هل المسيح مخلوق؟ – مينا مكرم

هل المسيح مخلوق؟ – مينا مكرم

هل المسيح مخلوق؟ – مينا مكرم

 

هل المسيح مخلوق؟

في مناقشتنا لصفات المسيح الإلهية، رأينا أنه موصوف بعبارات عامة على أنه يمتلك طبيعة الله. في الواقع، يقول الكتاب المقدس أنه يشبه الله تمامًا (أو الآب) وأن “ملء” (معنى أن تكون الله) يحل فيه (يوحنا 14: 9-10، كولوسي 1: 15، 19، 2: 9، عب 1: 3). لقد رأينا أيضًا أن هذه العبارات لا تشير إلى يسوع فقط كرجل نتعلم من خلاله ماهية الله “حقًا”، بل تشير إلى من وجد ككائن سماوي إلهي قبل مجيئه إلى الأرض كإنسان.

 

لقد رأينا أن المسيح، في الواقع، كان موجودًا دائمًا، حتى قبل الخليقة (متى 20: 28، 23: 34، 37، يوحنا 1: 1-3، 8: 56-59، 12: 39-41، 16: 28، 17: 5، رومية 8: 3، 1 كو 8: 6، 10: 4، 9، غلاطية 4: 4-6، فيلبي 2: 6، كلوسي 1: 16-17، عب 1: 2، 10-12، يهوذا 5).

 

 

لم يُصنع: المسيح غير مخلوق

ولعل أهم صفات الله المحددة التي تفصله عن كل ما ليس إلهي هي أنه غير مخلوق. إذا كانت هذه الصفة حقيقية بالنسبة للمسيح، وهو كائن حقيقي موجود، فهو بحكم تعريفه الله. من ناحية أخرى، إذا كان المسيح بطبيعته كائنًا مخلوقًا، فلن يكون من المنطقي التحدث عنه كالله.

 

إن حقيقة وجود المسيح على الدوام تعني بالطبع أنه غير مخلوق. كونه غير مخلوق يحظى بدعم مباشر من الكتاب المقدس. في الفصل السابق، لفتنا الانتباه إلى العديد من العبارات الكتابية التي تؤكد أن الخليقة نشأت في الابن ومن خلاله (يوحنا 1: 3، 10، كورنثوس الاولي 8: 6، كولوسي 1: 16، عبرانيين 1: 2، 10- 12). تؤكد بعض هذه العبارات بشكل قوي على أنه ليس فقط جزءًا من الخليقة، بل كل الخليقة تدين له بوجودها.

 

“فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ.” (كولوسي 1: 16). هنا، يصرح الرسول بولس صراحةً أن كل الأشياء المخلوقة، بما في ذلك الكائنات السماوية وغير المرئية والكائنات الأرضية المرئية، قد خُلقت من خلال الابن. في حديثه عن الابن الموجود مسبقًا تحت تسمية الكلمة (اللوغوس)، يؤكد الرسول يوحنا، ” كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ.” (يوحنا 1: 3).

 

تنص العبارة الثانية صراحةً وبشكل قاطع على أنه لا يوجد استثناء للتصريح الشامل للفقرة الأولى: ليس بقدر ما ظهر شيء واحد إلا من خلال المسيح، الكلمة. (اي انه كل شيء بواسطته تكوّن ولم يتكون شيء الا من خلاله) لا يمكن تخيل المزيد من العبارات الشاملة والصريحة. بالتأكيد كل ما خُلِق، والذي “تكوّن”، كان ذلك في المسيح ومن خلاله. إذا كان كل شيء مخلوق يدين بوجوده للابن، فلا يمكن أن يكون الابن نفسه كائنًا مخلوقًا.[1]

 

بكر كل خليقة”: أول مخلوق؟

وبقدر ما تتسم به هذه العبارات من وضوح وصراحة وتأكيد، لم يقتنع الجميع بذلك. تجادل بعض الجماعات الدينية، ولا سيما شهود يهوه، بأن الله خلق الابن كأول مخلوقاته ومن ثم منحه القوة للمشاركة في عمل جلب بقية الخليقة إلى الوجود. إنهم يستشهدون بشكل روتيني بثلاثة نصوص كتابية لدعم هذا الادعاء، أولها ملاصق لأحد النصوص التي استشهدنا بها للتو لإثبات عكس ذلك.

 

في كولوسي 1: 15، يدعو بولس ابن الله ” بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ”. مثل الأريوسيين في القرن الرابع، يؤكد شهود يهوه أن هذه العبارة تعني أن الابن كان أول وأعظم المخلوقات، ولكنه مع ذلك مجرد كائن مخلوق.

 

على الرغم من أن التفسير الآريوسي لـ “بكر كل خليقة” له بعض المعقولية السطحية إذا أخرجه المرء من سياقه، فإن دليل السياق يعارضه بشكل حاسم. أولاً، كما أشرنا سابقًا، تؤكد الآية 16 بأقوى العبارات الممكنة وأكثرها وضوحًا أن كل الأشياء المخلوقة قد خُلقت في الابن ومن خلاله ومن أجله.

 

إذا كانت الآية 15 تعني أن الابن هو أول شيء مخلوق، لكان بولس يناقض نفسه بشكل قاطع من جملة إلى أخرى. كان سيقول، “الابن هو أول شيء مخلوق، لأن كل شيء خُلق فيه ومن خلاله ومن أجله.”

 

كما أشار المُفسر موراي هاريس، “لو كان بولس قد آمن بأن يسوع هو أول مخلوقات الله التي تشكلت”، لكانت الآية 16 “ستستمر على النحو التالي” لأن كل الأشياء الأخرى قد خُلقت فيه. “[2] ومن المعروف أن شهود يهوه قد أصلحوا المشكلة بإضافة كلمة “أخرى” أربع مرات إلى كولوسي 1: 16-17. هكذا قال بولس

 

بواسطته كل الأشياء [الأخرى] خُلقت في السماء وعلى الأرض، الأشياء المرئية والأشياء غير المرئية، بغض النظر عما إذا كانت عروشًا أو سيادات أو حكومات أو سلطات. كل الاشياء[الاخري] خُلقت بواسطته ومن أجله. كما أنه قبل كل الأشياء [الأخرى] وبواسطته خُلقت كل الأشياء [الأخرى]

 

كولوسي 1: 16-17 ترجمة شهود يهوه المعروفة بترجمة العالم الجديد NWT.

“الكلمات بين الاقواس ليست في النص الأصلي الذي كتبه بولس ولكنه اضافات من شهود يهوه في ترجمتهم”

 

في مقال ظهر في نفس عام ترجمة العالم الجديد، أوضح الناشرون الأسباب الكامنة وراء إضافة كلمة [أخرى] إلى المقطع:

لكن المؤمنين بالثالوث الآن يواجهونك بكلمات بولس في كولوسي 1: 15-20 وفقًا لنسخة الملك جيمس. يجادلون بأنه، إذا كان يسوع المسيح قبل كل شيء وكل الأشياء تتكون بواسطته وخُلقت بواسطته وله، فيجب أن يكون هو نفسه الله القدير، أو أن يكون شخصًا واحدًا مع الله. ولكن يجب أن نوائم هذه الآيات مع جميع الكتب المقدسة الأخرى التي تقول إن يسوع المسيح هو ابن الله وأحد مخلوقاته. لذلك يجب ترجمة الكلمة اليونانية هنا بمعنى “كل الاشياء الأخرى”. لاحظ، إذن، كيف نسفت ترجمة العالم الجديد الحجة الثالوثية.[3]

 

لا يمكن للمرء أن يطلب تفسيرًا أكثر صراحة: لقد أضاف المترجمون كلمة “أخرى” لجعل كولوسي 1: 16-17 منسجمًا مع افتراضاتهم اللاهوتية. اقرأ المقطع (حتى في ترجمة العالم الجديد) دون إضافة أخرى، ويؤكد النص بوضوح أن كل شيء مخلوق قد خُلق في الابن ومن خلاله ومن أجله.[4]

 

ثانيًا، من الأفضل فهم وصف “بكر كل خليقة” على أنه يعني أن الابن هو الوريث الرئيسي لكل الخليقة. لاحظ كيف يكون هذا التفسير منطقيًا تمامًا في السياق المباشر: الابن هو الوريث الرئيسي لكل الخليقة (الآية 15) لأن كل شيء خُلق فيه ومن خلاله ومن أجله (الآية 16). ميراث الابن، الذي أهّلنا الآب برحمته للمشاركة فيه، هو الموضوع في السياق الأوسع للمقطع (الآيات 12-14).

 

تم العثور على خلفية العهد القديم لهذا الاستخدام لمصطلح البكر في مقطع مسياني يصف فيه داود، الشخصية الملكية التي تتوقع مجيء المسيح، بأنه ” بِكْرًا، أَعْلَى مِنْ مُلُوكِ الأَرْضِ” (مز 89: 27).[5] لا تعني هذه العبارة، بالطبع، أن داود (أو المسيح) هو أول من خُلِق بين جميع ملوك الأرض. بالأحرى، تُشير إلى داود (كرمز للمسيح) باعتباره الحاكم البارز، ووريث الله، والشخص الذي يحكم باعتباره ابنه بدلاً منه
(انظر أيضًا مز 2: 2، 6-8).[6]

إن وصف بولس للابن بأنه “بكر كل خليقة” يعادل وصف العبرانيين عن الابن بأنه ” وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ” (عبرانيين 1: 2، قارن عبرانيين 1: 6).[7]

 

يجادل شهود يهوه بأن عبارة “كل خليقة” (pasēs ktiseōs) هي عبارة جزئية، مما يعني أن “البكر” يُصنف على أنه جزء من “كل خليقة”. مثل هذا التفسير ممكن نحويًا ولكنه غير مرجح جدًا من حيث السياق. في السياق، “كل خليقة” هي الميراث أو الميراث الذي يكون الابن الوريث الأساسي له لأنه، كما يقول بولس، “كل الأشياء به وله قد خُلقت” (الآية 16). تشير كلمة [(eis) له] إلى أن كل الخليقة خُلقت لتنتمي إلى الابن.[8]

 

أخيرًا، من الممكن تفسير عبارة “بكر كل خليقة” على أنها عبارة جزئية بدون استنتاج أن الابن هو أول مخلوق صنعه الله. اقترح بعض المفسرين أن العبارة تعني أن الابن، بحكم كونه إنسانًا في التجسد، أصبح جزءًا من الخليقة، وبالتالي فهو “بكرها” أو أعظم أعضائها. إن منطق استدلال بولس من الآية 15 إلى الآية 16 (الابن هو بكر كل خليقة لأن كل شيء خُلق فيه ومن خلاله ومن أجله) يتطلب حقًا، رغم ذلك، في هذا السياق تمييز الابن عن “كل الخليقة. ” على أي حال، لا تُعلّم كولوسي 1: 15 أن الابن هو أول مخلوق صنعه الله.

 

 

هل المسيح حكمة مخلوقة؟

النص الثاني الذي يدعي شهود يهوه وآخرون أنه دليل على أن المسيح قد خلق هو بيان حول الحكمة يظهر في سفر الأمثال. العبارة المعنية تقرأ كما يلي: ” اَلرَّبُّ قَنَانِي أَوَّلَ طَرِيقِهِ، مِنْ قَبْلِ أَعْمَالِهِ، مُنْذُ الْقِدَمِ” (8: 22). يبرر شهود يهوه ما يلي: إذا تم إنشاء هذه “الحكمة”، فلا يمكن أن تكون صفة الحكمة الجوهرية لدى الله، بل يجب أن تشير إلى كائن مخلوق يُدعى الحكمة، وبما أن العهد الجديد يتحدث عن المسيح كحكمة (على سبيل المثال، 1 كورنثوس 1: 30)، فإن المخلوق الذي يُدعى الحكمة في أمثال 8 يجب أن يكون المسيح.

 

الترجمة “خلقني” في سفر الأمثال 8: 22 تنبع من الترجمة السبعينية اليونانية، التي استخدمت كلمة (ektisen)، والتي تعني “مخلوق” أو “مصنوع”. ومع ذلك، هناك أسباب وجيهة للاعتقاد بأن هذه ترجمة خاطئة. الكلمة العبرية المعنية، (qanah)، ترد خمسة عشر مرة في سفر الأمثال، دائمًا (ما لم تكن 8: 22 هي الاستثناء الوحيد) بمعنى “احصل” أو “اكتسب”.

 

في الواقع، تستخدم الأمثال كلمة “qanah” عدة مرات في نصائح للبشر للحصول على الحكمة أو اكتسابها (أمثال 4: 5، 7، 16:16، 17: 16، 19: 8) وفي نصوص أخرى، للحصول على المشورة والفهم والمعرفة والحق (أمثال 1: 5، 4: 5، 7، 15: 32، 16:16، 18: 15، 23:23).[9] سيكون من الغريب، بعد التصريح عدة مرات أنه يجب على الناس “اكتساب” الحكمة، أن يتحدث الكتاب عن حكمة الله ويعني بالأحرى أنه خلقها.[10]

 

بالطبع، لم “يكتسب” الله أو “يحصل علي” خصيصة الحكمة الخاصة به، كان دائما لديه خصيصة الحكمة على الدوام. هناك طريقتان ممكنتان لفهم الأمثال 8: 22. أولاً، قد يقال إن الله أسس “حكمة” النظام المخلوق قبل أن يصنع أي شيء في الكون المادي. هذا الفهم يناسب ترجمة NRSV (حتى، بطريقة ما، استخدام كلمة “مخلوق”): “لقد خلقني الرب في بداية عمله، أول أعماله منذ زمن بعيد”.

 

بعبارة أخرى، إذا كان هذا التفسير صحيحًا، فإن أمثال 8 :22 لا تتحدث عن صفة حكمة الله الخاصة بل تتحدث عن الحكمة التي أدخلها الله في خليقته.  ثانيًا، قد تكون الأمثال 8 :22 طريقة شعرية للقول إن الله كان دائمًا “يتمتع” بالحكمة. يتناسب هذا الفهم مع الترجمات الأخرى: “امتلكني الرب في بداية طريقه، قبل أعماله القديمة” (8 :22 NASB).[11]

 

في كلتا الحالتين، لا يتحدث النص عن خلق كائن شخصي، سواء كان المسيح موجودًا مسبقًا أو أي شخص آخر. في سياق سفر الأمثال، هذه الآية هي جزء من وحدة أكبر يجسد فيها الكاتب الحكمة كامرأة كريمة تصرخ في المدينة وتحث الناس على الاستماع إلى مشورتها (أمثال 8: 1–36)، انظر أيضًا 1: 20-33، 9: 1-6). في هذا السياق، فإن الأمثال 8:22 هي ببساطة طريقة شعرية للغاية للقول إن الله خلق العالم بالحكمة.[12]

 

بقدر ما يكون ما تقوله الأمثال عن الحكمة صحيحًا أيضًا عن المسيح، يمكننا إجراء بعض المقارنات بين المسيح والحكمة، لكن لا ينبغي لنا أن نقع في خطأ التعامل مع بيان شعري من العهد القديم حول الحكمة كما لو كانت افتراضًا عقائديًا عن المسيح.

 

 

بداءة خليقة الله”: أول كائن خلقه الله؟

إن نص الإثبات الرئيسي الثالث والأخير الذي يشيع استخدامه لدعم العقيدة القائلة بأن الله خلق المسيح هو وصف يسوع الذاتي في سفر الرؤيا بأنه ” الآمِينُ، الشَّاهِدُ الأَمِينُ الصَّادِقُ، بَدَاءَةُ خَلِيقَةِ اللهِ” (رؤيا 3 :14 NASB). المسألة هنا هي معنى الكلمة اليونانية archē، والتي تترجمها NASB والإصدارات الأخرى (على سبيل المثال، NKJV، ESV) “البداية”. ترجمات أخرى تجعل الكلمة “أصل” (NRSV) أو “مصدر” (NAB)، أو “رئيس وحاكم” (NIV).

 

من الإنصاف القول إن أيًا من هذه الترجمات ممكن، السؤال هو، ما هو الأكثر احتمالا أن يكون صحيحا؟ في الجدل الآريوسي في القرن الرابع، لم يكن رؤيا 3: 14 على ما يبدو أحد النصوص الآريوسية لإثبات اعتقادهم أن المسيح كان مخلوقًا.[13] لقد فهم آباء الكنيسة منذ وقت مبكر مثل يوستينوس الشهيد المدافع في القرن الثاني أن الآية تعني أن المسيح هو “أصل” الخليقة، وليس أن المسيح نفسه كان له أصل (مما يجعله مخلوقًا) ولكن هذا الخليقة خُلِقت فيه ومن خلاله.

 

حتى وقت قريب، يبدو أن هذا الرأي قد تم تبنيه من قبل غالبية أولئك الذين كتبوا تعليقات على سفر الرؤيا. تتضمن التعليقات الحديثة التي تدعو إلى هذا التفسير (على سبيل المثال لا الحصر) جورج لاد وليون موريس وروبرت موونس[14] يتناسب معنى “الأصل” أو “المصدر” مع استخدام كلمة archē في سفر الرؤيا، “البداية والنهاية” (21: 6 ،  22: 13)، مما يجعل هذا التفسير ممكنًا تمامًا.

 

التفسير البديل الذي يستحق الثناء عليه هو أن كلمة “archē” في رؤيا 3: 14 تعني “الحاكم”. في معظم، إن لم يكن كل، نصوص العهد الجديد الأخرى التي تشير إلى الأشخاص، تستخدم كلمة “archē” للإشارة إلى الحاكم بصيغة المفرد (1 كورنثوس 15: 24، أفسس 1: 21، كولوسي 2: 10، وربما كولوسي 1: 18) وصيغة الجمع (لوقا 12: 11، رومية 8: 38، أفسس 3: 10، 6: 12، كولوسي 1: 16، 2: 15، تيطس 3: 1). علاوة على ذلك، يقدم السياق بعض الدعم لمعنى أن تكون “الحاكم”.

 

تأتي عبارة يسوع في رؤيا 3: 14 في بداية رسالته إلى كنيسة لاودكية (3: 14- 22). في نهاية هذه الرسالة، يعد المسيح بمكان على عرشه لأولئك الذين ينتصرون (3: 21). اثنان من الأوصاف الثلاثة ليسوع في رؤيا 3: 14 يرددان بقوة اثنين من أوصاف يسوع في رؤيا 1: 5. يشير هذا إلى أن “archē” في سفر الرؤيا 3: 14 قد يكون له معنى مشابه لما ورد في سفر الرؤيا 1: 5 (“حاكم ملوك الأرض”).[15]

 

يصر شهود يهوه على أن كلا التفسيرات خاطئة وأن النص يجب أن يعني أن المسيح هو “البداية”، أي العضو الأول في خليقة الله حسب التسلسل الزمني. يدافع جريج ستافورد عن هذا الادعاء، بحجة أن “archē” متبوعًا بتعبير مضاف (مثل “خلق الله،” tēs ktises tou theou) عادة ما تعني “البداية” وأن المضاف عادة ما يكون جزء منه.[16] لقد واجهنا حجة مماثلة من قبل في كولوسي 1: 15 فيما يتعلق بـ “البكر” (prōtotokos) متبوعًا بتعبير مضاف.

 

هنا أيضًا، لا يصمد التعميم. هناك نصوص تتناسب مع التعميم – على الرغم من أن صلتها بالرؤيا 3: 14 ضعيفة في أحسن الأحوال [17] – ونصوص أخرى لا تفعل ذلك.[18] على الأكثر، فإن نظرة شهود يهوه إلى رؤيا 3: 14 ممكنة، لكنها ليست الأكثر ترجيحًا.

 

عند الفحص الدقيق، إذن، هذه النصوص الثلاثة لإثبات الإيمان بأن المسيح كائن مخلوق (كولوسي 1: 15، أمثال 8: 22، رؤيا 3: 14) لا تُعلّم هذه العقيدة. لا يمكنهم قلب التعليم الواضح والصريح للعهد الجديد بأن الخليقة كلها، بل كل شيء مخلوق، يدين بوجوده ليسوع المسيح (يوحنا 1: 3، 10، كورنثوس 8: 6، كولوسي 1: 16، عب 1، 2، 10-12). هذه الحقيقة تميزه عن كل الخليقة وتثبت أنه غير مخلوق.

 

 

لن يتغير: المسيح ثابت

الثبات صفة مهمة من صفات الله ولكن يساء فهمها في كثير من الأحيان. عندما نقول إن الله غير قابل للتغيير، فإننا نعني أن الله غير قابل للتغيير في طبيعته الأساسية وشخصيته وأهدافه. لا نعني أن الله ساكن، أو لا حياة له، أو غير مستجيب، أو غير متأثر بما يحدث في خليقته. إن ثبات الله له علاقة “بالمصداقية الإلهية، وثبات قصد الله، ومصداقية الطبيعة الإلهية.”[19]

 

إذا قال الله أنه سيفعل شيئًا ما، فيمكننا الاعتماد عليه في حفظ كلمته (عدد 23: 19). على الرغم من أننا نعيش في عالم يشوبه الشر، يمكننا أن نثق بثقة في صلاح الله المطلق، مدركين أنه لا يتعرض حتى لإغراء فعل الشر وأنه في حالته “لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ” (يعقوب 1: 17). [20]

 

كانت إحدى العبارات الأخيرة التي أدلى بها الله في العهد القديم تأكيدًا صارخًا على ثباته: ” لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ لاَ أَتَغَيَّرُ” (ملاخي 3: 6). في السياق، يؤكد الله لليهود أنه سيتبع تحذيراته من الدينونة ضد غير التائبين، ومع ذلك يفي بوعوده لليهود بالحفاظ عليهم كشعب. إن إعلان الله عن شخصيته غير القابلة للتغيير في نهاية عصر العهد القديم هو تذكير مذهل بأنه على الرغم من جميع الاختلافات بين العهدين القديم والجديد، فإنها تكشف عن إله واحد غير متغير.

بخلاف ملاخي 3: 6، ربما يكون أشهر بيان عن الثبات الإلهي في الكتاب المقدس يأتي من المزامير:

 

مِنْ قِدَمٍ أَسَّسْتَ الأَرْضَ، وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ. هِيَ تَبِيدُ وَأَنْتَ تَبْقَى، وَكُلُّهَا كَثَوْبٍ تَبْلَى، كَرِدَاءٍ تُغَيِّرُهُنَّ فَتَتَغَيَّرُ. وَأَنْتَ هُوَ وَسِنُوكَ لَنْ تَنْتَهِيَ.

(المزامير ١٠٢: ٢٥-٢٧)

الكون المادي هو أكثر الحقائق ديمومة التي يمكننا رؤيتها، لكن بالمقارنة مع الله فهو يتغير باستمرار.

 

بالنسبة لليهودية في القرن الأول، كان التناقض بين الكون المتغير الغير ثابت والإله غير القابل للتغيير، أساسيًا في نظرتهم للعالم. إذن، كان تطبيق وصف ثبات الله في المزمور 102 على يسوع المسيح فكرة ثورية.

 

هذا هو بالضبط ما يفعله سفر العبرانيين (عبرانيين 1: 10-12). إنها تقتبس من المزمور 102: 25-27 حرفيا كبيان عن “الابن” (انظر الآيات 8، 10).[21] هذه مجرد واحدة من سلسلة من اقتباسات العهد القديم التي يطبقها المؤلف، في الاصحاح الأول من العبرانيين، على الابن لإثبات تفوقه على الملائكة. ويبلغ سفر العبرانيين ذروته أيضًا مع التأكيد على ثبات المسيح: ” يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ” (13: 8).

 

من الواضح أن العهد الجديد لا يفهم الثبات الإلهي على أنه تقييد لقدرة الله على التفاعل مع خليقته وفي داخلها. في هذا الصدد، تتجاوز المسيحية اليهودية دون مناقضتها. من ناحية أخرى، فإن المسيحية والإسلام يقفان في تناقض لاهوتي شديد في هذه النقطة. يرى الإسلام أن ثبات الله وسموه لا يتوافقان مع فكرة تجسد الله. ومع ذلك، تعلن مسيحية العهد الجديد أن الله يمكنه فعل ذلك بالضبط.

 

ومن المفارقات، أنه في التجسد نتعلم فقط مدى ثبات الله ويمكن الاعتماد عليه في شخصيته الأساسية. من ناحية، اختبر يسوع نموًا وتطورًا بشريًا عاديًا من الطفولة المبكرة إلى الطفولة وحتى البلوغ (لوقا 2: 7، 21، 40، 52، 3: 23). من ناحية أخرى، أظهر يسوع، منذ حداثته، ثباتًا وعزمًا على الهدف الذي حمله حتى نهاية حياته الفانية وما بعدها (لوقا 2: 49، 19: 45-48، 23: 46، 24: 46-49).

 

كما يشير بولس، نرى في المسيح إتمام وعود الله: ” لأَنْ مَهْمَا كَانَتْ مَوَاعِيدُ اللهِ فَهُوَ فِيهِ «النَّعَمْ» وَفِيهِ «الآمِينُ»” (كورنثوس الثانية 1: 20). قدم جوردون لويس وبروس ديمارست، في كتابهما المدرسي عن علم اللاهوت النظامي، الملاحظة التالية:

 

يتضح معنى الثبات بوضوح من خلال خدمة المسيح النشطة السابقة على الأرض. أثناء انتقاله من حفلات الزفاف إلى الجنازات، ومن جباة الضرائب الجشعين إلى الفقراء والضعفاء، ومن العاهرات إلى الفريسيين الأبرار، ومن المرضى إلى الشياطين، ظل عادلًا ومحبًا وحكيمًا. لقد تأثر المسيح بعمق باختبارات الرعاية والتجارب والمآسي، ولم يفقد استقامته أبدًا.[22]

 

المسيح محبة

إذا كان هناك شيء واحد يعترف به كل من سمع عن المسيح تقريبًا، فهو أنه كان شخصًا يتمتع بمحبة لا مثيل لها. لكن ما يفتقده معظم الناس هو أن محبة يسوع تظهر أنه أكثر من مجرد إنسان عظيم. تأمل في صلاة بولس للمسيحيين لكي يعرفوا “محبة المسيح”:

 

لِيَحِلَّ الْمَسِيحُ بِالإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ، وَأَنْتُمْ مُتَأَصِّلُونَ وَمُتَأَسِّسُونَ فِي الْمَحَبَّةِ، حَتَّى تَسْتَطِيعُوا أَنْ تُدْرِكُوا مَعَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، مَا هُوَ الْعَرْضُ وَالطُّولُ وَالْعُمْقُ وَالْعُلْوُ، وَتَعْرِفُوا مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ الْفَائِقَةَ الْمَعْرِفَةِ، لِكَيْ تَمْتَلِئُوا إِلَى كُلِّ مِلْءِ اللهِ. (أفسس ٣: ١٧-١٩)

 

هل يمكن لأي شخص أن يتخيل التحدث بهذه الطريقة عن حب أي إنسان آخر؟ فكر في أي شخص آخر في التاريخ معروف بأنه شخص محب. هل يمكن لأي شخص أن يتحدث عن حب الأم تيريزا، على سبيل المثال، باعتباره تجاوزًا للمعرفة؟ هل يتخيل أي شخص أنه من خلال التعرف على محبتها، سيتمتع المرء بملء الله في حياته؟ مما نعرفه عن الأم تيريزا، ستكون أول من يعترض على رؤيتها بهذه الطريقة.

 

ومع ذلك، لم ينظر بولس إلى يسوع بهذه الطريقة فقط (انظر أيضًا رومية 8: 35-39، غلاطية 2: 20، أفسس 5: 2)، لقد أوعز يسوع نفسه إلى تلاميذه أن ينظروا إليه على أنه المثال الأسمى للمحبة.

 

وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا….. هذِهِ هِيَ وَصِيَّتِي أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ. لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ. (يوحنا ١٣: ٣٤ ; ١٥: ١٢، ١٣)

 

بدعوى أنه المثال الأسمى للحب، لم يكن يسوع يرفع نفسه فوق الآب. لكنه ادعى صراحة أنه أحب تلاميذه بنفس الحب الذي كان للآب تجاهه: “كما أحبني الآب، كذلك أحببتكم، لقد أحببتكم أيضًا. ثبت في حبي “(يوحنا 15: 9). سيكون هذا ادعاءً جريئًا للغاية، وحتى شائنًا، من جانب أي مخلوق، بغض النظر عن حجمه.

 

ومع ذلك، فإن ادعاء يسوع لا يصدم أي شخص تقريبًا باعتباره متهورًا أو مبالغًا فيه. يسوع هو هكذا عمليا في كل صفحة من الأناجيل. يقدم بهدوء ادعاءات تبدو متعجرفة – إن لم تكن جنون العظمة – قادمة من أي شخص آخر، لكنه في نفس الوقت ينقل أعمق إخلاص وحتى تواضع.

 

بالنسبة لمؤمني العهد الجديد، لم تكن محبة المسيح هي محبة أعظم إنسان عاش على الإطلاق، رغم أنه كان كذلك أيضًا: بل كانت محبة الله نفسه، التي تم التعبير عنها في المسيح ومن خلاله.

 

لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. (يوحنا ٣: ١٦)

وَلكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا. (رومية ٥: ٨)

 

مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضَيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟  كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «إِنَّنَا مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ كُلَّ النَّهَارِ. قَدْ حُسِبْنَا مِثْلَ غَنَمٍ لِلذَّبْحِ».  وَلكِنَّنَا فِي هذِهِ جَمِيعِهَا يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِي أَحَبَّنَا. فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ، وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ قُوَّاتِ، وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً، وَلاَ عُلْوَ وَلاَ عُمْقَ، وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى، تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا. (رومية ٨: ٣٥-٣٩)

 

وَمِنْ يَسُوعَ الْمَسِيحِ الشَّاهِدِ الأَمِينِ، الْبِكْرِ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَرَئِيسِ مُلُوكِ الأَرْضِ: الَّذِي أَحَبَّنَا، وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ، وَجَعَلَنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً للهِ أَبِيهِ، لَهُ الْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ. (رؤيا ١: ٥، ٦)

حقًا، الاعتراف بمحبة يسوع المسيح على أنها محبة الله ذاتها يجب أن يدفعنا إلى منح المسيح المجد إلى الأبد. هذا ما يعنيه تكريم يسوع بإعتباره الله.

 

 

[1] سنناقش في الجزء 4 (عندما نفحص أعمال الله التي قام بها يسوع) فقط ما هو الدور الذي لعبه الابن في خلق العالم.

[2] Murray J. Harris, Colossians and Philemon, EGGNT (Grand Rapids: Eerdmans, 1991), 44.

[3] “Further Enrichment of Understanding,” Watchtower, October 15, 1950, 396.

[4] يجادل شهود يهوه عادةً بأن كلمة “الكل” (على سبيل المثال، رسالة بولس الثانية إلى تيموثاوس ١: ١٥) لا تعني بالضرورة “الكل بلا استثناء” وفي أماكن أخرى يمكن تلطيفها بكلمة “آخر” (على سبيل المثال، لوقا ٢١: ٢٩) ، إضافة أخرى في كولوسي 1: 16-17 أمر مبرر. انظر، على سبيل المثال

Rolf Furuli, The Role of Theology and Bias in Bible Translation: With a Special Look at the New World Translation of Jehovah’s Witnesses (Huntington Beach, CA: Elihu Books, 1999), 253–54

ومع ذلك، فإن الجمع المحايد ta panta (“كل الأشياء”) يعني الكلية أو المجموع، ويشير في السياق إلى كل الخليقة (يؤكد بولس على النقطة من خلال تضمين الكائنات المخلوقة في السماء وعلى الأرض، المرئية وغير المرئية، وهكذا دواليك).

في الاستخدام اليهودي في سياق الخلق، أشار ta panta بوضوح إلى الخلق بأكمله (تكوين 1 :31، نحميا 9: 6، أيوب 8: 3، جامعة 3: 11، 11: 5، إرميا 10: 16، 51: 19 [28 :19 في السبعينية]، 3 مكابيين 2: 3، الحكمة 1: 14، 9: 1، سيراخ 18: 1، 23: 20، رومية 11 :36، 1 كو 8: 6، أف 3: 9، عب 2: 10، رؤ 4: 11، راجع أيضًا panta بدون أداة التعريف، إشعياء 44: 24، سيراخ 43: 33). عندما يستخدم هذا التعبير كل الأشياء في سياق كوني، فإنه “ينتمي إلى الخطاب المعياري للتوحيد اليهودي، والذي يشير فيه باستمرار، بشكل طبيعي تمامًا، إلى كل الواقع المخلوق الذي يتميز به الله تمامًا باعتباره خالقه وحاكمه. “

(Richard Bauckham, God Crucified: Monotheism and Christology in the New Testament [Grand Rapids: Eerdmans, 1999], 32.)

عندما يطرح شهود يهوه نصوصًا باستخدام الكلمات ta panta خارج سياق الخلق، فإنهم يفقدون الفكرة تمامًا. في وقت لاحق، يعترف فورولي أنه ربما كان من الأفضل لو تم حذفت ترجمة العالم الجديد كلمة “آخرى”، مؤكداً أنه كان من الواضح من الآية 15 أن المسيح كان مخلوقًا (المرجع نفسه، 261). يفترض مثل هذا الادعاء أن عبارة “بكر كل خليقة” تعني بشكل لا لبس فيه أن الابن هو أول مخلوق، وهذا ليس هو الحال بالتأكيد.

[5] هذا النص باليونانية (مز 88: 28 في السبعينية) يقف بوضوح وراء رؤيا 1: 5 (“بكر من الأموات ورئيس ملوك الأرض”) ، مما يثبت أنه لعب دورًا مهمًا في الكنيسة الأولى. باستخدام مصطلح “البكر” في إشارة إلى يسوع المسيح.

[6] في سياقات أخرى، يشير الله إلى إسرائيل على أنها “بكره” (خروج 4: 22) أو إلى إفرايم، أحد أسباط إسرائيل، على أنه “بكره” (إرميا 31: 9). يُذكر المقطع الأخير بالرواية الواردة في سفر التكوين حيث يمنح والد يوسف، إسرائيل، بركة البكر لابن يوسف الأصغر، أفرايم (تكوين 48: 8-20).

[7] لربط وصف “وريث كل شيء” في العبرانيين. 1: 2 بلقب “البكر” في 1: 6، انظر الجدول في الصفحة 192.

[8] نادرًا ما يستخدم الكتاب المقدس صيغة الجمع الجزئية بعد البكر، وعندما يحدث ذلك، يكون البكر دائمًا عامًا (في إشارة إلى أي شخص أو حيوان يناسب الوصف) والاسم المضاف هو صيغة الجمع المعدلة بواسطة اسم أو ضمير ملكية (خروج 13: 15 د ، 34: 20 ، عدد 3 :40 ، تث 15: 19 ج). في كولوسي 1: 15، “الخلق” هو اسم مفرد (على الرغم من أنه يمكن تفسيره على أنه مفرد جماعي) ولا يتم تعديله بواسطة اسم أو ضمير ملكية، وبالطبع “البكر” يشير إلى شخص واحد فقط

[9] الصيغة الاسمية، qinyan، والتي تعني “اكتساب” أو “حيازة”، تحدث مرة واحدة، تتحدث عن الحكمة كشيء مكتسب (أمثال 4: 7 ب). يستخدم سفر الأمثال ٢٠: ١٤ كلمة qanah لتعني “المشتري” في سياق عادي.

[10] كما جعلت الترجمة السبعينية كلمة qanah على أنها “الذي خلق” (hos ektisen) في تكوين 14: 19، 22 (“صانع، NRSV، خالق، NIV، وهامش NASB.) ، على الرغم من أن العديد من النسخ الإنجليزية لها” مالك او حتئز “بدلاً من ذلك (NASB، NKJV، ESV). في السياق، يدفع أبرام العشور لملكي صادق، مدركًا أن كل شيء يمتلكه أبرام حقًا هو ملك لله، مما يوحي بأن الخائز أو المالك قد يكون أقرب إلى الدلالة المقصودة. في تكوين 4: 1، تقول حواء أنها “حصلت” على ابنها قايين بعون الله.

تختلف الترجمات هنا بشكل كبير (“حصلت”، kjv، nasb، esv، “اكتسبت” nkjv، “جلبت” niv، “ولدت” nrsv). ربما يكون استخدام حواء مشابهًا لمصطلحنا الإنجليزي ” had /امتلكت” عند ولادة طفل: حواء “امتكلت” قايين بعون الله. على أي حال، تظهر هذه العبارات في كتاب مختلف، كتبه مؤلف مختلف، يعيش في قرن مختلف، كجزء من نوع مختلف، ويتناول موضوعًا مختلفًا عن الأمثال 8: 22. يجب أن نضع مزيدًا من الاهتمام في كيفية استخدام سفر الأمثال في أماكن أخرى لكلمة qanah للإشارة إلى الحكمة أكثر من تلك الأحداث المنعزلة وغير ذات الصلة بالسياق.

[11] نفس الغموض يظهر في ترجمات الآية 23: “منذ الأزل استقررت” (nasb). “منذ عصور تم تأسيسي” (nrsv).

[12] لاحظ الأمثال 3: 19-20 وأوجه الشبه العديدة بين أمثال 3: 13-26 والأمثال 8: 10-35.

[13] Michael J. Svigel, “Christ as archē in Revelation 3:14,” BSac (2004): 215–31.

[14] اطلع على مناقشات رؤيا 3: 14 في

George Eldon Ladd, A Commentary on the Revelation of John (Grand Rapids: Eerdmans, 1972); Leon Morris, The Book of Revelation: An Introduction and Commentary, TNTC (Leicester, UK: InterVarsity Press; Grand Rapids: Eerdmans, 1987); and Robert H. Mounce, The Book of Revelation, NICNT, rev. ed. (Grand Rapids: Eerdmans, 1997).

[15] لاحظ ج. ك. بيل أن السبعينية استخدمت كلاً من archē (حوالي 75 مرة) و archōn (حوالي 90 مرة) لترجمة الكلمة العبرية rôsh (“الحاكم”). انظر

  1. Beale, The Book of Revelation: A Commentary on the Greek Text, NIGTC (Grand Rapids: Eerdmans; Milton Keynes, UK: Paternoster, 1999), 298.

يقترح بيل تباينًا في تفسير “الحاكم”، والذي وفقًا لما ورد في الرؤيا 3: 14 يعني أن المسيح هو بداية / حاكم، أو رأس، الخليقة الجديدة (297-301). تسمح وجهة نظر بيل بأن تكون “خليقة الله” المضاف إليها جزئية، وأن تترجم archē إلى “البداية”، لأن المسيح هو أول عضو في الخليقة الجديدة بالإضافة إلى رأسه الحاكم.

[16] Greg Stafford, Jehovah’s Witnesses Defended: An Answer to Scholars and Critics, 2d ed. (Huntington Beach, CA: Elihu Books, 2000), 237–39.

[17] لا يستخدم أي من الأمثلة التسعة لستافورد في العهد الجديد في archē الإشارة إلى شخص (متى 24: 8 ، مرقس 13: 19 ، يوحنا 2: 11 ، فيلبي 4: 15 ، عب 3: 14 ، 5: 12 ، 6: 1 ، 7: 3 ، 2 بطرس 3: 4). على الأكثر، أربعة من أمثلته من العهد القديم اليوناني تشير إلى شخص. من بين هؤلاء، اثنان يترجمان المصطلح العبري “بداية القوة [للفرد]” كوصف للنسل البكر (archē teknon، تكوين 49: 3، تثنية 21: 17، قارن التعبيرات المماثلة في مز 78: 51، 105: 36، ربما أيضًا إرميا 49: 35). عدد 24: 20، الذي يستشهد به ستافورد أيضًا، يشير إلى عماليق باعتباره archē الأمم، ولكن بما أن عماليق لم يكن أول أمة ترتيبًا زمنيًا، يجب أن يكون المعنى شيئًا مثل رئيس أو أعظم الأمم (انظر أيضًا عاموس 6: 1).

في اليونانية، أمثال 8: 22، التي ناقشناها بالفعل، تقول إن الله خلق الحكمة، archēn hodōn autou” بداية طريقه”. هذا هو المثال الوحيد المفيد لستافورد، لكنه يدعم استنتاجه فقط إذا كان بإمكانه إظهار أن سفر الرؤيا 3: 14 يشير إلى أمثال 8: 22. ومع ذلك، أوضح بيل أن الرؤيا 3 :14 تشير إلى إشعياء 65: 15-17 (بيل، كتاب الرؤيا، 297-301).

[18] انظر، على سبيل المثال، “حكام اليوم. . . حكام الليل “(تكوين 16: 1) ،  “رأس رئيس السقاة. . . رأس الخبازين “(تكوين 40: 20) ،  “رؤساء آباء اللاويين” (خروج 6: 25) ،  ،  “رأس كل الجماعة” (عدد 1: 2 ،  26: 2) ،  “رأس الأمم” (عدد 24: 20) ،  “رأس الشعب” (1 ملوك 21: 9، 12) ،  “في كل سلطان مملكتي” (دان 6: 26 ،  راجع 7: 12) ،  “رئيس بني عمون” (دان 11 :41) ،  “رؤوس الأمم” (عاموس 6: 1) ،  “رؤوس بيت يعقوب” (مي 3: 1). . (جميع الترجمات هي من تأليف المؤلفين وتستند إلى العهد القديم اليوناني.) لاحظ أن هذه الأمثلة تتفق مع تفسير بيل لـ archē في سفر الرؤيا 3: 14.

[19] Thomas C. Oden, The Living God: Systematic Theology (1987; reprint, Peabody, MA: Hendrickson, 1998), 1:110–14.

[20] يميل اللاهوتيون إلى استخدام الثبات بالمعنى التقني للإشارة إلى عدم تغير الصفات الأنطولوجية لله، أي الثبات يعني أن الله روح غير متناهية، كلي القدرة، كلي الوجود، كلي العلم، وما إلى ذلك. يتحدثون عادة عن عدم تغير صفات الله الأخلاقية باعتبارها إخلاصه. ومع ذلك، فإن المفهومين مرتبطان ارتباطًا وثيقًا: إنه فقط لأن الله كلي القدرة وغير متغير قادر على كل شيء أن يضمن الوفاء بوعوده.

[21] انظر المزيد، الفصل 15.

 Gordon R. Lewis and Bruce A. Demarest, Integrative Theology (Grand Rapids: Zondervan, 1996), 1:200.

هل المسيح مخلوق؟ – مينا مكرم

سفر طوبيا والفرضية الوثائقية (نظرية المصادر) – مينا مكرم

سفر طوبيا والفرضية الوثائقية (نظرية المصادر) – مينا مكرم

سفر طوبيا والفرضية الوثائقية (نظرية المصادر) – مينا مكرم

 

(نظرية المصادر)

يعتبر سفر طوبيا من النصوص القوية ضد الفرضية الوثائقية.. كاتب السفر غير محدد بدقة فربما اشترك طوبيت مع ابنه طوبيا مع أحد أبناء طوبيا اللاحقين.. بالتأكيد عائلة طوبيت هي من كتبت السفر وذلك يرجع لقول الملاك لهم بكتابة السفر.

“والآنَ أرجِعُ إلى مَنْ أرسَلَني، وأنتُم فاَكتُبوا كُلَ هذِهِ الأحداثِ التي جرَت”. (طوبيا 12: 20).

 

وأيضا هناك نصوص أخرى داخل السفر مثل:

“وهذا نشيدُ الفَرحِ الذي كتبَهُ طوبيتُ (طوبيا 13: 1)”.

ويكمل الاصحاح الثالث عشر بذكر ذلك النشيد

 

ربما التقسيم الأرجح هو التالي: ان كل من طوبيت وطوبيا، كل منهم ذكر الجزء الخاص به من القصة وقام طوبيت بجمعهم وذكر موت طوبيا.

ثم تلك الآيات الأخيرة:

 

“وماتَ طوبيّا في أحمتا بماداي عَنْ عُمرٍ يُناهِزُ المِئةَ والسَّابِعةَ والعِشرينَ سنةً. 15 وقَبلَ موتِهِ سَمِعَ بخَرابِ نينوى على يَدِ نَبوخَذنَصَّرَ وأحشويرشَ، فاَبتَهجَ وحَمَدَ الله لأنَّهُ رأى بعينهِ خَرابَ نينوى. (طوبيا 14: 14-15)”

 

ربما كتبهم أحد أبناء طوبيت او أحد الكُتاب الموحى إليهم لذكر خواتم القصة مثلما فعل يشوع وذكر موت موسى في نهاية سفر التثنية.

من اين عرفنا بذلك السفر:

  1. الترجمة السبعينية.
  2. الفولجاتا.
  3. نصوص قمران وهو في المخطوطات الأتية:
سفر طوبيا والفرضية الوثائقية (نظرية المصادر) – مينا مكرم

على أي حال نحن امام احداث وقعت في بداية السبى الآشوري للمملكة الشمالية وهي مملكة اسرائيل.. وما يهمنا في بحثنا هذا الجزء الأول من النص حتى نشيد طوبيا..

 

سوف نذكر الآن بعض النصوص معلقين عليها.

سلَكَ طوبيتُ طَريقَ الحَقٌ والعَدلِ كُلَ أيّامِ حياتِهِ، فكانَ كثيرَ الإحسانِ إلى بَني قومِهِ الذينَ جاؤُوا معَهُ إلى مدينةِ نينوى في أرضِ الأشُّوريِّينَ. 4 وحينَ كانَ في بلادِهِ أرضِ إِسرائيلَ، وهوَ بَعدُ فتًى، هجَرَ سِبْطُ نَفتالي بِمَنْ فيهِم عَشيرتُهُ أُورُشليمُ التي أجمَعَت أسباطُ إِسرائيلَ على اَختيارِها مدينةً مُقدَّسةً للعِبادةِ وتَقديمِ الذَّبائحِ في الهَيكلِ الذي بُني وكُرِّسَ للعلي إلى مدَى الأجيالِ. 5 وكانَ جميعُ الذينَ هَجروا مدينةَ أُورُشليمَ ومِنهُم سِبْطُ نَفتالي الذي يَنتسِبُ إليهِ طوبيتُ يُقدِّمونَ الذَّبائحَ لِعجلِ الإلهِ بَعلَ (طوبيا 1: 3-5).

 

هنا يتحدث السفر عن زمن طوبيت، كان طوبيت أحد سكان مملكة إسرائيل الشمالية الذين تم سبيهم الى نينوى عاصمة مملكة الاشوريين ويؤكد على ذلك مجددا في موضع أخر:

ولمَّا صارَ طوبيتُ رجُلاً تزوَّجَ اَمرأةً مِنْ عَشيرتِهِ اَسمُها حنَّةُ، فولَدت لَه إِبنًا سمَّاهُ طوبيّا. 10 ولمَّا سُبيَ معَ اَمرأتِهِ واَبنِهِ إلى مدينةِ نينوى، كانَ جميعُ إخوتِهِ وأنسبائِهِ يأكلونَ مِنْ أطعِمةِ الأمَمِ الغريبةِ (طوبيا 1 :9-10).

 

فنحن هنا نتحدث عن طوبيت انه قضى عشرات السنين في مملكة إسرائيل فالسؤال الهام هنا: هل كانت شريعة موسى معروفة وموجودة آنذاك ام انها كتبت لاحقا بعد السبى على حسب الفرضية الوثائقية؟

 

من النصوص التالية يمكننا ان نتأكد بلا شك ان شريعة موسى كانت معروفة قبل السبى:

ولكنَّ طوبيتَ وحدَهُ كانَ يذهبُ إلى أُورُشليمَ في الأعيادِ التي كانَت فريضةً أبديَّةً على شَعبِ إِسرائيلَ ويُقدِّمُ غلَّتَهُ وأعشارَ غنَمِهِ مِمَّا جُزَ صوفُهُ لأوَّلِ مَرَّةٍ. 7 وكانَ يُقدِّمُها إلى المذبَحِ على أيدي كهَنَةِ بَني هرونَ وكانَ يَهَبُ القِسمَ الأوَّل مِمَّا تَبقَّى مِنْ غلَّتِهِ إلى بَني لاوي الذينَ يَخدُمونَ الرّبَ في أُورُشليمَ، ويَبيعُ القِسمَ الثانيَ ويذهبُ إلى أُورُشليمَ لِيُنفِقَه هُناكَ، 8 ويَتصدَّقُ بِالقسمِ الثَّالثِ على المُحتاجينَ بحسَبِ وصيَّةِ دبُّورةَ جدَّتِهِ لأبيهِ الذي ماتَ وتركَهُ يَتيمًا. (طوبيا 1 :6-8)

وليس طوبيت وحده يشهد بذلك بل ايضاً قول الملاك روفائيل:

قالَ الملاكُ لطوبيّا سنَنزِلُ اليومَ يا أخي عِندَ رعوئيلَ نَسيبِكَ فلَهُ بنتٌ وحيدةٌ اَسمُها سارةُ 12 سأطلُبُها زوجةً لكَ مِنْ أبيها، فأنتَ أحقُّ مِنْ غَيرِكَ في الزَّواجِ بِها لأنَّكَ أقربُ أنسبائِها إليها ولأنَّها جميلةٌ وفهيمةٌ 13 فاَسمعْ منِّي ودَعني أكلِّمُ أباها بالأمرِ وعِندَ عَودتِنا مِنْ راجيسَ نَعقدُ زواجَكَ علَيها، فأنا أعلمُ أنَّ رعوئيلَ لا يَقدِرُ أنْ يزوِّجَها لأحدٍ سِواكَ حسَبَ شريعةِ موسى لأنَّهُ يُعاقَبُ بالموتِ لأنَّكَ أنتَ أحَقُّ النَّاسِ بِها. (طوبيا 6 :11-13)

ليس طوبيت والملاك وحدهما ولكن أيضا رعوئيل الساكن بعيدا عن طوبيا في مكان أخر وهذا يعنى ان شريعة موسى كانت معروفة لكل بنى إسرائيل.

 

فقالَ لَه رعوئيلُ خُذها لكَ زوجةً مُنذُ الآنَ بحسَبِ الشَّريعةِ، لأنَّكَ أقربُ أقربائِها، والله الرَّحيمُ يوفِّقُكَ في كُلٌ شيءٍ. 13 ودعا اَبنتَهُ سارةَ وأمسَك بيَدِها وزوَّجَها إلى طوبيّا، وقالَ لَه لتكُنْ لكَ زَوجةً بحسَبِ شريعةِ موسى، فَخُذها إلى بَيتِ أبيكَ. وباركَهُما (طوبيا 7 :12-13)

 

مما سبق يمكننا ان نكتشف المزيد حول الفرضية الوثائقية وكيف انها لا تمتلك أي قوة امام بعض من الفحص لما بين أيدينا من مصادر داخلية وخارجية تدعم وتؤكد بشدة كتابة موسى لأسفار التوراة.

 

وهنا رأينا سفر طوبيا أحد الاسفار القانونية الثانية المقبول كسفر قانونى موحى به في الكنائس الكاثوليكية والارثوذكسية، وعلى اية حال وان لم يُقبل في كل الكنائس فلا يوجد خلاف على انه سفر غير منحول أي انه ليس مزورا.

سفر طوبيا والفرضية الوثائقية (نظرية المصادر) – مينا مكرم

ضد الأريوسين م1 – أثناسيوس الرسولي

ضد الأريوسين م1 – أثناسيوس الرسولي

ضد الأريوسين م1 – أثناسيوس الرسولي

الفصل الأول: مقدمة

سبب الكتابة:

1ـ بقدر ما نأت وابتعدت الهرطقات عن الحقيقة، بقدر ذلك ابتدعت واستنبطت لنفسها جنونا وخبلاً بات جليًا واضحًا. وصار كفر وتجديف هؤلاء الناس ظاهرًا بينا للجميع منذ القدم. لأن خروج الذين ابتدعوا أمور الخداع هذه، عنا ـ من الممكن أن نثبته ونوضّحه كما كتب المغبوط يوحنا (1يو19:2)، فان فكر مثل هؤلاء القوم لم يكن له وجود قط قبل ذلك، كما أنه لا يتفق مع ما نعتقده نحن الآن ونؤمن به. ولذلك أيضًا فكما يقول المخلّص، فإن الذين لا يجمعون معنا هم يفرقون مع الشيطان (لو23:11)، متعقبين النائمين، حتى إذا نفثوا فيهم سمهم المهلك يضمنون أنه يشركونهم معهم في الموت.

وحيث إن واحدة من الهرطقات، وهي الهرطقة الأخيرة ـ التي ظهرت الآن كتمهيد لضد المسيح (المسيح الدجال) ـ وهي التي ـ تسمى الآريوسية، وإذ هي باطلة وخبيثة وماكرة، فقد لاحظت أن اخواتها من الهرطقات الأخرى الأقدم منها، قد فُضِحت جهارًا، ولذلك فإنها ـ مثل أبيها ـ الشيطان ـ تظاهرت بلبس كلمات الكتاب المقدس، لتحاول الدخول مرة أخرى إلى فردوس الكنيسة لكي تظهر كأنها تعاليم مسيحيّة بغير وجه حق، وأن تخدع البعض لكي يفكروا ضد المسيح، معتمدة على أباطيلها الزائفة. إذ ليس فيها شيء من الصواب.

وها هي قد أغرت بعض الحمقى من هؤلاء الذين لم يهلكوا فقط بالسماع بل أيضًا ـ مثل حواء ـ أخذوا وتذوقوا، حتى أنهم ـ بسبب جهلهم وعدم درايتهم صاروا يعتبرون المر حلوا (إش2:5) وأخذوا يطلقون على هرطقتهم الشنيعة أنها حسنة. ولهذا أعتقدت ـ بعد أن طلبتم منى ـ أنه صار ضروريًا أن أحطم قوّة درع هذه الهرطقة الدنسة، وأن اكشف عن نتانة حماقتها، وعفن وقاحتها، لكي يتجنبها الذين ما زالوا بعيدين عن هذه البدعة، وأيضًا لكي يندم الذين خدعوا بها، فيتوبوا. ولكي يدركوا بعيون قلوبهم المفتوحة أنه كما أن الظلام لي نورا، والكذب ليس حقيقة، هكذا فليست الآريوسية بدعة حسنة، لكن بعض هؤلاء أيضًا الذين يسمون مسيحيين، كثيرًا ما يُخد\عون لأنهم لا يقرأون الكتب المقدسة، ولا يعرفون المسيحية قط، ولا يدركون الإيمان بها.

 

الآريوسية مختلفة تمامًا عن الإيمان الحقيقى:

2ـ أى شبه رآه هؤلاء إذن، بين هذه البدعة وبين الإيمان الحقيقى. حتى أنهم يقولون بأنه لا يوجد شيء رديء فيما يعلّمه أولئك (المبتدعون)؟ ومعنى هذا في الحقيقة، أنهم يعتبرون قيافا مسيحيًا. وأيضًا لا يزالون يحسبون يهوذا الخائن بين الرسل، ويقولون عن أولئك الذين طالبوا بإطلاق سراح باراباس بدلاً من المخلص، أنهم ما اقترفوا أى أثم، وهم يمدحون هيمينايس والاسكندر(1) على أن اعتقادهما قويم، ويعتبرون أن الرسول يكذب بخصوصهما.

إلا أن هذه الأشياء لا يستطيع أن يحتمل المسيحى سماعها، كما أن ذلك الذي يجرؤ أن يتحدّث بمثل هذه الأقوال، لا يمكن إعتباره سليم العقل والإدراك.

فبالنسبة للآريوسيين يُعتبر آريوس لديهم بدلاً من المسيح، مثل مانى عند المانويين، وفى مقابل موسى والقديسين الأخرين عندهم سوتيادس(2) الذي كان يهزأ بالامميين (الوثنيين). وكذلك ابنة هيروديا(3). لأن آريوس وهو يكتب الثاليا(4). كان يقلّد الأسلوب النسائى المنسوب إلى سوتيادس. وكما أبهرت ابنة هيروديا هيرودس برقصها، كذلك أريوس سخّر الرقص واللهو في التشهير والافتراء على المخلّص.. وهو قد فعل هذا. من ناحية لكي يموّه ويضلّل عقول هؤلاء الذين انغمسوا في الهرطقة لدرجة الجنون. ومن ناحية أخرى لكي يبدّل اسم رب المجد إلى شبه صورة إنسان زائل (رو23:1). وهكذا يتخذ مشايعوه اسم الآريوسيين بدلاً من لقب المسيحيين ويكون هذا دليلاً قاطعًا على كفرهم.

 

الآريوسيون ليسو مسيحيين:

فلا تدعهم إذن يجدون لأنفسهم عذرًا. ولا تدعهم يتهكّمون مفترين على هؤلاء الذين هم ليسوا في الحقيقى مثلهم. فيسمون المسيحيين بأسماء معلّميهم، لكي يظهروا هم أيضًا بهذه الطريقة أنهم مسيحيون(5). ومرّة أخرى لا تدعهم يمزحون، وهم يستحون من اسمهم الذي جلب عليهم مثل هذا العار والخزى، فلو كانوا حقًا يخجلون فليغطوا عريهم. أو فليتنحوا عن ضلالهم. لأنه لم يحدث قط في أى وقت، أن أتخذ الشعب المسيح أسماء أساقفتهم ليكونوا تابعين لهم، بل اتخذوا اسم الرب وحده الذي به نؤمن. ولذلك فنحن أيضًا الذين اتخذنا تعاليمنا من الرسل المغبوطين الذين خدموا انجيل المخلّص، فإننا لم ننتسب إلى أسمهم ولم نُدَعَ به، بل نُسمى فقط باسم المسيح، لذلك فنحن مسيحيون وهذا هو لقبنا.

أما أولئك الذين ينتمون إلى آخرين ويأخذون منهم العقيدة التي يعترفون بها، فإنهم من الطبيعى بالنسبة لهم أن يحملوا أسماءهم أيضًا، لأنهم قد صاروا مِلكًا لهؤلاء المعلّمين.

3ـ وحيث إن لنا الإيمان اليقيني بالمسيح، لذلك فأننا ندعى مسيحيين. وقديمًا عندما طُرِدَ ماركيون وألقى بعيدًا لأنه ابتدع الهرطقة، فإن هؤلاء الذين كانوا معه ورفضوه عندما حرم من الكنيسة ظلوا مسيحيين، في حين أن الذين تبعوا مركيون وشايعوه لم يسموا بعد مسيحيين بل لقبوا ماركيونيين. وهكذا أيضًا فالنتينوس وباسيليدس ومانى وسيمون الساحر، فأنهم نقلوا وأعطوا لأتباعهم أسماءهم الخاصة، ولذلك صار البعض يلقبون فالنتينيين والبعض الآخر باسيليديين وآخرين سيمونيين، والبعض الآخر الذين هم من فريجيا لقبوا فريجيين، والذين من نوفاتيس نوفاتيين.

وهكذا أيضًا ميليتيوس عندما طرده وحَرَمَه بطرس الأسقف والشهيد، لم يعد يطلق على أتباعه اسم مسيحيين بل ميليتيين. وهكذا فقد حدث نفس الشئ أيضًا حينما حَرَمَ ألكسندروس المطوّب الذكر آريوس، فإن الذين ظلوا مع الكسندروس بقوا مسيحيين أما الذين خرجوا منشقين مع آريوس، فإنهم تخلّوا ـ لنا نحن الذين بقينا مع الكسندروس ـ عن اسم المسيح ومن ثم أُطلِقَ على أولئك اسم الآريوسيين. وها هو الآن بعد موت الكسندروس، فإن الذين لهم شركة مع خليفته أثناسيوس، وأولئك الذين ارتبط أثناسيوس نفسه معهم في الشركة الكنسيّة لهم نفس الميزة.

فإن أحدًا من أولئك لم يطلق عليه اسم أثناسيوس، كما أن أثناسيوس لم يطلق عليه اسم أى واحد من أولئك المرتبطين به، ولكنهم ـ وفقًا للوضع المألوف ـ يسمون جميعًا مسيحيين. لأنه وإن كان لدينا سلسلة متتابعة من خلفاء المعلّمين … وقد صرنا نحن تلاميذ هؤلاء، ولكن حيث إننا نتعلّم منهم أمور المسيح وكل ما يختص به، لذلك فمما لا شك فيه، فأننا مسيحيون وهكذا ندعى. أما أولئك الذين يتبعون الهراطقة، فحتى لو كان لديهم آلاف الخلفاء، فأنهم حتمًا يتخذون لهم اسم مَنْ ابتدع الهرطقة، وهكذا فإنه حتى بعد أن مات آريوس، رغم أن عددًا كبيرًا خلفه في هرطقته، إلاّ أن هؤلاء الذين اعتقدوا بتعاليم ذلك الرجل والمعروفين بمشايعتهم لآريوس، فإنهم يسمون آريوسيون.

والبرهان العجيب على هذا، أن أولئك الوثنيين الذين دخلوا الى الكنيسة ـ ولا يزالون يدخلون فيها حتى الآن، فإذ يهجرون ضلالة الأوثان، فأنهم لا يدعون بأسماء الذين علّموهم أصول الإيمان، بل يدعون باسم المخلّص، وصاروا يدعون باسم المخلص، وصاروا مسيحيين بدلاً من وثنيين، بينما أولئك الذين ينضمون إلى الهراطقة. والذين يتركون الكنيسة ويتبعون الهراطقة، فإنهم يهجرون اسم المسيح، وتبعًا لذلك يتخذون اسم الآريوسيين، إذ لم يعد لهم إيمان بالمسيح قد، بل صاروا خلفاء لجنون آريوس وخَبَله.

4ـ كيف يمكن إذن أن يكونوا مسيحيين أولئك الذين هم ليسوا بمسيحيين بل هم مجانين الآريوسية؟ أو كيف ينتمي هؤلاء الى الكنيسة الجامعة، وهم قد انفضّوا عن الإيمان الرسولى ونبذوه وصاروا مبتدعين شرورًا جديدة، وبعد أن نبذوا أقوال الكتابات الالهية، فأنهم يسمون ثاليا آريوس حكمة جديدة؟ وما يقولونه يُثبت حقًا أنهم يبشرون بهرطقة جديدة. ولهذا السبب أيضًا فإن الانسان ليدهش، أنه في حين أن كثيرين كتبوا مؤلفات كثيرة وعظات أكثر عددًا حول العهدين القديم والجديد، فليس في أى منها شيء مما ابتدعته كتاب الثاليا، بل حتى لا يوجد شيء منه عند كبار الأمميين وعظمائهم… ولكنها موجودة فقط بين أولئك الذين ينشدون ويتغنّون وهم ثمالى وسكارى بين قرقعة الكؤوس والصخب والسخريّة أثناء عبثهم ولهوهم ليثيروا ضحك الآخرين.

إن آريوس الغريب، في الواقع لم يقلّد أحدًا وقورًا، وإذ كان يجهل كتابات الرجال الوقورين من عظماء القوم، فإنه كان يختلس كثيرًا من الهرطقات الأخرى. ولا يوجد له منافس في مجال الهزل والسخرية غير سوتيادس وحده. لأنه ماذا كان في وسعه أن يعمل سوى أن يرغب في التحوّل ضد المخلّص، بأناشيده الراقصة، معبرًا بثرثرته المموقتة وطنطنته البغيضة عن كفره وإلحاده، مستخدمًا في ذلك رخامة ألحانه المنحرفة الفاسقة؟ وهذا كي يتأكد ويتضح فساد ما كتبه من تلك الأقوال التي تتضح بعد نضح الروح وفساد الذهن، وذلك كما تقول الحكمة تمامًا “يُعرف المرء من الكلمة الصادرة عنه” (انظر ابن سيراخ 29:19) ولأن الضلال لم يكن سهوا، بل هو متعدّد الوجوه، ومُتَعمَد أيضًا، فهو مثل الثعبان الذي يلتف حول نفسه صاعدًا هابطًا، ولكنه ـ (أى آريوس) قد سقط في ضلال الفريسيين عندما أرادوا مخالفة الشريعة، فأنهم تظاهروا بأنهم غيورون على أقوال الناموس، وعندما أرادوا إنكار ألوهية الرب المنتظر، بينما كان هو نفسه حاضرًا بينهم… فإنهم إدعوا بأنهم يستشهدون بالله، ولكنه أثبتوا بذلك أنهم يجدّفون بقولهم: ” لماذا وأنت إنسان تجعل نفسك إلهًا” (يو33:10)، وتقول “أنا والآب معا واحد”. هكذا أيضًا آريوس المزيّف والذي حذا حذو سوتيادس، فإنه يزعم أنه يتحدّث عن الله، مستخدمًا كلمات الكتاب المقدس، ولكنه أثبت من كل النواحى أنه كافر وذلك بإنكاره الابن، معتبرًا أياه من بين المخلوقات.

 

الفصل الثانى: مقتطفات من ثاليا أريوس

 

5ـ إن بدء ثاليا آريوس عبارة عن أقوال ركيكة جوفاء. وقد أتخذت لها أسلوبًا أنثويا وهي هكذا: حسب إيمان مختاري الله الذين لهم أدراك ووعى بالله من الرجال القديسين الذين يتصّفون بالعقائد المستقيمة، هؤلاء الذين حصلوا على روح الله القدوس. وأنا على الأقل تعلّمت هذه الأمور من أناس لهم نصيب كبير من الحكمة، أناس مدهشون من المعلّمين لأمور الله، وعمومًا فإنهم يعتبرون من الحكماء. وقد أقتفيت أنا آثار هؤلاء وسرت على دربهم.

وها أنا أسير في نفس الطريق، معلّمًا لنفس هذه المبادئ، أنا الذائع الصيت، ولقد عانيت الكثير لأجل مجد الله، وعرفت الحكمة والمعرفة، وهي التعاليم المستقاه من الله، أن مثل هذه الثرثرة الجوفاء التي يتشدّق بها في ثاليا، والتي ينبغى تجنبها والابتعاد عنها، إذ هي مليئة بالكفر والضلال، إذ قد جاء فيها ” لم يكن الله أبًا في كل حين ” بل كان هناك وقت حين كان الله وحده، ولم يكن أبًا بعد، بل قد صار أبًا فيما بعد… والابن لم يكن موجودًا دائمًا. لأن كل الأشياء قد خلقت من العدم، وكان هناك وقت لم يكن فيه الابن موجودًا، ولم يكن له وجود قبل أن يصير، بل هو نفسه كان له بداية تكوين وخلقة ويقول: ” لأن الله كان وحده؛ ولم يكن هناك الكلمة والحكمة بعد..

من ثم فعندما أراد الله أن يخلقنا، فإنه عندئذ قام بصنع كائن ما وسماه اللوغوس والحكمة والابن، كي يخلقنا بواسطته ” ولذلك فهو يقول إن هناك حكمتان: الأولى مستقلة وموجودة مع الله. أما الابن فقد جاء من خلال هذه الحكمة الأولى، وقد سمى الحكمة والكلمة بسبب اشتراكه فقد في هذه الحكمة الأولى، لأنه يقول ” إن الحكمة جاء إلى الوجود بواسطة الحكمة بمشيئة الله الحكيم “.

وهكذا يقول أيضًا: ” إنه توجد كلمة أخرى في الله غير الابن. وأيضًا إن الابن قد سمى كلمة وابنًا بسبب مشاركته للكلمة حسب النعمة “.

وهذا التعليم أيضًا إنما هو أحد الأفكار الخاصة بهرطقتهم كما يتضح من مؤلفاتهم الأخرى. ” أنه توجد قوات كثيرة، أحداها هي قوّة الله ذاته بحسب طبيعته الذاتية الأبدية. أما المسيح فليس هو قوّة الله الحقيقية، بل أنه هو أيضًا قوة من تلك التي تدعى قوات. والتى تعتبر احداها هي قوّة الله ذاته بحسب طبيعته الذاتية الأبدية، أما المسيح فليس هو قوّة الله الحقيقية، بل أنه هو أيضًا قوّة من تلك التي تدعى قوّات، والتى تعتبر احداها أيضًا “الجرادة” و “الدودة”. وهي ليست قوّة وحسب بل أعلن عنها أيضًا أنها قوّة عظيمة(6). أما القوات الأخرى المتعددة فهى مثل الابن.

وأن داود أنشد عنها بقوله: “ربّ القوات” (مز10:24). والكلمة نفسه أيضًا، مثل كل القوات، متغيّر بحسب طبيعته، ويبقى صالحًا بإرادته الحرّة ـ الى أى وقت يريده، ولكنه حينما يريد، فإنه يستطيع أن يتحوّل مثلنا، إذ أنه ذو طبيعة متغيّرة. ويقول أيضًا “بما أن الله عرف بسبق علمه. بأن الكلمة سيكون صالحًا فقد منحه هذا المجد، مقدما والذي حصل عليه بعد ذلك. كإنسان، بسبب الفضيلة، ولهذا فإن الله ـ بسبب أعماله التي كان يعرفها بسبق علمه أنها سَتُعمَل ـ خلقه بمثل هذه الصورة التي صار عليها الآن”.

6ـ بل أنه تجاسر مرّة أخرى أن يقول ” الكلمة ليس إلهًا حقيقيًا، وحتى إن كان يدعى إلهًا لكنه ليس إلهًا حقيقيًا. وإنما هو إله بمشاركة النعمة مثل جميع الآخرين، وهكذا فإنه يسمى إلهًا بالاسم فقط. وكما أن جميع الكائنات غريبة عن طبيعة الله ومختلفة عنه في الجوهر. هكذا الكلمة أيضًا يعتبر غريبًا عن جوهر الآب وذاتيته ومختلفًا عنه، بل هو ينتمي إلى الأشاء المخلوقة والمصنوعة. وهو نفسه أحد هذه المخلوقات “.

وفضلاً عن ذلك، فإنه كما لو كان قد صار خليقة للشيطان ووارثًا لتهوّره ووقاحته، فقد ذكر في “الثاليا” ما يلي: “وحتى الابن فإنه لا يرى الآب” وأن “الكلمة لا يستطيع أن يرى أو أن يعرف أباه تمامًا بصورة كاملة. ولكن ما يعرفه وما يراه، فإنه يعرفه ويراه بقدر طاقته الذاتية، مثلما نعرف نحن أيضًا بقدر طاقتنا الذاتية”. كما يقول “إن الابن ليس فقط لا يعرف تمام المعرفة، إذ هو يعجز عن هذا الإدراك، بل أن الابن نفسه لا يعرف حتى جوهره الخاص به. وأن كل من الآب والابن والروح القدس، جوهره منفصل عن الآخر حسب الطبيعة. وأنهم مقسمون ومتباعدون وغرباء عن بعضهم البعض، وليس لهم شركة أحدهم مع الآخر، إذ يدّعى هو نفسه “أنهم غير متشابهين تمامًا في الجوهر والمجد بلا نهاية”. ويقول ” إنه فيما يتعلق بتشابه المجد والجوهر. فإن الكلمة يعتبر مختلفًا تمامًا عن كل من الآب والروح القدس “.

وهكذا بمثل هذه الكلمات يزعم ذلك العديم التقوى أن ” الابن منفصل بذاته وليس له شركة مع الآب إطلاقًا “. هذه مقتطفات من النصوص الأسطورية كما جاءت في كتابات آريوس الهزلية.

7ـ فمن هو الذي يسمع مثل هذه الأقوال، ومثل هذا النغم في الثاليا، ولا يبغض آريوس وهو يقوم بتمثيليته هذه؟ وبينما هو يدعو باسم الله ويتحدث عنه، فمن لا يعتبر هذا الرجل مثل الحيّة التي قدّمت المشورة للمرأة؟ ومن لا يرى ـ وهو يقرأ ما كتبه ـ تجديفه وتضليله، مثلما فعلت الحيّة وهي تحاول إغواء المرأة؟ فمن لا يفزع من هول هذه التجاديف؟ فكما يقول النبى ” السماء تنذهل، والأرض تقشعر ” (إر12:2) من جراء التعدى على الشريعة. أما الشمس فإذ لم تحتمل تلك الاهانات المثيرة التي وقعت على جسد الرب المشترك لنا جميعًا. والتى احتملها هو نفسه من أجلنا بإرادته. فإنها أستدارت وحجبت أشعتها. وصار ذلك اليوم بلا شمس وأزاء تجديفات آريوس، كيف لا تتمرد حياة البشريّة فتصاب بعدم النطق، فيصمون آذانهم، ويغلقون عيونهم، هربًا من سماع هذه التجديفات. ومن رؤية وجه كاتبها؟

وبالأحرى كيف لا يصرخ الرّب ذاته ضد هؤلاء العديمى التقوى، بل والجاحدين أيضًا. بتلك الكلمات التي سبق ونطق بها على لسان هوشع النبى ” ويل لهؤلاء لأنهم هربوا عنى. بالشقاوتهم لأنهم إذنبوا إليّ. أنا افتديتهم لكنهم تكلموا على بالكذب ” (هو13:7). وبعد ذلك بقليل ” وهم يفكرون عليّ بالشر “. ” وعادوا الى العدم ” (هو16:7س)؟

لأنهم بعد أن أبتعدوا عن كلمة الله الذي هو كائن، ابتكروا لأنفسهم ما هو غير كائن. فسقطوا في العدم. ومن أجل ذلك السبب أيضًا، فإن المجمع المسكونى(7). طرد، أريوس الذي علّم بهذه الأمور، من الكنيسة وحَرَمَه، إذ لم يحتمل المجمع كفره وجحوده. ومنذ ذلك الحين، فقد أعتبر ضلال آريوس، هرطقة تفوق سائر الهرطقات، حيث لُقِبض بعدو المسيح، وممهدًا للمسيح الدجال.

ولكن رغم أن هذا الحكم ضد الآريوسية، يعتبر في ذاته كاف جدًا لأن يجعل الناس يهربون بعيدًا عن هذه الهرطقة الكافرة، إلاّ أنه، كما سبق أن قلت، يوجد البعض من الذين يُدعَون مسيحيين، يعتبرون ـ عن جهل أو عن تظاهر بالجهل ـ أن هذه الهرطقة لا تختلف إلا قليلاً عن الحق، ولذلك يسمون الذين يعترفون بها، مسيحيين.

لذلك هيا بنا إذن بكل ما عندنا من جهد. لنكشف القناع عن حيل الأريوسية وخداعها. بأن نضع أمامهم بعض أسئلة، فبعد أن تدحض آراؤها، فأنهم سينفضّون من حولها ويهربون كما لو كانوا يهربون من وجه أفعى.

 

الفصل الثالث: خطورة الموضوع

8ـ فلو أن استعمالهم لبعض كلمات من الكتاب الإلهى، في الثاليا، يحوّل ـ بحسب ظنهم ـ التجديف والكفر الذي في الثاليا الى كلمات مديح وثناء، فإنهم حينما يرون يهود هذه الأيام وهم يقرأون الشريعة والأنبياء. فبلا شك ـ يلزمهم على هذا الأساس أن ينكروا المسيح مثل أولئك اليهود. وربما لو استمعوا إلى المانويين وهم يترنّمون ببعض مقتطفات من الإنجيل، فإنه سينكرون مثلهم الشريعة والأنبياء.

فإن كانوا يتململون ويثرثرون هكذا، بسبب جهلهم.. إذن فليعلموا من الكتب المقدسة، أن الشيطان ـ وهو مبتكر الهرطقات ومؤلفها ـ يستعير أقوال الكتب المقدسة كغطاء يتستر من ورائه لكي ينفث سمومه الخاصة به ليخدع البسطاء. وذلك ليخفى الرائحة العفنة الكريهة الكامنة في شرّه الخاص. وهكذا خدع حواء، وهكذا حاك الهرطقات الأخرى، وهكذا الآن أيضًا فإنه حث أريوس لكي يدعى أنه يحتج ضد الهراطقة ويقاومهم. وبهذه الطريقة فإنه يدخل هرطقته هو في غفلة من الجميع.

ومع ذلك فإن هذا الداهية الخبيث لم يتمكن من الإفلات. فلأنه كفر بالله الكلمة. فإنه أفرغ كل من لديه في الحال، وانكشف أمام الجميع جهله بالهرطقات الأخرى أيضًا، وأنه لم يكن في عقيدته أى شيء مستقيم، ولذلك كان ينافق ويراءى.

لأنه كيف يمكن أن يتكلّم بإستقامة عن الآب، وهو ينكر الابن الذي يكشف الآب ويعلنه؟ أو كيف يمكن أن يعتقد اعتقادًا قويما فيما يخص الروح القدس، بينما هو يفترى على الكلمة الذي يهب الروح ويعطيه؟ ومن سيثق به عندما يتحدّث عن القيامة، ما دام هو شخصيًا ينكر المسيح، الذي صار البكر من الأموات، من أجلنا (كو19:1)؟ وكيف لن ينخدع فيما يخص حضوره بالجسد، وهو يجهل كليّة الميلاد الحقيقى للابن من الآب؟ فإنه هكذا أيضًا حدث مع اليهود حينما أنكروا الكلمة وقالوا ” ليس لنا ملك إلاّ قيصر ” (يو15:19)، فإنهم فقدوا كل شيء دفعة واحدة وبقوا بدون نور المصباح.

وبدون رائحة الطيب، وبدون معرفة النبوّة، وبدون الحق ذاته، وهم حتى الآن، لا يفهمون شيئًا، كمن يسيرون في الظلام. لأنه مَنْ سمع بمثل هذه التعاليم في أى عصر من العصور حتى الآن. أو من أين أو ممن سمع هؤلاء هذه الأمور، أولئك المنافقون والمأجورون لنشر الهرطقة؟ ومَنْ علّم هؤلاء مثل هذه العقيدة حينما كانوا يلقنونهم دروس الدين؟ ومَنْ قال لهم بعد أن انصرفوا عن عبادة الخليقة، أن تعالوا من جديد لتعبدوا المخلوق والمصنوع؟ وإن كان هؤلاء أنفسهم يعترفون بأنهم قد سمعوا بمثل هذه التعاليم لأول مرّة الآن، فليكفوا إذن عن عن إنكارهم بأن هذه الهرطقة إنما هي غريبة، ولم يتسلّموها عن الآباء.

والذي لم يأت من الآباء بل أبتدع الآن، فأى شيء آخر يمكن أن يكون، سوى ما تنبأ به المغبوط بولس ” في الأزمنة الأخيرة ينحرف البعض عن الايمان القويم تابعين أرواحًا مضلّة وتعاليم شياطين في نفاق الكذابين الموسومة ضمائرهم الذاتية “. (1تى1:4، 2،14) وأيضًا “مرتدين عن الحق”.

 

الإيمان الصحيح عن الابن:

9ـ ها نحن إذن نتحدّث بحريّة عن الإيمان الصحيح النابع من الكتب الإلهية، ونضع هذا الإيمان كسراج على المنارة فنقول: ابن حقيقي حسب الطبيعة للآب ومن نفس جوهره، وهو الحكمة وحيد الجنس وهو الكلمة الحقيقى الوحيد لله. وهو ليس مخلوقًا ولا مصنوعًا، ولكنه مولود حقيقي من ذات جوهر الآب، ولهذا فهو إله حق إذ أنه واحد في الجوهر ὁμοόυσιος مع الآب الحقيقى.

أما بالنسبة للكائنات الآخرى. التي قال لها: ” أنا قلت: أنتم آلهة ” (مز6:8)، فإنها حصلت على هذه النعمة من الآب وذلك فقط بمشاركتها للكلمة عن طريق الروح القدس. لأنه هو رسم جوهر الآب هو نور من نور، وهو قوّة وصورة حقيقية لجوهر الآب. لأن هذا ما قاله الرب أيضًا: ” من رآنى فقد رآى الآب ” (يو9:14). فهو كان موجودًا دائما، وهو كائن كل حين، ولم يكن قط غير موجود، وكما أن الآب أزلى، هكذا أيضًا فإن كلمته وحكمته يجب أن يكون أزليًا.

ثم فلنر إذن ما يتشدّق به هؤلاء مما يقدّمونه لنا من مزاعم مما جاء في الثاليا الذميمة؟

دعهم أولاً يقرأونها مقلّدين أسلوب كاتبها، كي يتعلّموا ـ حتى وإن كانوا يسخرون من الآخرين ـ إلى أى ضلال قد انحدروا. وبعد ذلك فليقولوا، ولكن ماذا في وسعهم أن يقولوا منه سوى: ” إن الله لم يكن دائمًا أبًا. ولكنه صار أبًا فيما بعد. والابن لم يكن موجودًا دائمًا، لأنه لم يكن موجودًا قبل أن يولد، وأنه ليس من الآب، ولكنه هو أيضًا خُلِقَ من العدم، وهو ليس من نفس جوهر الآب لأنه مخلوق ومصنوع “؟ وأن ” المسيح لم يكن إلهًا حقيقيًا، بل هو نفسه صار الهًا بالمشاركة.

والابن لم يعرف الآب معرفة تامة، والكلمة لم ير أباه بصورة كاملة. والكلمة لم يفهم ولم يعرف أباه على وجه الدقة. ولم يكن هو نفسه. الكلمة الحقيقى الوحيد للآب، ولكن بالأسم فقط يدعى كلمة وحكمة، وهو بالنعمة فقط يدعى ابنًا وقوة. وهو ليس غير قابل للتغير مثل الآب، ولكنه متغيّر بالطبيعة كالمخلوقات. وهو قاصر عن إدراك معرفة الآب إدراكًا كاملاً “.

غريب أمر هذه الهرطقة حقًا، إذ ليس هناك أى احتمال في استقامة تعاليمها، بل هي تتخيّل أنه لا وجود لذلك الذي له وجود في الواقع، بل تنشر على الملأ مهاترات كفرية تمامًا بدلاً من الأقوال الورعة التقيّة. إذن، إن قام أحد الناس بالتصدى لبحث تعاليم الفريقين وتساءل إلى إيمان أى منهما ينحاز وأى منهما يتكلّم الكلام اللائق عن الله.

أو بالأحرى دع هؤلاء الذين يحرضون على الكفر بنفاق يقولون، بماذا يجب أن يجاب عندما يسأل إنسان عن الله، (لأن “الكلمة كان الله”)، فإنه من الاجابة على هذه السؤال سيعرف كل ما يتعلق بكلتا المسألتين، أى ماذا يجب أن يقوله الشخص: هل “كان” أم “لم يكن”؟ هل هو “دائم” أم “صار من قبل” هل هو “أزلى” أم “منذ متى، وحتى متى”. هو هو “اله حق” أم “بالوضع والمشاركة والاختلاق” هل هناك من يقبل القول بأنه (أى الكلمة) “واحد من بين المخلوقات” أم أنه “مشابه الآب”. وأنه “غير مشابه للآب حسب الجوهر”. أم أنه “مشابه للآب وخاص به” وأنه “مخلوق” أم أن “به قد خلقت المخلوقات”.

إنه “هو ذاته كلمة الآب“، أم أن هناك “كلمة آخر” بالاضافة إليه، وأنه تكوّن عن طريق هذه الكلمة الآخر. وعن طريق حكمة أخرى.. وأنه إنما لُقِبَ حكمة وكلمة بالاسم فقط، وأنه صار شريكًا لتلك الحكمة وتاليا لها.

10ـ فأقوال مَنْ أذن، هي التي تعتبر لاهوتية وتوضح أن ربنا يسوع المسيح هو إله وابن الآب؟ هل هي تلك الأقوال التي تقيأتموها أنتم، أم تلك التي قلناها نحن ولا نزال نقولها من الكتب المقدسة.

إذن فإن كان المخلّص ليس إله وليس كلمة وليس ابنًا. فأنه يكون من الجائز لكم (فى هذه الحالة) أن تقولوا ما تريدون كما هو جائز للوثنيين واليهود في أيامنا.

أما إن كان هو كلمة الآب والابن الحقيقى. وإله من إله، و” فوق الكل مبارك إلى الأبد ” (رو5:9)، فكيف لا يكون لائقًا أن نزيل ونمحو الأقوال المغايرة والثاليا الآريوسية، كصورة للشرور. تلك المليئة بكل أنواع الألحاد والكفر؟ والتى عندما يسقط فيها أحد، ” فإنه لا يعرف أن الاشباح سيهلكون بواسطتها، وأنه سيلتقون بها في عمق الهاوية ” (أم18:9س).

أنهم يعرفون هذا الأمر، وهم أنفسهم في الواقع كمخادعين يخفون هذه الامور لأنهم لا يملكون الشجاعة أن ينطقوا بها علنًا، ولكنهم يقولون أشياء أخرى قريبة منها، لأنهم أن تكلّموا علنا فسوف يلامون، وإن تعرّضوا للشبهة (بسبب الإنحراف) فإن الجميع سيتصّدون لهم ببراهين من الكتب المقدسة. ولذلك، فبما أنهم أبناء هذا الجيل، فإنهم بدهاء، قد أوقدوا المصباح الذي أعتبروه خاصًا بهم، بزيت خام، ولكنهم خوفًا من أن ينطفئ بسرعة لأنه قد قيل ” نور الأشرار ينطفئ ” (أيوب5:18)، فإنهم أخفوه تحت مكيال النفاق والرياء.

ويدلون بأقوال مغايرة، مستعينين بحماية الأصدقاء مهددين بقسطنديوس(8) وذلك حتى لا يرى، أولئك الذين ينضمون إليهم، نجاسة الآريوسية ونتانتها. وذلك بواسطة دهائهم وأقوالهم التي ينطقون بها. كيف إذن لا تكون هذه الهرطقة مستحقة للكراهية مرة أخرى، بحسب هذا أيضًا، وهي في الواقع تُخفى بواسطة مشايعيها أنفسهم ـ إذ أنها لا تتجاسر أن تظهر علنًا وتتكلم بحرية ـ بل هي تتربى ويعتنى بها كالحيّة؟

لأنهم من أين جمعوا لأنفسهم تلك الترهات؟ أو ممن حصلوا إذن على مثل هذه الأقوال التي يتجاسرون على التشدّق بها؟ أنهم ليس في وسعهم أن يحددوا الشخص الذي سبق أن تسلّموا منه هذه الأقوال. لأنه مَنْ من الناس، سواء كان يونانيًا أو بربريًا يجسر أن يقول عن ذلك الذي يُقر ويُعتَرف به أنه إله، بأنه واحد من المخلوقات، وأنه لم يكون موجودًا قبل أن يُخلق؟ ومَنْ هو ذلك الذي يؤمن بالله، ولا يصدق الله القائل ” هذا هو ابني الحبيب ” (مت5:17) ويزعم بأن الابن ليس ابنًا بل مخلوقا؟ بل أن مثل هذه التعاليم سوف تثير سخط الجميع أكثر ضدهم.

فإنهم حتى لم يتخذوا براهينهم من الكتب المقدسة، لأنه سبق أن كشفنا مرارًا، كما سنكشف الآن أيضًا بأن هذه التعاليم مخالفة وغريبة عن الأقوال الإلهية، إذن، إذ لم يتبق إلاّ أن نقول بأنهم قد أصابهم الجنون بعد أن تلقوا هذه التعاليم من الشيطان (لأنه هو وحده الذي يزرع مثل هذه التعاليم). لذلك هيا بنا لنقاومه، لأنه سيكون لنا صراع ضده عن طريقهم. وبمشيئة الرب، بعد أن يعجز كالمعتاد بواسطة البراهين، فإنهم سيصابون بالخزى عندما يرون ذلك الذي زرع هذه الهرطقة فيهم. خاليًا من أية قوة. فيتعلّمون، ولو متأخرًا، أنه بما أنهم آريوسيون، فهم ليسوا مسيحيين.

 

 

الفصل الرابع: الابن أزليّ وغير مخلوق

11ـ قد قلتم واعتقدتم حسب اقتراح (الشيطان) عليكم، بأنه ” كان وقت لم يكن فيه الابن موجودًا “، لأن ثوب أفكار بدعتكم هذا، هو الذي يجب أن ينزع أولاً.

قولوا لنا أيها المهاترون عديمي التقوى، ما المقصود بالوقت الذي لم يكن فيه الابن موجودًا؟ فإن كنتم تشيرون بهذا إلى الآب. فإن تجديفكم يكون أعظم. لأنه من غير اللائق أن يقال عنه ” كان في وقت ما ” أو أن يشار إليه بكلمة “وقت”، لأنه كائن دائمًا وهو موجود الآن. وحيث إن الابن أيضًا موجود فهو (الآب) أيضًا موجود، وهو نفسه الكائن، وأبو الابن. فإن كنتم تقولون إن الابن كان موجودًا مرّة، حينما لم يكن موجودًا، فالجواب هو أن هذا كلام صبيانى أحمق. إذ كيف يكون هو نفسه موجودًا وغير موجود؟ وإذ تجدون أنفسكم في حيرة أمام هذا التضارب في الأقوال، فإنكم يمكن أن تقولوا، إنه كان هناك “وقتًا ما “حينما لم يكن الكلمة موجودًا، لأن هذا هو المعنى الطبيعى لظرف الزمان “وقتًا ما” ποτέالذى تستخدمونه.

والقول الذي سجلتموه بعد ذلك هو ” الابن لم يكن موجودًا قبل أن يولد “، هو مساو تمامًا لقولكم ” كان هناك وقت ما لم يكن موجودًا ” فسواء هذا القول أو القول الآخر، فكلاهما يعنى أنه كان هناك زمن سابق على الكلمة. إذن من أين أتيتم بهذه الأقوال؟ لماذا تزمجرون كالأمم وتقولون كلمات فارغة زائفة ضد الرب وضد مسيحه(9)؟ لأنه لم يسبق لأي سفر من الكتب المقدسة أن استخدم تعبيرًا مثل هذه التعبيرات عن المخلّص، بل بالأحرى تقول عنه “الدائم”، “الأزلى” والمشارك دائمًا مع الآب في الوجود لأنه ” في البدء كان الكلمة، وكان الكلمة عند الله.

وكان الكلمة الله(10) ويقول عنه في الرؤيا ما يلي ” الكائن والذي كان والآتى(11) فمَن يستطيع إذن أن ينتزع الأزلية من ذلك “الكائن”. “والذى كان” ولأجل هذا الأمر عينه كتب بولس وهو يتكلّم عن اليهود في الرسالة الى أهل رومية قائلاً “ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن فوق الكل الهًا مباركًا الى الأبد”. وحين كان يتكلّم مع الأمميين قال ” لأن أموره غير المنظورة ترى بوضوح منذ خلق العالم مدركة بواسطة المصنوعات قدرته السرمدية وألوهيته(12) وما هي قدرة الله؟ هو نفسه يعلّم في مرّة أخرى قائلاً ” المسيح هو قوة الله وحكمة الله(13) أنه بالتأكيد لم يكن يقصد الآب بهذه الكلمات، كما كنتم تتهامسون كثيرًا فيما بينكم قائلين إن “الآب إنما هو قوته الأزليّة” ولكن الأمر ليس هكذا.

لأنه لم يقل إن الله ذاته هو القوة” بل إن “القوة هي قوّته”. فمن الواضح الجلي للجميع أنه استخدم الهاء في “قوته” (ضمير الاضافة في الغائب المفرد) ولم يستخدم “هو” (ضمير الغائب المفرد في حالة الفاعل) ولكنه ليس غريبا (عن الاب) بل هو (الابن) خاص به ذاته(14). إقرأوا أيضًا سياق الكلام “وأرجعوا إلى الرب”، ” وأما الرب فهو الروح(15)، وسترون أن هذا النص يشير إلى الابن.

12ـ لأنه (بولس) وهو يتحدث عن الخليقة، فإنه يستمر أيضًا في الكتابة عن قوة الخالق في خليقته، تلك القوة التي هي “كلمة الله”، والذي من خلاله (بواسطته) قد خَلَقَ كل شئ. فلو أن الخليقة تقدر بذاتها وحدها أن تعرف الله بدون الابن، فالتفتوا لئلا تسقطوا في الغواية، فتظنوا أنه بدون الابن أيضًا قد خُلِقَت الخليقة. ولكن إن كانت الخليقة قد خُلِقَت عن طريق الابن، وأنه “فيه تثبت (تقوم) كل الأشياء في الوجود”(16)، فإن الذي يتأمل الخليقة بطريقة مستقيمة، فلابد أن يرى أيضًا بالضرورة الكلمة الذي خلقها، ومن خلال الكلمة يبدأ أن يدرك الآب وإن كان حسب قول المخلّص ” لا أحد يعرف الآب إلاّ الابن ولِمَن سيعلن له الابن عنه(17) وحينما سأل فيلبس “أرنا الآب” لم يقل له، انظر الخليقة، بل قال له ” من رآنى فقد رآى الآب “.

فإن بولس بصواب وأدراك، يتهم اليونانيين بأنهم، بينما يرون تناسق الخليقة ونظامها فإنهم لا يدركون الكلمة خالقها. (لأن المخلوقات تُعلن عن خالقها)، لكي يدركوا الإله الحقيقي من خلال المخلوقات، ويكفوا عن عبادة المخلوقات، ولذلك قال بولس ” قدرته السرمدية ولاهوته ” لكي يشير بذلك إلى الابن. وحينما يقول القديسون “الكائن قبل الدهور”، “والذي به صنع الدهور” فإنهم بذلك يبشرون بخلود الابن وأزليّته، وهم حينما يقولون الابن فهم يقصدون الله نفسه.

