الوسم: ابن الله
المسيح ابن الله الوحيد وبنوتنا لله – د. خالد
المسيح ابن الله الوحيد وبنوتنا لله – د. خالد
بالرغم من انه موضوع قديم والاباء القديسين ناقشوه بالتفصيل الا انه لا ضرر من اعادة طرحه بصورة اخرى وأعمق وأكثر اكاديمية.
من ابجديات الايمان المسيحي اننا مؤمنين بان الله الاب قد أرسل ابنه الوحيد في الجسد، المؤمنين باسمه قد صاروا اولاد الله فيه
فالكتاب يقول ان في البدء كان الكلمة وكان الكلمة الله والكلمة صار جسدا، ويتكلم عن المؤمنين باسمه قد اخذوا سلطان ان يصيروا اولاد الله.
باختصار هو وحيد الاب لا يشترك معه أحد في علاقته بالآب فهو فريد ومميز عن كل شخص اخر اما نحن فأخذنا هذا اللقب” اولاد الله” بالإيمان وليس بالطبيعة مونوجنيس “الوحيد الجنس”
يقول يسوع عن نفسه “لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الابدية
يقول جام ويلسون ان الكلمة المترجمة المولود الوحيد في اليوناني مونوجنيس هو مركب من اسم يعنى” نوع” أو” جنس” فهو يعنى حرفيا من نوع واحد والعدد 13 يشي لمن ولدوا من قبل الله فهنا يوحنا يشير لألوهية المسيح ابن الله في معنى مميز وفريد فهو ابن الله بطريقة لا أحد غيره مثل بنوته.
The word translated”only begotten” Greek[monogenes] is a compound of the noun meaning”kind” or”genus” (Greek]genos rather than the verb”born” (Greek gennao It therefore literally means”of a single kind” rather than”only begotten.” Verse 13 has already referred to others who are begotten/born by God. Here John means to emphasize the deity of Christ, God’s Son in a unique sense. He is God’s Son in a way that no one else is God’s Son
[فمن الجهل جعل المسيح كابنا لله مماثلا في بنوتنا نحن المؤمنين له لان الكتاب وصف بنوته بلقب” مونوجنيس” أي في جنسه أو نوعه فلا احد ابن لله مثله فهو الابن الوحيد ويكمل ويقول ان المسيح هو من نوع فريد مع الاب مشابها بصورة متفردة للاب يحمل علاقة فريدة مع الاب مجده متناسب مع حالته ووضعه الفريد هذه العبارة تحمل نفس الحق لموجود في جملة انا والاب واحد]
Jesus is “of a single kind” with the Father. He is uniquely like the Father. He bears a unique relationship to the Father. His glory is entirely appropriate to this unique status and position. This phrase conveys the same basic truth as 10:30 where Jesus says,”I and my Father are one.”
فبنوة المسيح المتفردة مع الاب ومجده المماثل لمجد الاب لا يضاهيه أي شخص اخر فيه فهو ابنا وحيدا وفريدا ليس كمثل المؤمنين اللى استقبلوا بنوتهم بالإيمان به. نفس الكلمات نقراه للعالم Urban ان يسوع هو مونوجنيس تؤكد ان بنوته فريدة ولا تختلط مع حالة المؤمنين الذين قيل عنهم مولودين من الله واولاد الله فالمصطلح هو للتمييز بين حال يسوع والمؤمنين.
Confessing that Jesus is monogenēs affirms that the sonship of Jesus is unique and is not to be confused with the status of believers who are said to be born of God and to be children of God, terminology that could be (and evidently was) seen by some in the community as blurring the distinction between the status of Jesus and that of the believer
فتأكدنا أن الكتاب يفصل ويميز تمامًا بين بنوة المسيح التي وصفها بانها “وحيد وفريده في نوعها” وبين بنوتنا كمؤمنين التي أخذناها بالإيمان بيه الكتاب يثبت تفرد بنوة المسيا، بعيدا عن كلمة الوحيد فنفرض ان كلمة الوحيد غير موجودة، ايضا الكتاب المقدس ميز وفرق بين بنوة المسيح وبنوتنا نحن المؤمنين على سبيل المثال في سفر المزامير 7 أني أخبر من جهة قضاء الرب. قال لي انت ابني. انا اليوم ولدتك 8 اسألني فأعطيك الامم ميراثا لك واقاصي الارض ملكا لك.
ونفس الكلام استشهد بيه كاتب العبرانيين للتفريق بين الابن وبين الملائكة وللتأكيد على رفعة مكانه مقارنة بأي مخلوق لأنه لمن من الملائكة قال قط انت ابني انا اليوم ولدتك.
دعونا نسأل سؤال منطقي، فمن مِن المؤمنين أو أي شخص دعي “ابن الله” سواء شعب اسرائيل أو أي شخص قال يهوه له” أنت إبني أنا اليوم ولدتك إسالنى فأعطيك الامم ميراثا لك” هل نحن المؤمنين ابناء الله سنملك على كل ممالك الارض وتورث لنا من قبل يهوه؟
بالتأكيد لا لذلك فهم كل من المسيحين واليهود ان الابن المخاطب هنا في نص المزمور هو “المسيا”
The Jewish people understood Psalm 2 to be messianic, and their use of the psalm in the synagogue reflected that understanding the individual writers of the New Testament also interpreted messianically all the quotations and references from the second psalm
الشعب اليهودي فهم المزمور الثاني على انه مسياني وكتاب العهد الجديد ايضا فسروه مسيانيًا كما قال وليم هيندركسن ان كاتب العبرانيين بحث عن دليل لبنوة يسوع الفريدة في كتابه المقدس فوجدها في مزمور 7:2 انت ابني انا اليوم ولدتك
The author of Hebrews looked to his Bible for evidence of the unique sonship of Jesus. He found it in Psalm 2:7,”Thou art my Son, this day have I begotten thee,”
فكل الطرق والسبل توضح شيء واحد ان المسيح هو الابن الوحيد والفريد في نوعه لله الاب سواء كر اللفظ صراحا” الابن الوحيد” كما في انجيل يوحنا أو حتى في الافكار المسيانية عن الابن سواء في العهد القديم أو الجديد بكونه متميزا ومترفعا عن كل الخليقة
Arabic Bible (Smith & Van Dyke); Bible. Arabic. (Logos Research Systems, Inc., 1865; 2003), Jn 3:16.
Jack Wilson Stallings, The Gospel of John, First Edition, The Randall House Bible Commentary (Nashville, TN: Randall House Publications, 1989), 24.
Jack Wilson Stallings, The Gospel of John, First Edition, The Randall House Bible Commentary (Nashville, TN: Randall House Publications, 1989), 24.
Urban C. von Wahlde, The Gospel and Letters of John, Volume 2: Commentary on the Gospel of John, The Eerdmans Critical Commentary (Grand Rapids, MI; Cambridge, U.K.: William B. Eerdmans Publishing Company, 2010), 12.
Arabic Bible (Smith & Van Dyke); Bible. Arabic. (Logos Research Systems, Inc., 1865; 2003), Ps 2:7-8.
Arabic Bible (Smith & Van Dyke); Bible. Arabic. (Logos Research Systems, Inc., 1865; 2003), Heb 1:5.
14 SB, vol. 3, pp. 675–77; 1QSa 2.11.
Simon J. Kistemaker and William Hendriksen, vol. 15, New Testament Commentary: Exposition of Hebrews, Accompanying Biblical Text Is Author’s Translation., New Testament Commentary (Grand Rapids: Baker Book House, 1953-2001), 36.
Charles F. Pfeiffer, The Epistle to the Hebrews (Chicago, IL: Moody Press, 1962), 20.
المسيح ابن الله الوحيد وبنوتنا لله – د. خالد
من ابن الله إلى ابن الانسان تحليل – ودراسة الحاخام دانيال بويارين – ترجمة: مينا كيرلس
من ابن الله إلى ابن الانسان تحليل – ودراسة الحاخام دانيال بويارين – ترجمة: مينا كيرلس
دانيال بويارين هو حاخام يهودي أرثودوكسي مُحافظ ومؤرخ واستاذ للثقافة التلمودية في أقسام دراسات الشرق الأدنى والخطابة في جامعة كاليفورنيا، بيركلي.
تُعتبر أفضل وسيلة لفهم شخص ما هي، اولاً: عن طريق التحدث بلغة هذا الشخص، أما ثانياً: فهي فهم طريقة تفكيره.
لذلك، لا يمكن فهم يسوع إلا عن طريق التحدث بلغته وفهم كيف كان يعيش وسط بيئته ويجب ان تكون هذه الطريقة هي الوحيدة المفيدة في دراسة يسوع التاريخ.
فلا يمكن ان يجلس شخص يتحدث العربية من شبه الجزيرة مع شخص أخر يتحدث العبرية من إسرائيل بينما تعتقد انت انهما سيتوصلان إلى اتفاق رغم اختلاف اللغة والثقافة… هذا تقريبا مستحيل الحدوث.
الآن، يدرك الجميع تقريبا أن يسوع التاريخي كان يهوديا اتبع الطرق اليهودية القديمة.1
لذلك، أفضل طريقة لمعرفة يسوع حق المعرفة هي دراسته من رؤية يهودية. هناك أيضا اعتراف متزايد بأن الأناجيل نفسها وحتى رسائل بولس هي جزء لا يتجزأ من دين شعب إسرائيل في القرن الأول الميلادي. ما هو أقل إدراكا هو إلى أي مدى كانت الأفكار المحيطة بما نسميه الكريستولوجيا، قصة يسوع كمسيا إلهي بشري، جزءا [إن لم يكن جزءا لا يتجزأ] من التنوع اليهودي في هذا الوقت. الأناجيل نفسها، عندما تُقرأ في سياق النصوص اليهودية الأخرى في عصرهم، تكشف عن هذا التنوع المعقد للغاية والمتعلق بالمتغيرات الأخرى ل “اليهودية” في ذلك الوقت.
من خلال طمس الحدود بين “اليهود” و”المسيحيين”، فإننا نوضح الوضع التاريخي وتطور “اليهودية” والمسيحية المبكرة. يمكننا أن نفهم بشكل أفضل أهمية وثائقنا التاريخية، بما في ذلك الأناجيل، عندما نتخيل حالة تعكس بشكل أكثر ملاءمة الوضع الاجتماعي على أرض الواقع في ذلك الوقت، حالة اجتماعية يختلط فيها المؤمنون بيسوع الناصري وأولئك الذين لم يتبعوه مع بعضهم البعض بطرق مختلفة بدلا من فصلهم إلى كيانين محددين جيدا نعرفهما اليوم باليهودية والمسيحية.2
بفحص الادلة التاريخية في الاناجيل نفهم كيف كان يُرى يسوع وماذا كان يخبرنا عن نفسه.
دعا يسوع نفسه الابن في الاناجيل، وقد يبدو هذا اللقب غير واضح رغم ان كلمة “ابن” مُعرفة بالألف واللام (ال)، ربما اللقب غير واضح لنا في العصر الحالي لكن كيف كان يفهمه اليهود في زمن يسوع؟ كما نجد القاباً أخرى مثل ابن الله، دعا كاتب انجيل مرقس يسوع ب(ابن الله) في بداية الانجيل، كما دعا يسوع نفسه ب(ابن الله) في لقائه مع المولود أعمى، هل لقب (ابن الله) يشير إلى الوهية المسيح أم انها تشير إلى شخص صالح يفعل ما يمليه عليه الله؟
اما اللقب المثير للجدل هو لقب (ابن الانسان) والذي ذُكر أيضاً في انجيل مرقس عندما شفى يسوع المفلوج وقد اعترف يسوع اعترافين: انه ابن الانسان وان له سلطان على مغفرة الخطايا، فكيف فهم اليهود هذا الامر؟
أولا: لقب ابن الله
يعتقد الكثير من المسيحيين اليوم ان لقب ابن الله يشير إلى شخص الهي، لقب ابن الانسان فيشير إلى بشرية يسوع (ناسوته) لكن يذكر بويارين ان العكس هو الصحيح فيذكر أن:
سأبين أن العكس تقريبا كان هو الحال في إنجيل مرقس: “ابن الله” يشير إلى ملك إسرائيل، ملك داود الأرضي، بينما يشير “ابن الإنسان” إلى شخصية سماوية وليس إنسانا على الإطلاق.3
لقب ابن الله هو اللقب المساوي ل(المسيح) والذي يعني (الممسوح) وهو بالعبرية هاماشياخ ((Hamashiach
المساوي ل (christos) باليونانية، كما يخبرنا انجيل يوحنا صراحة “هذَا وَجَدَ أَوَّلاً أَخَاهُ سِمْعَانَ، فَقَالَ لَهُ:«قَدْ وَجَدْنَا مَسِيَّا» الَّذِي تَفْسِيرُهُ:الْمَسِيحُ.” إنجيل يوحنا ١: ٤١
و كان سبب ذلك أن الملك كان يُدعى المسيح انه كان يُمسح بالزيت حرفيا في مناسبة توليه عرش المملكة كما نجد في “فَأَخَذَ صَمُوئِيلُ قِنِّينَةَ الدُّهْنِ وَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ وَقَبَّلَهُ وَقَالَ: «أَلَيْسَ لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ مَسَحَكَ عَلَى مِيرَاثِهِ رَئِيسًا؟ سفر صموئيل الاول ١٠: ١
صب صموئيل الزيت على رأس شاول وبذلك فقد مسح الله شاول ملكاً على اسرائيل بواسطة صموئيل، وبهذا يكون شاول مُمثلا لإسرائيل أمام الله ويكون ملكاً على ميراثه، لذلك يُشار إلى الملك في الكتاب المقدس العبري بأسم ممسوح يهوه.
يذكر الكتاب المقدس العبري ملوك أخرين مثل داود في صموئيل الاول ١٦: ٣ وسليمان في ملوك اول ١: ٣٤ وياهو في ملوك اول ١٩: ١٦ ويوآش في ملوك ثاني ١١: ١٢ ويهوآحاز في ملوك ثاني ٢٣: ٣٠
أما القول القائل بأن المسيا في الكتاب المقدس العبري يشير دائما إلى ملك تاريخي حاكم بالفعل لها أهمية خاصة عندما نفكر في الآيات التالية:
قَامَ مُلُوكُ الأَرْضِ، وَتَآمَرَ الرُّؤَسَاءُ مَعًا عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ… «أَمَّا أَنَا فَقَدْ مَسَحْتُ مَلِكِي عَلَى صِهْيَوْنَ جَبَلِ قُدْسِي». إِنِّي أُخْبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ الرَّبِّ: قَالَ لِي: «أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ. سفر المزامير ٢: ٢، ٦-٧
الله يتبنى ملك اسرائيل الممسوح كأبن له، ” اليوم ” تعني يوم تتويجك او يوم اعتلائك العرش.
اما عن هذا النص الموجود في مزمور ١١٠ والمُقتبس ايضا في مرقس ١٤: ٦٢ يساهم في فكرة “جلوس المسيح المُمجد عن يمين القوة” اما عن النص في الترجمة السبعينية والذي يقول “من البطن قبل كوكب الصبح ولدتك” فيرى بويارين انه بدون الدخول في تعقيدات تفسيرها فمن الواضح ان الله يقول للملك ايضاً: “لقد ولدتك”.
خلاصة القول في هذا العرض هو أنه في وقت مبكر تم استخدام مصطلح “ابن الله” للإشارة إلى المُلك الداودي دون أي تلميحات لتجسد الإله في الملك: “سأكون لك كأب، وستكون لي كابن”. الملك في الواقع حميم جدا مع الله وشخص مقدس للغاية – ولكن ليس الله. الملك موعود لنسل داود إلى الأبد.
ثم أثناء انتقال بويارين من لقب ابن الله إلى ابن الانسان يعلق قائلا:
عندما يكتب مرقس في بداية إنجيله، “بداية إنجيل يسوع المسيح، ابن الله”، فإن ابن الله يعني المسيا البشري، مستخدما اللقب القديم لملك بيت داود. من ناحية أخرى، عندما يشير إليه مرقس في الفصل الثاني من الإنجيل على أنه “ابن الإنسان”، فإنه يشير إلى الطبيعة الإلهية للمسيح. يبدو هذا وكأنها مفارقة: اسم الله يُستخدم لطبيعة يسوع البشرية، اسم “الإنسان” لطبيعته الإلهية.4
و كأن اسلوب بويارين اليهودي في التعبير عن هذا الامر هو ما نتحدث عنه بمصطلح مسيحي وهو “تبادل الخصائص الاقنومي”، كما يبدو ان لقب ابن الانسان لا يشير إلى ان المسيح مولود من انسان فقط وانما يشير إلى معنى اعمق في الفكر اليهودي، معنى لا يستطيع الشخص العربي أن يفهمه.
ثانياً: لقب ابن الانسان
يتطرق بويارين في شرح هذه المفارقة، كيف يمكن فهم المسيح على انه الله من قبل يهود موحدين عن طريق التحدث عن قصة “ابن الانسان”…
تأتي قصة “ابن الانسان” من واحدة من الكتب الاخروية في الكتاب المقدس العبري وهو سفر دانيال، الكتب الاخروية عادة تتحدث عن نهاية الايام ونهاية العالم، كما أن من المعتقد ان سفر دانيال قد كُتب في القرن الثاني قبل الميلاد وقد اعتمد كاتب السفر على ادلته من النبي حزقيال وقد وصف الرؤى السماوية للنبي دانيال، حيث يتحدث النبي دانيال عن شخصان الهيان، يشبه احدهما الرجل العجوز ويُلقب ب قديم الايام وشخصية الهية ثانية في شكل ابن انسان يتم احضاره على السحاب امام قديم الايام في حفل يشبه إلى حد كبير الاحتفالات الملكية القديمة في الشرق الادنى. في هذه الاحتفالات كان يتم تمرير الشعلة من الالهة الاكبر سناً إلى الالهة الاصغر سناً في اساطيرهم.
«كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إلى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ، فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ. فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ. سفر دانيال ٧: ١٣-١٤
و الذي يشكل اهمية كبيرة للجانب المسيحي على وجه الخصوص، فيه نجد فكرة جديدة، بدلاً من التحدث عن الملك الداودي واستعادته لعرش اسرائيل، نسمع عن شخصية الهية والتي ستُعطى سلطان ابدي على العالم كله حيث يتم استعادة العالم اجمع تحت حكم ومشورة الحاكم الابدي بمشيئة قديم الايام، وعلى الرغم من ان هذه الشخصية لا تُدعى المسيا الا انها تجلب لنا بعض الخصائص التي نجدها لاحقاً في شخص المسيا او المسيح، فما هي هذه الخصائص؟
- إنه إلهي.
- هو في شكل بشري.
- قد يتم تصويره على أنه إله أصغر سنا من قديم الأيام.
- سيتم تنصيبه في الأعالي.
- يعطى السلطة والسيادة، وحتى السيادة على الارض.
ثم يخبرنا بويارين أن:
كل هذه هي خصائص يسوع المسيح كما سيظهر في الأناجيل، وهي تظهر في هذا النص قبل أكثر من قرن ونصف من ولادة يسوع. علاوة على ذلك، فقد تم تطويرها بشكل أكبر داخل التقاليد اليهودية بين سفر دانيال والأناجيل. في مرحلة معينة اندمجت هذه التقاليد في أذهان اليهود مع توقع عودة مُلك داوودي، وولدت فكرة المسيا الإلهي البشري. ثم سُمي هذا الشخص “ابن الإنسان”، في إشارة إلى أصوله في الشخصية الإلهية المسماة “واحد شبه ابن الإنسان / إنسان” في دانيال. وبعبارة أخرى، أصبح التشبيه، وهو إله يشبه الإنسان (حرفيا ابن الإنسان) اسما لذلك الإله، الذي يدعى الآن “ابن الإنسان”، في إشارة إلى ألوهيته التي تبدو بشرية.5
لابد من ان هذه الخلفية المزدوجة تفسر التعقيد الموجود في التقاليد المختلفة حول يسوع، لا عجب في انه عندما ظهر شخص يدعي ويتوافق مع هذه الخصائص فالعديد من اليهود اعتقدوا انه الشخص المنشود وليس من العجب ان الكثيرين كانوا في شك.
هناك العديد من التقاليد التي تظهر في الاناجيل والنصوص اليهودية القديمة، بعض اليهود توقعوا هذا المخلص ان يكون انسانا يُرفع إلى درجة الالوهية، وآخرين توقعوا الاله ان يتنازل إلى شكل بشري، وعلى هذا الاساس بعض المؤمنين بيسوع قد آمنوا ان يسوع وُلد إنسانا عاديا ثم رُفع إلى درجة الالوهة والبعض الآخر اعتقد انه الاله الذي أخذ هيئة بشرية، وبالتالي فإن الروابط بين الأفكار القديمة قبل يسوع عن المسيا / المسيح وتلك التي يدعيها يسوع لنفسه هي روابط حميمة للغاية.
في بحث بويارين عن من هو “ابن الانسان” وجد ان البعض استخدم هذا اللقب اشارة إلى ناسوت يسوع، والبعض الاخر استخدمه للإشارة إلى لاهوته بينما تم استخدام هذا اللقب في العصور الوسطى للاشارة إلى تواضع يسوع، كما ان هناك من رفض هذا التجديف قائلين ان هذا اللقب وُضع على لسان يسوع بعد موته، وآخرين رفضوا وجود شخصية كهذه من الاساس، وهذا ما وضعنا في “مشكلة ابن الانسان” على مر الاجيال.
عندما مشي يسوع في الجليل مدعياً انه ابن الانسان لم يسأل احد قط “من هذا ابن الانسان على اى حال؟” لقد كانوا يعلمون عما كان يتحدث عنه بغض النظر عما إذا آمنوا او لم يؤمنوا. مع أن لقب ابن الانسان يعني فقط انسان في الارامية والعبرية الا انها تعني ابن شخص ما في اليونانية وقد يفهم المتحدثين بالآرامية من يسوع انه مجرد شخص لكن ليس هذا ما يُعبر عنه الفصل الثاني من انجيل مرقس.
يجد بويارين ان السياق في انجيل مرقس لا يدعنا نفسر لقب ابن الانسان على انه مجرد شخص، سيكون من الصعب تفسير ان اي شخص قادر على غفران الخطايا وان يكون رب السبت.
بالاشارة إلى شخص ما على انه ابن الانسان يجب ان يؤخذ على محمل تاريخي وادبي، وبفعل ذلك، نجد ان كل استخدامات لقب ابن الانسان ترجع بنا إلى الفصل المنشود في سفر دانيال.
كما ان الكثير من دراسات العهد الجديد قد ضلت بعيدا عن طريق افتراض ان ابن الانسان يشير فقط إلى يسوع القادم على السحاب اثناء مجيئه الثاني، هذا أدى إلى كثير من الاضطراب في الادب، لأنه من وجهة النظر هذه يبدو من الصعب أن نتخيل كيف يمكن ليسوع الحي الذي يتنفس، والذي لم يرفع بعد إلى السماء أو يعود إلى الأرض، أن يشير إلى نفسه على أنه ابن الإنسان، كما يبدو بالتأكيد أنه يفعل في عدة أماكن في مرقس والأناجيل الأخرى. ومع ذلك، يمكن حل هذه المشكلة إذا فكرنا في ابن الإنسان ليس على أنه يمثل مرحلة معينة في قصة المسيح ولكن كإشارة إلى بطل القصة بأكملها، يسوع المسيح، المسيا، ابن الإنسان.
لقد كان يعتقد مرارا وتكرارا أن تسمية ابن الإنسان تشير فقط إلى المسيا (المسيح) في وقت تمجيده وما بعده. في مرقس ١٤: ٦١-٦٢، يسأل رئيس الكهنة يسوع: «أَأَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ الْمُبَارَكِ؟» فَقَالَ يَسُوعُ:«أَنَا هُوَ. وَسَوْفَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا فِي سَحَابِ السَّمَاءِ»، يمكن للمرء أن يفهم بسهولة من هذه الآية أن يسوع يستخدم لقب ابن الإنسان للإشارة فقط إلى اللحظة التي ستراه فيها آتيا مع سحاب السماء.
الآن إذا كان ابن الإنسان، كما يقول المنطق، هو المسيا (المسيح) جالسا عن يمين القوة ويأتي مع سحب السماء، فكيف يمكن أن يكون يسوع قد استخدم مصطلح “ابن الإنسان” للإشارة إلى حياته الأرضية؟ يجب أن تبذل الدراسات بعد ذلك جهودا كبيرة لتحديد أي من أقوال ابن الإنسان يمكن أن تكون ليسوع، أو ربما قالها، أو قالها بالفعل، وأيها أضافته الكنيسة الأولى – التلاميذ أو الإنجيليون – ووضعوه على فمه. ومع ذلك، إذا فهمنا أن تسمية ابن الإنسان لا تشير إلى مرحلة واحدة في قصة يسوع – الولادة أو التجسد أو السيادة على الأرض أو الموت أو القيامة أو التمجيد – ولكن إلى كل هذه الأمور معا، فإن هذه المشاكل يتم تجنبها تماما.
