع البشر من قراءة الكتاب المُقدس باللغات الأصلية له، (العبرية والأرامية واليونانـــية)، لكن نظراً لأن القليل جداً من الناس هم العارفون باللغات الأصلية للكتاب المُقدس، فيعتمد كل الناس تقريباً على الترجمات.

فهذا الكتاب بمثابة دليل للكتاب المُقدس الإنجليزي والترجمات الإنجليزية للكتاب المُقدس، وسيُساعدك هذا الدليل على فهم كيف حَصُلنا على الكتاب المُقدس، وما هي مخطوطاته القديمة الهامة، وما هي الترجمات الإنجليزية المُهمة التي تم إنتاجها عبر التاريخ، يَجب أن يُرشدك هذا الكتاب أيضاً في اختيارك لنُسخ الكتاب المُقدس ويوجهك لاستخدام كل واحدة منهم.

يَشرح الفصل الأول كيف كُتب الكتاب المُقدس الذي هو كلمة الله المُوحى بها في المرة الأولى، يَشرح الفصلان الثاني والثالث، كيف تم كتابة وترجمة العهد القديم والجديد وما هي المخطوطات المُتاحة لكلٍ من العهدين، تُقدم الفصول الثلاثة التالية تاريخ الكتاب المُقدس الإنجليزي، من النُسخ الأقدم في القرن السابع الميلادي وحتى نُسخة الملك جيمس، ومن نُسخة الملك جيمس إلى النُسخة القياسية المُنقحة، والترجمات الحديثة لأخر 40 عام، ويتناول الفصل السابع طُرقًا مُختلفة للترجمة، ويُقدم الفصل الأخير دراسة مقارنة لعدة ترجمات حديثة لمُقدمة إنجيل يوحنا.  

 

وحي الكتاب المُقدس – كيف كُتب الكتاب المُقدس في المرة الأولى وبواسطة من؟

قل لي واعترف، متى كانت آخر مرة أخذت ذلك الكتاب ذا الغلاف الأسود من الرف وفتحته؟ هناك شيء رائع حول عنوان هذا الكتاب “الكتاب المُقدس”، والبعض قد أطلق عليه “الكتاب السار”، لكن هُناك عنوان أفضل لهذا الكتاب وهو “كتاب الله”، لأنه اتصال الله الكتابي بالعالم، يحتوي الكتاب المُقدس على كل ما يُريد الله أن يُخبرنا به.

ومن بين جميع الملايين من الكتب الموجودة في العالم، يوجد كتاب واحد فقط كتبه الله، وهناك كتاب واحد فقط يُعلن عن خطة الله للإنسان، إنه كتاب مُدهش لأنه يَحتوي على تأليف إلهي، ولأنه يَروي قصة رائعة عن حب الله لنا، لكن هُناك قصة أخرى مُدهشة، وهي قصة كيف جاء إلينا الكتاب المُقدس، قد كُتب الكتاب المُقدس باللغات القديمة (العبرية والأرامية واليونانية)، من خلال رجال أوحى الله إليهم، يُخبرنا الكتاب المُقدس نفسه أنه نص موحى به[1] والترجمة الأقرب لهذا النص بحسب اللغة اليونانية هو “كل الكتاب المُقدس هو تنفس الله” وهذا يُخبرنا بأن كل كلمة في الكتاب المُقدس قد أتت من الله، قد جاءت كلمات الكتاب المُقدس من الله وكتبها رجال الله، وأكد الرسول بطرس ذلك حيث يقول “عَالِمِينَ هَذَا أَوَّلاً: أن كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ، لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللَّهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.”[2]

 

تعبير “تكلم رجال الله” يُعتبر هو المفتاح لفهم كيفية مجيء الكتاب المُقدس إلى حيز الوجود، فقد أختار الله رجالًا مُعينين، مثل موسى وداوود وإشعيا وإرميا وحزقيال ودانيال، ليتلقوا كلماته وما كتبوه قد أصبح أسفارا أو أقسامًا في العهد القديم، وقبل حوالي ألفي عام اختار الله رجالًا أخرين، مثل متى ولوقا ومرقس ويوحنا وبولس، بهدف توصيل الرسالة الإلهية الجديدة، رسالة الخلاص بواسطة يسوع المسيح، وما كتبوه أصبح أسفارا أو أقسامًا من العهد الجديد.

فقد أعطى الله كلماته لهؤلاء الرجال بطرق مُختلفة، فقد تلقى بعض كتاب العهد القديم رسائل مُباشرة من الله، فقد اُعطيت الوصايا العشر لموسى منقوشة على أحجار حينما كان في حضرة الله على جبل سيناء.

وحينما كان يقوم بكتابة مزاميره إلى الله فقد تلقى إلهامًا إلهيًا للتنبؤ ببعض الأحداث التي ستحدث بعد ألف عام في حياة يسوع المسيح، وقد أخبر الله أنبيائه، مثل إشعياء وإرميا بالضبط ما يقولوه، ولذلك حينما أعطوا رسالة، فهي كانت كلمة ورسالة الله وليست كلمة خاصة بهم، وهذا هو السبب في أن الكثير من أنبياء العهد القديم غالباً ما قالوا “هكذا يقول الرب” (قد جاء هذا التعبير أكثر من ألفي مرة في العهد القديم) وقد أرسل الله كلمته بطرق أخرى، مثلما أرسلها لحزقيال ودانيال من خلال الرؤى والأحلام، وسجلوا بالضبط ما رأوه، سواء كانوا يفهمون ذلك أو لا، وكُتاب آخرون للعهد القديم مثل صموئيل وعزرا أخرجهم الله لكي يُسجلوا أحداثًا في تاريخ إسرائيل.

وبعد أربعمائة سنة من كتابة آخر سفر للعهد القديم (ملاخي)، جاء ابن الله، يسوع المسيح، إلى الأرض، وفي خطاباته قد أكد على كتابة العهد القديم بإلهام كتابي[3] وعلاوة على ذلك، أشار إلى مقاطع بعينها في العهد القديم تنبأت بأحداث مُعينة في حياته [4] وأكد العهد الجديد أيضاً على الإلهام من الله في نص العهد القديم، كان الرسول بولس يؤكد على ذلك حينما قال “كل الكتاب موحى به من الله” على وجه التحديد كان بولس يتحدث عن العهد القديم، وكما لوحظ أن بطرس يقول أن أنبياء العهد القديم كانوا مَسوقين بالروح القدس للتحدث عن الله.

العهد الجديد أيضاً كتاب موحى به من الله، قبل أن يترك يسوع هذه الأرض ويذهب لأبيه، قد أخبر تلاميذه أنه سيرسل الروح القدس إليهم، والروح القدس سُيذكرهم بكل ما قاله لهم والروح القدس سيوجههم إلى الحقيقة أكثر [5] فأولئك الذين كتبوا الأناجيل قد ساعدهم الروح القدس على أن يتذكروا كلمات يسوع، وأولئك الذين كتبوا أجزاء أخرى من العهد الجديد، كان الروح القدس يرشدهم وقد أشار الرسول بولس إلى أن رُسل العهد الجديد كانوا يعطون ما يُعلمهم إياه الروح القدس [6]فما كتبوه هو تعليم روح الله، على سبيل المثال، حينما رأى يوحنا الرسول أن يسوع قد جاء ليُعطينا حياة أبدية، فقد ساعده الروح القدس على التعبير عن هذه الحقيقة بطرق عديدة ومختلفة، وهكذا، يرى قارئ إنجيل يوحنا عبارات مُختلفة عن يسوع، فهو له حياة في ذاته، وهو ينبوع الماء الحي، وهو خبز الحياة، ونور الحياة، والقيامة والحياة [7] وكذلك تماماً هذا ما حدث مع بولس في استخدام عبارات مثل “فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً”، “المُذخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم” [8]

ولكن كما كان الروح القدس يُرشد الكُتاب الذين كتبوا الأسفار، الكُتاب استخدموا أيضاً مفرداتهم الخاصة للكتابة وللتعبير عن فكر الروح، وعلى هذا النحو فقد جاء إلينا الكتاب المُقدس نتاج التعاون الإلهي والبشري، لم تكن الكتب المُقدسة موحى بها بشكل ميكانيكي، كما لو كان الله يستخدم البشر استخدام الآلات ليُملي عليهم الكلام الإلهي، لكن الكتاب المُقدس هو كتاب مُوحى به من الله من خلال بشر، إذن الكتاب المُقدس هو كتاب إلهي بشري بشكل كامل.

في المرة القادمة التي تفتح فيها هذا الكتاب ذا الغلاف الأسود المُسمى بالكتاب المُقدس، تذكر أنك تقرأ الكتاب الذي أنتجته سلطة إلهيه واحدة والكثير من المؤلفين البشريين، فقد أعطى الله كلمته وأصبح يُدعمها الآن بحضوره وكتابه الموحى به.

 

نص العهد القديم – كيف صُنع والمخطوطات التي نمتلكها اليوم؟

يتكون الكتاب المُقدس من قسمين رئيسيين العهد القديم والجديد، وكلمة عهد تُعني “ميثاق” أو  “اتفاقية” [9] كان العهد القديم يَقوم في المقام الأول على الاتفاق بين الله وشعبه فيما يتعلق بالشريعة، فقد وعد الله أن يُبارك شعبه إذا حفظوا وصاياه، ولكن شعبه قد فشل في كثير من الأحيان في حفظ وصاياه، لذلك كان العهد القديم ذا شوائب، ومع ذلك فهذا لم يمنع الله، لقد أخبر شعبه من خلال بعض أنبيائه أنه سوف يُصدر ميثاقاً جديدًا، سيكتب فيه وصاياه، وليس على الألواح الحجرية (كما فعل مع الوصايا العشر)، ولكن على قلوب الرجال والنساء [10] فقد أصبح هذا الميثاق حقيقة عندما جاء ابن الله، يسوع المسيح إلى الأرض، فقد أصدر الله ميثاقاً جديدًا يستند على الإيمان به، كل شخص يُشارك في هذا الميثاق الجديد يؤمن أن يسوع هو ابن الله الذي مات على الصليب ليُخلص البشرية وقام من الموت ليحيها.

يُركز كتاب العهد القديم على الميثاق القديم بين الله وشعبه، ويُركز العهد الجديد على الميثاق الجديد بين الله وكل مؤمن.

خلال العهد القديم فقد ألهم الله الكثير من الرجال الأتقياء لكي يُعطي كلمته لشعبه، إسرائيل، وتم حفظ هذه الكتابات وجمعها في ثلاثة أقسام رئيسية: وهم (الناموس والأنبياء والمزامير)، عندما تكلم يسوع مع تلاميذه عن العهد القديم أشار إلى نفس هذا التقسيم [11]

من بين الأقسام الثلاثة، كان القسم الأكثر أهمية بالنسبة إلى الإسرائيليين هو الناموس، أو بتعبير أخر “أسفار موسى الخمس” (سفر التكوين، الخروج، لاويين، عدد، تثنية)، أسفار موسى الخمسة التي قيل إنها كُتبت بواسطة موسى قد زودت إسرائيل بالتعاليم والمبادئ الأساسية للحياة الشخصية والاجتماعية والروحية، باختصار، تحتوي على جوهر اليهودية.

قسم الأنبياء، يُعتبر هذا القسم جزءاً كبيراً من العهد القديم، فهو يشمل الأسفار التاريخية الأربعة (يشوع، قضاة، صموئيل، ملوك) وكتب الأنبياء الكبار الثلاثة (إشعيا، إرميا، حزقيال)، وكتب الأنبياء الصغار الاثني عشر (هوشع، يوئيل، عاموس، عوبديا، يونان، ميخا، ناحوم، حبقوق، صفنيا، حجي، زكريا، ملاخي)، أن الكتب النبوية هي سجل لوحَي الله لشعبه فيما يتعلق بالأحداث الماضية والحالية والمُستقبلية، في الكتاب المُقدس العبري، “الكتابات” التي تُعتبر القسم الأخير في العهد القديم، هي قسمين، النوع الأول يُسمى “كتابات الحكمة” وهي تشمل (المزامير، الأمثال، أيوب، نشيد الأناشيد، مراثي أرميا، الجامعة)، النوع الثاني من “كتابات الحكمة” يَشمل الكتب التاريخية، وتحديداً (إستير، دانيال، عزرا، نحميا، أخبار الأيام)

يختلف ترتيب وتصنيف الكتاب المُقدس العبري عن ما هو بين المسيحين في كُتبهم المُقدسة، لأن الكتاب المُقدس المسيحي أعتمد على الترتيب الموجود في الترجمة السبعينية، وهي ترجمة يونانية للكتاب المقدس العبري، الترجمة السبعينية، هي الترجمة الأولى للكتاب المقدس العبري، تُرجمت في القرن الثالث قبل الميلاد، من خلال الكتبة اليهود، الذين كانوا ضلعين في اللغة العبرية واليونانية، وأصبحت هذه الترجمة شائعة جداً بين اليهود في حوالي قرنين قبل المسيح، لأن العديد من اليهود كانوا في هذه الفترة ليسوا بعارفين باللغة العبرية، لقد غادر أسلافهم إسرائيل قبل قرون، وخفتت القدرة على قراءة الكتاب المُقدس العبري جيل بعد جيل، استخدم المسيحيون الأوائل أيضاً السبعينية في اجتماعاتهم وفي قراءاتهم الخاصة، وقد نقلها العديد من الرسل في العهد الجديد عندما كتبوا الأناجيل والرسائل باللغة اليونانية، ترتيب الكتب في الترجمة السبعينية هو نفس الترتيب الموجود في كُتبنا المُقدسة اليوم، ولأجل الحفظ عن ظهر قلب فمن المُلائم تقسيم العهد القديم إلى خمسة أقسام.

  • التوراه (الشريعة): (تكوين، خروج، لاويين، عدد، تثنية)
  • الكتب التاريخية: (يشوع، قضاه، راعوث، 1،2 صموئيل، 1،2 ملوك، 1،2 اخبار الأيام، عزرا، نحميا، إستير)
  • أسفار الحكمة: (أيوب، المزامير، الأمثال، الجامعة، نشيد الأناشيد)
  • الأنبياء الكبار: (إشعيا، إرميا، مراثي إرميا، حزقيال، دانيال)
  • الأنبياءالصغار: هوشع، يوئيل، عاموس، عوبديا، يونان، ميخا، ناحوم، حبقوق، صفنيا، حجي، زكريا، ملاخي)

 

  • مخطوطات العهد القديم

لا يوجد بين أيدينا الأن النُسخ المكتوبة بيد الكُتاب الأصليين لأي سفر من أسفار العهد القديم، ولحسن الحظ قام الكتبة اليهود على مر العصور بنسخ كلمة الله، واهتم الكتبة اليهود بإنتاج نسخ دقيقة للعهد القديم، لأنهم يعتبرون النص عطية الله الذي أوحى به لهم وكان لدى يسوع نفس الاحترام لنص العهد القديم في أكثر من مُناسبة أكد على ثبات النص[12]

في الأزمنة القديمة، استخدم النُساخ ريشة وحبرًا وجلدًا ليصنعوا نسخًا من الكتاب المُقدس، ويجد بعض اللفائف المصنوعة من أنواع متعددة من جلود الحيوانات، وحين الاحتياج لنسخ جديدة يتم نسخها ومقارنتها بالقديمة، وتهدف هذه المُقارنة إلى العثور على اختلاف حرف واحد فقط أو حرفين، فالنساخ كانوا يحسبون عدد الحروف، واذا كانت النسخة بعد مراجعتها خاطئة من المُمكن تصحيحها أو التخلص منها تماماً، وهذه العادة استمرت جيلاً تلو الآخر من القرن السادس وحتى القرن العاشر الميلادي، حيث قام بعض اليهود بما يُسمى بالنص الماسوري، بهدف الحفاظ على النص بعناية أثناء نقله من نسخة لأخرى، وقد أنتجوا العديد من المخطوطات، إليك بعض أهم المخطوطات الماسورية.

  • مخطوطة الأنبياء بالقاهرة (895م.)
  • مخطوطة Oriental 4445 بالمتحف البريطاني (القرن التاسع أو العاشر)
  • مخطوطة لينينجراد للأنبياء (916م.)
  • مخطوطة لينيجراد (1008م.) تحتوي على العهد الجديد كاملاً
  • مخطوطة حلب (900-925م.) تحتوي في الأصل على نص العهد القديم كاملا ولكن الأن مفقود الربع تقريباً. [13]

حتى منتصف القرن العشرين، كانت اقدم المخطوطات المتاحة هي المخطوطات الماسورية، ثم في عامي 1947،1948، العام الذي استعادت فيه إسرائيل استقلالها الوطني، ظهر اكتشاف رائع، أحد البدو عثر على لفائف، عُرفت فيما بعد بلفائف البحر الميت، تعود بين 100 قبل الميلاد و 100 بعد الميلاد، فهي أقدم من المخطوطات الماسورية بحوالي ألف سنة، تحتوي مخطوطات قمران على أجزاء من كل أسفار العهد القديم عدا إستير، تحتوي على أجزاء كبيرة من الأسفار الخمسة الأولى خاصة سفر التثنية (سفر التثنية له 25 مخطوطة في لفائف قمران) وأيضاً الأنبياء الكبار وخصوصاً سفر إشعياء، والمزامير لها 27 مخطوطة قمرانية.

وتحتوي مخطوطات قمران أيضاً على أجزاء من السبعينية، والترجوم، وبعض الكتابات الأبوكريفية، وتفسير لسفر حبقوق، يبدو أن صناع هذه المخطوطات من اليهود عاشوا في القرن الثالث قبل الميلاد في قمران إلى القرن الأول الميلادي، وعلى الرغم أن الفارق الزمني بين مخطوطات قمران ومخطوطات النص الماسوري حوالي ألف عام، لكن لا توجد فروق كبيرة بينهم كما كان يتوقع الكثيرين، فمن الطبيعي أن هذه الحقبة الزمنية الكبيرة ستُنشئ ألاف الاختلافات، لكن هذا غير موجود، فمن الواضح أن اليهود قد اجادوا في النسخ بدقة عالية.

إلى يومنا هذا يلجأ جميع علماء الكتاب المُقدس إلى النص الماسوري، فهو يُعتبر النص الرسمي للعهد القديم، ولكن في نفس الوقت تتم المقارنة أحيانا بين النص الماسوري والقمراني، وأيضاً السبعينية والتوراة السامرية[14]، من إلهام أن تعرف أن الهوامش النقدية للعهد القديم تستطيع أن تحصل عليها من النسخة المعروفة باسم Biblia Hebraica Stuttgartensia (BHS)

 

 

نص العهد الجديد – كيف صُنع والمخطوطات التي نمتلكها اليوم؟

في حين أن العهد القديم استغرق مئات السنين ليتم كتابته، اكتمل العهد الجديد في غضون خمسين عامًا فقط خلال النصف الثاني من القرن الأول الميلادي، على الأرجح كتب مرقس إنجيله (بين 50-55 ميلادي) وطبقاً للتقليد، استخدم مرقس عظات بطرس في كتابه إنجيله، ويصف هذا السرد البسيط يسوع أنه ابن الله وخادم الله، وعلى ما يبدو استخدم كلًا من متى ولوقا إنجيل مرقس عندما كتبا إنجيليهما، قد كتب متى إنجيله حوالي 70 ميلادي، وهو إنجيل يُركز على رسالة الملك المسياني وملكوته، وكتب لوقا إنجيله حوالي 60 ميلادي، كنتيجة للتحقيق في حياة يسوع ومن بداية خدمته، وقد كتب لوقا عملًا مُكملًا وهو سفر أعمال الرسل وهو سرد مُفصل لكيفية نمو الكنيسة الأولى وانتشارها بعد قيامة المسيح وصعوده، كتب يوحنا إنجيله في وقت متأخر من القرن الأول (حوالي 85-90 ميلادي)، كتب إنجيله لتشجيع الإيمان بيسوع المسيح باعتباره ابن الله، وواهب الحياة الأبدية.