ولذلك يقول إشعياء ” الله الأبدى، خالق أطراف الأرض(18) وقالت سوسنه ” أيها الاله الأزلى(19). أما باروخ فكتب ” قد صرخت إلى الأبدى مدى أيامى(20) وبعد قليل يقول ” لأني أنا أعتمدت في رجائى على الأبدى، لأجل خلاصكم، وغمرنى فرح من لدن القدوس(21). لذلك يقول الرسول أيضًا وهو يكتب للعبرانيين، ” الذي (الابن) وهو بهاء مجده وصورة جوهره(22) وداود ينشد في المزمور التاسع والثمانين قائلاً ” فليكن بهاء الرب الهنا علينا(23)، وأيضًا “بنورك سنرى النور(24) فمَن يكن حَمقًا لدرجة أنه يشك في أن الابن كائن على الدوام؟ لأنه مَنْ رأى نورًا قط بدون بريق وميضه، حتى يقول عن الابن إنه ” كان هناك وقت ما لم يكن فيه موجودًا “، أو ” أن الابن لم يكن موجودًا قبل أن يولد “؟ وما قيل في المزمور الرابع والأربعين بعد المائة، موجهًا قوله للابن ” مملكتك مملكة كل الدهور “(25)

فلا يجوز لأي شخص، أن يتخيّل أى فترة ـ مهما كانت وجيزة ـ لم يكن فيها الكلمة موجودًا. لأنه إن كانت كل فترة زمنية تقاس من خلال الدهور، والكلمة هو ملك وصانع كل الدهور، لذلك فبالضرورة. حيث إنه لا توجد قبله أية فترة زمنية من أى نوع، فإنه يعتبر ضربًا من الجنون أن يقال “كان هناك وقت عندما لم يكن الأزلى موجودًا. وأن “الابن هو من عدم” حيث إن الرب نفسه يقول ” أنا هو الحق(26) ولم يقل ” صرت الحق “، بل هو يكرّر دائمًا ” أنا هو ” فيقول ” أنا هو الراعى(27) و” أنا هو النور(28) ومرة أخرى يقول ” ألستم أنتم تقولون أنى أنا الرب والمعلّم وحسنًا تقولون، لأني أنا هو(29). ومَن عندما يسمع مثل هذا القول، من الله، والحكمة وكلمة الآب، متحدثًا عن ذاته، يظل حائرًا بخصوص الحقيقة، ولا يؤمن في الحال، بأن عبارة “أنا هو” تعنى أن الابن أبدى، وأزلي قبل كل الدهور.

13ـ مما سبق ذكره يتضّح أن ما تقوله الكتب المقدسة عن الابن يبرهن أنه أزلي. أما ما يتفوّه به الآريوسيون متشدقين بالألفاظ: “لم يكن”، “من قبل”، “متى؟” فإن الكتب المقدسة تشير بهذه الألفاظ الى المخلوقات، وهذا سيتضح مرّة أخرى مما سنذكره فيما يلي: فمثلاً، عندما تحدث موسى عن الأمور المختصة بتكوين الخليقة، قال ” كل خضرة الحقل لم تكن بعد في الأرض وكل عشب الحقل لم يكن قد نبت بعد لأن الله لم يكن قد أمطر على الأرض، ولا كان إنسان ليعمل في الأرض(30) وجاء في التثنية ” حين قسم العلى، الشعوب(31). وكان الرب يقول عن نفسه ” لو كنتم تحبوننى لكنتم تفرحون لأني قلت أنى ماض إلى الآب، لأن أبى أعظم منى، وقد قلت لكم الآن قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون(32).

أما عن الخليقة فيقول على فم سليمان ” قبل خلق الأرض، قبل صنع الأعماق، وقبل تدفق ينابيع المياه، وقبل أن ترسخ الجبال، وقبل جميع التلال، ولدنى(33) وأيضًا ” قبل أن يكون ابراهيم أنا كائن(34) ويقول عن أرميا ” قبل أن أصورك في الرحم عرفتك(35) وداود يرنم قائلاً ” يارب صرت لنا ملاذًا من جيل إلى جيل، قبل تكوين الجبال، أو قبل خلق الأرض والمسكونة منذ الأزل وإلى الأبد أنت هو(36). وفى سفر دانيال ” وصرخت سوسنة بصوت عظيم وقالت: أيها الإله الأزلى العارف بالخبايا، والعالم بكل الأشياء قبل حدوثها(37).

وهكذا إذن يظهر أن الألفاظ ” لم يكن في وقت ما “. و” قبل أن يصير “، و”عندما” ومثل هذه التعبيرات انما تنطبق على الكلام بخصوص المنشآت والمخلوقات التي جُبِلَت من العدم. ولكنها غريبة تمامًا بالنسبة للكلمة. فإن كانت الكتب المقدسة تستخدم هذه التعبيرات عن المخلوقات، بينما تقول عن الابن إنه “الدائم”، إذن فيا محاربى الله، إن الابن لم يصر من العدم، ولا يحسب في عداد المخلوقات اطلاقًا، بل هو صورة الآب وهو الكلمة، ولم يكن قط غير موجود، بل هو موجود على الدوام، وهو الشعاع الأزلى لنور هو أزلى. لماذا إذن تتخيلون أن هناك أزمنة سابقة على الابن؟ أو لماذا تجدّفون على الكلمة بأنه لاحق وتالى للدهور وهو الذي به قد صارت الدهور؟

لأنه كيف يوجد زمن أو دهر بالمرّة. بينما لم يكن الكلمة قد ظهر بعد حسبما تقولون أنتم، وهو الذي به قد ” كان كل شئ، وبغيره لم يكن شيء واحد(38)، أو إن كنتم تقصدون زمنًا ما، فلماذا لا تقولون جهارًا إنه “كان هناك زمن لم يكن فيه الكلمة موجودًا. ولكن بينما أنتم تسكتون عن اسم “الزمن” لكي تخدعوا البسطاء ولكنكم من ناحية أخرى لا تخفون شعوركم الخاص على وجه الاطلاق، ولكن ـ حتى لو أخفيتموه. فإنكم لا تستطيعون أن تفلتوا من إنكشاف أمركم، لأنكم لا تزالون تقصدون الأزمنة عندما تقولون ” كان مرة حينما لم يكن موجودًا “، وأيضًا ” لم يكن موجودًا قبل أن يولد “.

 

 

الفصل الخامس: البنوّة الالهية غير البنوة البشرية

14ـ وهكذا بعد برهنا هذه الامور وأثبتناها، فإنهم لا يزالون يجدّفون أكثر قائلين: ” إن لم يكن هناك وقت ما، لم يكن فيه الابن موجودًا، بل هو أزلى في وجوده مع الآب، إذن فلا يعود يسمى بعد ابنًا بل أخًا للآب “. يا لكم من حمقى، مغرمين بالتشاحن والمخاصمة! لأنه ان كنا نقول إنه هو وحده كائن أزليًا مع الآب، دون أن نقول ـ في نفس الوقت ـ إنه ابن، لكان هناك بعض العذر لتوقيرهم ولتدقيقهم المصطنع هذا، ولكن إن كنا في نفس الوقت الذي نقول فيه إنه أزلى، فإننا نعترف إيضًا أنه ابن من آب فكيف يكون ممكنًا أن يعتبر المولود أخًا للذى ولده؟ فإن كان إيماننا هو بالآب والابن، فأى رابطة أخوية توجد بينهما؟ إذ كيف يمكن أن يدعى الكلمة أخًا لذلك الذي (أى الآب) هو أيضًا كلمة له؟ وان هذا الاعتراض ليس من قوم يجهلون حقيقة الأمور، لأنهم هم أنفسهم يعرفون الحقيقة. ولكن هذه الحجة إنما هي حجة يهودية، آتية من قوم ” بمشيئتهم يعتزلون الحقيقة” كما يقول سليمان(39). فالآب والابن لم يولدا من أصل سابق عليهما في الوجود، حتى يمكن أعتبارهما أخوين، ولكن الآب هو أصل الابن وهو والده. والآب هو آب، وهو لم يكن ابنًا لأحد، والابن هو ابن وليس بأخ.

فإن كان هو يُدعى ابنًا أزليًا للآب، فحسنًا يقال. لأن جوهر الآب لم يكن ناقصًا أبدًا، حتى يضاف إليه (ابنه) الخاص به فيما بعد. وأيضًا فإن الابن لم يولد (من الآب) كما يولد انسان من انسان، حتى يعتبر انه قد جاء الى الوجود بعد وجود الآب، بل هو مولود الله، ولكونه ابن الله الذي هو من ذاته (من ذات الله) الموجود من الأزل، لذلك فإنه هو نفسه (أى الابن) موجود من الازل. فبينما خاصية طبيعة البشر أنهم يلدون في زمن معين، بسبب أن طبيعتهم غير كاملة، أما مولود الله فهو أزلى، بسبب الكمال الدائم لطبيعته، فإذا لم يكن ابنًا، بل مخلوقًا وُجِد من العدم، فعليهم أن يثبتوا ذلك أولاً، وبعد ذلك إذ يتصورونه مخلوقًا، يمكنهم أن يصيحوا قائلين “كان هناك وقت عندما لم يكن الابن موجودًا، لأن المخلوقات لم تكن موجودة قبل أن تخلق” أما أن يكن هو ابنًا ـ كما يقول الآب وكما تنادى به الكتب المقدسة ـ فإن “الابن” ليس شيئًا آخر سوى أنه المولود من الآب. والمولود من الآب هو كلمته وحكمته وبهاؤه وما يجب أن نقوله، هو أن الذين يعتقدون أنه “كان هناك وقت عندما لم يكن الابن موجودًا “أنهم يسلبون الله كلمته، ويعلّمون بمذاهب معادية كلية لله معتبرين أن الله كان في وقت ما بدون الكلمة الذاتى وبدون الحكمة. وكان النور في وقت ما بدون بهاء، وكان النبع جافًا مجدبًا.

حقًا أنه يتظاهرون أنهم يخشون ذكر اسم الزمن، بسبب أولئك الذين يعيرونهم، ويقولون، بأن (الابن) كان قبل الأزمنة إلاّ أنهم يحددون أوقاتًا معينة، فيها يتخيلون عدم وجوده، مبتدعين أزمنة ويا لسوء ما ابتدعوا ـ فإنهم بذلك ينسبون لله نقص الكلمة (أى عدم العقل) وبذلك فإنهم يكفرون كفرًا شنيعًا.

15ـ وحتى أن اعترفوا معنا، باسم “الابن” وذلك لأنهم لا يريدون أن يدانوا علنًا من الجميع، إلاّ أنهم ينكرون أن الابن هو المولود الذاتى لجوهر الآب. ويبنون انكارهم على أساس أن الابن ـ بحسب كلامهم ـ يوجد، بلا شك، من جوهر يتجزأ وينقسم الى أقسام. وهذا الكلام لا يقل بالمرّة عن إنكارهم أنه ابن حقيقى، وإنما هم يلقبونه بلقب ابن، بالاسم فقط. أفلا يرتكبون خطأ جسيمًا حينما يتصورون أفكارًا جسديّة. وينسبونها لغير الجسدى (اللاجسدى). وحينما بسبب ضعف طبيعتهم الخاصة. فإنهم ينكرون طبيعة الآب وذاتيته؟ لقد حان الوقت لهؤلاء الذين لا يفهمون كيفيّة وجود الله ولا ما هي هيئة الآب، أن ينكروه أيضًا، لأن هؤلاء الناس الأغبياء يقيسون مولود الآب بمقاييسهم البشرية الذاتية. وأن أناسًا يفكرون بمثل هذه الطريقة أنه لا يمكن أن يكون هناك ابن لله، فإن هذا أمر يستحق العطف والرثاء. ولكن يلزم أن نستمر في سؤالهم وفضح أفكارهم.

إذن فإن كان الابن ـ كما تقولون ـ تكوّن من العدم، ولم يكن موجودًا قبل أن يولد، فإنه ـ على ذلك ـ يدعى ابنًا وإلهًا وحكمة بحسب المشاركة فقط مثله مثل كل الأشياء الأخرى، فإن كل هذه الأشياء الأخرى (أى المخلوقات) قد تكوّنت وتقدّست وتمجّدت بالمشاركة أيضًا. إذن فهناك حاجة ملّحة أن تقولوا لنا، مَنْ هو الذي يشاركه (الابن)، ما دامت كل الأشياء الأخرى لها شركة في الروح (القدس)، أما هو ـ فبحسب قولكم ـ لمن يستطيع أن يكون (الابن) مشاركًا؟ هل للروح؟ بل كما قال هو ذاته حقًا بالأحرى إن الروح نفسه يأخذ من الابن(40) ومن غير المعقول القول بأن هذا (الابن) يُقدَّس من ذلك (الروح)، ولا يتقبى بعد ذلك بالضرورة إلاّ أن نقول إن الآب هو الذي يشاركه الابن. إذن من هو الذي يشاركه (الابن). ومن أين هو؟ فلو أن هذا (المشارك فيه) كان شيئًا من الخارج، مدبرًا من الآب، فلن يكون في الامكان أن يشارك الابن الآب، بل يشارك ذاك الذي هو من خارج الآب. ولن يكون الابن بعد ذلك، ثانيًا بعد الآب، إذ أن ذاك الذي من خارج سيكون سابقًا على (الابن) ذاته، ولن يكون ممكنًا أن يدعى ابن الآب، بل ابنًا لذلك الذي باشتراكه فيه دُعيّ ابنًا وإلهًا.

وإن كان هذا أمر غير لائق وكفرى، إذ أن الآب يقول ” هذا هو ابنى الحبيب(41) وأيضًا يقول الابن إن الله أبوه(42)، فيكون واضحًا إذن، أن ما يشترك فيه ليس من الخارج، وإنما هو من جوهر الآب، ومرة أخرى، إن كانت هذه المشاركة، شيئًا آخر، غير جوهر الابن، سيحدث نفس الخطأ، إذ في هذه الحالة ـ سيكون هناك شيء في الوسط بين ما هو من الآب وبين جوهر الابن أيًا كان هذا الشئ.

16ـ وإذ يتضح أن مثل هذه الأفكار غير اللائقة إنما هي بعيدة عن الحقيقة، لذلك فمن الضرورى أن نقول إن ما هو من جوهر الآب الذاتى كليّة، إنما هو الابن. لأن القول بأن الله يشترك فيه كليّة هو نفس القول بأن الله يلد، وأن الله يلد، ماذا يعنى هذا القول سوى أنه يلد ابنًا؟

وكل الأشياء تشترك في الابن بحسب النعمة النابعة من الروح. ويتضح من هذ أن الابن نفسه ليس مشاركًا لشئ ما، وأما ما يشترك فيه من الآب، فهذا هو الابن ـ لأنه بإشتراكنا في الابن، يقال عنا أننا نشارك في الله، وهذا ما قاله بطرس: ” لكي تصيروا مشاركين في الطبيعة الالهية(43) وكما يقول الرسول أيضًا ” أما تعلمون أنكم هيكل الله(44) وأيضًا ” لأننا نحن هيكل الله الحيّ “.

وعندما نرى الابن فإننا نرى الآب، لأن فكر الابن وإدراكه، إنما هي معرفة تدور حول الآب، لأن الابن هو مولود ذاتى من جوهره. وكما أن الله يُشتَرَك فيه. فلا يستطيع أحد أن يقول أن هذا (الاشتراك فيه) هو تغيير وتقسيم لجوهر الآب [ (لأنه قد صار أمرًا واضحًا ومعترفًا به أن الله يشترك فيه، والاشتراك في الله هو نفسه الولادة (هو نفسه أن الله يلد) ]. وهكذا يتضح أن المولود ليس بألم (بتغيير) ولا بتقسيم لذلك الجوهر المبارك. وليس كفرًا (أى من عدم الإيمان) أن يكون لله ولد، مولود من ذات جوهره وحينما نقول إنه “ابن” و “مولود” فلا يعني هذا تغيرًا ولا تقسيمًا لجوهر الله. بل بالاحرى، نحن نعرف أنه ابن الله الوحيد الجنس، الأصيل والحقيقى، وهذا هو ما نؤمن به.

فإن كان المولود من جوهر الآب. إنما هو الابن ـ كما أوضحنا وأثبتنا ـ فليس هناك أدنى شك، بل هو أمر ظاهر جلى للكل أن هذا المولود هو نفسه، حكمة الله وكلمته والذي به ومن خلاله خَلَقَ (الآب) كل الأشياء وصنعها. وهذا المولود هو بهاء الآب الذي ينير به كل الأشياء، والذي به يُعلن نفسه لأولئك الذين يريد أن يُعلن لهم. وهذا المولود هو أيضًا شكله (المعبر عنه) وصورته التي فيها يُرى ويُعرف، لذا فإنه “هو والآب واحد”، ولآن من يرى الابن فإنه يرى الآب أيضًا.

وهذا (المولود) أيضًا هو المسيح، الذي به قد أفتديت كل الأشياء، وبه أيضًا خُلِقَت الخليقة الجديدة(46). وأيضًا فإذا كان الابن هكذا، فلا يكون ملائمًا ـ بل أن هذا يكون خطرًا جسيمًا ـ أن يقال إنه “مخلوق من العدم”. أو إنه ” لم يكن موجودًا قبل أن يولد “. لأن من يتكلم هكذا عن المولود الذاتى من جوهر الآب، يكون قد جدّف مسبقًا على ذات الآب، إذ أنه يعتقد عن الآب بمثل هذه التعاليم التي يخادع بها في تخيلاته عن المولود منه.

 

 

الفصل السادس: الابن الوحيد والثالوث

17ـ إذن، فإن هذا وحده كاف لدحض وهدم الهرطقة الآريوسية، ولكن عدم أرثوذكسيتها يمكن أن يظهر أيضًا مما يأتى:

إن كان الله خالقًا وصانعًا، وهو يخلق مخلوقاته بواسطة الابن، ولا يستطيع أحد أن يرى الأشياء المخلوقة بأية طريقة أخرى، سوى بإعتبارها مخلوقة بواسطة الكلمة، أفلا يكون تجديفًا ـ إذ بينما أن الله هو الخالق ـ أن يأتى أحد فيقول إن كلمته الخالقة وحكمته، لم تكن موجودة في يوم ما؟ فإن هذا مشابه للقول، بأنه حتى الله لم يكن خالقًا، إذ أنه لا يملك كلمته الخالق الذاتى، الذي هو منه، بل ما يخلق به، إنما يكون (فى هذه الحالة) قد جُلِبَ إليه من خارجة، ويكون غريبًا عنه، ويكون غير مماثل له حسب الجوهر.

وبعد ذلك، فليقولوا لنا ـ أو بالأحرى ليتهم يرون من هذا، مقدار ضلالهم وعدم تقواهم في قولهم “كان وقت عندما لم يكن موجودًا” وأيضًا “لم يكن موجودًا قبل أن يولد” ـ لأنه إن لم يكن الكلمة دائمًا أزليًا مع الآب، فلا يكون الثالوث أزليًا، بل واحد مفرد هكذا كان من قبل، وفيما بعد صار ثالوثًا بالإضافة، وهكذا بمرور الزمن ـ حسب رأيهم ـ فقد تزايدت المعرفة عن الله وتشكلّت. وأيضًا ان لم يكن الابن مولودًا ذاتيًا لجوهر الآب، بل قد خلق من العدم، إذن يكون الثالوث قد تكوّن من العدم، وكان هناك وقت ما عندما لم يكن هناك ثالوث، بل واحد مفرد. وهكذا يكون الثالوث في وقت ما ناقصًا، ثم في مرة أخرى يكون كاملاً، فيكون ناقصًا قبل صيرورة الابن، ويكون كاملاً حينما صار الابن، وهكذا (على أساس هذا الكلام)، تُحسَب الخليقة مع الخالق، والذي لم يكن موجودًا في وقت ما يُحسَب مساويًا مع الله الذي هو كائن على الدوام، ويمجّد معه. وما هو أردا من هذا حقًا، أن الثالوث يوجد غير متماثل مع ذاته. إذ يكون مكونًا من طبائع وجواهر غريبة ومختلفة عن بعضها.

وهذا القول ليس شيئًا آخر سوى أن الثالوث أصله مخلوق. إذن ما كنه هذه العقيدة عن الله، التي لا تتماثل حتى مع ذاتها بل تسير الى الاكتمال عن طريق الاضافات. مع مرور الأيام، ففى وقت ما لا يكون موجودًا هكذا، وفى وقت آخر يكون موجودًا هكذا.

وهكذا يكون طبيعيًا أنه يمكن أن ينال اضافة جديدة، ويستمر (فى نوال الاضافة) بلا نهاية، كما حدث مرة في البدء وأتخذ أصله بطريق الاضافة. فلا يكون هناك إذن شك أنه يمكن أن يحدث فيه تناقص، لأن الأشياء التي تضاف وتزاد، من الواضح، أنها يمكن أيضًا أن تُطرَح وتُنقَص.

18ـ ولكن، حاشا لله، أن يكون الأمر هكذا، فالثالوث ليس مخلوقًا، بل هو أزلى، بل يوجد لاهوت واحد في ثالوث، وهناك مجد واحد للثالوث القدوس. وأنتم تتجاسرون على تمزيقه إلى طبائع مختلفة، ومع أن الآب أزلى، فإنكم، تقولون عن الكلمة الجالس معه إنه “كان هناك وقت ما لم يكن فيه موجودًا، ومع أن الابن جالس مع الآب، إلاّ أنكم أنتم تريدون أن تبعدوه عنه. فالثالوث منشئ وخالق. وأنتم لا تتورعون أن تحطوا من قدره إلى مستوى المخلوقات التي وجدت من العدم. أنكم لا تخجلون أن تساووا بين الكائنات التي في حالة العبودية، وبين رفعة الثالوث، وأن تضعوا الملك رب الصباؤوت في مرتبة واحدة مع رعاياه. كفوا عن التفكير في خلط الأشياء التي لا يمكن أن تتحد معًا، أو بالاحرى كفوا عن التفكير في مزج الأشياء غير الموجودة مع ذلك الذي هو الكائن.

ليس ممكنًا أن تقولوا هذه الأقوال على زعم أنكم تقدّموا مجدًا وكرامة للرب، بل العكس، فأنتم تقدّمون له عارًا وهوانًا، لأن من لا يكرم الابن فأنه لا يكرم الآب أيضًا. فان كان التعليم اللاهوتى كاملاً الآن على أساس فهمه كثالوث، فهذه هي الديانة (العبادة) الحقيقية والوحيدة، وهذا هو الصلاح والحق، وهذا هو الواجب أن يكون هكذا دائمًا، إلاّ إذا كان الصلاح والحق هي أشياء صارت فيما بعد، ويكون كمال اللاهوت يحدث من طريق الاضافة. فمن اللازم، أن يكون هذا التعليم هكذا منذ الأزل، لأنه إن لم يكن أزليًا (كثالوث)، فليس من الواجب أن يكون هكذا الآن (ليس من الواجب أن يكون ثالوثًا الآن حسب افتراضهم). ولكن ما هو خلاف ذلك ـ كما تدعون أنتم أنه هكذا من البدء ـ فإنه حتى الآن لا يكون ثالوثًا.

ولا يستطيع أحد من المسيحيين أن يحتمل مثل هؤلاء الهراطقة لأنه يناسب الأمميين أن يتحدّثوا عن ثالوث مخلوق، ويضعونه في مساواة مع المخلوقات، إذ من خصائص المخلوقات أنها تقبل النقص والزيادة.

أما إيمان المسيحيين فإنه يعرف الثالوث المبارك على أنه غير قابل للتغيّر، وأنه كامل. وإنه هو هكذا أزليًا وعلى الدوام، فإيمانهم لم يضف شيئًا أكثر إلى الثالوث، ولم يعتبر أنه كان في وقت ما، ناقصًا، لأن أيًا من هذه الأمرين إنما هو ضلال، ولذلك فإن ايمانهم يعرف الثالوث بصورة نقيّة ولا يخلطونه مع المخلوقات، مقدمًا السجود للثالوث غير المنقسم، وحافظًا له وحدته اللاهوتية وايمانهم يتجنب تجديفات الآريوسيين، ويعترف ويعرف أن الابن موجود الدوام لأنه أزلى كالآب الذي هو كلمته الأزلى أيضًا. لذا فلنفحص هذا الأمر مرة ثانية الآن.

19ـ إن كان يقال عن الله إنه ينبوع حكمة وحياة، كما جاء في سفر إرميا، ” تركونى أنا ينبوع المياه الحيّة(47) وأيضًا ” إن عرش المجد ذو المكانة الرفيعة هو موضع مقدسنا، أيها الرب رجاء إسرائيل كل الذين يتركونك يخزون. والمتمردون عليك في تراب الأرض يكتبون لأنهم تركوا الرب ينبوع الحياة(48) وقد كُتب في باروخ، ” أنكم قد هجرتم ينبوع الحكمة(49). وهذا يتضمّن أن الحياة والحكمة لم يكونا غريبين عن جوهر الينبوع، بل هما خاصة له، ولم يكونا أبدًا غير موجودين، بل كانا دائمًا موجودين. والآن فإن الابن هو كل هذه الأشياء. وهو الذي يقول ” أنا هو الحياة(50)، وأيضًا ” أنا الحكمة ساكن الفطنة(51).

كيف إذن لا يكون كافرًا من يقول “كان وقت ما عندما لم يكن الابن فيه موجودًا؟ لأن هذا مثل الذي يقول تمامًا “كان هناك وقت كان فيه الينبوع جافًا خاليًا من الحياة ومن الحكمة”. ولكن مثل هذا الينبوع لا يكون ينبوعًا، لأن الذي لا يَلِد من ذاته لا يكون ينبوعًا. يا لكثرة السخافات التي في هذا القول لأن الله يَعْدُ الذين يصنعون مشيئته أنهم سيكونون كينبوع لا تنضب مياهه اطلاقًا، كما يقول إشعياء النبى ” وسيشبعك (الرب) كما تشتهى نفسك، وتتشدّد عظامك، وتكون كحديقة مروية جيدًا، وكينبوع مياه لا تنضب مياهه(52) فبينما أن الذي يقال عنه، والذي هو في الحقيقة ينبوع الحكمة، يتجاسر هؤلاء ويجدّفون عليه قائلين أنه عقيم ومجدب من حكمته الذاتية.

إلاّ أن أقوالهم هذه الصادرة عنهم، إنما أقوال زائفة، أما الحقيقة فتشهد بأن الله هو الينبوع الأزلى لحكمته الذاتية، ولما كان الينبوع أزليًا، فبالضرورة يجب أن تكون الحكمة أزلية أيضًا، لأنه من خلال هذه الحكمة خُلِقَت كل الأشياء، كما يرتل (يزمر) داود في المزامير ” كلها (أى الأعمال) بحكمة صنعت(53) ويقول سليمان  ” أسس الله الأرض بالحكمة وبالفهم هيأ السموات(54).

ونفس هذه الحكمة هي الكلمة، “وبه” كما يقول يوحنا ” خلقت كل الأشياء. وبغيره لم يخلق شيء واحد(55).

وهذا الكلمة هو المسيح، لأنه يوجد ” إله واحد الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن له، ورب واحد يسوع المسيح. الذي به جميع الأشياء ونحن به(56). فان كانت كل الأشياء قد خُلِقَت به. فهو لا يمكن أن يكون بين جميع هذه الاشياء. فالذى يتجاسر أن يقول عن (ذلك) “الذى به خُلِقَت جميع الأشياء”، إنه واحد من بين جميع هذه الأشياء، فبالتأكيد أنه يفكر نفس هذه الأفكار عن الله نفسه “الذى منه جميع الأشياء” وإن كان أحد يتحاشى هذا القول كأمر شنيع، ويستبعد الله عن جميع الأشياء حاسبًا إياه، آخر، فإنه يواصل نفس القول أيضًا بأن “الابن” الوحيد الجنس الذاتى من جوهر “الآب”، هو آخر مختلف عن جميع الأشياء.

ولكونه ليس واحدًا من بين الجميع، فليس من الصواب أن نقول عنه “كان وقت ما لم يكن فيه موجودًا”، و “لم يكن موجودًا قبل أن يولد”. لأن مثل هذه الأدعاءات تليق أن تقال عن المخلوقات أما “الابن” نفسه فمثله مثل “الآب”، وهذا الابن هو مولود الآب الذاتى من جوهره. وهو “كلمته” الذاتى وهو “حكمته” الذاتية. وهذه هي علاقة “الابن” الذاتية نحو “الآب” وهذا عينه يدل على أن “الآب” هو “أب “الابن”. لكي لا يقول أحد عن الله أنه كان “بدون كلمة: (أى غير عاقل) في وقت ما. ولا يقول عن “الابن” أنه لم يكن له وجود في وقت ما، لأنه ماذا يكون “الابن” بالنسبة لله إن لم يكن منه؟ أو ماذا يكون “الكلمة” و”الحكمة” إن لم يكونا من ذاته على الدوام؟

20ـ متى إذن، كان الله موجودًا بدون ما هو خاص به ذاتيًا؟ أو كيف يظن أحد أن ما هو خاص به ذاتيًا إنما هو غريب عنه ومن جوهر مختلف؟ لأن الأشياء الأخرى كمخلوقات ليس لها مشابهة قط مع الخالق حسب الجوهر، بل هي من خارجة، قد خُلِقَت بنعمته ومشيئته بالكلمة ولأجل الكلمة. ولذلك فإنها يمكن أيضًا أن تتوقف (عن الوجود) يومًا ما، إن أراد الخالق ذلك، لأنه هكذا هي الطبيعة الخاصة بالمخلوقات.

أما ما هو من ذات جوهر الآب (وهذا هو الذي سبق أن اعترفنا به أنه هو الابن)، فكيف لا يكون من الجسارة والكفر أن يقول أحد عنه إنه جاء من عدم، وإنه “لم يكن موجودًا قبل أن يولد” بل أُضيف عرضًا، ويمكن ألاّ يكون موجودًا في وقت ما في المستقبل؟

فالشخص الذي يفكر بإمعان في هذا الأمر، فإنه سيميّز أنه يحدث أنقاص لكمال وملء جوهر الآب، وهو سيرى أيضًا بوضوح أكثر شناعة وعدم معقولية هذه الهرطقة، إذا فكر بأن الابن هو صورة وبهاء الآب، وهو شكله (المُعبِر عنه) وهو حقيقته.

لأنه بما أن النور موجود هكذا صورته أيضًا، أى بهاؤه وكيانه الحقيقى وهو رسمه الذي يُعبِر عن تعبيرًا كاملاً.

وأيضًا بما أن الآب كائن هكذا تكون حقيقته (أى الابن)، فأولئك الذين يقيسون صورة اللاهوت وهيئته بمقياس الزمن فليعتبروا مدى هوة الضلال التي ينحدرون إليها.

لأنه أن لم يكن الابن موجودًا قبل أن يولد، فلا يكون الحق موجودًا في الله دائمًا، وليس من الصواب أن نقول مثل هذا القول لأنه بما أن الآب كائن فالحق موجود فيه دائمًا، الذي هو الابن الذي قال ” أنا هو الحق(57)، والكيان الموجود يجب أن يكون في نفس الوقت هو الشكل المُعبِر والصورة، لأن صورة الله ليست مرسومة من الخارج، بل أن الله نفسه هو والدها، والتى فيها ينظر هو ذاته ويبتهج بسببها، كما يقول الابن نفسه ” كنت أنا بهجته(58).

فمتى إذن، لم يكن الآب يرى نفسه في صورته؟ أو متى لم يكن يبتهج، حتى يتجاسر أحد ويقول أن “الصورة هي من عدم”. و”لم يكن الآب مبتهجًا قبل أن تخلق الصورة”؟ وكيف يستطيع الخالق والصانع أن يرى نفسه في جوهر مخلوق وصائر؟ فمثلما يكون الآب هكذا يجب أن تكون صورته.

21ـ هلم بنا إذن لنرى خصائص الآب بتدقيق لكي ندرك أن الصورة هي صورته الذاتية. فالآب هو أزلى، غير مائت، قدير، نور، ملك، ضابط الكل، إله، رب، خالق، وصانع.

فإن لم تكن هذه الخصائص موجودة (فى الصورة) ـ كما يظن الآريوسيون ـ إن الابن مخلوق وليس أزليًا (ففى هذه الحالة) لن تكون هذه هي صورة الآب الحقيقية، ولن يكون أمامهم سوى أنهم يرفعون برقع الحياء، ويقولون، إن كلمة الصورة التي تطلق على الابن ليست علامة مميّزة لجوهر مماثل، إنما هي فقط مجرد اسم له.

ولكن، مرة أخرى، فان هذا، يا أعداء المسيح، ليس بصورة وليس رسما، لأنه أى شبه بين المخلوقات التي هي من عدم وبين ذلك الذي أحضر الأشياء من العدم الى الوجود؟

لأنه كيف يمكن أن يكون ما هو غير كائن، شبيهًا بذاك الذي هو الكائن حقيقة، إذ أنه كان في وقت ما ناقصًا عنه لكونه لم يكن موجودًا، ولأنه كان له مكان داخل نظام الأشياء المخلوقة؟

لأن الآريوسيين، وهم يرغبون أن يكون الابن هكذا، يستحسنون تعليلات ابتكروها لأنفسهم قائلين: إن كان الابن هو مولود الآب وصورته، وإنه شبيه بالآب في كل شئ، يلزم إنه كما أن الابن قد وُلِدَ منه. هكذا لابد أن يَلِدُ هو أيضًا، ويصير هو أيضًا أبًا لابن.

وأيضًا فإن الذي يولد (من الابن) يلزم أن يَلِدُ هو أيضًا وهكذا إلى ما لا نهاية، فهذا هو ما يشعر أن المولود شبيه بالذى ولده.

حقًا أن أعداء الله هؤلاء، إنما يخترعون تشنيعات وافتراءات إذ أنهم لكي لا يعترفوا بأن الابن هو صورة الآب، فإنهم يتصورون صفات جسديّة وأرضيّة فيما يخص الآب ذاته، ناسبين إليه التقسيمات والتوالد، والحمل. إذن فإن كان الله مثل الانسان، فإنه يكون والدًا كالانسان، لكي يكون الابن أيضًا والدًا لابن أخر، وهكذا على التوالى وهكذا يصير الواحد من الآخر ـ حتى يزداد عدد الآلهة بالتعاقب، كما يظنون.

فلو أن الله ليس مثل الانسان (وهو في الحقيقة ليس مثله)، فإنه لا ينبغى أن تطبق الخصائص الانسانية عليه (على الله).

لأن الحيوانات غير الناطقة، وكذلك البشر، إنما يتوالدون على التوالى الواحد من الآخر، منذ بدء الخليقة، والمولود الذي وُلِدَ من أب، هذا الأب هو وُلِدَ (من أب) ومن الطبيعى أن يصير هذا المولود أيضًا والدًا لغيره، متخذًا خاصية الولادة في داخله من أبيه، تلك الخاصية التي تكون هو نفسه بها. ولهذا من الممكن أن يطلق على مثل هؤلاء الناس اسم أب أو اسم ابن بالصفة الخصوصية. إذ لا يكمن فيهم اطلاقًا ما هو خاص “بالاب” (أى صفة الأبوة)، وما هو خاص “بالابن” (أى صفة البنوة). لأنه (أى الابن) هو نفسه ابن لوالده، وفى نفس الوقت هو أب للمولود منه.

ولكن الأمر ليس كذلك فيما يخص الألوهية لأن الله ليس مثل الإنسان، لأن الآب هو ليس من أب، ولذلك فهو لا يلد آخر يصير أبًا فيما بعد، والابن أيضًا لا يخرج من الآب بالتوالد. وهو (أى الأبن) ليس مولودًا من أب سبق له أن وُلِدَ لذلك فهو (أى الابن) لم يُولَد لكي يلد.

لذلك ففيما يخص اللاهوت وحده، فان الآب هو اب بصفة مطلقة، والأبن هو ابن بصفة مطلقة، وفى هذين وحدهما، وحدهما فقط، يظل: الآب أب دائمًا، والابن ابن دائمًا.

 

 

الفصل السابع: اعتراضات الآريوسيين والرد عليها

22ـ إذن فالذى يبحث متسائلاً، لماذا لا يكون الابن والدًا لابن؟ فليبحث أولاً، لماذا لم يكن للآب والد. ولكن كلا هذين الأمرين بعيد عن الصواب، وملئ بكل أنواع الكفر والجحود. لأنه كما أن الآب هو دائمًا أب، وأنه لا يستطيع أن يصير أبنًا في يوم من الأيام، هكذا بنفس الطريقة، فان الابن هو دائمًا ابن، ولن يصبح أبًا في يوم من الأيام. لأنه في هذا بالأحرى يثبت ويتضّح أنه رسم الآب وصورته، ويظل باقيًا كما هو بدون تغيير، لكنه قد حصل على ذاتيته من الآب ومماثلته له.

أما أن كان الآب يتغيّر، فان الصورة أيضًا ستتغيّر في هذه الحالة. فإنه هكذا تظل الصورة والبهاء ثابتة تجاه ذاك الذي ولدها.

فإن كان الآب غير متغيّر ويبقى هكذا دائمًا كما هو، فمن الضرورى أيضًا أن تبقى صورته كما هي ولن تتغيّر.

إذن فالابن هو ابن من الآب، ولذلك فهو لن يصير شيئًا أخر سوى ذاك الذي هو من جوهر الآب الذاتى.

إذن فمن العبث أن يخترع الحمقى هذا (الاعتراض) أيضًا. وهم الذين يرغبون في فصل وأبعاد الصورة عن الآب، لكي يساووا الابن بالمخلوقات.

وبناء على ذلك، فإن مشايعى آريوس ـ وضعوا الابن بين مصاف المخلوقات ـ بحسب تعليم يوسابيوس ـ(59) معتبرين كأنه مثل الأشياء التي خُلِقَت بواسطته، وبذلك فانهم ابتعدوا عن الحقيقة.

وهم في بداية اختراعهم لهذه الهرطقة، كانوا يجولون معبأين بكليمات خداع ماكرة، جمعوها معًا، بل وهم إلى الآن، عندما يلتقى بعضهم مع الصبية، ويسألونهم، ليس من الكتب المقدسة طبعًا، بل من “فضلة قلوبهم” يتقيأون قائلين: “مَن هو ذاك الذي خَلَقَه الكائن من الكائن هل هو ذلك الغير كائن أم هو الكائن؟ “فهل إذن قد خلقه (الابن) وهو كائن أم وهو غير كائن؟. “وهل يوجد واحد فقط غير مخلوق ἀγένητον أم اثنان غير مخلوقين؟ “. ” وهل هو ذو أرادة حرّة، ولا يتغيّر بإختياره الذاتى، رغم أنه من طبيعة متغيّرة؟ لأنه ليس كالحجر يظل ثابتًا بلا حركة من ذاته، ثم يتقدّمون بعد ذلك الى النسوة الغريرات، ويخاطبوهن أيضًا، بكليمات مخنّثة قائلين: “هل كان لك ولد قبل أن تلديه”؟ فكما أنه لم يكن لك ولد هكذا أيضًا ابن الله لم يكن موجودًا قبل أن يولد” وهكذا فان عديمى الشرف يتلاعبون بمثل هذه الأقوال وهم يسخرون مشبّهين الله بالبشر، زاعمين أنهم مسيحيون ويبدلون مجد الله “بشبه صور الانسان الذي يفنى”(60).

23ـ ومثل هذه الأقوال المفرطة في الغباء والحماقة كان يجب ألاّ يرد أحد عليها، إلاّ أنه، لكي لا تبدو هرطقتهم وكأنها أمر أكيد، فإنه يكون من الواجب أن نفندها، خاصة من أجل النساء الغريرات اللاتى أنخدعن منهم بسهولة.

وما داموا يقولون هذه الأقوال، فينبغى عليهم أن يسألوا المهندس أيضًا هكذا “هل تستطيع أن تبنى بدون استخدام المواد الضرورية؟” فكما أنك أنت لا تستطيع فهكذا الله أيضًا لم يكن ليستطيع أن يخلق كل شيء بدون استخدام المواد الضرورية.

أو كان من الواجب أن يسألوا كل إنسان ” هل يمكنك أن تكون موجودًا بغير مكان؟ فكما أنك لا تستطيع هكذا فان الله أيضًا يوجد في كل مكان “. ليتهم يواجهون السامعين، وعندئذ سيخجلون منهم.

أو فلماذا عندما يسمعون أن لله ابنًا، ينكرون هذا الأمر، مفسرين هذا الإنكار بما يحدث بينهم؟

فى حين أنهم إن سمعوا أن الله يخلق ويصنع، لا يعودوا يعارضون ذلك؟ وكان يجب عليهم في حالة الخلق أيضًا أن يفهموها بحسب ما يحدث بين البشر، وأن يزودوا الله مقدمًا بالمادة اللازمة، وبذلك فإنهم ينكرون أن الله هو الخالق، وتبعًا لذلك فإنهم يصلون إلى التمرغ في الوحل مع المانويين.

فإن كانت الفكرة عن الله تسمو فوق هذه الأفكار فإن من يسمعها يؤمن ويعرف أن الله موجود ليس كما نوجد نحن، بل أنه موجود كإله، وإنه يخلق لا كما يخلق الناس، بل هو يخلق كإله. ومن هذا يتضح أنه يلد ليس كما يلد الناس، بل هو يلد كإله. لأن الله لا يقتدى بالبشر، بل الأحرى البشر (هم الذين يقتدون بالله) لأن الله ـ على وجه الخصوص ـ هو وحده حقًا الآب لابنه الذاتى، أما الآباء (البشريون) فقد دعوا كذلك آباء لأولادهم، من الله ” الذي منه تسمى كل أبوة في السموات وعلى الأرض(61) وإن كان ما يقولونه يبقى بدون تحقيق أو مراجعة، فإنه سيظنون أن كلامهم معقول، وأما عند مراجعة كلامهم بفهم واع، فسنجد أن كلامهم هذا يستدعى الضحك والسخرية الشديدة.

24ـ أول كل شئ، فإن أول سؤال من أسئلتهم هذه، يعتبر لا معنى له بل هو غامض، لأنهم لا يوضحون، مَن هو الذي يسألون عنه، حتى يجيب عليه مَنْ وجّه إليه السؤال، فهم يقولون بسذاجة “الكائن، هو ذلك الذي لا يكون موجودًا”.

إذن، فمَنْ هو الكائن، وما هي الأشياء غير الكائنة أيها الآريوسيون؟ أو مَنْ هو “الكائن” ومن هو “غير الكائن”؟ ومن الذي يقال عنه “كائن” أو “غير كائن”؟ إذ أنه في وسع ذلك الذي هو الكائن أن يصنع الأشياء غير الكائنة، والأشياء الكائنة، والأشياء التي كانت من قبل.

إذن فالنجار والصائغ والفخارى، كل منهم بحسب فنه الخاص، يشكّل المادة الموجودة قبلاً، صانعًا منها الشكل الذي يريده.

والله ذاته، إله الكل، إذ قد أخذ من تراب الأرض الذي كان موجودًا، جعل منه الانسان في الحال، وهذه الأرض نفسها التي خلق منها الانسان لم تكن موجودة من قبل، ومن ثم أتى هو بها الى الوجود بواسطة كلمته الذاتى.

فإن كانوا يتساءلون هكذا عن الأمور، فإنه يتضح أن الخليقة لم تكن موجودة قبل أن تخلق، في حين أن البشر (أى النجار والصائغ والفخارى)، يشكّلون المادة الموجودة قبلاً، وهكذا يظهر كلامهم مفككًا غير مترابط. ولذا فإن كلاً من الكائنات وغير الكائنات يمكن أن تُخلَق كما سبق أن قلنا.

ولكن إن كانوا يتحدثون عن الله وعن كلمته، فليضيفوا على سؤالهم ما ينقصه، ودعهم يسألون هكذا: “هل كان الله، الذي هو كائن، موجودًا في وقت ما، بدون كلمة؟” وكونه هو نور، فهل كان بلا ضياء (هل كان مظلمًا)؟ أم أنه كان هو دائمًا أبا الكلمة؟

أو بمعنى آخر: “هل خَلَق الآب الذي هو كائن، الكلمة غير الكائن، أم أن الكلمة الذي هو مولود من جوهره الذاتى، كان دائمًا موجودًا عنده في داخله؟

وهذه الأسئلة تجعلهم يعرفون أنهم إنما يتجاسرون ويقحمون أنفسهم في اختراعات ومغالطات عن الله وعن ذلك الذي هو منه. فمن يستطيع أن يحتمل سماعهم وهم يقولون إن الله كان في وقت ما بدون كلمة؟ لأنهم يسقطون ثانية ويهوون فيما هم عليه من ضلالات سابقة، بالرغم من محاولاتهم للتهرب من هذا وإخفائه بمغالطاتهم ودهائهم المضلّل، ولكنهم لم ينجحوا في ذلك.

فلا يرغب أحد إطلاقًا أن يسمعهم وهم يشكّكون قائلين إن الله لم يكن أبًا دائمًا، بل صار أبًا فيما بعد، لكي يتخيّلوا أن كلمته أيضًا، لم يكن موجودًا في وقت ما.

إذ أنه توجد براهين كثيرة سبق ذكرها، تدحض وتكذّب أقوالهم، فها هو يوحنا يقول “كان الكلمة”(62) وهذا بولس يكتب أيضًا ” الذي هو بهاء مجده (63) وأيضًا ” الكائن فوق الكل الهًا مباركًا إلى الأبد. آمين(64).

25ـ كان من الأفضل لهم أن يهدأوا ويصمتوا، ولكن بما أنهم لا يصمتون، فلا يتبقى إلاّ أن يقوم أحد بالرد بجرأة على سؤالهم الوقح. فربما عندما يرون أنفسهم وهم مقيدون بنفس هذه السخافات والضلالات، فقد يتوقفون عن الصراع ضد الحق.

وإننا ندعو الله بشدة أن يترآف علينا، ويأتى لمعونتنا لكي نتمكن من الرد عليهم عندما يتساءلون ويقولون: ” هل الله الكائن قد صار إلى الوجود في حين أنه لم يكن موجودًا؟ أم أنه كان موجودًا قبل أن يصير إلى الوجود؟ فإن كان هو كائن، فهل هو صنع نفسه أم أنه جاء من العدم وأظهر نفسه بغتة؟ “. أن مثل هذا التساؤل لهو سخيف ومنافٍ للعقل، بل أكثر من ذلك فهو ليس منافيًا للعقل فقط بل هو ملئ بالتجديف أيضًا، إلاّ أنه في الواقع لا يختلف عما هو عندهم. لأن أقوالهم الأخرى (أى جوابهم على السؤال) مليئة بكل أنواع الكفر وعدم التقوى. لأنه إن كان أحد يتساءل عن الله بهذا الأسلوب، فيُعتبر هذا تجديفًا وكفرًا شنيعًا، فإنه يُعتَبر أيضًا تجديفًا أن يسأل أحد نفس هذه الأسئلة عن كلمته. فلأجل دحض مثل تساؤلهم الأحمق وغير المعقول هذا، فمن الضرورى إذن أن نجيب هكذا: إن الله كائن وهو كائن منذ الأزل، وحيث إن الآب كائن دائمًا، فإن بهاءه أيضًا الذي هو كلمته، هو أزلى كذلك، وأيضًا فإن الله الكائن، عنده الكلمة من ذاته وهو أيضًا كائن.

فلا الكلمة أتى الى الوجود فيما بعد، أى بعد أن لم يكن موجودًا من قبل، ولا الآب كان في وقت ما بدون كلمة. لأن التجاسر المتهور على الأبن يؤدى إلى التجديف على الآب، كما لو كان قد ابتدع لنفسه من خارجه حكمة وكلمة وأبنًا. لأنك أن استخدمت واحدة من هذه ا(الأوصاف الثلاثة)، فإنما هي تعنى المولود من الآب كما سبق أن قيل.

ولذلك فإن سؤالهم هذا يعتبر متناقضًا، ولأنهم ينكرون الكلمة (مصدر العقل)، فمن الطبيعى أن يكون سؤالهم مناقضًا للعقل والمنطق.

وكما أنه عندما يرى أحدهم الشمس، فيأخذ في التساؤل عن بهائها ويقول: “هل ما هو كائن (أى الشمس)، قد صَنَع ما هو غير موجود أم ما هو موجود” فمثل هذا الشخص الذي يسأل هكذا يُعتَبر أنه لا يفكر تفكيرًا سليمًا، بل يُعتَبر خَرقًا فاقد الّلب، لأنه يتصور أن ما هو صادر بكليته عن النور، أنه من خارج النور، ويتساءل عنه قائلاً متى؟ وأين؟ وعندما؟ فإن كانت (الشمس) قد صُنِعَت، فإنه يتصور مثل هذه الأشياء عن الابن وعن الآب، ويأخذ في التساؤل عنهما بنفس الطريقة ولكن تساؤله يكون بجنون أعظم بكثير، متصورًا أن الآب جلب إليه الكلمة من خارج ذاته، ويقول عن الذي هو بطبيعته مولود، إنه مخلوق، وهو يجادل بذهن مبلبل قائلاً “إنه لم يكن موجودًا قبل أن يولد” فليسمعوا الجواب على سؤالهم، فإن الآب الكائن قد صنع الابن الكائن، لأن ” الكلمة صار جسدًا ” (يو14:1). وبينما هو ابن الله فقد جعله ابن الانسان أيضًا عند انقضاء الدهور، إلاّ إذا قالوا حسب تعليم الساموساطى(65)، أنه لم يكن موجودًا قبل أن يصير انسانًا، ويكفيهم هذا ردًا منا على سؤالهم الأول.

26ـ يا معشر الآريوسيين، وأنتم تذكرون نفس أقوالكم، خبّرونا: “هل الذي هو كائن، في حاجة إلى مَنْ هو غير كائن، أم إلى من هو كائن، لأجل خلقة كل الأشياء؟” لأنكم قلتم أنه صاغ لنفسه الابن كأداة لكي يخلق بواسطته كل الأشياء. أيهما أفضل، أذن هل الذي يحتاج أم الذي يسد الاحتياج؟

أم أن كلاً منهما يستكمل احتياج الواحد للآخر؟ لأنه بقولكم مثل هذا الكلام فإنكم تثبتون ضعف الخالق، إن كان لا يقوى وحده على أن يخلق كل الأشياء بل يبتكر لنفسه أداة من الخارج، كما لو أن نجارًا أو صانع سفينة لا يستطيع أن يعمل أى شيء بدون مطرقة أو منشار. هل هناك، إذن، ما هو أكثر كفرًا من هذا؟ أو ما الذي يدعو عمومًا للانشغال بمثل هذه الأمور المخيفة، إذا كان ما سبق أن قيل يكفى لاثبات أن اقوالهم ما هي إلاّ محض وهم وخيال.

 

 

الفصل الثامن: الاعتراضات والرد عليها (بقية)

 

وأما من جهة تساؤلهم الآخر الشديد في سخافته وحماقته وهو التساؤل الذي وجّهوه الى النسوة الغريرات. وحتى بخصوص هذا التساؤل، فلم يكن ينبغى أن يجاب عليه من أحد بما سبق أن قلناه فقط، فإنه لا يجب مقارنة الولادة التي من الله بالولادة في طبيعة البشر.

ولكن جدير بنا أن نرد عليهم بهذا الأسلوب. لكي يدينوا أنفسهم بخصوص هذا الأمر: ولذلك نقول: إنه من المؤكد، لو أنهم سألوا الوالدين عن أبنهم، دعهم يفكرون من أين جاء الطفل المولود. لأنه إن لم يكن للوالد ولد قبل أن ينجبه، فإنه حتى بعد الحصول عليه لم يكن حصوله عليه طبعًا من خارجه ولا غريبًا عنه بل هو من ذات جوهره ومطابق لصورته، حتى أن هذا (الآب) يُرى في ذاك (الولد) وذاك (الولد) يُرى في هذا (الآب).

فإن كانوا ينتقون عنصر الزمن من الأمثلة البشرية عن الولادة فلما لا يأخذون بالمِثل من هذه الأمثلة البشرية، أن الأبناء يولدون بحسب طبيعة آبائهم ومن ذاتهم، بدلاً من أن يعملوا (أى الآريوسيين) كالحيّات التي تنتقى من الأرض فقط، ما يلائم أن يصير سمًّا.

فكان إذن من الواجب، أنهم حينما يتباحثون مع الوالدين قائلين لهم: “هل كان لك ولد قبل أن تنجبه؟” كان ينبغى أن يضيفوا ويقولوا: “إن كنت قد حصلت على ولد، فهل أنت اشتريته من الخارج كما تشترى بيتًا أو أى ممتلكات أخرى؟” وحينئذ فإنهم يجيبونك قائلين “إنه ليس من خارجى، بل هو من ذاتى، لأن الممتلكات هي من خارج وتنتقل من واحد إلى أخر، أما الابن فهو منى من ذات جوهرى ومطابق له، حيث إنه لم يأت إلى من آخر، بل هو قد وُلِدَ منى، ولهذا السبب فانى بكل كيانى موجود فيه. بينما أظل أنا نفسى كما أنا”.

لأن هذا هو واقع الحال، حتى إن اختلف الوالد (عن الله الآب) من ناحية الزمن، لأنه كإنسان قد أتى الوجود فىالزمن، ولكنه هو أيضًا كان يمكن أن يكون عنده ابنه موجود معه دائمًا، لو لم تمنعه طبيعته من ذلك، أى لو كانت القدرة الإنجابية لا تعوقه عن ذلك.

حقًا أن لاوى كان لا يزال في صلب جده الأكبر (إبراهيم) (اظر عب5:7 –10) قبل أن يُولَد هو، وقبل أن يُولَد جده (اسحق). إذن حينما يبلغ الإنسان هذه السن الملائمة، التي تمكّنه فيها الطبيعة من الإنجاب، فإن المرء يصير حالاً، أبا لابن يولد منه، ما دامت الطبيعة لا تعوقه.

27ـ ك إن كانوا عندما يسألون الوالدين عن الأولاد، ويعرفون منهم بأن الأولاد الذين بالطبيعة ليسوا من خارج، بل هم من والديهم، دعهم إذن يعترفون أيضًا بخصوص كلمة الله بأنه من الآب كليّة.

وعندما يجادلون بخصوص الزمن، دعهم يقولون ما الذي يمنع الله من أن يكون هو أبو الابن على الدوام ـدعهم يقولون ما الذي يمنعه من ذلك (لأنه ينبغى البرهنة على أنهم كافرين مما يسألون عنه وهم ساخرون)، لأنه قد تم الاقرار والاعتراف بأن كل ما هو مولود إنما يأتى من أب.

إذن فهُم مثلما سألوا النساء عن الأزمنة، دعهم أيضًا يسألون عن الشمس بخصوص اشعاعها، وعن اليبنوع بخصوص الماء الذي يتدفق منه، وذلك لكي يحكموا كلية على أنفسهم، عندما يفكرون شيئًا من هذا القبيل عن الله، وذلك حتى يتعلّموا أنه بالرغم من أن كل هذه الأشياء مولودة، إلاّ أنها كائنة دائمًا مع تلك الأشياء التي خرجت منها.

فإن كان مثل هؤلاء الوالدين لهم مع أبنائهم، قرابة بالطبيعة، وأيضًا “وجود دائم” معهم، فإذا كانوا يظنون أن الله أقل من المخلوقات. فلماذا لا يصرحون بكفرهم علانية؟ ولكن إن كانوا لا يتجاسرون أن يقولوا هذا علانية، بينما أن الابن يُعتَرف به بأنه ليس من خارج (الآب)، بل هو مولود بالطبيعة من الآب، وأنه لا يوجد أى شيء يعوق الله (لأن الله ليس مثل الإنسان، بل هو أعظم من الشمس، بل بالحرى فإنه إله الشمس)، فيتضح من ذلك أن الكلمة هو من الآب وأنه موجود معه دائمًا، والذي بواسطته قد أبرز الآب إلى الوجود كل الأشياء التي لم تكن موجودة من قبل. ولأن الابن إذن لم يأت من العدم بل هو أزلى ومن الآب، فإن هذا يثبت الأمر نفسه.

أما سؤال الهراطقة الموجّه للوالدين. فإنه يكشف خبثهم وسوء نيتهم. فأنهم عرفوا ما هو بحسب الطبيعة، والآن قد تم فضحهم بخصوص موضوع الزمن.

28ـ لادة الله لا يجب أن تقارن بولادة البشر، وكذلك لا يجب إعتبار ابن (الله) جزءًا من الله، أو إعتبار أن الولادة تعنى أى ضعف أو تقسيم على الإطلاق. وإذ نحن نكتفى بما سبق لنا قوله، فإننا الآن نعيد نفس الكلام وهو أن وجود الله ليس كوجود الإنسان.

فإن البشر يَلِدون بالشهوة، حيث أن لهم طبيعة متغيرة، وهم ينتظرون إلى الوقت (للولادة)، نظرًا لضعف طبيعتهم ذاتها، ولكن لا يمكن أن نقول هذا الكلام بالنسبة لله. لأن الله غير مركب من أجزاء، بل بسبب كونه غير منقسم أو متغير. كما أنه بسيط غير مركّب[1]. لذلك فهو أبو الابن دون حدوث تغيير فيه ودون انفصال. وهذا الأمر يوجد بشأنه دليل وبرهان قاطع من الكتب الإلهية.

لأن كلمة الله هو ابنه، والابن هو كلمة الآب وحكمته، فإن الكلمة والحكمة ليس مخلوقًا، وليس هو جزءًا من ذلك الذي له كلمته (أى الآب)، ولا هو مولود تقسيم أو انفصال. فكلا (اللقبان) وحّدهما الكتاب وأعطاهما لقب “ابن” بصورة مؤكدة، لكي يُبشّر به أنه المولود الطبيعى والحقيقى للجوهر، وذلك حتى لا يظن أحد أن المولود هو بشرى. بينما هو (الكتاب) يقصد جوهره، ولهذا يقول الكتاب أيضًا أنه الكلمة والحكمة والبهاء، وذلك لكي ندرك من هذا أن الولادة بلا تقسيم أو انفصال، وأنها أزلية ولائقة بالله. إذن فأى تغيير أو انفصال هناك، أو أى جزء من الآب أيضًا يجب أن يسألوا الرجال عن الكلمة. وذلك لكي يعرفوا أن القول الذي ينطقون به ليس تغييرًا لهم. ولا هو جزءًا من عقلهم. فإن كانت أيضًا يجب أن يسألوه الرجال عن الكلمة. وذلك لكي يعرفوا أن القول ينطقون به ليس تغييرًا لهم. ولا هو جزءًا من عقلهم. فإن كانت كلمة البشر بمثل هذه الكيفية. رغم أنهم يخضعون للتغيير والشهوة. ورغم كونهم متجزئين، فلماذا يفكرون في التغيير والإنقسام بالنسبة لله غير الجسدى وغير المنقسم. لكي عن طريق التظاهر بتوقير الله، ينكرون ولادة الابن الحقيقية والطبيعية؟

إن المولود الذي هو من الله ليس نتيجة انقسام أو تغيير. ويكفى ما سبق لإثبات هذا، خاصة وقد تم الآن إثبات أن الكلمة ليس مولودًا بحسب الضعف أو التقسيم. فليسمعوا أيضًا نفس الكلام عن الحكمة. فإن الله ليس مثل الإنسان، ولا يتخيلوا عنه شيئًا بشريًا. لأن البشر خلقوا لتقبّل الحكمة، أما الله، فهو لا يشترك في شئ، بل هو نفسه أب لحكمته الخاصة، التي يلقب المشتركون فيها عادة بلقب حكماء. والحكمة نفسها أيضًا ليست تقسيم أو تغييرًا، وهي ليست جزءًا ولكنها المولود الذاتى للآب، لذلك فهو دائمًا أب، وخاصية الآب ليست خاصية أضيفت لله فيما بعد، وذلك لكي لا يعتبر أنه خاضع للتحول، لأنه إن كان من الصلاح أن يكون الله أبًا، ولكنه لم يكن دائمًا أبًا إذن، فواعجبى ألاّ يكون الصلاح موجودًا في الله دائمًا!.

29ـ يقولون “ها هو الله كان على الدوام خالقًا، وإن قدرته على الخلق ليست إضافية بالنسبة له، فهل إذن لأن الله خالق، تكون مخلوقاته أزلية، وهل يكون من الصواب أن نقول عن هذه المخلوقات أنها كانت موجودة قبل أن توجد؟” يا لجنون الآيوسيين، فأى مشابهة هناك بين الابن والخليقة، حتى يقولوا عن مَنْ هو خاص بالآب نفس ما يقولونه عما يخص المخلوقات؟! وكيف يُصّر هؤلاء على جهلهم بعد ما تبيّن مما سبق الفرق العظيم بين المولود والمخلوق؟ لذلك فمن الضرورى أن نعيد نفس الكلام ونقول إن الخليقة هي من خارج الخالق، كما سبق القول، في حين إن الابن هو المولود الذاتى من الجوهر، لذلك فليس هناك حاجة لوجود الخليقة دائمًا، لأن الخالق يصنعها حينما يشاء، أما المولود فلا يخضع في وجوده للمشيئة، بل هو خاص بذات الجوهر، فالصانع يُلقّب صانعًا ويكون كذلك، حتى لو لم تكن له مصنوعات بعد، أما الأب فلا يلقب أبًا ولا يكون كذلك ما لم يكن له ابن موجود.

أما إن كانوا يبحثون الأمر بفضول وحب استطلاع قائلين، لماذا لا يخلق الله على الدوام، وهو القادر أن يخلق دائمًا، فإن جسارتهم هذه جسارة المجانين، لأن ” من عرف فكر الرب، أو من صار له مشيرًا ” (رو34:11) أو ” كيف تقول الجبلة للخزاف، لماذا صنعتنى هكذا؟ ” (رو20:9) ولكن لكي لا نصمت عن الرد على منطقهم الضعيف هذا، فليسمعوا: أنه بالرغم من أن الله له القدرة على الدوام أن يخلق، إلاّ أنه ليس في استطاعة المخلوقات أن تكون أزلية، لأن هذه المخلوقات وُجِدَت من العدم ولم تكن موجودة قبل أن تُخلَق. فكيف يمكن إذن لهذه المخلوقات التي لم تكن موجود قبل أن تُخلَق، أن تكون موجودة مع الله الموجود دائمًا؟

ولذلك فإن الله وهو يهتم بما فيه منفعة الخلائق، فإنه قد خَلَقَ كل الأشياء، عندما رأى أن هذه الأشياء يمكنها أن تبقى بعد أن تُخلَق.

وكما أنه قادرًا من البدء، أن يُرسِل كلمته في أيام آدم أو في أيام نوح، أو في أيام موسى. ولكنه لم يرسله إلاّ في آخر الدهور، لأنه رأى أن هذا نافع لكل الخليقة، هكذا أيضًا فإنه خَلَقَ المخلوقات عندما أراد، وعندما كان هذا نافعًا لهم.

أما الابن ـ فلكونه غير مخلوق، بل هو من ذات جوهر الآب، فإنه موجود دائمًا.

ولأن الآب موجود دائمًا، فلابد أن يكون الذي هو من ذات جوهره، موجود دائمًا أيضًا، والذي هو حقًا كلمته وحكمته.

أما الخلائق، وإن لم تكن قد وُجِدَت بعد، فإن هذا لا يُنقِص من شأن الخالق، لأن له القدرة أن يَخلِقُ عندما يشاء، أما المولود فإن كان لا يكون موجودًا على الدوام مع الآب، فإن هذا يُنقِص من كمال جوهره. ولأجل هذا فإن المخلوقات قد خُلِقَت عندما شاء هو من خلال كلمته. أما الإبن فهو ـ على الدوام ـ المولود الذاتى لجوهر الآب.

 

 

الفصل التاسع: عبارة “غير المخلوق”

30ـ إن أقوالنا هذه تبهج المؤمنين، ولكنها تحزن الهراطقة الذين يرون هرطقتهم وقد دُحِضَت وأُبطِلَتْ، بهذه الأقوال.

وأيضًا فإن سؤالهم ذلك الذي يقولون فيه “هل هناك واحد فقط غير مخلوق (ἀγένητον) أم أثنان؟” يثبت أن تفكيرهم ليس مستقيمًا، بل هو مريب وملئ بالغش والخداع. فإنهم لا يسألون هذا السؤال من أجل أكرام الآب، بل من أجل أهانة الكلمة. فلو أن أحد الناس وهو يجهل خبثهم ودهاءهم أجابهم بأن غير المخلوق هو واحد، ففى الحال ينفثون سمومهم قائلين: ” إذن فالابن ينتمي إلى المخلوقات، وحسنًا ما قلناه بأنه لم يكن موجودًا قبل أن يولد “، وهكذا فإنهم يخلطون كل الأشياء وبهذا يثيرون الإضطرابات، وذلك لكي يفصلوا الكلمة عن الآب، ويحسبوا الذي هو خالق الكل، أنه من بين المخلوقات.

إنهم يستحقون الإدان والتنديد بهم، أولاً، لأنهم بينما يلومون الأساقفة الذين اجتمعوا في نيقية(66) بسبب استخدامهم لعبارات ليست من الكتاب المقدس ـ رغم أنها ليس عبارات مضادة للإيمان بل قد وضعت بهدف فضح كفرهم، فقد وقعوا هم أنفسهم في نفس الأمر، أى أنهم نطقوا بعبارات ليست من الكتاب المقدس وابتدعوا إهانات ضد الرب، ” وهم لا يعرفون ما يقولونه ولا ما يقررونه ” (1تيمو7:1).

لذلك فليسألوا إذن، اليونانيين، الذين سبق أن سمعوا منهم ما قالوه (لأنه ليس من الكتب المقدسة بل من اختراعهم) وذلك لكي يسمعوا منهم أيضًا، كم للفظ (غير المخلوق ـ غير الصائر) من معان عديدة، وعندئذ سيتعلمون أنهم لا يعرفوا حتى أن يسألوا السؤال الصائب، ولا حتى بخصوص الأشياء التي يتحدّثون عنها.

لأنى أنا أيضًا ـ بسببهم ـ قد سألت وعَرِفت أن (عبارة)، “غير المخلوق” (غير الصائر) يقصد بها ذلك الذي لم يصر له وجود، ولكنه من الممكن أن يصير. وذلك مثل الخشبة التي لم تكن قد صارت سفينة بعد ولكنها من الممكن أن تصير كذلك. وأيضًا فإن “غير المخلوق” (أو غير الصائر)، هو ذاك الشئ الذي لم يصر بعد، وليس من الممكن أن يصير أبدًا، مثل المثلث الذي لا يمكن أن يصير مربعًا أو العدد الزوجى أن يصير فرديًا. ذلك لأن المثلث لم يصر قط مربعًا ولا يمكن أن يكونه أبدًا، كما لم يحدث قط أن صار العدد الزوجى فرديًا ولا يمكن أن يكونه.

وأيضًا يُقصَد بكلمة “غير الصائر – (غير المخلوق)” ما هو موجود، دون أن يصير من أحد، وليس له والد بالمرّة.

وقد أضاف أيضًا أستيريوس(67)السفسطى الخبيث، وهو المدافع عن هذه الهرطقة في مقالته قائلاً: بأن غير المخلوق ـ (غير الصائر)، هو الذي لم يُخلق ولكنه كائن دائمًا.

فكان ينبغى إذن حينما يسألون السؤال، أن يضيفوا ما المعنى الذي يفهمون به كلمة “غير المخلوق ـ (غير الصائر)، حتى أن الذي يسألونه يستطيع أن يجيب الإجابة الصائبة.

31ـ إن كانوا يحسبون أنهم يسألون السؤال الصائب، بقولهم “هل هناك واحد فقط غير مخلوق (غير صائر) أم اثنان؟” فإنهم أولاً سيسمعون الجواب ـ بإعتبارهم جهلة ـ أن الأشياء غير المخلوقة (غير الصائرة) كثيرة، وليس لها وجود، كما أن الأشياء التي يمكن أن تُخلق (أن تصير) هي أكثر جدًا، وغير الكائن ليس في إمكانه أن يصير كما سبق أن قيل.

أما إن كانوا يسألون عن نفس الموضوع، على غرار أستيريوس بأن غير المخلوق (غير الصائر) هو الذي لم يُخلَق ولكنه كائن دائمًا، فليسمعوا لا مرّة واحدة بل مرّات كثيرة، بأنه من الممكن أيضًا أن يقال عن الابن، إنه غير مخلوق (غير صائر) بحسب هذا المعنى المقبول عندهم، لأنه لا يُحسَب بين الأشياء المخلوقة، ولا هو مخلوق بل بالعكس فإنه كائن منذ الأزل مع الآب، كما سبق أن أتضح. وذلك رغم تقلباتهم (أى تقلبات الآريوسيين) الكثيرة، والتى ليس لها من هدف سوى أن يتكلّموا ضد الرب قائلين “أنه وُجِدَ من العدم”، وأنه “لم يكن موجودًا قبل أن يُولَد”.

وهكذا فبعد أن خُذِلوا من كل ناحية، فإنهم أخذوا يسألون أيضًا بخصوص ذلك المعنى الذي يكون بمقتضاه “غير المخلوق (غير الصائر) هو ذلك الذي يكون موجودًا، بدون أن يكون مولودًا من أحد، وليس له أب خاص به” فأنهم سيسمعون منا أيضًا أن المقصود “بغير المخلوق” (غير الصائر) هو بهذا المعنى واحد فقط وهو الآب ولن يحصلوا على أى شيء أكثر مما سمعوه.

لأن القول بأن الله “غير مخلوق” (غير صائر) بهذا المعنى، لن يبرهن القول بأن الابن مخلوق (صائر)، وفقًا للبراهين السابقة. إذ يتضّح أن الكلمة هو مثل ذاك الذي وَلَدَه. وتبعًا لذلك، فإن كان الله غير مخلوق (غير صائر)، فصورته ـ أى كلمته وحكمته ليس بمخلوق بل هو مولود. لأنه أى مشابهة هناك بين المخلوق (الصائر). وغير المخلوق (غير الصائر)؟ (لأنه ينبغى ألاّ نكل من تكرار نفس الكلام).

فإن كانوا يريدون أن يجعلوا المخلوق مشابهًا لغير المخلوق فيكون أن مَنْ يرى هذا كمَنْ يرى ذاك، فليس بعيدًا عليهم إذن أن يقولوا، إن غير المخلوق هو صورة خلائقه، وبذلك تكون كل الأشياء قد اختلطت في أذهانهم، وبذلك يساوون بين المخلوقات وغير المخلوق، وهذا يعتبر إلغاء لغير المخلوق وقياسه بقياس المخلوقات. وكل هذا إنما يفعلونه فقط لكي يحطوا من قدر الابن ويحسبونه في عداد المخلوقات.

32ـ ولكنى أظن أنهم لا يرغبون أن يستمروا مداومين على مثل هذه الأقوال، إن كانوا حقًا يشايعون أستيريوس السفسطائى. فإنه رغم اهتمامه بالدفاع عن الهرطقة الأريوسية بقوله إن غير المخلوق (غير الصائر) هو واحد، فإنه يناقضها مؤكدًا أن حكمة الله أيضًا غير مخلوق وليس له بداية وهاك بعض المقاطع مما كتبه: ” لم يقل المغبوط بولس إنه كرز بالمسيح على أنه القوّة التي لله والحكمة التي لله(68) ولكنه بدون استعمال أداة تعريف قال، قوّة الله وحكمة الله، وهكذا كرز بأن قوّة الله الذاتية، التي هي من طبيعته، والكائنة معه أزليًا، إنما هي قوّة أخرى “.

وبعد قليل أيضًا يقول ” ولكن قوّته الأزلية وحكمته التي يوضح منطق الحق إنها حقًا بلا بداية وغير مخلوقة (غير صائرة)، إنما هي واحدة بالتأكيد “. لأنه وإن كان لم يفهم كلمات الرسول فهمًا سليمًا بظنه أن هناك حكمتان، ولكنه مع ذلك بقبوله القول بحكمة مشاركة معه في الوجود دائمًا، فهو يقول إن غير المخلوق (غير الصائر) ليس واحدًا بعد، بل إن هناك غير مخلوق (غير صائر) آخر معه لأن المُشارِك في الوجود لا يتشارك في الوجود مع نفسه بل مع آخر. ولذلك فليكف أولئك المشايعون لاستيريوس عن التساؤل: “هل غير المخلوق (غير الصائر) واحدًا أم اثنان وإلاّ فإنهم سيصطدمون به في هذا الأمر ويرتابون فيه. ومن الناحية الأخرى، فإن كانوا يقاومونه في ذلك أيضًا فليكفوا عن الأعتماد على كتابه، لئلا ينهشوا بعضهم بعضًا ويفنوا بعضهم بعضًا. هذا هو ما قالوه بسبب جهالتهم، وماذا يستطيع أى شخص أن يقول أزاء مكرهم هذا؟ ومن هو الذي لن يكره بحق أولئك المتهوسين إلى هذه الدرجة؟

فما داموا لا يتجاسرون أن يقولوا صراحة “إنه من العدم”. وإنه “لم يكن موجودًا قبل أن يولد”. لذلك أخترعوا لأنفسهم عبارة “غير مخلوق” (غير صائر)، لكي بقولهم عن الابن إنه “مخلوق” (صائر)، وسط السذج البسطاء، فإنهم يقصدون نفس تعبيراتهم السابقة تلك وهي “إنه من العدم” وإنه “لم يكن موجودًا قط قبل أن يولد”. لانهم يعنون بهذه العبارات “الأشياء الصائرة والمخلوقة”.

33ـ فلو كانت لديهم الثقة في ما يقولونه، لكان من الواجب عليهم أن يظلوا ثابتين على موقفهم، ولا يتغيّرون بطرق متنوعة، ولكنهم يرفضون ذلك، ظانين أنه يمكنهم أن ينجحوا بسهولة، إذا هم أخفوا هرطقتهم تحت ستار كلمة “غير المخلوق” (غير الصائر) وفى الواقع فإن لفظة “غير المخلوق” هذه، لا تستعمل (عن الله) بالنسبة إلى الابن[2] ـ ولو أنهم يتذمرون ـ بل بالنسبة إلى المخلوقات، وهكذا يمكن أن نرى نفس الشئ في كلمة “ضابط الكل”، وكلمة “رب القوات” فلو أن الآب يضبط ويسود كل الأشياء من خلال الكلمة، والابن يملك مملكة الآب وتكون له السيادة على الكل، حيث إنه هو كلمة الآب وصورته.

فيكون واضحاُ إذن أن الابن لا يُحسَب من بين الكل، ولا يسمى الله “ضابط الكل”، “والرب” بالنسبة إلى الابن، بل بالنسبة إلى المخلوقات التي (تكوّنت) عن طريق الابن، وهي تلك التي يضبطها ويسودها بواسطة الكلمة. وهكذا فإن لفظة “غير مخلوق” لا تستعمل (عن الله) بالنسبة إلى الإبن ولكن بالنسبة إلى المخلوقات التي خُلقت عن طريق الابن، وإن هذا لصواب، حيث إنه ليس مثل المخلوقات. بل هو خالقها وصانعها بواسطة (من خلال) الإبن. كما أن لفظة “غير مخلوق” تستعمل (عن الله) بالنسبة إلى المخلوقات، هكذا أيضًا فإن كلمة “الآب” تعلن عن الابن. فإن مَنْ يسمي الله صانعًا وخالقًا وغير مخلوق، فإنه يرى ويفهم الأشياء المخلوقة والمصنوعة، أما الذي يسمى الله أبًا فإنه في الحال يُدرك الابن ويعرفه.

ولذلك فقد يدهش البعض من حبهم للجدال مع عدم تقواهم، لأنه بالرغم من أن لكلمة “غير المخلوق” معنى حسن ـ سبق أن أشرنا إليه ـ بحيث يمكن أن نذكر هذه الكلمة بورع وتقوى، أما هم فيتكلّمون بها لأجل إهانة الإبن بحسب هرطقتهم، وهم لم يقرأوا، أن الذي يُكرِم الابن، إنما هو يُكرِم الآب والذي لا يُكرم الابن، إنما هو لا يُكرِم الآب (يو23:5) لأنهم لو كان لديهم أى أهتمام – على وجه العموم – بتمجيد وتكريم الآب، لكان من واجبهم بالأحرى، أن يعترفوا بأن الله أب ويلقبونه كذلك، بدلاً من أن يسمونه بهذه الطريقة (أى يدعونه غير المخلوق)، وكان هذا سيكون أفضل وأعظم.

أما أن يسموا الله “غير المخلوق”. متخذين هذه التسمية من أعماله المخلوقة، كما سبق أن قلنا – وهكذا يلقبونه خالقًا وصانعًا فقط، ظانين أنهم بهذا يستطيعون أن يعتبروا الكلمة مخلوقًا حسب أهوائهم. أما الذي يدعو الله أبًا، فإنه يسميه هكذا نسبة إلى الإبن بدون أن ينكر أنه ما دام يوجد ابن، فبالضرورة فإن كل المخلوقات قد خُلقت عن طريق الإبن. وأولئك عندما يسمون الله “غير المخلوق” فإنما يشيرون إليه فقط من جهة نسبته إلى المخلوقات، وهم بذلك لا يعرفون الابن مثلهم مثل الامميين. أما الذي يدعو الله أبًا، فإنه يسميه هكذا نسبة إلى الكلمة. والذي يعرف الكلمة، فإنه في نفس الوقت يعرف أنه الخالق، ويفهم أنه كل شيء به قد كان (قد صار) (يو3:1).

34ـ لذلك فإنه بالحق سيكون أكثر تقوى، لو أنهم أشاروا إلى الله (الآب) مبتدئين من الابن، وهكذا يلقبونه أبًا، بدلاً من أن يسمونه نسبة إلى أعماله فقط فيلقبونه “غير المخلوق”. لأن هذا اللقب نسبة إلى أعماله فقط فيلقبونه “غير المخلوق”. لأن هذا اللقب (الأخير) يشير فقط إلى كل خليقة ـ كما سبق أن قلت ـ وعموما فإن هذا اللقب يشير إلى كل الأعمال التي خُلِقَت بإرادة الله من خلال الكلمة. في حين أن لقب الآب يفهم وله دلالته فقط بالنسب إلى الابن. وبقدر ما يختلف الكلمة عن سائر الموجودات، فبمثل هذا القدر بل وأكثر. يكون الاختلاف بين أن يدعى الله “أبًا”، وبين أن يدعى “غير المخلوق”.

لأن هذا اللقب (الأخير) غير مستقى من الكتب المقدسة بل ويثير الريبة والشك، لأنه يحوى في الواقع معانٍ متعدّدة، لدرجة أنه في حالة التساؤل عن هذا اللقب، فإن الفكر ينتابه الحيرة والإضطراب، أما لقب “الآب” فهو لقب بسيط مستقى من الكتاب المقدس، وهو لقب أكثر صوابًا وحقًا، وهو يشير إلى “الابن” فقط.

أما لقب “غير المخلوق” فهو كلمة موجودة عند اليونانيين (الامميين) الذين لم يكونوا يعرفون “الابن”. أما لقب “الآب” فقد صار معروفًا إذ قد أنعم به الرب (يسوع) علينا. لأنه قد عَرِفَ ـ في الواقع ـ ابن من هو، عندما قال “أنا في الآب والآب فى” (يو10:14) وأيضًا ” مَنْ رآنى فقد رأى الآب ” (يو9:14) وأيضًا “أنا والآب واحد” (يو30:10)، ولا يوجد في أحد هذه الشواهد أى إشارة بتلقيب الآب بلقب “غير المخلوق” بل حين علّمنا أن نصلى، لم يقل حينما تصلون قولوا: أيها الإله غير المخلوق، بل بالحرى قال ” حينما تصلون قولوا أبانا الذي في السموات ” (مت9:6) وهو بهذا قد أراد أن يركّز على أساس إيماننا عندما أمرنا أن تكون معموديتنا ليس باسم “غير المخلوق” والمخلوق ولا باسم “الخالق” و “المخلوق” بل باسم ” الآب والابن والروح القدس ” (مت19:28) لأننا وإذ نحن من بين المخلوقات، نصير هكذا مكتملين وبهذا نصير أبناء، وإذ ندعو اسم الآب، فإننا من هذا (الاسم) نعرف أيضًا الكلمة الذي هو من ذات الآب. إذن فما يجادلون به بخصوص لفظة “غير المخلوق”، إنما يدل على عبث، وليس هو أكثر مما هو في خيالهم وحده.

 

 

الفصل العاشر: عدم تغيّر الابن

 

35ـ أما بخصوص قولهم إن الكلمة متغيّر، فان مناقشة هذا الأمر غير ذات نفع، لأنه يكفى فقط أن أسجل ما يقولونه لتوضيح مدى جسارتهم وعدم تقواهم. فها هي الأقوال التي يهذون ويثرثرون بها متسائلين: ” هل هو حر (في ذاته) أم هو ليس كذلك؟ هل هو صالح من تلقاء نفسه بحسب هذه الحريّة الذاتية وهل يستطيع بذلك أن يتغيّر ـ إن أراد ـ لكونه من طبيعة متغيّرة أم أنه مثل الحجر والخشب، لا يملك حرية الحركة والإتجاه إلى هذه الناحية أو تلك؟ “فليس غريبًا على هرطقتهم أن يتكلّموا ويفكروا بمثل هذه الأمور. ففى احدى المرات اخترعوا لأنفسهم مثل هذه الأقوال التي تناسب المخلوقات، وحيث إنهم في مجادلتهم مع رجال الكنيسة يستمعون منهم عن كلمة الآب الوحيد الحقيقى. ومع ذلك يتجاسرون أن يتفوّهوا عنه بمثل تلك الأقوال، فمَن يستطيع اذن أن يرى أدنس من هذه العقيدة؟

ومَن هو الذي بمجرد استماعه لهؤلاء، لا ينزعج ويصم آذانه ـ حتى إن لم يكن في وسعه أن يدحض أقوالهم ـ ويقف مشدوهًا من تلك الأقوال التي يرددها هؤلاء، وهو يستمع إلى كلماتهم المبتدعة التي يعتبر مجرّد النطق بها كفرًا وتجديفًا؟ لأنه إن كان الكلمة متغيرًا وقابلاً للتحوّل، ففى أى نقطة إذن سيتوقف (عن التغيير)، وماذا ستكون نهاية عملية تطوره هذه؟ وكيف يمكن أن يكون المتغيّر مشابهًا لغير المتغير؟ وكيف يمكن أن يُعتَبر الذي رأى المتغيّر أنه قد رأى غير المتغيّر؟ وما هي الحالة التي يجب أن يصير إليها حتى يستطيع الواحد منا أن يرى الآب فيه؟

إذ يكون من الجلى (حسب أفكارهم) أننا لن نرى الآب فيه في كل الأوقات، إذ يكون الابن دائم التغيّر، ويكون من طبيعة متغيّرة دائمًا. ولأن الآب غير متغيّر وغير متحوّل، وهو دائمًا هو نفسه كذلك (أى بدون تغيّر)، أما الابن فإن يكن بحسب أفكارهم متغيرًا. وهو ليس دائمًا هو ذاته، بل تكون له طبيعة دائمة التغيّر، كيف يمكن أن يكون مثل هذا هو صورة الآب، وهو ليس مثله في عدم التغيّر؟ وكيف يمكن أن يكون (الابن) في الآب كلية، إن كان هدفه وقصده مشكوكًا فيه؟ بل ربما بسبب كونه متغيّرًا، ودائم التقدّم، فلا يكون كاملاً بعد.

ولكن فليتلاشى مثل هذا الجنون الذي للآريوسيين، أما الحق فليلمع ويبرق ليكشف أنهم مجانين.

لأنه كيف لا يكون كاملاً هذا الذي هو مساوٍ لله؟ أو كيف لا يكون غير متغيّر هذا الذي هو واحد مع الآب، وهو نفسه ابنه من ذات جوهره؟ ولأن جوهر الآب غير متغيّر، فبالضرورة يكون نتاجه الذاتى أيضًا غير متغيّر.

فإن كانوا يفترون هكذا بنسبتهم التغيّر للكلمة. فليتعلموا مدى الخطورة الكامنة في فكرهم، لأن ” الشجرة تعرف من ثمرها ” (مت33:12)، ولهذا أيضًا ” فإن من رأى الابن فقد رأى الآب ” (يو9:14)، ولهذا أيضًا فإن معرفة الابن هي أيضًا معرفة الآب.

36ـ ولذلك فإن صورة الله غير المتغيّرة ينبغى أن تكون ثابتة غير متغيّرة، لأن ” يسوع المسيح هو هو أمس واليوم والى الأبد ” (عب8:13) وداود يقول مترنمًا به: ” أنت يا رب منذ البدء أسست الأرض، والسموات هي عمل يديك. هي ستتلاشى وأنت ستبقى، وكلها كثوب ستبلى وكرداء تطويها فتتغيّر ولكن أنت أنت وسنوك لن تنتهى ” (مز26:102ـ28، و2عب10:1ـ12).

والرب نفسه يقول عن نفسه بواسطة النبى ” انظروا إليّ فترون أنى أنا هو ” (تث39:32) وأيضًا ” لا أتغيّر ” (ملاخى6:3) وربما يقول أحد أن المقصود هنا هو الآب، ولكنه يناسب أن يُطلَق هذا على الابن أيضًا، وخاصة لأنه حينما يصير إنسانًا، فإنه يظهر شخصيته كما هي ويُظهر عدم تغيّره، وذلك بالنسبة لأولئك الذين يتصوّرون أنه بما أنه أتخذ جسدًا فإنه قد تغيّر وصار آخرًا.

إن القديسين أصدق عهدًا وأمانة من سوء نية عديمي التقوى فكم بالاحرى يكون الرب. فإن الكتاب ـ كما جاء في قراءة المزمور سالف الذكر ـ عن طريق اشارته إلى السماء والأرض، يذكر أن طبيعة كل المخلوقات وكل الكائنات، هي متغيّرة ومتحوّلة وبإستبعاده الابن عنها (أى عن المخلوقات)، فإنه يبيّن بأنه (أى الابن) ليس مخلوقًا على الإطلاق بل هو بالاحرى يغيّر الأشياء، بينما هو نفسه لا يتغيّر. كما يعلّم (الكتاب) بقوله “أنت أنت وسنوك لن تنتهى” (عب12:1) أنه (أى الابن) لا يتبدّل ولا يتغيّر. وهذا حقًا أمر طبيعى، لأن الأشياء المخلوقة بما أنها نشأت من العدم، ولكونها لم تكن كائنة قبل أن تخلق، لذلك فإن لها طبيعة متغيّرة حيث إنها عمومًا قد خُلِقَت من العدم. أما الابن فإنه كائن في الآب وهو من ذات جوهر الآب، لذلك فه غير متغيّر أو متبدّل مثل الآب نفسه.

لأنه ليس من العدل أن يقول أحد أن من جوهر غير المتغيّر يولد كلمة متغيّر، وحكمة قابلة للتحوّل. إذ كيف يمكن أن يكون هو الكلمة أن يكن قابلاً للتغيّر؟ أو كيف يمكن أن تكون حكمة تلك التي تكون قابلة للتحول؟ إلاّ إذا كان عرضًا في الجوهر ـ كما ربما يريدون أن يبيّنوا أنه هكذا: أى أنه في حالة جوهر ما، تكون هناك نعمة ما أو ممارسة فضيلة بشكل عارض، وهكذا يسمون هذا أنه كلمة وابن وحكمة بحيث يكون قابلاً للانتقاص منها أو الاضافة عليه. لأنه يعتقدون بمثل هذه الأمور. وكثيرًا ما تحدّثوا عنها. إلاّ أن عقيدتهم هذه ليست من الإيمان المسيحى لأنهم لا يظهرون أنه الكلمة وابن الله بالحقيقة، ولا (يُظهرون) أن الحكمة هي حكمة حقيقية.

لأن ما يتحوّل ويتبدّل وليس ثابتًا على نفس الحال الواحد كيف يمكن أن يكون حقيقيا؟.

بينما يقول الرب ” أنا هو الحق ” (يو6:14)، فإن كان الرب نفسه يقول هذا القول عن ذاته وهو يشير بهذا الى وجوب عدم قابليته الذاتية للتغيّر. والقديسون تعلّموا نفس هذه الحقيقة وشهدوا بها. فان كانت الأفكار عن الله تعرف هذا الأمر بورع وتقوى فمن أين إذن

 ابتدع هؤلاء الناس عديمو التقوى، هذه الآراء؟ نعم. أنهم من قلوبهم، يتقيأون هذا الفساد.

 

 

الفصل الحادى عشر: شرح نصوص: أولاً: فيلبى 9:2، 10 “لذلك رفّعه الله أيضًا”

 

37ـ لكن بما أنهم يتعلّلون بالأقوال الإلهية، ويفرضون عليها تفسيرًا منحرفًا محرّفين أياها بحسب فكرهم الخاص. لذلك صار من الضرورى أن نرد عليهم من أجل أن تثبت صحة الأقوال الآلهية، ونوضح أنها تحوى الفكر المستقيم، بينما أولئك يفكرون تفكيرا ضالاً.

فهم إذن يقولون أن الرسول كتب يقول ” لذلك مجده الله مجدًا عاليًا. وأعطاه اسمًا فوق كل اسم لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة مما في السماء وعلى الأرض وتحت الأرض ” (فى9:2،10). كما يقول داود ” من أجل ذلك مسحك الله ألهك، بزيت الإبتهاج أكثر من شركائك ” (مز7:45، عب9:1). ويضيفون كما لو كانوا يقولون شيئًا حكيمًا ـ هكذا “لو أنه “لذلك” مُجَّد وحصل على نعمة، “ومن أجل ذلك” قد مُسِحَ وحصل على أجر اختياره الحر. وبما أنه أنجز الأمر بمشيئته الحرة، فإنه يكون بلا شك ذا طبيعة متغيّرة. وهذا ما تجاسر يوسابيوس وآريوس ليس فقط على قوله بل على كتابته أيضًا. أما مَنْ يشايعونهما فإنهم لا يجفلون عن ترديد ذلك وسط السوق وهم لا يرون قدر الجنون الذي يحويه قولهم.

لأنه إن حصل على ما كان لديه كأجر لاختياره الحر، فأنه لم يكن ليحصل عليه لو لم يكن عمله هذا عن احتياج وعوز، إذن بما أنه قد حصل على ما كان لديه بسبب فضيلته وتقدمه وتحسنه، وبسبب هذا فمن الانصاف أن يلقب بلقب ابن ولقب إله، دون أن يكون ابنا حقيقيًا لأن الذي يكون من شخص ما بحسب الطبيعة، فإنه يكون مولودًا حقيقيًا، مثلما كان اسحق بالنسبة لابراهيم، ويوسف بالنسبة ليعقوب، والشعاع بالنسبة الى الشمس، أما الذين يدعون (أبناء) بالنسبة للفضيلة والنعمة، فإنهم يحصلون على النعمة التي يكتسبونها بدلاً من الولادة الطبيعية، وهم شى آخر غير ما أُعطى لهم.

وذلك مثل الناس الذين نالوا الروح بحسب المشاركة والذين قال عنهم ” ولدت بنين ونشأتهم. أما هم فتمردوا عليّ ” (إش2:1 س) ولكن بما أنهم ليسوا أبناء بحسب الطبيعة، لذلك، فإنهم بمجرد أن يتغيروا ينزع منهم الروح، ويتبرأ منهم. ولكنهم مرة أخرى ـ عندما يتوبون فإنه الله الذي كان قد أعطاهم النعمة في الأول، فأنه بنفس الطريقة، يعطيهم النور مرة أخرى ويدعوهم أبناء ثانية.

38ـ فإن كانوا يقولون هكذا أيضًا عن المخلّص، فيتبع هذا أنه لا يكون (مخلّصًا) حقيقيًا، وأنه ليس إلهًا. وليس ابنًا ولا هو مثل الأب، ولا يكون له علاقة على الإطلاق مع الله الآب بحسب الجوهر بل بمجرد إعطاء نعمة له. أى أن يكون الله هو خالق له بحسب الجوهر مشابهًا في ذلك كل المخلوقات. فإن كان هو هكذا، كما يقول هؤلاء، فيتضّح أنه لم يكن له اسم “ابن” منذ البدء، إن كان قد حصل على هذا الاسم كمكافأة على أعماله وتقدمه، أى أنه حصل على هذه المكافأة ليس بسبب تقدم آخر، بل بسبب ما أظهره عندما صار انسانًا، وأتخذ صورة عبد، لأنه عندئذ، حينما صار “مطيعًا حتى الموت” فإنه كما يقول النص “مجده مجدًا عاليًا، وحصل على الاسم كنعمة، “لكى تجثو باسم يسوع كل ركبة”.

فماذا إذن كان قبل هذا (أى قبل أن يصير إنسانًا)، إن كان الآن يرتفع، وقد بدأ الآن أن يُعبَد، والآن دعى ابنًا عندما صار انسانا؟ لأنه (بهذا) يبدو أن الجسد لم يَترَقَ قط، بل بالأحرى أنه هو الذي ترقى بواسطة الجسد، فإن كان قد مُجّد مجدًا عاليًا وسمى ابنًا عندما صار إنسانًا ـ وذلك بحسب سوء نيتهم ـ فماذا كان إذن قبل هذا؟ ـ فهناك حاجة ملّحة أن نسألهم مرة أخرى ـ وذلك لكي تتضح النتيجة التي يصل إليها كفرهم، لأنه أن كان الرب هو الله وهو الابن وهو الكلمة، ولكنه لم يكن هكذا قبل أن يصير إنسانًا، عندئذ كما قلنا – إما أنه كان شيئًا آخر غير هذه (الصفات). ثم اشترك فيها بعد ذلك بسبب فضيلته. وإلاّ فأنهم مضطرون أن يقولوا البديل ـ (الأمر الآخر) الذي سيرتد على روؤسهم وهو أنه لم يكن موجودًا قبل هذا، ولكنه كان إنسانًا بالتمام حسب الطبيعة وليس أكثر. ولكن هذا الفكر ليس من الكنيسة. ولكنه فكر الساموساطى واليهود المعاصرين.