لقد رأى البعض حسب التفسيرات من الاقدم إلى الاحدث ان شبه ابن الانسان هو رمز لمجموعة مسماة من الإسرائيليين المخلصين اثناء ثورة المكابيين عندما كُتب سفر دانيال تقريباً.6
بينما جادل البعض ان شبه ابن الانسان هو شخص الهي بجانب قديم الايام وليس رمز لبني إسرائيل، ثم يذكر بويارين ما قاله افراهات واحد من اباء الكنيسة الايرانيين في القرن الرابع أثناء مهاجمته لتفسير (على افتراض انه من قبل اليهود) يجعل من شبه ابن انسان ليكونوا أهل اسرائيل فيقول: هل نال بنو إسرائيل مملكة العلي؟ لا سمح الله! أم أن الناس جاءوا على سحاب السماء؟7
حجة افراهات تفسيرية والى حد كبير في صُلب الموضوع، لان السحب – او الركوب على السحب – هى خصائص كتابية للظهور الالهي والذي يعني الثيؤفانيا (أي الظهور الالهي باليونانية) بواسطة العلماء.8
و كما يعلق ايضاً J.A Emerson:
“إن حدث المجيء مع السحب يوحي بثيوفاني يهوه نفسه. إذا كان دانيال ٧: ١٣ لا تشير إلى كائن إلهي، فهو الاستثناء الوحيد من بين حوالي سبعين مقطعا في العهد القديم”9
و يعتقد بويارين انه يكاد يكون من المستحيل قراءة السرد هنا عن إقامة العروش، وظهور قديم الأيام على أحدها، ومجيء شخص إليه مثل ابن الإنسان بعيدا عن قصص تنصيب الآلهة الشابة من قبل شيوخهم، والآلهة القريبة من قبل الآلهة المتعالية، وهاذان الإلهان بمرور الوقت سيصبحان اول شخصان في الثالوث.
ثم يذكر ملاحظة هامه، أن بعض الحاخامات اللاحقين على الأقل قرأوا هذا المقطع أيضا على أنه ثيوفاني (إعلان ذاتي عن الله). مقطع من التلمود البابلي (القرن الخامس أو السادس) يُظهر هذا بوضوح ويستشهد بحاخامات سابقين بالإضافة إلى رؤية حدث مهم في عقيدة الله تظهر هنا.
كما نتعلم في تقليد قديم:
واحد له وواحد لداود. هذه هي كلمات الحاخام اكيڤا. قال له الحاخام يوسي الجليلي: أكيڤا! إلى متى ستدنس الشكينة؟! بل كان أحدهما للحكم والآخر للرحمة.10
لكن بويارين لديه قناعته واستنتاجه الخاص ان المعنى الاصلي للنص يدل انه كان هناك عرشان، واحد لله الآب والاخر لتأليه الملك داود ولذلك كان الحاخام يوسي مصدوماً.
بالرجوع إلى ما قاله افراهات – وقراءة باقي الفصل في دانيال ٧ – كان بإمكان هؤلاء اليهود الذين كانوا خصوما لأفراهات أن يردوا بوضوح: “هل يخضع كائن سماوي أو إله صغير للاضطهاد من قبل ملك سلوقي يجبره على التخلي عن أيامه المقدسة وشريعته لمدة ثلاث سنوات ونصف؟ سخيف! يجب أن يكون ابن الإنسان رمزا لبني إسرائيل”
و هنا يعلق بويارين:
كلا الجانبين من هذه الحجة على حق. كما رأينا للتو، يبدو أن رؤية دانيال نفسها تتطلب أن نفهم “الشخص مثل ابن الإنسان” كشخصية إلهية ثانية. يبدو أن فك شفرة الرؤيا الملائكية في نهاية الفصل يفسر بوضوح “الشخص مثل ابن الإنسان” كشخصية أرضية جماعية، إسرائيل أو أبرار إسرائيل. لا عجب أن يجادل المعلقون. يبدو أن النص نفسه هو منزل منقسم على نفسه. الجواب على هذا اللغز هو أن مؤلف سفر دانيال، الذي كان لديه رؤية دانيال نفسها أمامه، أراد قمع الشهادة القديمة لإله أكثر من المفرد، باستخدام الرمز للقيام بذلك. بهذا المعنى، فإن الجدل اللاهوتي الذي نعتقد أنه موجود بين اليهود والمسيحيين كان بالفعل جدلا بين اليهود قبل يسوع بوقت طويل.11
اذا جمعنا فكرة المخلص الشاب الذي سيجلس على العرش الثاني بجانب قديم الايام في دانيال ٧ مع لقب المسيح اي المخلص الذي يجلس على عرش داود – المعتقد السائد في المجتمع اليهودي – يصبح من الطبيعي جداً ان ننسب لقب ابن الله إلى المسيح الذي هو ابن الانسان.
و هذا ما يوضحه بويارين:
ما الذي يمكن أن يكون أكثر طبيعية، إذن، من تبني الاستخدام القديم “ابن الله”، المنسوب بالفعل إلى المسيا في دوره كملك داود لإسرائيل، وفهمه حرفيا على أنه علامة على الألوهية المتساوية لقديم الأيام وابن الإنسان؟ وهكذا أصبح ابن الإنسان ابن الله، وأصبح “ابن الله” اسما لطبيعة يسوع الإلهية – وكل ذلك دون أي انقطاع عن التقاليد اليهودية القديمة.
إن لاهوت الأناجيل، بعيدا عن كونه ابتكارا جذريا في التقليد الديني الإسرائيلي، هو عودة محافظة للغاية إلى أقدم اللحظات في هذا التقليد، لحظات تم قمعها إلى حد كبير في هذه الأثناء – ولكن ليس بالكامل. إن تحديد هوية الراكب على السحاب مع الشخص الذي يشبه ابن الإنسان في دانيال يوفر اسم وصورة ابن الإنسان في الأناجيل أيضا. ويترتب على ذلك أن الأفكار عن الله التي نعرفها كأفكار مسيحية ليست ابتكارات ولكنها قد تكون مرتبطة ارتباطا وثيقا ببعض أقدم الأفكار الإسرائيلية عن الله. تعود هذه الأفكار على الأقل إلى قراءة معقولة تماما [وموثقة] لدانيال ٧ وبالتالي إلى القرن الثاني قبل الميلاد على أبعد تقدير. وقد تكون أقدم بكثير من ذلك.12
في النهاية اذا كان (سفر) دانيال هو النبوءة، فالأناجيل هي اتمام هذه النبوءة، واذا كان يُمكن فهم الوهية يسوع فقط بمجرد دراسة بعض من القابه في الاناجيل من منظور يهودي في القرن الاول اثناء حياته، فلماذا يصر البعض على ان المسيح لم يدعي قط انه الله؟ ولماذا يدعون ان الاناجيل لم تتحدث قط عن يسوع بصفته الله؟
أهذا اصرار على عدم رؤية الحقيقة ام جهل بالحقيقة؟ او كلاهما؟
- The Aryan Jesus: Christian Theologians and the Bible in Nazi Germany (Princeton: Princeton University Press, 2008).
- Craig C. Hill, “The Jerusalem Church,” in Jewish Christianity Reconsidered: Rethinking Ancient Groups and Texts, ed. Matt Jackson-McCabe (Minneapolis: Fortress Press, 2007), 50.
- Daniel Boyarin, The Jewish Gospels: The Story of the Jewish Christ, Chapter 1: from Son of God to Son of Man, P. 26.
- Ibid P. 30-31.
- Ibid P. 33.
- John J. Collins, “The Son of Man and the Saints of the Most High in the Book of Daniel,” Journal of Biblical Literature 93, no. 1 (March 1974): 50n2.
- Demonstration 5:21
- Louis Francis Hartman and Alexander A. Di Leila, The Book of Daniel, trans. Louis Francis Hartman, The Anchor Bible (Garden City, NY: Doubleday, 1978), 101. They themselves list Exodus 13:21; 19:16; 20:21; Deut 5:22; I Kings 8:10; and Sir 45:4.
- A. Emerton, “The Origin of the Son of Man Imagery,” Journal of Theological Studies 9 (1958): 231-32.
- [BT Hagiga 14a]
- Daniel Boyarin, The Jewish Gospels: The Story of the Jewish Christ, Chapter 1: from Son of God to Son of Man, P. 43.
- Ibid P. 47.
The Jewish Gospels: The Story of the Jewish Christ by Daniel Boyarin
من ابن الله إلى ابن الانسان تحليل ودراسة الحاخام دانيال بويارين – ترجمة: مينا كيرلس
كتاب هل المسيح هو الله؟ ام ابن الله؟ ام هو بشر؟ – القمص عبد المسيح بسيط PDF
علاقة المسيح ابن الله الكلمة المتجسد بالآب
علاقة المسيح ابن الله الكلمة المتجسد بالآب
أهمية حقيقة أن المسيح هو ابن الله الكلمة المتجسد
وكانت حقيقة أن كلاًّ من هاتين البدعتين قد تنتهي بها الأمر إلى حيث بدأت الأخرى، إنما دليل على أن كلاًّ منهما لم تبدأ بالفعل من حقيقة الإنجيل الأساسية: أن يسوع المسيح ـ المولود من مريم العذراء والذي تألم في عهد بيلاطس البنطي ـ هو الله الذي جاء بنفسه، ليكون معنا ويعلن ذاته لنا ويتحد بنا بغير انفصال من أجل خلاصنا.
ومن هنا نجد أن الإنجيل لم يقدِّم يسوع المسيح في وضع مقارنة مع الله أو مشابهة معه، ولم يتأرجح بين الاثنين كما في البدعتين المذكورتين، بل قدَّمه في كليَّة حقيقته “الإلهية الإنسانية” غير المنقسمة باعتباره الله الذي صار إنسانًا[1]. وعلى هذا الأساس، فإن يسوع المسيح يكون هو الرب والمخلِّص، وهدف الإيمان المباشر، والابن الوحيد المولود من الله، الذي بغيره لا يمكن معرفة الآب.
فإذا لم يكن يسوع المسيح هو الله لما استطاع أن يعلن الله لنا، لأننا لا نستطيع معرفة الله إلاّ من خلال الله نفسه فقط، وإذا لم يكن المسيح في نفس الوقت إنسانًا لما كان ممكنًا أن يخلِّصنا (نحن البشر)، لأنه فقط من خلال كونه واحدًا معنا يستطيع الله أن يتمِّم خلاصنا من داخل وجودنا البشري الفعلي.
وقد أكَّد أوريجينوس أن الإيمان بيسوع المسيح بكونه: الله الذي صار إنسانًا وأنه هو نفسه “الله” و “إنسان” في آنٍ واحدٍ، (الله المتأنس) هو إيمان ينتمي إلى تعليم الكتاب المقدس وقد تسلَّمناه منذ نشأة الكنيسة الأولى[2]. وقد عقَّب ر. ف. سيلرز على تعليم تلاميذ أوريجينوس الخاص بوحدة شخص (أقنوم) السيد المسيح قائلاً “من الواضح أن تلاميذ أوريجينوس ينسبون أعمال وأقوال يسوع المسيح كلها، وبدون تمييز بينها، إلى اللوغوس المتجسد ذاته ـ أي إلى الشخص الواحد الذي هو الله وإنسان في وقت واحد[3]“.
وقد تعيَّن على القديس أثناسيوس أن يردد ما جاء في كلام أوريجينوس بأن هذا الإيمان كان هو تقليد وتعليم وإيمان الكنيسة الجامعة منذ البداية، ومن هنا جاء تأكيد القديس أثناسيوس ـ في فقرة مهمة نشير إليها مرة ثانية ـ على أن آباء نيقية “لم يكتبوا ما بدا لهم أنه حسن، بل ما آمنت به الكنيسة الجامعة، ولذا فقد اعترفوا بما كانوا يؤمنون به لكي يبيِّنوا أن آراءهم ليست آراء جديدة بل هي آراء رسولية، وأن ما كتبوه لم يكن اكتشافًا من عندياتهم بل هو نفسه ما قد علَّم به الرسل[4]“.
وكان على مجمع نيقية إعادة تأكيد الحقيقة الإنجيلية الرئيسية التي تعلن أن يسوع المسيح هو ابن الله الكلمة (المتجسد)، وأن ابن الله الكلمة (المتجسد) هو يسوع المسيح، وذلك حتى يتصدى المجمع لتعاليم الأريوسية والسابيلية وكافة البدع الأخرى التي تلت ظهور الأبيونية والدوسيتية، والتي باتت تهدد سلامة إيمان الكنيسة. وقد رفضت الكنيسة المساومة في الإيمان بأن يسوع المسيح هو الله المتأنس، لأنه إذا لم يكن المسيح هو الله بالفعل فلا تكون هناك أي حقيقة إلهية في كل ما قاله أو صنعه، وأيضًا إذا لم يكن (في نفس الوقت) هو إنسانًا بالفعل فلا يكون ما صنعه الله له أية صلة خلاصية ببني البشر.
وكان القديس أثناسيوس قد لخَّص هذه القضية الخاصة بالأعمال الإلهية والأعمال الإنسانية للكلمة المتجسد بقوله: “إذا أدركنا ما يخص كل منهما (أي نوعي الأعمال)، وإذا رأينا وفهمنا أن كلاهما قام بهما “واحد”، فنكون على حق في إيماننا ولن نضلَّ أبدًا. ولكن إذا نظر أحد إلى ما عُمل “إلهيًّا” بواسطة الكلمة فأنكر (حقيقة) الجسد، أو إذا نظر إلى صفات الجسد فأنكر قدوم الكلمة بالجسد أو بسبب ما هو بشري قلَّل من شأن الكلمة، فإن مثل هذا الإنسان يعد مثل تاجر الخمر اليهودي الذي يخلط الماء مع النبيذ وسوف يعتبر الصليب عارًا، أو مثل الوثني الذي يعتبر الكرازة حماقة.
وهذا ما حدث بالنسبة لأعداء الله الأريوسيين الذين نظروا إلى الصفات الإنسانية للمخلِّص فاعتبروه مخلوقًا، ونظروا إلى الأعمال الإلهية للكلمة فاضطروا إلى إنكار ميلاده بالجسد وبالتالي يُحسَبون مع أتباع ماني[5]“. فالإيمان بأن يسوع المسيح هو الله الذي صار جسدًا (إنسانًا) لأجلنا ولأجل خلاصنا، يتطلب إيمانًا أكيدًا “بألوهيته”، لأن في المسيح، الله ذاته هو الذي صار إنساناً، وكذلك يتطلب إيمانًا مساويًا “بإنسانيته” لأن في يسوع المسيح جعل الله طبيعتنا البشرية خاصة له.
أما الأريوسية فقد كانت على النقيض من ذلك، حيث خلطت بين الحق والخطأ وأذنبت ضد لب الإيمان الإنجيلي وأفسدت رسالة الإنجيل الخلاصية لأنها سقطت في كلتا البدعتين الأبيونية والدوسيتية في آنٍ واحد.
موقف الكنيسة في الدفاع عن علاقة الابن المتجسد بالآب
وسرعان ما أدرك البابا ألكسندروس بابا الإسكندرية التاسع عشر[6]، أن تعليم أريوس قد أظهر بما لا يدع مجالاً للشك أن الأمر الحاسم في موضوع الإيمان والخلاص، هو طبيعة العلاقة بين يسوع المسيح الابن المتجسد والله الآب. إذن كيف كان على الكنيسة النظر إلى هذه العلاقة؟ وماذا يعني الإنجيل عندما أقرن يسوع المسيح بالله في كل أعماله الخاصة بالإعلان والخلاص؟ وما الذي يجب أن يقال عن طبيعة هذه العلاقة لتفادي أي سوء فهم أو تحريف لها؟
وقد حرص آباء نيقية على الإجابة عن مثل هذه التساؤلات عندما قاموا بصياغة اعتراف الإيمان: “وبربٍ واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب (من جوهر الآب)، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، له ذات الجوهر الواحد مع الآب (μοούσιος τ Πατρί)، الذي به كان كل شيء”. وعلاوة على ذلك ألحق الآباء بإعتراف الإيمان، قانوناً مؤداه أن الكنيسة الجامعة تحرم “كل مَن يقول إن “هناك وقت لم يكن فيه الابن كائنًا”، أو إنه “لم يكن كائنًا قبل أن يُولد”، أو إنه “أتى إلى الوجود من العدم”، أو يزعم أن ابن الله له جوهر مختلف (عن الآب)، أو أنه مخلوق، أو قابل للتغير والتبدل”.
وكان مجمع نيقية قد أخضع جميع العبارات التي وضعها للفحص الدقيق، حتى يمكنه مواجهة النقد المتواصل خلال القرن الرابع. وقد ساعد ذلك على تأكيد وتعميق إيمان وعقيدة الكنيسة، حتى أن مجمع القسطنطينية اللاحق قد أقرَّ تمامًا هذا الإيمان وأعطاه الشكل النهائي كالآتي: “وبربٍ واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، له ذات الجوهر الواحد مع الآب، الذي به كان كل شيء”. ومن الملاحظ أنه لم تطرأ تعديلات ذات أهمية كبيرة في هذه العبارات عن سابقتها (التي وُضعت في نيقية)، وإنما كان التغيير الطفيف لمجرد تفادي التكرار غير الضروري[7].
وإذ بدأ آباء نيقية المقطع الثاني من قانون الإيمان بعبارة “وبربٍ واحد يسوع المسيح”، فقد أظهروا بذلك العلاقة المباشرة للرب يسوع المسيح بـ “الله الآب ضابط الكل …” الذي بدأوا به في المقطع الأول، وبالتالي بيَّنوا أنهم سواء بالنسبة ليسوع المسيح أو بالنسبة لله الآب، فإنما كانوا يشيرون إلى نفس الجوهر الواحد.
وهكذا عبَّر الآباء عن المحتوى الحقيقي للعهد الجديد فيما يخص المسيح، هذا المحتوى الذي فيه الإيمان بالمسيح يتطابق تمامًا مع الإيمان بالله الآب. فأن تؤمن “برب واحد يسوع المسيح” هو أن تؤمن “بإله واحد الله الآب” وتعترف به إلهًا متطابقًا مع الآب.
وقد عبَّر قانون الإيمان عن هذه العلاقة الفريدة التي للمسيح مع الآب داخل وحدانية الله بهذه العبارات “ابن الله الوحيد، المولود من أبيه قبل كل الدهور .. مولود غير مخلوق”. وكان مصطلحا “ابن” و “آب” إنما يشيران إلى التمايز داخل جوهر الله الواحد، لأن الابن هو “ابن” وليس “آب”، والآب هو “آب” وليس “ابن”[8]. ولكن بما أن هناك إله واحد، فبالتالي يكون هناك فقط ابن واحد لله، الذي هو أزليًّا ابن الآب كما أن الآب هو أزليًّا أبو الابن لأنه لا يوجد فارق زمني أو من أي نوع بينهما.
وقد تم تجميع مفاد كل هذه العبارات معًا في مصطلحٍ مُركزٍ واحدٍ هو “هوموأووسيوس” *(μοούσιος) مع الآب أو “له ذات الجوهر الواحد مع الآب”[9] وذلك للتعبير عن وحدانية الجوهر بين الابن المتجسد والله الآب، وجاءت إضافة عبارة “الذي به كان كل شيء ..” للتأكيد على ارتباط الابن مع الخالق[10].
[1] انظر تأكيد القديس أثناسيوس في (ضد الأريوسيين 35:4) على أن المسيح هو “إنسان وإله كامل معًا (وفي آنٍ واحد)” (ο̉́λον αυ̉τόν α̉́νθρωπόν τε καί Θεόν ο̉μου̃)، ويعتبر هذا القول هو ضد كل من البدعة الدوسيتية والبدعة الأبيونية. انظر كذلك قوله في (ضد الأريوسيين 3: 41) بإن المسيح “هو إله حقيقي في الجسد، وجسد حقيقي في الكلمة“
7 Origen, De prin., 1.praef, ; 1.2.1ff; 2.6.2f, etc. Cf. Ignatius; Eph., 7.2- cited by Athanasius, De syn., 46.
8 R. V. Sellers, Two Ancient Christologies, 1940, p.29.
9 Athanasius, De syn., 5;see De decr., 5; Ad Ser., 1.28; Ad Afr., 1; Fest. Ep., 2.4-7, etc. Cf. also Alexander of Alexandria, Ep., 1.12-13; Theodoret, Hist. eccl., 1.3.
10 Athanasius, Con. Ar., 3.35.
وقد كان يشير إلى الكتاب المقدس في: إش 22:1 (الترجمة السبعينية)، و1يو 3:4.
11 See the epistles of Alexander preserved by Theodoret, Hist. eccl., 1.3; and by Athanasius, De decr., 35; Socrates, Hist. eccl., 1.6; Gelasius, Hist. eccl., 2.3. Consult Vlasios Pheidas, ‘Alexander of Alexandria and his two Encyclical Epistles’, in Άντίδωρον Πνευματικόν, Athens, 1981. Cf. the earlier teaching of Dionysius of Alexandria discussed by Athanasius, De sent. Dion.
12 Cf. the creed cited by Epiphanius, Anc., 120.
[8] كان هذا التمييز يتضمن رفضاً لبدعة سابليوس:
Athanasius, De syn., 16; cf. De sent. Dion., 5ff; Con. Ar., 3.4, 36; 4.1ff; Ad Ant., 3-6, 11; Con. Ar., 4.2.
* مصطلح ’هوموأووسيوس‘ هو صفة من مقطعين: ’هوموس ο̉μος‘ ويعني ذات الشيء الواحد (one and the same) ، و’أوسيا ούσια‘ والذي يعني الجوهر، فيكون المعنى الكامل لمصطلح ’هوموأووسيوس مع الآب‘: له ذات الجوهر الواحد مع الآب أو واحد مع الآب في ذات الجوهر (of one and the same being with the father). (المترجم)
14 Archbishop Methodios, ‘The Homoousion’, The Incarnation. Ecumenical Studies in the Nicene-Constantinopolitan Creed, 1981, p.6 (ed. By T. F. Torrance).
15 Athanasius, De decr., 7, 18f; De syn., 12, 35; Con. Ar., 1.9ff; Ad Afr., 4-9; Ad Ser., 2.2-5.
علاقة المسيح ابن الله الكلمة المتجسد بالآب
هل المسيح فقط هو ابن الله؟ – ترجمة: مايكل عاطف
هل المسيح فقط هو ابن الله؟ – ترجمة: مايكل عاطف
هل المسيح فقط هو ابن الله؟ – ترجمة: مايكل عاطف
“اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ.” (يو 1: 18)
السؤال:
يُدعى يسوع “اَلابْنُ الْوَحِيدُ” في هذه الآية. مع ذلك، يخبرنا يوحنا في الآيات السابقة أنه يمكننا بالإيمان أن نصبح أبناء الله “ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ” (يو 1: 12). إذا كنا أبناء الله، فكيف يكون يسوع ابن الله الوحيد؟
“وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ.” (يو 1: 12)
الإجابة:
هناك فرق كبير بين المعنيين بحيث يكون فيها يسوع “ابن الله” ونحن “أبناء الله”
المسيح، هو ابن الله الواحد الوحيد؛ أنا فقط ابن الله. ويمكن للبشر أن يصبحوا أبناء الله ايضا. ولكن كان يسوع ابن الله بالحقيقه ووارثه في كل شيء (كو 1: 15)؛ اما نحن فقط أبناء الله بالتبني (رو 8: 15).
“الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ.” (كو 1: 15)
“إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: «يَا أَبَا الآبُ».” (رو 8: 15)
هو ابن الله لأنه هو الله بطبيعته (“فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ.” (يو 1: 1))، بينما نحن مخلوقون فقط على صورة الله (“فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ.” (تك 1: 27)).
وتجددنا ورجعنا الي صورتنا الأصلية ” صُورَةِ خَالِقِهِ ” بالفداء. (“وَلَبِسْتُمُ الْجَدِيدَ الَّذِي يَتَجَدَّدُ لِلْمَعْرِفَةِ حَسَبَ صُورَةِ خَالِقِهِ،” (كو 3: 10)). فيسوع ابن الله بطبيعته؛ لكننا نحن فقط من عند الله. إنه الاله في طبيعته، لكننا لا نشارك فيه إلا بالخلاص (“اللَّذَيْنِ بِهِمَا قَدْ وَهَبَ لَنَا الْمَوَاعِيدَ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةَ، لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ.” (2 بط 1: 4)).
ويمكننا المشاركة فقط في صفات الله الأخلاقية (مثل القداسة والمحبة)، وليس في صفاته الخاصة (مثل الابدي الازلي).
المخلص الموعود به من الله – من هو يسوع؟ – إبن الله وإبن الإنسان
المخلص الموعود به من الله – من هو يسوع؟ – إبن الله وإبن الإنسان
المخلص الموعود به من الله – من هو يسوع؟
بعد أن تقابل يسوع مع يوحنا واعتمد منه، قضى معظم حياته كمعلم ديني. وكان من الطبيعي تماماً لمعلمي اليهود الدينيين، أو “الربيين” كما كانوا يسمونهم، أن يعيشوا حياة الترحال، حيث يتجولون بين مكان وآخر، وفي غالبية الأحيان يصحبون معهم تلاميذهم. ومن الواضح أن يسوع اتبع هذا النهج.
فقد كان له تلاميذه[1]، وكثيراً ما كان يخاطب بلقب “معلم”. ومثل غيره من المعلمين اليهود كان ينجز معظم عمله في المجمع، وهو المكان الذي كان اليهود يجتمعون فيه للعبادة كل يوم سبت. وكان أيضاً يتحدث إلى الناس أينما قابلهم. وقد دعا أول تلاميذه من قوارب صيدهم، وكثيراً ما كان يعلم في الخلاء حيث كانت الجماهير العريضة تستطيع أن تلتف حوله[2].
وتعليم يسوع هو الذي أسر في الواقع قلوب الشعب. لأنهم فيما كانوا يسمعونه، أدركوا أنهم ليسوا أمام معلم عادي. فلم يكن مجرد تلميذ لمعلم آخر، يقول للشعب ما سبق أن سمعه من آخرين. بل كان يتحدث عن أمور جديدة تماماً عن الرجال والنساء وعلاقتهم بالله. وكان يقول ذلك بطريقة لم يكن معها مفر بالنسبة لأي واحد من أن يتخذ قراره بشأنه.
