مراحل تأصيل الأناجيل – دونالد كارسون – دوجلاس مو – ترجمة ودراسة: أمير يعقوب

مراحل تأصيل الأناجيل – دونالد كارسون – دوجلاس مو – ترجمة ودراسة: أمير يعقوب

مراحل تأصيل الأناجيل – دونالد كارسون – دوجلاس مو – ترجمة ودراسة: أمير يعقوب

مراحل تأصيل الأناجيل – دونالد كارسون – دوجلاس مو – ترجمة ودراسة: أمير يعقوب

مراحل تأصيل الأناجيل (1)

في سياق التحقق بأصول الاناجيل توجد مناهج متميزة عديدة وقد ظهرت خلال القرنين الماضيين كل منها يبرز سمات ومراحل مختلفة للمسألة. ثلاثة مناهج بالتحديد اظهرت مشاركات هامة لمسألة اصول الاناجيل وتطورها:

  • نقد النموذج (form criticism) الذي يركز على فترة الانتقال الشفهي.
  • ونقد المصدر (source criticism) والذي يركز على طريقة وضع الفقرات الادبية المختلفة لعمل الاناجيل.
  • ثم نقد التعديل (redaction criticism) الذي يركز على مساهمات كتاب الاناجيل الادبية واللاهوتية.

هذه المناهج تتواءم عموما مع الثلاثة مرحل المذكورة في مقدمة انجيل لوقا. غالبية نقاد الانجيل المعاصرون يوظفون هذه المناهج الثلاثة بالتزامن فيما يعرف بتحليل التقاليد (traditions analysis) أو نقد التقليد (tradition criticism) وبالرغم من ذلك فان هذه المناهج الثلاثة متميزة تاريخيا ومنهجيا.

 

أولا: مرحلة التقاليد الشفهية (Oral Traditions)

او ما يعرف بنقد النموذج أو الشكل:

لنبدأ بنقد النموذج بالرغم من ظهوره بعد ذروة نقد المصدر الا انه يركز على المرحلة الاقدم في العملية التي فيها اصبحت الاناجيل في المرحلة الشفهية. هذه كانت الفترة الزمنية قبل وجود اي مصدر أولى مكتوب لحياة وتعليم الرب يسوع. والتي خلالها صارت الأناجيل تنتقل بكلمة الفم. وإذا كان انجيل مرقس يرجع لمنتصف خمسينات القرن الاول الميلادي فان هذه المرحلة للانتقال الشفهي لابد انها استمرت عشرين سنة على الاقل.

ان دراسة الفترة الانتقالية لتقليد يسوع الشفهي حتى وصوله لشكله النهائي المكتوب يسمى أحيانا نقد التقليد أو تاريخ التقليد. ويقول بروس شيلتون: “ان نقد التقليد يركز على الفترة القصيرة نسبيا بين يسوع واول مصدر مكتوب للعهد الجديد”.

ويشرح لنا ستيفين ترافيس اهداف نقد النموذج: “ان نقد النموذج يهدف الى تصنيف كتب العهد الجديد حسب أسلوبها الأدبي وتحليل الوحدات الصغيرة لمادة التقليد حسب النموذج أو الشكل الذي تتبعه خلال الفترة الشفهية”

تم تطبيق نقد النموذج أولا على العهد القديم بواسطة الباحث هيرمان جانكل (Hermann Gunkel) ثم طبق بدراسات العهد الجديد في العقدين الثاني والثالث من هذه القرن بواسطة مجموعة ثلاثية من الباحثين الذين عرفوا منهج نقد المصدر هؤلاء الباحثين هم كارل شميدت ومارتن ديبليوس ورودلف بولتمان. وبالرغم من اختلافهم في العديد من النقاط الهامة إلا أنهم يشتركون في ست افتراضات على الأقل التي صارت قواعد نقد النموذج:

  1. قصص واقوال يسوع انتشرت في وحدات صغيرة مستقلة. ونقاد النموذج المبكرين يرون استثناء في رواية الالام التي يعتقدون أنها كانت عمل أدبي ذاتي متضمن منذ فترة مبكرة جدا. إلا أن هذا الاستثناء لم يعترف به العديد من النقاد المعاصرين.
  2. انتقال مادة الإنجيل يمكن مقارنته بانتقال التقاليد الدينية والشعبية الاخرى. وتقع مسئولية هذا الانتقال على عاتق الأفراد داخل المجتمعات حيث تأخذ المادة شكل وتدون. قواعد الانتقال المحددة والملحوظة عموما في أي حالة للانتقال الشفهي يمكن تطبيقها على انتقال الأناجيل.
  3. قصص وأقوال الرب يسوع أخذت نماذج أو أشكال قياسية محددة (منها جاء لفظ نقد النموذج أو الشكل أو تاريخ النماذج) حيث مازال الجزء الأعظم مرئيا بسهولة في الاناجيل. نقاد النموذج لم يتفقوا على عدد وطبيعة هذه النماذج بالضبط.
  4. نموذج قصة أو قول معين يجعل من الممكن ان يستنتج طريقة رسوخه في حياة الكنيسة المبكرة.
  5. وبانتشار أقوال وقصص يسوع فإن التجمعات المسيحية المبكرة لم تضع هذه المادة في نماذج محددة فقط بل وظفتها بدافع احتياجاتها ومواقفها الخاصة.

يختلف نقاد النموذج بشدة في درجة توظيف وتكوين مادة الانجيل بالكنيسة المبكرة. مثلا بولتمان يعتقد ان التأثير كان ضخما وناسبا الكثير من مادة الانجيل الى الكنيسة المبكرة واوجد القليل المعتبر من كرازة الرب يسوع الارضية. وقد نسب الكثير من مادة الانجيل للكنيسة المبكرة لأنه ومعه العديد يعتقدون ان الكنيسة المبكرة لم تكن منشغلة بالتمييز بين الاشياء التي قالها يسوع حين كان على الارض والاشياء التي استمر في قولها من خلال الانبياء في حياة الكنيسة.

الاحكام التاريخية الراديكالية مثل هذه ليست جوهرية في نقد النموذج والعديد من نقاد النموذج أكثر محافظة في تقييماتهم التاريخية. فينست تايلور أحد النقاد المحافظين الذي حدد تأثير الكنيسة المبكرة اساسا في ترتيب مادة الانجيل. ولكن هناك استثناءات للقاعدة ولابد من القول ان الغالبية العظمى من نقاد النموذج اظهروا قبولهم كتضمين قياس جيد للتشكيك التاريخي.

  1. قام نقاد النموذج الكلاسيكيين بتحديد معايير متنوعة لمساعدتهم في استنتاج عمر وتوثيق تاريخي للمقاطع. هذه المعايير قد تأسست على قوانين انتقال محددة التي تصلح لاي مادة شفهية منتقلة. وحسب هذه القوانين يميل الناس الى:
  • تمديد قصصهم
  • اضافة تفاصيل اليها
  • تكييفها بلغتهم أكثر
  • ثم حفظ وتكوين ما يناسب احتياجاتهم الخاصة ومعتقداتهم.

وبناء على قواعد هذه القوانين فإن العديد من نقاد النموذج صرحوا بأن مادة الإنجيل الأقصر والأقل تفصيل والمتضمنة ألفاظ سامية والتي لا توافق اهتمامات الكنيسة المبكرة أو يهودية القرن الأول الميلادي هي الأقدم وعليه تعتبر تاريخية.

هذا المعيار الاخير والذي يسمى “معيار اللاتشابه أو التباين (criterion of dissimilarity)” هام خاصة للنقاد الأكثر راديكالية. وباستبعاد أي شيء ربما تكون بواسطة الكنيسة المبكرة أو اقتطف من المحيط اليهودي فإنه من الممكن تأمين حد أدنى مؤكدا نقديا للأقوال والأفعال والتي يعتمد عليها الفهم التاريخي للرب يسوع.

مثلا معيار التباين هذا يرجح أن العدد (مرقس 13: 32) “واما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن الا الآب.” أصلي للرب يسوع لأنه يستخدم لغة ليست يهودية ويتضمن فرضية “تجاهل يسوع” (Jesus’ ignorance) والتي قاومت نظرة الكنيسة المبكرة. أيضا معيار خامس مرتبط به باعتبار أصالة المادة المعزولة بسبب معيار التباين بينما معيار سادس “الإقرار أو التصديق المتعدد” (multiple attestation) يعطي أفضلية لمادة وجدت في أكثر من تقليد ساري [مثلا انجيل مرقس والمصدر “ق” (Q)].

 

 

مراحل تأصيل الأناجيل (2): معايير الأصالة التاريخية:

توجد قائمة بالمعايير التي افترضت بواسطة عدد من الباحثين. والفكرة هنا إنه كلما زاد عدد المعايير المطبقة على قول معين أو قصة للرب يسوع تزداد الثقة بخصوص حقيقة عودة القول أو القصة موضع التساؤل للرب يسوع نفسه.

هذه المعايير كما يلي:

  • التأكيدات المتعددة
  • تعدد النماذج
  • السمات اللغوية الآرامية
  • السمات البيئية الفلسطينية
  • الميول تطوير التقليد
  • التباين المزدوج من اليهودية والمسيحية
  • التغييرات اليهودية المسيحية
  • التمايز عن أسلوب البشير
  • الارتباط بالأقوال الأصلية

 

ويفترض الباحثون المشككون أن فقرات الإنجيل التي تحوز درجة شك أقل عند تطبيق المعايير السابقة تعتبر أصلية وتعود للرب يسوع بينما الباحثون المحافظون يفترضون أن الأقوال أصلية بذاتها ما لم تتكون درجة شك معينة عند تطبيق معايير الأصالة.

 

وقد تم اقتراح معيارين سلبيين ينفيان الأصالة هما:

  • الاستحالة البيئية
  • التضارب مع الأقوال الأصلية

 

إن التشكيك التاريخي الذي يميز العديد من نقاد النموذج المرموقين قد أعطى نقد المنهج نفسه سمعة مهاجمة تاريخية الأناجيل. ونقد النموذج كعلم أدبي يستوجب عدم إصدار أحكام استباقية بخصوص تاريخية المادة محل التحليل. علاوة على ذلك العديد من الفرضيات التي يعتمد عليها نقد النموذج تبدو قاطعة:

  • حيث يوجد بالفعل فترة انتقال شفهية أساسية لمادة الإنجيل كثير منها في وحدات صغيرة
  • ويوجد ايضا ميل لهذه المادة لأخذ شكل قياسي معين
  • والكنيسة المبكرة بلا شك قد أثرت في طريقة تدوين هذه المادة.

 

أنواع النماذج في الأناجيل الازائية:

  • الحوارات: حسب ديبليوس فإن هذه الفقرات تتميز بأن أهم نقطة فيها هى آخر تعليق بالقصة وهى قصة قصيرة وتتضمن عنصر ديني وهى تصلح للتعليم.

وقد قسم بولتمان هذا النوع من النماذج إلى حوارات تناظرية وذلك عندما يكون المحاور من معارضي يسوع (مرقس 3: 1-6) وحوارات تدارسية عندما يكون المحاور من التلاميذ (مرقس 2: 28-34) بالإضافة إلى الأقوال الشخصية (biographical apophthegms).في (لوقا 9: 57-62)

أمثلة: الحوار بخصوص قطف السنابل في السبت (مرقس 2: 23-28)، الحوار مع الشاب الغني (مرقس 10: 17-31) والحوار مع مريم ومارثا (لوقا 10: 38-42).

  • المعجزات: هذه الفئة من النماذج متكاملة لها بداية ونهاية واضحة ويمكن تقسيمها حسب نوع المعجزة مثل معجزات إخراج الشياطين (مرقس 5: 1-20، 9: 14-29) والشفاء من الأمراض (مرقس 1: 40-45، 5: 21-43) والإقامة من الموت والظهورات ومعجزات الطبيعة (مرقس 4: 35-41، 6: 35-44، 45-52) وهي تتميز بعدم احتوائها على تعاليم.
  • الحوادث: هذه النماذج التي لا تستلزم بالضرورة عدم تاريخية هذه الأحداث وقد دعاها بولتمان القصص التاريخية والتقليدية وما

تتميز به هذه القصص أنها دينية تخص أشخاص قديسين يتمثل بهم.

ومنها قصص خاصة بالرب يسوع (لوقا 2: 41-49، 4: 29) وعن بطرس مثلا في (متى 14: 28-33، 16: 13-23).

  • الخوارق: هي قصص معجزات خارقة للطبيعة ولكن بدون تدخل ويتم المشهد في وجود العنصر البشري.

يوجد ثلاثة قصص فقط من هذه الفئة وهي: معجزة الظهور الإلهي (مرقس 1: 9-11 وما يوازيها بالأناجيل الاخرى)، التجارب الثلاثة في البرية (متى 4: 1-11 وما يوازيها) ومعجزة التجلي (مرقس 9: 2-8 وما يوازيها). إلا أن بولتمان يضع هذه المعجزات ضمن الفئة السابقة وهي القصص التاريخية.

  • التعاليم: وهذه الفئة تختص بمادة التعليم في الأناجيل وتمثل جميع ما قاله يسوع وتنقسم إلى أقوال، تشبيهات، أمثال، نبوات، تعليقات قصيرة وتشريعات (متى 5: 29، 44-48، 6: 2-4).

 

ويقسم بولتمان هذه الفئة إلى ثلاث مجموعات:

  • اقوال الحكمة [logia]
  • اقوال نبوية
  • تشريعات

وقد فصل بولتمان نوعين من هذه الأقوال: النوع الأول ويبدأ بالمقطع “أنا هو” والتي تكلم فيها يسوع عن نفسه أو عن أعماله أو عن أبديته والنوع الثاني يختص بالأمثال.

ويشرح داريل بوك كيفية التمييز بين النماذج المختلفة للفقرات المتضمنة بالأناجيل: “هذه الفئات تعتبر مساعد تحليلي معلوماتي للشارح أو المفسر للنص. فهى تساعد المفسر ليسأل النوعيات الصحيحة من الأسئلة بخصوص النص ويبحث عن غاياته في التركيب المشترك للشكل أو انفرداته”.

انتقادات كثيرة يجب أن توجه ضد تطبيق نقد النموذج منها:

 

أولا: الادعاء بأن الكنيسة المبكرة لم تميز يسوع الأرضي عن الرب القائم وعليه شعرت بالحرية في وضع أقوال على شفاه يسوع الأرضي الملفوظة بالأنبياء المسيحيين الأوائل والغير مبرر.

 

في الواقع لا يوجد في العهد الجديد ما يبرهن على أن المسيحيون الأوائل لم يميزوا بين يسوع الأرضي والرب القائم وأن نقاد النموذج لم يفسروا على الإطلاق كيف تلفظ أحد المسيحيين الأنبياء ووضع على شفاه يسوع ما علمه في موضع معين بالجليل مثلا. إن النبوة المسيحية الموظفة بهذه الطريقة هي محل تساؤل أكثر بكثير.

 

ثانيا: يجب أن نتساءل هل يمكن مقارنة انتقال مادة الإنجيل عبر عشرين سنة ببعض المواد الأخرى التي يستخدمها نقاد النموذج من أجل رسم استنتاجات بخصوص الأناجيل؟

 

ثالثا: ارتباطا بالنقطة السابقة توجد شكوك بخصوص ما يعرف بقوانين الانتقال. فالباحثون أظهروا أن الانتقال الشفهي بصورة دائما يميل إلى تمديد المادة. وبالتالي فإن استخدام هذه القوانين لكي تنسب قصص وأقوال إلى الكنيسة بدلا من الرب يسوع غير قاطع.

 

وبالرغم من ذلك يجب تسجيل تحذيرات معينة حتى في هذا الفرع الأدبي الصغير:

أولا: ربما الكثير من مادة الإنجيل وجدت منذ فترات مبكرة في شكل مكتوب وأن العديد من باقي المادة ربما ارتبطت معا بوحدات أدبية أكبر.

ثانيا: يجب الحذر بألا نفترض إلتباس بنماذج مادة واضحة ومحددة. وان وجود ما يعرف بالنماذج المختلطة يفترض أن أي تصنيف يجب أن يرى مشروطا وعاما.

ثالثا: زعم نقاد النموذج بالقدرة على تحديد التنظيم في حياة الكنيسة من نماذج محددة يجب أن يعالج بالشك الصحي. فنحن عادة نفتقد إلى البيانات الكافية لأي تعريف.

وختاما ربما الضرر الأكبر في ادعاءات العديد من نقاد النموذج عن طبيعة عملية الانتقال هى أنها “ظنية”!!. والعديد من المؤلفين يزعمون أن غالبية نقاد النموذج لا يثمنون بالقدر الكافي ديناميكيات وطبيعة الانتقال الشفهي.

 

مراحل التحقق من أصالة الأناجيل (3): مرحلة المصادر المكتوبة (Written Sources) أو ما يعرف بنقد المصدر أو المسألة الازائية:

في المرحلة الشفهية لتطور الأناجيل الازائية ربما تضمنت بعض التقاليد المكتوبة عن حياة يسوع وتعاليمه. ربما بعض الرسل أخذوا ملاحظات عن تعاليم الرب يسوع وأفعاله خلال خدمته نفسها وقد تسارعت هذه العملية بعد القيامة. نقد المصدر تخصص من أجل تقصي المرحلة المكتوبة في إنتاج الأناجيل. أنه يقتفي إجابة هذا السؤال: ما هي المصادر المكتوبة إن وجدت هل استخدمها البشيرون في تكوين اناجيلهم؟

هذا السؤال يحوز اهتمام معين لعلماء التاريخ في الحركة المسيحية المبكرة ويسأله أي دارس للأناجيل الازائية. حيث توجد بدايات تشابه في الخطوط العريضة عامة وفي الصياغة خاصة بين الأناجيل الازائية. راجع المثال التالي الخاص بمعجزة شفاء المفلوج:

(إنجيل متى 9: 6): “ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطانا على الأرض أن يغفر الخطايا. حينئذ قال للمفلوج. قم احمل فراشك واذهب إلى بيتك.”

(إنجيل مرقس 2: 10-11): “ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطانا على الأرض أن يغفر الخطايا. قال للمفلوج لك أقول قم واحمل سريرك واذهب الى بيتك.”

(إنجيل لوقا 5: 24): “ولكن لكي تعلموا أن لابن الانسان سلطانا على الأرض أن يغفر الخطايا قال للمفلوج لك اقول قم واحمل فراشك واذهب الى بيتك.”

ليس فقط الصياغة مضبوطة بالتمام ولكن كل البشيرون الثلاثة يضعون قطع مفاجئ في كلمات يسوع في نفس النقطة. هذا التضاعف للتركيبات يحدث في مواضع اخرى بطول الفقرات التي فيها يستخدم انجيلين أو الثلاثة اناجيل نفس الصياغة بدقة تامة وبنفس الترتيب وفي سطور عديدة بالنص.

مثال آخر عن كيفية استخدام إنجيل متى ولوقا نفس الكلمات لتسجيل رثاء مدينة أورشليم:

(إنجيل متى 23: 37-39): “يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا. هوذا بيتكم يترك لكم خرابا. لأني أقول لكم أنكم لا ترونني من الآن حتى تقولوا مبارك الآتي باسم الرب”

(إنجيل لوقا 13: 34-35): “يا اورشليم يا اورشليم يا قاتلة الانبياء وراجمة المرسلين اليها كم مرة اردت ان اجمع اولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا. هوذا بيتكم يترك لكم خرابا. والحق اقول لكم انكم لا ترونني حتى يأتي وقت تقولون فيه مبارك الآتي باسم الرب”

ولكن ما يجعل المشكلة الازائية معقدة هو أنه بجانب حقيقة التوافق التام توجد أيضأ اختلافات محيرة. كما في المثال الاول نجد أن إنجيل متى أسقط “لك” الموجودة في كل من إنجيل مرقس ولوقا. إن المزج بين التوافق وعدم التوافق يمتد إلى تركيب أكبر في الاناجيل أيضأ. وفي فقرات عديدة نجد أن الاناجيل الثلاثة يتبعون نفس الترتيب في الأحداث حتى بدون سبب تاريخي أو تسلسلي واضح.

كل إنجيل قد يسقط جزء من الموجود بالإنجيلين الآخرين وكل منهم يتضمن وقائع متفردة وبعض الأحداث الموجودة في أحد الأناجيل أو إثنين منهم قد توضع بترتيب مختلف.

والسؤال إذا وراء المشكلة الازائية يمكن إعادة صياغته في ضوء هذه البيانات السابقة: ما هى الفرضية التي تفسر المزج بين الاتفاق التام والتباعد الواسع الذي تتميز به الأناجيل الثلاثة؟

توجد حلول أساسية أهمها الأربعة فرضيات الرئيسية التالية:

الفرضية الاولى: الاعتماد العام على انجيل واحد أصلي: في عام 1771م ناقد ادبي ومؤلف الماني (Lessing) زعم ان العلاقات بين الاناجيل الازائية يمكن تفسيرها بأنها قد استخدمت باستقلالية انجيل واحد أصلي مكتوب بالعبرية أو الآرامية. هذه الفرضية تبناها آخرين ثم تعدلت بيد (Eichhorn) الذي افترض وجود أكثر من إنجيل مفقود كمصدر للأناجيل الازائية. إلا أن هذه الفرضية لم تجد قبولا بين علماء القرن العشرين.

الفرضية الثانية: الاعتماد العام على المصادر الشفهية: بعد أن افترض (Lessing) ما يعرف بالانجيل المصدر “الانجيل الاولي” (Ur-gospel) كحل للمشكلة الازائية قام الناقد الالماني (Herder) بافتراض اعتماد الأناجيل الازائية على موجز شفهي منضبط لحياة المسيح كتفسير أفضل. هذا المقترح تم تمديده والدفاع عنه مطولا بواسطة (Gieseler) عام 1881م. هذه النظرة كانت أكثر شيوعا في القرن التاسع عشر عنها الآن. ولكنها استمرت عند القليل من الدارسين.

الفرضية الثالثة: الاعتماد العام على قصاصات مكتوبة ومتطورة تدريجيا: الباحث (Schleiermacher) اقترح أن العديد من قصاصات التقليد وجدت في الكنيسة المبكرة وتلك قد نمت تدريجيا حتى صارت مدمجة في الأناجيل الازائية. هذه الفرضية لم تعد ذات أهمية ولكنها ظلت محل للنقاش بخصوص “الأقوال” (logia) المذكورة في كتابات بابياس كمجموعة أقوال للرب يسوع [راجع يوسابيوس تاريخ الكنيسة 3، 39، 16].

الفرضية الرابعة: الاعتمادية البينية(interdependence): كحل آخر للمشكلة الازائية يفترض أن انجيلين استخدما إنجيل الثالث في بناء نصهما. المدافعين عن هذه الفرضية يقصدون أن الاقتباس في المستوى الأدبي الأخير يفسر درجة التشابه بين الأناجيل الازائية. هذا الحل للمشكلة الازائية كان شائعا منذ زمن مبكر في تاريخ الكنيسة (راجع أوغسطينوس) ويوفي غالبية المتطلبات بين دارسي العهد الجديد المعاصرين ولسبب وجيه.

نظريات الاعتمادية البينية: نظرية واحدة فقط للاعتمادية البينية للأناجيل الازائية التي تستطيع تفسير هذه البيانات.

سمة واحدة لهذه البيانات تبدو حاسمة لصلاحية النظريات المفترضة: العلاقة بين الأناجيل بترتيب تسجيلهم لأحداث الخدمة. دراسة التوازي المتعاقب للأناجيل الازائية في هذه النقطة يظهر حقيقة هامة أنه بينما إنجيل متى ومرقس يتفقان ضد إنجيل لوقا في ترتيب الأحداث وانجيل لوقا ومرقس يتفقان ضد إنجيل متى فإن إنجيل متى ولوقا لا يتفقان على الإطلاق ضد انجيل مرقس.

لاحظ أن إنجيل متى ومرقس يتفقان ضد إنجيل لوقا في وضع إتهام يسوع بإخراج الشياطين باسم بعلزبول مباشرة قبل أمثال الملكوت وانجيل لوقا ومرقس تفقان ضد متى في وضع تهدئة العاصفة وشفاء مجنون كورة الجدريين مباشرة بعد أمثال الملكوت ولا يوجد على الإطلاق اتفاق بين إنجيل متى ولوقا ضد إنجيل مرقس في وضع الأحداث بطريقة أخرى ولا يتبع إنجيل مرقس على الإطلاق أي ترتيب لا يتفق مع ترتيب البشيرين متى ولوقا. هذه الظاهرة أظهرت واحدة من أهم نقاط الجدال بخصوص طبيعة العلاقات بين الأناجيل الازائية:

جدلية الترتيب. فيبدو أن إنجيل مرقس متطلبا كوسيط في أي مخطط بياني للعلاقات بين مرقس ومتى ولوقا سواء كان أقدم منهما أو بينهما أو أقدم منهما.

(مرقس) —–> (متى)/(لوقا)

(متى) —–> (مرقس) —–> (لوقا)

(لوقا) —-> (مرقس) —–> (متى)

(متى)/(لوقا) —–> (مرقس)

كل من هذه المخططات يمكن أن تفسر ظاهرة الترتيب. كما أننا لا يمكن أن نستبعد احتمالية العلاقة الاعتمادية بين إنجيل متى ولوقا في استخدام إنجيل مرقس. كما أن جدال الترتيب لا يستبعد اعتمادية كل من إنجيل متى ولوقا على الآخر بالرغم من أن ذلك يتطلب أن البشير الذي كتب آخرا قد اختار بقصد تتبع ترتيب الانجيلين الاخرين أينما اتفقا.

 

مراحل تأصيل الأناجيل (4)

الفرضية الأغسطينية (Augustinian Proposal): أخذت اسمها من القديس أغسطينوس اللاهوتي الشهير في شمال افريقيا الذي دافع عن هذه الفرضية التي تقول ان متى كان الإنجيل الأول المكتوب ثم مرقس اقتبس منه ولوقا اقتبس منهما. حتى القرن التاسع عشر كانت هذه الفرضية هي النظرة القياسية للعلاقة بين الأناجيل الإزائية. أما الآن بدأ العديد في تفضيل افتراضات بديلة. ولم تحوز فرضية أغسطينوس أي دعم ماعدا الباحث (Butler).

فرضية الإنجيلين (Two-Gospel hypothesis): بجانب أبحاثه النقدية في الأناجيل الإزائية وافق جريسباخ (Griesbach) أن متى كتب أولا إلا أن لوقا كان ثانيا وأن مرقس اعتمد على كل من متى ولوقا. وقد سميت فرضيته بـ”فرضية الإنجيلين” للتميز بينها وبين فرضية المصدرين (two-source hypothesis) وقد تمتعت هذه الفرضية بشعبية خلال الفترة الاخيرة.