لماذا إذن، وهم يعتقدون مثل اليهود، لا يختتنون مثلهم، بل يتظاهرون بالمسيحية، بينما هم يحاربونها، لأنه لو كان غير موجود، أو لو كان موجودًا ثم رقى فيما بعد، فكيف خُلِقَت كل الأشياء بواسطته، وكيف يفرح به الآب لو لم يكن كاملاً (أم30:9)؟ ومن الناحية الأخرى، ان كان هو قد ترقى الآن، فكيف كان يبتهج أمام الآب قبل أن يترقى؟ وان كان قد حصل على العبادة بعد موته، فكيف يظهر أن ابراهيم يسجد له في الخيمة، وموسى يسجد له في العليقة وكما رأى دانيال ” ربوات ربوات وألوف ألوف، يخدمونه ” (دانيال 10:7).

وان كان ـ كما يقولون ـ قد حصل علي الترقى الآن، فكيف يشير الابن نفسه إلى مجده الذاتى الذي يفوق الطبيعة والذي كان له قبل إنشاء العالم عندما قال ” مجدنى أنت أيها الآب بالمجد الذي كان لى عندك قبل كون العالم ” (يو5:17)، وإن كان ـ حسبما يقولون ـ قد مُجّد الآن مجدًا عاليًا، فكيف ” طأطأ السموات ” ونزل قبل ذلك، وأيضًا ” أعطى العلى صوته ” (مز9:18،13) لذلك فإن كان للأبن ذلك المجد حتى قبل خلقه العالم، وكان هو رب المجد وهو العلى، ونزل من السماء وهو معبود على الدوام، فينتج من ذلك أنه لم يَترَقَ بنزوله، بل بالأحرى هو نفسه الذي رقى الأشياء التي يعوزها الترقى. وإن كان قد نزل من أجل ترقيتها، لذلك فإنه لم يحصل على اسم ابن وإله كمكافأة، بل بالأحرى فإنه هو نفسه جعلنا أبناء للآب وإله الناس بكونه صار إنسانًا.

39ـ لذلك، فهو لم يكن إنسانًا ثم صار فيما بعد إلهًا، بل كان إلهًا وفيما بعد صار إنسانًا بالأحرى كي يؤلهنا. لأنه إن كان عندما صار انسانًا قد سمى عندئذ ابنًا وإلهًا، وإن كان الله قد دعا الشعوب قديما، أبناء، وذلك قبل أن يصير هو إنسانًا، وجعل الله موسى إلهًا لفرعون. والكتاب المقدس يقول في مواضع كثيرة ” الله قائم في مجمع الآلهة ” (مز1:82)، فمن الواضح أذن أنه قد دُعيّ ابنًا وإلهًا بعدهم. فكيف إذن خُلِقَت كل الأشياء عن طريقه، وكيف أنه هو موجود قبل كل الأشياء؟ أو كيف يكون هو ” بكر كل خليقة ” (كو15:1)، ما دام هناك آخرون قبله يطلق عليهم أبناء وآلهة؟.

وهؤلاء المشاركون الأولون كيف لا يشاركون اللوغوس؟ وهذا التعليم ليس حقيقيًا، بل هو بدعة المتهودين المعاصرين. فكيف إذن في هذه الحالة ـ يمكن لأي أحد على الإطلاق، أن يتعرف على الله كأب؟ لأن من غير المستطاع أن يحدث التبني بغير الابن الحقيقى، وهو نفسه القائل: ” لا يعرف أحد الآب إلاّ الابن، ومن سيُعلن له الابن ” (مت27:11).

وكيف يحدث التأليه بدون اللوغوس، وقبله؟ هذا بالرغم أنه هو نفسه القائل لليهود أخوة هؤلاء المبتدعين. ” إن قال، آلهة، لاولئك الذين صارت إليهم كلمة الله “[3].

فإن كان كل الذين دعوا أبناء وإلهة سواء على الأرض أم في السموات قد نالوا التبنى وصاروا متألهين من خلال اللوغوس، وإن كان الابن نفسه هو اللوغوس، فمن الجلى أن الجميع قد صاروا أبناء من خلاله، وكان هو قبل الجميع، وبالحرى فقد كان هو الابن الحقيقى وحده، وهو وحده إله حق من إله حق ـ ولم يحصل على هذه (الصفات) كمكافأة لفضيلته، وليس هو أخر غير هذه (الصفات) بل هو كل هذه (الصفات) بحسب الطبيعة وبحسب الجوهر، لأنه مولود من جوهر الآب حتى لا يشك أحد أنه وبحسب صورة الآب غير المتغير، يكون اللوغوس أيضًا غير متغيّر.

40ـ ونحن إلى الآن، قد استعملنا أفكارًا حقيقية عن الابن للاجابة على ابتداعاتهم غير المعقولة، ولكن يجمل بنا الآن إذن أن نستشهد بالأقوال الإلهية لكي نبرهن أيضًا بدرجة أكثر كثيرًا على عدم تغيّر الابن وعدم تغيّر طبيعته الأبوية(69) الثابتة، كما يتبرهن أيضًا مدى انحرافهم وضلالهم.

وإذن عندما كتب الرسول إلى أهل فيلبى يقول: “فليكن فيكم هذا الفكر الذي هو أيضًا في المسيح يسوع، الذي إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون مساويًا لله، لكنه أخلى نفسه، آخذًا صورة عبد. صائرًا في شبه الناس. وهو إذ وجد في الهيئة كإنسان، وضع نفسه، وأطاع حتى الموت، موت الصليب. لذلك رفّعه، وأعطاه اسمًا فوق كل اسم. لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء، ومن على الأرض، ومن تحت الأرض. ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب (فيلبى5:2ـ11). أية أقوال أوضح وأكثر بيانًا من هذه الأقوال؟ إن الرب لم يكن أصلاً في حالة وضيعة ثم رقى، بل بالأحرى إذ كان إلهًا فقد اتخذ صورة عبد، وبإتخاذه صورة العبد.

لم يرتقِ بل أذل (وضع) نفسه. إذن فأين هو أجر الفضيلة في هذه الأمور؟ أو أى تقدّم أو ترقى يمكن أن يكون في الإذلال؟ لأنه إن كان وهو الإله، قد صار إنسانًا، وبتنازله من علوه لا يزال يقال إنه يُرّفع (أى يمجد مجدًا عاليًا). فمن أين يُرّفع وهو الله؟ ويتضح من هذا أيضًا، أنه بما أن الله هو الأعلى والأكثر رفعة من الكل، فبالضرورة أيضًا، أن يكون كلمته هو الأعلى والأكثر رفعة فوق الكل، وهذا الذي هو في الآب ومثل الآب في كل شئ. من أين إذن يمكنه أن يُرّفع عاليًا أكثر من ذلك؟ إذن فهو ليس في حاجة إلى أى ازدياد، وليس الأمر كما يفهمه الآريوسيون.

لأنه وإن كان اللوغوس قد نزل من أجل أن يرفع عاليًا ـ وهكذا هو مكتوب ـ فأية حاجة كانت هناك على الإطلاق تدفعه لأن يذل نفسه، أى لكي يسعى للحصول على ذلك الشئ الذي كان لديه أصلاً؟ وما هي النعمة التي ينالها واهب النعمة؟ أو كيف نال هو الاسم للعبادة وهو الذي كان دائمًا معبودًا باسمه؟ ومن قبل أن يصير هو إنسانًا، كان القديسون حينئذ يتوسلون إليه قائلين ” خلّصنى يا الله باسمك ” (مز1:54) وأيضًا  ” البعض يفتخر بالمركبات، والبعض الآخر بالخيل وأما نحن فباسم الرب إلهنا سنتمجد ” (مز7:20). وهو الذي كان يسجد له البطاركة (رؤساء الآباء)، إذ قد كُتِبَ عن الملائكة، ولتسجد له كل ملائكة الله” (مز7:97، عب6:1).

41ـ فإن كان داود ينشد في المزمور الحادى والسبعين قائلاً: “اسمه دائم قبل الشمس”، وأيضًا: “وقبل القمر الى أبد الآبدين(70). فكيف إذن ينال ما كان له دائمًا حتى قبل أن يحصل عليه الآن (أى في الجسد)؟ أو كيف يُرّفع مع كونه قبل ترفيعه (أو تمجيده) كان هو العالى (فوق الكل)؟ أو كيف حصل على (حق) العبادة، وهو الذي كان دائمًا معبودًا من قبل أن يحصل على هذا الحق الآن؟ إذن فهذا ليس بلغز بل هو سر إلهى.

” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله. وكان الكلمة الله ” (يو1:1) وهو لأجلنا فيما بعد ” الكلمة صار جسدًا ” (يو14:1) وعبارة “رفّعه” (مجده مجدًا عاليًا) التي نتحدّث عنها الآن، لا تَعنِ أن جوهر الكلمة قد ارتفع، لأنه كان دائمًا وهو لا يزال كائن في الله، ولكنها تعنى ارتفاع (أو ترفّع) بشريته. إذن فهذه الأقوال لم تكن تقال من قبل إلاّ عندما صار الكلمة جسدًا، لكي يصير واضحًا أن “أذل نفسه”، “وتمجد مجدًا عاليًا” إنما تشير إلى إنسانيته، لأنه حيثما تكون هناك حالة الاذلال تكون هناك الرفعة أيضًا. فإن كان بسبب اتخاذه للجسد قد كتب “الإذلال” عنه، فمن الواضح أن التمجيد (أو الرفعة) تقال عنه بسبب الجسد، لأن الانسان كان في مسيس الحاجة إلى هذا (التمجيد)، بسبب وضاعة الجسد. وبسبب الموت.

وبما أن الكلمة وهو صورة الآب، وهو غير مائت، قد أتخذ صورة عبد، وكإنسان عانى الموت بجسده من أجلنا. لكي بذلك يبذل نفسه للآب بالموت من أجلنا، لأجل هذا السبب يقال عنه إنه كإنسان مُجّد أيضًا نيابة عنا ومن أجلنا، لكي كما بموته قد متنا جميعًا في المسيح، وعلى نفس المنوال أيضًا، فإننا في المسيح نفسه أيضًا قد مُجّدنا مجدًا عاليًا، مقامين من بين الأموات وصاعدين إلى السموات ” حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا ” (عب20:6)، ” لا إلى أقداس أشباه الحقيقة، بل إلى السماء عينها ليظهر الآن أمام وجه الله لأجلنا ” (عب34:9). فإن كان المسيح قد دخل الآن إلى السماء عينها لأجلنا، رغم أنه من قبل هذا الحدث، كان هو دائمًا الرب وخالق السموات، فتبعًا لذلك تكون هذه الرفعة الحالية قد كُتِبَت أيضًا من أجلنا نحن.

وكما أنه وهو الذي يقدّس الجميع، يقول أيضًا أنه يقدس نفسه للآب من أجلنا ـ ليس بالطبع لكي يكون اللوغوس مقدّسًا ـ بل لكي بتقديس ذاته يقدسنا جميعًا في ذاته. وهكذا بنفس المعنى ينبغى أن نفهم ما يقال الآن أنه “تمجد”. ليس لكي يمجّد هو (أى اللوغوس) نفسه ـ إذ أنه هو الأعلى ـ بل لكي هو ذاته “يصير برا” من أجلنا، أما نحن فلكى نتمجّد (نُرفّع) فيه ولندخل إلى أبواب السماء، التي قد فتحها هو ذاته من أجلنا، حيث يقول السابقون ” ارفعوا أيها الرؤساء أبوابكم، وارتفعى أيتها الأبواب الدهرية ليدخل ملك المجد ” (مز7:34). وهنا أيضًا لم تكن الأبواب مغلقة أمامه هو إذ هو رب وخالق كل الأشياء، بل بسببنا كُتِبَ هذا الكلام، نحن الذين أُغلقت أمامنا أبواب الفردوس.

لذلك يقال عنه من الناحية البشرية، بسبب الجسد الذي كان قد لبسه: “إرفعوا الأبواب”، كما يقال أيضًا: “ليدخل” كما لو كان إنسانًا سيدخل. ولكن من الناحية الإلهية ـ حيث إن “اللوغوس هو الله” ـ يقال عنه أيضًا إنه “الرب” و “ملك المجد” وقد سبق الروح فقال في المزمور التاسع والثمانين عن مثل هذه الرفعة التي صارت إلينا  ” وببرّك يرتفعون، لأنك أنت هو فخر قوتهم ” (مز17:89،18)، فإن كان الابن هو البر، إذن فهو لم يرتفع بذاته كما لو كان في حاجة إلى الرفعة، بل نحن الذين أرتفعنا (تمجدنا) بسبب البر الذي هو (المسيح) ذاته.

42ـ وهكذا أيضًا فإن عبارة “أعطاه اسمًا” لم تكتب لأجل اللوغوس ذاته ـ فإنه حتى قبل أن يصير إنسانًا فقد كان معبودًا أيضًا من الملائكة ومن كل الخليقة، بحسب ذاتيته الأبوية(71) بل كُتبت هذه العبارة عنه بسببنا ولأجلنا. لأنه كما مات المسيح ثم رُفّع كإنسان، فبالمثل قيل عنه إنه أخذ كإنسان ما كان له دائمًا كإله. وذلك لكي تصل إلينا عطية مثل هذه النعمة، فإن اللوغوس لم يحط قدره بإتخاذه جسدًا حتى يسعى للحصول على نعمة أيضًا، بل بالأحرى فإن الجسد الذي لبسه قد تألّه، بل وأكثر من ذلك، فقد أنعم بهذه النعمة على جنس البشر، بدرجة أكثر.

فكما أنه كان يُعبَد دائمًا لكونه اللوغوس “الكائن في صورة الله” ـ هكذا ظل هو نفسه كما هو وصار إنسانًا ودعى يسوع ـ فليس أقل من أن كل الخليقة ـ تظل كما كانت دائمًا ـ تحت قدميه، وهي التي تجثو بركبها له بهذا الاسم (يسوع). وتعترف أن اللوغوس صار جسدًا، وأنه احتمل الموت بجسده. ولم يحدث له كل هذا كإهانة لمجد ألوهيته بل “لمجد الله الآب”.

لأن مجد الله الآب هو: أن يوجد الانسان الذي كان قد خلق ثم هلك، وهو: أن يحيا الذي مات، وهو: أن يصير الانسان هيكل الله. ولأن القوات السمائية من ملائكة ورؤساء ملائكة كانت تعبده دائمًا، فإنهم الآن أيضًا يسجدون للرب باسم يسوع، فهذه النعمة وهذا التمجيد العالى إنما هو لنا، وإنه بالرغم من أنه صار إنسانًا وهو ابن الله فإنه يُعبَد. لذلك لن تُدهَش القوات السمائية حينما ترانا نحن جميعًا ـ المتحدين معه في نفس الجسد ـ داخلين إلى مناطقهم (السمائية)، وهذا قطعًا ـ لم يكن ممكنًا أن يحدث بأية طريقة أخرى، اللهم إلاّ إذ كان هذا الذي كان موجودًا في صورة الله، قد أتخذ لنفسه صورة العبد، وأذل ذاته، راضيًا بأن يصل جسده حتى إلى الموت.

43ـ انظروا إذن، كيف أن ذلك الذي يعتبر عند الناس، جهالة الله بسبب تحقير الصليب، قد صار أكثر الأشياء كرامة، ذلك أن قيامتنا به معتمدة عليه، وليس اسرائيل وحده الذي يعتمد عليه بل كل الأمم ـ كما سبق وأنبأ النبى: يتركون أصنامهم ويتعرّفون على الإله الحقيقى أبى المسيح، وابتداعات الشياطين قد أُبطِلَت، والإله الحقيقى وحده هو الذي يُعبَد باسم ربنا يسوع المسيح.

أما عبادة الرب الذي صار في الجسد البشرى، ودعى يسوع، والإيمان به كابن الله ـ والتعرّف على الآب بواسطته، فهو أمر جلى، كما قلنا، أنه ليس اللوغوس بسبب كونه لوغوس هو الذي حصل على مثل هذه النعمة، بل نحن. لأنه بسبب علاقتنا بجسده فقد صرنا نحن أيضًا هيكل الله – وتبعًا لذلك قد جُعِلنا أبناء الله. وذلك حتى يعبد الرب فينا أيضًا. والذين يبصروننا يعلنون ـ كما قال الرسول “أن الله بالحقيقة فيكم” (1كو25:14). وكما قال يوحنا أيضًا في إنجيله ” وكل الذين قبلوه أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله ” (يو12:1). وكما كتب في رسالته ” بهذا نعرف أنه يسكن فينا من روحه الذي أعطاه لنا ” (1يو24:3).

إن ما يميز الصلاح الصائر منه إلينا، هو أننا نُمجّد بسبب وجود الرب العالى فينا، وأن النعمة أقد أعطيت له من خلالنا ـ بسبب أن الرب الذي هو مانح النعمة قد صار إنسانًا مثلنا. والمخلّص نفسه أذل نفسه بإتخاذه “جسد تواضعنا” ـ وأتخذ صورة عبد، لابسًا ذلك الجسد الذي كان مستعبدًا للخطيئة.

وهو في الحقيقة لم يحصل على شيء منا يرتقى به لأن كلمة الله هو ليس في احتياج إلى شئ، لأنه كامل، بل بالأحرى نحن الذين نلنا منه الارتقاء. لأنه هو ” النور الذي ينير كل انسان يأتى إلى العالم ” (يو9:1). إن الآريوسيين يركّزون بلا جدوى على أداة الربط: “لذلك” لأن بولس قال ” لذلك مجده الله مجدًا عاليًا ” (فى8:2). فهو بهذا القول لم يكن يعنى مكافأة لفضيلة ولا أرتقاء نتيجة تقدم أخلى، ولكنه يقصد السبب في العلو والتمجيد والارتفاع الذي صار فينا. وما هو هذا السبب إلاّ أن يكون أن الذي كان في صورة الله وهو ابن لآب نبيل، قد أذل نفسه وصار بدلاً منّا ومن أجلنا؟ فلو لم يكن الرب قد صار أنسانًا، لما كان في وسعنا أن نُفتَدى (نتحرّر) من الخطيئة وأن نقوم من بين الأموات، بل لبقينا أمواتًا تحت الأرض. ولما كنا لنُرفع (لنمجّد) إلى السماء، بل لرقدنا في الجحيم.

إذن، فمن أجلنا، ولمصلحتنا، كتبت هذه الكلمات” مجّده مجدًا عاليًا”، “وأعطاه اسما”.

44ـ أعتقد إذن أن هذا هو قصد النص الكتابى، وهو قصد كنسى تمامًا. ولكن ربما كانت هناك طريقة أخرى لشرح النص لأعطاء معنى مطابق تمامًا.

أى أن النص لا يعنى تمجيد اللوغوس ذاته بإعتباره لوغوس (لأنه كما سبق أن قيل منذ قليل، أنه عال وأنه مثل الآب)، ولكن النص يشير إلى قيامته من بين الأموات بسبب تأنسه. فقوله ” أذل نفسه حتى الموت” ثم أضاف “لذلك مجّده مجدًا عاليًا ” راغبًا أن يبيّن أنه كإنسان كان يقال عنه أنه قد مات، ولكن لكونه الحياة رُفِعَ بالقيامة ” فإن الذي نزل هو نفسه أيضًا الذي قام ” (أف10:4). لأنه نزل بالجسد، إلاّ أنه قام لأنه هو نفسه كان إلهًا في الجسد. وهذا أيضا هو السبب الذي من أجله قد مهد السبيل الى هذا المعنى باستخدام أداة الربط “لذلك”، والذي لا يعنى أجر فضيلة ولا ترقى، ولكنه يكشف السبب الذي بواسطته قد صارت القيامة.

ولهذا السبب نفسه مات سائر البشر منذ آدم وحتى الآن، وظلوا أمواتًا، أما هذا وحده فهو الذي قام من بين الأموات كاملاً متكاملاً. وهذا هو السبب الذي من أجله سبق الرسول نفسه وقال: إنه بالرغم من كونه الهًا فقد صار إنسانًا. أما سائر البشر فقد ماتوا لأنهم من نسل آدم. وقد كان للموت سيادة عليهم (رو14:5). أما هذا فهو ” الإنسان الثانى من السماء ” (1كو47:15)، وذلك لأن  ” الكلمة قد صار جسدًا ” (يو14:1) ويقول إن مثل هذا الإنسان “من السماء” و “سماوى” (1كو47:15،48) ذلك لأن الكلمةقد نزل من السماء ” (يو38:6) ولهذا فلم يُقهَر (يمسك) من الموت.

فرغم أنه أذل نفسه، مسلّمًا جسده الخاص به حتى الموت، وذلك بسبب قبوله الموت، إلاّ أنه رُفِعَ رفعة عظيمة من الأرض، ذلك لأنه هو ابن الله في الجسد. لذلك فإن ما يقال هنا “لذلك رفّعه الله أيضًا” مساو أيضًا لما قاله بطرس في سفر الأعمال ” الذي أقامه مبطلاً أوجاع الموت، لأنه لم يكن ممكنًا أن يسيطر عليه سلطان الموت ” (انظر أع24:2). فكما كتب بولس ” الذي إذ كان في صورة الله ” قد صار إنسانًا، و ” وأذل نفسه حتى الموت ولذلك مجّده الله مجدًا عاليًا “. وبالمثل يقول بطرس. وحيث إنه إذ كان إلهًا قد صار إنسانًا، فإن الآيات والعجائب كشفت أيضًا للناظرين أنه الله، ولذلك ” فلم يكن ممكنًا أن يمسكه الموت ” (انظر أع24:2).

والإنسان لم يكن يستطيع أن ينجح في تحقيق هذا، لأن الموت هو خاص بالإنسان. ولهذا فإن الكلمة الله صار جسدًا، لكي يحيينا بقوّته بعد أن مات بالجسد.

45ـ وبما أنه يقال إنه “مجّده ورفّعه”، وأن الله “أعطاه” فالهراطقة يظنون أن هذا نقيصة، أو عيبًا خاصًا بجوهر اللوغوس. فمن الضرورى أن نقول، بأى معنى تقال هذه الكلمات. إذ يقول إنه رُفِعَ وأُصعِدَ من أقسام الأرض السفلى[4]. لأن الموت صار خاصًا به أيضًا. وكلا الأمران يقالان عنه حيث إنهما خاصان به وليس بآخر غيره. إذن فالجسد الذي أقيم من بين الأموات هو الذي رُفِعَ إلى السموات. وحيث إن الجسد كان يخصه ولا يوجد للجسد كيان إلاّ باللوغوس نفسه، لذى فمن الطبيعى أنه بتمجيد وترفيع الجسد يقال أيضًا إنه كإنسان قد إرتفع بسبب الجسد.

إذن فلو لم يكن قد صار إنسانًا، لما كانت لتقال عنه هذه الأقوال. أما عبارة “الكلمة صار جسدًا” فإنه كانت هناك ضرورة، أن يقال عنه إنه قام وتمجّد كما يقال عن إنسان، لكي يكون هذا الموت الذي يشار به إليه، فداءًا لخطية البشر، وأبطالاً للموت، أما القيامة والتمجيد فإنهما يدومان فينا بالضرورة بسببه.

وفى كلتا الحالتين قال عنه “مجده الله مجدًا عاليًا”، و “الله أعطاه” كي يبين بهذا أنه ليس الآب هو الذي صار بل كلمته هو الذي صار إنسانًا، فإنه بحسب النمط البشرى، يأخذ من الآب ويتمجد منه. كما سبق أن قال.

فيكون واضحًا ـ ولا يستطيع أحد أن يشكّك في ذلك ـ أن تلك الأشياء التي يعطيها الآب، إنما يعطيها عن طريق الابن، ويكون عجيبًا، وأمرًا مثيرًا للاستغراب حقًا أن النعمة التي يعطيها الابن من لدن الآب، نفس هذه النعمة، يقال أن الابن ذاته قد قبلها. والرفعة التي حققها الابن من لدن الآب، بهذه الرفعة نفسها يُرفّع الابن نفسه.

إذن فإذ هو ابن الله نفسه قد صار ابن الإنسان أيضًا، ولأنه هو اللوغوس فهو يعطى الأشياء من لدن الآب، لأن كل من يصنعه ويعطيه الآب، إنما يصنعه ويعطيه من خلاله.

وكابن الإنسان فيقال إنه بحسب بشريته ينال ما يخصه من ذاته، بسبب أن جسده ليس سوى جسده الخاص به الذي هو بطبيعته أن يتقبل النعمة كما قد قيل.

وبحسب هذه الرفعة إذن، أخذ الإنسان في داخله. وكانت هذه الرفعة من أجل تأليه الانسان أما اللوغوس فله خاصية (التأليه) هذه بحسب الالوهية والكمال الأبوى الخاصين به.

 

 

الفصل الثانى عشر: شرح نصوص: ثانيًا: مزمور 7:45،8 “من أجل ذلك مسحك الله إلهك”

 

46ـ إن هذا الشرح كما كتبه الرسول، إنما يدحض هؤلاء العديمى التقوى. وما قاله المرنم له أيضًا نفس المعنى المستقيم الذي أساء هؤلاء فهمه. في حين أن منشد المزامير يوضح التقوى لأنه هو أيضًا يقول ” عرشك يا الله إلى الدهور، صولجان استقامه هو صولجان ملكك أحببت البر وأبغضت الأثم، من أجل ذلك مسحك الله إلهك بزيت الإبتهاج أكثر من شركائك ” (مز7:45ـ8).

انظروا أيها الآريوسيون وميزوا الحقيقة هنا أيضًا. فالمرنم يقول، إننا جميعًا “شركاء” الرب. فلو كان اللوغوس من العدم. وكان هو واحدًا من المخلوقات، لكان هو أيضًا واحدًا من الشركاء، فماذا يجب أن يفهمه الواحد منا، غير أنه آخر غير المخلوقات (مختلف عن المخلوقات). وأنه هو وحده كلمة الله الحق، وهو البهاء والحكمة التي تشارك فيه جميع المخلوقات، وهي تتقدس منه بالروح؟ ولذلك فهو هنا “يُمسح” لا لكي يصير إلهًا، لأنه كان إلهًا حتى قبل أن يُمسح، ولا لكي يصير ملكًا، لأنه قد كان هو المالك على الدوام، إذ أنه صورة الله كما يقول الوحى (انظر 2كو4:4، كو15:1).

بل إن هذا أيضًا (أى أنه مسح) قد كتب من أجلنا. لأنه عندما كان الملوك ـ أيام أسرائيل ـ يُمسحون، فعندئذ فقط كانوا يصيرون ملوكًا، حيث أنهم لم يكونوا ملوكًا قبل مسحهم، وذلك مثل داود وحزقيا ويوشيا وغيرهم. أما المخلص فهو على العكس، حيث إنه إذ هو الله، يزاول دائمًا حكم مملكة الآب هو نفسه مانح الروح القدس، إلا أنه يقال الآن إنه يُمسَح. فهو كإنسان يقال عنه إنه يُمسَح بالروح وذلك حتى يبنى فينا نحن البشر سكنى الروح وألفته تمامًا مثلما وهبنا الرفعة والقيامة. وهذا ما عناه هو نفسه عندما أكد الرب عن نفسه في الإنجيل بحسب يوحنا ” أنا قد أرسلتهم إلى العالم ولأجلهم أقدس أنا ذاتى ليكونوا هم أيضًا مقدسين في الحق ” (يو18:17ـ19).

وقد أوضح بقوله هذا إنه ليس هو المقدَّس بل المقدِّس. لأنه لم يُقدَّس من آخر بل هو يقدَّس ذاته. حتى نتقدّس نحن في الحق. وهذا الذي يقدَّس ذاته إنما هو رب التقديس. كيف إذن حدث هذا؟ وماذا يريد أن يقول بهذا سوى إنه: ” كونى أنا كلمة الآب، فأنا نفسى أعطى ذاتى الروح حينما أصير إنسانًا. وأنا الصائر إنسانًا أقدّس نفسي (في الآب) لكي يتقدّس الجميع فيّ. وأنا الذي هو الحق. لأن (كلمتك أنت هي الحق) ” (يو17:17).

47ـ إذن فإن كان يقدّس ذاته من أجلنا. وهو يفعل هذا لأنه قد صار إنسانًا، فمن الواضح جدًا أن نزول الروح عليه في الأردن، إنما كان نزولاً علينا نحن، بسبب لبسه جسدنا. وهذا لم يصر من أجل ترقية اللوغوس، بل من أجل تقديسنا من جديد، ولكي نشترك في مسحته، ولكي يقال عنا ” ألستم تعلمون أنكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم ” (1كو16:3) فحينما أغتسل الرب في الأردن كإنسان، كنا نحن الذين نغتسل فيه وبواستطه.

وحينما أقتبل الروح، كنا نحن الذين صرنا مقتبلين للروح بواسطته. ولهذا السبب، فهو ليس كهارون. أو داود أو الباقين ـ قد مسح بالزيت هكذا ـ بل بطريقة مغايرة لجميع الذين هم شركاؤه ـ أى “بزيت الإبتهاج” ـ التي فسر أنه يعنى الروح ـ قائلاً بالنبى ” روح الرب على لأنه مسحنى ” (إش1:61). كما قال الرسول أيضًا ” كيف مسحه الله بالروح القدس ” (أع38:10). متى قيلت عنه هذه الأشياء – إلا عندما صار في الجسد وأعتمد في الأردن. “ونزل عليه الروح”؟ (مت16:3). وحقًا يقول الرب لتلاميذه إن ” الروح سيأخذ مما لى ” (يو16:14). و” أنا أرسله ” (يو7:16). و ” اقبلوا الروح القدس ” (يو22:20). إلاّ أنه في الواقع هذا الذي يعطى للآخرين ككلمة وبهاء الآب، يقال الآن إنه يتقدّس وهذا من حيث إنه قد صار إنسانًا، والذي يتقدس هو جسده ذاته.

إذن فمن ذلك (الجسد) قد بدأنا نحن الحصول على المسحة والختم، مثلما يقول يوحنا ” أنتم لكم مسحة من القدوس ” (1يو20:2). والرسول يقول ” أنتم ختمتم بروح الموعد القدوس ” (أف13:1). ومن ثم فإن هذه الأقوال هي بسببنا ومن أجلنا. فأى تقدم في الإرتقاء، وأى أجر فضيلة أو عمومًا أى أجر عمل للرب، يتضح من هذا؟

فلو أنه لم يكن إلهًا، ثم صار إلهًا، ولو كان قد رُقيّ إلى ملك وهو لم يكن ملكًا، فإنه يكون لقولكم بعض الظل من الإحتمال.

أما إن كان هو الله، ويكون “عرش ملكه أبدى” فإلى أى مدى يمكن أن يرتقى الله؟ أو ماذا ينقص هذا الذي هو جالس على عرش الآب؟ وكما قال الرب نفسه، إن كان الروح هو روحه. والروح أخذ منه، وهو نفسه أرسل الروح (انظر يو14:16، يو7:16)، إذن، فلا يكون اللوغوس بإعتباره اللوغوس والحكمة هو الذي يُمسح من الروح، الذي يعطيه هو ذاته، بل الجسد الذي قد أتخذه، هو الذي يُمسح فيه ومنه، وذلك لكي يصير التقديس الصائر إلى الرب كإنسان، يصير (هذا التقديس) إلى جميع البشر به. لأن يقول: ” إن الروح لا يتكلم من نفسه ” (انظر يو13:16). بل اللوغوس هو الذي يعطى هذا (الروح) للمستحقين.

فإن هذا يشبه ما سبق من قول، لأنه كما كتب الرسول ” الذي إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون مساويًا لله، ولكنه اخلى نفسه آخذًا صورة عبد ” (في6:2،7). وبالمثل يرنم داود للرب. إنه إله وملك أبدى، مرسل إلينا ومتخذًا جسدنا الذي هو مائت. لأن هذا هو المقصود في المزمور بالقول ” مر وعود وقرفة تفوح من ثيابك ” (مز8:45). ويتضح نفس الشئ مما فعله نيقوديموس والنسوة اللائى مع مريم حينما جاء نيقوديموس حاملاً ” مزيج مر وعود نحو مئة رطل ” (يو39:19). وكانت النسوة قد أعددن الحنوط لجسد الرب (لو1:24).

48ـ فأى تقدم هو إذن بالنسبة لغير المائت عندما يتخذ ما هو مائت؟ وأى أرتقاء هو للأزلى عندما يلبس ما هو وقتى وأى أجر يمكن أن يكون بالنسبة لله والملك الأبدى الذي هو في حضن الآب؟ ألا تدركون أن هذا قد صار وكتب بسببنا ومن أجلنا، لأنه إذ قد صار الرب إنسانًا، لكي يصوغنا نحن المائتين والوقتيين ويجعلنا غير مائتين. ولكي يدخلنا إلى ملكوت السموات الأبدى؟ ألا تستحون وأنتم تزيفون الأقوال الإلهية؟ لأنه بنزول ربنا يسوع المسيح وأقامته بيننا، فإننا بالحقيقة قد أرتقينا لأننا تحررنا من الخطيئة، أما هو فهو باقٍ هو هو ولا يتغير بصيرورته إنسانًا (لأنه يلزم أن نكرر نفس القول)، بل كما هو مكتوب فإن ” كلمة الله يبقى إلى الأبد ” (إش8:40).

إذن، مثلما كان قبل تأنسه ـ إذ أنه كان اللوغوس، فإنه منح الروح للقديسين بإعتباره خاصًا به ـ وهكذا عندما صار إنسانًا فإنه قدس الجميع بالروح وقال لتلاميذه، ” اقبلوا الروح القدس ” (يو22:20)، وقد أعطى (الروح) لموسى وللسبعين الآخرين (انظر عدد16:11). والذي به صلى داود للآب قائلاً: ” روحك القدوس لا تنزعه منى ” (مز11:51).

أما عندما صار إنسانًا فقد قال ” سأرسل لكم المعزى روح الحق ” (يو26:15)، وبالفعل أرسله، لأن كلمة الله منزه عن الكذب. إذن فإن ” يسوع المسيح هو هو بالأمس واليوم وإلى الأبد ” (عب8:13) وحيث إنه يظل غير متغير وهو ذاته العاطى والآخذ: فهو يعطى ككلمة الله، ويأخذ كإنسان، وتبعًا لذلك فليس اللوغوس ـ بإعتباره بالحقيقة لوغوس ـ هو الذي إرتقى، إذ كانت له دائمًا، وله على الدوام ـ كل الأشياء. أما البشر ـ الذين يأخذون البداية منه وبسببه ـ فهؤلاء هم الذين يرتقون.

لأنه حينما يقال بحسب الوجهة البشرية إنه الآن يُمسح ـ نكون نحن، الذين نمسح في شخصه، حيث إنه حينما اعتمد، نكون نحن الذين نعتمد في شخصه. ويوضح المخلص بالأحرى كل هذه الأمور حينما يقول للآب: ” وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتنى ليكونوا واحدًا كما أننا نحن واحد ” (يو22:17). وتبعًا لذلك فإنه كان يطلب المجد أيضًا من أجلنا. وبسببنا أيضًا أستخدم كلمة “أخذ” وكلمة “أعطى” وكلمة “مجد مجدًا عاليًا. وذلك لكي نأخذ نحن أيضًا، ولكي يعطى لنا، ولكي نمجد نحن فيه مجدًا عاليًا. وذلك كما يقدس ذاته من أجلنا، لكي نتقدس نحن في شخصه.

49ـ وإن كان هؤلاء ـ بسبب ما جاء في المزمور ” من أجل هذا مسحك الله إلهك ” (مز8:45) يستخدمون التعبير “من أجل هذا” من أجل رغباتهم الخاصة، فليعرف هؤلاء الذين يجهلون الكتب المقدسة، والذين انكشف عدم تقواهم، أن تعبير “من أجل هذا” هنا أيضًا، لا يعنى أجر فضيلة أو سلوكًا خاصًا باللوغوس، بل يعنى السبب الذي من أجله نزل إلينا، ويعنى السبب في مسحة الروح التي مسح بها من أجلنا. لأنه لم يقل “من أجل هذا مسحك” لكي يصير هو إله أو ملك أو ابن أو لوغوس، لأنه كان هكذا وهو دائمًا هكذا من قبل أن يُمسح، كما سبق أن أظهرنا، بل بالأحرى، بما أنك أنت إله وملك، من أجل ذلك أيضًا مُسِحَت.

حيث إنه لم يكن في وسع أحد أخر أن يوحّد الإنسان بالروح القدس، سواك أنت الذي هو صورة الله، تلك الصورة التي بحسبها خلقنا منذ البدء، لأن الروح هو روحك أنت. وكل هذا حدث لأن طبيعة المخلوقات لا يركن إليها بخصوص هذا الأمر. ففى حين تمرد الملائكة، فإن البشر كانوا عصاة. لذلك كان الأمر يحتاج بالضرورة إلى تدخل الله ـ ” لأن اللوغوس هو الله ” (يو1:1)، وذلك لكي يحرر الذين صاروا تحت عبء اللعنة. فلو كان هو من العدم لكان واحدًا بين الجميع وشريكًا لهم، ولما كان هو المسيح.

ولكن بما أنه إله لكونه ابن الله، فهو ملك أبدى، نظرًا لأنه بهاء الآب وصورته. من أجل ذلك فمن اللائق أن يكون هذا هو المسيح المنتظر، الذي وعد الآب البشر به، كما كشف عنه لأنبيائه القديسين، لكي كما خلقنا به، يصير به هكذا أيضًا خلاص الجميع من خطاياهم، ولكي تكون كل الأشياء تحت حكمه. وهذا هو سبب المسحة التي صارت له، وسبب “الحضور المتجسد للوغوس”. وهذا السبب هو الذي تنبأ به مرنم المزامير مسبحًا بألوهيته وملكوته الأبوى، عندما هتف قائلاً ” عرشك يا الله إلى دهر الدهور، صولجان استقامه هو صولجان ملكك ” (مز6:45)، ثم يعلن نزوله إلينا بقوله: ” من أجل ذلك، مسحك الله، الهك، بزيت الابتهاج أكثر من شركائك ” (مز7:45).

50ـ لماذا يكون مثيرًا للدهشة، أو بعيدًا عن الإعتقاد، إن كان الرب، وهو واهب الروح، يقال عنه الآن إنه مسح بالروح حينما تستلزم الحاجة ذلك، فإنه لا يرفض القول عن نفسه أنه هو أدنى شأنًا من الروح ـ بسبب طبيعته البشرية ـ لأنه عندما قال اليهود إنه  ” يخرج الشياطين بيعلزبول ” (مت24:12) فإنه لكي يكشف تجديفهم، أجاب وقال لهم ” إنى بروح الله أخرج الشياطين ” (مت28:12). فها هوذا واهب الروح يقول الآن إنه يخرج الشياطين بالروح، وهذا القول لم يكن ليقال لأي سبب آخر، سوى من ناحية الجسد. لأنه كما أن طبيعة الإنسان لم تكن كافية من ذاتها أن تطرد الشياطين بدون قوة الروح، من أجل هذا كان كإنسان يقول “إنى بروح الله أخرج الشياطين”.

وطبيعى أن التجديف الذي صار ضد الروح القدس، أعظم من التجديف الذي يكون ضد طبيعة البشرية، ولذلك قال: ” كل مَن قال كلمة تجديف ضد ابن الإنسان يُغفر له ” مثل من قالوا: ” أليس هذا هو ابن النجار ” (مت55:13). أما الذين يجدفون على الروح القدس، وينسبون أعمال اللوغوس للشيطان فهؤلاء سيكون لهم عقاب لا مناص منه. إذن فإن الرب قال مثل هذه الأقوال لليهود كإنسان، أما التلاميذ فقد بين لهم ألوهيته وجلاله، مشيرًا إلى ذاته أنه ليس أقل إطلاقًا من الروح بل مساوٍ له.

وأعطاهم الروح وقال: ” اقبلوا الروح القدس ” (يو22:20) وأيضًا ” أنا أرسله ” (يو7:16)، و” ذاك يمجدني ” (يو14:16)، و ” كل ما يسمع يتكلم به ” (يو13:16). وبالمثل إذن فإن الرب مانح الروح نفسه، لا يكف عن القول إنه بالروح يخرج الشياطين كإنسان، وبنفس الطريقة، حيث أنه هو ذاته واهب الروح، فإنه لا يتوقف عن القول: ” روح الرب على لأنه مسحنى ” (إش1:61)، وذلك بسبب أنه قد صار جسدًا (يو14:1) كما قال يوحنا، لكي يتضح في هذين الأمرين، أننا نحن الذين نكون محتاجين لنعمة الروح لكي نتمجد، وأنه ليس في وسعنا أن نخرج الشياطين بدون قوة الروح.

بواسطة من إذن، وممن كان يجب أن يُمنح الروح إلاّ بواسطة الابن. وهو الذي يعتبر الروح أيضًا روحه؟ ومتى كان في استطاعتنا نحن الحصول على الروح إلاّ عندما صار اللوغوس إنسانا؟ (انظر يو16:1). وهذا ما يتضح تمامًا من قول الرسول، أننا لم نحصل على الفداء ولا على التمجيد مجدًا عاليًا، لو لم ” يتخذ صورة عبد، ذاك الذي كان في صورة الله ” (فى6:2ـ7).

هكذا يرينا داود أيضًا أنه ليست هناك طريقة أخرى، لكي نشارك الروح، ونتقدس لو لم يقل اللوغوس ذاته، واهب الروح بأنه هو ذاته، مُسِحَ بالروح من أجلنا، ولهذا السبب طبعًا أخذنا الروح، إذ أنه هو الذي قيل فيه إنه قد مسح بالجسد. حيث إن جسده الخاص هو الذي تقدس أولاً. وإذ قيل عنه كإنسان أن جسده قد أتخذ هذا (الروح)، فلأجل هذا، فنحن نمتلك نتيجة لذلك، نعمة الروح، آخذين أياها ” من ملئه ” (انظر يو16:1).

51ـ وأما الآية الواردة في المزمور: ” أحببت البر، وأبغضت الإثم ” (مز7:45)، فهى ليست مثلما تفهمونها أنتم أنها تبين أن طبيعة اللوغوس متغيرة، بل بالأحرى فإنها تعنى أن اللوغوس غير متغير. لأنه بما أن طبيعة المخلوقات متغيرة والبعض تعدوا الوصية، والبعض الآخر قد تمردوا، كما سبق أن قيل فإن أعمالهم ليست أكيدة، بل يحدث كثيرًا أن ذلك الذي هو صالح الآن، يتحول بعد ذلك ويصير شيئًا آخر. فمثلاً هذا الذي يكون الآن عادلاً، وبعد قليل يكون ظالمًا، لذا أيضًا، كان هناك احتياج إلى واحد غير متغير، لكي يحصل البشر على عدم تغير بر اللوغوس، كصورة ومثال لأجل تحقيق الفضيلة.

أما مثل هذا التفكير فله أيضًا سبب معقول للذين يفكرون بإستقامة، لأنه بما أن الإنسان الأول آدم (1كو45:15) تعرض للتغير، وبسبب الخطية دخل الموت إلى العالم (رو12:5)، من أجل هذا وجب أن يكون آدم الثانى غير متغير، حتى ولو استمرت الحية تزاول عملها، فإن خداعها يضعف، أما الرب، فلكونه غير متغير وثابت، تصير الحية عاجزة عن مساعيها ضد الجميع. لأنه مثلما سقط أدم في العصيان، فإن الخطية ” قد إجتازت إلى جميع الناس ” (رو12:5)، وهكذا حينما صار الرب إنسانا، وحطم الحية، فإن قوته العظيمة هذه قد إنتقلت إلى جميع الناس، حتى يقول كل واحد منا  ” لأننا لا نجهل أفكاره ” (2كو11:2).

ومن الصواب إذن، فإن الرب، الذي هو دائمًا بحسب طبيعته غير متغير. وهو الذي يحب البر، ويبغض الأثم، مُسِحَ وأُرسِل هو ذاته، لكونه هو ذاته وهو باق هو هو، بإتخاذه جسدًا متغيرًا، لكي يدين الخطية في الجسد (انظر رو3:8)، ولكي يجعل ذات هذا الجسد حرًا، ولكي يستطيع من الآن فصاعدًا أن يتمم به حكم الشريعة، ولكي نستطيع أن نقول ” نحن لسنا في الجسد في الروح، إن كان حقًا روح الله ساكنًا في داخلنا ” (رو9:8).

52ـ أيها الآريوسيون، قد صار عبثًا مثل هذا الشك الذي صار فيكم، وعبثًا ما تدعونه وما تتعللون به من أقوال الإنجيل، لأن اللوغوس الذي هو كلمة الله إنما هو غير متغير، وهو مستمر دائمًا في حالة واحدة، ليس كيفما أتفق، بل هو مثل الآب. لأنه كيف يكون مثله، أن لم يكن هو نفسه كذلك؟

أو كيف يكون كل ما هو للآب، هو للابن أيضًا (انظر يو15:16) ان لم يكن للإبن صفة عدم تغير الآب ودوامه؟ وبما أنه غير خاضع للقوانين الطبيعية بأن ينحاز لواحد ضد آخر، فإنه إذن لا يحب الواحد ويكره الآخر.

فلو أنه بسبب الخوف من السقوط ينحاز إلى واحد، فإنه حينئذ سينكشف من الجهة الآخرى، أنه متغير. ولكنه لكونه إله وكلمة الآب، فهو قاض عادل ومحب للفضيلة، وبالأحرى هو مانح الفضيلة. إذن فهو عادل وقدوس بطبيعته. فلهذا يقال إنه يحب البر ويبغض الإثم (انظر إش8:61). وهذا يعادل القول القائل إنه يحب الصالحين ويعنهم. أما الظالمون فإنه ينفر منهم ويبغضهم لأن الكتب المقدسة تقول نفس القول عن الآب: ” الرب عادل ويحب العدل ” (مز7:11). و” يبغض كل فعلة الإثم ” (مز6:5)، و ” أحب أبواب صهيون أكثر من جميع مساكن يعقوب ” (مز2:87)، و ” أحب يعقوب وأبغض عيسو ” (ملاخى2:1،3).

وفى إشعياء كان صوت الرب أيضًا قائلاً ” أنا هو الرب محب العدل ومبغض الاختلاس الناتج عن الظلم ” (إش8:61) فينبغى إذن عليهم، إما أن يفسروا تلك الأقوال بنفس المعاني التي تعنيها هذه الأقوال أيضًا ـ لأن تلك الأقوال قد كتبت عن صورة الله ـ وإما فإنهم بإساءتهم تفسير هذه الأقوال كتلك، أيضًا، فإنهم سيضطرون إلى القول أن الآب هو متغير أيضًا.

ولكن بما أن مجرد سماع الآخرين يقولون هذا القول، هو أمر له أخطار كثيرة، لهذا فإننا نفكر بالصواب بقولنا إن “الله يحب العدل ويبغض الاختلاس والظلم”. وهذا لا يعنى أنه له ميل تجاه الواحد أو تجاه الآخر، ويقبل ما هو مضاد، لدرجة أنه يفضل هذا ولا يفضل ذاك، فهذه هي سمة المخلوقات، بل يعنى أنه كقاض، يحب الأبرار ويعينهم ويعزف عن الأشرار. وتبعًا لهذا إذن، ينبغى أن نفكر بمثل هذه الأفكار عن “صورة الله” أيضًا بأنه هكذا يحب ويكره، لأن هذا ما يجب أن تكون عليه طبيعة “الصورة” مثل طبيعة الآب، حتى ولو كان الآريوسيون ـ لأنهم عميان ـ لا يرونها ولا يرون شيئًا آخر من الأقوال الإلهية.

وبسبب تناقص الأفكار في قلوبهم أو بالأحرى سوء أفكارهم وخبلهم. فإنهم يلوذون مرة أخرى بنصوص الكتب المقدسة، التي عادة لا يشعرون بها، فلا يدركون معناها الصحيح ـ ولكنهم جعلوا من عدم تقواهم الذاتى قاعدة طابقوا عليها كل هذه الأقوال الإلهية وحرفوها. وعند مجرد ذكر مثل هذا التعليم فإنهم لا يستحقون سماع شيء آخر سوى ” تضلون لأنكم لا تعرفون الكتب ولا قوة الله ” (مت29:22). وأن تشبثوا بكلامهم فمن الواجب أن نسكتهم بالقول “أعطوا ما للناس للناس. وما لله لله” (انظر متى21:22).

 

الفصل الثالث عشر: شرح نصوص: ثالثًا: عبرانيين 4:1 “صائرًا أعظم من الملائكة”

 

53ـ ولكنهم يقولون إنه مكتوب في الأمثال ” الرب أقامنى أول طرقه لأجل أعماله ” (أم22:8). وإنه في الرسالة الى العبرانيين يقول الرسول ” صائرًا أفضل من الملائكة بمقدار ما قد ورث اسمًا أكثر تميزًا عنهم ” (عب4:1). ويقول بعد قليل ” من ثم أيها الاخوة القديسون شركاء الدعوة السماوية، ركزوا انتباهكم جيدًا على رسول ورئيس كهنته اعترافنا يسوع، حال كونه أمينا للذى أقامه ” (عب1:3ـ2). وفى سفر الأعمال ” فليعلم يقينا جميع بيت أسرائيل أن الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم ربًا ومسيحًا ” (أع36:2).

هذه الأقوال يتفوهون بها في كل مكان، ولديهم أفكار معوجة عنها ومحرفين معناها، مدعين بها أن كلمة الله مخلوق ومصنوع، وواحد من المخلوقات وهكذا يخدعون الجهلاء، متسترين تحت ستار هذه الأقوال التي يطرحونها.

ولكنهم بدلاً من المعنى الحقيقي، فإنهم يلقون بذور سم هرطقتهم الخاصة. لأنهم ” لو كانوا يعرفون، لما كانوا يجدفون على هذا الذي هو رب المجد ” (1كو8:2)، ولما كانوا يحرفون معاني أقوال الكتاب الحسنة. إذن، فإن كانوا يتبنون أسلوب قيافا صراحة، فإنهم يكونون تبعًا لذلك قد قرروا أن يتهودوا، حتى أنهم يجهلون المكتوب بأنه ” حقًا سيسكن الله على الأرض ” (انظر زكريا10:2). دعهم لا يفحصون الأقوال الرسولية، لأن هذا ليس من سمة اليهود.

ولكن من الناحية الأخرى، إن كانوا يمزجون أنفسهم بالمانويين(72) الملحدين، وينكرون أن ” الكلمة صار جسدًا ” (يو14:1)، وينكرون “حضوره المتجسد”، إذن فلا يكون من حقهم أن يستعملوا الأمثال، لأن هذا كان غريبًا بالنسبة للمانويين. ولكن أن كان بسبب إثارة المشكلة، والربح الناتج من جشعهم، وبسبب طموحهم وحبهم للشهرة، لا يجسرون على إنكار أن “الكلمة قد صار جسدًا” لأن هذا مكتوب حقًا، عندئذ، فإما أنهم من واجبهم أن يفسروا تلك الكلمات المكتوبة بخصوص “الحضور التجسدى للمخلص”، تفسيرًا صائبًا، وإما إن كانوا ينكرون القصد السليم، إذن، فلينكروا أن الرب قد صار إنسانًا. لأنه لا يليق بهم أن يعترفوا بأن “الكلمة قد صار جسدًا”. ومن ناحية أخرى يستحون من المكتوب عنه، ولذلك فإنهم يحرفون معناه.

54ـ لأنه مكتوب ” بهذا المقدار صار أعظم من الملائكة ” (عب4:1)، لذلك فمن الواجب أن نفحص هذا أولاً. والآن من الملائم كما نعمل في كل الأسفار الإلهية، هكذا من الضرورى أن نعمل هنا أيضًا. فيجب أن نفهم بأمانة: الوقت الذي كتب عنه الرسول، والشخص والموضوع اللذين كتب عنهما، لكي لا يجد القارئ نفسه ـ وهو يجهل هذه الأقوال أو غيرها، بعيدًا عن المعنى الحقيقى. ولذلك فإن ذلك الخصى المحب للمعرفة ـ حينما عرف هذا توسل إلى فيلبس قائلاً: ” إنى أسألك، عمن يقول النبى هذا، عن نفسه أم عن شخص آخر؟ ” (أع34:8) لأنه كان يخشى أن يحيد عن المعنى المستقيم، ويفهم الكلام عن شخص آخر من خلال قراءته.

وأيضًا التلاميذ بسبب رغبتهم أن يعرفوا وقت حدوث ما قاله الرب توسلوا إليه قائلين ” قل لنا متى ستكون هذه الأمور؟ وما هي علامة مجيئك ” (مت3:24). وأيضًا عندما سمعوا من المخلص ما قاله عن النهاية، أرادوا أيضًا أن يعرفوا زمنها (انظر مت36:24). وذلك لكي لا يضلوا هم، وأيضًا لكي يتمكنوا من تعليم الآخرين. فإنهم بعد أن عرفوا فقد صححوا (أفكار) الذين كانوا على وشك الضلال من أهل تسالونيكى(73).

لذا فعندما يكون لدى واحد من مثل هؤلاء معرفة كثيرة، عندئذ سيكون له فكر إيمان صحى ومستقيم. أما إذا أساء أحد فهم شيء من هذه، فإنه سينزلق في الحال إلى الهرطقة. وهكذا ضل الذين يتبعون هيمنايس والأسكندر (1تيمو20:1). لأنه برغم أن الوقت لم يكن قد صار بعد. كانوا يقولون إن القيامة قد صارت بالفعل. (انظر2تيمو18:2). في حين أن الغلاطيين ـ بعد أن أكتمل الزمان ـ قد مالوا الآن إلى الختان(74). أما من جهة الشخص، فقد كابد اليهود ولا يزالون يقاسون حتى الآن، لأنهم يظنون أن هذه الآية ” هوذا العذراء تحمل وستلد ابنًا، وتدعون اسمه عمانوئيل، الذي تفسيره الله معنا ” (إش14:7، مت23:1) تقال بخصوص واحد منهم (لا يزالون ينتظرونه) وأنه عندما قيل ” سيقيم لكم الرب نبيًا من وسطكم ” (تث15:18، اع22:3) فإنهم يظنون أنه يتكلم عن واحد من أنبيائهم. أما القول  ” كشاه قد سيقت إلى الذبح ” (إش7:53)، فإنهم لم يتعلموا من فيلبس إلى من يشير، بل ظنوا أنه يتكلم عن إشعياء أو عن نبى آخر من بين أنبياءهم

55ـ لذا فإن أعداء المسيح أنزلقوا إلى الهرطقة البغيضة بسبب معاناتهم من مثل هذه الأمور. فإنهم لو كانوا قد عرفوا تمامًا الشخص والموضوع والوقت المتعلق بالكلمة الرسولية، لما جدف أولئك الحمقى إلى هذا الحد ـ ناسبين الأمور الناسوتية إلى ألوهيته.

وفى استطاعة أى شخص أن يرى هذا، لو أنه فسر بداية الفصل تفسيرًا جيدًا فإن الرسول يقول ” الله بعد ما كلم الآباء بواسطة الأنبياء قديمًا. مرات كثيرة وبطرق متنوعة، كلمنا في هذه الأيام الأخيرة بواسطه ابنه ” (عب1:1ـ2). وبعد قليل يقول ” بعد ما صنع بنفسه تطهيرًا لخطايانا جلس في يمين العظمة في الأعالى. صائرًا أعظم من الملائكة بمقدار ما قد ورث اسمًا أفضل منهم ” (عب3:1ـ4).

إن القول الرسولى إذن يشير إلى الزمن الذي فيه ” كلمنا بواسطة ابنه”. عندما قد صار تطهير خطايانا أيضًا. فمتى “تحدث إلينا في شخص ابنه”. ومتى قد صار “تطهير الخطايا”. ومتى قد صار إنسانًا إلا بعد الأنبياء في الأيام الأخيرة؟ وبما أنه كان يقص قصة التدبير الخاص بكل منا، وكان يتكلم عن الأزمنة الأخيرة. فإنه لا ينقطع عن ذكر أن الله لم يكف عن التحدث إلى الناس خلال الأزمنة الماضية، لأنه تحدث إليهم بواسطة الأنبياء. ولأن الأنبياء قد خدموا، والشريعة أعلنت بواسطة الملائكة (عب2:2)، والابن أيضًا نزل وجاء لكي يخدم (مت28:20)، لذا كان من الضرورى أن يضيف. “صائرًا أعظم من الملائكة بمثل هذا المقدار” رغبة منه أن يوضح أن الابن بقدر ما يختلف عن العبد بقدر ذلك صارت خدمة الابن أفضل من الخدمة التي يقدمها العبيد.

إذن، بعد أن ميز الرسول بين الخدمة قديما وبينها حديثًا فإنه يقدم لليهود كاتبًا وقائلاً ” صائرًا أعظم من الملائكة بمثل هذا المقدار “، لهذا فإنه لم يعقد مقارنة بينه وبين الكل (أى المخلوقات)، بقوله إنه قد صار “أعظم”، أو “أكثر كرامة”، وذلك لكي لا يظن أحد بخصوصه وخصوصهم ـ أنهم أبناء جنس واحد. بل قد قال إنه “أفضل” وذلك لكي يكون معروفًا، إختلاف طبيعة الابن عن طبيعة المخلوقات. ولدينا الدليل على هذا من الكتب المقدسة. إذ يترنم داود قائلاً ” يوم واحد في ديارك خير من ألف ” (مز10:84). أما سليمان فيهتف قائلاً: ” خذوا تأديبى لا الفضة. والمعرفة أكثر من الذهب المختار. لأن الحكمة خير من الأحجار الكريمة، وكل مادة ثمينة لا تساويها ” (أم10:8ـ11).

لأنه كيف لا تكون الحكمة والأحجار المستخرجة من الأرض، مختلفة في جوهرها، وهي بطبيعتها شيء آخر؟ وأية علاقة توجد بين الديار السماوية، وبين المساكن التي على الأرض؟ أم ما وجه التشابه بين الابديات والروحيات، وبين الأمور الوقتية والفانية؟ لأن هذا هو المعنى الذي يقوله إشعياء ” هكذا قال الرب للخصيان الذين يحفظون سبوتى ويختارون ما يسرنى ويتمسكون بعهدى. أنى أعطيهم في بيتى وفى أسوارى موضعًا ذائع الصيت، أفضل من البنين والبنات، وسأعطيهم اسمًا أبديًا، ولن ينقطع ” (إش4:56ـ5).

إذن، فلذلك فليست هناك علاقة قرابة بين الابن والملائكة وما دامت ليست هناك علاقة ـ فلهذا فإن كلمة “أفضل” لا تذكر للمقارنة، بل بحصافة وفطنة بسبب اختلاف طبيعة الابن عن طبيعة الملائكة. ونفس الرسول هو الذي فسر كلمة “أفضل” قائلاً إن هذا لا يكمن في شيء آخر بل في الفرق بين الابن والمخلوقات، كمن يقول إن هذا هو الابن، بينما المخلوقات هم العبيد. وكما أن الابن هو مع الآب “جالس عن يمينه”، هكذا فإن العبيد يظهرون أمامه، “ويُرسَلون ويخدمون”.

56ـ وبما أن هذه الأقوال مكتوبة هكذا، أيها الآريوسيون فإنه يستدل منها أن الابن ليس مخلوقًا، بل بالأحرى هو كائن آخر غير كل المخلوقات. فهو ابن ذاتى للآب كائن في أحضانه. لأن ما هو مكتوب أيضًا: “صائرًا” لا يعنى أن الابن مخلوق مثلما تظنون أنتم. لأنه لو كان قد قيل ببساطة “صائرًا”، وسكت، لكان لدى الآريوسيين عذر، حيث إنه قد تكلم من قبل عن الابن موضحاُ من خلال كل الفقرة أنه كائن آخر غير المخلوقات. لهذا لم يدون “صائرًا” بمعنى مطلق، بل ربط “أعظم” بـ “صائرًا” لأنه أعتبر أن هذا القول ليس مختلفًا. عالمًا أن من يقول “صائرًا” عن من يُعتَرف به أنه ابن ذاتى، كمن يقول عنه إنه قد صنع، وإنه “أعظم”، ذلك لأن المولود لا يتغير، حتى وإن قيل عنه إنه قد صار، أو أنه قد وُجِدَ.

أما المخلوقات فلأنها مخلوقة، فمن المستحيل أن يقال عنها إنها مولودة، إلاّ فيما بعد، أى بعد خلقتها، حينما تشترك في الابن المولود. وفى هذه الحالة يقولون عنها أيضًا إنها قد ولدت، ليس بسبب طبيعتها الذاتية، بل بسبب مشاركتها للابن، في الروح. وهذا أيضًا تعترف به الكتب الإلهية، التي تقول عن المخلوقات ” كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء ” (يو3:1). ” وكل أعمالك بحكمة صنعت ” (مز24:104). أما عن الأبناء المولودين فيقول: ” ولد لأيوب سبعة بنين وثلاث بنات ” (أيوب2:1) ” وكان لأبراهيم مئة سنة عندما ولد له اسحق ابنه ” (تك5:21) أما موسى فقال: ” إن ولد بنون لأي شخص ” (انظر خر4:21)، لذلك فإن كان مختلفًا عن المخلوقات، وهو المولود الوحيد الذاتى لجوهر الآب، فقد أحبط إدعاء الأريوسيين بخصوص لفظة “صائرًا”.

لأنه، وإن كان على الرغم من خجلهم بسبب إحباطهم فإنهم يضطرون أن يقولوا، إن الكلمات قد قيلت على سبيل المقارنة. ولهذا فإن الأقوال المقارنة هي من نفس النوع، حتى أن الابن يكون من نفس طبيعة الملائكة، فهم سيقعون في العار مقدمًا لأنهم يحاكون ويؤكدون تعاليم فالنتينوس وكاربوكراتوس(75) وغيرهما من الهراطقة.

فالأول منهما قال إن الملائكة من نفس طبيعة المسيح، أما كاربوكراتوس فيقول إن الملائكة هم الذين خلقوا العالم، فربما تعلموا منهم أيضًا أن يقارنوا “كلمة الله” بالملائكة.

57ـ ولكنهم بتخيلهم مثل هذه الأمور، فإن المرنم يخجلهم بقوله ” من يكون شبيهًا بالرب من بين أبناء الله ” (مز1:89). ” من يشبهك بين الآلهة يا رب؟ ” (مز8:86). إلا أنهم ـ إن كانوا يريدون أن يعرفوا ـ سيسمعون الجواب، بأن الأمور المتعلقة بالمقارنة إنما تكون بين المتماثلين في الجنس، وليس بين غير المتجانسين.

إذن، فليس في وسع أحد، أن يقارن الله بالإنسان. كما أنه لا يمكنه مقارنة الإنسان بالخيل، ولا الأخشاب بالأحجار نظرًا لعدم تشابه طبيعتهما. لكن الله هو جوهر لا نظير له ولا يقاس بغيره. أما الإنسان فإنه يقارن بإنسان، كما يقارن الخشب بالخشب، والحجارة بالحجارة. وليس في وسع أحد أن يستخدم قط عن هذه الأشياء كلمة “أعظم” بل يستعمل كلمات مثل “نوعًا ما” و “أكثر”. فمثلاً كان يوسف جميلاً نوعًا ما بين أخوته. وراحيل أكثر جمالاً من ليئه. وليس نجم “أفضل” من نجم. ولكنه يختلف نوعًا ما في المجد (انظر 1كو41:15). أما في حالة الأشياء غير المتشابهة. فعند مقارنة هذه الأشياء بعضها ببعض، فعندئذ يقال “أفضل” عن الأشياء التي لها نوعية مغايرة. مثلما سبق أن قيل عن الحكمة والأحجار الكريمة.

إذن فإن كان الرسول قد قال ” إن الابن أرقى بكثير من الملائكة ” أو هو “أعظم بدرجة أكبر” لكان لكم العذر أن تقارنوا الابن بالملائكة. أما الآن فبقوله إنه “أفضل” وإنه يختلف بدرجة كبيرة بقدر ما يختلف الابن عن العبيد، فإنه يبين أنه مختلف عن طبيعة الملائكة.

ومرة أخرى، عندما يقول إنه هو “الذى أسس جميع الأشياء” (انظر عب10:1). يبين أنه مختلف عن جميع المخلوقات. وبما أنه مختلف تمامًا في جوهره عن طبيعة المخلوقات. فأى مقارنة أو مضاهاة لجوهرة يمكن أن توجد بالمقارنة مع المخلوقات؟ لأنهم إن استعادوا – إلى ذاكرتهم من جديد شيئًا من هذا. فلا شك أن بولس سيفندها لهم عندما يقول: ” لأنه لمن من الملائكة قال قط. أنت أبنى وأنا اليوم ولدتك ” (عب5:1). ويقول عن الملائكة ” الصانع ملائكته أرواحًا وخدامه لهيب نار ” (عب7:1).

58ـ فها هو ذا إذن يستخدم فعل “يصنع” عن المخلوقات وهو يقول عنها إنها مصنوعة. أما بخصوص الابن فلم يستخدم كلمة “صنع” ولا “صيرورة” بل يقول عنه إنه “الأبدى” و “الملك” “وكونه الخالق”، عندما تكلم قائلاً: ” عرشك يا الله إلى دهر الدهور ” (عب8:1). ” وأنت يا رب في البدء أسست الأرض. والسموات هي عمل يديك. وهي ستبيد ولكنك أنت ستبقى ” (عب10:1ـ11).

ومن هذه الكلمات يمكنهم أن يفهموا ـ إن كانوا يريدون ـ أن الخالق هو آخر غير المخلوقات، أما المخلوقات فهى شيء آخر غيره، وأنه هو الله. أما تلك المخلوقات فقد صنعت من العدم. لأن ما يقوله هنا “هذه ستبيد”، لم يقله لأن الخليقة ستصير الى زوال. بل لكي يبين طبيعة المخلوقات. من النهاية التي ستؤول إليها. لأن تلك التي لها قابلية الهلاك، حتى وإن لم تكن هلكت بعد ـ بسبب فضل ذاك الذي خلقها ـ إلا أنها قد خلقت من العدم ـ مما يشهد بأن هذه الأشياء لم تكن موجودة يومًا ما. من أجل هذا إذن، حيث إن مثل هذه الأشياء لها مثل هذه الطبيعة فإنه يقال عن الابن القول “أنت ستبقى”. لكي تتضح أبديته.

لأنه حيث إنه ليس فيه إمكانية الفناء، كما يحدث للمخلوقات ـ بل له الدوام إلى الأبد، فليس ملائمًا أن يقال عنه: “لم يكن موجودًا قبل أن يولد”. فإنه هو نفسه الموجود دائمًا، والدائم مع أبيه. وحتى لو لم يكن الرسول قد كتب هذا في الرسالة إلى العبرانيين إلا أنه في رسائله الأخرى، بل كل الكتاب المقدس يحول دون تخيل مثل هذه التصورات عن “اللوغوس”. وحيث إن الرسول كتب هذا، وكما قد اتضح من قبل، أن الابن هو مولود جوهر الآب، وأنه هو الخالق، وأن المخلوقات خلقت بواسطته، وأنه هو أيضًا “البهاء”، و”اللوغوس” و”الصورة”. و”حكمة الآب”.

في حين أن المخلوقات أحط من الثالوث، وهم يساعدون ويخدمون. ولذلك فإن الابن مختلف في النوع، ومختلف في الجوهر بالنسبة إلى المخلوقات. وبالأحرى فإنه هو من ذات جوهر الآب ومن نفس طبيعته

لذلك فإن الابن نفسه لم يقل “أبى أفضل منى” حتى لا يظن أحد أنه غريب عن طبيعة الآب. بل قال “أعظم منى” (يو28:14)، ليس من جهة الحجم ولا من جهة الزمن، بل بسبب ميلاده من أبيه ذاته، فأنه حتى عندما يقال “أعظم منى” أظهر مرة أخرى أنه من ذاتية جوهره (الذاتى)(*).

59ـ والرسول نفسه عندما قال ” صائرًا أفضل من الملائكة بمثل هذا المقدار “. لم يقل هذا ليس لأنه أراد أولاً أن يقارن جوهر اللوغوس بالمخلوقات ـ لأنه لا يوجد وجه للمقارنة، أو بالأحرى فإن الواحد منهما غير الآخر تمامًا. ولأنه وهو يرى “حضور اللوغوس التجسدى” إلينا، والتدبير الصائر منه عندئذ، فإنه يوضح أن اللوغوس ليس مشابها للذين سبقوا أن جاءوا قبله. وهذا لكي يوضح أنه بقدر ما يختلف هو (اللوغوس) بحسب الطبيعة عن الذين أرسلهم قبله، بقدر ما كانت النعمة الصائرة منه وبه أفضل من خدمة الملائكة. لأن العبيد كانوا مختصين فقط بالمطالبة بالثمار وليس أكثر (مت34:21). أما الابن والسيد فكان يحق له أن يصفح عن ديونهم وأن يسلّم الكرم إلى آخرين.

هذا إذن الذي يذكره الرسول بعد ذلك، يوضح اختلاف الابن عن المخلوقات قائلاً: ” لذلك يجب أن نتنبه أكثر إلى ما سمعناه حتى لا نبتعد عنه. لأنه إن كانت الكلمة التي نطق بها ملائكة قد صارت ثابتة وكل تعد ومعصية نال جزاء عادلاً. فكيف ننجو إن أهملنا خلاصًا هذا مقداره؟ هذا الخلاص الذي بدأ الرب التحدث به، ثم تثبت من الذين سمعوه ” (عب1:2ـ2). فإن كان الابن معدودًا واحدًا من المخلوقات، لما كان أفضل منهم، ولما أختص من يعصاه بأعظم قدر من العقاب بسببه. لأنه في خدمة الملائكة لم يكن مسموحًا لأي واحد منهم أن يتمكن من معاقبة المخالفين سواء بأكثر أو بأقل، بل كانت الشريعة واحدة، وكان الحكم واحدًا بالنسبة إلى المخالفين.

ولكن حيث إن اللوغوس ليس معدودًا بين المخلوقات بل هو ابن الآب، لذلك فبقدر ما كان هو أفضل، كلما كانت الأعمال الخارجة منه، أفضل ومغايرة، وكلما وجب أن تكون العقوبة أشد. إذن دعهم ينتظرون النعمة الممنوحة عن طريق الابن. وليدركوا هذا المشهود له بواسطة الأعمال أنه مختلف عن المخلوقات وأنه وحده الإبن الحقيقى الذي في الآب، والآب فيه.

والشريعة نطق بها بواسطة ملائكة، وهي لم تكمل أحدًا، بسبب إحتياجنا إلى مجئ اللوغوس إلينا مثلما قال بولس (انظر عب19:7). أما مجئ اللوغوس فقد أكمل عمل الآب. (يو4:17) وفى ذلك الوقت كان ” الموت قد ملك من آدم إلى موسى ” (رو14:5) أما حضور اللوغوس فقد ” أبطل الموت ” (2تى10:1) ولم نعد بعد ” نموت جميعًا في آدم، بل في المسيح سيُحيا الجميع ” (1كو22:15). عندئذ كان ينادى بالشريعة من دان إلى بئر سبع، ” وكان الله معروفًا في اليهودية ” (مز1:76) وحدها. أما الآن فقد ” خرج صوتهم إلى كل الأرض ” (مز4:19). ” وقد أمتلأت الأرض من معرفة الله ” (إش9:11).   ” والتلاميذ تلمذوا كل الأمم ” (مت19:28). واليوم تم المكتوب ” ويكون الجميع متعلمين من الله ” (يو45:6، إش13:54).

وفى ذلك الوقت كانت تلك الشواهد مجرد مثال، أما الآن فقد ظهرت الحقيقة نفسها. وهذا يفسره الرسول مرة أخرى بعد ذلك بشكل أوضح عندما يقول: ” على قدر ذلك قد صار يسوع ضامنًا لعهد أفضل ” (عب22:7). ومرة أخرى يقول ” ولكن يسوع الآن قد حصل على خدمة أفضل بمقدار ما هو وسيط لعهد أفضل قد تثبت على تعهدات أفضل ” (عب6:8)، و ” لأن الناموس لم يكمّل شيئًا. ولكن يصير إدخال رجاء أفضل ” (عب19:7).

ويقول مرة أخرى ” فكان يلزم أن أمثلة الأشياء التي في السموات تطهر بهذه الأساليب، أما السماويات عينها فإنها تطهر بذبائح أفضل من هذه ” (عب23:9). والآن إذن، فإن كلمة “أفضل” تشير كلية إلى الرب، الذي هو أفضل من سائر المخلوقات. ومميزًا عنها. ذلك لأن ذبيحته أفضل، والرجاء فيه أفضل. والوعود المعطاة بواسطته. ليست لمجرد مقارنتها كعظيمة أمام أخرى صغيرة، بل لكونها مختلفة عن الأخرى بحسب طبيعتها. لأن مدبر هذه الأمور هو “أفضل” من المخلوقات.

60ـ وأيضًا قوله “قد صار ضامنًا”، أى الضمانة المعطاة منه لأجلنا. لأن اللوغوس قد “صار جسدًا”، فإننا نعتبر “الصيرورة” أنها تشير إلى الجسد، لأن “الجسد مخلوق وهو مصنوع”. وهكذا أيضًا كلمة “قد صار” فإننا نفسرها بحسب مدلوها الثانى. وذلك بسبب صيرورته إنسانًا. وعلى المعارضين أن يعرفوا أنهم ينزلقون بسبب سوء نيتهم هذه.

وليعرفوا إذن أن بولس الذي عرفه “كإبن” و”حكمة” و”بهاء” و”صورة” الآب، لم يقصد أن جوهر “اللوغوس” قد “صار” بل تعتبر “الصيرورة” هنا لخدمة ذلك العهد الذي كان فيه الموت سائدًا يومًا، وهو قد أبطل هذا الموت.

وبحسب هذا فإن الخدمة من خلاله قد صارت أفضل، إذ أيضًا ” لأن ما كان الناموس عاجزًا عنه حينما كان ضعيفًا من ناحية الجسد، فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطيئة ولأجل الخطيئة دان الخطيئة في الجسد ” (رو3:8) نازعًا الخطيئة من الجسد، الذي كان أسيرًا لها على الدوام لدرجة أنه لم يستوعب الفكر الإلهى. وإذ جعل الجسد قادرًا على تقبل “اللوغوس” فإنه خلقنا حتى ” لا نسلك بعد بحسب الجسد بل بحسب الروح “.

ونقول ونكرر نحن ” لسنا في الجسد بل في الروح ” (رو9:8)، وأن ابن الله جاء ” إلى العالم لا لكي يدين العالم” بل لكي يفدى الجميع “ويخلص به العالم ” (يو17:3). لأنه سابقًا إذ كان العالم ـ كمسئول ـ وكان يدان بواسطة الناموس، أما الآن فإن اللوغوس أخذ الدينونة على نفسه، وبتألمه لأجل الجميع بالجسد. وهب الخلاص للجميع. هذا ما رآه يوحنا فصاح قائلاً  ” الناموس بموسى أعطى. أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا ” (يو17:1). فالنعمة أفضل من الناموس، والحقيقة أفضل من الظل.

61ـ إذن. فإن “الأفضل” ـ كما سبق أن قيل، لم يكن ممكنا أن يصير بواسطة أى شخص آخر بل بواسطة الإبن “الجالس عن يمين أبيه”. وما الذي يعنيه هذا سوى أصالة الابن وأن ألوهية الآب هذه إنما هي ألوهية الابن؟

فإن الإبن وهو مالك ملكوت الآب، فإنه يجلس في ذات العرش مع الآب، ونراه مرتبطًا بألوهية الآب. إذن فاللوغوس هو الله، و” الذي يرى الابن يرى الآب ” (يو9:14). وهكذا فهو إله واحد.

إذن فبجلوس الابن عن اليمين، لا يعنى بذلك أن الآب على يساره بل يعنى أن ما يكون يمينًا وكريمًا في الآب، فهذا أيضًا يكون للابن. وهو يقول ” كل ما هو للآب فهو لى ” (يو15:16). ولذا فإن الابن وهو جالس على اليمين يرى الآب نفسه على اليمين، بالرغم من أنه بصيرورته إنسانًا يقول ” إنى أرى الرب أمامى في كل حين، أنه عن يمينى لكي لا أتزعزع ” (مز8:16). وهذا يوضح أيضًا أن الإبن في الآب، والآب في الابن (انظر يو10:14) ولكون الآب على اليمين يكون الإبن على اليمين. ومثلما يجلس الابن على اليمين يكون الآب في الإبن. والملائكة يخدمون صاعدين ونازلين.

أما عن الابن فيقول ” ولتسجد له كل ملائكة الله ” (عب6:1). عندما تقوم الملائكة بالخدمة يقولون ” أُرسلت إليك ” (لو19:1). ” الرب قد أوصى ملائكته ” (انظر مز11:91).

أما الابن فإنه يقول وهو في الصورة البشرية: ” الآب قد أرسلنى” (يو36:5) وإنه ” أتى لكي يعمل ” (يو36:5) ولكي “يخدم” (يو36:5) إلاّ أنه لكونه “اللوغوس” و”الصورة” يقول ” أنا في الآب والآب في ” (يو10:14)، ” ومن رآنى فقد رأى الآب ” (يو9:14) ” والآب الحال في هو الذي يعمل الأعمال ” (يو10:14). لأن الأشياء التي نراها في تلك الصورة، فهذه هي أعمال الآب.

إن ما سبق أن قيل كان ينبغى أن يخجل الذي يصارعون ضد الحق. ولكن إن كانوا بسبب ما كتب “صائرًا أفضل” يرفضون أن يفهموا أن “صائرًا” إنما تقال عن الإبن في حالة صيرورته إنسانًا. أو تقال عنه بسبب الخدمة الأفضل التي صارت بالتجسد، كما قلنا، بل يفهمون بهذه العبارة أن اللوغوس مخلوق، فليسمعوا مرة أخرى بإيجاز هذه الأقوال لأنهم قد نسوا ما كان قد قيل.

62ـ لأنه لو كان الابن يحسب من بين الملائكة، واستعملت كلمة “صائرًا” عنه كما عن الملائكة، وإن كان لا يختلف عنهم في شيء بحسب الطبيعة: ففى هذه الحالة، أما أن يكون الملائكة جميعًا أبناء، أو يكون هو ملاكًا. وهكذا فإما أن الجميع يجلسون عن يمين الآب، أو أن يقف الابن مع الملائكة ” كأحد الأرواح الخادمة المرسلة للخدمة ” (عب14:1) مثله مثل الملائكة.

ولكن من الجهة الأخرى. إن كان بولس قد ميز بين الابن والمخلوقات قائلاً ” لأنه لمن من الملائكة قال قط أنت ابنى ” (عب5:1). لأن الابن قد خلق السماء والأرض، أما الملائكة فإنهم قد خُلِقوا بواسطته، هو يجلس مع الآب، أم هم فيقفون ويخدمون، فلمن لا يكون واضحًا أنه لم يستعمل “صائرًا” عن جوهر اللوغوس، بل عن الخدمة الصائرة منه؟.

فكما أنه لأنه “اللوغوس” قد “صار جسدًا”، فإنه حينما صار إنسانًا، فإنه في خدمته “قد صار أفضل بمثل هذا القدر” من الخدمة الصائرة من الملائكة. وبقدر ما يختلف الابن عن العبيد، والخالق عن المخلوقات هكذا فليكفوا عن إعتبار كلمة “صائرًا” أنها عن جوهر الابن، لأن الابن ليس من بين المخلوقات، وليعلموا أن “صائرًا” إنما تشير إلى خدمته، والتدبير الذي صار فعلاً.

أما كيف قد صار أفضل في الخدمة، إذ هو أفضل بالطبيعة عن المخلوقات فهذا يثبت مما سبق أن قلناه، وأعتقد أنه يكفى لتخجيلهم. ولكنهم إن استمروا في إنكارهم، ففى هذه الحالة يكون من المناسب أن نقاوم جسارتهم المتهورة، ونعارض أولئك بنفس الأقوال التي قيلت عن الآب ذاته. وهذا يؤدى أما إلى تخجيلهم لكي يكفوا ألسنتهم عن الشر، وأما أن يعرفوا إلى أى مدى سحيق وصل جنونهم.

إنه مكتوب ” لتكن لى إله معين. وبيت أحتمي به لكي تخلصنى ” (مز2:31) وأيضًا ” صار الرب ملجأ للمعدم ” (مز9:9). وغيرها كثير مثلها في الكتب المقدسة. فإن كانوا يقولون إن هذه الأقوال قد كتبت عن الابن وهو المحتمل أن يكون هكذا حقًا، فيجب عليهم أن يعرفوا بأن القديسين يطلبون اليه بإلحاح أن يكون معينًا لهم وبيت إحتماء. لأنه ليس بمخلوق. ولذلك فإن “صائرًا” و”صنع” ولفظ “قنى” من الواجب فهمها أنها تشير إلى حضوره المتجسد، لأنه بتجسده قد “صار معينًا”، “وبيت حماية” عندما ” حمل خطايانا في جسده على الخشبة ” (1بط24:2)، وهو الذي قال ” تعالوا إلى يا جميع المتعبين والثقيلى الأحمال، وأنا أريحكم ” (مت28:11).

63ـ إلاّ أنهم إن قالوا إن هذه الأقوال إنما هي عن الآب، فهل سيحاولون أن يقولوا إن الله مخلوق بسبب ما جاء في هذه الأقوال من عبارات “لتكن لى” أو “صار الرب”، نعم أنهم سيتجاسرون على ذلك مثلما يفكرون بنفس الأفكار عن اللوغوس. لكن حاشا أن يأتى قط مثل هذا التفكير إلى فكر أى واحد من المؤمنين، فالابن ليس من بين المخلوقات، كما أن المكتوب هنا “لتكن” “وصار” لا يعنى بداية الوجود، بل يعنى المعونة التي تعطى للمحتاجين إليها.

لأن الله هو هو دائمًا، أما الناس فقد صاروا بعد ذلك بواسطة اللوغوس، حينما أراد الآب ذاته. فإن الله لا يُرى. ولا يمكن الدنو منه بالنسبة إلى المخلوقات. وخاصة بالنسبة للناس. إذن فعندما يتوسل الناس في ضعفهم. ويطلبون العون وهم مطاردون، وعندما يصلون وهم مظلومون، فإن غير المنظور ـ لكونه محبًا للبشر ـ يظهر لهم بوجوده وإحسانه الذي يقدمه بواسطة وفى شخص “كلمته” الذاتى. وحينئذ تكون علامات الظهور بحسب حاجة كل واحد فيظهر قويًا للضعفاء، ويظهر “ملجأ” للمطرودين. “وبيت حماية” للمظلومين ويقول ” بينما أنت تستغيث، أقول هأنذا إنى حاضر بجوارك ” (إش9:58).

فإن معونة تأتى لأي واحد بواسطة الإبن، فإن ذلك الواحد يقول إن الله قد “صار” له، حيث إن المساعدة من الله قد صارت بواسطة اللوغوس وإن عادة استعمال الناس تعرف هذا الأمر، والجميع يعترفون بهذا ويتكلمون بالحق.

وكثيرًا ما أعطى البشر معونة لبشر مثلهم، فهناك من يتعاطف مع المصاب مثلما فعل إبراهيم مع لوط (انظر تك13:14ـ16). وهناك من فتح داره للمطرود، كما فعل عوبديا لبنى الأنبياء (1ملوك4:18). وهناك من أراح الغريب، ملما أراح لوط الملائكة (انظر تك3:19)، وهناك من أعطى للمحتاجين، مثلما أعطى أيوب للذين سألوه (انظر أيوب15:29ـ16). فلو قال واحد من هؤلاء الذين نالوا المعونة: ” مثل هذا المعين قد صار لى “، ولو قال آخر “صار لى ملجأ”.

ويقول آخر “قد صار واهب”. فإنهم عندما يقولون لا يقصدون بداية وجود المحسنين إليهم. ولا جوهرهم، بل يقصدون الإحسان الصائر إليهم من أولئك المحسنين. هكذا عندما يقول القديسون، عن الله أنه “قد صار” “ولتكن لى” فإنهم لا يعنون أى بدء للوجود، لأن الله ليس له بداية، وليس مخلوقًا، بل يقصدون الخلاص الذي صنعه هو للبشر.

64ـ فإن كانت الأمور تفهم هكذا، فإنهم سيفهمون هكذا عن الابن أيضًا، حينما يقال “قد صار” و “لتكن” حتى أنه حينما نسمع القول  ” صائرًا أفضل من الملائكة ” (عب4:1)، “وقد صار”، فحاشا أن نفكر في أية بداية لوجود اللوغوس، ولا أن نتخيل أبدًا من مثل هذه الأفكار أنه مخلوق. بل يجب أن نفهم ما يقوله بولس أنه يشير إلى الخدمة والتدبير الخاص بصيرورته إنسانًا. لأنه عندما ” صار الكلمة جسدًا وسكن فينا ” (يو14:1)، ” جاء لكي يخدم ” (مت28:20)، ولكي يهب للجميع خلاصًا، وعندئذ صار لنا خلاصًا، وصار لنا حياة. وصار فداء. عندئذ فإن تدبيره من أجلنا ” قد صار أفضل من الملائكة “. وصار طريقًا. وصار قيامة.

وكما أن القول ” لتكن لى إله معين ” (مز2:31) لا يشير إلى صيرورة جوهر الله ذاته، بل تشير إلى محبته للبشر، كما قيل، هكذا الآن: ” صائرًا أفضل من الملائكة ” و”صار”. و” بقدر هذا قد صار يسوع ضامنًا أفضل ” (عب22:7)، لا تعنى أن جوهر اللوغوس مخلوق (حاشا)، بل يقصد الإحسان الصائر لنا بتأنسه، رغم جحود الهراطقة. ومشاغبتهم بسبب عدم تقواهم.

 

تمت المقالة الأولى وتليها الثانية هنا: ضد الأريوسين م1 – أثناسيوس الرسولي

 

 

 

(1) قارن 1 تيمو20:1 و 2 تيمو 17:2 هيمينايس والاسكندر هما اثنان من المعلّمين المبتدعين في المسيحية الأولى، اللذين حرمهما بولس الرسول من الخدمة في الكنيسة لأنهما آمنا وعلّما بأن قيامة الأموات العامة قد صارت.

(2) سوتيادس شاعر يونانى قديم من مارونيا، ذاع صيته أيام حكم بطليموس فيلاديفوس. وكان موضوع أشعاره من الميثولوجيا اليونانية ذات الأسلوب الفاضح الوقح، ولذلك سمى بالشاعر الداعر.

(3) ابنة هيروديا، كانت قد ابهجت صدر هيرودس برقصاتها المغرية لدرجة أنها طلبت منه أن يقدّم لها رأس يوحنا السابق على طبق أنظر متى 1:14 – 12، مر17:6 – 29.

(4) الثاليا هي أشعار وقصائد ألفها أريوس بهدف نشر هرطقته بما فيها من تعاليم خاصة.

(5) يبدو أن القديس أثناسيوس يشير إلى أن البعض كان يطلق على المؤمنين المستقيمى الرأى اسم أثناسيوس، لكي يجدوا بهذا مبررًا لأنفسهم وهم يسمون أتباعهم بأسمائهم، وأن يعتبروا أنفسهم مسيحيين.

(6) انظر (يوئيل 25:2) حيث يشير الى الجراد والطيار بلقب “جيش الله العظيم”.

(7) يقصد مجمع نيقية المسكونى الأول الذي أنعقد سنة 325م.

(8)) كان الإمبراطور قسطنديوس يحمى الآريوسيين ولذلك فإنه نفى أثناسيوس مرتين في عامى 340، 356

(9) مز 1:2.

(10) يو 1:1.

(11) رؤ 4:1.

(12) يو 20:1.

(13) 1كو24:1.

(14) أى أن القوة منسوبة للآب وخاصة به. ولكنه لم يقل أن الاب نفسه هو القوة ذاتها. بل أن الابن هو قوة الاب (المعرب).

(15) 2 كو17:3.

(16) كو 17:1.

(17) مت 27:11.

(18) أش 28:40.

(19) دانيال (سوسنة 42).

(20) باروخ 20:4.

(21) باروخ 22:4.

(22) عب 3:1.

(23) مز 17:89.

(24) مز 10:35 (فى ترجمة جمعية الكتاب المقدس مز 9:36).

(25) مز 13:144 (أى مز 13:145).

(26) يوحنا 12:8.

(27) يو 14:10.

(28) يو 12:8.

(29) يو 13:13.

(30) تكوين 5:2 (الترجمة السبعينية).

(31) تث 8:22.

(32) يو 28:14،29.

(33) أم 23:8 – 25 (السبعينية).

(34) يو 58:8.

(35) أرميا 5:1.

(36) مز 89 (90): 1 – 2.

(37) دانيال (سوسنة42).

(38) يو 3:1.

(39) أمثال 1:18.

(40) يوحنا 14:16.

(41) متى 5:17.

(42) يوحنا 18:5.

(43) 2بط 4:1.

(44) 1 كو 16:3.

(46) انظر 2كو7:5.

(47) ارميا 13:2.

(48) ارميا 12:17،13.

(49) باروخ 12:3.

(50) يو 6:14.

(51) ام 12:8.

(52) اش 11:58.

(53) مز24:103 (السبعينية) مز24:104 في الطبعة الشائعة.

(54) أم 10:3.

(55) يو 3:1.

(56) 1 كو6:8.

(57) يو 6:14.

(58) أم 30:8 (السبعينية).

(59) كان يوسابيوس أسقفًا لنيقوميدية وكان زميلاً لأريوس في مدرسة لوسيان بأنطاكية وظل صديقًا له على الدوام. وأخذ على عتقه أن يقوم بتأييد آريوس تأييدًا مطلقًا بعد أدانته بواسطة المجمع المسكونى الأول (نيقية 325) وعمل بجد عملاً متواصلاً لأجل قبول آريوس من جديد في الكنيسة وعلى الرغم من عدم نجاحه في ذلك، فان الأريوسية تدين له بأنها لم تتلاشى وتختف فورًا بل ظلت كخطر داهم جسيم لفترة طويلة على الكنيسة.

(60) انظر رو23:1.

(61) أفسس 15:3.

(62) يو 1:1.

(63) عب 3:1.

(64) رو 5.

(65) كان بولس الساموساطى أسقفًا لانطاكية (260 – 268) وأدين في عام 268م بعد سلسلة من المجامع التي من خلالها ظهر ضلال عقائده. وحسب تعليم هرطقته اعتبر أن المسيح كان مجرد انسانًا عاديًا ثم صار الها بسبب جدارة عظمة شخصيته التي استحقها بسبب التبنى (ولذلك) سمّى مشايعوه باسم أصحاب التبنى وهكذا أنكر الساموساطى تعليم الثالوث القدوس وتعليم التجسد ولكنه اعترف فقط أن المسيح أفضل من موسى والأنبياء.

[1] تعبير أن طبيعة الله هي طبيعة بسيطة غير مركبة تعني أنه غير منقسم إذ أن التركيب هو بداية الإنقسام.

(66) الآباء الأساقفة الـ 318 الذين اجتمعوا في المجمع المسكونى الأول في نيقية، والذي أدان الهرطقة الأريوسية.

(67) كان أستيريوس مثل أريوس وأوسابيوس النيقوميدى، تلاميذ لوكيانوس الأنطاكى. وقد تبع استيريوس التعاليم الأريوسية وكتب لهم دستور عقيدتهم، وقد لعب دورًا هامًا في نشر الأريوسية بواسطة رحلاته المستمرة التي كان يقوم فيها بالدعاية للآريوسية.

(68) اللغة اليونانية تستعمل أداة التعريف قبل المضاف وقبل المضاف إليه والمقصود “قوة الله وحكمة الله” (المعرب).

[2] حيث إن الابن أيضًا هو “مخلوق”.

[3]

(69) أى التي من الآب (المعرب)

(70) مز71 في الترجمة السبعينية ويقابل مز17:72، مز5:72.

(71) أى بحسب كونه الابن الذي من ذات الآب (المعرب).

[4] ” الذي نزل هو الذي صعد أيضًا فوق جميع السموات لكي يملأ الكل ” (أف9:4).

(72) كانت المانوية مماثلة لمذهب الغنوسية (أى مذهب العارفين. وهم المسيحيون الذين يعتقدون أن الخلاص بالمعرفة دون الإيمان). وكانت المانوية تؤمن بالمبدأ الثنائى: فالعالم تحكمه قوتان مضادتان: النور والظلام، والخير والشر. الله والمادة وبحسب أعتقادهم أن المسيح قد صلب لأن لديه في داخله عنصر خاضع للألم والمعاناة.