وكان لا بد لمن يستمع إليه من أن يقبل حكم الكثيرين من الناس العاديين بأنه “كان يعلمهم كمن له سلطان”[3]، أو يقبل رأي الفريسيين بأنه كان مدعياً دينياً من أسوأ النوعيات.
والتعليم الذي تسبب في هذا الانقسام الحاد بينه وبين سامعيه، كان بخصوص موضوعين. فمن ناحية قال يسوع أشياء عظيمة وجسورة عن شخصه وأهميته. وكان يعتقد بكل وضوح أنه هو نفسه المخلص الموعود الذي كان اليهود ينتظرون أن يرسل لهم من قبل الله. فهو وحده المسيا الذي يستطيع أن يقيم المجتمع الجديد. ومن ناحية أخرى، فإلى جانب ما قاله يسوع عن مصيره وأهميته، نجد الأقوال التي تحدث بها عن الطبيعة الحقة للمجتمع الجديد ومعناه، ذلك المجتمع الذي اعتقد يسوع أنه جاء ليبدأه.
ولسوق نستعرض بعض أقوال يسوع عن المجتمع الجديد في الباب الثاني. ومن المهم أولاً وقبل كل شيء أن نتأمل فيما قاله يسوع عن نفسه. ذلك أن أفكاره عن مجتمع الله الجديد، ومكانه في حياة البشر لن تكون ذات معنى ما لم نفهم ما قاله يسوع عن أهميته الشخصية في خطة الله.
ابن الإنسان:
إلى هنا، رأينا كيف أن الشعب اليهودي كان يتطلع إلى الله لكي يرسل لهم المخلص الموعود، المسيا، الذي يبدأ المجتمع الجديد. ومن الطبيعي أن تعبير “المخلص الموعد به من الله” لم يستخدم في الأناجيل: ولقد استخدمته هنا لمحاولة أن أوصل للقارئ بلغة الحياة اليومية العادية شيئاً عن مفهوم الشعب اليهودي لكلمة المسيح (المسيا).
غير أنه مما يدعو للدهشة أن تطلع على الأناجيل وترى كيف أنه في مرات قليلة استخدمت فيها كلمة “المسيا” (أو ترجمتها اليونانية “المسيح”) لوصف يسوع. ولنأخذ على سبيل المثال إنجيل مرقص. وربما كان هذا أول ما كتب من الأناجيل، ولقد استخدمت فيه كلمة “المسيا” (المسيح) سبع مرات فقط. منها مرة في عنوان الإنجيل، ومن بين المرات الست الأخرى[4]، ثلاث مرات فقط يمكن أن تؤخذ على أنها تشير إلى يسوع على أنه المسيا أو المسيح.
وفي مرة واحدة فقط قال يسوع عن نفسه بصفة مباشرة إنه المسيح. وما يلفت النظر أيضاً أنه في الفقرة الوحيدة التي قال فيها يسوع عن نفسه صراحة إنه المسيح[5]، إذا به في الحال يستطرد ليتكلم عن شخص مختلف، ويعرف المسيح على أنه شخص يسميه “ابن الإنسان”[6].
إذاً، من هو ابن الإنسان؟ من غير الممكن أن تتأمل أياً من القصص التي تتناول حياة يسوع دون أن تدرك أن لقب “ابن الإنسان” هذا يشكل مفهوماً في غاية الأهمية عن يسوع. والتعبير الحالي استخدم أربع عشرة مرة في إنجيل مرقص، أما في قصة متى الأكثر طولاً فقد ورد ما لا يقل عن إحدى وثلاثين مرة. والواقع أن “ابن الإنسان” هو التعبير الذي كثيراً ما استخدمه يسوع ليصف به نفسه وعمله. إذاً ما معنى هذا التعبير؟
قد يقول البعض إنه حين كان يسوع يتحدث عن نفسه على أنه “ابن الإنسان”، فإنه كان يريد ببساطة أن يؤكد على أن جانباً من طبيعته كان إنساناً عادياً، في حين أن جانباً منه يمكن أن يوصف بتعبير “ابن الله”. غير أن عبارة “ابن الأنسان” لا بد وأنها تعني أكثر من هذا. فعلى سبيل المثال، تحدث يسوع عن “ابن الإنسان آتياً في سحاب بقوة كثيرة ومجد” (مر 13: 62)، أو “جالساً عن يمين قوة الله” (لو 22: 69). ومثل هذه الأقوال لا يمكن أن يقصد به التأكيد على طبيعة يسوع كإنسان بالمقابلة مع أقواله بأن له أهمية خاصة في خطط الله.
معنى “ابن الإنسان”
المعنى الدقيق لعبارة “ابن الإنسان” كان من أكثر الموضوعات التي أثير حولها جدل عنيف في الدراسات الحديثة للعهد الجديد. وما سنذكره هنا هو ملخص مختصر جداً لما يقوله أحد الباحثين.
وهناك نقطة اتفق عليها جميع المفسرين وهو أن أفضل سؤال مفيد في هذا الموضوع هو: ما الذي فهمه أولئك الناس الذين كانوا يعرفون يسوع بالفعل حين سمعوه يستخدم تعبير “ابن الإنسان”. وبالنظر إلى أن أول مستمعيه كانوا من اليهود، فإنه من الأفضل أن نبحث في الديانة اليهودية عن الجواب. ومن المفيد دائماً أن نرجع أولاً إلى العهد القديم. وهنا نجد أن تعبير “ابن الإنسان” قد استخدم بطريقتين.
في أغلب الأحيان، يأتي هذا التعبير للتمييز بين الله والإنسان. وفي هذا السياق، فإنه يؤكد عادة ضعف البشر وفقرهم بالمقابلة مع قدرة الله وقوته (عدد 23: 19؛ أيوب 25: 6، مز 8: 4؛ 146: 3؛ إشعياء 51: 12). وهناك نبي أو اثنان من أنبياء العهد القديم خاطبهما الله بعبارة “ابن الإنسان”، (أي يا ابن آدم) وكان هذا في معرض التأكيد على الفرق بينهما وبين سيدهما (حزقيال 2: 1؛ دانيال 8: 17).
ولكن التعبير استخدم بطريقة مختلفة تماماً في دانيال 7: 13-14. وكان أبعد ما يكون عن الإشارة إلى ضعف الإنسان بالمقابلة مع عظمة الله، مثل عبارة “ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه. فأعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة”، “وسلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض”.
وبمقدورنا أيضاً أن نطلع على بعض الأسفار الرؤوية التي ربما كانت سائدة في زمن يسوع. ففي “2أسدارس”، و”تشبيهات أخنوخ” يظهر “ابن الإنسان” ثانية كشخص خارق للطبيعة أرسله الله على اعتبار أنه قاض البشرية مستقبلاً (2أسدارس 13، 1أخنوخ 37-71). وليس بمقدورنا التأكد من أن أياً من هذين السفرين الرؤويين كان مكتوباً بالفعل أيام يسوع. ولكن من المؤكد أنهما يعكسان بالفعل أفكاراً كان يعتنقها كثيرون من معاصريه.
ونحن في نفس الوقت في حاجة إلى أن نتذكر أنه لم يكن كل اليهود مهتمين بمثل هذه الأفكار. بل وما كانوا جميعهم على معرفة جيدة بالعهد القديم بحيث يستطيعون أن يربطوا بصفة آلية بين هذه الأفكار واستخدام يسوع لهذا التعبير. والواقع أن بعض الباحثين الآراميين المتمكنين قالوا إن الكلمات التي استخدمها يسوع بالفعل ربما لم يكن لها أي معنى محدد على وجه الإطلاق.
ولذلك، فنحن لدينا ثلاث حقائق يجب تأملها قبل أن نقرر ما الذي قصده يسوع حين أطلق على نفسه لقب ابن الإنسان:
- الكلمات الآرامية التي استخدمت بالفعل في عبارة “ابن الإنسان” ربما كانت لا تعني إلا القليل، وربما كانت عبارة مطولة تعني “إنسان”.
- استخدم تعبير “ابن آدم” (ابن الإنسان) في العهد القديم لوصف البشر واختلافهم عن الله.
- في سفر دانيال، وغيره من الأسفار الرؤوية اليهودية استخدم التعبير للإشارة إلى شخصية سامية تشارك الله في سلطانه.
ومن المحتمل جداً أن هذه الحقائق كلها، لها مغزاها. وإذا لم يكن لتعبير “ابن الإنسان” أي معنى واضح محدد في اللغة الآرامية التي كان يتكلم بها يسوع، فلربما رأى استخدامه بكل بساطة، لأن هذا يعطيه حرية استخدامه بحيث يعني تماماً ما قصده من استخدامه. ولو كان قد استخدم لقب “المسيح” لما سهل عليه أن يفسر بدقة دوره حسبما فهمه هو، بالنظر إلى أن الكثيرين كانت لديهم تصورات عديدة مسبقة بالنسبة لهذا الموضوع. وإذا استخدم يسوع التعبير الغامض “ابن الإنسان”، فقد استطاع بذلك تجنب هذه المشاكل.
وفي ذات الوقت، فإنه بالنسبة لمن لهم القدرة على فهم هذا التعبير، فإن خلفيته تقدم بعض الإشارات المهمة للأشياء التي أراد يسوع قولها عن نفسه. ذلك أنه أراد أن يثبت أنه كان إنساناً عادياً فيما يختص بالجانب الإنسان، وأنه أرسل بصفة خاصة من الله نفسه.
وكل من هاتين الفكرتين يمكن أن نجدهما في استخدام العهد القديم لعبارة “ابن الإنسان”.
ولقد استخدم يسوع هذا الاسم في الواقع بثلاث طرق مختلفة توضح هذا.
- غالباً ما كان يستخدم تعبير “ابن الإنسان” عوض أن يستخدم ضمير المتكلم للمفرد “أنا”، وما ذلك بكل بساطة إلا كوسيلة لوصف وجوده كإنسان عادي. وفي النقاط التي نجد أن الأناجيل المختلفة قد جاءت بنفس الأقوال، نجد أن أحد الأناجيل كثيراً ما يستخدم عبارة “ابن الإنسان”، في حين يستخدم آخر الضمير “أنا”. قارن على سبيل المثال مرقص 10: 45؛ لوقا 22: 27؛ أو مرقص 8: 27؛ متى 16: 13، أو متى 19: 28؛ لوقا 22: 30.
- في أحيان أخرى كان يسوع يستخدم لقب “ابن الإنسان” في الإشارة إلى مجيئه الثاني على السحاب وإلى ارتفاعه إلى يمين الله. وهذا نفس الاستخدام الذي نجده في دانيال 7، والكتابات الرؤوية اليهودية.
- غير أنه يستعمل في الغالبية بطريقة جديدة ومختلفة، مع بعض الإشارات إلى الآلام والموت اللذين كان يسوع يتوقعهما كجزء من حياته. وفي تسع مرات من أربع عشرة مرة استخدم فيها تعبير “ابن الإنسان” في إنجيل مرقص، كان يسوع يشير به إلى موته الذي كان وشيكاً. (مرقص 8: 31؛ 9: 9؛ 14: 21؛ ومتى 26: 2). وعند هذه النقطة أعطى معنى جديداً تماماً لفكرة لم تكن تعرف إلا قليلاً قبل أيامه. وكان من سماته أن يتعين عليه أن يتحدث عن نفسه في معظم الأحيان كابن الإنسان المتألم.
حياة يسوع المسجلة في الأناجيل المتشابهة
ليس من الممكن عمل جدول كامل من الأحداث التي تخللت حياة يسوع، ولكن هذا الجدول يحتوي على أهم هذه الأحداث بحسب ورودها في الأناجيل:
|
متى |
مرقص |
لوقا |
|
|
ميلاده وطفولته |
|||
|
سلسلة أنساب يسوع |
1: 1-17 |
3: 23-28 |
|
|
الوعد بولادة يسوع من مريم |
1: 26-38 |
||
|
ولادة يسوع |
1: 18-25 |
2: 1-20 |
|
|
زوار من الشرق |
2: 1-12 |
||
|
ختان يسوع |
2: 21-40 |
||
|
هروب والدي يسوع إلى مصر |
2: 13-23 |
||
|
يسوع في الثانية عشرة من عمره |
2: 41-52 |
||
|
في الجليل وما حولها |
|||
|
معمودية يسوع |
3: 13-17 |
1: 9-11 |
3: 21-22 |
|
التجربة |
4: 1-11 |
1: 12-13 |
4: 1-13 |
|
أول كرازة في الجليل |
4: 12-17 |
1: 14-15 |
4: 14-15 |
|
رفض يسوع من أهل الناصرة |
4: 16-30 |
||
|
دعوة التلاميذ الأوائل |
4: 18-22 |
1: 16-20 |
|
|
تعليم وشفاء في كفر ناحوم |
1: 21-38 |
4: 31-43 |
|
|
صيد السمك الوفير |
5: 1-11 |
||
|
الموعظة على الجبل |
5: 1 – 7: 29 |
||
|
يسوع يشفي الأبرص |
8: 1-4 |
1: 40-45 |
5: 12-16 |
|
شفاء المرضى وإسكات الريح |
8: 5-34 |
||
|
شفاء المفلوج |
9: 1-8 |
2: 1-12 |
5: 17-26 |
|
دعوة متى ليكون تلميذاً ليسوع |
9: 9-13 |
2: 13-17 |
5: 27-32 |
|
نقاش حول الصوم |
9: 14-17 |
2: 18-22 |
5: 33-39 |
|
شفاء ابنه يايرس وامرأة عجوز |
9: 18-26 |
5: 21-42 |
8: 40-56 |
|
شفاء أعميين وآخر مجنون |
9: 27-34 |
||
|
إرسالية الاثني عشر |
9: 35-10: 42 |
6: 6-13 |
9: 1-6 |
|
يسوع يتحدث عن يوحنا المعمدان |
11: 1-19 |
7: 18-35 |
|
|
تعليم عن السبت |
12: 1-14 |
||
|
الموعظة في السهل |
6: 20-49 |
||
|
شفاء عبد وإعادة ابن إلى الحياة |
7: 1-17 |
||
|
المرأة التي خدمت يسوع |
7: 36-8: 3 |
||
|
مناقشة يسوع مع القادة الدينين |
12: 22-50 |
3: 20-35 |
|
|
أمثال الملكوت |
13: 1-58 |
4: 1-41 |
8: 4-25 |
|
مجنون كورة الجدريين |
5: 1029 |
8: 26-39 |
|
|
معجزة إطعام 5000 شخص |
14: 13-21 |
6: 30-44 |
9: 10-17 |
|
يسوع يمشي على الماء |
14: 22-33 |
6: 45-52 |
|
|
تعليم بخصوص التقاليد الدينية |
15: 1-20 |
7: 1-23 |
|
|
يسوع يشفي مرضى كثيرين |
15: 21-31 |
7: 24-37 |
|
|
يسوع يشبع 4000 شخص |
15: 32-16: 12 |
8: 1-21 |
|
|
تنبأ يسوع بموته |
16: 13-28 |
8: 27-37 |
9: 18-27 |
|
التجلي |
17: 1-27 |
9: 2-32 |
9: 28-45 |
|
إرسالية السبعين |
10: 1-24 |
||
|
المحبة والصلاة ومحبة المال |
10: 25-12: 59 |
||
|
شفاء وأمثال |
13: 1-30 |
||
|
يسوع يغادر الجليل |
13: 31-35 |
||
|
بعض الأمثال الشهيرة |
14: 15-16: 31 |
||
|
شفاء البرص |
17: 11-19 |
||
|
يسوع يتوجه إلى أورشليم |
|||
|
يسوع يتنبأ ثانية عن موته |
20: 17-19 |
10: 32-24 |
18: 31-34 |
|
ابنا زبدى يطلبان ميزة |
20: 20-28 |
10: 35-45 |
|
|
شفاء بارتيماوس الأعمى |
20: 29-34 |
10: 46-52 |
18: 35-43 |
|
زكا يقابل يسوع |
19: 1-10 |
||
|
يسوع يدخل أورشليم كملك |
21: 1-9 |
11: 1-10 |
19: 28-44 |
|
يطرد التجار من الهيكل |
21: 10-22 |
11: 11-26 |
19: 45-48 |
|
أمثلة أخرى |
21: 28-22: 14 |
||
|
اتهام الفريسيين |
23: 1-36 |
12: 37-40 |
20: 45-47 |
|
يسوع يتنبأ بخراب الهيكل |
24: 1-3 |
13: 1-4 |
21: 5-7 |
|
يسوع يتحدث عن الرؤويات |
24: 4-36 |
13: 5-37 |
21: 8-36 |
|
موت يسوع وقيامته |
|||
|
التآمر على يسوع |
26: 1-5 |
14: 1-2 |
22: 1-2 |
|
يهوذا يخون يسوع |
26: 14-16 |
14: 10-11 |
22: 3-6 |
|
التلاميذ يعدون الفصح |
26: 17-19 |
14: 12-16 |
22: 7-13 |
|
العشاء الأخير |
26: 20-29 |
14: 17-25 |
22: 15-38 |
|
القبض على يسوع |
26: 30-56 |
14: 26-52 |
22: 39-53 |
|
محاكمة يسوع |
26: 57-27: 26 |
14: 53-15:15 |
22: 54-23: 25 |
|
صلب يسوع |
27: 27-44 |
15: 16-32 |
23: 26-43 |
|
موته |
27: 45-56 |
15: 33-41 |
23: 44-49 |
|
دفنه |
27: 57-66 |
15: 42-47 |
23: 50-56 |
|
القبر الفارغ |
28: 1-10 |
16: 1-8 |
24: 1-12 |
|
يسوع يظهر لأتباعه بعد القيامة |
28: 11-20 |
24: 13-53 |
المسيا
لسنا في حاجة لإضاعة كثير من الوقت في التفكير فيما قاله يسوع عن نفسه من أنه هو المسيح. وهذا لم يكن لقباً اتخذه يسوع لنفسه، وفي إنجيل مرقص[7]، وهو أول الأناجيل من ناحية الكتابة، لا نجد إلا مثالاً واحداً قال يسوع فيه إنه المسيح. ومع ذلك فتوجد أربع مناسبات هامة جداً قال أناس آخرون فيها عن يسوع أنه المسيح، ويبدو أنه قبل هذا اللقب.
- حين أدرك بطرس أخيراً حقيقة ما قاله يسوع عن نفسه وقال له: “أنت المسيح”، أجاب يسوع بأن بطرس قد طُوب إذ حصل على هذا الإعلان الخاص[8].
- ومناسبة أخرى كانت أثناء محاكمته أمام السلطات اليهودية حيث اعترف يسوع أمام رئيس الكهنة أنه هو المسيح[9].
- هناك أيضاً القصة التي تتحدث عن كيفية شفاء يسوع لرجل به روح نجس. فهو لم يسمح لهذا الرجل أن يخاطبه على اعتبار أنه “ابن الله العلي” فحسب بل قال له أيضاً: “اذهب إلى بيتك وإلى أهلك وأخبرهم كم صنع الرب بك”[10].
- في مناسبة أخرى كان يسوع سائراً في الطريق على مقربة من أريحا حين صرخ أحد المتسولين، وكان أعمى اسمه بارتيماوس، وخاطب يسوع بقوله: “يا ابن داود”. وعلى الرغم من أن الواضح أن آخرين ممن كانوا واقفين هناك طلبوا منه أن يصمت، إلا أن يسوع لم يفعل هذا، ومن هنا يبدو أنه وافق أن يطلق عليه هذا اللقب[11].
ويتضح من هذه الأمثلة الأربعة أنه لم يكن ليسوع نفس الموقف بالنسبة للقول بأنه المسيح “ابن داود” في كل مناسبة، وحين جاء الوقت الذي وقف فيه أمام رئيس الكهنة، كان من الواضح أنه سيدان بأي طريقة، وعلى ذلك لم يكن هناك ما يمنعه من الاعتراف بأنه المسيح. على الرغم من أنه حتى في هذا الموقف أخذ يعيد تحديد مفهوم “المسيح” في إطار لقبه المفضل “ابن الإنسان”. لكنه في مرحلة سابقة، حين اعترف بطرس أنه هو المسيح، طلب يسوع منه ومن التلاميذ الآخرين ألا يخبروا أحداً عن ذلك، بل عليهم أن يحتفظوا بالأمر سراً.
أما في المناسبتين الأخريين فيبدو أنه قبل لقب “المسياني” من أناس آخرين دون أن يعلق على ذلك بشيء. وفي حالة الرجل الذي كان به روح نجس طلب منه أن يشارك اختباره مع أصحابه وأهله. ومن الواضح أن موقف يسوع من ناحية السماح للناس أن يعرفوا أنه المسيح كان يختلف طبقاً للظروف، وكان الأمر يعتمد إلى حد ما على ما إذا كان يجب أن يخفى هذا الأمر أو يذاع. فما الذي نفهمه من كل هذا؟ يبدو أن هناك تفسيرين محتملين لهذا الموضوع:
لم يقل يسوع إطلاقاً إنه المسيح. وأحد طرق حل هذه المشكلة هو أن نقول بأن يسوع في الواقع لم يدع إطلاقاً أنه المسيح، وأن مرقص وكتبة الأناجيل الآخرين كتبوا قصصهم عن حياة يسوع وتعاليمه وذهنهم مشغول بالأكثر بما يؤمنون به عن يسوع وليس ما يدعيه هو عن نفسه. وكانوا يؤمنون بأنه المسيح، لأنهم كانوا على قيد الحياة بعد القيامة. ومن هذا المنظور الجديد أدركوا أنه من المناسب بالأكثر أخذ يسوع على أنه الشخص الذي حقق مواعيد الله المذكورة في العهد القديم.
ومع ذلك، فإنه حين جاء الوقت ليكتبوا الأناجيل أرادوا أن يوضحوا بكل جلاء أن يسوع هو في الواقع المسيح الموعود. ولذلك سدوا الثغرة بين معتقداتهم الخاصة، ولم يكونوا يعرفون أنه الحقيقة التاريخية، وذلك بأن ابتكروا فكرة “إبقاء مسيانية يسوع سراً”. وهذه عبارة صيغت لأول مرة بمعرفة أحد المفسرين الألمان وهو “ويلهلم ريد Wilhelm wrede”.
وذلك لتفسير السبب في أنه حين كان يجيء الحديث عن المسيح وهو يتكلم مع تلاميذه عن وضعه باعتباره المسيح، كان دائماً يطلب منهم إبقاء هذا الأمر سراً. وقد اعتقد “ريد Wrede” أن فكرة “السر المسياني” هذه كانت بجملتها من ابتكار مرقص كاتب أقدم إنجيل.
والصعوبة التي تكتنف هذا الاقتراح هي أنه على الرغم من أنه يتناغم مع جزء من الدليل، إلا أن هناك بعض المعلومات الأخرى التي لم تتفق معه. فعلى سبيل المثال هناك الأحداث التي تضمنت الرجل الذي كان به روح نجس في كورة الجدريين وبارتيماوس في أريحا. ثم أن هناك الحقيقة التي لا يمكن إنكارها وهي أن يسوع في واقع الأمر حكم عليه بالموت لأنه ادعى أنه “ملك اليهود” أي مسيحهم. ومن الصعوبة معرفة كيف ترك مرقص هذه القصص في إنجيله، وبهذه الصيغة إذا ما كان مصمماً على جعل فكرة “السر المسياني” مقنعة.
- كان يسوع على قناعة بأنه المسيح، ولكنه لم يدع ذلك إطلاقاً. ويبدو أننا تركنا وعندنا الانطباع أن يسوع كان يعتقد أنه المسيح، غير أنه لم يقل ذلك صراحة. ولكن كيف لنا أن نفسر هذا الغموض؟
هناك ثلاثة أمور يمكن قولها في هذا الصدد:
أولاً: علينا أن نتذكر أن الأناجيل لم تكتب فقط لحفظ قصة حياة المسيح وتعليمه، بل لتكون سنداً بعد ذلك للمسيحيين في القرن الأول. والمسيحيون الذين قرأوا الأناجيل لأول مرة كانت لهم النظرة التي لدينا الآن. كانوا يعرفون قيامة المسيح ومجيء قوة الله في حياتهم. وعلى هذا الأساس، لم تكن أمامهم أية صعوبة في معرفة أن يسوع لا بد وأن يكون هو المسيح المخلص الموعود به من الله والذي أرسل ليبدأ المجتمع الجديد، فكيف تخامرهم أي شكوك وهو أنفسهم أعضاء في هذا المجتمع الجديد؟ وشيئاً فشيئاً بدأت كلمة “المسيا” أو “المسيح” تستعمل كاسم ثان ليسوع، ولا تزال تستعمل على هذا النحو حتى يومنا هذا.
وهذا يفسر لنا السبب في أن كلمة “المسيح” استعملت عدة مرات في إنجيل يوحنا، في حين أنها نادراً ما كانت تستعمل في الأناجيل الثلاثة الأخرى. وكان الاعتقاد بصفة عامة أن يوحنا كتب إنجيله في وقت متأخر عن الآخرين، وفي ذلك الحين أصبحت الكلمة تقريباً لقباً ليسوع.