بعد الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل، وفقاً للترتيب الموجود في كُتبنا المُقدسة، رسائل بولس الثلاثة عشر، رومية (حوالي 58 ميلادي)، كورنثوس الأولى والثانية (حوالي 56\57 ميلادي)، غلاطية (حوالي 49-56)، أفسس (61 ميلادي)، فيلبي (62 ميلادي)، كولوسي (62 ميلادي)، تسالونيكي الأولى والثانية (حوالي 51 ميلادي)، تيموثاوس الأولى والثانية (حوالي 63-66 ميلادي)، تيطس (حوالي 65 ميلادي)، فيليمون (حوالي 61 ميلادي)، يُمكن تقسيم رسائل بولس إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول، رسائل إلى كنائس مُحددة قبل سجن بولس (رومية، 1،2 كورنثوس، 1،2 تسالونيكي)، القسم الثاني، وهي رسائل مكتوبة خلال سجن بولس في روما والمعروفة بأسم رسائل السجن (أفسس، فيلبي، كولوسي، فليمون)، القسم الثالث، رسائل مكتوبة تخص رعاه كنائس ويُقدم لهم المشورة (تيطس، 1،2 تيموثاوس)، وعلى الرغم من أن بعض العلماء يعتقدون أن بولس هو كاتب الرسالة إلى العبرانين، فإنه ليس من المُحتمل أن يكون بولس هو كاتب الرسالة، أسلوب كتابة الرسالة مُختلف تماماً عن أسلوب بولس الخاص، بالإضافة إلى أن الكاتب يُخاطب المسيحيين من أصل يهودي فقط، بينما كانت خدمة بولس مُركزة في المقام الأول بالمسيحيين الأمميين، حتى يومنا هذا لا أحد يعرف من هو كاتب الرسالة إلى العبرانين، ربما كان، أبولوس أو برناباس أو بريسكلا، أو حتى بعض المسيحين من اليهود الذين كانوا زملاء بولس.

وبعد رسائل بولس توجد الرسائل الكاثوليكية (عامة) وسفر الرؤيا، كتب يعقوب رأس كنيسة أورشليم وأخو الرب، رسالة إلى المسيحين من اليهود الذين فروا من أورشليم بسبب الاضطهاد[15] إن رسالته المؤرخة حوالي سنة 45 هي أقدم كتابات العهد الجديد، كتب بطرس رسالتين، واحدة لتشجيع المسيحين على الخضوع للمُحاكمات والأخرى لتحذير المسيحين من الأنبياء الكذبة (حوالي 63-66)، وكتب يوحنا ثلاث رسائل واحدة تتوافق مع أسلوبه وجوهر إنجيله واثنين لأفراد (حوالي 85-90 ميلادي)، كتب يهوذا شقيق يعقوب ويسوع رسالة قصيرة يُحذر المؤمنين من المُعلمين الكذبة (حوالي 75 ميلادي، وكتب يوحنا آخر سفر في العهد الجديد وهو الرؤيا (حوالي 90-95 ميلادي).

وبعد كتابة أسفار العهد الجديد وبدأت في الانتشار بين الكنائس، قام المسيحيون بتجميع هذه الأسفار في مُجلدات لكن بصورة مُقسمة، بمعنى كان كل إنجيل من الأناجيل الأربعة يتم مُعاملته باعتباره كتاب مُستقل يتحدث عن حياة وخدمة يسوع، وابتداءاً من أواخر القرن الثاني بدأ المسيحيون في تجميع الأربع أناجيل في مُجلد واحد، وأصبحت هذه الأناجيل معروفة باسم، الإنجيل بحسب متى، الإنجيل بحسب مرقس، الإنجيل بحسب لوقا، الإنجيل بحسب يوحنا، وتم أيضاً جَمع رسائل بولس في مُجلد واحد وهذا كان في وقت مُبكر حوالي 85-90 ميلادي، وفي وقت لاحق في القرنين الثاني والثالث بدأ مسيحيون آخرون في الجمع بين أعمال الرسل والرسائل العامة في مُجلد واحد، في القرن الأول الميلادي تعامل المسيحيون مع العهد القديم باعتباره كتابهم المُقدس، وقرأوا وتحدثوا عن العهد القديم في اجتماعاتهم [16]، كانوا يمتلكون أيضاً الكلمة الحية، الرسل كانوا حاضرين بينهم، وعلمهم الرسل الإنجيل ونقلوا لهم تعاليم يسوع.

لكن بعد وفاة الرسل، أعتمد المسيحيون أكثر وأكثر على ما كتبوه الرسل، وبدأوا يُدركون أن كتاباتهم كانت على نفس مستوى كتابات العهد القديم، باختصار أُعتبرت العديد من كتب العهد الجديد في وقت مُبكر من القرن الثاني موحى بها، الأناجيل الأربعة، أعمال الرسل، رسائل بولس، بطرس الأولى، يوحنا الأولى، لكن استغرقت كتب العهد الجديد الأخرى وقتًا أطول ليحظوا على هذا الاعتراف بشكل كامل، العبرانين (لأن كاتبها غير معروف)، رسالة يعقوب (لأنه كان يُعتقد  أن هذه الرسالة تختلف عقائدياً مع لاهوت بولس عن الخلاص)، يوحنا الثانية والثالثة (لعدم انتشارهم الكبير)، سفر الرؤيا (لوجود جدال حول رسالة السفر وكاتب السفر)، وبحلول القرن الرابع تم قبول هذه الأسفار أيضاً من الكنيسة باعتبارها موحى بها من الله وتستحق أن تنضم لقانون العهد الجديد [17]

 

مخطوطات العهد الجديد:

بدأ المسيحيون في عمل نُسخ من كتابات العهد الجديد قبل نهاية القرن الأول، وكان المسيحيون الأوائل من أول الناس الذين استخدموا شكل الكتاب (يُسمى مخطوطة)، بدلاً من اللفافة، وتم إنتاج مخطوطات مثل الكثير من الكتب الحديثة لنا عن طريق أوراق قابلة للطي، مثل ورق البردي أو الرقوق، وهذا النوع كان مُفيدًا أكثر لعدة أسباب
 1. مكن النُساخ أن يكتبوا على الوجهين. 2. ساهمت في التسهيل للوصول للنصوص. 3. مكنت المسيحيين من ضم الأناجيل الأربعة معاً أو رسائل بولس معاً أو أي مزيج أخر كهذا. 4. جعل من الأسهل لأي فرد أو أي كنيسة أن تصنع مجلدها الخاص للعهد الجديد أو أي جزء منه.

ونظراً لعدم وجود النُسخ الأصلية لأي سفر من أسفار العهد الجديد، فإننا نعتمد على نُسخ لإعادة تكوين النص الأصلي، ووفقاً لغالبية العلماء، فإن أقرب نسخة للنص الأصلي هي البردية 52 تعود لحوالي 110-125 ميلادي، وتحتوي على (يوحنا 13-34، 37-38 : 18)، وكانت هذه الشظية التي تبتعد عن الأصل بحوالي عشرين إلى ثلاثين عامًا جزءًا من إحدى أقدم مخطوطات إنجيل يوحنا، ومع ذلك يَعتقد عدد من العلماء، بوجود مخطوطة أقدم وهي البردية 46 المعروفة باسم بردية تشيستر بيتي الثانية، والتي تحتوي على كل رسائل بولس ما عدا الرَعوية، وتم تأريخها مؤخراً لأواخر القرن الأول[18] فإن كان التأريخ دقيقًا، إذن لدينا مجموعة كاملة من رسائل بولس التي ترجع لعشرين إلى ثلاثين عامًا بعد أن كتب بولس مُعظم الرسائل، ولدينا أيضاً العديد من النُسخ القديمة الأخرى لأجزاء مُختلفة للعهد الجديد، وتعود العديد من مخطوطات ورق البردي من أواخر القرن الثاني إلى أوائل القرن الرابع، ومن أهم مخطوطات ورق البردي للعهد الجديد هي كما يلي:

 

برديات البهنسة :

ابتداءً من عام 1898 اكتشف جرينفيل وهانت آلاف قطع البردي في أكوام النفايات القديمة في البهنسة في مصر، وتم الحصول على كميات كبيرة من شظايا البردي تحتوي على جميع أنواع الكتابات، بالإضافة إلى أكثر من خمسة وثلاثين مخطوطة تحتوي على أجزاء من العهد الجديد، بعض مخطوطات ورق البردي الجديرة بالذكر هي (البردية 1 لإنجيل متى 1)، (البردية 45 لإنجيل يوحنا 1،16)، (البردية 13 لرسالة العبرانين 2-5، 10-12)، (البردية 22 لإنجيل يوحنا 15-16).

 

برديات تشيستر بيتي :

تم شراء هذه المخطوطات من تاجر في مصر (1930)، بواسطة تشيستر بيتي وجامعة ميتشيغان، والمخطوطات الثلاثة في هذه المجموعة، مُبكرة جدًا وتحتوي على جزء ضخم من نص العهد الجديد، تحتوي البردية 45 (من القرن الثالث) على أجزاء من الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل، وتحتوي البردية 45 (أواخر القرن الأول) على جميع رسائل بولس تقريباً ورسالة العبرانين، والبردية 47 (القرن الثالث)، وتحتوي على (سفر الرؤيا 9-17)

 

برديات بودمر:

تم شراء هذه المخطوطات من تاجر في مصر حوالي 1950،1960، والبرديات الثلاثة المُهمة في هذه المجموعة، البردية 66 (حوالي 175 ميلادي تحتوي عل إنجيل يوحنا كامل تقريباً)، البردية 72 (القرن الثالث الميلادي تحتوي على رسالة يهوذا وبطرس الأولى والثانية)، البردية 75 (حوالي 200 ميلادي تحتوي على أجزاء كبيرة من إنجيل لوقا 3-15) [19]

وخلال القرن العشرين، تم اكتشاف ما يَقرب من مائة مخطوطة من البردي تحتوي على أجزاء من العهد الجديد، ولكن في القرون السابقة ولا سيما القرن التاسع عشر، تم اكتشاف مخطوطات أخرى، الكثير منها يَعود إلى القرن الرابع أو الخامس، المخطوطات الجديرة أكثر بالذكر هي كما يلي:

 

المخطوطة السينائية:

اكتشف تشيندورف هذه المخطوطة في دير سانت كاترين، الذي يقع على سفح جبل سيناء، ويعود تاريخها إلى عام 350 م، وتحتوي على العهد الجديد بأكمله، وتُعتبر شاهدًا نصيًا مُبكرًا وموثوقًا إلى حد ما للنص الأصلي للعهد الجديد.

 

المخطوطة الفاتيكانية:

كانت هذه المخطوطة موجودة في مكتبة الفاتيكان مُنذ عام 1481 على الأقل، ولكنها لم تكن متاحة للباحثين مثل تشيندورف وتريجلز حتى مُنتصف القر التاسع عشر، وتحتوي هذه المخطوطة التي يرجع تاريخها إلى ما قبل المخطوطة السينائية بقليل على كل العهد القديم والجديد باللغة اليونانية، باستثناء الجزء الأخير من العهد الجديد من عبرانين 9:15 إلى نهاية سفر الرؤيا، وقد أثنى العلماء على المخطوطة الفاتيكانية لكونها إحدى الشواهد النصية الأكثر موثوقية لنص العهد الجديد.

 

المخطوطة السكندرية:

هذه المخطوطة من القرن الخامس، تحتوي تقريباً على كل العهد الجديد ومن المعروف أنها شاهد موثوق جداً على الرسائل العامة وسفر الرؤيا.

 

المخطوطة الإفرايمية:

هذه المخطوطة تعود للقرن الخامس وتحتوي على جزء كبير من العهد الجديد، تم محوها جزئياً وكُتبت عليها وعظات القديس إفرايم، وتم فك شفرتها لاحقاً بفضل الجهود الجبارة التي بذلها تيشندورف.

 

المخطوطة البيزية:

هذه مخطوطة من القرن الخامس سُميت بيزا على اسم مُكتشفها ثيؤدور بيزا، وتحتوي على الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل وتعرض نصًا مُختلف تمامًا عن المخطوطات المذكورة أعلاه.

 

مخطوطة واشنطن:

هذه مخطوطة من القرن الخامس تحتوي على جميع الأناجيل الأربعة، موجودة في مؤسسة سميثسونيان في واشنطن.

فيما هو قبل القرن الخامس عشر، عندما أخترع جوهان جوتنبرج، آلة الطباعة، كانت كل النُسخ لأي عمل أدبي مكتوبة بخط اليد (ومن هنا أتت كلمة مخطوطة، فكلمة مخطوطة أي كل شيء تم خطه بخط اليد)، في الوقت الحاضر، لدينا أكثر من 6000 مخطوطة يونانية للعهد الجديد أو أجزاء منه، لا يُمكن لأي عمل أدبي قديم أخر في الأدب اليوناني أن يتباهى بهذه الأرقام، الألياذة لهوميروس، وهي أعظم الأعمال اليونانية الكلاسيكية، لها حوالي 650 مخطوطة، ومأساة يوربيديس لها حوالي 330 مخطوطة، وعدد مخطوطات جميع الأعمال الأخرى في الأدب اليوناني بأقل بكثير.

وعلاوة على ذلك، يجب القول أن الزمن بين النسخة الأصلية وباقي المخطوطات أقل بكثير بالنسبة للعهد الجديد مُقارنة بأي عمل أدبي يوناني قديم أخر، كل الأعمال القديمة الأخرى تبعُد مخطوطاتها عن النص الأصلي بحوالي 800-1000 سنة، في حين أن الفارق الزمني بين الكثير من كتب العهد الجديد والنص الأصلي هو حوالي مائة عام فقط، بسبب وفرة المخطوطات، ولأن العديد من هذه المخطوطات يَعود للقرون الأولى، يتمتع علماء النقد النصي للعهد الجديد بميزة عظيمة عن باقي علماء الكتب الكلاسيكية الأخرى، يَملُك علماء العهد الجديد، مصادر كثيرة لنص العهد الجديد، وقد أنتجوا بعض الطبعات المُمتازة لنص العهد الجديد اليوناني. 

وأخيراً يَجب القول إنه على الرغم من وجود اختلافات بالطبع بين الكثير من مخطوطات العهد الجديد، لا توجد عقيدة مسيحية واحدة ترتكز على قراءة مُتنازع عليها، ولقد أكد فريدريك كينيون ذلك حينما قال “يستطيع المسيحي أن يمسك الكتاب المُقدس بيده ويقول بدون أي خوف أو تردد أنه يَحمل فيه كلمة الله الحقيقية، التي تم تسليمها من جيل إلى جيل على مر القرون دون فقد أساسي” [20]

 

قصة الكتاب المُقدس الإنجليزي – من الإصدارات الإنجليزية الأولى إلى نُسخة الملك جيمس

مع انتشار الإنجيل وتضاعف عدد الكنائس في القرون الأولى للمسيحية، أراد المسيحيون في مختلف البلاد قراءة الكتاب المقدس باللغة الأصلية لهم. ونتيجة لذلك، تم إنتاج العديد من الترجمات بلغات مختلفة وفي وقت مبكر من القرن الثاني. على سبيل المثال، كانت هناك ترجمات باللغة القبطية للمصريين، وترجمات باللغة السريانية لأولئك الذين كانت لغتهم الآرامية، والقوطية بالنسبة للشعب الألماني دعا القوطي، وباللاتينية للرومان والقُرطاجيين. أشهر ترجمة لاتينية قام بها جيروم حوالي 400. كانت هذه الترجمة، المعروفة باسم الفولجاتا (الفولجاتا تُعني شائع) ومن هنا أتى النص اللاتيني للشخص العادي، وتم استخدام الفولجاتا على نطاق واسع في الكنيسة الكاثوليكية الرومانية لقرون وقرون.

 

الترجمات المُبكرة:

قد وصل الإنجيل إلى إنجلترا من قبل المبشرين من روما في القرن السادس. الكتاب المقدس الذي حملوه معهم كان النسخة اللاتينية للإنجيل (الفولجاتا) وقد اعتمد المسيحيون الذين يعيشون في إنجلترا في ذلك الوقت على الرهبان لأي نوع من التعليمات من الكتاب المقدس. قام الرهبان بالقراءة والتعليم من الكتاب المقدس اللاتيني. بعد بضعة قرون، عندما تم بناء كثير من الكنائس، ظهرت الحاجة لترجمة الكتاب المقدس باللغة الإنجليزية. وكانت أول ترجمة باللغة الإنجليزية، بقدر ما نعرف، هي ترجمة قام بها راهب من القرن السابع يدعى Caedmon، الذي أنتج نسخة مُجمعة من أجزاء من العهدين القديم والجديد.

يقال إن هناك مسيحي آخر يدعى بيد، قد قام بترجمة الأناجيل إلى اللغة الإنجليزية. والتقليد أيضاً يقول إنه كان يترجم إنجيل يوحنا على فراش الموت في عام 735. وكان المترجم الآخر هو ألفريد الكبير (871-899)، والذي كان يعتبر ملكًا متعلمًا للغاية. أدرج في قوانينه أجزاء من الوصايا العشر المترجمة إلى الإنجليزية، وترجم أيضا المزامير.

جميع ترجمات الكتاب المقدس الإنجليزية قبل عمل Tyndale (سنتحدث عن عمل تيندال لاحقا) اعتمد على النص اللاتيني، بعض النسخ اللاتينية للأناجيل مع ترجمة إنجليزية لها كلمة بكلمة، والتي تُطلق عليها الترجمات بين السطور، تبقي من القرن العاشر. تُعرف الترجمة الأكثر شهرة لهذه الفترة باسم أناجيل Lindisfarne[21] وفي أواخر القرن العاشر، قامت إيلفريك (955 – 1020)، رئيس دير Eynsham، بترجمة اصطلاحية لأجزاء متنوعة من الكتاب المقدس.

ولا تزال هناك اثنتان من هذه الترجمات. وفي وقت لاحق، في 1300، ترجم وليام شوريهام المزامير إلى اللغة الإنجليزية، وكذلك ريتشارد رول، الذي تضمنت طبعاته من المزامير على تفسير لكل نص. وكانت كلٌ من هذه الترجمات التي كانت متريّ وبالتالي تسمي Psalters، حينما كان جون ويكلف شابًا.

 

ترجمة جون ويكلف:

كان جون ويكليف (1329-1384)، أبرز علماء اللاهوت في أكسفورد في عصره، وبين زملائه، وهو أول من ترجم الكتاب المقدس بأكمله من اللاتينية إلى الإنجليزية. وقد أطلق على ويكليف “صباح الإصلاح” لأنه استنكر السلطة البابوية، وانتقد بيع صكوك الغفران (كان من المفترض أن تُطلق سراح الشخص من العقاب في المطهر)، ونفى حقيقة التحول الجيني (عقيدة الخبز والخمر).