(73) أساء أهل تسالونيكى فهم محتويات رسالة الرسول بولس الأولى الموجهة إليهم بخصوص مجئ المسيح الفجائى، وتركوا أعمالهم في انتظار المجئ الثانى، لذلك أضطر الرسول أن يكتب إليهم الرسالة الثانية كي يهدئ خواطرهم، معلنا لهم العلامات التي ستسبق هذا المجئ.

(74) كان المسيحيون المتهودون يعملون على غواية الغلاطيين، وكان هؤلاء المتهودون يعتبرون الاحتفاظ بشريعة موسى والختان ضرورة ملحة للمسيحية وكتب بولس رسالته إليهم – خاصة لأجل دحض وجهة النظر هذه.

(75) فالنتينوس هو المثل الرئيسى للغنوسية في القرن الثانى وبحسب مذهبه أن العالم نشأ من الإله الأعلى بواسطة سلسلة لا نهائية من الآلهة الوسطاء ـ أى الدهور. وقد وصلت إلينا أخبار هذه الهرطقة أساسًا من إيريناؤس وهيبوليتوس.

أما كاربوكراتوس: فقد كان فيلسوفًا من الأسكندرية تأثر كثيرًا بأفلاطون أكثر من غيره من الغنوسيين، وكان يعلم بأن الله غير المولود هو أبو الملائكة والأرواح، وبعض من هؤلاء الملائكة هم خالقوا العالم ـ وبحسب مذهبه ولد يسوع ابنًا طبيعيًا من مريم ويوسف رغم أنه أكثر برًا من كل البشر.

(*) في مواضع أخرى من المقالات الأربعة فسر القديس أثناسيوس هذه الآية وآيات أخرى مشابهة بمعنى أن الآب أعظم من جسد الأبن. (المقالة 7:3) (المعرب).

الصلاة الكهنوتية – ج1 (يوحنا 17 :1-5) – مينا كرم

الصلاة الكهنوتية – ج1 (يوحنا 17 :1-5) – مينا كرم

الصلاة الكهنوتية – ج1 (يوحنا 17 :1-5) – مينا كرم

29\9\2022

مقدمة عامة

من أمتع ما يُمكن أن تقرأه في العهد الجديد بالكامل هي صلاة الرب يسوع المسيح في الإصحاح السابع عشر[1] من إنجيل الرسول يوحنا، يمتلئ هذا الإصحاح بتركيبات إيمانية وإستعلانية صعبة والسبب الجوهري لهذه الصعوبة هي سهولتها في الوقت نفسه، وهذه هي السمة التي يتميز بها إنجيل يوحنا عن باقي الأناجيل بل وعن باقي كل كتابات العهد الجديد.

وهذه – الصعوبة اليسيرة- ستظهر وتتجلى بالتمام عند الضغط على بعض التعبيرات اليوحناوية المملوءة دقة في الشرح اللاهوتي، عن هذا الأصحاح بالتحديد يقول Lange ” أن هذا الإصحاح هو الأبسط والأعمق والأسمى في كل الكتاب المقدس”[2]، وبحسب تعبير Bengel ” من بين كل أصحاحات الكتاب المُقدس هذا الإصحاح هو الأسهل بحسب كلماته، والأعمق بحسب أفكاره” [3]صلاة الرب يسوع في هذا الأصحاح تُعرف باسم ” الصلاة الكهنوتية “[4]وبالرغم من أن هذه التسمية هي من القرن السادس عشر بدايةً من David Chytraeus (1531-1600) العالم الألماني اللوثري فهي قديمة قدم Chytraeus.

ولكن أيضًا قدم القديس كيرلس الكبير في شرحه لإنجيل يوحنا الرب يسوع باعتباره رئيس الكهنة والوسيط بيننا وبين الأب.[5] يُعد هذا الإصحاح تقرير لما فعله الرب يسوع في الثلاث سنوات الأخيرة بإعطاء نظرة تقيمية مختلفة لمعنى الحياة والخدمة وهذه الذروة كانت بسبب إقترابه من الصلب، هذا التصور الذي جعل جون نوكس المًصلح الاسكتلندي[6] يطلب أن يُقرأ عليه هذا الإصحاح حينما كان مستلقيًا على فراش الموت خلال مرضه الأخير كمصدر للقوة والراحة، ويعطي تقرير لما فعله في الخدمة ايضاً. [7]

وعن هذا فيضع الرب يسوع في الخمسة اعداد الأولى الأساس اللاهوتي الذي ينقلنا الى علاقة التبني التي تجعلنا ورثة ملكوت الله فنحن نناله بالمسيح وبدونه لا ولم ولن نكون ورثة، إن لم يكن لنا الوارث كرأس الجسد، ونحن ورثة وممسكين في الرأس كأعضاء هذا الجسد، كل هذا لا يقوم على أساس أخر الإ علاقة الإبن بالأب،بل وكل ما حدث في التدبير لا يقوم على أساس الجسد الإنساني الذي اتخذه الله الكلمة، فكل ما حدث في التدبير أي في الزمن هو على أساس اللاهوت، ولو كان ما حدث في الزمن هو من فعل الناسوت ويقوم على الناسوت فكل شيء قد ضاع.

فكل ما فعله المسيح في تجسده لم يكن له، وهذا ما نقوله في قانون الإيمان “هذا الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا” فكل ما حدث في التدبير كان لأجلنا نحن، فقد وُلد الرب يسوع من العذراء مريم في اتحاد كامل بين الناسوت واللاهوت، فالجسد الذي اخذه الله الكلمة قد تكون بواسطته ومتحد به، أخذ الجسد الذي لنا القابل للموت – الذي فينا- فالموت والفساد لم يكن خارج الإنسان ” كلطخة” على جسده.

هذا الموت هو في الطبيعة الإنسانية، وباتحاد الكلمة بهذا الجسد القابل للموت التصقت الحياة أيضًا في هذه الطبيعة البشرية، وفي عماده من يوحنا المعمدان لم يكن في احتياج لها، ولا يحتاج أن يقوم من الأموات لأن لاهوته لم يموت، فالذي مات هو الذي قام، فالذي مات هو الجسد الإنساني المتحد باللاهوت والذي قام هو الجسد الإنساني المُتحد باللاهوت، فهو باكورة الأموات لأنه لم يسود عليه الموت، وهو أول من دخل إلى الموضع الذي لم يدخل إليه ذو طبيعة بشرية(قسمة سبت الفرح)، ونحن به لا يسود علينا ونحن به نحيا لأن لا يوجد لنا حياه في ذاتنا، لكنه – المسيح- له حياة في ذاته.

وعلى ضوء صلاة يسوع في هذا الإصحاح فقد اقترب الصلب والموت الذي لم يكن رغمًا ولم يكن الرب يسوع مُجبر ابدأ، لأن له السلطان على ذاته يستطيع أن يضع ذاته ويستطيع أن يأخذها، ولكن كل ما حدث لأن ” التدبير” قد اقتضى هذا، فالتجسد والمعمودية والموت والقيامة والصعود، يقوموا على أساس اللاهوت، فالله الكلمة قد خلق ادم لأنه مُحب، وقد جدد الخليقة الأولى بالخليقة الجديدة-وجود جديد- لأنه مُحب، ليس عن احتياج أو اضطرار، فقد صار يسوع أدم الثاني لتنقطع علاقتنا الى الأبد بأدم الأول وتتكون علاقة جديدة ووجود جديد في شركة مع الله، والدافع لكل هذا هو المحبة الإلهية، وإن كانت أفعال الرب في الجسد تقوم على أساس إنساني فلا يوجد استطاعة لتجديد الخليقة.

 

المجد

يُهيمن على الفقرات الخمس الأولى تعبير ” المجد ” وما يتوافق مع العهد الجديد بأكمله أن قيامة الرب يسوع تُعلن مجد الله لأن القيامة كانت عمل الله، وقد أعطى القديس يوحنا تصور للآلام والموت والقيامة باعتبارهم ” الساعة” وكأن عين القديس يوحنا مُثبتة على موضوع المجد طوال ” الساعة “، “وأما يسوع فأجابهما قائلا قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان، أيها الآب مجد اسمك. فجاء صوت من السماء مجدت وأمجد أيضا.” (23،28:12)، ” ان كان الله قد تمجد فيه فان الله سيمجده في ذاته ويمجده سريعا.”(13:32)، “تكلم يسوع بهذا ورفع عينيه نحو السماء وقال أيها الآب قد أتت الساعة. مجد ابنك ليمجدك ابنك”(17:1). وكانت صلاة الرب يسوع في مُنتصف الساعة ” والآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم”(17:5)[8]

 

  • مُصطلح المجد δόξα

هذه الكلمة وُجدت بالفعل عند هوميروس وهيروديت، ولها معنى أساسي في كل اليونانية غير الكتابية مُرتبطة بــ δοκέω والتي تُعني ما يعتقده الشخص أو ” رأي”، وهنا تأتي على شكلين أما أن تكون ” أنا اعتقد- رأيي”، أو ” رأي الآخرين عني ” سواء كان هذا الرأي-فلسفي أو غير فلسفي – أو التخمين أو الاعتقاد صحيح ام لا.[9] ولكن حينما نقوم بعمل مسح كامل للعهد الجديد لا نجد فيه ولا مثال واحد فقط يعطي لنا هذا المعنى، يُقدم العهد الجديد صورة مُختلفة تماماً عن هذا التعبير، لا يوجد في أي موضع في العهد الجديد استخدام لتعبير δόξα بمعنى ” رأي” أو حتى في كتابات الآباء ما بعد الآباء الرسولين، فالعهد الجديد استخدم مصطلحات أخرى لتعبير عن هذا المعنى القديم – رأي-، فيستخدم مثلا تعبير γνώμη ” ولكنني اطلب اليكم أيها الأخوة باسم ربنا يسوع المسيح ان تقولوا جميعكم قولا واحدا ولا يكون بينكم انشقاقات بل كونوا كاملين في فكر واحد ورأي واحد.” (1كو 1:10)، ” واما العذارى فليس عندي امر من الرب فيهنّ ولكنني اعطي رأيا كمن رحمه الرب ان يكون أمينا.” (1كو 7:25)، أو يستخدم تعبير πρόθεσις “واما انت فقد تبعت تعليمي وسيرتي وقصدي وايماني واناتي ومحبتي وصبري “(2تي 3:10)، ولكن مازال في العهد الجديد معنى ” سمعة ” لتعبير δόξα ” بل متى دعيت فاذهب واتكئ في الموضع الأخير حتى إذا جاء الذي دعاك يقول لك يا صديق ارتفع الى فوق. حينئذ يكون لك مجد أمام المتكئين معك.”(لو 14:10)، وأيضا معنى ” شرف-عفة ” ما زال موجود ” وأما المرأة إن كانت ترخي شعرها فهو مجد لها لان الشعر قد أعطي لها عوض برقع.”(1كو 11:15).

كما يظهر معنى ” المجد، الإشراق ” في العهد الجديد وهذا المعنى غير موجود في كل اليوناني غير الكتابي إلا عند يوسفيوس، ” ثم أخذه أيضًا إبليس الى جبل عال جدا واراه جميع ممالك العالم ومجدها.”(متى 4:8)، “وقال له إبليس لك اعطي هذا السلطان كله ومجدهنّ لانه اليّ قد دفع وانا اعطيه لمن أريد”(لوقا 4:6)، “ولكن أقول لكم انه ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها.” (مت 6:29)، ” تأملوا الزنابق كيف تنمو. لا تتعب ولا تغزل. ولكن اقول لكم انه ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها.”(لو 12:27)، ومجد النجوم أيضا، ” وأجسام سماوية وأجسام أرضية. لكن مجد السماويات شيء ومجد الارضيات آخر.”(1كو 15:40)، كما يُمكن أن المجد يُعني انعكاس بمعنى صورة εἰκών “فان الرجل لا ينبغي ان يغطي راسه لكونه صورة الله ومجده. وأما المرأة فهي مجد الرجل.” (1كو 11:7)

 ولكل ما هو مشروح اعلاه، فنحن نمتلك معنى جديد لهذا المُصطلح غير مُستحدم تقريبا في كل اليوناني غير الكتابي على الإطلاق، هذا المعنى الجديد كالإشراق الإلهي والسماوي وعظمة الله بل وكيان الله، هذا المعنى ليس من فراغ ولكنه امتداد للعهد القديم [10]

الصلاة الكهنوتية – ج1 (يوحنا 17 :1-5) – مينا كرم
  • مُصطلح المجد δόξα في العهد القديم

يكمن هذا المعنى الجديد وراء التعبير العبري כָּבוֹד والذي ستجده في الترجمة السبعينية δόξα، ويُستخدم في التعبير عن الظهور الإلهي والإعلان المجيد عن ذاته، ويرتبط بشكل كبير بالرؤية ” وفي الصباح ترون مجد الرب لاستماعه تذمّركم على الرب. واما نحن فماذا حتى تتذمروا علينا” (خر 16:7)، ” فيعلن مجد الرب ويراه كل بشر جميعا لان فم الرب تكلم” (اش 40:5)، وأيضًا الظهور، ” فحدث اذ كان هرون يكلم كل جماعة بني اسرائيل انهم التفتوا نحو البرية. واذا مجد الرب قد ظهر في السحاب.” (خر 16:10)، ” وقلتم هوذا الرب الهنا قد ارانا مجده وعظمته وسمعنا صوته من وسط النار. هذا اليوم قد رأينا ان الله يكلم الإنسان ويحيا.” (تث 5:24)، وربما أن نرى هذا المجد في عمل الخلق ” لإمام المغنين. مزمور لداود‎. ‎السموات تحدث بمجد الله. والفلك يخبر بعمل يديه‎.” (مز 19:1)، والتعبير عن مجد الله في تاريخ الخلاص ” وها انا اشدد قلوب المصريين حتى يدخلوا وراءهم. فأتمجد بفرعون وكل جيشه بمركباته وفرسانه.”(خر14:17)، والحضور الإلهي، ” ثم غطت السحابة خيمة الاجتماع وملأ بهاء الرب المسكن.” (خر 40:34)، وقد كان فقد تابوت الله يُعنى فقد المجد وهذا الحدث قد انعكس على اسم إيخابود الذي يُعني “أين المجد؟ “، ” فدعت الصبي ايخابود قائلة قد زال المجد من اسرائيل لان تابوت الله قد أخذ ولاجل حميها ورجلها.” (1 صم 4:21)[11]

 وهذا يُعني أن السبعينية بترجمتها لتعبير כָּבוֹד إلى δόξα أعطت المًصطلح اليوناني معنى جديد ومميز فقد حولت ” الذوكسا- الرأي” أي شيء ربما يكون موضع خلاف إلى شيء ” موضوعي ” أي حقيقة الله، ومجد الله ليس صفة خاصة به مثل الحكمة بل صفة لطبيعة الله – طبيعة الله مُمجدة ” ولا يوجد شك أن العهد الجديد استمد هذا المعنى من اليونانية السبعينية وليس من اليونانية العلمانية. [12]

 

  • مُصطلح المجد δόξα في الأناجيل الإزائية

 عند فحص الأناجيل يبدو أنهم تتبعوا في استخدامهم لمُصطلح ” المجد” الترجمة السبعينية للعهد القديم، عند قراءتنا للأناجيل سنجد استخدام روتيني مثل عظمة شيء ما على الأرض ” ثم اخذه أيضًا ابليس الى جبل عال جدا واراه جميع ممالك العالم ومجدها.”(مت 4:8)، أو الحديث عن عظمة سليمان “تأملوا الزنابق كيف تنمو. لا تتعب ولا تغزل. ولكن اقول لكم انه ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منه”(لو 12:27)، وهذا المعنى قريب للغاية من تمجيد الناس بعضهم البعض ” فمتى صنعت صدقة فلا تصوت قدامك بالبوق كما يفعل المراؤون في المجامع وفي الأزقة لكي يمجّدوا من الناس. الحق أقول لكم انهم قد استوفوا أجرهم.” (مت 6:2) ” كيف تقدرون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون مجدا بعضكم من بعض. والمجد الذي من الاله الواحد لستم تطلبونه (يوحنا 5:44) هذا المعنى قريب من التكريم أو الاهتمام، مثلما حدث مع الرب يسوع ” وكان يعلّم في مجامعهم ممجدا من الجميع” (لو 4:15).

ولكن يوجد استخدام أخر وهو الأكثر توافقًا مع العهد القديم، وهو أن التمجيد خاص بالله أو ما يخصه، فيظهر مجد الله بشكل مُتكرر في روايات الميلاد ” وإذا ملاك الرب وقف بهم ومجد الرب اضاء حولهم فخافوا خوفا عظيما.” (لو 2:9)، “المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة”(لو 2:14)، وكذلك في حادث التجلي ” اللذان ظهرا بمجد وتكلما عن خروجه الذي كان عتيدا أن يكمله في اورشليم.، وأما بطرس واللذان معه فكانوا قد تثقلوا بالنوم. فلما استيقظوا رأوا مجده والرجلين الواقفين معه. (لو 31-32: 9)، وتمجيد الناس حينما يروا بعض الأعاجيب ” فلما رأى الجموع تعجبوا ومجدوا الله الذي اعطى الناس سلطانا مثل هذا” (مت 9:8)، ” فقام للوقت وحمل السرير وخرج قدام الكل حتى بهت الجميع ومجّدوا الله قائلين ما رأينا مثل هذا قط” (مر 2:12)، ” ثم رجع الرعاة وهم يمجدون الله ويسبحونه على كل ما سمعوه ورأوه كما قيل لهم ” (لو 2:20) وكل هذا هو انعكاس لأدب العهد القديم عن المجد مثل ” ‎يا خائفي الرب سبحوه. مجدوه يا معشر ذرية يعقوب. واخشوه يا زرع إسرائيل جميعا‎.” (مز 22:23)، ” اسمعوا كلام الرب أيها المرتعدون من كلامه. قال أخوتكم الذين أبغضوكم وطردوكم من اجل اسمي ليتمجد الرب. فيظهر لفرحكم وأما هم فيخزون” (اش 66:5)

 ولكن النقلة التطورية في لاهوت الأناجيل الإزائية – وهي الأكثر أهمية في الحديث- هو طريقة تصوير مجد الرب يسوع المسيح، فالمسيح بسبب اتحاده بالله الآب يعكس المجد الألوهي، ولكن الحديث عن المجد في الأناجيل الإزائية له دائما لغة ” اسخاتولوجية – أخروية” وهذا واضح في طلب يعقوب ويوحنا ” فقالا له اعطنا ان نجلس واحد عن يمينك والآخر عن يسارك في مجدك” (مر 10:32)، ويضع متى تعبير أخر للمجد في روايته الموازية ويستخدم تعبير ” ملكوت”، ” فقال لها ماذا تريدين. قالت له قل ان يجلس ابناي هذان واحد عن يمينك والآخر عن اليسار في ملكوتك.” (مت 20:21).

ويبدو أن المجد المسيح- ابن الإنسان- سيظهر عند عودته ” فان ابن الإنسان سوف يأتي في مجد ابيه مع ملائكته وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله.” (مت 16:27)، ” لان من استحى بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطئ فان ابن الإنسان يستحي به متى جاء بمجد ابيه مع الملائكة القديسين” (مر 8:38)، ” لان من استحى بي وبكلامي فبهذا يستحي ابن الإنسان متى جاء بمجده ومجد الآب والملائكة القديسين.” (لو 9:26)

 ولكن الاستثناء لهذا النمط الأخروي في الأناجيل الإزائية هو رواية التجلي بحسب إنجيل لوقا (28-36: 9) يُقدم لوقا الرب يسوع أنه كان ” في مجده ” وهذا الحديث ليس اسخاتولوجي على الإطلاق[13]

 

  • مُصطلح المجد δόξα في إنجيل يوحنا

لا يرتكز الحديث عن المجد في إنجيل يوحنا على أساس اسخاتولوجي، يتحدث هذا الإنجيل بقوة عن المجد في سياق خدمة الرب يسوع المسيح على الأرض، صحيح لا يزال مفهوم العهد القديم عن المجد موجود (أنظر 5:44، 7:18، 9:24،11:4،12:43) لكن التركيز الرئيسي ينصب على مجد المسيح، فيتحدث عن مجد المسيح قبل تجسده، ” قال اشعياء هذا حين رأى مجده وتكلم عنه.” (يو 12:41)، ” والآن مجدني انت ايها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم” (يو 17:5)، ” أيها الآب اريد ان هؤلاء الذين اعطيتني يكونون معي حيث اكون انا لينظروا مجدي الذي اعطيتني لانك احببتني قبل انشاء العالم.” (يو 17:24)، ومجده أثناء تجسده لا يزال مرئيًا، ” والكلمة صار جسدا وحلّ بيننا ورأينا مجده مجدا كما لوحيد من الآب مملوءا نعمة وحقا.” (يو 1:14)، ” اجاب يسوع ان كنت امجد نفسي فليس مجدي شيئا. ابي هو الذي يمجدني الذي تقولون أنتم انه إلهكم” (يو 8:54)، ” فلما سمع يسوع قال هذا المرض ليس للموت بل لاجل مجد الله ليتمجد ابن الله به.” (يو 11:4)، ” إن كان الله قد تمجد فيه فان الله سيمجده في ذاته ويمجده سريعا.” (يو 13:32)، وبهذا الاهتمام عن المجد في إنجيل يوحنا على تفسير الاستخدام المتكرر لمصطلح ” نور”، غالبًا يظهر النور والمجد معًا في العهد القديم (أنظر اش 1-3:60) بالمُقارنة (يو 4-9:1، 3:19، 8:12، 12:46)، وهذا يتفق مع لاهوت العهد الجديد، حيث لا ينفصل ابن الله عن مجده، ” التي لم يعلمها أحد من عظماء هذا الدهر. لان لو عرفوا لما صلبوا رب المجد.” (1 كو 2:8)، ” الذين فيهم إله هذا الدهر قد اعمى اذهان غير المؤمنين لئلا تضيء لهم انارة إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله.” (2 كو 4:4)، ” الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الاشياء بكلمة قدرته بعدما صنع بنفسه تطهيرا لخطايانا جلس في يمين العظمة في الاعالي” (عب 1:3). [14]

الصلاة الكهنوتية – ج1 (يوحنا 17 :1-5) – مينا كرم

الشرح

لكي نسير بخطى سليمة، سوف أستعيد هنا ما قاله الآباء سواء كانوا من قبل نيقية أو بعد نيقية عن الخمس فقرات الأولى في الإصحاح السابع عشر ثم على هذا الأساس ننطلق الى خطوة اخرى في الشرح.

  • التفسير الابائي[15]

  • ترتليان

” أن علاقة الآب بالابن، والابن بالمُعزي الروح القدس تستدعي اتحاد الثلاثة أقانيم، وهم ما زالوا مُتمايزين، الثلاثة اقانيم لهم نفس الجوهر الواحد وليس الأقنوم الواحد، كما قال الرب ” أنا والآب واحد”، هذه الوحدة تتعلق بالجوهر وليس العدد، أنظر الى الإنجيل بالكامل، ستجد أن الذي تعتقد أنت أنه الآب (يوصف بأنه ممثله، على الرغم أنك تفترض أن الأب كونه الكرّام بالتأكيد كان على الأرض) مرة أخرى يعترف به الابن بأعتباره في السماء عندما رفع عيناه اليه” [16]

تحدث ترتليان هنا في رده على Praxeas الذي كان مُهرطق مجهول وربما يكون هو نفسه Noetus ولكن يستخدم لقب أخر، كان يؤمن أن أقنوم الابن والروح القدس مُجرد تسميات للإله الواحد، استهزأ ترتليان بفكر هذه الهرطقة وبحسب تعبيره ” يصلبون الأب “[17] لم تنكر هذه الهرطقة أن المسيح هو الله ولكنها قالت بما أن المسيح هو الله، فهو أيضًا أب!، وإذا مات المسيح فإن الأب مات معه، لأن هرطقات القرن الثاني والثالث مثل الشكلانية والسابلية ظنوا أن الأقانيم هي اعلانات لله تارة كالآب وتارة كالابن وتارة أخرى كالروح القدس.

قدم ترتليان شرح للثالوث بأعتبار أن الله مثلث الأقانيم ويوجد تمايز بين كل اقنوم والثلاثة اقانيم واحد في الجوهر، فأول حديث لنا من جهة الآباء هو ببساطة تمايز أقنوم الأب عن اقنوم الابن ليكون هذا الأساس البسيط والذي يعرفه الجميع نصب اعيننا.

  • ايرينيئوس

“الكلمة يُمجد ابيه والأب يُمجد الكلمة كما قال المسيح بنفسه ” أبها الآب، مجدني بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم” كما أنه غير مُحتاج إلى خدمتنا حينما أمرنا أن نتبعه، لكنه منحنا الخلاص، لأن كونك تتبع المُخلص فأنت تصير شريكًا في الخلاص.. لأنه بقدر ما لا يحتاج الله شيء، فإن الإنسان يحتاج إلى شركة مع الله، لأن هذا هو مجد الإنسان أن يستمر في خدمة الله دائمًا، ولذلك قال الرب أيضًا لتلاميذه “ليس أنتم اخترتموني بل أنا اخترتكم” هنا يُشير إلى أنهم لم يُمجدوه عندما تبعوه ولكنهم بأتباعهم لإبن الله قد تمجدوا هم به” [18]

  • نوفتيان

“لو كان المسيح مجرد إنسان، فعلينا أن نسأل لماذا وضع لنا هذا القاعدة الإيمانية التي تقول ” وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته”؟، لأنه لو يكن راغب أن نفهم أنه الله لكان قد قال ” والإنسان يسوع المسيح الذي أرسلته”، لكنه لم يقل لنا هذا، لأنه لم يرغب أن نعرفه كمجرد إنسان لكنه ربط نفسه بالله وبهذا الربط والاقتران أراد أن يُفهنا أنه الله”[19]

“ولو كان المسيح مُجرد إنسان فكيف يقول ” والآن مجدني أيها الآب بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم!؟، هذا يُعن أنه كان له وجود قبل كون العالم، فكيف يكون له مجد إلا اذا كان هو نفسه موجودًا من قبل، فالمسيح له مجد قبل تأسيس العالم لأنه هو نفسه موجود قبل تأسيس العالم، ولو كان مجرد انسان لن يكون له مجد قبل كون العالم لأنه لم يكن موجودًا فلا يُمكن أن يكون له مجد سابق، ولكن المسيح لم يكن إنسان فقط فهو إذن الله الموجود قبل كون العالم” [20]

  • كبريانوس

” في الأناجيل والرسائل تُغفر الخطايا بأسم المسيح، ولكن ليس على هذا النحو تُغفر الخطايا بالمسيح وحده دون الآب أو في مُقابل الآب، ولكن لكي يظهر لليهود الذين يتفاخروا بأن لهم الآب، أن الآب لن ينفعهم شيئًا ما لم يؤمنوا بالابن الذي أرسله الآب، فأولئك الذين يعرفون الله الآب الخالق، عليهم أيضًا أن يعرفوا المسيح الذي قال “ليس احد يأتي الى الآب الا بي” ويقول أيضًا أن معرفة الابن والآب هي التي تُخلص ” هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته”، ومن ثم فكرازة وشهادة المسيح نفسه، تقوم أن يُعلن الآب الذي أرسله ثم بعد ذلك المسيح الذي اُرسِل، ولا يُمكن أن يوجد رجاء بالخلاص إلا بمعرفة الإثنين” [21]

  • اوريجانوس

 “الله ذاتي الألوهية، ولذلك يقول المُخلص في صلاته للأب ” أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك” لأن كل مُشارك في الوهيته الذاتية يتأله، ويُدعى “إله” لكن لا يُدعى “الله”[22]

  • هيلاري اسقف بواتية

لقد مجده الآب في ذاته، ومن أجل ذلك ينبغي أن يُعترف به في مجد الآب، وقد مجده الآب في ذاته، أفليس واضحًا أن له كل ما لأبيه، لأن الآب قد مجد الإبن في ذاته ويتوجب الاعتراف به في مجد الآب!؟، عليك أن تتأمل، إنه ليس في مجد الله فقط، بل في مجد الله الآب، الآب يُمجد الإبن ليس بمجد خارج ذاته، بل يُمجده في ذاته، الآب يُمجده في ومع ذاته بإعادته للمجد الذي يخص ذاته، والذي كان له معه من قبل، ولذلك فهذا الاعتراف ليس منفصلاً عن المسيح حتى وهو في خضوع الناسوت، لأنه يقول “وهذه هي الحياة الابدية ان يعرفوك انت الاله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي ارسلته”، أولاً لا توجد حياة أبدية في الاعتراف بالله الآب بدون يسوع المسيح، ثانيًا فالمسيح يتمجد “في الآب”، وبطريقة مُحددة ودقيقة فإن معرفة الإلة الحقيقي وحده، والذي أرسله، الذي هو يسوع المسيح، أنكر أن المسيح إله حقيقي، إن كنت تقدر أن تحصل على الحياة بالإيمان بالله بدونه، أما من جهة حقيقة أن الآب هو الإله الحقيقي وحده فلن يكون المسيح إله حقيقي إلا إذا كان مجد المسيح بالكامل في الله الآب الحقيقي وحده، فإذا كان الآب يُمجد الإبن في ذاته، والآب هو الإله الحقيقي وحده، فبذلك يكون المسيح غير منفصل عن الإله الحقيقي الوحيد.[23]

  • يوحنا ذهبي الفم

 ” يُظهِر لنا المسيح مرة أخرى أنه جاء إلى الصليب برغبته، فكيف يكون قد صلّى أن ليتم الصليب وقد وصفه أنه مجد أن لا يكون المصلوب وحده بل الآب أيضًا؟، هذا ما قد حدث، فالابن تمجد والآب تمجد، فقبل الصليب لم يعرفه اليهود فإسرائيل ” لم يعرفني”(اش 1:3)، ولكن بعد الصلب قد ركض كل العالم إليه، ثم يشرح كيف سيكون المجد وكيف سيُمجده الآب”[24]

 “حينما يقول، “الاله الحقيقي وحدك” هُنا يهدف إلى أن يُميزه عن الإلهة الغير حقيقية، لأنه كان مزمع أن يرسلهم إلى الأمم، ولكن لو كانوا لا يقبلوا ذلك (يقصد الهراطقة)، ويرفضون الألوهية الحقة للابن بسبب لفظة “وحدك” وبالتالي يرفضون ألوهية الآب، لأنه يقول ” والمجد الذي من الاله الواحد لستم تطلبونه”، حسنًا، أليس الابن هو الله؟، فإن كان الابن هو الله ويُدعى ابن الآب، فقد أوضح أنه الإله الحق وحده، لماذا؟، عندما قال بولس ” ام انا وبرنابا وحدنا”(1كو 9:6)، فهل استثنى بولس برنابا؟، لا على الإطلاق، لأن لفظة “وحدنا” هي لتمييزه عن الآخرين، ولو لم يكن المسيح الإله الحق فكيف يكون هو ” الحقيقي” فهل الحق يختلف عن ما هو حقيقي؟ فهل الحق يختلف عن ما هو حقيقي؟، وماذا نُسمي الإنسان غير الحقيقي؟ أخبرني ألا نُسمية ليس انسان؟، فإن لم يكن الابن الاله الحق فكيف يكون الله؟، وكيف يجعلنا ألهة وأبناء إذا لم يكن الاله الحق؟[25]

  • اثناسيوس الرسولي

إذًا فإن الآب قد دُعيَ الإله الحقيقي الوحيد فهذا لا يعني إنكار هذا الذي قال ” أنا هو الحق ” بل يعني إنكار اولئك الذين ليسوا بطبيعتهم حقيقيين، مثل الآب وكلمته، ولهذا فقد أضاف الرب مباشرةً ” ويسوع المسيح الذي أرسلته” وعلى هذا فلو كان مخلوقًا لما كان قد أضاف هذه الكلمة ولما كان قد أحصى نفسه مع الخالق، فأية شركة توجد بين الحقيقي وغير الحقيقي؟!

ولكن الابن إذ أحصى نفسه مع الآب، فقد أظهر أنه من طبيعة الآب نفسها، واعطانا أن نعرف أنه المولود الحقيقي، وهكذا أيضًا تعلّم يوحنا وعلّم هذا كاتبًا في رسالته ” ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية”، وحينما يقول النبي عن الخليقة ” الباسط السماوات وحده ” وأيضًا حينما يقول الله ” ناشر السماوات وحدي ” يصير واضحًا للجميع أن لفظة (وحده) تشير أيضًا إلى الكلمة الخاص بالوحيد، الذي به خُلقت كل الأشياء وبغيره لم يُخلق شيء لذلك إن كانت كل الأشياء قد خُلقت بالكلمة، ومع ذلك يقول ” أنا وحدي” فإنه يعني أن الابن الذي به خُلقت السموات، هو مع ذلك الوحيد.

هكذا إن قيل “إله واحد”، ” أنا وحدي”، ” أنا الأول ” فهذا يعني أن الكلمة كائن في نفس الوقت في ذلك الواحد الوحيد والأول مثل وجود الشعاع في النور. وهذا لا يمكن أن يُفهم عن أي كائن آخر سوى الكلمة وحده. لأن كل الأشياء الأخرى خُلِقت من العدم بواسطة الابن، وهي تختلف اختلافًا كبيرًا جدًا فيما بينها من جهة الطبيعة، أما الابن نفسه فهو مولود حقيقي وطبيعي من الآب. [26]

 

  • الشرح فقرة بفقرة

  • (1)”تكلم يسوع بهذا ورفع عينيه نحو السماء وقال ايها الآب قد أتت الساعة. مجد ابنك ليمجدك ابنك[27] ايضا”

  • تكلم يسوع بهذا

من الأفضل أن نقترح بعض الترجمات الأفضل لهذا التعبير، مثل، ” بعد أن قال هذا “، ” بعدما قال هذه الكلمات”، وإذا حاولنا الترجمة الحرفية من النص اليوناني فستكون قراءة النص هي ” قال يسوع هذه الأشياء”، أي أن هذه الصلاة مُرتبطة بشكل وثيق بما يسبقه (يو 16:33، بل بالأحرى أصحاحات 14-16)، وعلى الرغم أن غالبية الترجمات تضع فاصلة بين ” بعدما قال يسوع هذه الكلمات” و ” ورفع عينه إلى السماء..”، لكن بحسب النص اليوناني يتم الربط بين هاتين العبارتين، بتعبير أخر فقد ربط القديس يوحنا بين كلام/ἐλάλησεν الرب يسوع للتو برفع/ ἐπῆρε عينه إلى السماء باستخدام الحرف ” و – καὶ ” فالصلاة قد تلت مباشرةً كلامه مع التلاميذ، وبالتالي فالصلاة قد كانت أمام التلاميذ[28] وهكذا فقد قصد يوحنا الوصل والربط، الانتقال لا الانفصال وبحسب تعبير ويستكوت فإن الرب يسوع قد أنتقل من الأرض إلى السماء، من التلاميذ إلى الآب، من التعليم إلى الصلاة[29]، وبهذا يُمكن أن نصيغ النص كالتالي، ” بعدما انتهى يسوع من حديثه مع التلاميذ رفع عينه…” فقد كان أخر ما قاله الرب يسوع ” ولكن ثقوا. انا قد غلبت العالم” هذه الغلبة هي من أجلنا نحن، خُلق الإنسان ليكون شريك الطبيعة الإلهية فقد اعطانا الرب يسوع هذه الغلبة في موته وقيامته، وبهذه الغلبة ننتقل من العالم المغلوب بالمسيح إلى الله. ” من يغلب فسأعطيه ان يجلس معي في عرشي كما غلبت انا أيضًا وجلست مع ابي في عرشه” (رؤ 3:21)

  • ورفع عينيه نحو السماء

الرب يسوع يوجه عينيه إلى أعلى نحو السماء، ثم يتحدث عن عمله الذي أكمله (عدد 4)، من الواضح أن صلاة يسوع للآب كانت على الأرض مُنذ بدايتها، ولكن تتعقد وتصعب الأمور فيما بعد، نجد في العدد 11 يسوع يقول ” ولست انا بعد في العالم” (صيغة المُضارع وليس المُستقبل بحسب NIV) هذا يُعني أن يسوع في مُنتصف الطريق، حسنًا، لكننا نجده في العدد 13 يقول “واتكلم بهذا في العالم” وبالتالي يسوع ما زال في على الارض، أي يسوع “في العالم” و ” ليس في العالم ” في نفس الوقت![30] أي أن يسوع قد تجاوز حيز المكان.

  • وقال ايها الآب

هذا هو التعبير المُعتاد للرب يسوع في كل صلواته، قد قام J. Jeremias بفحص كل صلوات الرب يسوع المسيح واكتشف أن جميع صلوات يسوع يُخاطب الله “كأب”، فقد كان هذا الأسلوب يُمثل ” شرخ ” للتقليد، وكان هذا الفعل المُتكرر هو الدافع لغضب معاصروه – الفريسيون- [31]ومن أوضح الأمثلة على ذلك هو يو 5: 17،18 “فأجابهم يسوع ابي يعمل حتى الآن وانا اعمل، فمن اجل هذا كان اليهود يطلبون اكثر أن يقتلوه. لانه لم ينقض السبت فقط بل قال أيضًا ان الله ابوه معادلا نفسه بالله”، هنا الرب يسوع يقول ” ابي ” وليس ” ابانا ” هذه الطريقة الفردية لم تكن هي الطريقة المُعتادة عند اليهود للكلام عن الله أو في الصلوات المُشتركة، فقد أعلن الرب يسوع أن أبوه الله له تختلف عن معناها عندهم، هذه الأبوه التي للمسيح لا يشترك فيها أي أنسان آخر فهو أبن الله بالطبيعة وليس بالتبني[32]

فقد كانت كل صلوات الرب يسوع لله يُخاطبه كأب، بأستثناء” الهي الهي لماذا تركتني. “(مرقس 15:34، متى 27:46)، هذه الكلمات كانت صدى لــــ مزمور 22:1، ولكن كل مواضع الصلاة التي ورد فيها تعبير ” الآب” هي صدى لتعبير “ابا – abba” هذا التعبير الأرامي المكتوب بحروف يونانية والذي ورد فقط ثلاث مرات في العهد الجديد (مرقس 14:36، غلاطية 4:6، رومية 8:15)، وبمقارنة صلاة يسوع في مرقس 14:36، بالموضعين الآخرين، فسيكون من الواضح أن هذا الاستخدام الأرامي “abba” قد استمر منذ استخدام يسوع لها إلى الكنائس الناطقة باليونانية، فهذه اللفظة المُدللة التي يقولها الاطفال لأبائهم لم تقتصر عليهم، فباستخدام يسوع هذا التعبير عن وعيه بوجود علاقة فريدة مع الله، قد فوض لتلاميذه مُخاطبة الله أيضًا هكذا أي أنه منحهم نصيب في علاقته مع الله[33] فهذه اللفظة ترتبط بشكل خاص بيسوع، فكون أنك تقول “abba” أنك تصبح ابن ووارث ولكن ليس بشكل مُستقل عن المسيح فروح البنوة قد اخذناها منه، وبه نرث الله (ملكوت الله).

  • قد أتت الساعة

كان موت المسيح ضرورة إلهية، يظهر في إنجيل يوحنا اتجاه متطور بالطابع الحتمي لآلام الرب يسوع، يوصف ذلك بتعبير ” الساعة” (بحسب ترجمة NIV الوقت –Time)، يذكر يوحنا الإنجيلي في عده مواضع أن ساعته لم تأت بعد، إلى أن يقول الرب يسوع ” قد أتت الساعة” (يو 17:1) تكلم إنجيل متى عن هذه الضرورة أيضًا في أول نبوءة للآلام (متى 16:21)، يستخدم متى لفظة ” δει ” للتعبير عن هذه الضرورة، أنظر أيضًا ماذا قال الملاك للنساء (لو 24:7)، نفس هذه الفكرة نجدها في (يو 3:14) يُنظر إلى موت المسيح في كل الأناجيل باعتباره قمة عمل المسيح، لا يوجد ما يدعم أن موت المسيح كان صدفة، بل كان موت المسيح جزء من خطة إلهية[34] نحن لدينا مصًطلحات مميزة في إنجيل يوحنا مثل ” الآن”، “ليس بعد”، “ساعة”، وغير ذلك، أحد الجوانب الدلالية لهذه التعبيرات، هو أن الحدث الأخروي من الممكن أن يكون غير مُستقبلي، لا سيما عند حديث المسيح عن موته ” قد أتت الساعة ” (يو 12:23)، فقد ربط بين بزوغ الساعة بإنجاز المهمة التي أخذها من الآب (يو 17:1)، ولكن السمة الرئيسية المُهيمنة على هذه التصريحات ليست ” كرونولوجية – تاريخية” ولكن لاهوتية، أي كانت ” ساعة ” يسوع محسومة وحتمية بالنسبة للتاريخ فهي مربوطة بالمستقبل ويجب أن تتم في المستقبل”[35]

 

  • مجد ابنك ليمجدك ابنك ايضا

تمجيد المسيح هو طلبة لتخويله تميم الخلاص الذي جاء له، فمن الواضح أن المسيح لا يطلب بعض التكريم لنفسه، لأنه في تمجيده بواسطة موته وقيامته فقط يهدف إلى تمجيد الآب[36]

على ضوء ما شرحناه عن تعبير المجد اعلاه، يتبين للكل أن المجد المُتحدّث عنه هنا، لا يُمكن أن يكون اعطاء مجد من الابن للآب أو العكس، فالابن ممجد والآب ممجد، الآب مجده مطلق وكامل وكذلك الابن، وهكذا لا يُمكن أن يكون الابن يطلب من الآب أن يتمجد كطلبه مصبوغة بالأنانية، لأنه من الأصل لا يطلب مجد ذاتي، فما يطلبه الابن هو استعلان مجده وبهذا الاستعلان يتمجد الآب، إذن هذا المجد هو مجد مُتبادل لا يقدر مجرد إنسان أن يطلبه، بل إن استعلان مجد الآب يتم في الابن، فتنكشف ابوه الله الحقيقة للإنسان المُخبر عنها بصورة شحيحة في العهد القديم.

 وقد كان انصراف ورحيل يهوذا بمثابة إشارة إلى حلول ” الساعة ” التي اسلم فيها المسيح نفسه إلى الموت “فلما خرج قال يسوع الآن تمجد ابن الإنسان وتمجد الله فيه” (يو 13:31)، مع الأخذ في الاعتبار تجلي مجد الابن من خلال أعماله (يو 1:14، 2:11)[37] بكلمات أخرى لا يُمكن خنق وتحديد مفهوم مجد المسيح في الانتصار على الموت واستعلان بنوته الحقيقة للآب الحقيقي واستعلان ربوبية الابن بعد القيامة، فيستحيل فصل قيامة يسوع عن موت ابن الله المتجسد، فبالصليب يتم استعلان محبة الأب من خلال عمل الابن على الصليب، فتمجيد الابن اولاً هو بالموت في الحياه، وكذلك أيضًا لو كان المسيح ظل متروك في القبر ولم يقوم من الموت لكان موته على الصليب ليس له أي مجد، فكمال استعلان مجد المسيح هو اجتيازه من الموت وانتصاره عليه واتمام عمل الخلاص دون الاخلال بأحد جوانب اقتضاء التدبير الإلهي.

 

  • (2) اذ اعطيته[38] سلطانا على كل جسد ليعطي حياة ابدية لكل من اعطيته.

يقول اغسطينوس ” إن الآب وهب المسيح سُلطانًا على كل جسد، ينبغي أن يُفهم لجهة ناسُوته، أما من جهة ألوهيته فكل شيء به صار مما هو في السماء والأرض مما هو منظور وما هو غير منظُور” [39] هنا عليك أن تُدرك هذه الطبيعة ” المركبة – Composite” فطبيعة الابن المركبة تجعل الابن يعطي الحياه الابديه بسلطان اللاهوت ولكن ليس بمعزل عن الناسوت فالأنفصال بين الناسوت واللاهوت مستحيل فالمسيح يأخذ بأعتباره هو الوسيط بيننا وبين الآب ويعطي الحياه ولكن ليس من ناسوته بل بقوة اللاهوت، فاستحالة انفصال اللاهوت والناسوت تُحتم وحدة العمل، فعمل الرب يسوع الألوهي الذي لا يقدر أن يفعله إنسان تم في تجسده.

فيُعتبر هذا العدد هو مفتاح العدد السابق:

مجد ابنك

اذ اعطيته سلطانا على كل جسد

ليمجدك ابنك

ليعطي حياة ابدية لكل من اعطيته.

 

 

فعندما يطلب الرب يسوع من الآب أن يُمجده فهذا التمجيد مؤسس على الخطة الإلهية المُسبقة فحينما تتم يتمجد الآب، وهنا يجب أن تكون على معرفة أن مجد الله الآب ليس مجد طاووسي كالرؤساء والملوك، فهذا المجد مُستعلن وهذا الاستعلان هو دعوة للمشاركة في المجد.

يقول أثناسيوس الرسولي ” لأن مجد الله الآب هو: أن يوجد الإنسان الذي كان قد خلق ثم هلك، وهو: أن يحيا الذي مات، وهو: أن يصير الإنسان هيكل الله. ولأن القوات السمائية من ملائكة ورؤساء ملائكة كانت تعبده دائمًا، فإنهم الآن أيضًا يسجدون للرب باسم يسوع، فهذه النعمة وهذا التمجيد العالي إنما هو لنا، وإنه بالرغم من أنه صار إنسانًا وهو ابن الله فإنه يُعبَد. لذلك لن تُدهَش القوات السمائية حينما ترانا نحن جميعًا ـ المتحدين معه فى نفس الجسد ـ داخلين إلى مناطقهم (السمائية)، وهذا قطعًا ـ لم يكن ممكنًا أن يحدث بأية طريقة أخرى، اللهم إلاّ إذ كان هذا الذي كان موجودًا في صورة الله، قد أتخذ لنفسه صورة العبد، وأذل ذاته، راضيًا بأن يصل جسده حتى إلى الموت.” [40]

فمجد المسيح ومجد الآب الذي هو محور العدد (1) يتم شرحه في العدد (2) وهذا النص يُوضح مدى سلطان المسيح في حالة التجسد، وقدرته على منح الحياة الأبدية لمن يعطيه الآب، فإنجيل القديس يوحنا مليء بالتأكيدات على أن الحياة في المسيح (أنظر 1:4، 15-16: 3، 4:14، 5: 21،26، 6:33،54، 10:10،11:25،14:6) كل هذه النصوص تتحدث بصورة دقيقة عن الهدف الرئيسي للرب يسوع، وهو تمجيد الآب من خلال منح الحياة للبشر.[41]

 فالآب والابن يشتركون في عطاء الحياة الأبدية فيكون العدد الثاني هو الشرح الأول للعد الأول وأما الشرح الثاني فسيكون في العدد الثالث عن ماهية هذه الحياة، وهو ما سنتحدث عنه في شرح الفقرة الثالثة.

 

  • (3) وهذه هي الحياة الابدية ان يعرفوك[42] انت الاله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح[43] الذي ارسلته.

يُثير هذا النص الكثير من التساؤلات رغم بساطته، فللتو تستطيع أن تُدرك المقصود من التعريف الذي وضعه يوحنا للحياة الأبدية وهو ما يأتي بعد – هذه هي الحياة الأبدية- مثلما يقول “وهذه هي الدينونة …”(يو 3:19) أو ” هذه هي وصيتي…” (يو 15:12)[44] استخدم يوحنا تعبير “حياة ابدية” 17 مرة، هذا النص هو الموضع الوحيد الذي يسبق هذا التعبير اداة تعريف!، لا أقصد بذلك أننا نمتلك تعريف للحياه الأبدية ولكن بالتأكيد نمتلك كشف واستعلان عن جوهر هذه الحياة، هذا الكشف الجوهري هو نقيض التصوف الهلنستي حيث ثثميم التأمل في الاتحاد بين الله والشخص العارف، لكن القديس يوحنا يضع المعرفة كتتويج لوجود علائقي وشخصي مع الله بواسطة ابنه (أنظر كذلك ما يقوله بولس الرسول (اكو 12-16:2)، فالمعرفة المسيحية عن الله هي نتيجة اختبار في المسيح وهذا يتناقص بشكل مُطلق مع الحكمة واللاهوت الطبيعي[45] فالمعرفة هي شركة مع الله وليست معرفة فكرية.

 فوجودنا وشركتنا لله قائم على علاقة شركة مع وفي الواحد، وهذا الواحد في اللاهوت المسيحي يقوم على شركة الثالوث، فالثالوث هو أول الوجود والشارح للوحدانية- وليس العكس – فالوجود الحقيقي هو في الشركة ولا وجود بلا شركة، فالشركة هي أساس الوجود وأي كيان حقيقي لا يُمكن معرفته بدون الشركة وبما أن الوجود شركة فلا يمكننا فهمه إلا من خلال علاقة، فالوجود بحد ذاته في حياة عزلة وانفصال لا يُمكن فهمه كما هو في ذاته بل يتوجب فهمه في علاقة، وهكذا الكينونة الإلهية في شركة مع الذات ومع الخليقة. وبهذا تصبح الشركة هي جوهر الوجود، فوجود الله هو ” أبوة الله” فكيان الله ليس جوهر غامض يتمتع بصفة الوجود من اجل الوجود بل هو وجود ” مأقنم – مشخصن ” فالإعلان عن حقيقة الكيان الإلهي يتمحور حول وجوده كــــــ” أب” فالله ليس واجب الوجود فحسب بل واجب الوجود كــــــ ” أب”. [46]

 والمعرفة الكاملة لله الآب تم الاستعلان عنها في الابن، فالله الذي خاطبه اشعياء قائلاً “حَقًّا أَنْتَ إله مُحْتَجِبٌ يَا إله إِسْرَائِيلَ الْمُخَلِّصَ.” (اش 15:45) استعلن في الابن، ولا أحد يستطيع معرفة الآب إلا بالابن والعكس

 وبالتالي يكون العدد الثالث يتفق تماما مع ما سبقه فالمسيح يعطي الهدف من التمجيد، لأن هذا التمجيد هو معرفة الله والمسيح، الذي هو الطريق الوحيد للحياة الأبدية، فالرب يسوع يقول للآب مجدني لكي امجدك ليستطيعوا الناس أن ينالوا الحياة الأبدية لأن الحياة الأبدية تتمثل في معرفتك ومعرفة يسوع المسيح لأن نوال الخلاص قائم على الإيمان بالمسيح[47]وهنا نذهب لأول سؤال، ما هي الحياة الأبدية؟

يقول جوزيف راتسينجر:

” أن الحياة الأبدية ليست كما تخطر في بال القاري الحديث للتو أنها مجرد حياة بعد الموت، في حين أن الحياة التي نعيشها بالتأكيد ستنتهي، فالحياة الأبدية تعني الحياة نفسها، الحياة التي يُمكننا أن نعيشها في حاضرنا ولا تنتهي ومن ثم بالموت بالجسد، وما يُعنينا هو أن نتقبل الحياة من هذه اللحظة الحياة الحقيقية التي لا تُدمّر من أي شيء أو شخص، يظهر بوضوح معنى ” الحياة الأبدية ” في قصة قيامة لعازر”قال لها يسوع انا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا، وكل من كان حيّا وآمن بي فلن يموت الى الابد. أتؤمنين بهذا. (يو 25-26:11) ويقول يسوع لتلاميذه في العشاء الأخير “بعد قليل لا يراني العالم أيضًا وأما أنتم فترونني. أني انا حيّ فأنتم ستحيون.” (يو 14:19) وبذلك فسيكون ما يُميز تلميذ يسوع أنه ” يحيا ” متجاوز مجرد حقيقة الوجود بل يعانق الحياة الحقيقية التي يبحث عنها الجميع وعلى هذا الأساس فقد لُقب المسيحيون الأوائل بــ ” الأحياء-hoi zōntes ” لأنهم وجدوا الحياة، ولكن كيف يحصل المرء عليها؟ تضع الصلاة الكهنوتية الجواب، رغم وجود الجواب في سياق توراتي حيث أن الإنسان يجد ” الحياة الأبدية ” بـــ “المعرفة ” بذلك يتم وضع تصور العهد القديم للفعل ” عرف ” وارتباطه بالمشاركة حيث يصير الإنسان واحد مع ما يعرفه، لكن من المؤكد أن مفتاح الحياة الأبدية ليس أي نوع من أنواع المعرفة ايّ كانت ولكن “ان يعرفوك أنت الاله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته.” (يو 17:3) وهذا نوع من صيغة إيمانية موجزة يظهر فيها المحور الرئيسي لقرارنا أن نكون مسيحين، إنها المعرفة التي يعطيها لنا الإيمان، فالإنسان المسيحي يؤمن يوجود إله حق واحد فقط، ويصير هذا الإله قريب منا بيسوع المسيح الذي أرسله – يسوع المسيح- الذي بلقائنا معه نختبر معرفتنا بالله ونذهب الى الشركة، وبالتالي إلى ” الحياة “، في هذه العبارة المزدوجة ” الله والذي أرسله ” هي صدى ما نقرأه في سفر الخروج، يجب أن يؤمنوا بي – ألله- وبموسى المرسل منه، الله يُظهر وجهه في المُرسل منه، وبصورة نهائية في ابنه، فالحياة الأبدية اذن هي حدث ” علائقي ” لا يحصل عليها الإنسان في انفصال عن الله، بل بعلاقته بالذي هو نفسه الحياة يصبح هو أيضًا حي” [48]

فالرب يسوع ربط الحياة الأبدية بمعرفة الإلة الحقيقي كأمتداد لفكر العهد القديم بعيداً عن المعرفة التأملية والنشوة الصوفية في الفكر اليوناني، فالعهد القديم قدم المعرفة باعتبارها خبرة وعلاقة “ولا يعلّمون بعد كل واحد صاحبه وكل واحد اخاه قائلين اعرفوا الرب لانهم كلهم سيعرفونني ” (ار 31:34) ويتم التأكيد على معنى المعرفة كعلاقة حميمية باستخدام صيغة الفعل للإشارة للعلاقات الجنسية بين الرجل والمرأة (تك 4:1)، قال الرب يسوع ” اما انا فاني الراعي الصالح واعرف خاصتي وخاصتي تعرفني،كما ان الآب يعرفني وانا اعرف الآب. وانا أضع نفسي عن الخراف”(يو 14-15:10)، العلاقة بين الآب والابن هي نموذج العلاقة بين الابن وتلاميذه، وهذه المعرفة لا تأتي عن طريق التعليم بل عن طريق الكشف بواسطة الابن (أنظر يو 1:18، 14:7)[49]

وقد قال فيلو الإسكندري بشكل واضح أن نهاية طريق الحكمة هي معرفة وفهم الله[50] لكن الرب يسوع يقول ” كل شيء قد دفع اليّ من ابي. وليس احد يعرف الابن الا الآب. ولا احد يعرف الآب الا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له” (مت 11:27) وهذا الكلام قد أتى في سياق الحديث عن “ملكوت الله” (مت 2-26:11) وهو التعبير الذي ورد في الأناجيل الإزائية مقابل تعبير ” الحياة الأبدية”، ففي هذا السياق يتم الحديث عن المعرفة الإستعلانية التي تتخطى المعرفة العقلية لكي تشمل أيضًا العلاقة والشركة، وهذا يستلزم استعلانه بواسطة الإبن لكي يدخل الإنسان في الشركة – koinonia- وهي قلب الحياة في السيادة الخلاصية (أنظر رؤ 21:3، 3-5:22) [51] وبذلك فنقول أن معرفة يسوع المسيح هي الوصول المطلق والكامل لمعرفة الله.

إذن فالرب يسوع المسيح لم يحد مفهوم الحياة الأبدية في قالب الزمن ولكنه وضع الحياة الأبدية في صورة نوعية فأصبحت الحياة الأبدية لها شكل يُميزها، فهي ليست زمن لا ينتهي، لكنها علاقة لا تنتهي، وهذا الشكل لا يتكون بعد الانتقال من هذه الحياة، لا!، بل تبدأ العلاقة مع الثالوث من هنا، علاقة تتخطى حدود المعلومات، فهناك فارق ضخم بين أن تعرف أنك تؤمن بالثالوث وبين أنك لك علاقة مع الثالوث، فالثالوث ليس فكرة في العقل، الثالوث أشخاص، كل شخص بالنسبة للشخص الآخر هو آخر، الآب ليس هو الابن ليس هو الروح القدس، وكل شخص يحب الآخر، إذن يوجد محبة آخر، فإن لم تحب الآخر تضع نفسك خارج صورة علاقة الثالوث!، ولا يُمكن أن تدخل في شركة مع شخص وضعت بينك وبينه فاصل، فالشركة في الثالوث اساسها الإستعلان وهذ الإستعلان دعوة للشركة وليس إجبار عليها، صحيح أن كل شيء حدث للإنسان بسبب التجسد كان بالنعمة وليس بالإرادة الإنسانية ولكن لا يُجبر الإنسان على قبولها ” فاننا نحن عاملان مع الله وانتم فلاحة الله. بناء الله.” (1 كو 3:9)، الإرادة والنعمة كلاهما يعملان ليحصل الإنسان على الخلاص، فليس أنت وحدك وليست النعمة الإلهية وحدها.

يقول الرسول يوحنا “فان الحياة أظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الابدية التي كانت عند الآب وأظهرت لنا. الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضًا شركة معنا. واما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح.”(1 يو 2-3:1)، فالرسول رأى وشاهد وأخبر بالحياة الأبدية المستعلنة في الإبن لكن نشترك نحن أيضًا، ويقول أيضًا ” ونعلم ان ابن الله قد جاء واعطانا بصيرة لنعرف الحق. ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح. هذا هو الاله الحق والحياة الأبدية.” (1 يو 5:20) على نفس طريقة (يو 17:3) الالة الحق والرب يسوع الذي جاء من عند الآب، والحياة الأبدية بمعرفة الآب والإبن لأن انفصال الآب عن الابن مستحيل.

وفي حقيقة الأمر هذا النص – يو 17:3- يُستخدم في كثير من الاوقات لنفي لاهوت الرب يسوع المسيح، وعلى وجه الخصوص من جماعة ” شهود يهوه “، لكن لا يوجد دعم لهذا الإدعاء من أي اتجاه.

يبدأ الخلط عند شهود يهوه من تفسير ما قاله الرب يسوع بأنه يقصد إنه ليس إله حقيقي، والآب فقط هو الإلة الحقيقي، وهنا يجب أن نطرح سؤال، هل إذا كان الآب –شخص\أقنوم- وحده هو الإله الحقيقي الوحيد يمكن أن يكون مع الآب، الابن والروح القدس!؟

الإشكال الأول في تفسير جماعة شهود يهوه لما قاله الرب يسوع هو إنه ليس مجرد تفسير خاطئ فحسب بل هو قراءة خاطئة من الأساس. وهذا حيث أن جماعة شهود يهوه يُغيرون ما قاله الرب يسوع نفسه وبالتالي هم لا يقتبسون كلام الرب ثم يُفسرونه، لا، بل يقتبسون الكلام بطريقة خاطئة ثم يُفسرونه بطريقة خاطئة أيضًا أكثر.

فهم يقولون إن الرب يسوع قد قال إن “الآب وحده هو الإله الحقيقي” وبالتالي يفهمون أن النص ينفي الألوهة الحقيقية عن الابن والروح القدس. ولكن الرب يسوع لم يقل هذا! فتفسيرهم قائم على هذه الصياغة ” الآب وحده هو الإله الحقيقي”، في حين أن الرب يسوع قد قال “الآب هو الإله الحقيقي وحده”.

فالفارق بين الصياغتين هو أن الصياغة الأولى -الخاطئة- حصرت وصف الألوهة الحقيقية في لآب وحده، أمّا ما قاله الرب يسوع فهو قد ميزّ الألوهة الحقيقية والوحيدة التي للآب عن غيرها من الكاذب، بما يعني أن ألوهة الآب هذه هي الألوهة الحقيقة الوحيدة. فالواحدية هنا ليست على الألوهة، بل عن حقانية ألوهة الآب. فليس الآب وحده هو الإله الحقيقي، لكن ألوهة الآب هي الألوهة الحقيقة الوحيدة. ولهذا نجد أن الآباء المتكلمين باليونانية يفهمون النص بهذا الشكل لأنهم يتحدثون اللغة اليونانية أو على الأقل يعرفونها جيدًا.

 

فما قاله الرب يسوع لا مشكلة فيه على وجه الإطلاق فهذا هو الإعلان الإلهي الذي أعلنه الرب يسوع فالله الآب هو الإله الحقيقي وحده، ولكن الخطأ هو البناء المنطقي الذي يستخدمه شهود يهوه في التفسير.

فـأولاً: يضعون صياغة مضللة لأن الاسم هو “الاله θεὸν” والصفة والظرف – وحده\حقيقي-، فبالتالي تنصب الوحدانية على الألوهة وليس على الآب.

ثانياً: يستخدمون صياغتهم المُضللة لبناء حجة مفادها نفس مفاد ما صاغوه. للتوضيح: إذا أرادنا إثبات إن مينا سيموت، سنقول:

1: البشر يموتون (حقيقة)،

2: مينا أحد البشر (حقيقة)،

3: مينا سيموت،

فهنا المُقدمة الأولى والثانية صحيحة فبالتالي الاستنتاج صحيح. ولكن في المقابل ما يفعله شهود يهود هو وضع مقدمات خاطئة بهذا الشكل:

1: الآب -وحده- هو الإله الحقيقي (صياغة خاطئة)،

2: يسوع ليس هو الآب (صحيح)،

3: يسوع ليس الإله الحقيقي (استنتاج خاطئ لخطأ في مقدمة الحجة).

هذه الصياغة الخاطئة ما فعلته ببساطة هي كأنها قالت بما أن مينا ” بشر” إذن “البشر” هم مينا، صحيح مينا بشر ولكن العكس ليس بصحيح، الآب هو الإله الحقيقي وحده، ولكن الآب ليس وحده الإله الحقيقي.

 

الإشكال الثاني- مرتبط بالأول- هو أن نظرة شهود يهوه للنص هي بعينها مغالطة ” المصادرة على المطلوب” فتكون القراءة الطبيعية بحسب نظرتهم أن يكون الآب إله حقيقي والابن لا!، هذا الافتراض يقوم على نظرتهم اللاهوتية الخاصة، فهم يُفسرون بشكل مباشر الكينونة الإلهية الواحدة باعتبارها ” شخص\أقنوم” واحد!

وهنا النقطة الفاصلة، وهي الكلمة المفتاحية في النص، تعبير ” حقيقي”، هل المسيح إله حقيقي!؟ إن كان كذلك وتفسير شهود يهوه لــ يو 17:3 أن الآب هو وحده الاله الحقيقي، إذن يكون شهود يهوه يؤمنون بتعدد الآلهة، وإن كان المسيح ليس إله حقيقي فهذا بلا شك يصنع تناقض داخل الفكر الكريستولوجي لشهود يهوه!

ولحل هذه المُشكلة لجأ البعض للقول بأن لفظة ” حقيقي ” لا تعني حق في مواجهة باطل، أو صواب أمام خطأ، بل تعني “أصل” و “نسخة” من هذا الأصل، وبالتالي يصبح المسيح ليس ضمن الآلهة الزائفة ولا هو إله حقيقي! فيصبح الآب إله حقيقي بمعنى ” نموذج أصلي” والمسيح ليس إله كاذب لكنه ليس ” نموذج أصلي” فلا يكون كاذب ولا يكون حقيقي!، وعجبي! هذا الكلام غير واقعي بالمرة! يوحنا 17:3 يتحدث بشكل واضح عن طبيعة إلهية واحدة وفريدة و ” حقيقية ” ضد الآلهة الزائفة، أنظر ما تقوله المراجع اللغوية.

As an attribute of God, ἀληθινός is again controlled by

אֱמֶת [1] in the JudaeoChristian sphere, Ex. 34:6; 2 Ch. 15:3; ψ 85:15; M. Pol., 14, 2: ὁ ἀψευδὴς καὶ ἀληθινὸς θεός (Herm. m., 3, 1 as an attribute of κύριος), where the meaning hovers between “trustworthy,” “truthful” and “righteous”; cf. alongside one another, 1 Εσδρ. 8:86: κύριε … ἀληθινὸς εἶ, and 2 Esr. 9:15: κύριε … δίκαιος σύ; cf. Jos. Ant., 11, 55: God as ἀληθινός and δίκαιος. As against this, ἀληθινός is also used of God in the sense of “real” or “true” in contrast to the vanity of idols. This usage, too, is determined by אֱמֶת; thus Is. 65:16 (for בֵּאלֹהֵי אמן); 3 Macc. 6:18; Philo Spec. Leg., I, 332 (ἀγνοοῦντες τὸν ἕνα καὶ ἀληθινὸν θεὸν πολλοὺς ψευδωνύμους ἀναπλάττοντες); Leg. Gaj., 366 (the same antithesis); Sib. Fr., 1, 20; 3, 46; and cf. also 1 Th. 1:9: πῶς ἐπεστρέψατε πρὸς τὸν θεὸν ἀπὸ τῶν εἰδώλων δουλεύειν θεῷ ζῶντι καὶ ἀληθινῷ; 1 Cl., 43, 6: εἰς τὸ δοξασθῆναι τὸ ὄνομα τοῦ ἀληθινοῦ καὶ μόνου θεοῦ. In Rev. the word ἀληθινός is sometimes used of God (6:10), sometimes of Christ (3:7, 14; 19:11). The same usage is found in Jn. 7:28; 17:3; 1 Jn. 5:20[52]

[2] ἀληθινόςa: ἵνα γινώσκωσιν σὲ τὸν μόνον ἀληθινὸν θεόν ‘that they may know you, the only one who is really God’ Jn 17:3. In some languages ‘the only one who is really God’ can only be expressed as ‘the only God who exists’ or ‘who is God and there are no other gods[53].’

[3] ALĒTHINOS (ἀληθινός , (228)), akin to No. 1, denotes true in the sense of real, ideal, genuine; it is used (a) of God, John 7:28 (cp. No. 1 in 7:18, above); 17:3; 1 Thess. 1:9; Rev. 6:10; these declare that God fulfils the meaning of His Name, He is “very God,” in distinction from all other gods, false gods[54]

من الممكن الاستشهاد بالكثير من المراجع الأخرى، ولكني فقط أوضح الأفكار الأساسية، فإن ادعاءات شهود يهوه تجاه هذا النص تضعهم في بعض الإشكاليات بسبب الأخطاء المنطقية والمنهجية التي يرتكبونها، فهم يحاولون تغيير التركيب السياقي واللغوي للنص على أساس نظرتهم الإيمانية، وهذه هي الإشكالية الحقيقية في قراءة يو 17: 3 وهي وضع منظور شخصي على النص ومن ثم تحريك النص كما يُحب شهود يهوه بل ولي عنقه، وكل أسلوب خاطئ في التفسير بالتأكيد هو نتاج أخطاء في المنطق لديهم، للارتباط الوثيق بين الاثنين، فتفسيرهم المتطرف هو نتاج خطأ منطقي!.[55]

وهذا المنطق المعوج بالتأكيد سيكون في إشكالية كبيرة حين مواجهته ببعض النصوص الأخرى في العهد الجديد على سبيل المثال يقول الرسول بولس: ” فمن جهة اكل ما ذبح للأوثان نعلم أن ليس وثن في العالم وان ليس إله آخر إلا واحدا. 5 لانه وان وجد ما يسمى آلهة سواء كان في السماء أو على الأرض كما يوجد آلهة كثيرون وأرباب كثيرون. 6 لكن لنا إله واحد الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن له. ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الاشياء ونحن به.” (1 كو 4-6:8)، فهنا الآب هو ” الاله الواحد” والمسيح هو ” الرب الواحد”، فهل هذا ينفي الربوبية عن الله الآب لأن المسيح وحده هو الذي وُصِف بالرب الواحد!؟، بالتأكيد لا، بل يقول الرسول يوحنا ” ما مِنْ أحدٍ رأى اللهَ. الإلهُ الأوحَدُ الّذي في حِضنِ الآبِ هوَ الّذي أخبَرَ عَنهُ.” (العربية المشتركة) فالمسيح هو الاله الوحيد!

فالوحدانية هي تخص تفرد الطبيعة، فلا نُعبر عن الله من خلال رقم، فالله ليس واحد من جهة العدد ولا هو ثلاثة أو سبعة، لأن بهذه الطريقة تصير الطبيعة الإلهية كم محدود!، ولكن الطبيعة الإلهية هي بسيطة ومطلقة في نفس الوقت ووحدانيتها تكون من جهة هذه الطبيعة وليست من جهة العد الحسابي، فيكون من المُستحيل أن تكون طبيعة منقسمة، فالله واحد لأنه متفرد يتميز عن كل الآلهه الكاذبة والغير حقيقية، والمسيح واحد مع الآب من جهة هذه الطبيعة الواحدة والفريدة ” أنا والآب واحد ” (يو 10:30) كما في العهد القديم ” اسمع يا إسرائيل. الرب الهنا رب واحد.” (تث 4:6) باعتبار أن المسيح والآب لهم نفس الطبيعة الإلهية الواحدة والفريدة [56]

ولكن لأن المسيح يُريد استعلان الآب فيقول “وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الاله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته.” هذا لأن يسوع المسيح من ذات الطبيعة الإلهية فيسوع لا يُضاف إلى الآب بل هو واحد معه وله ذات الطبيعة الإلهية الحقيقية والواحدة والفريدة نفسها، ويتم ربط معرفة الآب والإبن بالحياة الأبدية لأن يسوع المسيح هو الاستعلان الكامل لله الآب فالمعرفة للآب تكون بالإبن لإنه من ذات طبيعته.

 

  • (4) انا مجدتك على الأرض. العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته. (5) والآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم

كما يوجد ترابط قوي بين الفقرتين 1،2، كذلك يوجد هنا ترابط من اقوى ما يكون، وكما مجد الابن الآب بعطاءه الحياة الأبدية للناس، فهو كشف عن الآب بكل ما حدث في التجسد، وهذه طريقة أخرى لتمجيد الآب، ” قال لهم يسوع طعامي ان اعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمم عمله.” (يو 4:34) فالله الآب يتمجد عند تميم العمل الذي أتى الآبن ليعمله، هذا العمل يتضمن الكشف عن الآب من خلال خدمته على الأرض ويصل إلى ذروته عند الصليب فبالعمل الذي يُتمم في شخص الابن يتمجد الآب[57] إذن يعود الإبن هنا مرة أخرى لطلب التمجيد ولكنه يُقدم الداعي لهذا التمجيد وهو تتميم العمل وانتهاء مهمته على الأرض (أنظر يو 1:14، 8:50)، ولكن من الواضح أن عمل الصليب لم يأتي بعد، والرب يسوع هنا يتحدث كما لو كان اجتازه!، فالرب يتحدث عن الصليب كأنه تم لأنه سيتم بلا أي شك فالصليب لم يتم بعد والحديث هنا كأنه ترقب الحدث لكن هذا الحديث هو بين الآب والابن ولهم المعرفة الكلية إذن هذا الافتراض لا إشكال فيه[58] لكن الأفعال التامة في هذه الفقرات أعطت احتمالية تفسيرية أن تتميم العمل ليس له علاقة بالصليب على أساس تعبير ” الآن ” في الفقرة 5 والتي تُقدم مفهوم تمجيد الابن على أساس موته على الصليب.

صحيح أنه يوجد فارق بين العدد 4و 5، ولكن ليس بين العمل الذي تم والعمل الذي سيتم على الصليب، والمجد الذي يطلبه من الآب في ذاته في السماء (أنظر يو 13: 31-32) وبالتالي يكون أن العمل الذي يُمجد به الابن الله الآب هو كل ما حدث على الأرض بما في ذلك الموت والقيامة (أنظر يو 4: 34، 5: 36، 19: 30) [59]

ثم يطلب الرب يسوع أن يتمجد بما كان له من مجد قبل خلق العالم مع الآب، هذه إشارة أخرى لوجود الرب يسوع مع الآب قبل كل المخلوقات (أنظر يو 1: 1، 16: 28، 8: 58) ومجده الفريد مع الآب ومن خلال القيامة يتمجد الرب يسوع بالمجد الحقيقي الذي للآب ” فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضًا في جدة الحياة.” (رو 6: 4) ففي موته وكل ما ارتبط بهذا الحدث يتمجد بالمجد الحقيقي الذي له قبل تأسيس العالم[60]

فكما يُمجد الابن الآب يُمجد الآب الابن، ففي الابن تُستعلن أبوه الآب في الأرض وفي الآب تُستعلن حقيقة بنوة الابن للأب منذ الأزل قبل تكوين العالم، لأنه بإستعلان الوهية الابن تنكشف وحدته مع الآب. فحديث الابن هنا في حالة التجسد فطلبه يخص تجسده والطبيعة الإنسانية التي أخذها لأن المجد الإلهي للإبن لم يفارقه، ولكن ابن الله المتجسد في طريقه للمجد بواسطة الموت والقيامة لينخلع الإنسان المائت ويُعطى للإنسان الحق في ميراث الشركة، فالمجد الذي اُعطي للمسيح كابن الإنسان هو مجد لطبيعتنا الإنسانية فنشترك في مجد المسيح.

متى اظهر المسيح حياتنا فحينئذ تظهرون أنتم أيضًا معه في المجد (كو 3: 4)، فان كنا أولادا فاننا ورثة أيضًا ورثة الله ووارثون مع المسيح. ان كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضًا معه (رو 8: 17)، الأمر الذي دعاكم اليه بانجيلنا لاقتناء مجد ربنا يسوع المسيح. (2 تس 2: 14)

 

«إِلَى هُنَا أَعَانَنَا الرَّبُّ».

اغفروا لي كل خطأ وسهو

29\9\2022

 

 

[1] على الرغم من وجود بعض المُتغيرات النصية في المخطوطات، ولكن بشكل عام الإصحاح يخلو من اختلافات نصية تستحق المُناقشة

[2] Lange, J. P., & Schaff, P. (2008). A commentary on the Holy Scriptures: John,P.511

[3] Bengel, J. A. (1860). Gnomon of the New Testament, Volume 2, P.460

[4] مع الأخذ في الأعتبار أن الرسول يوحنا لا يستخدم تعبير صلاة προσεύχεσθαι – praying، لكنه يستخدم تعبير εἰπεῖν- speaking( قال ايها الآب 17:1)، لكن ما فعله يسوع يُشير الى صلاة، وهي اطول وأعمق صلاة للرب يسوع، ولذلك رغم التسميات الكثيرة لهذه الصلاة، ولكن أنا أميل أن تُسمى ” الصلاة الحوارية “، في السابق أتى صوت الآب من السماء ولكن هنا حديث الآب قد تمثل بطريقة عملية، ومن المُلاحظ أن اقصر جزء في الصلاة هو الخمسة فقرات الأولى، وباقي الصلاة هي من أجل التلاميذ ومن أجل اللذين سيؤمنوا في المُستقبل، لك أن تُدرك أن الجزء الأكبر في الصلاة هي من أجل أعضاء جسد المسيح.!

[5] Jo. xi 8; PG 74:505, Cited By, Brown, R. E., S.S. (2008). The Gospel according to John (XIII-XXI): Introduction, translation, and notes, P.747

[6] أطلق نوكس على هذا الإصحاح أنه ” قدس أقداس الكتاب المُقدس”، بعض العلماء مثل Westcott, Hoskyns, Witherington, Keener أعطوا تسمية ” صلاة التكرس ” كعنوان لهذه الصلاة، بسبب تكريس يسوع نفسه لله (انظر فقرات 1،19)

[7]Courson, J. (2003). Jon Courson’s Application Commentary, P.572, Emmaus Journal, Vol, 7, P.202, Lewis Johnson, Jesus Praying for Himself An Exposition of John 17:1-5

[8]Brown, R. E., S.S. (2008). The Gospel according to John (I-XII): Introduction, translation, and notes, P.503

[9] Liddell, H. G., Scott, R., Jones, H. S., & McKenzie, R. (1996). A Greek-English lexicon. “With a revised supplement, P. 444

[10] Theological dictionary of the New Testament. 1964 (G. Kittel, G. W. Bromiley, G. Friedrich, G. W. Bromiley & G. Friedrich, Ed.), Vol.2 ,P.237

[11] Aalen, S. (1986). New international dictionary of New Testament theology, Vol.2, P.45

[12] Journal of the Evangelical Theological Society, Vol. 27, P. 289, The “Glory” Motif In The Johannine Corpus, By W. Robert Cook

[13] Green, J. B., McKnight, S., & Marshall, I. H. (1992). Dictionary of Jesus and the Gospels, P.269

[14]Ibid

[15] لا أقدم هنا مسح شامل لكل ما قاله كل أب عن الخمس فقرات الأولى، لكني وضعت ما رأيته أنه الشرح المتكامل عند الأباء بشكل عام لشرح هذه النصوص

[16] ANF, Vol.3 ,P.621, Against Praxeas,CH,25

[17]Hart, T. A. (2000). The dictionary of historical theology, P.538

[18] ANF, Vol.1 ,P.478, Against Heresies, Book, IV,Ch.14.1

[19]ANF, Vol.5, P.626, A Treatise of Novatian Concerning the Trinity, Ch.16

[20] Ibid

[21] ANF, Vol.5, P.383, Epistle,72,17

[22] ACCS, Vol.4b, P.232, Commentary on the Gospel of John 2.17

[23] NPNF, Second Series Vol, 9 , P.169, On the Trinity, 9:42

[24] NPNF, First Series Vol, 14, P.296, Homilies on John 80.1

[25] NPNF, First Series Vol, 14, P.297, Homilies on John 80.2

[26] ضد الآريوسيين، المقالة الثالثة، الفصل الرابع والعشرون، فقرة 9، صــ 298-299

[27] من الأفضل أن تكون قراءة النص ” الابن – ὁ υἱὸς” بدلاً من ” ابنك – ὁ υἱὸς σου”، لبعض التفصيل أنظر Omanson, R. L& Metzger, B. M. (2006). A Textual Guide to the Greek New Testament, P.206، لكن من جهة الأسلوب الترجمي لا مانع من أن تُقرأ ابنك

[28] Newman, B. M., & Nida, E. A. A handbook on the Gospel of John, P.524 & Dods, M. The Gospel of St. John ,P.840

[29]The Gospel according to St. John Introduction and notes on the Authorized version. 1908. Greek text and “Revised version” on opposite pages.; Edited by Arthur Westcott. (B. F. Westcott & A. Westcott, Ed.), P.238

[30] Mark W. G. Stibbe, (1993).John. Readings: A New Biblical Commentary, P. 177

[31] Sproul, R. C. (2009). The Prayer of the Lord ,P.18

[32] Lenski, R, C, H. The interpretation of St. john’s gospel. P.373 & Morris, L. (1995). The Gospel According to John. The New International Commentary on the New Testament, P. 273 & Carson, D, A. The Gospel according to john, P.246

[33] Cranfield, C. E. B. (2004). A critical and exegetical commentary on the Epistle to the Romans ,P.399

[34]Silva, M., & Tenney, M. C. (2009). The Zondervan Encyclopedia of the Bible, Volume 3, H-L, P.648

[35]Ibid,P.720

[36] Pfeiffer, C. F., & Harrison, E. F. (1962). The Wycliffe Bible commentary, elctronic, ed (Jn 17:1)

[37] Bruce, F. F. (1979). New International Bible commentary.P. 1258. & Robertson, A. (1997). Word Pictures in the New Testament. Vol.5, elctronic, ed (Jn 17:1).

[38] يوجد تماثل نحوي بين العدد الأول والثاني، يسوع يتمجد لكي يتمجد الآب، للإبن سلطان لكي يعطي الحياة الأبدية، من الواضح أرتباط ἵνα المكررة في العددين بــــــ καθὼς، بمعنى أن إعطاء المسيح للحياة هو عبارة عن طريقة أخرى لقول ليمجدك إبنك، أنظر:

Bernard, J. H. (1929). A critical and exegetical commentary on the Gospel according to St. John. Vol. 2, P.560 & Kysar, R. (1986). John. Augsburg Commentary on the New Testament, P.255

 [39]الأب بيار نجم، التفسير المسيحي القديم، الإنجيل كما دونه يوحنا، الجزء الثاني، صــــ 295

[40] القديس اثناسيوس الرسولي، ضد الأريوسيين، المقالة الأولى، الفصل الحادي عشر، فقرة 42، صـــ 111

[41] Barker, K. L. (1994). Expositor’s Bible Commentary (Abridged) ,P.356, see also, Rosscup, J. E. (2008). An Exposition on Prayer in the Bible: Igniting the Fuel to Flame Our Communication with God ,P.1852

[42] في النص اليوناني ” يعرفوك\ γινώσκωσιν” فعل مضارع مبني للمعلوم في صيغة شرطية (subjunctive)، وبالتالي تكون صيغة المعرفة هنا هي استمراية ودائمة.

[43] يُشير الرب يسوع إلى نفسه بصيغة الغائب ولكن هذا كان شائع في العصور القديمة، أنظر. Arnold, C. E. (2002). Zondervan Illustrated Bible Backgrounds Commentary Vol. 2, P.152

[44]Plummer, A. (1902). The Gospel According to St John, P. 308

[45] Elwell, W. A., & Comfort, P. W. (2001). Tyndale Bible dictionary. ,P.789

[46] المطران يوحنا زيزيولاس، الوجود شركة صـــــ 17،20

[47] Cornelius à Lapide. (1908). The Great Commentary of Cornelius à Lapide, Vol. 6, P. 192

[48] Ratzinger, J. (2011). Jesus of Nazareth: Part Two: Holy Week: From the Entrance into Jerusalem to the Resurrection, P. 82,83

[49] Elwell, W. A., & Beitzel, B. J. (1988). Baker encyclopedia of the Bible, P.725

[50] Philo of Alexandria, & Yonge, C. D. (1995). The works of Philo: Complete and unabridged, P.170, Unchangeable 143

[51] Beasley-Murray, G. R. (2002). Vol. 36: Word Biblical Commentary, John., P297

[52] Theological dictionary of the New Testament. 1964 (G. Kittel, G. W. Bromiley, G. Friedrich, G. W. Bromiley & G. Friedrich, Ed.) Vol.1, P.249

[53] Louw, J. P., & Nida, E. A. (1996). Greek-English lexicon of the New Testament: Based on semantic domains , Vol.1, P.666

[54] Vine, W., & Bruce, F. . Vine’s Expository dictionary of Old and New Testament words, Vol. 2, P.158

[55] للمزيد من التفصيل أنظر An Exposition Of The Jehovah’s Witnesses’ Argument In Rejecting Christ’s Deity Using John 17:3, By. Aaron Tuazon Shelenberger, Christian Apologetics Journal, Vol. 8, Page 114

[56] Stern, D. H. (1996). Jewish New Testament Commentary: A companion volume to the Jewish New Testament, electronic ed, Jn 10:30

[57] Kruse, C. G. (2003). Vol. 4: John: An introduction and commentary. Tyndale New Testament Commentaries, P. 335

[58] Stallings, J. W. (1989). The Gospel of John (First Edition). The Randall House Bible Commentary, P. 238

[59] Carson, D. A. (1991). The Gospel according to John, P. 556

[60] Morris, L. (1995). The Gospel According to John. The New International Commentary on the New Testament, P.639

شهادة العلماء لدقة وموثوقية نص الإنجيل وسلامته من التحريف – مايكل موسى اقلاديوس

شهادة العلماء لدقة وموثوقية نص الإنجيل وسلامته من التحريف – مايكل موسى اقلاديوس

شهادة العلماء لدقة وموثوقية نص الإنجيل وسلامته من التحريف – مايكل موسى اقلاديوس

شهادة العلماء لدقة وموثوقية نص الإنجيل وسلامته من التحريف – مايكل موسى اقلاديوس

 

لتحميل البحث بصيغة PDF والاحتفاظ به

 

رقم البحث: 1 – رقم إصدار البحث: 1 – تاريخ الانتهاء من البحث: 17 يونيو 2022م.

 

 

مقدمة لا بد أن تقرأها للاستفادة من هذا البحث …

ما أهمية، أو ما قيمة هذا البحث؟!

إن تحريف الإنجيل هو واحدة من أكثر الشُبهات تكراراً التي كثيراً ما يُرددها الإخوة الأحبَّاء غير المسيحيين (مُسلمين ولا أدريين وغيرهم …) على الإنترنت على المواقع والمنتديات المختلفة غير المسيحية، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي كالفيسبوك واليوتيوب وغيرها، ولأن هذه الشُبهة غير حقيقية وغير أمينة بالمرة، فكان من الواجب عمل بحث تجميعي به تجميع لشهادات العلماء المختلفة بخصوص مدى دقة وموثوقية نص الإنجيل، وبُناءً عليه سلامته من التحريف الذي يدَّعيه الإخوة الأحبَّاء غير المسيحيين.

ولكن … من هم العلماء الذين من الممكن أخذ رأيهم بخصوص هذا الأمر؟!
إنهم العلماء المُتخصصين في علم اسمه علم “النقد النصي”

واسم هذا العلم باللغة الإنجليزية Textual Criticism هذا العلم باختصار وببساطة شديدة لكي يفهم فكرته الشخص البسيط غير المُتخصص:

هو العلم المُختص بدراسة مصادر الكتابات والأعمال الأدبية القديمة التي كُتبَت قبل زمن الطباعة، فمثلاً الكتاب المقدس أسفاره كانت تُكتَب وتُنسَخ على مصادر كتابة قديمة مثل: الرقوق المصنوعة من جلود الحيوانات، البرديات المصنوعة من ورق البردي … إلخ

فيتم جمع كل هذه المخطوطات المُختصة بالكتاب المقدس … يتم فحصها ودراستها جيداً بدقة وعلى نطاق واسع … ويتم مقارنتها ببعضها البعض للوصول إلى أقرب وأدق نص لأسفار الكتاب المقدس يُطابق ما كتبه كُتَّاب الوحي الإلهي حينما كتبوا أسفار الكتاب المقدس.

 

إذاً، ما فائدة هذا العلم؟!

هذا العلم يُعطينا شهادة علمية مُتخصصة مُحايدة من علماء مُتخصصين مُحايدين تدل على سلامة وموثوقية نص الكتاب المقدس رداً على من يدَّعي تحريف الكتاب المقدس، وإن عدم وجود الأصل= ضياع الكتاب المقدس … إلخ وهذا أيضاً يُعطينا ثقة أن الذي بين أيدينا اليوم هو حقاً الكلام الذي كتبوه كُتَّاب أسفار الكتاب المقدس.

تكمُن أهمية هذه الشهادة أنها شهادة مُحايدة (أي أنها شهادة من علم مُحايد تجريدي غير مُنحاز للإيمان المسيحي، هي شهادة علم أكاديمي مبنية على الدراسات الأكاديمية المُجرَّدة وليس لها أي علاقة بالإيمانيات المسيحية)، وبهذا فهي تصلح أن تكون حــــــــاكمـــــاً على أي شخص سواء كان مسيحياً أو غير مسيحي، لأنها شهادة علمية أكاديمية وليست شهادة إيمانية، فمثلاً إن كنت أمتلك قطعة ذهب وادَّعى أحدهم أنها تشوبها الشوائب وغير نقية، فسأذهب إلى المُتخصصين لفحص هذا الذهب وأخذ وتجميع أراءهم بخصوص مدى نقاء هذا الذهب وخلوُّه من الشوائب، فإن أصرًّ المُشكك فيما بعد أن بها شوائب وغير نقية، فسأعطيه شهادات الخُبراء المُتخصصين في فحص الذهب وتحديد مدى نقائه وخُلوُّه من الشوائب، فأراءهم ستكون حــــــــاكمـــــاً عليَّ وعليه لأنها أراء خبراء متخصصين في هذا المجال، وليست أراء مُنحازة مبنية على أساس معتقدات مُعيَّنة.

 

إذاً، على ماذا يحتوي هذا البحث؟!

يحتوي هذا البحث على تجميع لآراء وشهادات علماء هذا العلم، علم “النقد النصي”، والتي تشهد وبقوة وبوضوح شديد لمدى دقة وموثوقية نص الإنجيل، وبُناءً عليه سلامته من التحريف، وأن ما بين أيدينا اليوم هو حقاً ما كتبه كُتَّاب أسفار الكتاب المقدس.

بعض هذه الأسماء هي أسماء علماء من أكبر علماء النقد النصي في العالم، وشهاداتهم لها وزنها.

 

المنهجية المُتَّبعة في هذا البحث:

عندما أضع اقتباس شهادة كل عالم، سأذكر اسم المرجع الذي منه هذا الاقتباس برقم الصفحة الموجود بها إن أمكن وذلك حتى يسهل العودة إليها ومراجعتها، وسأضع الاقتباس بلغته الأصلية (الإنجليزية) إن أمكن، وأسفله ترجمته العربية، وإن أمكن سأضع صورة غلاف هذا المرجع الذي منه هذا الاقتباس.

بعض الكلمات باللغة الإنجليزية قد يكون لها أكثر من ترجمة في اللغة العربية، لذلك سأضع الترجمات البديلة بين قوسين من هذا النوع (…)، أو بعد علامة /.

ملحوظة: في هذا البحث لن نقوم بعرض رأي أو آراء العلماء بخصوص كل نص في الكتاب المقدس على حدة، وإنما سنقوم بعرض الخُلاصة والنتيجة النهائية التي وصل إليها العلماء بخصوص نص الإنجيل ككل بعد دراسة جميع مخطوطاته ومقارنتها ببعضها البعض بمنهجيات وطرق علم “النقد النصي”.

نبدأ بنعمة الرب:

 

1- بروس ميتزجر Bruce Manning Metzger

بروس ميتزجر Bruce Manning Metzger

اسم المرجع:

القضية…المسيح، لي ستروبل، ترجمة سعد مقاري، دار الكلمة 2007، ص 80

يُمكننا أن نثق ثقة عظيمة في الإخلاص الذي وصلت به هذه النصوص إلينا، خاصةً لو قورنت بأى أعمال أدبية قديمة أخرى”.

فسألته، وأنا أريد تأكيد واضح لما إعتقدت بأنني سمعته يقوله “إذن، ما هو رأيك؟ بالنسبة لتعدد المخطوطات والفجوة الزمنية بين أصولها ونسخها الأولى، كيف يصمد العهد الجديد أمام الأعمال الأخرى المشهورة من الأزمنة القديمة؟”

فأجاب: بطريقة جيدة جدا، ويمكننا أن نثق ثقة عظيمة في الإخلاص الذي وصلت به هذه النصوص إلينا، خاصة لو قورنت بأي أعمال أدبية قديمة أخرى.

القضية…المسيح، لي ستروبل

اسم المرجع:

The Text of the New Testament: Its Transmission, Corruption, and Restoration 4th Edition – Bruce M. Metzger – Bart D. Ehrman – P 271.

“ … it ought to be noted that other evidence points to the careful and painstaking work on the part of many faithful copyists. There are, for example, instances of difficult readings that have been transmitted with scrupulous fidelity … Even in incidental details one observes the faithfulness of scribes.”

 

وترجمته باللغة العربية كالآتي:

” … أنه يجب ملاحظة أن الأدلة الأخرى تشير إلى العمل الحريص والمجتهد/ الدقيق من جانب الكثير من النُسَّاخ المُخلصين. هناك -لي سبيل المثال- نماذج من القراءات الصعبة التي تم نقلها بإخلاص دقيق … حتى في التفاصيل العارضة يستطيع الفرد أن يلاحظ اخلاص النُسَّاخ“.

The Text of the New Testament: Its Transmission, Corruption, and Restoration 4th Edition

اسم المرجع:

The Oxford Annotated Bible (RSV) by Herbert G. May and Bruce M. Metzger, Oxford University Press 1962 ص 1169

It should be added, however, that the great majority of these variant readings involve inconsequential details, such as alternative spellings, differing order of words, and interchange of synonyms. Among the relatively few variants, which involve the essential meaning of the text, modern scholars are usually able to determine with more or less probability what the original text was.

وترجمته باللغة العربية كالاتي:

” وعلى أية حال، فإنه يجب إضافة أن الغالبية العظمى من هذه القراءات المختلفة، تتضمن تفاصيل غير هامة، مثل التهجئات المختلفة، الاختلاف في ترتيب الكلمات، وتبادل المُترادفات. وفي القراءات القليلة نسبياً المتبقية والتي تتضمن المعنى الجوهري للنص، فالعلماء المعاصرين عادةً ما يستطيعون تحديد ما الذي يقوله النص الأصلي، باحتمالية قد تقل أو تزيد.

2- دانيال والاس Daniel Baird Wallace

دانيال والاس Daniel Baird Wallace

اسم المرجع:

Interpreting the New Testament Text: Introduction to the Art and Science of Exegesis Part 1, Chapter 2: Laying a Foundation New Testament textual criticism By DANIEL B. WALLACE ص 34

“ On the other hand, the text of the NT has been surprisingly stable through the centuries. This can be measured by the differences between the Greek text behind the KJV (known as the Textus Receptus or TR) and the one behind modern translations of the NT. Although the KJV is a four-hundred-year-old translation, it is based on significantly later MSS than modern translations are. It represents a text that had grown over the centuries. Yet there are only about five thousand differences between the TR and NA27. In other words, they agree more than 96 percent of the time. Another way to look at this is to consider the nature of textual variants. All textual variants can be broken down into three groups: insignificant for the meaning of the text, significant (or meaningful) but not viable, meaningful and viable. (By “viable” we mean a variant that has a plausible claim on authenticity.). The vast majority of textual variants belong to the first two categories.”