ثانياً: الأناجيل نفسها أوضحت أنه كانت ليسوع ومعاصريه مقاصد متعارضة حين كانوا يتكلمون عن المسيح. فبالنسبة لليهود كان المسيا عندهم ملكاً من الناحية السياسية. أما بالنسبة ليسوع فالمسيا معناه عند متواضع مطيع لمشيئة الله. ولو كان يسوع قد تحدث عن نفسه صراحة بأنه المسيح لكان بذلك قد أخفى المعنى الحقيقي لمجيئه، ولتسبب ذلك في مواجهة قبل أوانها مع السلطات الرومانية.
فحتى التلاميذ، بما فيهم بطرس الذي أعلن أن يسوع هو المسيح، لم يعرفوا على وجه الدقة من هو يسوع إلا بعد القيامة. فعلى الرغم من علاقتهم الوثيقة بيسوع فقد أظهروا جهلهم بمقاصده في أكثر من مناسبة. ويمكن أن نكون متأكدين من أن هذه صورة تاريخية حقيقية، لأنه حين كتبت الأناجيل كان التلاميذ أبطال الكنيسة، وما من أحد كان له أن يكتب قصصاً تصورهم بمظهر سيء.
ثالثاً: يبدو من المؤكد أن موقف يسوع كان يختلف بالفعل، وأن حياته كلها وعمله كان مزيجاً من الإعلان والسرية، فقد تم تغطية هذا بالطريقة التي كان يحب أن يسمي نفسه “ابن الإنسان”، وهو لقب لم يكن له معنى واضح. وهو بالنسبة لأولئك الذين لم يكونوا مستعدين لأن يتأملوا هذا اللقب بعمق، كان اسماً بمقدوره أن يربكهم ويخفى ادعاءات المسيح لا أن يظهرها[12]. وفي نفس الوقت، فإن أحداثاً كثيرة في حياة يسوع بما فيها المعجزات[13]، بل وأيضاً مناسبات مثل عماده، والتجربة في البرية، ودخوله أورشليم سوف تفقد معناها لو لم يقل يسوع إنه المسيح[14]. فكثير من الأمور التي عملها وقالها كانت هي الأمور التي كان من المتوقع أن يعملها ويقولها المسيح حين يأتي.
وأفضل نتيجة نستخلصها من ذلك هي أن يسوع لم يستخدم كلمة المسيح عند الإشارة إلى نفسه لأنه كان يعرف أنها ستوحي لمستمعيه بملك أرضي ودولة سياسية جديدة. ومن المؤكد أنه لم يكن لدى المسيح أية نية لأن يكون “مسيحاً” من هذه النوعية. فلقد سبق ورفض هذه الفكرة بكل حسم حين جرب من إبليس. ولذلك صاغ خدمته كلها في قالب يخفي حقيقة أنه المسيح عن أولئك الذي لا يرغبون في فهم معنى هذه الكلمة بنفس مفهومه هو، ولكنها تكشف عن هويته الحقيقية لأولئك الذين يريدون بالفعل أن يعرفوا.
ابن الله
إيمان الكنيسة المسيحية منذ نشأتها هو الإقرار بأن يسوع هو “ابن الله”. وهذا تعبير مألوف لشعب يسوع في أيامنا هذه، والشعوب الناطقة باليونانية كثيراً ما يستخدمون هذه العبارة للإشارة بها إلى شخصية إنسان نبيل يوصف بالبطولة، وحين قال قائد المئة الروماني عند الصليب “حقاً كان هذا ابن الله”[15]. فلربما كان كل ما يعنيه بهذا هو أن يسوع كان رجلاً عظيماً حقاً، وقصة لوقا تشير إلى هذا بكل وضوح، حيث أن قائد المئة قال “بالحقيقة كان هذا الإنسان باراً”[16].
وعلى مثال تعبيري “ابن الإنسان” و”المسيح” استخدم أيضاً تعبير “ابن الله” في العهد القديم[17]، فأمة إسرائيل كثيراً ما كان يشار إليها بعبارة “ابن الله”. وملوك إسرائيل ولا سيما أولئك الذين كانوا من نسل داود كانوا أيضاً يحملون هذا اللقب. وثمة مزامير كثيرة تشير إلى الملك على أنه “ابن الله” على الرغم من أنه سرعان ما نظر اليهود إلى هذه الفقرات باعتبارها تشير إلى المسيح الآتي.
إلا انه ليس من شك أن عبارة “ابن الله” في الأناجيل قد استعملت للإشارة إلى أن يسوع يقول إنه في علاقة خاصة مع الله نفسه. وكان يسوع مدركاً تماماً بعلاقته الروحية الوثيقة بالله باعتبار أنه أبوه. بل إنه وهو في مقتبل عمره، حين كان في الثانية عشرة[18]، كان يعتبر هيكل أورشليم بين أبيه “فيما لأبي”[19]. وفي قصة مستأجري الكرم الأشرار أوضح بجلاء أنه نفسه ابن المالك الذي أرسله ليضع الأمور في نصابها.
والادعاءات التي لُمّح إليها في هذه القصص وضحها يسوع بشكل تام. لتأخذ على سبيل المثال هذا القول الذي سجله كل من متى ولوقا “كل شيء قد دفع إلي من أبي. وليس أحد يعرف الابن إلا الآب. ولا أحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له”[20]. ومن الواضح أن يسوع كان يشير هنا إلى علاقة فريدة مع الله، وأنه فعل ذلك دون أن يترك أي فرصة ولو ضئيلة لسوء الفهم.
ومن المؤكد أنه لا يوجد مجال للقول – كما يفعل كثيرون من غير المسيحيين – أن يسوع كان رجلاً صالحاً، ادعى في الواقع أنه ذو طبيعة أسمى من طبيعة البشر. وإذا كان ما قاله يسوع عن نفسه ليس صحيحاً فإما أنه دجال شرير، وإما أنه أبله مخدوع – وليس هناك دليل في الأناجيل أو الآراء التاريخية العامة تتصوره على أي من هاتين الصورتين.
إذاً ما الذي كان يعنيه يسوع حين قال إنه “ابن الله” ومن الطبيعي أن هذا يوضح أهم الأسئلة التي فكر اللاهوتيون وتحدثوا عنها لعدة قرون. وعلى ذلك ليس هناك ما نستطيع قوله هنا مما يحتمل أن يكون الإجابة الشافية والحاسمة لهذا السؤال، غير أنه توجد على الأقل ثلاث حقائق جوهرية يجب مراعاتها إذا كنا نريد أن نفهم – وبوعي – ما كان يقوله يسوع والمسيحيون الأوائل حين استخدموا هذا التعبير:
علينا ألا ننسى إطلاقاً حين نصف يسوع بأنه “ابن الله” أننا نستخدم لغة تصويرية لوصف أمر هو في حقيقته فوق أي وصف. فقد كان يسوع يستخدم صيغة تشبيهية. وقد أخذ العلاقة البشرية بين الابن وأبيه وقال “علاقتي بالله تشبه هذه العلاقة”. ولا يجب أن نأخذ هذا التشبيه بمعناه الحرفي. بل وما كان يشير إلى أن كل ناحية من نواحي علاقتنا بآبائنا تماثل تماماً العلاقة بين يسوع والله. وليس كل واحد في علاقة سعيدة مع أبويه.
على الرغم من أن هناك كثيرين ممن يستطيعون القول بإخلاص “الذي يكرهني يكره أبي أيضاً”[21]، إلا أنه ما من إنسان بمقدوره أن يقول: “أنا والآب واحد”[22]. والواقع أن تعليم يسوع كله، ولا سيما في إنجيل يوحنا، يوضح أن هذه العلاقة بين الآب والابن هي علاقة فريدة، وكانت موجودة قبل أن يولد يسوع في بيت لحم بزمن طويل. فيسوع “كان في البدء عند الله”[23].
ومثل كل الألقاب التي استعرضناها هنا، فإن هذا اللقب أيضاً استخدم في العهد القديم. وتعبير “ابن … ” كان تعبيراً شائعاً في اللغة العبرية. فنجد في العهد القديم – على سبيل المثال – أن الإسرائيليين كانوا يدعون دائماً “بنو إسرائيل”[24]، على الرغم من أن الترجمات الحديثة تجاهلت هذا التعبير وكثيراً ما يطلق على الأشرار عبارة “بنو لئيم” أو “بني بليعال”[25]. وبالنسبة لعبارة “الجنس البشري” فإن اللغة العبرية تترجمها “بنو البشر”[26].
ولذلك فإننا إذا وصفنا أنفسنا بأننا “بنو بشر”، فمعنى هذا أننا نقول إننا نشارك كل الجنس البشري الذي كان قبلنا في نفس سماته وطبيعته. ولذلك فإنه عندما يقول العهد الجديد أن يسوع هو “ابن الله” فهو يقرر هنا أن يسوع يشارك في طبيعة وصفات الله نفسه. وكان يقول إنه حقاً وبالفعل له طبيعة إلهية. وهناك أناس، مثل شهود يهوه – على سبيل المثال – لم يستطيعوا أن يفهموا هذا، لأنهم نسوا أن يسوع كان يستخدم تشبيهاً حين وصف نفسه بأنه “ابن الله” ثم إنهم تجاهلوا أيضاً تعبير “ابن….” في اللغة التي كان يسوع يتكلم بها.
في الأصحاح الأول من إنجيل يوحنا، وفي سفر الرؤيا، تم التعبير عن هذه العلاقة بين يسوع والله بطريقة أخرى[27]. فهناك سُمي يسوع “الكلمة” أو كلمة الله (اللوغوس)[28]. وكلمة الله بالطبع هي الطريقة التي يتصل بها الله بنا، ولكن عندما يقول العهد الجديد عن يسوع إنه “الكلمة” فهو يقصد شيئاً أكثر من ذلك. لأن يوحنا يقول “وكان الكلمة الله”[29]. أي أن رسالة الله للبشرية لم تكن مكتوبة في كتاب فحسب، بل أظهرت في شكل الله نفسه كما قال أيضاً “والكلمة صار جسداً”[30] أي أن الله نفسه تجسد في “الكلمة” في يسوع.
وعلى هذا فإنه حين قال يسوع إنه “ابن الله”، وحين يصف كتبة العهد الجديد هذا بعبارة “كلمة الله” فجميعهم كانوا يقولون هذا لأنه في المسيح نستطيع بحق أن نعرف الله. ولقد قال يسوع نفسه “الذي رآني فقد رأى الآب”[31]. وكلنا لدينا أفكارنا عن الله. وهي أفكار تشكلت طبقاً لتحليلاتنا وأفكارنا المسبقة، ولكن إذا كان ما يقوله يسوع عن نفسه صحيحاً، يصبح بمقدورنا الآن أن نضع الصورة الصحيحة عن الله بدلاً من الصورة الخيالية التي اختلقناها عنه. وهذا هو السبب في أنه من المهم لنا جداً أن نعود إلى ما كان يسوع يقوله ويعلمه فعلاً، لأننا من خلال حياته وتعاليمه نستطيع حقاً أن نرى الله ونسمعه.
العبد
ولعلنا نكتشف شبه الله بشكل أوفى في هذا اللقب الأخير “العبد” الذي يبدو أن يسوع طبقه على نفسه وعلى عمله. حتى أننا لا نجد في أي موضع في الأناجيل أن يسوع استخدم لقب “عبد الله” في مجال الحديث عن نفسه. ومع ذلك فلقد سبق لنا أن رأينا أنه نتيجة أنه عاش ومات بالطريقة التي تم التنبؤ بها عن العبد المتألم في إشعياء[32]، فإن مفهومه عن معنى أن يكون المسيح كان مختلفاً للغاية عن نوعية المسيح الذي كان يتوقعه اليهود في أيامه. كذلك نجد إشارات عديدة لقناعة يسوع أنه سيكون من نصيبه أن يتألم وكما سبق ولاحظنا، فإن أبرز استخدامات تعبير “ابن الإنسان” كانت في إطار أقوال يسوع عن آلامه وموته.
ومنذ أن تعمد، وربما قبل ذلك، رأي يسوع أن مجرى حياته سيكون عبر الآلام[33]، والصوت الذي سمعه عند عماده، والذي يردد كلمات من إحدى الفقرات في سفر إشعياء عن العبد المتألم[34]، أوضح أمامه أن عمل حياته يتركز على التواضع وإنكار الذات، وهذه القناعة كانت تتردد بشكل قوي في تصرفه إزاء اختبار تجربته في البرية. وطبقاً لما جاء في إنجيل مرقص، فقد حذر يسوع تلاميذه في مرحلة مبكرة جداً من خدمته أنه قد اقترب اليوم الذي سوف يرفع هو “العريس”[35] فيه، عن أصحابه. وفور أن أعلن بطرس إيمانه أن يسوع هو المسيح، أخذ يسوع يكرر “أن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيراً”[36]. وثمة غرض عظيم سوف ينجز من خلال خدمته وآلامه:
“لأن ابن الإنسان أيضاً لم يأت ليُخدم بل ليخدم ويبذل نفسه فدية عن كثيرين”[37].
لقد صرفنا وقتاً كثيراً نتأمل فيه الألقاب المختلفة التي وصف بها يسوع نفسه. ومعظمها من الصعب فهمه على وجه التفصيل. غير أن لها كلها مضموناً واحداً واضحاً جداً. فلا ريب أن يسوع باستخدامه هذه الألقاب كان يشير إلى علاقته الفريدة بالله وإلى سلطانه الفريد، ونجد أن سلطانه هذا يتم التعبير عنه في قوله إن بمقدوره غفران خطايا الناس.
ولقد رأي علماء الدين اليهودي – وكانوا محقين في ذلك تماماً – أن يسوع يدعي بهذا أنه يمارس سلطاناً يختص به الله وحده. كما أنه طلب من تلاميذه ولاءً وإخلاصاً بشكل لا يمكن أن يكون لأي إنسان عادي الحق في ادعائه على الإطلاق. ولقد قال لكل من سيؤمنون به مستقبلاً: “ومن لا يحمل صليبه ويأتي ورائي فلا يقدر أن يكون لي تلميذاً”[38].
وقول المسيح إن له علاقة فريدة مع الله تم التعبير عنه في إنجيل يوحنا بالتساوي التام بين يسوع والله “أنا والآب واحد”[39] ونجد نفس هذه الأقوال في إنجيلي متى ولوقا[40].
وعلى الرغم من هذا فكثيراً ما يقول لنا المؤرخون غير الدينيين إن يسوع عاش كمعلم متجول، بل إنه لم يدع أنه نبي، وإن الكنيسة الأولى وبولس بصفة خاصة، هو الذي خلع الألوهية عليه. لكن ما قاله يسوع عن نفسه تم التعبير عنه في نفس المصادر الأولى التي سجلت عنه، وعلينا ألا ننسى أنه بمقارنة الأناجيل بالكتابات التاريخية الأخرى للعصر ذاته نجد أنها كتبت بعد الأحداث التي وصفوها بفترة قصيرة جداً.
وأكثر من ذلك فإن عمل الباحثين الذين فحصوا الطريقة التي تمت بها فعلاً كتابة الأناجيل ومهم “نقاد الصيغ” قد أوضحوا أنه لا توجد أية إشارة في أي موضع في العهد الجديد إلى وجود يسوع لم ينسب إلى نفسه قوى خارقة للطبيعة.
والواقع أنه يستحيل حقاً الفصل بين شخص يسوع كإنسان “يسوع التاريخي” وبين المسيح الرب المقام المساوي لله وذلك في الفكر اللاهوتي للكنيسة الأولى.
وإذا كانت ادعاءات يسوع زائفة، نكون والحالة هذه بصدد معلم يهودي تقي كما يحلو لبعض المؤرخين أن يتخيلوا أحياناً، أو نكون بصدد رجل مريض بالوهم، أو مخادع يعرف أنه كذلك. وفي كلتا الحالتين، لا يصنف يسوع إلا مع المسحاء الآخرين الذين كانوا يظهرون على فترات متقطعة في القرن الأول، والذين لم يعش تأثيرهم إلا لفترات وجيزة، والذين قد أصبحوا الآن تقريباً في عالم النسيان، غير أن يسوع لم ينس. وإذا كان تلاميذه قد ادعوا في وقت لاحق ادعاءات جديدة عن أهميته، فإن هذه الادعاءات راسخة تماماً في تعاليمه عن نفسه وعن مكانه في خطط الله.
[1] يوحنا 1: 38؛ 3: 2؛ 9: 12.
[2] مرقص 1: 16-21؛ لوقا 4: 16؛ 6: 6.
[3] متى 7: 29؛ مرقص 2: 7.
[4] مرقص 1: 1.
[5] مرقص 8: 29؛ 9: 41؛ 14: 61-62.
[6] مرقص 14: 62.
[7] مرقص 9: 41.
[8] متى 16: 16-17.
[9] مرقص 14: 61-62.
[10] مرقص 5: 1-20.
[11] مرقص 10: 46-52.
[12] مرقص 1: 9-11.
[13] لوقا 4: 1-13.
[14] مرقص 11: 1-11.
[15] متى 27: 54.
[16] لوقا 23: 47.
[17] هوشع 11: 1.
[18] لوقا 2: 49.
[19] مرقص 12: 1-11.
[20] متى 11: 27؛ لوقا 10: 22.
[21] يوحنا 15: 23.
[22] يوحنا 10: 30.
[23] يوحنا 1: 2.
[24] قضاة 1: 1.
[25] تثنية 13: 13.
[26] صموئيل الأول 2: 12.
[27] يوحنا 1: 1-18.
[28] رؤيا 19: 13.
[29] يو 1: 1.
[30] يو 1: 14.
[31] يوحنا 14: 9.
[32] إشعياء 52: 13؛ 53: 12.
[33] مرقص 1: 11.
[34] إشعياء 42: 1.
[35] مرقص 2: 20.
[36] مرقص 8: 31.
[37] مرقص 10: 45.
[38] لوقا 14: 27.
[39] يوحنا 10: 30.
[40] لوقا 10: 22.
المخلص الموعود به من الله – من هو يسوع؟ – إبن الله وإبن الإنسان
هل الألقاب تُكسب المجد؟ – أضواء على النبوات – عزت شاكر حلقة29
أمثال كتاب الراعي لهرماس – الجزء الثاني
أمثال كتاب الراعي لهرماس – الجزء الثاني
أمثال كتاب الراعي لهرماس – الجزء الثاني
المثل الثامن
1- 1. أراني الراعي صفصافة كانت تظلل سهولًا وجبالًا وقد اجتمع تحتها كل الذين دعوا باسم المسيح. 2. وكان ملاك الرب العظيم بقامته الفارعة يقف تحت الصفصافة وفي يده منجل كان يقطع به أغصانًا ويوزعها على الجموع الواقفة تحت ظلالها. وكانت الأغصان صغيرة لا تتجاوز طول الشبر. 3. بعد أن استلم الجميع أغصانهم وضع ملاك الرب المنجل جانبًا وظهرت الشجرة وكأنها لم تمس. 4. فقلت لنفسي متعجبًا: كيف بقيت الشجرة كما كانت وقد قطع منها هذا العدد الكبير من الأغصان؟ قال لي الراعي: رويدك لا تتعجب كيف بقيت الشجرة كما كانت بعد أن قطع منها ما قطع، بعد أن ترى سيفسر ذلك كل شيء. 5. الملاك الذي وزع الأغصان على الجميع سيستردها وسيدعي كل واحد ليرد الغصن الذي تسلمه حسب الترتيب الذي سلم إليه. 6. إن ملاك الرب سيأخذ هذه الأغصان وسيفحصها. سيسلمها البعض يابسة دون أن ينخرها السوس. 7. والبعض نفس يابسة. وسيضع هؤلاء وأولئك كل في مكانٍ يعينه لهم. 8. والبعض نصف يابسة ومشققة ولهؤلاء مكان خاص بهم. 9. والبعض نصف يابسة. 10. والبعض نصف خضراء مشققة ولهؤلاء موضع خاص بهم. 11. والبعض نصف يابسة ونصف خضراء ولهؤلاء مكان خاص. 12. والبعض خضراء بثلثيها والثلث الباقي يابس ولهؤلاء موضع خاص بهم. 13. والبعض خضراء كلها إلا قليل من طرفها. 14. والبعض يابسة كلها إلا القليل من طرفها المشقق ولهؤلاء مكان خاص بهم. 15. والبعض يابسة كلها إلا القليل من طرفها المخضر لهؤلاء مكان خاص بهم. 16. والبعض خضراء كلها كما تسلموها من الملاك وكان الملاك يفرح لذلك فرحًا عظيمًا ولهؤلاء مكان خاص بهم أيضًا. 17. والبعض خضراء كلها وقد أفرعت ولهؤلاء مكان خاص وكانت هذه الأغصان كأنها مثمرة وكانت تفرح الرجال الذين قدموا مثل هذه الأغصان اليانعة. إن منظرهم كان يبعث الفرح في الملاك والسرور العظيم في قلب الراعي.
2- 1. أمر الملاك أن تحمل كل الأكاليل فجيء بها وظهرت كأنها مصنوعة من أغصان النخيل وقد كان نصيب الذين قدموا أغصانهم اليانعة المثمرة أكاليل على رؤوسهم ودخولهم إلى البرج. 2. ونصيب الذين قدموا أغصانهم اليانعة بدون ثمر أرسلهم إلى البرج بعد ختمهم بخاتم. 3. الذين كانوا يرسلون إلى البرج كانوا يلبسون ثيابًا بيضاء كالثلج. 4. الذين سلموا أغصانهم خضراء كما استلموها ادخلوا إلى البرج بعد أن أعطاهم ثيابًا وختمًا. 5. قال الملاك للراعي: ها أنا ذاهب وعليك أن تختار لهم كل حسب استحقاقه ولا تدخل أحدًا قبل أن تفحص أغصانهم فحصًا دقيقًا. فتشهم تفتيشًا دقيقًا، لا تدع أحد يفلت منك. إذا قلت أحد فإني أحد فإني سأتحقق ذلك فوق المذبح. بعد أن تلفظ الملاك بهذه الكلمات غادر المكان. 6. عندما ذهب الملاك قال لي الراعي: لنأخذن الأغصان من الرجال جميعًا ولنزرعها في الأرض فلعل الحياة تعود إلى بعضها. 7. لأنها إذا غرست في الأرض حظيت بنوع من الرطوبة فإن الحياة تعود إلى أكثرها. علينا أن نسقيها. فمن دواعي سرورنا أن تعود الحياة إلى بعضها. أما إذا جازت الأمور عكس ما أتمنى فلن أتهم بالإهمال والتقصير. 8. أمرني الملاك بدعوة جميع البشر وفقًا لترتيبهم فدعوتهم فجاءوا جماعات جماعات يقدمون أغصانهم للراعي فأخذ الراعي الأغصان وغرسها مجموعات في الأرض وسقاها حتى غمرتها المياة. 9. ثم قال لي: هيا بنا وسنعودبعد أيام لفحص الأقسام كلها لأن الخالق يريد الحياة لكل من تسلم غصنًا من هذه الأغصان. أرجو أن تعود الحياة لكل غصن من الأغصان اليابسة التي غمرتها المياة
3- 1. قلت للراعي: قل لي يا سيد ماذا تمثل الصفصافة؟ إني مندهش وحائر كيف بقيت على حالها وقد قُطع منها ما قطع. 2. فقال لي: هذه الشجرة العظيمة التي تغطي السهول والجبال وكل الأرض هي ناموس الرب الذي أعطي لكل البشر. الناموس هذا هو ابن الله الذي أُعلن عنه في كل الأرض. أما الشعوب التي ستظل فهم الذين سمعوا البشارة وآمنوا بها عند إعلانها. أما الملاك العظيم المُمجد ميخائيل الذي له سلطان على الشعوب ويحكمهم فهو الذي يعطي الناموس ويضعه في قلوب المؤمنين. إنه يزور أولئك الذين أعطاهم هذا الناموس ليتأكد من محافظتهم عليه. 4. إنك ترى كل غصن من الأغصان التي أُعطيت لكل فرد، هذه الأغصان تمثل الناموس. انظر إن بعضها لا يصلح لأي شيء. بهذه الطريقة يتعرف الملاك على الذين لم يحافظوا على الناموس ويعرف المكان الذي يستحقونه. 5. قلت لماذا يا سيد أدخل الملاك البعض إلى البرج وترك لك الباقي؟ قال الرعي: لقد ترك لي الملاك كل الذين حادوا عن الناموس ويمكنهم أن يتوبوا، أما الذين حافظوا على الناموس وطبقوه فبقوا تحت مشيئته. 6. قلت من هم الذين نالوا الأكاليل ودخلوا البرج؟ قال الراعي: الذين صارعوا الشيطان وغلبوه. والذين تحملوا الموت من أجل الناموس هم الذين نالوا الأكاليل. 7. أما الذين جاءوا بأغصانهم خضراء مفرعة بدون ثمار هؤلاء طبقوا الناموس وتحملوا عذابات وإضطهادات ولم ينكروا المسيح. 8. الذين أعادوا أغصانهم كما تسلموها خضراء هم القديسون الأبرار، الذين عاشوا في نقاوة قلبية كلية وحافظوا بأمانة على ناموس السيد. ستعرف على الآخرين بعد أن نفحص الأغصان التي زرعتها في الأرض ورويتها.