وتحويلهم إلى جسد يسوع المسيح ودمه خلال التناول، قام البابا بتوبيخ ويكلف لتعاليمه الهرطوقية وطلب من جامعة أوكسفورد عزله. لكن أكسفورد وكثير من زعماء الحكومة وقفوا مع ويكلف، لذلك كان قادراً على البقاء على قيد الحياة بالرغم من هجمات البابا.

اعتقد ويكليف أن سبب الصراع بينه وبين السلطة المُسيئة للكنيسة هي جعل الكتاب المقدس متاحًا للناس بلغتهم الخاصة. وبالتالي يُمكن أن يقرأوا لأنفسهم كيف يمكن لكل واحد منهم أن يكون له علاقة شخصية مع الله من خلال المسيح يسوع بغض النظر عن أي سُلطة كنسية.  وقد أكمل ويكلف، مع شركائه، العهد الجديد حوالي عام 1380 والعهد القديم في1382[22]. ركز ويكليف أعماله على العهد الجديد، في حين قام أحد المساعدين، (نيكولاس) من Hereford، بترجمة جزء كبير من العهد القديم. ترجم ويكلف وزملاؤه، غير العارفين اللغة العبرية واليونانية، بترجمة النص اللاتيني إلى الإنجليزية.

 

بعدما أنهى ويكليف ترجمته، قام بتنظيم مجموعة من أبناء الرعية الفقراء، والمعروفة باسم لولاردز، للذهاب إلى جميع أنحاء إنجلترا للتبشير بالمسيحية وقراءة الكتاب المقدس بلغتهم الأم إلى كل من يسمع كلمة الله. ونتيجة لذلك، أصبحت كلمة الله من خلال ترجمة ويكليف متاحة للعديد من الإنجليز. كان محبوبًا لكنه مكروه. لم ينسَ أعداءه في السلطات الكنسية معارضته لسلطتهم أو جهوده الناجحة في جعل الكتاب المقدس متاحًا للجميع. بعد عدة عقود من وفاته، أدانوه على بدعته، وأخرجوا جسده من القبر، وأحرقوه، وألقوا رماده في نهر سويفت.

وقد واصل جون بورفي (1353-1428) عمل أحد أعمال ويكليف، وهو عمل مراجعة لترجمته، في عام 1388 كان بورفي باحث مُمتاز، وقام بعمله بشكل جيد للغاية، وفي غضون أقل من قرن من الزمان قد تم استبدال مُراجعة ويكليف بمُراجعة بورفي [23]

لكن كما قُلنا سابقاً، كان ويكليف وزملاؤه أول إنجليز يَقومون بترجمة الكتاب المُقدس ترجمة كاملة، لكنهم اعتمدوا على الترجمة اللاتينية، أي أن ترجمتهم لم تكن من اللغة الأصلية ولكنها كانت ترجمة لترجمة أخرى للغة الأصلية، ومع مجيء عصر النهضة، ظهر رجوع للدراسة الكلاسيكية، ومعها تجددت دراسة اللغة اليونانية والعبرية، وهكذا بعد ما يقرب من ألف عام (500 إلى 1500) وهو الوقت التقريبي الذي كانت اللغة اللاتينية فيه هي اللغة السائدة للمنح الدراسية، وبالطبع باستثناء الكنيسة اليونانية، وبدأ العلماء يقرأون العهد الجديد بلغته الأصلية (اليونانية)، وبحلول عام 1500، تم تدريس اللغة اليونانية في جامعة أكسفورد.

 

ترجمة تيندال:

وُلِد ويليام تيندال في عصر النهضة، تخرج عام 1515 من جامعة أكسفورد، حيث درس الكتاب المُقدس باللغة اليونانية والعبرية، وحينما كان في الثلاثين من عمره كان تيندال قد وهب حياته لترجمة الكتاب المُقدس من اللغات الأصلية إلى اللغة الإنجليزية، وتتجسد رغبة قلبه هذه في تصريح أدلى به إلى رجل دين حينما كان يدحض الرأي القائل إن رجال الدين فقط هم المؤهلون لقراءة الكتب المُقدسة وتفسيرها بشكل صحيح، قال تيندال إذا أطال الله حياتي، فسأجعل الصبي يدفع بالمحراث إلى معرفة المزيد عن الكتاب المُقدس أكثر منه [24]

وفي عام 1523 قد ذهب تيندال إلى لندن يبحث عن مكان للعمل على ترجمته فيه، عندما لم يعطِ له أسقف لندن كرم الضيافة، قد وفر لهHumphrey Munmouth وهو تاجر قماش مكان لعمله، ثم غادر تيندل إنجلترا عام 1524 وذهب إلى المانيا، لأن الكنيسة الإنجليزية التي كانت لا تزال تحت السلطة البابوية في روما عارضت بشدة وجود الكتاب المُقدس بين أيدي العلمانين، واستقر تيندل لأول مرة في هامبورج في المانيا، ومن المُحتمل جداً أنه تقابل مع مارتن لوثر، وحتى وإن لم يُقابلْه، فإنه كان على دراية جيدة بكتابات لوثر وترجمة لوثر الألمانية للعهد الجديد (نُشرت عام 1522)، واستخدم كلٌ من لوثر وتيندل نفس النص اليوناني (نص ايرازموس 1516) في ترجمتهم.

 

وأكمل تيندال ترجمته للعهد الجديد في عام 1525، وتم تهريب خمسة عشر ألف نُسخة، في ستة طبعات، إلى إنجلترا بين 1525-1530، وقد بذلت سلطات الكنيسة أقصى الجهد لتُصادر نسخ ترجمة ويكليف وحرقها، لكنهم لم يستطيعوا وقف دخول الأناجيل من ألمانيا إلى إنجلترا، ولم يستطع تيندال نفسه العودة إلى إنجلترا  لأن تمت إدانته في الوقت الذي تم فيه حظر ترجمته، وبالرغم من ذلك، فقد أكمل تيندال عمله في الخارج من تنقيح ومراجعة وإعادة ترجمة، وظهرت ترجمته في آخر تنقيح لها عام 1535، وبعد ذلك بوقت قصير في مايو 1535، تم ألقاء القبض على تيندال، وبعد سجنه أكثر من عام، تمت محاكمته بالإعدام في 6 أكتوبر عام 1536 حيث تم خنقه وحرقه أيضاً، وكانت كلماته الأخيرة مؤثرة للغاية حيث قال “يارب أفتح عيون ملك إنجلترا” [25]

 

بعد إنهاء ترجمة العهد الجديد، بدأ تيندال العمل على ترجمة العهد القديم من العبرية، لكنه لم يعش كثيراً بما يكفي لإكمال مُهمته، ومع ذلك، فقد قام بترجمة أسفار موسى الخمسة، وسفر يونان، وبعض الأسفار التاريخية، في حين كان تيندال في السجن قام أحد مُساعدية، وهو مايلز كوفرديل (1488-1569) بإنجاز ترجمة باقي الكتاب المُقدس، وأعتمد بشكل كبير على ترجمة تيندال للعهد الجديد وغيرها من كتب العهد القديم، وبعبارة أخرى فقد أنهى كوفرديل ما بدأه تيندال

 

ترجمة كوفرديل:

كان مايلز كوفرديل من خريجي كامبردج، والذي اضطر، مثل تيندال، إلى الفرار، من إنجلترا لأنه كان متأثراً بقوة بمارتن لوثر إلا إنه كان يُبشر بجرأة ضد العقيدة الكاثوليكية الرومانية، بينما كان في الخارج، التقى كوفرديل مع تيندال، ثم أصبح مُساعدًا له، وبحلول الوقت الذي أنتج فيه كوفرديل ترجمة كاملة (1537)، قام ملك إنجلترا هنري الثامن، بكسر كل العلاقات مع البابا، وكان على استعداد لرؤية ظهور الكتاب المُقدس الإنجليزي [26]، فربما تمت الاستجابة لصلاة تيندال، وقد أعطى الملك موافقته الملَكية على ترجمة كوفرديل دون حتى أن يعرف أنه يؤيد عمل الرجل الذي أدانه في وقت سابق!

ترجمة توماس ماثيو:

في نفس العام الذي تم فيه تأييد الكتاب المُقدس لكوفرديل من الملك (1537)، تم نشر كتاب آخر في إنجلترا، قام بعمله أحدهم يُدعى توماس ماثيو وهذا اسم مُستعار لجون روجرز (حوالي 1500-1555)، وهو صديق لتيندال، ومن الواضح أن روجرز استخدم ترجمة تيندال غير المنشورة للكتب التاريخية للعهد القديم، وأجزاء أخرى من ترجمة تيندال، وأجزاء من ترجمة كوفرديل، لتكوين الكتاب المُقدس بأكمله، هذا الكتاب المُقدس حصل أيضاً على موافقة الملك، وتم تنقيح كتاب ماثيو عام 1538، وطُبع للتوزيع في الكنائس في جميع أنحاء إنجلترا، وأصبح هذا الكتاب المُقدس الذي اُطلق عليه الكتاب المُقدس العظيم، بسبب حجمه وتكلفته، فهو أول كتاب مُقدس إنجليزي مأذون به للاستخدام العام.

تمت طباعة العديد من إصدارات الكتاب المُقدس العظيم في أوائل 1540، ومع ذلك كان التوزيع محدود، وعلاوة على ذلك، تغير موقف الملك هنري حول الترجمة الجديدة، ونتيجة لذلك، أصدر البرلمان الإنجليزي قانونًا في عام 1543 يحظر استخدام أي ترجمة باللغة الإنجليزية، كانت جريمة على أي شخص غير مُرخص له بقراءة أو شرح الكتاب المُقدس في الأماكن العامة، تم حرق العديد من نسخ العهد الجديد لتيندال وكوفرديل في لندن.

كان القمع الأكبر يتبع بعد فترة قصيرة من التسامح (أثناء حكم إدوارد السادس 1547-1553)، وقد جاء الاضطهاد الشديد على أيدي Mary التي كانت كاثوليكية عازمة على إعادة الكاثوليكية إلى إنجلترا وقمع البرونستانت، قد تم إعدام الكثير من البروتستانت، بما فيهم جون روجرز وتوماس كرانمر، مُترجمي الكتاب المُقدس، وأُلقي القبض على كوفرديل، ثم أُطلق سراحه، وهرب إلى جينيف، ملاذا للبروتستانت الإنجليز.

 

ترجمة جينيف:

اختار المنفيون الإنجليز في جينيف ويليام ويتنجهام (1524-1579) لعمل ترجمة إنجليزية للعهد الجديد لهم، أستخدم ترجمة ثيؤدور بيزا اللاتينية واستعان بالنص اليوناني، وأصبح هذا هو الكتاب المُقدس الشائع نظراً لكونه صغيرًا وبأسعار مُعتدلة، وتأثرت مُقدمات الكتاب المُقدس وشروحه الكثيرة بتأثير إنجيلي قوي، وبالإضافة إلى تعاليم جون كالفين، فقد كان كالفن أحد أعظم المُفكرين في الإصلاح، وهو المُفسر الشهير للكتاب المُقدس، والقائد الرئيسي في جينيف خلال تلك الأيام.

بينما كان الكتاب المُقدس بجينيف بشعبية بين العديد من الرجال والنساء الإنجليز، إلا إنه غير مقبولٍ بين العديد من القادة في كنيسة إنجلترا، وبسبب مُلاحظات كالفن، فقد أدرك هؤلاء القادة أن نسخة الكتاب المُقدس العظيم كانت أدنى من نسخة جينيف في الأسلوب والمنح، وقد شرعوا على مُراجعة نسخة الكتاب المُقدس العظيم، أصبح هذا الكتاب المُقدس المُنقَّح الذي نُشر عام 1568، يُعرف باسم الكتاب المُقدس للأساقفة (the Bishops’ Bible)، وأستمر استخدامه حتى تم استبداله بإصدار نُسخة الملك جيمس عام 1611.

 

نُسخة الملك جيمس:

يعد أن أصبح جيمس السادس ملك إنجلترا (المعروف باسم الملك جيمس الأول)، قد قام بدعوة العديد من رجال الدين من الفصائل الأنجليكانية والبروتستانتية إلى اجتماع يأمل في إمكانية توفيق الاختلافات، لكن الاجتماع لم يُحقق هذا، وبالرغم من ذلك خلال الاجتماع طلب جون رينولدز أحد قادة البروتستانتيين رئيس كلية كوربوس كريستي، من الملك عمل ترجمة جديدة لأنه أراد رؤية ترجمة أكثر دقة من الترجمات السابقة، ولقد أحب الملك جيمس هذه الفكرة لأن نُسخة الكتاب المُقدس للأساقفة لم تكن موفقة، ولأنه اعتبر المُلاحظات بنُسخة جينيف بمثابة فتنة، بدأ الملك العمل وأخذ دور نشط في التخطيط للترجمة الجديدة، واقترح أن يَعمّل أساتذة الجامعة في الترجمة لضمان أفضل منح دراسية، وحث بشدة على أن لا يكون في النُسخة أية مُلاحظات هامشية إلى جانب تلك التي لها علاقة بالأداءات الحرفية من العبرية واليونانية، إن غياب الهوامش التفسيرية سيُساعد في قبول الترجمة من جميع الناس في إنجلترا.

أكثر من خمسين باحثًا، مُتخصصين في العبرية واليونانية، بدأوا العمل في عام 1607، ومرت الترجمة بعدة لجان قبل أن يتم نشرها، وصدرت تعليمات للعلماء باتباع نسخة الكتاب المُقدس للأساقفة كنسخة أساسية، طالما تلتزم بالنص الأصلي، والاستناد على ترجمات تيندال وكوفرديل وكذلك نسخة الكتاب المُقدس العظيم ونسخة جينيف، في حين أنهم يلتزمون بدقة أكثر بالنص الأصلي، يتم التعبير عن هذا الاعتماد على الترجمات الأخرى في مُقدمة نسخة الملك جيمس، وقد استحوذت نُسخة الملك جيمس على مكانة أفضل الترجمات الإنجليزية أفضل من كل الترجمات السابقة، في الواقع، أصبحت نُسخة الملك جيمس، النسخة المُعتمدة في إنجلترا، وكانت نصبًا دائماً للنثر الإنجليزي بسبب أسلوبها المُهيب ولغتها المُهيبة، وإيقاعاتها الشعرية، لم يكن لأي كتاب أخر تأثير كبير على الأدب الإنجليزي، ولم تؤثر أي ترجمة أخرى على حياة العديد من الناس الناطقين بالإنجليزية لقرون وقرون وحتى يومنا هذا.[27]

 

قصة الكتاب المُقدس الإنجليزي من نسخة الملك جيمس إلى النسخة القياسية المُنقحة

أصبحت نسخة الملك جيمس أكثر ترجمة إنجليزية شعبية في القرنين السابع عشر والثامن عشر. اكتسبت مكانة عظيمة حتى أصبحت هي الترجمة الإنجليزية القياسية للكتاب المقدس لكن نسخة الملك جيمس كانت تعاني من قصور لم يُلاحظه بعض العلماء.

أولاً، كانت المعرفة باللغة العبرية غير كافية في أوائل القرن السابع عشر. النص العبري الذي استخدموه (أي النص الماسوري -انظر الفصل الثاني) كان كافياً، لكن فهمهم للمفردات العبرية لم يكن كافياً. وسوف يستغرق الأمر سنوات عديدة من الدراسات اللغوية لإثراء وفهم المفردات العبرية.

ثانياً، كان النص اليوناني الموجود في العهد الجديد في نسخة الملك جيمس نصًا أدنى. استخدم مترجمو الملك جيمس بشكل أساسي نصًا يونانيًا يعرف باسم Textus Receptus (أو “النص المستلم”)، والذي جاء نتاج عمل إيرازموس، الذي قام بتجميع أول نص يوناني مطبوع. عندما قام إيراسموس بتجميع هذا النص، استخدم خمسة أو ستة مخطوطات متأخرة جداً ترجع إلى القرن العاشر والقرن الثالث عشر. كانت هذه المخطوطات أقل جودة بكثير من المخطوطات السابقة.

كان أداء مترجمي الملك جيمس جيداً مع الوسائل المتاحة لهم، لكن هذه الوسائل لم تكن كافية، خاصة فيما يتعلق بنص العهد الجديد. بعد نشر نسخة الملك جيمس، تم اكتشاف مخطوطات أقدم وأفضل. حوالي عام 1630، تم إحضار المخطوطة السكندرية إلى إنجلترا. وهي مخطوطة من القرن الخامس تحتوي على العهد الجديد بأكمله، قدمت شاهدا مبكرا جيدا على نص العهد الجديد، ولا سيما النص الأصلي للرؤيا. بعد مائتي عام، اكتشف عالم ألماني يدعى قسطنطين فون تيشندورف المخطوطة السينائية في دير سانت كاترين الواقع بالقرب من جبل سيناء. هذه المخطوطة ترجع إلى حوالي عام 350 ـ، هي واحدة من أقدم مخطوطتين للعهد الجديد اليوناني.

أقدم مخطوطة للعهد الجديد، هي الفاتيكانية، كانت موجودة في مكتبة الفاتيكان منذ عام 1481 على الأقل، ولكنها لم تكن متاحة للعلماء حتى منتصف القرن التاسع عشر. هذه المخطوطة، مؤرخة في وقت قبل المخطوطة السينائية 325، تحتوي على كلٍ من العهد القديم والعهد الجديد باليوناني، باستثناء الجزء الأخير من العهد الجديد (عبرانيين 9: 15 إلى رؤيا 22: 21 والرسائل الرعوية). لقد حددت مئات السنين من النقد النصي أن هذه المخطوطة هي واحدة من الشواهد الأكثر دقة وموثوقية. تم اكتشاف مخطوطات أخرى مبكرة ومهمة في القرن التاسع عشر. من خلال الأعمال الدؤوبة لرجال مثل Constantin von Tischendorf و Samuel Tregelles و F. H. Scrivener، تم فك رموز مخطوطات مثل Codex Ephraemi Rescriptus و Codex Zacynthius و Codex Augiensis.

ومع اكتشاف المخطوطات المختلفة ونشرها، سعى بعض الباحثين إلى تجميع نص يوناني من شأنه أن يُمثل النص الأصلي بشكل أوضح من النص الذي قدمه النص المُستلم (Textus Receptus). حوالي عام 1700 أنتج جون ميل تحسين للنص المُستلم، وفي عام 1730 قام ألبرت بينجل، المعروف بــأبي الدراسات الحديثة وعلم اللغة في العهد الجديد، بنشر النص الذي انحرف عن النص المُستلم وفقا للمخطوطات الأقدم.