فرضية المصدرين (Two-Source Hypothesis): بينما تظهر فرضية الإنجيلين أن متى ولوقا كانا حجرا البناء لإنجيل مرقس فإن فرضية المصدرين تعتبر أن إنجيل مرقس والمصدر “ق” (Q) [مصدر مفقود لأقوال يسوع] قد تم استخدامهما باستقلالية بواسطة متى ولوقا.

الأسبقية المرقسية (Markan priority): أسبقية إنجيل مرقس افترضت أولا في عام 1830م بواسطة العالم كارل لخمان (Lachmann) وقد أعطيت مصطلحها الكلاسيكي في بحث هولتزمان (Holtzmann) عام 1863م.

وأخيرا في كتاب الأناجيل الأربعة: دراسة الاصول (1924م) للعالم (Streeter) افترض وجود مصدرين آخرين بالإضافة إلى إنجيل مرقس والمصدر “ق” (Q) هذا بالإضافة إلى المادة الخاصة بإنجيل متى (M) والمادة الخاصة بإنجيل لوقا (L) فيما يعرف بفرضية المصادر الأربعة هذه كانت محاولة لتفسير أصل الأناجيل خلال نقد المصادر. وقد اقترح (Streeter) تواريخ وأماكن منشأ هذه المصادر.

اخذ العالم (Streeter) نقد المصدر إلى أبعد الحدود وفرضيته كانت آخر عمل كبير في هذا المجال لمدة. ولا يتفق الجميع مع تفاصيل هذا المخطط ومعظم نقاد الإنجيل المعاصرين يتشككون في وجود المصدرين (M) و(L) كمصدرين مكتوبين وأيضا في الاستنتاجات التسلسلية والجغرافية التي توصل لها. فغالبية العلماء يعتقدون أن (Streeter) وسالفيه قد أثبتوا بوضوح فرضية المصدرين بالعموم.

لقد تعرضت فرضية المصدرين في العقود الثلاثة الأخيرة لنقد جاد بواسطة المدافعين عن فرضية الإنجيلين أو فرضية جريسباخ ولكن هناك اخرين احتفظوا بأسبقية إنجيل مرقس بينما تساءلوا بخصوص وجود وطبيعة المصدر “ق”. وبالرغم من أن فرضية المصدرين قد انتزعت من حالة “نتيجة دراسية مؤكدة” (assured result of scholarship) إلا أنها تظل النظرية الأفضل في تفسير العلاقة بين الأناجيل الازائية.

اسبقية إنجيل مرقس (Markan Priority): حتى القرن التاسع عشر غالبية المسيحيون يعتبرون أن إنجيل متى قد كتب أولا. هذا التقليد الذي دعم بشكل واضح من بابياس أحد آباء الكنيسة بالقرن الثاني الميلادي (راجع يوسابيوس).

العديد أعطى إنجيل متى الأسبقية على أساسات غير وافية باعتباره الرسول الوحيد بين بشيري الأناجيل الثلاثة. أيضا تقليد قوي آخر يقول أن مرقس كتب انجيله بناء على تعليم بطرس مما يجعل اعتماد مرقس على إنجيل متى صعب. فلماذا يقتنع العديد من الدارسين أن إنجيل مرقس يقف وراء متى ولوقا؟ وللإجابة على هذا التساؤل راجع النقاط التالية….

ايجازية مرقس (brevity of Mark): إن إنجيل مرقس هو الأقصر بين الأناجيل الازائية: حيث يحتوي إنجيل مرقس على 11025 كلمة بينما إنجيل متى يحتوي على 18293 كلمة وانجيل لوقا 19376 كلمة. فليست ايجازية مرقس التي تعطي اسبقيته لكن ايجازيته تؤخذ مقترنة مع علاقته الوثيقة بإنجيل لوقا ومتى. حيث أن 97% من كلمات إنجيل مرقس تجد ما يوازيها في متى ولوقا بتمديد مرقس في مادتهما وليس أن إنجيل مرقس قد اختصر متى أو لوقا بالإسقاط من مادتهما!!! وذلك كما يعتقد أصحاب نظرية الانجيلين باعتبار أن مرقس هو تلخيص مدروس لمتى ولوقا. ولكن ذلك يمثل تلخيص غريب حيث يسقط أشياء مثل العظة على الجبل واحداث الميلاد وظهورات الرب القائم! ولكن باعتبار مرقس أولا سيكون من السهل معرفة لماذا كتب متى أو لوقا.

الاتفاق اللفظي بين الأناجيل: تظهر الأناجيل الازائية الثلاثة اتفاق لفظي ملحوظ بعدة مواضع. ولكن الدراسة الدقيقة تظهر أنه بينما الأناجيل الثلاثة تتفق نجد أن انجيل متى ومرقس يتفقان بتكرار وانجيل مرقس ولوقا أيضا لكن إنجيل متى ولوقا فقط يتفقان نادرا. وباستخدام الفرضية الاغسطينية يمكن أن نقول أن لوقا دائما يختار صياغة مرقس أكثر من متى وبفرضية الانجيلين يمكن أن نفترض أن مرقس لا يقدم صياغة خاصة على الاطلاق. وكلتا النظرتين بعيدتا الاحتمال.

ترتيب الأحداث: إن مقارنة ترتيب الأحداث في الأناجيل الازائية تظهر حالة مشابهة لما هو ملاحظ في الاتفاقات اللفظية: نجد أن متى ولوقا لا يتفقان ضد مرقس. هذه الظاهرة التي ذكرها لخمان فقال إن هذه الحالة لا يمكن تفسيرها إلا إذا كان لانجيل مرقس الاسبقية.

بساطة أسلوب مرقس: هناك إتفاق عام أن إنجيل مرقس يتضمن شذوذات نحوية وصعوبات تركيبية أكثر من إنجيل متى ولوقا. وهذا يؤيد أسبقية إنجيل مرقس لأن الميل الطبيعي يتيح لكتاب الإنجيلين اللاحقين صقل هذه الشذوذات (راجع المعيار المشابه في النقد النصي). بالمثل أيضا إنجيل مرقس يحفظ اصطلحات آرامية أكثر من متى ولوقا في فقراتهما الموازية مع مرقس. فيكون من السهل ملاحظة كيف أن متى ولوقا يهملان أو يترجمان الإصطلاحات الآرامية التي قد تلتبس على القارئ اليوناني أكثر من أن مرقس يضيف هذه الإصطلاحات الآرامية بدون أساس في مصادره.

اللاهوت الأولي (أو البدائي) في إنجيل مرقس: العديد من الباحثين يجدون الكثير من العبارات اللاهوتية الصعبة في إنجيل مرقس عنها في متى ولوقا وهذا يعرض أيضا أن مرقس أقدم.

مثال في مرقس (6: 5) حيث يقول البشير أنه بسبب عدم إيمان سكان الناصرة فإن الرب يسوع لم يقدر أن يصنع هناك ولا معجزة “ولم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة”. وفي النص الموازي نجد متى (13: 58) يقول أن يسوع لم يصنع هناك معجزات كثيرة “ولم يصنع هناك قوات كثيرة لعدم إيمانهم” يبدو من المرجح أن متى أزال المشكلة العسيرة بأن يسوع غير قادر على صنع معجزة.

 

مراحل تأصيل الأناجيل (5)

المصدر “ق” (Q): الباحث (Schleiermacher) أول من افترض وجود وثيقة تتضمن أقوال الرب يسوع كمصدر للأناجيل. اتخذ (Weisse) هذه الفرضية كمصدر رئيسي ثاني في فرضية المصدرين. وتبعا لذلك اعتقد بعض النقاد أن بابياس يشير إلى هذه الوثيقة في عبارته الشهيرة عن “الأقوال” (logia) ولكن هناك درجة شك بذلك. وبنهاية القرن التاسع عشر أصبح هذا المصدر معروفا باسم “ق” (Q). غالبية أصحاب فرضية أسبقية مرقس يعتقدون أن المصدر “ق” من المرجح إنه استخدم في كل من إنجيل متى ولوقا.

والسبب في افتراض مصدر مكتوب لتعاليم يسوع هو وجود 250 عدد مشترك في إنجيلي متى ولوقا وغير موجود في إنجيل مرقس. ويتكونون من تعاليم الرب يسوع في معظمهم. العديد من هذه الأعداد تظهر درجة من التوازي اللفظي الذي يرجح وجود مشترك مكتوب باللغة اليونانية.

والتفسير البسيط لهذه الظاهرة هو اعتماد أحد الانجيلين على الآخر. ولكن في مقابل هذا نجد افتقاد الاتفاق بين انجيلي متى ولوقا في ترتيبهم للأحداث والافتقاد العام للاتفاقات اللفظية بينهم. هذه العوامل تفترض بقوة أن الانجيلين لم يستخدم أحدهما للآخر بل يفترض مصدر آخر. مجهود معتبر قد استنفذ بقصد إعادة تكوين المصدر المفترض وبالرغم من ذلك يوجد جدال معتبر بخصوص “ق” (Q).

بالإضافة إلى جدال الاتفاق اللفظي في المادة “اللامرقسية” (non-Markan) يوجد ثلاث جدالات رئيسية بخصوص وجود المصدر “ق” (Q):

اتفاق الترتيب: فطن عدد من الباحثين إلى الترتيب المتشابه للمادة اللامرقسية المشتركة في متى ولوقا والتي تسمى أحيانا “التقليد المضاعف” (double tradition). هذا الترتيب المتشابه يشير إلى مصدر مفرد مكتوب. ولكن اتفاق الترتيب ليس بهذا الوضوح كما أنه محدود.

المتضاعفات (Doublets): هي فقرات تظهر أكثر من مرة في إنجيل واحد. وهذا يشير إلى أن البشير هنا قد يتبع مرقس من ناحية ثم يتبع “ق” من ناحية أخرى. مثال على ذلك في انجيل لوقا (8: 17) وفي (12: 2) في كلتا الفقرتين يقول يسوع “لأنه ليس خفي لا يظهر ولا مكتوم لا يعلم ويعلن.” وايضا “فليس مكتوم لن يستعلن ولا خفي لن يعرف.” الفقرة الاولى متوازية فقط مع إنجيل مرقس والثانية مع إنجيل متى (10: 26) والافتراض هنا أن لوقا أخذ الفقرة الأولى من مرقس والثانية من “ق”. هذه المتضاعفات (doublets) تفترض وجود مصدر مشترك بجانب إنجيل مرقس ومع ذلك فهي غير كافية لإثبات وجود مصدر مفرد مكتوب.

ومن أمثلة المتضاعفات:

  • مثل الوزنات (متى 25: 14-30، لوقا 19: 12-28)
  • معجزة صيد السمك (لوقا 5: 1-11، يوحنا 21: 4-14)
  • دهن يسوع (مرقس 14: 3-9 = متى 26: 6-13، لوقا 7: 36-50، يوحنا 12: 1-8)
  • إشباع الالاف (مرقس 6: 30-44، 8: 1-10)
  • شفاء عبد قائد المئة (متى 8: 5-13 = لوقا 7: 1-10، يوحنا 4: 36-54)

التموضع المختلف للمصدر “ق”: إن المادة اللامرقسية المشتركة بين لوقا ومتى تتموضع في سياقات مختلفة فانجيل متى يجمع الكثير منها في الخمسة عظات الكبرى بينما لوقا يضعها متبعثرة عبر انجيله (عادة في 6: 20-8: 3، 9: 51-18: 14). هذه الظاهرة من السهل تفسيرها إذا كان كلاهما يستخدمان باستقلالية مصدر مشترك عن أن لوقا استخدم إنجيل متى.

هذه النقاشات أقنعت غالبية الباحثين أن متى ولوقا استخدما تقليد مشترك لامرقسي. ويعتقدون أن المصدر “ق” وثيقة مفردة مكتوبة ولكن هناك اعتراض معتبر على ذلك. والعديد يعتقدون أن “ق” هي مجموعة من القصاصات المكتوبة والتقليد الشفهي. لكن العديد من الباحثين غير مقتننعين بأننا بحاجة لافتراض وجود أي تقليد سابق لأنهم ببساطة يعتقدون أن لوقا استخدم إنجيل متى.

ولأن معرفة لوقا بإنجيل متى قد تضعف بقوة دليل اسبقية مرقس فإن غالبية الذين يرفضون وجود “ق” يرفضون أيضا اسبقية مرقس. ولكن البعض يبقي كل من اسبقية مرقس واستخدام لوقا لإنجيل متى.

أقوى برهان يرجح استخدام لوقا لإنجيل متى وبالتالي ضد نظرية المصدرين بالكامل هو وجود ما يعرف بالـ “اتفاقات الأقلية” (minor agreements) بين انجيل متى ولوقا ضد انجيل مرقس. وهي تتضمن كل الاتفاقات في الترتيب والصياغة لأعداد معينة أو أقوال. كيف يمكن تفسير ذلك إذا كان لوقا ومتى لم يستخدم أحدهما الاخر؟ أيا كانت محاولة التفسير فستعتمد على كيفية قناعتنا بأن لوقا لم يتعرف على متى:

  • تداخل مرقس و”ق” مع إتفاق متى ولوقا كنتيجة لاستخدامهما المشترك للمصدر “ق”
  • تزامن التنظيم في مرقس بنفس الطريقة
  • العطب النصي المبني على ميل النساخ لتوفيق فقرات الإنجيل
  • الاستخدام المشترك للتقاليد الشفهية التي ربما تداخلت مع إنجيل مرقس.

اتفاقات الاقلية هذه تظهر أن تاريخ أصول الإنجيل كانت أكثر تعقيدا عن أي تفسير لفرضية مصدر مفرد. لذلك فإن مصدر مثل “ق” يظل أفضل تفسير للاتفاقات بين متى ولوقا في المادة اللامرقسية. ولكننا ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار أكثر من مصدر مكتوب أو خليط من التقاليد الشفهية.

نظريات الإنجيل الأولي (البدائي): بغرض ملء بعض الفجوات المتبقية في فرضية المصدرين وبسبب الشهادة المسيحية المبكرة والأدلة الداخلية افترض باحثون متعددون وجود نسخة مبكرة لكل من الأناجيل الازائية. لخمان هو أول القائلين بنظرية المصدرين.

وقد ابتدأ من افتراض إنجيل أصلي ثم ادعى أن إنجيل مرقس كان الأقرب للأصل. بعض الدارسين الجدد الذين لاحظوا مسألة اتفاقات الأقلية وبعض العناصر في متى ولوقا التي يصعب تفسيرها إذا كان البشيرين استخدما إنجيل مرقس اقترحوا إنجيل أو كلاهما قد استخدما نسخة مبكرة من إنجيل مرقس. هذه الفرضية ينبغي أن تظل محل شك. حيث أن اتفاقات الأقلية ليست كلها من نفس النوعية فالعديد منها لا يمكن تفسيره بافتراض الاعتماد على “مرقس أولي” (Ur-Mark).

وينبغي أن نتحقق من فرضية الاعتماد على مصدر مختلف والتي ينبغي أن تستخدم في تفسير تغيرات متى ولوقا والتي قد طبقت في مصدرهما المرقسي. إن نقد المصدر يأخذ الكثير على عاتقه عندما يقوم بتفسير كل سطر في متى ولوقا بالرجوع إلى مصدر مكتوب. فتأثير التقاليد الشفهية المتنوعة والقصد اللاهوتي للبشيرين ينبغي الاعتراف به. وعند الأخذ بهذه العوامل فإن الحاجة إلى “مرقس أولي” (Ur-Mark) ستزول.

فرضية أخرى أكثر شهرة هي أن متى كتب نسخة مبكرة من انجيله. الدافع في هذه الفرضية هو مجرد إيجاد تفسير مقبول للعلاقات الازائية حيث يشير تعليق بابياس أحد آباء القرن الثاني إلى نسخة مبكرة لمتى (راجع يوسابيوس تاريخ الكنيسة 3, 39, 16): “متى جمع الأقوال (ta logia) في اللغة العبرية (Hebraidi dialekto) وكل ترجمها (hermeneusen) بقدر استطاعته.”

وإذا كان بابياس يشير إلى إنجيل مكتوب بالآرامية أو العبرية فيجب أن يكون نسخة سامية مبكرة من إنجيلنا اليوناني للقديس متى حيث يميل آباء الكنيسة المتأخرين إلى أن بابياس يثبت أسبقية إنجيل متى القانوني. فقد كان شائعا أن إنجيل متى العبري أول إنجيل مكتوب وقد استخدم في تكوين إنجيل مرقس اليوناني وأن إنجيل متى اليوناني استخدم إنجيل مرقس.

وبوضوح إذا وجدت هذه النسخة فيكون إنجيل متى القانوني ليس مجرد ترجمة للأصل العبري:

فإنجيل متى لا يقرأ مثل ترجمة يونانية!

كما أن متى استخدم إنجيل مرقس اليوناني في تكوين انجيله. كما توجد مشاكل أخرى بافتراض أن مرقس استخدم إنجيل متى العبري.

بينما يظهر تقليد قديم يدعي أن مرقس كون انجيله من خلال تعاليم بطرس. فيكون من الصعب تصور كيف أن مرقس استطاع أيضا استخدام نسخة مبكرة لإنجيل متى. وأكثر من ذلك ربما بابياس لم يشير إلى إنجيل على الإطلاق (على اعتبار أن المقطع ” Hebraidi dialekto” يعني لهجة أو أسلوب وليس لغة). وعليه فإن فرضية نسخة عبرية مبكرة لإنجيل متى لا يمكن إثباتها أو دحضها.

إن الدليل على إنجيل لوقا أولي (بدائي) يأتي من خلال إنجيل لوقا نفسه ويعتمد على ثلاث اعتبارات:

  • الكم الأكبر من المادة الخاصة في لوقا بالمقارنة مع متى ومرقس
  • ميل لوقا ليتفرد بطريقته حتى في المادة المشتركة مع متى ومرقس (قارن أحداث الآلام)
  • حقيقة أن لوقا يتضمن مادة من مرقس في فقرات كبيرة وليس مبعثرة خلال الإنجيل.

هذه الظواهر تفترض أن لوقا كون نسخة أولية لإنجيله باستخدام (Q, L) مادته الخاصة) ثم لاحقا دمج إنجيل مرقس في عمله الابتدائي. فبالرغم من أن المسألة تظل غير مبرهنة إلا أن الفرضية جذابة!

استنتاج ختامي: إن فرضية المصدرين تقدم أفضل تفسير للعلاقات بين الأناجيل الإزائية ولكن عدة تحذيرات يجب تقديمهما أولا: إن عملية تكوين الأناجيل كانت معقدة ومركبة حتى أن فرضية عدم وجود مصادر قد تقدم تفسير كامل للمسألة. وإذا كان أحد البشيرين شاهد عيان على الأقل وأن التقاليد المتنوعة الشفهية والمكتوبة لا شك كانت شائعة وأن البشيرين ربما تحدثوا سويا عن أعمالهم فإن افتراضات “القص واللصق” للنقاد تصير لا اساس لها من الصحة.

وبإقرار هذا التعقيد بالتوازي مع استمرارية الظواهر التي لا تفسر فرضية المصدرين باقتناع فإننا ينبغي أن نتعامل مع هذه الفرضية كعمل نظري أكثر منه كاستنتاج ملموس. خاصة مع الحاجة إلى الانفتاح إلى احتمالية أن التفسير المبني على فرضية المصدرين قد لا يناسب البيانات. لذلك ربما نستنتج أن متى أكثر أولية من مرقس أو أن لوقا اتبع مصدر شاهد خاص أكثر من مرقس أو أن متى اعتمد على ذاكرته الخاصة أو كتب كملاحظات أكثر من اعتماده على “ق”.

 

مراحل الأصالة التاريخية للأناجيل (6)

ثالثا: مرحلة التكوين النهائي (Final Composition)

أو ما يعرف بنقد التحرير (أو التعديل):

التعريف: إن نقد التحرير (أو التعديل) يسعى لوصف المقاصد اللاهوتية للبشيرين بواسطة تحليل الطريقة التي استخدموها لمصادرهم. بسبب حاجة نقاد النموذج لدراسة التقاليد الشفهية وحاجة نقاد المصدر لاستقصاء المصادر المكتوبة فإن نقاد التعديل يصرون أن البشيرين قد أخذوا مكانتهم الصحيحة كمؤلفين: فهم أناس اعتمدوا على مصادرهم وتقاليدهم وحبكوا هذا التقليد في عمل أدبي بقصد خلاق وبنظام لاهوتي خاص بهم.

لم يجمع البشيرون التقاليد والمصادر ببساطة وألصقوها سويا. إنما هم أضافوا تعديلاتهم الخاصة لهذه التقاليد ومن أجل ذلك جلبوا يقينهم الشخصي إلى قصة الرب يسوع.

نقد التعديل هو إحدى طرق دراسة الإنجيل وتتضمن خمسة عناصر أساسية:

  1. نقد التحرير (أو التعديل) يفرق بين التقليد والتعديل. فالتقليد من هذا المنظور هو كل المصادر المكتوبة والقصص والأقوال المنتقلة شفهيا التي يستخدمها البشير أثناء كتابة إنجيله. أما التحرير فيشير إلى عملية تعديل هذا التقليد لإيجاد إنجيل مكتوب. ولأن نقد التعديل يعتمد على قدرتنا في تحديد التقاليد التي يعمل عليها البشير فنستطيع معرفة ما قام بتغيره وقد تمت بنجاح على إنجيل متى ولوقا.

حيث نستطيع مقارنة نسختهم النهائية مع مصدرين استخدماهما (إنجيل مرقس والمصدر “ق”). ولنفس السبب نقد التعديل لإنجيل مرقس يعد عملية أكثر صعوبة حيث أننا لا نمتلك أي مصدر استخدمه القديس مرقس.

  1. النشاط التعديلي أو التحريري للبشيرين يمكن رؤيته في عدة جهات:

المادة التي اختاروها لكي يتم ضمها أو استبعادها، مثلا هناك اتفاق عام بأن العظة على الجبل المسجلة في إنجيل متى (5-7) وبالتوازي في لوقا (6: 20-49) قد أخذت من المصدر “ق” إلا أن ما جاء في لوقا يمثل أقل من ثلث ما جاء في إنجيل متى وهذا دليل أن لوقا أسقط تقريبا كل إشارات العهد القديم والناموس (راجع متى 5: 17-19 وفي متى 5: 21-48). وهذا يرجح أن متى له اهتمام جاد بتعليم الكنيسة في أيامه بخصوص علاقة يسوع بالناموس بينما لوقا لم يفعل.

ترتيب المادة: نجد أن إنجيل متى يختلف عن مرقس ولوقا في موضع قصص ثلاث معجزات كبرى: تهدئة العاصفة (متى 8: 18, 23-27) وشفاء مجنون كورة الجدريين (8: 28-34) والحدثين المتشابكين إقامة ابنة يايرس وشفاء نازفة الدم (9: 18-26). ولأن مرقس يعتبر المصدر الرئيسي لمتى لهذه القصص فهذا دليل أن متى قد إخطار وضع هذه القصص في ترتيب مختلف. وعندما نجد متى يفعل نفس الشيء مع قصص معجزات أخرى كما في نهاية (متى 8-9) فإننا نستطيع استنتاج أن متى قد أعاد بقصد ترتيب المادة لإظهار يسوع كصانع للمعجزات.

إعادة الترتيب هذا يحدث أيضا في فقرات أخرى فهل تغيير الترتيب في الثلاثة تجارب البرية (متى 4: 1-11 = لوقا 4: 1-12) يظهر مضامين مختلفة خاصة بالبشيرين؟

“الحبكات” (seams): هي الطريقة التي يستخدمها البشير لكي يسبك تقاليده معا. ومن أجل أن ينسج البشير قصة مترابطة من مصادر متنوعة فإنه يصنع تبادلات (transitions).

هذه التبادلات أو الحبكات تظهر غالبا اهتمامات المؤلف، متى مثلا يبدل التعليم والحكاية بطريقة فعالة ويشير للتبديل في نهاية الحوارات بصيغة متكررة: “فلما أكمل يسوع هذه الأقوال” (متى 7: 28, 19: 1 أنظر أيضا 11: 1, 13: 53, 26: 1).

إضافات للمادة: في قصة لوقا عن خدمة يسوع ودعوة التلاميذ (لوقا 6: 12-19) التي يبدو أنها اعتمدت على (مرقس 3: 7-18) فإنه يشير إلى حادثة غير موجودة في مرقس عن يسوع “وفي تلك الأيام خرج إلى الجبل ليصلّي. وقضى الليل كله في الصلاة لله” (لوقا 6: 12). هنا نجد اهتمام لوقا.

إسقاط للمادة: أينما يتأكد نقاد التعديل أن البشير قد نفذ إلى تقليد لا يتضمنه فإنه من المهم أن نسأل ما إذا كان الإسقاط يخدم اهتمام لاهوتي أم لا، مثال: يبدو أن إسقاط لوقا لقصة المجيء الثاني للرب يسوع على السحاب (موجودة في مرقس ومتى) في رده على رئيس الكهنة (لوقا 22: 29) كانت بسبب أن لوقا أراد تجنب فكرة ” المجيء الوشيك” (imminent parousia).

تغير الصياغة: في فقرة التطويبات الشهيرة نجد أن الرب يسوع حسب إنجيل متى يطلق البركة على “المساكين بالروح” (متى 5″ 3) ولكن حسب لوقا “أيها المساكين” (لوقا 6: 20). نقاد التعديل يعلقون بأن هذا الاختلاف يدلل على أن لوقا يهتم بصورة أكبر بموضوعات “الاقتصاد الاجتماعي” (socioeconomic).

  1. إن نقاد التعديل يبحثون عن هذه الأنواع من التغيرات خلال الإنجيل، أينما يظهر نمط فإننا ربما نتعامل مع إهتمام لاهوتي للمؤلف.
  2. وعلى أساس هذه الصورة اللاهوتية العامة فإن نقاد التعديل يلتمسون تأسيس إطار إنتاج الإنجيل. فنجد مثلا أن لوقا استحب إسقاط إشارات المجيء الوشيك لكي يعرض أنه يكتب في إطار حيث كان تأخر المجيء الثاني قد صار مشكلة.
  3. البعض يضيفون السمات الأدبية واللاهوتية لنقد التعديل بجانب دراسة تعديل البشيرين للتقليد فيما يعرف بـ “نقد التركيب” (composition criticism).