4- 1. بعد أيام رجعنا إلى حيث كنا وجلس الراعي حيث كان يجلس الملاك ووقفت جانبه فقال لي: أئتزر وأعني فأتزرت مئزرًا نظيفًا مصنوعًا من كيس. 2. وعندما رآني مستعدًا لخدمته قال لي: أدع لي الرجال الذين غرست أغصانهم في الأرض بحسب ترتيب تسلمهم لأغصانهم فذهبت إلى السهل ودعوتهم فجاءوا مصطفين كل مع جماعته. 3. فقال لهم الراعي: فليقتلع كل واحد منكم غصنه وليحمله إليَّ. 4. وكان أول من حضر أولئك الذين يبست أغصانهم ولم تتكسر وقد سلم بعض هؤلاء أغصانهم وقد عادت إليها الخضرة والبعض الآخر سلمها يابسة أكلها السوس. فأقام الراعي أولئك الذين عادت الخضرة إلى أغصانهم في مكان، والذين بقيت أغصانهم يابسة وأكلها السوس في مكان آخر مع الذين قدموا إليه أغصانهم يابسة ومسكرة. 6. ثم جاء دور الذين كانت أغصانهم نصف خضراء ويابسة ومشققة. العدد الأكبر من هؤلاء عاد بأغصان كلها خضراء وغير مشققة أما العدد الباقي فعاد بها خضراء فيها براعم وفوق هذه البراعم ثمر تشبه أغصان الذين دخلوا إلى البرج مكللين والبعض الآخر سلمها يابسة ومتآكلة والبعض يابسة وغير متآكلة والبعض نصف يابسة ومشققة كما كانت سابقًا فوضع كل فئة في المكان اللائق بها ومنهم من أبقاهم في مجموعتهم ومنهم من نقلهم إلى مجموعة أخرى.
5- 1. ثم جاء دور من كانت أغصانهم حضراء إلا أنها مشققة فلمسوها خضراء كلها واتخذوا مكانهم في الجماعة التي تشبههم وقد خرج الراعي فرحًا بهؤلاء الأشخاص الذين تحولوا وأمحت الشقوق من أغصانهم. 2. ثم تقدم أولئك الذين كانت أغصانهم نصف يابسة ونصف خضراء فقدم بعضهم أغصانهم خضراء كلها وبعضهم نصف يابسة وبعضهم يابسة كلها ومتآكلة والبعض الآخر خضراء كلها وقد نبتت فيها فروع جديدة فأرسلت كل فئة إلى المكان المعد لها. 3. ثم جاء دور من كانت أغصانهم خضراء بثلثيها ويابسة بثلثيها الآخر. الكثيرون سلموها نصف يابسة ومشققة وقليل منهم سلمها خضراء كلها فأرسل كل حسب استحقاقه إلى المكان اللائق به. 4. ثم جاء دور الذين كانت أغصانهم خضراء وقد نبتت فيها أغصان جديد وفوق هذه الأغصان ثمار. والبعض سلمها فقط خضراء فسر الراعي لأنه وجد هذه الأغصان على هذه الحال وذهب الرجال ليتحلوا المراكز التي تليق بهم.
6- 1. عندما أنهى الراعي فحص كل الأغصان قال لي: لقد أريتك هذه الشجرة المحبة للحياة أرأيت كم هم التائبون والمخلصون؟ قلت إني أرى يا سيد. قال الراعي: إن الله أعطى روح التوبة لمستحقيها حتى تدرك عظمة رحمته. 2. قلت: لمتاذا لم يتب الجميع؟ قال: إن الله يعطي روح التوبة للقلوب التي يجب أن تتنقى وتتطهر أما القلوب التي يملؤها الخبث فإن توبتها تكون توبة مرائية ولن يعطيها روح التوبة لئلا تهين اسمه. 3. قلت للراعي: قل لي يا سيد ماذا يمثل الذين سلموا إليك الأغصان وماذا تعني الأماكن التي خصصت لهم حتى إذا ما سمع الذين آمنوا والذين ختموا بالختم وشوهوا الختم ولم يحافظوا محافظة صحيحة يندمون عندما يعرفون ويأخذون منك الختم ويمجدون الله لأنه رأف بهم فأرسلك لتجدد روحهم. 4. قال: اسمه. يمثل الذين سلموا أغصانهم يابسة وقد أكلها السوس والعصاة الذين خانوا الكنيسة وشتموا الرب بخطاياهم وخجلوا من حمل اسمه. هؤلاء في النهاية سيهلكهم الله. انظر إنه لم يتب أحد من هؤلاء مع أنهم سمعوا الكلام الذي أمرتك أن تخاطبهم به وهؤلاء غادرتهم الحياة. 5. أما الذين سلموا أغصانهم يابسة ولم ينخرها السوس. هؤلاء يشبهون الأول. إنهم مراؤون يحملون تعاليم غريبة ويضللون عبيد الله وخصوصًا الخطأة. إنهم لا يتركونهم يتوبون ويعملون لإقناعهم بتعاليمهم البطالة السطحية مع أن مجال التوبة مفتوح أمام هؤلاء. 6. إنك ترى الكثيرين ممن تابوا بعد أن سمعوا كلام وصاياي وسيتوبون. أما الذين لم يقبلوا التوبة فهؤلاء قد خسروا حياتهم، وأما الذين تابوا فقد صاروا من الأبرار وصار مكانهم في الجدار الأول وبعضهم صعد إلى البرج. أرأيت أن الحياة في التوبة وأن الموت في عدم التوبة؟
7- 1. إليك ما يتعلق بالذين حملوا أغصانهم نصف يابسة وغير مشققة هؤلاء هم المترددون. هؤلاء لا هم بأحياء ولا بأموات. 2. أما الذين يحملون أغصانهم نصف يابسة ومشققة فهم المترددون والنمامون الذين لا يعرفوا سلامًا في قلوبهم ويكونون في صراع دائم مع نفوسهم إلا أنهم قد يتوبون. إن بعضهم قد تاب كما ترى وهناك رجاء بتوبة الآخرين. 3. الذين تابوا حصلوا على مكان في البرج والذين سيتوبون سيجدون لهم في جدرانه مكانًا. أما الذين لا يتوبون فموتًا يموتون. 4. الذين سلموا أغصانهم خضراءً مشققةً هم من المؤمنين الذين ستحاسدون على مراكز المجد الأولية. 5. لقد نقوا نفوسهم عندما سمعوا كلامي وصاروا من الصالحين وتابوا سريعًا وقد استوطنوا البرج. من عاد إلى روح الشقاق يطرد من البرج ويخسر حياته. 6. الحياة هي ميزة من يحفظ وصايا الله ولا تكون الحياة في الكراسي والمجد بل في الرجل الطويل الأناة المتواضع. في هؤلاء تقطن حياة الرب أما الموت فيقطن في قلب المحب لشقاقات والاثم.
8- 1. الذين سلموا أغصانهم نصف خضراء ونصف يابسة هم المنغمسون في المهام الدنيوية، الذين لا يلتصقون بالمقدسات لذلك ترى نصفهم يابسًا ونصفهم حيًا 2. لقد تاب العدد الأكبر منهم عندما سمعوا وصاياي فقبلوا جميعًا في البرج وتمرد قسم منهم ولم تعد توبتهم ممكنة لأنهم أهانوا بأعمالهم اسم الرب وأنكروه. إن جبنهم أفقدهم حياتهم. 3. وبقي قسم منهم مترددًا وبقي باب التوبة مفتوحًا أمامهم إذا بقي المجال للتوبة قائمًا. أما إذا تأخروا وتابوا تكون الجدران موطنهم، ويموتون إذا هم بقوا بدون توبة. 4. الذين سلموا أغصانهم خضراء بثلثيها الباقي فهم الذين أنكروا إيمانهم في حالات مختلفة. 5. كثير منهم تاب واستوطن البرج ومنهم من ترك الرب فخسروا الحياة كليًا، ومنهم من سقط في التردد والشك وهؤلاء يستطيعون أن يتوبوا بشرط أن يسرعوا تاركين شهواتهم، أما إذا استمروا فيها فالموت سيعمل فيهم.
9- 1. الذين سلموا أغصانهم يابسة بثلثيها وخضراء بثلثها الباقي هم الذين آمنوا وصاروا عظماءً وأغنياءً في الأمم وتكبروا وانتفخوا وتركوا الحقيقة ولم يلتصقوا بالقديسيين بل عاشوا مع الأمم واستعذبوا هذه الطريق إلا أنهم لم يحيدوا عن طريق الله وبقوا في الإيمان لا يعملون عمل الإيمان. 2. كثير منهم تاب وصار البرج موطنهم. 3. والبعض بقوا بين الأمم قانعين بالأباطيل وابتعدوا عن الله يعملون عمل الأمم ويفعلون أفعالهم واعتبروا من الأمم، البعض ترددوا لأنهم فقدوا الرجاء بالخلاص بسبب الأعمال التي عملوها والبعض ترددوا وسببوا الشقاقات فيما بينهم هؤلاء يمكنهم أن يتوبوا بشرط أن يسرعوا حتى يتمكنوا من دخول البرج أما إذا لم يتوبوا واستمروا في غيهم فالموت منهم قريب.
10- 1. الذين سلموا أغصانهم خضراء إلا أن أطرافهم يابسة هم المؤمنون الصالحون المُمجدون عند الله وأخطأوا بسبب رغبة بسيطة فيما بينهم فتابوا فور سماعهم كلامي فاستوطنوا البرج. 2. أولئك الذين ترددوا في توبتهم وسببوا شقاقات فالتوبة تبقى قائمة بالنسبة لهم لأنهم كانوا دائمًا صالحين. 3. الذين سلموا أغصانهم يابسة إلا من أطرافها هم المؤمنون الذين يعملون الاثم بيد أنهم لم يحيدوا عن طريق الرب وبقوا يفاخرون باسمه ويستقبلون عبيد الله في بيوتهم فرحين. 4. بعضهم تابوا عندما سمعوا صوت الرب وفعلوا كل فضيلة وعدالة وتألموا متلذذين لمعرفتهم الأعمال التي قاموا بها. البرج هو موطن هؤلاء.
11- 1. بعد أن أنهى الراعي تفسير معاني الأغصان كلها قال لي: أذهب وقل لجميع الخطاة أن توبوا ليحيوا في الله لأن الرب لرأفته بالجميع يوزع التوبة على الجميع حتى لو كان البعض لا يستحقونها بسبب أعمالهم فالله طويل الأناة يريد أن يحقق دعوة ابنه للخلاص. 2. قلت له: أرجو أن يتوب الجميع بعد سماعم ما سمعوا. إني واثق أن كل واحد سيخاف ويتوب بعد معرفته ووعيه ما عمل. 2. قلت له: أرجو أن يتوب الجميع بعد سماعهم ما سمعوا. إني واثق أن كل واحد سيخاف ويتوب بعد معرفته ووعيه ما عمل. 3. فأجابني الراعي: كل من يتوب قلبيًا وينقي ذاته من الخطايا التي سبق وأشرت إليها ويبتعد عن فعل الخطيئة ينال الشفاء من الرب ويحيا في الله إذا طبق وصاياه بدون تردد. أما الذين يضاعفون خطاياهم ويتسمرون في شهواتهم فسيحكم عليهم بالموت. 4. أما أنت فسر حسب الوصايا فتحيا لله وسيحيا أيضًا كل من عمل الصدق وسلك طريق الوصايا في الله. 5. هذا ما كشف لي عنه الراعي وقال أنه سيكشف لي ما تبقى.
المثل التاسع
1- 1. بعد أن كتبت وصايا وأمثال الراعي جاء ملاك التوبة وقال لي: أريد أن أريك كل ما أراك الروح القدس الذي خاطبك تحت شكل الكنيسة. هذا الروح هو ابن الله. 2. بما أنك كنت ضعيف الجسد لم يوح إليك بواسطة الملاك. ولكن عندما تقويت روحيًا وأصبحت مقتدرًا وباستطاعتك رؤية الملاك ظهر لك الملاك آنذاك وأراك البرج عن طريق الكنيسة التي ظهرت لك بشكل عذراء ذات هيئة بهية مؤثرة أما الآن فالروح يريك بواسطة الملاك ويوحي إليك. 3. لذلك يجب أن تتعلم مني كل هذه الأسرار بصورة دقيقة. اذا كان الملاك المعظم قد أرسلني لأسكن في بيتك فما ذلك إلا لتتأمل كل هذه الرؤى بصفاء روحي كامل لا بالخوف والرعب كما كنت تفعل سابقًا. 4. قادني الراعي إلى جبل أركاديا إلى جبل لولبي وأجلسني فوق القمة وأراني سهلًا عظيمًا تحيطه دائرة من اثنى عشر جيلًا ولكل جيل شكل خاص به. 5. كان الأول أسود والثاني عاريًا لا عشب فيه والثالث مليئًا بالأشواك والعليق. 6. والرابع نصف معشوشب وكانت رؤوس الأعشاب خضراء والقسم القريب من الجذور يابسًا وكانت الحرارة تيبس بعض الأعشاب 7. والخامس معشبًا ووعرًا، والسادس مليئًا بالحفر، بعضها صغير وبعضها كبير، وكان في الحفر عشب لم يكن نضرًا بل ذابلًا. 8. والسابع مليئًا بالأعشاب والنضرة وكان بهيًا وأنواع الحيوانات ترعى فيه والأعشاب تزداد نضارة كلما رعته. والثامن مليئًا بالينابيع ومخلوقات الله على مختلف أنواعها تشرب منها. 9. والتاسع بدون ماء مقفرًا وفيه زحافات مميتة تفسد البشر. والعاشر فيه أشجار كبيرة وكانت قطعان الأغنام تستظل تحت ظلالها. 10. والحادي عشر مغطى بغابة كثيفة من الأشجار المثمرة من مختلف الأنواع. يكفي أن ترى هذه الأشجار حتى تشتهي أن تأكل منها. والثاني عشر جبلًا أبيض ومنظره يبعث إلى النفس السرور والعذوبة.
2- 1. أراني الراعي أيضًا صخرة بيضاء كانت تقوم مرتفعة في وسط السهل وكانت الصخرة أعلى من الجبال ومربعة تستطيع أن تسع كل العالم 2. كانت الصخرة قديمة وبابها محفور في أحد جوانبها وقد ظهر لي الباب محفورًا حفرًا حديثًا. كانت الصخرة أكثر لمعانًا من الشمس حتى أن أشعتها أثارت إعجابي. 3. كانت حول الباب اثنتا عشرة عذراء. أربعة منهم، وهي أجملهم، كن يقمن عند الزوايا أما الباقيات فكن يقفن بين كل زاويتين، اثنتين اثنتين. 4. وكن يلبسن لباسًا من الكتاب ويأتزرن مآزر جميلة وكانت أكتفهم اليمنى عارية كأنها أُعدت لحمل شيء ما وكن يقفن مستعدات فرحات. 5. بعد أن أراني كل هذا استولى عليَّ عجب صامت، فالمشهد كان مثيرًا ورائعًا وقد استولت على داخلي حيرة أمام رؤيتي للعذارى النعمات اللواتي وقفن بنعومتهن وقفة رجولية كأنهم يتهيأن ليحملن السماء كلها. 6. فقال الراعي: ماذا خطر ببالك ولماذا تحتار وتفكر أفكارًا مزعجة؟ لا تزعج نفسك بأمور لا تستطيع فهمها. اسأل الرب فيعطيك الوعي وتدرك كل ما ليس بامكانك إدراكه. 7. إنك لا ترى ما يقع وراء ظهرك بل إنك ترى فقط ما هو أمامك. لا تعذب نفسك حاول فقط أن تفهم ما تراه ودع الباقي جانبًا. سأفسر لك كل ما تبقى
3- 1. رأيت ستة رجال مقبلين بقاماتهم الطويلة ومشيتهم الرصينة وهيئتهم المتشابهة وقد استدعوا عددًا من الناس وهؤلاء أيضًا كانوا طوال القامة مشرقي الطلعة أقوياء وقد أمرهم الستة أن يبنوا فوق الصخرة وفوق الباب برجًا وكان ضجيج الرجال الذين جاءوا لبناء البرج ضجيجًا عظيمًا وكانوا يركضون هنا وهناك حول الباب. 2. وكانت العذارى اللواتي حول الباب يقلن للرجال أن اسرعوا في بناء البرج وكن يمددن أيديهم كأنهم يردن أن يستلمن شيئًا. 3. أما الرجال الستة فقد أمروا الباقين أن يقتلعوا من الأعماق خجرًا ويذهبوا به لبناء البرج فاقتلعوا عشرة أحجار مربعة براقة غير منحوتة. 4. كما أمروا العذارى اللواتي كن حول الباب أن يستلموا كل الحجارة المعدة لبناء البرج ويحملوها ويدخلوها من الباب ويسلموها إلى الرجال الذين أوكل إليهم أمر بناء البرج. 5. استلمت العذارى الحجارة العشرة التي استخرجت من أعماق البحر وتساندن جميعًا وتعاون على حمل الحجارة حجرًا حجرًا.
4- 1. حافظت العذارى وهن ينقلن الحجارة على الترتيب الذي كن فيه حول الباب. العذارى اللواتي كن عند زوايا الباب حملن الزوايا أما الباقيات فكن في الوسط حسب ترتيبهن السابق حول الباب وهكذا نقلن الحجارة كلها إلى داخل البرج كما أمرن وسلمنها للبنائين وكان البناؤون يبنون بالحجارة التي كانت تسلم لهم. 2. وكان بناء البرج يتم فوق الصخرة وفوق الباب وقد غطت الحجارة كلها بتلاحمها كل الصخرة التي صارت أساسًا للبرج وقد حملت الصخرة والبرج والباب. 3. بعد الحجار العشرة استخرج من الأعماق خمسة وعشرون حجرًا دخلت في البناء ودخلت إلى البرج كما دخلت الأحجار الأول. ثم استخرج خمسة وثلاثون ضمت أيضًا إلى البناء ثم استخرج أربعون واستخدمت في بناء البرج. لقد أصبح أساس البرج مؤلفا من أربعة صفوفٍ. 4. توقف استخراج الحجارة من الأعماق وتوقف البناؤون قليلًا عن البناء. ثم أمر الرجال الستة جموع الفعلة بجل الحجارة للبناء من الجبال. 5. فانطلقوا يحملون حجارة مختلفة الألوان وكانوا ينحتونها ويقدمونها إلى العذارى وهؤلاء كن ينقلنها داخل البرج عن طريق الباب ويسلمنها إلى البنائين. وعندما أخذت الحجارة ذات الألوان المختلفة مكانها في البرج تشابهت كلها وصارت بيضاء وفقدت ألوانها المختلفة وتنوعها وسط هذا الانسجام. 6. إلا أن بعض الحجارة التي نقلها الفعلة فورًا إلى البنائين بقيت كما كانت خالية من أي لمعان. الحجارة التي لم تدخلها العذارى من الباب شوهت تناسق البرج. 7. وعندما رأى الرجال الستة ما أحدثته هذه الحجارة من تشويه أمروا برفعها من البرج وبارجاعها إلى المكان الذي أخذت منه. 8. وقالوا للفعلة الذين ينقلون الحجارة لا تحملوا أنتم الحجارة للبنائين بل القوها عند البرج والعذارى هن اللواتي سينقلن ذلك للبنائين لأنها إذا لم تنقل إلى داخل البرج على أيدي العذارى عن طريق الباب فإنها لن تغير لونها. لا تتعبوا باطلًا.
5- 1. في ذلك اليوم توقف البناء. قبل أن ينتهي البرج لا بد من العودة إلى البناء الذي توقف. أمر الرجال الستة الفعلة بالانسحاب ليستريحوا قليلًا أما العذارى فقد أمرهم الرجال أن يبقوا في مكانهن. وقد بدا لي أن بقاء العذارى في مكانهن كان لحماية البرج. 2. عندما انسحب الفعلة من العمل قلت للراعي: لماذا لم ينهِ الفعلة البرج؟ فأجابني الراعي: إنهم لا يستطيعون اتمامه ما دام سيده لم يأتِ بعد لفحص البناء ولطرح كل حجر لا يراه صالحًا، فالبرج يبني وفق ارادته. 3. قلت للراعي: أريد أن أعرف ما يعنيه هذا البرج والصخرة والباب والجبال والعذارى والحجارة التي استخرجت من أعماق المياه ولم تنحت بل أدخلت كما هي. 4. لماذا وضعت الأحجار العشر في الأساس ثم الخمس والعشرون ثم الخمس والثلاثون فالأربعون؟ ماذا تمثل هذه الحجارة التي وضعت في البناء ثم أُعيدت إلى حيث كانت؟ أرجوك يا سيد أن تفسر لي كل ذلك فتريحني. 5. إذا لم يكن البطل يثيرك فإنك سعرف كل شيء. بعد أيام سنعود إلى هنا وسترى الحوادث التي سيكون مسرحها البرج وستدرك معنى كل هذه الرموز ادراكًا كاملًا. 6. بعد أيام قليلة عدنا إلى المكان ذاته حيث كنّا جالسين فقال لي الراعي: هيا بنا لنذهب إلى البرج لأن سيده سيأتي لفحصه ولم يكن هناك غير العذارى. 7. سألهن الراعي إذا كانت سيد البرج قد أتى فأجبن إنه على وشك القدوم لفحص البناء.
6- 1. بعد مُضي وقت قليل رأيت جمعًا من الرجال يتقدمون وكان وسطهم رجل كان طوله يفوق علو البرج. 2. وكان الرجال الستة الذين كانوا في البرج يرافقونه منهم عن اليمين ومنهم عن اليسار مع عمال البرج وكان عدد من الرجال العظام يحيطون به. أما العذارى اللواتي كُن عند الباب فقد أسرعن للقائه فقبلنه وأخذن يسرن بالقرب منه. وهو يطول حول البرج. 3. ففحصه حجرًا حجرًا. وكان يحمل عصى يضرب فيها كل حجر من أحجار البرج. 4. وكانت بعض الأحجار تظهر سوداء تحت ضربات العُصي ومشققة وبعضها لا سوداء ولا بيضاء وبعضها مبتور وبعضها مضلعة لا تشابه الحجارة الأخرى وبعضها ملخطة غير صالحة للبناء. 5. فأمر السيد أن تنزع هذه الحجارة من البرج وتوضع تحت أقدام البرج وأن يؤتى بحجارة معدة لتحل محل الحجارة المنزوعة. 6. لم يأمر أن يؤتى بالحجارة من الجبل بل من سهل قريب. 7. فانشق السهل وظهرت حجارة براقة مربعة وكان بعضها مستديرًا. جيء بكل الحجارة التي كانت في ذلك السهل وحملتها العذارى. 8. وقد نحتت الحجارة المربعة ووضعت في المكان الذي نزعت منه الحجارة المرفوضة، أما الحجارة المستديرة فلم توضع في البناء لأنها كانت صلدة وصعبة والنحت ويحتاج نحتها وقتًا طويلًا بل وضعت عند أقام البرج لتنحت فيما بعد وتوضع في البناء وكان شديدة اللمعان.
7- 1. بعد أن أتم الرجل العظيم وسيد كل البرج كل هذا استدعى الراعي وسلمه كل الحجارة الكائنة تحت أقدام البرج وقال له. 2. نق هذه الحجرة تنقية جيدة وأضفها إلى البرج. أما التي لا توافق فالقها بعيدًا عنه. 3. أمر الراعي ثم ترك المكان مع من جاء معه وبقيت العذارى حول الباب لتحميه. 4. قلت للراعي: كيف يمكن أن تصلح هذه الحجارة للبناء بعد أن أُلقيت كحجارة غير صالحة؟ فأجابني: أترى هذه الحجارة؟ قلت: نعم يا سيد. قال: إني سأنحتها وسأدخلها في البناء وستنسجم كليًا مع حجارة البرج. 5. قلت كيف يمكن لهذه الحجارة بعد صقلها أن تملأ مكانًا كالمكان السابق؟ أجاب: الحجارة التي نجدها صغيرة نضعها في الجدار الداخلي أما الحجارة الكبيرة فتوضع في الجدار الخارجي فتمسك بالحجارة الداخلية 6. بعد هذا الجواب تابع الراعي وقال: هيا بنا وسنعود إلى هنا بعد يومين لتنقية الحجارة لوضعها في البرج لأن كل جوار البرج يجب أن ينظف خوفًا من أن يأتي السيد فجأة فيجده وسخًا فيغضب وفي هذه الحالة لن تدخل هذه الحجارة إلى البرج وسأكون مُقصرًا في نظر المعلم. 7. بعد يومين رجعنا إلى البرج فقال لي الراعي: لنفحص كل الأحجار ولنرَ الصالح منها للبناء. قلت: فلنفحص يا سيد.
8- 1. ابتدأنا بفحص الأحجار السوداء فوجدناها كما كانت عندما نزعت من البرج فأمر الراعي أن تبعد وتوضح في مكان على حدة. 2. ثم فحص الحجارة المغبرة فنحت عددًا كبيرًا منها وأمر العذارى فحملتها إلى داخل الجدران أما ما تبقى فأمر أن توضع مع الحجارة السوداء لأنها كانت سوداء. 3. ثم فحص الحجارة المشققة فنحت أكثرها وأمر العذارى بادخالها إلى البرج وقد وضعت في القسم الخارجي منه لأنها كانت سليمة. أما ما تبقى فد كانت صعبة النحت لكثرة ما يها من الشقوق فاعتبرت غير صالحة للبناء. 4. ثم ما فيها من الشقوق فاعتبرت غير صالحة للبناء. 4. ثم جاء دور الحجارة المبتورة فوجد أن الكثير منها كان قد اسود وبعضها قد تشقق فأمر أن توضح في المكان الذين وضعت فيه الحجارة المرفوضة. أما ما تبقى فقد نقلتها العذارى، بعد أن نقاها الراعي إلى البناء الداخلي من جدران البرج لأنها لم تكن صلدة. 5. ثم فحص الراعي الحجارة نصف البيضاء ونصف السوداء فوجد أن القسم الأكبر منها قد أسود كله فأمر بوضعها مع الأحجار المرفوضة. أما ما تبقى فقد حملته العذارى بأيديهن ووضعنه في داخل البرج لأنه كان كله أبيض، وضعنه في الجدران الخارجية لأن الحجارة كانت سليمة تستطيع أن تمسك بالحجارة التي في الوسط ولم تبتر واحدة منها. 6. ثم فحص الراعي الحجارة القاسية الصلدة. القليل منها وضع مع الحجارة المرفوضة لعدم امكان نحتها بسبب قساوتها الشديدة والبعض نحت ووضع بأيدي العذارى داخل البرج لأنها كانت ضعيفة. 7. ثم فحص الراعي الحجارة الملطخة فرفض القسم القليل منها لأنها اسودت أما ما تبقى فكان يلمع ولم يصب بأذى وقد وضعت في القسم الخارجي من البرج بسبب متانتها.