في عام 1800 بدأ بعض العلماء التخلي عن النص المُستلم. أنتج كارل لاخمان، وهو عالم فلك كلاسيكي، نصًا جديدًا عام 1831 يمثل مخطوطات القرن الرابع. ركز صموئيل تريجلس، الذي درس اللغة اللاتينية والعبرية واليونانية، طوال فترة حياته بالكامل، كل جهوده في نشر نص يوناني واحد، خرج في ستة أجزاء، من 1857 إلى 1872.[28] وكان هدفه هو عرض نص العهد الجديد بنفس الكلمات التي تم نقلها في أدلة قديمة [29]

كما قام هنري ألفورد بتجميع نص يوناني يستند إلى أفضل وأقدم المخطوطات. في مقدمة كتابه للعهد الجديد اليوناني، وهو تعليق متعدد الأجزاء للعهد الجديد اليوناني، نُشر في عام 1849، قال ألفورد إنه عمل من أجل “هدم الاحترام غير الملائم والمتحمس للنص المستلم، الذي كان يقف في طريق كل فرصة اكتشاف كلمة الله الحقيقية “. [30]

خلال هذه السنة نفسها، كان تيشندورف يكرس عمره لاكتشاف المخطوطات وإنتاج طبعات دقيقة للعهد الجديد اليوناني. في رسالة إلى خطيبته، كتب: “أواجه مهمة مقدسة، الكفاح من أجل استعادة الشكل الأصلي للعهد الجديد”. واكتشف المخطوطة السينائية وفك الــ [31]palimpsest للمخطوطة الإفرايمية، وجمع مخطوطات لا تُعد ولا تُحصى وأنتج عدة طبعات للعهد الجديد (الطبعة الثامنة هي الأفضل)

وبمساعدة من علماء سابقين، عمل رجلان بريطانيان، هما بروك وستكوت وفنتون هورت، لمدة ثمانية وعشرين عامًا لإنتاج مجلد بعنوان العهد الجديد باللغة اليونانية الأصلية (1881). جنبا إلى جنب مع هذا المنشور، عرفوا نظريتهم أن المخطوط الفاتيكاني والسينائي، جنبا إلى جنب عدد قليل من المخطوطات الأخرى في وقت مبكر، مثلت النص الذي كرر النص الأصلي. دعوا هذا النص النص المحايد. (وفقا لدراساتهم، وصفوا النص المحايد أن هناك بعض المخطوطات التي لديها أقل قدر من الفساد النصي). هذا هو النص الذي اعتمد عليه ويستكوت وهورت لتصنيف نسختهما المسماة العهد الجديد في اليونانية الأصلية.

وفي أواخر القرن التاسع عشر، قد أصبح لدينا ثلاثة نصوص يونانية جيدة جدًا وهم، نص تشيندورف، تريجلس ،ويستكوت وهورت، كانت هذه النصوص مُختلفة تماماً عن النص المُستلم وكما ذكرنا سابقاً، فقد حَصُل المُجتمع العلمي على المزيد من المعرفة حول اللغة العبرية واليونانية، ولذلك فكانت هُناك حاجة إلى وجود ترجمة إنجليزية جديدة تعتمد على نصوص أفضل وأكثر دقة في ترجمة النص الأصلي.

حاول عدد قليل من الأشخاص تلبية هذه الحاجة ففي عام 1871 أنتج جون نيلسون داربي ترجم تُعرف باسم الترجمة الجديدة (New Translation) والتي كانت تعتمد بشكل كبير على المخطوطة السينائية، وفي عام 1872 نشر روثرهام ترجمة نص تريجلز، والذي حاول فيه أن يعكس التركيز المُتأصل في النص اليوناني، وهذه الترجمة لا تزال تُنشر تحت عنوان The Emphasized Bible، وفي عام 1875 انتج صامويل دافيدسون ترجمة للعهد الجديد لنص تشيندورف.

 

وبدأ أول عمل ضخم عام 1870 بواسطة مؤتمر كانتربري، الذي قرر عمل مراجعة لنسخة الملك جيمس قام 65 باحث بريطاني يعملون في لجان مُختلفة بإجراء تغييرات كبيرة في نُسخة الملك جيمس، فقد صحح علماء العهد القديم ترجمات الكلمات العبرية والمقاطع الشعرية المُعاد تنسيقها إلى شكل شعري، وقد أجرى علماء العهد الجديد ألاف التغييرات بناءً على أدلة نصية أفضل، كان هدفهم جعل مُراجعة العهد الجديد لا تعكس النص المُستلم ولكن تعطي نص تيشيندورف وتريجلس و ويستكوت وهورت، عندما ظهرت النُسخة المُنقحة الكاملة، تم تلقيها بحماس كبير، بيعت منها أكثر من ثلاثة ملايين في السنة الأولى من نشرها، لكن لسوء الحظ لم تكن شعبيتها طويلة الأمد لأن غالبية الناس استمروا في تفضيل نسخة الملك جيمس على جميع الترجمات الأخرى.

وقت تمت دعوة العديد من الباحثين الأمريكيين لينضموا إلى عمل المراجعة، على أساس أن أي من اقتراحاتهم المرفوضة من الباحثين البريطانيين، تَظهر في مُلحق، وعلاوة على ذلك، كان على العلماء الأمريكيين الموافقة على عدم النشر لهذه المراجعة الأمريكية الخاصة بهم إلا بعد مرور أربعة عشر عاماً (1901) تم نشر النسخة القياسية الأمريكية (the American Standard Version)، وهي ترجمة دقيقة وجديرة بالثقة في كلٍ من العهد القديم والجديد وأفضل من النسخة الإنجليزية المُنقحة.

صحيح كان القرن التاسع عشر فترة مُثمرة للعهد الجديد ولكن أيضاً القرن العشرين مُثمر للغاية حيث أن ظهرت وثائق جديدة ساعدت في الدراسات النصية مثل مخطوطات قمران ومخطوطات يودمر وتشيستر بيتي، هذه الاكتشافات عززت بشكل كبير المجهودات المبذولة لاستعادة النص الأصلي للعهد القديم والجديد، وفي نفس الوقت اثبتت اكتشافات أثرية أخرى حقيقة أن الكتاب المُقدس دقيق فيما يُقدمه من معلومات تاريخية، وساعدت العلماء على فهم معاني بعض الكلمات.

كما أن ظهور مخطوطات أقدم وأكثر موثوقية ساعد على عمل تعديل لبعض الفقرات، على الرغم من أن العلماء لا زالوا يستخدمون النص الماسوري لكنهم قد راعوا الاختلافات بينه وبين مخطوطات قمران، وأصبح علماء العهد في مُعظم الأحيان يعتمدون على طبعة العهد الجديد المعروفة باسم نسخة نستل ألاند، قد استخدم ابيرهارد نستل أفضل إصدارات العهد الجديد اليوناني الموجودة ف القرن التاسع عشر لإنتاج نص يُمثل اجماع غالبية النُسخ، قام ابنه بعمل اصدارات جديدة لعدة سنوات وصلت للإصدار 26.

وقد ظهرت الألاف والألاف من البرديات المُكتشفة في مصر، في مطلع القرن العشرين، وهذه البرديات كانت مكتوبة باللغة اليونانية الشائعة أو ما تُسمى اليونانية الأيكوينية، كانت لغة مُشتركة بين الكل، كانت اللغة الشائعة والشعبية في العالم اليوناني منذ القرن الثاني قبل الميلاد إلى القرن الثالث بعد الميلاد، فقد كان كل شخص مُتعلم يستطيع أن يتحدثها ويقرأها ويكتبها، بالضبط مثل أي شخص مُتعلم في العصر الحديث يتحدث اللغة الإنجليزية قليلاً ويقرأها وربما يكتبها، فلم تكن هذه اللغة لغة أدبية، علماء  العهد الجديد قد اكتشفوا أن الغالبية العظمى من العهد الجديد مكتوب اللغة اليونانية الكوينية، “لغة الناس”، ومن هنا قد أتى الدافع، لماذا لا نُترجم العهد الجديد اليوناني إلى لغة الناس؟ فقد اختار العديد من المُترجمين أن يعزفوا عن النمط المُستخدم في نسخة الملك جيمس، أو حتى مثل النسخة الانجليزية المُنقحة أو النسخة الأمريكية القياسية.

 وقد كانت أول ترجمة من هذا النوع هي “العهد الجديد في القرن العشرين” (1902)، وتقول في مُقدمتها.

إن نسخة العهد الجديد في القرن العشرين دقيقة وسلسة وسهلة القراءة، تجذب من يقرأها من البداية إلى النهاية، ولدت هذه الطبعة من الرغبة في أن يكون الكتاب المُقدس مقروءًا ومفهومًا أيضاً، وهو نتاج لجنة كاملة مُكونة من عشرين رجل وامرأة قد عملوا معاً على مدار سنوات عديدة، كما نعتقد أننا قمنا بهذا العمل تحت إرشاد إلهي

بعد ذلك ظهرت نسخة “العهد الجديد ترجمة جديدة” في السنوات الأولى من القرن العشرين قام ها العالم الإسكتلندي جيمس موفات في عام 1913، ولكن لسوء الحظ فقد اعتمد على العهد الجديد اليوناني لهيرمان فون سودن وكما هو معروف فهو نص سيء للغاية.

وقد تحدى إدجار جودسيد أستاذ العهد الجديد في جامعة شيكاجو أن يُنتج نسخة أفضل مما قدمه موفات وويماوث وفي عام 1923 نشر ترجمته “العهد الجديد. ترجمة امريكية”، وكن يُريد أن يعطي ترجمته جزء من القوة الموجودة في النص اليوناني، فقال إنه أراد أن يعطي القارئ الانطباع الذي كان لدى القراء الأوائل، وادعو استمرار قراءة النسخة كاملة في جلسة واحدة، كانت بالفعل ترجمته جيدة وناجحة، أتى بعدها ترجمة العهد القديم التي قدمها J. M. Powis Smith ومعه ثلاثة علماء أخرين، وفي عام 1935 تم النشر الكامل للترجمة العهد القديم والجديد معاً.

النسخة القياسية المُنقحة : اكتسبت النسخة المُنقحة والنسخة القياسية الأمريكية سمعة بأنهم نسخ دراسية ونصهم دقيق، لكن لغتهم “خشبية”، حاول المترجمون الذين عملوا في الإصدارات المُنقحة ترجمة الكلمات من النص اليوناني دون الأخذ في الاعتبار سياق النص، وأيضاً في بعض الأوقات قد تتبعت الترتيب اليوناني للعبارات، وقد تم المُطالبة المراجعة وخصوصا بعد اكتشاف العديد من المخطوطات الكتابية المُهمة مثل البحر الميت وتشيستر بيتي، إن الأدلة الجديدة التي تظهرها هذه الوثائق المُكتشفة يجب أن تنعكس على النسخة

وأظهرت المراجعة تغييرات في سفر إشعياء من الناحية النصية بسبب مخطوطة إشعياء المُكتشفة في قمران، والعديد من التغييرات أيضاً في رسائل بولس على ضوء البردية 46، وتنقيحات أخرى مهمة مثل قصة المرأة الزانية (يوحنا 7:52 – 8:11)، وتم وضعها في الهامش لأنها غير موجودة في المخطوطات القديمة، وأيضاً نهاية إنجيل مرقس (مرقس 16: 8-20) فهذه الفقرات مفقودة من أقدم مخطوطتين (السينائية والفاتيكانية)

في وقت لاحق تم نشر النسخة كاملة متضمنة العهدين وأيضاً الأسفار القانونية الثانية، ورغم الموافقة الكبيرة على النسخة من الكنائس البرتستانتية والأرثوذكس اليونان والروم والكاثوليك، لكن الكثير من المسيحيين البروتستانت والأصوليين تجنبوا هذه النسخة بسبب فقرة واحدة وهي (إشعياء 7:14) لأنها تترجم النص “فتاة” وليست “عذراء”.

 

 

 

[1] 2 تيموثاوس 3:16

[2] 2 بطرس 20-21 : 1

[3] متى 17-19 :5 ، لوقا 16:17 ، يوحنا 10:35

[4] لوقا 24: 27،44

[5] يوحنا 14:26، 15:26 ، 13-15 :16

[6] ا كورنثوس 10-12 : 2

[7] يوحنا 1:4 ، 4:14 ، 6:48 ، 8:12 ، 11:25 ، 14:6

[8] كولوسي 2:3،9

[9] تعود كلمة عهد (testament) إلى الكلمة اللاتينية testamentum وإلى اليونانية diatheke.

[10] إرميا 31-34 :31

[11] لوقا 24 :44

[12] متى 17-18 :5، يوحنا 10:35

[13] أنظر See “Biblical Manuscripts” by Philip W. Comfort in Young’s Compact Bible Dictionary (Wheaton, Ill.: Tyndale House Publishers, 1989), from which this portion was adapted.

[14] بعض المخططات المُكتشفة في قمران، وخاصة مخطوطتين لسفر صموئل الأول، متقارب أكثر مع السبعينية من النص الماسوري، ومخطوات اخرى قمرانية تتفق مع السامرية ولا سيما مخطوطة الخروج، وبالتالي يج أن يكون هناك بعض الإختلافات للنص، بخلاف الشكل الظاهر في غالبية مخطوطات البحر الميت ثم المخطوطات الماسورية، لا يزال العلماء يعتمدون بشكل كبير على النص الماسوري ويستخدمون المصادر الأخرى كعامل تكميلي 

[15] أعمال الرسل 8:1

[16] 1 كورنثوس 14:26 ، افسس 5:19 ، كولوسي 3:16 ، 2 تيموثاوس 14-17 :3

[17] كلمة قانون جائت من الكلمة اليونانية kanon التي تعنى مسطرة أو قاعدة ، والتالي تُشير إلى معيار القياس ، ولذلك قبل أن يتم ضم كتاب الى قانون العهد الجديد كان يجب أن يصل الى هذا المعيار، (1) أن يكون كاتبه هو احد الرسل أو رفيقه أو قريب يسوع مثل يعقوب ويهوذا ، (2) كان يجب أن تحتوي على حقائق مُلهمة يُمكن تعليمها باعتبارها عقيدة مسيحية

[18] See Young-Kyu Kim’s article, “The Paleographic Dating of P46 to the Later First Century,” in Biblica, 1988, 248–57.

[19] للحصول على قائمة أكبر لمخطوطات ورق البردية المُبكرة ، ومناقشة كاملة حول تأثيرها على نص العهد الجديد اليوناني راجع كتابي Early Manuscripts and Modern Translations of the New Testament

[20] Frederic Kenyon, Our Bible and the Ancient Manuscripts (New York: Harper and Row, 1958), 55

[21] تُعرف أيضاً بأسم the Book of Durham أو The Gospels of St. Cuthbert.

[22] تم الاحتفاظ بالمخطوطة الأصلية في مكتبة بودليان في أكسفورد.

[23] يوجد حوالي 170 مخطوطة موجودة لترجمة ويكليف، حوالي 25 مخطوطة من العمل الأصلي، وأقدم مخطوطة معروفة لمراجعة بورفي مؤرخة لعام 1408

[24] Brian Edwards, God’s Outlaw (Wheaton, Ill.: Tyndale House Publishers, 1981), 61.

[25] Brian Edwards, God’s Outlaw (Wheaton, Ill.: Tyndale House Publishers, 1981), 168.

[26] كانت ترجمة كوفرديل هو أول كتاب مُقدس إنجليزي يتم طباعته في إنجلترا، لم يتضمن الأسفار القانونية الثانية

[27] ملحوظة : بعض المعلومات الواردة في هذا الفصل تم اقتباسها من مقالة غير منشورة بعنوان ” تاريخ الكتاب المُقدس الإنجليزي ” بقلم بول أم بكتل ، لـ Tyndale Encyclopedia project.

[28] وذلك لأن تريجلس كان فقيرًا جدا، كان عليه أن يَطلب مساعدة من الرعاه في تكاليف النشر ، اعتبر نفسي محظوظ لأني أمتلك نسخة من العهد الجديد اليوناني لتريجلس بتوقيعه.

[29] مُقدمة نسخة تريجلس للعهد الجديد اليوناني

[30] مُقدمة نسخة هنري ألفورد للعهد الجديد اليوناني

[31] هي المخطوطة التي تم محو نصها الأصلي والكتابة عليها مرة أخرى.

إصدارات الكتاب المقدس – الجزء الأول – فيليب كومفورت – ترجمة: مينا كرم

المخلص الموعود به من الله – من هو يسوع؟ – إبن الله وإبن الإنسان

المخلص الموعود به من الله – من هو يسوع؟ – إبن الله وإبن الإنسان

المخلص الموعود به من الله – من هو يسوع؟ – إبن الله وإبن الإنسان

المخلص الموعود به من الله – من هو يسوع؟

 

بعد أن تقابل يسوع مع يوحنا واعتمد منه، قضى معظم حياته كمعلم ديني. وكان من الطبيعي تماماً لمعلمي اليهود الدينيين، أو “الربيين” كما كانوا يسمونهم، أن يعيشوا حياة الترحال، حيث يتجولون بين مكان وآخر، وفي غالبية الأحيان يصحبون معهم تلاميذهم. ومن الواضح أن يسوع اتبع هذا النهج.

فقد كان له تلاميذه[1]، وكثيراً ما كان يخاطب بلقب “معلم”. ومثل غيره من المعلمين اليهود كان ينجز معظم عمله في المجمع، وهو المكان الذي كان اليهود يجتمعون فيه للعبادة كل يوم سبت. وكان أيضاً يتحدث إلى الناس أينما قابلهم. وقد دعا أول تلاميذه من قوارب صيدهم، وكثيراً ما كان يعلم في الخلاء حيث كانت الجماهير العريضة تستطيع أن تلتف حوله[2].

وتعليم يسوع هو الذي أسر في الواقع قلوب الشعب. لأنهم فيما كانوا يسمعونه، أدركوا أنهم ليسوا أمام معلم عادي. فلم يكن مجرد تلميذ لمعلم آخر، يقول للشعب ما سبق أن سمعه من آخرين. بل كان يتحدث عن أمور جديدة تماماً عن الرجال والنساء وعلاقتهم بالله. وكان يقول ذلك بطريقة لم يكن معها مفر بالنسبة لأي واحد من أن يتخذ قراره بشأنه.

وكان لا بد لمن يستمع إليه من أن يقبل حكم الكثيرين من الناس العاديين بأنه “كان يعلمهم كمن له سلطان”[3]، أو يقبل رأي الفريسيين بأنه كان مدعياً دينياً من أسوأ النوعيات.

والتعليم الذي تسبب في هذا الانقسام الحاد بينه وبين سامعيه، كان بخصوص موضوعين. فمن ناحية قال يسوع أشياء عظيمة وجسورة عن شخصه وأهميته. وكان يعتقد بكل وضوح أنه هو نفسه المخلص الموعود الذي كان اليهود ينتظرون أن يرسل لهم من قبل الله. فهو وحده المسيا الذي يستطيع أن يقيم المجتمع الجديد. ومن ناحية أخرى، فإلى جانب ما قاله يسوع عن مصيره وأهميته، نجد الأقوال التي تحدث بها عن الطبيعة الحقة للمجتمع الجديد ومعناه، ذلك المجتمع الذي اعتقد يسوع أنه جاء ليبدأه.

ولسوق نستعرض بعض أقوال يسوع عن المجتمع الجديد في الباب الثاني. ومن المهم أولاً وقبل كل شيء أن نتأمل فيما قاله يسوع عن نفسه. ذلك أن أفكاره عن مجتمع الله الجديد، ومكانه في حياة البشر لن تكون ذات معنى ما لم نفهم ما قاله يسوع عن أهميته الشخصية في خطة الله.