الأصول: بالرغم من أن ويليام ريدي (William Wrede) لم يكن ناقد تعديل من خلال المفهوم السابق إلا أنه قد أعاد تأكيد نقد التعديل النمطي، ويليام ريدي كتب في زمن عندما سادت الفرضية المرقسية في الدراسات الاكاديمية للأناجيل، هذه الفرضية لم تشتهر فقط لأنها أبقت على أسبقية مرقس لكن لأنها دعت أن مرقس قدم تصوير موثوق تاريخي بغير قصد لاهوتي عام للرب يسوع.

ريدي حطم هذا الادعاء حيث أن إنجيل مرقس كان قد كتب بقصد لاهوتي كباقي الاناجيل، وبخاصة عندما دعى ريدي أن مرقس أضاف الكثير من الإشارات حينما صمت يسوع عن مسيانته (messiahship).

هذا السر المسياني (messianic secret) قد صممه مرقس ليفسر كيف أن القليل من الناس تعرفوا على الرب يسوع كونه المسيا خلال حياته. وبينما فقدت فرضية ريدي حظوتها عامة الآن فإن خلافه بخصوص مرقس كونه بقصد لاهوتي وتاريخي قد قبل إلى حد بعيد.

إنطواءات فهم ريدي للبشيرين كلاهوتيين مبدعين لم ترصد مباشرة، فنقد التعديل كعلم لم يتطور حتى عام 1950. ثلاثة نقاد ألمان كان روادا في هذا المجال، مقالة (Bornkamm) على معجزة تهدئة العاصفة كانت أول عمل نقد تعديل وذلك من خلال مقارنتها بما في مرقس.

ثم الباحث (Conzelmann) في كتاب لاهوت القديس لوقا حلل وجهة نظر لوقا اللاهوتية زاعما أن البشير فرض تاريخ للخلاص ثلاثى المراحل في مادة الإنجيل:

(زمن اسرائيل وزمن يسوع وزمن الكنيسة)

وعلى هذا المنوال فإن لوقا عرض قواعد استمرار دور الجماعة المسيحية في التاريخ وبهذه الطريقة عطل الإحباط الناتج عن تأخر المجيء الثاني!! – أي فشل يسوع للعودة قريبا كما هو متوقع.

ماركسين(Marxsen) عمل مع إنجيل مرقس كما عمل (Conzelmann) مع إنجيل لوقا. وانجيل مرقس كان أيضا مدفوعا باهتمام عن المجيء الثاني لكن مرقس أعتقد أن المجيء الثاني كان وشيكا وكتب انجيله رافعا القصد من جمع المسيحيين معا في الجليل من أجل انتظار الرب.

أخيرا من المستحيل انتقاء أعمال نقد التعديل حتى الرائعة منها في هذه الدراسات المبدئية. فالنتائج التي توصل لها (Bornkamm)، (Marxsen) و(Conzelmann) غير معتبرة بما يكفي لكن المنهجية التي أسسوها نجحت في تأمين مكان في مجال دراسات الإنجيل.

 

 

مراحل تأصيل الأناجيل (7) التقييم: الشيوع لا يعني الصحة.

كما هو الحال في أي منهج آخر ينبغي الأخذ بنظرة نقدية على نقد التعديل قبل الإقرار به كمنهج لدراسة الإنجيل. ولنبدأ بخمسة انتقادات لهذه الدراسة:

  1. نقد التعديل يعتمد على قدرتنا في التمييز بين التقليد والتعديل. فينبغي أن نمتلك فكرة جيدة عن المصادر التي استخدمها البشير قبل أن نبدأ في الحديث عن تعديلاته لهذه المصادر. كل نقاد التعديل تقريبا يحسبون صلاحية فرضية المصدرين في أبحاثهم أن متى ولوقا كلاهما استخدما مرقس ومصدر آخر “ق” في كتابة اناجيلهما.

الذين يشككون في دقة فرضية المصدرين عليهم بالتأكيد تأسيس قواعد مختلفة يطبق عليها نقد التعديل. والذين يدافعون عن فرضية الانجيلين عليهم التحدث عن تعديلات مرقس لمتى ولوقا عن تعديلات متى لمرقس وسيجدون صعوبة بالغة في عمل نقد تعديل لمتى فقط. ولكن حتى إذا افترضنا موثوقية عامة لفرضية المصدرين فصعوبات نقد التعديل لا تزول:

أولا: في بعض المواضع اتجاه الاعتماد المفترض في نظرية المصدرين نجد أنه ربما يمكن عكسه. فبعض المواضع في إنجيل مرقس ربما اعتمدت على قصة وجدت طريقها في إنجيل متى. وفي هذه الحالة ينبغي أن نتحدث عن تغييرات مرقس لمتى عن تغييرات متى لمرقس.

ثانيا: متى أو لوقا ربما اعتمدا على نسخة مستقلة أو موازية لمرقس. أيضا ما يسمونه نقاد التعديل “التعديل المتاوي” لمرقس ربما كان تقليد يعبر عنه بأن متى ببساطة كان مرحليا.

ثالثا: ولأننا لا نملك نسخة من المصدر “ق” (Q) فإن الجدل حول إما متى أو لوقا قد عدلا “ق” يكون غير مؤكد. الباحثون يعتقدون عامة أنهم يستطيعون تحديد ما كان أصل “ق” بعوامل متعددة ويؤسسون أحكامهم التعديلية على هذه الافتراض.

لكن الأمر غير موضوعي ويترك مساحة كبيرة للخلاف.

مثلا بخصوص الفرق بين “المساكين” في لوقا و”المساكين بالروح” في متى هل نستطيع التأكد من استخدام لوقا اجتماعيا لـ”ق” عن استخدام متى روحيا له؟ في هذه الحالة نظن أن لوقا هو المسئول حيث أن تغييره مطابق لما هو مؤكد في انجيله. لكن القرار غالبا يكون أكثر صعوبة ومشحون باحتمالات الخطأ.

كل هذا يجعلنا القول بأن نقاد التعديل يحتاجون للكثير من الانتباه بخصوص الزعم أن أحد البشيرين قام بتعديل مصدره. فقد لا نستطيع تحديد عوامل التعديل بدرجة التأكد التي نحتاجها.

  1. نقاد التعديل يفترضون كثيرا أن كل تغييرات البشير التي يعدلها في تقليده تكون بدافع لاهوتي. الكثير منها كذلك لكن الكثير أيضا بدافع مختلف وبالتحديد التغييرات الأقلية المؤثرة على كلمة أو اثنتين تكون صياغة الأسلوب (stylistic) بطبيعتها. وفي حالات أخرى حتى في التقاليد الكبيرة ربما تكون ليست لسبب لاهوتي ولكن لاهتمام تاريخي فلا يمكن إسقاط الأغراض التاريخية البسيطة من اهتمامات البشيرين.
  2. نقاد التعديل أحيانا يساوون بين “المضامين التعديلية” (redactional emphases) والقصد اللاهوتي لبشير. وما يمكن استنتاجه كتعديل يظهر لنا ما هو مميز بإنجيل معين بالمقابلة مع الأناجيل الأخرى أو مع مصادره.

إننا نستطيع استنتاج ما هو تعديلي فيما قام البشير تغييره بقصد أنه مهم خاصة بهذا البشير. ولكن هذا ليس كل شيء في قصده اللاهوتي أو حتى ممثلا له. وما يمكن افتراضه هو افتراض أن التقليد الذي يتخذه البشير ليس جزء من اهتمامه أو قصده اللاهوتي.

إن المحققات المشتركة في متى ومرقس ولوقا ترجح خصوصيتهم والصورة التي يعلم بها ينبغي الأخذ بها في حساباتنا.

  1. تحديد إطار إنجيل معين بناء على القواعد اللاهوتية للمؤلف يكون أكثر بعدا عما تسمح به البيانات نفسها.

إن إضافات متى لكل من مرقس و”ق” مشتملا على اقتباسات الشريعة الموسوية والعهد القديم يظهر أن متى كان يكتب في إطار حاجة المستمع لتعليم من هذا النوع. ومفاد هذه الإضافات يسمح لنا بأخذ تخمينات عن بعض مشكلات المجتمع الذي كان متى يكتب فيه. لكن تفاصيل هذا الإطار الذي يفترضه نقاد التعديل هى “قلاع مبنية على الرمل”

إنهم يعتمدون عادة على جزء من الدليل فقط (ومن ثم فإن نقاد مختلفين يتوصلون إلى نتائج متضاربة أثناء العمل على نفس الإنجيل) ويرسمون نتائج بعيدة جدا عما يسمح به الدليل.

  1. نقد التعديل متلاحق بطريقة تؤدي إلى أن الامانة التاريخية لمادة الإنجيل تكون محل التساؤل. ليس لأن نقد التعديل يسعى لإثبات طبيعة لا تاريخية للتغييرات الناتجة للبشيرين. بل العديد من نقاد التعديل يفترضون أن البشيرين يملكون اهتماما قليلا عنه. ومن هذا المنطلق فإن نقد التعديل هو مولود حقيقي لنقد النموذج الراديكالي.

لهذا فإن مرقس ومتى ولوقا حسب العديد من نقاد التعديل لا يعيرون اهتماما كبيرا للدقة التاريخية أكثر من الجماعات المسيحية المبكرة كما حدد بولتمان (Bultmann) وديبليوس (Dibelius).

لماذا إذا العديد من نقاد التعديل يتوصلون إلى نتائج تشكك في المصداقية التاريخية للأناجيل؟

السبب الرئيسي في ذلك هو الافتراض بين العديد من نقاد التعديل بأن “البشير لا يمكنه أن يكون مدفوعا لاهوتيا وفي نفس الوقت دقيق تاريخيا”! غالبا ما يقدم لنا الاختيار بشكل واضح أو ضمني بين التاريخية والمقاصد اللاهوتية.

فلا يوجد سبب واضح لماذا البشير لا يستطيع أن يكون كلاهما! إن قيام متى ومرقس ولوقا بتعديل تقاليد الإنجيل التي وصلت إليهم أمر لا شك فيه. وعند بعض نقاد التعديل يبدو هذا كافيا لتبرير الاستنتاج بأن البشيرين تلاعبوا بالتاريخ. ولكن هذا ليس بالضرورة بالمرة.

إن إعادة الترتيب والإضافة والإسقاط وإعادة الصياغة لا يستلزم الانصراف عن تاريخية الحدث أو التعليم محل البحث.

فمثلا الصحف تعيد كتابة التقارير الإخبارية للقراء التي يستلمونها وإعادة الكتابة هذه ليست بالضرورة تؤثر في دقة التقرير. الأحاديث الطويلة تختصر أحيانا في بضع كلمات أو مقتطفات تؤخذ منها. ومن أجل ذلك نجد صحف مختلفة تركز على مضامين مختلفة في نفس الحديث. ولا نلوم هذه الصحف على عدم الدقة في عملها وبالمثل لا يجب أن نلوم البشيرين على عدم الدقة التاريخية في حالة تلخيص أو اقتطاف أو إعادة صياغة أقوال يسوع الخاصة. فما قاموا به يبدو واضحا كمقارنة بين البشيرين في كل صفحة تعرضها الأناجيل الازائية تقريبا.

لكن عدم قدرتهم في حفظ الكلمات الاصلية ليسوع (ipsissima verba Jesu) لا يعني بالضرورة أنهم تلاعبوا بالصوت الأصلي ليسوع. ولأن تعديلات البشيرين مرتبطة بما حدث بالفعل أو ما قاله يسوع فعلا حتى وإن اختاروا أو لخصوا أو أعادوا الصياغة فإن السلامة التاريخية باقية.

السؤال الآن هل أراد البشيرين كتابة اناجيلهم بغرض الدقة التاريخية؟ أو هل أرادوا إضافة صبغة لاهوتية لرسالة يسوع سواء حدثت حقيقة أم لا؟ …

إن نقد التعديل نفسه لا يستطيع الإجابة على هذه الأسئلة، ونقاد التعديل أنفسهم توصلوا إلى استنتاجات مختلفة بهذا الخصوص.

فالبعض مقتنعون أن الدراسة الدقيقة للتغيرات المقدمة في البشيرين لا تعرض أي تلاعب بصحة الوقائع التاريخية. فهم يفصلون بين التعديل والتقليد بغرض فهم رسالة الأناجيل بصورة أفضل بدون افتراض أن التعديل له أسس تاريخية بخلاف التقليد. مثلا نجدهم يستنتجون أن لوقا قام بتعديل تطويبات يسوع “طوبى للمساكين” (لوقا 6: 20) من اجل تضمين رؤية اقتصادية بازدواجها مع “الويل لكم أيها الأغنياء” (لوقا 6: 24) بينما متى قام بتعديل نفس الفقرة “طوبى للمساكين بالروح” من أجل إبراز البعد الروحي.

ولأن يسوع ربما قد قصد الرأيين، وبالمقارنة مع العهد القديم فمن من غير الإنصاف أن نتهم أي من البشيرين بالتلاعب غير التاريخي لكلمات يسوع. وهدفنا هنا ببساطة أن نقد التعديل لا يحتاج إلى تدمير الدقة التاريخية للأناجيل وأن نقاد التعديل الذين يفترضون أن البشيرين ليس لديهم اهتمام بالتاريخ في نشاطهم التعديلي لم يثبتوا غايتهم.

إن مشكلات نقد التعديل هى حجج مبالغ فيها وهى افتراضات خاطئة وإجراءات غير ملائمة. فنقد التعديل يتعهد بتقديم المساعدة في تعليل الأناجيل.

 وتحديدا فإن نقد التعديل له عناصر إيجابية متعددة منها:

  1. يقدم المساعدة المباشرة للمفسر واللاهوتي من خلال التركيز على خاتمة مرحلة إنشاء الأناجيل. ومن هذا المنطلق فإنه يقابل بين كل من نقد النموذج ونقد المصدر كونهما مهمان لمؤرخ المسيحية المبكرة لأنهما يهتمان بالأسباب التي مهدت لتقليد الإنجيل فنقد التعديل ينظر إلى مستوى يستحق انتباهنا وهو المنتج الأدبي النهائي، الإنجيل.
  2. نقد التعديل يذكرنا بأن البشيرين كتبوا بأكبر اهتمام تاريخي. فقد كانوا مبشرين ومعلمين يهتمون بتطبيق حقائق حياة يسوع وتعليم الجماعات في أيامهم. هذا القصد اللاهوتي للبشيرين أحيانا يفقد مع فقد الإدراك المستمر لأهمية وتطبيق التاريخ الذي يحكيه البشيرين.
  3. نقد التعديل يعرف ويزيد تقديرنا لتعدد الأناجيل. فإن قصة يسوع جاءت إلينا ليس بواسطة إنجيل واحد بل بأربعة اناجيل كل منهم له تميزه الخاص ومساهمته الهامة في تكوين فهمنا ليسوع. هذا الإنجيل الرباعي الأوجه ينبغي تقديره للرؤية الغنية التي يستحضرها، ونقد التعديل يساعدنا في إدراك فنيات ومعاني هذه الأوجه.

… انتهى

 

المرجع:

مقدمة للعهد الجديد – د. أ. كارسون، دوجلاس ج. موو، ليون موريس (ص10 – ص34).

AN INTRODUCTION to the NEW TESTAMENT – D. A. Carson, Douglas J. Moo, Leon Morris (P 10 – 34)

مراحل تأصيل الأناجيل – دونالد كارسون – دوجلاس مو – ترجمة ودراسة: أمير يعقوب

سفر طوبيا والفرضية الوثائقية (نظرية المصادر) – مينا مكرم

سفر طوبيا والفرضية الوثائقية (نظرية المصادر) – مينا مكرم

سفر طوبيا والفرضية الوثائقية (نظرية المصادر) – مينا مكرم

 

(نظرية المصادر)

يعتبر سفر طوبيا من النصوص القوية ضد الفرضية الوثائقية.. كاتب السفر غير محدد بدقة فربما اشترك طوبيت مع ابنه طوبيا مع أحد أبناء طوبيا اللاحقين.. بالتأكيد عائلة طوبيت هي من كتبت السفر وذلك يرجع لقول الملاك لهم بكتابة السفر.

“والآنَ أرجِعُ إلى مَنْ أرسَلَني، وأنتُم فاَكتُبوا كُلَ هذِهِ الأحداثِ التي جرَت”. (طوبيا 12: 20).

 

وأيضا هناك نصوص أخرى داخل السفر مثل:

“وهذا نشيدُ الفَرحِ الذي كتبَهُ طوبيتُ (طوبيا 13: 1)”.

ويكمل الاصحاح الثالث عشر بذكر ذلك النشيد

 

ربما التقسيم الأرجح هو التالي: ان كل من طوبيت وطوبيا، كل منهم ذكر الجزء الخاص به من القصة وقام طوبيت بجمعهم وذكر موت طوبيا.

ثم تلك الآيات الأخيرة:

 

“وماتَ طوبيّا في أحمتا بماداي عَنْ عُمرٍ يُناهِزُ المِئةَ والسَّابِعةَ والعِشرينَ سنةً. 15 وقَبلَ موتِهِ سَمِعَ بخَرابِ نينوى على يَدِ نَبوخَذنَصَّرَ وأحشويرشَ، فاَبتَهجَ وحَمَدَ الله لأنَّهُ رأى بعينهِ خَرابَ نينوى. (طوبيا 14: 14-15)”

 

ربما كتبهم أحد أبناء طوبيت او أحد الكُتاب الموحى إليهم لذكر خواتم القصة مثلما فعل يشوع وذكر موت موسى في نهاية سفر التثنية.

من اين عرفنا بذلك السفر:

  1. الترجمة السبعينية.
  2. الفولجاتا.
  3. نصوص قمران وهو في المخطوطات الأتية:
سفر طوبيا والفرضية الوثائقية (نظرية المصادر) – مينا مكرم

على أي حال نحن امام احداث وقعت في بداية السبى الآشوري للمملكة الشمالية وهي مملكة اسرائيل.. وما يهمنا في بحثنا هذا الجزء الأول من النص حتى نشيد طوبيا..

 

سوف نذكر الآن بعض النصوص معلقين عليها.

سلَكَ طوبيتُ طَريقَ الحَقٌ والعَدلِ كُلَ أيّامِ حياتِهِ، فكانَ كثيرَ الإحسانِ إلى بَني قومِهِ الذينَ جاؤُوا معَهُ إلى مدينةِ نينوى في أرضِ الأشُّوريِّينَ. 4 وحينَ كانَ في بلادِهِ أرضِ إِسرائيلَ، وهوَ بَعدُ فتًى، هجَرَ سِبْطُ نَفتالي بِمَنْ فيهِم عَشيرتُهُ أُورُشليمُ التي أجمَعَت أسباطُ إِسرائيلَ على اَختيارِها مدينةً مُقدَّسةً للعِبادةِ وتَقديمِ الذَّبائحِ في الهَيكلِ الذي بُني وكُرِّسَ للعلي إلى مدَى الأجيالِ. 5 وكانَ جميعُ الذينَ هَجروا مدينةَ أُورُشليمَ ومِنهُم سِبْطُ نَفتالي الذي يَنتسِبُ إليهِ طوبيتُ يُقدِّمونَ الذَّبائحَ لِعجلِ الإلهِ بَعلَ (طوبيا 1: 3-5).

 

هنا يتحدث السفر عن زمن طوبيت، كان طوبيت أحد سكان مملكة إسرائيل الشمالية الذين تم سبيهم الى نينوى عاصمة مملكة الاشوريين ويؤكد على ذلك مجددا في موضع أخر:

ولمَّا صارَ طوبيتُ رجُلاً تزوَّجَ اَمرأةً مِنْ عَشيرتِهِ اَسمُها حنَّةُ، فولَدت لَه إِبنًا سمَّاهُ طوبيّا. 10 ولمَّا سُبيَ معَ اَمرأتِهِ واَبنِهِ إلى مدينةِ نينوى، كانَ جميعُ إخوتِهِ وأنسبائِهِ يأكلونَ مِنْ أطعِمةِ الأمَمِ الغريبةِ (طوبيا 1 :9-10).

 

فنحن هنا نتحدث عن طوبيت انه قضى عشرات السنين في مملكة إسرائيل فالسؤال الهام هنا: هل كانت شريعة موسى معروفة وموجودة آنذاك ام انها كتبت لاحقا بعد السبى على حسب الفرضية الوثائقية؟

 

من النصوص التالية يمكننا ان نتأكد بلا شك ان شريعة موسى كانت معروفة قبل السبى:

ولكنَّ طوبيتَ وحدَهُ كانَ يذهبُ إلى أُورُشليمَ في الأعيادِ التي كانَت فريضةً أبديَّةً على شَعبِ إِسرائيلَ ويُقدِّمُ غلَّتَهُ وأعشارَ غنَمِهِ مِمَّا جُزَ صوفُهُ لأوَّلِ مَرَّةٍ. 7 وكانَ يُقدِّمُها إلى المذبَحِ على أيدي كهَنَةِ بَني هرونَ وكانَ يَهَبُ القِسمَ الأوَّل مِمَّا تَبقَّى مِنْ غلَّتِهِ إلى بَني لاوي الذينَ يَخدُمونَ الرّبَ في أُورُشليمَ، ويَبيعُ القِسمَ الثانيَ ويذهبُ إلى أُورُشليمَ لِيُنفِقَه هُناكَ، 8 ويَتصدَّقُ بِالقسمِ الثَّالثِ على المُحتاجينَ بحسَبِ وصيَّةِ دبُّورةَ جدَّتِهِ لأبيهِ الذي ماتَ وتركَهُ يَتيمًا. (طوبيا 1 :6-8)

وليس طوبيت وحده يشهد بذلك بل ايضاً قول الملاك روفائيل:

قالَ الملاكُ لطوبيّا سنَنزِلُ اليومَ يا أخي عِندَ رعوئيلَ نَسيبِكَ فلَهُ بنتٌ وحيدةٌ اَسمُها سارةُ 12 سأطلُبُها زوجةً لكَ مِنْ أبيها، فأنتَ أحقُّ مِنْ غَيرِكَ في الزَّواجِ بِها لأنَّكَ أقربُ أنسبائِها إليها ولأنَّها جميلةٌ وفهيمةٌ 13 فاَسمعْ منِّي ودَعني أكلِّمُ أباها بالأمرِ وعِندَ عَودتِنا مِنْ راجيسَ نَعقدُ زواجَكَ علَيها، فأنا أعلمُ أنَّ رعوئيلَ لا يَقدِرُ أنْ يزوِّجَها لأحدٍ سِواكَ حسَبَ شريعةِ موسى لأنَّهُ يُعاقَبُ بالموتِ لأنَّكَ أنتَ أحَقُّ النَّاسِ بِها. (طوبيا 6 :11-13)

ليس طوبيت والملاك وحدهما ولكن أيضا رعوئيل الساكن بعيدا عن طوبيا في مكان أخر وهذا يعنى ان شريعة موسى كانت معروفة لكل بنى إسرائيل.

 

فقالَ لَه رعوئيلُ خُذها لكَ زوجةً مُنذُ الآنَ بحسَبِ الشَّريعةِ، لأنَّكَ أقربُ أقربائِها، والله الرَّحيمُ يوفِّقُكَ في كُلٌ شيءٍ. 13 ودعا اَبنتَهُ سارةَ وأمسَك بيَدِها وزوَّجَها إلى طوبيّا، وقالَ لَه لتكُنْ لكَ زَوجةً بحسَبِ شريعةِ موسى، فَخُذها إلى بَيتِ أبيكَ. وباركَهُما (طوبيا 7 :12-13)

 

مما سبق يمكننا ان نكتشف المزيد حول الفرضية الوثائقية وكيف انها لا تمتلك أي قوة امام بعض من الفحص لما بين أيدينا من مصادر داخلية وخارجية تدعم وتؤكد بشدة كتابة موسى لأسفار التوراة.

 

وهنا رأينا سفر طوبيا أحد الاسفار القانونية الثانية المقبول كسفر قانونى موحى به في الكنائس الكاثوليكية والارثوذكسية، وعلى اية حال وان لم يُقبل في كل الكنائس فلا يوجد خلاف على انه سفر غير منحول أي انه ليس مزورا.

سفر طوبيا والفرضية الوثائقية (نظرية المصادر) – مينا مكرم

الأدلة التشريعية التي اعتمدت عليها نظرية المصادر؟

الأدلة التشريعية التي اعتمدت عليها نظرية المصادر؟

الأدلة التشريعية التي اعتمدت عليها نظرية المصادر؟

 

26- ما هي الأدلة التشريعية التي اعتمدت عليها نظرية المصادر؟ وما هو الرد عليها؟

ثالثًا: الأدلة التشريعية التي اعتمدت عليها نظرية المصادر

ج: أورد أصحاب مدرسة النقد الأعلى أربعة أدلة، اعتمدوا عليها في قولهم بنظرية المصادر، وهي مركزية العبادة ووحدة المعبد، والأعياد، والذبائح والتقدمات، والنظام الكهنوتي(1). ونورد هنا الدليل الأول كمثال لهذه الأدلة مع التعليق عليها:

مركزية العبادة أو وحدة المعبد:

قال الأب أنطون نجيب في سياق حديثه عن التوراة في الفكر الحديث تحت عنوان مركزية العبادة أو وحدة المعبد “الواقع الأول: التطور التشريعي: نجد في الشريعة تصورًا واضحًا بالنسبة إلى مكان العبادة. ففي البداية كان من الممكن إقامة المذبح في أي مكان. ولدينا نصوصًا صريحة بهذا المعنى، مثل هذا النص “مذبحًا.. تصنع لي.. وفي كل موضع يذكر فيه اسمي آتيك وأبارك” (خر 20: 24) وفي مرحلة ثانية أتت شريعة وحدة المعبد (تث 12: 11، 17- 18) وفي مرحلة ثالثة يظهر بوضوح أن هذه الوحدة قد تحققت (تث 17: 3-9).

الواقع الثاني: التطور التاريخي: وإذا رجعنا إلى التاريخ المقدس، نجد أن تطور الشريعة كان موازيًا للتطور التاريخي نفسه، وبالفعل خضع تنظيم مكان العبادة لتطور واضح أكيد. ففي البداية لم يكن هناك مكان ثابت لتشييد المذابح، وكان الحال كذلك في زمن القضاة، كما يظهر في أعمال جدعون (قض 6: 19- 21) ومنوح (قض 13: 19) ولم يتغير الوضع في زمن صموئيل، الذي قدم ذبائح في معابد المصفاة، والجلجال، وبيت لحم، وغيرها، كما إنه بنى مذبحًا في الرامة (1 صم 7: 9، 10: 8، 16: 5) وقبل بناء الهيكل كان الشعب يذبح على المشارف (1 مل 3: 2).