9- 1. ثم أخذ الراعي يفحص الحجارة البيضاء الكروية وقال لي: ماذا يجب أن نفعل بهذه الحجارة؟ قلت: إني لي أن أعرف يا سيد. قال: ألا تعرف شيئًا؟ 2. قلت أنا لست بنحات للحجارة وأجهل هذا الفن جهلًا تامًا. ألا ترى أن هذه الحجارة مستديرة جدًا وسيقطع منها الكثير إذا أردنا جعلها غير مستديرة؟ ضروري جدًا أن يكون بعضها في البناء. 3. قلت: لماذا تتعب نفسك أيها السيد؟ إذا كان ضروري أن يكون بعضها في البناء فاختر للبناء الحجارة اللامعة. فأختار الصالح منها فأخذتهن العذارى ووضعنها في القسم الخارجي من البرج. 4. وما تبقى حمل إلى السهل حيث كانت أولًا ووضعت كاحتياط ولم ترفض وقد قال الراعي: ينقص البرج شيء والسيد يريد أن تدخل الحجارة إلى البرج للمعانها الخارق. 5. فدعيت اثنتا عشرة امرأة من الجميلات الخلق لابسات ألبسة سوداء عاريات الأكتاف محلولات الشعور وقد شعرن أنهن متوحشات فأمرهن الراعي أن يحملن الأحجار المرفوضة من البرج ويرجعنها إلى الجبل من حيث قطعت. 6. وبعد أن رفعت كل الأحجار من حول البرج ولم يبقَ شيء قط قال الراعي: هيا بنا لنطوف حول البرج لنرى إذا كان هناك أي نقص. فطفت معه حول البرج. 7. عندما رأينا روعة البناء امتلأ الراعي سرورًا. في الواقع كان منظر البرج رائعًا يملأ النفس برغبة سكناه، كان كأنه حجر واحد لا ترى فيه شقًا فكأنه قطع من صخرة واحدة أو كأنه الصخرة ذاتها.
10- 1. كنت أسير معه وكان السرور يملأني. قال الراعي: اذهب واحمل لي كلسًا وأصدافًا لكي تستبدل الحجارة المشوهة في البناء، فمن الضروري أن يكون محيط البرج في لحمة كاملة. 2. ففعلت كما أمرني وحملت له ما أراد فقال لي الراعي: أعني حتى ننهي العمل سريعًا. فسدّ الراعي الثقوب في البرج ورتب أشكال الحجارة الموضوعة في البناء ثم أمر بتنظيف ما حول البرج. 3. فأخذت العذارى مكانس وكنسوا كل ما حول البرج من أوساخ وغسلوه بالماء فصار المكان لماعًا. 4. فقال لي الراعي: لقد صار الآن كل شيء نظيفًا. إذا جاء المعلم ليفتش البرج فإنه لن على شيء يدعو إلى التوبيخ. 5. عندما انتهى من كلامه أراد أن يرحل فأمسكته بجرابه واستحلفته بالرب ليفسر لي ما رأيته. فقال لي: إني مشغول الآن وسأفسر لك ذلك فيما بعد. انتظر عودتي. 6. قلت له: ما هو عملي يا سيد هنا؟ إني وحيد. قال: إنك لست وحدك ما دامت العذارى هنا. قلت: عرفهن بي على الأقل. فدعاهن الراعي وقال لهن إني اسلمكن هذا الرجل كأمانة حتى عودتي. 7. بعد أن قال هذا ذهب وبقيت وحيدًا مع العذارى. سرت العذارى بي وأظهرن كل لطفٍ، خصوصًا العذارى الأربع الكبريات.
11- 1. قالت لي العذارى: إن الراعي لن يعود اليوم إلى هنا. قلت: ماذا سأفعل. انتظر حتى المساء لأنه سيعود ليتفاهم معك وإذا لم يأتِ فستبقى معنا حتى عودته. 2. قلت: إني سأنتظره حتى المساء فإذا لم يعد فإني سأذهب إلى بيتي لأعود في اليوم الثاني. إنك أمانة في ايدينا، إنك لا تستطيع أن تغادر المكان. 3. أين سأبقى؟ ستبقى معنا لا كزوج بل كأخ. سنقطن معك لأننا نحبك كثيرًا. استولى علي الخجر عندما سمعت بأنهن سيقطن معي. 4. اخذت الأولى منهن تغمرني بقبلاتها. عندما رأت الباقيات ما فعلته الأولى اخذن هن بدورهن يغمرنني بقبلاتهن ويطوفن بي حول البرج ويداعبنني. 5. شعرت أن الشباب قد عاودني فاشتركت معهن بالعابهن فرقص البعض وشدا البعض وعزف البعض الآخر وكنت أنا صامتًا أدور معهن حول البرج وأشاركهن أفراحهن. 6. عندما أقبل المساء أحببت أن أعود إلى بيتي فلم يتركنني واحتفظن بي فبقيت ونمت تحت أقدام البرج. 7. فرشت العذارى أوشحة من كتان وجعلتني في وسطهن ولم يفعلن شيئًا غير الصلاة وكنت أصلي معهن بدون انقطاع ولم أكن بأقل منهن صلاة وقد فرحت العذارى إذ رأونني أصلي. بقيت هناك مع العذارى حتى اليوم الثاني وحتى الساعة الثانية. 8. ثم حضر الراعي وقال للعذارى: ألم تسئن إليه بشيء؟ فقلن: اسأله. فقلت: كنت مسرورًا ببقائي معهن. ماذا كان عشاؤك؟ تعشيت يا سيد طوال الليل من كلام الرب. فقال أعاملتك العذارى معاملة صالحة؟ قلت: نعم يا سيد 9. قال من أين تريد أن ابدأ لأفسر لك. قلت: فسر لي الأمور حسب سؤالاتي. قال إني سأوضح لك كل ما تريده ولن أخفي عنك شيئًا.
12- 1. قل لي أولًا ما معنى الصخرة والباب؟ قال الراعي: إن الصخرة والباب هما ابن الله. قلت: كيف ذلك يا سيد فالصخرة قديمة والباب جديد؟ قال: اسمع وافهم أيها الفاقد الفهم. 2. إن ابن الله هو قبل كل الخليقة وكام مستشار ابيه في عمل الخليقة لذلك هو عتيق. قلت لماذا أرى الباب جديدًا؟. 3. لأن ابن الله ظهر في الأيام الأخيرة من انتهاء العالم وقد عمل ليدخل معه إلى الملكوت السماوي الذين يخلصون. 4. قال الراعي: ألاحظت كيف أن الحجارة التي دخلت من الباب قد قبلت في البناء بينما رفضت كل الحجارة التي لم تدخل منه حيث أتت. قلت: نعم يا سيد. قال الراعي: لن يدخل إلى الملكوت السماوي إلا الذين حملوا اسم ابنه. 5. أيمكنك أن تدخل إلى مدينة مسورة لها مدخل واحد من مدخل آخر؟ قلت: لا. قال الراعي: لا يمكن لأحد أن يدخل إلى الملكوت السماوي إلا من الباب الذي هو يسوع المسيح ابن الله الحبيب. 6. أرأيت الجماعة التي تشتغل في بناء البرج؟ قلت: نعم يا سيد. قال: هؤلاء الفعلة هم الملائكة المجيدون. رُفع البرج على أيديهم، الباب هو ابن الله، إنه المدخل الوحيد للرب. لا أحد يدخل إليه إلا بابنه. 7. أرأيت الرجال الستة وبينهم هذا الرجل المحاط بالمجد بقامته الفارعة الذين طاف بالبناء ورفض بعض الحجارة؟ قلت: نعم يا سيد. 8. قال: هذا الرجل المتوشح بالمجد هو ابن الله. أما الستة الآخرون فهم الملائكة المجيدون الذين يشكلون حاشيته من عن اليمين ومن عن اليسار. بدونه لا يقترب ملاك واحد من الله. ولن يدخل أحد إلى الملكوت السماوي إلا اذا حمل اسمه.
13- 1. سألت الراعي وقلت: ماذا يمثل البرج أجابني الراعي وقال: البرج هو الكنيسة. 2. قلت: والنسوة؟ قال: إنهم الأرواح المقدسة. لا يمكن لأحد أن يقبل في الملكوت السماوي إلا إذا البسته من ثيابهن الخاصة. إذا أخذت اسم ابن الله فقط بدون أن تقبل من أيدي العذارى ثوبهن فانك لا تستفيد شيئًا لأن العذارى هن فضائل ابن الله. إذا حملت اسم ابن الله بدون أن تكون لديك فضيلته فعبثًا تحمل هذا الاسم. 3. إن الحجارة التي رأيتها ترمى جانبًا هي البشر الذين حملوا اسمه بدون أن يلبسوا ثياب العذارى. قلت: ما هو هذا الثوب؟ قال: إن اسماءهن هي الأثواب فمن حمل اسم المسيح حمل اسماء هؤلاء العذارى لأن ابن الله يحملها بنفسه. 4. كل الحجارة التي قجمتها أيدي العذارى ودخلت في البناء وبقيت فيه تمثل البشر المتشحين بفضيلة العذارى. 5. إنك ترى البرج يشكل وحدة مع الصخرة كذلك أولئك الذين آمنوا بالرب بابنه ولسوا لباس العذارى يشكلون روحًا واحدًا وجسدًا واحدًا. كل الذين يحملون اسماء العذارى سيسكنون البرج. 6. قلت: لماذا رفضت الأحجار مع أنها أدخلت بأيدي العذارى من الباب قبل أن توضع في جدران البرج؟ ما دمت تريد أن تعرف كل شيء وتدقق في كل شيء فأصغ لما سأقوله لك عن الحجارة المرفوقة. 7. تمثل هذه الحجارة البشر الذين قبلوا اسم الله وفضائل العذارى وقد جلبت لهم هذه الأرواح القوة والتصقت بعبيد الله وصارت معهم روحًا واحدًا وجسدًا واحدًا وثوبًا واحدًا وتحدوهم العواطف ذاتها ويفعلون العدل. 8. إلا أنهم وقعوا في مغريات بعض النسوة الجميلات كاللواتي رأيتهن يلبسن السواد محلولات الشعور ومكشوفات الأكتاف. لقد انجذبوا بهن وصاروا معهًا جسدًا واحدًا. 9. فطردوا من بيت الله بعد أن خلعوا ثياب فضيلة العذارى والتصقوا بهؤلاء النسوة أما الذين لم يقعوا بأحابيلهن ظلوا في بيت الله. هذا هو تفسير الحجارة المرفوضة.
14- 1. قلت للراعي: لو تاب هؤلاء البشر وتحرروا من أهوائهن وتركوا هؤلاء النسوة واستوحوا العذارى وفعلوا فعلهن أيدخلهن بيت الله؟ 2. قال الراعي: نعم. إنهم يستطيعون إذا كفروا بأفعال هؤلاء النسوة وعادوا إلى أعمال وروح العذارى، لذلك ترى أن العمل في البرج قد توقف مفسحًا المجال لهؤلاء ليتوبوا ويدخلوا في بناء البرج. أما اذا أهملوا ذلك فإن غيرهم سيأتي ليحل محلهم وسيكون نصيبهم الرفض النهائي. 3. عندما سمعت هذه الكلمة شكرت الله لأنه أشفق على كل من حمل اسم ابن الله وأرسل لنا ملاك التوبة بعد أن أخطأنا وجدد روحنا ومنحنا الحياة بعد أن فقدنا كل رجاء. 4. قلت للراعي: اشرح لي يا سيد لماذا لم يبن البرج على سطح الأرض بل فوق الصخرة وفوق الباب؟ قال الراعي: ألا زلت جاهلًا فاقد الفهم؟ قلت: إني بحاجة لأن اسألك كل شيء لأني لا أستطيع أن أعي كل هذه الأشياء بمفردي. إن الأمور هذه عظيمة جدًا وممجدة وصعبة الفهم على البشر. 5. قال: إن الأمور هذه عظيمة جدًا وممجدة وصعبة الفهم على البشر. 5. قال لي الراعي: إن اسم ابن الله عظيم لا حد له ويضبط الكل إذا كان ابن الله يضبط الخليقة فماذا تقول عن الذين يحملون اسمه ويلكون حسب وصاياه؟ 6. أرأيت من يحمل؟ إنه يحمل كل الذين يحملون اسمه هو أساس لهم ويحملهم بعذوبة لأنهم لا يخجلون من حمل اسمه.
15- 1. قلت: عرفني يا سيد باسماء العذارى وباسماء النسوة اللواتي يلبسن السواد. قال: إليك ذلك. 2. العذارى الواقفات عند زوايا الباب هن الأولى الإيمان والثانية العفة والثالثة القوة والرابعة طول الآناة. أما اسماء الواقفات بينهن فهن الأولى البساطة والثانية البراءة والثالثة النقاوة والرابعة الصفاء والخامسة الحقيقة والسادسة الفطنة والسابعة التصافي والثامنة المحبة. من حمل هذه الأسماء مع اسم ابن الله يمكنه أن يدخل إلى الملكوت السماوي. 3. إليك أسماء النسوة المتشحات بالسواد. أربعة منهن أكثر قوة من الأخريات. الأولى الكفر والثانية المجون والثالثة التمرد والرابعة الضلال أما الأخريات فهن الغم والخبث والفجور والغضب والكذب والجهل والاغتياب والحقد. من حمل هذه الاسماء من عبيد الله يرى الله إلا أنه لا يدخل الملكوت السماوي. 4. قلت: وما تكون الحجارة التي اقتلعت من قاع اليم واندمجت بالبناء؟ أجاب. الحجارة العشرة الأولى التي وضعت في الأساس هي الجيل الأول، والخمسة والعشرون هي الجيل الثاني من الأبرار والصديقين، أما الخمسة والثلاثون فهم أنبياء الله وخدامه، والأربعون هم الرسول والمبشرون بابن الله والمعلمون. 5. قلت: لماذا يا سيد سلم العذارى هذه الحجارة للبناء وأدخلتها الباب؟ 6. أجاب وقال: لأن هؤلاء هم أول من حمل هذه الأرواح ولم ينفصوا ولا تخلوا عنها. بل بقيت حتى الممات. لو لم تكن هذه الأرواح معهم لكانوا غير جديرين بالدخول إلى البناء.
16- 1. قلت: أريد أن اسألك أمورًا أخرى. قال: ماذا تريد؟ قلت: لماذا أخرجت هذه الحجارة من الأعماق لتوضع في جدران البرج، ما دام الرجال الذين تمثلهم هذه الحجارة كانوا يحملوا في ذواتهم هذه الأرواح؟ 2. أجابني: كان عليهم أن يخرجوا من الماء لينالوا الحياة ولم يكن بامكانهم أن يدخلوا إلى ملكوت السماوات قبل أن يطرحوا الطبيعة الميتة لوجودهم الأول. 3. مع أن هؤلاء البشر كانوا أمواتًا قبلوا ختم ابن الله ودخلوا الملكوت. وقد سبق وقال لي الراعي: الذين لا يحملون اسم ابن الله هم أموات إلا أنهم عندما ينالون الختم يخلعون عنهم الموت ويلبسون الحياة. 4. الختم هو ماء المعمودية. ننحدر أمواتًا إلى الماء ونصعد أحياءً. هؤلاء سمعوا بالختم فاختتموا لكي يدخلوا إلى الملكوت. 5. قلت: لماذا يا سيد صعدت الأربعون حجرًا من الأعماق كالأحجار السابقة؟ مع العلم أن البشر الذين كانت ترمز إليهم قد نالوا الختم؟ قال: إليك السبب. الرسل والمعلمون بعد أن بشروا بابن الله وبالايمان به ورقدوا بالايمان بابن الله وبقوته بشروا أيضًا به أولئك الذين سبقوهم إلى القبر وأعطوهم ختم البشارة. 6. أُنزلوا معهم إلى الماء وصعدوا معهم. نزلوا أحياء وصعدوا أحياء. إذا بالرسل والمعلمين اخذت الأموات الحياة وعرفوا ابن الله. 7. لهذا بعد أن صعدوا معهم أخذوا مكانهم مثلهم في البناء ودخلوا مثلهم إليه بدون صقل أو نحت لأنهم كانوا ينامون في العدالة والنقاوة الكبرى ولم يكن ينقصهم غير هذا الختم. أفهمت هذا التفسير؟ قلت: نعم يا سيد
17- 1. قلت: كلمني يا سيد عن الجبال. لماذا تختلف في الشكل والألوان؟ قال الراي: إن عدد هذه الجبال اثنا عشر وتمثل اثني عشر سبطًا يقطنون كل العالم وقد بُشر هؤلاء بابن الله على أيدي الرسل. 2. قلت: قل لي يا سيد لماذا هذا الاختلاف في الشكل واللون؟ قال: الاسباط هذه التي تقطن هذه الجبال تمثل اثنتي عشرة أمة مختلفة في التفكير والمشاعر ما رأيته في الجبال من اختلاف في الشكل واللون ينطبق تمامًا على اختلاف هذه الأمم بالعقل والتفكير إني سأرشح لك واقع كل أمة من الأمم. 3. قلت فسر لي يا سيد كيف اصبحت الحجارة المقتلعة من هذه الجبال المختلفة الشكل واللون ذات لون واحد عندما بنيت في البرج شبيهة بلون الأحجار المستخرجة من أعماق البحر؟ . 4. أجاب الراعي وقال: لأن كل الشعوب التي تقطن تحت السماء بعد أن سمعت بالبشارة وآمنت حملت اسم ابن الله وعندما ختمت بالختم صارت جميعها بفكرٍ واحدٍ وعقل واحدٍ وإيمانٍ واحدٍ ومحبة واحدة وحملت مع اسم ابن الله روح العذارى لذلك صار البرج بلون واحد مشمع كالشمس. 5. إلا أن البعض دنسوا ذواتهم بعد أن دخلوا البرج لذلك طردوا من عائلة الصديقين وعادوا إلى ما كانوا عليه سابقًا لا بل عاد بعضهم إلى حالة دون الحالة التي كانوا فيها.
18- 1. قلت: كيف يمكن أن يصبحوا دون ما كانوا عليه بعد أن عرفوا الله؟ قال الراعي: إن الذين لا يعرفون الله ويفعلون الشر فهو مجبر على تحاشي الشر وعلى فعل الخير. 2. فما رأيك في إنسانٍ مجبرٍ على فعل الخير ويفعل الشر؟ ألا يكون أكثر إجرامًا من الذين يجهلون الله؟ إذا كان الذين لا يعرفون الله يحكم عليهم بالموت إذا هم أخطأوا، ألا يكون عقاب الذين يعرفون الله، إذا هم أخطأوا، مضاعفًا وموتهم أبديًا؟ بهذه الطريقة تتطهر كنيسة الله. 3. أنك رأ]ت الحجارة التي نزعت من البرج وسلمت إلى الأرواح الخبيثة وطرحت خارجًا. الحجارة التي تنقت صارت واحدًا مع البرج. وهكذا كنيسة الله تصبح واحدة عندما تتنقى من الشرار الخبثاء والمرائين والمشككين. 4. بعد طرد الأشرار تصبح الكنيسة جسدًا واحدًا وقلبًا واحدًا وروحًا واحدًا وإيمانًا واحدًا. حينئذ يتهلل الله فرحًا بين شعبه النقي. 5. قلت: إن هذا لعظيم يا سيد أرجو أن تشرح لي روح ونوع الحياة التي يمثلها كل جبل حتى تتمجد كل نفس وتمجد الله الذي تسمعه وتعظم اسمه. قال الراعي: إليك ما تريد.
19- 1. المؤمنون الذين جاؤا من الجبل الأول الأسود هم العصاة الذين شتموا الله وخانوا عبيده ولا توبة لهم ونصيبهم هو الموت لذلك هم سود. 2. المؤمنون الذين جاؤا من الجبل العاري الثاني هم المراؤون ومعلمو الخبث، يشبهون الأول ولا عدالة يفعلون، وكما كان جبلهم عاقرًا لا ثمر فيه كذلك هم لا ثمر فيهم وإن كانوا يحملون اسم ابن الله. إنهم فارغون من الإيمان، فارغون من ثمار الحقيقة. إذا تابوا التوبة الحقيقية السريعة التي تنتظرهم يخلصون، أما إذا تأخروا فإنهم سيموتون مع من ماتوا. 3. قلت: لماذا يستطيع هؤلاء أن يتوبوا، أما الآخرون فلا ما دام سلوكهم متشابه؟ أجابني لأنهم لم يشتموا الله ولم يضللوا عبيده. إنهم عملوا حسب رغباتهم وادينوا بحسب هذه الرغبات وعلموا الناس وفقًا لرغبات الآخرين لذلك سيدانون ويمكنهم أن يتوبوا لأنهم لم يكونوا خونة ولا شتمة.
20- 1. من الجبل الثالث المليء بالأشواك والمزالق أتى هؤلاء المؤمنون الذين تراهم. بعضهم ثر وبعضهم صاحب أعمالٍ. المزالق تمثل الأغنياء والأشواك تمثل أصحاب الأعمال المتشابكة. 2. هؤلاء لا يخالطون قط عبيد الله أما الأغنياء فيخالطون قليلًا خوفًا من أن يطلب منهم شيء. لا يدخل أحد من هذه النوعية إلى الملكوت السماوي. 4. إلا أنهم يستطيعون أن يتوبوا إذا أرادوا، فإذا تابوا وفعلوا الخير يحيون في الله وإذا لم يتوبوا فسيسلمون إلى النسوة المتشحات بالسواد ليميتوهم.
21- 1. أما الذين جاءوا من الجبل الرابع المكسو بالأعشاب اليابسة عند جذورها من لفح الشمس فيمثلون المتقلبين الذين وضعوا اسم المسيح على شفاههم دون قلوبهم. 2. لذلك لبثت جذورهم لا قوة لها، بقيت كلماتهم حية وماتت أفعالهم. هؤلاء لا هم أحياء ولا هم أموات. إنهم يشبهون المشككين الذين أعشابهم ليست خضراء وليست يابسة وهم لا يحيون ولا يموتون. 3. فكما أن الأعشاب تيبس عندما تلفحها الشمس كذلك المشككون عندما يصابون بالأحزان يذبحون للأوثان ويخجلون من اسم الرب. 4. وإذا أسرعوا وتابوا يمكنهم أن يحيوا أما إذا رفضوا فإنهم سيكونون فريسة لهؤلاء النسوة ينزعن منهم حياتهم.
22- 1. الذين أتوا من الجبل الخامس الوعر حيث الأعشاب الخضراء هم الذين آمنوا إلا أنهم يثرثرون ويعجبون بأنفسهم ويحاولون معرفة كل شيء وهم لا يعون شيئًا. 2. لأن الحكمة قد نأت عنهم بسبب ثرثرتهم وغزاهم الجهل، يمتدحون أنفسهم لحكمتهم ويجعلون نفوسهم فوق الآخريين يعلمونهم وهم الجاهلون. 3. لقد كانوا فارغين فاغتروا. الثرثرة شيطان مخيف أوقعهم في بطلانهم. طرح الكثيرون خارجًا إلا أن بعضهم تاب فأدركوا جنونهم وخضعوا لمن هم أسمى منهم إدراكًا ووعيًا. 4. يستطيع بعضهم أن يتوبوا لأنهم لم يكونوا خبثاء بل جهلاء فإذا تابوا يحيون في الله أما إذا رفضوا فيسقطون مع النسوة اللواتي سببن ضياعهم.
23- 1. ها هم أيضًا المؤمنون الذين جاءوا من الجبل ذي الشقوق الكبيرة والصغيرة حيث نبتت بعض الأعشاب التي ذبلت. 2. الذين يمثلون الشقوق الصغيرة هم الذين يقفون وجهًا لوجه فذبل إيمانهم من كثرة تراشقهم بالكلام الكثير فمنهم من تاب ومنهم من سيتوب عندما يسمعون كلامي. 3. أما الذين يمثلون الشقوق الكبيرة فسيصيرون أكثر خبثًا وسيتراشقون بالتهمات. هؤلاء طرحوا من البرج ورفضوا ويصعب أن يحيوا في الله. 4. فالله الذي بيده السلطان لا يحقد على الذين يعترفون بخطاياهم بل يرحمهم. إنه ليس كالبشر الخطأة الذين يذكرون سيئات الآخرين ويحقدون كأن في يدهم الحياة والموت. 5. إني أقول لكم أنا ملاك التوبة: تخلوا جميعكم عما أنتم عليه وتوبوا فالله يشفيكم من خطاياكم السابقة بشرط أن تتخلصوا من الشيطان وإلا فإنكم ستسلمون بواسطته إلى الموت.