ابن الإنسان:

إلى هنا، رأينا كيف أن الشعب اليهودي كان يتطلع إلى الله لكي يرسل لهم المخلص الموعود، المسيا، الذي يبدأ المجتمع الجديد. ومن الطبيعي أن تعبير “المخلص الموعد به من الله” لم يستخدم في الأناجيل: ولقد استخدمته هنا لمحاولة أن أوصل للقارئ بلغة الحياة اليومية العادية شيئاً عن مفهوم الشعب اليهودي لكلمة المسيح (المسيا).

غير أنه مما يدعو للدهشة أن تطلع على الأناجيل وترى كيف أنه في مرات قليلة استخدمت فيها كلمة “المسيا” (أو ترجمتها اليونانية “المسيح”) لوصف يسوع. ولنأخذ على سبيل المثال إنجيل مرقص. وربما كان هذا أول ما كتب من الأناجيل، ولقد استخدمت فيه كلمة “المسيا” (المسيح) سبع مرات فقط. منها مرة في عنوان الإنجيل، ومن بين المرات الست الأخرى[4]، ثلاث مرات فقط يمكن أن تؤخذ على أنها تشير إلى يسوع على أنه المسيا أو المسيح.

وفي مرة واحدة فقط قال يسوع عن نفسه بصفة مباشرة إنه المسيح. وما يلفت النظر أيضاً أنه في الفقرة الوحيدة التي قال فيها يسوع عن نفسه صراحة إنه المسيح[5]، إذا به في الحال يستطرد ليتكلم عن شخص مختلف، ويعرف المسيح على أنه شخص يسميه “ابن الإنسان”[6].

إذاً، من هو ابن الإنسان؟ من غير الممكن أن تتأمل أياً من القصص التي تتناول حياة يسوع دون أن تدرك أن لقب “ابن الإنسان” هذا يشكل مفهوماً في غاية الأهمية عن يسوع. والتعبير الحالي استخدم أربع عشرة مرة في إنجيل مرقص، أما في قصة متى الأكثر طولاً فقد ورد ما لا يقل عن إحدى وثلاثين مرة. والواقع أن “ابن الإنسان” هو التعبير الذي كثيراً ما استخدمه يسوع ليصف به نفسه وعمله. إذاً ما معنى هذا التعبير؟

قد يقول البعض إنه حين كان يسوع يتحدث عن نفسه على أنه “ابن الإنسان”، فإنه كان يريد ببساطة أن يؤكد على أن جانباً من طبيعته كان إنساناً عادياً، في حين أن جانباً منه يمكن أن يوصف بتعبير “ابن الله”. غير أن عبارة “ابن الأنسان” لا بد وأنها تعني أكثر من هذا. فعلى سبيل المثال، تحدث يسوع عن “ابن الإنسان آتياً في سحاب بقوة كثيرة ومجد” (مر 13: 62)، أو “جالساً عن يمين قوة الله” (لو 22: 69). ومثل هذه الأقوال لا يمكن أن يقصد به التأكيد على طبيعة يسوع كإنسان بالمقابلة مع أقواله بأن له أهمية خاصة في خطط الله.

معنى “ابن الإنسان”

المعنى الدقيق لعبارة “ابن الإنسان” كان من أكثر الموضوعات التي أثير حولها جدل عنيف في الدراسات الحديثة للعهد الجديد. وما سنذكره هنا هو ملخص مختصر جداً لما يقوله أحد الباحثين.

 وهناك نقطة اتفق عليها جميع المفسرين وهو أن أفضل سؤال مفيد في هذا الموضوع هو: ما الذي فهمه أولئك الناس الذين كانوا يعرفون يسوع بالفعل حين سمعوه يستخدم تعبير “ابن الإنسان”. وبالنظر إلى أن أول مستمعيه كانوا من اليهود، فإنه من الأفضل أن نبحث في الديانة اليهودية عن الجواب. ومن المفيد دائماً أن نرجع أولاً إلى العهد القديم. وهنا نجد أن تعبير “ابن الإنسان” قد استخدم بطريقتين.

في أغلب الأحيان، يأتي هذا التعبير للتمييز بين الله والإنسان. وفي هذا السياق، فإنه يؤكد عادة ضعف البشر وفقرهم بالمقابلة مع قدرة الله وقوته (عدد 23: 19؛ أيوب 25: 6، مز 8: 4؛ 146: 3؛ إشعياء 51: 12). وهناك نبي أو اثنان من أنبياء العهد القديم خاطبهما الله بعبارة “ابن الإنسان”، (أي يا ابن آدم) وكان هذا في معرض التأكيد على الفرق بينهما وبين سيدهما (حزقيال 2: 1؛ دانيال 8: 17).

ولكن التعبير استخدم بطريقة مختلفة تماماً في دانيال 7: 13-14. وكان أبعد ما يكون عن الإشارة إلى ضعف الإنسان بالمقابلة مع عظمة الله، مثل عبارة “ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه. فأعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة”، “وسلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض”.

وبمقدورنا أيضاً أن نطلع على بعض الأسفار الرؤوية التي ربما كانت سائدة في زمن يسوع. ففي “2أسدارس”، و”تشبيهات أخنوخ” يظهر “ابن الإنسان” ثانية كشخص خارق للطبيعة أرسله الله على اعتبار أنه قاض البشرية مستقبلاً (2أسدارس 13، 1أخنوخ 37-71). وليس بمقدورنا التأكد من أن أياً من هذين السفرين الرؤويين كان مكتوباً بالفعل أيام يسوع. ولكن من المؤكد أنهما يعكسان بالفعل أفكاراً كان يعتنقها كثيرون من معاصريه.

ونحن في نفس الوقت في حاجة إلى أن نتذكر أنه لم يكن كل اليهود مهتمين بمثل هذه الأفكار. بل وما كانوا جميعهم على معرفة جيدة بالعهد القديم بحيث يستطيعون أن يربطوا بصفة آلية بين هذه الأفكار واستخدام يسوع لهذا التعبير. والواقع أن بعض الباحثين الآراميين المتمكنين قالوا إن الكلمات التي استخدمها يسوع بالفعل ربما لم يكن لها أي معنى محدد على وجه الإطلاق.

ولذلك، فنحن لدينا ثلاث حقائق يجب تأملها قبل أن نقرر ما الذي قصده يسوع حين أطلق على نفسه لقب ابن الإنسان:

  • الكلمات الآرامية التي استخدمت بالفعل في عبارة “ابن الإنسان” ربما كانت لا تعني إلا القليل، وربما كانت عبارة مطولة تعني “إنسان”.
  • استخدم تعبير “ابن آدم” (ابن الإنسان) في العهد القديم لوصف البشر واختلافهم عن الله.
  • في سفر دانيال، وغيره من الأسفار الرؤوية اليهودية استخدم التعبير للإشارة إلى شخصية سامية تشارك الله في سلطانه.

ومن المحتمل جداً أن هذه الحقائق كلها، لها مغزاها. وإذا لم يكن لتعبير “ابن الإنسان” أي معنى واضح محدد في اللغة الآرامية التي كان يتكلم بها يسوع، فلربما رأى استخدامه بكل بساطة، لأن هذا يعطيه حرية استخدامه بحيث يعني تماماً ما قصده من استخدامه. ولو كان قد استخدم لقب “المسيح” لما سهل عليه أن يفسر بدقة دوره حسبما فهمه هو، بالنظر إلى أن الكثيرين كانت لديهم تصورات عديدة مسبقة بالنسبة لهذا الموضوع. وإذا استخدم يسوع التعبير الغامض “ابن الإنسان”، فقد استطاع بذلك تجنب هذه المشاكل.

وفي ذات الوقت، فإنه بالنسبة لمن لهم القدرة على فهم هذا التعبير، فإن خلفيته تقدم بعض الإشارات المهمة للأشياء التي أراد يسوع قولها عن نفسه. ذلك أنه أراد أن يثبت أنه كان إنساناً عادياً فيما يختص بالجانب الإنسان، وأنه أرسل بصفة خاصة من الله نفسه.

وكل من هاتين الفكرتين يمكن أن نجدهما في استخدام العهد القديم لعبارة “ابن الإنسان”.

ولقد استخدم يسوع هذا الاسم في الواقع بثلاث طرق مختلفة توضح هذا.

  • غالباً ما كان يستخدم تعبير “ابن الإنسان” عوض أن يستخدم ضمير المتكلم للمفرد “أنا”، وما ذلك بكل بساطة إلا كوسيلة لوصف وجوده كإنسان عادي. وفي النقاط التي نجد أن الأناجيل المختلفة قد جاءت بنفس الأقوال، نجد أن أحد الأناجيل كثيراً ما يستخدم عبارة “ابن الإنسان”، في حين يستخدم آخر الضمير “أنا”. قارن على سبيل المثال مرقص 10: 45؛ لوقا 22: 27؛ أو مرقص 8: 27؛ متى 16: 13، أو متى 19: 28؛ لوقا 22: 30.
  • في أحيان أخرى كان يسوع يستخدم لقب “ابن الإنسان” في الإشارة إلى مجيئه الثاني على السحاب وإلى ارتفاعه إلى يمين الله. وهذا نفس الاستخدام الذي نجده في دانيال 7، والكتابات الرؤوية اليهودية.
  • غير أنه يستعمل في الغالبية بطريقة جديدة ومختلفة، مع بعض الإشارات إلى الآلام والموت اللذين كان يسوع يتوقعهما كجزء من حياته. وفي تسع مرات من أربع عشرة مرة استخدم فيها تعبير “ابن الإنسان” في إنجيل مرقص، كان يسوع يشير به إلى موته الذي كان وشيكاً. (مرقص 8: 31؛ 9: 9؛ 14: 21؛ ومتى 26: 2). وعند هذه النقطة أعطى معنى جديداً تماماً لفكرة لم تكن تعرف إلا قليلاً قبل أيامه. وكان من سماته أن يتعين عليه أن يتحدث عن نفسه في معظم الأحيان كابن الإنسان المتألم.

حياة يسوع المسجلة في الأناجيل المتشابهة

ليس من الممكن عمل جدول كامل من الأحداث التي تخللت حياة يسوع، ولكن هذا الجدول يحتوي على أهم هذه الأحداث بحسب ورودها في الأناجيل:

 

متى

مرقص

لوقا

ميلاده وطفولته

     

سلسلة أنساب يسوع

1: 1-17

 

3: 23-28

الوعد بولادة يسوع من مريم

   

1: 26-38

ولادة يسوع

1: 18-25

 

2: 1-20

زوار من الشرق

2: 1-12

   

ختان يسوع

   

2: 21-40

هروب والدي يسوع إلى مصر

2: 13-23

   

يسوع في الثانية عشرة من عمره

   

2: 41-52

في الجليل وما حولها

     

معمودية يسوع

3: 13-17

1: 9-11

3: 21-22

التجربة

4: 1-11

1: 12-13

4: 1-13

أول كرازة في الجليل

4: 12-17

1: 14-15

4: 14-15

رفض يسوع من أهل الناصرة

   

4: 16-30

دعوة التلاميذ الأوائل

4: 18-22

1: 16-20

 

تعليم وشفاء في كفر ناحوم

 

1: 21-38

4: 31-43

صيد السمك الوفير

   

5: 1-11

الموعظة على الجبل

5: 1 – 7: 29

   

يسوع يشفي الأبرص

8: 1-4

1: 40-45

5: 12-16

شفاء المرضى وإسكات الريح

8: 5-34

   

شفاء المفلوج

9: 1-8

2: 1-12

5: 17-26

دعوة متى ليكون تلميذاً ليسوع

9: 9-13

2: 13-17

5: 27-32

نقاش حول الصوم

9: 14-17

2: 18-22

5: 33-39

شفاء ابنه يايرس وامرأة عجوز

9: 18-26

5: 21-42

8: 40-56

شفاء أعميين وآخر مجنون

9: 27-34

   

إرسالية الاثني عشر

9: 35-10: 42

6: 6-13

9: 1-6

يسوع يتحدث عن يوحنا المعمدان

11: 1-19

 

7: 18-35

تعليم عن السبت

12: 1-14

   

الموعظة في السهل

   

6: 20-49

شفاء عبد وإعادة ابن إلى الحياة

   

7: 1-17

المرأة التي خدمت يسوع

   

7: 36-8: 3

مناقشة يسوع مع القادة الدينين

12: 22-50

3: 20-35

 

أمثال الملكوت

13: 1-58

4: 1-41

8: 4-25

مجنون كورة الجدريين

 

5: 1029

8: 26-39

معجزة إطعام 5000 شخص

14: 13-21

6: 30-44

9: 10-17

يسوع يمشي على الماء

14: 22-33

6: 45-52

 

تعليم بخصوص التقاليد الدينية

15: 1-20

7: 1-23

 

يسوع يشفي مرضى كثيرين

15: 21-31

7: 24-37

 

يسوع يشبع 4000 شخص

15: 32-16: 12

8: 1-21

 

تنبأ يسوع بموته

16: 13-28

8: 27-37

9: 18-27

التجلي

17: 1-27

9: 2-32

9: 28-45

إرسالية السبعين

   

10: 1-24

المحبة والصلاة ومحبة المال

   

10: 25-12: 59

شفاء وأمثال

   

13: 1-30

يسوع يغادر الجليل

   

13: 31-35

بعض الأمثال الشهيرة

   

14: 15-16: 31

شفاء البرص

   

17: 11-19

يسوع يتوجه إلى أورشليم

     

يسوع يتنبأ ثانية عن موته

20: 17-19

10: 32-24

18: 31-34

ابنا زبدى يطلبان ميزة

20: 20-28

10: 35-45

 

شفاء بارتيماوس الأعمى

20: 29-34

10: 46-52

18: 35-43

زكا يقابل يسوع

   

19: 1-10

يسوع يدخل أورشليم كملك

21: 1-9

11: 1-10

19: 28-44

يطرد التجار من الهيكل

21: 10-22

11: 11-26

19: 45-48

أمثلة أخرى

21: 28-22: 14

   

اتهام الفريسيين

23: 1-36

12: 37-40

20: 45-47

يسوع يتنبأ بخراب الهيكل

24: 1-3

13: 1-4

21: 5-7

يسوع يتحدث عن الرؤويات

24: 4-36

13: 5-37

21: 8-36

موت يسوع وقيامته

     

التآمر على يسوع

26: 1-5

14: 1-2

22: 1-2

يهوذا يخون يسوع

26: 14-16

14: 10-11

22: 3-6

التلاميذ يعدون الفصح

26: 17-19

14: 12-16

22: 7-13

العشاء الأخير

26: 20-29

14: 17-25

22: 15-38

القبض على يسوع

26: 30-56

14: 26-52

22: 39-53

محاكمة يسوع

26: 57-27: 26

14: 53-15:15

22: 54-23: 25

صلب يسوع

27: 27-44

15: 16-32

23: 26-43

موته

27: 45-56

15: 33-41

23: 44-49

دفنه

27: 57-66

15: 42-47

23: 50-56

القبر الفارغ

28: 1-10

16: 1-8

24: 1-12

يسوع يظهر لأتباعه بعد القيامة

28: 11-20

 

24: 13-53

 

المسيا

لسنا في حاجة لإضاعة كثير من الوقت في التفكير فيما قاله يسوع عن نفسه من أنه هو المسيح. وهذا لم يكن لقباً اتخذه يسوع لنفسه، وفي إنجيل مرقص[7]، وهو أول الأناجيل من ناحية الكتابة، لا نجد إلا مثالاً واحداً قال يسوع فيه إنه المسيح. ومع ذلك فتوجد أربع مناسبات هامة جداً قال أناس آخرون فيها عن يسوع أنه المسيح، ويبدو أنه قبل هذا اللقب.

  • حين أدرك بطرس أخيراً حقيقة ما قاله يسوع عن نفسه وقال له: “أنت المسيح”، أجاب يسوع بأن بطرس قد طُوب إذ حصل على هذا الإعلان الخاص[8].
  • ومناسبة أخرى كانت أثناء محاكمته أمام السلطات اليهودية حيث اعترف يسوع أمام رئيس الكهنة أنه هو المسيح[9].
  • هناك أيضاً القصة التي تتحدث عن كيفية شفاء يسوع لرجل به روح نجس. فهو لم يسمح لهذا الرجل أن يخاطبه على اعتبار أنه “ابن الله العلي” فحسب بل قال له أيضاً: “اذهب إلى بيتك وإلى أهلك وأخبرهم كم صنع الرب بك”[10].
  • في مناسبة أخرى كان يسوع سائراً في الطريق على مقربة من أريحا حين صرخ أحد المتسولين، وكان أعمى اسمه بارتيماوس، وخاطب يسوع بقوله: “يا ابن داود”. وعلى الرغم من أن الواضح أن آخرين ممن كانوا واقفين هناك طلبوا منه أن يصمت، إلا أن يسوع لم يفعل هذا، ومن هنا يبدو أنه وافق أن يطلق عليه هذا اللقب[11].

ويتضح من هذه الأمثلة الأربعة أنه لم يكن ليسوع نفس الموقف بالنسبة للقول بأنه المسيح “ابن داود” في كل مناسبة، وحين جاء الوقت الذي وقف فيه أمام رئيس الكهنة، كان من الواضح أنه سيدان بأي طريقة، وعلى ذلك لم يكن هناك ما يمنعه من الاعتراف بأنه المسيح. على الرغم من أنه حتى في هذا الموقف أخذ يعيد تحديد مفهوم “المسيح” في إطار لقبه المفضل “ابن الإنسان”. لكنه في مرحلة سابقة، حين اعترف بطرس أنه هو المسيح، طلب يسوع منه ومن التلاميذ الآخرين ألا يخبروا أحداً عن ذلك، بل عليهم أن يحتفظوا بالأمر سراً.

أما في المناسبتين الأخريين فيبدو أنه قبل لقب “المسياني” من أناس آخرين دون أن يعلق على ذلك بشيء. وفي حالة الرجل الذي كان به روح نجس طلب منه أن يشارك اختباره مع أصحابه وأهله. ومن الواضح أن موقف يسوع من ناحية السماح للناس أن يعرفوا أنه المسيح كان يختلف طبقاً للظروف، وكان الأمر يعتمد إلى حد ما على ما إذا كان يجب أن يخفى هذا الأمر أو يذاع. فما الذي نفهمه من كل هذا؟ يبدو أن هناك تفسيرين محتملين لهذا الموضوع:

لم يقل يسوع إطلاقاً إنه المسيح. وأحد طرق حل هذه المشكلة هو أن نقول بأن يسوع في الواقع لم يدع إطلاقاً أنه المسيح، وأن مرقص وكتبة الأناجيل الآخرين كتبوا قصصهم عن حياة يسوع وتعاليمه وذهنهم مشغول بالأكثر بما يؤمنون به عن يسوع وليس ما يدعيه هو عن نفسه. وكانوا يؤمنون بأنه المسيح، لأنهم كانوا على قيد الحياة بعد القيامة. ومن هذا المنظور الجديد أدركوا أنه من المناسب بالأكثر أخذ يسوع على أنه الشخص الذي حقق مواعيد الله المذكورة في العهد القديم.