وترجمته باللغة العربية كالاتي:

نص العهد الجديد كان مُستقر بشكل عجيب عبر القرون. نستطيع قياس حالة الاستقرار هذه، ببيان الاختلافات بين النص اليوناني الذي يقف خلف ترجمة الملك جيمس (المعروف باسم النص المُستلم ويُختصر إلى TR (Textus Receptus) والنص اليوناني الذى يقف وراء الترجمات الحديثة للعهد الجديد. فرغم أن ترجمة الملك جيمس عمرها يتجاوز الأربع مئة عام، فقد استندت إلى مخطوطات متأخرة على نحو هام، أكثر من الترجمات الحديثة. لذلك فهي تمثل نص قد نما عبر القرون. ورغم ذلك فهناك خمسة آلاف اختلاف فقط بين النص المُستلم، ونص الإصدار السابع والعشرين لـ “نيستل – آلاند”.

بكلمات أخرى، الإصداران يتفقان معاً في أكثر من 96 بالمئة. هناك طريقة أخرى للنظر فى هذا الأمر، إستقرارية نص العهد الجديد، وهي النظر في طبيعة القراءات النصية. كل القراءات النصية يُمكن تصنيفها في ثلاث مجموعات: قراءات غير هامة لمعنى النص، وقراءات هامة (أو لها معنى) ولكن غير تطبيقية، وقراءات لها معنى وتطبيقية (نقصد بـ “تطبيقية”، أنها تحتمل ادعاء الأصالة). الغالبية العظمى من القراءات النصية تنتمى للمجموعتين الأولى والثانية”.

مقال للعالم تم نشره عام 1991م في جريدة لاهوتية اسمها:

Bibliotheca Sacra (“The Majority Text and the Original Text: Are They Identical ?” (Bibliotheca Sacra, Volume 148 (April-June 1991)): 151-169.

و موجود على شبكة الانترنت، تستطيع أن تضطلع عليه كاملاً من خلال هذا الرابط:

https://bible.org/article/majority-text-and-original-text-are-they-identical

“The Majority Text differs from the Textus Receptus in almost 2,000 places. So the agreement is better than 99 percent. But the Majority Text differs from the modern critical text in only about 6,500 places. In other words, the two texts agree almost 98 percent of the time. Not only that, but the vast majority of these differences are so minor that they neither show up in translation nor affect exegesis. Consequently the majority text and modern critical texts are very much alike, in both quality and quantity.”

 

وترجمته باللغة العربية كالاتي:

“نص الأغلبية يختلف عن النص المُستَلم في تقريباً 2000 موضع. وبناءً عليه فالاتفاق بينهما أكثر من 99 بالمائة. ولكن نص الأغلبية يختلف عن النص النقدي الحديث في 6500 موضع فقط. بمعنيً آخر، فإن النصين يتفقان معاً في 98 بالمائة من الوقت. ليس فقط ذلك، ولكن الغالبية العظمي من هذه الاختلافات ثانوي/تافه جداً حتى أنها لا تظهر في الترجمة ولا تؤثر على التفسير. وبالتبعية، فإن نص الأغلبية والنص النقدي الحديث متشابهين جداً، في كلٍ من الكم والكيف.

 

Conclusion:

“Is the majority text identical with the original text ? … Does this mean that the majority text is worthless? Not at all. For one thing, it agrees with the critical text 98 percent of the time.”

وترجمته باللغة العربية كالاتي:

الاستنتاج (خاتمة هذا المقال):

“هل نص الأغلبية متطابق مع النص الأصلي؟ … هل هذا معناه أن نص الأغلبية ليس له قيمة؟ لا على الإطلاق، بسبب شيء واحد، أنه يتوافق مع النص النقدي بنسبة 98 بالمائة من الوقت.”

اسم المرجع:

Reinventing Jesus, How Contemporary Skeptics Miss the Real Jesus and Mislead Popular Culture

وقد صدرت ترجمة باللغة العربية لهذا الكتاب تحت عنوان: أيُعيدون اختراع شخصية يسوع؟!، كيف أساء المتشككون المعاصرون فهم شخصية يسوع الحقيقية وأضلوا الثقافة الجماهيرية ص 77.

في كتاب “أيُعيدون اختراع شخصية يسوع؟!” ص77:

“وقد أشرنا أيضاً إلى أن نص العهد الجديد هو ثابت بصورة ملحوظة عبر العديد من القرون أثناء نقله. وأنه يوجد فقط حوالي 1% من الاختلافات ذات المعني والقابلة للتطبيق”.

ملحوظة: قد تم شرح هذه النوعية من الاختلافات في نفس هذا الكتاب ص 58-61.

 

وفي خاتمة هذا الكتاب ص227 تحت عنوان “يسوع الحقيقي” يقول:

“إن الوثائق الأصلية للعهد الجديد قد فُقدَت، ولكن محتواها تم حفظه بأمانة في آلاف من النسخ. وإننا اليوم واثقون من حوالي 99% من الصياغة الأصلية. كما أن ألوهية المسيح أو قيامته الجسدية لم يتم الشك فيهما في أي مكان من العهد الجديد بسبب الاختلافات النصية. وعلى الرغم من أن الكثير من صياغة النصوص قد تعرَّض للتغييرات على مر القرون، إلا أن جوهر الحقائق التي تدَّعيها المسيحية قد ظلت سليمة.”

 

3- ديفيد آلان بلاك David Alan Black

اسم المرجع:

New Testament Textual Criticism: A Concise Guide By David Alan Black ص 24 وص 25

The sheer number of witnesses to the text of the New Testament makes it virtually certain that the original text has been preserved somewhere among the extant witnesses.” Page 24.

وترجمته باللغة العربية كالاتي: الاقتباس من ص 24:

العدد الكبير من شواهد نص العهد الجديد يجعل من اليقين فعلياً أنه تم الحفاظ على النص الأصلي في مكان ما بين الشواهد التي لا تزال باقية.”.

No biblical doctrine would go unsupported if a favorable reading was abandoned in favor of a more valid variant. This does not mean, as is sometimes said, that no doctrine of Scripture is affected by textual variation. Rather, a doctrine that is affected by textual variation will always be adequately supported by other passages.”. Page 25.

 

وترجمته باللغة العربية كالاتي: الاقتباس من ص 25:

ولا يوجد عقيدة في الكتاب المقدس يمكن أن تُصبح غير مدعومة إذا حدث التخلي عن قراءة مُفضَّلة لمصلحة بديل صالح أكثر (قراءة أخرى أدق أو أصلح). وهذا لا يعني -كما يُقال أحياناً- أنه لا عقيدة في الكتاب المقدس تتأثَّر بالاختلاف النصي. بالأحرى، فإن العقيدة التي تتأثر بالاختلاف النصي ستحظى دائماً بدعمٍ كافٍ من مقاطع أخرى (آيات أخرى من الكتاب المقدس)“.

 

4- موريس روبنسون Maurice Arthur Robinson

موريس روبنسون Maurice Arthur Robinson

اسم المرجع: مُقابلة مع العالم سجلَّها كتابةً العالم “ديفيد بلاك” David Alan Black عندما طلب “ديفيد” من تلاميذه أن يكتبوا الأسئلة التي يريدون أن يسألوها للعالم، والعالم وافق على الإجابة عليها … تستطيع الاطلاع على الجزء الثاني من هذه المُقابلة مكتوبةً من خلال هذا الرابط:

http://www.daveblackonline.com/interview_with_maurice_robinson2.htm

 

8 How would you defend your view that we now have the New Testament in the original Greek against the agnostic position that we cannot get back to the original?

I dealt with this issue in my ETS 2005 paper, “The Integrity of the Early New Testament Text: A Collation-based Comparison”. In general, any claim that suggests absence of the physical autograph equals absence of textual reliability or biblical authority is bogus.

The manuscript copies we possess remain substantially identical to the autographs. As demonstrated in my paper, the earliest extant (non-Byzantine) papyri compared against the text of Byzantine minuscule mss copied a thousand years later share a verbal identity approximating 92% — including orthographic and non-translatable differences. With such a large percentage of common text, even over more than a millennium of transmission, it is clear that the autograph text substantially has been preserved, even among disparate copies representing quite different textual traditions.

On the same principle, dispute hardly should arise as to whether the autograph text similarly was preserved during the much shorter period between autograph composition and the earliest extant mss. Transmissional observations suggest an equally reliable transmissional history during the short period from which no evidence exists. In addition, all doctrinal essentials are clearly present within the ca. 92% average base text; no doctrine is established or negated within the remaining ca. 8% where differences occur. Also, most variants are quite minor and generally stylistic in nature.

If the orthographic, non-translatable, and minor stylistic variants are excluded, the overall agreement among the earliest and latest mss rises substantially. The existing documents accurately represent the autographs in all essential points. The text we now possess is sufficient and substantial for establishing and maintaining all doctrinal positions held within orthodox Christianity, skeptics and postmodernists such as Ehrman, Epp, Parker, or the media to the contrary.

 

8- كيف ستُدافع عن وجهة نظرك أننا لدينا الآن العهد الجديد بأصله اليوناني ضد الموقف اللاأدري الذي يدَّعي أننا لا نستطيع العودة إلى الأصل؟

(السؤال ببساطة معناه: هل تم حفظ نص الإنجيل بدقة بحيث نستطيع أن نقول أننا لدينا الآن الأصل الذي كتبوه كُتَّاب الإنجيل وقت كتابتهم لأسفار الكتاب المقدس؟)

الإجابة:

أي ادعاء يُوحي أن غياب الأصول المادية يُساوى غياب الموثوقية النصية أو السلطة الكتابية هو زائف/كاذب/وهمي. نُسخ المخطوطات التي نمتلكها تبقى مُتطابقة مع الأصول، بشكل جوهري. كما برهنت في بحثي، أقدم بردية موجودة (ليست بيزنطية)، إذا قُورنت مع نص مخطوطات الحروف الصغيرة البيزنطية التي نُسخَت بعدها بألف عام، فإنهما يحتويان على تطابق حرفي بنسبة 92%، بما فيهم الأخطاء النسخية والخلافات التي لا يُمكن ترجمتها. بوجود نسبة ضخمة من النص المُشتَرك، حتى بعد مرور ألفية من الانتقال النصي، فإنه من الواضح أن نص الأصول محفوظ جوهرياً، حتى بداخل النُسخ المتفاوتة التي تُمثل تقاليد نصية مختلفة قليلاً.

وبنفس القاعدة، فإن الشك ينبع بصعوبة (ترجمة أخري: من الصعب جداً أن يكون هناك شك) حول هل نص الأصول قد حُفظ بشكل مُماثل خلال الفترة القصيرة جداً بين كتابة الأصول وأقدم المخطوطات المتوفرة؟ المُلاحظات التناقلية تُوحى بموثوقية تاريخ الانتقال خلال الفترة القصيرة التي لا يتوفر بها دليل. بالإضافة إلى ذلك، كل المبادئ العقيدية موجودة بشكل واضح في نسبة متوسط النص الأساسي 92%. لا يُوجد عقيدة أُثبتت أو أُبطلت في النسبة المُتبقية 8%، حيث تُوجد الاختلافات. أيضاً غالبية القراءات هي صغرى/ثانوية/تافهة وبشكل عام هي أسلوبية في طبيعتها.

إذا استبعدنا الأخطاء النسخية غير المُترجمة، والاسلوبية الثانوية، فإن الاتفاق الكامل بين أقدم المخطوطات وأكثرها تأخراً سيتضح جوهرياً. الوثائق المتوفرة تُمثل الأصول في كل النقاط المبدئية بدقة. والنص الذى نمتلكه الآن كافٍ وواقعي لإثبات وتأكيد كل المواقف العقيدية التي قامت بها المسيحية المُستقيمة

 

5- مايكل هولمز Michael William Holmes

مايكل هولمز Michael William Holmes

اسم المرجع:

New Testament Criticism and Interpretation – By David Alan Black & David S. Dockery Chapter Four: Textual Criticism, Notes, Note Number 21 By Michael William Holmes ص 127 و128

21: Indeed, in view of the attention that is rightly focused on the places where the evidence differs, it is worth noting just how much of the New Testament is well established. A survey by the Alands reveals that of the 7,947 verses in the Greek New Testament, seven major editions are in complete agreement regarding 4,999, or 62.9% (Aland, Text, 28-29). If one were to leave aside certain idiosyncrasies and minor differences between these editions, it may be estimated that the number of verses about which there is substantial agreement approaches 90% of the total.

To be sure, the remaining differences can be substantial and important, and fully merit the attention given to them over the centuries by textual critics. One should not neglect, however, to keep them in perspective, especially as people unacquainted with textual matters are sometimes shocked to encounter statements to the effect that “there are over 30,000 errors in the New Testament.”

The intended implication is that the New Testament is unreliable. Such statements are uninformed and inaccurate. If one defines “error” broadly enough, to include, e.g., spelling mistakes or differences, then it is true that there are tens if not hundreds of thousands of “errors” among the 5000 + manuscripts of the New Testament. But this hardly affects the reliability of the New Testament itself, since wherever some MSS are in error, others have accurately preserved the original text.

“فعلياً وبالنظر إلى الاهتمام، الذي يجب فعلاً أن يكون حول الأماكن التي يختلف فيها الدليل، فإنه من الجدير بالانتباه مُلاحظة الحجم الكبير الثابت نصياً في العهد الجديد تماماً. قام كِرت وبربارا آلاند بعمل مسح شامل، وكشف عن أنه من بين 7947 نص في العهد الجديد اليوناني، فهناك سبعة إصدارات رئيسية للعهد الجديد اليوناني في اتفاق تام في 4999 نص، أي 62.9% (آلاند، نص العهد الجديد، ص 28-29).

وإذا قام الفرد بتنحية الاختلافات الثانوية بين هذه الإصدارات، فنستطيع القول بأن عدد النصوص التي تتفق جوهرياً، تقترب من 90% من مجموع النص. لكن لنكن متأكدين، الاختلافات المتبقية من الممكن أن تكون جوهرية وعامة واستحقوا الانتباه لهم عبر القرون بواسطة نُقاد النص. لكن يجب على الفرد ألا يهمل وضع هذه الاختلافات في وجهة نظره خاصةً وأن الناس غير المتدربين في الموضوعات النصية يُصدمون في بعض الأحيان حينما يُقابلون عبارات مثل: “هناك أكثر من 30000 خطأ في العهد الجديد”.

والمقصود من هذه العبارات أن العهد الجديد غير موثوق. هذه التصريحات غير دقيقة وغير عالمة بالنقد النصي. فإذا كان على الفرد أن يجعل مفهوم “الخطأ” واسع لكي يشتمل أخطاء واختلافات التهجئة، إذن فهناك بالفعل عشرات إن لم يكن مئات الآلاف من “الأخطاء” بين أكثر من 5000 مخطوطة للعهد الجديد. ولكن هذا لا يؤثر في موثوقية العهد الجديد ذاته، لأنه حينما تكون مجموعة من المخطوطات تحتوي على خطأ فهناك مخطوطات أخرى احتفظت بالنص الأصلي“.

6- ويستكوت وهورت Brooke Foss Westcott, Fenton John Anthony Hort

Brooke Foss Westcott, Fenton John Anthony Hort

اسم المرجع:

The New Testament in the Original Greek Introduction and Appendix By Brooke Foss Westcott and Fenton John Anthony Hort, Introduction: ص 2 و3

“With regard to the great bulk of the words of the New Testament, as of most other ancient writings, there is no variation or other ground of doubt, and therefore no room for textual criticism; and here therefore an editor is merely a transcriber.

The proportion of words virtually accepted on all hands as raised above doubt is very great, not less, on a rough computation, than seven eighths of the whole. The remaining eighth therefore, formed in great part by changes of order and other comparative trivialities, constitutes the whole area of criticism.

Recognising to the full the duty of abstinence from peremptory decision in cases where the evidence leaves the judgement in suspense between two or more readings, we find that, setting aside differences of orthography, the words in our opinion still subject to doubt only make up about one sixtieth of the whole New Testament. In this Second estimate, the proportion of comparatively trivial variations is beyond measure larger than in the former; so that the amount of what can in any sense be called substantial variation is but a small fraction of the whole residuary variation, and can hardly form more than a thousandth part of the entire text.

Since there is reason to suspect that an exaggerated impression prevails as to the extent of possible textual corruption in the New Testament, which might seem to be confirmed by language used here and there in the following pages, we desire to make it clearly understood beforehand how much of the New Testament stands in no need of a textual critic’s labours.

 

بالنظر إلى الحجم الأعظم من كلمات العهد الجديد، كما بالنسبة لمعظم الكتابات العتيقة الأخري، لا يوجد اختلاف/تغيير أو أي أرضية أخرى للشك، وبُناءً عليه لا يوجد مجال عمل ل”النقد النصي” ومن ثمَّ، يكون المُحرِّر/كاتب العمود هو مُجرَّد ناسخ. نسبة الكلمات المقبولة فعلياً بإجماع الكل عظيمة جداً بما لا يدع مجالاً للشك، فبحِسابٍ قاسٍ، هذه النسبة تُمثل سبعة أثمان (7/8) من الكل. وبُناءً عليه، فإن الثُمن الباقي (1/8) الذي يتكون بشكل كبير من تغييرات في الترتيب وأمور أخرى تافهة نسبياً، يُشكّل كل مساحة “النقد النصي”.

 

إنه بالإدراك الكامل للانقطاع عن تقديم قرار حاسم في الحالات التي يترك الدليل الحُكم فيها في شك بين قرائتين أو أكثر، نجد أنه، بوضع اختلافات التهجئة وطريقة رسم الكلمات جانباً، الكلمات التي في رأينا مازالت عُرضة للشك تُمثل فقط واحد على ستة عشر (1/16) من كل العهد الجديد. وفي هذا التقدير الثاني، نسبة الاختلافات التي تبدو تافهةً عند مقارنتها بغيرها أعلى من السابق بما يفوق القياس، وبُناءً عليه كمية ما يُمكن أن يُسمَّي بأي معني اختلاف جوهري هي فقط كسر صغير من كل الاختلافات المُتبقية، وبالكاد تُمثل أكثر من واحد على ألف من النص بأكمله.

 

بما إنه يوجد سبب للشك أن انطباع مُبالغ فيه يسود بخصوص مدى الفساد النصي في العهد الجديد، والذي قد يبدو أن تؤكده اللغة المُستخدَمة هنا وفي الصفحات القادمة، فنحن نرغب أن نجعل الأمر مفهوماً بوضوح مُسبَقاً أنه إلى أي مدي يقف العهد الجديد بدون حاجة إلى مجهودات الناقد النصي.

ملحوظة من المُترجم:

الجزء المُظلَّل باللون الأصفر معناه ببساطة أن الاختلاف الحقيقي هو بشأن واحد على ألف من النص بأكمله، مما يعني أن 99.9% من النص موثوق به ومحفوظ سليماً تماماً!!!.

 

وفي نفس المرجع:

The New Testament in the Original Greek Introduction and Appendix By Brooke Foss Westcott and Fenton John Anthony Hort,

CHAPTER IV: SUBSTANTIAL INTEGRITY OF THE PUREST TRANSMITTED TEXT,

B: Approximate sufficiency of existing documents for the recovery of the genuine text, notwithstanding the existence of some primitive corruptions ص 278، فقرة رقم 363

 

363: Absence of any contrary presumption arising from the complexity of attestation in the N.T., which is in fact due to unique advantages in the antiquity, variety, and excellence of the evidence.

363 The question however needs more careful consideration on account of the apparent ease and simplicity with which many ancient texts are edited, which might be thought, on a hasty view, to imply that the New Testament cannot be restored with equal certainty. But this ease and simplicity is in fact the mark of evidence too scanty to be tested; whereas in the variety and fullness of the evidence on which it rests the text of the New Testament stands absolutely and unapproachably alone among prose writings.

 

وترجمته باللغة العربية كالاتي:

على أي حال، فإن السؤال يحتاج أن نأخذ اعتباراً حريصًا بخصوص مدى السهولة والبساطة التي يتم بها تحرير الكثير من الكتابات القديمة، والذي قد يُعتَقد، إذا نظرنا إلى الأمر بنظرة مُتسرعة، أن العهد الجديد لا يمكن استرجاعه بدقة مُكافئة. ولكن هذه السهولة والبساطة هي في الحقيقة علامة على أن الدليل الذي يُمكن اختباره قليل جداً، بينما في حالة الدليل المُتنوع والكامل الذي يستند عليه العهد الجديد، فإن العهد الجديد يقف وحده تماماً بصورة مُطلقة ولا يقترب منه/ لا يُضاهيه أيا من الكتابات الأدبية القديمة.

 

7- أرتشيبولد روبرتسون Archibald Thomas Robertson

أرتشيبولد روبرتسون Archibald Thomas Robertson

اسم المرجع:

An Introduction to the Textual Criticism of the New Testament CHAPTER I: THE TEXTUS RECEPTUS ص 21 و22

It should be stated at once that the Textus Receptus is not a bad text. It is not a heretical text. It is substantially correct. Hort has put the matter well: “With regard to the great bulk of the words of the New Testament,…” …

It is clear, therefore, that the Textus Receptus has preserved for us a substantially accurate text in spite of the long centuries preceding the age of printing when copying by hand was the only method of reproducing the New Testament. But the case is even better than this presentation, for Hort concludes: ‘Recognizing to the full …”

The real conflict in the textual criticism of the New Testament is concerning this “thousandth part of the entire text.” …

No amount of toil is too great if only we can be sure that we possess the original text of the New Testament.”

 

إنه يجب فوراً تقرير أن النص المُستَلم ليس نصاً سيئاً. هو ليس نصاً هرطوقياً. بل هو جوهرياً صحيحا. العالم هورت قدَّم الأمر بطريقة جيدة: “بالنظر إلى الحجم الأعظم من كلمات العهد الجديد …”

وبناءً عليه، فإنه من الواضح أن النص المُستَلم قد حفظ لنا نص دقيق جوهرياً/بشكل أساسي بالرغم من القرون الطويلة التي سبقت عصر الطباعة عندما كان النسخ باليد هو الطريقة الوحيدة لنسخ/إعادة إنتاج العهد الجديد. ولكن الحالة أفضل حتى من هذا المظهر، حيث أن العالم هورت يستنتج أنه: ” إنه بالإدراك الكامل …”

إن الخلاف الحقيقي في النقد النصي للعهد الجديد هو بشأن هذا “الواحد من الألف من النص بأكمله” لا يوجد مقدار كبير من المجهود لو أننا فقط استطعنا أن نكون متأكدين من أننا نمتلك النص الأصلي للعهد الجديد.

 

ملحوظة من المُترجم:

الجزء المُظلَّل باللون الأصفر معناه ببساطة أن الاختلاف الحقيقي هو بشأن واحد على ألف من النص بأكمله، مما يعني أن 99.9% من النص موثوق به ومحفوظ سليماً تماماً!!!.

ملحوظة من المُترجم:

اقتباسات العالم هورت اللذان ذكرهما هُنا العالم أرتشيبولد روبرتسون موجودان كاملان باللغة الإنجليزية، ومُتَرجَمان إلى اللغة العربية في الشهادة رقم 6 من شهادة العلماء في هذا البحث، تحت عنوان: 6- ويستكوت وهورت.

 

8- جاكوب جرينلي Jacob Harold Greenlee

جاكوب جرينلي Jacob Harold Greenlee

اسم المرجع:

Introduction to New Testament Textual Criticism (Revised Edition) By Jacob Harold Greenlee

1. Introduction; C: The Place of the New Testament in Textual Criticism and D: The Area of Textual Criticism ص5 و6

Although the science of textual criticism is useful in the study of any piece of ancient literature, the most important branch of textual criticism is that which pertains to the New Testament. This is true for three interrelated reasons. In the first place, the NT is the most important piece of ancient literature. In the second place, the number of available mss of the NT is overwhelmingly greater than those of any other work of ancient literature. In the third place, the earliest extant mss of the NT were written much closer to the date of the original writing than is the case for almost any other piece of ancient literature.

Since scholars accept as generally trustworthy the writings of the ancient classics, even though the earliest mss were written so long after the original writings and the number of extant mss is in many instances so small, it is clear that the reliability of the text of the NT is likewise assured.

وترجمته باللغة العربية كالاتي:

ب: وضع العهد الجديد بالنسبة لعلم النقد النصي:

بالرغم من أن علم “النقد النصي” مفيد في دراسة أي قطعة من الأدب القديم، إلا أن أهم فرع من علم “النقد النصي” هو ذاك الذي يتعلَّق بالعهد الجديد. هذا حقيقي بسبب ثلاثة أسباب مُتشابكة. ففي المقام الأول: فإن العهد الجديد هو أهم قطعة من الأدب القديم. وفي المقام الثاني: فإن عدد المخطوطات المتوافرة للعهد الجديد أكبر باكتساح/بكثير جداً من تلك التي لأي عمل آخر من الأدب القديم. وفي المقام الثالث: أكثر مخطوطات مُبكرة للعهد الجديد مازالت باقية إلى الآن تمت كتابتها في تاريخ أقرب بكثير إلى تاريخ الكتابة الأصلية من تقريباً أي قطعة أخرى من الأدب القديم.

بما أن الدارسين يوافقون بشكلٍ عام على أن كتابات الأعمال الكلاسيكية القديمة تستحق الثقة، حتى بالرغم من أن أكثر المخطوطات المُبكرة لها تمت كتابتها بعد زمن طويل جداً من الكتابة الأصلية، وبالرغم من أن عدد مخطوطاتها التي لا تزال باقية صغير جداً في كثير من الأحوال، فإنه من الواضح أن موثوقية نص العهد الجديد هي بنفس القياس مؤكدة.

D. The Area of Textual Criticism

In the NT and in other ancient literature as well, there is no question concerning the reading of most of the words. Textual criticism needs to operate in only a limited portion of the text. When one is engaged in this study, and the number and importance of the variants are made the center of attention, it is well to remember that the main body of the text and its general sense are left untouched and that textual criticism engages in turning a magnifying glass upon some of the details.

وترجمته باللغة العربية كالاتي:

د: مساحة علم “النقد النصي”:

في العهد الجديد وأيضاً في الأدب القديم، لا يوجد تساؤل بخصوص قراءة معظم الكلمات. علم “النقد النصي” يحتاج أن يعمل فقط في جزء محدود من النص. عندما يرتبط الفرد بهذه الدراسة، ويتم اعتبار عدد وأهمية التنوُّعات [يقصد تنوُّعات القراءات] مركز الاهتمام، فإنه من الجيد أن نتذكر أن القوام الأساسي للنص ومعناه العام تُرِكوا دون مَساس، وأن علم “النقد النصي” يرتبط بأن يضع عدسة مُكبّرة على بعض التفاصيل”

وفي نفس المرجع:

Introduction to New Testament Textual Criticism (Revised Edition) By Jacob Harold Greenlee.

3. The Sources of The New Testament Text; B: Versions ص 36 و37

 

B. Versions

Ancient literature was rarely translated into another language. In the occasional instances in which it was done, the resulting translation was in most cases of little use in determining the exact text of the original. When, therefore, the Hebrew OT was translated into Greek about the second century B.C., it stood virtually unique in literature.

The Christian faith is in its very nature a missionary religion. As the Christian message was carried abroad, the hooks of the NT were not only taken along but were also translated into the languages of the peoples to whom the message was given. Indeed, the NT books were first translated shortly after they were written. Both in the number of ancient translations or versions made and in their importance for study of the text the NT has no equal in literature.

وترجمته باللغة العربية كالاتي:

كان من النادر أن يتم ترجمة الأدب القديم إلى لغة أخرى. في الحالات الاستثنائية التي كان يتم فيها فعل هذا، فإن الترجمة الناتجة كانت في معظم الحالات ذات استخدام صغير في تحديد النص الدقيق للأصل. وبُناءً عليه، عندما تم ترجمة العهد القديم العبري إلى اليونانية في القرن الثاني قبل الميلاد تقريباً، فإنه وقف مُميزا حقاً في الأدب.

إن الإيمان المسيحي في طبيعته حقاً هو دين تبشيري. فبينما كانت الرسالة المسيحية يتم حملها في كل البلاد، فإن أسفار العهد الجديد لم يتم فقط اصطحابها، بل أيضاً كانت تتم ترجمتها إلى لغات الشعوب الذين كانت تُعطي لهم هذه الرسالة. حقاً، فإن أسفار العهد الجديد تم ترجمتها لأول مرة بعد فترة قصيرة من كتابتها. العهد الجديد لا مثيل له في الأدب من ناحية كلٍ من عدد الترجمات القديمة أو النُسخ التي تم عملها، وفي أهميتهم لدراسة النص.

 

اسم المرجع:

The Text of The New Testament: From Manuscript to Modern Edition By Jacob Harold Greenlee ص 75.

The Text of The New Testament: From Manuscript to Modern Edition By Jacob Harold Greenlee

” في السنوات الحديثة، أصبح من الشائع، بتزايد، لبعض العلماء المبالغة في المدى الذي إليه غير نُساخ مخطوطات العهد الجديد القُدامى، النص الكتابي بتعمد، ليتوافق مع تحيزاتهم اللاهوتية الخاصة. بعض هؤلاء العلماء يُدللوا أن هذه الإفسادات المُتعمدة أو اللاهوتية، قد حرفت على نحو هام، رسالة المؤلفين الكتابيين الأصليين. أمثال هؤلاء النُقاد يُدعمون احتجاجهم بذكر العدد العام للاختلافات بين جميع مخطوطات العهد الجديد المعروفة.

التقديرات تصل علياً، إلى حد أربعمائة ألف قراءة، وهو العدد الأكبر من عدد كلمات العهد الجديد كاملاً. بينما إنه من المُمكن الاحتجاج على أنه في مواضع نادرة تمت تعديلات مُتعمدة في مخطوطات العهد الجديد، فإن هناك أسباب عديدة للاستنتاج بأن هذه الادعاءات بفساد نصي هادف، قد انتفخت بشكل فادح. أكثر من ذلك، بسبب العدد الضخم لمخطوطات العهد الجديد الموجودة اليوم، العلماء النصيين مقتنعين شبه عالمياً، أن هذه التغييرات المُتعمدة، لأي مدى قد حدثت، فإنها لم تُحرِّف بجدية رسالة المؤلفين الأصليين، ولا قد أعاقت قدرتنا لاكتشاف القراءات الأصلية في الغالبية العظمى من الحالات “.

 

ملحوظة من المُترجم:

ما يقصد العالم جاكوب جرينلي أن يقوله هنا ببساطة أن ادعاء فساد نص العهد الجديد (ادعاء تحريفه أو تغييره) هو ادعاء خاطيء تماماً ومُنتفخ بشكل فادح، وأن علماء علم “النقد النصي” اليوم على مستوي العالم مُقتنعين أن رسالة المؤلفين الأصليين (كُتَّاب أسفار العهد الجديد) مازالت سليمة غير مُحرَّفة، ونستطيع أن نصل إلى القراءات الأصلية لكلمات العهد الجديد في الغالبية العظمي من الحالات.

 

9- عِزرا أبوت Ezra Abbot

عِزرا أبوت Ezra Abbot

اسم المرجع:

The Authorship of the Fourth Gospel, and other Critical Essays: Selected from the published papers of the late Ezra Abbot, X. The New Testament Greek Text, ص 208 و209

I have sufficiently illustrated the nature of the differences in the text of the New Testament MSS: we will now consider their extent and importance. The number of the “various readings” frightens some innocent people, and figures largely in the writings of the more ignorant disbelievers in Christianity. ” One hundred and fifty thousand various readings”! Must not these render the text of the New Testament wholly uncertain, and thus destroy the foundation of our faith?

The true state of the case is something like this. Of the one hundred and fifty thousand various readings, more or less, of the text of the Greek New Testament, we may, as Mr. Norton has remarked, dismiss nineteen twentieths from consideration at once, as being obviously of such a character, or supported by so little authority, that no critic would regard them as having any claim to reception. This leaves, we will say, seven thousand five hundred.

But of these, again, it will appear, on examination, that nineteen out of twenty are of no sort of consequence as affecting the sense; they relate to questions of orthography, or grammatical construction, or the order of words, or such other matters as have been mentioned above, in speaking of unimportant variations. They concern only the form of expression, not the essential meaning.

This reduces the number to perhaps four hundred which involve a difference of meaning, often very slight, or the omission or addition of a few words, sufficient to render them objects of some curiosity and interest, while a few exceptional cases among them may relatively be called important.

But our critical helps are now so abundant that in a very large majority of these more important questions of reading we are able to determine the true text with a good degree of confidence. … But it may be safely said that no Christian doctrine or duty rests on those portions of the text which are affected by differences in the MSS.; still less is anything essential in Christianity touched by the various readings.

وترجمته باللغة العربية كالاتي:

لقد أوضحتُ بما فيه الكفاية طبيعة الاختلافات في نص مخطوطات العهد الجديد: وسننظُر الآن في مدى هذه العناصر وأهميتها. إن عدد “القراءات المُتنوعة” يُخيف بعض الناس الأبرياء، ويظهر إلى حد كبير في كتابات غير المؤمنين الأكثر جهلاً في المسيحية. “مائة وخمسون ألف قراءة متنوعة!” ألا يجب أن تجعل هذه نص العهد الجديد غير مؤكد تماماً؟!، وبالتالي تُدمر أساس إيماننا؟!

الحالة الحقيقية للقضية هي شيءٌ كهذا: من بين مائة وخمسين ألف قراءة مختلفة -على نحوٍ أو آخر- لنص العهد الجديد اليوناني، نستطيع -كما لاحظ السيد نورتون- أن نصرف/نستبعد 19/20 في لحظة واحدة، باعتبارها من الواضح أنها تتمتع بمثل هذه الصفة، أو مدعومة بقدر ضئيل من القوة المُقنعة، إلى الحد الذي يجعل أي ناقد نصي لا يعتبرها تدعو إلى الأخذ بها. هذا يترك -سنقول- سبعة آلاف وخمسمائة. ولكن من هذه، مرة أخرى، سوف يظهر، عند الفحص، أن تسعة عشر من أصل عشرين ليس لها أي نوع من العواقب كالتأثير على المعنى؛ فهي تتعلًّق بمسائل تتعلًّق بتقويم الحروف، أو التركيب النَحوي، أو ترتيب الكلمات، أو مسائل أخرى ذُكِرَت سابقاً، عند التكلم عن إختلافات غير مهمة. فهي لا تتعلَّق إلا بشكل التعبير، وليس المعنى الأساسي.
وهذا يُخفّض العدد إلى -ربما- أربعمائة، وهو ما ينطوي على اختلاف في المعنى، وغالباً ما يكون طفيفاً للغاية، أو إغفال أو إضافة بضع كلمات، كافيةً لجعلها مَثار فضول واهتمام، في حين أن حالات استثنائية قليلة منها يمكن أن تدعَى نسبياً مهمة.

لكن المُساعدات النقدية المهمة التي نقدمها كثيرة جداً بحيث أنه في الغالبية العظمى من هذه التساؤلات المهمة حول القراءة يُمكننا أن نُحدد النص الحقيقي بدرجة جيدة من الثقة…. ولكن يُمكن القول بأمان أنه لا يوجد أي عقيدة أو فريضة مسيحية تستند على الأجزاء من النص التي تتأثر بالاختلافات التي في المخطوطات؛ وما يتأثَّر أيضاً بدرجة أقل هو أي شيء أساسي في المسيحية يتأثر بالقراءات المتنوعة.


10- بِنيامين وارفيلد Benjamin Breckinridge Warfield

بِنيامين وارفيلد Benjamin Breckinridge Warfield

اسم المرجع:

An Introduction to the Textual Criticism of the New Testament, Fifth Edition By Benjamin Breckinridge Warfield Introductory: ص 12 و14 و15

On the other hand, if we compare the present state of the New Testament text with that of any other ancient writing, we must render the opposite verdict, and declare it to be marvellously correct. Such has been the care with which the New Testament has been copied, a care which has doubtless grown out of true reverence for its holy words, such has been the providence of God in preserving for His Church in each and every age a competently exact text of the Scriptures, that not only is the New Testament unrivalled among ancient writings in the purity of its text as actually transmitted and kept in use, but also in the abundance of testimony which has come down to us for castigating its comparatively infrequent blemishes. The divergence of its current text from the autograph may shock a modern printer of modern books ; its wonderful approximation to its autograph is the undisguised envy of every modern reader of ancient books.

 

Dr. Ezra Abbot was accustomed to say that about nineteen-twentieths of them have so little support that, although they are various readings, no one would think of them as rival readings; and nineteen-twentieths of the remainder are of so little importance that their adoption or rejection would cause no appreciable difference in the sense of the passages where they occur.

Dr. Hort’s way of stating it is that upon about one word in every eight various readings exist supported by sufficient evidence to bid us pause and look at it; that about one word in sixty has various readings upon it supported by such evidence as to render our decision nice and difficult; but that so many of these variations are trivial that only about one word in every thousand has upon it substantial variation supported by such evidence as to call out the efforts of the critic in deciding between the readings.

وترجمته باللغة العربية كالاتي:

ومن ناحيةٍ أخرى، إذا قارنَّا الحالة الحاضرة لنص العهد الجديد بتلك التي لأية كتابة قديمة أخرى، يجب أن نُصدر الحكم المعاكس، ونعلن أنه صحيح بشكل مُدهش. كان هذا هو الاهتمام الذي به نُسِخَ العهد الجديد، العناية التي نمت دون شك من التوقير الحقيقي لكلماته المقدسة كما أن هذه هي العناية الإلهية في حفظ الله لكنيسته في كل عصر نص دقيق كفاية للأسفار المقدسة، ليس فقط أن العهد الجديد لا يُنافَس بين الكتابات القديمة في نقاوة نصّه كما نُقِل فعلاً واستمر في الاستعمال، بل أيضاً في وفرة الشهادة التي أتت إلينا لنقض شوائبه غير المتكررة نسبياً. إن اختلاف نصَّها الحالي عن الكتابات الأصلية قد يصدم طابعة حديثة تطبع الكتب الحديثة؛ إن مُقاربتها الرائعة لكتاباتها الأصلية هي الحسد المكشوف لكل قارئ عصري للكتب القديمة.

كان الدكتور عِزرا أبوت مُعتاداً على القول إن نحو (19/20) منها [يقصد من القراءات المختلفة] لا تحظى إلا بقدر ضئيل للغاية من التأييد، فعلى الرغم من تنوُّع قراءاتها حتى أنه لا أحد سينظر إليها باعتبارها قراءات مُنافسة؛ و(19/20) من ال (1/20) الباقي لها أهمية ضئيلة إلى الحد الذي يجعل الأخذ بها أو رفضها لا يتسبَّب في إحداث فرق ملموس في معنى الفقرات التي تحدث فيها.

طريقة د.هورت للتعبير عن ذلك أن هناك كلمة واحدة في كل ثماني قراءات مختلفة مدعومة بأدلة كافية تجعلها جديرة بالتوقُّف والنظر إليها؛ فكلمة واحدة في ستين كلمة عليها قراءات مختلفة هي المدعومة بدليل مما يجعل من قرارنا حلو وصعب؛ ولكن العديد من هذه الاختلافات تافهة، بحيث أن كلمة واحدة فقط من كل ألف كلمة تحتوي على اختلافات جوهرية مدعومة بأدلة كثيرة تتطلَّب جهود الناقد النصّي في اتخاذ القرار بين القراءات المختلفة [يقصد تحديد أي قراءة قد تكون هي الأقرب للنص الأصلي].

ملحوظة من المُترجم:

– شهادة العالم عِزرا أبوت التي يتكلم عنها هنا العالم بِنيامين وارفيلد موجودة في الشهادة رقم 9 من شهادة علماء “النقد النصي” في هذا البحث تحت عنوان: 9- عِزرا أبوت.

– شهادة العالم هورت التي يتكلم عنها هنا العالم بِنيامين وارفيلد موجودة في الشهادة رقم 6 من شهادة علماء “النقد النصي” في هذا البحث تحت عنوان: 6- ويستكوت وهورت.
 

The great mass of the New Testament, in other words, has been transmitted to us with no, or next to no, variation ; and even in the most corrupt form in which it has ever appeared, to use the oft-quoted words of Richard Bentley, “the real text of the sacred writers is competently exact ; . . . nor is one article of faith or moral precept either perverted or lost . . . choose as awkwardly as you will, choose the worst by design, out of the whole lump of readings.”

If, then, we undertake the textual criticism of the New Testament under a sense of duty, we may bring it to a conclusion under the inspiration of hope. The autographic text of the New Testament is distinctly within the reach of criticism in so immensely the greater part of the volume, that we cannot despair of restoring to ourselves and the Church of God, His Book, word for word, as He gave it by inspiration to men.

 

وترجمته باللغة العربية كالاتي:

إن الكُتلة العظمى من العهد الجديد، بعبارةٍ أخرى، قد تم نقلها إلينا بدون أي اختلاف، أو لا يوجد أي اختلاف؛ وحتى في أكثر الأشكال فساداً التي ظهر بها على الإطلاق، يمكن استخدام الكلمات التي كثيراً ما يتم اقتباسها لريتشارد بِنتلي: “النص الحقيقي للكتاب المقدس دقيقٌ بكفاءة؛ كما أنه لا يوجد واحدة من مواد الإيمان أو المبادئ الأخلاقية انحرفت أو ضاعت . . مهما اخترت القراءة الأغرب أو الأسوأ تصميماً، من بين كل كتلة القراءات.”

إذاً، إذا قُمنا بالنقد النصي للعهد الجديد في ظل شعور بالواجب، فقد نصلُ به إلى نتيجة بوحي من الرجاء.
إن النص الأوتوغرافي للعهد الجديد [النص الأصلي المكتوب بيد كُتَّاب أسفار العهد الجديد] هو في متناول علم “النقد النصي” في الجزء الأعظم منه إلى حد بعيد جداً، بحيث لا يمكننا أن نيأس من أن نسترد، إلى أنفسنا وإلى كنيسة الله وكتابه وكلمة كلمة … كما أعطاه بالوحي لرجاله.

 

11- فيليب كومفورت Philip Wesley Comfort

فيليب كومفورت Philip Wesley Comfort

اسم المرجع:

Encountering the Manuscripts: An Introduction to New Testament Paleography and Textual Criticism, By Philip Wesley Comfort ص 263 وص 289 وص 290.

 

Quotation from Page 263:
What we do know, from the manuscript evidence, is that several of the earliest Christian scribes were well-trained scribes who applied their training to making reliable texts, both of the Old Testament and the New Testament. We know that they were conscientious to make a reliable text in the process of transcription (as can been seen in manuscripts like P4+64+67 and P75), and we know that others worked to rid the manuscript of textual corruption.

 

وترجمته باللغة العربية كالاتي: الاقتباس من ص 263:

إن ما نعرفه من دليل مخطوطات العهد الجديد أن العديد من النُسَّاخ المسيحيين الأوائل كانوا نُسَّاخ مُدرَّبين جيداً طبَّقوا مهاراتهم في إنتاج نصوص يُمكن الاعتماد عليها لكلٍ من العهد القديم والعهد الجديد. نحن نعرف أن هؤلاء النُسَّاخ كانوا ذوي ضمير حي في إنتاج نص يُمكن الاعتماد عليه أثناء عملية النسخ (كما يُمكن رؤية هذا في مخطوطات مثل: (P4+64+67 and P75 كما نعرف أن هناك آخرين عملوا على أن يُخلّصوا المخطوطات من العطب النصي.

 

Quotation from Page 289:
By contrast, New Testament textual critics dedicated to the task of textual criticism should be enthusiastic and optimistic about recovering the original wording of the Greek New Testament because we have so many early and reliable manuscripts. The time gap between the autographs and the extant copies is quite closeno more than one hundred years for most of the books of the New Testament. Thus, we are in a good position to recover most of the original wording of the Greek New Testament. This was the attitude of the well-known textual critics of the nineteenth century.

 

وترجمته باللغة العربية كالاتي: الاقتباس من ص 289:

على النقيض، فإن الناقدين النصّيين للعهد الجديد المُكرَّسين لمهمة النقد النصي يجب أن يكونوا مُتحمسين ومتفائلين بشأن استعادة الكلمات الأصلية للعهد الجديد اليوناني لأننا نمتلك عدد كبير جداً من المخطوطات المُبكرة والتي يمكن الاعتماد عليها (الوثوق بها). الفجوة الزمنية بين المخطوطات الأصلية والنسخ التي لا تزال باقية قريبة حقاًلا تزيد عن 100 سنة لمعظم أسفار العهد الجديد، وبُناءً عليه فإننا في وضع جيد لاستعادة معظم الكلمات الأصلية للعهد الجديد اليوناني. كان هذا سلوك النُقاد النصّيين المعروفين جداً في القرن التاسع عشر.

 

Quotation from Page 290:

In one sentence in 1979 Kurt Aland says of the Nestle-Aland Greek text:

The desired goal now appears to have been attained, to offer the writings of the New Testament in the form of the text that comes nearest to that which . . . [the New Testament authors and redactors] set out on their journey in the church of the first and second centuries.

وترجمته باللغة العربية كالاتي: الاقتباس من ص 290:

في جملة واحدة في سنة 1979م. يقول كِرت ألاند عن النص اليوناني نسله-ألاند:

ويبدو أن الهدف المنشود قد تحقَّق الآن، ألا وهو تقديم كتابات العهد الجديد في شكل النص الأقرب الذي وضعوه [مؤلفو العهد الجديد ومنقحوه] في رحلتهم في كنيسة القرنين الأول والثاني الميلاديين.

ملحوظة من المُترجم:

كِرت ألاند: هو أحد علماء النقد النصي أيضاً.

النص اليوناني نسله-ألاند: هو ببساطة النص المُحقَّق بواسطة علماء النقد النصي.

 

اسم المرجع:

The Quest for the Original Text of the New Testament, By Philip Wesley Comfort ص 20

I am optimistic because we have many early manuscripts of excellent quality and because our view of the early period has been getting clearer and clearer. I believe it is possible to recover the original text of the Greek New Testament.

وأنا مُتفائل لأن لدينا مخطوطات مُبكرة كثيرة ذات نوعية (جودة) ممتازة، ولأن نظرتنا إلى الفترة المُبكرة صارت أوضح وأوضح. أنا أعتقد أنه من الممكن استرجاع النص الأصلي للعهد الجديد اليوناني.

 

12- بول وِيجنر Paul D. Wegner

بول وِيجنر Paul D. Wegner

اسم المرجع:

A Student’s Guide to Textual Criticism of the Bible: Its History, Methods and Results, By Paul D. Wegner ص 24 وص 25 وص 39 وص 301.

Quotation from Page 24: 1.2 Importance of Textual Criticism: … It can, in fact, actually lead to increased confidence in the reliability of the biblical texts.

وترجمته باللغة العربية كالاتي: الاقتباس من ص 24:
2.1 أهمية النقد النصي:

… في الحقيقة، إنه يستطيع أن يُزيد الثقة في موثوقية النصوص الكتابية.

Quotation from Page 25:

1.2 Importance of Textual Criticism:

To help put this into perspective it is commonly said that no theological doctrine or issue hinges on a textual variant. [8]
[8] Waltke, “Textual Criticism of the Old Testament,” p. 65;

Bruce M. Metzger, The Text of the New Testament: Its Transmission, Corruption, and Restoration, 3rd ed. (New York: Oxford University Press, 1992), p. 112.

 

وترجمته باللغة العربية كالاتي: الاقتباس من ص 25:

2.1 أهمية النقد النصي:

وللمساعدة في وضع هذا في منظوره الصحيح، فإنه عادةً ما يُقال إنه لا توجد عقيدة لاهوتية أو مسألة تعتمد على مُتغيِّر نصي. [8]

[8] كتاب وولتك:

“Textual Criticism of the Old Testament,” ص 65

و كتاب بروس مِيتزجر (الإصدار الثالث منه):

The Text of the New Testament: Its Transmission, Corruption, and Restorationص 112

 

Quotation from Page 39:
While questions as to the original text surface in some places, a substantial amount of the New Testament text remains unquestioned and most likely represents the text of the original autographs or very close to it. While the writers of New Testament Scriptures were still alive it is unlikely that people could have changed their writings without their authors pointing out such discrepancies. Paul sometimes requested that his letters be circulated to other churches (Col 4:16), and thus the autographs must have been copied almost immediately; this would make it unlikely that others could modify the text without some traces of the originals existing.

وترجمته باللغة العربية كالاتي: الاقتباس من ص 39:

بالرغم من وجود تساؤلات بخصوص النص الأصلي في بعض المواضع، إلا أنه تبقى كمية جوهرية (كبيرة) من نص العهد الجديد ليست مَحل تساؤل (غير مشكوك فيها) وعلى الأرجح تُمثل نص المخطوطات الأصلية [المكتوبة بواسطة كُتَّاب أسفار الكتاب المقدس أنفسهم] أو قريبة جداً منها. في حين كان كتبة الأسفار المُقدسة للعهد الجديد لا يزالون على قيد الحياة، كان من غير المُرجَّح أن يكون الناس قد غيَّروا كتاباتهم دون أن يُشير مؤلفوها إلى مثل هذه الفروقات.

فقد طلب بولس أحياناً أن تُوزَّع رسائله على كنائس أخرى (كولوسي 4: 16)*، وبالتالي لابد أن المخطوطات الأصلية قد نُسِخَت فوراً تقريباً، وهذا من شأنه أن يجعل من غير المُحتَمل أن يتمكَّن آخرون من تعديل النص دون وجود بعض الاثار للأصول.
*رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي اصحاح 4، عدد 16 (ترجمة فاندايك):
وَمَتَى قُرِئَتْ عِنْدَكُمْ هذِهِ الرِّسَالَةُ فَاجْعَلُوهَا تُقْرَأُ أَيْضًا فِي كَنِيسَةِ الّلاَوُدِكِيِّينَ، وَالَّتِي مِنْ لاَوُدِكِيَّةَ تَقْرَأُونَهَا أَنْتُمْ أَيْضًا.

 

Quotation from Page 301:
It is humbling and reassuring to realize that the Old and New Testaments have been handed down through many generations as accurately and as completely as they have. Many scribes and copyists spent countless hours copying and checking their work to ensure an accurate text for later generations. All of this effort was expended because they realized just how important the Word of God is and how crucial it is to maintain an accurate record of God’s revelation.

Early copyists and scribes would no doubt be surprised to know that scholars in our time would uncover some of the very manuscripts they had written. But in fact, texts up to two thousand years old have been discovered. Careful examination of these manuscripts has served to strengthen our assurance that our modern Greek and Hebrew critical texts are very close to the original autographs, even though we do not have those autographs. There is no better way to end this look at textual criticism than as we began, with the quote from Sir Frederic G. Kenyon:

It is reassuring at the end to find that the general result of all these discoveries and all this study is to strengthen the proof of the authenticity of the Scriptures, and our conviction that we have in our hands, in substantial integrity, the veritable Word of God. [6]

[6] Frederic G. Kenyon, The Story of the Bible, 2nd ed. (Grand Rapids: Eerdmans, 1967), p. 113.

وترجمته باللغة العربية كالاتي: الاقتباس من ص 301:

وإنه لأمرٌ يدعو إلى التواضع والطُمأنينة أن ندرك أن العهدين القديم والجديد قد انتقلا عبر أجيالٍ عديدة على نفس القدر من الدقة والتمام الذي بلغوه. قضَّى كثيرون من الكتبة والنُسَّاخ ساعات لا تُعَد في نسخ عملهم والتحقُّق منه ليضمنوا نصاً دقيقاً للأجيال اللاحقة. كل هذا الجهد أُنفِقَ لأنهم فقط أدركوا مدى أهمية كلمة الله ومدى أهمية الحفاظ على سجل دقيق لإعلان الله. ولا شك أن النُسَّاخ والكتبة الأوائل سيندهشون عندما يعرفون أن العلماء في زمننا سيكتشفون بعض المخطوطات عينها التي كتبوها. ولكن في الواقع، تم اكتشاف نصوص يصل عمرها إلى ألفي سنة.

إن الفحص الدقيق لهذه المخطوطات ساهم في تقوية تأكيدنا أن نصوصنا النقدية الحديثة اليونانية والعبرية قريبة جداً من المخطوطات الأصلية [المكتوبة بواسطة كُتَّاب أسفار الكتاب المقدس أنفسهم] رغم أننا لا نملك هذه المخطوطات الأصلية.

ولا توجد وسيلة أفضل لإنهاء هذه النظرة إلى النقد النصي إلا كما بدأنا، بالاقتباس الذي من السير فريدريك ج.كينيون:

من المُطمئن في النهاية أن نجد أن النتيجة العامة لكل هذه الاكتشافات وكل هذه الدراسة هي تقوية البُرهان على صحة (أصالة) الأسفار المُقدسة، واقتناعنا بأننا نملك في أيدينا، بشكل سليم حقاً، كلمة الله الصحيحة. [6]

[6]: كتاب السير فريدريك ج.كينيون (الإصدار الثاني منه): The Story of the Bibleص 113 

13- نيكولاس بِيرين Nicholas Perrin

نيكولاس بِيرين Nicholas Perrin

اسم المرجع:

Lost in Transmission? What We Can Know About the Words of Jesus, By Nicholas Perrin ص 145

“The Jesus whom the first-century Christians met in the four gospels two thousand years ago is the very same Jesus we meet in our Bibles today. If there are minor discrepancies between the wordings of the gospel manuscripts, this does not invalidate Christian faith. On the contrary, it reminds us that perfect truth and perfect beauty, that which demands our worship, is not to be equated with the Bible, but with the one to whom the Bible witnesses.

Over the centuries the church has received God incarnate through the sometimes faltering hands of the scribes, and Jesus has been successfully passed along without being lost in transmission. This transmission is not perfect, but it is adequate. Ehrman and the Enlightenment demand what is perfect, but the God of perfect gifts demands a response from what is adequate.”.

 

وترجمته باللغة العربية كالاتي:

يسوع الذي عرفه مسيحيو القرن الأول في الأناجيل الأربعة قبل ألفي عام، هو نفسه يسوع الذي نجده في كتبنا المقدسة اليوم. لو أن هناك خلافات ثانوية في الصياغة بين مخطوطات الأناجيل، فهذا لا يُبطِل الإيمان المسيحي. على العكس، فإنه يُذكّرنا بأن الحقيقة المُطلقة والجمال المُطلق، الذي يريد عبادتنا، لا يجب مساواته بالكتاب المقدس، بل بذاك الذي يشهد له الكتاب المقدس. وعبر القرون، تسلَّمت الكنيسة رسالة الله المُتجسد عن طريق أيادي النُسَّاخ، المُتلعثمة في بعض الأحيان، وقد نجح يسوع في عبور هذه القرون دون أن يُفقَد في انتقال النص. انتقال النص ليس مُطلَقاً، ولكنه كافٍ لنا. إيرمان والتنوير يُطالبون بما هو كامل، ولكن إله العطايا الكاملة يُطالب باستجابة مِمَّا هو كافٍ”.

14- جاك فِينِيجن Jack Finegan

اسم المرجع:

Encountering New Testament Manuscripts: A Working Introduction to Textual Criticism, By Jack Finegan ص 55

“Nevertheless, in spite of the very real possibilities for corruption of the text in the course of its transmission, and the actual existence of many differences among the various manuscripts of the NT, the work of the copyists of the NT was, on the whole, done with great care and fidelity. It has, in fact, been seriously estimated that there are substantial variations in hardly more than a thousandth part of the entire text (an estimate by Fenton J. A. Hort).”.

وترجمته باللغة العربية كالاتي:

ومع ذلك، على الرُغم من الاحتماليات الحقيقية جداً لفساد النص في أثناء نقله، والوجود الفعلي لاختلافات كثيرة بين مُختَلف مخطوطات العهد الجديد، فإن عمل نُسَّاخ العهد الجديد -عموماً- كان يُنجَز بعناية وبإخلاص كبيرين. في الواقع، فإنه تم التقدير على نحوٍ جاد، أن الاختلافات الجوهرية موجودة بقدر يكاد يزيد على واحد على ألف من النص بأكمله (تقدير قُدِّر بواسطة فِنتون ج.ِ أ. هورت).

ملحوظة من المُترجم:

الجزء المُظلَّل باللون الأصفر معناه ببساطة أن الاختلاف الحقيقي هو بشأن واحد على ألف من النص بأكمله، مما يعني أن 99.9% من النص موثوق به ومحفوظ سليماً تماماً!!!.

ملحوظة من المُترجم:

الاختلافات الموجودة بين مخطوطات العهد الجديد التي يَذكُرها هنا العالم جاك فِينِيجن تُدرَس بمنهجيات وطرق علم “النقد النصي” للوصول إلى أقرب نص مُطابق للنص الأصلي للمخطوطات الأصلية للعهد الجديد، وبعد دراستها كلها مُجتمعةً توصَّل العلماء إلى حقيقة أن نص العهد الجديد، بل ونص العهد القديم أيضاً، موثوق به تماماً، كما هو واضحٌ من شهادات العُلماء في هذا البحث، وسأضع في المُلحق 1 في آخر هذا البحث روابط لمعرفة سبب وجود هذه الاختلافات، وأنواعها، وطبيعتها، وهل هي مؤثرة في نص الكتاب المقدس والعقائد المسيحية أم لا؟ وهذا لمن هو مُهتم ويُريد أن يأخذ فكرةً عن هذا الموضوع ويعرف عنه بعض المعلومات.

 

15- آرثر باتزيا Arthur G. Patzia

آرثر باتزيا Arthur G. Patzia

اسم المرجع:

The Making of the New Testament: Origin, Collection, Text & Canon, By Arthur G. Patzia ص 136 وص 137

Quotation from Page 136:
The marvel— or should one say miracle—in all of this is that after twenty centuries of textual studies, we possess a text that has to be amazingly close in wording to the original manuscripts. The information in the next section is an attempt to confirm this observation.”.

وترجمته باللغة العربية كالاتي:

الاقتباس من ص 136:

الأعجوبة – أو ربما ينبغي للمرء أن يقول معجزة – في كل هذا هو أنه بعد عشرين قرناً من الدراسات النصية، نحن نمتلك نصَّاً قريباً بشكل مُثير للدهشة في صياغته (كلماته) من المخطوطات الأصلية. المعلومات في القسم التالي هي محاولة لتأكيد هذه المُلاحظة.

Quotation from Page 137:
We rightly assume that what we are reading is the true “Word of God” and thus reliable for faith and practice.”.

وترجمته باللغة العربية كالاتي:

الاقتباس من ص 137:

نحن نفترض بحق أن ما نقرأه هو “كلمة الله” الحقيقية، وبُناءً عليه فهي يُمكن الاعتماد عليها (الوثوق بها) لأجل الإيمان والمُمارسة.

 

16- إِليوت ومُوار Keith Elliott and Ian Moir

اسم المرجع:

Manuscripts and the Text of the New Testament: An Introduction for English Readers, By Keith Elliott and Ian Moir ص 7 وص 8 وص 94

Quotation from Page 7:

But it is worth stating now that unless a foolproof case can be made that all of the many surviving manuscripts have failed to preserve the original text, then it should not be necessary to resort to guesswork which can lead to a modern rewriting of the NT text.

 

وترجمته باللغة العربية كالاتي: الاقتباس من ص 7:
ولكن من الجدير بالذكر الآن أنه ما لم يكن مُمكناً تقديم قضية (حُجَّة) غير قابلة للنقض أن كل المخطوطات الكثيرة الباقية فشلت في حفظ النص الأصلي، فلا يجب عندئذٍ أن يكون ضرورياً اللجوء إلى التخمين الذي يمكن أن يقود إلى إعادة كتابة حديثة لنص العهد الجديد.

ملحوظة من المُترجم:

المقصود قوله هنا أن مخطوطات العهد الجديد الباقية كثيرة، وأنها حفظت النص الأصلي، فنحن لا نحتاج إلى التخمين لمعرفة نص الآيات، وبُناءً عليه إن لم يكن هناك حُجَّة قوية تدعم فكرة أن المخطوطات فشلت في حفظ النص الأصلي، إذاً فنحن لا نحتاج إلى إعادة كتابة أو تنقيح نص العهد الجديد اليوناني.

 

Quotation from Page 8:

Most modern textual critics agree on the bulk of the text (some 95 per cent, perhaps). It is the remaining 5 per cent or so where disputes occur and differing conclusions may be found.

There are a few textual critics who are skeptical of our ever getting behind the text groupings that can be detected in the second and third centuries, but most textual critics are relatively optimistic that one can reach back to the texts of the first century.

وترجمته باللغة العربية كالاتي: الاقتباس من ص 8:

ويتفق معظم النُقَّاد النصيين المُحدثين على الجزء الأكبر من النص (ربما 95 بالمائة تقريباً). أما النسبة المُتبقية وهي 5 بالمائة أو نحو ذلك فهي الحالات التي تحدث فيها مُنازعات ويمكن التوصُّل فيها إلى استنتاجات مختلفة.

هناك بعض النُقَّاد النصيين الذين يُشككون في أننا نستطيع أن نصل إلى ما وراء تجميعات النص التي يمكن إدراكها في القرنين الثاني والثالث الميلاديين، لكن معظم النُقَّاد النصيين مُتفائلون نسبياً بأنه يمكن للمرء الرجوع إلى نصوص القرن الأول الميلادي.

 

Quotation from Page 94:

Not only do we have many manuscripts and many manuscripts of an early date but recent scholarly attempts to edit the New Testament text is done with the confidence that the original text is there to be discovered in the manuscripts. Sometimes editors reach different conclusions, sometimes an editorial judgment is questionable, but behind the debate, the assumption is that the manuscripts, supported or supplemented by the version and by quotations in the writings of the [Church] Fathers, will yield the original text.

 

وترجمته باللغة العربية كالاتي: الاقتباس من ص 94:

ليس فحسب لدينا مخطوطات كثيرة ومخطوطات كثيرة من تاريخٍ مُبكر، بل أيضاً المحاولات المؤخَّرة للعلماء لتحرير نص العهد الجديد تُجرَي بثقة بأن النص الأصلي موجود هناك ليُكتَشَف في المخطوطات. أحياناً يصل المُحررون إلى استنتاجات مُختلفة، وأحيانا يكون الحُكم بتحرير نص مُعين موضع شك، ولكن ما وراء المناقشة، فإنه يُفتَرض أن المخطوطات، المدعومة أو المُكمَّلة بالنسخة وبالاقتباسات الموجودة في كتابات الآباء [آباء الكنيسة]، ستُنتِج النص الأصلي.

 

17- فِيريدريك كينيون Frederic George Kenyon

اسم المرجع:

Our Bible and the Ancient Manuscripts 4th Edition الإصدار الرابع, By Sir: Frederic G. Kenyon ص 23

Textual Errors do not Endanger Doctrine:

One word of warning, already referred to, must be emphasized in conclusion. No fundamental doctrine of the Christian faith rests on a disputed reading.
… The number of manuscripts of the New Testament, of early translations from it, and of quotations from it in the oldest writers of the Church, is so large that it is practically certain that the true reading of every doubtful passage is preserved in some one or other of these ancient authorities. This can be said of no other ancient book in the world.

The Christian can take the whole Bible in his hand and say without fear or hesitation that he holds in it the true Word of God, handed down without essential loss from generation to generation throughout the centuries.

 

وترجمته باللغة العربية كالاتي:
الأخطاء النصَية لا تُهدد العقيدة:

وهناك كلمة تحذير -سبق الاشارة إليها- يجب التشديد عليها في الختام. لا تستند أي عقيدة أساسية للإيمان المسيحي على قراءة مُتنازع عليها. … إن عدد مخطوطات العهد الجديد، والترجمات المُبكرة منه والاقتباسات منه عند أقدم كُتَّاب الكنيسة كبير جداً بحيث أنه من المؤكد عملياً أن القراءة الحقيقية لكل مقطع مشكوك فيه محفوظة في واحدة أو أخرى من هذه السُلطات [يقصد المخطوطات والترجمات والاقتباسات] القديمة. لا يُمكن أن يُقال ذلك عن أي كتاب قديم آخر في العالم. … ويمكن للمسيحي أن يأخذ الكتاب المقدس بكامله في يده ويقول دون خوف أو تردد أنه يحمل في يده كلمة الله الحقيقية، التي تم تسليمها دون خُسارة جوهرية [أي دون فقد أي جزء منها] من جيلٍ إلى جيل عبر القرون.

 

اسم المرجع:

THE STORY OF THE BIBLE: A Popular Account on How it Came to Us, By Sir: Frederic G. Kenyon ص 144

and it is reassuring at the end to find that the general result of all these discoveries and all this Study is to Strengthen the proof of the authenticity of the Scriptures, and our conviction that we have in our hands, in substantial integrity, the veritable Word of God.

وترجمته باللغة العربية كالاتي:

من المُطمئن في النهاية أن نجد أن النتيجة العامة لكل هذه الاكتشافات وكل هذه الدراسة هي تقوية البُرهان على صحة (أصالة) الأسفار المُقدسة، واقتناعنا بأننا نملك في أيدينا، بشكل سليم حقاً، كلمة الله الصحيحة.

اسم المرجع:

The Bible and Archaeology, By Sir: Frederic G. Kenyon ص 288 وص 289

But besides confirming the traditional dating, and thereby also the authenticity of the canonical books, the new evidence tends to confirm the general integrity of the text as it has come down to us. Until a few years ago the earliest evidence for the text of the New Testament, apart from a few quotations in early writers, was that of the great vellum codices of the fourth century. The recent discoveries of papyrus fragments, notably that of the Chester Beatty papyri in 1931, carries the evidence back by about a century, and by implication for a generation or two more. The interval then between the dates of original composition and the earliest extant evidence becomes so small as to be in fact negligible, and the last foundation for any doubt that the Scriptures have come down to us substantially as they were written has now been removed. Both the authenticity and the general integrity of the books of the New Testament may be regarded as finally established.

 

وترجمته باللغة العربية كالاتي:

ولكن بالإضافة إلى تأكيد التأريخ التقليدي، وبالتالي أيضاً أصالة الأسفار القانونية، فإن الدليل الجديد يميل إلى تأكيد السلامة العامة للنص كما وصل إلينا. حتى سنواتٍ قليلة مضت كانت أبكر الأدلة على نص العهد الجديد، علاوةً على الاقتباسات القليلة من الكُتَّاب الأوائل، تلك التي لمخطوطات القرن الرابع المكتوبة على الفيليم. إن الاكتشافات الأخيرة لقُصاصات البردي، وخصوصاً تلك التي لورق برديات تشيستر بِيَّتي سنة 1931م، تحمل الدليل إلى الوراء بنحو قرن، وبالتبعية لجيل أو إثنين آخرين. وبُناءً عليه؛ فإن الفترة الفاصلة بين تواريخ الكتابة الأصلية وأبكر دليل لا زال باقياً تصير صغيرة جداً بحيث يُمكن إهمالها، والأساس الأخير لأي شك في أن الأسفار المُقدسة وصلت إلينا إلى حد كبير كما كُتِبَت قد أُزيلَ الآن. يمكن اعتبار أصالة أسفار العهد الجديد وسلامتها العامة كلتيهما راسخين أخيراً.

 

اقتباسات أخرى وملاحق …

هذه اقتباسات أُخرى، ليست لعلماء نقد نصي، وإنما من اثنتين من الترجمات العربية المشهورة للكتاب المقدس، ألا وهما:

1- الترجمة العربية المشتركة للكتاب المقدس.

2- الترجمة اليسوعية للكتاب المقدس.

هذه الاقتباسات توضّح أن المسيحيين العرب على علم ودراية بعلم “النقد النصي”، واستعملوا أحدث صور النص النقدي “النص المُحقَّق بواسطة علماء النقد النصي” في ترجماتهم العربية الحديثة للكتاب المقدس.

1- الترجمة العربية المشتركة للكتاب المقدس: تقديم الترجمة:

في هذه الترجمة استندت اللجنة إلى أفضل النصوص المطبوعة للكتاب المقدس في اللغتين: العبرية واليونانية. فبالنسبة إلى النص العبري استندت اللجنة في ترجمتها “العهد القديم” إلى توراة شتوتغارت في ألمانية (طبعت سنة 1968 – 1976). وفي هذا المجال نشير إلى أن اللجنة كانت تستعين باللغة الآرامية (السريانية) كلما دعت الحاجة. أمّا فيما يختص بالنص اليوناني، فإن اللجنة استندت في ترجمتها “العهد الجديد” إلى طبعة نسله – ألاند، رقم 26 وإلى الطبعة رقم 3، التي نشرتها جمعيات الكتاب المقدس.

 

2- الترجمة اليسوعية للكتاب المقدس: العهد الجديد – مدخل إلى العهد الجديد – ص 15 (تحت عنوان “نص العهد الجديد”):

ومهما يكن من أمر، فإن النتائج التي حصل عليها علماء نقد النصوص منذ 150 سنة جديرة بالإعجاب. وبوسعنا اليوم ان نعدَّ نص العهد الجديد نصَّا مثبتًا اثباتًا حسنًا، وما من داعٍ إلى إعادة النظر فيه إلا إذا عُثر على وثائق جديدة.

 

مُلحَق 1: الاختلافات بين المخطوطات

لمن يُريد أن يعرف أكثر عن الاختلافات بين مخطوطات الكتاب المقدس من حيث: طبيعتها وأنواعها – عددها – أمثلة عليها – مدي تأثيرها … إلخ، فيمكنه أن يقرأ عنها في أي كتاب أجنبي يشرح علم “النقد النصي”، ومن أمثلة هذه الكتب: الكتب والمراجع الأجنبية المذكورة هنا في هذا البحث في كل اقتباس، وأيضاً بعض الكتب المُترجمة إلى اللغة العربية ك كتاب “أيُعيدون اختراع شخصية يسوع ؟!” ص 58-61.

وأيضاً بعض الكتب العربية التي تشرح علم “النقد النصي” مثل:

1- المدخل إلى علم النقد النصي للعهد الجديد – ل فادي أليكساندر.

2- المدخل إلى النقد النصي للعهد الجديد – أمير يعقوب.

 

وأيضاً، يوجد أبحاث على المواقع المسيحية المختلفة سواء العربية أو الأجنبية تشرح هذه الاختلافات مثل بعض الأبحاث الموجودة على موقع “فريق اللاهوت الدفاعي” وغيره من المواقع المسيحية:

1- الأخطاء النسخية في مخطوطات العهد الجديد – بيشوي نشأت:

https://www.difa3iat.com/64658.html

2- الاختلافات النصية في مخطوطات العهد الجديد ما أنواعها؟ وهل تؤثر على موثوقية العهد الجديد؟

https://www.difa3iat.com/10886.html

3- الأخطاء النسخية في المخطوطات هل تؤثر على صحة العهد الجديد؟ – ترجمة توماس نبيل

https://www.difa3iat.com/38012.html

4- ما هيَ القراءات المختلفة أو المتنوعة، وما هيَ طريقة احتسابها، وهل لها تأثير على العقائد المسيحية؟

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/465.html

 

وأيضاً، يوجد فيديوهات على الإنترنت قصيرة ومُبسَّطة تشرح هذه الاختلافات:

1- الاختلافات بين نُسخ الكتاب المقدس وبعضها – مش فتاوي – ٦٧ – إيهاب صادق:

https://www.youtube.com/watch?v=te2FI8dylyA

 

2- الاختلافات بين النص العبري والسامري والنص اليوناني (الترجمة السبعينية) – مش فتاوي – ٦٩ – إيهاب صادق:

https://www.youtube.com/watch?v=5oujZsO14aY

3- اختلاف أعمار الآباء بين النسخ القديمة – مش فتاوي – ٧٠ – إيهاب صادق:

https://www.youtube.com/watch?v=ciK75Z2RCxg

4- ما هي أسباب الاختلافات بين مخطوطات العهد الجديد – مش فتاوي – ٩٠ – فادي عاطف:

https://www.youtube.com/watch?v=fFWjyM308-g

5- أسباب اختلاف ترجمات الكتاب المقدس – مش فتاوي – ٩١ – فادي عاطف:

https://www.youtube.com/watch?v=o3SL6rsUpzo

6- ما هي نوعية ال ٤٠٠ ألف اختلاف بين مخطوطات العهد الجديد – مش فتاوي – ٩٤ – إيهاب صادق:

https://www.youtube.com/watch?v=PHODAXST7jc

7- ما هي نوعية ال ٤٠٠ ألف اختلاف بين مخطوطات العهد الجديد (٢) – مش فتاوي – ٩٥ – إيهاب صادق:

https://www.youtube.com/watch?v=MRTJEFifeu4

8- مقدمة في النقد النصي – الجزء العاشر أنواع الأخطاء – د. غالي (د. هولي بايبل):

https://www.youtube.com/watch?v=Ki2eRFq614k

مُلحَق 2: كيف يَصيغ المسلمون شُبهاتَهم المُتعلّقة بمخطوطات الكتاب المقدس وعلم ” النقد النصي “؟

عزيزي قارئ البحث، دائماً ما تجد الكثير من المقالات والفيديوهات التشكيكية على شبكة الإنترنت، تطعن في مخطوطات الكتاب المقدس، وتحاول إثبات تحريفه، وتهاجم الكتاب المقدس بكل شدة وعُنف، فكثيراً ما تجد شخص مسلم على شبكة الإنترنت يقول: “انظر أيها النصراني، هناك اختلاف بين ترجمات الكتاب المقدس، فالآية كذا توجد هنا ولا توجد هنا، والآية كذا توجد هنا بنصٍ مختلف، وهكذا … إلخ”، الفكرة هنا أنهم يعتمدون على جهل القارئ البسيط (سواء كان مُسلماً أو مسيحياً) وعدم معرفته بعلم “النقد النصي” لأنه لم يدرسه، ثم يقومون بخداعه عن طريق عرض بعض هذه الاختلافات، لكي يوهموه أن الكتاب المقدس مُحرَّف!

وكرد عام على كل شُبهات “النقد النصي” هذه، قدّم لهم شهادات العلماء الوارد ذكرها في هذا البحث، وقُل لهم:

1- هؤلاء العلماء هم المُتخصصون في دراسة هذا العلم، وبالتالي هم من يحق لهم أن يقولوا استنتاجهم بخصوص مدى دقة وسلامة وموثوقية نصوص الكتاب المقدس وليس أنتم، لأنكم ببساطة غير مُتخصصين ولستم علماء في هذا العلم.

2- إلى جانب أن أبحاثكم غير مُحايدة بالتأكيد وإنما مُنحازة لإثبات صحة ما يدَّعيه دينكم بأن الكتاب المقدس مُحرَّف، ولهذا لا نجد في أي بحث من أبحاثكم شهادة أي عالم من العلماء الذين تم ذكر شهاداتهم في هذا البحث.

3- كل ما تفعلوه هو مجرد مقارنة آية بآية بين مخطوطتين أو ترجمتين للكتاب المقدس، ثم الوصول إلى تعميم أن الكتاب المقدس مُحرَّف ولا يمكن الثقة به! مُعتمدين على جهل القارئ البسيط (سواء كان مُسلماً أو مسيحياً) وعدم معرفته بعلم “النقد النصي” لأنه لم يدرسه، ضاربين بعرض الحائط كل شهادات العلماء التي تشهد لدقة وسلامة وموثوقية نص الكتاب المقدس، الذين هم مُتخصصون ودارسون ليس فقط لهذه الآية أو غيرها، وإنما لكل آيات الكتاب المقدس، وقارنوها مع بعضها في كل المخطوطات المُتاحة من كل المصادر المختلفة بمنهجيات وطرق مُنظمة ألا وهي منهجيات علم “النقد النصي”، ثم أتوا لنا وقدَّموا لنا النتيجة النهائية لهذا الفحص ولتطبيق هذا العلم على مخطوطات الكتاب المقدس ألا وهي شهاداتهم الموجودة في هذا البحث، فرجاءً توقفوا عن تضليل الناس واستغلال عدم معرفتهم بهذا العلم الرائع لكي تُثبتوا وجهة نظركم المُنحازة، والتي تعلمون أنها ستجد قبولاً كبيراً جداً عند الشخص المسلم البسيط (لأنها تؤيد فكرة المُسبَق بتحريف الكتاب المقدس)، وستُشكك الشخص المسيحي البسيط (لأنه ليس له علم أو دراسة لعلم “النقد النصي”). 

 

الخاتمة

أتمنى أن يكون هذا البحث التجميعي سبب بركة واستفادة ومعرفة للجميع، وأهدي هذا البحث إلى الأَسَدُ الَّذِي مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا، الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ، المسيح، قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ.

 

«إِلَى هُنَا أَعَانَنَا الرَّبُّ»

لتحميل البحث بصيغة PDF والاحتفاظ به بحث بقلم خادم الرب: مايكل موسي اقلاديوس

شهادة العلماء لدقة وموثوقية نص الإنجيل وسلامته من التحريف – مايكل موسى اقلاديوس

 هل أشعياء 53 ملفق؟ – الجزء الثاني – توماس رفعت

هل أشعياء 53 ملفق؟ – الجزء الثاني – توماس رفعت

هل أشعياء 53 ملفق؟ – الجزء الثاني – توماس رفعت

الجزء الأول: هل نبوة أشعياء 53 عن المسيح ملفقة؟ الجزء الأول – توماس رفعت

لتناول بعض الاعتراضات الاخرى عن ذلك الاصحاح العظيم:

  • مفهوم اليهود عن اشعياء 53.
  • هل حرف لوقا نص كشاة تساق للذبح.
  • هل تعبير ارض الأحياء يدل فقط على شعب اسرائيل.
  • هل نص ضرب من اجل ذنب شعبى مفرد ام جمع.
  • هل هناك اخطاء في ترجمة بعض الكلمات.

 

اولا: مفهوم اليهود عن اشعياء 53

يقول المعترض انه: الإصحاح يتحدث بنظرة شاملة مجازية مجسمة عن شعب إسرائيل، وسبيه، وذلته، ثم نجاته. وهذا هو مفهوم النص عند اليهود وهم أصحاب الكتاب الأصليين. فهل كلام المعترض صحيح وان لم يفسر احد اليهود هذا الاصحاح انه عن المسيا المنتظر؟

 

الرد

كما عرضنا الجزء الاول من هذا الموضوع بعض المراجع اليهودية ورايها في هذا الاصحاح، نكمل بعض المراجع اليهودية الاخرى

لكن اريد ان اوضح انه العبد المتالم الذي نقول انه المسيح والمعترضين يقولون انه اليهود بدا ذكره من اشعياء 52 وامتد ذلك لاصحاحنا 53

اشعياء 53: 13

هُوَذَا عَبْدِي يَعْقِلُ، يَتَعَالَى وَيَرْتَقِي وَيَتَسَامَى جِدًّا

لنرى تفسير يهودى اسمه مدراش تانخوما

لنرى تفسير يهودى اسمه مدراش تانخوما

أغنية الصعود. سأرفع عينيّ إلى الجبال (مز 121: 1). يشير الكتاب المقدس هنا إلى الآية من أنت، أيها الجبل العظيم من قبل. زربابل؟ سوف تكون سهلا (زك 4: 7). تشير هذه الآية إلى المسيا، من نسل داود. لماذا سمي جبل عظيم؟ لأنه سيكون أعظم من الآباء، كما يقال: هوذا عبدي ينجح ويتعالى ويرفع ويكون عالٍ جدًا (إشعياء 52:13). على ابراهيم يرتفع. فوق اسحق. ويكون عاليا جدا على يعقوب.

لنرى الكتاب اليهودى

Targum Jonathan to the prophets Page 83.

Targum Jonathan to the prophets

يتم التعرف على خادم الله بانه المسيح الذي توقع معاصروه ظهوره القريب، حيث يجب أن يتبع هذا التعبير على نفس الأسطر هو 53 كنتيجة واضحة، كان هذا هو الحال مع كل من يلتزمون بتعبير

 عبد الله، ويكمل في اول صفحة 84

و من المؤكد أنها نبوءة عن المسيا، ثم يكمل شرح أمور كثيرة وما يعنيني ما كتب في نص تلك الصفحة صفحة 84 وساذكره قدام باذن الله

ملحوظة: كاتب هذا الكتاب اسمه بينكوس اتشورجين وكان باحث يهودي تخصص في دراسة ترجوم جوناثان فهذا الكلام هو نقلا عن دراسته هو للترجوم، وكتب كتابه هذا سنة 1927، فما يقوله هو من الترجوم

 

 وهذا قليل من كثير فهل سيظل المعترضون ينكرون هذا الكم الهائل من المراجع اليهودية، غير الذي ساعرضه بعد قليل، التي تقول انه هذا الاصحاح عن المسيا، ويقولون لم يوجد يهودى واحد قال انه هذا الاصحاح عن المسيا؟؟؟

 

ثانيا: هل حرف لوقا نص كشاة تساق للذبح

يقول المعترض: إن لوقا في سفر اعمال الرسل 8 غير لفظ نعجة الى لفظ خروف ليجمل صورة النبوءة التي في اشعياء 53

ظلم فتذلل ولم يفتح فاه كشاه تساق الى الذبح وكنعجة صامتة امام جازيها فلم يفتح فاه

فلوقا بذلك حرف النص

وايضا هي انطباق لما جاء في ارميا 51: 40

أنزلهم كخراف للذبح، وككباش مع اعتدة

فبذلك هى نبوءة عن شعب اسرائيل

الرد

لا يوجد اى تحريف فاى نص، فالنص في العبرى كما قال المعترض هو كلمة نعجة هى بالعبرى רָחֵל راخيل

 H7353

Part of Speech: feminine noun

רָחֵל râchêl, raw-kale’; from an unused root meaning to journey; a ewe [the females being the predominant element of a flock] (as a good traveller):—ewe, sheep.و

كلمة مؤنثة ومن معانيها شاه

 

والذي ذكر في

إنجيل لوقا 8: 32

كشاه تساق الى الذبح، وكخروف صامت أمام جازية

وكلمة خروف في هذا الاصحاح هي

 وتنطق امنوس ἀμνός

Part of Speech: masculine Noun اسم مذكر

ἀμνός amnós, am-nos’; apparently a primary word; a lamb:—lamb. يعنى خروف

 

لكن لا يعلم المعترض انه اليهود ترجموا العهد القديم العبري الى الترجمة السبعينية، وهي ترجمة يونانية تفسيرية للعهد القديم وقد اقتبس منها القديس لوقا البشير في أعمال الرسل الذي كتب باللغة اليونانية، والتي كانت منتشرة في العالم كله ولابد انه الخصى الحبشى كان يقرا منها

نرى الكلمة اليونانية في الترجمة السبعينية

الكلمة اليونانية في الترجمة السبعينية

ونرى اعمال الرسل:

اعمال الرسل

اما بالنسبة لما جاء ذكره المعترض في ارميا 51: 40 فهل قرا المعترض ما يقوله ارميا عن نفسه في ارميا 11: 19

وانا كخروف داجن يساق الى الذبح

فهل نقول انه اشعياء 53 هذه نبوءة عن ارميا، ولكن لنرى تزوير المعترض لاقتباس ارميا 51 فهل قال انه عن شعب إسرائيل، ولم يضع تشكيل الآيات، لكن الحقيقة انه العدد يتكلم عن دينونة بابل

ارميا 51: 34- 40

«أَكَلَنِي أَفْنَانِي نَبُوخَذْرَاصَّرُ مَلِكُ بَابِلَ. جَعَلَنِي إِنَاءً فَارِغًا. ابْتَلَعَنِي كَتِنِّينٍ، وَمَلأَ جَوْفَهُ مِنْ نِعَمِي. طَوَّحَنِي، ظُلْمِي وَلَحْمِي عَلَى بَابِلَ» تَقُولُ سَاكِنَةُ صِهْيَوْنَ. «وَدَمِي عَلَى سُكَّانِ أَرْضِ الْكَلْدَانِيِّينَ» تَقُولُ أُورُشَلِيمُ.

لِذلِكَ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: «هأَنَذَا أُخَاصِمُ خُصُومَتَكِ، وَأَنْتَقِمُ نَقْمَتَكِ، وَأُنَشِّفُ بَحْرَهَا، وَأُجَفِّفُ يَنْبُوعَهَا، وَتَكُونُ بَابِلُ كُوَمًا، وَمَأْوَى بَنَاتِ آوَى، وَدَهَشًا وَصَفِيرًا بِلاَ سَاكِن، يُزَمْجِرُونَ مَعًا كَأَشْبَال. يَزْأَرُونَ كَجِرَاءِ أُسُودٍ عند حَرَارَتِهِمْ أُعِدُّ لَهُمْ شَرَابًا وَأُسْكِرُهُمْ، لِكَيْ يَفْرَحُوا وَيَنَامُوا نَوْمًا أَبَدِيًّا، وَلاَ يَسْتَيْقِظُوا، يَقُولُ الرَّبُّ، أُنَزِّلُهُمْ كَخِرَافٍ لِلذَّبْحِ وَكَكِبَاشٍ مَعَ أَعْتِدَةٍ

فالنص هنا يقوله الرب وبنفسه ويتحدث عن بابل وليس يتكلم بصوره غائبة عن ملك بابل وسبيه لليهود

ثالثا: هل تعبير ارض الأحياء يدل على شعب إسرائيل

يقول المعترض: يستشهد المسيحيين في أشعياء 53: 8 من الضغطة ومن الدينونة أخذ، ومن جيله من كان يظن انه قطع من ارض الأحياء، أنها نبوءة عن موت المسيح، ولكن العهد القديم كما شرح احبار اليهود انه ارض الأحياء تعبير عن ارض إسرائيل، في مزمور 27: 13 لولا إنني أمنت بان أرى جود الرب في ارض الأحياء، وبخاصة انه في نفس المزمور يتكلم عن بيت الرب وهيكل الرب، والقطع من ارض الأحياء هي إزالة الشعب من ارض إسرائيل، وهذا تحقق في وقت السبي فهم قطعوا من ارض إسرائيل.

 

الرد

تعبير ارض الأحياء الذي ذكره المعترض قد استخدم أكثر من مره في العهد القديم في أكثر من موضع بمعنى يستحيل ان يكون عن ارض اسرائيل بل يتكلم عن الحياة نفسها، لكن لنرى المعنى اللغوي أولا.

 

كلمة ارض

H776 אֶרֶץ (‘erets/eh’-rets) from an unused root

probably meaning to be firm; the earth (at large, or

partitively a land):–X common, country, earth,

الأحياء

[H2416] חַי (chay/khah’-ee) from 2421; alive; hence, raw (flesh); fresh (plant, water, year), strong; also (as noun, especially in the feminine singular and masculine plural) life (or living thing), whether literally or figuratively:–+ age, alive, appetite, (wild) beast, company, congregation, life(-time), live(-ly), living (creature, thing), maintenance, + merry, multitude, + (be) old, quick, raw, running,

 

سفر اشعياء 38: 11

قلت: لا أرى الرب في أرض الأحياء، لا انظر إنسانا بعد مع سكان الفانية.

وهذا قاله حزقيا بعد ما ان نجاه الرب من مرض مميت وأطال عمره 15 عاما.

وفي سفر إرميا

وَأَنَا كَخَرُوفِ دَاجِنٍ يُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَلَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُمْ فَكَّرُوا على أَفْكَارًا، قَائِلِينَ: «لِنُهْلِكِ الشَّجَرَةَ بِثَمَرِهَا، وَنَقْطَعْهُ مِنْ أَرْضِ الأحياء، فَلاَ يُذْكَرَ بَعْدُ اسْمُهُ

ولنرى أشعياء 53

ايوب 28: 13

«أَمَّا الْحِكْمَةُ فَمِنْ أَيْنَ تُوجَدُ، وَأَيْنَ هُوَ مَكَانُ الْفَهْمِ؟ لاَ يَعْرِفُ الإِنْسَانُ قِيمَتَهَا وَلاَ تُوجَدُ فِي أَرْضِ الأحياء

وهنا يتكلم أيوب عن الحكمة، مع العلم انه أيوب لم يكن يعيش في ارض إسرائيل بل ارض عوص، فالسياق بالكامل يؤكد انها الحياة عموما

ولنرى الترجمة السبعينية

من كان يظن في جيله ان حياته قد أخذت من الارض.

 

رابعا: عبارة ضرب من اجل ذنب شعبى مفرد ام جمع؟

هذا النص لا ينطبق على المسيح فبحسب الأصل العبري للجزء الأخير من العدد الثامن فإن الكاتب قد أعلنها بكل وضوح لأي شخص ملم بالنص العبري للكتاب المقدس بأن الحديث عن العبد المتألم في الاصحاح انما هو حديث عن جماعة من الناس وليس فردا واحداً، ويتضح ذلك من خلال استخدام الكاتب لصيغة الجمع في كلامه عنهم. فالنص العبري للعدد الثامن هو هكذا

מֵעֹצֶר וּמִמִּשְׁפָּט לֻקָּח, וְאֶת-דּוֹרוֹ מִי יְשׂוֹחֵחַ: כִּי נִגְזַר מֵאֶרֶץ חַיִּים, מִפֶּשַׁע עַמִּי נֶגַע לָמוֹ.

وما يهمنا في هذا العدد هو الجزء الأخير منه:((M’pesha ami negalamo))

وهو ما يجعل ترجمة الجزء انجليزياً هكذا:

“because of the transgression of my people they were wounded”

أي:” هم ضربوا من أجل اثم شعبي ” أو ” من أجل اثم شعبي لحق بهم الأذى “

وكتوضيح بسيط لصيغة الجمع هذه الواردة في العدد المذكور نقول

أن الكلمة العبرية الواردة في العدد هي “lamoh ” وهي عندما تسخدم في النص العبري للكتاب المقدس تعنى صيغة الجمع (هم وليس هو)، ويمكن نجدها على سبيل المثال في المواضع التالية من أسفار الكتاب:

تكوين 9: 26، تثنية 32: 35 و33: 2، أيوب 6: 19 و14: 21 و24: 17، المزامير 2: 4 و99: 7 و78: 24 و119: 165، أشعياء 16: 4 و23: 1 و44: 7 و48: 21، مراثي أرميا 1: 19، حبقوق 2: 7.

 

وبإمكانك – أخي القارىء – ان ترجع للنص العبري ان كنت ملماً به لتتأكد من هذا. وبالتأكيد فإنك لو رجعت للتراجم المسيحية المختلفة فإنك لن تجد هذا المعنى …. ذلك لأنهم لم يعتمدوا النص العبري الماسوري في هذا الإصحاح. وبالتالي فإنه من الواضح جداً ان هذا العدد أيضاً لا يمكن ان ينطبق على المسيح عليه السلام وانما ينطبق على جماعه وليس المسيح.

 

ولنرى ترجمة يهودية من موقع شاباث الشهير

Complete Jewish bible

الرد

هذه الشبهة شائعة جدا، وأكثر من معترض يقولها، وحاليا يوجد الكثير من اليهود يركزون عليها، لكن لو نلاحظ لا يجرؤ أحد على ذكر تلك الأعداد لانها تكشف كذبهم، فالحقيقة الترجمة ليست جمعا، لكن ترجمة الفانديك لم تكن دقيقة كفاية، كلمة לָמו لاموه لا تعنى هم بل تعنى لهم، فالترجمة الدقيقة (مِنَ الضُّغْطَةِ وَمِنَ الدَّيْنُونَةِ أُخِذَ. وَفِي جِيلِهِ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ قُطِعَ مِنْ أَرْضِ الأحياء، أَنَّهُ من اجل ذنب شعبي مضروب لهم) فالنص معناه عندما تم الحكم على المسيح بالموت من كان من الذين معه ويعيروه من شعب، انه يتحمل مل هذا الألم والضرب من أجلهم الذين يعيروه.

 

وسوف نقسم الرد على جزئين أولا كلمة לָמו وנֶגַע

 

كلمةלָמו في قاموس استرونج العبري

[H3926] (lmow/lem-o’) a prol. and separable form of the prepositional prefix; to or for:–at, for, to, upon

تعنى ل أو لأجل

لنرى ماذا يقول ايضا القاموس اليهودى

لنرى ماذا يقول موقع Judaism’s Answer:

https://judaismsanswer.com/Isaiah%2053%20Part%204%20-%20Objections.htm

الحقيقة أنه لا يهم إذا كان المفرد أو الجمع كما ذكرت في مقالي الأول والثالث. ومع ذلك، فهو جمع ويجب فهمه على أنه “لهم”. نجد أنه في الترجمات يوجد في صيغة المفرد فقط لأنه يبدو أفضل للأذن. هذه هي الطريقة التي يترجم بها المترجمون. أفعل ذلك بنفسي. القضية حقا كيف نصنع التفسير؟ يجب أن يعتمد الفهم الصحيح للآية والكلمات الواردة فيها على ما تعنيه العبرية (أو الآرامية) في الواقع، وليس على معنى الترجمة هذه.

 

الموقع يقول أن ذلك الأصحاح عن اليهود لكن ما يهمنى انه يقول انه معنى الكلمة هو لهم وليس هم، فالمهم الآن ترجمة الكلمة ومعناها وليس تفسيرها على من تشير، أيضا سأورد تفسير ابن عزرا اليهودي الذي رغم انه يقول أيضا أنها نبوءة عن اليهود لكن قال انه الكلمة العبرية بمعنى لهم.