24- 1. ها هم أيضًا المؤمنون الذين أتوا من الجبل السابع حيث الأعشاب الخضراء والنقاوة تملأه الحيوانات وطيور السماء على أنواعها تجدها غذاءها في الأعشاب التي تزداد نموًا كلما رعيت. 2. كانوا دائمًا بسطاءً أبرياءً سعداءً لا يمرمرون بعضهم بعضًا، بالعكس إنهم دائمًا مسرورون يلبسون روح العذارى المقدس ومملؤون بالرحمة نحو الآخرين، يعطون الجميع من عرق جبينهم ودون تردد أو تذمر. 3. وقد رأى الله بساطتهم ووداعتهم الطفوليةـ فأنمى عمل أيديهم وجعلهم يُسرّون به. 4. فإني أقول لكم أنا ملاك التوبة إن أبقوا كما أنتم ولن تفقدوا نمو أعمالكم لأن الله بعد أن امتحنكم سجلكم معنا أنتم وذريتكم وستسكنون مع ابن الله. لقد حصلتهم على قسم من روحه.
25- 1. المؤمنون الذين أتوا من الجبل الثامن حيث الينابيع الكثيرة وحيث كل الخليقة ترتوي من هذه الينابيع. 2. يمثلون الرسل والمعلمين والمبشرين في كل العالم الذين يعظون بكلمة الله ببراءة وشرف دون أن تمر بخاطرهم فكرة شريرة بل يسلكون دائمًا بالعدل والحق كما أخذوا الروح القدس. إن هؤلاء يشتركون في موكب الملائكة.
26- 1. المؤمنون الذين أتوا من الجبل التاسع المليء بالزحافات والوحوش الضارية المفترسة للبشر. 2. هم الخدمة الذين خانوا الأمانة وسرقوا أموال الأرامل واليتامى وخدمتهم كانت لصالح نفوسهم. إذا استمروا مثابرين على تحقيق رغباتهم فإنهم يموتون لا رجاء لهم في الحياة. أما إذا عادوا عن غيهم وخدموا بإخلاص يمكنهم أن يحيوا. 3. أما الذين علاهم الصدأ فهم الذين أنكروا الرب ولم يعودوا إليه بل تحجروا وصاروا قفرًا وابتعدوا عن عبيد الله وراحوا في تيههم يتوغلون فأضاغوا نفوسهم. 4. إنهم كالكرمة المتروكة بدون سياج تموت من قلة العناية يخنقها الشوك وتفقد كل قيمتها عند سيدها. 5. هكذا هؤلاء إنهم لا يصلحون لأي شيء، إلا أن المجال مفتوح أمامهم ليتوبوا شرط ألا يكون قد كفروا بالله في قلوبهم. 6. أما إذا كان هناك من نكر الله في قلبه فلا أدري إذا كان يمكنه أن يعود إلى الحياة. أنا لا أتكلم عن الأيام المستقبلة، إني اتكلم عن الماضي. هؤلاء يمكنهم أن يعودوا إذا هم تابوا وتنكروا لحياتهم الماضية. من ينكر الله لا يستطيع أن يخلص بعد الآن. من أراد أن يتوب عليه أن يفعل ذلك قبل أن ينتهي بناء البرج وإلا فإن النسوة سيقضين عليه. 7. هؤلاء هم الوحوش التي ترى في الجبل. إنهم مخادعون نمامون. فكما أن الوحوش تأكل بعضها كذلك هؤلاء يفترسون بعضهم بعضًا بالنميمة التي ترعى في داخلهم. . يمكن أن يتوب هؤلاء كما تاب بعضهم. أما إذا لم يتوبوا فسيصيبهم من النسوة كما أصاب الآخرين، الموت والدمار.
27- 1. المؤمنون الذين جاءوا من الجبل العاشر حيث تعلوا الأشجار التي تستظلها الخراف. 2. يمثلون الأساقفة ورجال الضيافة الذين يقبلون بفرح وابتهاج ضيوفهم خدام الله. هؤلاء الأساقفة جعلوا خدمتهم ملجأ الغرباء والأرامل وسلكوا حياة مقدسة. 3. هؤلاء سيظللهم الله دائمًا وهم ممجدون عنده ومجلسهم مع الملائكة إذا هم ثابروا على خدمته.
28- 1. المؤمنون الذين أتوا من الجبل الحادي عشر وقد غطتهم الأشجار يحملون الأثمار المختلفة. 2. هم البشر الذين تحملوا من أجل المسيح وكرسوا كل ما قلبهم من الغنى والعواطف من أجل الآخرين حتى التضحية. 3. قلت: لماذا تمتاز بعض الأشجار بثمارها مع أنها تحمل جميعها الثمر ذاته؟ اصغ، قال الراعي: الذين تألموا من أجل اسم ابن الله تمجدوا أمام الرب وأمحت خطاياهم لأنهم تألموا من أجل ابنه. تسأل لماذا هذه الفروقات المختلفة في الثمار التي ترمز إلى حياتهم. 4. إليك السبب. من تقدم إلى القاضي وخضع لاستجواب مرير وثابر على إيمانه ولم ينكر الله بل حمل الآلام من اجل ابنه يحظى عند الرب بمجد عظيم. هناك من يتردد في قبول الآلام من أجل ابنه، وقد تردد البعض ولم يقبلوا أن يتألموا إلا بعد أن عاشوا حياة التردد وسألوا نفوسهم مرارًا وتكرارًا وانتهوا أخيرًا إلى الثبات في إيمانهم. هؤلاء حملوا ثمار إيمانهم إلا أن هذه الثمار كانت أقل رونقًا وجمالًا من ثمار الذين ما ترددوا قط. أي خاطر نكراني يمر في قلب الإنسان يعتبر خطيئة. 5. فأنتم يا من خطر ببالكم هذا الخاطر حاولوا أن تبعدوه عنكم لئلا يتأصل في قلوبكم. إنه يجعلكم أمواتًا بالنسبة لله. عليكم أنتم الذين تألمتم من أجل المسيح أن تقوموا بأعمال خيرية لأنه أهّلكم لأن تتألموا من أجله وأعطاكم موهبة شفاء خطاياكم. 6. اعتبروا أنفسكم سعداء وثقوا بأنكم قمتم بعمل عظيم بتألمكم من أجل الله. أيهبكم الله الحياة ولا تفكرون به؟ إن ثقل خطاياكم يكفي لسحقكم ولولا تألمكم من أجل اسمه لمتم. 7. إني أكلم الذين يعرفون إذا كان يجب أن يؤمنوا بالله أو أن ينكروه. إذا أردتم أن تبقوا بعيدين عن السجون فآمنوا أن لكم معلمًا. 8. إذا كانت الأمم تعاقب العبيد الذين أنكروا تعاليمها فما قولكم بالرب. ابعدوا عن قلوبكم كل تردد لكي تحبوا الله.
29- 1. المؤمنون الذين جاءوا من الجبل الثاني عشر الأبيض يشبهون الأطفال الذين لا يعرفون شيئًا عن الشر ولا عن الخبث وقد احتفظوا بوداعة الطفولة طوال حياتهم. 2. هؤلاء سيقطنون بكل تأكيد الملكوت السماوي لأنهم ما شذوا قط عن تعاليم الله بل حافظوا عليها وعلى وداعة طفولتهم وبراءتها. 3. إنكم أنتم الذين سلكتم هذا الطريق وكنتم كالأطفال ستتمتعون بالمجد العظيم. الأطفال جميعهم ممجدون أمام الله وهم الأول في عينه. إنكم سعداء أنتم الذين ابتعدتم عن الشر لتلبسوا لباس البراءة. إنكم أنتم أول من يحيا بالله. 4. عندما أنهى الراعي ما ترمز إليه الجبال سألته: فسر لي يا سيد معنى الحجارة التي اقتلعت من السهل وحلت محل الحجارة التي طرحت من البرج، حدثني عن الحجارة المستديرة التي قبلت في البناء والتي لا تزال مستديرة.
30- 1. قال: سأشرح لك كل هذه الأمور. الحجارة التي اقتلعت من السهل وحلت محل الحجارة التي طرحت من البرج هي من أساس الجبل الأبيض. 2. المؤمنون الذين جاءوا من هذا الجبل كلهم أبرياء ومعلم البناء وضع في البناء الحجارة المستخرجة من جذور هذا الجبل. كان يعرف أن الحجارة ستبقى على نقاوتها حتى بعد دخولها في البناء وستحافظ على بياضها الناصع ولن يتحول منها حجر فيسود. 3. فلو قدر له أن يضيف إلى البناء أحجارًا مستخرجة من الجبال الأخرى لكان عليه أن يفحص البرج مرة ثانية وينقيه. كل هؤلاء البشر كانوا جميعًا ناصعي البياض، الذين اعتنقوا الإيمان والذين سيعتنقونه لأنهم جميعًا من طينة واحدة. إنها طينة سعيدة لبراءتها. 4. إليك لماذا وجدت مستديرة. إنها تمثل البشر الأثرياء الذين أغبرت أعين إيمانهم دون أن يتركوا الله ولم يخرج من فمهم كلام بطال بل الكلام الموحي بمحبة العدالة والحقيقة. 5. عرف الله إمكانات هؤلاء في عمل الخير لذلك سحق غناهم، لا كله، وترك الباقي ليفعلوا هم الخيرات المفروضة عليهم. هؤلاء يعيشون من أجل الله لأنهم من طينة جيدة لهذا نحتت الحجارة التي ترمز إليهم ثم وضعت في جدران البرج.
31- 1. أما الحجارة الأخرى التي بقيت مستديرة ولم تدخل في البناء فتمثل البشر الذين لم يحصلوا على الختم فأُعيدوا من حيث أُخذوا. كانت الحجارة المستديرة أكثر مما يلزم. على هؤلاء أن يطرحوا ملذات العالم الناتجة عن غناهم البطال وبهذه الطريقة فقط يمكنهم أن يكونوا من أبناء الملكوت وأن يدخلوه. أنهم من طينة باركها الله. 2. ولن يهلك أحد من هذه الطينة. وإذا كان قد هفا أحدهم فإنه سيعود عاجلًا إلى الرب. 3. أنا هو ملاك التوبة. إني أحترمكم لأنكم أبرياء كالأطفال، إن حظكم ثمين عند الله. 4. أنصحكم بأن تبقوا، أنتم الذين قبلتم الختم، على بساطتكم وأن تنسوا الإهانات ولا تتشبثوا في خبثكم وفي حمل مشاعر الشتائم والسباب والحقد المر وأن تكونوا جميعًا بروح واحدة وتبتعدوا عن روح الفرقة البغيض الذي يرهقكم وهكذا تسرون راعي القطيع. 5. رؤية الخراف أصحاء مخلصي يسره كثيرًا، يا لتعاسة الرعاة إذا ضل البعض. 6. ماذا لو ضل الرعاة. ماذا يجيبون عن ضلالة الرعية؟ أيدعون أنهم كانوا ضحية عنمهم؟ لا أحد يصدقهم، فمن غير المعقول أن تسيء الأغنام إلى رعاتها. إن قصاصهم سيكون قاسيًا. أنا راع أيضًا وعليَّ أن أقدم عنكم حسابًا.
32- 1. اشفوا قبل أن يتم بناء البرج. 2. الله يقطن في الرجال المحبين للسلام لأن السلام عزيزٌ عنده، إنه يقف بعيدًا جدًا عن المخاصمين والأشرار. وأُعيدوا إليه أرواحكم كما أخذتموها نقية خالية من كل دنس. 3. ألا نمطر الخياط بالباب إذا أسلمناه ثوبًا جديدًا فأعاده إلينا ممزقًا. أنقبل أن نستلمه منه؟ ألا نقول له إنا سلمناك ثوبًا جديدًا فكيف تعيد إلينا ثوبًا ممزقًا؟ أيصلح لشيء بعد أن تمزق؟ 4. هذا حالنا مع الله. لقد سلمنا روحًا نقية أنعيدها إليه ملطخة مدنسة. ما هو موقفه منّا؟ ألا يحكم علينا بالموت بسبب ذلك؟ 5. قلت: لا شك أنه سيعاقب كل من امتلأ قلبه بالحقد. قال الراعي: لا تدوسوا إذا غفرانه تحت أقدامكم عليكم أن تشكروه وأن تصبروا وأن تتوبوا فأنتم بحاجة إلى التوبة.
33- 1. كل ما كُتب كتبته أنا الراعي ملاك التوبة وفسرته لخدام الله فإذا آمنتم وأصغيتم إلى كلامي وعلمتم به، إذا قومتم طرقكم تنالون الحياة. أما إذا ثابرتم على شروركم ومشاعركم فلن يعيش أحد منكم. علي أن أقول لكم ذلك. لقد تم كل شيء الآن. 2. قال لي الراعي: هل سألتني عن كل شيء؟ قلت نعم يا سيد، قال: لماذا لا تسألني عن الحجارة التي ملأنا حفرها وقومنا شكلها عندما كانت في البناء؟ قلت: نسيت ياسيد. 3. قال: اصغ لما سأقوله لك عن هذه الحجارة. إنها تمثل البشر الذين تابوا توبة قلبية بعد أن سمعوا كلامي. عندما رأى المخلص أن توبتهم كانت جديدة وصادقة أمر أن تمحى خطاياهم الماضية. أما أشكال هذه الحجارة الناقصة فمثل مظاهر خطاياهم وقد سويت ولن تظهر بعد إن أمحت الخطايا.
المثل العاشر
1- 1. عندما انتهيت من كتابة هذا الكتاب جاء الملاك الذي أسلمني إلى الراعي وجلس فوق السرير ووقف الراعي من عن يمينه ثم دعاني وقال لي: 2. أسلمتك وأسلمت بيتك إلى هذا الراعي حتى تحتمي به. قلت: نعم يا سيد. قال: إذا كنت تريد في الواقع أن تحتمي به فيقيك من كل الضربات والمعاملات السيئة، وان تفلح في أعمالك الصالحة وفي فضيلة العدل فسر حسب أوامره التي أعطاها لتتمكن من التغلب على كل شيء. 3. إذا طبقت أوامره فكل رغبة تخضع لإرادتك وتتحكم بكل لذة من ملذات العالم وسيكون نصيبك الفلاح في كل عمل تقوم به. احتضن تواضعه وكماله وقل للجميع عن الشرف والكرامة التي عند الرب له وعن قدرته في الخدمة عن رئاسته لقوة عظيمة. له أعطي سلطان المغفرة. ألا يظهر لك أنه قوي؟ إنكم تحتقرون كماله ولطفه الذي يظهره لكم.
2– 1. قلت اسأل الراعي إذا كنت قد اسألت إليه أو خنته طوال مكوثه في بيتي. قال الملاك: إني أعرف أنك لم تفعل شيئًا ولن تفعل ما يخالف وصاياه ولهذا أقول لك ذلك حتى تبقى عفيفًا. لقد كلمني عنك كلامًا حسنًا وعليك أن تنقل للآخرين هذا الكلام فيفكر الذين يفكرون بالتوبة ما تفكره أنت وينقل لي عنهم ما نقله عنك وأنا سأنقل ذلك إلى الله. 3. أرجو ن يتوب كل من أخطأ سابقًا فور سماعه لكلامي فينال الحياة. 4. ثابر على هذه الخدمة ومارسها. الذين يطبقون وصاياه يهربون من الحياة ويسلكون من طريقًا مخالفًا لطريقته ويسلمون أنفسهم للموت.
3– 1. لقد أرسلت العذارى ليقمن معك لأني رأيت أنهن يملن إليك. إنهم سيساعدنك لتتمكن من المحافة على الوصايا محافظة جيدة فحفظ الوصايا لا يتم بدونهن. أرى أن العذارى مسرورات بوجودهن عندك وإني أنصحهن بألا يتركن بيتك. 2. إن بيتك نظيف وهن يحببن البيوت النظيفة لأنهم نقيات طاهرات وظوتهن عظيمة عند الله. إذا استمر بيتك على نظافته بقين عندك أما إذا تلطخ فلا شك أنهن سيتركنه. 3. قلت: أرجو يا سيد أن اعجبهن فيبقين في بيتي إلى الأبد. فكما أن من أعطيتني لم يتذمر ولم ينزعج مني كذلك العذارى فلن يتذمر قط. 4. قال الملاك للراعي: أرى أن عبد الله هذا يريد أن يحيا وأن يحافظ على هذه الوصايا وأن يبقى العذارى في بيت نظيف نقي. 5. بعد أن قال الملاك هذا أسلمني أيضًا إلى الراعي ودعا العذارى وقال لهن: إني أوصيكن به وببيته. فقبلت العذارى مسرورات.
4– 1. قال لي الملاك: قم برسالتك حق القيام وأذع على الناس عظائم الله وستلقى استحقاقك من جراء خدمتك. من يتبع وصاياك يتمتع بحياة ووجود مغبوط. أما الذين يهملونها فأنهم لا ينالون الحياة وسيشقون في حياتهم. 2. قل للجميع بأن يستمروا في فعل الخير ولا يترددوا أو يتراجعوا. خير لهم أن يفعلوا أفعالًا صالحة. إني أقول إن الإنسان يجب أن ينتزع نزعًا من الشقاء. من احتاج في يومه يشعر بعذاب شديد. 3. من انتزع نفسًا من العذاب يوقظ في داخله عالمًا من السرور. ألم الغارقين في عذاب الفاقة يفوق الأنين الذي يصعد السجين المثقل بسلاسل الحديد. الكثيرون ينقادون إلى الموت لعدم امكانهم تحمل الفاقة والشقاء. إذا رأيت إنسانًا غارقًا في البؤس ولم تنقذه فإنك ترتكب خطيئة كبيرة وتكون مسؤولًا عن موته. أفعلوا الخير أنتم الذين أعطاكم الله خيراته ولا تترددوا خوفًا من أن ينتهي بناء البرج. بناء البرج توقف بسببكم. إذا لم تسرعوا في عمل الخير فسيتم بناء البرج وستبقون أنتم خارجًا. 5. بعد أن كلمني هذا الكلام نهض الملاك واقفًا من عن السرير واصطحب الراعي والعذارى وانسحب ووعدني بأن يعيد إليَّ الراعي والعذارى ليقطن معي في بيتي.
أمثال كتاب الراعي لهرماس – الجزء الثاني
أمثال كتاب الراعي لهرماس – الجزء الأول
أمثال كتاب الراعي لهرماس – الجزء الأول
أمثال كتاب الراعي لهرماس – الجزء الأول
المثل الأول
قال الراعي: إنكم يا عبيد الله تعرفون أنكم تقطنون أرضًا غريبةًا وأن وطنكم بعيدًا جدًا وليس ههنا. لماذا تقتنون الحقول الواسعة والعمارات الكبيرة والقصور والأبنية والبيوت ما دمتم تعرفون أن المدينة التي ستستوطنونها ليست هنا. 2. من يهيء نفسه لهذه الحياة يصعب عليه أن يعود إلى مدينته الحقيقية. 3. ألا تعرف أيها الشاك الشقي الجاهل أن الأشياء التي هنا كلها غريبة عنك وأن غيرك يتسلط عليها؟ سيقول لك سيد هذه المدينة لا أريدك أن تكون من مواطني مدينتي. أخرج ما دمت لا تدين بنواميسي. 4. ماذا تفعل أيها المالك للحقول الواسعة والعمارات الكبيرة والثروة الضخمة بحقولك وعماراتك وثروتك إذا طردك سيد المدينة. سيقول لك سيد المدينة بحق، إن مدينتي هي لك إذا حافظت على شريعتي أما إذا رفضت فإن أبوابها مقفلة في وجهك. 5. ماذا ستفعل يا صاحب الناموس الإلهي، أتنكر ناموسك الحقيقي لتتبع ناموس المدينة هنا؟ احذر لئلا يقودك تنكرك لناموسك الحقيقي فأبواب مدينتك الحقيقية ستكون موصدة في وجهك. 6. احذر أن تقتني أكثر مما أنت بحاجة إليه وأنت في أرض غريبة وكن مستعدًا للساعة التي سيطردك فيها سيد البلاد لعدم طاعتك لشريعة مملكته وحتى إذا ما ذهبت إلى مدينتك تكون فرح القلب لا تأسف على شيء. 7. انتبهوا يا معشر عبيد الله، أنتم يا من جعلتم الله في قلوبكم وأتممتم أعمال الله متذكرين وصاياه. 8. اشتروا الأرواح المعذبة بدلًا من الأبنية، زوروا الأرامل والأيتام ولا تحتقروهم. هذه هي الأرض التي يجب أن تصرفوا من أجلها أموالكم والكنوز التي أعطاها الرب لكم 9. لم يعطك الله الثروة إلا لتنفقوها في هذا السبيل. الأفضل لكم أن تشتروا الحقول والعمارات والممتلكات التي ستجدونها عند رحيلكم إلى وطنكم الحقيقي. 10. هذا هو الغني الجميل المقدس الذي لا يسبب لا الغم ولا الأحزان. انه لا يسبب إلا الفرح. لا يغرنكم غني الوثنيين. انه غني يسبب لكم الويلات ويحمل اليكم المصائب 11. اجمعوا الثروة التي تناسبكم، الثروة التي تهب لكم الغني. تجنبوا الاغتصاب واحذروا أن تشتهوا شيئًا يخص الآخرين. شر هو اشتهاء ما للغير. أعمل عملك فتخلص.
المثل الثاني
بينما كنت أتمشى باتجاه الحقل الذي يخصني رأيت كرمة ودردارة. وبينما كنت أفكر بهذه الأشجار وبثمارها ظهر الراعي وقال لي: أية أفكار توحيها إليك هذه الكرمة وهذه الدردارة؟ قلت إني أفكر يا سيدي كيف تنسجمان معًا. 2. قال: إنها موجودتان ههنا لتكونا مثلًا لعبيد الله. قلت وأي مثل تستطيعان أن تقدماه؟ قال: أترى الكرمة وشجرة الدردار؟ قلت: نعم إني أراهما. 3. قال: هذه الكرمة تثمر أما الدردارة فلا، إنها لا تصلح إلا الخشب. الكرمة إذا بقيت ممددة على الأرض ولا تتسلق أغصان الدردارة فثمرها يبقى قليلًا وما تحمله إذا بقي ممددًا فوق الثرى يهترئ. إلا أن أغصان الكرمة إذا تسلقت أغصان الدردارة فثمرها يكون من صنع الكرمة والدردارة معًا. 4. أرأيت أن الدردارة لا تعطي ثمرًا أقل من ثمر الكرمة. قلت: كيف يمكن أن تعطي شجرة الدردار ثمرًا كالتي تعطيه الكرمة. قال: لأن الكرمة التي تعلو شجرة الدردار تعطي ثمرًا جيدًا وكثيرًا، أما إذا تركت فوق الأرض فإنها تعطي ثمرًا قليلًا ومهترئًا. هذا المثل ينطبق على خدام الله وعلى الفقير والغني. 5. قلت كيف ذلك، عرفني يا سيدي، قال انتبه الغني يملك ثروة كبيرة إلا أنه فقير في خدمة لأن أمواله تستنزف كل تفكيره وأوقاته. الاعتراف بالخطأ والصلاة لا يشغلان الكثير من وقته ويكونان غالبًا مختصرين لا قوة فيهما ليرفعاه إلى الله. أما ذا التصق الغني بالفقير وأعطاه ما يحتاج إليه، فعطيته له باستطاعتها أن تحقق له أجره عند الله. صلاة الفقير واعترافه بخطاياه زاخران بالغنى لصلاته قوة عظيمة عند الله. 6. يعطي الغني للفقير كل شيء وبدون تردد، أما الفقير الذي يعطيه الغني فإنه يعطيه شكر الله عما أعطاه. هكذا يضاعف الغني اهتمامه بالفقير ليبقى في شركة دائمة مع حياته لعلمه أن صلاة الفير غنية ومقبولة عند الله. 7. الغني والفقير يتمان عملًا واحدًا، هذا بالصلاة، وهي ثروته التي اخذها من الرب ويقدمها للرب مختارًا، وذاك بماله الذي أعطاه الرب ليعطي المحتاج بدون تردد وهكذا يتم عملًا عظيمًا يرضي الله لأنه استعمل ثروته بتعقل وروية واستخدمها لصالح الإنسان وحقق إرادة الرب. 8. شجرة الدردار تظهر لأعين الناس شجرة غير مثمرة لكنهم لا يعرفون أن شجرة الدردار، في حالة الجفاف، تهب الماء للكرمة وتضاعف ثمارها. وكذلك الفقراء فإنهم بصلواتهم لله من أجل الأغنياء يعطون ثروتهم ملء قامتها، كما أن الأغنياء باعطائهم للفقراء يحققون كمال رغبات نفوسهم. 9. وهكذا يصير الإثنان شركاء في عمل العدل. من فعل ذلك لا يتركه الله بل يكتب اسمه في أسفار الحياة. 10. طوبى للذين يعرفون ويعون ان الله هو الذي يعطي الثروة. مثل هذا الإحساس يجعله يتم عملًا مفيدًا.
المثل الثالث
لقد أراني الراعي عددًا من الأشجار العارية فخلتها يابسة لتشابهها ثم قال لي: أترى هذه الأشجار قلت نعم يا سيدي. فجاوبني قائلًا: الأشجار التي تراها هي مواطنو هذا العالم. 2. قلت: لماذا يا سيدي هي يابسة ومتشابهة؟ قال: لأن الصديقين والخطاة لا يظهرون كل على حقيقته بل جميعهم يتشابهون في هذا الدهر. هذا الجيل هو جيل الشتاء للصديقين ولا يتميزون عن الخطأة الذين يعيشون بينهم. 3. تفقد الأشجار في الشتاء أوراقها وتصبح متشابهة كليًا ويصعب التمييز بين الأشجار الميتة والأشجار الحية وهكذا لا يمكن التفريق في هذا الجيل بين الصديقين والخطأة وجميعهم يتساوون.