وقد استمرت عادة تقديم الذبائح في معابد محلية حتى بعد بناء الهيكل، وهذا نراه في عهد سليمان نفسه (1 مل 11: 7) ثم في عهد خلفائه مثل رحبعام (935- 914 ق. م) (1 مل 14: 23) ونجد ملوكًا أتقياء مثل أسا (911- 780 ق. م) ويوشافاط (871- 847 ق. م) يتركون المشارف قائمة (1 مل 15: 14، 22: 43).

وأكثر من ذلك نجد إيليا النبي نفسه يحتج بشدة ضد هدم معابد يهوه في عهد إيزابل الشريرة، ثم يعيد بناء معبد الكرمل (1 مل 19: 14، 18: 30) وأليشع النبي ذبح عجولًا للرب في حقله أو في بيته (1 مل 19: 21).

يتضح من ذلك أن شريعة وحدة المعبد كانت مجهولة في القديم.. ثم جاءت مرحلة ثانية اختفت فيها المشارف تدريجيًا، وأخذت العبادة تتركز تدريجيًا في هيكل أورشليم، وكان حزقيا (716- 687 ق. م) أول من أمر بالقضاء على المشارف (2 مل 18: 4) ثم اجتهد يوشيا (640- 609 ق. م) في مواصلة هذا الإصلاح.

وأخيرا جاءت مرحلة ثالثة تم فيها القضاء نهائيا على المشارف وعلى المعابد المحلية، وصار هيكل أورشليم مكان العبادة الوحيد، وقد بدأ ذلك بعد اكتشاف “سفر توراة الرب” (2مل 22- 23) ولكن هذا النظام لم يتحقق تماما إلا بعد العودة من الأسر البابلي، أي بعد سنة 538 ق.م..

النتيجة :…. فهناك أولا النصوص التي تجيز إقامة المذابح في أي مكان، أو تروى أحداثا تطابق هذا الوضع، وترجع هذه النصوص إلى المصدرين القديمين، أي المصدر اليهوي والمصدر الإيلوهى، وتسبق بكل تأكيد إصلاح يوشيا (621 ق. م) وتأتى ثانيا النصوص التي تبين محاولات توحيد المعبد، وترجع هذه النصوص إلى مصدر ثالث، وهو مصدر التثنية، الذي ظهر بعد إصلاح يوشيا مباشرة (حوالي 620 ق. م) ولدينا أخيرا النصوص التي تفترض واقع وحدة المعبد وتنتمي إلى المصدر الكهنوتي، وترجع إلى زمن الأسر البابلي أو إلى الزمن اللاحق له مباشرة (حوالي 540 ق.م)(2).

تعليق:

أ- عندما كان بنو إسرائيل يرتحلون في البرية من مكان إلى آخر كانوا يضطرون إلى إقامة مذبح في كل مكان يحلون فيه، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. وهذا ما قصده الكتاب من قوله “مذبحًا من تراب تصنع لي وتذبح عليه محرقات وذبائح سلامتك غنمك وبقرك. في كل الأماكن التي فيها اصنع لاسمي ذكرا آتى إليك وأباركك” (خر 20: 24).

ب- بعد الوصول إلى أرض كنعان كان هناك وصية مسبقة أن تكون العبادة في المكان الذي يختاره الرب “فمتى عبرتم الأردن وسكنتم الأرض التي يقسمها لكم الرب إلهكم وأراحكم من جميع أعدائكم الذين حواليكم وسكنتم آمنين. فالمكان الذي يختاره الرب إلهكم ليحل اسمه فيه تحملون إله كل ما أن أوصيكم من محرقاتكم وذبائحكم وعشوركم ورفائع أيديكم وكل خيار نذوركم التي تنذرونها للرب” (تث 12: 10، 11) وقد تحقق هذا ببناء هيكل أورشليم.

ج- في أيام القضاة لم يكن الهيكل قد بنى بعد، لذلك قدموا الذبائح في أماكن مختلفة، فقدم جدعون ذبيحة في عفرة بعيدًا عن أورشليم (قض 2: 19- 21) وقدم منوح على صخرة في صرعة (قض 13: 19-20) وقدم صموئيل في المصفاة (1صم 7: 9) وفي الجلجال (1صم 10: 8) وفي بيت لحم (1صم 16: 5) وذكر سفر الملوك سبب تقديم الذبائح على المرتفعات في أيام سليمان الأولى “إلا أن الشعب كانوا يذبحون في المرتفعات لأنه لم يبن بيت لاسم الرب إلى تلك الأيام” (1مل 3: 2).

د- الذبائح التي قدمت بعد بناء الهيكل بعيدا عن الهيكل لم تقدم للرب بل للأصنام، مثل الذبائح التي قدمها سليمان واحتج بها على أصحاب النقد الذين لا فرق عندهم بين ذبائح الله وذبائح الأصنام، فيقول الكتاب “وعمل سليمان الشر في عيني الرب ولم يتبع الرب تماما كداود أبيه. حينئذ بنى سليمان مرتفعة لكموش رجس الموأبيين على الجبل الذي تجاه أورشليم، ولمولك رجس بنى عمون، وهكذا فعل لجميع نسائه الغريبات اللواتي كن يوقدن ويذبحن لآلهتهن. فغضب الرب على سليمان” (1مل 11: 6- 9) وهكذا الذبائح التي قدمت أيام رحبعام بن سليمان “وعمل يهوذا الشر في عيني الرب وأغاروه أكثر من جميع ما علم آباؤهم بخطاياهم التي أخطأوا بها. وبنوا هم أيضًا لأنفسهم مرتفعات وأنصابا وسواري على كل تل مرتفع وتحت كل شجرة خضراء. وكان أيضًا مأبونون على الأرض. فعلوا حسب كل أرجاس الأمم” (1مل 14: 22- 24) أما آسا ويهوشافاط رجال الله فلم يقدموا ذبائح للأصنام على المرتفعات إنما هما لم يستطيعا أن يزيلا هذه المرتفعات لتمسك الشعب بها.

هـ- ذبيحة إيليا (1مل 18: 17: 40) لم يكن من الممكن إقامتها في هيكل أورشليم لأنها كانت نوعا من التحدي مع آلهة البعل، واتفقوا على أن يقدم كل منهم ذبيحة على جبل الكرمل في مملكة بنى إسرائيل الشمالية ليروا أي ذبيحة يقبلها الرب. ذبيحة أنبياء البعل أم ذبيحة إيليا؟ إذا كان هناك ضرورة لمواجهة تحدى الشيطان فاضطر إيليا أن يقدم ذبيحته خارج هيكل أورشليم.

و- لم يقدم إليشع ذبيحة إنما صنع وليمة محبة للشعب بمناسبة دعوته للخدمة “أخذ فدان بقر وذبحهما وسلق اللحم بأدوات البقر وأعطى الشعب فأكلوا. ثم قام ومضى وراء إيليا وكان يخدمه” (1مل 19: 21).

_____

(1) راجع رسالة صديق الكاهن- سبتمبر 1971 م ص 41- 49.

(2) رسالة صديق الكاهن- سبتمبر 1971م ص 41- 44.

الأدلة التشريعية التي اعتمدت عليها نظرية المصادر؟

الأدلة التي اعتمدت عليها نظرية المصادر؟ وما هو الرد عليها؟

الأدلة التي اعتمدت عليها نظرية المصادر؟ وما هو الرد عليها؟

الأدلة التي اعتمدت عليها نظرية المصادر؟ وما هو الرد عليها؟

 23- ما هي الأدلة التي اعتمدت عليها نظرية المصادر؟ وما هو الرد عليها؟

أولًا: الأدلة اللغوية التي اعتمدت عليها نظرية المصادر

ج- أورد أصحاب مدرسة النقد الأعلى ثلاث أدلة لغوية اعتمدوا عليها في القول بنظرية المصادر، وهي اختلاف الأسماء الإلهية، واختلاف الأسلوب الأدبي، واختلاف الألفاظ والأسماء. فيما بلي نورد كل دليل من أدلتهم مع التعليق عليه:

 

أ-اختلاف الأسماء الإلهية:

يقول أصحاب النقد “الواقع الأول: اختلاف الأسماء: تعطي التوراة أسماء مختلفة لله تعالى، وأهمها “يهوه” و”إيلوهيم” ونلاحظ أن بعض أجزاء التوراة تتميز باستخدام أحد الاسمين، بينما تتميز غيرها باستعمال الآخر. وهكذا مثلًا يرد اسم “يهوه” 143 مرة في كتاب التكوين، 394 مرة في كتاب الخروج، 310 مرة في كتاب اللاويين، 387 مرة في كتاب العدد، 547 مرة في كتاب التثنية، أما اسم “إيلوهيم” فيأتي 165 مرة في التكوين، 56 مرة في الخروج، ويغيب تمامًا في اللاويين، ويظهر من جديد 10 مرات في العدد، ثم 8 مرات في التثنية، ويرد اسم “يهوه- إيلوهيم” 20 مرة في التكوين.

الواقع الثاني: اختلاف مكان ظهور الأسماء: ونلاحظ إن اسم “يهوه” و”إيلوهيم” يترددون بالتتابع في التكوين وفي بداية الخروج. ثم يختفي اسم إيلوهيم اختفاء شبه تام اعتبارًا من (خر 6) فنقابل بعد ذلك اسم “يهوه ” بصفة شبه مستمرة..

النتيجة: دخول مصادر مختلفة في تأليف التوراة.. فهناك المصدر اليهوي الذي يستخدم اسم “يهوه ” والمصدر “الإيلوهي” الذي يستخدم اسم “إيلوهيم” ومصدر التثنية والمصدر الكهنوتي اللذان يشتركان مع المصدرين الأولين في استخدام هذه السماء، ولكن يختلفان عنهما في خصائص أخرى..”(1).

 

وكان لأصحاب مدارس النقد آراء خاطئة في تفسير اسم يهوه، فمثلًا:

1- إيل:

وهو أقدم الأسماء المعروفة للبشرية وتشير للألوهية، حتى إن كثير من الشعوب الوثنية كان يستخدم ذات الاسم للتعبير عن آلهتهم، فاسم “إيل ” يدل على الألوهية بصفة عامة سواء لدى شعب الله أو الشعوب الوثنية ويبدو إن اسم “إيل ” عُرِف لدى البشرية عقب الطوفان وقبل بلبلة الألسنة على إنه اسم الله الحقيقي، وبعد بلبلة الألسنة وتفرق الشعوب وانتشار الوثنية دعى هؤلاء الوثنيون آلهتهم باسم إيل، وجاء اسم إيل في العهد القديم بصيغة الجمع “ألوهيم ” كإشارة مبكرة للثالوث القدوس، فاسم إيل هو “اسم جنس يدل على الألوهة بصفة عامة، واسم علم يدل على الشخص الوحيد والمحدود والمحدَّد والذي هو الله. أما ألوهيم فهو صيغة جمع، لا جمع التفخيم- فهذا غير معروف في اللغة العبرية- وليس أيضًا أثرًا وثنيًا، إذ هذا لا يتفق مع العقلية الإسرائيلية، الحساسة جدًا، في مثل هذا الموضوع (تعدد الآلهة).. كان “إيل” معروفًا ومعبودًا خارج إسرائيل كاسم جنس، يدل على الألوهية، تقريبًا في كل العالم السامي، وكاسم علم، هو اسم إله عظيم، يظهر أنه كان الإله الأعلى، وفي القسم الغربي من هذه المنطقة، خاصة في فينيقيا وكنعان”(6).

وقد اقترن اسم “إيل ” بأسماء أخرى وصفيَّة لتشير إلى الله في صفاته “إن الأسباط يسمون إلههم “إيل” وينعتونه بصفات شتى: الإله العلي (تك 14: 22) ، الرائي (تك 16: 13) والله القدير (تك 17: 1، 35: 11، 48: 3) وإله بيت إيل (تك 35: 7) والإله السرمدي (تك 21: 33)”(7).

وبهذا نجد عدة أسماء لله مشتقة من اسم إيل نذكر منها:

أ- إيل عليون (إيليون)
ب- إيل شدَّاي
جـ- إيل رئي
د- إيل أولام
هـ- إيل إله إسرائيل
و- إيل بيت إيل

 

أ- إيل عليون (إيليون) El Elyon

وتترجم في العربية إلى العلي، من الفعل “علا ” أي ارتفع، فإن كان كل إله من آلهة الأمم الوثنية قد دعوه إيل، فإن الله هو الإله العلي فوق جميع هذه الآلهة، وبحسب الفكر اليهودي هو فوق كل الموجودات، ويقول موسى في نشيده “حين قسم العلي (إيليون) للأمم حين فرّق بني آدم” (تث 32: 8) وقال داود النبي “أرعد الرب من السموات والعلي (إيليون) أعطى صوته” (مز 18: 13). وعندما أبصر نبوخذ نصر عمل الله العظيم مع الثلاثة فتية صرخ قائلًا “يا شدرخ وميشخ وعبدنغو يا عبيد الله العلي اخرجوا وتعالوا” (دا 3: 26) ، وفي العهد الجديد نسمع مجنون كورة الجدريين وقد “صرخ بصوت عظيم وقال ما لي ولك يا يسوع ابن الله العلي” (مر 5: 7).

 

ب- إيل شدَّاي El Shaddai

وشدَّاي جمع كلمة “شاد ” أي قوة أو قدرة، وشدَّاي = أصحاب القوات = أصحاب القدرات = المقتدرون، وتُرجم في العربية إلى “القدير”، وإيل شدَّاي أي القدير رب القوات أو الرب القدير، وقد ورد اسم “شدَّاي ” 48 مرة في العهد القديم منها أكثر من ثلاثين مرة في سفر أيوب ومرتين في المزامير “وعندما شتت القدير ملوكًا” (مز 69: 14) “الساكن في ستر العلي في ظل القدير يبيت” (مز 91: 1) وفي إشعياء (أش 13: 6) وفي حزقيال (حز 1: 24) وفي يوئيل (يؤ 1: 15) (دائرة المعارف جـ 1 ص 393، وعلم اللاهوت الكتابي ص 135).

فعندما أعلن الله ذاته لإبراهيم قال له “أنا الله القدير (إيل شدَّاي) سر أمامي وكن كاملًا” (تك 17: 1) وكان هذا هو الإعلان الأول للإنسان عن اسم من أسماء الله في الكتاب المقدَّس(17) وقال إسحق لإبنه يعقوب عندما أرسله إلى فدَّان أرام “والله القدير (إيل شدَّاي) يباركك ويجعلك مثمرًا ويكثرك فتكون جمهورًا من الشعوب” (تك 28: 3) وعندما ظهر الله ليعقوب في عودته من فدَّان أرام وغيَّر اسمه إلى إسرائيل “قال له الله أنا الله القدير (إيل شدَّاي) أثمر وأكثر، أمة وجماعة أمم تكون منك، وملوك سيخرجون من صلبك” (تك 35: 11) وقال يعقوب لأولاده العائدين إلى أرض مصر “والله القدير (إيل شدَّاي) يعطيكم رحمة أمام الرجل حتى يطلق لكم أخاكم الآخر وبنيامين” (تك 43: 14).. “وقال يعقوب ليوسف الله القادر على كل شيء ظهر لفي في لوز في أرض كنعان وباركني” (تك 48: 3) وقال الرب لموسى “وأنا ظهرت لإبراهيم وإسحق ويعقوب بأني الإله القادر على كل شيء” (خر 6: 3) وقالت نعمى “القدير قد أمرَّني جدًا.. الرب قد رذلني والقدير قد كسرني” (را 1: 20، 21)، وتُرجمت في الترجمة السبعينية إلى “كيريوس ” وجاءت في العهد الجديد “بانطوكراطور” أي ضابط الكل.

 

جـ- إيل رئي El Roi

وتعني الله إله الرؤيا أي الذي يرى كل شيء، فعندما ظهر الله لهاجر وأوصاها بالعودة إلى بيت سيدها “فدعت اسم الرب الذي تكلم معها أنت إيل رُئي. لأنها قالت أههنا أيضًا رأيت بعد رؤية. لذلك دُعيت البئر بئر لَحَى رُئي” (تك 16: 13، 14) وفي المكان الذي أصعد إبراهيم ابنه إسحق ذبيحة “فدعا إبراهيم اسم ذلك الموضع يَهَوه يراه، حتى إنه يقال اليوم في جبل الرب يُرى” (تك 22: 14).

 

د- إيل أولام El Olam

وهذا تعبير يشير إلى سرمدية الله أي إنه أزلي بلا بداية، وأبدي بلا نهاية، كما عرفه أبونا إبراهيم “وغرس إبراهيم أثلًا في بئر سبع ودعا هناك باسم الرب الإله السرمدي” (تك 21: 33).

 

هـ- إيل إله إسرائيل El Elohe Israel

فيعقوب في عودته من فدَّان أرام عندما وصل مدينة شكيم، وبعد أن غير الله اسمه من يعقوب إلى إسرائيل “أقام هناك مذبحًا ودعاه إيل إله إسرائيل” (تك 33: 20).

 

و-إيل بيت إيل El Bethel

فعند عودة يعقوب من فدَّان أرام وهو في لوز (بيت إيل) يقول الكتاب “بنى هناك مذبحًا ودعا المكان إيل بيت إيل. لأنه هناك ظهر له الله حين هرب من وجه أخيه” (تك 35: 7) فإيل بيت إيل تعني الله هو إله بيت إيل.

 

2- إلوهيم Elohim

اسم الوهيم جمع “إيل”، ومعنى “إيل ” القدير أو القوي، فالوهيم تعني الله القوي الأزلي الأبدي وهو من أكثر الأسماء التي وردت في العهد القديم، حتى أنه ورد في سفر التكوين نحو مائتي مرة، فجاء في أول آية في الكتاب المقدَّس “في البدء خلق الله (الوهيم) السموات والأرض” (تك1: 1) فاسم الوهيم جاء كإشارة مبكرة للثالوث القدوس، ولهذا ورد في العهد القديم 2310 مرة للإشارة للإله الحقيقي المثلث الأقانيم، ولذلك جاء الفعل في صيغة المفرد. بينما ورد 245 مرة للإشارة لآلهة الأمم وجاء الفعل في صيغة الجمع، ويترجم اسم إيلوهيم في العربية إلى “اللهم” وعندما نستخدم نحن المسيحيين هذا الاسم ونقول “اللهم ارحمني أنا الخاطي” فإننا ندرك المعنى “أيها الثالوث القدوس ارحمني” أما عندما يستخدم هذا الاسم الذين ينكرون الثالوث فلا يجدون تفسيرًا له.

 

3- يهوه Yohweh

ورد اسم “يهوه ” في العهد القديم كاسم شخصي لله، وليس كصفة من صفاته، وهو غير الأسماء العامة (إيل والوهيم وشدَّاي.. إلخ) ويشير اسم “يهوه ” للوجود المطلق وهو يشير للوحدانية، أي لجوهر الله الواحد، وكان اليهود يقرأون اسم “يهوه ” “أدوناي”، وكان الآباء يعرفون الله بهذا الاسم ولكن لا يدركون معناه “وأنا ظهرت لإبراهيم وإسحق ويعقوب بأني الإله القادر على كل شيء وأما باسمي يهوه فلم أُعرف عندهم” (تك 6: 3) فبالرغم من إن الآباء استخدموا الاسم قبل الطوفان وبعده إلَّا إن معناه ومغزاه لم يكن معروفًا، حتى ظهر الله لموسى في العليقة على جبل حوريب “فقال موسى لله ها أنا آتي إلى بني إسرائيل وأقول لهم إله آبائكم أرسلني إليكم.. هكذا تقول لبني إسرائيل يهوه إله آبائكم إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب أرسلني إليكم، هذا اسمي إلى الأبد، وهذا ذكري إلى دور فدور” (خر 3: 13- 15).

ويقول الأستاذ جرجس إبراهيم صالح إن الله حينما أعلن لموسى عن اسمه الممجد (يهوه) لم يكن اسمًا جديدًا لكنه إعلانًا عن تمام عهده الذي قطعه مع إبراهيم أب الآباء وأكده مع إسحق ويعقوب.. (وأيضًا أقمت معهم عهدي أن أعطيهم أرض كنعان أرض غربتهم التي تغربوا فيها.. وأنا أيضًا سمعت أنين بني إسرائيل الذي يستعبدهم المصريون وتذكرت عهدي..) (خر 6: 4، 5) فهو هنا يعلن عن نفسه أنه حافظ العهد وإله العهد ومتمم العهد (تك 15)”(8).

فأهيَه أو يهوه هو اسم ذات لله بمعنى (أكون ويكون) وهما في فعل الكينونة للمتكلم (أكون) وللغائب (يكون) فأهْيَه للمضارع الفرد المتكلم، ويهوه للمضارع الفرد الغائب، أهْيَه الذي أهْيَه = أكون الذي أكون (بصفة المتكلم) = I am who I am = أنا الذي أنا = أنا هو = الذي أنا هو = أنا هو الكائن = I am Being.

يهوه = الكائن (صيغة المضارع الغائب) = الواجب الوجود = القائم بذاته.

وكل من الاسم “أهْيَه ” و”يهوه ” مشتق من الفعل العبراني “هافاه” HAVAH ومعناه “يكون” أو “يصير” أو “يوجد” والأمر الجميل أن السيد المسيح دعى نفسه بكلا الاسمين في آية واحدة عندما قال “أنا هو الألف والياء البداية والنهاية يقول الرب الكائن (يهوه) والذي كان والذي يأتي (أهْيَه الذي أهْيَه) الادر على كل شيء” (رؤ 1: 8) ويتكرر المعنى في (رؤ 11: 17، 16: 5- 7).

وسواء كان اسم أهْيَه أو يهوه فالمقصود منه:

 “1-إن الله هو الكائن وحده الذي لا شريك له في الربوبية، وهذا يعني أن كل آلهة الأمم كاذبة.

2-أنه هو الكائن الواجب الوجود أي الذي لا بد أن يكون.

3-وهو الكائن بذاته أي الذي لم يوجده أحد ولا يعتمد في وجوده على أحد، فهو إذًا ليس مخلوقًا ولا مصنوعًا مثل آلهة الأمم.

4-وهو الكائن دائمًا أي الأزلي الأبدي”(9).

أما ما جاء من تعليلات عديدة لاسم “يهوه ” على ألسنة أصحاب مدرية النقد الأعلى، من ربط اسم “يهوه ” بآلهة وثنية أو أسماء مصرية أو كنعانية أو أشورية أو بابلية، فجميعها مجرد افتراضات وتخمينات تخالف الحقيقة التي أعلنها الكتاب المقدَّس.. لقد تركوا ينبوع الحياة وذهبوا يحفرون لأنفسهم آبارًا مشققة لا تضبط ماء.

 

4- أدوناي Adonai

أدوناي جمع كلمة “أدون ” ومعناها السيد أو المولى أو المالك أو الرب الملك، وتُرجمت في العربية إلى “السيد ” أو “الرب”، وفي اليونانية إلى “كيريوس”، وفي القبطية إلى “ابتشويس “.. قال الرب لإشعياء النبي “هكذا يقول السيد (أدوناي) الرب” (أش 7: 7) وصلى دانيال النبي “لك يا سيد (أدون) البر وأما لنا فخزي الوجوه.. يا سيد (أدون) حسب كل رحمتك اصرف سخطك وغضبك.. يا سيد (أدون) اسمع. يا سيد (أدون) اغفر. يا سيد (أدون) أصغ واصنع” (دا 9: 7- 19) وقد ورد اسم أدوناي نحو 300 مرة في العهد القديم في صيغة الجمع، و215 مرة بصيغة المفرد وقال الرب يسوع لتلاميذه “أنتم تدعوني معلمًا وسيدًا (أدون) وحسنًا تقولون لأني أنا كذلك” (يو 13: 13) وفي أوشية الإنجيل نخاطب الله الابن “أيها السيد يسوع المسيح إلهنا..”.

وقد تجد في آية واحدة اسمين من أسماء الله، فإلى أي مصدر ننسب مثل هذه الآية، ولا سيما إن الاسمين قد يكونا متلاصقان ويستحيل فصل أحدهما عن الآخر، وكمثال على ذلك ورود اسم “إيل ” و”يهوه ” في آية واحدة، كما قال بلعام “كيف ألعن من لم يلعنه الله (إيل) وكيف أشتم من لم يشتمه الرب (يهوه)” (عد 23: 8) وقال داود النبي “إني أسمع ما يتكلم به الله (إيل) الرب (يهوه)” (مز 85: 8) وقال إشعياء النبي “هكذا يقول الله (إيل) الرب (يهوه) خالق السموات وناشرها باسط الأرض..” (أش 42: 5).

وورد اسم “يهوه ” و”إيلون ” في آية واحدة “فقال إبرام لملك سدوم رفعت يديَّ إلى الرب الإله (يهوه) العلىّ (إيليون) ملك السماء والأرض” (تك 14: 22) وقال المرنم “وأرنم لاسم الرب العالي” (مز 7: 17) ، وأيضًا ورد اسم “الوهيم ” و”يهوه ” في آية واحدة أكثر من مرة “يوم عمل الرب (يهوه) الإله (الوهيم) الأرض والسموات” (تك 2: 4) كما ورد اسم “أدوناي ” و”يهوه ” في آية واحدة في عدة مواضع “فقال إبرام أيها السيد (أدوناي) الرب (يهوه) ماذا تعطيني وأنا ماض عقيمًا” (تك 15: 2) وقال داود النبي “من أنا يا سيدي (أدوناي) الرب (يهوه) وما هو بيتي حتى أوصلتني إلى هنا” (2 صم 7: 18).. “أيها الرب (يهوه) سيدنا (أدوناي) ما أمجد اسمك في كل الأرض” (مز 8: 9).. “قال الرب (يهوه) لربي (أدوناي) اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك” (مز 11: 1) ووردت عبارة “السيد الرب” (أدوناي يهوه) مرات عديدة في سفر حزقيال.

فهل هناك مصادر أخرى للتوراة يمكن أن يتخيلها أصحاب نظرية المصادر مثل مصدر أدوناي، ومصدر إيليون، ومصدر شدَّاي؟

وأيضًا هناك أسماء وألقاب أخرى لاسم الجلالة في العهد القديم مثل “يهوه صباءوت” (1 صم 1: 3) أي رب الجنود، و”الرب يرأه” (تك 22: 14) أي الرب يدبر، و”يهوه دفا” (خر 23: 25) أي الرب شافينا، و”يهوه نسّى” (خر 17: 15) أي الرب رايتي، و”يهوه شلوم” (قض 6: 24) أي الرب سلامنا، و”يهوه روعي” (مز 23: 1) أي الرب راعينا، و”يهوه صدقينو” (أر 23: 5، 6) أي الرب برنا، و”يهوه شمة” (خر 48: 35) أي الرب هناك(10).