من اجل ذنب شعبي ضرب. ستفكر كل أمة. ضرب إسرائيل بسبب خطايانا.. لقد قُتل بسبب معاصينا (آية 5). بناء الجملة هو: لأن معصية شعبي جاءت الضربات عليهم. להם═למו لهم اي بني اسرائيل. فحتى الآراء التي تقول انه عن اليهود يقول معناها لهم. وكما طلب المعترض أن نرجع للنص العبري لنرى الشواهد التي ذكرها والذي لم يجرؤا على كتابتها، من موقعين يهوديين شاباث وMechon Mamre.

تكوين 9: 26

وَقَالَ: «مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ سَامٍ. وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا لَهُمْ

 

ولهم تعود على ذرية سام وليس كنعان:

خادمهم أو خادم لهم وتعود على سام وليس كنعان

تثنية 32: 35

لِيَ النَّقْمَةُ وَالْجَزَاءُ. فِي وَقْتٍ تَزِلُّ أَقْدَامُهُمْ. إِنَّ يَوْمَ هَلاَكِهِمْ قَرِيبٌ وَالْمُهَيَّآتُ لَهُمْ مُسْرِعَة

تثنية 33: 2

فَقَالَ: «جَاءَ الرَّبُّ مِنْ سِينَاءَ، وَأَشْرَقَ لَهُمْ مِنْ سَعِيرَ، وَتَلأْلأَ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ، وَأَتَى مِنْ رِبْوَاتِ الْقُدْسِ، وَعَنْ يَمِينِهِ نَارُ شَرِيعَةٍ لَهُمْ

وكما راينا لهم الاولى تعود على بنى عيسو في سعير، ولهم الثانية تعود على ذرية إسماعيل وعيسو ويعقوب الثلاثة معا

مزمور 2: 4

الساكن في السماوات يضحك. الرب يستهزئ بهم

وحتى لا يأتي معترض ويقول مكتوب هنا them ولا يوجد أي حرف جر مثل ب أو لأجل فارد عليه انه حرف الجر يعتبر موجود في الفعل فاللغة الإنجليزية مثال give them يعطى لهم، دون الحاجة لحرف جر لكن المعنى واضح، لكن في مثال أشعياء 53 المعترض يقول معناها هم مصابون أو أصابهم الوباء دون الحاجة لوجود حرف جر بمعنى ل أو لأجل وعموما اللغة العبرية تشبه العربية فالكلمة قد تكون معناها بالعربى قريبا أو مش مشابه للعبري عندما ينطق به

مزمور 99: 7

بعمود السحاب كلمهم. حفظوا شهاداته والفريضة التي أعطاهم

هنا اعطاهم أو اعطى لهم تعود على موسي وهارون وصموئيل وليس الرب

مزمور 78: 24

وأمطر عليهم منا للأكل، وبر السماء أعطاهم

عليهم تعود على الشعب اليهودي وليس الرب ولا المن

مزمور 119: 165

سلامة جزيلة لمحبي شريعتك، وليس لهم معثرة

 

وهنا موقع شاباث ترجمها هم لكن الموقع الاخر ترجمها لهم

اشعياء 16: 4

لِيَتَغَرَّبْ عِنْدَكِ مَطْرُودُو مُوآبَ. كُونِي سِتْرًا لَهُمْ مِنْ وَجْهِ الْمُخَرِّبِ، لأَنَّ الظَّالِمَ يَبِيدُ، وَيَنْتَهِي الْخَرَابُ، وَيَفْنَى عَنِ الأَرْضِ الدَّائِسُونَ

اشعياء 23: 1

وَحْيٌ مِنْ جِهَةِ صُورَ: وَلْوِلِي يَا سُفُنَ تَرْشِيشَ، لأَنَّهَا خَرِبَتْ حَتَّى لَيْسَ بَيْتٌ حَتَّى لَيْسَ مَدْخَلٌ. مِنْ أَرْضِ كِتِّيمَ أُعْلِنَ لَهُمْ

اشعياء 44: 7

وَمَنْ مِثْلِي؟ يُنَادِي، فَلْيُخْبِرْ بِهِ وَيَعْرِضْهُ لِي مُنْذُ وَضَعْتُ الشَّعْبَ الْقَدِيمَ. وَالْمُسْتَقْبِلاَتُ وَمَا سَيَأْتِي لِيُخْبِرُوهُمْ بِهَا

اى يقول لهم

اشعياء 48: 21

وَلَمْ يَعْطَشُوا فِي الْقِفَارِ الَّتِي سَيَّرَهُمْ فِيهَا. أَجْرَى لَهُمْ مِنَ الصَّخْرِ مَاءً، وَشَقَّ الصَّخْرَ فَفَاضَتِ الْمِيَاه

كما رأينا الاقتباسات الكثيرة التي اثبت أنها تعنى لهم، لكن قد يتمسك المعترض بترجمة شاباث لمزمور 78 ويتناسى ترجمه الموقع الأخرى وباقي الآيات، فسوف نناقش الكلمة الثانية נֶגַע نيجاع، الذي كما يقول المعترض معناها ضرب، ويقول هم ضربوا، أو لحق بهم الأذى، ونحن نقول ضرب لهم أو لحق به الأذى أو مضروب لهم، لكن ماذا لو عرف المعترض انه الكلمة هي اسم وليس فعل، فستكون مضروب أو مضروبين لكن ماذا لو علم انها مفرد قاموس استرونج العبري.

 

נֶגַע negaʻ, neh’-gah; from H5060; noun masculine a blow (figuratively, infliction); also (by implication) a spot (concretely, a leprous person or dress):—plague, sore, stricken, stripe, stroke, wound.

اسم مذكر: ضربة (مجازيًا، إلحاق)؛ أيضًا (ضمنيًا) بقعة (بشكل ملموس، شخص جذامي أو لباس): – طاعون، قرحة، مضروب، شريط، جلطة، جرح

الكلمة المفرد هى נֶ֥גַע نيجاع والجمع נְגָעִ֥ים نيجاعيم بإضافة يود وميم

ذكرت بالجمع في تكوين 12: 17

فَضَرَبَ الرَّبُّ فِرْعَوْنَ وَبَيْتَهُ ضَرَبَاتٍ عَظِيمَةً بِسَبَبِ سَارَايَ امْرَأَةِ أَبْرَامَ

اما بالمفرد نيجاع التثنية 17: 8

إِذَا عَسِرَ عَلَيْكَ أَمْرٌ فِي الْقَضَاءِ بَيْنَ دَمٍ وَدَمٍ، أو بَيْنَ دَعْوَى وَدَعْوَى، أو بَيْنَ

ضَرْبَةٍ وَضَرْبَةٍ مِنْ أُمُورِ الْخُصُومَاتِ فِي أَبْوَابِكَ، فَقُمْ وَاصْعَدْ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ إِلهُكَ

وهاتان الاياتان قد عرضتهم من موقع شاباث الى عرض منه المعترض لنعرض الآن أشعياء 53: 8 من نفس الموقع

أظن أنها مفرد، واختم الشبهة بالترجمة السبعينية

بسبب ذنوب شعبي، قد سيق الى الموت (من له أذنان للسمع فليسمع)

 

خامسا: هل هناك خطا في ترجمة بعض الكلمات مثل حزن واثم

فانديك حرف عدة الفاظ في اشعياء 53 ليجعلها نبوة تنطبق على المسيح

المثال الاول: الحزن خطأ ولكن الصح المرض فهو مختبر المرض

]الفانديااك][اشعياء 53 3 ]-[محتقر ومخذول من الناس رجل اوجاع ومختبر الحزن وكمستر عنه وجوهنا محتقر فلم نعتد به

المثال الثانى: احزاننا هي خطأ، ]الفانديااك][أشعياء 53 4]-[لكن احزاننا حملها واوجاعنا تحملها ونحن حسبناه مصابا مضروبا من الله ومذلولا

ولكن العبري هي أمراضنا، بل متى اقتبس معنى أمراض بتعبير اسقامنا

الفانديااك][متى 8 17]-[لكي يتم ما قيل باشعياء النبي القائل هو اخذ اسقامنا وحمل أمراضنا)

هذا له تاثيره الن يغير معنى الكالم تماما فيسوع لم يكن رجل يعاني من المرض ولكن هنا يتكلم، عن أحد سيظل طول عمره عيان من تعبير مختبر الحزن هو مختبر المرض طول عمره، وحتى المفسر راشي قال إنها عن اليهود، وانه عدد 4 سيقوله الأمم عن شعب إسرائيل، انهم تحملوا الذل والسحق منا ونحن حسبنا ان الله قد تخلى عنهم.

 

الكلمة الثانية: آثامهم

الفانديااك] [اشعياء 53 11]-[ من تعب نفسه يرى ويشبع وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين وآثامهم هو يحملها

 

اللفظ في العبري هي افون وهي ظلم وليس آثام أو خطايا

الرد

المعترض في التراجم لم يعرض أي مصادر أو قواميس كما سنفعل نحن

فمثلا لنبدأ ب كلمة إثم الذي ادعى انه الترجمة هي ظلم لان ردها سريع

The KJV translates Strong’s H5771 in the following manner: iniquity (220x), punishment (5x), fault (2x), Iniquities (with H1697) (1x), mischief (1x), sin (1x)

من معانيها عيب أو خطية

لكن لنرى الترجمة السبعينية ايضا لتلك الكلمة

Strong’s G266 – ἁμαρτία hamartia: G264; a sin (properly abstract):—offence, sin

لنرى الترجمة السبعينية

ثم كلمة حزن

[H2483] (choliy/khol-ee’) from 2470; malady,

anxiety, calamity:–disease, grief, (is) sick(-ness).

see H2470 مرض، حزن

 فنلاحظ انه الكلمة لها أكثر من معنى مثل حزن ومرض

 

وحتى التلمود البابلى عندما تكلم عن الآية وقال انه المسيا شرحها كالتالى

Babylonion Talmud Sanhedrin 98b

قال الحاخامات: اسمه العالم الأبرص كما هو مكتوب: أحزننا أحزاننا، وحمل أحزاننا، ومع ذلك فقد قدرنا له أبرص مغرمًا من الله ومصابًا

وذكرناها في الجزء الأول، ولنرى تعليق ابن عزرا اليهودى

بالتأكيد قد حمل، إلخ. وخلاصة هذه الآية: لقد أحزناه، وقد حمله. لقد احتمل حزننا أي الحزن الذي ألحقناه به وظننا أنه مصاب ولكن لو فرضا انه الكلمة الصحيحة والمعنى الصحيح هو مرض وليس حزن، وانه التراجم العربية اعتمدت فقط على التلمود وابن عزرا، وكان من المفترض أن تنظر باقي ترجمات اليهود كانت غير دقيقة، ولكي نتماشى مع إنجيل متى، هل لو الكلمة معناها مرض تنفى انه المسيا؟

 

الحقيقة انه اليهود الذين منهم من كتب التلمود وقال أحزاننا منهم من فسر أمراضنا أو المرض بتفسير رائع ومفاجئ للمعترض، ويثبت انه متى اقتبس النص بمفهوم رائع جدا، فمتى اقتبس النص عندما شفى يسوع مرضى كثيرون وطرد أرواح شريرة.

 

لنرى ماذا قالت الترجمة السبعينية:

رجل المعاناة، وحاملا للمرض….. ثم تكمل السبعينية وتقول

 

حمل خطايانا وتألم من أجلنا

لكن سأضيف تفسير ليافث بن علي اليهودي:

بعبارة “بالتأكيد حمل أمراضنا” تعنى أن الآلام والأمراض التي أصابها كانت مستحقة لهم، لكنه حملها بدلا منهم… وهنا اعتقد انه من الضروري أن نتوقف لحظات قليلة، لكي اشرح لماذا تسبب الله في ربط هذه الأمراض بالمسيح من أجل إسرائيل، أن الأمة تستحق من الله عقابا أعظم مما أصابها فعلا، لكنها لم تكن قوية لتحمله…. يعين الله خادمه ليحمل خطاياهم، وبذلك يخفف عقوبتهم حتى لا يبيد إسرائيل تماما.

وأيضا:

لقد اخرج القدوس روح المسيح، وقال له: هل أنت راغب في أن تخلق وتخلص أطفالي بعد 6000 سنة؟ فقال: انا هو. اجاب الله ” ان كان الامر كذلك فعليك ان تاخذ على نفسك العقوبة لتزيل اثمهم ” كما هو مكتوب حقا مرضنا حمله ” اجاب المسيح ” سوف أخذهم على بسرور.

Targum Jonathan to the Prophets 84

بدلًا من أن يُنظر إلى المسيا على أنه لا شكل ولا لطف ولا جمال، يصبح شخص مظهره غير عادي يختلف عن منظر الملوك من نسل داود، خوفه على عكس رعب الملوك الدنسين، لأن وجهه سيكون وجهًا مقدسًا، من سيرونه سيحدقون إليه، ويصف كيف كان محتقرًا.، مرفوض، رجل حزن، وهذا يشير الى الممالك التي سوف يقضى المسيح على أمجادها، كما مكتوب (من اجل خطايانا سوف يتضرع وتعدياتنا سوف توضع عليه، ونحن حسبناه مصابا مضروبا من الله).

 

مع انه كتاب ترجوم يوناثان فسر الآية 3 بمعنى مختبر الحزن أو رجل الحزن، لكنى سأتماشى أنها مختبر المرض، لكنه فسر هو وباقي المصادر التي ذكرناها انه أية 4 حمل أمراضنا تعنى انه يحمل الخطايا التي تسبب في تلك الأمراض، فالمسيح في تلك المناسبة في متى طرد شياطين، والشياطين لا تصيب إلا من كان بعيدا عن الله، وشفى أمراض كثيرة وذكر لنا الإنجيل انه المسيح شفى امراض مرتبطة بالخطية مثال مريض بيت حسدا، الذى أمره الرب أن لا يعود لخطاياه، فحقا هو حمل تلك الخطايا الثقيلة التي سببت أمراضا لهم والذي شفاهم منها أيضا، وعبارة مختبر المرض لو تماشينا مع المعترض فهت تعنى مختبر الم الخطية.

 

كما قالت التفاسير التي ذكرناها، لكن سأعرض تفسير راشي وهو من المفسرين الذين قالوا انه ذلك الأصحاح عن الأمناء من اليهود، لأنه عرض نقطة مهمة

Indeed, he bore our illnesses Heb. אָכֵן, an expression of ‘but’ in all places. But now we see that this came to him not because of his low state, but that he was chastised with pains so that all the nations be atoned for with Israel’s suffering. The illness that should rightfully have come upon us, he bore. yet we accounted him We thought that he was hated by the Omnipresent, but he was not so, but he was pained because of our transgressions and crushed because of our iniquities.

 

في الواقع، لقد حمل أمراضنا عب. אָכֵן، تعبيرا عن ‘ولكن’ في جميع الأماكن. لكننا نرى الآن أن هذا لم يأتِ إليه بسبب حالته المتدنية، بل لأنه تأديب بآلام حتى تكفر كل الأمم عن معاناة إسرائيل. حمل المرض الذي كان ينبغي أن يصيبنا بحق. ومع ذلك فقد حسبناه، اعتقدنا أنه كان مكروهًا من قبل كلى الوجود (الله)، لكنه لم يكن كذلك.

لكنه تألم بسبب معاصينا وسحق بسبب آثامنا (وهنا يكمل راشي بباقي الآية مجروح لأجل معاصينا) معنى التفسير انه الأمم التي أذلت اليهود ستقول ذلك العدد باننا سحقنا اليهود ونحن نظن انه الله قد تخلى عنهم، لكن اليهود تألموا بسبب خطايانا التي فعلناها في حقهم، وكان لابد أن نضرب بالمرض لما فعلناه، لذلك قيل حملوا أمراضنا، التي نستحق أن نصاب بها بسبب خطايانا.

 

الغريب انه حتى في التفسير اليهود للنص انه عن الشعب اليهودى لم يقولوا ايضا انه النص بمعنى انه الامناء من اليهود سيحملون المرض بمعنى سيظلون مرضى طوال عمرهم، فهنا نلاحظ انه هناك تناقض في كلام المعترض، لأنه حتى تلك التفاسير تقول انه حمل أمراضنا تعنى حمل خطايانا، حيث انه راشي يقول أنها عن الأمم الشريرة التي أخطأت وأذلت اليهود وجرحوهم، لانهم تخيلوا انه الله تخلى عنهم، وانه لابد أن تصاب تلك الممالك بالأمراض بسبب شرها.

فلماذا لا نطبق هذا المعيار مع الرب يسوع المسيح حيث عندما يقول اشعياء انه الرب حمل أمراضنا، أي حمل خطايانا وأصيب وسحق بسبب شرورنا التي كان بسببها نستحق الأمراض، فالشيء الذي سقط فيه المعترض انه تفسير الذي يقول انه العبد متألم هو المسيا، والتفسير الذي يقول انهم الأمناء من يهود الاثنين يجمعون على انه ذلك الشخص سيتحمل الالم ويجرح بسبب أناس خطاه يستحقون المرض.

 

فحتى التفاسير المعارضة تقول انه معنى النص جرح بسبب خطايا آخرين.

 

فلذلك صدق الرب يسوع المسيح حين قال:

هكَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الأَمْوَاتِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ.

 

هل أشعياء 53 ملفق؟ – الجزء الثاني – توماس رفعت

أنتم شهودي – بيتر سمير

أنتم شهودي – بيتر سمير

أنتم شهودي

أنتم شهودي – بيتر سمير

أَنْتُمْ شُهُودِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَعَبْدِي الَّذِي اخْتَرْتُهُ، لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا بِي وَتَفْهَمُوا أَنِّي أَنَا هُوَ. قَبْلِي لَمْ يُصَوَّرْ إِلهٌ وَبَعْدِي لاَ يَكُونُ. أَنَا أَنَا الرَّبُّ، وَلَيْسَ غَيْرِي مُخَلِّصٌ. أَنَا أَخْبَرْتُ وَخَلَّصْتُ وَأَعْلَمْتُ وَلَيْسَ بَيْنَكُمْ غَرِيبٌ. وَأَنْتُمْ شُهُودِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأَنَا اللهُ.” (إش 43: 10 12- ).

 

يتحدث يهوه هنا عن انه وحده مخلص شعبه ولا يوجد غيره إله، ويلقى الضوء على اليهود كشهود له بأفعاله معهم من خروجهم الى مصر وما تلاه، ويلقى الضوء أيضا على عبده الذي اختاره.

 

من هو هذا العبد، في الأصحاح السابق نجد مقطعا مسيانيا بامتياز يتحدث عن عبد الرب:

“«هُوَذَا عَبْدِي الَّذِي أَعْضُدُهُ، مُخْتَارِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. وَضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْرِجُ الْحَقَّ لِلأُمَمِ. لاَ يَصِيحُ وَلاَ يَرْفَعُ وَلاَ يُسْمِعُ فِي الشَّارِعِ صَوْتَهُ. قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً خَامِدَةً لاَ يُطْفِئُ. إِلَى الأَمَانِ يُخْرِجُ الْحَقَّ. لاَ يَكِلُّ وَلاَ يَنْكَسِرُ حَتَّى يَضَعَ الْحَقَّ فِي الأَرْضِ، وَتَنْتَظِرُ الْجَزَائِرُ شَرِيعَتَهُ».” (إش 42: 1-4).

 

ونظيره في الأصحاح 52

“هُوَذَا عَبْدِي يَعْقِلُ، يَتَعَالَى وَيَرْتَقِي وَيَتَسَامَى جِدًّا. كَمَا انْدَهَشَ مِنْكَ كَثِيرُونَ. كَانَ مَنْظَرُهُ كَذَا مُفْسَدًا أَكْثَرَ مِنَ الرَّجُلِ، وَصُورَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ بَنِي آدَمَ. هكَذَا يَنْضِحُ أُمَمًا كَثِيرِينَ. مِنْ أَجْلِهِ يَسُدُّ مُلُوكٌ أَفْوَاهَهُمْ، لأَنَّهُمْ قَدْ أَبْصَرُوا مَا لَمْ يُخْبَرُوا بِهِ، وَمَا لَمْ يَسْمَعُوهُ فَهِمُوهُ.” (إش 52: 13-15).

 

ويجيب يسوع عن ذلك كيف سيكون شاهدا عن يهوه ويقول:

وَأَمَّا أَنَا فَلِي شَهَادَةٌ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا، لأَنَّ الأَعْمَالَ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ لأُكَمِّلَهَا، هذِهِ الأَعْمَالُ بِعَيْنِهَا الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَنِي.” (يو 5: 36).

 

لاَ يَقْدِرُ الْعَالَمُ أَنْ يُبْغِضَكُمْ، وَلكِنَّهُ يُبْغِضُنِي أَنَا، لأَنِّي أَشْهَدُ عَلَيْهِ أَنَّ أَعْمَالَهُ شِرِّيرَةٌ.” (يو 7: 7).

 

فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: «أَفَأَنْتَ إِذًا مَلِكٌ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: «أَنْتَ تَقُولُ: إِنِّي مَلِكٌ. لِهذَا قَدْ وُلِدْتُ أَنَا، وَلِهذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ لأَشْهَدَ لِلْحَقِّ. كُلُّ مَنْ هُوَ مِنَ الْحَقِّ يَسْمَعُ صَوْتِي».” (يو 18: 37).

 

وَمِنْ يَسُوعَ الْمَسِيحِ الشَّاهِدِ الأَمِينِ، الْبِكْرِ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَرَئِيسِ مُلُوكِ الأَرْضِ: الَّذِي أَحَبَّنَا، وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ،” (رؤ 1: 5).

 

وَاكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ كَنِيسَةِ الّلاَوُدِكِيِّينَ: «هذَا يَقُولُهُ الآمِينُ، الشَّاهِدُ الأَمِينُ الصَّادِقُ، بَدَاءَةُ خَلِيقَةِ اللهِ:” (رؤ 3: 14).

 

يَقُولُ الشَّاهِدُ بِهذَا: «نَعَمْ! أَنَا آتِي سَرِيعًا». آمِينَ. تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ.” (رؤ 22: 20).

 

ولكن هنا يجدر بنا الإشارة الى الآتي:

 1 يهوه يشير دوما الى انه وحده مخلص شعبه الذى يأتي بالحق الى العالم و انه الوحيد الذى يجب أن يكون رجاء أي بشر، في الترجمة السبعينية نجد أن عبد الرب عليه سيكون رجاء الأمم، ذلك المقطع الذى أخذه متى البشير بحرفية عالية و معرفة واسعة للنصوص و الترجمات و اكمل به نبوة أشياء.

 

“«هُوَذَا فَتَايَ الَّذِي اخْتَرْتُهُ، حَبِيبِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. أَضَعُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْبِرُ الأُمَمَ بِالْحَقِّ. لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ، وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ. قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ، حَتَّى يُخْرِجَ الْحَقَّ إِلَى النُّصْرَةِ. وَعَلَى اسْمِهِ يَكُونُ رَجَاءُ الأُمَمِ».” (مت 12: 18-21).

 

He shall shine out, and shall not be discouraged, until he have set judgement on the earth: and in his name shall the Gentiles trust. (Isa. 42:4 LXE)

 

ونجد مقاطع تعلن صراحة عن أن يسوع هو المخلص الوحيد:

“وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ».” (أع 4: 12).

هل هذا إذن تناقض؟ أيهما سيكون المخلص ويكون عليه رجاء الأمم ولا مخلص غيره؟ يهوه أم عبد الرب؟

2 يشير يسوع الى انه لا يشهد عن يهوه كخارج عنه أو كشخص منفصل و لكن يبدو الأمر و كأن يسوع هو ذاته يهوه.

أَنَا هُوَ الشَّاهِدُ لِنَفْسِي، وَيَشْهَدُ لِي الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي».” (يو 8: 18).

 

وهذا يعطى تساؤلا آخر: هل يسوع هو الشاهد لنفسه أم الشاهد ليهوه؟ وكيف يشهد لنفسه إن كان شاهدا ليهوه؟

 

كل تلك التساؤلات لا تمثل تناقضا على الإطلاق ولكنها إيضاحا تدريجيا يتماشى مع عقلية البشر لإعلان سر الله لهم، أحيانا كان الإيضاح في العهد القديم يكون صارخا على سبيل المثال: “«وَأُفِيضُ عَلَى بَيْتِ دَاوُدَ وَعَلَى سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ رُوحَ النِّعْمَةِ وَالتَّضَرُّعَاتِ، فَيَنْظُرُونَ إِلَيَّ، الَّذِي طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُونَ عَلَيْهِ كَنَائِحٍ عَلَى وَحِيدٍ لَهُ، وَيَكُونُونَ فِي مَرَارَةٍ عَلَيْهِ كَمَنْ هُوَ فِي مَرَارَةٍ عَلَى بِكْرِهِ.” (زك 12: 10).

 

حتى أن يهوه في بقية المقطع يشير الى سبب شهادة عبد الرب، ليعلموا إنني هو، وهذا بالضبط التعبير الذي استخدمه يسوع فيما بعد.

 

“فَقُلْتُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ، لأَنَّكُمْ إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا أَنِّي أَنَا هُوَ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ».” (يو 8: 24).

 

“فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «مَتَى رَفَعْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ، فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ، وَلَسْتُ أَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ نَفْسِي، بَلْ أَتَكَلَّمُ بِهذَا كَمَا عَلَّمَنِي أَبِي.” (يو 8: 28).

 

“أَقُولُ لَكُمُ الآنَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ، حَتَّى مَتَى كَانَ تُؤْمِنُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ.” (يو 13: 19).

 

وأخيرا عن فكرة العبد يجيبنا الحكيم بولس:

“لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ.” (في 2: 7).

 

أما عن المقطع المشار أعلاه كعنوان للموضوع نجد تفسيرا في ترجوم يوناثان للأنبياء:

قال الرب: “أنتم تشهدون أمامي، وعبدي هو المسيا الذي اخترته. لكي تعرفني وتؤمن بي، ولكي تفهم أني أنا الذي كان منذ البداية، وأيضًا أن كل الأبدية تخصني، ولا يوجد إله غيري. ” [1]

 

[1] Huckel, T. (1998). The Rabbinic Messiah (Is 43:10). Philadelphia: Hananeel House.

علاقة المسيح ابن الله الكلمة المتجسد بالآب

علاقة المسيح ابن الله الكلمة المتجسد بالآب

علاقة المسيح ابن الله الكلمة المتجسد بالآب

أهمية حقيقة أن المسيح هو ابن الله الكلمة المتجسد

وكانت حقيقة أن كلاًّ من هاتين البدعتين قد تنتهي بها الأمر إلى حيث بدأت الأخرى، إنما دليل على أن كلاًّ منهما لم تبدأ بالفعل من حقيقة الإنجيل الأساسية: أن يسوع المسيح ـ المولود من مريم العذراء والذي تألم في عهد بيلاطس البنطي ـ هو الله الذي جاء بنفسه، ليكون معنا ويعلن ذاته لنا ويتحد بنا بغير انفصال من أجل خلاصنا.

ومن هنا نجد أن الإنجيل لم يقدِّم يسوع المسيح في وضع مقارنة مع الله أو مشابهة معه، ولم يتأرجح بين الاثنين كما في البدعتين المذكورتين، بل قدَّمه في كليَّة حقيقته “الإلهية الإنسانية” غير المنقسمة باعتباره الله الذي صار إنسانًا[1]. وعلى هذا الأساس، فإن يسوع المسيح يكون هو الرب والمخلِّص، وهدف الإيمان المباشر، والابن الوحيد المولود من الله، الذي بغيره لا يمكن معرفة الآب.

فإذا لم يكن يسوع المسيح هو الله لما استطاع أن يعلن الله لنا، لأننا لا نستطيع معرفة الله إلاّ من خلال الله نفسه فقط، وإذا لم يكن المسيح في نفس الوقت إنسانًا لما كان ممكنًا أن يخلِّصنا (نحن البشر)، لأنه فقط من خلال كونه واحدًا معنا يستطيع الله أن يتمِّم خلاصنا من داخل وجودنا البشري الفعلي.

وقد أكَّد أوريجينوس أن الإيمان بيسوع المسيح بكونه: الله الذي صار إنسانًا وأنه هو نفسه “الله” و “إنسان” في آنٍ واحدٍ، (الله المتأنس) هو إيمان ينتمي إلى تعليم الكتاب المقدس وقد تسلَّمناه منذ نشأة الكنيسة الأولى[2]. وقد عقَّب ر. ف. سيلرز على تعليم تلاميذ أوريجينوس الخاص بوحدة شخص (أقنوم) السيد المسيح قائلاً “من الواضح أن تلاميذ أوريجينوس ينسبون أعمال وأقوال يسوع المسيح كلها، وبدون تمييز بينها، إلى اللوغوس المتجسد ذاته ـ أي إلى الشخص الواحد الذي هو الله وإنسان في وقت واحد[3]“.

وقد تعيَّن على القديس أثناسيوس أن يردد ما جاء في كلام أوريجينوس بأن هذا الإيمان كان هو تقليد وتعليم وإيمان الكنيسة الجامعة منذ البداية، ومن هنا جاء تأكيد القديس أثناسيوس ـ في فقرة مهمة نشير إليها مرة ثانية ـ على أن آباء نيقية “لم يكتبوا ما بدا لهم أنه حسن، بل ما آمنت به الكنيسة الجامعة، ولذا فقد اعترفوا بما كانوا يؤمنون به لكي يبيِّنوا أن آراءهم ليست آراء جديدة بل هي آراء رسولية، وأن ما كتبوه لم يكن اكتشافًا من عندياتهم بل هو نفسه ما قد علَّم به الرسل[4]“.

وكان على مجمع نيقية إعادة تأكيد الحقيقة الإنجيلية الرئيسية التي تعلن أن يسوع المسيح هو ابن الله الكلمة (المتجسد)، وأن ابن الله الكلمة (المتجسد) هو يسوع المسيح، وذلك حتى يتصدى المجمع لتعاليم الأريوسية والسابيلية وكافة البدع الأخرى التي تلت ظهور الأبيونية والدوسيتية، والتي باتت تهدد سلامة إيمان الكنيسة. وقد رفضت الكنيسة المساومة في الإيمان بأن يسوع المسيح هو الله المتأنس، لأنه إذا لم يكن المسيح هو الله بالفعل فلا تكون هناك أي حقيقة إلهية في كل ما قاله أو صنعه، وأيضًا إذا لم يكن (في نفس الوقت) هو إنسانًا بالفعل فلا يكون ما صنعه الله له أية صلة خلاصية ببني البشر.

وكان القديس أثناسيوس قد لخَّص هذه القضية الخاصة بالأعمال الإلهية والأعمال الإنسانية للكلمة المتجسد بقوله: “إذا أدركنا ما يخص كل منهما (أي نوعي الأعمال)، وإذا رأينا وفهمنا أن كلاهما قام بهما “واحد”، فنكون على حق في إيماننا ولن نضلَّ أبدًا. ولكن إذا نظر أحد إلى ما عُمل “إلهيًّا” بواسطة الكلمة فأنكر (حقيقة) الجسد، أو إذا نظر إلى صفات الجسد فأنكر قدوم الكلمة بالجسد أو بسبب ما هو بشري قلَّل من شأن الكلمة، فإن مثل هذا الإنسان يعد مثل تاجر الخمر اليهودي الذي يخلط الماء مع النبيذ وسوف يعتبر الصليب عارًا، أو مثل الوثني الذي يعتبر الكرازة حماقة.

وهذا ما حدث بالنسبة لأعداء الله الأريوسيين الذين نظروا إلى الصفات الإنسانية للمخلِّص فاعتبروه مخلوقًا، ونظروا إلى الأعمال الإلهية للكلمة فاضطروا إلى إنكار ميلاده بالجسد وبالتالي يُحسَبون مع أتباع ماني[5]“. فالإيمان بأن يسوع المسيح هو الله الذي صار جسدًا (إنسانًا) لأجلنا ولأجل خلاصنا، يتطلب إيمانًا أكيدًا “بألوهيته”، لأن في المسيح، الله ذاته هو الذي صار إنساناً، وكذلك يتطلب إيمانًا مساويًا “بإنسانيته” لأن في يسوع المسيح جعل الله طبيعتنا البشرية خاصة له.

أما الأريوسية فقد كانت على النقيض من ذلك، حيث خلطت بين الحق والخطأ وأذنبت ضد لب الإيمان الإنجيلي وأفسدت رسالة الإنجيل الخلاصية لأنها سقطت في كلتا البدعتين الأبيونية والدوسيتية في آنٍ واحد.

 

موقف الكنيسة في الدفاع عن علاقة الابن المتجسد بالآب

وسرعان ما أدرك البابا ألكسندروس بابا الإسكندرية التاسع عشر[6]، أن تعليم أريوس قد أظهر بما لا يدع مجالاً للشك أن الأمر الحاسم في موضوع الإيمان والخلاص، هو طبيعة العلاقة بين يسوع المسيح الابن المتجسد والله الآب. إذن كيف كان على الكنيسة النظر إلى هذه العلاقة؟ وماذا يعني الإنجيل عندما أقرن يسوع المسيح بالله في كل أعماله الخاصة بالإعلان والخلاص؟ وما الذي يجب أن يقال عن طبيعة هذه العلاقة لتفادي أي سوء فهم أو تحريف لها؟

وقد حرص آباء نيقية على الإجابة عن مثل هذه التساؤلات عندما قاموا بصياغة اعتراف الإيمان: “وبربٍ واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب (من جوهر الآب)، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، له ذات الجوهر الواحد مع الآب (μοούσιος τ Πατρί)، الذي به كان كل شيء”. وعلاوة على ذلك ألحق الآباء بإعتراف الإيمان، قانوناً مؤداه أن الكنيسة الجامعة تحرم “كل مَن يقول إن “هناك وقت لم يكن فيه الابن كائنًا”، أو إنه “لم يكن كائنًا قبل أن يُولد”، أو إنه “أتى إلى الوجود من العدم”، أو يزعم أن ابن الله له جوهر مختلف (عن الآب)، أو أنه مخلوق، أو قابل للتغير والتبدل”.

وكان مجمع نيقية قد أخضع جميع العبارات التي وضعها للفحص الدقيق، حتى يمكنه مواجهة النقد المتواصل خلال القرن الرابع. وقد ساعد ذلك على تأكيد وتعميق إيمان وعقيدة الكنيسة، حتى أن مجمع القسطنطينية اللاحق قد أقرَّ تمامًا هذا الإيمان وأعطاه الشكل النهائي كالآتي: “وبربٍ واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، له ذات الجوهر الواحد مع الآب، الذي به كان كل شيء”. ومن الملاحظ أنه لم تطرأ تعديلات ذات أهمية كبيرة في هذه العبارات عن سابقتها (التي وُضعت في نيقية)، وإنما كان التغيير الطفيف لمجرد تفادي التكرار غير الضروري[7].

وإذ بدأ آباء نيقية المقطع الثاني من قانون الإيمان بعبارة “وبربٍ واحد يسوع المسيح”، فقد أظهروا بذلك العلاقة المباشرة للرب يسوع المسيح بـ “الله الآب ضابط الكل …” الذي بدأوا به في المقطع الأول، وبالتالي بيَّنوا أنهم سواء بالنسبة ليسوع المسيح أو بالنسبة لله الآب، فإنما كانوا يشيرون إلى نفس الجوهر الواحد.

وهكذا عبَّر الآباء عن المحتوى الحقيقي للعهد الجديد فيما يخص المسيح، هذا المحتوى الذي فيه الإيمان بالمسيح يتطابق تمامًا مع الإيمان بالله الآب. فأن تؤمن “برب واحد يسوع المسيح” هو أن تؤمن “بإله واحد الله الآب” وتعترف به إلهًا متطابقًا مع الآب.

وقد عبَّر قانون الإيمان عن هذه العلاقة الفريدة التي للمسيح مع الآب داخل وحدانية الله بهذه العبارات “ابن الله الوحيد، المولود من أبيه قبل كل الدهور .. مولود غير مخلوق”. وكان مصطلحا “ابن” و “آب” إنما يشيران إلى التمايز داخل جوهر الله الواحد، لأن الابن هو “ابن” وليس “آب”، والآب هو “آب” وليس “ابن”[8]. ولكن بما أن هناك إله واحد، فبالتالي يكون هناك فقط ابن واحد لله، الذي هو أزليًّا ابن الآب كما أن الآب هو أزليًّا أبو الابن لأنه لا يوجد فارق زمني أو من أي نوع بينهما.

وقد تم تجميع مفاد كل هذه العبارات معًا في مصطلحٍ مُركزٍ واحدٍ هو “هوموأووسيوس” *(μοούσιος) مع الآب أو “له ذات الجوهر الواحد مع الآب”[9] وذلك للتعبير عن وحدانية الجوهر بين الابن المتجسد والله الآب، وجاءت إضافة عبارة “الذي به كان كل شيء ..” للتأكيد على ارتباط الابن مع الخالق[10].

 

[1]  انظر تأكيد القديس أثناسيوس في (ضد الأريوسيين 35:4) على أن المسيح هو “إنسان وإله كامل معًا (وفي آنٍ واحد)” (ο̉́λον αυ̉τόν α̉́νθρωπόν τε καί Θεόν ο̉μου̃)، ويعتبر هذا القول هو ضد كل من البدعة الدوسيتية والبدعة الأبيونية. انظر كذلك قوله في (ضد الأريوسيين 3: 41) بإن المسيح “هو إله حقيقي في الجسد، وجسد حقيقي في الكلمة

7  Origen, De prin., 1.praef, ; 1.2.1ff; 2.6.2f, etc. Cf. Ignatius; Eph., 7.2- cited by Athanasius, De syn., 46.  

8  R. V. Sellers, Two Ancient Christologies, 1940, p.29.         

9  Athanasius, De syn., 5;see De decr., 5; Ad Ser., 1.28; Ad Afr., 1; Fest. Ep., 2.4-7, etc. Cf. also Alexander of AlexandriaEp., 1.12-13; Theodoret, Hist. eccl., 1.3.

10  Athanasius, Con. Ar., 3.35.

وقد كان يشير إلى الكتاب المقدس في: إش 22:1 (الترجمة السبعينية)، و1يو 3:4.

11  See the epistles of Alexander preserved by Theodoret, Hist. eccl., 1.3; and by Athanasius, De decr., 35; Socrates, Hist. eccl., 1.6; Gelasius, Hist. eccl., 2.3. Consult Vlasios Pheidas, ‘Alexander of Alexandria and his two Encyclical Epistles’, in Άντίδωρον Πνευματικόν, Athens, 1981. Cf. the earlier teaching of Dionysius of Alexandria discussed by Athanasius, De sent. Dion.

12  Cf. the creed cited by Epiphanius, Anc., 120.

[8]  كان هذا التمييز يتضمن رفضاً لبدعة سابليوس:

 Athanasius, De syn., 16; cf. De sent. Dion., 5ff; Con. Ar., 3.4, 36; 4.1ff; Ad Ant., 3-6, 11; Con. Ar., 4.2.

*  مصطلح ’هوموأووسيوس‘ هو صفة من مقطعين:  ’هوموس ο̉μος‘ ويعني ذات الشيء الواحد (one and the same) ، و’أوسيا ούσια‘ والذي يعني الجوهر، فيكون المعنى الكامل لمصطلح ’هوموأووسيوس  مع الآب‘: له ذات الجوهر الواحد مع الآب أو واحد مع الآب في ذات الجوهر (of one and the same being with the father). (المترجم)

14  Archbishop Methodios, ‘The Homoousion’, The IncarnationEcumenical Studies in the Nicene-Constantinopolitan Creed, 1981, p.6 (ed. By T. F. Torrance).

15  Athanasius, De decr., 7, 18f; De syn., 12, 35; Con. Ar., 1.9ff; Ad Afr., 4-9; Ad Ser., 2.2-5.

علاقة المسيح ابن الله الكلمة المتجسد بالآب

الإيمان في الكنيسة الجامعة

الإيمان في الكنيسة الجامعة

الإيمان في الكنيسة الجامعة

مكانة مجمع نيقية في الكنيسة*

يحتل مجمع نيقية 325م مكانًا فريدًا في تاريخ الكنيسة المسيحية باعتباره ’المجمع الكبير والمقدس‘ أو ’المجمع المسكوني الكبير‘، الذي اتخذته كافة المجامع اللاحقة كمعيار رئيس لها. وهذا لأن قانون الإيمان الذي وضعه الآباء في نيقية قد حمى بشكل حاسم الإيمان الرسولي الجامع من أي تحريف مخرِّب للإنجيل، مما أدى في آخر الأمر إلى ضبط وتوحيد فكر الكنيسة كلها وتثبيتها بشكل لا لبس فيه في الإيمان بأن الله الآب كشف عن ذاته من خلال ابنه يسوع المسيح وفي روح واحد[1].

كذلك فإن الارتباط الجوهري بين نص الإنجيل وبين “الإيمان المُسلَّم مَرَّةً للقديسين”[2]، قد ظهر بوضوح في نيقية بطريقة بسيطة وموجزة، حتى إنه صار يُنظر إلى ما حدث في نيقية فيما بعد، برهبة ووقار بكونه عملاً من الروح القدس، الأمر الذي يدعو للدهشة في ظل ما كان قائمًا ـ في ذلك الوقت ـ من تباين كبير في الآراء وفي الصيّغ الإيمانية.

ومع انقضاء القرن الرابع وبقاء وصمود الكنيسة رغم الهجمات الشرسة من قِبل الهراطقة ـ والتي كادت تهدد لب الرسالة الإنجيلية التي اؤتمنت عليها ـ فإن التقليد أخذ يكرِّم قانون إيمان نيقية بصورة متزايدة على أنه هو ’التحديد الكنسي غير القابل للتغيير‘ (imperturbata constitutio)، أو ’الحدث العظيم الذي لا رجعة فيه في حياة الكنيسة‘[3]، والذي يأتي مباشرةً بعد الأساس الواحد الذي وضعه المسيح نفسه في الرسل والأنبياء[4]، بل إن قانون الإيمان نفسه، كان يخدم ذلك الأساس ويبني عليه ويشاركه ـ بشكل ما ـ في طبيعته غير القابلة للتكرار.

ومما يذكر أن القديس غريغوريوس النزينزي الذي رأس الجلسة الافتتاحية لمجمع القسطنطينية عام 381م كرئيس أساقفة، كتب إلى كليدونيوس أحد كهنة نزينزا يقول: “نحن من جانبنا لم نعتبر ولن نعتبر أي تعليم مفضَّل على إيمان الآباء القديسين الذين اجتمعوا بنيقية لهدم الهرطقة الأريوسية، ونحن بمعونة الله لا نحيد ولن نحيد عن هذا الإيمان، مكمِّلين ما قد تركوه بخصوص الروح القدس”[5].

وكان القديس غريغوريوس النزينزي يُعبِّر عن التقليد السائد، عندما تحدث في ’عظته عن أثناسيوس الكبير‘ ذاكرًا ’مجمع نيقية المقدس‘ واجتماع الثلاثمائة وثمانية عشر رجلاً ’المختارين‘ بكونهم قد “وحَّدهم الروح القدس”[6]. كما كان القديس غريغوريوس يمثل رأي الكثيرين أيضًا، في إعطائه القديس أثناسيوس الدور الحاسم في أعمال المجمع؛ إذ قال: “وعلى الرغم من أنه لم يكن بعد في ترتيب صفوف الأساقفة، إلاّ أنه احتل الترتيب الأول بين أعضاء المجمع، لأن الأفضلية كانت للتميّز بنفس القدر الذي كانت به للمنصب.

وكرجل الله الذي نطق بقوة للحق، حافظ القديس أثناسيوس بلباقة على وحدة اللاهوت إذ علَّم بإخلاص عن الثالوث تعليمًا اشتمل على العلاقات الأقنومية: بغير ضياع للأقانيم الثلاثة في داخل الوحدة، ولا تقسيم للجوهر فيما بين الأقانيم الثلاثة؛ بل ظل القديس أثناسيوس داخل حدود التقوى متجنبًا الميل الزائد أو المعارضة الزائدة لأحد الرأيين”[7].

 

الإيمان المسلم مرة للقديسين

كان القديس أثناسيوس يعتبر أن الآباء في مجمع نيقية لم يبتكروا شيئًا جديدًا، بل إنهم تنفَّسوا روح الكتب المقدسة واعترفوا بالإيمان الإلهي والرسولي بدقة شديدة، حتى إنه (أي القديس أثناسيوس) استطاع بعد سنوات كثيرة أن يكتب إلى أساقفة إفريقيا قائلاً: “إن كلمة الرب التي جاءت عن طريق مجمع نيقية المسكوني باقية إلى الأبد”[8]، ولم يكن يعني بهذا أن الله قد أعطى أساقفة نيقية كشفًا جديدًا، بل إنهم كانوا فقط أداة في يد الله، وذلك بتسليمهم (لمن بعدهم) ـ بشكل صادق وأمين ـ كلمة الله ذاتها، وهي عينها التي كانوا قد تسلَّموها بأنفسهم من تعاليم الرسل في الكتب المقدسة فيما يتعلق بالله الآب والابن والروح القدس.

وفي الواقع كان التقليد الرسولي، والتعاليم المعطاة في الكتب المقدسة، بالنسبة للقديس أثناسيوس شيئًا واحدًا تمامًا، حيث لا يوجد عدة تقاليد “للحق” سواء مكتوبة أو غير مكتوبة، بل هو التقليد الواحد المتضمَّن في الكتب المقدسة المُعترف بها، وهو إيمان الكنيسة الحقيقي الذي تسلَّموه، والذي كان عليهم أن يحافظوا عليه ويسلِّموه مرة أخرى[9].

هكذا فهم القديس أثناسيوس عمل الآباء بمجمع نيقية المسكوني، لذلك كتب لأساقفة إفريقيا في خطابه المجمعي لهم يقول: “إن الإيمان السليم المُعطى لنا من المسيح والذي أعلنه الرسل، قد سلَّمه للأجيال التالية الآباء الذين اجتمعوا في نيقية من كافة أنحاء العالم”[10].

وعندما أُثير التساؤل حول التعليم الرسولي التقليدي عن الروح القدس، أصر القديس أثناسيوس على ضرورة وضع تقليد وتعليم وإيمان الكنيسة الجامعة في الاعتبار من البداية، هذا الذي أعطاه الرب، وأعلنه الرسل، وحافظ عليه الآباء. وقد استطاع القديس أثناسيوس، وهو يتحدث عن نفسه، أن يقول: “طبقًا للإيمان الرسولي المُسلَّم لنا من الآباء بواسطة التقليد، فإني قد سلَّمت التقليد بدون ابتكار أي شيء خارجًا عنه. وما تعلَّمته هذا قد سجلته وفقًا للكتب المقدسة”[11]. فالمهم كان هو تقديم الكتب المقدسة بدقة وبإخلاص، بالإضافة إلى تناول التقليد بأمانة[12].

وكان القديس أثناسيوس دائم الإشارة إلى قانون إيمان نيقية على أنه “الإيمان الذي اعترف به الآباء بنيقية” طبقًا للكتب المقدسة وتقليد الكنيسة السليم، وكان يقول عنه إنه هو هو “الإيمان المسلَّم من مخلِّصنا بواسطة رسله”، وقد اعتبر أن صياغة قانون الإيمان كانت في الأساس عملاً إيمانيًّا ورعًا ومخلصًا قام به المجمع المسكوني “باعتباره في حضرة الله”[13].

 

هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة

لقد كان هناك سببان لانعقاد مجمع نيقية: أولاً التوصل إلى اتفاق مسكوني حول يوم الاحتفال بعيد القيامة، وثانيًا الحكم على الهرطقة الأريوسية التي كانت تخل بتناغم الكنيسة، إلاّ أن نوع القرار الذي اتخذه المجمع في كل حالة ـ كما أوضح القديس أثناسيوس ـ كان مختلفًا تمامًا. فبالنسبة لعيد القيامة، كتب الآباء: “يبدو حسنًا ما يلي”، لأنه كان بالفعل يبدو حسنًا أن يكون هناك اتفاق عام.

ولكن بالنسبة للإيمان فإنهم لم يكتبوا “يبدو حسناً”، بل كتبوا: “هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة”، ليؤكدوا بذلك أنهم إنما كانوا يعترفون بما يؤمنون به، ولكي يبيِّنوا أن آراءهم ليست جديدة بل هي تعاليم رسولية، وأن ما كتبوه لم يكن اكتشافًا من عندياتهم، بل كان هو نفسه ما علَّم به الرسل[14]. بل والأكثر من ذلك، أن آباء نيقية عبَّروا عن هذا التعليم بدقة شديدة لدرجة أن كل من يقرأ هذه النصوص بأمانة، فإنها لا بد وأن تعيده إلى التقوى والإيمان بالمسيح (ες Χριστν εσέβειαν) المُعلَن عنه في الكتب المقدسة[15].

أي أن قانون إيمان نيقية ينبغي أن يُفهم كصياغة كرازية للإيمان، حسب مبادئ الإنجيل الأولى البسيطة، لأن الإيمان الذي سُلَّم للكنيسة مرة واحدة يمكن تسليمه فقط بالإيمان، من إيمانٍ إلى إيمان[16]. ومن الواضح أن القديس أثناسيوس كان يرى أن مجمع نيقية ـ من خلال اعترافه بالإيمان بشكل موجز وبسلطان مسكوني ـ قد حقق الغرض الذي كان قد تصوره هو نفسه قبل المجمع، والذي ذكره في بيانه عن”أساس الإيمان” (κεφάλαιον τς πίστεως)، ألا وهو إدراك العمل الخلاصي لابن الله المتجسِّد[17]، مرتبطًا بدراسة الكتب المقدسة وبفهم أعمق لرسالتها[18].

 

علاقة الإيمان بالتقوى

ومن العلامات المميِّزة لتوجه مجمع نيقية، أنه ربط بين الإيمان وبين الخشوع أو التقوى (εσέβεια / θεοσέβεια)، والذي يعني استخدام أسلوبٍ ورعٍ للعبادة والسلوك والفكر، يليق بالله الآب والابن والروح القدس.

وكان هذا الارتباط بين الإيمان والتقوى طريقًا مسيحيًّا مميزًا للحياة، حيث كان فكر الكنيسة (διάνοια / φρόνημα) مختومًا بختم الثالوث القدوس الذي لا يُمحى، فلم يكن هناك فصل بين التقوى والتعليم اللاهوتي، أو بين العبادة والإيمان، حيث كان الاهتمام الثابت موجهًا: لتفسير الكتب المقدسة بوقار، ولاستخدام المنطق بوقار ولاتباع طرق للمناقشة بوقار، وفي كل ذلك بغير تدخلٍ حادٍّ في سر الله وبغير تعليمٍ خارج عن الوقار في الأمور التي تخص الله.

وحتى حين يتناول علم اللاهوت العلاقات الداخلية للثالوث في الله نفسه، كانت الكنيسة تُصرّ على التحفظ والخشوع سواء في الأسلوب أو في صياغة الفكر أو في اللغة المستخدمة؛ إذ كان ينبغي أن يتم كل شيء بتقوى أمام وجه صاحب الجلال والمجد الإلهي مثل ما يفعل الشاروبيم الذين يغطون وجوههم أمام عرش الله بشكل يليق بقداسة الله الفائقة.

 

الإيمان الذي حفظه الآباء في نيقية

إن إدراك آباء مجمع نيقية لمضمون التعليم الرسولي، بالإضافة إلى التقوى الإنجيلية في الاعتراف بالإيمان، قد أدّيا معًا إلى ظهور أسلوب مميَّز للتعبير ترك بصمته الدائمة على ذهن الكنيسة. وكان هذا الأمر واضحًا للغاية في مجمع القسطنطينية عام 381م حيث أُعيد التأكيد بشكل نهائي وحاسم على قانون الإيمان النيقي، مما جعله قانون الإيمان المسكوني الأسمى في العالم المسيحي.

فالتعليم اللاهوتي الخاص بمجمع نيقية لم ينل فقط قوة داخلية وحركة دفع ذاتي في عصره، ولكنه ترسَّخ ضمن الأساسات الإنجيلية للكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية، بحيث صار القاعدة التي انطلقت منها المجامع الأخرى ـ الواحد تلو الآخر ـ لتكمل عملها في القرون اللاحقة، بالرجوع دائمًا إلى “مجمع الثلاثمائة وثمانية عشر”.

وهكذا كان يُنظر لقانون إيمان نيقية، على أنه المحور الرئيس والمتحكم في الرسالة المتنامية للكنيسة، وكإعلان إنجيلي يؤدي إلى الإيمان بالمسيح، كما كان يُنظر إليه أيضًا بكونه صياغة تعليمية لكبرى حقائق الإنجيل، لذلك يمكن أن يُعتبر كمرشد موثوق به وذو سلطان في قراءة وتفسير الكتب المقدسة.

أي أنه في قانون الإيمان النيقي وبواسطته، عقدت الكنيسة العزم على الدفاع عن جوهر الإيمان والحفاظ عليه، كأمانة مقدسة تسلَّمتها لكي تسلِّمها إلى الآخرين متكاملة إنجيليًّا، وبالتالي تستطيع أن تعطي الله حساب وكالتها على سرائر الله[19].

وكان هذا هو قصد الكنيسة الذي أوضحه القديس أثناسيوس في خطابه إلى أساقفة إفريقيا عندما قال: “ليكن فقط الإيمان، الذي اعترف به الآباء بنيقية، قانونًا ساريًا بينكم، حتى يستطيع الرسول أن يقول عنا أيضًا: ’فأمدحكم أيها الإخوة على أنكم تذكرونني في كل شيء، وتحفظون التعاليم كما سلَّمتها إليكم‘”[20].

 

نؤمن

وبتعبير “نؤمن”، الذي استهلت به الكنيسة الجامعة نص اعترافها ـ في نيقية عام 325م ـ فإنها أوضحت أن ما كان يهمها هو أن تعترف بحقائق الإنجيل الأساسية، داعية إلى الالتزام بالإيمان (نؤمن)، أكثر من مجرد وضع مراسيم (قوانين للإيمان) (δόγματα) مطلوب إطاعتها كأنها قرارات رسولية[21] أو أوامر إمبراطورية[22]. ولكن بالطبع قدَّم آباء نيقية بعض الدلالات التي توضح كيف يجب أن تُفهم المصطلحات التي استخدموها، كما أشاروا أيضًا إلى “الحدود الفاصلة” (ρισθέντα) في اعتراف (قانون) الإيمان، والتي لا يجوز تعديها وإلاّ انحرف المرء إلى ضلال الهرطقة أو إلى خطورة التناقض[23].

وقد حدد الآباء أيضًا عددًا من “القوانين” أو “القواعد” الكنسية التي يجب أن تُراعى من أجل الحفاظ على الوحدة في الكنيسة كلها في تعليمها وتوجيهها المنتظم، وفي تنظيم الخدمة الكنسية[24]. غير أن هذه الأوامر “الناهية” والقواعد الرسمية، قد تم وضعها فقط كملحقٍ لنص قانون الإيمان، ولم تدخل في صلب التعبير عن الإيمان ذاته. وهكذا كان حرص الآباء ينصب كله على الحفاظ على سمة قانون الإيمان “كإعلان إنجيلي” للإيمان الخلاصي، الذي اضطرت الكنيسة إلى وضعه بإلزام من الحق الإلهي الذي وصل إليها من خلال الكتب المقدسة.

 

نظرة الآباء إلى الإيمان

ومن هنا، فإن الأولوية القصوى التي أعطاها مجمع نيقية ’للإيمان‘ على هذا النحو كانت لها دلالة كبيرة للغاية، لأنها تمثِّل التحوُّل الجذري في فهم شعب الكنيسة ـ حيث استنارت عقولهم بحقيقة الله الحي وتحرروا من الأسر في ظلمة التحيُّزات الشخصية والتخمينات والأوهام التي لا أساس لها ـ وهو تحول من أن يكون مركز الفكر في داخل المنطق البشري (πίνοια) الشخصي (الغريب عن الله)، إلى أن يكون هذا المركز هو في إعلان الله (عن ذاته)، وفي فعل المصالحة الذي تم في يسوع المسيح ’كلمته‘ المتجسِّد داخل حيز الزمان والمكان في عالمنا المخلوق.

هذه الاستنارة بحقيقة الله كانت هي السبب وراء الثقة الراسخة في ’إيمان‘ الكنيسة بالله، لأن الكنيسة قد أدركتها محبة الله الثابتة والأمينة، وقد أمسكت الكنيسة بهذه المحبة من خلال “كلمة حق الإنجيل”[25]، كما أن الله ذاته كان على الدوام يسند الكنيسة ويقويها. وهذه الأهمية القصوى التي أولاها قانون نيقية، ’للإيمان‘ إنما تعكس الفكر الآبائي الراسخ عن ’الإيمان‘ بأنه اقتناع للعقل لا يقوم على أساس منظور ’شخصي‘ بل على أساس ’موضوعي‘، وهذا الاقتناع تسنده ـ أبعد من حدوده نفسه ـ ’الحقيقة‘ الموضوعية أو الأقنومية (πόστασις) التي لله ذاته، كما أعلن لنا عن نفسه في يسوع المسيح.

ويعبِّر القديس هيلاري عن ذلك بقوله “في الإيمان، يتخذ الإنسان موقفه على أساس كيان الله ذاته (in substantia dei)”[26].

 

علاقة الإيمان بالمعرفة

وكان الآباء ’اليونان‘ (الذين كتبوا باليونانية) ينظرون إلى المعرفة العلمية (πιστήμη)، على أنها وقوف أو رسوخ العقل (διάνοια) على الحقيقة الموضوعية، وعلى أنها أيضًا الفهم اليقين والمؤكد. ولتعضيد هذا الرأي من الكتاب المقدس، كثيرًا ما كان الآباء يستشهدون بما جاء في الترجمة السبعينية “إن لم تؤمنوا فلن تفهموا” أو “فلن تثبتوا”[27]، حيث كانوا يؤكدون على أنه بالإيمان، تتلامس عقولنا مباشرة مع الحقيقة مستقلة عن ذواتنا، لأنه من خلال الإيمان تتقبل عقولنا الإدراك الباطني (البديهي) للأشياء وتخضع لقوتها الشاهدة لذاتها، كما تتكيَّف وتتهيأ لتعرف هذه الأشياء في طبيعتها الذاتية (الخاصة بها) (κατά φύσιν)[28].

وعلى هذا النوع من الاتصال الأساسي (المباشر) مع الحقيقة، ترتكز كل معرفة مؤكدة ويرسخ كل فهم صادق أصيل، كما أنه هو أيضًا الطريق الصحيح لكل بحث جديد ولكل محاولة لتعميق فهمنا للأمور. وكما أن هذه العلاقة بين الإيمان والفهم تنطبق على كل معرفة علمية، فهي تنطبق بنفس القدر بل وبأكثر تحديد على معرفتنا لله، الذي هو الأساس والمصدر المطلق لكل قدرة على المعرفة والإدراكٍ وكل حق[29]، مثلما كان القديس أغسطينوس يقول دائماً: “نحن لا نسعى لفهم ما نؤمن به، ولكننا نؤمن لكي يمكننا أن نفهم”[30].

إذن ينبغي أن يكون واضحًا الآن، أن ’الإيمان‘ حسب الفكر اللاهوتي النيقي، لم يكن نوعًا من علاقة غير مدركة أو غير مفهومة مع الله، بل كان إيمانًا يتضمن عمليات المعرفة والفهم والإدراك، إيمانـــًا له طـــابع فطــــرى (بديهي) للغــاية في تقبـــل العقـــل ـ بشكل مسئول ـ ’للحق‘ الكامن في إعلان الله لذاته للجنس البشري.

فالإيمان ينشأ فينا نتيجة التأثير الخلاَّق لشهادة الله لذاته، ولكشف الله عن ذاته في “كلمته”، كما أنه ينشأ كذلك كاستجابة لمطالب ’الحقيقة‘ الإلهية علينا، والتي لا نقدر أن نقاومها بمنطق العقل أو الضمير[31]. ويأخذ الإيمان شكل الطاعة  (πακοή τς πίστεως)[32] المنصتة لدعوة ونداء “كلمة” الله، كما أن المعرفة التي تتولد داخلنا، تتطلب في صميمها قبول ذهني وإدراكي (πιστημονική συγκατάθεσις) ’للحق‘ الإلهي، وتصبح مغلقًا عليها في داخل هذا الحق[33].

وقد أكد القديس هيلاري أنه حقًّا بهذه الطريقة عينها فقط، يتشابك الإيمان والفهم (الإدراك) وهو ما قد حدث في حالة الرسل أنفسهم، عندما “التحم ’الحق‘ الذي سمعوه لأول مرة مع يقينهم الداخلي”[34]، وحين تحدث القديس هيلاري عن اعتراف الرسل ’بأن المسيح هو ابن الله‘ على أن ذلك هو ’صخرة الإيمان‘ التي بنيت عليها الكنيسة[35]، كان فهمه لهذه الحقيقة فهمًا موضوعيًّا

لأن الكنيسة بنيت على ’الحق‘ الإلهي الذي اعترف به الرسل، وليس على اعترافهم في حد ذاته، هذا ’الحق‘ الذي لا تزال الكنيسة تعتمد عليه في إيمانها. وبالطبع كان من الأمور المُسلَّم بها أن اعتراف الرسل ’بالإيمان‘ وفهمهم ’للحق‘ محفوظ في الكتب المقدسة التي سلَّمها لنا الرسل، ولذا ينبغي أن نقول إن “الإيمان وكل جزء منه مُنطبع فينا بواسطة برهان الأناجيل وتعليم الرسل”[36].

 

الله هو الذي يعلن عن ذاته

وفي نهاية الأمر، فإننا لا بد أن نتعلم من الله ذاته، ما الذي يجب أن نفتكره عنه “لأن الله لا يمكن أن يُفهم إلاّ من خلاله هو ذاته”[37]. كما أن إيماننا يجب أن يرتكز على نفس ’الحق‘، الذي بنى عليه الرسل الأولون إيمانهم وفهمهم، مما يعنى أننا حينما نلجأ إلى أقوال الكتاب المقدس فعلينا أن نخضع عقولنا مباشرةً ’للحق‘ الذي تشهد له الكتب المقدسة، لأن نصوص (dicta) الكتاب المقدس يجب أن تُفسَّر في ضوء الأمور أو الحقائق (res) التي تشير إليها والتي بسببها كُتبت هذه الأقوال وليس العكس.

إذ إن هذه الأقوال تحقق الغرض الإلهي المقصود منها عندما تنقل شهادة الله عن ذاته، وبالتالي تمكِّننا من الإيمان بالله والتفكير فيه بالطريقة الوحيدة المتاحة، والتي تتمشى مع الطريقة التي يقدِّم هو بها نفسه لنا[38]. ومن هنا يتضح أن الأهمية القصوى المعطاة ’للإيمان‘ في معرفتنا لله، تعكس الأفضلية المطلقة لدور الله (حين يعلن هو عن ذاته و يجعلنا ندرك شيئًا عنه) على كل فكر بشري عن الله (نعتمد فيه على ذواتنا)، بل وحتى على الوسائط البشرية التي أوجدها الله لتخدم إعلانه عن ذاته[39].

 

البعد المزدوج للإيمان

إن الإيمان الذي ينشأ بالتزام واعٍ بما أوجبه الله في إعلانه عن ذاته في يسوع المسيح، والمرتبط بأولوية الله المطلقة على كل فكر أو حديث عنه، هذا الإيمان له سمة ذات شقين: الشق الأول يظهر فيه الإيمان بأنه مقيد ومحدد وملتزم بشكل دقيق بما أعلنه ’الحق‘ الإلهي في تجسد ’الكلمة‘ (أي بما أعلنه الابن المتجسِّد)، ومع ذلك يظهر الإيمان في الشق الآخر بأنه غير مقيَّد وغير محدَّد من خلال علاقته بحقيقة الله اللانهائية والتي تفوق كل فهم محدود.

إذن فمن جانب، يتميز الإيمان باليقين الثابت الذي يستمد قوته من حقيقة الله ذاته الكامنة في هذا الإيمان، ولكن من الجانب الآخر هذا الإيمان يتميز بوجود مجال مفتوح دائم الاتساع ليستجيب مع سر الله غير المدرك وطبيعته التي لا تُحدّ[40]. وهذه بلا شك هي القوة المزدوجة التي تكمن في كلمة “نؤمن” (πιστεύομεν) الواردة في اعتراف الإيمان النيقي بالله الآب والابن والروح القدس، وهي التي تحكم أيضًا الطريقة التي ينبغي أن تُفهم بها كل عبارات هذا الاعتراف (القانون)، تلك القوة المزدوجة تعني كلاًّ من التحديد والقصر (exclusiveness) من جهة، بجانب اتساع المجال (open range) من الجهة الأخرى، وهذان الأمران معًا هما اللذان يميزان الإيمان.

 

التحديد والالتزام في الإيمان المؤسس على الحق

وفي التزامه بالإيمان بإله واحد، الآب ضابط الكل، يمنع قانون (إيمان) نيقية، الإيمان بأي إله آخر غير الله الآب، كما يمنع الإيمان بأي إعلان آخر عن هذا الإله الواحد غير ابنه الوحيد المولود منه.

مما يعبِّر بوضوح عما أكده الكتاب المقدس بجزم، بأن الإيمان بإله واحد يلغي إمكانية وجود أية آلهة أخرى، وأن الإيمان بأن يسوع المسيح هو “الطريق والحق والحياة” يستبعد الوصول إلى الآب بأية طريقة أخرى غير تلك التي قدَّمها الله ذاته في تجسد ’كلمته‘ في يسوع المسيح، أي في ’ما هو‘ يسوع المسيح في كيانه الأقنومي الخاص.

وكان من العسير أن يصبح الأمر هكذا، لو أن الإيمان كان قد تأسس فقط ـ وبشكل شخصي وغير موضوعي ـ على القناعة الداخلية للعقل البشري، وليس كما هو الحال من أنه مؤسس بشكل موضوعي على ’حقيقة‘ الله ـ الملزمة كليًّا ـ المجسمة في المسيح بكونه عطاء الله الذاتي الفريد واتصاله الذاتي الفريد بالجنس البشرى كرب وكمخلِّص. وفي طاعة غير مشروطة لهذا الإعلان الإلهي، نجد أن الإيمان المسيحي قد تبنى مدخلاً إلى الله يطرح جانبًا أي مدخل بديل، وأصدر حكمًا يستبعد به أي معتقد منحرف، وصدَّق على إقرار ’للحق‘ رافضًا بذلك أي ادعاءات أخرى معتبرًا إياها باطلة.

ومن هنا كان الأمر الجوهري في إيمان الكنيسة، هو ’الحق‘ الإلهي الذي أدركته الكنيسة في المسيح وفي إنجيله ولم ولن تفرط فيه. هذا الحق ليس تحت تصرف وتحكم الكنيسة، ولكنه هو (أي الحق) الذي يحررها ويثبتها في محبة الله، ولهذا فإن الكنيسة لا تستطيع إلاّ أن تعترف بإيمانها بالله، أمام الله، وتقر بغير تحفظٍ بتصديقها ويقينها في ’الحق‘ الخاص بالمسيح وإنجيله، حيث إن هذا الحق هو الذي ترتبط به بصميم كيانها باعتبارها الكنيسة، جسد المسيح الواحد.

إن ما حدث في مجمع نيقية، كان اعترافًا مسكونيًّا بالإيمان، أعلنه الآباء في مواجهة إنكار الهراطقة للوحدة المطلقة بين الله وبين إعلانه عن ذاته في شخص يسوع المسيح. فقانون الإيمان النيقي كان عملاً مهيبًا للكنيسة مجتمعة، وفي حضور الله، وتم بالتزام ثابت ’للحق‘ الخاص بالإعلان الإلهي الذي من الآب بالابن في الروح القدس، وبإدراكٍ تام بأن صميم وجود الكنيسة المسيحية وصحة رسالتها الإنجيلية الداعية للخلاص الإلهي كانت معرضة للخطر.

ولو لم تكن هناك علاقة الوحدة في الجوهر والعمل، بين ما هو الله الآب ـ في ذاته ـ وبين ما هو نحونا في نعمة ربنا يسوع المسيح، لصارت الكرازة بالإنجيل (kerygma κήρυγμα) مفرغة من مضمونها الخلاصي، ولكانت تعاليم (διδαχή) الرسل مجردة من شرعيتها الإلهية. لكن إذا كانت نعمة الرب يسوع المسيح هي بعينها نعمة الله ذاته، وإذا كان في المسيح يسوع العطية الإلهية والمعطي هما واحد، فليس للكنيسة ـ أمانة منها للإنجيل ـ إلاّ أن تكرس نفسها لتأكيد هذه النعمة بشكل إيجابي وأن تستبعد أي احتمال آخر[41].

وكانت هذه هي القضية الحاسمة التي دعا القديس بولس كنيسة غلاطية لمواجهتها في القرن الأول، حيث كانوا مهدَّدين بتعاليم تفسد إنجيل المسيح وتحوله إلى ’إنجيل آخر‘ والذي ليس هو إنجيلاً بالمرة، وولذلك كتب يقول “إن كان أحد يبشركم بغير ما قبلتم فليكن أناثيما”[42]. وكان هذا هو النموذج الرسولي الذي اتبعه آباء نيقية في موقفهم الحاسم، عندما ألحقوا باعتراف الإيمان عبارة تحرم هؤلاء الذين يعلِّمون بأن ابن الله لم يكن منذ الأزل واحداً مع الآب، بل له ’جوهر‘ مختلف عن الذي للآب، فينكرون بذلك لب الإيمان الجامع ذاته[43].

إذن فمجمع نيقية قد عبَّر عن العقائد الرئيسية ـ التي رأى ضرورتها حسب الإنجيل ـ في قانون إيمان، تم الاعتراف به لاحقًا في الكنيسة في كل العالم، وهو القانون الذي يستبعد ببنائه الداخلي أية عقيدة بديلة (نتيجة لاستنتاجات عقلية منحرفة)، في مقابل إعلان الله الوحيد عن ذاته في يسوع المسيح، أو بمعنى آخر هو الذي يمنع أي انحراف هرطوقي عن ’الحق‘[44].

 

المجال المفتوح والمتسع للإيمان

وهناك وجه آخر لما سبق أن ذكرناه (أي غير الوجه المقيد والمحدد للإيمان)، لأنه في حين يعبِّر قانون الإيمان النيقي عما ينبغي علينا أن نعترف به ـ داخل الإطار العام لالتزام الكنيسة تجاه ’حقيقة‘ إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح ـ فإن كل هذا قد جاء مسبوقًا بكلمة “نؤمن” (πιστεύομεν)، مما يعني أن كل ما تم إقراره في هذا القانون يقع داخل دائرة ’الإيمان‘ ومرتكزًا على ’الحقيقة‘ الموضوعية لله التي تسمو تمامًا فوق كل ما يمكننا أن نفتكره أو نقوله عنها.

وتحديدًا، بما أن هذا الإيمان مستمد من إعلان الله في يسوع المسيح ومؤسس فيه ـ والذي يتطابق مع ما هو الله أزليًّا في جوهره الذاتي ـ فإن الإيمان يكون ’مفتوحًا‘ لما يمكن أن يُعرف، من خلال روح المسيح المُرسل من الآب باسم الابن، ليقودنا على الدوام إلى فهم أعمق ’للحق‘.

إذن فالإيمان المسيحي في صميم طبيعته يحاول باستمرار استقصاء الأعماق السحيقة التي لا تستقصى ’للحق‘، والذي تفوق دائمًا ما يمكن أن ندركه من إعلانات هذا الحق لنا؛ غير أن الإيمان الذي يمتد بهذا الشكل إلى أبعد من ذاته بغير حدود، يتسم بالضرورة بأن له رؤية ’ذات مجال مفتوح ومتسع‘ (open range in its focus ‘σκοπός’) وهذا الإيمان لا يمكن أن يختصر دون أن يتحول إلى شيء آخر.

وقد أكد على مفهوم ’مجال الإيمان المفتوح‘ كل من القديس أثناسيوس وق. هيلاري بالإضافة إلى القادة البارزين الآخرين من شارحي الفكر اللاهوتي النيقي. وأوضح القديس أثناسيوس أنه كان كلما تقدم إلى الأمام في سعيه لإدراك الله، كلما وجد أن معرفة الله تفوق إدراكه، ولم يستطع أن يعبِّر كتابةً عما بدا له أنه يفهمه، وما كتبه كان يقل بكثير حتى عن الظل العابر للحقيقة في ذهنه[45].

فالأمر الوحيد الثابت، وموضوع الإيمان كله، بل وهدف الكتب المقدسة أو ’الحق‘ الذي نؤمن به، كان هو يسوع المسيح ذاته، لأنه في إعلان الله الفريد عن ذاته في المسيح ومن خلال هذا الإعلان، يصبح الإيمان راسخًا في حقيقة كيان الله ذاته، وأيضًا يتوفر للإيمان ’الضابط المعياري‘ الذي يحتاجه في علاقته بما يفوق طاقة الإدراك البشري[46]. إن إيمانًا من هذا النوع هو الذي يسبق ويرشد كل بحث أو تفسير لاهوتي، لأنه يشكل الأساس المعرفي السليم الذي يعطى القوة لكل حجة صحيحة[47].

ولم يكن القديس هيلاري أقل من القديس أثناسيوس في تأكيده حقيقة أنه بالإيمان علينا أن ندرك الله بطريقة لا تحصره داخل الحدود الضيقة لما يمكننا أن نفهمه أو نعبر به عنه، بل إن هذا الإيمان عليه أن يمتد باستمرار ليكون تحت سلطان قدرة الله على إعلان ذاته[48].

إذن فالإيمان بالله ـ في صميم طبيعته ـ يتميز بنوع من ’اللانهائية‘، لأنه في حين أن الله “ككل” يفوق إدراكنا، فإن ما يسمح لنا بإدراكه عن نفسه لا ينفصل عما هو “ككل”، وبذلك فإن الإيمان يخترق الحدود الضيقة لإدراكنا، وهذا ما يفسر أنه في صميم عملية فهم ’شيء‘ عن الله، فإن الإيمان يجعلنا نعترف بالعجز عن الإدراك الكليّ لله. وهكذا في حين يفوق الله قدرات العقل البشري بشكل لانهائي، فإنه بالرغم من ذلك يمكن أن يُعرف عن طريق حركة ’إيمان‘، حيث ينفتح العقل على لانهائية الله وسموه الذي لا يوصف[49].

وهذا يعني أنه من خلال الإيمان تكون لنا صلة بالله بطريقة تمكِّننا من أن نعرف أكثر مما نستطيع أن نعبِّر عنه بشكل واضح بالأفكار أو بالكلام، وأنه في الإيمان ومن خلال الإيمان ننشغل بالله في بحث لا يسبر غوره، لأن ’الحق‘ الذي نسعى إلى معرفته له من العمق ما لا نستطيع أن نصل إلى نهايته، وهذا ما يقلل من قدرتنا على تحديد معرفتنا له في صيغة وافية ملائمة[50].

 

الهرطقات هي التي دفعت الآباء للتعبير ـ بكلام بشري ـ عن ’الحق‘ الذي لا يُنطق به

إن المعنى المعرفي المتضمَّن في هذا المجال ’المفتوح والمتسع بلا حدود‘ للإيمان، كان واضحًا تمامًا أمام لاهوتيي نيقية، وذلك في إدراكهم أن البحث اللاهوتي يُحمل من خلال الإيمان إلى ما هو أبعد من النطاق القاصر للمنطق العادي ـ الذي يُعرف بالأشياء المرئية والملموسة في الواقع المخلوق ـ وحتى إلى ما هو أبعد من العبارات الصريحة في الكتب المقدسة، أي يُحمل إلى ’الحق‘ الإلهي الذي تشير إليه تلك العبارات بغير اعتماد على ذاتها.

ولذا نجد أن مجال الإيمان ’المفتوح‘ قد ترتب عليه ظهور حالة خطيرة، حيث صار الباب وكأنه مفتوح لكل شكل من أشكال النظريات المفتقرة للوقار والتفكير السليم[51]. ولهذا السبب عينه، لم يستطع لاهوتيّو الكنيسة أن يظلوا صامتين، بل في خوف ورعدة وصلاة إلى الله، وجب عليهم أن يسعوا للتعبير ـ على قدر ما تسمح به إمكانيات اللغة البشرية الضعيفة ـ عن ’الحق‘ الإلهي الذي ترشدهم الكتب المقدسة إليه، وحتى ولو كان ذلك لمجرد مقاومة الأثر المدمر لدخول أنماط من الفكر البشري ـ التعسفي والاعتباطي ـ غير المتدين في طريقة ’معرفة‘ الله.

هذا بالتحديد كان الموقف الذي وجد آباء نيقية أنفسهم فيه عندما اضطروا لاستخدام مصطلح ’هوموأووسيوس‘ (μοούσιος) من خارج الكتاب المقدس ليعطوا تعبيرًا واضحًا ولا لبس فيه عن ’الحقيقة‘ الكتابية والإنجيلية. وكان هذا الحدث الخطير في ذهن القديس هيلاري عندما قال: “نحن مضطرون بسبب أخطاء الهراطقة والمجدفين، لأن نعمل ما هو غير مُباح، وأن نتسلق المرتفعات، وأن نُعبِّر عن الأشياء التي لا يُنطق بها، وأن نتناول أمورًا محظورة.

ومع أنه ينبغي علينا أن ننفِّذ الوصايا من خلال الإيمان وحده، عابدين الآب وساجدين للابن معه وفرحين في الروح القدس، فنحن مضطرون لتوسيع قدرة لغتنا الضعيفة، للتعبير عن الحقائق التي لا تُوصف، كما أننا مجبرون بسبب تجاوزات الآخرين أن نتجاوز نحن في محاولة محفوفة بالمخاطر حين نضع في كلام بشري ما كان يجب أن يُحفظ في عقولنا برهبة مقدسة … إن عدم أمانتهم قد جرتنا إلى هذا الموقف الخطير والمريب حيث قد تعين علينا أن نضع عبارات محدَّدة تذهب أبعد مما قد وصفته السماء عن أمور سامية للغاية ومخفية في الأعماق”[52].

 

أهمية التقوى مع الإيمان

وإلى جانب الإيمان الذي أولاه الفكر اللاهوتي النيقي أهمية قصوى، كان هناك عنصر رئيس آخر ـ له نفس الأهمية التي للإيمان ومرتبط به ومتداخل معه بغير انفصال ـ يجب علينا أن نأخذه أيضًا في الاعتبار، ألا وهو ’التقوى‘ (θεοσέβεια, εσέβεια). فالإيمان في حد ذاته هو عمل من أعمال التقوى داخل العبادة والطاعة المقدمة لله بكل تواضع وخضوع. والتقوى هي العلاقة السليمة مع الله، من خلال الإيمان الذي يعطي اتجاهًا مميزًا للعقل ويُشكِّل الفكر والحياة وفقًا “لكلمة وحق الإنجيل”[53].

التقوى إذن تعتبر من المكونات الجوهرية في التقليد الحيّ للكنيسة الملتزمة بالإيمان بإعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح. والتقوى ومعرفة ’الحق‘ ينتميان كلاهما إلى البناء الإنجيلي الذي “للإيمان المسلَّم مرة للقديسين”.

إن التقوى التي من هذا النوع هي التي تُشكِّل القوة التي توجِّه كل “تعليم صحيح”، وهى التي يجب أن يُسمح لها بتوجيه فهمنا اللاهوتي خاصةً في مجال الإيمان ’المفتوح‘، حيث نكون مضطرين أن نكوِّن مفاهيم وننطق بعبارات عن ’الحق‘ تتجاوز العبارات الصريحة التي وردت في الكتب المقدسة.* لذلك وفي هذا المجال بعينه ـ حيث تحوي الكتب المقدسة سر الله الذي لا يُوصف، والذي يظل سرًّا حتى في صميم إعلانه عن ذاته ـ فإنه ينبغي علينا أن نحذر من الوقوع في الاقتحام بلا توقير وبغير ورع فيما أبقاه الله سرًّا في جوهره الأزلي الذاتي.

 

* العناوين الجانبية من وضع المترجم.

[1] أف 18:2.

[2] يهوذا 3.

3 Hilary, Con. Const., 27. See also Athanasius, De syn., 9; Ad Ant., 15; Ad Afr., 10; Ep., 55, 56; Basil, Ep., 125.1; 127.2; 140.2; 159.1; 204.6; 251.4; Theodoret, Hist. eccl., 2.15, 18.

 [4] 1كو10:3-11؛ أف 20:2.

 5 Gregory Naz., Ep. ad Cled., 102.

6 Gregory Naz., Or., 21.14; Ep. ad Cled., 102.1; Theodoret, Hist. eccl., 2.15; Socrates, Hist. eccl., 1.9; Eusebius, Vita Const., 3.20.

7 Gregory Naz., Or.,21.13, 14; cf. also 19.33-35.

8 Athanasius Ad Afr., 1f; cf. 4-6, 9-11; De syn., 5f, 9, 43; Ad Adel., 6; Ad Ser., 1.28, 33; Ep. 55 & 56.

9 Athanasius Ad Adel., 6; cf. Ep., 2.6f; 39.1-7.

10 Athanasius Ad Afr., 1.

11 Athanasius Ad Ser., 1.28, 33.

12 Athanasius De decr., 4f, 18ff, 31ff; Con. Ar., 1.8, 10; 2.33f, 40; De syn., 3, 6, 7, 33f, 39ff, 45f; Ad Afr., 4ff; Ep., 2.4-7, 59; Ad Epict., 3; cf. also Con. gent., 1; De inc., 5.

13 Athanasius Ap. Con. Ar., 23f; Ad Ep. Aeg., 5, 18, 20, 21; De syn., Ad Ant., 3.5; Ad Afr., 10f; Ep., 51; 55; 56.1-4; 59.1; 61.5; 62.

14 Athanasius De syn., 5 ; cf. 3f.

15 Athanasius De syn., 6 ; cf. De decr., 18-22 ; 31f.

16 Athanasius Ad Ser., 1.17, 20 ; De vita Ant., 16, 77-80, etc.

17 Athanasius De inc., 19.3 ; cf. Exp. Fidei ; Con. Ar., 4.21 ; and Socrates, Hist. Eccl., 2.30.

18 Athanasius De inc., 56.1.

[19] 1كو1:4؛ انظر كذلك: Athanasius, Ep. Enc. 1.

[20] 1كو2:11؛ انظر كذلك: Athanasius, Ad Afr., 10.

[21] انظر أع 28:15 وما بعدها؛ وكذلك 4:16.

[22] انظر لو 1:2؛ وكذلك أع 7:17.

[23] Athanasius De decretis ـ العنوان اللاتيني المتداول هو ترجمة خاطئة للكلمة: (ο̉ρισθέντα)  . انظر كذلك Cf. De syn., 5, and Hilary, De Trin., 4.1-7.

[24] بعد مجمع نيقية، أصبح استخدام مصطلح ’قانون‘ يرتبط بالتأديبات الكنسية. وقد استخدم القديس أثناسيوس هذا المصطلح ليشير إلى القوانين التي ترجع إلى الرسل. انظر:

Athanasius Ep. Enc., 1.6 ; Ap. con. Ar., 25, 29, 31f ; Hist. Ar., 36, 51.

[25] كو 5:1.

26 Hilary, De Trin., 1.18

[27] إش 9:7. ولذلك نجد القديس إيرينيئوس يقول في (Dem., 3) “والإيمان ينتج عن الحق؛ لأن الإيمان يقف أو يرتكز على الأشياء الحقيقية (أو التي هي بالحقيقة كائنة). ونحن نؤمن في أشياء حقيقية (أو بالحقيقية كائنة)، وبالإيمان في أشياء حقيقية، نظل واثقين بشدة فيها”؛ انظر أيضاً: Clement of Alex., Strom., 1.1; 2.2, 4; 4.21; Cyril of Jer., Cat., 5.4, etc.

[28] انظر استخدام مصطلح ’طبيعة‘ (φύσις) في الفكر الإسكندري:

See my Theology in Reconciliation, 1975, pp. 241f, 247ff; Archbishop Methodios Fouyas, The Person of Jesus Christ in the Decisions of the Ecumenical Councils, 1976, pp. 65ff.

29 Cf. Hilary, De Trin., especially books 1-4,

وفي هذه الكتب الأربعة، يعرض القديس هيلاري المعرفة اللاهوتية بشكل مميز جداً.

30 Augustine, De Trin., 7.5; In Jn. Ev., 27.9; 29.6; 40.9; De lib. arb.,

2.2.6; De div. quaest., 48; In Ps., 118, 18.3; Ep., 120.1, 3, etc.

31 Hilary, De Trin., 1.18; 2.6f; 3.9f, 23; 4.14, 36; 5.20f; 6.13-16; 8.52.

[32] رو 5:1؛ 26:16.

33 Cf. Clement Alex., Strom., 2.2ff, 6, 11f; 8.3; and Augustine, De spir. et litt., 21.54; 34.60.

34 Hilary, De Trin., 6.34; see also 4.6.14.

35 Hilary, De Trin., 6.36f; cf. 2.22f; 6.20f; and ‘The Liturgy of St James’

E. Brightman, Liturgies of Eastern and Western Churches, 1896, p. 54:

حيث إن ’الكنيسة الجامعة الرسولية‘ هي أيضاً تقول أنها تأسست على ’صخرة الإيمان‘.

36 Hilary, De Trin., 2.22.

37 Hilary, De Trin., 5.20f.

38 Hilary, De Trin., 4.14; 5.4, 7; 8.52.

39 Hilary, De Trin., 1.6, 16; 2.2ff, 12, 24ff, 52ff.

40 Cf. Clement Alex., Strom., 7.16.

41 Athanasius, Con. Ar., 4.12:

“لأن ما يُعطى إنما يُعطى من خلال الابن؛ ولا يوجد شيء ما يعمله الآب إلاّ من خلال الابن؛ ولهذا فإن النعمة محفوظة (ومؤمنة) لذاك الذي يقبلها”.

[42] غل 9:1.

43 Athanasius, Ap. con. Ar., 49; De decr., 2.5; Ad Ep. Aeg., 2; Ep., 2.6; Theodoret, Hist. eccl., 1.3; 2.6; 5.10.

44 Hilary, De syn., 61-64.

45 Athanasius, Ad. mon., 1.1-3.

46 Athanasius, Con. Ar., 2.15; 3.28, 35, 58; cf. also my discussion of this in Reality and Evangelical Theology, 1982, pp. 106ff.

47 Athanasius, De vit. Ant., 77-80.

48 Hilary, De Trin., 1.7-16; 2.5-11; 3.1-6, 18-26.

49 Hilary, De Trin., 1.8, 12; 2.5ff, 11.

50 Hilary, De syn., 65; De Trin., 3.18; 10.53; 11.44-47; 12.24-37.

51 Hilary, De Trin., 2.1-5; 10.51-53.

52 Hilary, De Trin., 2.2, 5.

53 Cf. G. Florovsky, Bible, Church, Tradition: An Eastern Orthodox View, 1972, on ‘the scriptural mind’ and ‘the catholic mind’, pp. 9ff, 57f.

* إن الإيمان المسلَّم للكنيسة لم يكن مجرد مقولات عقيدية، ولكن كان هو الحياة الجديدة في المسيح، أي الحياة التقوية بحسب الحق المؤسس عليه هذا الإيمان، وهو ما سُمي ’وديعة الإيمان‘. إذن ففي الإيمان الصحيح تكون هناك المعرفة الصحيحة والتقوى السليمة، وهذه التقوى بدورها تقوم بحفظ الإيمان السليم والتعليم الصحيح من أي انحراف. (المترجم)

الإيمان في الكنيسة الجامعة

سفر مكابيين الأول – بحث شامل عن سفر مكابيين الأول وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

سفر مكابيين الأول – بحث شامل عن سفر مكابيين الأول وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

سفر مكابيين الأول – بحث شامل عن سفر مكابيين الأول وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

سفر مكابيين الأول – بحث شامل عن سفر مكابيين الأول وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

الفصل الأول: جغرافية سفر مكابيين الأول

مقدمة:

جاء في سفر مكابيين الأول أن الأسكندر المقدونى اعتزم في عام 336ق. م القضاء على الدولة الفارسية، وسرعان ما ظهرت مهارته الحربية في كافة الحروب فأخضع أولاً الولايات الأغريقية ثم تقدم نحو آسيا الصغرى ليلاقى قوة فارس وتحقق له النصر على داريوس الثالث الملك الفارسي عام 331 ق. م ثم زحف إلى سوريا واستولى على دمشق وفتح صور واستولى على عكة وأشدود وأشقلون وغزة ودخل أورشليم في موكب حافل تسوده موجة من التسامح الدينى ومن بعدها توجه نحو مصر فدخلها دون مقاومة.

وبعد موت الأسكندر تنازع على السلطة أربعة من قواده وكانت مصر من نصيب البطالسة أما سوريا فأخذها السلوقيون، إلا أنه في عام 280 ق. م إستأثر بطليموس الثاني بحكم فلسطين وأنشأ فيها مدناً يونانية ولكن لم يمض زمن طويل حتى أسترجع السلوقيون السيادة على فلسطين وجعلوا أنطاكية على نهر العاصى العاصمة الجديدة للدولة السلوقية.

وفى عام 175 ق. م أعتلى العرش أنطيوخوس الرابع الذي كان بمثابة عصا تأديب للأمة اليهودية التى تركت عهودها مع الله وكسرت وصاياه.

دخل أنطيوخوس أورشليم بجيش كثيف (1مك 22:1) دخل المقدس بتجبر وأخذ مذبح الذهب مع جميع أدواتها ومائدة التنضيد والمساكب والجامات ومجامر الذهب والحجاب والأكاليل والحلية الذهبية التى كانت على وجه الهيكل وحطمها جميعاً وأخذ الفضة والذهب والآنية النفيسة وأخذ ما وجد من الكنوز، أخذ الجميع وأنصرف إلى أرضه (1مك 24:1) وبعد سنتين من الزمان أرسل الملك رئيس الجزية إلى مدن يهوذا فضرب أورشليم ضربة عظيمة وأهلك شعباً كثيراً في إسرائيل وسلب غنائم المدينة وأحرقها بالنار وهدم بيوتها مع أسوارها.

في ظل هذه الظروف كان لابد من أن الضغط من حكام سوريا يفجر صرخات الغضب بين اليهود حتى قاد حركة المقاومة القتالية كاهن غيور من النسل المبارك والدم الكهنوتى انتهت بأن حكمت الأمة اليهودية الأسرة الحسمونية بزعامة كاهن يسمى متتيا من قرية تسمى مودين وتعرف الثورة باسم الثورة المكابية التى بدأت عام 167 ق. م.

 

أولاً: مودين

هي البلدة التى كان يقيم فيها متتيا الكاهن وهو ابن يوحنا ابن سمعان من بني يوياريب وتقع البلدة إلى الجنوب الشرقى من مدينة يافا الواقعة على ساحل البحر المتوسط وتبعد نحو 17 ميلاً شمال غربى أورشليم.

 

ثورة متتيا (متاثياس) عام 167ق. م

في تلك الأيام خرج متتيا من أورشليم وهو متتيا ابن يوحنا ابن سمعان كاهن من بني يوياريب وسكن في مودين. متتيا اسم عبري معناه ” عطية الرب ” وكان له خمسة بنين يوحنا الملقب بكديس وسمعان الملقب بالطسى (عبثى الغيور) ويهوذا الملقب بالمكابي والعازار الملقب بأوران ويوناثان الملقب بأفوس.

بدأ متتيا الجهاد بأن خرج إلى البرية هو وأبنائه ونزل معه كثيرون إلى البرية ممن يبتغون العدل والحكم فهاجمتهم قوات الملك في يوم السبت وقتلت منهم الكثيرين ممن كانوا في المختبآت ومات متتيا في هذه الظروف وقام بعده ابنه يهوذا المكابي.

يهوذا المكابي:

جمع يهوذا كل أخوته وجميع الذين كانوا قد انضموا إلى أبيه وكان يهوذا كالأسد في حركاته وكالشبل الزائر على الفريسة فلما جاء ” أبلونيوس ” بجيش عظيم من السامرة ليحارب إسرائيل أنقض عليه يهوذا وقتله وأنهزم الباقون وأخذ يهوذا سيف أبلونيوس وحارب به كل الأيام.

وسمع ” سارون ” قائد جيش سوريا فجمع جيشاً كبيراً ليقاتل يهوذا والذين معه ودنوا إلى عقبة بيت حورون فقال أتباع يهوذا كيف نطيق قتال مثل هذا الجمع القوى ونحن نفر يسير فقال يهوذا ” سواء عند إله السماء أن يخلص بالكثيرين وبالقليلين ” وهجم جيش يهوذا على جيش سارون وهزمه هزيمة منكرة فتتبعه يهوذا إلى عقبة بيت حورون وسقط منهم ثمانى مائة رجل وفر الباقون إلى ارض فلسطين.

 

ثانياً: بيت حورون

معناها بيت المغاير وفى هذه المنطقة جرت معارك وأحداث تاريخية هامة مثل انتصار يشوع على الأموريين وضربهم ضربة عظيمة في جبعون وطردهم في طريق عقبة بيت حرون، وهناك بيت حورون العليا وبيت حورون السفلى على الطريق من أورشليم إلى يافا هذا الطريق مطروقاً منذ أيام يشوع وعلى هذا الطريق انهزم القائد السورى سارون أمام يهوذا المكابي (1مك 13:3) وبعد ذلك بست سنوات انهزم أيضاً ” نكاتور ” بعد تقهقره عن أورشليم وقتل هناك (1مك 39:7).