ومع ذلك، فإنه حين جاء الوقت ليكتبوا الأناجيل أرادوا أن يوضحوا بكل جلاء أن يسوع هو في الواقع المسيح الموعود. ولذلك سدوا الثغرة بين معتقداتهم الخاصة، ولم يكونوا يعرفون أنه الحقيقة التاريخية، وذلك بأن ابتكروا فكرة “إبقاء مسيانية يسوع سراً”. وهذه عبارة صيغت لأول مرة بمعرفة أحد المفسرين الألمان وهو “ويلهلم ريد Wilhelm wrede”.

وذلك لتفسير السبب في أنه حين كان يجيء الحديث عن المسيح وهو يتكلم مع تلاميذه عن وضعه باعتباره المسيح، كان دائماً يطلب منهم إبقاء هذا الأمر سراً. وقد اعتقد “ريد Wrede” أن فكرة “السر المسياني” هذه كانت بجملتها من ابتكار مرقص كاتب أقدم إنجيل.

والصعوبة التي تكتنف هذا الاقتراح هي أنه على الرغم من أنه يتناغم مع جزء من الدليل، إلا أن هناك بعض المعلومات الأخرى التي لم تتفق معه. فعلى سبيل المثال هناك الأحداث التي تضمنت الرجل الذي كان به روح نجس في كورة الجدريين وبارتيماوس في أريحا. ثم أن هناك الحقيقة التي لا يمكن إنكارها وهي أن يسوع في واقع الأمر حكم عليه بالموت لأنه ادعى أنه “ملك اليهود” أي مسيحهم. ومن الصعوبة معرفة كيف ترك مرقص هذه القصص في إنجيله، وبهذه الصيغة إذا ما كان مصمماً على جعل فكرة “السر المسياني” مقنعة.

  • كان يسوع على قناعة بأنه المسيح، ولكنه لم يدع ذلك إطلاقاً. ويبدو أننا تركنا وعندنا الانطباع أن يسوع كان يعتقد أنه المسيح، غير أنه لم يقل ذلك صراحة. ولكن كيف لنا أن نفسر هذا الغموض؟

هناك ثلاثة أمور يمكن قولها في هذا الصدد:

أولاً: علينا أن نتذكر أن الأناجيل لم تكتب فقط لحفظ قصة حياة المسيح وتعليمه، بل لتكون سنداً بعد ذلك للمسيحيين في القرن الأول. والمسيحيون الذين قرأوا الأناجيل لأول مرة كانت لهم النظرة التي لدينا الآن. كانوا يعرفون قيامة المسيح ومجيء قوة الله في حياتهم. وعلى هذا الأساس، لم تكن أمامهم أية صعوبة في معرفة أن يسوع لا بد وأن يكون هو المسيح المخلص الموعود به من الله والذي أرسل ليبدأ المجتمع الجديد، فكيف تخامرهم أي شكوك وهو أنفسهم أعضاء في هذا المجتمع الجديد؟ وشيئاً فشيئاً بدأت كلمة “المسيا” أو “المسيح” تستعمل كاسم ثان ليسوع، ولا تزال تستعمل على هذا النحو حتى يومنا هذا.

وهذا يفسر لنا السبب في أن كلمة “المسيح” استعملت عدة مرات في إنجيل يوحنا، في حين أنها نادراً ما كانت تستعمل في الأناجيل الثلاثة الأخرى. وكان الاعتقاد بصفة عامة أن يوحنا كتب إنجيله في وقت متأخر عن الآخرين، وفي ذلك الحين أصبحت الكلمة تقريباً لقباً ليسوع.

ثانياً: الأناجيل نفسها أوضحت أنه كانت ليسوع ومعاصريه مقاصد متعارضة حين كانوا يتكلمون عن المسيح. فبالنسبة لليهود كان المسيا عندهم ملكاً من الناحية السياسية. أما بالنسبة ليسوع فالمسيا معناه عند متواضع مطيع لمشيئة الله. ولو كان يسوع قد تحدث عن نفسه صراحة بأنه المسيح لكان بذلك قد أخفى المعنى الحقيقي لمجيئه، ولتسبب ذلك في مواجهة قبل أوانها مع السلطات الرومانية.

فحتى التلاميذ، بما فيهم بطرس الذي أعلن أن يسوع هو المسيح، لم يعرفوا على وجه الدقة من هو يسوع إلا بعد القيامة. فعلى الرغم من علاقتهم الوثيقة بيسوع فقد أظهروا جهلهم بمقاصده في أكثر من مناسبة. ويمكن أن نكون متأكدين من أن هذه صورة تاريخية حقيقية، لأنه حين كتبت الأناجيل كان التلاميذ أبطال الكنيسة، وما من أحد كان له أن يكتب قصصاً تصورهم بمظهر سيء.

ثالثاً: يبدو من المؤكد أن موقف يسوع كان يختلف بالفعل، وأن حياته كلها وعمله كان مزيجاً من الإعلان والسرية، فقد تم تغطية هذا بالطريقة التي كان يحب أن يسمي نفسه “ابن الإنسان”، وهو لقب لم يكن له معنى واضح. وهو بالنسبة لأولئك الذين لم يكونوا مستعدين لأن يتأملوا هذا اللقب بعمق، كان اسماً بمقدوره أن يربكهم ويخفى ادعاءات المسيح لا أن يظهرها[12]. وفي نفس الوقت، فإن أحداثاً كثيرة في حياة يسوع بما فيها المعجزات[13]، بل وأيضاً مناسبات مثل عماده، والتجربة في البرية، ودخوله أورشليم سوف تفقد معناها لو لم يقل يسوع إنه المسيح[14]. فكثير من الأمور التي عملها وقالها كانت هي الأمور التي كان من المتوقع أن يعملها ويقولها المسيح حين يأتي.

وأفضل نتيجة نستخلصها من ذلك هي أن يسوع لم يستخدم كلمة المسيح عند الإشارة إلى نفسه لأنه كان يعرف أنها ستوحي لمستمعيه بملك أرضي ودولة سياسية جديدة. ومن المؤكد أنه لم يكن لدى المسيح أية نية لأن يكون “مسيحاً” من هذه النوعية. فلقد سبق ورفض هذه الفكرة بكل حسم حين جرب من إبليس. ولذلك صاغ خدمته كلها في قالب يخفي حقيقة أنه المسيح عن أولئك الذي لا يرغبون في فهم معنى هذه الكلمة بنفس مفهومه هو، ولكنها تكشف عن هويته الحقيقية لأولئك الذين يريدون بالفعل أن يعرفوا.

ابن الله

إيمان الكنيسة المسيحية منذ نشأتها هو الإقرار بأن يسوع هو “ابن الله”. وهذا تعبير مألوف لشعب يسوع في أيامنا هذه، والشعوب الناطقة باليونانية كثيراً ما يستخدمون هذه العبارة للإشارة بها إلى شخصية إنسان نبيل يوصف بالبطولة، وحين قال قائد المئة الروماني عند الصليب “حقاً كان هذا ابن الله”[15]. فلربما كان كل ما يعنيه بهذا هو أن يسوع كان رجلاً عظيماً حقاً، وقصة لوقا تشير إلى هذا بكل وضوح، حيث أن قائد المئة قال “بالحقيقة كان هذا الإنسان باراً”[16].

وعلى مثال تعبيري “ابن الإنسان” و”المسيح” استخدم أيضاً تعبير “ابن الله” في العهد القديم[17]، فأمة إسرائيل كثيراً ما كان يشار إليها بعبارة “ابن الله”. وملوك إسرائيل ولا سيما أولئك الذين كانوا من نسل داود كانوا أيضاً يحملون هذا اللقب. وثمة مزامير كثيرة تشير إلى الملك على أنه “ابن الله” على الرغم من أنه سرعان ما نظر اليهود إلى هذه الفقرات باعتبارها تشير إلى المسيح الآتي.

إلا انه ليس من شك أن عبارة “ابن الله” في الأناجيل قد استعملت للإشارة إلى أن يسوع يقول إنه في علاقة خاصة مع الله نفسه. وكان يسوع مدركاً تماماً بعلاقته الروحية الوثيقة بالله باعتبار أنه أبوه. بل إنه وهو في مقتبل عمره، حين كان في الثانية عشرة[18]، كان يعتبر هيكل أورشليم بين أبيه “فيما لأبي”[19]. وفي قصة مستأجري الكرم الأشرار أوضح بجلاء أنه نفسه ابن المالك الذي أرسله ليضع الأمور في نصابها.

والادعاءات التي لُمّح إليها في هذه القصص وضحها يسوع بشكل تام. لتأخذ على سبيل المثال هذا القول الذي سجله كل من متى ولوقا “كل شيء قد دفع إلي من أبي. وليس أحد يعرف الابن إلا الآب. ولا أحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له”[20]. ومن الواضح أن يسوع كان يشير هنا إلى علاقة فريدة مع الله، وأنه فعل ذلك دون أن يترك أي فرصة ولو ضئيلة لسوء الفهم.

ومن المؤكد أنه لا يوجد مجال للقول – كما يفعل كثيرون من غير المسيحيين – أن يسوع كان رجلاً صالحاً، ادعى في الواقع أنه ذو طبيعة أسمى من طبيعة البشر. وإذا كان ما قاله يسوع عن نفسه ليس صحيحاً فإما أنه دجال شرير، وإما أنه أبله مخدوع – وليس هناك دليل في الأناجيل أو الآراء التاريخية العامة تتصوره على أي من هاتين الصورتين.

إذاً ما الذي كان يعنيه يسوع حين قال إنه “ابن الله” ومن الطبيعي أن هذا يوضح أهم الأسئلة التي فكر اللاهوتيون وتحدثوا عنها لعدة قرون. وعلى ذلك ليس هناك ما نستطيع قوله هنا مما يحتمل أن يكون الإجابة الشافية والحاسمة لهذا السؤال، غير أنه توجد على الأقل ثلاث حقائق جوهرية يجب مراعاتها إذا كنا نريد أن نفهم – وبوعي – ما كان يقوله يسوع والمسيحيون الأوائل حين استخدموا هذا التعبير:

علينا ألا ننسى إطلاقاً حين نصف يسوع بأنه “ابن الله” أننا نستخدم لغة تصويرية لوصف أمر هو في حقيقته فوق أي وصف. فقد كان يسوع يستخدم صيغة تشبيهية. وقد أخذ العلاقة البشرية بين الابن وأبيه وقال “علاقتي بالله تشبه هذه العلاقة”. ولا يجب أن نأخذ هذا التشبيه بمعناه الحرفي. بل وما كان يشير إلى أن كل ناحية من نواحي علاقتنا بآبائنا تماثل تماماً العلاقة بين يسوع والله. وليس كل واحد في علاقة سعيدة مع أبويه.

على الرغم من أن هناك كثيرين ممن يستطيعون القول بإخلاص “الذي يكرهني يكره أبي أيضاً”[21]، إلا أنه ما من إنسان بمقدوره أن يقول: “أنا والآب واحد”[22]. والواقع أن تعليم يسوع كله، ولا سيما في إنجيل يوحنا، يوضح أن هذه العلاقة بين الآب والابن هي علاقة فريدة، وكانت موجودة قبل أن يولد يسوع في بيت لحم بزمن طويل. فيسوع “كان في البدء عند الله”[23].

ومثل كل الألقاب التي استعرضناها هنا، فإن هذا اللقب أيضاً استخدم في العهد القديم. وتعبير “ابن … ” كان تعبيراً شائعاً في اللغة العبرية. فنجد في العهد القديم – على سبيل المثال – أن الإسرائيليين كانوا يدعون دائماً “بنو إسرائيل”[24]، على الرغم من أن الترجمات الحديثة تجاهلت هذا التعبير وكثيراً ما يطلق على الأشرار عبارة “بنو لئيم” أو “بني بليعال”[25]. وبالنسبة لعبارة “الجنس البشري” فإن اللغة العبرية تترجمها “بنو البشر”[26].

ولذلك فإننا إذا وصفنا أنفسنا بأننا “بنو بشر”، فمعنى هذا أننا نقول إننا نشارك كل الجنس البشري الذي كان قبلنا في نفس سماته وطبيعته. ولذلك فإنه عندما يقول العهد الجديد أن يسوع هو “ابن الله” فهو يقرر هنا أن يسوع يشارك في طبيعة وصفات الله نفسه. وكان يقول إنه حقاً وبالفعل له طبيعة إلهية. وهناك أناس، مثل شهود يهوه – على سبيل المثال – لم يستطيعوا أن يفهموا هذا، لأنهم نسوا أن يسوع كان يستخدم تشبيهاً حين وصف نفسه بأنه “ابن الله” ثم إنهم تجاهلوا أيضاً تعبير “ابن….” في اللغة التي كان يسوع يتكلم بها.

في الأصحاح الأول من إنجيل يوحنا، وفي سفر الرؤيا، تم التعبير عن هذه العلاقة بين يسوع والله بطريقة أخرى[27]. فهناك سُمي يسوع “الكلمة” أو كلمة الله (اللوغوس)[28]. وكلمة الله بالطبع هي الطريقة التي يتصل بها الله بنا، ولكن عندما يقول العهد الجديد عن يسوع إنه “الكلمة” فهو يقصد شيئاً أكثر من ذلك. لأن يوحنا يقول “وكان الكلمة الله”[29]. أي أن رسالة الله للبشرية لم تكن مكتوبة في كتاب فحسب، بل أظهرت في شكل الله نفسه كما قال أيضاً “والكلمة صار جسداً”[30] أي أن الله نفسه تجسد في “الكلمة” في يسوع.

وعلى هذا فإنه حين قال يسوع إنه “ابن الله”، وحين يصف كتبة العهد الجديد هذا بعبارة “كلمة الله” فجميعهم كانوا يقولون هذا لأنه في المسيح نستطيع بحق أن نعرف الله. ولقد قال يسوع نفسه “الذي رآني فقد رأى الآب”[31]. وكلنا لدينا أفكارنا عن الله. وهي أفكار تشكلت طبقاً لتحليلاتنا وأفكارنا المسبقة، ولكن إذا كان ما يقوله يسوع عن نفسه صحيحاً، يصبح بمقدورنا الآن أن نضع الصورة الصحيحة عن الله بدلاً من الصورة الخيالية التي اختلقناها عنه. وهذا هو السبب في أنه من المهم لنا جداً أن نعود إلى ما كان يسوع يقوله ويعلمه فعلاً، لأننا من خلال حياته وتعاليمه نستطيع حقاً أن نرى الله ونسمعه.

العبد

ولعلنا نكتشف شبه الله بشكل أوفى في هذا اللقب الأخير “العبد” الذي يبدو أن يسوع طبقه على نفسه وعلى عمله. حتى أننا لا نجد في أي موضع في الأناجيل أن يسوع استخدم لقب “عبد الله” في مجال الحديث عن نفسه. ومع ذلك فلقد سبق لنا أن رأينا أنه نتيجة أنه عاش ومات بالطريقة التي تم التنبؤ بها عن العبد المتألم في إشعياء[32]، فإن مفهومه عن معنى أن يكون المسيح كان مختلفاً للغاية عن نوعية المسيح الذي كان يتوقعه اليهود في أيامه. كذلك نجد إشارات عديدة لقناعة يسوع أنه سيكون من نصيبه أن يتألم وكما سبق ولاحظنا، فإن أبرز استخدامات تعبير “ابن الإنسان” كانت في إطار أقوال يسوع عن آلامه وموته.

ومنذ أن تعمد، وربما قبل ذلك، رأي يسوع أن مجرى حياته سيكون عبر الآلام[33]، والصوت الذي سمعه عند عماده، والذي يردد كلمات من إحدى الفقرات في سفر إشعياء عن العبد المتألم[34]، أوضح أمامه أن عمل حياته يتركز على التواضع وإنكار الذات، وهذه القناعة كانت تتردد بشكل قوي في تصرفه إزاء اختبار تجربته في البرية. وطبقاً لما جاء في إنجيل مرقص، فقد حذر يسوع تلاميذه في مرحلة مبكرة جداً من خدمته أنه قد اقترب اليوم الذي سوف يرفع هو “العريس”[35] فيه، عن أصحابه. وفور أن أعلن بطرس إيمانه أن يسوع هو المسيح، أخذ يسوع يكرر “أن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيراً”[36]. وثمة غرض عظيم سوف ينجز من خلال خدمته وآلامه:

“لأن ابن الإنسان أيضاً لم يأت ليُخدم بل ليخدم ويبذل نفسه فدية عن كثيرين”[37].

لقد صرفنا وقتاً كثيراً نتأمل فيه الألقاب المختلفة التي وصف بها يسوع نفسه. ومعظمها من الصعب فهمه على وجه التفصيل. غير أن لها كلها مضموناً واحداً واضحاً جداً. فلا ريب أن يسوع باستخدامه هذه الألقاب كان يشير إلى علاقته الفريدة بالله وإلى سلطانه الفريد، ونجد أن سلطانه هذا يتم التعبير عنه في قوله إن بمقدوره غفران خطايا الناس.

ولقد رأي علماء الدين اليهودي – وكانوا محقين في ذلك تماماً – أن يسوع يدعي بهذا أنه يمارس سلطاناً يختص به الله وحده. كما أنه طلب من تلاميذه ولاءً وإخلاصاً بشكل لا يمكن أن يكون لأي إنسان عادي الحق في ادعائه على الإطلاق. ولقد قال لكل من سيؤمنون به مستقبلاً: “ومن لا يحمل صليبه ويأتي ورائي فلا يقدر أن يكون لي تلميذاً”[38].

وقول المسيح إن له علاقة فريدة مع الله تم التعبير عنه في إنجيل يوحنا بالتساوي التام بين يسوع والله “أنا والآب واحد”[39] ونجد نفس هذه الأقوال في إنجيلي متى ولوقا[40].

وعلى الرغم من هذا فكثيراً ما يقول لنا المؤرخون غير الدينيين إن يسوع عاش كمعلم متجول، بل إنه لم يدع أنه نبي، وإن الكنيسة الأولى وبولس بصفة خاصة، هو الذي خلع الألوهية عليه. لكن ما قاله يسوع عن نفسه تم التعبير عنه في نفس المصادر الأولى التي سجلت عنه، وعلينا ألا ننسى أنه بمقارنة الأناجيل بالكتابات التاريخية الأخرى للعصر ذاته نجد أنها كتبت بعد الأحداث التي وصفوها بفترة قصيرة جداً.

وأكثر من ذلك فإن عمل الباحثين الذين فحصوا الطريقة التي تمت بها فعلاً كتابة الأناجيل ومهم “نقاد الصيغ” قد أوضحوا أنه لا توجد أية إشارة في أي موضع في العهد الجديد إلى وجود يسوع لم ينسب إلى نفسه قوى خارقة للطبيعة.

والواقع أنه يستحيل حقاً الفصل بين شخص يسوع كإنسان “يسوع التاريخي” وبين المسيح الرب المقام المساوي لله وذلك في الفكر اللاهوتي للكنيسة الأولى.

وإذا كانت ادعاءات يسوع زائفة، نكون والحالة هذه بصدد معلم يهودي تقي كما يحلو لبعض المؤرخين أن يتخيلوا أحياناً، أو نكون بصدد رجل مريض بالوهم، أو مخادع يعرف أنه كذلك. وفي كلتا الحالتين، لا يصنف يسوع إلا مع المسحاء الآخرين الذين كانوا يظهرون على فترات متقطعة في القرن الأول، والذين لم يعش تأثيرهم إلا لفترات وجيزة، والذين قد أصبحوا الآن تقريباً في عالم النسيان، غير أن يسوع لم ينس. وإذا كان تلاميذه قد ادعوا في وقت لاحق ادعاءات جديدة عن أهميته، فإن هذه الادعاءات راسخة تماماً في تعاليمه عن نفسه وعن مكانه في خطط الله.