لو أن كاتب سفر التوراة أخذ من أكثر من مصدر وخرج بمؤلف جديد ما كان يستخدم لقبين لاسم الجلالة (يهوه وإيلوهيم) إنما كان يستخدم لقب واحد للحفاظ على وحدة كتابه، ولو أنه اضطر إلى استخدام اللقبين، فلا بد أنه سيفضل لقب عن الآخر، فيستخدم أحد اللقبين بكثرة وبصفة شائعة، ويقلل من استخدام اللقب الآخر، ولا سيما في المواقع التي يستخدم فيها اللقب الأفضل، وهذا لم يتحقق، ففي قصة الخليقة يستخدم موسى النبي لقب إيلوهيم (تك 1: 1- 2: 4) وأيضًا يستخدم لقب يهوه (تك 2: 4- 5) ، وكذلك في قصة الطوفان (تك 6: 5- 9: 19) يستخدم الاسمين إيلوهيم ويهوه، وهذا ما يدل على أن إيلوهيم ويهوه هما لقبان حقيقيان متساويان لله.

والأمر الذي يشكل معضلة لنظرية المصادر أنه في الآية الواحدة يستخدم الكاتب الاسمين “الرب الإله ” كما في تك 2: 4- 3: 24، خر 9: 3، وهذا الأمر يعجز عن تفسيره أصحاب نظرية المصادر.

ويرى ر. د. ولسن R. D. Wilson أن استخدام الاسم إيلوهيم “الله ” الذي هو أساس نظرية المصدر {E} في (تك 1: 1- 2: 3، 6: 9- 12، 7: 2- 14، 20.. إلخ) وكذلك استخدم الاسم يهوه “رب ” الذي هو أساس نظرية المصدر {J} في (تك 4، 7: 1- 5، 11: 1- 9، 15، 18: 1- 19: 28 وغيرها) هو نوع من أسلوب الكتابة الذي كان شائعًا ومنتشرًا في الكتابات الأدبية القديمة.. كما أن أسلوب الكتابة هذا يعكس محاولة الكاتب أن يؤكد أفكاره المرتبطة والمتعلقة بهذا الاسم(11).

ب- اختلاف الأسلوب الأدبي:

 “الواقع: أربعة أساليب متميزة: يختلف أسلوب التوراة من جزء إلى جزء.. فهناك أجزاء تتميز بأسلوب تصوري بسيط وشيق، ولا تتردد في تصوير الله تعالى بأوصاف بشرية وإنسانية. وهناك أجزاء أخرى تتميز بالدقة، وبوفرة الأخبار والمشاهد، وبالتسامي عند الكلام عن الله تعالى وعن الأخلاق.

وتتميز مجموعة ثالثة من أجزاء التوراة بالصبغة الواعظية والسلوكية، وأخيرًا نجد مجموعة رابعة تتميز بأسلوبها الفقير، وبالاستفاضة في الأوصاف، وبكثرة المراجعات، وبالعبارة المجردة الخالية من الجمال الأدبي، وفي أحيان نادرة تفاجئنا هذه المجموعة بصفحات رائعة مثل رواية الخلقة الواردة في (تك 1) ومساومات إبراهيم لشراء حقل مكفيلة في حبرون (تك 23).

النتيجة: أربعة مصادر في مجموعة واحدة.. وهكذا ميَّز العلماء بين المصدر اليهوي الذي يتكون من المجموعة الأولى التي سبق الكلام عنها، والمصدر الإيلوهي الذي يتكون من المجموعة الثانية، ومصدر التثنية الذي يشمل المجموعة الثالثة، والمصدر الكهنوتي الذي يضم المجموعة الرابعة”(12).

تعليق: لا يوجد اختلاف بل يوجد تنوع في الأسلوب، وهذا أمر متعارف عليه لدى كبار الكتَّاب، فأسلوب الكتابة يتوقف على المرحلة التي يكتب فيها الإنسان، ولا سيما لو استمرت هذه المرحلة نحو أربعين عامًا كما حدث مع موسى النبي الذي كتب بعض الأسفار بعد الخروج من مصر وكان عمره نحو ثمانين عامًا، مثلما كتب سفر اللاويين في بداية السنة الثانية من الخروج من مصر، بينما كتب بعض الأسفار في نهاية حياته وكان عمره نحو مائة وعشرين عامًا، مثلما كتب سفر التثنية في الشهر الأخير من حياته.

وفي خلال السفر الواحد قد يتباين أسلوب الكتابة بحسب الحالة النفسية للكاتب، ومدى انفعاله بالحدث، وطبيعة الموضوع إلى يتناوله في الكتابة وهلم جرا..

جـ -اختلاف الألفاظ والأسماء:

قال أصحاب النقد “نلاحظ أيضًا في التوراة وجود ألفاظ وأسماء مختلفة تأتي للدلالة على أشياء واحدة.. ويبين الجدول الآتي بوضوح اختلاف الألفاظ والأسماء باختلاف المصادر التي تنتمي إليها:

م

الموضوع

اليهوي

الإيلوهي

التثنية

الكهنوتي

1

سكان الأرض

الكنعانيون

الأموريون

   

2

حمو موسى

راجيل

يثرو

   

3

جد الأسباط الاثني عشر

يعقوب

يعقوب

   

4

جبل الرب (الظهور لموسى)

سيناء

حوريب

حوريب

سيناء

5

الأرض

أديم

 

أرض

أرض

6

حبرون

حبرون

   

قرية أربع

7

أرض النهرين

أرام النهرين

   

فدان آرام(13)

تعليق:

1- الأموريين هم قبيلة من قبائل الكنعانيين “وكنعان ولد صيدون بكره وحثّا. واليبوسي والأموري والجرجاشي” (تك 10: 15، 16) فلا يوجد اختلاف فيمكن تسمية سكان الأرض بالكنعانيين أو بالأموريين.

2- حمى موسى له اسمان رعوئيل باسمه، ويثرون بلقبه مثلما كان سمعان بطرس فاسمه كان سمعان ودعاه الرب يسوع بطرس أي صخرة، ودُعي أيضًا صفا، فهوذا ثلاثة أسماء لشخص واحد.

3- كذلك يعقوب وإسرائيل اسمان لشخص واحد، فعند ولادته دعوه يعقوب ودعاه الرب إسرائيل “فقال لا يُدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل إسرائيل” (تك 32: 28) فلا يوجد خلاف في الأسماء.

4- الجبل الذي ظهر عليه الرب لموسى يُدعي حوريب بالنسبة للمقاطعة الجبلية، فالجبل وما حوله يُدعى حوريب، ولذلك قال الكتاب “ها أنا واقف أمامك هناك على الصخرة في حوريب” (خر 17: 6) وقال المرنم عن إسرائيل “صنعوا عجلًا في حوريب” (مز 106: 19) أما قمة الجبل فتدعى سيناء ولذلك قال الكتاب “ونزل الرب على جبل سيناء على رأس الجبل” (خر 19: 20) ودُعي الجبل باسم قمته “وكان جبل سيناء كله يُدخن” (خر 19: 18) ولشهرة جبل سيناء دُعيت المنطقة كلها من خليج العقبة وخليج السويس باسم شبه جزيرة سيناء.

5- الأديم هو وجه الأرض(14) والأديم والأرض هما شيء واحد.

6- حبرون كانت تُدعى أولًا قرية أربع على اسم الشخص الذي أسسها وهو “أربع” جد العناقيين وقد أوضح الكتاب هذا عندما قال “وماتت سارة في قرية أربع التي هي حبرون في أرض كنعان” (تك 23: 2) وقال يشوع بن نون “واسم حبرون قبلًا قرية أربع الرجل الأعظم في العناقيين” (يش 14: 15).

7- سميت أرض النهرين آرام النهرين وجاء في قاموس الكتاب المقدَّس ص 43 “آرام النهرين” (تك 24: 10) والنهران هما الدجلة والفرات، ويظن البعض أنهما نهرا خابور والفرات، وكان فدان آرام يقع في هذا الإقليم (تك 28: 2، 5) وقد سكن ناحور بن تارح ونسله في مدينة حاران في فدان آرام (تك 29: 4، 5) وقد دعا العبرانيون هذه البقعة “آرام التي في عبر النهر” (2 صم 10: 16) وجاء في دائرة المعارف “آرام النهرين.. للدلالة على المنطقة التي يحدها نهر الفرات الأعلى من الغرب، ونهر خابور من الشرق، وتشمل مدينة حاران التي سكن فيها تارح بعد أن ترك أور الكلدانيين (تك 11: 31) وهي نفسها فدان آرام التي ذهب إليها عبد إبراهيم ليأخذ زوجة لإسحق” (تك 24: 10)”(15) وجاء في القاموس عن فدان آرام “اسم سامي معناه سهل آرام، موقع يوجد على ما يظهر في آرام النهرين (تك 24: 10، 25: 20، 28: 5)”(16) ولذلك فلا يوجد خلاف في دعوة هذه المنطقة آرام النهرين أو فدان آرام.

_____

(1) الأب أنطون نجيب – رسالة صديق الكاهن سبتمبر 1971 م ص 31، 32.

(2) علم اللاهوت الكتابي ص 188.

(3) المرجع السابق ص 188.

(4) الأب أنطون نجيب – رسالة صديق الكاهن سبتمبر 1971 م ص 41.

(5) الأب أنطون نجيب – رسالة صديق الكاهن يونيو 1972 م ص 84.

(6) معجم اللاهوت الكتابي ص 91.

(7) معجم اللاهوت الكتابي ص 91.

(8) أسماء الله ص 13.

(9) جرجس صالح – أسماء الله ص 3.

(10) راجع كتابنا أسئلة حول ألوهية المسيح ص 85-96، وكتابنا شهود يهوه.. هوة الهلاك ص 42- 44.

(11) راجع د. صموئيل يوسف – المدخل إلى العهد القديم ص 89.

(12) رسالة صديق الكاهن – سبتمبر 1971 م ص 33.

(13) رسالة صديق الكاهن – سبتمبر 1971 م ص 34.

(14) مختار الصحاح ص 10.

(15) دائرة المعارف جـ 1 ص 155.

(16) قاموس الكتاب المقدَّس ص 672.

(17) أ. جرجس صالح- أماء الله ص 7.

الأدلة التي اعتمدت عليها نظرية المصادر؟ وما هو الرد عليها؟

نظرية المصادر – هل يمكن قبولها؟

نظرية المصادر – هل يمكن قبولها؟

نظرية المصادر – هل يمكن قبولها؟

ج: لا يمكن قبول نظرية المصادر لأسباب عديدة نذكر منها:

1- يتجاهل أصحاب نظرية المصادر النصوص الواضحة والصريحة التي وردت في الأسفار المقدسة والتي تنسب السفر إلى كاتبه، ويدعون أننا عرفنا كتبة الأسفار من التقاليد المتوارثة، وراحوا يشككون في هذا التقليد، ويخلطون بين التقليد وبين النصوص الكتابية، وبين الأسانيد التاريخية، وقات عليهم أن التقليد هو ما تسلمته الكنيسة شفاهة من الآباء الرسل أو الآباء الرسوليين أي الجيل الثاني بعد الآباء الرسل، وهل يعقل أن نهمل نصوصًا كتابية واضحة تنسب الأسفار إلى كتابها ونأخذ بآراء أصحاب مدرسة النقد الأعلى؟! وعلى كل فلنا عودة لهذا الموضوع في الفصل التاسع.

2- اعتمد أصحاب نظرية المصادر على الافتراضات والاجتماعات والتخمينات حتى صار أسلوب الدراسة في هذا المجال هو أسلوب التخمين، فيقول ريتشارد فريدمان ” تحول بحث العهد القديم إلى مجال عملي مقبول، عندما نجح الخلط فيه بين الدراسة التاريخية للنص وبين الدراسة الأدبية له، وأصبح هذا النموذج الذي يدرس التوفيق بين مصادر النصوص المختلفة (تخمين المصادر) الأسلوب السائد في حقل البحث منذ ذلك الحين وحتى الآن(1) واقتنع ” وليام روبرتسون سميث ” أستاذ دراسات العهد القديم في كلية الكنيسة الحرة بابردين اسكتلندا في القرن التاسع عشر، بنظرية تخمين المصادر، وكتب عدة مقالات في عشرين عامًا، ودعى بالأسقف الشرير.

كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. فقد كان كل واحد من النقاد يسجل أفكاره الخاطئة وتصوراته دون محاولة إثباتها بالأدلة الواقعية، وبدون دراسة موضوعية جادة، ولهذا نلاحظ التخبط الشديد والاختلاف البين بين هؤلاء الأشخاص، فعلى سبيل المثال نجد الآتي:

أ – توماس هوبز Thomas Hobbes سنة 1651م وسبينوزا Spinoza Benedich سنة 1770 م. أنكرا نسبة التوراة لموسى النبي، وقالا أن الأسفار من التكوين وحتى الملوك هي من وضع عزرا الكاتب.

ب – ريتشارد سيمون Richarad Simon سنة 1678م ادعى أن التوراة كتبها إنسان آخر غير موسى، ولكنه استعان بالمذكرات التي دونها موسى.

ج – الطبيب الفرنسي جان أستروك Haen Istruc سنة 1753م قال أن موسى كتب التوراة مستعينًا بمصدرين سابقين ولذلك استخدم أسمين للفظ الجلالة هما “إيلوهيم” و”يهوه”.

د – إيخهون Eichorn سنة 1780م قال أن هناك نوعان من الأفكار والأساليب في كتابة سفري التكوين والخروج مما يغلب بأن موسى أخذ من مصدرين، ثم جاء شخص آخر فأعاد صياغة النص الذي كتبه موسى.

ه – جيدس Geddes سنة 1792م قال أن الكتاب المقدَّس وصل إلينا كأجزاء متفرقة، وأن التوراة كتبت في أرض كنعان وأورشليم في زمن الملك سليمان، دون أن يحدد كتاب هذه الأسفار ولا كيفية جمعها ولا زمن كتابتها، ولا زمن جمعها.

و – فاتير Vater سنة 1805م وهارتيمان Hartman سنة 1831م توسعَا في نظرية المصادر حتى وصلا إلى ثلاثين مصدر اعتمد عليها كاتب التوراة.

ز – إيولد Ewold H.G.وضع نظرية التكميل سنة 1838م حيث أفترض أن موسى لم يكتب التوراة إنما كتبها شخص معتمدًا على عدة وثائق لاحقة لموسى النبي، وعاد في سنة 1855م هدم نظريته هذه، وأقر أن موسى هو الذي كتب التوراة معتمدًا على المصدر الإيلوهيمي والمصدر اليهوي.

ح – ريم E. Riehm سنة 1854م أضاف المصدر التثنوي وأرجع تاريخه إلى ما قبل سنة 621 ق.م بقليل.

ط-ريوس E. Reuss سنة 1854 م أضاف المصدر الكهنوتي للمصادر التي اعتمد عليها موسى في كتابة التوراة.

ى-فلهاوزن J. Wellhausen سنة 1878 م حدد تواريخ المصادر الأربعة، فحدد تاريخ المصدر اليهوي بسنة 950- 850 ق. م. وقال أنه كتبه شخص من مملكة يهوذا، وحدد المصدر الإيلوهي بسنة 850- 750 ق. م. وقال أنه كتبه شخص من السامرة، وحدد تاريخ المصدر التثنوي بسنة 623 ق. م. في عصر يوشيا الملك، وقال أن هذا المصدر أُضيف إليه يشوع والقضاة وصموئيل، وحدد المصدر الكهنوتي بسنة 500- 450 ق. م. وقال أنه كُتب بواسطة حزقيال النبي، ثم ادعى أن كل هذه المصادر أُدمجت سنة 400 ق. م. لتأخذ شكل التوراة الحالية.

وفي فترة صغيرة يذكر “ريتشارد فريدمان” ثلاثة آراء متعارضة فيقول “وفي القرن الثامن عشر توصل ثلاثة باحثين إلى استنتاج مماثل (للفصل بين المصدر اليهوي والألوهيمي) يقوم على هذا الأسلوب وهم قس ألماني “ه. ب. فيتر ” وطبيب فرنسي “جان استروك ” وبروفيسور ألماني “ى. ج أيخهورن” في البداية ظهرت فكرة أن إحدى روايتّي قصص سفر التكوين هي صيغة قديمة استخدمها موسى مصدرًا له، والرواية الثانية هو لموسى نفسه والتي يصف فيها الأحداث على لسانه، وفي مرحلة متأخرة ساد رأي يقول بأن الروايتين كانتا نصين قديمين وقد وضعهما موسى، ثم وصل الباحثون إلى استنتاج أن المصدرين دونهما كتَّاب عاشوا بعد عصر موسى”(2).

3-يتصور أصحاب نظرية المصادر أن كاتب التوراة وضع هذه المصادر أمامه، وأخذ يوفق بينها ويضيف من عندياته حتى ظهرت بهذا الشكل الأخير، والحقيقة أن البساطة الواضحة في كتابة التوراة ينقض هذا الزعم الباطل.

4-لو أن الكاتب نقل من مصادر سابقة، فهو يعتبر ناقل، فأين دور العقل الإنساني الخلاق؟! وأين دور الوحي الذي يعصمه أثناء الكتابة؟!!

5-انتقد كثير من العلماء نظرية المصادر ومن هؤلاء العلماء:

أ- فيجوروكس F. Vigourowx الذي ألف كتابه سنة 1884 م:

-Les Livres Saints et la Critique Rationaliste

ورد فيه على مدارس النقد.

ب- كورنيلي R. Cornely الذي ألف كتابه سنة 1887 م:

-Introductio Specialis in Ristoricos Veteris Testamenti Libros, 1887

حيث ناقش نظرية المصادر ورد عليها، وأعلن تمسكه بصحة الكتاب المقدس المُوحى به من الروح القدس، والتقليد الذي أوصل لنا الكتاب بهذه الصورة.

ج- داهس Dahse الذي هاجم سنة 1914 م آراء فلهاوزن في كتابه:

-Dahse Die gegenwartige krisis in de alttestamentlichen, Kritik (1914)

د- لور Lohr سنة 1925 م انتقد نظرية المصادر الأربعة التي تعتمد على الفرض والتخمين.

ه- كيتيل G. Kittel أيد صحة التقليد في وصول الأسفار القانونية إلينا، وأكد على ضرورة دراسة العهد الجديد، وأصدر كتابه الشهير سنة 1926 م:

-Die Probleme des Palastinischen Spatjuden tums and das Tbrchristentum (1926)

وفي سنة 1932 م أصدر قاموسه الضخم مستخدمًا منهجه في التفسير، وقدم دراسة وافية لأحداث العهد الجديد بعد ربطها بالعهد القديم والأدب اليوناني والبيئة اليهودية التي ظهرت على مسرحها هذه الأحداث.

و- سترنبرج Sternberg سنة 1928 م هاجم نظرية المصادر وأكد نسبة التوراة لموسى النبي الذي كتبها بعد الخروج من أرض مصر ولم يستمدها من أية مصادر سابقة.

ز- اشترك العالمان ب. فولز P. Volz وردلف W. Rudolph سنة 1933 م في إصدار كتاب:

-Der Elohist als Erzaler. Ein Irrwey der pentaleuch Kritik (1933).

حيث انتقدا نظرية المصادر، وأظهرا وحدة الكتاب المقدَّس مؤكدين أن المصدر الإيلوهيمي (E) والمصدر الكهنوتي (P) هما في الحقيقة أجزاء منقولة ومكررة عن المصدر الرئيسي اليهوي (J).

ح- كاسيتو U. Cassuto وهو كاتب يهودي وكان يعمل أستاذًا بجامعة روما أصدر سنة 1934 م كتابه:

-La questione della Genesi

وأكد فيه بأدلة ثابتة وقاطعة وحدة التوراة، كما نقض نظرية المصادر أصلًا وموضوعًا(3).

ط- إينجيل Engell سنة 1945 م نادى بأنه لا يوجد أي أثر للوثائق التي افترض أصحاب نظرية المصادر أن كاتب التوراة اعتمد عليها.

_____

(1) من كتاب التوراة؟ ص 24.

(2) من كتب التوراة؟ ترجمة عمرو زكريا ص 21.

(3) راجع د. وهيب جورجي- الكتاب المقدس والعقيدة مع عرض ومناقشة مدارس النقد ص 50، 51.

نظرية المصادر – هل يمكن قبولها؟

كيف كانت نظرية المصادر غير الكاملة تعتبر ضربا من الخيال؟

كيف كانت نظرية المصادر غير الكاملة تعتبر ضربا من الخيال؟

كيف كانت نظرية المصادر غير الكاملة تعتبر ضربا من الخيال؟

 

12- كيف كانت نظرية المصادر غير الكاملة تُعتبر ضربًا من الخيال؟

نظرية المصادر غير الكاملة: The Fragment Hypothesis

ج: توسعت هذه النظرية في عدد المصادر حتى وصلت نحو ثلاثين مصدرًا غير كامل اعتمد عليها كاتب الأسفار الخمسة، ومن رواد هذه المدرسة “فاتير” Vater الذي اعتقد أن التوراة هي تجميع لعدد كبير من الروايات المستقلة المستمدة من مصادر مختلفة، وأخذ بـ”نظرية الجزئيات” (1802- 1805 م) وكذلك “هارتيمان ” Hartman سنة 1831 م.، ولكن هذه النظرية لم تجد استجابة من الدارسين.

كيف كانت نظرية المصادر غير الكاملة تعتبر ضربا من الخيال؟

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

 

لطالما لاحظ قراء الأناجيل أن متى ولوقا يتشابهان مع بعضهما البعض في طريقة عرضهما لتعاليم يسوع، وأن مرقص يفتقد إلى الكثير من هذه التعاليم. فهناك العديد من القصص والمواعظ وأقوال يسوع في متى ولوقا أكثر من تلك الموجودة في مرقص، والمادة التي يتشارك فيها كل من متى ولوقا قريبة جداً في الصياغة. فمنذ العصور القديمة، كان هذا الأمر يُفسر بالقول بأن متى كُتب أولاً (أولوية متى)، وأن مرقص ولوقا قاما باستخدام متى كمصدر لهما، موسعين فيه أو موجزين وفقاً لحاجاتهما.

أما اليوم، فيؤكد معظم العلماء على أن مرقص كُتب أولاً (أولوية مرقص.) وأن كلاً من متى ولوقا بالالتفات إلى مصدرين رئيسيين هما: مرقص والوثيقة Q([1]). إن نظرية العلاقات الأدبية بين الأناجيل السينوبتية معروفة ب: “فرضية المصدرين”.

يمكن تعريف وثيقة الوثيقة Q، بكل بساطة لكن بدقة، بأنه شبيه بجميع المواد المتطابقة والمشتركة بين متى ولوقا وغير موجودة في مرقص. إن وثيقة الوثيقة Q في جميع مصادر الأناجيل هو إلى حد بعيد أهم دراسة في العهد الجديد. فقد تم البحث فيه دون انقطاع لأكثر من مائة وخمسين سنة، وأصبح منذ حوالي عام 1970 نقطة محورية، ربما النقطة المحورية للدراسات التي تبحث في يسوع التاريخي. في حين أن وجود “م” و”ل”، ومصدر إشارات يوحنا غير مقبول من الناحية التماثلية، وتجمع الغالبية العظمى من العلماء على اعتناق فرضية الوثيقة Q.

في هذا الفصل سوف نقوم باختصار بذكر بدائل فرضية المصدرين مع فرضياتها للوثيقة Q، كما سنذكر بإيجاز محتويات وثيقة الوثيقة Q ووصف الدراسة الأخيرة له. ومن ثم سوف نركز على مسألتين هامتين بالنسبة لدراستنا: هل تصور وثيقة الوثيقة Q يسوع على أنه معلم يهودي كلبي؟ وما هي أهمية موت يسوع وقيامته بالنسبة لوثيقة الوثيقة Q ومجتمعها؟ فاهتمامنا الأساسي في البحث في وثيقة الوثيقة Q يركز على وضعه المفترض بأنه مصدر يسوع التاريخي، المصدر المستقل والسابق للأناجيل.

هل كانت وثيقة الوثيقة Q موجودة حقاً؟ حالما يتم القبول بأولوية مرقص، حينها يمكن تفسير المادة المشتركة في متى ولوقا بإحدى الطريقتين الرئيسيتين: إما أن الأول استخدم الآخر، أو أنهما استخدما مصدراً مشتركاً. بما أن متى ولوقا لم يستخدم أي منهما الآخر، يتضح ذلك لأسباب عدة. بادئ ذي بدء، كما لاحظنا أعلاه، يملك متى ولوقا على حد سواء قدراً كبيراً من المواد الخاصة بإنجيليهما. في حال استخدام أي منهما الآخر، فمنطقياً أن نتوقع وجود أقل القليل من المواد الخاصة بكل واحد منهما. ومن ثم أيضاً، لا يتفق متى ولوقا بالترتيب والصياغة بالمقارنة مع مرقص.

ففي حال استخدام أي منهما الآخر، فإننا نتوقع المزيد من الاتفاق في الترتيب والصياغة في متى ولوقا عندما يختلفان عن مرقص. أيضاً، إن المواد المشتركة بين متى ولوقا ومختلفة في مرقص واردة بترتيب مختلف في متى ولوقا، وعادةً ما يبدو شكل لوقا أقل تطوراً. فمتى يحتوي على مادة الأقوال في خمس أجزاء رئيسية (متى 5-7، 10، 13، 18، 23-25)، في حين أنها ترد في لوقا على نحو متساو تمامً (لوقا 3-9).

يصعب شرح هذا التباين في التوزيع في حال استخدام أي منهما الآخر. أضف إلى ذلك، أنه ما أن يتم عزل المادة التي لا تعود إلى مرقص التي يتشارك بها كل من متى ولوقا، حتى يظهر قدر كبير من التماسك الداخلي في الشكل والمضمون، أكثر بكثير من لك الوارد في “ل” و”م”. أخيراً، لقد أسكت اكتشاف إنجيل توما في عام 1945 أولئك الذين زعموا أنه لا يوجد تشابه في بداية ظهور المسيحية بالنسبة لمجموعة أقوال يسوع التي تفتقد إلى إطار سردي. نظراً لهذه الأسباب ولأسباب أخرى، توصلت الغالبية العظمى من العلماء إلى أن متى ولوقا استخدما على نحو مستقل مصدراً منفصلاً للمادة المشتركة التي لم ستمدها من مرقص.