 

أنطيوكس الرابع والثورة المكابية:

بلغت أنباء الثورة أنطيوكس ولكنه لم يستطيع الذهاب بنفسه لإخمادها لانشغاله باضطرابات أكثر خطورة في أرمينية وفارس فأمر ليسياس الحاكم على الجزء الغربى من المملكة والوصى على أبنه بإنهاء التمرد وإبادة الجيش اليهودى فأختار ليسياس بطلماوس ونكاتور وجرجياس رجالاً ذو بأس من أصحاب الملك ومعهم أربعين ألفاً من المشاه وسبعة آلاف فارس ومعهم عدد من التجار حتى يشتروا بني إسرائيل عبيداً لهم.

إلا أن يهوذا المكابي جمع جيوشه في المصفاة قبالة أورشليم وهزم جيوش جرجياس المجتمعة جنوب عمواس هزيمة ساحقة وتعقبهم إلى جازر وسهول أدوم وأشدود وكان في ذلك اليوم خلاص عظيم لإسرائيل. وتعد عمواس من أهم المدن التى تسيطر على ملتقى الطرق في الطرف الشرقى من وادى عجلون وبإنتصار يهوذا المكابي على قوات جرجياس في عمواس انفتح أمامه الطريق إلى بيت صور وحبرون.

 

ثالثاً: المصفاة

كلمة عبرية معناها ” برج مراقبة ” بالقرب من الرامة. في المصفاة جمع صموئيل النبى كل بني إسرائيل ليصلى لأجلهم لينصرهم الرب على الفلسطينيين وجمعهم مرة أخرى ليمسح شاول ملكاً وفيها جمع يهوذا المكابي جيشه لأن المصفاة كانت من قبل هي موضع الصلاة لإسرائيل (1مك 46:3).

 

رابعاً: جازر

ومعناها في العبرية ” نصيب أو مهر ” وهي مدينة كانت ذات أهمية عسكرية في العصور القديمة ويرجح أن اسم المدينة الحديث تل جازر أو تل الجزيرة ويبلغ طول قمة التل نحو 1700 قدم بعرض من 300 500 قدم وعند سطحه تقع الطرق المؤدية إلى أورشليم شرقاً وإلى بيت حورون شمالاً ويمر بالسهل المحيط بالتل الخطوط الحديدية من يافا إلى أورشليم.

خامساً: أدوم

معنى أدوم ” الأحمر ” ويحدها من الشمال حدود إسرائيل الجنوبية ومن الجنوب عصيون جابر ومن الغرب وادى العربة بينما تمتد شرقاً إلى الصحراء وفى زمن يهوذا المكابي كان يسكن المنطقة الغربية الأدوميون سكان أدومية وقد حاربهم يهوذا وقد أخذ حبرون أهم مدنهم (1مك 4:20).

 

سادساً: أشدود

ومعناها ” حصن أو قوة ” وهي أحدى المدن الفلسطينية الخمس الكبرى وتقع إلى الغرب من أورشليم وكانت تتمتع بالاستقلال في أيام صموئيل النبى عندما أخذ تابوت العهد بعد هزيمة الإسرائيليين إلى بيت داجون في أشدود ونقرأ في سفر المكابيين أن يهوذا ويوناثان قد أخذا المدينة وطهراها من الأوثان (1مك 68:5) وهي التى ذهب إليها قيلبس بعد أفتراقه عن الخصى الحبشى وفى القرن الرابع الميلادى أصبحت مقراً للأسقفية وهي الآن قربة صغيرة على بعد نحو 18 ميلاً شمال شرقى غزة.

هزيمة ليسياس في بيت صور:

بلغت أنبياء هزيمة جرجياس إلى مسامع ليسياس فجمع جيشاً من ستين ألفاً من المشاة وخمسة آلاف من الفرسان ونزلوا إلى بيت صور فلاقاهم يهوذا في عشرة آلاف وصلى يهوذا وقال ” مبارك أنت يا مخلص إسرائيل الق هذا الجيش في يد شعبك ” ودارت المعركة فهزم ليسياس هزيمة منكرة في بيت صور (1مك 34:4) وسقط من جيش ليسياس خمسة آلاف وصرعوا أمامهم.

 

سابعاً: بيت صور

أى ” بيت الصخر ” وقد يكون معناها بيت الإله صور في جبال يهوذا بناها بنو معون من نسل حبرون من بني كالب وقام رحبعام بتحصينها وقد أصبحت مدينة هامة في عصر المكابيين تقع إلى الشمال من حبرون بنحو أربعة أميال ونصف ويقول المؤرخون أنها أمنع مدينة في كل اليهودية تغير اسمها في العصر البيزنطى إلى برج صور.

 

عيد التجديد:

استعاد يهوذا كل أرض اليهودية ماعدا القلعة في أورشليم وقام بتجديد الهيكل وتدشينه وأعاد الذبائح اليومية في الخامس والعشرين من شهر كسلو (الشهر التاسع من السنة العبرية) ويوافق شهر كسلو المدة من منتصف نوفمبر إلى منتصف ديسمبر وكان هذا هو منشأ عيد التجديد أو عيد الأنوار.

غضبة الأمم من تدشين الهيكل

لما سمعت الأمم أنه قد بني المذبح ودشن المقدس استشاطوا غضباً وطفقوا يهلكون من الشعب وكان يهوذا يحارب بني عيسو في أدوم عند أقربتين (ويذكر يوسيفوس أنها جنوب شرقى شكيم) لأنهم كانوا يضيقون على إسرائيل فضربهم ضربة عظيمة، وتذكر شر ” بني بيان ” الذين كانوا شركاً ومعثرة للشعب يكمنون له على الطرق (1مك 4:5) فألجأهم إلى البروج وحاصرهم وأحرق بروجهم وكل من كان فيها بالنار.

 

بنو بيان:

اسم قبيلة كانت تقطن المنطقة بين أدوم وبنى عمون وكانوا من المتآمرين ضد بني إسرائيل وضد إعادة بناء أسوار أورشليم (نح 7:4-8).

وعبر يهوذا إلى بني عمون فصادف عسكراً قوياً وشعباً كثيراً تحت قيادة تيموثاوس فواقعهم في حروب كثيرة فأنكسروا أمامه فاوقع بهم وفتح يعزير وتوابعها ثم عاد إلى اليهودية.

 

ثامناً: يعزير

اسم عبري معناه ” يعين ” وتقع كما يقول يوسيفوس غربى ربه عمون بنحو عشرة أميال. وواجهت يهوذا عدة أخطار:

1 الخطر الأول أن الأمم الذين في جلعاد اجتمعوا على من كان من إسرائيل في تخومهم ليبيدوهم ففروا إلى حصن دياتما فأرسلوا إلى يهوذا لينقذهم.

وهو حصن في جلعاد لجأ إليه اليهود هرباً من الأمم الغزاه واستنجدوا بيهوذا المكابي فقام هو وأخوه يوناثان ورجالهما وعبروا الأردن وساروا مسيرة ثلاثة أيام في البرية واستولوا على باصر إلى الشرق من جبل نبو ثم قاموا من هناك ليلاً وساروا إلى الحصن وأنقذوا أخوتهم من يد جيش تيموثاوس.

2 الخطر الثاني يتعلق باليهود الذين في أرض طوب فقد قتلوا وسُبيت نساؤهم وأمتعتهم.

ومنطقة طوب اسم مكان بمعنى الطيب في شرقى الأردن إلى الشمال من نهر اليرموك في منطقة حوران وقد انجد يهوذا المكابي اليهود الذين في طوب وأنقذهم من يد اليونانيين.

3 الخطر الثالث يتمثل في يهود جاءوا من الجليل بثياب ممزقة وقالوا له أن الأمم قد اجتمعوا علينا في بطلمايس وصور وصيدا وكل جليل الأمم ليبيدونا فأرسل إليهم يهوذا أخاه

سمعان ومعه ثلاث آلاف وناصب الأمم حروباً كثيرة فانكسرت الأمم من وجهه فتبعهم إلى باب بطلمايس وسقط منهم ثلاث آلاف رجل وسلب غنائمهم وأخذ سمعان اليهود من الجليل وعاد بهم إلى اليهودية بسرور عظيم.

 

تاسعاً: بطلمايس (عكا)

عكا كلمة فينيقية معناها رمل ساخن وكانت في الأصل تقع على تل الفواخير وهو من أهم التلال على الساحل الفينيقى. تغير اسمها إلى بطلمايس في عصر السلوقيين الذين جعلوا منها قلعة حصينة.

وفى العصر الرومانى أصبحت مدينة لها استقلالها الذاتى. ورغم أهميتها التجارية إلا أن هذه الأهمية لم تلبث أن انتقلت بعد ذلك إلى حيفا.

 

عاشراً: صور

اسم سامي معناه ” صخر ” ميناء على الساحل الشرقى من البحر المتوسط على بعد نحو 40 كيلومتراً إلى الجنوب من صيدا ونحو 45 كيلومتراً إلى الشمال من عكا. وكان ملكها حيرام صديقاً لداود الملك واستمرت الصداقة في عهد سليمان الذي أرسل إليه خشب أرز وخشب سرو لبناء الهيكل.

وقد زارها بولس الرسول في طريق عودته من آسيا الصغرى إلى أورشليم ومكث بها سبعة أيام إذ وجد بها تلاميذ (أع 3:21).

 

حادى عشر: صيدا

اسم سامي معناه مكان الصيد. وجاء ذكرها في سفر يشوع باسم صيدون العظيمة وتقع شمالى صور بنحو 40 كيلومتراً، وفى أثناء سفر بولس الرسول إلى روما رست السفينة في ميناء صيدا حيث عامل يوليوس قائد المئة الرسول بولس بالرفق وإذن له أن يذهب إلى أصدقائه ليحصل على عناية منهم (أع 3:27) مما يدل على أنه كان بها كنيسة مسيحية منذ زمن مبكر وقد اشترك أسقفها في مجمع نيقية عام 325م.

أنتصارات يهوذا في جلعاد:

عبر يهوذا وأخوه يوناثان نهر الأردن وسارا مسيرة ثلاثة أيام في البرية وهناك سمعا أن أخوتهما في أرض جلعاد قد حوصروا في بصرة وباصر وعليم وكسفور ومكيد وقرنائيم فسار يهوذا جهة البرية إلى باصر فاستحوذ على المدينة وقتل كل ذكر بحد السيف وسلب جميع غنائمهم واحرق المدينة بالنار.

ثانى عشر: باصر

كلمة عبرية معناها ” حصن أو قوى” تقع في تخوم موآب شرقى جبل نبو وكانت أحدى مدن الملجأ التى أفرزها موسى في سبط رأوبين في شرقى الأردن.

ثم أنصرف يهوذا إلى المصفاة وحاربها وقتل كل ذكر بها وأفتتح كسفور ومكيد وسائر مدن جلعاد.

ثالث عشر: بصرة

اسم عبري معناه ” حظيرة ” وهي من أقوى الحصون في النصف الشمالى من أدوم على بعد نحو ثلاثين ميلاً إلى الشمال من بترا وكانت تتحكم في الطرق المؤدية إلى العريش وميناء إيلات ويرجع أنها كانت عاصمة لأدوم في بعض العهود.

رابع عشر: كسفور

مدينة في شرقى الأردن وكانت أحدى المدن التى حصر فيها السلوقيون كثيرين من اليهود حتى جاء يهوذا المكابي وأقتحم المدينة وأطلق صراح أخوته. ” يظن أن موقعها الآن هو كسفين ” شرقى بحر الجليل.

خامس عشر: مكيد

مدينة حصينة في شرقى الأردن في أرض جلعاد وقد فتحها يهوذا المكابي وأنقذ اليهود الذين كانوا محاصرين فيها ومهددين بالقتل.

سادس عشر: قرنايم

وتسمى عشتاروت قرنايم ولعلها سميت بهذا الأسم لوجود تمثال بها لعشتاروت كان له قرنان وكانت مدينة حصينة في عهد المكابين ويظن أن موقعها الآن هو ” الشيخ سعد ” على بعد نحو 32 كيلو متراً إلى الشرق من بحر الجليل وتدل الحفريات على أنها كانت مدينة كبيرة محاطة بثلاثة أسوار استحقت أن توصف بأنها مدينة منيعة

 

يهوذا يواصل انتصاراته:

 ذكرنا أن يهوذا مضى إلى المصفاة وحاربها وأفتتحها وقتل كل ذكر فيها وسلب غنائمها وأحرقها بالنار.

والمصفاة كلمة عبرية معناها مرقب أو برج مراقبة أو مكان مرتفع يستطيع الإنسان أن يرى منه إلى مدى بعيد من كل جانب. وهي موضع في أرض جلعاد كانت تسمى مصفاة جلعاد وكانت أحدى مدن الملجأ.

وبعد هذه الأمور جمع تيموثاوس جيشاً آخر ونزل قبالة رافون وهي رافانا الواقعة في أعالى اليرموك على بعد 17 ميلاً إلى الشمال من درعا فعبر يهوذا إلى رافانا ومعه كل الشعب فأنكسر تيموثاوس وفر من معه إلى المعبد الذي في قرنايم فاستولى اليهود علي المدينة واحرقوا المعبد مع كل من كان فيه وانكسر أهل قرنايم ولم يطيقوا الثبات أمام يهوذا.

 

سابع عشر: عفرون

بلغ يهوذا إلى عفرون وهي مدينة حصينة تبعد 12 ميلاً إلى الجنوب الشرقى من بحر الجليل وقد رفض سكانها السماح ليهوذا ومن معه أن يجوزوا في وسطها وأغلقوا الأبواب على أنفسهم وردموا الأبواب بالحجارة فأقتحم الإسرائيليون المدينة وقتلوا كل ذكر فيها بحد السيف وسلبوا غنائمها.

عودة يهوذا المكابي إلى أرض يهوذا:

 

عظم الرجل يهوذا وأخوته جداً في عيون كل إسرائيل وجميع الأمم التى سار إليها ذكرهم (1مك 63:5) وخرج يهوذا وأخوته وحاربوا بني عيسو في أدوم أرض الحنوب وهي المنطقة الممتدة جنوب تخم إسرائيل حتى عصيون جابر وتمتد غرباً إلى وادى العربة.

وضرب يهوذا حبرون وهي من أقدم مدن فلسطين وتدعى الآن الخليل وكان يطلق عليها قديماً قرية أربع وجاء في (تك 8:13) أن إبرآم أقام عند بلوطات ممراً التى في حبرون وأمضى اسحق ويعقوب سنين عديدة من حياتهم في حبرون ومنها أرسل يعقوب ابنه يوسف للسؤال عن أخوته ومنها أيضاً نزل يعقوب وأولاده إلى مصر (تك 1:46) وضرب يهوذا حبرون وتوابعها وهدم سورها وأحرق البروج التى حولها.

وسار قاصداً أرض الأجانب وجال في السامرة ثم توجه إلى أشدود في ارض الأجانب وهي أحدى مدن الفلسطينيين الخمس الكبرى على بعد نحو 18 ميلاً شمال شرقى غزة وقد أخذ تابوت العهد بعد هزيمة الإسرائيليين إلى بيت داجون في أشدود (1صم 1:5) وجاء في (1مك 68:5) وفى (1مك 84:10) أن يهوذا ويوناثان قد أخذا المدينة وطهراها من الأوثان.

وقد ذهب إليها فيلبس الرسول بعد افتراقه عن الخصى الحبشى وفى القرن الرابع الميلادى أصبحت مقراً للأسقفية.

سفر مكابيين الأول – بحث شامل عن سفر مكابيين الأول وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

نهاية انطيوخوس أبيفانوس:

كان انطيوخوس الملك يجول في الأقاليم العليا فسمع بذكر المايس وهي مدينة بفارس مشهورة بأمواله من الفضة والذهب وأن فيها هيكلاً فيه كثير من الأموال وفيه أسلحة الذهب والدروع التى تركها هناك الأسكندر الأكبر ولكن قاومه أهلها وقاتلوه فهرب من هناك راجعاً إلى بابل.

 

ثامن عشر: ألمايس

وهي على الأرجح عيلام في العهد القديم وقد اطلق الاسم على مقاطعة في بلاد فارس جنوبى ميديا وكانت شوشن تقع في دائرتها ولا يعلم شئ عن تاريخها وملوكها وتفيد النقود أن سكانها كانوا يتكلمون الآرامية وجاء في سفر المكابيين أن المدينة كانت غنية وأنها في بلاد الفرس (2مك 1:6).

أما انطيوخوس فجاءه وهو في فارس رسول ينبئه بأن الجيوش التى أرسلها إلى أرض يهوذا قد انكسرت وأن ليسياس قد انهزم من أمامهم فاغتم أنطيوخوس أبيفانوس وأرجع هزيمته إلى ما أرتكبه من مساوئ تجاه أورشليم واخذه أنية الذهب والفضة التى كانت فيها ومرض مرضاً شديداً وأحس بقرب نهايته.

فدعى أنطيوخوس صديقه فيلبس وأقامه على جميع مملكته وسلم إليه تاجه وخاتمه وحلته وأوصاه بإرشاد أبنه انطيوخوس وأعداده للملك ومات الملك وخالفه أبنه أنطيوخوس الذي عرف باسم أوباطور (أى المولود من أب نبيل).

 

تاسع عشر: قلعة أورشليم

المقصود بالقلعة الحصن المتمنع وهي في العبرية ” ملو ” أى ملء أو تكميل. ذلك أن داود الملك حينما استولى على أورشليم بني مستديراً من القلعة (ملو فداخلاً 2صم 9:5) وقد أعاد سليمان بنائها وتطلق القلعة على جزء من سلسلة المصاطب التى أقيمت بجانب الأسوار لتحصينها وقد أتاحت هذه المصاطب مساحة لإقامة العديد من المبانى على السفح

ولما سمع يهوذا أن أهل القلعة يصدون إسرائيل عن دخول الأقداس ويحاولون الإضرار بهم حاصر يهوذا القلعة فانحدر ليسياس والملك الصبى نحو الجنوب وحاصروا بيت صور وهزموا يهوذا في بيت زكريا ولكن من حسن حظ يهوذا أن ليسياس سمع أن فيلبس قادم من فارس وميديا إلى سوريا لينتزع الملك لنفسه فبادر ليسياس إلى عقد الصلح مع يهوذا واعداً إياه بالحرية الدينية. فدخل ليسياس إلى جبل صهيون ورأى الموضع حصيناً.

والمقصود بجبل صهيود الجبل الذي بني عليه الهيكل وقد تقدس هذا المكان منذ وجود تابوت عهد الرب في المدينة على التل الجنوبى الشرقى.

 

عشرون: بيت زكريا

مكان على بعد 10 أميال إلى الجنوب الغربى من أورشليم يعرف حالياً باسم ” خربة بيت سكاريا ” على بعد نحو أربعة أميال جنوب غربى بيت لحم وقد نزل فيه يهوذا المكابي لمحاربة أنطيوخوس الخامس (أوباطور) إذ كان جيش أنطيوخوس جيشاً كبيراً وكان معه عدد من الأفيال مما دعا اليهود إلى الفرار.

 

احدى وعشرون: بيت صور

مدينة في جبال يهوذا بناها بنو معون من نسل حبرون من بني كالب وقد قام رحبعام بتحصينها كما رمم نحميا جزءاً من السور وقد أصبحت مدينة هامة في عصر المكابيين وتغير اسمها إلى برج صور في العصر البيزنطي ويجمع العلماء على أنها اليوم ” خربة التوبيكه ” على بعد نحو 4. 5 ميلاً شمالى حبرون.

أما الملك فأنصرف مسرعاً نحو الشمال ورجع إلى أنطاكية فوجد فيلبس قد استولى على المدينة فقاتله وأخذ المدينة عنوة.

الملك ديمتريوس الأول:

وهو أبن سلوقس الرابع (فيلوباتير) ويلقب بسوتر أى المخلص. خرج من روما وصعد في نفر يسير إلى مدينة بالساحل (طرابلس) وملك هناك ولما دخل دار ملك أبائه قبضت الجيوش على انطيوخوس وليسياس وقتلهما وجلس ديمتريوس على عرش ملكه فأتاه جميع الأمم والكفر من إسرائيل وفى مقدمتهم الكيمس الكافر وسمى بالكافر لأنه كان يعاشر اليونانيين ويقاوم الحشمونيين أو المكابيين وإن كان نسبه إلى هارون يجعل له بعض الشرعية التى جذبت إليه عدداً من الحسيديين الأتقياء.

أرسل ديمتريوس صديقه بكيديس لينصب الكيمس الشرير رئيساً للكهنة فأبى اليهود بقيادة يهوذا المكابي الخضوع له وانزل يهوذا عقاباً صارماً بكل من ذهب وراء الكيمس وخاف الكيمس فأرسل يطلب العون من ديمتريوس فأرسل قائده نكاتور.

فلما وصل نكاتور إلى اليهودية حاول أن يحقق هدفه بالمكر والخداع ولكن يهوذا كشف خداعه فلجأ إلى الحرب فإنهزم مرتين في كل من كفر سلامه وأداسة حيث قتل نكاتور

 

ثانى وعشرون: اداسة

مدينة تبعد عن بيت حبرون بأقل من أربعة أميال وعلى بعد مسيرة يوم من جازر حيث هزم يهوذا المكابي نكاتور أحد أفراد ديمتريوس وقتله ففرح الشعب جداً ورسموا أن يعيد ذك اليوم الثالث عشر من آذار كل سنة. أطلال ” اداسة ” موجودة بالقرب من جبعون أما كفر سلامة فيرجح أنها حالياً خربة سلمى الواقعة قرب جبعون.

موت يهوذا المكابي:

سمع ديمتريوس بمقتل نكاتور فأرسل بكيديس والكيمس ثانية إلى اليهودية فقابلهم يهوذا بجيش من ثلاثة ألاف رجل ولكن لما رأى رجاله أنهم يحاربون عشرين ألفاً انسحب أكثرهم من وراء يهوذا الذي لم يبق معه سوى ثمانى مائة رجل ولقى يهوذا مصرعه في ميدان المعركة بعد أن استبسل في القتال فحمل يوناثان وسمعان يهوذا أخاهما ودفناه في قبر أبائه في مودين وبكاه كل شعب إسرائيل أياماً كثيرة وقالوا: كيف سقط البطل مُخلص إسرائيل.

 

يوناثان رئيس اليهود وعظيم الكهنة:

تولى يوناثان القيادة محل يهوذا أخيه فعلم بكيديس بالأمر فحاول أن يقتل يوناثان. وبلغ ذلك يوناثان وسمعان أخاه وجميع من معه فهربوا إلى برية تقوع وعسكروا عند ماء جب أسفار.

 

ثالث وعشرون: تقوع

موطن عاموس النبى كما عاش فيها ارميا النبى وتقع في يهوذا على بعد عشرة أميال جنوبى أورشليم وعلى بعد خمسة أميال جنوبى بيت لحم على مرتفع من الأرض يعلو نحو 2700 قدماً ومنها يمكن رؤية جبل الزيتون وكذلك جبل نبو عبر البحر الميت والذي من فوقه رأى موسى أرض الوعد. تأسست المدينة منذ أيام غزو بني إسرائيل لأرض كنعان أسسها أشحور أخو كالب غير الشقيق وقام بتحصينها رحبعام للدفاع عن أورشليم.

 

رابع وعشرون: أسفار

بركة في برية تقوع لعل موقعها الآن هو خرائب ” الزفرانة ” حيث يوجد حوض قديم إلى الجنوب من تقوع.

أحداث ميدابا الدامية:

علم بكيديس بهروب يوناثان وسمعان إلى تقوع فزحف هو أيضاً بجيشه إلى عبر الأردن فأرسل يوناثان أخاة يوحنا المكابي يسأل النباطيين أن يسمحوا له بإيداعهم أمتعته الوافرة لكن بنو يمرى الذين في ميدابا قبضوا على يوحنا وقتلوه فلما علم بذلك يوناثان وسمعان انتقما لأخيهم بالهجوم على موكب عرس لبنى يمرى وقتلوا كثيرين من موكب العرس وهرب الباقون على الجبل وتحول العرس إلى مناحة وصوت آلات الطرب إلى نحيب ولما انتقم المكابيون لدم أخيهم عادوا إلى غيضة الأردن.

 

خامس وعشرون: ميبا

أو ميدابا كلمة عبرية يرجح أن معناها ماء مؤدب أى هادى وهو اسم مدينة موآبية قديمة في شرقى الأردن كانت تقع في أرض سهلة على بعد نحو 16 ميلاً إلى الجنوب الشرقى من مصب نهر الأردن في البحر الميت وتسمى القرية التى تشغل موقعها الآن ” مادابا ” وقد وقعت عند تقسيم الأرض في نصيب رأوبين.

عبور الأردن:

سمع بكيديس بانتقام المكابيين لدم أخيهم يوحنا فجاء إلى ضفاف الأردن في جيش عظيم وقال يوناثان لمن معه أن الحرب أمامنا وخلفنا فلما ألتحم القتال مد يوناثان يده ليضرب بكيديس فأرتد عنه إلى الوراء وسقط من رجال بكيديس في ذلك اليوم نحو ألف رجل وعبر المكابيون الأردن إلى الشاطئ الآخر.

وفاة الكيمس:

عاد بكيديس إلى أورشليم وبنى مدناً حصينة في اليهودية وجعل فيها حراساً يضايقون إسرائيل وأخذ أبناء رؤساء البلاد رهائن وجعلهم في القلعة بأورشليم في الحبس. أما الكيمس فشرع في تدمير الفناء الداخلى للمقدس وهدم أعمال الأنبياء لكن أصيب بمرض عضال وأنعقد لسانه ثم مات في عذاب شديد فلما رأى بكيديس أن الكيمس مات رجع إلى الملك وهدأت أرض يهوذا نحو عامين.

الصراع بين الاسكندر والملك:

في السنة المئة والستين صعد الاسكندر ابيفانيوس ابن انطيوخوس وفتح بطلمايس فقبلوه ملكاً عليها فخرج ديمتريوس الملك لملاقاته ولجأ كل من الأسكندر وديمتريوس إلى استمالة اليهود فالاسكندر عرض على يوناثان أن يقيمه عظيم كهنة وسماه صديق الملك وأرسل إليه ارجوانا وتاجاً من ذهب فلبس يوناثان الحلة المقدسة في الشهر السابع من السنة المئة والستين في عيد الأكواخ وجمع الجيوش وصنع أسلحة كثيرة أما ديمتريوس فمنح اليهود إعفاءا من الضرائب والجباية والجزية والتخلى عن القلعة التى في أورشليم مع حق اليهود في الاكتتاب في جيش الملك إلى ثلاثين ألف رجل تعطى لهم رواتب. وقد وجدت إغراءات الاسكندر صدى أكثر لدى اليهود فتمكن الاسكندر بمساعدة المكابيين من منافسة ديمتريوس والسيطرة الكاملة على سوريا فقامت بينهما معركة فاصلة قتل فيها ديمتريوس (1مل 50:10) وأصبح الاسكندر ملكاً على سوريا.

 

تزوج الاسكندر من كيلوباترا:

تزوج الاسكندر من كيلوباترا ابنة بطليموس ملك مصر وأقام عرسها في بطلمايس ودعى يوناثان لحضور العرس وكرمه الملك وجعله من أصدقائه الخواص وأقامه قائداً وحاكماً وعاد يوناثان إلى أورشليم سالماً مسروراً.

 

سادس وعشرون: بطلمايس عكا

عكا كلمة فينيقية معناها رمل ساخن وكانت المدينة القديمة تقع على تل الفواخير أهم التلال على الساحل الفينيقى، وقد استولى عليها البطالمة بعد موت الاسكندر الأكبر وجعلوا منها قلعة حصينة وغيروا اسمها إلى بطلمايس وكانت لها أهمية تجارية إلا أن هذه الأهمية انتقلت اليوم إلى حيفا على الجانب الجنوبى من الخليج

 

ديمتريوس الثاني وانتصارات يوناثان:

في السنة المئة والخامسة والستين جاء ديمتريوس الثاني ليملك على أرض آبائه وثبت ابلونيوس والياً على بقاع سوريا. وبدأ ابلونيوس تهديداته ليوناثان فاختار عشرة آلاف رجل وخرج من أورشليم ولحق به سمعان أخوه لمناصرته وعسكر تجاه يافا وهاجم المدينة واستولى عليها ثم تعقب ابلونيوس إلى اشدود فهاجمها واحرقها يوناثان مع المدن التى حولها وسلب غنائمها واحرق بالنار هيكل داجون ثم سار يوناثان وعسكر تجاه اشقلون فخرج أهلها للقائه بإجلال عظيم ولما سمع الاسكندر بهذه الأنتصارات زاده مجداً ووهب له عقرون وأراضيها.

 

سابع وعشرون: يافا

ميناء صخرية على شاطئ البحر المتوسط على بعد 35 ميلاً شمال غربى أورشليم تقع على رأس صخرى ارتفاعه 116 قدماً تشرف منه على البحر وكانت من نصيب سبط دان وأن لم تخضع إلا بعد أن استولى داود على سهل شارون وهي الميناء التى استقبلت خشب الأرز لبناء هيكل سليمان قادماً من صور. ومن يافا ركب يونان سفينة إلى ترشيش، في يافا أقام بطرس طابيثا من الأموات وفيها رأى الملاءة عندما كان يصلى على سطح سمعان الدباغ قرب البحر.

ثامن وعشرون: أشدود

ومعناها حصن أو قوة وهي إحدى مدن الفلسطينيين الخمس الكبرى وتقع قرب ساحل البحر المتوسط إلى الغرب من أورشليم وهي الآن قرية صغيرة على بعد 18 ميلاً شمال شرقى غزة وجاء في 1صم 5:1 أن تابوت العهد نقل إلى بيت داجون في أشدود بعد هزيمة الإسرائيليين.

 

تاسع وعشرون: أشقلون

مدينة على ساحل البحر المتوسط بين يافا وغزه وهي أحدى مدن الفلسطينيين الخمس الكبرى وقد استولى عليها سبط يهوذا (قض 18:1) وكانت في يد الفلسطينيين في أيام شمشمون. فيها ولد هيرودس الكبير وفى القرن الرابع أصبحت مقراً لأسقفية في العصر المسيحي.

 

ثلاثون: عقرون

في أقصى شمال مدن الفلسطينيين الخمس الكبرى على الحدود بين سبطى دان ويهوذا نقل إليها تابوت العهد في أشدود وجت فأعاده العقرونيون فوق عجله تجرها بقرتان مرضعتان فسارتا به إلى بيت شمس وقد منحها اسكندر بالاس ليوناثان المكابي مكافأة له على خدماته وانتصاراته (1مل 89:10) في حربه ضد ديمتريوس الثاني.

بطليموس الرابع ينصر ديمتريوس الثاني:

جمع ملك مصر جيوشاً كثيرة وسفنا كثيرة وحاول الاستيلاء على مملكة الاسكندر فقدم إلى سورية متظاهراً بالسلم ففتح له أهل المدن باعتباره صهر الاسكندر ولما وصل إلى أشدود أروه هيكل داجون المحرق وأشدود وضواحيها المهدومة والجثث المطروحة ورفات الذين كان يوناثان قد احرقهم في الحرب ولكن الملك بقى صامتاً بل بالعكس لاقى يوناثان بإجلال في يافا ثم شيع يوناثان الملك إلى النهر الذي يقال له الوتارس شمالى طرابلس ورجع إلى أورشليم فاستولى الملك على مدن الساحل إلى سلوقيات وكان مضمراً للاسكندر سواء.

 

احدى وثلاثون: سلوقية

على ساحل سوريا في الركن الشمالى الشرقى من البحر المتوسط على بعد نحو خمسة أميال إلى الشمال الشرقى من مصب نهر العاصى. أقيمت لتكون ميناء لإنطاكية وكانت واحدة من تسع مدن حملت اسم سلوقس أول ملوك الأسرة التى حكمت سوريا منذ بداية القرن الثالث قبل الميلاد وقد أبحر الرسول بولس وبرنابا من سلوقية إلى قبرص في أول رحلة تبشيرية وكذلك في الرحلة الثانية أبحر منها بولس وسيلا.

 

مصرع الاسكندر وموت بطليموس الرابع (1مك 9:11) ديمتريوس:

أرسل بطليموس رسلا إلى ديمتريوس الملك قائد: ” هلم ” فنعقد عهداً بينى وبينك وأهب لك ابنتى التى عند الاسكندر فأنى قد ندمت على أعطائها له لأنه أراد قتلى ” وبالفعل استرد ابنته وأعطاها لديمتريوس وانقلب على الاسكندر ودخل بطليموس إنطاكية ووضع على رأسه تاجين: تاج آسيه وتاج مصر وكان الاسكندر أذ ذاك في كيليكية يخمد فتنة فتقدم الاسكندر لمقاتلته ولكنه هزم فهرب الاسكندر إلى ديار العرب حيث قتله العرب وقطعوا رأسه وبعد ثلاث أيام مات بطليموس الملك وملك ديمتريوس الثاني.

سفر مكابيين الأول – بحث شامل عن سفر مكابيين الأول وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

اثنين وثلاثون: أنطاكية

اسسها سلوقس نيكاتور بعد موقعة أسوس عام 301 ق. م وسماها على اسم أبيه انطيوكس وقد اختار موقعها على الضفة اليسرى لنهر الأورنت (العاصى) وقد أسس سلوقية لتكون ميناء لعاصمته الجديدة وكانت رائعة الجمال في عهد السلوقيين ولكنها ازدادت روعة وجمالاً في عهد الرومان حتى أصبحت ” ملكة الشرق ” وثالث مدن العالم الرومانى بعد روما والإسكندرية وقد احتلت مكانا متميزاً في العصر المسيحى الأول وكانت نقطة انطلاق بولس الرسول إلى رحلته التبشيرية الثلاث وفى أنطاكية أطلق لقب ” مسيحيين ” لأول مرة على أتباع يسوع المسيح.

 

ثلاثة وثلاثون: كيليكية

في الركن الجنوبى الشرقى من آسيا الصغرى بين بمفيلية غرباً وجبال الأمانوش شرقاً وكبادوكية شمالاً والبحر المتوسط جنوباً بشاطئ يمتد نحو 430 ميلاً.

وكان لها أهميتها الجغرافية كمنطقة ذات تربة خصبة منتجة للحبوب والكتان وتغطى الغابات جبالها المجاورة كما كانت تعنى بتربية الماعز الذي يستخدم شعره في عمل المنسوجات الثمينة والخيام ومن أهم مدن المنطقة طرسوس مسقط رأس بولس الرسول.

 

ديمتريوس الثاني ويوناثان (1مك 20:11)

في تلك الأيام جمع يوناثان رجال اليهودية لفتح القلعة التى في أورشليم فغضب ديمتريوس وسار نحو بطلمايس (عكا) واستدعى يوناثان للتداول وأخذ يوناثان معه هدايا من ذهب وفضة وحلل فنال حظوة لدى ديمتريوس وأقره في الكهنوت الأعظم وعقد معه ميثاقا جديداً لصالح اليهود.

جيوش يوناثان تنجد ديمتريوس في أنطاكية:

رأى ديمتريوس أن الأرض قد استراحت أمامه فسرح جميع جيوشه ما خلا الغرباء منهم فثار عليه تيرفون وهو من أنصار الاسكندر وحاول أن يملك ابن الاسكندر في ملك أبيه وتجمع في أنطاكية نحو 120 ألفا يريدون قتل الملك الذي استنجد بيوناثان فأرسل إليه ثلاثة آلاف محارب دخلوا أنطاكية وقتلوا في ذلك اليوم مئة ألف رجل وخلصوا ديمتريوس لكنه اخلف وعوده وانقلب على يوناثان بخلاف ما صنع إليه من المعروف وضيق عليه كثيراً (1مك 53:11).

يوناثان يحارب ديمتريوس الثاني:

رجع ” تريفون ” ومعه انطيوخوس الصغير ابن الاسكندر فملك انطيوخوس ولبس التاج وتسمى انطيوخوس السادس ديونيسيوس فاجتمعت إليه جميع الجيوش التى سرحها ديمتريوس فقاتلت ديمتريوس حتى فر منهزماً وفتح تريفون أنطاكية واستمال انطيوخوس ويوناثان وأخاه سمعان فاقر يوناثان في الكهنوت الأعظم وأقام سمعان قائداً من عقبة صور إلى حدود مصر، وخرج يوناثان وطاف في شرق النهر فناصرته جميع جيوش سورية وجاء إلى اشقلون فقوبل من أهلها بحفاوة عظيمة أما غزة فقد أغلقت أبوابها في وجهه فحاصرها وأحرق ضواحيها بالنار.

 

أربعة وثلاثون: عقبة صور

يحدد يوسيفوس موقعها إلى الشمال من عكا بنحو 11 ميلاً في موقع رأس الناقوره الحالية على حدود لبنان الجنوبية وهي رأس نانتة من سلسلة الجبال الغربية الموازية لساحل البحر المتوسط.

قواد ديمتريوس في قادش الجليل:

سمع يوناثان أن قواد ديمتريوس وصلوا إلى قادش الجليل في جيش جرار يريدون عزله عن الولاية، فحاصر سمعان بيت صور وفتحها أما يوناثان فاتجه إلى حاصور إلى الشمال من مياه جناسر (بحيرة طبرية) فهزم سمعان أولاً ولكنه عاد بعد أن جثا على التراب وصلى فتعقب العدو إلى قادش وسقط من الأجانب ثلاثة آلاف رجل وعاد يوناثان إلى أورشليم.

خامس وثلاثون: حاصور

اسم عبري معناه ” حظيرة أو مكان محصور ” وهي على بعد نحو خمسة أميال إلى الجنوب الغربى من بحيرة الحولة وقد كانت نقطة التقاء واتصال بين الطرق المؤدية إلى الشمال حتى دمشق وإلى الجنوب حتى ساحل فلسطين الجنوبى وفى القرن الثالث عشر قبل الميلاد تحالف يابين ملك حاصور مع ملك مادون وملك شمرون وملك إكشاف فهزمهم يشوع عند مياه ميروم (يش 1:11).

سادس وثلاثون: قادش

ومعناها مقدس وهو اسم يطلق على عدة أماكن في فلسطين والمدينة المقصودة هنا هي قادش نفتالى في الجليل على بعد نحو أميال إلى الشمال الغربى من بحيرة الحولة وجاء في (امك 21:11) أن يوناثان هزم قوات ديمتريوس ملك السلوقيين فهربوا من أمامه.

 

العلاقات بين يوناثان وروما واسبرطة:

رأى يوناثان أن الفرصة ملائمة لكي يجدد صداقة مع كل من روما واسبرطة فأرسل رجالاً إلى روما دخلوا مجلس الشيوخ حاملين رسالة من يوناثان بشأن التحالف والمصادقة كما كان من قبل فأعطوهم كتباً لأصحاب السلطة في كل من البلدان حتى يوصلوهم إلى أرض يهوذا بسلام.

سابع وثلاثون: اسبرطة

وكذلك أرسل لهم ملك الأسبرطيين توصية مماثلة وتسمى أيضاً لكديمون كما في (2مك 9:5) وكانت دولة قوية والخصم الرئيسى لأثينا وكتب الأسبرطيون ليوناثان ومن بعده لسمعان لتجديد المصادقة بين اسبرطة واليهود، تقع اسبرطة في الركن الجنوبى الشرقى لشبه جزيرة المورة.

 

ثامن وثلاثون: روما

عاصمة الإمبراطورية الرومانية وهي اليوم عاصمة العالم اللاتينى المسيحى، تقع على نهر التيبر على بعد نحو 15 ميلاً من مصبه، تأسست عام 753 ق. م. على يد روميولس وقد بناها على أكمة واحدة من الآكام السبع هناك ومع الزمن امتدت فشملت كل الآكام من روما انتشرت العلوم والآداب والفلسفة ولا يزال القانون الرومانى يدرس في كل أرجاء العالم إلى الآن. وفى روما ” استشهد كل من القديسين بولس وبطرس حوالى عام 68م

سمعان عظيم الكهنة وقائد اليهود:

بلغ سمعان أن تريفون قد جمع جيشاً عظيماً ليذهب إلى أرض يهوذا ويدمرها. وتريفون هو لقب ” ديودوتس ” مغتصب العرش السورى الذي انتهز فرصة التذمر بين جنود ديمتريوس الثاني فأقام الابن الأصغر لبالاس (انطيوكس السادس) ملكاً على عرش سوريا ٍ. وجعل من نفسه نائباً للملك تمهيداً للاستيلاء على العرش من ديمتريوس.

وجاء اليهود بقيادة يوناثان لمعاونة ديمتريوس ضد رعاياه الثائرين عليه لكن ديمتريوس بعد أن استقر على عرشه أخلف وعده لحلفائه اليهود فانضم يوناثان وسمعان إلى تريفون وانطيوكس السادس وحققا الكثير من الامتيازات لوطنهم. وأوقع يوناثان هزيمة قاسية بقوات ديمتريوس.

إلا أن الانتصارات التى حققها القادة اليهود أثارت الغيرة والشك في قلب تريفون فصمم على إزاحة يوناثان من طريقه ليسهل له الحصول على التاج فأسر تريفون يوناثان في بطلمايس (عكا) وذبح كل أتباعه. وقتل تريفون يوناثان في بسكاما في اقصى غرب رأس الكرمل الحالى ثم قتل أنطيوكس السادس واغتصب عرش سوريا ورجع تريفون وانصرف إلى أرضه (1مك 23:13).

دفن يوناثان في ضريح مودين:

فأرسل سمعان وأخذ عظام يوناثان أخيه ودفنها في مودين مدينة آبائه وناح عليه كل إسرائيل نوحاً شديداً وندبوه أياما كثيرة، شيد سمعان على قبر أبيه وأخوته بناءاً عالياً يرى من بعيد ونصب على القبور سبعة أهرام وكانت الأنصاب الهرمية من ميزات الفن المدفنى في ذلك العصر.

إنعامات ديمتريوس الثاني على سمعان:

ذكرنا أن تريفون سلك بالغدر مع أنطيوكس الملك الصغير وقتله وملك مكانه فأنحاز سمعان إلى ديمتريوس الذي منحه امتيازات عديدة واعترف به عظيم الكهنة وقائداً ورئيساً لليهود (1مك 42:13) وخلع بذلك نير الأمم عن إسرائيل وهو نير العبودية وقوامها دفع الجزية.

سمعان يستولى على جازر:

في تلك الأيام عسكر سمعان عند جازر وحاصرها بجيوشه وصنع برجاً نقالاً قرب المدينة وضرب أحد البروج واستولى عليه وهجم الذين في البرج النقال على المدينة ودخل سمعان المدينة وطهرها من الأصنام ومن كل نجاسة وأسكن هناك رجالاً يحفظون الشريعة وحصنها وبنى فيها منزلاً لنفسه.

تاسع وثلاثون: جازر

ومعناها في العبرية نصيب أو مهر وهي مدينة كانت ذات أهمية عسكرية في العصور القديمة يرجح أن اسم المدينة الحديثة تل جازر أو تل الجزيرة. يبلغ طول قمة التل نحو 1700 قدماً بعرض من 300 – 500 قدماً. وعند سفحه تقع الطرق المؤدية إلى أورشليم شرقاً وإلى بيت حورون شمالاً ويمر بالسهل المحيط بالتل الخطوط الحديدية من يافا إلى أورشليم.

 

سمعان يستولى على قلعة أورشليم:

كان الذين في قلعة أورشليم قد منعوا من الخروج أو دخول البلد ومن البيع والشراء لمدة نحو عامين فاشتدت مجاعتهم ومات كثير منهم فصرخوا إلى سمعان فأمنهم وأخرجهم وطهر القلعة من النجاسات ودخلها اليهود في اليوم الثالث والعشرين من الشهر الثاني. وجعل هذا اليوم عيداً كل عام. وحصن جبل الهيكل. ولما رأى سمعان أن ابنه يوحنا قد أصبح رجلاً جعله قائداً عاماً على جميع الجيوش وأقام في جازر. وهدأت الأرض كل أيام سمعان وغار سمعان على الشريعة واستأصل كل شرير وأثيم وعظم الأقداس وأكثر من الآنية المقدسة.

تجديد التحالف مع اسبرطة وروما:

بلغ خبر وفاة يوناثان إلى روما واسبرطة فأسفوا أسفاً شديداً كما بلغهم أن سمعان آخاه قد تقلد الكهنوت الأعظم مكانه وأن البلاد وما بها من مدن قد صارت تحت سلطانه فكتبوا إليه يجددون معه ما كانوا قد عقدوه مع أخويه يهوذا ويوناثان (1مك 20:14-24) وبعد ذلك أرسل سمعان نومانيوس إلى روما ومعه ترس كبير من الذهب ليقر التحالف بينه وبينهم. أما الشعب اليهودى فكتب قراراً تكريمياً لسمعان وبنيه كتب في ألواح من نحاس علقت في جبل صهيون (1مك 27:14-48).

أنطيوكس السابع يحاصر دورا فيعادى سمعان:

بعث أنطيوكس ابن ديمتريوس الملك بكتاب من جزر البحر إلى سمعان الكاهن رئيس امة اليهود يقر فيه بالسلام للأمة اليهودية ويمنحه حق ضرب نقود خاصة في بلاده وبالحرية لأورشليم والأقداس ويعده في حالة استقرار الملك له أن يتلألأ مجد الأمة اليهودية في الأرض كلها.

وعلى الفور خرج انطيوكس إلى أرض أبائه فاجتمع إليه جميع الجيوش حتى لم يبق مع تريفون إلا نفر يسير فتعقبه انطيوكس فمضى هارباً إلى دورا التى على البحر.

أربعون: دورا

أو دور ومعناها دائرة أو دورة. مدينة حصينة على ساحل فلسطين جنوبى الكرمل وتبعد عن قيصرية شمالاً بنحو 8 أميال وكانت لها شهرة واسعة في إنتاج المحار الذي يستخدم في استخراج صبغة الأرجوان التى كانت تشتهر بها صور مما دعا الفينيقيين إلى احتلال المدينة تأميناً لتلك الصناعة. كانت دور عاصمة لمملكة امتدت إلى مدن المرتفعات المتأخمة للساحل وكان ملك دور أحد حلفاء يابين ملك حاصور في الحرب ضد يشوع إلا أن يشوع هزمهم جميعاً. وفى أيام المكابيين حاصر انطيوكس السابع ملك سوريا تريفون مغتصب العرش في دور فهرب تريفون إلى بين طرابلس ونهر الوطارس حيث قبض عليه وقتل.

 

أنطيوكس السابع يحاصر دورا فيعادى سمعان:

عسكر أنطيوكس السابع عند دورا فأرسل إليه سمعان ألفى رجل منتخبين نجدة له فأبى أنطيوكس أن يقبلها ونقض كل ما كان عاهده به واتهم سمعان بالاستيلاء على أجزاء من مملكته مثل يافا وجازر وطالبه بألف قنطار فضة وإلا أتيناكم محاربين (1مك 31:15)

وفوض الملك قيادة الساحل إلى قندباوس وأمره أن يعسكر أمام اليهودية وأن يعيد بناء قدرون ويحصن أبوابها.

احدى وأربعون: قدرون

مدينة حصينة بين مودين ويبنه قام بتحصينها قندباوس بناء على أوامر أنطيوكس السابع ملك سوريا وذلك استعداداً لغزو اليهودية في أيام سمعان المكابي وكانت حصناً استراتيجياً يتحكم في عدة طرق إلى اليهودية. وإليها لجأ قندباوس بعد هزيمته أمام يوحنا ويهوذا ابنى سمعان المكابي (1مك 6:10-9) والأرجح أن موقعها الآن هو قرية ” قطرة ” القريبة من يبنه وأنها هي التى يطلق عليها حديروت (يش 26:15) على بعد نحو ثلاثة أميال إلى الجنوب الغربى من عقرون.

وفاة سمعان في دوق:

هو اسم حصن صغير بالقرب من أريحا على رأس جبل الأربعين المطل على أريحا بناه بطلماوس القائد الخائن وأنزل فيه سمعان الكاهن المكابي الأعظم وابنيه متتيا ويهوذا وهو يضمر لهم الغدر وصنع لهم مأدبة عظيمة وأخفى هناك رجالاً فلما سكر سمعان وبنوه قام بطلماوس ومن معه وأخذوا سلاحهم ووثبوا على سمعان في المأدبة وقتلوه وابنيه وبعضاً من غلمانه لأنه وضع في قلبه أن يستولى على البلاد وخلف يوحنا أباه بعد أن ثأر لمقتل والده وخلفه في قيادة الأمة اليهودية.

سفر مكابيين الأول – بحث شامل عن سفر مكابيين الأول وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

الفصل الثاني: نظرة عبر التاريخ

أولاً: العصر اليوناني

بينما كان الفرس يجدون صعوبة في إخضاع إمبراطوريتهم الممتدة، كان النفوذ اليوناني في تزايد مستمر على الرغم من محاولات الفرس الدائبة للتفريق بين مدن اليونان وإثارة إحداها ضد الأخرى، غير أن فيلبس المقدونى وهو غير يونانى بالطبع، استطاع توحيد تلك المدن وأصبح الخلف اليوناني (فيما عدا (إسبرطة) هو الأداة التى قضت على إمبراطورية فارس، غير أن فيلبس هذا قتل في السنة 336 ق. م.

وذلك قبل أن يتم تنفيذ مخططاته، ومن ثم تولى ابنه الاسكندر مكانه، وكان ذا شخصية عظيمة مهيبة، يقدر وجود قائد فاتح مثله على مدار التاريخ فقد تدرب على يد أرسطوطاليس وتمتع بأخلاق عالية دمثة، وكانت أولى أمنياته هي توحيد جميع البلاد تحت لواء الإمبراطورية اليونانية بحيث تكون لها لغة واحدة وعقيدة واحدة، كذلك توزع الثروات بالتساوى بين رعاياها ويقام فيها نظام قضائى عادل.

بدأ الاسكندر بعمل تحالف ما بين المقدونيين (وهو منهم) واليونانيين والذين سيعمل لأجلهم ويسمى باسمهم، حتى أنه لما قتل أهل طيبة الحامية المقدونية، أحرق الاسكندر مدينتهم وباع أهلها كعبيد، وكان ذلك بمثابة إنذار بأن التحالف بين المقدونيين واليونانيين يجب أن يُحترم. ثم بدأ زحفه بجيش صغير من المقدونيين يصحبهم بعض المؤرخين والجغرافيين وعلماء النبات، بعبور نهر الدردنيل وذلك يقارب صغير من نفس المكان الذي عبر منه احشويرش الملك ولكن من أعلى كوبرى منصوع بإتقان، واحتل طروداة فقدّم ذبائح لآلهة اليونان وأبطالهم، وبذلك أعلن عن البدء في حرب جديدة.

غير أن داريوس الثالث ملك الفرس لم يأخذ هذه الجملة مأخذ الجدّ بل أنه أمر بأسر الاسكندر وحمله إلى شوشن مرسلاً في ذلك جيشاً مكوناً من فرسان من الفرس وبصحبتهم مرتزقة يونانيين وقوات محلية لإعتقال الاسكندر، وتلاحم الجيشان عند نهر جرانيكوس وبينما توقع الفرس نصراً سهلاً إذ بهم ينهزمون بعد قتال شديد، ولم يهتم الاسكندر بضمّهم إلى صفوفه بل أمر بقتل المرتزقه اليونانيين لخيانتهم، وبذلك صار الطريق ممهداً أمام الاسكندر إلى أسيا الصغرى ففتح مدنها، بينما ظلت هاليكارناسيوس موالية لبلاد فارس، ولكن الاسكندر أحرقها أثناء حصارها.

ثم تحرك تجاه الشرق مجتاحاً تلك النواحى حيث لم يواجه مقاومة حقيقية حتى وصل إلى بوابات كليكية في إيموس حيث تقدم داريوس بجيشه الفارسى متصدّياً للإسكندر، غير أنه انهزم وأخذت منه دمشق عُنوةً، وأسرت عائلة دريوس مع شرفاء من اسبرطة وأثينا وطيبة، إضافة إلى كمية هائلة من الغنائم، ويقال أن الاسكندر دخل خباء داريوس فوجد زوجته وابنتاه وابنه، فطمأنهم جميعاً وأوصى بهم خيراً ومنع جنوده من المساس بهم، بل وأجزل لهم العطايا، بل إن المؤرخ بلوتارك يقول أن الاسكندر قد عاقب بعض جنوده بالموت لإساءتهم إلى نساء أعدائهم.

وخلال الفترة التى أخضع فيها الاسكندر جميع مدن فينيقية (عدا صور) عرض داريوس مرتين التفاوض مع الاسكندر، عارضاً عليه الهدايا والمقاطعات والمال الوفير والزواج من ابنته في مقابل عودة عائلته، غير أن الاسكندر لم يلتفت إلى هذا العرض، إذ قد سبق فأعدّ خطة لغزو العالم كله.

أما إخضاع صور فقد احتاج إلى سبعة أشهر في ملحمة بطولية ظهر فيها بأس الاسكندر وشجاعته ومثابرته وعدم بأسه، وهي وقعة كفيلة وحدها بتحديد معالم شخصية الاسكندر وعظمته، وتقدم مثلاً هاماً في المثابرة، ولعل أهم ما يميز هذه الحملة على صور: هو إقامته طريقاً في البحر يصل بين اليابسة والجزيرة المقامة المدينة عليها، وبسقوطها سقطت أهم مدينة بحرية لها الكثير من النقود على المنافذ البحرية والتجارية.

تلا ذلك حصار غزة ولمدة شهرين جُرح فيها الاسكندر واستبسل واليها، غير أن الاسكندر قد مثَل به بعد فتح المدينة، فقد سحله في شوارع المدينة وهو مربوط بحبل من عرقوبه، في حين كان الوالى نفيه فخوراً بذلك لتشبهه في ذلك ببعض الأبطال المشاهير!

ودخل الاسكندر إلى مصر والتى رحبت بمقدمة كمخلّص، ليس فقط بسبب كراهيتهم للفرس المحتلّين البلاد، وإنما بسبب ما صرًح به الكاهن المصرى في معبد آمون في مصر، إذ أنه ما أن دخل الإسكندر كعادته إلى الهيكل لتقديم الذبائح حتى أعلن أن الاسكندر هو ابن آمون وأنه سوف يغزو العالم!! هنا سُرَ الاسكندر بهذه النسبة (النسب) واعتبر نفسه فرعوناً شرعياً له هيكله في معبد الكرنك.

وبدأ في التركيز على نسبته (نسبة) إلى مصر، أكثر من نسبه إلى الإغريق، وابتعد عن الأيديولوجية اليونانية بعد أن كان مقتنعاً بطريقة الحياة اليونانية، ومن ثم أعاد التنظيم الإدارى لمصر معطياً للمصريين النصيب الأكبر في حرية إدارة بلادهم، على أن يظل للمقدونيين النفوذ العسكرى (أى أنهم يكونون مسئولين عن الجيش) وظلت مدينة الإسكندر هي الأثر العظيم الباقى الذي يدلّ على علاقة الاسكندر بمصر، فقد حلّت المدينة التى بُنيت على اسم الاسكندر (الإسكندرية) كميناء مركزى للتجارة في حوض البحر المتوسط، بديلاً لصور التى دُمرت في فينيقية، وشجع الاسكندر اليهود على السكنى فيها، حيث أصبح لوجودهم التأثير الهام على تاريخ اليهودية المسيحية.

وفى أورشليم اتجه الاسكندر عقب فتحه أياها إلى الهيكل، وهناك رحب به رئيس الكهنة وفتح له سفر دانيال وشرح له كيف أنه هو المقصود بالكبش ذى القرنين وفسر له النبوة، قسُرَ لذلك كثيراً ولما طلب أن يقام له تمثال من الذهب في الهيكل تذكاراً له يقوم هو بنفقاته، اعتذر رئيس الكهنة بعدم جواز ذلك، ونصحه في المقابل بتوجيه المال إلى إصلاح أحوال الكهنة والخدمة في الهيكل حيث سيكون له بذلك الذكر الأفضل فوافق مسروراً، وهكذا تُظهره التقاليد اليهودية كشخص ودون، فيما يتعلق بالصراع القائم ما بين اليهودية الأرثوذكسية والحضارة اليونانية.

في سنة 331 ق. م. اتجه الاسكندر شمالاً من خلال سورية وفلسطين حيث شعر أنه بإمكانه مواجهة جيوش الفرس في أرضيهم، وهزم الاسكندر بالفعل الجيش الكبير لداريوس في معركة جوجاميلا فيما بين النهرين، وبهزيمة داريوس لم يجد الاسكندر مانعاً أمامه فأستولى عندئذ على جميع مدن فارس، وعواصمها مثل بابل وشوشن وبرسابوليس وأكبتانا، وبالمثل فقد رحب به أهل البلاد، وجاء كهنة: مردوخ ” يقدمون الهدايا ومعهم أشراف المدينة ووعدوه بإعطائه جميع ثروات بابل، وصدر الأمر بتزيين الشوارع بالزهور وأن باتوا بالأكاليل ليرحبوا ب ” الملك العظيم ” وأحرق البخور على المذابح، ورتل المجوس، ولقاء ذلك أمر الاسكندر ببناء الهيكل الذي أهمل منذ أيام احشويرش، وبنى هيكل الإله مردوخ وهو أحد أمجاد بابل مرة أخرى.

وبعد عشرين يوماً من تركه اتجه الاسكندر إلى شوشن حيث كانت كنوز قصر الملك داريوس الأول في انتظاره، وبعد حصوله عليها اتجه نحو برسابوليس حيث كانت أغنى مدن العالم قاطبة، ولكنه وعلى غير عادته سلك هناك بوحشية، حيث ذبح جميع رجالها وسبى نساءها، وتصارع أتباعه على الغنائم، وفى سنة 330 ق. م. مات داريوس وأخذ الاسكندر لقب ملك الملوك أو الملك العظيم وكان نهب برسايوليس هو علامة سيادته التامة على مملكة فارس، وقد أرتدى الاسكندر في فارس الزى الفارسى وعاش مثل حياتهم وكان يحكمهم كأمير شرقى وقامت هناك مؤامرة ضده حيث أراد ابن ” برمنيون ” (أحد قواده) قتله والاستيلاء على الملك فقتل الاثنين.

وبعد بلاد فارس أتجه إلى المشرق حيث استغرقت الحرب ثلاث سنوات مريرة ليستولى على بكتريا وسجديانا (تركستان الحالية) وكعلامة على التسوية تزوج الاسكندر من الأكيرة روكسانا من بكتريا، وقد كان أقليم بونجات هو آخر الحدود التى وصل إليها الاسكندر حيث رفض الجيش التعمق أكثر من ذلك.

وكانت السنين الأخيرة للاسكندر مأساوية، فقد عاد مصف جيشه من الهند عن طريق البحر في اسطول حديث البناء، ونجح الاسطول في الرحيل من وحتى الخليج الفارسى بينما رحل باقى الجيش عن طريق البر، فلمّا عاد هو إلى شوشن سنة 324 ق. م. وجد الفوضى تدب هناك، حيث تذمّر الحكام الذين تركهم، على حكمه، وثارت فضيحة عندما علموا أنه قتل المؤرخ كالسيتينوس ابن أخيه نبفيو كما تذمّر اليونانيون من الاسكندر وأوامره، لا سيما عندما شعروا أن الاسكندر يريدهم أن يعاملونه كإله، واختلطوا بالفرس واتخذوا لأنفسهم منهم زوجات، ولما رتب أن يقوم برحلة بحرية حول الجزيرة العربية سنة 323 ق. م. مات في الطريق أثر حمى (ويقال أنه مات مسموماً) وكان ذلك في 21 إبريل من نفس العام ولم يكن قد تجاوز عامة الثالث والثلاثين، بينما روكسانا زوجته قد ولدت له ابنه الوحيد.

في هذا الزمن القصير والى لم يتخطّى أحد عشر عاماً هي مدة ملكه، استولى الاسكندر على ما لم يستطيع أحد من قبله الاستيلاء عليه من البلاد والحصون، ولم يجد متسعاً من الوقت لتحقيق امنيته في خلق إمبراطورية متماسكة، ولكن هذه السنوات منذ عبوره الدردنيل وحتى موته، وقد غيرت مجرى التاريخ وخلفت الحضارة الإغريقية، ويقال أن فليمون وزيره أخفى خبر موته عن الناس ووضعه في تابوت من الذهب وغطاه بالعسل (حسب رواية يوسيفوس) وعند مجيئه إلى الاسكندرية كشف للناس الخبر، ووضع التابوت أمامهم ثم أشار إلى الحكماء والفلاسفة وأصدقاء الاسكندر، لكي يقول كل منهم كلمة في رثائه وتأبينه، ويقال أن وصوله إلى الإسكندرية كان بعد سنتين من موته وذلك بسبب الخلافات بين القادة وترتيب جنازته.

 

ثانياً: فلسطين تحت حكم خلفاء الاسكندر

لم يترك الاسكندر خليفة من نسله سوى الابن الذي انجبته له اروكسانا زوجته التى من بكتريا، وكان ما يزال طفلاً ويروى سفرى المكابيين الأول أن الاسكندر عندما شعر بدنو أجله قسم المملكة بين أربعة من قواده الأشرار ” فدعا أشراف ضباطه الذين تربوا معه منذ الصبا، وكان الاسكندر قد ملك اثنتى عشر سنة حين مات فتولى ضباطه المُلك كل واحد في منطقته، ولبس كل منهم التاج بعد وفاته، وكذلك بنوهم من بعدهم سنين كثيرة فأكثروا من الشرور في الأرض ” (1 مكا 6:1-9) ويفيد التاريخ المدنى بأنه بعد صراع طويل استمر لسبع سنوات ظهرر هؤلاء الأربعة البارزين وهم انتيجونوس وهو الذي اخضع الأراضى الواقعة بين البحر المتوسط وحتى وسط آسيا الصغرى، ثم كاسندر والذي كان يحكم مقدونية، ثم بطليموس لاجى والذي حكم مصر وسورية الجنوبية، ثم ليسياخوس حاكم ثراكية.

وكان سلوقس والذي لعب دوراً بارزاً في الأحداث التى جرت في فلسطين في الفترة التالية لذلك، هو أحد قواد بطليموس، وبينما مثل البطالمة البطالسة) في مصر: ” بطليموس ” فقد مثََّل سلوقس عائلة السلوقيين في سورية، وقد ظل أثناهما يتنازعان الحكم، حيث قام بطليموس بعدة هجمات ضد منطقة جنوب سورية للاستيلاء على فلسطين، بينما حاول سلوقس في المقابل غزو الجنوب للفوز بفلسطين أيضاً، وفى سفر دانيال نجد نبوة عن قيام الملوك الأربعة والصراع المستمر بينهم هكذا: ” ويقوم ملك جبار متسلط تسلطاً عظيماً ويفعل حسب إرادته، وكقيامه تنكسر مملكته وتنقسم إلى رياح السماء الأربع ولا لعقبه ولا حسب سلطانه الذي تسلط به لأن مملكته تنقرض وتكون لآخرين غير أولئك ” (دانيال 3:11 -4).

ويعود سفر دانيال ليؤكد ويشير إلى نهاية مملكة الإسكندر وقيام الرومان: ” فرفعت عينى ورأيت وإذ بكبش وقف عند النهر وله قرنان والقرنان عاليان والواحد أعلى من الآخر والأعلى طالع أخيراً، رأيت الكبش ينطح غرباً وشمالاً وجنوباً فلم يقف حديوان قدامه ولا منقذ من يده وفعل كمرضاته وعظم، وبينما كنت متأملاً إذ بتيس من المعز جاء من المغرب على وجه كل الأرض ولم يمس الأرض وللتيس قرن معتبر بين عينيه وجاء إلى الكيش صاحب القرنين الذي رأيته واقفاً عند النهر وركض إليه بشدة قوته ورأيته في وصل إلى جانب الكيش فاستشاط عليه وضرب الكبش وكسر قرنيه فلم تكن للكبش قوة على الوقوف أمامه وطرحه على الأرض وداسه ولم يكن للكبش منقذ من يده ” (دا 3:8-7).

ويروى كل من المؤرخين ” أريان ” و” كينتوس كورس “: أن الاسكندر جعل الخلافة للأرشاد منهم، وروى ” ديودورس الصقلى ” و” يوسنينوس ” أنه دفع بخالفه إلى ” يرديكاس ” وأنه بعد وفاة الاسكندر وبينما كان القواد مجتمعين ليحدّدوا من يخلفه، دخل برديكاس عليهم وبيده خاتم الملك ووضعه على العرش المنصوب في ردهة الاجتماع وكانت روكسانا زوجة الاسكندر حبُلى في الشهر الثامن، في حين كانت برسين زوجته الأخرى قد ولدت ابناً أسمته ” هرقل ” ولكن الخلاف اشتد بين الجميع على النحو التالى:

قد طلب الجميع أن يختاروا ملكاً يمتثل له الجميع إلى أن تلد روكسانا، وكان برديكاس يأمل أن يفوز بالملُك، ولكن ” تبارك ” (زوج أخت برسين) اعترضه، ورأى الحضور أن يكون ” هرقل ” الطفل هو الملك الخليفة، ولكن بطليموس اعترض ورفض أن يخضع المقدونيين لأى من الابنين سواء أكان ابن برسين أو ابن روكسانا الذي لم يولد بعد، بل رأى أن يبقى العرش خالياً وأن يُعهد بالولاية إلى من كانوا مشيرى الملك، فاستحسن وجهاء الدولة الرأى، غير أن الجنود استاؤوا من ذلك ورأوا أن يًعهد بتدبير المملكة إلى برديكاس وإلى ” ليوناس ” في آسيا، وإلى ” انتيباتر وكراتر ” في أوروبا، وذلك حتى تلد روكسانا ابناً، وكان القائد، ملياكر ” عدواً ليرديكاس فأثار الجنود ضد الفرسان.

الموالين لبرديكاس، ورشح لهم ” أريداى أخ الاسكندر لأبيه لخلوّه من الدم البريرى فأختاروه رغم عدم أهليته للحكم، فلما شرعوا في توليته اعترض وجهاء الدولة، ولكن الجنود نصبوه بالقوة، فدارت حينئذ معركة بين الفريقين وكان من الضرورى حلَ النزاع، واتفق كل من الجنود والفرسان على أن يتقام كل من ” أريداى ” و” ابن روكسانا ” (إن ولدت ذكراً) المُلك، بينما يحكم انتيباتر في أوروبا، وفى حين يدير ” كراتر ” الأمور بأمر أريداى وأمّا برديكاس فليكن في منزلة الوزير الأول، وأما ” مليكار ” فيعمل كنائب له

ولدت ركسانا إبنا أسموه الاسكندر، وأقروا له بالملك مع أريداى، ولم يكن لكليهما إلا اسم ملك، إذ كان الأول طفلاً بينما كان الثاني غير كفء، وكانت الإدارة الفعلية لكبراء الدولة على النحو التالى:

  • ليسيماهوس: ثراكية وما حولها.
  • انتيباتر وكراتر: مقدونية وبلاد اليونان.
  • بطليموس: مصر وما فتحه الاسكندر في أفريقيا.
  • لاوميدون: سورية وفينيقية.

وأما بقية مدن آسيا فقد تُرك عليها الولاة الذين سبق فعينهم الاسكندر وكان سلوقس بن انطيوخس رئيساً على الفرسان المتحدين، وللاسكندر بن انتيباتر الرئاسة على فرق الجيش، وأما برديكاس فأتخذ قيادة الجيش في آسيا، إضافة إلى الوصاية على الملكين والسلطان المطلق بحجة الخاتم الذي تركه الإسكندر معه.

وقامت منازعات وحروب متواصلة بين جميع أولئك القادة والولاة، حيث رغب كل منهم في الاستقلال وتسمية نفسه ملكاً، بل أن روكسانا نفسها قامت بقتل ضرَتها ساتيرا امرأة الاسكندر وابنة داريوس ملك الفرس، كما قتلت كذلك أختها دريباتيس أرملة أفستيون.

وهنا تسلط الضوء على الوضع في تلك الأيام وما جرى فيها من الصراع الذي نشب في المنطقة قبل ظهور المكابيين، حيث كانت فلسطين بحسب موقعها هدفاً لكل من أراد أن يحمل على الآخر سواء سورية وبابل في الشمال أو مصر وأفريقيا في الجنوب.

لقد تحالف ” برديكاس ” و” أدمان ” وإلى الكبادوك لمحاربة كل من بطليموس وإلى مصر وكراتر وانتيباتر وإلى مقدونية وانتيكون وإلى بمفيلية وفريجيا، ولكن برديكاس قُتل غيلة على يد بعض جنوده بعد أن هزم بطليموس سنة 321 ق. م. فأقيم انتيباتر مكانه وقام كذلك انتيكون (انتيغونوس) قائداً للجيش في آسيا وأوصياه بملاحقة أدمان حليف برديكاس، فاتصلت لذلك الحروب بينهما، أُسر على أثرها أدمان وقام انتيفونوس بقتله سنة 315 ق. م. فاهتز من ثم وضعف ركناً من أركان الأسرة الملكية.

ثم ما لبث أن مات انتيباتر سنة 313 ق. م. وبينما كان يحتضر أوصى بالملك ل ” يوليسبركون ” والولاية كذلك على مقدونية مفضلاً أياه على ابنه لما فيه خير المملكة، كما أوصى أن يكون ابنه نائباً له، فاستعان ب أوليمبيا ابنه الاسكندر الأكبر فأصبحت من ثم مقاليد الأمور في يدها، عند ذلك قامت بقتل ” أريداى ” الملك سنة 317 ق. م. بعد ست سنوات وأربعة أشهر قضاها في ملك ” شكلى، ثم ما لبثت أن قتلت زوجته ثم أحد أبناء انتيباتر ثم مئة من رجال إسكندر بن انتيباتر!!

عند ذلك قام الاسكندر هذا متجهاً إلى مقدونية قاصداً الانتقام من أولمبيا، فتحصنت في قلعة ولكن الجنود انحازوا إلى عدوها، غير أنهم استحو من قتلها بعد خروجها كأمر الاسكندر، وعندئذ أرسل الاسكندر إليها بعض من أقارب من قتلتهم فقتلوها، وكان ذلك في سنة 316 ق. م. وأراد أيضاً قتل روكسانا وولدها واللذين كانا متحصَنين معها ولكنه لم يستطع.

ثم تزوج الاسكندر من ” تسالونيس ” أخت الاسكندر الأكبر رغبة منه في الحصول على تأييد الأكبرين طمعاً في الملك بعد ذلك. واستعجل أمره في مقدونية وبلاد اليونان، بينما اشتدت شوكة انتيغونوس في آسيا، وفرَ سلوقس والى بابل من قدامه إلى بطليموس في مصر بينما كان الاسكندر باكوس وابن روكسانا أسيرين في مقدونية.

وفى سنة 315 ق. م. تحالف بطليموس وكاسندر وإلى مقدونية وليسيماخوس والى ثراكية لمهاجمة انتيغونوس الذي اشتاق إلى أن يصبح مثل الاسكندر الأكبر، فطلب بطليموس من أنتيغونوس أن يتخلى عن جزء من البلاد الأسيوية التى أخضعها، وطلب سلوقس أن يأخذ بابل التى طُرد منها قبلاً، وعندما لم يلتفت انتيغونوس إلى مطالب بطليموس، اشتعلت الحرب بينهما واراد انتيغونوس الاستعانة باليونان وبعض القبائل واشترى كذلك أسلحة ولكنه لم ينجح وهُزم من قبل بطليموس وسلوقس، وكان ديمتريوس بن انتيغونوس هو قائد الجيش، وقد جرت هذه الواقعة في حرب بحرية في غزة سنة 312 ق. م. وتقدّم المنتصرون أكثر وأخذوا المدن السورية الهامة ومنها صيدون.

وفى المقابل ينقل يوسيفوس عن المؤرخ ” أجاثا ركيديل ” وصفه لغزو بطليموس لأورشليم فيقول: ” أن الشعب بينما كان يصلى في السبت دخل ” بطليموس لأجوس ” إلى المدينة وأخذها، وبذلك ظهر لدى اليهود ” عيباً خطيراً ” في السبت، فاتفقوا من ثم على جواز الحرب في السبت متى كانت دفاعاً عن النفس. وهو ما أكده بعد ذلك المكابيين، بعدما هاجمهم السلوقيين وقتلوا منهم ألفى نفس.

ويرد في رسالة أرستياس عن بطليموس: “… لقد غمر جوف سورية وفينيقية بكاملها ليجرب بسالتها، فقتل البعض وأُسر الآخر وأذل الكل واخضعهم، لقد نقل إلى مصر مئة ألف شخص من اليهود إلى مصر، وجند منهم ثلاثين الفا من رجال البأس وأعطاهم السلاح ووضعهم في حصون في مصر ” وتدل الحفائر والكتابات والرديات المصرية على وجود أعداد كبيرة من اليهود في مصر بالطلمية، بعض من هؤلاء قد حاربوا سابقاً ومن المحتمل أن يكون ” يطليموس لآجوس ” في أتى بالكثير منهم.

في سنة 314 ق. م. حقق انتيغونوس بعض النصر عندما فتح صور بعد حصارها خمسة عشر شهراً، وفى سنة 313 ق. م. كانت لهم حروب في بلاد اليونان ولكنها لم تكن حروباً فاصلة، غير أنه في سنة 312 ق. م. عهد انتيغونوس إلى ديمتريوس أبنه أن يمنع المصريين من دخول سورية، ولكن بطليموس ومعه سلوقس كسرا جيشه عند غزة فتقهقر إلى أشدود ومنها إلى طرابلس، ومن ثم أسرع سلوقس إلى ولايته في بابل والتى كان قد طرد منها قبلاً، فلما سمع انتيغونوس بانكسار جيش ابنه هبَ لنجدته بجيش كبير فانسحب بطليموس إلى مصر وهكذا استمرت سورية في حوذة انتيغونوس، واستمرت هذه المناوشات مدة أربعة سنوات جون حسم ومن ثم عقد الطرفان صلحاً سنة 311 ق. م. بشرط أن يبقى حكم مقدونية ل كاسندر حتى يبلغ اسكندر اكوس ابن الاسكندر الأكبر رشده، وأن يستمر انتيغونوس على مصر وما يليها مع قبرص ورودس، أما سلوقس فلم يرد ذكره لأنه كان يظن أنه منهزم مع أنه كان قد عاد إلى بابل، وقبله أهلها بأحتفال كبير وأنضم إليه كثيرون فاستفحل مرة في بابل وشرقى الفرات.

من هنا أو من سنة تولَية الحكم ثانية في بابل يبدأ تاريخ السلوقيين والذي يسميه البعض تاريخ الاسكنر وكان المسيحيين وغيرهم يؤرخون به ويسمى في سفرى المكابيين تاريخ دولة اليونان، حيث تبتدى السنة الأولى في خريف سنة 312 وانتهى في الخريف سنة 311، وأما اليهود فيحسبون السنة الأولى باعتبارها تبدأ في الربيع سنة 312 وتنتهى في ربيع سنة 311 ق. م ولكن يعوّل في التاريخ بالأكثر من الحساب الأول.

 

ثالثاً: خلفاء الاسكندر

المؤثرات والاقتتال بين خلفاء الاسكندر:

ولكن الهدنة والاتفاق لم ينه المطامع على أية حال، وكان الضحايا الأولى في ذلك هم: من بقى من أسرة الاسكندر الأكبر، فقد قتل كاسندر اسكندر أكوس وأمه روكسانا بالسيف وربمكا بالسم، وذلك بالرغم من الاتفاق المبروم بين الأطراف، ولم يبق من نسل الاسكندر الأكبر، إلا هرقل ابنه وأمه برسين زوجة الاسكندر، ولكن كاسندر قتلهما أيضاً / وذلك عن طريق ” يوليسيركاون ” نفسه سنة 309 ق. م ما قتل انتيغونوس كليوباترا أخت الاسكندر أرملة ملك ” الإبير “، فقد استدعاها بطليموس ليتزوجها ظاناً بذلك أنه يزيد من مؤديه، ولكن انتيغونوس قتلها سراً سنة 308 ق. م وهكذا لم تدم الهدنة سوى مدة قصيرة، إذ عاد الجميع إلى الاقتتال، فقد حاصر جيمتريوس ابن انتيغونوس اثينا وفتحها، وأقام فيها حكومة جمهورية، وأعد اسطوله لمحاربة بطليموس فانتصر عليه في موقعة حربية أخذ بها سلامينا، ومن ثم سمى نفسه ملكاً وكذلك سمى إبنه ديمتريوس، فقلده بقية الولاة في الجهات الأخرى، فقد سمى بطليموس نفسه ملكاً على مصر، كذلك ليسيماخوس في ثراكية وكاسندر في مقدونية وأخيراً تحالف كاسندر وبطليموس وليسيماخوس وسلوقس، ضد انتيغونوس في سنة 302 ق. م فدارات معركة فاصلة بينهم سنة 301 حيث قتل فيها ديمتريوس، واقتسم الملك المملكية:

1 وأخذ ليسيماخوس آسيا الصغرى وحتى جبال طوروس مضافة إلى ثراكية.

2 وأما سلوقس فأخذ سورية الشمالية وما بين النهرين وما في شرقيها حتى الهند.

3 وأخذ بطليموس اليهودية وفينيقية أى سورية الجنوبية حتى عكا إلى مصر وما يليها

4 وبقى كسندر في مملكته إضافة إلى ما يسترده من بلاد اليونان، ثم أخذ صقلية لأخيه.

 

وأصبحت الممالك أربعة كما تنبأ عنها دانيال النبى:

ورأى بطليموس أن ضمّ اليهودية إلى ولايته سوف يقى مصر الكثير من المخاطر فأرسل نكانور إلى سورية بجيشين برى وبحرى، فهزم ” لاوميدون ” وأخذه أسيراً وفتح المدن الساحلية، وأصبحت سورية تحت سلطانة ولم يتحرك بقية الولاة تجاه ذلك، ولما حاول اليهود مقاومة بطليموس تعاطف مع ولاميدون هاجمهم بطليموس وحاصرهم طيولاً ولكنه مع ذلك لم يفلح في فتح أورشليم ولما علم بموضوع السبت من حيث امتناع اليهود عن الحرب فيه، حاربهم وانتصر عليهم وعند ذلك هادنه اليهود واخلصوا له.

 

رابعاً: تاريخ البطالمة:

حين أراد انتيغونوس أن يهاجم مصر بعد تراجع بطليموس عن حرب قبرص، حشد مائتى ألف جندى، وأراد أن يباغته من جهة إحدى روافد النيل، ولكن العواصف أخذت بسفنه وجنوده، وأذاع بطليموس بين جنود أنتيغونوس أن الجندى الذي يلجأ إليه فسوف ينال ” مئة منا ” والضابط ” وزنة ” واحدة تساوى أربعة أضعاف ما يناله الجندى العادى، وعندئذ تبعه كثيرون حباً به، فيئس انتيغونوس لا سيما وقد تفشّى المرض بين جنوده، واحتاج إلى المؤمن فعاد يائساً كئيباً إلى بلاده، وخسر كثيراً من جنوده وسفنه، يقول بطليموس الفلكى أن بطليموس الملك جعل ذلك اليوم وهو اليوم السابع من تشرين الثاني سنة 305 بدءا للتاريخ البطلمى أو (البطلسى) وهي السنة التاسعة عشر لوفاة الإسكندر.

وكانت سورية الشمالية من نصيب سلوقس، وأما فلسطين وحتى عكا وجوف سورية فكانت تحت ولاية بطليموس، وكانت مملكة سلوقس فسيحة تشمل سورية كما سبق وبلاد ما بين النهرين ومملكة الفرس وحتى الهند، وسميت مملكة سورية، لأن سلوس بني أنطاكية وأقام بها هو وخلفاؤه السلوقيون، وسمى المدينة انطاكية نسبة إلى أبيه (وربما إلى ابنه) ” انطيوكس ” والتى تكتب كثيراً ” انطيوخس ” وكانت عاصمة الشرق في ذلك الوقت سواء بالنسبة للسلوقيين والقياصرة الرومان، وكان انتيغونوس قد بني على مقربة منها مدينة أسماها انتيكونية أو ” انتيجونية ” غير أن سلوكس هدمها ليبنى مكانها مدينة سماها باسمه: سلوقية.

 

خامساً: الحالة الدينية لليهود في تلك الفترة

عاش اليهود في سلام إبان الفترة التى سبقت حكم انطيوخس أبيفانيوس، فقد كان رؤساء الكهنة يدبرون الأمور الداخلية للبلاد، وتزايدت سلطتهم فكان رئيس الكهنة هو زعيم الأمة السياسى مثلما هو وزعيمها الدينى فقد خوله حكام مصر وسورية (بحسب انتماء فلسطين للحكم البطلمى أو السلوقس) حتى لقد صار رئيس الكهنة بالنسبة لليهود يمثل ملوكهم القدماء، وأصبح هو المرجع الرئيسى فيما يتعلق بمصالح الوطن وضماناً لسلامه ولولا انحرافهم لاستمروا طيولاً يعملون لخير بلادهم.

ومن أبرز الشخصيات الدينية البارزة في ذلك العصر هو سمعان البار والذي مدحه يشوع بن سيراخ كثيراً، حيث يرجع إليه الفضل في بناء أسوار أورشليم التى هدمها بطليموس الأول ويقال أنه رمم وأصلح الهيكل وقاد أعمال اكتشاف مستودع مياه كبير كان يمد أورشليم بالمياه، لا سيما في أيام أنقطاع المياه أو حصار المدينة. وبالإضافة إلى منصبه كرئيس للكهنة كان سمعان هو المعلم الأول للشعب، وكان القائل بأن العالم يرتكز على ثلاث دعامات وهى: ” الناموس والخدمة المقدسة والصدفة “. ولكن سمعان الكبير هذا يحيط به الكثير من اللبس، فقد كان يحيا في أواسط القرن الثالث قبل الميلاد، بينما عاش آخر يدعى سمعان الثاني سنة 200 ق. م. ولا يعرف أى من هذين الاثنين هو سمعان البار، ولكن الأثنان ينتميان إلى حونيا الأول رئيس الكهنة.

وكان بيت حونيا (عائلة حونيا) في تنافس مستمر يصل إلى الصراع مع جماعة تسمى: حزب طوبيا، فقد كان الأخير موالياً لمصر وكان يمثل الطبقة الثرية بين المجتمع اليهودى، وكان للطوبيين صلة القرابة بحزب ” طوبيا العمونى ” الذي سبَب المتاعب لتحميا. ويرد في بردية من عصر بطليموس الثاني، ذكر لرجل يهودى يدعى طوبيا وكان قائد فرسان في جيش البطالمة الموجود في ” عمون ” شرق الأردن. وفى ” عرق الأمير ” بالأردن اكتشف مدفن كبير يرجع إلى القرن الثالث ق. م. مكتوباً عليه بالأرامية ” طوبيا “.

ويُظن أن أتباع طوبيا العمونيين كانوا من حباة الضرائب يقومون بنفس العمل الذي قام به العشارون بعد ذلك في زمن العهد الجديد، وظل الصراع قائماً بين الحزبين (بيت طوبيا وبيت حونيا) حتى تصاهرا، غير أن التنافس على السلطان السياسى والمدنى ظل قائماً حتى ملك انطيوخس أبيقانيوس حين أصبحت عائلة طوبيا هي المسئولة. ويروى يوسيفوس أن حونيا الثاني رفض دفع عشرون وزنة من الفضة لبطليموس الرابع، وكانت فيما يبدو عبارة عن الجزية المفروضة على رؤساء الكهنة، وكان يرفض الدفع كمن يتنكر لبطليموس، وبذلك نجح ” يوسف ” وهو من بيت طوبيا في الحصول على منصب جابى الضرائب في كل فلسطين. وكان على جابى الضرائب الحصول بشكل دورى على تصريح لمواصلة مهنته، وكان المنصب له نفوذه، هذا واستمر يوسف فيه عشرون عاماً أثناء حكم البطالسة ثم تحت الحكم السلوقي بعد غزو أنطيوخس الثالث لفلسطين.

وبذلك وبهذه الوسيلة بدأ منصب رئيس الكهنة يباع!، فحين غضب أنطيوخس أبيفانيوس من ” حونيا ” لأنه طرد حزب طوبيا من المدينة، عّين ياسون رئيساً للكهنة برشوة كبيرة ولكنه سرعان ما استطاع شخص يدعى ” منلاوس ” سلبه المنصب عن طريق رشوة أكبر أعطاها لأنطيوخس، فصار واحداً من أتباعه الأذلاء المتزلفين.

وفى السنوات التى تلت موت سلوقس وتولّى انطيوخس ابنه مكانه، وكانت هناك ثلاث قوى عظمى في مملكة الاسكندر الأكبر، وهي ” بطالمة مصر، والسلوقيين في سورية وعائلة انتيغون في مقدونية، وكان هناك صراع مستمر على السلطة بينها، وفى القرن الثالث قبل الميلاد، كان الصراع بين قوانين السلوقيين والأنتيغونييون من جهة البطالمة من جهة أخرى، ففى سنة 275 ق. م. احتل بطليموس سورية ولكنه صُدّ أولاً من قبل القوات السورية، غير أن قوته البحرية أطالت أمد المعركة، والتى انتهت دون أن تحسم وأن كانت قد انتهت بسلام بين الطرفين في سنة 272/271 ق. م. ولكن المنازعات عادت من جديد في عهد أنطيوخس الثاني ولم تحسم أيضاً، بل عقدت معاهدة سلام بين القوتين بسبب زواج برنيس ابنه بطليموس من أنطيوخس هذا.

وفى سنة 246 مات أنطيوخس وخلفه سلوقس الثاني، وفى السنة التالية مات بطليموس الثاني وخلفه بطليموس الثالث يورجيتيس، واندلعت الحرب بين السلوقيين والبطالمة عندما عُلم أن برنيس وطفلها قد قُتلا في مؤامرة دبرتها ” لاوديس ” (الأخت غير لشقيقة لأنطيوخس) حتى تضمن أن يعتلى ابنها هي عرش سورية لا ابن برنيس، مما أوغز صدر البطالمة إذ شعروا بالإهانة لقتل ابنه بطليموس، وثارت بسبب ذلك حرب لاودكية، حيث خضعت سورية تماماً للبطالمة.

وساد سلام منذ سنة 240 ق. م. إلى أن مات بطليموس الثالث سنة 221 وخلفه ابنه بطليموس الرابع المعروف ب فيلوباتير.

 

سادساً: اليهود تحت الحكم السلوقي

انطيوخس الثالث وعزو فلسطين:

كان أنطيوخس الثالث يبلغ من العمر ثمانى عشر عاماً حين أعتلى عرش سورية، وذلك في سنة 223 ق. م. كما كان يعمل كحكام لبابل تحت إرشاد أخيه سلوقس الثالث، وبعد إخماد إحدى الثورات في الأجزاء الشرقية من الإمبراطورية حاول أنطيوخس أن يغزو ” جوف سورية ” في صيف سنة 221 ق. م. فقد وصل في زحفه حتى حامية وأدى مارسياس في لبنان، غير أن ” ثيؤجوتس ” قائد القوات المصرية في سورية أجبره على الانسحاب.

ثم قام بمحاولة أخرى سنة 219 وكانت الحملة هذه المرة أكثر نجاحاً، فسقطت سلوقية التى في ” بيرية ” في يد أنطيوخس، وبذلك تحول ولاء ثيؤودتس المصرى إلى أنطيوخس بدلاً من ولائه لبطليموس فيلوباتير، وأعطى مدن بتولمايس (عكا) وصور إلى أهل سورية، ولكن ” نيقولاوس ” أخد القادة وصلت إليه أخبار وجود جيوش مصرية قوية في انتظاره عند بيلزيوم وافق أنطيوخس على الهدنة، وانسحب من ثمّ إلى سلوقية تاركاً الإقليم الذي استولى عليه ل ثيؤدوتس، وأعاد ” سوسابيوس ” تكوين جيشه لدخول معركة حاسمة.

وفى سنة 218 ق. م. قاد ” نيقولاوس ” الجيش المصرى إلى لبنان لمواجهة السوريين، وكتب ذلك المؤرخ بوليبيوس المواجهة قائلاً: ” عندما أجبر ثيؤدتس الأعداء على ارتداد إلى أسفل الجبل ليقابلهم من مكان أعلى، استدار الذين مع نيكولاس وفرّوا هاربين وقتل ما يقرب من ألفين أثناء المعركة وأسر كذلك عدد لا يقل عن ذلك، بينما انسحب الباقون حتى صيدون.

وطرد أنطيوخس الجيش المُنهزم حتى شاطئ فينيقية تاركاً نيكولاس في صيدون، بينما استولى انطيوخس على صور وعكا، ثم توغل حتى أتى إلى طبرية على بحر الجليل وعبر الأردن وأخذ مدن ” عبر الأردن ” القوية والتى تشمل: جادارا وفيلادلفيا ورباث آمون ثم عاد في الشتاء إلى عكا.

في ربيع سنة 217 ق. م. واصل أنطيوخس غزواته فاحتل فلسطين، شاملة غزوة، قبل أن يصل إلى رفح، ولعله إلى ذلك أشار جانيال النبى ” وبنوه يتهيّجون فيجمعون جمهور جيوش عظيمة ويأتى آت ويغمر ويطمو ويرجع ويحارب حتى إلى حصنه، ويغتاظ ملك الجنوب ويخرج ويحاربه أى ملك الشمال ويقيم جمهوراً فيسلم الجمهور في يده، فإذا رُفع الجمهور يرتفع قلبه ويطرح ربوات ولا يعثر ” (دانيال 11:10-12).

وتقابل الجيش المصرى بقيادة بطليموس فيلوماتير شخصياً 203 ق. م. مع الجيش السورى وذلك جنوب ” رفح ” حيث مُنيت جيوش أنطيوخس بهزيمة منكرة، ويذكر بوليبيوس أن بطليموس بقى ثلاثة أشهر في سورية وفينيقية يعدّ العدة في المدن، ويذكر سفرى المكابيين الثالث (وهو سفر غير قانونى) كيف زار بطليموس مدن سورية بعد انتصاره في رفح، واستعاد البطالمة السيطرة على كل سورية وفينيقية فلسطين.

وكان الزاماً على اليهود والحال هكذا، وأن يرسلوا كبار قومهم ليقدّموا له التهنئة بانتصاراته، أما بطليموس فقد أصرّ على الدخول إلى قدس الأقداس ولكنه أرتدّ من أمام الموضع مختاراً مرعوباً (راجع 3مكا 9:1-11، 24).

 

كيف حُفظت أورشليم خلال تلك الحروب؟

إلى المعركة السابق ذكرها أشار سفر زكريا (1:9-8 و1:11-3) حيث يشير إلى سقوط حدراخ على حدود دمشق وصور وصيدون ووقوع قلعة صور وانكسار أشقالون ولا سيما عندما يذكر انهزام غزة وعقرون وأشدود في فلسطين، ثم لبنان شمالاً ويضيف النبى تلميحاً جدير بالذكر والإعجاب وهو كيف أن الله نفسه حلَ حول بيته (أورشليم) وأنقذه من كافة المعارك وكافة الغزوات المتتالية (زكريا 8:9). كما يُفهم من هذه النبوة كيف كان الله قد بدأ يمهد السبيل ليخضع لنفسه صور وصيدا، وكافة هذه البلاد لنؤمن به حيث كان انكسارها تمهيداً لتطهيرها (4:9) ثم يزداد الأمر وضوحاً عندما يقول ” وانزع دماءها من فمها ورجسها من بين أسنانها فتصير هي أيضاً لالهنا وتكون كعشيرة في يهوذا وعقرون كيبوسى (الذين تهوّدوا سابقاً) راجع (زكريا 7:9 حسب الترجمة الإنجليزية المصححة).

كما تشير النبوة إلى إذلال هذه البلاد الفلسطينية التى على الساحل، والتى اذلت إسرائيل أكثر من ألف سنة ولم تخضع لها خضوعاً تاماً، ولكن الإذلال هنا يتم عن طريق القضاء على تعصّبها العرقى والعنصرى وذلك بإدخال أعراق وسلالات أخرى في تصميم عرقها، يتضح ذلك من ملابسات غزو المصريين ثم اليونانيين ثم السوريين لهذه البلاد وإقامتهم فيها.

أنطيوخس يمضى في طريقه لاحتلال سورية:

ولسنوات شغل أنطيوخس في الشرق لكنه لم يتخلَّ مطلقاً عن رغبته وخططه لضمّ جوف سورية ” إلى نفوذه وعند موت بطليموس الرابع فيلوباتير عام 203 ق. م. كانت مصر ممزقة بين الاضطرابات والتمرد، وفى ربيع عام 202 ق. م. قام أنطيوخس بجملة عسكرية لم تسفر عن نجاح يذكر، ولكنه أعاد الكرة في الربيع التالى ودار القتال بشدة في المدن الفلسطينية شاملة غزوة، وأستطاع ” سكوباس ” القائد المصرى أن يرد السوريين حتى عبر الأردن وذلك في شتاء 201/200 ق. م. إلى ذلك يشير دانيال النبى ” فيأتى ملك الشمال ويقيم مدرسة ويأخذ المدينة الحصينة فلا تقوم أمامه ذراعاً الجنوب ولا قومه المنتخب ولا تكون له قوة للمقاومة، والآتى عليه يفعل كإرادته وليس من يقف أمامه ويقوم في الأرض البهية وهي بالتمام، بيده ” (دا 15:11-16) فإن السوريين قد حققوا نصراً حاسماً في معركة بانيون وارتدّ سكوباس المصرى إلى صيدون حيث حوصر من البر والبحر.