 

[1] يوحنا 1: 38؛ 3: 2؛ 9: 12.

[2] مرقص 1: 16-21؛ لوقا 4: 16؛ 6: 6.

[3] متى 7: 29؛ مرقص 2: 7.

[4] مرقص 1: 1.

[5] مرقص 8: 29؛ 9: 41؛ 14: 61-62.

[6] مرقص 14: 62.

[7] مرقص 9: 41.

[8] متى 16: 16-17.

[9] مرقص 14: 61-62.

[10] مرقص 5: 1-20.

[11] مرقص 10: 46-52.

[12] مرقص 1: 9-11.

[13] لوقا 4: 1-13.

[14] مرقص 11: 1-11.

[15] متى 27: 54.

[16] لوقا 23: 47.

[17] هوشع 11: 1.

[18] لوقا 2: 49.

[19] مرقص 12: 1-11.

[20] متى 11: 27؛ لوقا 10: 22.

[21] يوحنا 15: 23.

[22] يوحنا 10: 30.

[23] يوحنا 1: 2.

[24] قضاة 1: 1.

[25] تثنية 13: 13.

[26] صموئيل الأول 2: 12.

[27] يوحنا 1: 1-18.

[28] رؤيا 19: 13.

[29] يو 1: 1.

[30] يو 1: 14.

[31] يوحنا 14: 9.

[32] إشعياء 52: 13؛ 53: 12.

[33] مرقص 1: 11.

[34] إشعياء 42: 1.

[35] مرقص 2: 20.

[36] مرقص 8: 31.

[37] مرقص 10: 45.

[38] لوقا 14: 27.

[39] يوحنا 10: 30.

[40] لوقا 10: 22.

المخلص الموعود به من الله – من هو يسوع؟ – إبن الله وإبن الإنسان

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

 

لطالما لاحظ قراء الأناجيل أن متى ولوقا يتشابهان مع بعضهما البعض في طريقة عرضهما لتعاليم يسوع، وأن مرقص يفتقد إلى الكثير من هذه التعاليم. فهناك العديد من القصص والمواعظ وأقوال يسوع في متى ولوقا أكثر من تلك الموجودة في مرقص، والمادة التي يتشارك فيها كل من متى ولوقا قريبة جداً في الصياغة. فمنذ العصور القديمة، كان هذا الأمر يُفسر بالقول بأن متى كُتب أولاً (أولوية متى)، وأن مرقص ولوقا قاما باستخدام متى كمصدر لهما، موسعين فيه أو موجزين وفقاً لحاجاتهما.

أما اليوم، فيؤكد معظم العلماء على أن مرقص كُتب أولاً (أولوية مرقص.) وأن كلاً من متى ولوقا بالالتفات إلى مصدرين رئيسيين هما: مرقص والوثيقة Q([1]). إن نظرية العلاقات الأدبية بين الأناجيل السينوبتية معروفة ب: “فرضية المصدرين”.

يمكن تعريف وثيقة الوثيقة Q، بكل بساطة لكن بدقة، بأنه شبيه بجميع المواد المتطابقة والمشتركة بين متى ولوقا وغير موجودة في مرقص. إن وثيقة الوثيقة Q في جميع مصادر الأناجيل هو إلى حد بعيد أهم دراسة في العهد الجديد. فقد تم البحث فيه دون انقطاع لأكثر من مائة وخمسين سنة، وأصبح منذ حوالي عام 1970 نقطة محورية، ربما النقطة المحورية للدراسات التي تبحث في يسوع التاريخي. في حين أن وجود “م” و”ل”، ومصدر إشارات يوحنا غير مقبول من الناحية التماثلية، وتجمع الغالبية العظمى من العلماء على اعتناق فرضية الوثيقة Q.

في هذا الفصل سوف نقوم باختصار بذكر بدائل فرضية المصدرين مع فرضياتها للوثيقة Q، كما سنذكر بإيجاز محتويات وثيقة الوثيقة Q ووصف الدراسة الأخيرة له. ومن ثم سوف نركز على مسألتين هامتين بالنسبة لدراستنا: هل تصور وثيقة الوثيقة Q يسوع على أنه معلم يهودي كلبي؟ وما هي أهمية موت يسوع وقيامته بالنسبة لوثيقة الوثيقة Q ومجتمعها؟ فاهتمامنا الأساسي في البحث في وثيقة الوثيقة Q يركز على وضعه المفترض بأنه مصدر يسوع التاريخي، المصدر المستقل والسابق للأناجيل.

هل كانت وثيقة الوثيقة Q موجودة حقاً؟ حالما يتم القبول بأولوية مرقص، حينها يمكن تفسير المادة المشتركة في متى ولوقا بإحدى الطريقتين الرئيسيتين: إما أن الأول استخدم الآخر، أو أنهما استخدما مصدراً مشتركاً. بما أن متى ولوقا لم يستخدم أي منهما الآخر، يتضح ذلك لأسباب عدة. بادئ ذي بدء، كما لاحظنا أعلاه، يملك متى ولوقا على حد سواء قدراً كبيراً من المواد الخاصة بإنجيليهما. في حال استخدام أي منهما الآخر، فمنطقياً أن نتوقع وجود أقل القليل من المواد الخاصة بكل واحد منهما. ومن ثم أيضاً، لا يتفق متى ولوقا بالترتيب والصياغة بالمقارنة مع مرقص.

ففي حال استخدام أي منهما الآخر، فإننا نتوقع المزيد من الاتفاق في الترتيب والصياغة في متى ولوقا عندما يختلفان عن مرقص. أيضاً، إن المواد المشتركة بين متى ولوقا ومختلفة في مرقص واردة بترتيب مختلف في متى ولوقا، وعادةً ما يبدو شكل لوقا أقل تطوراً. فمتى يحتوي على مادة الأقوال في خمس أجزاء رئيسية (متى 5-7، 10، 13، 18، 23-25)، في حين أنها ترد في لوقا على نحو متساو تمامً (لوقا 3-9).

يصعب شرح هذا التباين في التوزيع في حال استخدام أي منهما الآخر. أضف إلى ذلك، أنه ما أن يتم عزل المادة التي لا تعود إلى مرقص التي يتشارك بها كل من متى ولوقا، حتى يظهر قدر كبير من التماسك الداخلي في الشكل والمضمون، أكثر بكثير من لك الوارد في “ل” و”م”. أخيراً، لقد أسكت اكتشاف إنجيل توما في عام 1945 أولئك الذين زعموا أنه لا يوجد تشابه في بداية ظهور المسيحية بالنسبة لمجموعة أقوال يسوع التي تفتقد إلى إطار سردي. نظراً لهذه الأسباب ولأسباب أخرى، توصلت الغالبية العظمى من العلماء إلى أن متى ولوقا استخدما على نحو مستقل مصدراً منفصلاً للمادة المشتركة التي لم ستمدها من مرقص.

وعلى الرغم من أن وثيقة الوثيقة Q تبدو وفق مصطلحات دوغلاس غولدر: “القوة الماحقة” في الدراسات الحديثة، فهناك ما لا يقل عن أربعة تفسيرات أخرى لأوجه الشبه في متى ولوقا بالمقارنة مع مرقص الذي ينكر وجود الوثيقة Q. التفسير الأول هو: “فرضية الإنجيلين”، التي اعتنقها بشجاعة وليام آر فارمر وزملاؤه، حيث تقول إنه تم كتابة متى أولاً، ومن ثم استخدم لوقا متى كمصدر رئيسي، وقام مرقص باختصارهما. التفسير الثاني هو فرضية المراحل المتعددة ل م ي بويسمارد، حيث تفترض هذه النظرية المعقدة للغاية أن أربعة من المصادر المكتوبة الخاصة بمتى ومرقص ولوقا والوثيقة Q كانت قد شكلت بداية منهج الإنجيل.

ومن ثم أصبحت اثنتان من هذه الوثائق: “مرقص الأوسط” و”متى الأوسط”، وفقاً للمصطلحات التي أطلقها عليهما بويسمارد. وبعد ذلك، خرج لوقا الأول بمادة الوثيقة Q وبمادة متى الأوسط. أخيراً، أثرت أجزاء من مرقص الأوسط بالأشكال الراهنة لمتي ولوقا، ويستخدم شكل مرقص الحالي لوقا الأول ومتى الأوسط. وتعود الفرضية الثالثة إلى دولاس غولدر الذي قال: إن لوقا استخدم إنجيل متى ودمجه بإنجيل مرقص، حيث يرى غولدر أن مادة لوقا الخاصة هي تطوير قام به لوقا لمتى، ويقول أيضاً في أن كلاً من مادة متى الخاصة وما يسميه الآخرون بالوثيقة Q هو تطوير قام به متى لمرقص.

ووفقاً لنظريته، فإن الوثيقة Q غير ضروري، لذا ينكر غولدر وجوده. ويقوم غولدر هنا بتوسيع أعمال أوستن فارير. أخيراً، حاول “بو ريك” شح التوافقات الموجودة بين الأناجيل السينوبتية، بما في ذلك ما يسميه الآخرون ب الوثيقة Q، على أنها عبارة عن خطوط متوازية ناشئة عن تقاليد شفوية وليست ناشئة عن وثائق مكتوبة. فلم يكن مؤلفو الأناجيل على اتصال مع بعضهم بعضاً أو مع مصادر أخرى مكتوبة مثل الوثيقة Q.

لقد رفضت أغلبية العلماء عن وجه حق هذه النظريات البديلة معتبرها غير كافية، حيث تعتمد اثنتان من الفرضيات، فرضيتا فارمر وغولدر، على أولوية متى. فاحتمالية كتابة متى أولاً أمر ممكن، لكن ليس بمقدر نظرية أولوية متى تقديم التفسير الكافي لسبب استخدام مرقص لمتى بهذا الشكل الغريب للغاية: توسيع بعض مواد متى بصورة كاملة، وفي نفس الوقت حذف أجزاء أخرى جذرياً، كحذف أكثر من نصف تعاليم يسوع الواردة في متى. كما لا تفسر نظرية أولوية متى سبب كون الكثير من مواد لوقا مواد خاصة، وأن هذه المادة التي تمثل تطوير لوقا لمتى بكل بساطة غير ذات مصداقية، نظراً لاختلاف المضمون والأمور التي تشدد عليها.

بالإضافة إلى ذلك، فقد طُبعت فرضية بويسمارد في أذهان العلماء على أنهما معقدة أكثر من اللازم، وتشكل انتهاكاً لمبداً أهل العلم القائل في أن التفسير الأبسط هو الأفضل. فقد توصل بحق معظم العلماء بشأن نظرية ريك إلى أنه لا يمكن للتطور الشفهي وحده لتقاليد يسوع تفسير درجة التشابه الحر في الكبير بين الأناجيل السينوبتية.

أما فيما يتعلق بالنتيجة الطبيعية لريك في أن مؤلفي الأناجيل لم يستخدموا مصادر مكتوبة، يشهد (لوقا 1:1-4) صراحة بأن المؤلف عرف مصادر أخرى، مما يجعل من الممكن استخدامه لها. لذلك، يتم تفضيل نظرية المصدرين بفرضيتها لالوثيقة Q، على الرغم من بعض المشاكل العالقة، على الفرضيات البديلة الأربع بوصفها الأبسط والأفضل تفسيراً لأصول وعلاقات الأناجيل السينوبتية.

إن قضية الوثيقة Q أقوى بكثير من أي نظرية منافسة خاصة بعلاقات الأناجيل السينوبتية. وتبقي الوثيقة Q فرضية، ومثل أي فرضية، تستحق أن تخضع للاختبار باستمرار. ومع ذلك، فهي فرضية مفيدة ومثمرة ومن المرجح أن تظل كذلك.

لقد استمر البحث في حجم وصياغة الوثيقة Q في اللغة اليونانية أكثر من قرن حتى الآن، واليوم يعد هذا البحث جهداً خاصاً يرأسه مشروع الوثيقة Q الدولي الذي كان ينشر سنوياً منذ عام 1990 حتى عام 1997 في صحيفة الأدب الإنجيلي، المشروع الذي يجمع الآن نصاً مهماً لالوثيقة Q. في حين تتفاوت إلى حد ما عمليات تجديد محتويات الوثيقة Q الحقيقية، يبقي المخطط الأساسي واضحاً. فالجدول التالي يلخص محتويات الوثيقة Q العامة والمقبولة للجميع.

محتويات الوثيقة Q:

لوقا متى المحتويات
البدايات
7:3-9، 16-17 7:3ب-12 يوحنا المعمدان: التحذيرات، الوعد بأن شخصاً ما سيأتي
2:4-13 2:4ب-11 أ إغراءات (اختبارات) يسوع الثلاثة قدمها الشيطان (ترتيب مختلف في لوقا ومتى)
العظة في السهل / على الجبل
20:6ب-23 3:5، 6، 4، 11-12 تطويبات (ترتيب وصياغة مختلفة)
27:6-30 44:5، 39ب – 40، 42 أحبوا أعداءكم، اعرض الخد الآخر، هب رداءك، أعطه للمستولين
31:6 12:7 وكما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا أنتم أيضاً بهم،
32:6-33، 35، ب-36 46:5-47، 45، 48 أحبوا أكثر مما يفعل أولئك الذين يحبونكم، كونوا رحماء كما أن أباكم رحيم
37:6أ، 38 ج 1:7-2 لا تدينوا فلا تدانوا، بنفس الكيل الذي به تكيلون يكال لكم
39:6-40 14:15، 24:10-25 أ هل يقدر أعمى أن يقود أعمى، ليس التلميذ أفضل من معلمه
41:6-42 3:7-5 القذى الذي بعين أخيك، الخشبة التي في عين شخص ما
43:6-45 16:7-20 (33:20-35) ما من شجرة جيدة تثمر ثمراً رديئاً، لا يجتنون من الشوك تيناً
46:6-49 21:7، 24-27 ولماذا تدعونني: يا رب، يا رب، وأنتم لا تفعلون ما أقوله؟، الذي يسمعه ويعمل به
شفاء عبد لقائد المائة
1:7-2، 6 ب -10 5:8 أ – 10، 13 قائد المائة صاحب الإيمان العجيب في كفر ناحوم يطلب المساعدة في شفاء خادمه المريض، الأشخاص الذين يقوم يسوع بشفائهم
أقوال حول يوحنا المعمدان
18:7-28 2:11-11 تلاميذ يوحنا، الرسالة الموجهة له، مديح يوحنا على اعتباره أكثر من نبي
31:7-35 16:11-19 لا يفرح هذا الجيل لا بيوحنا ولا بابن الإنسان
التلمذة والمهمة
57:9-60 19:8-22 ابن الإنسان ليس له أين يسند رأسه، من أجل أن تتبعه دع الموتى يدفنون موتاهم
2:10-12 37:9-38، 7:10-16 الحصاد كثير، الفعلة قليلون، تعاليم المهمة
13:10-16 21:11-23، 40:10 ويل لك يا كورزَين، ويل لك يا بيت صيداَ، الذي يسمع منكم يسمع مني
21:10-24 25:11-27، 16:13-17 شكراً الأب على الإعلان للأطفال، كل الأشياء تُدفع إلى الابن الذي يعرف هو وحده الآب، طوبي للعيون التي تنظر ما تنظرونه
تعاليم بخصوص الصلاة
2:11-4 9:6-13 صلاة الرب (أشكال مختلفة – الصلاة الواردة في متى أطول)
9:11-13 7:7-11 أسألوا تعطوا، أن تعطوا عطايا جيدة، فكم بالحري الآب سيعطي
خلافات ومضايقات
14:11-15، 17-23 22:12-30 ببعلزبول يخرج الشياطين، يحفظ القوي داره، من ليس معي فهو علىّ
24:11-26 43:12-45 متى خرج الروح النجس من الإنسان ثم يذهب ويأخذ سبعة أرواح آخر أشر منه
29:11-32 36:12-42 هذا الجيل يطلب آية، آية يونان النبي، حكم أهل نينوى، ملكة الجنوب
33:11-35 15:5، 22:6-23 ليس أحد يوقد سراجاً ويضعه في خفية، سراج الجسد هو العين، متى كانت شريرة فجسدك يكون مظلماً
39:11-44 25:32 – 26، 23، 6-7 أ، 27 أنتم الآن أيها الفريسيون تنقون خارج الكأس، ويل للعشير التافه، والذين يحبون المجلس الأول في المجامع
46:11-48 4:23، 29-31 ويل لكم أنتم الناموسيون لأنكم تحملّون الناس أحمالاً عسرة الحمل، لأنكم تبنون قبور الأنبياء
49:11-52 34:23-36،13 أنا أقول / حكمة الله تقول: إني أرسل إليهم أنبياء سيعذبون، ويل لكم أنتم أيها الناموسيون
2:12-10 26:10-33، 32:12 لا خفي لن يعرف، لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد، اعترفوا بي قدام الله
عن القلق
22:12-31 25:6-33 لا تقلقوا بشأن الجسد، تأملوا زنابق الحقل، الآب يعرف ماذا تحتاجون
33:12-34 19:6-21 لا يوجد كنوز على الأرض بل في السماوات
الاستعداد لمجيء الساعة
39:12-40، 42-46 43:24-44، 45-51 رب البيت والسارق، العبد المخلص المستعد لمجيء سيده
51:21-53 34:10-36 لم آت لأعطي سلاماً بل لأعطي سيفاً، انقسامات داخل العائلات
56-54:12 3-2:16 القدرة على معرفة علامات الطقس تمكن المرء من معرفة الوقت الحالي
58:12-59 25:5-26 التخلص من الخصم قبل الذهاب إلى القاضي
قصص وأقوال حول التلمذة
18:13-21 31:13-33 ملكوت الله تشبه نمو حبة خردل، وتشبه خميرة وضعتها امرأة في الدقيق
23:13-29 13:7-14، 22-23، 11:8-121 قليل هم الذين سيدخلون من الباب الضيق، رب البيت يرفض هؤلاء الذين يقرعون الباب، يأتي أناس من كل حدب وصوب للدخول في ملكوت السماوات / الله
34:13-35 37:23-39 يا أورشليم، يا أورشليم! يا قاتلة الأنبياء، عليك مباركة ذلك الشخص الآتي باسم الرب
16:14-24 2:22-10 ملكوت السماوات / الله هي مأدبة عظيمة: يعتذر مدعوون، ويدعى آخرون
26:14-27 37:10-38 فضلّني على عائلتك، أحمل صليبك واتبعن
34:14-35 13:5 عدم نفح الملح الذي فقد مذاقه
4:15-7 12:18-14 الإنسان الذي يترك 99 خروفاً ويذهب لأجل الخروف الضال
13:16 24:6 ليس بمقدوركم أن تخدموا سيدين
16:16-18 12:11-13، 18:5، 32 كان الناموس والأنبياء إلى يوحنا، لن تسقط نقطة واحدة من الناموس، كل من يطلق امرأته ويتزوج بأخرى يزني
1:17، 3ب-4 7:18، 15، 21-22 ويل لأولئك الذين تأتي العثرات بواسطتهم، اغفر لأخيك بعد توبيخه، بطرس: كم مرة نغفر
6:17 20:17 لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل، لاستطعتم تحريك الجبال / واقتلاع الأشجار
مجيء ابن الإنسان في النهاية
23:17-24، 37 26:24-28 علامات مجيء ابن الإنسان
26:17-27، 30 37:24 -39 وكما في أيام نوح كذلك يكون أيضاً في أيام ابن الإنسان
33:17 39:10 من طلب أن يخلّص نفسه يهلكها، ومن أهلكها يحييها
34:17-35 41:10 إنه في تلك اللية يكون اثنان، فيؤخذ الواحد ويترك الآخر
12:19-27 14:25-30 قصة الموهوبين
28:22، 30 28:19 أتباع يسوع سيجلسون على كراسيه ويدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر

وكما يُظهر هذا التلخيص بأن الوثيقة Q يحتوي على معظم تعاليم يسوع. فهو يحتوي على القليل من القصص السردية حيث يبدأ بيوحنا المعمدان والإغراءات التي تعرض لها يسوع، وبالقرب من المنتصف هناك سرد لإحدى المعجزات: “خادم قائد المائة الروماني”. كما يمكن الاستدلال على الكثير من المعجزات الأخرى التي جاء بها يسوع في إنجيل لوقا (21:7 و 13:10 و 20:11). وفي بعض الأماكن، تحتوي التعاليم على سياق أو مقدمات سردية قصيرة، على سبيل المثال: لوقا (18:7-20، الأسئلة التي طرحها يوحنا المعمدان).