وعلى الرغم من أن وثيقة الوثيقة Q تبدو وفق مصطلحات دوغلاس غولدر: “القوة الماحقة” في الدراسات الحديثة، فهناك ما لا يقل عن أربعة تفسيرات أخرى لأوجه الشبه في متى ولوقا بالمقارنة مع مرقص الذي ينكر وجود الوثيقة Q. التفسير الأول هو: “فرضية الإنجيلين”، التي اعتنقها بشجاعة وليام آر فارمر وزملاؤه، حيث تقول إنه تم كتابة متى أولاً، ومن ثم استخدم لوقا متى كمصدر رئيسي، وقام مرقص باختصارهما. التفسير الثاني هو فرضية المراحل المتعددة ل م ي بويسمارد، حيث تفترض هذه النظرية المعقدة للغاية أن أربعة من المصادر المكتوبة الخاصة بمتى ومرقص ولوقا والوثيقة Q كانت قد شكلت بداية منهج الإنجيل.

ومن ثم أصبحت اثنتان من هذه الوثائق: “مرقص الأوسط” و”متى الأوسط”، وفقاً للمصطلحات التي أطلقها عليهما بويسمارد. وبعد ذلك، خرج لوقا الأول بمادة الوثيقة Q وبمادة متى الأوسط. أخيراً، أثرت أجزاء من مرقص الأوسط بالأشكال الراهنة لمتي ولوقا، ويستخدم شكل مرقص الحالي لوقا الأول ومتى الأوسط. وتعود الفرضية الثالثة إلى دولاس غولدر الذي قال: إن لوقا استخدم إنجيل متى ودمجه بإنجيل مرقص، حيث يرى غولدر أن مادة لوقا الخاصة هي تطوير قام به لوقا لمتى، ويقول أيضاً في أن كلاً من مادة متى الخاصة وما يسميه الآخرون بالوثيقة Q هو تطوير قام به متى لمرقص.

ووفقاً لنظريته، فإن الوثيقة Q غير ضروري، لذا ينكر غولدر وجوده. ويقوم غولدر هنا بتوسيع أعمال أوستن فارير. أخيراً، حاول “بو ريك” شح التوافقات الموجودة بين الأناجيل السينوبتية، بما في ذلك ما يسميه الآخرون ب الوثيقة Q، على أنها عبارة عن خطوط متوازية ناشئة عن تقاليد شفوية وليست ناشئة عن وثائق مكتوبة. فلم يكن مؤلفو الأناجيل على اتصال مع بعضهم بعضاً أو مع مصادر أخرى مكتوبة مثل الوثيقة Q.

لقد رفضت أغلبية العلماء عن وجه حق هذه النظريات البديلة معتبرها غير كافية، حيث تعتمد اثنتان من الفرضيات، فرضيتا فارمر وغولدر، على أولوية متى. فاحتمالية كتابة متى أولاً أمر ممكن، لكن ليس بمقدر نظرية أولوية متى تقديم التفسير الكافي لسبب استخدام مرقص لمتى بهذا الشكل الغريب للغاية: توسيع بعض مواد متى بصورة كاملة، وفي نفس الوقت حذف أجزاء أخرى جذرياً، كحذف أكثر من نصف تعاليم يسوع الواردة في متى. كما لا تفسر نظرية أولوية متى سبب كون الكثير من مواد لوقا مواد خاصة، وأن هذه المادة التي تمثل تطوير لوقا لمتى بكل بساطة غير ذات مصداقية، نظراً لاختلاف المضمون والأمور التي تشدد عليها.

بالإضافة إلى ذلك، فقد طُبعت فرضية بويسمارد في أذهان العلماء على أنهما معقدة أكثر من اللازم، وتشكل انتهاكاً لمبداً أهل العلم القائل في أن التفسير الأبسط هو الأفضل. فقد توصل بحق معظم العلماء بشأن نظرية ريك إلى أنه لا يمكن للتطور الشفهي وحده لتقاليد يسوع تفسير درجة التشابه الحر في الكبير بين الأناجيل السينوبتية.

أما فيما يتعلق بالنتيجة الطبيعية لريك في أن مؤلفي الأناجيل لم يستخدموا مصادر مكتوبة، يشهد (لوقا 1:1-4) صراحة بأن المؤلف عرف مصادر أخرى، مما يجعل من الممكن استخدامه لها. لذلك، يتم تفضيل نظرية المصدرين بفرضيتها لالوثيقة Q، على الرغم من بعض المشاكل العالقة، على الفرضيات البديلة الأربع بوصفها الأبسط والأفضل تفسيراً لأصول وعلاقات الأناجيل السينوبتية.

إن قضية الوثيقة Q أقوى بكثير من أي نظرية منافسة خاصة بعلاقات الأناجيل السينوبتية. وتبقي الوثيقة Q فرضية، ومثل أي فرضية، تستحق أن تخضع للاختبار باستمرار. ومع ذلك، فهي فرضية مفيدة ومثمرة ومن المرجح أن تظل كذلك.

لقد استمر البحث في حجم وصياغة الوثيقة Q في اللغة اليونانية أكثر من قرن حتى الآن، واليوم يعد هذا البحث جهداً خاصاً يرأسه مشروع الوثيقة Q الدولي الذي كان ينشر سنوياً منذ عام 1990 حتى عام 1997 في صحيفة الأدب الإنجيلي، المشروع الذي يجمع الآن نصاً مهماً لالوثيقة Q. في حين تتفاوت إلى حد ما عمليات تجديد محتويات الوثيقة Q الحقيقية، يبقي المخطط الأساسي واضحاً. فالجدول التالي يلخص محتويات الوثيقة Q العامة والمقبولة للجميع.

محتويات الوثيقة Q:

لوقا متى المحتويات
البدايات
7:3-9، 16-17 7:3ب-12 يوحنا المعمدان: التحذيرات، الوعد بأن شخصاً ما سيأتي
2:4-13 2:4ب-11 أ إغراءات (اختبارات) يسوع الثلاثة قدمها الشيطان (ترتيب مختلف في لوقا ومتى)
العظة في السهل / على الجبل
20:6ب-23 3:5، 6، 4، 11-12 تطويبات (ترتيب وصياغة مختلفة)
27:6-30 44:5، 39ب – 40، 42 أحبوا أعداءكم، اعرض الخد الآخر، هب رداءك، أعطه للمستولين
31:6 12:7 وكما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا أنتم أيضاً بهم،
32:6-33، 35، ب-36 46:5-47، 45، 48 أحبوا أكثر مما يفعل أولئك الذين يحبونكم، كونوا رحماء كما أن أباكم رحيم
37:6أ، 38 ج 1:7-2 لا تدينوا فلا تدانوا، بنفس الكيل الذي به تكيلون يكال لكم
39:6-40 14:15، 24:10-25 أ هل يقدر أعمى أن يقود أعمى، ليس التلميذ أفضل من معلمه
41:6-42 3:7-5 القذى الذي بعين أخيك، الخشبة التي في عين شخص ما
43:6-45 16:7-20 (33:20-35) ما من شجرة جيدة تثمر ثمراً رديئاً، لا يجتنون من الشوك تيناً
46:6-49 21:7، 24-27 ولماذا تدعونني: يا رب، يا رب، وأنتم لا تفعلون ما أقوله؟، الذي يسمعه ويعمل به
شفاء عبد لقائد المائة
1:7-2، 6 ب -10 5:8 أ – 10، 13 قائد المائة صاحب الإيمان العجيب في كفر ناحوم يطلب المساعدة في شفاء خادمه المريض، الأشخاص الذين يقوم يسوع بشفائهم
أقوال حول يوحنا المعمدان
18:7-28 2:11-11 تلاميذ يوحنا، الرسالة الموجهة له، مديح يوحنا على اعتباره أكثر من نبي
31:7-35 16:11-19 لا يفرح هذا الجيل لا بيوحنا ولا بابن الإنسان
التلمذة والمهمة
57:9-60 19:8-22 ابن الإنسان ليس له أين يسند رأسه، من أجل أن تتبعه دع الموتى يدفنون موتاهم
2:10-12 37:9-38، 7:10-16 الحصاد كثير، الفعلة قليلون، تعاليم المهمة
13:10-16 21:11-23، 40:10 ويل لك يا كورزَين، ويل لك يا بيت صيداَ، الذي يسمع منكم يسمع مني
21:10-24 25:11-27، 16:13-17 شكراً الأب على الإعلان للأطفال، كل الأشياء تُدفع إلى الابن الذي يعرف هو وحده الآب، طوبي للعيون التي تنظر ما تنظرونه
تعاليم بخصوص الصلاة
2:11-4 9:6-13 صلاة الرب (أشكال مختلفة – الصلاة الواردة في متى أطول)
9:11-13 7:7-11 أسألوا تعطوا، أن تعطوا عطايا جيدة، فكم بالحري الآب سيعطي
خلافات ومضايقات
14:11-15، 17-23 22:12-30 ببعلزبول يخرج الشياطين، يحفظ القوي داره، من ليس معي فهو علىّ
24:11-26 43:12-45 متى خرج الروح النجس من الإنسان ثم يذهب ويأخذ سبعة أرواح آخر أشر منه
29:11-32 36:12-42 هذا الجيل يطلب آية، آية يونان النبي، حكم أهل نينوى، ملكة الجنوب
33:11-35 15:5، 22:6-23 ليس أحد يوقد سراجاً ويضعه في خفية، سراج الجسد هو العين، متى كانت شريرة فجسدك يكون مظلماً
39:11-44 25:32 – 26، 23، 6-7 أ، 27 أنتم الآن أيها الفريسيون تنقون خارج الكأس، ويل للعشير التافه، والذين يحبون المجلس الأول في المجامع
46:11-48 4:23، 29-31 ويل لكم أنتم الناموسيون لأنكم تحملّون الناس أحمالاً عسرة الحمل، لأنكم تبنون قبور الأنبياء
49:11-52 34:23-36،13 أنا أقول / حكمة الله تقول: إني أرسل إليهم أنبياء سيعذبون، ويل لكم أنتم أيها الناموسيون
2:12-10 26:10-33، 32:12 لا خفي لن يعرف، لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد، اعترفوا بي قدام الله
عن القلق
22:12-31 25:6-33 لا تقلقوا بشأن الجسد، تأملوا زنابق الحقل، الآب يعرف ماذا تحتاجون
33:12-34 19:6-21 لا يوجد كنوز على الأرض بل في السماوات
الاستعداد لمجيء الساعة
39:12-40، 42-46 43:24-44، 45-51 رب البيت والسارق، العبد المخلص المستعد لمجيء سيده
51:21-53 34:10-36 لم آت لأعطي سلاماً بل لأعطي سيفاً، انقسامات داخل العائلات
56-54:12 3-2:16 القدرة على معرفة علامات الطقس تمكن المرء من معرفة الوقت الحالي
58:12-59 25:5-26 التخلص من الخصم قبل الذهاب إلى القاضي
قصص وأقوال حول التلمذة
18:13-21 31:13-33 ملكوت الله تشبه نمو حبة خردل، وتشبه خميرة وضعتها امرأة في الدقيق
23:13-29 13:7-14، 22-23، 11:8-121 قليل هم الذين سيدخلون من الباب الضيق، رب البيت يرفض هؤلاء الذين يقرعون الباب، يأتي أناس من كل حدب وصوب للدخول في ملكوت السماوات / الله
34:13-35 37:23-39 يا أورشليم، يا أورشليم! يا قاتلة الأنبياء، عليك مباركة ذلك الشخص الآتي باسم الرب
16:14-24 2:22-10 ملكوت السماوات / الله هي مأدبة عظيمة: يعتذر مدعوون، ويدعى آخرون
26:14-27 37:10-38 فضلّني على عائلتك، أحمل صليبك واتبعن
34:14-35 13:5 عدم نفح الملح الذي فقد مذاقه
4:15-7 12:18-14 الإنسان الذي يترك 99 خروفاً ويذهب لأجل الخروف الضال
13:16 24:6 ليس بمقدوركم أن تخدموا سيدين
16:16-18 12:11-13، 18:5، 32 كان الناموس والأنبياء إلى يوحنا، لن تسقط نقطة واحدة من الناموس، كل من يطلق امرأته ويتزوج بأخرى يزني
1:17، 3ب-4 7:18، 15، 21-22 ويل لأولئك الذين تأتي العثرات بواسطتهم، اغفر لأخيك بعد توبيخه، بطرس: كم مرة نغفر
6:17 20:17 لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل، لاستطعتم تحريك الجبال / واقتلاع الأشجار
مجيء ابن الإنسان في النهاية
23:17-24، 37 26:24-28 علامات مجيء ابن الإنسان
26:17-27، 30 37:24 -39 وكما في أيام نوح كذلك يكون أيضاً في أيام ابن الإنسان
33:17 39:10 من طلب أن يخلّص نفسه يهلكها، ومن أهلكها يحييها
34:17-35 41:10 إنه في تلك اللية يكون اثنان، فيؤخذ الواحد ويترك الآخر
12:19-27 14:25-30 قصة الموهوبين
28:22، 30 28:19 أتباع يسوع سيجلسون على كراسيه ويدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر

وكما يُظهر هذا التلخيص بأن الوثيقة Q يحتوي على معظم تعاليم يسوع. فهو يحتوي على القليل من القصص السردية حيث يبدأ بيوحنا المعمدان والإغراءات التي تعرض لها يسوع، وبالقرب من المنتصف هناك سرد لإحدى المعجزات: “خادم قائد المائة الروماني”. كما يمكن الاستدلال على الكثير من المعجزات الأخرى التي جاء بها يسوع في إنجيل لوقا (21:7 و 13:10 و 20:11). وفي بعض الأماكن، تحتوي التعاليم على سياق أو مقدمات سردية قصيرة، على سبيل المثال: لوقا (18:7-20، الأسئلة التي طرحها يوحنا المعمدان).

إن تعاليم يسوع مقسمة بالتساوي تقريباً بين قصص وأقوال قصيرة. كما تكثير أقوال الحكمة والأقوال الأخروية التي هي بالمجمل عبارة عن تحذيرات. يتشارك الهيكل العام لالوثيقة Q بقسم لا بأس به مع أناجيل العهد الجديد اللاحقة. وبنفس طريقة أناجيل العهد الجديد، يبدأ الوثيقة Q مع يوحنا والإغراءات، ويزيد من ذكر يوحنا في أمكنة لاحقة. وينتهي الوثيقة Q والأناجيل السينوبتية بقسم القصص والأقوال الأخروية على قسمهم التعليمي الرئيسي الأخير.

يبقي الوضع الاجتماعي التاريخي الدقيق لالوثيقة Q غير مؤكد، لكن يوجد هناك شبه إجماع بخصوص ذلك. فمعظم الباحثين يحددون مكانه في فلسطين، وكثيرون يحددون مكانه في جنوب الجليل الأوسط، وقليلون يحددون مكانه في جنوب سورية. إن الوثيقة Q عمل يهودي مسيحي موجه لشعب إسرائيل. فتاريخ كتابته المقترح يتفاوت من 40 إلى 70م وعلى الأغلب تمت كتابته في منتصف هذه الفترة. قد يُظهر الجزء الأول من هذه الفترة حملات تبشيرية متجولة تكمل رسالة يسوع وكهنوته في جميع أنحاء المناطق التي كان يعمل فيها.

وقد تعود المجموعة الأولى لأقوال يسوع التي استخدمتها هذه الحملات التبشيرية المتجولة إلى المجتمع الذي ظهر بعد عيد الفصح الأول. ومن المرجح أن هذه الحملات التبشيرية كانت قد أنشأت أول مجتمع مسيحي مستقر في جميع أنحاء الإقليم القديم من إسرائيل. وتشكل نهاية هذه الفترة، أي عام 70م، فترة التمرد اليهودي. فقد تكون كل من الحملات التبشيرية والتجمعات السكنية المستقرة تعطلت إلى حد كبير جراء الحرب، ولم تشر التنبؤات حول القدس والمعبد إلى وجود عمل عسكري (لوقا 34:13-35)، كما هو الحال في الأناجيل السنوبتية.

كذلك الأمر، فإن استخدام الوثيقة Q من جانب متى ولوقا، اللذين يعود تاريخهما بصورة شائعة إلى الثمانينيات من القرن الأول، يتضمن أن الوثيقة Q كان قد تمت كتابه وتداوله في فترة سبقت ذلك العقد.

لقد كان الوثيقة Q وفقاً لكل الاحتمالات وثيقة مكتوبة. إن أفضل طريقة لتفسير الكمية الكبيرة من التوافقات الشفهية بين متى ولوقا، الأمر الذي يشير مرة أخرى إلى مصدر مكتوب. لقد تمت كتابة الوثيقة Q بصورة شبة مؤكدة باللغة اليونانية. ومن المرجح أن يكون الكثير من تعاليم الوثيقة Q في الأصل باللغة الآرامية، لغة يسوع وربما لغة الحملات التبشيرية الفلسطينية الأولى. ومع ذلك، فإن هذا ليس مؤكداً، وإن إعادة نصوص الوثيقة Q إلى الآرامية موضع شك كبير ولا تشكل موضوعاً هاماً في مجال البحث في الوثيقة Q.

منذ نحو عام 1970، في أحدث موجة اهتمام بالوثيقة Q، تم تخصيص الكثير من عمليات البحث للنظر في المراحل التكوينية التي نشأ فيها الوثيقة Q والعمل على ربط نمو العمل بتاريخ المجتمع الذي أنتج الوثيقة Q. فقد شكلت هذه المهمة العنصر الأكثر إثارة للجدل في عمليات البحث في يسوع، المهمة المحفوفة بالصعوبات. لا يسعنا هنا إلا أن نصف عدداً قليلاً من المقترحات الرائدة وأن نقدم نقداً وجيزاً. يفترض جون كلوبنبورغ في أكثر عمليات التجديد تأثيراً على تاريخ تكوين الوثيقة Q نموذجاً من ثلاث مراحل.

تم تأليف “ق1” من “خطابات الحكمة” التي شجعت على اتباع أسلوب حياتي راديكالي مناهض للحضارة (على سبيل المثال: جوهر العظة في السهل / الثاني، بإدانة إسرائيل عندما عارضت رسالة الحكمة ورسلها، “رسالة يوحنا المعمدان، شفاء عبد قائد المائة، جميع المواد الرؤيوية”. “ق3” كان آخر ما تم إضافته، الطور التوضيحي الذي قرّب الوثيقة Q من اليهودية الحريصة على التقيد بالتوراة. كما تم في هذه المرحلة إضافة قصة الإغراء التي تعرض لها يسوع، القصة التي تقدمه على أنه نموذج للعلاقة الصحيحة مع الله.

ويرى ديتر لوهرمان طبقتين رئيسيتين للمادة. تتضمن الطبقة الأولى طبقة أخروية بأقوال عن ابن الإنسان، الإدانة، والمجيء الثاني الوشيك ليسوع، وتتضمن الطبقة الثانية دمجاً بين البعثة الموجهة للوثنيين وبين تعاليم الحكمة، عندما يتضاءل الأمل في المجيء الثاني الوشيك ليسوع.

ويرى لوهرمان مجتمع الوثيقة Q على أنه مجموعة مسيحية لا يهودية تعرضت للاضطهاد على أيدي اليهود. وتفترض عملية التجديد التي قام بها سيغفريد شولتز مرحلتين لالوثيقة Q ومجتمعها: الأولى: مجتمع فلسطيني يهودي مبكر يحمل توقعات أخروية قوية ومادة رؤيوية، والثانية: مرحلة يهودية هيلينستية متأخرة تحمل أنواعاً أخرى من المواد. اما إم ساتو فيتصور ثلاث خطوات: “التنقيح أ” جمع مواد متعلقة بيوحنا المعمدان، “التنقيح ب” دمج المواد التي تتحدث عن البعثة، و”التنقيح ج” يتضمن بيانات إدانة إسرائيل وتعاليم الحكمة.

نظراً لتنوع مواده، فإنه من المرجح حقاً أن يكون الوثيقة Q تشكل على مراحل. ربما بكون قد بدأ بتجميع مواد الوعظ التي كانت متشابهة في الشكل والمضمون. وبعد ذلك، في الوقت الذي تواصلت فيه الإرسالية التبشيرية إلى إسرائيل، أدت المعارضة والفشل في نهاية المطاف إلى إدراج مواد تعليمية أخرى متنوعة تؤكد على إدانة إسرائيل والالتفات إلى الوثنيين. فماذا تكون أنواع المواد المضافة عندما يصعب التكهن بذلك؟

يقترح كلوبنبورغ أن عناصر الحكمة التي جاءت أولاً والعناصر الرؤيوية كان لهما التأثير في أمريكا الشمالية، لاسيما مع بيرتون ماك، وجون دومينيك كروسان، وأعضاء آخرين في منتدى يسوع، حيث يقولون بأن يسوع التاريخي كان معلم الحكمة. لكن كما يشير المخطط المختصر أعلاه، اقترح آخرون أن المادة المتعلقة بسفر الرؤيا جاءت أولاً ومن ثم جاءت مادة الحكمة. وربما يكون من الخطأ استنتاج فارق ثابت بين المادة الروحية والرؤيوية والحكمة في أدب مؤثر مثل أدب دانيال.

هناك بعض المقاطع في الوثيقة Q تجعل من الصعب تحديد حكمتها والعناصر الرؤيوية لمختلف مراحل تكوينها. على سبيل المثال، أظهرت “أديلا يا ربرو كولينز أن أقوال “ابن الإنسان” الأخروية تتكرر في كل طبقة من طبقات الوثيقة Q وفقاً لتصنيف الأبحاث الأخيرة. وقد صادق هيلموت كوستر مؤخراً على استنتاجاتها المتعلقة بالإيمان بالآخرة في الوثيقة Q. وينطبق الشيء نفسه على المقاطع الأخرى.

في إنجيل لوقا (31:11-32)، ستكون ملكة الجنوب التي جاءت “من أقاصي الأرض للاستماع إلى حكمة سليمان” شاهدةً مع شعب نينوى في الحكم. في لوقا (49:11) ترسل “حكمة الله” الأنبياء والرس الذين سيتعرضون للاضطهاد “وبذلك يطلب من هذا الجيل دم جميع الأنبياء المهرق” منذ إنشاء العالم.

في لوقا 4:12-7 يُعطى الصمود في وجه الاضطهاد مبدأ أخروياً (الآيات 4-5: خافوا من الذي بعدما يقتل، له سلطان أن يلقي في جهنم ومن ثم يُعطى مبدأ حكمة) و(الآيات 6-7 الله: يكترث للعصافير، وأنتم أفضل من عصافير كثيرة، فلا تخافوا). تشير مثل هذه النصوص إلى أن الحكمة والمواد الأخروية قد تكون موجودة في الوثيقة Q في مختلف مراحل تكوينه.

إن الوقت والطريقة اللذين دخلت فيهما المادة إلى الوثيقة Q هما أيضاً موضع خلاف. هل كانت عناصر السرد موجودة في البداية، أم أنه تم إضافتها في وقت لاحق في الوقت الذي كانت فيه الوثيقة Q في طريقها لتصبح إنجيلاً قبل أن يتم دمجه في متى ولوقا؟ وهل كان عبارة عن مادة لاحقة تم تلفيقها بكل صراحة؟ يلمح بعض الباحثين أو يصرحون علناً أن واضعي الوثيقة Q هم الذين قاموا بإنشاء الطبقات الأخيرة له وأن الطبقة الأولى فقط هي التي تدعي تمثيل تعاليم يسوع الأصلية.

وهنا يجب علينا أن نتذكر القول المأثور “التاريخ التقليدي ليس تاريخاً أدبياً.” فمن الممكن للحالة المتغيرة لمجتمع الوثيقة Q أن تؤدي بهم إلى تبني تعاليم مختلفة ليسوع كانت تسبح في بحر تقاليد الوثيقة Q الشفوية، البحر الذي طافت على سطحه وثيقة الوثيقة Q، ومن ثم أدت بهم إلى إدراج تلك التعاليم في الوثيقة Q مكتوبة.

يسأل الكثير من البحاثين فيما إذا كان باستطاعتنا الربط بين طبقات الوثيقة Q الأدبية وبين التاريخ العام للمجموعة التي من الواضح أنها أنتجته. على الرغم من ذلك، ما يزال ممكناً السؤال عن نوعية المجتمع الذي يعكسه الوثيقة Q ككل. فقد أولي الكثير من الاهتمام لدعاة الوثيقة Q المتجولين، لاسيما دورهم في استخدام وتطوير تقاليد يسوع. وتبدو مقاطع مثل: (لوقا 57:9-12:10، 22:12-31، 33-34، 51-53) أنها تعكس نمط حياة الدعاة الذين تم إرسالهم لتوسيع كهنوت يسوع.

فقد تركوا أسرهم وأصبحوا بلا مأوى، وقد ذاقوا طعم الفقر واعتمدوا على كرم الشعب الذي يعملون بينه من أجل عيشهم الزهيد، وتنقلوا من بلدة إلى أخرى يدعون قبل مجيء ابن الإنسان في نهاية الزمان. فهم يعيشون ويبلغون رسالة يسوع: “طوباكم أيها المساكين، لأن لكم ملكوت الله.” (لوقا 20:6)، كما يبدو أن وصف أتباع يسوع المتجولين الوارد في الوثيقة Q يشير إلى أنهم يصنعون المعجزات. ومع ذلك، هذا لا يحدث إلا مرة واحدة (لوقا 9:10)، الأمر الذي قد يشرح سبب الذكر البسيط للمعجزات في الوثيقة Q نفسه.

إلى جانب نمط حياة المتجولين هذا، تقدم الوثيقة Q رغم ذلك مجتمعاً مستقراً من المؤمنين يعيشون نمط حياة مختلف. “أقيموا في ذلك البيت… لا تنتقلوا من بيت إلى آخر.” (لوقا 7:10)، في حين يتحدث إلى المتجولين، يضع بعض القيمة لحياة الاستقرار. وفي المنع الصارم للطلاق من جانب يسوع، يتم التمسك بالزواج بصفته مشيئة الله المستمرة (لوقا 18:16). وتُظهر القدرة على توفير السخاء الذي يبدو عبارة عن دعم مادي غير منقطع للأخرين (لوقا 30:6) تُظهر أن ليس كل أفراد مجتمع الوثيقة Q قاموا بالتبرع بكل ما يملكون.

كما تُظهر الضرورة المستمرة للاختيار بين الله والثورة (لوقا 13:16) مجتمعاً يتمتع بما يكفي من الثروة التي يغريه بها الأغنياء. وتُظهر قصص الوثيقة Q الرمزية على وجه الخصوص، وإن لم تكن تقدم تعاليم تخص الممتلكات بصورة مباشرة، وتُظهر موقفاً أكثر إيجابية لحياة الاسقرار من خلال طرق معينة: الله هو بمثابة رب البيت (25:13-30)، الله يعطي مأدبة غنية (16:14)، الله هو بمثابة رجل يملك مائة من الغنم ويهتم بواحدة (4:15-7)، والله يعطي لشعبه مواهب غنية متوقعاً منهم مضاعفتها (12:19-27).