المثل الرابع
ثم أراني عددًا آخر من الأشجار بعضها مغطى بالأوراق وبعضها يابس وقال: أترى هذه الأشجار؟ قلت: نعم يا سيدي إني أراها فمنها المورق ومنها اليابس. 2. قال لي: الأشجار المورقة هي الصديقون المؤهلون لسكنى الجيل الآتي. والجيل الآتي هو الصيف للصديقين والشتاء للخطأة. عندما تشرق رحمة الرب سيظهر الذين يعملون لله. 3. كما أن ثمار الأشجار تظهر في الصيف وكل شجرة تعرف ثمارها، كذلك الصديقون المثقلون بأوراق ظليلة سيعرفون من ثمارهم. 4. أما الوثنيون والخطأة الذين ترمز إليهم الأشجار اليابسة فإنهم سيظهرون في الجيل الآتي عاقرين يابسين وسيلقون في النار ويحرقون لأن أعمالهم كانت شريرة. 5. فكن أنت مثمرًا حتى تعرف في الجيل الآتي من ثمارك. إياك والأعمال المتعددة لأن الذين ينهمكون في أعمالٍ كثيرة يخطئون وتصرفهم أعمالهم عن خدمة الله. 6. أيستطيع مثل هذا الإنسان المنهمك بأشغاله الكثيرة أن يخدم الرب؟ الذين يخدمون الرب ينالون سؤلهم أما الذين لا يخدمونه فلا. 7. إذا انحصر الإنسان في عملٍ واحدٍ يمكنه أن يخدم الرب لأن روحه تبقى بإتجاه الله ولها حريتها في خدمته. 8. إذا فعلت كذلك فإنك تستطيع أن تحمل ثمارًا للجيل الآتي ومن فعل كذلك فإنه يثمر.
المثل الخامس
1- 1. كنت صائمًا، وكنت فوق جبل وكنت أقدم شكري لله، من أجل الأفعال التي فعلها من أجلي، فرأيت الراعي يجلس إلى جانبي وقد بادرني قائلًا: لماذا بكرت وأتيت إلى هنا؟ قلت: لأني أحترس. 2. قال: ماذا تعني؟ قلت: إني صائمُ يا سيد. قال: وما هذا الصيام الذي تصومه؟ قلت: إني أصوم يا سيد حسب طريقتي. 3. قال: إنك لا تعرف أن تصوم الصوم الذي يرضي الرب، والصوم الذي تصومه لا يرضي الله ولا يفيدك. قلت: لماذا يا سيد؟ قال: الصوم الذي تصومه ليس بصومٍ، إني سأعلمك معنى الصيام الكامل المقبول لدى الرب. 4. انتبه إن الله لا يريد صيامًا بطالًا كهذا الصوم وإنك لا تفعل شيئًا عادلًا إذا صمت كما تصوم. 5. صُم للرب هذا الصوم. لا تصنع الشر واعمل بقلبٍ نقي وحافظ على وصايا الله وسِر حسب أوامره ولا تدخلن إلى قلبك رغبنة شريرة وآمن بالله. فإذا فعلت ذلك وخشيت الله تكون قد صمت صيامًا عظيمًا مقبولًا عند الله.
2- 1. إليك مثل أسوقه لك عن الصوم. 2. كان لإنسان حقل وعبيد وقد زرع قسمًا منه كرمًا واختار له عبدًا أمينًا يحترمه ولما دعاه قال له: خذ هذا الحقل الذي غرسته وسيجه حتى أعود ولا تفعل غير ذلك حافظ على وصيتي فتحيا حياة سعيدة في بيتي. ثم سافر سيد الحقل إلى مكانٍ بعيدٍ. 3. فأخذ العبد بعد سفر سيده بتسييج الحقل وعندما أنهى عمله رأى أن الحقل مليء بالأشواك. 4. ففكر في نفسه وقال: ها أنا قد أتممت العمل كما أمرني سيدي فلماذا لا أفلح الكرم وأنقيه من الأعشاب ليصبح جميل المنظر وتزداد ثماره؟ وبالفعل فلح العبد الكرم واقتلع منه الأشواك الخبيثة فصار الكرم جميلًا خاليًا من الأعشاب التي كانت تعيق نموه. 5. بعد مضي وقت طويل عاد سيد الحقل وذهب لزيارة أرضه فوجد أن الكرم لم يكن مسيجًا فقط بل ومفلوحًا فلاحة حسنة ومنقى من الأعشاب المضرة والدوالي مليئة بالعناقيد، فدهق من عمل عبده واعجب. 6. فاستدعى ابنه الحبيب ووريثه وكل المستشارين أصدقائه وأخبرهم بالأمر الذي أمر عبده به والأفعال التي رأى عبده قد فعلها بعد عودته فهنأ هؤلاء العبد على الشهادة التي نالها من سيده. 7. وقال لهم السيد: لقد وعدت هذا العبد بحريته إذا أتم أوامري إلا أنه لم يتمم أوامري فحسب بل عمل أكثر بكثير مما أمرته به لذلك فسأجعله، مكافأة على أعماله، شريكًا مساويًا لابني يرث معه لأنه يملك تفكيرًا صائبًا وقد حقق هذا التفكير ولم يهمله. 8. وقد وافق ابن السيد على فكرة والده بجعل العبد شريكًا مساويًا في الارث. 9. وبعد أيام قليلة صنع سيده عشاء وأرسل له الكثير من الأطعمة فلم يحتفظ العبد إلا بما احتاجه ووزع الباقي على رفقائه العبيد. 10. فقبل هؤلاء الأطعمة شاكرين وصلوا من أجله وطلبوا أن تزداد حظوة هذا العبد عند سيده. 11. عندما علم السيد بما فعل فرح فرحًا عظيمًا ودعا أصدقاءه وابنه وابلغهم ما فعله العبد وكيف تصرف بالأطعمة التي أرسلها له. فوافقوا على تصميمه بجعل العبد وريثًا مساويًا لابنه.
3- 1. قلت: إني لا أفهم يا سيدي هذه الأمثلة ولا أعيها فأرجو أن تفسرها لي. 2. قال سأشرح لك كل ما قلته لك. حافظ على وصايا الله لتصير مقبولًا عنده ومستحقًا لتكون من المسجلين في سجل حافظي وصاياه. 2. فإذا فعلت حسنة علاوة على أوامر الله فإنك تحقق مجدًا عظيمًا وتكون ممجدًا عند الله حيث تدعى لتكون. إذا حافظت على وصاياه وأضفت إليها أعمالًا صالحة بتطبيقك لها فإنك تحقق لنفسك الغبطة. 4. قلت: يا سيدي إني أطبق تعاليمك وأسير بموجبها لأنك أنت معي. قال: نعم، إني سأكون معك بسبب رغبتك الصادقة في العمل الصالح وسأكون مع جميع الذين تحركهم الإرادة الخيرة. 5. إن صومك جيد ما دمت تحافظ على وصايا الله. انتبه كيف يجب أن تطبق الصوم. 6. قبل كل شيء احذر من أن يحرك الكلام الشرير الرغبة الخبيثة ونقِّ ذاتك من بطلان هذا العالم إذا اتبعت هذه الوصايا فصومك يكون كاملًا. 7. إليك ما يجب أن تفعله بعد أن تتم ما هو مكتوب ولا تأكل غير الخبز والماء في اليوم الذي تصومه واجمع في ذلك اليوم المال الذي وفرته بسبب صيامك واعطه إلى محتاجيه من الفقراء والأرامل. هكذا تحرم نفسك من شيء يستفيد منه الآخرون فيعيشون ويطلبون لك. 8. إذا صمت كما أقول لك فتضحيتك تصبح مقبولة عند الله فأتم هذا العمل الصالح المرغوب عند الله. 9. هذا ما يجب أن تفعله وتطبقه أنت وأولادك وكل بيتك حتى تكفل الغبطة لنفسك. مغبوطون هم أولئلك الذين يسمعون ويطبقون هذه الوصايا. إنهم يرون صلاتهم ترفع إلى الله.
4- 1. رجوته بحرارة ليفسر مثل الحقل والسيد والكرم والسياج والأعشاب التي اقتلعت من الأرض وابن السيد وأصدقاءه. لقد أدركت أن هذا الأمور كانت كلها رموزًا. 2. فأجبني وقال: إنك ملحاح في سؤالك. عليك أن لا تسأل حتى ولا سؤال واحد. إني أعرف ما الذي تحتاج إلى تفسيره. قلت له: ما فائدة ما تريني يا سيدي إذا كنت لا تفسره لي فأنا لا أدرك ولا أعي ما ترينيه. لو كلمتني بالأمثال دون أن تحللها. وتفسرها فسماعي لها باطل. 3. فأجابني وقال لي كل عبد لله يضح الله في قلبه يهبه الله الوعي اذا طلب منه ذلك. بهذا الوعي يستطيع أن يدرك كل الأمثال ويحللها ويعي كل كلمة يقولها الله، حتى لو كانت رمزًا. أما السقماء والكسالى فإنهم يترددون في الطلب من الله. 4. إن الله كثير الرحمة لذلك يعطي من يطلب منه باستمرار فلماذا لا تطلب أنت الموشح بقوة الملاك المقدس الذي أعطاك موهبة الصلاة ولست بكسولٍ. الفهم من الرب؟ إنه سيهبك ذلك. 5. قلت له: إني أوجه صلاتي لك أيها السيد وأطلب منك أنت لأنك معي دائمًا ولأنك أريتني كل هذه الرؤى وقلت لي هذه الأقوال. لو كنت قد سمعت هذه الامور ورأيتها بدونك لطلبت من الله أن يعطيني موهبة فهمها.
5- 1. إنك لبقٌ ولجوج في سؤالك لتفسير هذه الرموز. وإني لمحقق رغبتك الملحة وسأفسر لك مثل الحقل وما يتبعه ليصير ذلك معروفًا عند الجميع. فأصغ إلى ما سأقوله لك. 2. الحقل هو العالم وسيد الحقل هو خالق الكل ومجهزه ومقويه، أما الابن فهو الروح القدس، وأما العبد فهو ابن الله، وأما الكروم فهي فهم البشر الذي غرسهم. 3. الأسيجة هم الملائكة القديسون الذين يسهرون على شعبه، أما الأعشاب الخبيثة التي اقتلعت من الحقل فهي آثام عبيد الله وأما الأطعمة التي أرسلها الله من مائدة العشاء فهي الوصايا التي أعطاها الله لشعبه بابنه. وأما الأصدقاء المستشارون فهم الملائكة القديسون الذين خلقوا أولًا. وهجرة السيد هي الزمن المتبقي لحضوره. 4. قلت له: يا سيدي كل شيء عظيم وممجد. أيمكنني أنا أن أعي ذلك؟ لا يوجد إنسان مهما بلغ من الوعي أن يعي كل هذه الأمور لذلك أرجوك أن تفسر ما أطلبه منك. 5. قال: تعلّم إذا كنت ترغبلماذا ظهر ابن الله في المثل كعبد؟
6- 1. قال لي الراعي: انتبه إن ابن الله لم يظهر بشكل عبد بل ظهر متشحًا بقدرة عظيمة وسلطان عظيمٍ. قلت: كيغ؟ إني لا أستطيع أن أفهم ذلك. 2. أجابني: إن الله الذي غرس كرمه، أي عندما خلق شعبه أوكل أمره لابنه والابن جعل الملائكة لحمايتهم وهو الذي نقى شعب الله من خطاياهم وقد تعب كثيرًا لأن كل كرمة تحتاج إلى تعب شديد لفلاحتها وتنقيتها. 3. هو الذي نقى خطايا البشر وأرشدهم إلى سبيل الحياة وأعطاهم الناموس الذي تسلمه من أبيه 4. أرأيت كيف أنه سيد البشر وأن أباه أعطاه كل سلطان؟ قلت لك أن السيد قد استشار ابنه والملائكة القديسيين بشأن اشتراك العبد بالميراث. إليك ما يعني ذلك. 5. الروح القدس الذي كان قبل الخليقة الذي خلق كل الخليقة ألبسه اللباس الذي أراده. وهذا الجسد الذي لبسه الروح القدس خدم الروح بكرامه وسلك نقيًا طاهرًا دون أن يسبب له أي دنس 6. وبمسلكه النقي هذا وتعبه من الروح وبتعاونه معه في كل الأمور ماشاه بقوة وشجاعة أراد أن يجعله شريكًا لروحه المقدس. إن مسلك الجسد أعجب الله لأنه لم يتدنس في هذه الأرض وهو يحمل الروح. 7. ولقد استشار الابن والملائكة والممجدين ليعطي هذا الجسد الذي خدم الروح بأمانه كلية مكانًا يستريح فيه لا يبقى اخلاصه بدون مكافأة. كل جسد سكنه الروح وخدمه بخلاص ينال المكافأة بشرط أن يبقى نقيًا طاهرًا خاليًا من كل دنسٍ 8. هذا هو تفسير المثل.
7- 1. لقد أبهجني هذا التفسير يا سيد. قال الراعي: انبته، احفظ جسدك نقيًا بلا دنسٍ حتى ينال شهادة الروح القدس القاطن فيه. 2. احذر أن تأتيك الفكرة بأن جسدك فانٍ ومعد للدمار ولا تفسح المجال لتدنيسه لأنك إذا دنست جسدك دنست روحك وإذا دنست روحك فلن تحيا. 3. قلت ما هو نصيب من فعل ما يدنس جسده قبل سماعه لهذه الكلمات؟ أيمكنه أن يخلص؟ الله هو الذي يشفي الخطايا الحاصلة عن جهلٍ. 4. انتبه الآن. الله الغفور يغفر لك خطاياك السابقة بشرط أن يبقى جسدك الآن بدون دنسٍ. أن ترى الاتصال الوثيق بين الجسد والروح. إنك إذا دنست الجسد دنست الروح فاحفظهم نقيين حتى تحيا لله.
المثل السادس
1- 1. بينما كنت جالسًا في بيتي أمجد الله لكل ما رأيت وأتأمل الوصايا لصلاحها وقوتها وبهائها ومجدها ولمكانتها بتخليص نفس الإنسان قلت في نفسي: إني سأكون من المغبطين إذا سلكت طريقي حسب هذه الوصايا 2. وبينما كنت أفكر بمثل هذه الأمور رأيت الراعي فجأة يجلس إلى جانبي ويقول لي: لماذا التردد حول الوصايا التي أعطيتك. إنها وصايا ممتازة. دع عنك الشكوك واجعل الإيمان بالله وشاحك وسر وفقًا لهذا الإيمان فأنا الذي يعطيك القوة. 3. الذين يحبون أن يتوبوا تنفعهم الوصايا وغير نافعة لمن لا يريد أن يتوب. 4. القوا أيها التائبون خبث هذا الجيل الذي يسحق نفوسكم والبسوا فضيلة العدل فبلبسكم لها تحافظون على الوصايا ولن تقترفوا خطايا جديدة، وبتجنبكم لكل خطية جديدة تتخلصون من كل خطاياكم الماضية. ولتكن وصاياي قاعدة لسلوككم فتحيون لله. أنا الذي كلمتكم بهذا. 5. بعد أن كلمني هذا الكلام قال لي: فلنذهب إلى الحقل لأريك رعاة الأغنام. قلت له: هيا بنا. فأتينا إلى سهل فأراني راعيًا شابًا يلبس لبسًا أصفر. 6. وكان يرعى قطيعًا كبيرًا. كان القطيع يحيا حياة شهوه ويقفز متهللًا من مكان إلى مكانٍ. وكان الراعي راضيًا كليًا عن تصرف قطيعه وكان وجهه يشع فرحًا وكان يتنقل بين القطيع وقد رأيت أيضًا حرافًا أخرى في نفس المكان تلهو ولكنها لا تتهلل.
.
2- 1. قال الراعي: أترى هذا الراعي؟ قلت: نعم يا سيدي. قال: هذا مملاك الشهوة والخداع. إنه يفسد أرواح عبيد الله ويصرفها عن الحقيقة إلى الشهوة الخبيثة حيث تضيع. 2. تنسى وصايا الله الحي وتسلك طريق الشهوات الخداعة البطالة فيضلها الملاك ويقود بضعها إلى الموت والبعض الآخر إلى الفساد. 3. قلت: لا أفهم يا سيدي ما يعني البعض إلى الموت والبعض إلى الفساد. قال انتبه إن الخراف التي تراها تقفز فرحة هي البشر الذين انفصلوا عن الله نهائيًا وتركوا نفوسهم في أيدي شهوات هذا العالم ولا مجال لتوبتهم وعودتهم إلى الحياة لأنهم أضافوا إلى خطاياهم القديمة خطايا جديدة وأهانوا اسم الله. الموت هو نصيب هؤلاء 4. أما الخراف التي تقفز بغير فرح وترعى في نفس المكان فهم البشر الذين غرقوا في الشهوات العالمية ولم يهينوا اسم الله. هؤلاء قد أُصيبوا بفساد منعهم من رؤية الحقيقة وبقي فيهم رجاء التوبة وهي السبيل الوحيد لعودتهم إلى الحياة. 5. الفساد لا ينفي رجاء العودة إلى الحياة، أما الموت فهو الهلاك الأزلي. 5. ابتعدنا قليلًا فأراني راعيًا طويل القامة متوحش الهيئة يلبس عباءة بيضاء من جلد الماعز وعلى كتفيه جرابًا وفي يده عصى ثقيلة معقدة وسوط كبير ولقد أخافتني نظرته القاسية. كانت هذه هيئته. 6. هذا الراعي كان يستلم من يد الراعي الشاب الخراف التي كانت غارقة في الشهوة دون تهلل وكان يضعها في مكان منحضر تملأه الأشواك والعليق. وكانت الخراف تعجز فلا تسطيع أن تتحرر من العليق الذي تمسك بها. 7. وكانت ترعى هناك معذبة جدًا وكان الراعي يضربها بقسوة ويسوقها من مكان إلى مكان دون أن يترك لها المجال للراحة.
3- 1. عندما رأيت الخراف تتعذب تحت لسعات السياط حزنت للعذاب الذي تتعذبه. 2. فقلت للراعي الذي كان يكلمني: يا سيد من يكون هذا الراعي العاتي المتوحش الذي لا تعرف الشفقة سبيلًا إلى قلبه؟ قال: إنه ملاك العقاب. إنه من الملائكة العادلين مكلف بالعقاب. 3. إنه يستلم البشر الذين ضلوا طريق الله وغرقوا في الشهوات والملذات العالمية ليعذبهم حسب خطاياهم ويعاقبهم عقوبات مخيفة متنوعة. 4. قلت: أريد أن أعرف يا سيد مقياس العقوبات الصارمة المتنوعة. قال: إن العذابات والقصاصات المتنوعة حياتية أي تتم في الحياة، يعاقب البعض بالحرمان والبعض بالخسارة والبعض بالأمراض المختلفة والبعض بالتشاؤم التي يكيلها الأشرار لهم والبعض بعدم الاستقرار والبعض بالمعاملة السيئة. 5. كثيرون هم المترددون الذين يحاولون أن يقوموا بأعمال مختلفة فلا ينجحون فينسبون عدم نجاحهم إلى الحظ ويحملون الله مسئولية خيبتهم. 6. وعندما يصابون بالآلام الكثيرة تصير لهم آلامهم مدرسة لثقافتهم فيتقون في الإيمان ويصرفون بقية أيامهم يخدمون الله بقلب نقي وإذا ما تابوا فإن الأعمال الماضية التي ارتكبوها تأتيهم إلى ذاكرتهم ويعرفون أنها هي التي سببت ما أصابهم وما نالوه من عقاب عادل من الله. وينجحون في كل المحاولات التي يقدمون عليها دون أن يمسهم ضرر.
4- 1. قلت له: أشرح لي يا سيدي ما يأتي. قال الراعي: قل ما تريد. هل هناك شيء تريد أن تعرفه بعد؟ قلت: أريد أن أعرف إذا كانت مدة العقاب متساوية مع مدة اللذة التي يقضيها الإنسان في الحياة. قال: مدة اللذة تساويها نقطة العقاب. 2. قلت: إن مدة العقاب قصيرة إذن. العذاب يجب أن يكون سبعة أضعاف للذين يعيشون في النسيان بعيدين عن الله. 3. قال لي: أيها الجاهل إنك لا تعرف قوة العقوبات. لو كنت تدركها لما سألتني هذا السؤال. إليك قوة كليهما. 4. ساعة هي مدة الشهوة والضلال أما ساعة العقوبة فتساوي ثلاثين يومًا. إذا قضى الإنسان يومًا في الملذات والضلال فاليوم يقابله سنة كاملة في العقوبات. أرأيت أن أيام اللذة قصيرة وأيام العقاب طويلة ؟
5- 1. قلت: لم أدرك تمامًا ما قلته لي عن مدة اللذة والضلال من جهة والعقوبات من جهة أخرى. أرجو أن تفسر لي ذلك بإيضاح. 2. قال: انك لا تزال تغرق في جهلك ولا تريد أن تنقي قلبك وتخدم الله. أحذر لئلا يجدك كمال الزمن جاهدًا. انتبه ما دمت تريد أن تعي ذلك. 3. الإنسان الذي يغرق في ملذاته ويشرد في ضلاله يومًا واحدًا ويفعل ما يريده ويلبس الجهل ولا يعرف ماذا يفعل، إنه ينسى في الغد ما فعله في الأمس لأن اللذة والتنعم لا ذكريات لهما لأن الجهل هو الذي سببها بعكس العقوبات والآلام. ذكراها تبقى سنين طويلة حتى لو كان العذاب يومًا واحدًا. ذكرى العقوبات والآلام طويلة. 4. الإنسان الذي يتعذب مدة سنة لابد له أن يتذكر اللذة التي مر بها والضلال الذي وقع فيه وهنا يعرف أن اللذة العابرة هي التي سببت له هذه الآلام الطويلة. كل إنسان يغرق في لذة الشهوات يخضع في مثل هذه العقوبات لأنه يسلم نفسه للموت في الوقت الذي يملك فيه على الحياة. 5. قلت: يا سيد، ما هي الملذات الضارة؟ قال: كل عمل يقوم به الإنسان على أساس الشهوة هو مضر. فالغضوب يحقق لذته بتحقيق غضبه وكذلك النمام والسكير والكذاب والطماع والنهاب. هؤلاء يتنعمون بشهوة تحقيق شهواتهم. 6. كل هذه الشهوات مضرة لعبيد الله وبسببها يتألم المتعذبون المعاقبون. 7. هناك ملذة تخلص الإنسان. الذين يعملون الخير يشعرون بلذة فعلهم وهذه اللذة تكون مفيدة لعبيد الله وتمنح الحياة لمن يتمتع بها. أما الشهوات المضرة التي تكلمنا عنها فلا تجلب إلا المحن والعقاب وتقود إلى الموت إذا استمر صاحبها بعيدًا عن التوبة.
المثل السابع
بعد أيام قليلة رأيت الراعي في السهل حيث كنت قد رأيت الرعاة الآخرين فخاطبني وقال لي: ماذا تريد؟ فأجبته وقلت له: يا سيدي جئتك راجيًا أن يخرج الملاك الديان من بيتي لأنه يعذبني جدًا. قال: يجب أن تتعذب فالملاك العظيم يريد أن يجربك قلت: هل فعلت شرًا حتى أسلمني هذا إلى الملاك؟. 2. قال: إن خطاياك كثيرة ولكنها لا تستحق أن تُسلم بسببها إلى هذا الملاك إلا أن بيتك قد اجترح الخطايا والآثام الكبرى التي مرمرت الملاك العظيم لذلك أمر أن تتعذب ليتوب أهل بيتك ويتنقوا ومتى تنقوا الملاك هذا سيبعد عنك. 3. ما هو ذنبي إذا كان أهل بيتي قد مرمروا الملاك العظيم؟ قال: لا يمكن أن يتألم أولئك إذا لم يروا رب البيت متألمًا. فالملاك يتضطرهم بواسطتك إلى الآلام. أما إذا انتفى عنك الألم فإنهم يشعرون أن المهم قد زال. 4. قلت: ها إن أهل بيتي أيها الملاك قد تابوا من كل قلوبهم. قال: إني أعرف أنهم تابوا من كل قلوبهم لكن أتعتقد أن خطايا التائبين تغفر فورًا؟ على التائب أن يفرض الآلام على نفسه وأن يكون متواضعًا في أعماله وأن يتحمل آلامًا متعددة فإذا تحمل بصبر العذاب الذي يصيبه فخالق الكون يرأف به ويشفيه من كل شروره. 5. لأنه يعرف مكنونات القلوب وينظر إليه ويتفخص نقاوته من صالحك أن تتعذب أنت وأهل بيتك. لماذا كثرة الكلام؟ أمر الملاك الذي أوكل أمرك إليه أن تتألم. عليك أن تشكر الله لأنه بآلامك هذه نبهك وعلمك. 6. قلت: كن أيها الملاك معي دائمًا لكي أستطيع أن أحمل آلامي. قال: إني معك دائمًا وسأطلب من الملاك الديان أن يخفف أحزانك. لابد لك أن تحزن قليلًا لكن ستعود أنت وبيتك إلى الاطمئنان بشرط أن تبقى متواضًعا وتعمل بنقاوة قلب للرب أنت وأهل بيتك. سِر حسب الوصايا التي أوصيتك لتبقى توبتك قوية ونقية. 7. فإذا حافظت على ذلك أنت وأهل بيتك أبتعد عنك كل ألم كما يبتعد عن كل السالكين وفقًا لهذه الوصايا.