وفى ربيع سنة 198 ق. م. أُجبر سكوباس هذا على الاستسلام ليترك كل سورية في يد أنطيوخس، إضافة إلى مقاطعاته الجديدة، وأتى انطيوخس إلى أورشليم، وحسب قول يوسيفوس فإن سكانها قد رحبوا به ترحيباً حاراً وربما أمدوّه ببعض ما يحتاج إليه.

 

معركة مقنيسيا وهزيمة أنطيوخس:

عندما انهزم هانيبال القرطاجى على يد الرومان في ” زاما ” سنة 202 ق. م. أنتهت بذلك الحرب القرطاجية الثانية، فقد تقهقر شرقاً ليحصل على الملاذ والمؤونة من أنطيوخس، غير أنه شجع أنطيوخس على غزو اليونان ليسبب أضطراباً في روما، وأعلنت الحرب وتحركت القوات الرومانية إلى اليونان وهزمت أنطبوخس وأجبرته على التقهقر إلى آسيا الصغرى، وهناك عند ” مغنيسيا ” بين ساردس وسميرنا: هُزم أنطيوخس على يد القائد الرومانى ” كورنيليوس سكيبيو ” في سنة 190 ق. م. وأجبر على دفع تعويض هائل مقابل الهدنة، فقد أخذ الابن الأصغر لأنطيوخس إلى روما رهينة لدفع الفدية، حيث مكث هناك أثنتى عشر سنة تعلم فيها كيف يخدم القوة الرومانية وكيف يحقق الأهداف.

في سنة 200 ق. م. قامت ثورات ليديا وفريجية بآسيا الصغرى، وقد أمر أنطيوخس الثالث القائد ” ريؤكسيس ” بنقل العديد من العلائلات اليهودية التى كانت متبقية من السبى في بلاد ما بين النهرين وبابل، إلى المنطقة المتمردة في آسيا الصغرى حيث أوصى بهم خيراً، ويذكر كل من المؤرخين يوسيفوس يوليبسوس كيف أن ذلك كان تدبيراً إلهياً لإعداد هذه الشعوب للخلاص، إذ أصبحوا بعد ذلك أول من قبل الإيمان في الشتات.

وأنشئت في فلسطين مستعمرات يونانية وشُيدت مدن كبيرة فاصطبغ كثيرون من السكان في اليهودية بصيغة يونانية، وتخلّى اليهود عن فكرة الاعتزال عن الآخرين من الأمم وفى الوقت ذاته تحولوا إلى الفنون اليونانية الجميلة، بل أن السياسيون منهم قد نظروا إلى الحاكم اليوناني باعتباره أصل كرامتهم وتشرّب العلماء اليهود الأفكار الحديثة من اليونانيين والتى بسطتها أمامهم مؤلفات اليونان، فتألف بذلك الحزب اليوناني بين اليهود واستبدلت الكثير من الأسماء اليهودية بأخرى يونانية (حيث نجد صدى لذلك في أسماء العهد الجديد، مثل شاول والذي تحوّل إلى بولس وكذلك صفا إلى بطرس… الخ).

واستمر السلوقيون حكام سورية والذين بسطوا سلطانهم في فلسطين بعد سنة 198 ق. م. على معاملة رعاياهم من اليهود باللطف، ووجدوا في الحزب اليوناني الذي عضّدواه أكبر معين لهم، وكنت أنطاكية عاصمة سورية مركز هذه الحركة اليونانية وقد عُرف هذا الحزب في أورشليم باسم أبناء طوبيا (1 مكا 11:1-15) كما سبق الإشارة. وربما كان الحزب اليوناني هذا هو أصل فرقة الصدوقيين، إذ أنه وبينما كان الفريسيون هم المحافظون، كان الصدوقيين هم الراغبين في التساهل والبحث عن مصلحة الأمة بالوسائط السياسية والحروب.

بل أن السلوقيين بالغوا في ملاطفة اليهود، ويقول يوسيفوس معتمداً في ذلك على الوثائق، أن انطيوخس الثالث أمر بأن تُدفع لليهود عطايا خاصة لتقديم الذبائح بالإضافة إلى السماح لهم بأخذ كافة الأخشاب اللازمة لهم لترميم الهيكل من لبنان دون ضرائب ويضيف يوسيفوس “… ذلك لتتمكن هذه الأمة من أن تعيش بمقتضى قوانين بلادها وليعف كافة أعضاء السنهدريم والكهنة والكتبة والمرنمين الدينيين، من الضريبة المالية العامة وضريبة التاج وكافة الضرائب العادية الأخرى وسكان أورشليم من الضرائب العادية ” وقد أرسلت هذه الأوامر إلى جميع حكام لبنان وسورية للعمل بها… “

ولعل السبب في الاهتمام بالجانب الكهنوتى من قبل الحكام، كان بسبب أن رؤساء الكهنة كانوا هم الجهة السياسية المسئولة أمام الدولة، كما كانوا مسئولون عن توريد الضرائب بأنفسهم، حيث أنابوا عنهم عائلة طوبيا (كما سبق) وإن كانوا مع ذلك يدفعون جزءاً من الضرائب بأنفسهم حتى يحافظوا على مكانهم.

في تلك الفترة ظهرت في اليهودية شيعة ” الأرثوذكسية اليهودية ” وهي تنقسم إلى قسمين: الأسينيين، ويمثلون الجزء المتطرف، والآخر الحسيديم (الأتقياء) وهم الجناح المعتدل، وقد وصف دانيال الحسيديم قائلاً ” الشعب الذين يعرفون إلههم ” (33:11) وقد قامت هذه الحركة (الأسينية / الحسيدية) بالدفاع عن الشريعة والتقاليد، بعد أن أُسئ إليها من قبل اليهود المتأغرقين (الموالين للحضارة الإغريقية) بتشجيع من رؤساء الكهنة والذين جنحوا إلى الحياة الأرستقراطية والسياسية، وقد وصف دانيال النبى الهيلينية (التأغرق) بقوله ” المتعدون على العهد ” (32:11) ويرد في سفر المكابيين الثالث أخبار عن الشقاق والعراك ما بين رؤساء الكهنة، والمؤامرات التى حاكها أحدهما للآخر بسبب الطمع في المال وخزائن الهيكل (3مكا4:3 1:4).

 

اليهود تحت حكم أنطيوخس أبيقانيوس الرابع:

كان سقوط أورشليم في يد السلوقيين عقب نصر أنطيوخس الكبير سنة 198 ق. م. علامة نصرة جديدة في التاريخ اليهودى، فقد تم احتواء دور البطالمة، وبدأ السلوقيون في أرغام اليهود على قبول الهيلينية (التأغرق).

وقد حمل اليهود في قلوبهم أشد ألوان الكراهية لأنطيوخس هذا والملقب ابيفانيوس (ومعناها اللامع) لأنه دنس هيكلهم ومارس ضدّهم أشد ألوان الاضطهاد الدينى، وقد أسموه من باب السخرية المرة أبيفانوس (ومعناها الرجل المجنون). وقد ولد أنطيوخس هذا في أثينا وعمل مسول ملكى للمدينة، وقد قضى في روما أثنى عشر عاماً كرهينة (كما سبق القول حيث أيقن من خلال تواجده هناك أن الرومان هم القوة التى سيخضع لها العالم قريباً.

وقد قرر أنطيوخس أن يمدين اليهودية ويحضَرها جاعلاً منها مقاطعة هيلينية، ولم يكن يرغب في اضطهاد اليهود، فمن جهة كان اليهود، خاضعين له، ومن جهة أخرى كان هناك فريقاً كبيراً من اليهود ممن يؤيدون حركة الأغرقة الجديدة هذه، ففى بداية حكمة كان يحطم أورشليم رئيس الكهنة ” حونيا الثالث ” وهو من نسل ” سمعان البار ” ومن اليهود المحافظين، وبالتالى لم يكن يشجّع على أغرقة اليهودية، بينما كان أخيه يايون يناصر هذه الحركة، وقد استطاع الحصول على رئاسة الكهنوت برشوة كبيرة، وكان أنطيوخس يرى أنه مادامت رتبة رئيس الكهنة هي سياسية، فإنه من حقه بالتالى كملك أن يعين من يختاره، في حين نظر إليها المحافظون باعتبارها رتبة مقدسة، ومن هنا فإن الحصول عليها بالمال يُحسب خطية.

ومن هنا نشأ الصراع الكبير بين شيعة الأتقياء (الحسيديم) والجماعة المتأغرقة بين اليهود، ويمكن أن نعتبر أن هذا هو المحرك الأول لاشتعال الثورة المكابية كما سيأتى إضافة إلى سبب آخر وهو الصرع القائم بين بيت طوبيا جباة الضرائب وبيت حونيا (أونيا) أى رؤساء الكهنة، وكذلك انقسام العائلتين إلى سلالات سلوقية وأخرى بطلمية وبالتالى رفض التقاة أن يعين رئيس الكهنة من قبل الملك، ولذلك فقد رفضوا متلاوس الذي عينه الملك بدلاً من ياسون بسبب رشوة أكبر!، كما أن منلاوس لم يكن من بيت رئيس الكهنة، بل أنه اشترك في قتل حونيا رئيس الكهنة للقانونى السابق، وإلى هذه الواقعة يشير دانيال النبى ” وبعد اثنين وستين أسبوعاً يقطع المسيح وليس له وشعب رئيس آت يخرب المدينة والقدس وأنتهاؤه بغمارة وإلى النهاية حرب وخرب قضى بها ” (دانيال 26:9) وفى موضع آخر أيضاً: ” وأذرع الجارف تجرف من قدامه وتنكسر وكذلك رئيس العهد ” (22:11) كما اتهموا رئيس الكهنية منلاوس هذا بسرقة أوانى الهيكل (2مكا 39:4-42) وكان أنطيوخس قد انتهز فرصة الشقاق بين منلاوس وياسون فقام بتعيين منلاوس.

هنا قام الحزب اليوناني بمناصرة أنطيوخس مبتغين في ذلك تعضيد الحزب اليوناني، وبهذا التحالف اشتعلت نار العدوان بين الحزبين، فقد قام ياسون ببناء الجيمانيزيوم في أورشليم وكان اليهود يتدربون فيه عرايا بحسب العادة اليونانية كم استخدمت الأسماء اليونانية للأماكن التى تحمل أسماء يهودية وهي أماكن مقدسة، وقد نظر الحزب الهيلينى إلى التقليديين اليهود باعتبارهم رجعيين عفى على تعاليمهم الزمن.

أمّا ياسون فقد استاء من خلعه من رئاسة الكهنوت فهرب إلى عبر الأردن، وهناك انتهز فرصة أنطيوخس بالحرب مع البطالمة، فقام بالإغارة على أورشليم، غير أنه لم ينجح في حين انتهز منلاوس فرصة عودة أنطيوخس من مصر حتى رحب به وأعطاه خزائن الهيكل ليتقرب إليه، ولما تبددت أحلام أنطيوخس بالاستيلاء على مصر، بالإضافة إلى إذلال الرومان له (والذين كانت شوكتهم آخذة في القوة) عاد محبطاً مر النفس.

ومن هنا بدأت فترة من أشد فترات التاريخ فساداً وشراً بالنسبة لإسرائيل، حيث بدأت محاولات أغرقت البلاد بالقوة، فاستقدم أنطيوخس فلاسفة أثينا العظام إلى أورشليم للإشراف على هذا التغيير بالأمر، ومحاولة دمج جميع القوميات في الإمبراطورية السلوقية من لغة وثقافة وعقيدة، وتحول إله إسرائيل إلى الإله جوبيتر، وأمر أنطيوخس بممارسة الشعائر الوثنية وصنع تماثيل له حتى على المذبح، كما أقام تمثالاً للإله زيوس فوق مذبح النحاس سنة 167 ق. م.

وكان في ذلك إشارة إلى ” رجسة الخراب ” التى تكلم عنها دانيال النبى (31:11-32 قارن مع مت 15:24) حيث أن رجسة الخراب التى حدثت في عصر أنطيوخس غير تلك التى ستحدث عند خراب الهيكل سنة 70م. إلى رجسة الخراب الأولى أشار اليهود قائلين ” الشئ البغيض المثير للكآبة “.

وفى الهيكل مارس الجنود الوثنيون شعائرهم بما يصاحب هذه الشعائر من سكر وعربدة وخلاعة، مما ينسب إلى ” عبادة باخوس ” كما قاموا بذبح الخنازير على المذبح، ووصل أنطيوخس إلى الحد الأقصى في تحطيم اليهودية ومعاداة إلهها. إلى ذلك يشير دانيال قائلاً ” ويفعل الملك كإرادته ويرتفع ويتعظم على كل إله ويتكلم بأمور عجيبة على إله الآلهة وينجح إلى إتمام الغضب لأن المقضى به يجرى ” (دا 36:11).

وفى المقابل حرم اليهود من الاحتفال بأعيادهم وممارسة طقوسهم مثل السبت والختان حيث كانت العقوبة في ذلك تصل إلى حد الموت (مثل ألعازر الشيخ الذي رفض أكل الخنزير والأم التى ذُبحت مع أطفالها لرفضهم تقديم العبادة للأصنام (2مكا 6، 7) وكذلك الأم التى قُتلت مع أولادها الذين ختنتهم (مكابيين الأول 60:1-61) كذلك أمر أنطيوخس بإتلاف جميع نسخ التوراة أو أية أسفار أخرى.

من هنا كانت الحاجة ماسة لتكوين حزب يهودى يتعهد بالقيام بولاية يهودية مستقلة، هذه هي خلفية المكابيين والثورة المكابية.

 

سابعاً: المكابين ومواجهة الحضارة الهيلينية

لله في كل جيل شهود وركب تأبى أن تجشو لبعل، وعلى أكتاف هؤلاء يصنع الله التغيير وبهم يعمل ليحقق مشيئته، فقد ثار جماعة الأتقياء على هذه الأوضاع المتردّية في أورشليم، وأما الذي أطلق هذه الشرارة فهو كان يدي متتيا وقد نشأ هذا الكاهن في قرية تدعى ” مودين ” الواقعة بجوار ” اللد ” وهو عميد عائلة تسمى ” عائلة حشمون ” أو هاسمون أو حشمناى.

فقد أرسل الملك أنطيوخس رسلاً إلى جميع بلاد اليهودية يؤكد على ضرورة ولاء اليهود للملك، وفى مودين هذه طلُب إلى متتيا باعتباره عميدهم وكأن طاعناً في الين أن يقدم ذبيحته لتمثال الملك حتى يقتدى به الآخرين، فرفص بشدة إلا أن أخرين ضعفوا وقدموا ذبائحاً للوثن، وعندئذ غضب متتيا وذهب إلى الهيكل الوثنى، وهناك قام رسول الملك مع الشخص اليهودى الذي كان يقدم الذبيحة.

ثم نادى في اليهود أن يتبعه كل من له غيرة مقدسة إلى الجبال والمغائر حتى يمكنهم تنظيم المقاومة (مكابيين الأول 19:2 – 22) وقد استجاب له الشعب بشكل ملفت (مكابيين الأول 23:2-28) غير أن البعض الآخر أنضم إلى أنطيوخس، بينما مات آخرون بسبب مقاومتهم للملك، إلى هذا أشار دانيال النبى (32:11-33).

في الأيام الأولى كانت المواجهة أشبه ما تكون بحرب العمليات الخاصة، حيث شن الحشمونيين هجمات على القرى والبلاد، قتلوا خلالها الضباط السلوقيين وكثير من اليهود المتأغرقين، غير أن السلوقيين هاجموهم في السبت، وذلك بإيعاذ من بعض اليهود الخونة فقد أحاط السلوقيين بالمتمردين من كل جهة وتمكنوا من ذبح ألفين منهم، وعند ذلك صرَح لهم متتيا بالحرب في السبت متى كانت دفاعاً عن النفس (وهو تأكيد لفتوى يهودية سابقة بهذا الشأن).

يهوذا المكابي:

وقبيل موته في سنة 166 ق. م. أوصى متتيا بالقيادة إلى يهوذا ابنه الثالث (1 مكا 49:2 – 70) حيث حقق يهوذا العديد من الانتصارات، ولكن السلوقيين استهانوا في البداية بهم فأرسلوا لهم قوة محدودة لتأديبهم، غير أنهم هُزموا من المكابيين المرة تلو الآخرى، ويضيف سفر المكابيين الأسباب التى أدت إلى الثورة (1 مكا 11:1 – 15 و2مكا 7:4 – 17) وفى المقابل يصف سفر مكابيين الأول العنف الذي استخدمه أنطيوخس في إخضاع الثورة (مكابيين الأول 30:1-32). وهنا وقع اليهود المتأغرقون في خطر وحرج حيث أصبحوا هدفاً للثورة، وفى جهتهم فقد استخدموا العنف في الدفاع عن أنفسهم، حيث أراقوا الدماء في الهيكل وحوله، وأما المكابيون فقد وصفوهم بأنهم غرباء وعداء (أمه خاطئة متعدية للشريعة (مكابيين الأول 34:1) فتعطلت الخدمة في الهيكل وهرب كثيرون من اليهود إلى الجبال (مكابيين الأول 25:1-40).

وكان أنطيوخس في ذلك الوقت محصوراً بين أمرين، أحدهما عدم المغامرة بجيش قوى في اليهودية بسبب قربها من مصر، وثانيهما حربة مع البرثيين، بسبب تمرد حدث هناك، ومن هنا فقد كلّف ” ليسياس ” ثم أبولونيوس ” بقيادة جيش يخضع به اليهود، ومن قواعد ليسياس هذا كل مت ” نكانور ” وجرجياس “، ولكن يهوذا المكابي استطاع إحراز الكثير من الانتصارات عن طريق الهجمات “، ولكن يهوذا المكابي استطاع إحراز الكثير من الانتصارات عن طريق الهجمات الليلية والتى حقق بها اسلاباً وغنائم كثيرة وفتح الطريق أمام المكابيين للاستيلاء على أورشليم عن طريق ” عمّاوس ” وفعل ذلك وتقهقر قدامه منلاوس (رئيس الكهنة الموالى للسلوقيين) ودخلوا أورشليم واستولوا على كل شئ فيما عدا حصن أكرا (عكره) (1 مكا 10:3، 18، 3:4-6، 22:19) وعند ذلك قام التقاة بهدم هياكل الأوثان وختنوا الأطفال بالقوة واستردُوا سلطان الناموس (مكابيين الأول 43:1 – 48) وبعد ذلك قاموا بتطهير الهيكل من المذابح الوثنية وآثارها وهو ما سُمى ب ” عيد التجديد ” وأصبح ضمن الأعياد القومية لليهود وسمى أيضاً ب ” الحانوكا ” أو ” الأنوار ” يحتفلون به ثمانية أيام بدءاً من يوم 25 ديسمبر من كل عام. وبذلك انهو ثلاث سنوات من تدنيس الهيكل. إلى ذلك يشير دانيال النبى باعتبار أن ذلك كان بداية توقف الذبيحة الدائمة وترميم الهيكل فهى ال ” 1290 يوماً ” ثلاث سنوات ونصف، ثم أعادة الذبيحة بعد 45 يوماً ” شهر ونصف ” (دانيال 12:12).

ولكن ليسياس استطاع هزيمة اليهود ومحاصرتهم ولكن أنباء عن تمرد في أنطاكية وجعلته يؤثر معاهدة صلح مع اليهود ألغى بموجبها كافة القوانين التى تتناهض الشريعة والطقوس كما تقرر إقصاء منلاوس عن رئاسة الكهنوت وتعيين ألكيمس (ألياقيم) مكانه كما وعد بالعفو عن يهوذا ورجاله، وترك ليسياس وأورشليم متجهاً إلى سورية في حين كانت أسوار أورشليم مسوّاه بالأرض.

وفى تلك السنة عينها كان أنطيوخس قد مات في بلاد الفرس بينما كان يسعى في جميع المال وكنوز البلاد لسداد الدين الضخم الذي تركه أبوه أنطيوخس الثالث، ومن ثم ملك مكانه أنطيوخس الخامس (164-162 ق. م. ) وكانت أيامه أيام هدوء، بينما كانت المرحلة السابقة مرحلة حرب للرب ومقدسات، فقد اعقبها مرحلة الطمع والاتساع، وبينما نجد أن الله قد أعانهم في المرحلة الأولى فإنه قد خذلهم في الثانية.

أما ألكيمس رئيس الكهنة فقد قبض على العديد من الحسيديين وقتلهم، ومن ثم بدأت الحرب الأهلية بين اليهود المتأغرقين وأولئك التقاة، وخاف ألكيمس فهرب إلى سورية بغية الحصول على نجدة عسكرية، وعندما عاد لمحاربة اليهود هجم الجيش أولاً بقيادة نكانور فهُزم الجيش وقُتل نكانور من قبل يهوذا المكابي وجماعته، ولكن عدداً كبيراً من اليهود انحازوا إلى الآخرين المتأغرقين، وهكذا تُرك يهوذا مع ثمانمائة من الجنود فقط، ومع أنه هزم الجيش السورى في معركة ” بئروت ” إلا أنه قُتل في تلك المعركة، وبموته أنتهت المرحلة الأولى من كفاح المكابيين، وكان يهوذا إبان حياته قد حاول عقد معاهدة سلام الرومان ولكنه لم يستفد منها شيئاً إذ أنه مات قبل عودة رسله.

هذا وقد لعب ألكيمس دوراً في هذه الحرب الأخيرة، وقد دُعى ب ” الراعى الأحمق ” والذي أشير إليه في سفر زكريا (15:11 – 17) وقد ظل في رئاسة الكهنوت لمدة ثلاث سنوات، وفى النهاية مات مشلولاً في سنة 159 ق. م. فظلت الأمة بدون رئيس كهنة ومن بعده لمدة سبع سنوات، وقد حاول أثناء حياته إزالة الحائط المتوسط بين رواق الأمم والقدس ليتسنى للأمم الدخول إلى القدس.

 يوناثان المكابي:

بعد مقتل نكانور أصبح بكيديس والياً على البلاد من قبل السلوقيين وقد ساعده ألكيمس في حكمة، وبعد سنتين من موت يهوذا أسترد الثوار قوتهم وخلف اليهود المتأغرقون فاستغاثوا ببكيديس فأتى ولكنه صنع صلحاً مع يوناثان وأخوه سمعان، واستمر ذلك خمس سنوات فقد اليهود المتأغرقون خلالها سطوتهم (مكابيين الأول 23:9 31، 57 – 73) ومال يوناثان إلى الدبلوماسية أكثر من السلاح فنجح في ذلك كثير، إذ أنه عندما ثارت الحرب بين ديمتريوس وإلى سورية والاسكندر بالاس المطالب بعرش سورية، وقف يوناثان إلى جانب الاسكندر لاسيما وأن ديمتريوس قد حاول عدة مرات سابقة تدمير قواته يوناثان وعقد الأخير أتفاقيات مع إسبرطة وروما، وقبل نهاية الحرب أصبح يوناثان رئيساً للكهنة وحاكماً لليهودية في ذات الوقت، بينما وهب سمعان شقيقه حكم شاطئ فلسطين، وكان يوناثان يحكم فلسطين دون مزاحم (1 مكا 1:10 -50).

ولما حاول ” ديمتريوس الثاني ” ابن ديمتريوس الأول، استعادة عرش سورية بعد مقتل أبيه هزمه يوناثان، فكافأة الأسكندر بالاس بأن أضاف له أراض جديدة (مكابيين الأول 88:10 – 89) فلما مات الاسكندر وآل عرش سورية إلى ديمتريوس ظن اليونانيون اليهود بأنهم قد وجدوا فرصتهم، فأرسلوا على ديمتريوس لكي يخلصهم من حكم يوناثان، ولكن الملك ثبت الصلح وأعطاه ثلاث مدن جديدة، ثم عاد وتخلى عن يوناثان وتحالف مع تريفون ابن الاسكندر طمعاً في مكاسب أكثر، وخاف تريفون من خيانات يوناثان المتكررة فشن عليه حرباً وخدعه ثم قتله سنة 143 ق. م. فتولى عندئذ سمعان قيادة الشعب (مكابيين الأول 54:11 – 62 و39:12-53). وجمع سمعان بين قيادة الجيش ورئاسة الكهنوت، وهو الأمر الذي لم يحدث في إسرائيل قبل ذلك، إذ أنه لا يليق الجمع بين إراقة الدماء والخدمة الهيكلية.

سمعان المكابي:

كان سمعان قد تقدم في السن عندما تولى قياجة اليهود سنة 143 ق. م. وبينما كانت اليهودية قد نالت حريتها الكاملة كانت سورية تتنازعها قوتان، الأولى تناصر ديمتريوس بينما الآخرى تؤيد ” أنطيوخس السادس ” والذي كان صبياً تحت وصاية ” تريفون ” ولكن الأخير عزل أنطيوخس ونزع عنه تاج آسيا (مكابيين الأول 31:13، 32) وفى أيامه صدر قانون بأن تصبح رئاسة الكهنوت وراثة في عائلة المكابيين (الحشمونيين) بدلاً من عائلة حونيا (أونيا) والتى هربت إلى مصر قبل ذلك بقليل (مكابيين الأول 25:14 – 49) وطهرَ سمعان جميع البلاد من الآثار الوثنية وأصبحت البلاد يهودية خالصة، وعاد بالكثير من العائلات اليهودية الساكنة هناك في شتى البلاد، حتى ” حصن أكرا ” نفسه أقتحمه وأخرج منه الجنود الوثنيين.

وفى أيامه حاول أنطيوخس السابع (خليفة ديمتريوس الثاني المأسور) سلب اليهود البلاد التى استولوا عليها خارج حدودهم، ولكن جيشاً يهودياً بقيادة ابنى سمعان دحره، فهدأت الأمور واستقرت. وقد انتهت حياة سمعان عندما قام زوج أبنته بقتله مع اثنين من أولاده وذلك طمعاً في أخذ مكانه، بينما استطاع يوحنا ابنه الهرب ليعود ويحل محله في الولاية والكهنوت باسم ” يوحنا هركانوس “.

 

ثامناً: الأسرة الحشمونية – ظهورها وانحلالها

بموت سمعان المكابي يبدأ نجم المكابيين في الأقوال، ولتبدأ عائلة حاكمة جديدة من سلالة الحشمونيين ولقد عاش الخلفاء عالة على نصر أجدادهم؟.

1 يوحنا خركانوس:

ومع أن سورية كانت قد صارت قوية، إلا أنها تركت اليهود وشأنهم، لا سيما وأن يوحنا هذا كان موالياً لهم وفى خدمتهم، وترك لهم السوريون يافا كميناء هام لليهود، وأما اليهود المتأغرقون فقد بدأوا في التخلى عن أحلامهم في حضارة يونانية يزيحون بها التزامات الشريعة والطقوس الهيكلية، وقد مثُل الصدوقيين الحزب الهيللينى بينما مثل الفريسيين الحزب الحسيدى (التقاة)، هذا وقد تبلور الحزبان جيداً في أيام هركانوس والذي حرص على الانتماء إلى الحزبيين، وكانت أولى اهتماماته هي استرداد المدن الساحلية، وأملاً في إنعاش الاقتصاد باعتبار تلك المدن، مدن التجارة والرخاء.

وفى بداية مناوشاته استطاع أنطيوخس سيديتيس، الاستيلاء على هذه المدن لكي يحصل على المال اللازم للاحتقال بعيد المظال حيث قدم ذبائح العيد وهدايا للهيكل، واتفق الطرفان على الاحتفاظ بتلك المدن مقابل جزية يقدّمونها عنها، ثم بادر هركانوس بعقد اتفاقية مع الرومان سنة 127 ق. م. حتى يقطع الطريق بذلك على كل من مصر وسورية.

ثم راح يحتل المدن شمالاً وشرقاً، ففى سنة 125 ق. م. أخضع السامرة مدمراً هيكل جرزيم، ثمّ صكَ عمله باسمه ولعله أول الحكام المكابيين الذي يقوم بذلك، غير أنه واجه مقاومة شديدة من الفريسيين الرافضين للعمل السياسى وسياسة التوسع، وفى أيامه أيضاً أنفصل الفريسيين عن المكابيين والذين سُموا بدورهم ” الصدوقيين ” والذين أنحصرت فيهم رئاسة الكهنوت، وقد أعلن الفريسيين ذلك ليوحنا في مؤتمر عقدوه خصيصاً لذلك حيث رفضوا أن يكون رئيس الكهنة ساقك دماء، منذ الحين بدأت تظهر العداوة التقليدية بين الفرقتين. ثم مات هركانوس سنة 104 ق. م. بعد أن قضى في الحكم والكهنوت إحدى وثلاثين سنة، وقد حقق نجاحاً كبيراً في مدة رئاسته.

أرسطوبولس الأول:

لم يستمر أرسطوبولس الذي خلف الإسكندر في الحكم أكثر من عام، واسمه الحقيقى يهوذا غير فضَل الاسم اليوناني، وقد رفض وصاية أمه عليه كرغبة أبيه، فوضعها في السجن إلى أن ماتت جوعا، كما ألقى باخوته الثلاثة في السجن حيث مات اثنان منهم جوعاً أيضاً بينما قتل الثالث، ويقال أنه وثق في الأخير أولاً ولكنه سريعاً ما انقلب عليه، وقد ناصبه الفريسيون العداء لانتمائه للحزب اليوناني.

وخلال سنة حكمه حقق بعض التوسعات، وقام بتهويد الجليليين بالقوة، فقد كان شديد الغيرة على الناموس، وقد ثقل عليه الهمَ بسبب الخوف من التمرد. وأخيراً مات غير مأسوف عليه، بل لوَث الفريسيين سمعته وطمسوا تاريخه.

الاسكندر جنايوس:

لعل الاسكندر هذا هو أكثر من أساء إلى اليهود، فقد مضى في سياسته التوسعية أيضاً حتى وصل إلى عكا فاستغاث أهلها بملكهم بطليموس الثامن في مصر وكان هارباً من كليوباترا التى خلعته من الحكم، فاستعان الاسكندر بدوره بكليوباترا، واشتعلت الحرب بين الخصوم ولم تسفر عملياً عن نتيجة. وأكمل الأسكندر توسعاته، غير أن اليهود ناصبوه العداء بسبب إهماله خدمة الكهنوت لانشغاله بالحروب، وزاد في ذلك بزواجه من امرأة أخيه سالومى، وهو ما يتنافى مع الشريعة، وفى ذات يوم اخطأ في طقوس عيد المظال (ويقال عمداً) فقذفه الشعب بالسعف وثمار الأثرج فثار حينئذ وامر بقتل اليهود في الهيكل فقُتل كثيرون منهم فكرهه الشعب ورجعوا عنه، وهكذا وصل الحال بأسرة المكابيين!!

بل واكثر من ذلك أنه دخل في حرب مع أبيداس ” عوبيداس ” ملك العرب بسبب طمعه في التوسع فهزمه وجلده، واستطاع الهرب وجاء إلى أورشليم ولكن الشعب رفضه، فغادر المكان واستعان عليهم بالمرتزقة!! واستعان الشعب في المقابل بديمتريوس الثالث (سنة 88 ق. م. ) فجاء بجيش قوى وهزمه فهرب إلى الجبال. ومن المحزن أن أبناء الحسيديين يطلبون أبناء أنطيوخس أبيفانيوس المساعدة في مواجهة أبناء المكابيين!!

فلما هدأ الحال وعاد ديمتريوس إلى دمشق، رجع الاسكندر وصنع وليمة للصدوقيين فرحاً بنصره، وقام بصلب ثمانمائة من وجهاء أورشليم الفريسيين، ثم قتل زوجاتهم وأولادهم ذبحاً قدامهم وهم ما يزالون أحياء على صلبانهم. قم دخل في حرب مع ملك العرب ثانية فُهزم واضطر إلى الصلح بشروط مهينة، وفى سنة 76 ق. م. مات بينما كان يحاصر قلعة ” راجايا ” شرق الأردن، وقبيل موته أوصى زوجته اسكندرا (سالومى) بأن تهادن الفريسيين وتستعين بهم، ويقال أن ذلك جاء في توبته على فراش الموت.

المكابيين بقيادة ألكسندرا (76-67 ق. م):

هي زوجة أرسطوبولس ثم الاسكندر بعد موت الأول تولت المُلك وعمرها سبعون عاماً ولما لم يكن من الجائز أن تصبح رئيس كهنة فقد تولى ذلك ابنها هركانوس بينما تولى أخوه أرسطوبولس قيادة الجيش، وكان يرأس شيعة الفريسيين في ذلك الوقت شقيقها ” سمعان بن شيبا ” وهكذا اتخذت وضعاً متوسطاً بين الفريقين، وقد سعى الفريسيين بقيادة سمعان إلى تعليم الشبان والأطفال، وعم السلام والهدوء في أيامهم بعد صراع طويل.

غير أن الفريسيين تمادوا في سلطانهم فمالوا إلى الاستبداد، بل أنهم اصطدموا بألكسندرا نفسها حين ألحوا عليها بالقصاص من الصدوقيين الذين تسببوا في قتل ثمانمائة منهم مع عائلاتهم، وبالفعل قامت بقتل ثلاثة منهم، غير أنها عملت على حماية الصدوقيين وهبتهم الحصون ليحتموا بها، وبينما كان أرسطوبولس ابنها يميل إلى الصدوقيين، فقد ناصر أخوه هركانوس الفريسيين، فما أن ماتت ألكسندرا حتى بدأ الصراع على أشده بين الفريقين.

أرسطوبولس الثاني:

بدأت فترة حكمه بصراع بينه وبين هركانوس، حيث، كوُن كل منهم جيشاً والتحما في أريحا، فُهزم هركانوس وتعقبه أرسطوبولس حتى أورشليم ثم أجبره على التنازل عن الملك ورئاسة الكهنوت، وبذلك اصبح هو ملكاً ورئيساً للكهنة، ولكن انتيباتر الأدومى (أبو هيرودس الكبير) كان متعاطفاً مع هركانوس، وبسبب الصداقة بين امرأة أنتيباتر وأرتاس (الحادث) ملك العرب، فقد تحالفا ضد أرسطوبولس وهزماه.

في ذلك الوقت كان ” بومباى ” القائد الرومانى يزحف بجيشه جهة سورية، وأُرسل لحسم النزاع بين الأخوين فناصر أرسطوبولس والذي قام بمطاردة أعداؤه حتى أدومية حيث ألحق بهم هزيمة منكرة، فلما وصل بومباى سنة 63 ق. م. إلى هناك احتكم إليه الأخوان فانحاز هذه المرة إلى هركانوس، وطرد أرسطوبولس ثم حاصر أورشليم ثلاثة أشهر حتى فتحها وعندئذ ذبح من أهلها أثنى عشر ألفاً، ومنذ ذلك الحين أصبحت اليهودية ولاية رومانية تدفع الجزية وأما هركانوس فقد أكتفى برئاسة الكهنوت بينما منحه بومباى لقب (مشرف) فقط على اليهودية والتى أصبحت تتبع سورية إدارياً.

أما أرسطوبولس فقد حمله بومباى من عائلته إلى روما، ولكن اسكندر ابنه هرب من السفينة وعاد إلى أورشليم، وبدأت اليهودية تدخل عصراً جديداً، بينما بقى هركانوس مشرفاً من قبل روما على اليهودية، كان انتيباتر والى أدوميا هو المدبر الفعلى لهركانوس وفيما بعد خلف ابنه هيرودس الكبير هركانوس في الحكم، ويعد (أى هيرودس) أشهر الحكام اليهود بعد ذلك.

الاسم:

عُرف سفر المكابيين أولاً بسفر الحشمونيين، فما هو أصل كل من الاسمين.

الحشمونيين / بني حشمناى:

كان ” متتيا ” عميد عائلة المكابيين كاهناً في قرية موديم الواقعة بجوار اللد، وكان لقلب عائلته هو حشمون، وكانت عشيرة بني حشمناى هذه من سلالة يهوياريب (1أخ 7:24) ولذلك فقد كان جميع نسل العائلة يُكنى ب ” الحشمونيين ” أو ” بني حشمناى ” والكلمة حشمون كلمة عبرية تعنى ” غنى ” وأم اللفظتان ” هسمان ” أو ” أسمونوس ” فهما النطق اللاتينى للكلمة، حيث لا ينطق الحرف (ح) في تلك اللغات المشتقة من اللاتينية، مثل رئيس الكهنة المدعو أونيا والذي يأتى في جميع الترجمات في حين أن اسمه الحقيقى هو ” حونيا “

مكابيون:

أنجب متتيا هذا خمسة من الأولاد (ولا يُعرف إن كان قد أنجب بنات أم لا) أما الأولاد فهم على الترتيب: يوحنا، سمعان، يهوذا، ألعازر، يوناثان. وقد تولى ثلاثة منهم مقاليد السلطة بعد موته واحداً تلو الآخر، بدءاً بيهوذا الشهير ببطولته وحسب وصية ابيه، ثم يوناثان والذي اشتهر بالميل إلى الدبلوماسية في حكمه، وأخيراً سمعان والذي يعد أول من جمع ما بين رئاسة الكهنوت وقيادة الأمة، أما ألعازر فقد قُتل في تصرف عفوى وأما يوحنا فأنه لم تتح له فرصة للقيام بأعمال تستحق الذكر.

هذا وقد نسب إلى كل من هؤلاء الخمسة ألقاب يشير كل منها إلى صفات صاحبه، ومن المرجّح أن يكون كل منهم قد اختار لنفسه هذا اللقب، دعاه الآخرون به فصار لقبه حيث لُقب: يهوذا ب المكابي، ومن قائل أن لفظة مكابي هي عبرية تعنى مكبة أى مطرقة، وهي كلمة وردة في قصة قتل ياعيل لسيسرا (ق21:4) تحت اسم ” ميتدة ” وقد دعى يهوذا نفسه أيضاً ب ” الطارق “. ويرى البعض أن الكلمة مكابي مشتقة من مكبى وتعنى المخمد، غير أن الرأى السائد يفيد بأنها تكون الحروف الأولى لعبارة عبرية تقول ” من يشبهك في الآلهة يارب ” وهي في الواقع آية وردت في (خر 11:15) وكانت هذه الحروف تكتب على أعلام المكابين حتى أصبحت لقبهم بمرور الوقت، وفى إسرائيل الآن العديد من الهيئات والفرق الرياضية التى تحمل اسم ” مكابي “.

غير أن الرأى الأول هو الأرجح، حيث طبع المكابيين على تروسهم وسيوفهم الحروف (م. ك. ب. ى) والتى هي بدايات الكلمات: (مي / كماما أو ” كموخا ” / بلوهيم أو ” باليم ” / يهوه) وتعنى كما سبق: (من مثل الرب بين الآلهة) أو (من مثلك بين الأقوياء يا الله).

وقد مُنح كل من أخوة يهوذا الأربعة لقباً، حيث لقب يوحنا ب ” بكيديس ” وسمعان ب ” الطسى “، وألعازر ب ” أواران ” وأما يوناثان فقد لقب ب ” أفوس “.

هذا وقد أصبح لقب مكابيين رمزاً لعائلة بني حشمناى، وذلك منذ الثورة التى اندلعت بين اليهود وأنطيوخس أبيفانيوس، بداية بمتتيا ونهاية ب أرسطوبولس الثاني، أى خلال الفترة (167 – 63 ق. م. )

 

تاسعاً: جدول متزامن للأحداث المكابية

 

التاريخ الميلادى

التاريخ السلوقي

الحدث

سفر مكابيين الأول

سفر المكابيين الثاني

323ق. م

 

موت الاسكندر الأكبر

7:1

 

175ق. م

137

تولى أنطيوخس أبيفانيوس

10:1

7:4

174

138

بدء الغرقة (التأثير اليوناني)

1:1 إلخ

8:4 إلخ

172

140

الحملة الأولى على مصر من قبل أنطيوخس أبيفانيوس

 

21:4 إلخ

171

141

أبيفانيوس في أورشليم منلاوس يتقلد رئاسة الكهنوت

 

21:4-24

169

143

حملة أنطيوخس أبيفانيوس الثانية على مصر.

21:1

1:5

168

144

نهب الهيكل

21:1

15:5 إلخ

167

145

أبلونيوس في أورشليم

29:1

24:5

 

 

تدنيس الهيكل

54:1

2:6

166

146

الانتقاضة بقيادة متنيا الكاهن

24:2

 

 

 

موت متنيا

70:2

 

 

 

يهوذا المكابي يتولى القيادة

1:3

1:8

165

147

الانتصارات على أبلونيوس

11:3

 

 

 

الانتصارات على سارون في بيت حورون

23:3

 

 

 

الانتصارات على نيكانور وجرجياس

3:4 إلخ

9:8 إلخ

 

 

أنطيوخس أبيفانيوس في بلاد فارس

37:3

 

164

148

هزيمة ليسياس

28:4 إلخ

 

 

 

تطهير الهيكل

52:4

1:10-8

163

149

انتصارات اليهود في أدوم وجلعاد

1:5 إلخ

30:8 إلخ

 

 

 

18:12-25

 

 

 

 

24:10-38

 

 

 

 

26:12-31

 

 

 

موت أنطيوخس أبيفانيوس

16:6

28:9

 

 

اعتلاء أنطيوخس الخامس العرش

17:6

22:11، 23

162

150

يهوذا يهاجم القلعة في أورشليم

20:6

 

 

(149)

أنطيوخس الخامس يهاجم اليهودية ويستولى على بيت صور.

31:6 إلخ

1:13

161

151

ديمتريوس الأول يصل إلى سوريا

1:7

1:14

 

(150)

محاولة بكيديس فرض ألكيمس رئيساً للكهنة

1:7-25

4:14

 

 

محاولة نيكانور فرض ألكيمس رئيساً للكهنة

27:7 إلخ

14:14 إلخ

 

 

هزيمة نيكانور (13 آذار)

43:7 إلخ

28:15

160

152

المحاولة الثالثة لإعادة ألكيمس بمساعدة بكيديس

1:9

 

 

 

وفاة يهوذا المكابي

18:9

 

 

 

يوناثان يتولى القيادة

31:9

 

 

 

الحملة في عبر الأردن

39:9 إلخ

 

159

153

ألكيمس يأمر بهدم الحائط الداخلى للهيكل

54:9

 

 

 

موت ألكيمس

56:9

 

158

154

سنتان من السلام

57:9

 

157

155

بكيديس يفشل في حملته في ” بيت حجلة “

68:9

 

 

 

السلام

70:9

 

152

160

الأسكندر بالاس يصل إلى عكا (بتولمايس)

1:10

 

 

 

يوناثان رئيساً للكهنة

21:10

 

151

161

الحرب بين ديمتريوس الأول والاسكندر بالاس

48:10 إلخ

 

 

 

موت ديمتريوس

5:10

 

150

162

التحالف بين بطليموس والاسكندر

57:10

 

 

 

ديمتريوس الثاني يرسو في سوريا

67:10

 

147

165

أبلونيوس في اليهودية هزيمته من يوناثان

69:10 إلخ

 

146

166

الخلاف بين بطليموس والاسكندر بالاس

1:11 إلخ

 

 

 

موت الاسكندر بالاس

18:11

 

145

167

ديمتريوس الثاني يخلف الاسكندر بالاس

19:11

 

144

168

يوناثان في عكا (بتولمايس)

24:11

 

 

 

يوناثان يتحالف مع ديمتريوس

44:11

 

 

 

تريفون ينصب أنطيوخس السادس على العرش

54:11

 

 

 

أنطيوخس يؤكد امتيازات يوناثان

57:11

 

 

 

يوناثان يهزم قادة ديمتريوس

73:11

30:12

 

 

 

تجديد التحالف مع روما

1:12 إلخ

 

142

170

أسر يوناثان

48:12

 

 

 

سمعان يتولى القيادة

8:12

 

 

 

طرد تريفون

24:13

 

 

 

” تحرير إسرائيل “

41:13

 

141

171

الاستيلاء على القلعة

51:13

 

140

172

ديمتريوس يقع في الأسر (فى فارس)

1:14، 3

 

 

 

قرار تكريمى لسمعان (نقش على ألواح النحاس)

 

 

139

173

رسائل إلى سمعان من أنطيوخس

1:15 إلخ

 

138

174

أنطيوخس السابع ينزل في سوريا

10:15

 

 

 

موت تريفون

 

 

137

175

أبناء سمعان يهزمون القائد قندباوس

10:16

 

135

177

وفاة سمعان

14:16-16

 

 

 

يوحنا هركانوس يخلف أبيه سمعان

23:16

 

 

عاشراً: خلفاء الاسكندر الأكبر

 

أولاً: السلوقيين:

وهم الذين حكموا المنطقة الشمالية في الشرق الأدنى، وقد خضعت منطقة اليهودية لهم أغلب الوقت إلى أن أستولى الرومان عليها أواخر القرن الأول قبل الميلاد، وهؤلاء الملوك هم على التوالى:

  1. سلوقس الأول نكاتور 312 281ق. م
  2. أنطيوخس الأول سوتير 281 261ق. م
  3. أنطيوخس الثاني ثيؤس 261 246ق. م
  4. سلوقس الثاني جالينيكوس 246 226ق. م
  5. سلوقس الثالث كيرانوس 226 223ق. م
  6. أنطيوخس الثالث الكبير 223 187ق. م
  7. سلوقس الرابع فيلوباتير 187 175ق. م
  8. أنطيوخس الرابع أبيفانيوس 5/176 3/164ق. م
  9. أنطيوخس الخامس أوباطور 3/164 162ق. م
  10. ديمتريوس الأول 162 150ق. م
  11. الاسكندر الأول بالاس 153 145ق. م
  12. ديمتريوس الثاني 145 140؟ق. م (فترة حكم أولى) 129125 ق. م (فترو حكم ثانية)
  13. أنطيوخس السادس 143؟ 141؟ق. م
  14. أنطيوخس السابع 8/139 129ق. م

 

ثانياً: البطالمة:

وهم الذين حكموا الجزء الجنوبى وكانت مصر هي عاصمة حكمهم، وقد خضعت منطقة اليهودية لهم لمدة أقصر من تلك التى خضعت فيها للسلوقيين، وهم على التوالى:

  1. بطليموس الأول (سوتير) 323 – 282 ق. م.
  2. بطليموس الثاني (فيلادلفوس) 284 – 246 ق. م.
  3. بطليموس الثالث (أورجيتيس) 246 – 222 ق. م.
  4. بطليموس الرابع (فيلوباتور) 222 – 205 ق. م.
  5. بطليموس الخامس (أبيفانس) 204 – 180 ق. م.
  6. بطليموس السادس (فيلوماتور) 180 – 146 ق. م.
  7. بطليموس السابع (أوباطور) 145 ؟ ق. م.
  8. بطليموس الثامن 145 116ق. م.
  9. بطليموس التاسع (سوتير الثاني) 116 9/10ق. م (فترة حكم أولى). 88 – 80ق. م (فترة حكم ثانية).
  10. بطليموس الحادى عشر (الاسكندر الثاني) (اغتيل، فلم يستمر في الحكم سوى 19 يوماً فقط).
  11. بطليموس الثاني شعر (أولتيس) 80 51ق. م.
  12. كليوباترا السابعة 50 30ق. م.

 

حادى عشر: الحكام الحشمونيين والمكابيين

بعد العائلة الحشمونية والتى تمثلت في متتيا الكاهن وأولاده الخمسة، أعقبهم الحكام المكابيين من ” يوحنا هركانوس ” إلى ” أنتيجونوس ” والذي أعقبه الهرادسة في الحكم حتى القرن الأول الميلادى، وهم على التوالى:

  1. متتيا الكاهن (أبو المكابيين) 167 ق. م
  2. يهوذا المكابي 166 160ق. م.
  3. يوناثان المكابي 160 143ق. م.
  4. سمعان المكابي 143 134 ق. م.
  5. يوحنا هركانوس 134 105ق. م.
  6. أرسطوبولس الأول (أول من سُمى ملكاً) 105 104ق. م.
  7. الاسكندر جنايوس 104 77ق. م.
  8. ألكسندرا (زوجة السابق) 77 69ق. م.
  9. هركانوس الثاني (ابن جنايوس) 69 67ق. م.
  10. ارسطوبولس الثاني (ابن جنايوس) 67 62ق. م.
  11. هركانوس الثاني (مدة حكم ثانية) 62 37ق. م.
  12. أنتيجونوس (ابن ارسطوبولس الثاني) 37 ق. م.
  13. هيرودس الكبير 40 4ق
  14. حكم الحشمونيين في إسرائيل (166 36ق. م)

 

ثانى عشر: رؤساء الكهنة في العصر المكابي

السلوقيين

رؤساء الكهنة

البطالمة

سلوقس الأول ونكانور

11/312 – 280

حونيا (أونيا) الأول

323 – 300 (أو 290)

بطليموس الأول لاجى

323 – 285

أنطيوخس الأول سوتير

280 – 261

سمعان الأول البار

ابن أونيا الأول

 

أنطيوخس الثاني ثيوس

261 – 246

منسى (عم سمعان الأول)

بطليموس الثاني

فلادلفوس 285 – 246

سلوقس الثاني

كالينيكوس 246 – 226

سلوقس الثالث كرانوس

226 – 223

حونيا الثاني ابن سمعان الأول

مات سمة 219

بطليموس الثالث

يورجيتيس 246 – 221

بطليموس الرابع

فيلوباتور 221 – 203

أنطيوخس الثالث الكبير

223 – 187

سمعان الثاني ابن حونيا الثاني 219 – 196

 

فلسطين تحت الحكم السلوقي

200 – 198

 

 

سلوقس الرابع فيلوباتور

187 – 175

حونيا الثالث ابن سمعان الثاني 196 – 174

بطليموس الخامس

أوباتور

203 – 181

أنطيوخوس الرابع أبيفانيوس

175 – 164

ياسون (يشوع / يسوع)

شقيق حونيا الثالث

174 – 171

 

 

منلاوس (مناجيم)

171 – 162

بطليموس السادس فيلوميتور

181 – 146

أنطيوخس الخامس

164 – 162

ديمتريوس الأول

162 – 150

ألكيمس (ياقيم)

162 – 159

 

الاسكندر بالاس

150 – 145

ديمتريوس الثاني

145 – 140

أنطيوخس السادس

145 – 142

ترفون 1/142 – 138

أنطيوخس السابع

138 – 129

ديمتريوس الثاني

فترة ثانية (129 – 126)

رئاسة الكهنوت تتحول

إلى المكابيين

يوناثان المكابي

152 – 142

سمعان المكابي

1/142 – 134

يوحنا هركانوس

134 – 104

بطليموس السابع يورجيتيس

(فيسكون)

146 – 117

 

الفصل الثالث: سفر مكابيين الأول

 

أولاً: عنوان سفر مكابيين الأول:

عُرف سفر المكابين أولاً بسفر الحشمونيين والسبب في ذلك هو أن عائلة يهوذا المكابي كانت تسمى عائلة بني حشمناى أما العلامة أوريجانوس فقد اطلق الاسم على سفر مكابيين الأول.

أما تسمية سفر مكابيين الأولين ب المكابيين فقد استخدم هذا الأسم في أواخر القرن الثاني عنواناً للسفرين الأول والثانى ويهوذا هو الشخصية المحوارية لأحداث سفر مكابيين الأول الثاني وتقاسم أخوته معه أحداث سفر مكابيين الأول الأول.

ويُعد أول من ذكر سفر المكابيين الثاني بهذا الاسم هو يوسابيوس المؤرخ الكنسى. وكذلك استعمل القديس جيروم عنوان الأحداث المكابية للدلالة على سفر مكابيين الأولين. والقديس كليمندس السكندرى يصف سفر مكابيين الأول الأول بسفر الأحداث المكابية. والقديس كبريانوس استخدم عنوان أمور المكابيين في أواخر القرن الثاني.

 

 

ثانياً: الكاتب

يظن البعض أن الكاتب ينتمى إلى فرقة الصدوقيين. يرى بعض العلماء أن سفر مكابيين الأول غير متحيز لاتينى أى من أفكار الفريسيين أو الصدوقيين الكاتب يهودى من فلسطين تقى غير متعصب ملماً بجغرافية المكان ويتميز بالبساطة في الكتابة. لا يشير إلى الحياة الأبدية ولكن سفر مكابيين الأول به الكثير مما يدل على وجود مسيا وأن النصر يأتى من السماء.

هدف الكاتب كان قومياً وتاريخياً مع توجهاته الدينية. أن الكاتب شخص محب لوطنه، ويرى أن شعبه هو الذي اختاره الرب. هو ناموسى مدقق، يعتقد أنه من واجب كل يهودى أن يحفظ الناموس والوصايا. يبين سفر مكابيين الأول أن كلمة الرب كانت عزيزة في تلك الأيام. لا يشار إلى الله بإله السماء أو السماء فقط.

تمر مسألة رئاسة سمعان للكهنوت دون اعتراض على الرغم أن الكهنوت وقف على سبط لاوى. لا توجد في سفر مكابيين الأول أية إشارة إلى التعليم بقيامة الأموات أو خلود النفس. كما لا توجد في سفر مكابيين الأول أية إشارة إلى الرجاء المسيانى.

 

ثالثاً: تاريخ الكتابة

يغطى سفر مكابيين الأول الفترة الزمنية ما بين (مُلك أنطيوخس سنة 175 وموت سمعان سنة 135 ق. م. ).

من المؤكد أن سفر مكابيين الأول كُتب قبل سنة 63 ق. م وأن عملية جمع المواد بدأت منذ عهد سمعان 143 – 134 ق. م. وإتمام العمل ربما الربع الأخير من القرن الثاني قبل الميلاد.

يقول العلامة تورى Torry أن سفر مكابيين الأول كتب بقلم شخص عاصر كل أحداث المكابيين منذ بدايته.

دونت التواريخ المقترحة لكتابة سفر مكابيين الأول سنة 80 ق. م.

سفر مكابيين الأول مفعم بالوثائق والرسائل المتبادلة في جو من الدبلوماسية الحارة، ما بين اليهود وجيرانهم وأصدقائهم.

 

رابعاً: التاريخ في حقبة المكابيين

تختلف التقاويم وطريقة الحساب منها التقويم السلوقي الرسمى والتقويم اليهودى. وهكذا تزيد مشكلة التواريخ في سفرى المكابيين الأول والثانى.

 

خامساً: اللغة الأصلية للسفر

يُجمع العلماء والنقاد على أن سفر مكابيين الأول كُتب بالعبرية كما يذكر جيروم ويؤكد ذلك العلامة أوريجانوس ومما يؤكد هذا العبارات العبرية الواردة في سفر مكابيين الأول وترجمت إلى اليونانية ومخطوطات الترجمة السبعينية والسريانية واللاتينية والسكندرية.

 

سادساً: أقسام سفر مكابيين الأول

اضطهاد اليهود ص 1، 2

يهوذا المكابي ص 3-9

أهم الأحداث بعد يهوذا ص10 -16

غلب الإسكندر الأكبر المقدونى داريوس ملك فارس ومادى فقامت المملكة اليونانية، وخضع لها ملوك كثيرون. وبعد موته انقسمت إلى 4 ممالك.

ظهور أنطيوخس أبيفانيوس الذي حارب مصر وعاد إلى أورشليم ليلزمهم بالوثنية، فغار متتا الكاهن على شريعة الرب وعهده.

قدم متتيا للشعب أمثلة لرجال الله، منهم: إبراهيم الأمين في تجربته حُسب له براً.

 يوسف حفظ الوصية فصار سيد مصر.

 كالب الأمين في الشهادة نال الميراث.

 إيليا الغيور صعد إلى السماء

ظهور يهوذا وانتصاراته (3، 4) أقام عيد التجديد 59:4

هجومه ضد الأمم الثائرة عليهم. 5

 سمع أنطيوخس وهو يحارب في فارس عن عزيمة ليسياس في اليهودية فمات 6

قتل ديمتريوس السلوقي الرومانى ليسياس مغتصب المملكة. حارب أورشليم فغلب يهوذا. 7

معاهدة بين المكابيين وروما 8

ديمتريوس يهاجم يهوذا 9

استعداد اسكندر بن أنطيوخس (الملك المقتول) للانتقام لأبيه من ديمتريوس محاولى كل منها استمالة يوناثان الذي قام عوض أخيه يهوذا. فقام يوناثان بتجديد أسوار أورشليم وانحاز للإسكندر الذي قتل ديمتريوس، فقام ابن الأخير يحاربه لمنه انهزم فكافأ اسكندر ويوناثان. 10

اسكندر يطالب صداقة بطليموس (مصر) ويتزوج ابنته، لكنه عاد فقتل بطليموس. تكوين صداقة بين يوناثان وديمتريوس، الأول أنقذ الثاني وأعاد إليه عرشه احتيال تريفون صديق الاسكندر واسترداد الملك لابن الاسكندر وتودد تريفون ليوناثان وشمعون أخيه 11

تجديد الصداقة بين يوناثان وروما خدعة تريفون ليوناثان. سمعون يقود الجيش بعد اغتيال أخيه يوناثان. تريفون يقتل ابن الاسكندر. تودد شمعون لديمتريوس ومصالحته 12، 13

ديمتريوس يحارب مادى فيسقط أسيراً 14

انطيوخس يحكم عوضاً عن ديمتريوس ويتودد لشمعون، بينما يهاجم تريفون ويغلبه 15

قائد أريحا يخدع شمعون وابناً لها فيقتلهما، ويقوم يوحنا بن شمعون بالقيادة وبناء الأسوار 16

 

سابعاً: قانونية سفر مكابيين الأول

 

قبلت الكنيسة سفرى المكابيين الأول والثانى لأنهما يتفقان في الوحي مع بقية أسفار الكتب المقدسة القانونية.

رفض اليهود بعض الأسفار لأنهم لم يجدوا النسخة الأصلية العبرية.

المجامع التى أقرتها:

  1. ورد هذان سفر مكابيين الأولان في القانون الخامس والخمسون من المجموعة الثانية للرسل الأطهار
  2. وردت في قوانين مجمع نيقية سنة 325م.
  3. مجمع هيبو سنة 393م والذي ترأسه القديس أغسطينوس.
  4. مجمع قرطاج الثالث سنة 397م.
  5. مجمع قرطاج سنة 419م.
  6. مجمع ترنت للكاثوليك في سنة 1545م.
  7. مجمع القسطنطينية لليونان الأرثوذكس سنة 1672 م.
  8. وقد ذُكرت في قوانين الشيخ بن العسال. أصول الدين.
  9. كتاب الشيخ الصفى ابن العسال (القوانين).
  10. ذكرها كذلك القس شمس الرياسة في كتاب (مصباح الظلمة في إيضاح الخدمة).

وجاء في دائرة المعارف للبستانى أن الإسرائيليون كانوا يقرأون تلك الأسفار في اجتماعاتهم.

 

ثامناً: القديسين الذين شهدوا بقانونية سفر المكابيين

  1. القديس كليمندس السكندرى (155 – 220 م).
  2. القديس كليمندس الرومانى (ولد 90 / 100 م).
  3. العلامة ترتليان له مكانة مرموقة في تاريخ اللاهوت.
  4. القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة، سيم أسقفاً سنة 248 وتنيح سنة 258م.
  5. العلامة أوريجانوس (185 – 254 م).
  6. القديس هيبوليتس الرومانى.
  7. القديس هيلارى (إيلاريون) أسقف بواتييه تزعم مقاومة الأريوسية.
  8. القديس باسيليوس الكبير أسقف قيصرية (329 – 379 م).
  9. القديس غريغوريوس النزينزى (ولد في سنة 329 م).
  10. القديس أثناسيوس الرسولى (296 – 373 م) بطريرك الإسكندرية.
  11. القديس كيرلس الأورشليمى (315 – 387 م).
  12. القديس أمبروسيوس أسقف ميلان (340 – 397 م).
  13. القديس أغسطينوس أشهر آباء الكنيسة اللاتينية (354 – 430 م).
  14. القديس يوحنا فم الذهب (تنيح سنة 407م) أسقف القسطنطينية.
  15. القديس مار أفرام السريانى (تنيح سنة 373م).
  16. القديس إيرونيموس (جيروم) ولد في دلماطية سنة 350م.
  17. القديس يوحنا كاسيان (350/360 440/450م).
  18. الأب أفراهات السريانى (القرن السابع) ويلقب بالحكيم الفارسى.
  19. القديس يوحنا الدمشقى (تنيح سنة 754م).
  20. الشهيد فيكتوريانوس أسقف ” بيتاو ” في النمسا (تنيح سنة 30م).

 

 

تاسعاً: السمات الآدبية للسفرين

أن الأسلوب الأدبى للسفر يثير الإعجاب، إذ كتب بطريقة مباشرة وبسيطة ودون افتعال.

قدم الكاتب الأحداث بتفاصيلها بشكل شيق جذاب وبأسلوب ينبض بالحياة مع التزام بالخضوع للوحى.

أن الكاتب كتب بأسلوبه إلا أن ذلك يتفق مع أسلوب أسفار العهد القديم.

أن الكاتب معاصر للاحداث وليس روائياً يسرد أحداثاً سابقة.

نجد رزانة الكاتب من جهة العقيدة غير ميال إلى المغالاة أو التعصب.

لم يذكر اسم الله صراحة وذلك نظراً لعظم جلاله وكان متأثراً بالاتجاهات الدينية لليهود في ذلك الوقت.

سفر مكابيين الأول غنى بالمعلومات التاريخية الحديثة والمفصلة.

 

عاشراً: سفر المكابيبن في الآداب والفنون اللاحقة:

تأثر الأدباء والفنانون والرسامون والنحاتون بسفر المكابيين وأحداثه وشخصياته ووجدوا فيه مادة غنية لفنونهم ورسومهم وتماثيلهم ولوحاتهم.

في المسرح: أستوحى الكاتب الإنجليزى الشهير (وليم شكسبير) مسرحيته الشهيرة (يوليوس قيصر).

 

حادى عشر: القيمة الليتورجية للسفر

 مكانة سفر مكابيين الأولين في العبادة:

يبرز الجانب الليتورجى لسفرى المكابيين في اتجاهين.

أولهما: التقليد ويشمل الهيكل والكهنوت والأعياد.

ثانيهما: الاستشهاد.

ويمكن اعتبار سفر مكابيين الأولين بشكل عام سفرى تاريخ وليتورجية.

 

الهيكل والطقوس

تدور أحداث سفر مكابيين الأول حول الهيكل في أورشليم والاحتفال بعيد التجديد (تطهير الهيكل) وعيد المظال. كان تدنيس الهيكل وإبطال السبت والختان والذبيحة والتعدى على الناموس هو الشرارة الأولى للثورة المكابية بقيادة متتيا أبو المكابيين، وتطلب ذلك منهم القيام بصلوات وأصوام استدراراً لمراحم الله.

هدموا حجارة المذبح الذي دسه أنطيوخس أبيفانيوس ونالوا الحرية الدينية ومارسوا الختان وتقديس السبت واستئناف الذبائح في الهيكل واستردت الشريعة مكانتها.

الكهنوت

يتضح لنا جلياً مدى تكريم وتقدير اليهود لرئيس الكهنة المعين من الله مقابل كراهيتهم ومحاربتهم لرؤساء الكهنة المفروضة عليهم.

تقلد رئيس الكهنة القيادة الدينية والعسكرية والمدنية معاً.

الأعياد

السبت:

على جانب اهتمام المكابيين بقضية السبت وضرورة الاحتفال به وتوقف سائر الأعمال فقد أضافوا إليه بعداً جديداً وهو أنه جُعل لأجل الإنسان، وبالتالى فلا مانع من الاشتراك في الحروب في السبت ما دام كان ذلك دفاعاً عن النفس.

يوم نكانور:

كما جعلوا من اليوم الذي هزموا فيه القائد السلوقي (نكاتور) عيداً قومياًَ فقد قطعوا رأسه ويده اليمنى وعلقوهما على سور المدينة وهي عادة قديمة في الحروب لأنه تطاول على الله والشعب.

عيد التجديد:

يعد أهم أعياد تلك الفترة وكان عيداً قومياً صاخباً وفى أيام السيد المسيح كان عيداً هاماً ورد ذكره في (يو22:10)

الاستشهاد وتكريم الشهداء:

تعرض اليهود إبان الحكم السلوقي لشتى ألوان الاضطهاد. وقد أضطهد كل من ختن ابنه، فلقد علقوا طفلين في عبق أسهم لأنها ختنهم ولذلك تعرض للأذى كل من أقتنى نسخة من التوراة.

وقد اعتبرت الكنيسة هؤلاء الشهداء شهداء مسيحيون قبل المسيحية وقد أشار لذلك القديس يوحنا ذهبى الفم والقديس أغسطينوس.

التقويم والتأريخ:

يشار إلى الكثير من الأحداث داخل سفر مكابيين الأول بحسب التقويم اليهودى إلا أن سفر مكابيين الأولان يؤرخان الأحداث بحسب التقويم القمرى الشمسى لدى السلوقيين بينما يؤرخ سفر مكابيين الأول الأول بحسب الحساب الخريفى الذي يطابق العصر المقدونى الأنطاكى.

الصلاة عن الراقدين:

في ليتورجيات الكنيسة الآن خصص أكثر من مكان فيها للصلاة عن الراقدين (أوشية الراقدين الترحيم وتدور هذه الصلوات حول عقيدة قيامة الأموات وفائدة هذه الصلوات لمن رقدوا في الرب من أجل الهفوات والسهوات).

وفى القداس الغريغورى نصلى من أجل المساكين في الجبال والمقابر وأخوتنا الذين في السبى إشارة إلى المكابيين والفترة التى اضطهدوا فيها.

لحن الأبيفانيا:

رتب القديس مار افرام السريانى لحناً يقال في عيد الأبيفانيا (الظهور الإلهى) وتدور كلماته حول النار المقدسة التى عثر عليها الكهنة بعد العودة من السبى وحين أرادوا استئناف الذبائح (2مكا19:1).

عمل التماجيد:

لوحظ بعد الانتصارات قيام الشعب بالصلاة والتسبيح فيما يشبه التماجيد بعد انتصارهم في معركة عماوس.

عاد اليهود وهم يسبحون السماء ويباركونها قائلين إنه صالح وأن للأبد رحمته.

وبعد الاستيلاء على قلعة أورشليم قاموا بعمل مثل هذا التمجيد بالمزامير والقيثارات والصنوج والتسابيح.

الإعفاء من الرسوم في المواسم والأعياد:

يرد في سفر مكابيين الأول أن الملك ديمتريوس الأول أصدر عفواً من الضرائب والرسوم والديون خلال أيام الاحتفالات والأيام الثلاثة التى تسبقها وكذلك تلك التى تليها وتتبعها.

التحية الحارة (العافية):

ويرد في سفر الأعمال 19:15، 30:23 تعبير العافية والمعفاة مقترنة بالتحية وهو التعبير الذي لا نجد له نظير في العهد القديم كله سوى في سفر المكابيين الثاني.

 

ثانى عشر: القيمة العقائدية للسفر

يسود الاعتقاد بأن تدبير الله يشمل جميع الناس وجميع الأحداث وأما عدم نطق اسم الله فهو من قبيل الإجلال والقدسية على الاسم المقدس.

 

وفى سفر مكابيين الأول الثاني:

قيامة الأموات والدينونة.

الصلاة عن الراقدين.

الخلق.

الله الضابط الكل.

الشفاعة.

 

ثالث عشر: سفر المكابيين والعهد الجديد

هناك بعض المتشابهات بين سفر المكابيين ورسالة أفسس والعبرانيين وأشار القديس يوحنا إلى عيد التجديد (سفر الرؤيا ولوقا ومتى ومرقس).

 

رابع عشر: سفر المكابيين ونبوات دانيال

يحوي المكابيين تحقيق بعض النبوات الواردة في سفر دانيال ص11، دانيال 8، 9.

 

خامسا عشر: سفر المكابيين وسفر زكريا

تنبأ زكريا النبى والذي عاش في أواخر ق 6 ق. م عن مملكة الأسكندر الأكبر والتى انتهت بها مملكة فارس كما تنبأ عن الصراع فيما بين خلفائه ثم الثورة المكابية.

 

سادس عشر: بعض الاعتراضات على سفر مكابيين الأول ومناقشتها

1 يشير سفر مكابيين الأول إلى أن عصر الوحي قد انتهى، وأن الأسفار المقدسة التى في أيديهم هي المصدر الوحيد للتعزية في الحزن والضيق (9:12) فكيف يمكن النظر إلى الأسفار التى ظهرت بعد ذلك ومنها سفرى المكابيين أسفاراً مقدسة موحى بها من الله؟.

الرد:

تعنى أن كلمة الرب كانت عزيزة في تلك الأيام وليس دليلاً على توقف الوحى، بل هو شعور بمفارقة دور النبوءة وذلك بسبب خطايا الأمة.

2 أعتمد المؤرخ اليهودى يوسيفوس في تاريخه على سفر مكابيين الأول، غير أن اقتباسه من سفر مكابيين الأول يتوقف عند الإصحاح الرابع عشر مما يوحى بأن باقى سفر مكابيين الأول ليس أصيلاً فكيف ذلك؟.

الرد:

يرى بعض العلماء أن الوصف الموجود في كتاب يوسيفوس ” الآثار اليهودية ” لا يخلو تأثر بسفر مكابيين الأول لاسيما فيما يختص بالجزء الأخير من حكم سمعان ولذلك فليس هناك مبرر لإنكار الجزء الأخير من سفر مكابيين الأول.

3 لماذا لم يشر إلى اسم الله مطلقا في سفر مكابيين الأول وإنما أشير إليه بعبارات مثل إله السماء أو السماء.

الرد:

جاء ذلك على سبيل التقديس، وتنزيه أسم الله عن النطق به بشفاء تشعر بدنسها.

4 كاتب سفر مكابيين الأول بدا وكأنه يتساهل في السبت؟

الرد:

إن اليهود لم يتساهلوا في السبت، ولكنهم أصبحوا أكثر تفهماً لروح الشريعة، وأن السبت وضع لأجل الإنسان.

5 لا يوجد في سفر مكابيين الأول أية إشارة إلى الرجاء المسيانى، رغم كل ما ورد عنه في الأنبياء، بل ويرد في (47:2) ما يشير إلى الاعتقاد بأنه يوماً ما ستملك أسرة داود، فكيف يفسرَ ذلك؟

الرد:

رأى اليهود في شخص يهوذا المكابي ” مخلص إسرائيل ” مثلما كان القضاة والملوك قديماً.

6 لماذا لا توجد في سفر مكابيين الأول أية إشارة إلى الخلود وقيامة الأموات رغم إيمان اليهود بهما في ذلك الوقت.

الرد:

 لا يعنى هذا أن سفر مكابيين الأول غير مستوف لجوانبه القانونية، فإن روح سفر مكابيين الأول مشبعة بهذا الفكر كما أن الكثير من الأسفار الأخرى ليس بها إشارات صريحة للقيامة والخلود.

 

سابع عشر: مصادر سفر مكابيين الأول

يعد سفر مكابيين الأول وثيقة تاريخية بالغة الأهمية وسفر مكابيين الأول غنى بالمعلومات التاريخية.

والاستفسار بمصادر مكتوبة

1 الرسائل والوثائق الرسمية.

2 تاريخ السلوقيين.

3 سجل عن مسيرة يهوذا المكابي.

4 سجلات رؤساء الكهنة.

 

ثامن عشر: الصلاة في سفر مكابيين الأول

” فاجتمعوا وساروا إلى المصفاة قبالة أورشليم لأن المصفاه كانت من قبل هي موضع الصلاة لإسرائيل. ورفعوا أصواتهم الى السماء قائلين ما نصنع بهؤلاء وإلى أين ننطلق بهم. فان أقداسك قد ديست ودُنست وكهنتك في النحيب والمذلة. وها إن الأمم قد اجتمعوا علينا ليبيدونا وأنت عليم بما يأتمرون علينا. فكيف نستطيع الثبات أمامهم إن لم تكن أنت في نصرتنا ” (مكابيين الأول 50:3-52).

” فالآن لنصرخن الى السماء لعله يرحمنا ويتذكر عهد آبائنا ويكسر هذا الجيش أمامنا اليوم فتعلم كل الأمم إن لإسرائيل فادياً ومخلصاً ” (مكابيين الأول 10:4، 11).

يهوذا: ” فرأى جيشا قويا فصلى وقال مبارك أنت يا مخلص إسرائيل الذي حطم بطش الجبار على يد عبده داود وأسلم محلة الأجانب إلى يد يوناثان بن شاول وحامل سلاحه. فألق هذا الجيش في أيدى شعبك إسرائيل وليخزوا مع جنودهم وفرسانهم. أحلل عليهم الرعدة وأذب تجبر قوتهم وليضطربوا وينسحقوا. أسقطهم بسيف محبيك وليسبحك بالأناشيد جميع الذين يعرفون اسمك ” (مكابيين الأول 30:4-33).

” وسقطوا بوجوههم على الأرض ونفخوا في أبواق الإشارة وصرخوا إلى السماء ” (مكابيين الأول 40:4).

” وخرج في ثلاث فرق من ورائهم ونفخوا في الأبواق وصرخوا في الصلاة ” (مكابيين الأول 33:5)

” فدخل الكهنة ووقفوا أمام المذبح والهيكل وبكوا وقالوا إنك يا رب قد اخترت هذا البيت ليدعى فيه باسمك ويكون بيت صلاة وتضرع لشعبك. فانزل النقمة بهذا الرجل وجيشه وليسقطوا بالسيف واذكر تجاديفهم ولا تُبق عليهم ” (مكابيين الأول 36:7-38).

” وصلى يهوذا وقال انه لما جدف الذين كانوا مع ملك أشور خرج ملاكك يا رب وضرب مئة ألف وخمسة وثمانين ألفاً منهم. هكذا فاحطم هذا الجيش أمامنا اليوم فيعلم الباقون أنهم تكلموا على أقداسك سوءا واقض عليه بحسب خبثه ” (مكابيين الأول 40:7-42).

” فمزق يوناثان ثيابه وحثا التراب على رأسه وصلى ” (مكابيين الأول 71:11).

” فرق لهم سمعان وكف عن قتالهم وأخرجهم من المدينة وطهر البيوت التي كانت فيها أصنام ثم دخلها بالتسبيح والشكر ” (مكابيين الأول 47:13).

ودخلها في اليوم الثالث والعشرين من الشهر الثاني في السنة المئة والحادية والسبعين بالجمد والسيف والكفارات والصنوج والعيدان والتسابيح والأناشيد.

رأى سمعان أن يوحنا ابنه رجل بأس نجعله قائداً لجميع الجيوش.

 

تاسع عشر: العناصر الرئيسية لكل فصل من فصول سفر مكابيين الأول.

الفصل الأول

  • العناصر الأساسية في الإصحاح الأول:
  • فتح الأسكندر بين فيلبس المكدونى حصوناً متعددة وآثار حروباً كثيرة وقتل ملوك الأرض وأستولى على البلاد والأمم والسلاطين.
  • أحس بدنو أجله فقسم المملكة في حياته على الكبراء.
  • وكان ملك الاسكندر 12 سنة ومات.
  • كثرة الشرور في الأرض بعد تملك عبيده.
  • خرجت منهم جرثومة أثيمة هي أنطيوكس الشهير ابن أنطيوكس الملك.
  • في تلك الأيام خرج من إسرائيل أبناء منافقون ساروا بأحكام الأمم وارتدوا عن العهد المقدس وباعوا أنفسهم لصنع الشر.
  • أزمع الملك أنطيوكس على امتلاك مصر وحاربها بجيش وأسطول عظيم وأستولى عليها.
  • صعدوا إلى أورشليم وحطم المواضع والأوانى المقدسة، وكانت مناحة عظيمة في إسرائيل ولبسوا الخزى.
  • وبعد سنتين أرسل الملك رئيس الجزية إلى مدن يهوذا وهجم على المدينة وضربها ضربة عظيمة وأهلك شعباً كثيراً من إسرائيل ونجسوا المقدس.
  • تبع كثير من إسرائيل الملك أنطيوكس وارتضوا دينه وذبحوا للأصنام ودنسوا السبت وأمر الملك بعبادة الأصنام ونسوا الشريعة وقتل كل من يخالف أوامر الملك.
  • ومات كثير من إسرائيل من الذين لم ينفذوا أوامر الملك.

الفصل الثاني

  • خروج متتيا بن يوحنا بن سمعان من أورشليم كاهن من بني يوياريب وسكن في مودين وكان له خمسة بنين.
  • 1 يوحنا الملقب بكيدس. 2 سمعان المسمى بطسي
  • 3 يهوذا الملقب بالمكابي 4 العازار الملقب باواران
  • 5 ويوناثان الملقب بأفوس.
  • متتيا بن يوحنا يصف حال إسرائيل المتدنى.
  • متتيا بن يوحنا يتمسك بعهد آبائه والشريعة والأحكام رغم الإغراءات وغيرته على مذبح الله.
  • أصبح لمتتيا أتباعاً كثيرين مما يبتغون العدل والحكم.
  • هجم أتباع الملك على أتباع متتيا وقتلوا منهم ألفاً.
  • حزن متتيا حزناً شديداً.
  • هدم متتيا وأتباعه المذابح وختنوا كل من وجدوه في تخوم إسرائيل وأنقذوا الشريعة.
  • متتيا يوصى أولاده قبل موته ويستشهد ب إبراهيم ويوسف وفنحاس ويشوع وكالب وداود وإيليا وحننيا وعزريا وميثائيل ودانيال. ” فأنتم أيها البنون تشددوا وكونوا رجالاً في الشريعة فإنكم بها ستمجدون “. ثم باركهم وأنضم إلى آبائه وبكاه جميع إسرائيل بكاءً شديداً.

الفصل الثالث

  • تولى يهوذا ابنه المسمى بالمكابي وكان قوياً وشجاعاً كالأسد في حركاته وكالشبل الزائر على الفريسة وحارب حرب إسرائيل يفرح.
  • هزيمة حشودا بلونيوس أمام يهوذا وقتله وسقط قتلى كثيرون.
  • انكسار سارون قائد جيش سورية أمام يهوذا وقال يهوذا (ما أسهل أن يدفع الكثيرون إلى أيدى القليلين وسواء عند إله السماء أن يخلص بالكثيرين وبالقليلين. فإنه ليس الظفر في الحرب بكثرة الجنود وإنما القوة من السماء.
  • تحالف أنطيوكس الملك مع ليسياس ضد إسرائيل.
  • اختار ليسياس بطلماوس بن دوريمانس ونكانور وجرجياس رجالاً ذوى بأس من أصحاب الملك ومعهم 40 ألف راجل و7 آلاف فارس وانضمت إليهم جيوش سورية وأرض الغرباء.
  • التجأ يهوذا وأخوته إلى الصلاة والصوم والمسوح والرماد وكتب الشريعة والعشور والباكورات والنذور والمشيئة الإلهية ونصرة الرب. وترتيب الجيش.
  • استبعد يهوذا المشغولين ببناء بيت أو خطب امرأة أو غرس كرماً والخائفين.
  • التحلى بالشجاعة والاستعداد للحرب.
  • من أقواله ” الموت بكرامة أفضل من العيش في مذلة “

الفصل الرابع

  • انتصار يهوذا على كل جيوش جُرجياس ومعه 3 آلاف رجل وسقط 3 آلاف رجل من جيش جرجياس وفروا أمام يهوذا وعادوا يسبحون الرب ويباركوه إلى السماء. لأنه صالح إلى الأبد رحمته.
  • هزيمة ليسياس أمام يهوذا وسقط خمسة آلاف من جيشه.
  • تطهير المقادس واختيار كهنة بلا عيب وبناء المذبح والمقادس وآوانى مقدسة وتقديم ذبيحة على مذبح المحرقة وتدشين المذبح وذبحوا ذبيحة السلامة والحمد.
  • سرور الشعب وابتهاجه بتدشين الهيكل وتقديم الذبائح وبناء أسوار حصينة وإقامة جيش للحراسة.

الفصل الخامس

  • الحملات على الأمم الوثنية.
  • يهوذا يحارب بني عيسو في أدوم عند أقربتين لأنهم كانوا يضيقون على إسرائيل وضربهم ضربة عظيمة.
  • انتصارات يهوذا على بني بيان.
  • هزيمة تيموثوس أمام يهوذا وفتح يعزير وتوابعها ثم عاد إلى اليهودية.
  • جمع يهوذا الشعب وعقد مجمعاً وتشاور ماذا يصنع لأخوته المحصارين.
  • تقسيم الجيش سمعان في الجليل، ويهوذا ويوناثان في جلعاد ويوسف بن زكريا وعزريا في اليهودية.
  • انكسار الأمم أمام يهوذا واخوته وسقوط 3 آلاف رجل منهم.
  • مواصلة انتصارات يهوذا على تيموثاوس وسقوط 8 آلاف رجل من جيشه وافتتح مدن جلعاد.
  • يهوذا في مقدمة جيشه وتحقيق الانتصارات واستولى اليهود على مدينة قرنائيم.
  • مواصلة انتصارات يهوذا المكابي على عقرون وعبور الأردن حتى وصلوا أرض يهوذا وصعدوا جبل صهيون بسرور وتقديم المحرقات.
  • انتصار جرجياس على يوسف وعزريا وسقط 1000 رجل من إسرائيل.
  • عظمة يهوذا وأخوته أمام عيون كل إسرائيل.
  • توجه يهوذا إلى أشدود وهدم مذابحهم وأحرق منحوتات آلهتهم بالنار.

الفصل السادس

  • موت أنطيوكس أبيفانيوس وصراع اليهود مع خليفته.
  • الحزن يورث المرض، تأنيب الضمير وما يصاحبه من مشاعر نفسية سيئة (مكابيين الأول 12:6-13).
  • تولى أوباطور ابن أنطيوكس مكان أبيه في اعتلاء العرش.
  • انتصار يهوذا على جيشه أوباطور وسقط 600 رجل.
  • ليسياس يعقد صلحاً مع اليهود بعد فشله في الحرب السابقة معهم.

الفصل السابع

يمثل هذا الإصحاح حلقة جديدة في صراع المكابيين مع الحكام السلوقيين من جهة واليهود المرتدين عن الشريعة إلى المدينة الهيلنية من جهة أخرى، ولاسيما رئيس الكهنة والذي كان يليق به أن يضطلع بدور إيجابى وسط هذه الأحداث التى حولت تاريخ الأمة فإذ به يعمل ضدها ولصالح الأعداء ولكن وكما هو معروف فإن المتاعب الداخلية أصعب بكثير من الخارجية فإن من الصعب على العدو اختراق الصفوف متى كانت الأمة متماسكة لها فكر واحد وهدف واحد.

هم عناصر الفصل:

  • جيوش ديمتريوس بن سلوقس تقتل أنطيوكس وليسياس وجلوس ديمتريوس على عرش ملكه.
  • طمع ألكيمس أن يصير كاهناً أعظم وحوله جميع النفاق والكفر من إسرائيل.
  • تواطؤ ألكيمس وبكيدس ضد بني إسرائيل.
  • قتل 60 رجلاً من إسرائيل مكراً وغدراً.
  • أرسل الملك نكانور أحد رؤسائه المشهورين وأمره بإبادة الشعب.
  • وفد نكانور إلى أورشليم وأظهرا سلاماً (خداعاً ومكراً).
  • قتال نكانور ويهوذا عند كفر سلام وسقوط خمسة آلاف رجل من جيش نكانور.
  • تهديدات نكانور في جبل صهيون على الهيكل.
  • التحام جيش نكانور ويهوذا وسقوط نكانور وانكسار جيشه وسقوطهم جميعاً بالسيف.
  • قطع رأس نكانور ويمينه وعلقوها قبالة أورشليم.
  • ساد الهدوء أرض يهوذا أياماً كثيرة.

الفصل الثامن

  • سمع يهوذا بأن الرومان ذوا اقتدار عظيم، وقهروا فيلبس وفرساوس ملك كيتم في الحرب، وكسروا أنطيوكس الكبير ملك آسيه.
  • سقوط اليونان أمام الرومان.
  • أرسل يهوذا أبولمس بن يوحنا بن أكوس وياسون بن ألعازر إلى رومية ليعقدوا عهد المولاة والمناصرة والمسالمة. (معاهدة دفاع مشترك).
  • حذر الرومان الملك ديمتريوس من سوء معاملة اليهود.

الفصل التاسع

  • أرسل ديمتريوس بكيدس وألكيمس ونزلا في طريق الجلجال ونزلا عند مشالوت باربيل وأهلك نفوساً كثيرة. ثم نزلا على أورشليم ثم على بئروت.
  • تخاذل جنود يهوذا وتراجعهم وسقوط يهوذا في الحرب. وأشار عليه رجاله بالهرب فقال ” فلنموتن بشجاعة عن أخواتنا ولا نبقين على مجدنا وصمة “.
  • حمل يوناثان وسمعان يهوذا أخاهما ودفناه في قبر آبائه في مودين وبكاه شعب إسرائيل وقالوا ” كيف سقط البطل مخلص إسرائيل؟ “.
  • حدوث مجاعة عظيمة وحل بإسرائيل ضيق عظيم.
  • انتصار يوناثان على رجال بكيدس وسقوط ألف رجل وعودته إلى أورشليم.
  • موت ألكيمس في عذاب شديد.
  • تآمر المنافقين مع بكيدس ضد يوناثان.
  • يوناثان يستأصل المنافقين من إسرائيل.
  • يوناثان يعقد مصالحة مع بكيدس ورد الأسرى.

الفصل العاشر

  • فتح الاسكندر الشهير ابن أنطيوكس بطلمايس.
  • محاولة ديمتريوس استمالة يوناثان إلى جانبه ضد الاسكندر.
  • حاول الاسكندر موالاة اليهود.
  • أرسل الملك ديمتريوس رسالة مطولة لمحاولة التقرب لليهود واعداً لهم بإغراءات كثيرة ولكن اليهود أثروا العهد مع الأسكندر.
  • احتفال اليهود بعيد المظال.
  • هزيمة ديمتريوس الملك أمام الاسكندر وسقوطه.
  • حاول الاسكندر مصاهرة بطلماوس الملك بمصر بزواج ابنه كلوبطره.
  • زواج الاسكندر من كلوبطره باحتفال عظيم.
  • مقابلة الاسكندر يوناثان وإقامة قائداً وشريكاً في الملك.
  • فرار أبلونيوس بجيشه وخيله أمام سمعان ويوناثان.

الفصل الحادى عشر

  • حاول ملك مصر الاستيلاء على مملكة الاسكندر.
  • مقابلة يوناثان الملك ببطلماوس.
  • أرسل الملك بطلماوس رسلاً إلى ديمتريوس لمصاهرته وعقد عهد معه.
  • هزيمة الاسكندر أمام بطلماوس وقطع رأسه وموت بطلماوس الملك وملك ديمتريوس.
  • تعظيم يوناثان أمام ملك ديمتريوس واقره في الكهنوت الأعظم. وكتب كتاباً بالإحسان إليهم ومناصرتهم.
  • أرسل يوناثان 3 آلاف رجل أشداء البأس إلى أنطاكية لمؤازة الملك.
  • عظم أمر اليهود عند الملك وعند جميع أهل مملكته.
  • جلوس ديمتريوس الملك على عرش ملكه.
  • هزيمة ديمتريوس واستيلاء تريفون على الفيلة وفتح أنطاكية.
  • كتاب أنطيوكس الصغير إلى يوناثان قائلاً أنى أقرك في الكهنوت الأعظم وأقام سمعان أخاه قائداً من عقبة صور إلى حدود مصر.
  • سقوط 3 آلاف من الأجانب أمام يوناثان وروع يوناثان إلى أورشليم.

الفصل الثاني عشر

  • كتاب يوناثان الكاهن الأعظم إلى أهل إسبرطة (رومية) ليجدد المولاة والمناصرة والإخاء.
  • استجاب باريوس ملك الإسبرطين إلى طلبهم.
  • فرار جيش ديمتريوس أمام يوناثان.
  • استحواز سمعان على يافا.
  • حاول ترينون أن يهلك يوناثان ولكنه خشى بأسه ورأى جيشه البالغ 40 ألف رجل فتلقاه بالإكرام والهدايا.
  • خدعة تريفون بتسرع الجيش ولم يبق مع يوناثان إلا 3 آلاف.
  • أرسل تريفون جيشاً وفرساناً إلى الجليل والصحراء الواسعة لإهلاك جميع رجال يوناثان
  • موت يوناثان ومناحته عظيمة عند جميع إسرائيل.

الفصل الثالث عشر

  • تولى سمعان القيادة مكان أخيه يوناثان.
  • شيد سمعان بناء عظيم على قبر أبير واخوته وبنى سبعة أهرامات.
  • قتل تريفون أنطيوكس الملك الصغير.
  • بنى سمعان حصوناً وبروجاً وأسواراً عظيمة.
  • أرسل ديمتريوس الملك كتاباً إلى سمعان الكاهن الأعظم يعقد سلماً.
  • استيلاء سمعان على غزة.

الفصل الرابع عشر

  • ألقى أرساكيس ملك فارس وماداى القبض على ديمتريوس وألقاه في السجن.
  • هدأت أرض يهوذا كل أيام سمعان.
  • غار على الشريعة واستأصل الشر كل أثيم وشرير، وغطَّم الأقداس وأكثر من الآنية المقدسة.
  • أرسل الإسبرطيون إليه ليجدوا العهد واستجاب سمعان لهم.
  • أحب الشعب سمعان لما فعله من العدل والوفاء والمجد وإعزاز شعبه وانتصاراته وحسن لديهم أن يكون سمعان رئيساً وكاهناً أعظم وقائداً مدى الدهر ويتولى أمر الأقداس.

الفصل الخامس عشر

  • أنفذ أنطيوكس بن ديمتريوس الملك كتاباً إلى سمعان الكاهن الأعظم رئيس أمة اليهود (معاهدة تضامنية).
  • عدالة سمعان (إنا لم نأخذ أرضاً لغريب ولم نستول على شئ لأجنبى ولكنه ميراث آبائنا.

 

الفصل السادس عشر

  • سمعان يفوض ابنيه يهوذا ويوحنا لمواصلة الدفاع عن إسرائيل (أخرجا وقاتلا عن أمتكما وليؤازركما النصر من السماء).
  • انكسار كندباوس وجيشه أمام يوحنا وجُرح يهوذا وسقط ألف منهم.
  • غدر بطلماوس بن أبوبس على سمعان وبنيه.
  • قتل بطلماوس بن أبوبس سمعان وبنيه وبعض غلمانه. وخان خيانة عظيمة.

 

المراجع:

  • مدخل إلى سفرى المكابيين إعداد راهب من دير البراموس
  • مقدمات في أسفار الكتاب المقدس كنيسة مارجرجس سبورتنج
  • سفرالمكابيين الأول القمص / بيشوى عبد المسيح
  • جغرافية الكتاب المقدس عهد قديم القمص / ميخائيل فهمي

إقرأ أيضًا:

قانونية الأسفار القانونية الثانية

المقدمة والفهرس – الأسفار القانونية الثانية Arabic Deuterocanon

ما هي الأسفار القانونية الثانية؟ – الفصل الأول

نظرة البروتستانت للاسفار القانونية – الفصل الثاني

لماذا لا يؤمن البروتستانت بالأسفار القانونية الثانية؟ – الفصل الثالث

الرد على اعتراضات البروتستانت على الأسفار القانونية الثانية – الفصل الرابع

سفر طوبيا (طوبيت) – بحث شامل عن سفر طوبيا (طوبيت) وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

سفر يهوديت – بحث شامل عن سفر يهوديت وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

سفر مكابيين الأول – بحث شامل عن سفر مكابيين الأول وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

سفر المكابيين الثاني – بحث شامل عن سفر المكابيين الثاني وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

سفر نبوة باروخ – بحث شامل عن سفر نبوة باروخ وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

المزمور 151 – بحث شامل عن المزمور 151 وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

صلاة منسى – بحث شامل عن صلاة منسى وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

تتمة سفر دانيال – بحث شامل عن تتمة سفر دانيال وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

تتمة استير – بحث شامل عن تتمة استير   وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

تتمة سفر دانيال – بحث شامل عن تتمة سفر دانيال وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

صلاة منسى – بحث شامل عن صلاة منسى وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

المزمور 151 – بحث شامل عن المزمور 151 وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

سفر المكابيين الثاني – بحث شامل عن سفر المكابيين الثاني وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

سفر نبوة باروخ – بحث شامل عن سفر نبوة باروخ وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

سفر يشوع بن سيراخ – بحث شامل عن سفر يشوع بن سيراخ وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

سفر حكمة سليمان – بحث شامل عن سفر حكمة سليمان وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

سفر مكابيين الأول – بحث شامل عن سفر مكابيين الأول وقانونيته والرد على الإعتراضات الموجهة إليه

Exit mobile version