لا يمكن لمجتمع مؤلف من متجولين فقراء ينظرون إلى الممتلكات على أنها شر تصور هذا الرأي الإيجابي الضمني لحياة الاستقرار وبعض الثروة. فقد دخل الانحلال الروحي والنفاق في المجتمع، لأن بإمكان بعض الناس مناداة يسوع ب “الرب” ولا ينفذون أوامره (لوقا 46:6-49). ويمكم لمؤمنين مستقرين التأمل في هذا الوضع أكثر من أولئك المبشرين المتجولين الروحانيين.

وهناك معنى لوجود كل من الدعاة المتجولين والمجتمعات المستقرة في مجتمع الوثيقة Q الكبير: ينجح المبشرون بدعوة الناس، وإذا انضم هؤلاء المتجولون إليهم في مهمتهم، فإن المجتمعات المستقرة للمؤمنين ستتطور بعد فترة وجيزة. ربما تدعم أو تطعن أنماط الحياة الراديكالية والتقليدية في مجتمع الوثيقة Q ببعضها بعضاً، السيناريو الذي لا يختلف عن ذلك المعروف في العهد الجديد وفي تاريخ الكنيسة اللاحق عندما كان المبشرون المتجولون والكنائس المستقرة يتمتعون بعلاقة خلاقة لكن متوترة.

كيف تصور الوثيقة Q يسوع؟

في حين أن يسوع يظهر بصورة المعلم بكل وضوح، إلا أنه يعتبر أكثر من ذلك. إن يسوع بتعاليمه هو وكيل الله للخلاص، وبذلك يقرّب ملكوت الله بالقدر الذي يكفي ليستجيب الشعب له. “ولكن إن كنت بإصبع الله أخرج الشياطين، فقد أقبل عليكم ملكوت الله.” (لوقا 20:11). يظهر يسوع في افتتاحية الوثيقة Q على أنه “استيفاء الأنبياء وفي شخصه وكلامه البيان الحقيقي للناموس.” فهو ابن الإنسان (لوقا 19:8-22، 16:11-19) وأبن الآب (لوقا 25:11-27). وهو المبعوث الأخير لحكمة الله (لوقا 35:7). وبصورة تثير الدهشة، لا يدعو الوثيقة Q يسوع بالمسيح، إلا أن مسيحانية يسوع تقر بيسوع على أنه المسيح بكل شيء باستثناء الاسم.

وتحدد استجابة شخص ما على شخص يسوع وتعاليمه علاقته بالله في هذا العالم ومكانته في ملكوت الله في العالم الآخر (لوقا 8:12-9). والحيادية بالنسبة ليسوع مستحيلة (لوقا 23:11). فقد انكشف وقت الخلاص بظهور يسوع، وهؤلاء الذين يسمعونه ويطيعونه مباركون. وهؤلاء الذين ينكرون يسوع سيحاكمهم الله، وإن التحذيرات من الفرار من الحكم النهائي باللجوء إلى الله وفيرة في الوثيقة Q. وتترافق المعجزات مع تعاليم يسوع الموثوقة. على الرغم من أن الوثيقة Q لا يذكر سوى معجزة واحدة، ألا أنه يوضح أن علميات الشفاء كانت من سمات كهنوت يسوع كله.

“إن العمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون، والصم يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يبشرون.” (لوقا 22:7). كما يرسل يسوع تلاميذه ليذيعون عرض الخلاص هذا وقُرب ملكوت الله (لوقا 5:10-6، 9، 11). وهم ربما ضمناً كيسوع، “مثل الغنم بين الذئاب” وسيعانون من اضطهاد اليهود الذين لا يؤمنون (لوقا 3:10، 22:6-23). ومع ذلك، يتوجب عليهم حمل الصليب واتباع يسوع (14:27) ويقابلون الاضطهاد بالحب. إن يسوع في حياته الدنيوية مرتبط بيسوع الممجد الذي سيعود كابن الإنسان.

إقرأ أيضاً:

([1])  يقال إن الرمز الوثيقة Q (َQ) مشتق من الكلمة الألمانية: “Quelleالمصدر“، لكن هذا ليس أكيداً على الإطلاق. انظر جون ج. سميث، البحث عن أصل الرمز (Q)، دورية الأدب الإنجيلي، 100 (1981) 609-611.

 

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

يسوع المسيح في مصادر الأناجيل الكنسية

يسوع المسيح في مصادر الأناجيل الكنسية

يسوع المسيح في مصادر الأناجيل الكنسية

يسوع المسيح في مصادر الأناجيل الكنسية

 

في هذا الفصل سيتم الحديث عن الذين عايشوا يسوع في المصادر الافتراضية للأناجيل الكنسية، فقد حاول معظم الباحثين في هذه المصادر فهم كيفية استخدام مؤلفي الأناجيل لهذه المعايشة لتوضيح الأمور الخاصة التي أكدتها هذه الأناجيل، بالإضافة إلى أشياء أخرى. إن مادة هذا البحث تتعارض مع عنوان الكتاب، فهي داخل إطار العهد الجديد. ومع أن الأبحاث الأولى عن يسوع خارج إطار العهد الجديد لا تشير إلى المصادر الكنسية، فقد تعامل العلماء منذ نحو عام 1970 مع هذه المصادر كما لو كانت خارج العهد الجديد، أي، كمصادر مستقلة لمعرفتنا عن يسوع. فهي تثبت الأشكال الأولى للمسيحية، أو كما يصفها البعض: “تحركات يسوع” التي كانت موجودة قبل أو مع ظهور الأشكال الأولى للمسيحية.

سيتم البحث هنا في أربعة مصادر إنجيلية تعتبر شهوداً من خارج القانون الكنسي على يسوع. وتبدو مصادر مرقص الممكنة: مجموعات المعجزات، والخطب الرؤيوية، من ضمنها بداية سرد آلام المسيح، متباينة للغاية بالنسبة للباحثين العصريين، ولسنا بصدد النظر فيها هنا([1]).

أولاً، سنناقش المادة الخاصة بلوقا: المعروفة بالمصدر “ل”. ثانياً، سنناقش المادة الخاصة بإنجيل متى: المسماة بـ “م”. يحتوي “ل” على بعض المضامين السردية، إلا أن “ل” و”م” يحتويان على تعاليم يسوع. ومن ثم سننظر في المصدر الخاص بالإنجيل الرابع، الذي يدعى على نطاق واسع بـ: “مصدر الإشارات”. ربما كان يشكل هذا المصدر أول إنجيل كامل شبيه بالأناجيل الكنسية، حيث يحتوي على تعاليم بسياق سردي وينتهي بموت يسوع وانبعاثه.

أخيراً، سنكرس القسم الأكبر في هذا الفصل للبحث في “مصدر الأقوال المأثورة” لمتى ولوقا، التي تحمل اسم: وثيقة “ق”. إن هذا المصدر الافتراضي على وجه العموم، وليس على وجه الحصر، مؤلف من مادة تعليمية. إن وثيقة “ق” ليست مصدراً أكثر تعقيداً من المصادر الأخرى فحسب، بل كانت أيضاً موضوعاً رئيسياً، تقريباً مركز العاصفة، بالنسبة للأبحاث المعاصرة التي تعنى بيسوع. لن نركز على طريقة استخدام الأناجيل الكنسية لهذه المصادر الأربعة، بل ستكون مهمتناً بدلاً من ذلك فهم ما تخبرنا به هذه المصادر عن يسوع في الماضي.

وسنعرض في كل قسم المصدر المقترح، بالإضافة إلى تلخيص تاريخ بحثه. ومن ثم سنعرض محتوى المصدر بشكل جدول، نظراً لطوله الذي يصعب إعادة تقديمه هنا بصورة كاملة. بعد ذلك، سنقدر صحته كمصدر محاكٍ للبحث الحديث ونبحث في رؤيته ليسوع.

“ل”: يسوع، المعلم والشافي الجبار

تقول المقدمة الآسرة لإنجيل لوقا: إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا، كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة، رأيت أنا أيضاً إذ قد تتبعت كل شيء من البداية بتدقيق، أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس، لتعرف صحة الكلام الذي عُلمت به. (لوقا 1:1-4).

ماذا كانت تلك القصص الكثيرة المكتوبة التي كان لوقا يحاول تحسينها؟ لقد وجد العلماء جوانب كثيرة في هذه المقدمة الآسرة، لاسيما أسلوبها. فهي تتحدث عن موضوع هذا الفصل ضمنياً، أي مصدر خاص بإنجيل لوقا لا يتشارك فيه مؤلفو الأناجيل الأخرى.

في نظرية أصول الأناجيل السينوبتية التي يوافق عليها الجميع، أي “نظرية المَصْدَرَيَن”، استخدم المؤلف في إنجيل لوقا ومتى مصدرين رئيسين. المصدر الأول هو إنجيل مرقص، الذي يشكل ثلث إنجيل لوقا. فلوقا يتتبع نسق مرقص ويأخذ أجزاءٌ كبيرة من مواده التعليمية والسردية مع بعض الاستثناءات القليلة([2]). المصدر الثاني هو وثيقة “ق”، وهي عبارة عن مادة تعليمية تشكل نحو خُمس إنجيل لوقا.

وقد يكون لوقا استخدم مجموعة شفهية أو مكتوبة من مادة خاصة بإنجيله، وتسمى: المصدر “ل”، حيث تشكل هذه المادة الخاصة جزءاً كبيراً من هذا الإنجيل، وتقدر بين ثلث إلى نصف الإنجيل. وتبدأ معظمها بتعاليم يسوع، كما تحتوي على بعض أهم الحكايات الرمزية: السامري الصالح والابن المسرف، والرجل الغني ولازاروس. كما تحتوي على قصص سردية بارزة: توبة زكّا، والخلاف بين مريم ومارثا على خدمة يسوع على نحو حقيقي، وامتنان السامري الأبرص.

لقد أظهر البحث في يسوع التاريخي إلى حد بعيد أصالة محتويات لوقا المميزة: التعاليم والقصص السردية على حد سواء. وتعود دراسة “ل” كمصدر للوقا إلى بداية القرن العشرين مع برنارد لويس وبول فينن الذين كانا من بين الأوائل الذين قاموا ببحث شامل عن مصدر “ل”. وعلى الرغم من أن بعض الباحثين قاموا بالبحث فيه من وقت لآخر خلال القرن العشرين، إلا أنه لم يكن موضوع بحث رئيسي.

وكانت فرضية وجود إنجيل “بروتو – لوقا” جذابة للبعض، وغالباً ما كانت تطغي على “ل”، وقد اتجهت دراسة وثيقة “ق”، التي كانت تطفو إلى السطح، نحو حجب الدراسة في مصادر أخرى للإنجيل. ومع ذلك، ازداد الاهتمام بـ”ل” ازدياداً كبيراً منذ نحو عام 1980، حيث أدرك الباحثون بكل سهولة المحيط الخارجي لمادة “ل”: كل شيء في لوقا غير متماثل مع مرقص أو وثيقة “ق”. وقد قالت قلة من الباحثين إن لوقا نفسه كتب جميع هذه المواد، لذلك لا تشير أي من محتويات تلك المواد إلى أي مصدر.

أولاً: لقد قدم هوارد مارشال أسباباً وجيهة تدعم عدم إمكانية الدفاع عن هذه النظرة المتطرفة([3]). أما عن الطرف الآخر فقد وقف أولئك الذين يرون أن هناك علاقة وثيقة بين جميع أو معظم مواد لوقا الخاصة: سوندرغوت، في الدراسة الألمانية الأخيرة حول “ل”، وسندركيل بين المصدر “ل”([4]). كما يتخذ معظم الباحثين الذين يفترضون مصدر “ل” موقفاً وسطاً عن طريق إسقاط تلك المقاطع التي يعتقد أنها كانت من تأليف الكاتب لوقا من المجموعة بأسرها.

وغالباً ما يتم استبعاد تلك المواد التي ربما تطورت عن مصدر آخر، مثل القصص السردية عن الطفولة، أو القصص السردية عن آلام المسيح، أو القصص السردية عن القيامة. من هنا يدخل الشك، فبالنظر إلى كتّاب الأناجيل الكنسية، يُعتبر لوقا الكاتب الأكثر مهارة نظراً لقدرته الأدبية بصورة عامة، وفي مجال استخدام مصادره بصورة خاصة. إنه ليس كاتب “قص ولصق”. حيث يمكن وبكل سهولة تمييز المصدر “ل” الخاص به من خلال العمل الذي قام به.

لم تجمع الدراسات الأخيرة على وجود “ل”، حيث ينكر بعض العلماء أن المادة الخاصة بلوقا مستمدة من المصدر “ل”. فعلى سبيل المثال، يؤكد هيلموت كوستر على الحجم الكبير وعدم تجانس المادة في الشكل، ويفكر في استبعاد فكرة وجود مصدر وحيد. كما يخلص أودو شينيلي إلى أن لوقا لا يمتلك المصدر “ل”، وذلك لوجود اختلافات لغوية ضمن المواد الخاصة، وكلها تحمل علامات العمل التحريري الخاص بلوقا… ويقف التفاوت في المواد وغياب مبدأ الترتيب الداخلي في وجه وجود مصدر مستقل للمواد الخاصة بلوقا. من ناحية أخرى، يقول إدوارد شفايتزو بوجود “ل” بالفعل، وذلك نظرأ لـ:

  1. تظهر في “ل” تشابهات مع أقسام موثوقة في كل من مرقص ووثيقة “ق”.
  2. يشير لوقا في مقدمته إلى العديد من الأسلاف المسجلين.
  3. يضمّ المصدر المقترح مواد لغوية مشتركة على نحوٍ واضح.
  4. يحتوي المصدر على مواضيع موحدة، مثل: النساء، والفقراء، والنعمة الإلهية.
  5. يختلف “ل” في ترتيب بعض مواده مقارنةَ مع مرقص، وهناك انسجام مع متَى مقارنة مع مرقص.
  6. تشير التعارضات في لوقا إلى مستويات مختلفة من الأعراف تتعدى ما استُخدم له كل من مرقص و”ق”.

في البحوث الجارية على “ل”، تعد أطروحة كيم بافينروث التي نشرت في عام 1997، وكانت بعنوان قصة يسوع وفقاً لـ”ل”، من أشمل وأدق الأعمال. فبافينروث يقوم بفرز مصدر “ل” المترابط عن طريق التخلص من المواد التي ألفها كاتب الإنجيل أو قام بتحريرها، ومن ثم يحلل المفردات والأسلوب وخصائصها الشكلية ومضمون المادة المتبقية. ويخلص إلى أن: المادة “ل” فيها ما يكفي من أوجه الاختلاف عن نمط وشكل ومضمون لوقا، الذي يجعل من المحتمل أنه يشكل مصدر “ل”.

وعلاوة على ذلك، يخلص إلى أنه مصدر مترابط وموحد. فـ”ل” يحتوي على عناصر شفوية قوية، ولكن من المحتمل أكثر أن لا يكون وثيقة. فقد كتب يهود مسيحيون في فلسطين في الفترة الواقعة ما بين 40 و60م. وتبقى بعض التساؤلات قائمة بشأن جهود بافينروث ([5])، إلا أنه طرح أقوى قضية عن مصدر “ل” حتى الآن. لقد اخترت أن أستفيد من بحثه هنا، لأنه إلى حد ما يدل على نتائج فهم الآخرين لمصدر “ل”، ولأنه من المرجح أن يشكل أساس البحث القادم في “ل”.

محتويات “ل” في لوقا التي حددها بافينروث هي كما يلي:

وعظ يوحنا المعمدان 10:3-14
معجزات إيليا للوثنيين 25:4-27
يسوع يريي ابن أرملة في نايين 11ب:7-15
مغفرة خطيئة امرأة مذنبة 36:7-47
قصة السامري الصالح 30:10-37أ
نزاع مريم ومارثا، مريم على صواب 39:10-42
قصة الصديق اللحوح 5:11ب-8
قصة الغبي الغني 16:12ب-20
قصة الحاجب 35:12-38
تب أو مت 1:13ب-5
قصة شجرة التين الجرداء 6:13ب-9
الشفاء في يوم السبت 10:13-17ب
التحذير من هيرودس، استجابة التحدي 31:13ب-32
الشفاء في يوم السبت 2:14-5
قصة اختيار مكان على الطاولة 8:14-10، 12-14
إحصاء الثمن 28:14-32
قصة الخراف المفقودة 4:15-6
قصة العملة المفقودة 8:15-9
قصة الابن “المسرف” المفقود 11:15-32
قصة المدير المخادع 1:16ب-8
قصة الرجل الغني ولازاروس 19:16-31
قل: “قمنا بواجبنا فقط”. 7:17-10
شفاء عشرة من مرضى البرص، السامري الشاكر 12:17-18
قصة القاضي الظالم 2:18-18أ
قصة الفريسي المرائي والعشار 10:18-14أ
زكا يتوب 2:19-10

على افتراض أن هذه المحتويات تشير تقريباً إلى المصدر “ل”، فكيف يصور المصدر “ل” يسوع؟ أولاً، يسوع هو معلم أمين على نعمة الله الجوهرية والخالصة. فنعمة الله تغفر الذنوب، وتشفي أمراض الإنسان، وترجع أفراد شعب الله إلى الحظيرة. ويسوع هو نفسه وكيل هذا النشاط. فقد جاء للبحث عن الضالين وإيجادهم، وإعادتهم إلى شعب الله الذين قطعوا وعداً على عبادته.

وكان أول ما وجهت هذه النعمة إلى بني إسرائيل، ومن ثم تُدمر حدود إسرائيل، وتبدأ رسالة يسوع بالخروج إلى العالم عندما يُعاد السامريون إلى الحظيرة (موجودة في 30:10-37، 12:17-18). كما يعمل يسوع على جلب النساء إلى ملكوت الله حيث الحرية.

إن تعاليم المسيح فيما يخص الغني هي، على الأقل في التجديد الذي قام به بافينروث، معتدلة بصورة ملحوظة. فإلى جانب قصة الرجل الغني ولازاوس، لا يؤكد يسوع على أي من فضائل الفقر ولا مخاطر الثورة، فقد قام لوقا بإضافة هذه التأكيدات، وقد يكون استمدها من وثيقة “ق”.

ولا يفرض يسوع على حوارييه القيام بنشاط تبشيري فقير أو جوال، بل، يتم الإشارة إلى المجتمع المستقر الذي يتمتع ببعض الوسائل. بالإجمال، يصور “ل” يسوع على أنه: “معلم أخلاقي قوي أقام البرهان على مصداقية تعاليمه وكشف عنها من خلال أعمال الشفاء التي قام بها”.

ومن الجدير ذكره أيضاً ما هو غير موجود في المصدر “ل” مقارنة مع الأناجيل الكنسية. أولاً، لا يوجد عناوين مسيحانية في هذا المصدر. فالمسيحانية الخاصة به ترد ضمناً في أفعال يسوع وتعاليمه، مع لمسات واضحة لإليليا في بدايتها (في 25:4-27 و11:7ب-15). هذا النوع من المسيحانية النبوية تتماشى مع بداية المسيحية اليهودية.

ثانياً، لا يصور “ل” يسوع على أنه منقذ معذب ومشرف على الموت، فـ”ل” يفتقر إلى سرد آلام المسيح، ولا يؤكد مضمونه هذا الدور. ومع ذلك، من الخطأ أن نخلص من هذا الصمت إلى أن المجتمع الذي استخدم “ل” لم يعرف بموت يسوع وقيامته، أو اعتقد أن ذلك الأمر ليس على أي درجة من الأهمية. فيممكن شرح هذا الصمت الذي يخيم على موت يسوع وقيامته بطرق أخرى، لاسيما إذا كان “ل” معداً ليكون فقط مجموعة تضم تعاليم يسوع بهدف إتمام قصة يسوع ككل.

فيحتوي مرقص، وهو مصدر لوقا الرئيسي، على مواد غنية تتحدث عن هذا الموضوع كان لوقا قد استقى منها، المواد التي قد تكون استبدلت أي شيء يشير إلى موت يسوع قد ورد في “ل”([6]). وعلاوة على ذلك، يورد “ل” معارضة قوية ليسوع من جانب الفريسيين المرائيين ومعارضة قد تكون مميتة من جانب هيرودس.

هل “ل” هي الرواية الكاملة لمقصد يسوع ورسالته إلى المجتمع الذي استخدمه على الأرجح؟ يعتمد الجواب على شكل “ل” الذي تم تجديده انطلاقاً من المحتوى الخاص بلوقا، وعلى الطريقة التي اتصف بها أسلوبه. ففي التجديد الذي قام به بافينروث، يبدأ “ل” بيوحنا المعمدان وينتهي قبل آلام المسيح. وقد استعبد من “ل” المادة الخاصة بلوقا مثل القصص السردية عن الطفولة (الفصول 1-2)، والنساء اللواتي كن عند الصليب وتبعن يسوع (49:23)، ووصف ظهور يسوع بعد قيامته (12:24-49).

وعلى الرغم من أن تجديده لـ”ل” هو أقصر من جميع التجديدات التي قام بها أكثر النقاد الآخرين، إلا أن عنوان بافينروث يشير إلى اكتمال “ل”: قصة يسوع وفقاً لـ”ل”. ومع ذلك لا يتعامل صراحة أو بأي شكل من الأشكال مع اكتمال “ل”، القضية التي ينبغي أن تبقى مفتوحة في أعمال البحث المستقبلية.

مادة متى الخاصة: أهي مصدر “م” حول يسوع؟

عادة ما يتأثر قراء إنجيل متي بسياق ومضمون عظته على الجبل في الفصول 5-7، فقد بدأ يسوع للتو بجمع حواريه (18:4-22) وبإطلاق كهنوته العلني (17:4، 23-25). وبعد الذكر المقتضب لفكرة تعاليم يسوع، ملكوت السماوات (23،17:4)، قدم متى لقرائه عظة طويلة معقدة تفصل رسالة يسوع، حيث يحتوي هذا الخطاب على بعض أبرز تعاليم يسوع وأكثرها تأثيراً: تطويبات، إعادة التفسير المعتمد لشريعة موسى، دعوات تحذر من النفاق، دعوات للإيمان بالله، “القاعدة الذهبية”، بالإضافة إلى أمور أخرى.

لقد ساعدت تعاليم يسوع الواردة بمتى في حصوله على مكانة الإنجيل الرئيسي في المسيحية. على سبيل المثال: على الرغم من أن متّى ولوقا يتقاسمان مادة مشتركة، إلا أن أغلبية المسيحيين في كل مكان يعرفون ويستخدمون الصيغة الخاصة بمتى التي تتحدث عن السعادة الأبدية، وصلاة الله، والعظة على الجبل بصورة دائمة.

ويعود فضل القسم الأكبر من تأثير إنجيل متى إلى حقيقة أنه يورد تعاليم يسوع التي تفتقد إليها الأناجيل الأخرى. فعادةً يتبع متى ترتيب ومضمون لوقا عن أفعال يسوع في كهنوته وآلامه على حد سواء. وهناك استثناء وحيد هو أن متى يورد معظم روايات مرقص للمعجزات في قسم واحد، الفصلين 8-9، ويختصر تلك الروايات إلى حد كبير. ونظراً للاستخدام الكبير الذي يقوم به متى للوقا ليربط أفعال يسوع، تتضمن معظم المادة الخاصة به تعاليم يسوع. ولأسباب معروفة، تتعامل تجديدات “م”، وهو المصدر الافتراضي لمواد متى الخاصة، بصورة حصرية تقريباً مع مواد التعاليم.

لقد تم القيام بثلاث محاولات رئيسية لاستبعاد المصدر “م”. المحاولة الأولى كانت تلك التي قام بها ب.هـ. ستريتر في كتابه الذي عنوانه: الأناجيل الأربعة: دراسة في الأًصول، فقد هرّف ستريتر “م” على أنه جميع المادة التعليمية الخاصة بمتى، بما ذلك مادة من الوثيقة “ق” مختلفة إلى حدٍ ما عن لوقا، وذلك لافتراض صيغة مختلفة لـ”ق” متأثرة بمتى. وقد استبعد ستريتر التالي: المداة الخطابية من متى 5-18،10،7و 23، قصتان من متى 13، وأجزاء قصيرة من مادة متنوعة من الفصول 16،15،12و 19.

هذا المصدر هو مصدر يهودي مسيحي، لكنه ليس من الرعيل الأول للمسيحية، بل، يظهر ردة فعل على إنجيل مهمة بولس الخالية من أي شريعة. فقد قام ستريتر بوضعه في القدس وربطه بوجهة نظر يعقوب إن لم يكن بشخصه.

لقد قام تي. ديبليو مانسون في دراسته الشاملة التي حملت عنوان: تعاليم يسوع، بالتحقيق النقدي على المصدر الرئيسي الثاني. فقد اتسمت طريقة بحثه بنفس الصفات الخاصة بطريقة ستريتر تقريباً، إلا أنه اقترح “م” أكثر شمولية وتقدم حيث اشتمل على:

  1. تعاليم من مادة العظة على جبل في الفصول 5-7
  2. تعاليم الحملة التبشيرية.
  3. مادة متنوعة من الفصل 11.
  4. قصص من الفصل 13.
  5. مادة إضافية متنوعة من الفصول 15و 16.
  6. تعاليم عن المعيشة مع الإخوة في الإيمان في الفصل 18.
  7. وصية بخصوص الخدمة والجزاء من الفصول 19 و20.
  8. أقوال حول “الممتنعين” من الفصول 21 و22.
  9. أقوال بحق الفريسيين المرائيين من الفصل 23.
  10. تعاليم حول الإيمان بالآخرة من الفصول 24 و25.

ووفقاً لمانسون، اقتبس “م” من كنيسة تم إنشاؤها على أنها مدرسة تفسير ولديها علاقة حب وكره عميقة مع الفريسيين المرائيين وتقاليدهم. وقد أعاد مانسون تاريخ “م” إلى الفترة الواقعة بين 65 و60 ميلادي، ومثل ستريتر، حدد موقعه في المجتمع اليهودي في القدس.

أما الدراسة الرئيسية الثالثة المنشورة في عام 1946 فقد كانت على يد جي. دي كيلباتريك بعنوان: أصول إنجيل القديس متى. فقد خاص كيلباتريك إلى أن “م” كان مصدراً مكتوباً. واستخدم طريقة متشابهة للدراستين السابقتين ونظم دراسته الخاصة بالمادة “م” بأربعة أقسام: الخطاب، المهمة التبشيرية، مجموعة من القصص، ومناظرة ضد زعماء اليهود الدينيين. كما أرفق كيلباتريك مواد إضافية من سياقات أخرى واردة في متى بأقسام الخطاب والقصص، إلا أنه لم يكن قادراً على إَضافة الكثير من المتفرقات المتنوعة الخاصة بـ”م” إلى أقسامه الرئيسية الأربعة.