إن تعاليم يسوع مقسمة بالتساوي تقريباً بين قصص وأقوال قصيرة. كما تكثير أقوال الحكمة والأقوال الأخروية التي هي بالمجمل عبارة عن تحذيرات. يتشارك الهيكل العام لالوثيقة Q بقسم لا بأس به مع أناجيل العهد الجديد اللاحقة. وبنفس طريقة أناجيل العهد الجديد، يبدأ الوثيقة Q مع يوحنا والإغراءات، ويزيد من ذكر يوحنا في أمكنة لاحقة. وينتهي الوثيقة Q والأناجيل السينوبتية بقسم القصص والأقوال الأخروية على قسمهم التعليمي الرئيسي الأخير.

يبقي الوضع الاجتماعي التاريخي الدقيق لالوثيقة Q غير مؤكد، لكن يوجد هناك شبه إجماع بخصوص ذلك. فمعظم الباحثين يحددون مكانه في فلسطين، وكثيرون يحددون مكانه في جنوب الجليل الأوسط، وقليلون يحددون مكانه في جنوب سورية. إن الوثيقة Q عمل يهودي مسيحي موجه لشعب إسرائيل. فتاريخ كتابته المقترح يتفاوت من 40 إلى 70م وعلى الأغلب تمت كتابته في منتصف هذه الفترة. قد يُظهر الجزء الأول من هذه الفترة حملات تبشيرية متجولة تكمل رسالة يسوع وكهنوته في جميع أنحاء المناطق التي كان يعمل فيها.

وقد تعود المجموعة الأولى لأقوال يسوع التي استخدمتها هذه الحملات التبشيرية المتجولة إلى المجتمع الذي ظهر بعد عيد الفصح الأول. ومن المرجح أن هذه الحملات التبشيرية كانت قد أنشأت أول مجتمع مسيحي مستقر في جميع أنحاء الإقليم القديم من إسرائيل. وتشكل نهاية هذه الفترة، أي عام 70م، فترة التمرد اليهودي. فقد تكون كل من الحملات التبشيرية والتجمعات السكنية المستقرة تعطلت إلى حد كبير جراء الحرب، ولم تشر التنبؤات حول القدس والمعبد إلى وجود عمل عسكري (لوقا 34:13-35)، كما هو الحال في الأناجيل السنوبتية.

كذلك الأمر، فإن استخدام الوثيقة Q من جانب متى ولوقا، اللذين يعود تاريخهما بصورة شائعة إلى الثمانينيات من القرن الأول، يتضمن أن الوثيقة Q كان قد تمت كتابه وتداوله في فترة سبقت ذلك العقد.

لقد كان الوثيقة Q وفقاً لكل الاحتمالات وثيقة مكتوبة. إن أفضل طريقة لتفسير الكمية الكبيرة من التوافقات الشفهية بين متى ولوقا، الأمر الذي يشير مرة أخرى إلى مصدر مكتوب. لقد تمت كتابة الوثيقة Q بصورة شبة مؤكدة باللغة اليونانية. ومن المرجح أن يكون الكثير من تعاليم الوثيقة Q في الأصل باللغة الآرامية، لغة يسوع وربما لغة الحملات التبشيرية الفلسطينية الأولى. ومع ذلك، فإن هذا ليس مؤكداً، وإن إعادة نصوص الوثيقة Q إلى الآرامية موضع شك كبير ولا تشكل موضوعاً هاماً في مجال البحث في الوثيقة Q.

منذ نحو عام 1970، في أحدث موجة اهتمام بالوثيقة Q، تم تخصيص الكثير من عمليات البحث للنظر في المراحل التكوينية التي نشأ فيها الوثيقة Q والعمل على ربط نمو العمل بتاريخ المجتمع الذي أنتج الوثيقة Q. فقد شكلت هذه المهمة العنصر الأكثر إثارة للجدل في عمليات البحث في يسوع، المهمة المحفوفة بالصعوبات. لا يسعنا هنا إلا أن نصف عدداً قليلاً من المقترحات الرائدة وأن نقدم نقداً وجيزاً. يفترض جون كلوبنبورغ في أكثر عمليات التجديد تأثيراً على تاريخ تكوين الوثيقة Q نموذجاً من ثلاث مراحل.

تم تأليف “ق1” من “خطابات الحكمة” التي شجعت على اتباع أسلوب حياتي راديكالي مناهض للحضارة (على سبيل المثال: جوهر العظة في السهل / الثاني، بإدانة إسرائيل عندما عارضت رسالة الحكمة ورسلها، “رسالة يوحنا المعمدان، شفاء عبد قائد المائة، جميع المواد الرؤيوية”. “ق3” كان آخر ما تم إضافته، الطور التوضيحي الذي قرّب الوثيقة Q من اليهودية الحريصة على التقيد بالتوراة. كما تم في هذه المرحلة إضافة قصة الإغراء التي تعرض لها يسوع، القصة التي تقدمه على أنه نموذج للعلاقة الصحيحة مع الله.

ويرى ديتر لوهرمان طبقتين رئيسيتين للمادة. تتضمن الطبقة الأولى طبقة أخروية بأقوال عن ابن الإنسان، الإدانة، والمجيء الثاني الوشيك ليسوع، وتتضمن الطبقة الثانية دمجاً بين البعثة الموجهة للوثنيين وبين تعاليم الحكمة، عندما يتضاءل الأمل في المجيء الثاني الوشيك ليسوع.

ويرى لوهرمان مجتمع الوثيقة Q على أنه مجموعة مسيحية لا يهودية تعرضت للاضطهاد على أيدي اليهود. وتفترض عملية التجديد التي قام بها سيغفريد شولتز مرحلتين لالوثيقة Q ومجتمعها: الأولى: مجتمع فلسطيني يهودي مبكر يحمل توقعات أخروية قوية ومادة رؤيوية، والثانية: مرحلة يهودية هيلينستية متأخرة تحمل أنواعاً أخرى من المواد. اما إم ساتو فيتصور ثلاث خطوات: “التنقيح أ” جمع مواد متعلقة بيوحنا المعمدان، “التنقيح ب” دمج المواد التي تتحدث عن البعثة، و”التنقيح ج” يتضمن بيانات إدانة إسرائيل وتعاليم الحكمة.

نظراً لتنوع مواده، فإنه من المرجح حقاً أن يكون الوثيقة Q تشكل على مراحل. ربما بكون قد بدأ بتجميع مواد الوعظ التي كانت متشابهة في الشكل والمضمون. وبعد ذلك، في الوقت الذي تواصلت فيه الإرسالية التبشيرية إلى إسرائيل، أدت المعارضة والفشل في نهاية المطاف إلى إدراج مواد تعليمية أخرى متنوعة تؤكد على إدانة إسرائيل والالتفات إلى الوثنيين. فماذا تكون أنواع المواد المضافة عندما يصعب التكهن بذلك؟

يقترح كلوبنبورغ أن عناصر الحكمة التي جاءت أولاً والعناصر الرؤيوية كان لهما التأثير في أمريكا الشمالية، لاسيما مع بيرتون ماك، وجون دومينيك كروسان، وأعضاء آخرين في منتدى يسوع، حيث يقولون بأن يسوع التاريخي كان معلم الحكمة. لكن كما يشير المخطط المختصر أعلاه، اقترح آخرون أن المادة المتعلقة بسفر الرؤيا جاءت أولاً ومن ثم جاءت مادة الحكمة. وربما يكون من الخطأ استنتاج فارق ثابت بين المادة الروحية والرؤيوية والحكمة في أدب مؤثر مثل أدب دانيال.

هناك بعض المقاطع في الوثيقة Q تجعل من الصعب تحديد حكمتها والعناصر الرؤيوية لمختلف مراحل تكوينها. على سبيل المثال، أظهرت “أديلا يا ربرو كولينز أن أقوال “ابن الإنسان” الأخروية تتكرر في كل طبقة من طبقات الوثيقة Q وفقاً لتصنيف الأبحاث الأخيرة. وقد صادق هيلموت كوستر مؤخراً على استنتاجاتها المتعلقة بالإيمان بالآخرة في الوثيقة Q. وينطبق الشيء نفسه على المقاطع الأخرى.

في إنجيل لوقا (31:11-32)، ستكون ملكة الجنوب التي جاءت “من أقاصي الأرض للاستماع إلى حكمة سليمان” شاهدةً مع شعب نينوى في الحكم. في لوقا (49:11) ترسل “حكمة الله” الأنبياء والرس الذين سيتعرضون للاضطهاد “وبذلك يطلب من هذا الجيل دم جميع الأنبياء المهرق” منذ إنشاء العالم.

في لوقا 4:12-7 يُعطى الصمود في وجه الاضطهاد مبدأ أخروياً (الآيات 4-5: خافوا من الذي بعدما يقتل، له سلطان أن يلقي في جهنم ومن ثم يُعطى مبدأ حكمة) و(الآيات 6-7 الله: يكترث للعصافير، وأنتم أفضل من عصافير كثيرة، فلا تخافوا). تشير مثل هذه النصوص إلى أن الحكمة والمواد الأخروية قد تكون موجودة في الوثيقة Q في مختلف مراحل تكوينه.

إن الوقت والطريقة اللذين دخلت فيهما المادة إلى الوثيقة Q هما أيضاً موضع خلاف. هل كانت عناصر السرد موجودة في البداية، أم أنه تم إضافتها في وقت لاحق في الوقت الذي كانت فيه الوثيقة Q في طريقها لتصبح إنجيلاً قبل أن يتم دمجه في متى ولوقا؟ وهل كان عبارة عن مادة لاحقة تم تلفيقها بكل صراحة؟ يلمح بعض الباحثين أو يصرحون علناً أن واضعي الوثيقة Q هم الذين قاموا بإنشاء الطبقات الأخيرة له وأن الطبقة الأولى فقط هي التي تدعي تمثيل تعاليم يسوع الأصلية.

وهنا يجب علينا أن نتذكر القول المأثور “التاريخ التقليدي ليس تاريخاً أدبياً.” فمن الممكن للحالة المتغيرة لمجتمع الوثيقة Q أن تؤدي بهم إلى تبني تعاليم مختلفة ليسوع كانت تسبح في بحر تقاليد الوثيقة Q الشفوية، البحر الذي طافت على سطحه وثيقة الوثيقة Q، ومن ثم أدت بهم إلى إدراج تلك التعاليم في الوثيقة Q مكتوبة.

يسأل الكثير من البحاثين فيما إذا كان باستطاعتنا الربط بين طبقات الوثيقة Q الأدبية وبين التاريخ العام للمجموعة التي من الواضح أنها أنتجته. على الرغم من ذلك، ما يزال ممكناً السؤال عن نوعية المجتمع الذي يعكسه الوثيقة Q ككل. فقد أولي الكثير من الاهتمام لدعاة الوثيقة Q المتجولين، لاسيما دورهم في استخدام وتطوير تقاليد يسوع. وتبدو مقاطع مثل: (لوقا 57:9-12:10، 22:12-31، 33-34، 51-53) أنها تعكس نمط حياة الدعاة الذين تم إرسالهم لتوسيع كهنوت يسوع.

فقد تركوا أسرهم وأصبحوا بلا مأوى، وقد ذاقوا طعم الفقر واعتمدوا على كرم الشعب الذي يعملون بينه من أجل عيشهم الزهيد، وتنقلوا من بلدة إلى أخرى يدعون قبل مجيء ابن الإنسان في نهاية الزمان. فهم يعيشون ويبلغون رسالة يسوع: “طوباكم أيها المساكين، لأن لكم ملكوت الله.” (لوقا 20:6)، كما يبدو أن وصف أتباع يسوع المتجولين الوارد في الوثيقة Q يشير إلى أنهم يصنعون المعجزات. ومع ذلك، هذا لا يحدث إلا مرة واحدة (لوقا 9:10)، الأمر الذي قد يشرح سبب الذكر البسيط للمعجزات في الوثيقة Q نفسه.

إلى جانب نمط حياة المتجولين هذا، تقدم الوثيقة Q رغم ذلك مجتمعاً مستقراً من المؤمنين يعيشون نمط حياة مختلف. “أقيموا في ذلك البيت… لا تنتقلوا من بيت إلى آخر.” (لوقا 7:10)، في حين يتحدث إلى المتجولين، يضع بعض القيمة لحياة الاستقرار. وفي المنع الصارم للطلاق من جانب يسوع، يتم التمسك بالزواج بصفته مشيئة الله المستمرة (لوقا 18:16). وتُظهر القدرة على توفير السخاء الذي يبدو عبارة عن دعم مادي غير منقطع للأخرين (لوقا 30:6) تُظهر أن ليس كل أفراد مجتمع الوثيقة Q قاموا بالتبرع بكل ما يملكون.

كما تُظهر الضرورة المستمرة للاختيار بين الله والثورة (لوقا 13:16) مجتمعاً يتمتع بما يكفي من الثروة التي يغريه بها الأغنياء. وتُظهر قصص الوثيقة Q الرمزية على وجه الخصوص، وإن لم تكن تقدم تعاليم تخص الممتلكات بصورة مباشرة، وتُظهر موقفاً أكثر إيجابية لحياة الاسقرار من خلال طرق معينة: الله هو بمثابة رب البيت (25:13-30)، الله يعطي مأدبة غنية (16:14)، الله هو بمثابة رجل يملك مائة من الغنم ويهتم بواحدة (4:15-7)، والله يعطي لشعبه مواهب غنية متوقعاً منهم مضاعفتها (12:19-27).

لا يمكن لمجتمع مؤلف من متجولين فقراء ينظرون إلى الممتلكات على أنها شر تصور هذا الرأي الإيجابي الضمني لحياة الاستقرار وبعض الثروة. فقد دخل الانحلال الروحي والنفاق في المجتمع، لأن بإمكان بعض الناس مناداة يسوع ب “الرب” ولا ينفذون أوامره (لوقا 46:6-49). ويمكم لمؤمنين مستقرين التأمل في هذا الوضع أكثر من أولئك المبشرين المتجولين الروحانيين.

وهناك معنى لوجود كل من الدعاة المتجولين والمجتمعات المستقرة في مجتمع الوثيقة Q الكبير: ينجح المبشرون بدعوة الناس، وإذا انضم هؤلاء المتجولون إليهم في مهمتهم، فإن المجتمعات المستقرة للمؤمنين ستتطور بعد فترة وجيزة. ربما تدعم أو تطعن أنماط الحياة الراديكالية والتقليدية في مجتمع الوثيقة Q ببعضها بعضاً، السيناريو الذي لا يختلف عن ذلك المعروف في العهد الجديد وفي تاريخ الكنيسة اللاحق عندما كان المبشرون المتجولون والكنائس المستقرة يتمتعون بعلاقة خلاقة لكن متوترة.

كيف تصور الوثيقة Q يسوع؟

في حين أن يسوع يظهر بصورة المعلم بكل وضوح، إلا أنه يعتبر أكثر من ذلك. إن يسوع بتعاليمه هو وكيل الله للخلاص، وبذلك يقرّب ملكوت الله بالقدر الذي يكفي ليستجيب الشعب له. “ولكن إن كنت بإصبع الله أخرج الشياطين، فقد أقبل عليكم ملكوت الله.” (لوقا 20:11). يظهر يسوع في افتتاحية الوثيقة Q على أنه “استيفاء الأنبياء وفي شخصه وكلامه البيان الحقيقي للناموس.” فهو ابن الإنسان (لوقا 19:8-22، 16:11-19) وأبن الآب (لوقا 25:11-27). وهو المبعوث الأخير لحكمة الله (لوقا 35:7). وبصورة تثير الدهشة، لا يدعو الوثيقة Q يسوع بالمسيح، إلا أن مسيحانية يسوع تقر بيسوع على أنه المسيح بكل شيء باستثناء الاسم.

وتحدد استجابة شخص ما على شخص يسوع وتعاليمه علاقته بالله في هذا العالم ومكانته في ملكوت الله في العالم الآخر (لوقا 8:12-9). والحيادية بالنسبة ليسوع مستحيلة (لوقا 23:11). فقد انكشف وقت الخلاص بظهور يسوع، وهؤلاء الذين يسمعونه ويطيعونه مباركون. وهؤلاء الذين ينكرون يسوع سيحاكمهم الله، وإن التحذيرات من الفرار من الحكم النهائي باللجوء إلى الله وفيرة في الوثيقة Q. وتترافق المعجزات مع تعاليم يسوع الموثوقة. على الرغم من أن الوثيقة Q لا يذكر سوى معجزة واحدة، ألا أنه يوضح أن علميات الشفاء كانت من سمات كهنوت يسوع كله.

“إن العمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون، والصم يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يبشرون.” (لوقا 22:7). كما يرسل يسوع تلاميذه ليذيعون عرض الخلاص هذا وقُرب ملكوت الله (لوقا 5:10-6، 9، 11). وهم ربما ضمناً كيسوع، “مثل الغنم بين الذئاب” وسيعانون من اضطهاد اليهود الذين لا يؤمنون (لوقا 3:10، 22:6-23). ومع ذلك، يتوجب عليهم حمل الصليب واتباع يسوع (14:27) ويقابلون الاضطهاد بالحب. إن يسوع في حياته الدنيوية مرتبط بيسوع الممجد الذي سيعود كابن الإنسان.

إقرأ أيضاً:

([1])  يقال إن الرمز الوثيقة Q (َQ) مشتق من الكلمة الألمانية: “Quelleالمصدر“، لكن هذا ليس أكيداً على الإطلاق. انظر جون ج. سميث، البحث عن أصل الرمز (Q)، دورية الأدب الإنجيلي، 100 (1981) 609-611.

 

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

Exit mobile version