وبما أن دراسة كياباتريك هي الدراسة الأِشمال والأحدث لـ”م”، سأقوم بتلخيص محتواها هنا:

محتويات “م” في متى:

أ. الخطاب
تعاليم عن القتل، الزنا، القسم، عدم الثأر، الورع الحقيقي 21:5-24، 27-28، 37-33، 38-41، 19-20، 1:6-8، 16-18
كن على وفاق مع المؤمنين الآخرين من سياقات أخرى: 23:5-36،24
صل بإيجاز وبترقب من سياقات أخرى: 7:6-8
ب. المهمة التبشيرية
تعاليم خاصة بالحملة التبشيرية: توجه إلى اليهود فقط، أعط دون مقابل، كن حكيماً لكن بسيطاً، تجنب المضايقات حتى يأتي المسيح، تشبّه بمعلمك 5:10-6، 8 ب، 16 ب، 23، 24-25 أ، 25ب، 41 (؟)
ج. مجموعة القصص
الأعشاب الضارة بين سنابل القمح 24:13-30
شرح قصة الأعشاب الضارة. الكنز المستور، اللؤلؤة ذات القيمة الكبيرة، شبكة صيد الأسماك، رجل الدين المتوجه نحو ملكوت السماء 36:13-52
الخادم قاسي القلب 23:18-34
العمال في كرم العنب 1:20-15
ضيف لا يرتدي ثوب الزواج 2:22، 11-14
إشبينات العروس الحكيمات والحمقاوات 1:25-10
رفض يوحنا المعمدان آخر 28:21-32
الحكم الأخير آخر 31:25-45
د. ضد زعماء اليهود الدينيين
افعل كما يقولون وليس كما يفعلون، أفعال ريائية، حماسة التبشير الزائفة، القسم الزائف، تصفية البعوض وبلع الجمال، تزيين القبور 2:23-3، 5، 7 ب-10، 15-22، 24، 26 (؟)، 27
هـ. متفرقات
تطويبات 7:5-9 ربما 4و10
أنتم نور العالم 14:5، 16-17
لا تهتموا للغد 34:6
ليس للحقراء لآلئ، البوابة الضيقة، الأنبياء الكذبة 6:7، 13، 14، 15
احملوا نيري الهين 28:11-30
شيء ما أعظم من السبت، تحكم بكلامك 5:12-6، 7، 36-37
معارضة اقتلاع الفريسيين المرائيين 12:15-13
لا تحتقروا “أحد هؤلاء الصغار” الربط والحل 10:18، 18-20
الخصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات 10:19-12

لقد قال كيلباتريك إن “م” كان مصدراً مكتوباً يتضمن مادة تعليمية فقط، وقد قام هذا المبشر بإضافة القصص السردية إلى إنجيل متى. وقد عززت المادة المأخوذة من المصدر “م” حجم المضمون التعليمي الخاص الوارد في متى. كما خلص كيلباتريك إلى وجود ضعف في الترابط في المصدر “م”: “نظراً للافتقار إلى الروابط والقصص والسرد وأشياء أخرى، فتستحيل مشاهدة خطة المصدر وصفته الشكلية ككل.” كما يظهر صغر حجم “م”: 170 آية، وافتقاره إلى الترابط الداخلي والقصص السردية، أن “م” كان وثيقة بدائية. ولم يتأكد كيلباتريك من مكان وتاريخ والشخص الذي قام بتأليف “م”.

على الرغم من عدم انبثاق صورة وحيدة ليسوع من المصدر “م”، إلا أنه يصفه إلى حد ما بالزعيم الآمر الناهي الذي أسس الكنيسة، وليس فقط جماعته البابوية. فيسوع يرسل أتباعه فقط لليهود، ويعيد تفسير شريعة موسى لتحقيق مقصده الأصلي، وأن معيار حكم الله سيكون هو الصواب في نهاية المطاف، أي تحقيق المطلب الداخلي للناموس كما فسره يسوع. فقد اقتربت نهاية العالم، ويسوع هو المبشر بذلك.

جاءت المحاولات الرئيسية الثلاث لعزل “م” في النص الأول من القرن العشرين، ولم يتم القيام بأية دراسة مماثلة منذ ذلك الحين([7])، فربما تم تضييق البحث في “م” بسبب الرأي القائل بأن مادة متى الخاصة تحتوي نسبياً على القليل من تعاليم يسوع الأصلية بالمقارنة مع مرقص أو وثيقة “ق”. ونرى مع الأسف أن مانسون قد صاغ الأمر بصورة مؤكدة، وذلك عندما اقترح أنه ينبغي التعامل مع محتويات “م” بحذر لأنها عانت من الغش من جانب اليهود. وعندما يبدأ علماء العهد الجديد بالبحث عن يسوع التاريخي وتعاليمه الأصلية، فإنهم يتركون وراء ظهورهم “م” ومحتوياته.

ومع ذلك، تكون الدراسات صحيحة عندما تخلص، بالاعتماد على أسباب أخرى – إلى أن مادة متى الخاصة لا تشير على الأرجح إلى أي مصدر، سواءً كان مكتوباً أو شفهياً أو مزيجاً من الاثنين معاً. فانعدام الإجماع على محتويات “م” وبنيته الأساسية ينشأ من التباين الكبير في المادة الخاصة بمتى. فهذه المادة، التي هي ببساطة تختلف كثيراً في الشكل والمضمون، لا يمكنها الدلالة على كونها وثيقة واحدة، الأمر الذي من شأنه أن يجعلنا نتوقع أنها تحتوي على رسالة دينية وبعض الأنماط الأدبية الشائعة.

فهذا الحكم موضّح في الدراسة التي قام بها كيلباترك، حيث يقول إن نحو ثلث “م” هو إما مواد أخرى مرفقة إلى الأقسام الرئيسية، أو عبارة عن متفرقات متنوعة تبدو غير ذات صلة. وكما يقول أودو شينيلي: “إن مجموعة مواد متى الخاصة ليست مجموعة موحدةً من التقاليد، بل تفتقد إلى الدوافع التنظيمية اللاهوتية بصورة ملحوظة، وبالكاد تكون مخصصة لدائرة واحدة من حاملي التقاليد.”([8])

وعلاوة على ذلك وكما هو الحال مع لوقا، فإن من الصعب التمييز بين مادة المصدر وبين التنقيح الذي قام به المبشر. إن التوجه اللاهوتي لمعظم مواد “م” قريب جداً، إن لم يكن مطابقاً، للنظرة الدينية لمؤلف إنجيل متى.

وهناك دراسة متأنية لمادة الأقوال الخاصة في متى قام بها “ماثيو ستيفنسون هـ بروكس” تميل إلى إثبات صحة هذا الاستنتاج بالنسبة لـ”م” ككل. ويقوم بروكس بعزل وتجديد الأقوال القصيرة في “م” ويبين أن “م” يعكس تاريخ مجتمع متى. ويخلص إلى أنه لم يكن هناك مصدر وحيد مكتوب للأقوال الواردة في “م”، وذلك للأسباب التالية:

  1. هناك عدد قليل من الارتباطات التحريرية الملحوظة في الأقوال المجموعة لـ”م”.
  2. تُظهر اللمسات السردية الثانوية في الجمل والعبارات الانتقالية دليلاً صغيراً على أصله الذي يعود لما قبل متى.
  3. لا يُظهر أسلوب ومفردات أقوال “م” المعزولة جنس الوحدة النمطية لمصدر مكتوب. وهكذا، في حين أن بعض المواد قد تكون مكتوبة، يبدو أن معظمها كانت موجودة في التقاليد الشفوية وحدها. علاوة على ذلك، فإن مادة الأقوال التي ربما تعكس تاريخ ثلاثين إلى أربعين عاماً تشير إلى احتمالية عدم وصول المادة إلى متى من مصدر واحد.

وعلى الرغم من أن بروكس لا يوضح هذا الاستنتاج بالتفصيل، فمن المعقول أن نفترض أنه إذا كانت أقوال “م” القصيرة لا تعكس مصدراً مكتوباً، فإن الشيء نفسه ينطبق على الأرجح على مجموعة متى الخاصة بأكملها. وبالتالي، في حين قد تكون بعض أجزاء مادة متى الخاصة وصلت إليه من مصادر مختلفة، فإن الدليل لا يشير إلى أنه استخدم مصدر “م” الوحيد، سواءً كان مكتوباً أو شفهياً، الذي يحتوي على معظم مادته الخاصة.

وعلى الأرجح، تعكس هذه المادة تاريخ منتصف إلى أواخر كنيسة متى أكثر من كونه مصدراً سابقاً مستقلاً جاء إلى كاتب الإنجيل كما جاء “ل” إلى لوقا. خلاصة القول: لا يوجد أي مصدر من خارج القانون الكنسي يشهد على يسوع التاريخي في مادة متى الخاصة.

مصدر الإشارات للإنجيل الرابع: يسوع المسيح

يتراءى للقراء المتبصرين في الإنجيل الرابع وكأنه يشمل على نهايتين. الأولى، يوحنا: (20/30-31)، حيث يتحدث عن الإشارات، أو معجزات يسوع، التي كتبها المؤلف ليقنع قراءه أن يسوع هو المسيح. والثانية، يوحنا: (21/24-25)، وهي على غرار الأولى حيث تؤكد على حقيقة شهادة الرسول الحبيب الواردة في الإنجيل الرابع، وتوضح بعبارة بليغة مبالغ فيها أن العالم لا يمكن أن يحتوي على الكتب التي ينبغي أن تكتب حول الأشياء التي قام بها يسوع.

وقد ألمحت النهاية الأولى التي تؤكد على الإشارات ووصف الإشارات التي تشكل معظم إنجيل يوحنا (1-11)، ألمحت للبعض في أن الإنجيل الرابع يحتوي على “مصدر الإشارات”. كلمة المصدر “source” وهي بالغة الألمانية “Quelle“، ومن هنا جاء الرمز التقليدي “SQ” الذي يرمز إلى مصدر الإشارات

لقد بدأ نقد مصدر الإنجيل الرابع في أوائل القرن العشرين بعد مواصلة نقد مصادر الأناجيل السينوبتية. فقد قام علماء بارزون مثل: يوليوس فلهاوزن، ويلهلم بوست، موريس غوغيول، إدوارد شفايتزر، جوشيم يريمياس، ورودولف بولتمان، بالعمل عل مصادر يوحنا. وكان التحليل النقدي الذي قدمه بولتمان عام 1941 شاملاً عندما علق على مصدر يوحنا، حيث استنقذ هذا المصدر، ولعقود عديدة، مزيداً من العمل الخلاق في ه1ا المجال. فقد افترض بولتمان وجود عدة مصادر، بما في ذلك مصدر الإشارات ومصدر آلام مستقل، وأعاد ترتيب محتويات يوحنا بصورة معقدة.

وبالتنقيح المستمر من خلال إحدى وعشرين طبعة، ظل موقف هذا الكتاب الذي ينقد مصدر يوحنا مجالاً للمناقشة لمدة ثلاثين عاماً، وما يزال هذا الكتاب مهماً. فمنذ الحرب العالمية الثانية حتى نحو عام 1970 اكتفت محاولة بحثية محدودة للغاية بالكشف عن عمل بولتمان. كما لم يتم الإجماع على مصادر الإنجيل الرابع، مع استثناء رئيسي وحيد. فقد اتفق معظم نقاد المصادر وكثير من المعلقين مع بولتمان على أن بعض أساليب مصدر الإشارات تشكل أساس يوحنا. ومن ثم فتحت اثنتان من المحاولات الجديدة المسألة، الأولى: كانت عام 1970 بقلم روبرت فورتنا، “إنجيل الإشارات: تجديد مصدر السرد الذي يشكل أساس الإنجيل الرابع”.

والثانية: كانت عام 1989 بقلم إيرين فون واهلد، “النسخة الأولى لإنجيل يوحنا: استعادة إنجيل الإشارات”. حيث سيشكل هذان الكتابان أساس تحليلنا هنا. وسوف نقوم بوصف فرضية “فورتنا” ودراستها كونها المساهمة الرائدة والأكثر نفوذا في الآونة الأخيرة التي تنقد مصدر يوحنا، ومن ثم البحث في عمل “فون واهلد” باختصار.

محتويات مصدر الإشارات كما حدده “فورتنا” في يوحنا:

6:1-7، 19-23، 26-27، 32-34 شهادة يوحنا المعمدان
23:1-24، 35-50 تعميد التلاميذ الأوائل
إشارات يسوع
1:2-3، 5-11 الأولى: تحويل الماء إلى خمر
46:4-47، 49-54 الثانية: شفاء ابن خادم الملك
2:21-8، 10-12،14 الثالثة: اصطياد السمك بكميات كبيرة
1:6-3، 5، 7-14 الرابعة: إطعام الحشود
15:6-22، 25 فاصل: السير على الماء والنزول الخارق على اليابسة
1:11-4، 7، 11، 15، 4:4-7، 9، 16-19، 25-26، 28-30، 40، 17:11-20، 28، 32-34، 38-39، 41، 43-45 الخامسة: أخبار مرض لازاروس، الرحلة إلى يهوذا، إيمان امرأة سامرية، قيام لازاروس
1:9-3، 6-8 السادسة: شفاء الرجل الذي وُلد أعمى
2:5-9، 14 السابعة: شفاء الرجل المريض منذ ثمانية وثلاثين عاماً
موت يسوع وقيامته
14:2-16، 18-19، 47، 53 تنظيف الهيكل، مؤامرة القتل
1:12-5، 7-8 الدهن في بيت عنيا
12:12-15 دخول المنتصر
متفرقات وُجدت في 27:12، 2:13 أ، 4-5، 12-14، 18 ب، 21 ب، 26-7، 37-8، 31:14ب، 32:16ب العشاء الأخير
1:18-5، 10-12 الاعتقال
13:18، 24، 15-16، 19-23، 16-18، 25-28 يسوع في بيت رئيس الكهنة
28:18، 33، 37-38، 15:19، 39:18-40، 6:19، 12-14، 1-3، 16 المحاكمة أمام بيلاطس
16:19-20، 23-24، 28-30، 25، 31-34، 36-42 الصلب والدفن
1:20-3، 5، 7-12، 14، 16-20 القيام
30:20-31 الخاتمة: “هذه الإشارات مكتوبة لتؤمنوا”

يقدم “فورتنا” مناقشة موجزة لطبيعة مصدر الإشارات، فقد كان هذا المصدر عبارة عن كتاب مكتوب، كما توضح خاتمته الموجودة الآن في يوحنا (30:20-31). فهو إنجيل مثله مثل إنجيل متى ومرقص ولوقا وحتى يوحنا فكلها أناجيل، فهو يقدم قصة مترابطة ليسوع من بداية كهنوته، مروراً بآلامه، إلى الخاتمة التي تنتهي بالقيامة. ويتم تقديم كل هذا على شكل رسالة للإيمان بها، كما توضح خاتمته. وبما أنه لا يحتوي على تعاليم متقدمة ليسوع، فهو إنجيل بدائي، إلا أنه يبقي إنجيلاً.

إن مصدر الإشارات مصدر يهودي مسيحي نظراً للأسلوب ولاسيما المحتوى اليوناني الوارد فيه. فهو ليس لديه شك بقضية الوثنيين، وليس هناك خلاف بشأن الحفاظ على شريعة موسى. وعلاوةً على ذلك، وعلى الرغم من أن “فورتنا” لم يوضح ذلك، إلا أن مقصده يشير إلى أن المجتمع الذي أنتج هذا الإنجيل كان على اتصال تبشيري نشط مع المجتمع اليهودي الكبير، حيث يصعب تحديد الطبيعة الاجتماعية لهذا المجتمع أياً كانت جذوره، قد يكون المجتمع الناطق باللغة اليونانية، الذي استخدم ذلك المصدر على أنه إنجيل، قد يكون موجوداً في أي مكان من العالم الهيلينستي.

ولم يستطع “فورتنا” تحديد تاريخ مصدر الإشارات بأي قدر من الدقة، فقد تكون كتابته تمت قبل أو بعد التمرد اليهودي الأول 66-70م.

ووفقاً لفورتنا، كان القصد من مصدر الإشارات أن يكون بمثابة الكتاب التبشيري الذي يحمل هدفاً وحيداً إلا وهو الإثبات لليهود الذين قد تحولوا إلى النصرانية أن يسوع هو المسيح([9]). ففورتنا يؤول عقيدة مصدر الإشارات على أنها مسيحانية بحتة. فمعجزات يسوع هي إشارات على وضعه المسيحاني، وقد جعل وصف آلامه في مصدر الإِشارات “مسيحانياً” بإضافة أقوال يسوع التي تلفت الانتباه إلى موقفه المسيحاني.

ويمنح مصدر الإشارات ألقاباً كثيرةً ليسوع مثل: المسيح / يسوع المسيح، ابن الله، حمل الله، ملك اليهود، الرب، إلا أن اللقب الأول يشكل محور الارتكاز بالنسبة لباقي الألقاب. وهناك تأكيد مستمر على حقيقة مسيحانية يسوع إلى درجة الاستبعاد الكامل لأي شرح لطبيعتها. وهذا من شأنه الإشارة إلى أن كلاً من مصدر الإشارات والمجتمع اليهودي الكبير الذي كان هدفاً للتبشير كان لديهما فهم مشترك لما تتطلبه المسيحانية، الفهم الذي تمحور بوضوح حول فكرة أن المسيح يثبت نفسه بالمعجزات.

إن مصدر الإشارات هو في الواقع، إذا استخدمنا توصيف فورتنا: “ضيق” و”بدائي” بالمقارنة مع الأناجيل الكنسية. وربما يعود سبب ضيقه إلى غرابته وغرضه المنفذ بدقة: أي إقناع قرائه أن يسوع هو المسيح الذي ينبغي الإيمان به.

إن العمل الذي قام به إيرين فون واهلد عن نقد المصدر يؤكد على محاولات فورتنا تقريباً، فهو يسعى، كما يشير عنوان كتابه، إلى استعادة “النسخة الأولى” لإنجيل يوحنا، حيث ينطوي على هذه الطريقة اكتشاف الطبقات الأدبية في الإنجيل الحالي. ومن ثم يقوم قون واهلد بالاستفادة من “الفروق اللغوية” الأربعة، مثل المصطلحات المستخدمة للسلطات الدينية والمعجزات واليهود.

وبعدها يقوم بتطبيق تسعة “معايير أيديولوجية” مثل: الصيغ النمطية للاعتقاد، ردة فعل الفريسيين على الإشارات، الانقسام في الرأي حول يسوع، ولاسيما “غلبة السرد”. ويتبع ذلك المعايير اللاهوتية، بما في ذلك المسيحانية ومذهب الخلاص. أخيراً، يتم توظيف خمسة معايير متنوعة.

كما يقدم تحليله سبعاً وثلاثين وحدة تغطي كل مصدر فورتنا تقريباً، وتوسعه بنسبة تقارب الثلث. يحتوي إنجيل الإشارات هذا على مقاطع انتقالية أكثر من إنجيل فورتنا، كما يحتوي على علامات تتذر بموت يسوع. ويفسر فون واهلد خلفية المصدر وعقيدته بنفس طريقة فورتنا. فالإِشارات تلفت الانتباه إلى قوة يسوع وتولد الإيمان به لاسيما بين عامة الناس. كما أن مسيحانية المصدر ضئيلة إلى جانب وجود خلفية خاصة لتصنيف موسى.

ويؤكد في يهودا، نظراً للتأكيد على كهنوت يسوع هناك، وربما تكون كتابته قد تمت في الفترة الواقعة بين 70 و80م في المجتمع اليهودي المسيحي. على العموم، ليست طريقة متطورة أو مطبقة بدقة كطريقة فورتنا، فعمل الأخير يبقى المحاولة الرائدة في فهم مصدر الإشارات.

لقد ذكر ريموند براون بدقة: “لا يمكن للمرء في العقود الأخيرة من القرن العشرين التحدث عن نهج مجمع عليه ليوحنا.” وعلى وجه الخصوص بين أولئك الذين يتمسكون بمصدر الإشارات، وليس هناك توافق قوي حول ما يحويه بالظبط. إن النقطة الرئيسية في انعدام التوافق هذا تثير المخاوف فيما إذا كان مصدر الإشارات يحتوي على سرد للآلام والقيامة. هل مصدر الإشارات فريد بين جميع المصادر التي سبقت المصادر الكنسية باحتوائه على مثل هذا السرد، أم أنه احتوى على الإشارات فقط التي قام بها يسوع خلال كهنوته؟

لقد قام كل من فورتنا وفون واهلد بإعادة تجديد كاملة لأناجيل الإشارات بسرد عن الآلام والقيامة، إلا أن العديد من العلماء لم يوافقوا على ذلك. فعلى سبيل المثال، افترض بولتمان وآخرون جاؤوا بعده مصادر منفصلة عن الآلام والقيامة. فالقليل القليل في النصف الأول من مصدر الإشارات الذي أعده فورتنا يشير إلى موت يسوع، والقليل القليل في النصف الثاني يشير مجدداً إلى النصف الأول. وعلاوةً على ذلك، بوضع فورتنا تطهير المعبد ومؤامرة القتل في بداية سرد الآلام، لا يظهر النصف الأول لمصدر الإشارات الذي أعده أي عداء ضد يسوع الذي من شأنه أن يؤذن بموته.

إن انعدام الإشارة إلى موت يسوع وقيامته غريب حقاً بالنسبة للنصف الأول من إنجيل كامل، حتى ولو كان إنجيلاً بدائياً. أيضاً، يظهر النصف الثاني لمصدر الإشارات الذي أعده الصيغة التالية: “وهكذا، تم الإيفاء بالكتاب المقدس”، الأمر الذي لم يظهر النصف الأول. يبدو هذا التناقض غير معقول في حال كان مصدر الإشارات يشكل إنجيلاً كاملاً بسرد عن الآلام والقيامة.

لماذا يجب على إنجيل إشارات الإصرار على أن آلام يسوع هي الإيفاء بالكتاب المقدس بدلاً من استخدام حجة دينية واضحة لإثبات مسيحانية يسوع؟ علاوةً على ذلك، قد تمون الإشارات السبع، وهو عدد الكمال الإنجيلي، التي قام بها يسوع، دلالة على أن مصدر الإشارات تعامل فقط مع كهنوت يسوع العلني ولم يتعامل مع آلامه وقيامته كذلك.

إقرأ أيضاً:

([1]) سيكون الفصل القادم مجالاً للبحث في إنجيل مرقص السري وإنجيل بطرس كمصادر ممكنة لإنجيل مرقص الكنسي.

([2]) هذه الاستثناءات هي إغفال المواد من مرقص: 17:6-29 و45:6-8: 26. ومن ناحية أخرى يستند تأليف لوقا لرواية السفر في قسمه المركزي: 51:9-27:19 على مرقص: 10.

([3]) كتب مارشال في كتابه: إنجيل لوقا، الصادر عام 1978: “إن إخلاص لوقا العام لمصادره “م” أي مرقص، و”ق” تجعل المرء يشكك بالقول أنه أوجد مادةً كبيرةً في الإنجيل، وأنه من الأكثر منطقية أن مواقف لوقا تشكلت إلى حد كبير من خلال الأعراف التي ورثتها”.

([4]) كتب جوزيف فيتزماير في كتابه: الإنجيل حسب لوقا، الصادر عام 1981: “على الرغم من عدم يقينه فيما إذا كان “ل” مصدراً مكتوباً أو شفهياً، أو فيما إذا كان ممكناً وضعه على قدم المساواة مع “ق” أو مرقص، في قائمة فقراته… التي أعتقد أنه استمدها من “ل”، فهو يورد جميع مواد لوقا الخاصة”.

([5]) إن تحليل المحتوى الذي قام به “بافينروث”، لتميز المصدر عن التأليف الذي قام به لوقا، قد يؤدي في بعض الأحيان إلى التفكيك الكبير بينهما. فعلى سبيل المثال، لقد رأى الكثير من مفسري “ل” أن قصة زكا تتماشى مع لاهوت لوقا، وليست على خلاف معه. ثانياً، إن استخدامه لكلمات تثير الاهتمام من أجل اكتشاف وحدة المصدر التكوينية والموضوعية يمكن أن يتم انتقادها على أنها ليست الطريقة الدقيقة، مثلاً: عندما يكرر كلمة “الشرف”، التي لا تأتي على نحو صريح. وبذلك لا يمكن أن تكون أساساً لتكوين كلمات تثير الاهتمام.

أخيراً، يمكن التساؤل عما إذا كان قد استخدم لوقا “ل” بترتيبه الأصلى. يقدم بافينروث بعض الحجج الوجيهة من المضمون والأسلوب للإشارة إلى أن لوقا فعل ذلك. ومع ذلك، ونظراً لأن لوقا استخدم مرقص في الغالب بترتيبه واستخدم أيضاً “ف” بترتيبه الأًصلى على الأرجح، ربما كام من الصعب له استخدام مصدر “ل” بترتيبه الأصلي أيضاً. وعلى الرغم من هذه الانتقادات، يسهم تحليل “بافينروث” الشامل باستمرار في البحث في “ل”، هذه المساهمة يجب أن تأخذها البحوث التي ستجري في المستقبل بعين الاعتبار.

([6]) هنا يجب علينا أن نتذكر بأننا نملك هذه المصادر الافتراضية بالقدر الذي استخدمه كتاب الأناجيل لها. فعلى سبيل المثال، إن استخدام لوقا لمرقص على نحو انتقائي وخلاق لهو مؤشر حسن له بأنه قد يكون استخدم “ل” بالطريقة نفسها.

([7]) علق مانسون على نصوص “م” وقدم لها خلاصة من ثماني صفحات، تتناقش فيها السمات العامة والمواضيع اللاهوتية لـ”م”. ومع ذلك، فقد أفسد تحليله عندما أدرج الكثير من النصوص المعروف أنها تعود لـ”ق”.

([8]) شنيل، كتابات، 174. – ومع ذلك، فقد قال هانز كلاين: إن “م” منظم في ثلاث فئات وفقاً للشكل وللمضمون، وإن القصص التي تتحدث عن التحول إلى الفقراء وإلى المعاناة، والأقوال حول الناموس التي تحذر من التراخي في الحياة، والأقوال بشأن المجتمع وكل من القادة والأتباع، كل ذلك يبني أساساً متيناً لحياة الكنيسة.

([9]) يتعارض هذا الرأي مع الفهم العام بأن الأدب المسيحي المبكر كان من أجل الاستخدام الداخلي.

يسوع المسيح في مصادر الأناجيل الكنسية

Exit mobile version